0 تصويتات
65 مشاهدات
في تصنيف علوم العمل الاسلامى بواسطة
بسم الله

عطفاً على سؤالي الذي توجهت به إلى فضيلتكم عن رأيكم ، في الجماعات المعاصرة التي تعمل في حقل العمل الإسلامي ، أكمل السؤال بالجزئية الثانية منه وهي الصوفية كحركة تتفاعل مع قضايا العالم الإسلامي و لها مواقفها وكمنهج تزكوي يهتم بالتربية الإيمانية و ببناء الوجدان .

الصوفية كحركة وكمنهج ما لها وما عليها ؟

6 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، نسأل عن التصوف الحق ، والاجابة مهما طالت فلا توفي حقه ولا تصل إلى غوره ، كيف وهو علم الأولياء والوارثين ، وسلوك الأئمة الربانين ، وغايه الوصول إلى حضرة رب العالمين ، ولكن بإيجاز شديد  [ 1 ] التصوف الحق أعظم حقائق الدين وأجل معارفه ،  و ( التصوف الحق ) : هو القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، و ( التصوف الحق ) اسم يطلق على الطريقة التي يسلكها الصوفي من أجل الوصول إلى الحق تعالى ، و ( علم التصوف ) يطلق على الجانب النظري المتعلق بهذا السفر إلى الله ، و ( سلوك  التصوف ) يطلق على الجانب العملي والسلوكي المتعلق بهذا السفر إلى الله  ، ويتناول المجاهدة المستمرة التي تبدأ بالتخلي عن جميع الصفات الذميمة والتحلي بجميع الصفات الحميدة والتهيؤ للتجلي والدخول على حضرة الحق ، ولا يكون هذا التجلي إلا بالزهد في الدنيا والآخرة ، والفناء عن السوى والأغيار واماتة النفس والرسم في الحق والفناء في الله ومن ثم البقاء بالله ، ولكي يصل الصوفي إلى ذلك لابد له من سفر أول  يبدأ بمنزل اليقظة وينتهى بمنزل الفناء وهو المنزل الثاني والتسعون من منازل السير إلى الله ، ثم يبدأ السفر الثاني بمنزل البقاء بالله ثم التحقيق بصفات الحق ثم الوراثة عن الحق ثم الوجود الحق ثم التجريد بالحق ثم التفريد في الحق ، ثم الجمع بالحق ، ثم التوحيد الحق للحق بالحق ،  إذن التصوف رحلة إلى الحق وأساسها : تزكية النفس وطهارة القلب ، والتخلي عن الصفات الذميمة والتحلي بالصفات الحميدة ، ومداومة ذكر الله مع المحبة لله ، ورعاية آداب الشريعة الظاهرة والباطنة ، و ( التصوف الحق ) طريق إلى المعرفة بالله ، وهو علم راسخ وعمل جاد دائب ، لا محل فيه للهزل واللهو ، وهو أعلى مراتب الدين ، وأهله الكُمل هم الأولياء ، أهل الوراثة عن رسول الله ، والسائر منهم في أول الطريق يسمى ( مريد ) أو ( المبتدئ ) وله منازل أربعين تبدأ باليقظة وحتى الانبساط ، والسائر في منتصف الطريق يسمى ( سالك ) أو ( محب ) أو ( عاشق ) ومنازله ثلاثون تبدأ بالقصد وتنتهي بالذوق ، والسائر في آخر الطريق يسمى (  عارف ) أو ( ولي ) أو ( وارث ) وهذا قد أُذن له في الدخول على حضرة الحق وشهود تجليات الرب الكريم ،  ومنازله ثلاثون تبدأ باللحظ وأعلاها التوحيد الحق للحق بالحق ،  [ 2 ] ( نشأة التصوف ) : وجد التصوف منذ أول آية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم  { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } ، إلى قوله تعالى : { كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى } ، وذلك لأنّ التصوف هو لبّ الدين وثمرته ، وهو تزكية الدين ومنازله ، وهو منزلة الإحسان أعلى منازل الدين ، والعهد المكي كان فترة تحلية وتزكية للوصول إلى مرتبة الإحسان ، وذلك بغرس الأخلاق المحمدية في نفوس الصحابة رضوان الله عليهــــم ، مثل التوبة والخشية والإنابة والصبر والتواضع والمحبة والذكر ، وظل الأمر يسير على هذا النحو إلى أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ، واستمر الصحابة يتدرجون في مقامات الكمال ، بل كان الرجل ما إن يضع يده بيد الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعاً حتى يترقى إلى أعلى المقامات وأسمى الحالات وذلك لقوة نور النبوة ، وظل الأمر كذلك إلى أن انتقل المصطفى إلى جوار ربه ثم جاء التابعون فتربّوا على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان همهم الوصول إلى رضوان الله عز وجل فتزكت نفوسهم بتأثير النور المحمدي الذي سكن قلوب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ، وفي عصر التابعين دخل أناس في الإسلام أي كانوا حديثي عهد بكفر ، ومن جانب آخر فتحت الدنيا على المسلمين فركن البعض إلى الشهوات وحب الدنيا وبدأ البعض يبتعد عن حال السلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أناس أكفاء في ذلك الوقت وما بعدهم يدعون الناس إلى العودة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام أي حالة السلف الصالح وهؤلاء الدعاة هم الصوفية ، دعوا الناس إلى العودة إلى مرتبة الإحسان التي كان يعيشها السلف الصالح ، وتخليص النفس من رعوناتها التي كبلتها وقيدتها عن مشاهدة أنوار الحق ، وتخليص القلب من حب الدنيا وإحياؤه بذكر الله عز وجل ، فقام هؤلاء الأكابر من الرجال بفتح بيوتهم لاستقبال الناس يدعونهم إلى هذا الطريق الراقي طريق الإحسان ، أو التصوف ، وفتحوا المعاهد التربوية أو ما يسمى بـ " الزاوية أو التكية " لملاحظة الناس وتربيتهم عن قرب فكانوا في كل عصر هم نماذج السلف الصالح الذين حافظوا على علم الإحسان وأخلاق المحسنين ، وتزكية المقربين ،  واستطاعوا بصدق توجههم ونقاء سريرتهم أن ينبهوا القلوب الغافلة فيحيونها بأنوار الذكر ، [ 3 ] ( تاريخ التصوف الاسلامي ) مر تقريبا بثلاثة مراحل : ( المرحلة الأولى ) : كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة ، في بدايات القرن الثاني ، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير ، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية كــ ” أبي هاشم الكوفي المتصوف ( ت 105هـ ) والحسن البصري( ت110هـ ) ورابعة العدوية ( 185هـ ) ، ومعروف الكرخي ( ت 200 هـ ) ، وأبو سليمان الداراني ( ت205هـ ) ، والمحاسبي ( ت242هـ ) وذي النون المصري ( ت 245هـ ) ،وأبو الحسن سري بن المغلس السقطي ( ت 251 هـ ) ، وأبو اليزيد البسطامي ( ت263هـ ) ، وأبو القاسم الجنيد سيد الطائفة ، قال عنه أبو عبد الرحمن السلمي : «هو من أئمة القوم وسادتهم؛ مقبول على جميع الألسنة» ، ( ت 297 ) ، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف ، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد ، وبداية التمييز عن علماء الفقه ، بعلم التزكية والتصوف ، و ( المرحلة الثانية ) : وهي المرحلة التي  ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف ، أبو نصر السرّاج الطوسي ( ت378هـ ) في كتابه اللمع في التصوف " و" أبو بكر محمد الكلاباذي ( ت380هـ ) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف" و" أبو طالب المكي ( ت386هـ ) في كتابه قوت القلوب" و" أبو القاسم القشيري ( ت465هـ ) في الرسالة القشيرية" وهي من أهم الكتب في التصوف و" الغزالي ( ت505هـ ) في كتابه الإحياء أشهر كتب التصوف وأجمعها ، و ( المرحلة الثالثة ) : وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية على يد الربانيين من أهل التصوف ،  [ 4 ] ( سبب انكار البعض على التصوف ) : التصوف ليس حروفاً تكتب إنما هو أحوال ومقامات وأذواق فلا بد أن يعيشها الإنسان كي يدركها ، لهذا أنكر البعض على التصوف وعلى من ينتسبون إليه ، وإنكارهم سببه أنّ أكثر معارف الصوفية ليست فقهاً يكتب فـــي السطور أو في مؤلفات الفقهاء إنما هي أحوال ومقامات ومنازل ، يتذوقها ويحس بها من أراد الله تعالى أن يشرح صدره لمنازل هؤلاء الاكابر ، لقد جاء علم التصوف ليرسم منهجاً عن طريق مجموعة من القواعد والآداب للوصول إلى هذه الأحوال والمقامات ومن ثم منازل الإحسان ومراتب السابقين ، إنّ التصوف بلفظِهِ لم يكن في زمنِ النبي أما ماهيتُهُ ومضمونُهُ ومَدارُهُ واستمدادُهُ وهيئتُهُ فليسَ إلاَّ الدينُ الكاملُ الذي جاءَ بهِ الرسولُ الأعظمُ ، ويشتمل على علوم الإسلام جميعا ، وكان الصحابة والتابعون على دراية بهذه العلوم ينقلونها للناس يعلمونها لهم دون فصل بينها ، وبعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين ، ودخول الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية ، وبالقلب والهمة ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم على تدوين علم التصوف ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص ، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، [ 5 ] ( التصوف الحق ) : هو التصوف الحقيقي المستمدة أصوله وآدابه من القرآن والسنة ، فإن شئت أن تطلق عليه علم التزكية أو علم الإحسان ، أو علم التصوف ، فإن الأسماء لا تغير حقائق المسميات ،  ويتمثل في : سلوك معرفة الله لا عن طريق القراءة للكتب ، ولكن عن طريق المجاهدة وإدمان الذكر والتخلية والتحلية والتزكية للنفس والقلب ، وحمل الجوارح والجوانح على عبادة الله وطاعته ، مع المحبة والخوف والرجاء والشوق إلى بلوغ مقام لا حدود له من حب الله جل وعلا والحرص على رضاه ، ولا يمنع ذلك من العمل لدين الله والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الاصلاح ، فإن هذا من أصول الدين وأهم أعماله ، [ 6 ] التصوف علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها ، والتصوف الإسلامي هو تربية علمية وعملية للنفوس وعلاج لأمراض القلوب وغرس الفضائل واقتلاع الرذائل وقمع الشهوات وتدريب على الطاعات ، والتصوف لا يعدوا أن يكون جهاداً عنيفا ضد الرغبات ليصل الإنسان إلى منازل الإحسان ، أعلى أركان الدين  (( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، والتصوف منهج يقوم على ( التخلية ) و ( التحلية ) ، تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من  الأخلاق السيئة ، وتحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة ، وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص ، وطريق التصوف هو الاجتهاد في العبادات والقربات والمسارعة في الخيرات ، مع اجتناب المنهيات والمكروهات ، وتربية النفس على طاعة الله وجهادها على دوام ذكر الله ، وتطهير القلب من مساوئ الأخلاق ، ودسائس الطباع ، وتحليته بأحسن الأخلاق مع الله ومع الناس ، وكل ما سبق يحويه ما أسماه أصحابه  بـ ( علم التصوف ) ، بينوا أصوله وفروعه ومناهجه الربانية في بلوغ مراتب الصديقين والمحسنين والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، [ 7 ] التصوف هو الجانب الروحي في الإسلام ، وهو للدين بمثابة الروح للجسد ، فكما ان الجسد لا قيمة له بغير الروح فيموت ويتحلل ، فكذلك التصوف هو روح الدين ، يبدا من مرتبة الإسلام متمثلا في منازل التسليم والانقياد والخضوع والتعظيم ، ثم مرتبة الإيمان متمثلا في منازل المحبة والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر ، ثم مرتبة الإحسان متمثلا في منازل الصدق ، والإيثار ، والتواضع ، والتقوى ، والفقر إلى الله ، والغنى بالله ، والعلم بالله ، والحكمة ، والبصيرة ، والسكينة ، والطمأنينة ، والهمة ، والغربة ، والمكاشفة ، والمشاهدة ، والمعاينة ، ثم مرتبة الوراثة عن احوال ومنازل ومعارف النبي صلى الله عليه وسلم العالية ، كمنازل : المعرفة ، والتحقيق ، والتجريد ، والتفريد ، والجمع ، والتوحيد ،  و إذا كان الزهد في الدنيا من معاني التصوف ، فإن ذلك لا يعني أن التصوف مقصور عليه ، بل التصوف هو تحقيق لروح الإسلام ، فلا يمكن فصله عن الإسلام إلا كما يُفصل الروح عن الجسد ، وآنذاك يموت الجسد ويتحلل ، [ 8 ] العقيدة والشريعة والحقيقة ثلاثة جوانب للدين تمثلها علوم الدين الأساسية الثلاث : علوم الاعتقاد والفقه والتصوف ،  وكما هو معلوم لطالب العلم أنّ : مراتب الدين ثلاثة : هي : ( الإسلام ، الإيمان ، الإحسان ) ، وعلوم الدين الأساسية إن تدبرناها ثلاثة : ( علم الفقه ، وعلم العقيدة ، وعلم التصوف ) ، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم مرتبة الإسلام ، ومثلما اهتم علم العقيدة بمرتبة الإيمان ، فإن التصوف اهتم بتحقيق مرتبة الإحسان  ، وهو أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وهو علم عظيم له مباحثة القائمة على الكتاب والسنة وجهود علمائه في فهم أدلة الكتاب والسنة ، وكما أنه من الخطأ أن نقول ( الفقه مذهب إسلامي ) أو ( العقيدة مذهب إسلامي ) فكذلك من الخطأ أن نقول ( التصوف مذهب إسلامي ) ، لأن الفقه يتناول العلم بالشريعة ، وهناك مذاهب فقهية لفهم أدلة الفقه واستنباط أحكامه ، فليس الفقه مذهب إسلامي ولكنه ركن من أركان الدين ، وفيه مذاهب لفهمه على منهاج أهل السنة والجماعة ، وكذلك العقيدة ، وكذلك التصوف تماما ، فهو ركن من أركان الدين يتناول العلم بحقائق الدين التي هي أعمق علوم الدين ، ويرسم الطريق للوصول إلى الله ، وذلك عن طريق معارف ووسائل منها الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات ، وتزكية النفس وتطهير القلب بالتخلية من الأخلاق السيئة ، والتحلية بالأخلاق الحسنة ، وارتقاء المنازل إلى الله ، وهذه المعارف وتلك المنازل وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص ، فجعلوه علما سموه بـ علم التصوف ، أو علم التزكية ، أو علم الأخلاق ، أو علم الإحسان ، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده ،  إذن : علم التصوف قام على مرتبة الإحسان ، وتعلق ببيان أركانها ودرجاتها أحوالها ومنازلها ، [ 9 ] الطريقة والشريعة والحقيقة مصطلحات ضرورية لكل صوفي ، فالطريقة وسيلته للسير إلى الله ، وتشتمل الطريقة على الأذكار والأوراد إضافة إلى التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والمندوبات والكف عن الكبائر والمحرمات ، وكما أنه لا غنى للمتعلم عن العالم ، فإنه لا غنى للسائر إلى الله عن الشيخ المربي والولي المرشد ، ليدله على طريق سفره إلى الله ، والشريعة منهاجه أثناء سيره إلى الله ، والشريعة تقوم على الكتاب والسنة وجهود العلماء الوارثين في فهم أدلة الكتاب والسنة ، والتصوف ركن من أركان الدين يتناول العلم بحقائق الدين التي هي أعمق علوم الدين ، ويرسم الطريق للوصول إلى الله ، وذلك عن طريق معارف ووسائل منها الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات ، وتزكية النفس وتطهير القلب بالتخلية من الأخلاق السيئة ، والتحلية بالأخلاق الحسنة ، وارتقاء المنازل إلى الله ، وهذه المعارف وتلك المنازل وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد الأولياء الربانيين فيما لم يرد فيه نص ، فجعلوه علما وسلوكا سموه بـ  التصوف ، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده القائمة على ادلة الكتاب والسنة وفهم العارفين لأدلة الكتاب والسنة ،  والحقيقة المطلقة غايته ،  وهي الدخول على جناب الحق تعالى وتقدس في حضرته الأحدية ، تلك الحضرة التي تقهر كل شيء ، ويكون الفناء المحض للولي في حضرة الحق حيث فناء الرسوم وانطماس الآثار ، ولا يبقى إلا أحدية الحق تعالى وتقدس ،  ولهذا فإن معاني الطريقة والشريعة والحقيقة ضرورية لكل سائر إلى الله ، يبتغي وجه الله ، [ 10 ] من أهم مصطلحات أهل التصوف : التخلي والتحلي والتجلي ، والتخلية ظاهرة وباطنة ، والتحلية ظاهرة وباطنة ، فأما ( التخلية الظاهرة ) فمعناها التخلي عن المعاصي التي تتعلق بالجوارح السبعة ، وهي : اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج ، وأما ( التحلية الظاهرة ) ومعناها التحلي بالطاعات الظاهرة والباطنة ، والمقصود بها أن  يحلي السالك إلى الله تعالى هذه الجوارح السبعة بالطاعات المناسبة لكل منها ، فهذه الجوارح السبعة منافذ على القلب إما أن تصب عليه ظلمات المعاصي فتكدره وتمرضه ، وإما أن تُدخل عليه أنوار الطاعات فتشفيه وتنوره ، و ( التخلية الباطنة ) معناها التخلي عن المعاصي القلب كالكبر والرياء والغضب ، و ( التحلية الباطنة ) معناها التحلي بالطاعات الباطنة ، وتحلية القلب بصفات الخلق العظيم كالتواضع والإخلاص والحِلم ، قالوا : فمن تخلى عن المعاصي الظاهرة والباطنة وتحلى بالطاعات الظاهرة والباطنة ، فقد تعرض لتجليات الحق الجلالية والجمالية ، [ 11 ]  أركان المنهاج السلوكي لبلوغ مرتبة الإحسان يقوم على أركان ضرورية يمكن أجمال أهمها في أربعة أركان ، ( الركن الأول ) : صحبة العالم المربي : وهي ضرورة لابد منها وذلك لان الترقي في مقامات الإحسان لا يكون صحيحاً إلا على يد عالم رباني شيخ مرشد يعرف آفات النفس ومداخل الشيطان ، يبعده عن دروب الفسوق والعصيان ، ويرشده إلى دروب الإيمان ومنازل الإحسان ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المرشد الأول والمزكي الأعظم الذي ربَّى أصحابه الكرام وزكَّى نفوسهم بقاله وحاله ، كما وصفه الله تعالى بقوله : {هو الذي بعث في الأميين رسولاً مِنْهُم يتلو عليهم آياتِه ويُزكِّيهم ويُعلِّمُهم الكِتاب والحِكمَةَ وإن كانوا من قَبْلُ لَفي ضلالٍ مُبينٍ} [الجمعة : 2] [من هنا نجد أن التزكية شيء وتعليم الكتاب والحكمة شيء آخر ، لذا قال الله تعالى : { ويزكيِّهمْ ويعلِّمهمُ الكتابَ والحكمةَ } ، و ( الركن الثاني ) العدة المطلوبة للمريد الصادق وتتمثل في طلب العلم الشرعي الصحيح ، والتربية الحميدة ، والأخلاق العظيمة ، والآداب العالية ، و ( الركن الثالث ) : المجاهدة في ذات الله تعالى للنفس والشيطان والدنيا والهوى ، و ( الركن الرابع ) : المداومة على ذكر الله تعالى ، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ،  [ 12 ] دفاعا عن التصوف السني الصحيح الصافي : ( أ ) زعم بعض المتنطعين أن التصوف دخيل على الإسلام ، مع أنّ التصوف هو المرادف لمصطلح ( التزكية ) المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ آل عمران : 164 ] ، وكذلك فإن ( التصوف ) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، ولم نجد احدا تعرض لتلك المباحث سوى أهل الطريق ، وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل ( التصوف ) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان ، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية ، و ( التصوف ) علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها ،  ( ب ) اتهام البعض التصوف بأنه لم يُسمع به في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا في عهد الصحابة والتابعين ، وبالتالي فهو بدعة ضلالة ، وهذا الزعم مردود جملةً وتفصيلاً ، لأن معظم الاصطلاحات أُحدثت بعد زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ، واستعملها المسلمون فيما بعد ، كألفاظ الفقه والعقيدة والتصوف ، وغيرها ، كل هذه الاصطلاحات لم تكن تستعمل زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستعملت فيما بعد ولم تنكر ، إذ أنّه بعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين ، ودخول الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ، وعندما اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية ، وبالقلب والهمة ، دعا هذا الامر أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، قال القشيري رحمه الله : " اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام ، إذ لا أفضلية فوقها ، فقيل لهم "الصحابة" ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين "الزهاد" و"العُبَّاد" ، ثم ظهرت البدعة ، وحصل التداعي بين الفرق ، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا ، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى ، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم "التصوف" ، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة " أهـ [ مقدمة الرسالة القشيرية ] ، ( ت ) زعم بعض المتنطعين أن أصول التصوف وأسسه مستمدة من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة ، وأنّ أصله من كلمة سوفا اليونانية ، وهذا تجني على أولياء الله الصوفية ، فإنّ التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة ، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم ، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه ، ويقوم على مبادئ التزكية والإحسان من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، أما الزعم الفاجر بانّه يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة ، فهذا ظلم بين لعلم التصوف ، وجحود واضح لأهله الصادقين المخلصين ، يقول العزالي – عن حكم الدخول مع الصوفية - ( إنه فرض عين ، إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم السلام ) ، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله : ( من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصِرّاً على الكبائر من حيث لا يشعر ولا يدري " أهـ ، ( ث ) زعم بعض المتنطعين بأنّ التصوف هو الخطر الأول على الإسلام وأنّه ينبغي القضاء على التصوف برمته ، يقول أحدهم : فإني رأيت بعد طول دراسة وتدبر أن الفكر الصوفي هو أشد الأخطار جميعاً على أمة الإسلام وأنه الذي حوّل عز هذه الأمة ذلاً ومهانة ، ولا يزال هذا دأبه على الدوام وأنه السوس الذي ظل ينخر ويهدم في جسم شجرتنا الباسقة حتى أناخها مع الأيام ، وأنه لا خلاص للأمة إلا بالتخلص من هذا السوس أولاً قبل أي خطر آخر ، وهذا الفريق يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره ، وهؤلاء يريدون ان يأخذوا التصوف ببعض أدعيائه ؟ وهم  يبذلون كل الوسائل المتاحة لمحاربته ، ويصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال ، ثم تراهم يضللون الصوفية كلها بمقولات وجدها في كتاب ما مدسوسة على احدهم ، أو قالها في ساعة ذهول لا يقصدها ، _ كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال : اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح _  إن الأصل في ديننا أنه ما من معصوم في هذه الأمة سوى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجميع العلماء بعده والطوائف كذلك يؤخذ منها ويرد عليها وهم غير معصومين عن الخطأ ، أخطاؤهم غير مقبولة كدين ، ونغض الطرف عن عثرات علمائهم  لأنه الأدب مع العلماء الذين لهم فضل ننظر إلى محاسنهم ونترك المساوئ  والعثرات ، وهؤلاء يناطحون الصخر ، إن كلمة ( صوفي ) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء ، وصفة مدح ، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى ، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره ، وابادة التصوف وأهله ، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة ، فهل بعد هذا التنطع من تنطع ، وأين يذهب الجنيد وأصحابه ، وحجة الإسلام الغزالي وأتباعه ، وعبد القادر الجيلاني والرفاعي والشاذلي وآلاف الآلاف من أتباعهم ، إن هؤلاء هم سادة التزكية وأقطاب التصوف ودعائم الأخلاق ، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته ، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام ،  ( ج ) اتهام البعض الصوفية بأنّهم أصحاب عقائد زائغة ، ودعاوى زائفة ، وأنّهم يقولون بالاتحاد والحلول ووحدة الوجود ، والتفريق بين الحقيقة والشريعة ، وسقوط التكاليف عن أهل الحقيقة ، وهذه كلها دعاوى زائفة من أُناس لا يفهمون التصوف الصحيح الصافي ، ولا يعرفون الرقي الذي عليه الأكابر من أهل التصوف في العقيدة والتقديس والتنزيه والفقه والتزكية والأخلاق ، ولا يمكن أن نحمل الأولياء جرائر الادعياء ، في كل العلوم نجد الادعياء ، في علم التفسير هناك الادعياء الذين ملئوا التفسير بالاسرائيليات ، فهل نترك علم التفسير لأجلهم ، وفي علم الحديث هناك الادعياء الذين كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم بالاحاديث المكذوبة ، فهل نترك علم الحديث لأجل هؤلاء ،  لا يمكن أن نحمل الأولياء جرائر الادعياء ، ولا يمكن أن نلغي التصوف القائم على مرتبة الاحسان من أجل أخطاء الادعياء ، إن الذي يدعو إلى عقائد الحلول والاتحاد والوحدة ، ليس هذا من تصوف المسلمين في شيء ، وإنما هو تصوف مدسوس والمتهمون به أدعياء وهم نفر معدود محدود ، وليس لهم تابع ولا وارث ، ، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ،  [ 12 ] دفاعا عن التصوف السني الصحيح الصافي : ( ح ) يظن البعض : أن التصوف يدعو إلى تقديس المشايخ ، واعتقاد أنهم يملكون النفع والضرر ،  وهذا قصور في فهم التصوف ، فإن التصوف يدعو إلى احترام الشيخ  وتوقيره لأنه الوارث لبعض علوم النبوة ، واحترامهم أدب إسلامي مقرر ، لا خلاف عليه . وفي الحديث ((  ليس منا من لم يوقر كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ولم يعرف لعالمنا حقه ))  رواه الترمذي ، وأما الاستعانة بدعاء الشيخ ، وابتهاله إلى الله في شدائد ابنائه ، فهو أدب إسلامي ثابت بالشريعة ، ولا يزال من المستحب ان يدعو المسلم لأبنائه وأخوانه وأصحابه ، أما أنهم يزعمون أنهم يملكون النفع والضرر ، فالذي يملك هو الله وحده ، وعندما يغضب الشيخ لربه من مخالف لله فيدعو ، فيغضب الله لغضب وليه ، ويستجيب له ، فلا يقال عندئذ إن الشيخ يملك نفعاً ولا ضراً ، إنما هو من باب : "" لئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه " ، والقول بغير هذا إنما هو مسخ للصورة بالمغالاة والإغراق والتنفير ، وإذا كان هناك شيء من ذلك فرضاً جدلياً فهو مما يعالج بالبيان والإرشاد والقول الطيب ، ونحن أمة تحكمها الأمية ، فلا ننكر أن فيها ضلالة وجهالة ، وإنما في حاجة – أشد الحاجة – إلى النصح والتوجيه بالحكمة البالغة ، والموعظة البليغة ، ( خ ) يظن البعض بأن التصوف يدعو إلى السلبية والتواكل ، التصوف الحق هو : أعلى مراتب الإسلام ، وليس في الإسلام سلبية ، ولا تواكل ، وإنما هي أمراض اجتماعية لصقت بالتصوف زوراً  وبهتاناً ، وقد كان عبد الله بن المبارك ، يحج عاماً ويجاهد عاماً ، وقد كان شقيق البلخي فارساً مغواراً ، يطلب الموت حتى استشهد في سبيل الله ، وكذلك كان حاتم الاصم ، مقاتلاً بارعاً ، له في الجهاد مواقف وكرامات ، وقد كانت الألقاب الصوفية تدل على ما يتناولونه من حرف ومهن وصناعات : فمنهم الدقاق ، والسماك ، والوراق ، والخواص ، وهكذا تعرف أنهم كانوا بحق أمثالاً للمسلم الكامل إيماناً ، وعملاً وإيجابية ، وصلة كبرى بالله ، فالتواكل مرض دخيل على التصوف الصحيح ، يعالجه صوفية العلماء ، كل بأسلوبه ، ( د ) يظن البعض بأن التصوف يدعو إلى الطبل والزمر والرقص ، والحقيقة أنّ الرقص في الذكر والاهتزاز يمينا ويسارا خصوصًا إذا صاحبته الطبول والمزامير بأنواعها خطا ،  وقد عمت به البلوى ، ولم يفعل ذلك أحد من الأولياء ، وجمهور الفقهاء والأولياء على تحريم ذلك ، وأنه مناف للمرؤة والوقار ، وأنه لابد من تنزيه الذكر عن هذه الترهات ، ومن تذكر وجوب خشية الله عند ذكره ، لا يمكن أن يرضى بذلك ، ومن تصور وقار الصحابة ومن بعدهم من الرجال الكمل الصادقين أهل المرؤة والعقل والحكمة ، لا يتصور أنه يقع منهم هذا الرقص المنافي للأدب بين يدي الله تعالى ولا الطبل والزمر ، في الذكر ، ولكن ماذا يفعل الربانيون وقد صارت هذه موروثات عند أهل الجهل والرعونة ينسبونها إلى أهل الطريق ، وأهل الطريق والأولياء والمربون الربانيون ينكرون ذلك ، ولكن إصلاح تلك الامور يحتاج إلى قومة لمجموع أهل الطريق لنفي تلك الموروثات التي أضرت بالطريق وأهله ، ومسؤولية أهل الطريق تجاه هذا الأمر واجبة ، والقومة لنفي تلك الموروثات التي أضرت بالطريق وأهله مهمة ، نسأله سبحانه أن يمن علينا بالهداية والرشاد ، والتوفيق والسداد ،  ، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ،  [ تصفية التصوف السني الصحيح الصافي من دعاوى الأدعياء ] : إنّ التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام والدعوات الصادقة فيه ، والصوفية ككل الطائف الإسلامية انتسب إليها المحق والمدعي ، والصادق والمغرض ، لذا قد نجد على مر عصور التصوف من ادعى عقيدة الاتحاد والحلول على معناها الكفري الذي يقصدون به الاتحاد والحلول الحسي كما زعمت النصارى في نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام ، وهذه عقيدة كفرية ، وقد أجمع علماء أهل السنة والجماعة على كفر من اعتقد جواز الاتحاد والحلول على ذات الله تعالى ،  قال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى – وهو يتعجب من إلصاق هذه التهمة الشنيعة بأهل التصوف الحق أهل المعرفة بالله - : ( ولعمري إذا كان عُباد الأوثان لم يتجرؤوا أن يجلوا آلهتم عين الله بل قالوا : { ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ، فكيف يظن بأولياء الله تعالى أنهم يدعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله عنهم إذ ما من ولي إلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق وأنها الخارجة عن جميع معلومات الخلائق لأن الله بكل شيء محيط ) أهـ [ اليواقيت والجواهر : 1 : 83 ] ، وقال الشيخ محي الدين بن عربي في عقيدته الصغرى : ( تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها ) ، وقال في عقيدته الوسطى : ( اعلم أن الله تعالى واحد بالإجماع ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء أو يحل في شيء أو يتحد في شيء ) ، وقال في الباب التاسع والستين والمائة : ( القديم لا يكون قط محلا للحوادث ولا يكون حالا في المحدث ) ، وقال في الباب الثاني والستين ومئتين : ( من أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي يتوهمه بعضهم أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء وأن الشمس ما انتقلت إليه بذاته وإنما كان القمر محلا لها فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه ) ، وقال في الباب الرابع عشر وثلاثمائة : ( لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته وذلك عن ملكيته ويتحد بخالقه تعالى لصح انقلاب الحقائق وخرج الإله عن كونه إلها وصار الحق خلقا والخلق حقا وما وثق أحد بعلم وصار المحال واجبا فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبدا ) ، وقال في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة : ( وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق ولا حل فيه الحق إذ لو كان عين الحق أو حل فيه لما كان تعالى قديما ولا بديعا ) ، وقال في باب الأسرار : ( لا يجوز لعارف أن يقول : أنا الله ولو بلغ أقصى درجات القرب وحاشا العارف من هذا القول حاشاه إنما يقول : أنا العبد الذليل في المسير والمقيل ) ، وقال في باب الأسرار أيضا : ( من قال بالحلول فهو معلول فإن القول بالحلول مرض لا يزول وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول ) ، وقال في باب الأسرار أيضا : ( الحادث لا يخلو عن الحوادث ولو حل بالحادث القديم لصح قول أهل التجسيم فالقديم لا يحل ولا يكون محلا ) أهـ [ اليواقيت والجواهر نقلاً عن الفتوحات المكية : 1 : 80 و 81 ] ، أما الجواب عما ورد من كلام السادة الصوفية في كتبهم مما يفيد ظاهرة الحلول والاتحاد :  والجواب أمراً من أمرين : ( الاول ) : إما أن يكون مدسوساً عليهم ، و ( الأمر الثاني ) : ان لا يقصدوه مطلقاً ، وأن يكون مقصدهم من الكلام معنى آخر بعيد كل البعد عن الاتحاد والحلول الحسي الحقيقي ، ألا وهو الاتحاد المجازي المعنوي ، بأن تصيرَ نفسُ العبد فانية في شهود التجليات الإلهية غافلةً عن الشعور بجملتها شُغلاً بالشهود القلبي في حضرة أسماء الله تعالى وصفاته ، فيغيب عن نفسه في الله ، ويشعر بأنه يسمع بالله ويبصر بالله ويتكلم بالله ، مصداقاً للحديث الصحيح  فيما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة سبحانه  : { وما يزال عبدي يَتَقَرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّهُ ، فإذا أحْبَبْته : كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَع به ، وبَصَرَه الذي يُبْصِر به ، ويَدَه التي يَبْطِش بها ، ورِجْلَه التي يَمْشِي بها )) [ أخرجه البخاري ] ، هذا حال الأولياء ، أما الادعياء ، فقد قال فيهم الحافظ السيوطي : في كتابه [ الحاوي للفتاوى : 2 : 129 ] : " القول بالحلول والاتحاد الذي هو أخو الحلول ، أول من قال به النصارى إلا أنّهم خصّوه بعيسى إلى أن قال : وأما المتوسمون بسمة الإسلام فلم يبتدع أحد منهم هذه البدعة ...  غير أن طائفة من غلاة المتصوفة نقل عنهم أنهم قالوا بمثل هذه المقالة وما زالت العلماء ومحققو الصوفية يتبنون بطلان القول بالحلول والاتحاد وينبهون على فساده ويحذرون من ضلاله” أهــ  ،   والقائلون بوحدة الوجود على المعنى الحسي وأن الكون أجزاء الله ، وأنه تسري فيه روح الله فهذا كفر بواح ، أما اهل التصوف الأولياء فلهم في وحدة الوجود معان صحيحة ، ففي ( مقام الفناء ) وهي الحال التي يستغرق فيها الصوفي ويفنى عن نفسه وعن جميع من حوله ، فلا يشاهد سوى الحق لاستغراقه فيه بالكلِّية  ، فيقول بوحدة الوجود على معنى وحدة الشهود ، وفي مقام ( البقاء ) فهو يرى الخلق ولكنها رؤية بالله ، فهو يعلم بالفرق بين الوجودين – وجود الخالق ووجود المخلوق ، ولكنه لا يشعر إلا بالوجود الأصلي الواجب الذي هو وجود الله تعالى وحده ، فيقول بوحدة الوجود ، على معان شرعية صحيحة ،  أما الأدعياء ، فقد سقط بعضهم في القول بوحدة الوجود على النحو الفلسفي الذي قال به اهل الإلحاد ، إنّ أهل التصوف الحق هم أهل المعرفة بالله وهم أهل التنزيه والتقديس لله لا يجوز الظن فيهم بأنهم من القائلين بشيء من العقائد المخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة الناجية ،  ومن ذلك اتهام البعض اهل التصوف بالتفريق بين علوم الظاهر والباطن ، وبين الشريعة والطريقة والحقيقة ، وهذا باطل ، لأن من أشهر قواعد أهل الطريق قولهم : ( كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة ) ، [ نعم ] : هناك أُناس أدعياء ادَّعَوْا التصوف كذباً أو جهلا ، انحرفوا عن الإِسلام ، وقالوا : إِن المقصود من الدين هو الحقيقة فقط ، وعطلوا أحكام الشريعة ، فأسقطوا عن أنفسهم التكاليف ، وأباحوا المخالفات ، وقالوا : إِن المُعَوَّل عليه صلاح القلب ، وهؤلاء يذمون أهل العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام ، ويطعنون في أهله ويقولون : هم محجوبون وهم أصحاب قشور ، وأن علمهم الظاهر حجاب بينهم وبين الحقيقة ، وكلامهم هذا قد يؤول إلى القدح في الشريعة المطهرة وفي الأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والاعتناء بها ، وقد أنكر أئمة التصوف هذا التفريق ، قال الإمام الغزالي : (( من قال : إن الحقيقة تخالف الشريعة ، أو الباطن يناقض الظاهر ، فهو إلى الكفر أقرب إلى الإيمان )) [ الإحياء ٣ : 100 ] ،   وفد آل بهم ذلك الإهمال في علم الظاهر والاستهانة به إلى القول بسقوط التكليف ، وأهل التصوف الحق أجمعوا على  أن التكاليف الشرعية لا تسقط عن المكلف بأي حال ، حتى ولو بلغ درجة الوصول ، بل إن الوقوف عند حدود الشرع والتمسك بأحكامه ، هو المقياس الذي يحكم به على صدق الصوفي الواصل مهما ظهرت عليه من كرامات وأحوال ، يقول أبو يزيد البسطامي : ( لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى ارتقى في الهواء فلا تغتروا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ، وحفظ الحدود ، وأداء الشريعة " [ الرسالة القشيرية : ١٤ ] ، وقال لسان الطائفة الإمام الجنيد : ( قوم  تكلموا بإسقاط الأعمال ، وهذه عندي عظيمة ، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا ، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله ، وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة ، إلا أن يحال بي دونها ، وإنه لأوكد في معرفتي وأقوى في حالي [ الرسالة القشيرية ١٩ ] ،  إن إصلاح أمر التصوف يبدأ أول ما يبدأ بإصلاح ما أفسده الأدعياء ، ويكون ذلك بتصفية الاعتقاد من كل دعاوى الاتحاد والحلول والوحدة المطلقة على معناها الفلسفي المرفوض ،  ورفض كل دعاوى الشطح لأنها نقص ورعونه ، ورفض كل دعاوى مخالفة الحقيقة للشريعة ، ومخالفة الظاهر للباطن ، وانكار تلك الدعاوى الفاجرة ، فلولا الظاهر ما حفظ الباطن ، ورفض كل دعاوى سقوط التكاليف عن الواصل ، لأنه بذلك واصلٌ إلى جهنم وسقر ، وتصفية السلوك من المخالفات الشرعية ، والبراءة من الممارسات الخاطئة ، والتحذير من المخالفات الشائعة بين مدعي التصوف ، واعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من أخطاء ، ومما نسب إليه زوراً وبهتاناً من أعدائه ،  ومما نسب إلي الاولياء الصالحين زوراً وبهتاناً ، وهم أجل الناس عن النطق به ، مثل ما نسبوه إلى أبي يزيد البسطامي ، وعبد القادر الجيلاني ، وابن عربي ، من العظائم والمكفرات ، واعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من مخالفات عقائدية وشرعية ، واعتماد مبدأ الإحياء للتصوف الإسلامي الصحيح الصافي القائم على الكتاب والسنة ، وطرحه نموذجاً لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الإسلام ، نسأله سبحانه أن يمن علينا بالهداية والرشاد ، والتوفيق والسداد ،  وللحديث بقية إن شاء الله تعالى ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ،   [ تصفية التصوف السني الصحيح الصافي من جهل الجهلاء  ورعونة الدخلاء ] ،  [  أولا  ] والتصوف السنّي الصافي ليس منه  : الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت ( اما الدف ففي الاناشيد والقصائد والمدائح فجائز ) ، إن ذكر الله تعالى هو أعظم القربات ، ولكنه مشروع بشروطه وآدابه التي قررها العلماء وأهمها السكينة والوقار والخشوع والاحترام ، ولكن الذكر الذى يقوم به بعض الناس ، بحركات موزونة مرتبة ، وترنيمات متصنعة بأصوات مطربة ، وقفز ووثب ، ونط وجذب ، وانحناء للأمام ورفع ، والتفات عنيف ودفع ، ودوران بالحلقات ، وضرب للأقدام على إيقاع الكف والنغمات ، فالفطر السليمة تنبو عنه ، والقلب الخاشع يتبرأ منه ، لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ، كما قاله الإمام التابعى الجليل سعيد بن المسيب رضي الله عنه ، إن كان التمايل بسبب وجد صحيح ووارد قوي ، أفقد صاحبه التماسك فلا إثم عليه ولا لوم ولا محذور ،  ولكن الحاصل غير ذلك ، لأنه لا يُعقل أن الجميع يحدث لهم ذلك في نفس الوقت بحث يؤول إلى حركات جماعية موزونة معلومة  ، أشبه ما تكون بالرقص ، فإن الشرع يمنع من هذا ويلزم الوقوف عند الأدب الشرعي الإسلامي مع الذكر ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في [ فتح الباري : ٣٦٨ : ٢ ] : (( قال القرطبي – هو المحدث أبو العباس أحمد بن عمر شيخ القرطبي صاحب التفسير - وأما ما ابتدعته الصوفية في ذلك [ يقصد الرقص ] ، فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه ، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير ، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلا كالمجانين والصبيان ، حتى رقصوا بحركات متطابقة ، وتقطيعات متلاحقة ، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب الُقرب وصالح الأعمال ، وأن ذلك يثمر سنى الأحوال . وهذا على التحقيق : من آثار الزندقة ، وقول أهل المخرقة ، والله المستعان ، انتهى )) ، قال الحافظ ابن حجر عقبة : (( وينبغى أن يعكس  مرادهم ، ويقر أ : ( يثمر سيء الأحوال عوض سني الأحوال ). )) انتهى  ، وقال القرطبى المفسر الصوفي في تفسيره ( الجامع لأحكام القرآن ) ٣٦٥ :٧ ، عند تفسيره لقوله تعالى في سورة الأنفال : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اللهُ وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا ، وعلى ربهم يتوكلون } ، قال رحمه الله تعالى : ( وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره ، وذلك لقوة إيمانهم ، ومراعاتهم لربهم ، وكأنهم بين يديه .ونظير هذه الآية : { وبشر المخبتين الذين إذا ذكر اللهُ وجلت قلوبهم } ،  وقال : { وتطمئن قلوبهم بذكر الله } فهذا يرجع إلى كمال المعرفة ، وثقة القلب ). والوجلُ : الفزع من عذاب الله ، فلا تناُقض ، وقد جمع الله بين المعنيين في قوله : ( الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) .أى تسكُن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله ، وإن كانوا يخافون الله ، فهذه حالة العارفين بالله ، الخائفين من سطوته وعقوبته ، لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام ، من الزعيق والزئير .. فيقال لمن تعاطى ذلك ، وزعم أن ذلك وجد وخشوع : لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله ، والخوف منه ، والتعظيم لجلاله ، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ : الفهم عن الله ، والبكاء خوفًا من الله ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ، يقولون : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ) .فهذا وصف حالهم ، وحكاية مقالهم . ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ، ولا على طريقتهم .فمن كان مستنًا فليستن بهم . ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا ، روى الترمذى وصححه عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . الحديث . ولم يقل : زعقنا ، ولا رقصنا ، ولا زفنا – أى ضربنا الأرض بأرجلنا كما يفعل الراقص - ولا قمنا )) انتهى كلامه لله دره ، [ فغن الرقص في الذكر والاهتزاز يمينا ويسارا خصوصًا إذا صاحبته الطبول والمزامير بأنواعها خطا جسيم ،  وقد عمت به البلوى ، ولم يفعل ذلك أحد من الأولياء ، وجمهور الفقهاء والأولياء على تحريم ذلك ، وهو مناف للمرؤة والوقار ، ولابد من تنزيه الذكر عن هذه الترهات ، ومن تذكر وجوب خشية الله عند ذكره ، لا يمكن أن يرضى بذلك ، ومن تصور وقار الصحابة ومن بعدهم من الرجال الكمل الصادقين أهل المرؤة والعقل والحكمة ، لايتصور أنه يقع منهم هذا الرقص المنافي للأدب بين يدي الله تعالى ولا الطبل والزمر ، في الذكر ، ولكن ماذا يفعل الربانيون وقد صارت هذه موروثات عند أهل الجهل والرعونة ينسبونها إلى أهل الطريق ، وأهل الطريق والأولياء والمربون الربانيون ينكرون ذلك ، ولكن إصلاح تلك الامور يحتاج إلى قومة لمجموع أهل الطريق لنفي تلك الموروثات التي أضرت بالطريق وأهله ،  ومسؤلية أهل الطريق تجاه هذا الأمر واجبة ، والقومة لنفي تلك الموروثات التي أضرت بالطريق وأهله مهمة ، نسأله سبحانه أن يمن علينا بالهداية والرشاد ، والتوفيق والسداد ،  [  ثانيا ] والتصوف السنّي الصافي ليس منه  تحريف أسماء الله كما يفعله أهل الجهل  ، والواجب النطق باسم الله الكريم كما أنزله الينا دون تغيير ، والتزام تصحيح حروفه والنطق به تاما كاملا ، فإنه أكرم الأسماء وأمجدها ، والأسماء توقيفية ليس للاختراع إليها سبيل ، والبعض يذكر الله تعالى بقوله ( آه ) ويزعم انه من الأسماء الحسنى ، وهو لم يثبت ، والله تعالى يقول : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  } ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( دع ما يريبك إلى مالا يريبك )) رواه الترمذي والنسائي ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، [  ثالثا  ]  التصوف السنّي الصافي صدق وأمانة وليس منه الشعوذة والدجل  ، ما علاقة التصوف بأكل الزجاج والمسامير والثعابين ، بعض المنتسبين إلى التصوف يأتون بأمور لا علاقة لها بالشرع ولا بالدين ، يأكلون الزجاج والصبار والثعابين ، ويلحسون النار ، ويدفعون الدبابيس والمسامير في أجسامهم ، فهذا إما ان يكون دجلا وغشا ، وإما أن يكون كرامات ، فإن أحسنا الظن وقلنا كرامات ، فإن أهل الطريق الخلص قالوا : الكرامات لا تكون إلا عند الضرورات ، والولي الكامل مخفى الكرامة ، وكان أحدهم يخفي الكرامة كما يخفي أحدنا ذنوبه ، فما هي الفائدة الدينية العائدة من جراء تلك الأعمال ، سوى تشويه صورة التصوف الصافي النقي ، وإلصاق التهمة به ، وكأننا حواة وسحرة ودجالين ، وليس حملة رسالة ودين ، ودعاة إلى الله  على بصيرة من الحكمة والموعظة الحسنة ، [  رابعا  ]  إنه لابد من تصفية التصوف السني الصحيح الصافي من جهل الجهلاء  ورعونة البطالين ، ولابد من رفض كل دعاوى الشطح لأنها نقص ورعونه ، ولابد من تصفية السلوك من المخالفات الشرعية ، وتنزيه الذكر عن الغناء والرقص والطبل والمعازف ، ولابد من احترام جناب الشريعة عند الأضرحة والقباب ، ولابد من البراءة مما يحدث في احتفالات الصوفية ومجامعهم من الجهل والبدع والمنكرات والمخالفات والأخطاء ، ولابد من اعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من مخالفات شرعية ، واعتماد ومبدأ التجديد والإحياء للتصوف الإسلامي الصحيح الصافي القائم على الكتاب والسنة ،   فإن التصوف الصافي سلوك وعمل وليس مصطلحات وشطحات ، والتصوف الصافي جد وكد وليس بطالة وتكاسل ، والتصوف الصافي خلق وزهد وليس تحاسد وتكالب وجشع ، والتصوف الصافي فتوة ورجولة وإثار ، وليس رعونة وتخنث وطمع ، والتصوف الصافي علم وعمل ، وليس جهل وخرافة ، والتصوف الصافي صدق وأمانة وليس شعوذة ودجل ، والتصوف الصافي حقائق وأحوال ومجاهدات ، وليس دعاوى عريضة وترهات ،  ورحم الله تعالى القائل : "  ليس التصوف لبس الصوف ترقعه ...  ولا بكاءك إن غنى المغنونا  ... ولا صياح ولا رقص ولا طرب ... ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا ... بل التصوف أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحق والقرآن والدينا ... وأن تُرى خائفا لله ذا ندم ... على ذنوبك طول الدهر محزونا " ، هذا ما تيسر في إجابة السؤال والله تعالى أعلم ، وهو سبحانه من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، 

مرحبًا بك إلى موقع دار الاصلاح والتجديد - سؤال وجواب، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين .
...