0 تصويتات
206 مشاهدات
في تصنيف العقيدة بواسطة

كيف نفسر كلام الإمام الرازي وهو أحد فحول الأشاعرة حيث قال في كتابه (المحصول في علم الأصول) الجزء الثالث - الفصل الأول في تخصيص العموم بالعقل – صفحة 112) : ((فلأن اللفظ لما دل على ثبوت الحكم في جميع الصور والعقل منع من ثبوته في بعض الصور فإما أن نحكم بصحة مقتضى العقل والنقل فيلزم صدق النقيضين وهو محال ، أو نرجح النقل على العقل وهو محال لأن العقل أصل النقل فالقدح في العقل قدح في أصل النقل ، والقدح في الأصل لتصحيح الفرع يوجب القدح فيهما معاً ، وإما أن نرجح حكم العقل على مقتضى العموم وهذا هو مرادنا من تخصيص العموم بالعقل (.؟ ألا يعد ذلك تقديم للعقل على النقل ؟

السؤال من ضمن الأسئلة التي تم تناولها في ( برنامج حوار حول الاصلاح والتجديد ) أضعه هنا في هذا الموقع الذي يقوم على الأسئلة والأجوبة لتعم الفائدة .

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، [ الرد على شبهة تقديم الإمام الرازي وهو من فحول السادة الأشاعرة للعقل على النقل ]  : ( الجواب ) :  

( أ ) ما ورد من كلام الإمام الرازي – وهو يمثل قيمة التخصص العلمي فيما يتعلق بعلم التقديس – وكذلك كلام غيره من علماء السادة الأشاعرة ، في مسألة ( العقل والنقل ) محمول كله على أن فهم النص لا يكون إلا بإعمال العقل ، ومحمول على فرضية التعارض الذي لا يمكن الجمع بين أدلته وهذه فرضية مستحيلة ، لأنه يستحيل التعارض بين القطعيات الشرعية من جهة الثبوت ومن جهة الدلالة وبين قطعيات العقل الصريح ، فلابد من كونها إما ظنية الثبوت او ظنية الدلالة ، وهذا علم دقيق لا يتقنه إلا المتخصصون في أصول الدين ، أما أن نفهمه على أن العقل مقدم على النقل في التشريع فهذا محال لأنهم نصوا على أنه لا تشريع ولا عذاب ولا عقاب قبل ورود الشرع وهذا باتفاق الأشاعرة ،

( ب ) معنى استعمال العقل في فهم النص :  إن دور العقل يتمثل في معرفة ما يجب لذات الله تعالى وما يستحيل علي ذات الله تعالى  ، وما يجوز في حق ذات الله سبحانه وتعالى جل شأنه وتعالت صفاته ، وذلك من خلال استقراء النصوص الشرعية المتعلقة بتقديس الله تعالى عن مشابهة خلقه ، لقد استطاع العقل المتخصص الصريح بموجب ادلة التنزيه والتقديس المستمدة من الكتاب والسنة أنّ يؤصل ( قواعد التقديس ) تلك القواعد التنزيهية العظيمة التي أكرم الله تعالى بها السادة الأشاعرة ، والتي هي بحق مفخرة من مفاخر أمة الإسلام أمة التوحيد والتقديس والتنزيه والتسبيح ،

( ت ) الفرق بين عقل المتخصص وعقل العامي : إنّ دور العقل المتخصص يتمثل في تصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله ، ولو في دقائق الصفات ، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني ، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات ، أمّا العامي ومن لم يطلب علم التنزيه وتوحيد الذات لأنه بمثابة العامي في علم الإلهيات - مهما بلغ من علوم الدين الأخرى - فقد يكيف المملكة بذهنه وذهنه على التكييف بوجود حد ونهاية لذات الله تعالى تتمثل في حجم العرش ، وقد يكون العرش المربوب في ذهنه أكبر من ذات الله ، وهو يقول بلسانه في كل صلاة ( الله أكبر )  وفي مخيلته أنّ العرش أكبر  ، هو يلوك بلسانه دون فهم قوله تعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }  ،

( تنبيه ) قول البعض : انّ  الآية { ليس كمثله شيء } اختتمت بقوله تعالى : { وهو السميع البصير } ، وكون الله تعالى وصف الإنسان بقوله تعالى : { فجعلناه سميعا بصيرا } ، ( فقالوا  ) : كما أنّ الله تعالى له السمع والبصر والإنسان له السمع والبصر ، والله تعالى ليس كمثل سمعه سمع ولا كمثل بصره بصر ، فما المانع أن يكون لله تعالى الوجه ليس كمثل وجهه وجه وأن يكون له اليد ليس كمثل يده يد ، وأن تكون له العين ليس كمثل عينه عين وأنه ينزل ليس كنزوله نزول ، وأنه يذهب ويأتي ليس كمثل ذهابه وإيابه ذهاب وإياب  ، وأنه يجلس على العرش ليس كمثل استوائه على العرش استواء ؟ ( أقول ) : هذا خلط بين المحكم والمتشابه ، وتلبيس في باب الاعتقاد ، فالسمع والبصر في اللغة تستعملان للإخبار عن الصفات ، وهما صفتا كمال ليس فيهما معنى النقص بحال ، وضدهما العجز بكل حال ، فضد السمع الصمم ، وضد البصر العمى ، وكلاهما عجز محض محال على الإله ، ولكن ( الوجه ) و ( اليد ) و ( العين ) في اللغة ليست صفات وإنما هي أجزاء من الذات والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والبعض والجارحة ، وهي توحي بالحد والغاية والنهاية والحدوث كما توحي بالتبعض والتجزئ والتخاطيط والتشكل واحتياج الذات إلى بعضها وجزئها وكل ذلك نقص وعجز محض محال على الإله الأحد الصمد الحي القيوم ، وإثبات علماء أهل السنّة  لها على سبيل الصفة وليس الجزء من قبيل مجاز اللغة لمن تدبره ، لأنّ الوجه على الحقيقة لا يُطلق إلا على الجزء من الذات وليس الصفة ،  وقد سموها صفاتاً احترازاً من توهم الجارحة لأنّ الله تعالى منزه عن كل ما يوهم الجارحة والتركيب والأجزاء والأعضاء ، وعلى ذلك فإن صفات الكمال تختلف تماما عن صفات العجز والنقص والمحدودية  إذا نسبت إلى الله تعالى ، فكل ما يوهم العجز أو العيب أو النقص أو الخلق والحدوث فإذا أضيفت إلى ذات الله تعالى كانت من المتشابهات التي لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم حذرا من قول الله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، وقد أجمع المسلمون عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . قال تعالى: {قل هو الله أحد} [ الإخلاص : 1 ] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، إنّ كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، منزه ربنا سبحانه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، كما يستحيل على الله عزَّ وجلَّ الحركة والنـقلة لأنّ المتحرك لا يتحرك إلا في ما هو اكبر منه والله تعالى أكبر وأجل وأعظم ، كما يستحيل عليه النزول الحسي لأنّه انتقال من مكان عال إلى مكان أسفل ، وهذا لا يجوز على الله قطعاً ، لأنّه قول بحلول الخالق وتحيزه في المكان ، وهو من مخلوقاته  سبحانه ، ومن لوازمه أنّ المكان أكبر من ذات الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فالله أكبر من كل شيء ، وكل مخلوقاته لها حد والله تعالى على الحدود والغايات ،  كما أنّ الله تعالى منزه عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، لأنها محدثات لا تكون إلا عند الذي يقبل الحوادث ، أما القديم الأزلي الأبدي فلا تقبل ذاته الحوادث فلا تقبل الكيفيات الحسية التي من أمثلتها الجلوس والاستقرار ولأنها لا تحدث إلا بالجوارح ، وتنزيه الله تعالى عن النزول الحسي والصعود الحسي على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، ولأنها صفات المحدود الذي يتحرك في المكان المحدود والمقهور بالمكان والزمان ، لأنّ الكون في المكان قهر من المكان ، ولأنّ الحركة قهر من الزمان ، لأنّ الزمان ما هو عند التحقيق إلا تغير يحدث في اطار السكون والحركة ، ولولاهما لما استطعنا تمييز الزمان ، والقهار لا يجري عليه زمان لأنّه قاهر الزمان والمكان ، وكذلك يتنزه سبحانه عن القبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ،  فالله تعالى منزه عن تلك الكيفيات الحسية ، ومنزه عن أي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فالله تعالى منزه عنه ليس كمثله شيء ،

[ الخلاصة ] لقد استطاع العقل المتخصص الصريح بموجب ادلة التنزيه والتقديس أنّ يؤصل لقواعد علم التقديس ، وقد أخطأت الحشوية في عدم إعمال العقل في فهم نصوص التنزيه ثم رمت الأشاعرة بدائها وجهلها وغلوائها نسأل الله السلامة ، هذا والله تعالى أعلم وهو سبحانه من وراء القصد هو يهدي السبيل ، 

مرحبًا بك إلى موقع دار الاصلاح والتجديد - سؤال وجواب، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين .
...