0 تصويتات
24 مشاهدات
في تصنيف التفسير بواسطة

كيف أفهم قوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ؟!

السؤال من ضمن الأسئلة التي تم تناولها في ( برنامج حوار حول الاصلاح والتجديد ) أضعه هنا في هذا الموقع الذي يقوم على الأسئلة والأجوبة لتعم الفائدة .

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : تسأل – بارك الله فيكم -  :  كيف أفهم قوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [  الملك : 16 ] ؟! ( أقول ) وبالله التوفيق :  الآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء ، أي في العلو إشارة إلى علو الذات والصفات , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على نعنى العلو ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث ، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي ، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء , تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ  ، ولما تقدم من اجماع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان ، وقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم وقد قيل هو جبريل عليه السلام لأنّه الموكل بالخسف ، أو يكون المعنى أأمنتم من في السماء : أي من في السماء أمره أو قضاؤه أو من في السماء ( أي العلو ) مكانته وقدرته وسلطانه ، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام ، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى ،  وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره ، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله ، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها نمن صفات العجز والنقص ، وإليك طائفة من أقوال الراسخين في علم العقيدة والمتخصصين فيها في فهم الآية ورد متشابهها إلى محكمه ، قال القاضي عياض : (  لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله ( ءأمنتم في السماء ) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم ) أهـ [ إكمال المعلم : ج2ص465] ، وقال القرطبي - في درة من تنزيهاته - : ( تقديره  :  أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض ، وقيل  هو إشارة إلى الملائكة وقيل  إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب ، قلت  : ويحتمل أن يكون المعنى  أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون فإذا هي تمور أي تذهب وتجيء والمور  الاضطراب بالذهاب والمجيء .. وقال المحققون  أمنتم من فوق السماء كقوله  فسيحوا في الأرض أي فوقها لا بالممارسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير وقيل  معناه أمنتم من على السماء كقوله تعالى  ولأصلبنكم في جذوع النخل أي عليها ومعناه أنه مديرها ومالكها كما يقال  فلان على العراق والحجاز أي واليها وأميرها والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 215 ، 216 ] ، وقال العلامة ابن الجوزي - وهو يرد على حشوية الحنابلة : ( ومن الآيات قوله تعالي : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } قلت : وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها ، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف ، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا ، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق ) أهـ [الباز الأشهب المنتفض على ص59 ] ، وقال أبو السعود في تفسيره : ( أأمنتم من في السماء أي الملائكة الموكلين بتدبير هذا العالم او الله سبحانه على تأويل من في السماء امره وقضاؤه او على زعم العرب حيث كانوا يزعمون انه تعالى في السماء اي   أأمنتم من   تزعمون انه في السماء وهو متعال عن المكان أن يخسف بكم الأرض بعدما جعلها لكم ذلولا تشمون في مناكبها وتأكلون من رزقه ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 9 ص: 7 ] ، وقال الواحدي في تفسيره : (أأمنتم من   في السماء قدرته وسلطانه وعرشه أن يخسف بكم الأرض ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1118 ] ، وقال النسفي في تفسيره : (أأمنتم من   في السماء أي من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته ومنها تنزل قضايا وكتبه وأوامره ونواهيه فكانه قال أأمنتم خالق السماء وملكه أو لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه وانه في السماء وان الرحمة والعذاب ينزلان منه فقيل لهم على حسب اعتقادهم أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان أن يخسف بكم الأرض كما خسف بقارون فإذا هي تمور تضطرب وتتحرك ) أهـ [ تفسير النسفي ج: 4 ص: 265 ] ، وجاء في تفسير الجلالين : (من في السماء   سلطانه وقدرته أن يخسف بدل من من بكم الأرض فإذا هي تمور تتحرك بكم وترتفع فوقكم  ) أهـ [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 756 ] ، وقال القاضي ابن جماعة في كتابه الفذ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل - وهو يحاول تصفية الأذهان عن الحشو والتجسيم - : (  وكذلك لا يصح أن يقال لمن هو فوق سطح يسع لدار عظيمة في وسطها من أسفل بيت صغير إنه في ذلك البيت مع أن نسبة العرش إلى السماء أضعاف أضعاف ذلك السطح بالنسبة إلى ذلك البيت  ، وأيضا فإن بعض الخصوم يقول إنه على العرش وقد قام الدليل القاطع عند العقلاء أن نسبة السماء إلى العرش وعظمته قليل جدا فكيف تسع مع لطفها بالنسبة إلى العرش من هو ملء العرش مع عظمته فإنه يلزم إما اتساع السماء أو تضاؤل الذات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، الثالث اعلم أن السموات كرية لقيام الدليل الحسي والنقلي على ذلك فإن كان في وجهها عندكم فقد جعلتموه كفلك منها وإن كان في جهة البعض فترجيح من غير مرجح ، فإن قيل المراد بالسماء الجنس لا المسمى الجميع قلنا يلزم التناقض لأن العرش خارج السموات وقلتم إنه على العرش وأيضا يلزم التجزئ أو كونه متحيز داخلا في حيزين كما سيأتي في قوله تعالى: {وهو الله في السموات } ، والكل محال تعالى الله عن ذلك ، إذا ثبت ذلك تعين أن المراد إما ملائكة في السماء مسلطون على من شاء الله من الكفار لأن اللفظة تحتمله أو أن المخاطبين كانوا يعتقدون اعتقاد المجسمة فقيل لهم بحسب ما كانوا يعتقدونه في زعمهم أو أن المراد التعظيم وعلو الرتبة والقدرة أي من في السماء ملكوته وسلطانه وملائكته فيكون المراد بالسماء العلو والرفعة ، فإن قيل في هاهنا بمعنى على كقوله تعالى : { في جذوع النخل } ، قلنا هذا مردود لوجهين : أحدهما : أن ذلك خلاف الأصل وموضوع اللغة التي نزل بها القرآن وممنوع عند المحققين من نحاة البصرة بل هو على بابه لتمكنهم على الجذوع تمكن المظروف من ظرفه لآنهم لم يكونوا مستعلين عليها بل كانوا معها ، الثاني لو أريد معنى على كان لفظه أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله : {من في السماء } ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 115، 116 ] ، وقال الشاطبي في الموافقات : (   والثالث قوله تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم } ، { أأمنتم من في السماء  } ، وأشباه ذلك إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيها على نفي ما ادعوه في الأرض فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة البتة ولذلك قال تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم } فتأمله واجر على هذا المجرى في سائر ) [ الموافقات ج: 3 ص: 351 ] ، وجاء في حاشية ابن عابدين - في بيان كفر من نسب المكان إلى الله - : ( قال الله تعالى في السماء عالم لو أراد به المكان كفر لا لو أراد به حكاية عما جاء في ظاهر الإخبار ) [ حاشية ابن عابدين ج: 3 ص: 720 ] ، هذا والله تعالى أعلم وهو الهادي إلى صراطه المستقيم ،

مرحبًا بك إلى موقع دار الاصلاح والتجديد - سؤال وجواب، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين .
...