0 تصويتات
10 مشاهدات
في تصنيف ملل ونحل بواسطة

من هنا فضيلتكم أود أن أعرف ما هي المباحث الخاطئة التي آلت بمن تسمونهم أهل الحشو الى تبني موقفهم المعادي للأشاعرة و الماتريدية ؟

السؤال من ضمن الأسئلة التي تم تناولها في ( برنامج حوار حول الاصلاح والتجديد ) أضعه هنا في هذا الموقع الذي يقوم على الأسئلة والأجوبة لتعم الفائدة .

20 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

المباحث الخاطئة التي حالت دون فهم الحشوية للعقيدة السنّية الصحيحة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله آله وصحبه أجمعين ، وبعد :  من أكثر المباحث الخاطئة التي حالت دون فهم الحشوية للعقيدة السنّية الصحيحة ، عشرة مباحث : تتمثل في ( المبحث الأول ) إلغاء دور العقل وعدم إعماله في فهم نصوص التنزيه ،  و ( المبحث الثاني ) إلغاء قسم توحيد الذات من أقسام التوحيد ( قسم علم التقديس ) وبالتالي عدم المناعة العقائدية أمام المتشابهات والشبهات ، و( المبحث الثالث ) الخلل في تحديد دائرة المتشابه في الصفات وبالتالي خوض الحشوية في متشابه الأخبار التي توحي ظواهرها بنسبة المحدودية والجسمية والجزئية والجارحة والحركة إلى ذات الله ، و( المبحث الرابع ) الخلل في فهم منهج السلف في المتشابهات ، وهو تفويض معنى المتشابه هو المذهب الحقيقي والصحيح للسلف ، وجواز التأويل لحمل المتشابه على أمهاته من المحكمات ، وبالتالي  قيام الحشوية بإعلان الحرب على التفويض وجعل أهله شر أهل البدعة  وإعلان الحرب على التأويل وتبديع أهله ، ( المبحث الخامس ) : خطأ الحشوية في إساءة الظن بعلم الكلام السُني  واستمداده من أدلة الكتاب والسنّة ، ونسبته إلى علوم اليونان ، وبالتالي اعلان الحرب عليه وتبديع أهله ، ( المبحث السادس ) خطأ الحشوية في نفي المجاز وهو أجمل البلاغة ،  وبالتالي فتح باب التفسير الحشوي التجسيمي لآيات الصفات المتشابهات ، المبحث السابعوجهل الحشوية في معرفة مدى قوة أخبار الآحاد الظنية ومدى الاستدلال بها على العقائد القطعية ، وبالتالي خطأ الحشوية في الاستدلال بالظنيات على إثبات القطعيات المبحث الثامن :  جهل الحشوية بهدي أهل السنّة في معاملة المتشابه وهو عدم جمع المتشابهات المتفرقات التي تؤول بأصحابها إلى تقوية الشبهة واعتقاد البدعة ، وبيان خطأ الحشوية في جمع المفرق من المتشابهات ، المبحث التاسع : خطأ الحشوية في الاستدلال بالموضوع والضعيف والاسرائيليات لتقوية البدعة ، ، المبحث العاشر : عدم احترام أهل التخصص العلمي المتمثل في مذاهبه المؤصلة على منهاج أهل السنّة والجماعة ( الأثرية الأشاعرة الماتريدية ) وإساءة الظن بهم  وقطع الطريق على علومهم ،

[ المبحث الأول ] : دور العقل في فهم نصوص التنزيه ، وبيان خطأ الحشوية في عدم إعمال العقل في فهم نصوص التنزيه ،

[  1  ] أكرم الله تعالى الإنسان بالعقل ، كي يحمله عقله على أن يؤمن بربه وخالقه ، وكي يفهم به العلم ، وكي يميز به بين الخير والشر والضار والنافع ، وقد تكرر ذكر العقل بمرادفاته في القرآن الكريم أكثر من سبعين مرة ، يُخاطب الناس باستعمال العقل في فهم الآيات الكونية أو الشرعية للوصول إلى منازل العلم والإيمان والإحسان ، منها : قوله تعالى : { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ البقرة : 242 ] ، وجعل عقل الآيات ومعرفتها صفة العلماء ، فقال تعالى : { وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ  } [ العنكبوت : 43 ] ، وخاطب الله تعالى أولي العقول ( أولي الألباب ) في مواضع عديدة من القرآن الكريم ، منها : قوله تعالى : { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ البقرة : 269 ] ، كما خاطبهم بقوله تعالى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى } ، وقوله تعالى : { هَل فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ } ،  كما أنّ من آثار العقل التفكر والتدبر والتذكر والنظر والاعتبار والاستبصار والرشد ، وقد جاءت آيات القرآن تترا يُشير إلى أهمية ذلك كله ، كما في قوله تعالى : { فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ يونس : 176 ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [ القصص : 51 ] ، وقوله تعالى : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ } ، إنّ الله تعالى أكرم الإنسان بالعقل ، وأنزل عليه القرآن وأمره ان يتدبره بعقله وأن يُعمل فيه فكره ، وأكرم رسوله صلى الله عليه وسلم بالحكمة والسنّة ، وجعل نصوص القرآن والسنة لا يمكن فهمها الفهم الصحيح إلا من خلال التفكر والتدبر والفهم الدقيق وإعمال العقل في فقهها  وحمل متشابهها على محكمها ،

[  2  ] : قيمة العقل في فهم النصوص  : ترك الإسلام للعقل مساحة واسعة لفهم النصوص وتوضيحها ، ولا أدل على ذلك من ان نصوص الشريعة كما هو معلوم منها المحكم ومنها المتشابه ، ومنها الواضح ومنها المبهم ، ومنها الخاص ومنها العام ومنها المجمل ومنها المفصل ، والله تعالى هو من وضع ذلك ، ولو شاء سبحانه لجعل كل نصوص الشريعة واضحة ومحكمة ومخصصة ، ولما ترك للعقل أي مجال للاجتهاد في تفسير النصوص ، ولكنه شاء سبحانه أن يجعل للعقل مساحة واسعة لفهم النصوص وتوضيحها ، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشاور الصحابة في كثير من شؤونه ، كما أخذ برأي أصحابه وزوجاته في معظم أموره ، حتى أنه صلى الله عليه وسلم مدح معاذ بن جبل حينما سأله عندما بعثه إلى اليمن قائلاً : (( بم تحكم ؟ فقال بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد ، قال : فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإن لم تجد ، قال اجتهد رأي ولا آلو : فقال صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله  إلى ما يرضي به )) [ الحديث رواه ابن داود في السنن 3/2303 والترمذي في سننه 3/616 وقال: ليس اسناد بمتصل ] ،  إن النصوص الشرعية بحاجة إلى تحليل وفهم وفكر وتأمل لاستنباط معانيها ، ولا يمكن ذلك الا بالعقل والفكر السوي الصحيح والتأمل والنظر ، والاجتهاد ما هو إلا صورة من بيان  منهج العقل في فهم الاحكام ، ولذلك عرفه العلماء بقولهم : الاجتهاد هو بذل الجهد والوسع في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية والتبعية" ، المصادر الأساسية أو النقلية وهما القرآن والسنة ، والمصادر التبعية او العقلية وهي القياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب ، وقوله تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ النساء : 83 ] ، دلالة عظيمة على دور العلماء في استخراج الأحكام الشرعية بواسطة الاجتهاد من خلال النظر والتأمل في النصوص ، وقوله تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } [ ص : 29 ] ، وتدبر الآيات يكون بفهم معانيها ليتم العمل بها ، وقد دعا صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما بقوله : (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ))  ، فلو كان التأويل ( أي التفسير ) مقصوراً على السماع والنقل كالتنزيل نفسه ، لما كان هناك من فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء ، ولو كان علم التفسير مأثوراً كله عن النبي صلى الله عليه وسلم لقال : (( اللهم حفظه التأويل )) ، فدل ذلك على أن المراد بالتأويل الوارد في الدعاء هو أمر آخر وراء النقل والسماع ، ألا وهو اعمال العقل في فهم النصوص ، ومنه يتبين أن التأويل الصحيح لا حرج منه بهدف حمل المشابه على أمهاته من المحكم ، وتقليل دائرة المتشابه ووأد الفتنة والزيغ وإزالة الفتنة والبدعة ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[  3  ] دور العقل في فهم نصوص التنزيه  :  يعجز العقل عن معرفة ذات اللّه تعالى لأن المخلوق لا يستوعب الخالق ، ومحدث الذات لا يدرك كنه قديم الذات والسلطان والصفات ، ولكن للعقل أكبر دور في فهم نصوص التنزيه  ، وبالتالي منع الحشو فيما يتعلق بجناب ذات الله تعالى ،  ومن ذلك : قوله تعالى { ليس كمثله شيء } يدل على تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه ، سبحانه لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث حقيقة الذات والأسماء والصفات والأفعال ، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء ، فهو الأول بلا ابتداء ، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء ، وليس بعده شيء ، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، الرحمن على العرش استوى ، وهو قريب من كل شيء ، ومحيط بكل شيء ، وقاهر لكل شيء  ، وهو الكبير المتعال ، وهو العلي العظيم ، وهو الواحد القهار ، وهو الأحد الصمد ، وهو الحي القيوم ، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، ولما كانت هذه الذات بالحال التي ذكرنا, فإن العقل البشري يستحيل عليه إدراك كنه هذه الذات, لأنه لا يتصور إلا الأشياء التي تدركها حواسه المحددة ، فذات الله تعالى تقدس عن أن تدركه البصائر النافذة فضلا عن الأبصار ، وعظم عن أن تتوهمه الظنون أو تتصوره الأفكار ، ومن آيات التقديس ، قوله تعالى :{ وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، والوجود الذي لا يشبه وجود المخلوقين ، وقال الله تعالى :{ فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له ، لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :{ هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فوجوده سبحانه لا يشبه وجود خلقه وذاتُه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال الله تعالى :{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقال الله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام: 103]  ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك ، وقال الله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وقال تعالى : { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } والند هو العدل والمثل  والنظير والشبيه ، فالله تعالى لا يقاس بأحد ، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه ، وليس كمثله شيء ، لا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، أجلّ وأعظم واكبر من أن تحيط بصفته العقول ، قال أبو جعفر الطحاوي : ( لا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأفهام ، ولا يشبه الأنام ، وكل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما ،

[  4  ] دور العقل في ومعرفة الواجب والجائز والمستحيل في حق الأحد الجليل :   الواجـــب في حق الله تعالى هو : ما لا يتصور عدمه مثل وجود الله تعالى وعلمه وقدرته ، والمستحيل في حق الله تعالى هو ما لا تتصور ثبوته مثل الفناء في حق الله تعالى أو الشريك أو الصاحبة والولد ، والجائز في حق الله تعالى هو كل ما يتصور وجوده أو عدمه كالخلق والرزق والإحياء والإماتة  ،  وقد وجب لله تعالى إجمالا : كل كمال يليق بذاته تعالى فيستحيل علية إجمالا كل نقص ، ووجب له تعالى تفصيلا الوجود ، والقدم والبقاء ، والمخالفة للحوادث ، والقيام بالنفس والوحدانية والقدرة ، والإرادة ، والعلم ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، فيستحيل عليه تعالى أضدادها وهى  العدم ، والحدوث ، والفناء ، والمماثلة للحوادث ، وعدم القيام بالنفس ، والتعدد ، والعجز والكراهية بمعنى القهر وعدم الاختيار ،  والجهل ، والموت ، والصمم ، والعمى ، والبكم فيجب على المكلف أن يؤمن باستحالة هذه الأمور عليه تعالى ، ويدل على استحالة هذه الأمور على الله تعالى أنها نقائص تنافي كمال صفات الله تعالى ، ولأن الله تعالى قد وجب اتصافه بالصفات المضادة لهذه الأمور فتستحيل عليه تعالى تلك النقائص ،  ويستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو المشابهة للمخلوقات ، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه السنة والنوم ، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ، ، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات ، ويستحيل عليه التغير والحدوث ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق ، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه ، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، 

[  5  ] دور العقل في فهم قواعد التنزيه :   يتمثل في اعتقاد اتصاف جناب الذات بالكمال الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال ، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، فإن علم التقديس والتنزيه  يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس ، لغلبة الحس عليهم ، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا له حد ينتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد له ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التخصص في علم التقديس والتنزيه ، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، فلا يصح ان يحيط به مكان ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ، ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، وليس معنى ذلك الاتساع الحسي والكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، فلا حد لذاته تنتهي إليه ، ولا مقدار لها يحدد قدرها ، لأنّ الحد مهما اتسع ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق ، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك ، وليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، ومن الآية نعلم انّ الذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

كما أنّ دور العقل يتمثل في الاعتراف بالعجز عن الإدراك ، وذلك بتصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله ، ولو في دقائق الصفات ، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني ، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات ،  كما أنّ دور العقل يتمثل في التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى وتصفية الاعتقاد من أدران التشبيه والتجسيم والتمثيل والتكييف ، وذلك لان دراسة علم التقديس والتنزيه يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله تعالى ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة ، لقد استطاع العقل المتخصص الصريح بموجب ادلة التنزيه والتقديس أنّ يؤصل تلك القواعد التنزيهية العظيمة التي هي بحق مفخرة من مفاخر تلك الأمة المرحومة التي هي خير أمة أخرجت للناس ، ومن تلك القواعد : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ، القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية ، القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ) ، القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، رؤية الله تعالى في الآخرة ، 

[  6  ] أمثلة لبيان خطأ الحشوية في عدم إعمال العقل في فهم نصوص التنزيه :  الحشوية أعداء العقل ، يظنون - جهلاً وتلبيسا من تلبيسات إبليس الرجيم عليهم - أنّ تمام الإيمان والتسليم يكون بإلغاء دور العقل في فهم النصوص ، وهل صار العلماء علماء والفقهاء فقهاء إلا باستعمال العقل وإجهاده في فهم النصوص والجمع بينها ، فلمّا ألغوا دور العقل ، عاشوا في العقيدة بالحس الذي سيطر على أوهامهم ،  (  فإنّ قلت لهم ) : إنّ  أي شيء محدود لا يصلح أن يكون إلها ، وذلك لأنّ الحد معناه التناهي ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، ولأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، هو القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لذاته ، وأنّ الله تعالى هو الواحد القهار ، القاهر فوق عباده ، قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير ، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص ، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود ، لأنّه مقهور عليها ، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار ، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار ، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير ، تنزه عن الحد والمقدار ، ( قال لك ) : لم يأت الحد في الكتاب والسنّة فلا أنفيه ولا أثبته ، يا سبحان الله ، يا سبحان الله  يا أخي أليس الله أكبر نفي للحد ، ، أليس الواحد القهار نفي للحد ، أليس الأحد الصمد نفي للحد ، أليس كل الخلق لهم حد والله تعالى يقول ليس كمثله شيء ، ويقول ولم يكن له كفوا أحد ، إنه لا يفهم تلك الأدلة ولا يرد العلم كما أمره الله تعالى للمتخصصين فيه كما يفهم من قوله تعالى { ولو ردوه إلى الرسول } ، وقوله تعالى { فاسألوا أهل  } ، وقوله تعالى { ولا ينبئك مثل خبير } ، ماذا تفعل معه وهو لا يفهم ولا يرد العلم إلى أهله ، تتنزل للنقاش معه من اجل انقاذه ، ( تقول له ) : هل يأكل ربنا تقدس وتعالى ، يقول بملء فيه معاذ الله لا يأكل ، لماذا ؟  يقول : لأنّ الأكل دليل على الحاجة والحاجة نقص ، قلنا له والحد غاية والغاية دليل على النقص ، ولكنه يفهم الأولى لسهولتها ، ولا يفهم الثانية لخفائها على غير  المتخصص ،  ( وإن قلت له ) : إنّ كل مخلوق مهما كبر حجمه أو جل مقداره ، إلا أنّه محدود متناهي مقدر بمقدار ، مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، أما الله تعالى الواحد القهار فإنه لما  كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، فهو الواحد القهار لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار ، وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بما هي عليه من قدر معين قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، وقال تعالى :{ جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقال تعالى :{وإن من شيء إلاّ عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ،  ومعنى الآيات  أن الله عز وجل خص كل مخلوق ( بحد ومقدار ) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما  ، وأن الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار ، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث ،   وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته فلا حد لذات الله تعالى وتقدس ولا حد لصفات الله عز وجل ، قال لك : آتني بدليل من القرآن على أنّ الله تعالى منزه عن الحد فأقبله ، تقول له : أوليس قوله تعالى : { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } دليل على أن الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق ، والله تعالى هو الخالق ، ( قال لك ) : لا أفهم هذا الدليل ،  ( تقول له ) : القاعدة تقول :كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ، ثم  كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار ، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال ، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (( الله أكبر )) ويدخل في معانيها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ، ( يقول لك ) : هذا لم يرد به كتاب ولا سنّة ،  ( فإن قلت له ) : لقد اتفق المسلمون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم ، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش ، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى { وهو رب العرش العظيم }  كما أنه رب العالمين جميعا ، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه ، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي ، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه : { ِإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [ فاطر : 41 ] ، هل يحتاج إلى شيء يحمله ، أو شيء يحيط به ويحويه ، مهما بلغ اتساعه وحجمه ، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق ، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش ، وهو الغني عنها ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،  

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

( وأنبه وأكرر  ) ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ، بلا حد ولا مقدار ، لأنّ الحد مهما اتسع فهو مخلوق ، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق ، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه ، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك ، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر ، أو اعظم منه ، لأنّ من أسمائه الحسنى : الكبير  المتعال ، والعلي العظيم ، ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال ، وكما ذكرت فإنّ من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام ، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه ، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك ، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود ، ولا كمثل ذاته ذات ، ولا كمثل صفاته صفات ، تنزهت ذاته وصفاته عن كل حد ومقدار ، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام وجميع المخلوقات المحدودة المقدرة ، فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال ، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس ، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات ،  ( وأنبه أيضا ) : تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، له حد الربوبية والإلهية ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ، إنّ من فوائد هذا التنزيه عن الحد والحصر والمقدار على المسلم أن يعظم الله تعالى بقلبه ويفهم العظمة والجلال في جميع الآيات التي تدل على هيمنة الله تعالى على أرجاء الكون كقوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } ، مع قوله تعالى { فإني قريب } ، مع قوله تعالى { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } ، مع قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ، وقوله تعالى { وكان الله بكل شيء محيطا } ، لأننا نعبد المنزه عن الحد والحصر والمقدار ، ولا نقول كما قالت الحلولية والجهمية : إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان ، ولا نقول كما قالت الحشوية الجهوية : إن الله في مكان دون مكان ألا وهو العرش العظيم ، بل نقول إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان وأنه هو رب العرش العظيم ، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته ، وأنه لا يُقال إن الله داخل الكون _ لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد  وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود _ ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب كما قال تعالى { ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون } وكما قال تعالى :{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ، وكما قال تعالى { واسجد واقترب } ، وكما قال الرسول الكريم _ وهو يبين قرب الرحمن _ (( إذا كَانَ أَحَدُكُم في صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربَّه فلا يَبْصُقَنَّ في قِبْلَتِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ )) [ أخرجه البخاري ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( أربعوا على أَنفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غَائِباً ، إنَّكم تَدْعُونَ سميعاً قَرِيباً ، والذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ )) [ أخرجه البخاري ] ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأنه سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة ، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته وصفاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر ، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن الزمان والمكان والحد والمقدار ، ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس ، ( إذا قلنا له ) : إنه لا يُقال أنه سبحانه داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه ، لأن الدخول والخروج والاتصال والانفصال من صفات الأجسام المخلوقة ، ولا وجه للتماثل بين الخالق والمخلوق ، ( فإنّه يقول ) : لا داخل ولا خارج تناقض ، ( نقول ) : هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه ، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل ، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال " لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل " لعدم التماثل بين العلم والحجر  ، ولله المثل الأعلى ، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق ، الله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ، وليس كمثل أفعاله أفعال ، وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد ، فلا تناقض يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق ،  تقول له ) : عند إعمال العقل وتدبره لقول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كان الله ولم يكن شيء غيره ))  [ البخاري ( 3020 ) ] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال منزه عن الوجود الزماني ، وكمال منزه عن الوجود المكاني ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فلا يجري عليه زمان ، وهو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فلا يحويه المكان ، وإذا لم يكن قبل ( الله ) تعالى شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ،  كما أنّ كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ،  أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، وقال تعالى : { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ، 

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ،  أيضا ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،   أيضا : ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون : أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة والله تعالى خالق مقدِر ( بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها ) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود ، وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ  ،  أيضا : عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء ، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  إنّ  عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين : الأوّل : قديم ، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ، وأيضا ( الأحدية ) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان ، وذلك لأن الأحدية تنافي الكثرة والانقسام والأجزاء ، والموجود في المكان ، يمينه يمين المكان ، ويساره يسار المكان ، واليمين واليسار والفوق والتحت  يلزم منها الكثرة والانقسام وكل ذلك يضاد الأحدية  ، وأيضا ( الصمدية ) ) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان ،  فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان ، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق ، وأيضا قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) ) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان ،  لأنه لو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق ، وأيضا قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق ، وقوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره ، والله تعالى كما أنّه منزه عن المكان فإنّه كذلك منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ، ( يقول الحشوي غير الدارس لعلم الأصول ) : لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن أو متحرك لهما أمثال كثيرة ، أو منزه عن السكون والحركة لا تماثل بينه وبينها ليس كمثله شيء ألا وهو الله تعالى وتقدس ، إنّ الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام ، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري ،  إنّ الحشوي الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا ،  لقد أخطأت الطائفة الحشوية خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ، وأخطأت الطائفة الحشوية خطأ جسيما أيضاً : عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا - بفهم سقيم بعيد عن التقديس  - هل هو  ( سبحانه ) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا ، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق ، وأعظم به من منهاج ، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا  ( علم توحيد الذات ) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ،  وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

( يقول لك ) : هذا من علم الكلام ، وعلم الكلام من علوم اليونان ،  تقول له إن اليونان كانوا يعبدون الأوثان ، وما أبعدهم عن هذا التقديس فأين ذلك من علوم عباد الأصنام والأجسام والأوثان ، ثم  إن علم الكلام نوعان : نوع باطل يقوم على السفسطة والفلسفة والتعطيل ، وهذا ذمه السلف والخلف العدول وقالوا في أهله ما قالوا ، ونوع آخر يمثل ركائز التقديس والتسبيح والتنزيه ، وهو العلم الراسخ الذي لابد من دراسته لأنّه علم توحيد الذات الذي يمنع من نسبة النقص أو العيب أو العجز إلى الله ، وهذا العلم مطلوب لكل متخصص في العقيدة كما أن علم أصول الفقه مطلوب لكل فقيه مجتهد ، ولتقريب أهمية هذا العلم الراسخ إلى ذهنه ، تقول له : هل ربنا قريب لنا بذاته ، قال حاش لله ، فإن قلت لم ؟ قال أنجعله في الأرض حيث المزابل والحشوش ، وحيث شبه الحلول في القاذورات سبحانك هذا بهتان عظيم ، ( تقول له ) : فإنّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم : { فإني قريب }[ البقرة : 186 ]  ، ويقول سبحانه : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ،  وقوله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } ، وظاهر  الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته ، ( قال لك ) : المراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، ومن كان كذلك كان قريبا حقا وصدقا ، ( تقول له ) :  نعم ما قلت ، فلم لا تعمم القاعدة  ، فإنه كما الأرض خلقه فإنّ السماء خلقه والعرش خلقه ، والكون بالذات فيهما شبه حلول في المخلوقات كما قررت أنت من قبل ، قال لك وكيف أفعل بقوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، ( فإن قلت له ) : إنّ الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء ، أي في العلو إشارة إلى علو مرتبة الذات والصفات , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث ، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي ، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء , تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ  ، وقد أجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان ، قال لك : فكيف أفعل بقوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } ، فإن قلت له : الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه عديدة تربو على العشرة ، فيأتي بمعنى :  التمكن والاستقرار :  ومنه قوله تعالى : { وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ } أي أن سفينة نوح عليه السلام استقرت على جبل الجودي ،  ويقال : استوى الرجل على ظهر دابته أي استقر عليها ، ، ويأتي بمعنى الاستقامة والاعتدال : ومنه قوله تعالى : { فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ } [سورة الفتح ] أي الزرع ، ويأتي بمعنى التمام :  ومنه قوله تعالى : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى } [ سورة القصص ] )) أي تمت قوته الجسدية ،  ويأتي بمعنى الاستيلاء أي القهر : يقال استوى فلان على بلدة كذا إذا احتوى على مقاليد الملك واستولى عليها وحازها ، قال اللغوي الفيومي في [ المصباح المنير  ص 113] : (( واستوى على سرير الملك كناية عن التملك وإن لم يجلس عليه )) اهـ ،  ويأتي بمعنى النضج : ( استوى الطعام أي نضج ) ،  ويأتي بمعنى القصد أو الإقبال : استوى إلى العراق : أي قصد إليها ) ، ويأتي بمعنى التماثل والتساوي : استوى القوم في المال إذا لم يفضل منهم أحد على غيره وتساووا فيه وهم فيه سواء ،  ويأتي بمعنى الجلوس : يقال: استوى على السرير إذا جلس عليه ،  ويأتي بمعنى العلو ، والاستواء بمعنى العلو قد يكون بالرتبة وقد يكون بالمكان ، وللاستواء في اللغة غير ذلك من المعاني ، فلابد وأن نعرف من تلك المعاني ما يستحيل على جنابه من معاني النقص والعجز والعيب والحدثان ، والاستواء بمعنى الجلوس لا يجوز لأنّه لا يكون الجلوس إلا بالجوارح والله تعالى منزه عن الجارحة ، كما لا يكون الجلوس إلا بمماسة واتصال وهما يستحيلان بين القديم والمحدث وبين الخالق والمخلوق وبين الرب والمربوب وبين الإله والمعبود ، والاستواء بمعنى الكون في مكان لا يجوز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويحده ويحيزه وهو أكبر من المتمكن فيه ، والله تعالى هو خالق المكان وهو القاهر للمكان وهو بكل شيء محيط ، والعرش أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن ، لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق ، والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة ، وهو جل شأنه القريب منا ، ولكنة قرب منزه عن الحلول والاتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير ) كما أن الاستواء استواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين ، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والاستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله ، وكما أنه منزه عن الحلول والاتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه ، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته ، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته ، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد ، ولهذا اعتبر السلف الكرام الراسخون في العلم صفة الاستواء من المتشابهات التي لا يجوز الخوض في تفسيرها ، لأنّ ظواهرها تدل على محدودية الخالق ونهاية ذاته ، ومحاذاته للمخلوق وتمكنه في المكان ، وكل ذلك علامات الخلق والحدوث وسمات المخلوق الناقص العاجز المحدود الذي ظهر عجزه بمحدوديته ونهاية غايته ، أمّا الخالق البارئ المصور تنزه عن الحد  والغاية وتنزه عن المقدار والنهاية ، وتعالى عن الحدود والغايات ، والأركان والأعضاء والأدوات ، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، وقد علم الراسخ في علم الأصول أنّ سياق آيات الاستواء جاء لبيان كمال الربوبية والهيمنة لقرينة قوله تعالى بعد ذكر الاستواء { يدبر الأمر } ،  أعود فأقول : لقد أخطأت الطائفة الحشوية التي تنتسب إلى السلفية خطأ جسيما أيضاً : عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا - بفهم سقيم بعيد عن التقديس  - هل هو  ( سبحانه ) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا ، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ،  وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق ، وأعظم به من منهاج ، ولكن لم يكن لهم توسع في استعمال العقل في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا  ( علم توحيد الذات ) ، لو تواضعوا للعلم ودرسوا  قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ المبحث الثاني ] : أهمية  علم التقديس في ضبط أصول العقيدة وتوحيد الذات ، وبيان خطأ الحشوية في إساءة الظن به ،

[  1  ] المقصود من ذلك العلم هو بيان التنزيه والتقديس والتسبيح والتوحيد المتعلق بجناب بذات الله تعالى ، وما يجب له سبحانه من صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه ، وما يستحيل في حق ذاته سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث ، ومشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة ، قال جل شأنه ( ليس كمثله شيء ) وقال تعالى ( ولا يحيطون به علما ) وقال تعالى ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) وقال تعالى ( هل تعلم له سميا ) أي مثيلا وقال تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، و علم التقديس : ( علم توحيد الذات ) يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى لأنه كما هو مقرر في الأصول فيما يتعلق بذات الله تعالى ( العجز عن درك الإدراك إدراك والخوض في معرفة كنه ذات الله كفر وإشراك ) وإنما المقصود من هذا العلم _ بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها _ هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض ، فيصل طالب علم التقديس إلى عبادة الإله الواحد القهار الكبير المتعال الحي القيوم الأحد الصمد الغني الحميد الذي ليس كمثله شيء لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، ولَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، إنّ دراسة هذا العلم يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق جناب ذات الله سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 103 ] ، كما أنّ دراسة هذا العلم الشريف يؤدي إلى اعتقاد اتصاف الذات بالكمال الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال ، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء ، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث ، فكذلك فإن هذا العلم يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها إلا المتخصصون ، وقد تقدم بيان ذلك ،  إنّ علم ( توحيد الذات ) علم التقديس والتنزيه هو أشرف علوم الإسلام وأعلاها لأنّه يتعلق بالعلم بالله تعالى ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه التي هي صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم ، كما أنه العلم الذي عند إهماله سيكون الخلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه ، والقصور الواضح الجلي فيما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، ومن ثم تكون نتيجة إهمال هذا العلم الشريف اعتقاد التجسيم والخروج من إطار أهل السنة إلى إطار المجسمة ، وإن لم يقروا بذلك ، وإن لم يشعروا بذلك ،  ومن تلك القواعد قواعد من أدلة الكتاب والسنة تمهد لفقه قواعد التقديس ، ومنها : أنّ الله تعالى خالق كل شيء ومن خلقه المكان والزمان والحد والمقدار ، وأنّ الله تعالى هو الأول الآخر الظاهر الباطن ، وأنّ الله تعالى هو الواحد القهار قهر الخلق بالحد والمقدار والكون في المكان وأن يجري عليهم الزمان وهو منزه عن ذلك كله وهو القاهر فوق عباده ، وأنّ الله تعالى هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وأنّ الله تعالى هو الغني الحميد له كمال الغنى والحمد ، وأنّ الله تعالى هو الكبير المتعال تعالى عن الحد والمقدار وعن الكون في المكان وأن يجري عليه زمان ، وأنّ الله تعالى هو الحي القيوم العلي العظيم ، وأنّ الله تعالى هو القدوس الذي ليس كمثله شيء ، وأنّ الله تعالى هو القريب المحيط الرحمن على العرش استوى ، ومن تلك القواعد : قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى ، ومنها : القاعدة الأولى : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ، القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، القاعدة الرابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، القاعدة الثانية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ، القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل ، القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، القاعدة الخامسة عشرة : رؤية ذات الله تعالى في الآخرة ، ومن تلك القواعد : قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العظيمة وأفعاله الحكيمة وربوبيته وألوهيته لجميع خلقه وعباده ، ومن تلك القواعد : قواعد لفقه الصفات الخبرية : ومنها : تحديد دائرة المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار ، وبيان أنّ كل خبر يعارض الأدلة القطعية والآيات المحكمة فهو متشابه لا بد من رده إلى المحكم ،وبيان أبعاد مذهب السلف الحق في باب الصفات والأخبار المتشابهات ، وبيان أنّه تفويض المعنى المراد مع الحفاظ على علم التقديس والتنزيه ، وحل الإشكالات المتعلقة بعلم التنزيه وتصفية العلم من شوائب الحشو والتجسيم  وحل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم ، والقضاء على أخطر شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه ،  والقضاء على شبه المجسمة من اثبات الجارحة والصورة والشكل والأعضاء ، وإثبات الحد والجهة والمقدار ، وإثبات الحركة والسكون والكون في المكان ، وحل اشكاليات الاستواء والجهة والمكان والحدوث وحلول الحوادث ،  و من تلك القواعد : قواعد معرفة المدارس المتخصصة في باب العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، ومنها : بيان مدارس أهل السنّة والجماعة الثلاث في باب العقيدة : الأثرية والأشعرية والماتريدية ، وبيان أنّ الأثرية هم الامتداد الحقيقي لمذهب السلف ، وبيان القواعد الأثرية في فهم الصفات الخبرية ، وبيان أنّ الأشعرية والماتريدية امتداد السلف والمتخصصون في الرد على الطوائف الضالة ، وبيان قواعد التقديس التي ساهم الأشعرية والماتريدية في تأصيلها ، وبيان فضل الطائفة السنية ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) على مر عصور الإسلام  ، ويتناول قواعد معرفة اللبس في انتساب الحشوية إلى السلف وبيان أنّ الكثير من متسلفة اليوم ليسوا على منهج السلف الحقيقي الصافي ،  إن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل وأحكام هذا الباب ، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، من لا يعرف هذا العلم الراسخ ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ المبحث الثاني ] : أهمية  علم التقديس في ضبط أصول العقيدة وتوحيد الذات ، وبيان خطأ الحشوية في إساءة الظن به ،

[  1  ] المقصود من ذلك العلم هو بيان التنزيه والتقديس والتسبيح والتوحيد المتعلق بجناب بذات الله تعالى ، وما يجب له سبحانه من صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه ، وما يستحيل في حق ذاته سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث ، ومشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة ، قال جل شأنه ( ليس كمثله شيء ) وقال تعالى ( ولا يحيطون به علما ) وقال تعالى ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) وقال تعالى ( هل تعلم له سميا ) أي مثيلا وقال تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، و علم التقديس : ( علم توحيد الذات ) يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى لأنه كما هو مقرر في الأصول فيما يتعلق بذات الله تعالى ( العجز عن درك الإدراك إدراك والخوض في معرفة كنه ذات الله كفر وإشراك ) وإنما المقصود من هذا العلم _ بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها _ هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض ، فيصل طالب علم التقديس إلى عبادة الإله الواحد القهار الكبير المتعال الحي القيوم الأحد الصمد الغني الحميد الذي ليس كمثله شيء لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، ولَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، إنّ دراسة هذا العلم يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق جناب ذات الله سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 103 ] ، كما أنّ دراسة هذا العلم الشريف يؤدي إلى اعتقاد اتصاف الذات بالكمال الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال ، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء ، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث ، فكذلك فإن هذا العلم يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها إلا المتخصصون ، وقد تقدم بيان ذلك ،  إنّ علم ( توحيد الذات ) علم التقديس والتنزيه هو أشرف علوم الإسلام وأعلاها لأنّه يتعلق بالعلم بالله تعالى ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه التي هي صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم ، كما أنه العلم الذي عند إهماله سيكون الخلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه ، والقصور الواضح الجلي فيما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، ومن ثم تكون نتيجة إهمال هذا العلم الشريف اعتقاد التجسيم والخروج من إطار أهل السنة إلى إطار المجسمة ، وإن لم يقروا بذلك ، وإن لم يشعروا بذلك ،  ومن تلك القواعد قواعد من أدلة الكتاب والسنة تمهد لفقه قواعد التقديس ، ومنها : أنّ الله تعالى خالق كل شيء ومن خلقه المكان والزمان والحد والمقدار ، وأنّ الله تعالى هو الأول الآخر الظاهر الباطن ، وأنّ الله تعالى هو الواحد القهار قهر الخلق بالحد والمقدار والكون في المكان وأن يجري عليهم الزمان وهو منزه عن ذلك كله وهو القاهر فوق عباده ، وأنّ الله تعالى هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وأنّ الله تعالى هو الغني الحميد له كمال الغنى والحمد ، وأنّ الله تعالى هو الكبير المتعال تعالى عن الحد والمقدار وعن الكون في المكان وأن يجري عليه زمان ، وأنّ الله تعالى هو الحي القيوم العلي العظيم ، وأنّ الله تعالى هو القدوس الذي ليس كمثله شيء ، وأنّ الله تعالى هو القريب المحيط الرحمن على العرش استوى ، ومن تلك القواعد : قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى ، ومنها : القاعدة الأولى : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ، القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، القاعدة الرابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، القاعدة الثانية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ، القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل ، القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، القاعدة الخامسة عشرة : رؤية ذات الله تعالى في الآخرة ، إن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل وأحكام هذا الباب ، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، من لا يعرف هذا العلم الراسخ ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ المبحث الثالث ] : تحديد باب المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار ، وبيان خوض الحشوية في متشابه الأخبار

أقول : قد  تقدم بيان المتشابه وحكمه ، وبيان المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار ، بما يغني عن اعادته هنا ، ولكن لجهل الحشوية بهذا العلم خاضت في هذا الباب بما نهى الله تعالى عته ، أخذوا بظواهر المتشابهات ، ثم تحزبوا عليها ، وامتحنوا الناس على أساسها ، وهم ينتسبون إلى السلف ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، إنّهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف ، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه ، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية  من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية المتشابهة ، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم  ، ويمتحن الناس باعتقادها ، هل هذه سلفية ، أم حشوية ، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية ، خوفا من تتبع المتشابهات ، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها ، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم ، ثم ينسب ذلك إلى السلف ، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى ، بل الشيعة على بدعهم ، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء ، من  نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى ، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى ، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم ، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ،  وهم يبدعون المؤولة ، ثم يتأولون  القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة ، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية ، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع ، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته ، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة ، وهذا المكان هو العرش على ظنهم ، وأنّه بذاته فوق عرشه ، فأتو بلفظ ( ذاته ) من عند أنفسهم ، وجعلوا الاستواء حسيا ، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس كمثل وجوده وجود ، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش ، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان ، والملك والملكوت ، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون ، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم ، ويقولون " لا يعقل " وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول ، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول ، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات ، يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء ، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء ، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة ، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح ، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين ، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء ، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وعن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ،

[ المبحث الرابع  ] :  المذهب الحقيقي والصحيح للسلف الكرام ،  هو تفويض معنى المتشابه أو حمله على محكمه ، وبيان خطأ الحشوية في إعلان الحرب على التفويض والتأويل 

هناك نصوص توهم الجارحة كالعين واليد ، ونصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، ونصوص توهم النقص والحد ، ومذهب السلف فيها تفويض معنى المتشابه أو حمله على محكمه بالتأويل الصحيح ، فالخط العام السائد : أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ،  وأما الخط الخاص فقد كان يتمثل في حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وذلك بالتأويل الصحيح ، فإن ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  قد ورد عن السلف الكرام ، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا   ،  ومن ذلك ما ثبت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري (3 / 7) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2 / 322 ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17 / 52 ] ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري (18/135) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد [ الطبري 29 / 38، القرطبي 18 / 249] ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ( قلت ) ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ،  أما أهل الحشو والتجسيم فقد اعلنوا الحرب على التفويض والتأويل وجعل أهلهما من شر أهل البدعة

خطأ الحشوية في إعلان الحرب على التفويض والتأويل وجعل أهلهما من شر أهل البدعة :  لقد طعن أئمة الحشو والجهل بقواعد التقديس في مسلك تفويض المعنى الذي قام عليه مذهب السلف الحقيقي ، حتى جعلوه شر أقوال أهل البدع ، وقد تسرب ذلك إلى معتقد ابن تيمية حتى قال : "  فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد "  [ درء التعارض 1/205] ،  وسمى أهلَ التفويض بأهل التجهيل فقال : " وأما أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف يقولون إن الرسول لم يعرف معانيَ ما أنزل الله إليه من آيات الصفات .. ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك .. ) [ مجموع الفتاوى 5/34 ] ، وانتصر للقول بأنّ مذهب السلف هو إثبات المعنى وتفويض الكيفية  ، مع ما في هذا المسلك من المحاذير والأخطاء ، ومبنى هذا المسلك على إثبات الألفاظ الموهمة المتشابهة وعدِّها من صفات الله تعالى وإثباتِ الكيفية مع نفي العلم بهذه الكيفية إلى الله عز وجل ، وإذا كان أهل الحشو والتجسيم قد بالغوا في القدح في مسلك التفويض فمن باب الأولى أن يبالغوا في القدح في التأويل ، ووصفوه بأنّه أصلُ كلِ بدعة وأنه شرٌ من التشبيه والتعطيل وأنه الطاغوت الأكبر ، مع أنّه ثابت عن السلف الكرام ، ولا مناص من اعتماده في كثير من المتشابهات ، ولا بد أن يستسيغ التأويل في بعض المواضع ولهذا قال إمام الحرمين الجويني : ( ومما يجب الاعتناء به معارضة الحشوية بآيات يوافقون على تأويلها حتى إذا سلكوا مسلك التأويل عورضوا بذلك السبيل فيما فيه التنازع ،  فمما يعارَضون به قوله تعالى : " وهو معكم أينما كنتم " [لآية (4) من سورة الحديد ] فإن راموا إجراء ذلك على الظاهر حلوا عقدة إصرارهم في حمل الاستواء على العرش على الكون عليه ، والتزموا فضائح لا يبوء بها عاقل ، وإن حملوا قوله :"وهو معكم أينما كنتم" على الإحاطة بالخفيات فقد تسوغوا التأويل )  [ الإرشاد 161 ] 

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ لمبحث الخامس  ] : استمداد علم الكلام السُني من أدلة الكتاب والسنّة ،  وبيان خطأ الحشوية في إساءة الظن به  ونسبته إلى علوم اليونان ،

[  1  ] : علم الكلام نوعان : نوع باطل يقوم على السفسطة والفلسفة والتعطيل والاعتزال ، وهذا ذمه السلف والخلف العدول وكل ما ورد عن السلف الكرام في ذم علم الكلام فإنّما يعود على هذا النوع الباطل ، ونوع آخر يقوم على التقديس والتسبيح والتنزيه على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وهو العلم الراسخ الذي لابد من دراسته لأنّه علم توحيد الذات الذي يمنع من نسبة النقص أو العيب أو العجز إلى الله ، وهذا العلم مطلوب حتماً لكل متخصص في العقيدة كما أن علم أصول الفقه مطلوب لكل فقيه مجتهد ،

[  2  ] المقصود بعلم الكلام الراسخ  : هو العلم الذي يعنى بمعرفة الله تعالى والإيمان به ومعرفة ما يجب له سبحانه وما يستحيل عليه وما يجوز له سبحانه ، مع معرفة سائر ما هو من أركان الإيمان الستة ويلحق بها ، وهو من أشرف العلوم وأهمها وأكرمها لأن شرف العلم يتبع شرف المعلوم لكن بشرط أن لا يخرج عن مدلول الكتاب والسنة الصحيحة وإجماع العدول وفهم العقول السليمة في حدود القواعد الشرعية وقواعد اللغة العربية الأصيلة ، ويعتبر علم الكلام من أشدّ العلوم خطورة ، حيث أنّ الخطأ في أصوله وقواعده يؤول إلى البدعة والضلالة والفرقة والندامة ، ومما يزيد من أهمية دراسة هذا العلم أنّ الأمة الإسلامية صدق فيها خبر المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وتفرقت فرقا جميعها يستحق الوعيد بالنّار إلا واحدة على المعتقد الحق الوسط العدل بين المغالين والجافين والمبطلين ،  هذه الفرقة هي ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة من العلم والعمل ، وما كان عليه السلف الصالح حقا من التقديس والتفويض وحمل المتشابهات على أمهاتها من المحكم ، هذه الفرقة الناجية التي تقوم على التمسك بما جاء في الكتاب والسنة ، بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف ، إذ هم أهل التخصص والاستنباط ، لقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، فقد  أوضحت الآية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة ، وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، والثانية : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري ، والثالثة : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ، وهم الذين ضبطوا علم الكلام السني وأصول العقيدة الصحيحة ،

[  3  ] تعريف علم الكلام  : قال مفخرة أهل الأصول القاضي عضد الدين الأيجي في مواقفه  : ( الكلام علمٌ يقتدر معه على إثبات العقائد الدينيّة ، بإيراد الحجج ، ودفع الشبهة ) [ المواقف  : ج1ص 31 ] ، وبهذا التعريف يدخل في علم الكلام كل ما يتعلق بالاعتقاد ، ويخرج منه ما يتعلق بالأعمال ، وقال ابن خلدون في مقدّمته  : ( هو علمٌ يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانيّة ، بالأدلّة العقليّة ، والردّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنّة ) [ تاريخ ابن خلدون : ج1 ص485 ] ، فقيده بمذاهب السلف وأهل السنّة ، وأخرج منه مباحث أهل الاعتزال ، وقال الجرجانيّ في تعريفه  : ( علمٌ يُبحث فيه عن ذات الله تعالى ، وصفاته ، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام )  [ التعريفات : ص458 ] ، وبهذا التعريف يدخل علم التقديس المستمد من الكتاب والسنّة في أول مبادئ علم الكلام ( علمٌ يُبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته ) ، كما أنّه جعل قيده على قانون الإسلام ، فأخرج مباحث الفلسفة الخارجة عن عقائد الإسلام ،

[  4  ] : منزلة علم الكلام من سائر علوم الإسلام : لدين الإسلام القيم مراتب ثلاثة : الأولى : ( الإسلام ) ، وهي خمسَةُ أركانٍ بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (( بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) [ أخرجه البخاري ] ، والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم الشريعة ، ويسمى علم الفقه ، والمرتبة الثانية هي :  ( الإيمان ) ، وهي ستّة أركان بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم   بقوله: (( الإيمان : أن تؤمن بالله، وملائكته، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخر، وتُؤمنَ بالقَدَر خَيْره وشَرِّه )) [ أخرجه مسلمٌ ] ، والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم العقيدة وله مسميات عديدة منها علم الإيما ن ، وعلم التوحيد ، وعلم الكلام ، والمرتبة الثالثة هي : ( الإحسان )، ولها منازل عديدة تبدأ بالمراقبة وتنتهي بالمشاهدة ، وهذا ما فهمه العلماء من قوله صلى الله عليه وسلم  : (( الإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )) [ أخرجه مسلم ] والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم : ( التزكية والأخلاق ) وله مسميات عديدة منها علم التصوف ، وعلم الإحسان ، ومعنى ذلك : أنّ علوم الدين الأساسية ثلاثة : ( علم العقيدة ) ويُسمّى: ( علم الإيمان ) أو ( علم أصول الدِّين ) أو ( علم التوحيد ) أو ( علم الكلام ) ، والخلاف في أصول هذا العلم خطير ، لأنّه خلاف بين حق وضلال وسنة وبدعة ، وفرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار  ، والعلم الثاني ( علم الشريعة ) ويُسمّى : ( علم الفقه ) والخلاف فيه خلاف بين صواب وخطأ ولا يؤدي إلى فرقة وضلال  والفرقة الناجية بالعقيدة الصائبة (أهل السنة والجماعة ) لها مدارس متخصصة ضبطت الفقه وأصوله وعلومه ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، والعلم الثالث : علم التزكية ويسمّى: ( علم الأخلاق ) أو ( علم السلوك ) أو ( التصوف )  وهو طريق السالكين إلى الله وله مدارس متخصصة ضبطت السلوك وأصوله وعلومه ،

[  5  ] : موضوع علم الكلام السني : علم الكلام السني هو المرادف لعلم العقيدة ، وعلم أصول الدين ،  ولذلك فإن المحور الأساس الذي تدور حوله أكثر مسائل علم الكلام السني  هو أركان الإيمان الستة ( الإيمان بالله تعالى والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر ) ، وأهمها على الإطلاق الإيمان بالله تعالى ويدخل فيه تقديس ذاته وصفاته وأفعاله ،

[  6  ] : المباحث التي يهتم علم الكلام بتناولها : ( أ ) يهتم علم الكلام بدراسة أركان الإيمان الستة ( الإيمان بالله تعالى والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر ) على منهاج الكتاب والسنّة ، ( ب ) يهتم علم الكلام بكل مباحث علم التقديس وتنزيه ذات الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه ، ( ت ) يهتم علم الكلام بكل مباحث علم التوحيد وتوحيد الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله ، ( ث ) يهتم علم الكلام بمباحث السنّة والبدعة لحفظ أهل السنّة والجماعة من كل ابتداع يؤول بأحدهم إلى رؤوس الفرق الضالة ، ( ج ) يهتم علم الكلام بكل مباحث علم العقيدة الإسلاميّة الحقّة ( عقيدة أهل السنّة والجماعة الناجية ) والدفاع عنها ، مقابل آراء أهل البدع والشبهات ، ( ح ) يهتم علم الكلام بكل المباحث التي تُظهر عوار الفرق الضالة التي حادت عن طريق أهل النجاة ، وأصول تلك الفرق الضالة : الشيعة والخوارج والمعتزلة والحشوية والمرجئة ، لأنّها أكثر الفرق الضالة أتباعا ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[  7  ] : مناهج الاستدلال على الاعتقاد في علم الكلام على منهاج أهل السنة والجماعة : تعتمد مناهج الاستدلال على الأدلّة والبراهين العقليّة والنقليّة لتقرير مذهب أهل السنّة والجماعة في كافة مباحث العقيدة ، ويعملون العقل في فهم أدلة الكتاب والسنّة ويحملون المتشابه على أمهاته من المحكم ، عملا بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي المحكم : تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم واليقين والفقه في الدين ، لأن المحكم أصل العلم ، { مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } ، وفي المتشابه : تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط ، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة ، وبين الجهمية والمعتزلة ، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على : التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم ، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها ، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى ، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق ، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم ،  وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته ، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته ، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه ، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر ، وأما الإمساك : فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة ، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه ، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، ثم لما كان الوقف - في الآية – صحيحا على لفظ الجلالة ( اللَّهُ ) أو على قوله تعالى { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } ، على اختلاف طبيعة المتشابه ، اتسع إطار أهل السنة والجماعة - لحكمة من الله تعالى ورحمة - ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل ، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية ( لغة القرآن ) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل ، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم  ، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله ،

[  13  ] : الغاية من علم الكلام : معرفة عقائد أهل السنّة والجماعة الناجية ونشرها وإظهارها وتعليمها لأهل الإسلام ، والدفاع عن العقيدة الصحيحة ، والحفاظ على إيمان ومعتقدات أهل الإسلام  ، وعلم الكلام هو أهمّ وأبرز العلوم الإسلاميّة التي أخذت على عاتقها ومسؤوليّتها الدفاع عن الدين ، وردّ الشبهات ، ورفع الإشكالات ، ودفع الاعتراضات ، إنّ علم الكلام يتناول ( الإيمان ) ، وضد الإيمان الكفر ، ويتناول ( التوحيد ) ، وضد التوحيد الشرك والخلود الأبدي في النار  ، وهو علم يتعلق بتقديس الله تعالى ، وما كان كذلك كان لاشك أشرف العلوم وأهم العلوم ، وأفضل العلوم ، وكان مقدّماً على سائر العلوم ، وسابقاً عليها ، ولأجل هذا سماه السلف علم الفقه الأكبر ، وسماه أهل التخصص علم أصول الدين وعلم العقيدة ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ، ويمكن إجمال فوائد هذا العلم العظيم في : معرفة أصول الدين معرفة علمية قائمة على أساس من الدليل و البرهان  ، والقدرة على إثبات قواعد العقائد بالدليل و الحجة ، والقدرة على إبطال الشبهات التي تثار حول قواعد العقائد ، وبيان الإطار العام لأهل السنة والجماعة أهل الحق في العقائد ، ومعرفة الفرق الضالة المستحقة الوعيد بالنار وإقامة الحجة عليهم

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ المبحث السادس ] :  إثبات مجاز القرآن وبيان خطأ الحشوية  في نفي المجاز

[  1  ] : القرآن هو المعجزة التي جاءت في زمن الفصاحة والبيان ، تحدى بها الله تعالى بلغاء العرب وفصحائهم ، فعجزا عن الإتيان بمثل سورة واحدة من سوره الكريمة ،  مع أنّه نزل بلغتهم جاء على طرائقهم في البيان والكلام ، قال تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ يوسف : 2 ] ، وقال تعالى : { قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ الزمر : 28 ] ، وكل ما اشتملت عليه اللغة من البلاغة والفصاحة فقد جاء القرآن بأعلى ما اللغة من جمال وبيان ، ومن ذلك ( المجاز ) الذي هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول : ( ومن قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ) أهـ [ أسرار البلاغة : صـ ٣٦١ ] ، وقال الزركشي : ( لو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن ) [ البرهان في علوم القرآن : ٢/٢٥٥ ] ، وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط : ( والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين ) أهـ  [ تفسير البحر المحيط ، سورة البقرة ، آية 115 ] ، وقال الشوكاني : ( وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة ) [ إرشاد الفحول : 50 ، 51 ] ،

[  2  ] :  القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك : التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر ، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما ، وهذا كما في قوله تعالى : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [ النمل : 80 ، 81 ] ، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 24 ] ، وقوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه ، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي غاية السخاء والكرم { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } [ هود : 37 ] ، وقوله تعالى : { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر : 13 ، 14 ] ، والسفينة لا تجري في أعين الله ، تعالى الله ، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة ، وقوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ، ومن أدلة القرآن الكريم على المجاز ، قوله تعالى : { قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ البقرة : 93 ] ، فلم نسمع عن شراب اسمه العجل ، ولم نسمع عن قلوب تشرب ، وإنما هو التعبير المجازي الذي يدل على أنّهم عبدوا العجل ، وأنّ قلوبهم قد امتلأت بحب العجل كإله من دون الله ، والمعنى المقصود وأشربوا في قلوبهم حب العجل بسبب كفرهم ، وقوله تعالى : { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [ الإسراء : 72 ] ، والعمى يُطلق في الحقيقة على البصر ، فهل من كان أعمى البصر في الدُنيا يكون أعمى في الأخرة ، وما ذنبه إن كان مؤمنا بالله ، أم أنّ المعنى المقصود : من كان في الدُنيا أعمى البصيرة كان في الآخرة أعمى البصر جزاء كفره ، وعلمنا ذلك بقرينة قوله تعالى : { وَأَضَلُّ سَبِيلًا } ، فالضلال يُلازم عمى البصيرة ولا علاقة له بعمى البصر ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[  3  ] : أنواع المجاز في القرآن  : أنواع المجاز في القرآن كثيرة منها : المجاز العقلي ، ومنه الإسنادُ إلى المكانِ ، نحو قوله تعالى  : { وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ } ، فقد أسندَ الجريَ إلى الأنهار ، وهي أمكنةٌ للمياهِ ، وليستْ جاريةً بل الجاري ماؤُها وعلاقته الملابسة ، ونحو { فما ربحت تجارتهم } ، والتجارة لا تربح فلما كان الربح فيها نسب الفعل إليها ، ونحو قوله تعالى ‏{‏وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا‏}‏ نسبت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكونها سببًا لها ، وكقوله تعالى ‏{‏يومًا يجعل الولدان شيبًا‏}‏ نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه ، وكقوله تعالى {‏فأمه هاوية‏}‏ فاسم الأم الهاوية مجاز‏:‏ أي كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع‏ ، ومنها المجاز اللغوي وهو استعمال اللفظ في ما وُضع لـه أولاً ، وأنواعه كثيرة ، منها : إطلاق اسم الكل على الجزء نحو { يجعلون أصابعهم في آذانهم } ، أي أناملهم ، وإطلاق الجزء على الكل نحو { ويبقى وجه ربك } ، أي ذاته ، وإطلاق اسم الخاص على العام نحو { إنا رسول رب العالمين } ، أي رسولاه ، وإطلاق اسم العام على الخاص نحو { ويستغفرون لمن في الأرض } ، أي للمؤمنين ! ، وإطلاق اسم اللازم على الملزوم نحو { هل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدة } ، أي هل يفعل؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له ، وإطلاق المسبّب على السبب نحو { ينزل لكم من السماء رزقاً  } ، أي مطراً يتسبب عنه الرزق ، وإطلاق السبب على المسبّب نحو { ما كانوا يستطيعون السمع } ، أي القبول والعمل ، وتسمية الشيء باسم ما كان عليه نحو  { وآتوا اليتامى أموالهم } ، أي الذين كانوا يتامى ، وتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه { إني أراني أعصر خمراً  } ، أي عنباً يؤول إلى الخمرية ، وإطلاق اسم الحالّ على المحل نحو  { ففي رحمة الله هم فيها خالدون } ، أي في الجنة محل الرحمة ، وإطلاق اسم المحل على الحالّ نحو { فليدع ناديه } ، أي أهل ناديه. ، وتسمية الشيء باسم آلته نحو { واجعل لي لسان صدق } ، أي ثناءً لأن اللسان آلته ، وتسمية الشيء باسم ضده نحو { فبشرهم بعذاب أليم } ، والبشارة للخبر السار ، وإضافة الفعل إلى ما لا يصح منه، تشبيهاً نحو { جداراً يريد أن ينقض } ، وإطلاق الفعل والمراد مشارفته وإرادته { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا } ،  أي أردتم القيام ؛ { وإذا قرأت القرآن فاستعذْ } ، أي أردت القراءة ، ومنه قلب الإسناد نحو { ما إنَّ مفاتحه لتنؤ بالعصبة } ، أي لتنوء العصبة بها ،  وهناك من المجاز : ( الاستعارة ) ويمكن تقسيمُ الاستعارة إلى تصريحية وإلى مكنية : فالاستعارةُ التصريحيةُ  : هي ما صُرَّحَ فيها بلَفظِ المشبَّه بهِ ، كقوله تعالى  : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }  ، والصراطُ الطريقُ  ،فقد شبَّه الدينَ بالصراطِ بجامعِ التوصيل إلى الهدفِ في كلٍّ منهما وحذفَ المشبَّه وهو الإسلامُ وأبقى المشبَّهَ بهِ  ، وقوله تعالى  : { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } ، فقد شبَّه الكفرَ بالظلماتِ  والإيمانَ بالنورِ وحذفَ المشبَّه وأبقى المشبَّهَ به ، والاستعارةُ المكنيَّةُ  : هي ما حُذِفَ فيها المشَبَّهَ بهِ ورُمِزَ لهُ بشيء مِنْ لوازمه ،  كقوله تعالى  : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } ، فقد شبَّه الذلَّ بالطائرِ  ، وحذف المشبَّه به ولكنْ رمزَ إليه بشيءٍ من لوازمهِ وهو الجناحُ  ، فلم يذكر من أركانِ التشبيه إلا الذلَّ وهو المشبَّهُ ، وهناك من المجاز ( الكناية ) ، ومن أنواع الكناية : الكنايةٌ عن موصوفٍ :  كقوله تعالى  : {  وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ  } كناية عن السفينةِ والدسر هي المسامير ، والكناية عن الصفة ومنه قوله تعالى  : { وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } كناية عن الهيمنة والقدرة ، وقوله تعالى  : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  } ، كنايةٌ عن الربوبية والقهر وتمام القدرةِ ، وقوةِ التمكُّنِ والاستيلاءِ  ، وقوله تعالى { بِيَدِهِ الْمُلْكُ  } كناية عن القدرة ، والمجاز لو ذهبنا نتتبعه لوجدناه في أكثر القرآن ، وهو قمة البلاغة في تقرير المعاني ، ومنكر المجاز ظاهري جلد مكابر معاند للمعلوم من لغة العرب بالضرورة ، وإلا فكيف نفهم قوله تعالى  : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [ النحل : 112 ] ، فهل القرية يأتيها رزقها أم أهل القرية ، وهل للجوع لباس ، وهل للخوف مذاق ، أم أنّها بلاغة المجاز في تصوير حال الكافرين عندما أبدلهم الله تعالى الرزق والرغد بالجوع والأمن بالخوف ، وقوله تعالى  : { فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 26 ] ، فهل يستطيع أحد ان يخبرنا بطعم المخزي ومزاق الخزي في قوله تعالى : { فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ } ، أم أنّه المجاز على بيان عاقبة التكذيب ، ولو ذهبا نستطرد في ذكر المجاز في القرآن الكريم لما أسعفتنا  المجلدات ، ومن السخف والجهل باللغة والبلاغة والبيان إنكار المجاز من القرآن ،  نعم : هناك من كابر وأنكر المجاز في القرآن ، وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، وذلك محال على الله تعالى ، وهذا من الجهل باللغة ، فإنّ " من قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ،  والمجاز هو علم البيان بأجمعه ، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ لأن مجاز القرآن في الذروة من البيان العربي ، فالقرآن كتاب العربية الأكبر ، وقد وقف العرب عاجزين أمام حسّه المجازي ، وبعده التشبيهي ، ورصده الاستعاري ، وتهذيبه الكنائي ، وكل ما سبق من مفردات المجاز ، ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الاصيلة ، وليس الأمر كذلك ، ثم نفي المجاز لا علاقة له بنفي الحقيقة ، وهم يخلطون ما بين المجاز والحقيقة ، وما نملك وقد حُرموا لذة الاستمتاع ببلاغة القرآن بسبب بدعتهم ، ولهم بواعث لإنكار المجاز مريبة ، لأن إنكار المجاز مكابرة ، ولكن هناك بواعث كامنة دفعت هؤلاء إلى إنكار المجاز ، منها ، ( 1 ) مناصرتهم لعقيدة الحشو أو التجسيم تعالى الله عما يقول : فهم  بإنكارهم المجاز لسان حالهم يقول : إنهم لا يقصدون التجسيم ولكن ما حيلتهم والنصوص تفيد ذلك ؟ فلابد من الإيمان بالوجه والعين واليد على ظاهر اللغة ، ثم يخرجون من ذلك إلى أن جمهور الأمة المنزهين لله سبحانه لا يؤمنون بالقرآن ولا بالسنة ! ( 2 ) : إبطالهم للتأويل الذي ينزه الله عن النقص والذي يحمل المتشابه على أمهاته من المحكم ، وبالتالي يقوون مذاهبهم في الحشو التجسيم ، والله الهادي إلى سواء السبيل ، 

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ المبحث السابع ] : قوة أخبار الآحاد الظنية ومدى الاستدلال بها على العقائد القطعية ، وبيان خطأ الحشوية في الاستدلال بالظنيات على إثبات القطعيات

[  1  ] : الاعتقاد هو التصديق الجازم الذي لا يقبل التشكيك ، والعقيدة الصحيحة لا تقوم إلا على اليقين ، ولا مدخل للظنون إلى العقائد ، وإنّ من أهم شروط الاعتقاد الصحيح أن يكون قائما على اليقين الجازم ، لا على الظن والتخمين ، ولهذا قرر علماء الأصول أنّ الاعتقاد الصحيح يجب أن يُسلَك فيه مسالك اليقين ، ولا يؤْخَذ إلا من دليل قطعي ، ولا يجوز أن تُؤْخَذ من دليل ظني ، فغير الدليل القطعي لا يصح بناء العقيدة عليه، بل يستحيل عقلا؛ لأن الاعتقاد جَزْم لا يقبل التردد، فإذا بُنِي على ما يحتمل الخطأ مهما قلّ الاحتمال لم يكن اعتقاداً أصلا، فبين الأمرين تناقض تام؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا الـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15] ،

[  2  ] : هناك فارق كبير بين الأمور العقائدية والأمور العملية ، فالأمور العملية قد تصح بناء على دليل ظني ، ولهذا قرر علماء الأصول بجواز العمل بالحديث الضعيف وخصه أكثرهم بفضائل الأعمال ، لا في مجال التحليل والتحريم ، أمّا أمور العقائد التي يكون الخلاف فيها بين حق وضلال وبين سنّة وبدعة فالأمر مختلف ، فلا يُقبل لبناء العقيدة إلا الدليل القطعي سواء من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة ، ولهذا فمن أعظم الحشو والزلل في أصول العقيدة أن تُبنى على دليل ظني سواء من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة ،

[  3  ] : تختلف الأدلة في قوة ورودها إلينا باختلاف طرق نقلها ، وتشتمل قسمين رئيسين : الأول : ( المتواتر ) ، وهو : الخبر الذي يرويه جمع ، يؤمن من تواطئهم على الكذب عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه ، ويفيد هذا الخبر العلم الضروري الذي يضطر الإنسان إلى التصديق به والعمل به من غير بحث عن رجاله مطلقا ، وهو نوعان الخبر المتواتر اللفظي ، والخبر المتواتر المعنوي ، وكلاهما يفيد القطع بوروده من طريق لا يتطرق إليه الشك، وهو ما يعبر عنه عند علماء الأصول بقطعي الورود ، والخبر المتواتر اللفظي : هو الخبر الذي تواتر لفظه ومعناه بأن رواه جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب مطلقا ، فالقرآن لا يقبل من غير التواتر اللفظي ، والحديث فيه من المتواتر اللفظي، وفيه من المتواتر المعنوي وفيه أيضاً خبر الآحاد ، والحديث المتواتر اللفظي ومثاله (( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )) فهذا الحديث رواه جمع من الصحابة باللفظ، وعنهم جماعة من التابعين ، وعنهم جماعة من تابعي تابعهم باللفظ والمعنى كليهما ، وهناك الخبر المتواتر المعنوي : وهو الحديث الذي تواتر معناه دون لفظه بأن روى معناه جمع يستحيل تواطؤهم في العادة على الكذب ، ومنه أحاديث المسح على الخفين مثلا ، فقد ورد في جواز ذلك من الأخبار الواردة عن الصحابة نحو سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول وفعل ، والتواتر اللفظي تُفيد ألفاظه التواتر ، ويمكن الاستدلال بها كألفاظ ، والتواتر المعنوي يُفيد بمعناه العام لا بألفاظه التواتر ، والتواتر بنوعيه اللفظي والمعنوي يفيد دليلا قطعي الورود كل بحسب نوع تواتره ، والقسم الثاني : (  خبر الآحاد ) : وهو ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واحد أو اثنان ما لم يبلغ حد التواتر وروى عن ذلك الراوي مثله وهكذا حتى وصلنا بسند طبقات آحاد لا جموع التواتر ، وهو ظني الورود لأنّه يمكن للشكوك أن تحوم حول طرق ورود خبر الآحاد، وما احتمل الشكوك فهو ظني الورود ،

[  4  ] : خبر الآحاد ظني الثبوت لأنّ الواحد لا يؤمن عليه الخطأ ولا الوهم ولا النسيان ، هذا إن ضمنا صدقه وعدالته وضبطه وحفظه ، فربما روى بالمعنى وربما اختلط عليه لفظ ، وقد ثبت في الحديث المتفق عليه أن ذا اليدين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى الظهر أو العصر ركعتين : " يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ ! فقال له : لم أنس ولم تقصر ثم قال للناس : أكما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا : نعم . فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم .. ) اه‍  ، فإنه لما قال ذو اليدين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنسيت أم قصرت الصلاة ) أفاد ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الظن لاحتمال الوهم والخطأ على ذي اليدين مع كونه راويا عدلا ضابطا ثقة وهو صحابي ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فلما صدقوا خبر ذي اليدين وهم عدد التواتر تحقق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وأفاد العلم ، ومما يدل على كون حديث الآحاد يفيد الظن لا اليقين : رد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في حديث " تعذيب الميت ببكاء أهله عليه " ، والحديث متفق عليه ، وردت رضي الله عنها على من قال أو روى أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه وهو ابن عباس رضي الله عنه وغيره ، والحديث في صحيح مسلم ، وأنكرت رضي الله عنها على أبي هريرة في حديث : " الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس " روى أبو داود الطيالسي ( ص 215 ) ، فقالت عائشة : لم يحفظ أبو هريرة لأنّه دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قاتل الله اليهود يقولون إن الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس سمع آخر الحديث ولم يسمع أوله ، ، وكان أبو بكر الصديق يحتاط في قبول أخبار الآحاد ، كما في ميراث الجدة ،  فقال المغيرة : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس ، فقال له : هل معك أحد ؟ ! فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه أبو بكر رضي الله عنه " اه‍ [  وابو داود ( 3 / 121 ) والترمذي ( 4 / 419 ) ورواه أحمد في المسند ( 4 / 225 ) والحاكم ( 4 / 338 ) وصححه وأقره الذهبي ،  وعمر رضي الله عنه هو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل وكان يتوقف في خبر الواحد حتى يتبين ، كما في خبر استئذان أبي موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع فأرسل عمر في أثره فقال : لم رجعت ؟ ! قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع " ، قال : لتأتيني على ذلك ببينة أو لافعلن بك ، فلم يتركه حتى شهد معه صحابي آخر ، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد ،  إذن ليس هناك في الأمة أصدق من الصحابة ولا أحفظ منهم ولا أفهم منهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك تثبتوا في خبر الآحاد بينهم ، وكذلك ما أكثر ما اختلف الرواة في الفاظ الحديث الواحد والواقعة الواحدة والدارسون لعلم متن الحديث يعلمون ذلك جيدا ، وذلك لأنّ الكثير من ديوان السنّة روي بالمعنى ، وهذا ما حدا بأهل النحو بمنع الاستدلال على وجوه الإعراب من الحديث لأنّ فيه ما أصابه الوهم والخطأ والنسيان ، وفيه ما روي بالمعنى ، نعم لقد حفظ الله تعالى السنّة ، ولكنّها درجات ، فمنها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف ، ومنها ما هو متواتر لفظا ومعنى ، ومنه ما هو متواتر لفظا ، ومنه ما هو حديث آحاد لا يبلغ حد التواتر ، والمستدل به على أصول العقائد لا ينبغي أن يكون إلا متواترا ، لأنّ الآحاد مهما بلغت قوته فهو ظني الثبوت ، وأصول العقائد لا تُبنى إلا على القطعي الثبوت والقطعي الدلالة ، 

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[  5  ] القضية العقائدية التي يبنيها أهل الحشو على لفظة ظنية في حديث آحاد ، إذا كانت تُخالف القطعي من الدين فلا يصح أن تقوم على دليل ظني كخبر الآحاد منفردا ، وهذا التدقيق وهذا الفقه في دين الله تعالى ، ليس معناه التشكيك في خبر الآحاد ، وليس معناه الحط من قيمته العلمية ، وإنما هو الميزان العدل الذي يعطي كل شيء قدره دون زيادة ولا نقصان ، وهو هو القول الرصين الراسخ في العلم والذي يثبت العقيدة ويحميها من كل تناقض أو خلل ، وينقيها من كل حشو أو بدعة أو ضلالة ، ويجعلها في مأمن من الانحراف والزلل ، ومن فضل الله تعالى على أهل السنّة والجماعة أنّه لا توجد قضايا عقدية أساسية انفرد الدليل الظني بإثباتها وليس لها أصلٌ في القرآن الكريم أو السنة المتواترة ، سواء أكان تواترًا لفظيًّا أم معنويًّا ، فإذا ثبت أصلُ القضية العقدية بالقرآن الكريم أو السنة المتواترة فتقبل أخبار الآحاد الصحيحة في تفاصيلها وفروعها ، 

[  6  ] : عدم الأخذ بخبر الواحد في إثبات القضية العقائدية إذا كانت تُخالف القطعي من الدين منفرداً ، ليس معناه إنكاره ، أو عدم العمل به ، وإنما يعني عدم القطع والجزم به في إثبات قضايا العقائد لاسيما التي ظهر فيها الخلاف ، فما بالنا بما يُخالف منها العقل الصريح الذي دل على صحته محكم الكتاب ، فهذه لا ينبغي أن يكون الدليل الظني ومنه خبر الآحاد دليلا قطعيا في المسألة إذ الظني محال أن يدل بمفرده على القطع في قضية معينه ،

[  8  ] : أضف إلى ذلك أن أخبار الآحاد تخضع للاجتهاد من قبل المتخصصين في علم الحديث في الحكم عليها من حيث الصحة والضعف ، وهذه الأمور الاجتهادية تخضع للاتفاق والاختلاف وعلماء الحديث يختلفون في التصحيح و التضعيف بناء على اختلافهم في الشروط التي يضعونها للحكم بصحة الحديث ، وبناء على اختلافهم في الحكم على رجال الحديث ، كما أنّ منهم المتشددين ومنهم من عُرف بالتساهل ، وكذلك فإنه قد يختلف علماء الحديث في الحكم باتصال السند ، وفي الحكم بالشذوذ أو النكارة على بعض نصوص الحديث ، بل يختلف حكم العالم الواحد فيُجِّرح مَن سبق منه تعديله أو يعكس ، وعلى ذلك فإننا نرى العلماء كثيرا ما يحكمون على بعض الأحاديث بالصحة لتوافر شروط الصحة فيها عندهم ، ثم يجدون بعض العلل التي تقدح في صحة ذلك الحديث فيحكمون عليه بما تقتضيه تلك العلة القادحة ، وقد يُضعفَّون بعض الأحاديث لعدم توافر شروط الصحة فيها ، ثم يجدون ما يقويها ، فيحكمون بصحتها وهكذا ، وإذا كان الحكم بتصحيح أي حديث من الآحاد أمرا اجتهاديا ، ويحتمل أن يكون بخلاف ذلك ، فلا يجوز القطع بدلالة ما دل عليه ، ومن ادعى غير ذلك فهو معاند للواقع ، وقد اتفقت المذاهب الفقهية – إلا أقوال شاذة غير معتد بها في المذاهب الفقهية كلها تنص على أن خبر الآحاد يفيد الظن لعدم عصمة الرواة من النسيان أو الوهم أو الخطأ أو الرواية بالمعنى ، ويمكنني القول بكل يقين أن علماء أهل السنة والجماعة سواء الفقهاء أو أهل الأصول الراسخون غي العلم : نصوا على أن حديث الآحاد يفيد الظن وأن الحديث المتواتر يفيد العلم ، وعلى ذلك فلو عارض حديث الآحاد نص القرآن أو حديث متواتر أو أجماع أو الدليل العقلي المبني على قواعد الكتاب والسنة أسقط الاحتجاج بخبر الآحاد لمعارضته لما يفيد القطع والعلم ، ويمكنني القول بكل يقين : أن خبر الآحاد مقبول عند أهل السنّة والجماعة ، معمول به في جميع الابواب حتى في أبواب العقيدة فبه يثبت أهل السنّة والجماعة الكثير من علامات الساعة والحساب والحشر والموازيين والسراط ، ولكنهم يتوقفون في قبوله إذا عارض نص القرآن أو حديث متواتر أو أجماع أو الدليل العقلي المبني على قواعد الكتاب والسنة ، فإنهم يسقطون الاحتجاج بخبر الآحاد لمعارضته لما يفيد القطع والعلم واليقين ، وهو لا يزال دليل ظني ، لأنّ الآحاد مهما ضمنا صدقهم لا يؤمن عليهم الخطأ ولا الوهم ولا النسيان ، وربما روى أحدهم بالمعنى وربما اختلط عليه لفظ ، وهكذا ، فإنه لا يُعصم من ذلك إلا الأنبياء المعصومين ،  ويمكنني القول بكل يقين : أن علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقيدة من مدارسهم الثلاث : يقولون : حديث الآحاد مقبول غير مردود يفيد العمل في جميع الابواب الفقهية ويفيد العلم الظني في قضايا الاعتقاد التي لا معارض لها من القرآن أو السنة أو الدليل العقلي المبني على قواعد الكتاب والسنة ، فإنهم يسقطون الاحتجاج بخبر الآحاد لمعارضته آنذاك لما يفيد القطع والعلم واليقين ،  ويمكنني القول بكل يقين :  أنه مما سبق نعلم خطأ أهل الحشو الجسيم في توسعهم في اثبات أصول العقيدة بخبر الآحاد دون التنبه إلى  خطر ذلك في حشو العقيدة بكل ما لا يليق بها مما ملئوا به كتبهم من أصول عقائدهم الباطلة ، قال الإمام النووي : "فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يلزم العمل بها ، ويفيد الظن ولا يفيد العلم ، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل" ، إلى أن قال :"وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم ، وقال بعضهم : يوجب العلم الظاهر دون الباطن ، وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد ، وقد قدمنا هذا القول وإبطاله في الفصول ، وهذه الأقاويل كلها سوى قول الجمهور باطلة" ، إلى أن قال : "وأما مَن قال يوجب العلم ، فهو مكابر للحس ، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟ والله أعلم" [  انظر: شرح النووي على مسلم (1/131- 132) ] ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ المبحث الثامن ] : هدي أهل السنّة والجماعة في معاملة المتشابه ، وبيان خطأ الحشوية في جمع المفرق من المتشابهات لتقوية الشبهة واعتقاد البدعة ،

هدي أهل السنّة والجماعة في معاملة المتشابه : نتسائل عن موقف السلف من الصورة واليد والنزول والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه ؟    1- إن أول موقف يقفه السلفي من هذه الاخبار : إنما هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها ،  2- ويجب عليه الايمان والتصديق : وهو أن يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته وأن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم صادق في وصف الله تعالى به ، فليؤمن بذلك وليوقن بأن ما قاله صدق ، وما أخبر عنه حق لا ريب فيه ويقول آمنا وصدقنا وأن ما وصف الله ، تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذى أراده ، وعلى الوجه الذى قاله ، وإن كان لا يقف على حقيقته ، 3- ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز فإن التصديق واجب وهو عن إدراك المعنى عاجز فإن ادعى المعرفة فقد كذب 0 وأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة الى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة الى خواص الخلق  ،  4- و ويجب عدم السؤال عن هذه الامور المتشابهات ،  لأنها تعرض الإنسان لما لا يطيقه ،  5- ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه ،  6- ويجب الاحتراز عن التصرف : فلا تقول في قوله تعالى :(استوى ) أنه مستو فاسم الفاعل يدل على كون المشتق ممكنا ومستقرا ، أما لفظ الفعل فدلالته على هذا المعنى ضعيفة ،  7- ولا يجوز الجمع بين هذه الألفاظ المتشابهة في مكان واحد : لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة ، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها : أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وكما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها ، والله سبحانه وتعالى : لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل ، فذكر العبودية : عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى " وهو القاهر فوق عباده يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية  ،  8- ولا يقاس على هذه الألفاظ فإذا ورد لفظ اليد فلا يجوز إثبات الساعد أو العضد أو الكف مصيرا الى أن هذا من لوازم اليد كل ذلك محال وكذلك زيادة قد يتجاسر عليها بعض الحمقى ،  9- وكما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور  : وهذا ثقيل على النفس ولكن من المكن أن يشغل الانسان نفسه عنه بمختلف أنواع العبادة أو بهواية من الهوايات العلمية أو العملية ، ويرى الامام الغزالي أن الاشتغال بلعب أو لهو خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره العظيم خطره بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له ن أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى فإن ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، وأخيرا فإن حاصل هذا المذهب هو : أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها ،

[  1  ] : لقد أخطأت الحشوية في جمع المفرق من المتشابهات لتقوية الشبهة واعتقاد البدعة ، فألفوا مؤلفات نسبوها إلى السنّة وإلى التوحيد - وهي منهما برآء - بل هي كتب الحشو  والتدليس والتجسيم  ، فصنعوا أبواباً ، جمعوا المتشابهات ابتغاء الفتنة ولتقوية الشبهة واعتقاد البدعة  ، فكانوا يقولون باب " الوجه " ، باب " العين " ، باب " اليد " ، باب " اليمين " ، باب " الأصابع " ، باب " الساق " ، باب " القدم " ، باب " الجنب " ، باب " الصورة " ، وهكذا يسردون في تلك الأبواب سائر الأخبار التي توهم الجارحة والجزء والبعض والتشبيه والتجسيم في قلوب العوام ،  ويقولون : باب " الاستواء على العرش " ، باب " الفوقية " ويقصدون بها الفوقية الحسية على العرش ، مع أن الله تعالى يخاطبهم بقوله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } ، وقوله تعالى { فإني قريب } ، ولم لا تكون فوقية الرتبة كما في القرآن { وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } ، ولم تركب القبط على صدور بني إسرائيل ، الشاهد : باب " الفوقية " ويقصدون بها الفوقية الحسية على العرش  ، باب " الكون في السماء " ، باب " المجيء " ، باب : " الهرولة " ، باب " الضحك " ، وهكذا يسردون في تلك الأبواب سائر الأخبار التي توهم الحد والنهاية والكون في المكان والحركة والسكون والتغير والحدوث ، والتكيف بالكيفيات النفسية التي تعتري الإنسان مما يوجب التغير والحدوث وقبول الحوادث والمتغيرات وغيرها من طامات مذاهب الحشو والتجسيم ،   وقد أدى جمع المفرق من المتشابهات إلى تقوية الشبهة واعتقاد البدعة ، أمّا هدي أهل السنّة والجماعة في معاملة المتشابه فقد تقدم ويتمثل في : أنّه لا يجوز تتبع المتشابهات ، أو الجمع بين الألفاظ المتشابهة في مكان واحد ، لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة ، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت : أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ المبحث التاسع ] أدلة العقائد من الكتاب والسنّة الصحيحة ، وبيان خطأ الحشوية في الاستدلال بالموضوع والضعيف على العقيدة

[  1  ] : من أهم أغلاط الحشوية في باب العقيدة أنّهم استدلوا على بعض عقائدهم الفاسدة بالموضوع والضعيف والاسرائيليات ، ولم يفرقوا في ذلك بين الصحيح والضعيف ، وقد  فضحهم بذلك العلامة ابن الجوزي في مقدمة كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ، فقال رحمه الله : " وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه : إلى أن قال : ( الرابع ) : أنهم لم يقرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله " ينزل إلى السماء الدنيا " وبين حديث لا يصح كقوله " رأيت ربي في أحسن صورة " بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة ، ( الخامس) : أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم- وبين حديث موقوف علي صحابي أو تابعي فأثبتوا بهذا ما أثبتوا هذا ، ...  فرأيت الرد عليهم لازما لئلا ينسب الامام إلى ذلك ، وإذا سكت نسبت إلى اعتقاد ذلك ، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس ، لأن العمل علي الدليل ، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد " أهــ [ مقدمة كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ] ،  ومن أمثلة تلك الكتب الحشوية المشبوهة والتي عنيت بجمع الموضوع والضعيف والاسرائيليات في باب العقيدة :  كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد  كلاهما  لعثمان بن سعيد الدارمي الحشوي الجاهل بعلم التقديس ، أما كتاب الرد على الجهمية ، فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه،  ، أما كتابه الآخر  : نقض عثمان بن سعيد على المريسي  : زاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد ، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها ، ومثاله أيضا :  كتاب التوحيد لابن خزيمة الذي ندم في آخر عمره على تصنيفه ، ذكر ذلك البيهقي في كتابه [ الأسماء والصفات 342 ] فقال : " وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال " أهـ ، وفيه أبواب عناوينها : " إثبات الأصابع لله عز وجل " ، وباب " في إثبات القدم " ، ونحو ذلك وساق في الكتاب متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً ، في اثبات أن الكرسي موضع قدميه ، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته ، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك مما ساقه من اخبار واهية ،وكتاب السنّة المنسوب إلى عبد الله بن أحمد وفي نسبته إليه شك كبير لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه ،   وفي هذا الكتاب : وصف الله عز وجل بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين ، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم ، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة ، وأنه واضع رجليه على الكرسي ، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه ، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه ، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه ،  وكتاب السنة لابن أبي عاصم ،  وقد ملأ كتابه بالكثير من الأخبار المنكرة والمتشابهات المضلة ، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك ، وكتاب الإبانة لابن بطة ، وكتاب التوحيد لابن مندة ، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من الأخبار التالفة ، وكتاب السنة للخلال ، وقد أطال فيه في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش ، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم ، وكتاب الأربعين في دلائل التوحيد للهروي الجاهل بعلم التقديس والتنزيه ،  وفيه : أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة ،  وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة ، أضف إلى وقيعته في علماء الأمة الذين رزقهم الله تعالى القبول والتشنيع عليهم وتكفيرهم  لاسيما السادة الأشاعرة المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث ، وكان يحكي تكفيرهم وشحن كتبه في ذلك وسعى بين السلاطين في فتنتهم  ، وكان يقول : "  وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي " [ انظر بيان تلبيس الجهمية 2 : 400 ، وانظر هذه الحكاية في سير أعلام النبلاء 16/ 478 ] ، وككتاب العرش وما روي فيه  :  لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة  ، وفيه أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في روضة خضراء ،  وكتاب الصفات المنسوب للدارقطني ، ولا تصح نسبته إليه لأن في سنده إليه أبو العز بن كادش الوضاع ، والعشاري الذي يروي الأباطيل ، فأمّا أبو العز بن كادش أحمد بن عبيد الله ( 526هـ )  قال الذهبي في ترجمته :  ( أقر بوضع حديث وتاب وأناب )  [ ميزان الاعتدال 1/259 ] ، فقد تجرأ على وضع حديث ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف لا يتجرأ بالكذب على الدارقطني ،  وأما العشاري قال الذهبي في ترجمته :  ( والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل )  [ ميزان الإعتدال6/ 267] ، وفي  هذا  الكتاب المنسوب للدارقطني  أبواب في إثبات القدمين، وأن الكرسي موضع القدمين، وأن للعرش أطيط من ثقل الرحمن ، وأن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ونحو ذلك ، 

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

وكتاب إبطال التأويلات لأبي يعلى الفراء ، وفيه طامات : أهونها أنه أثبت ( قعود النبي صلى الله عليه وسلم على العرش مع الله ) !! وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه ، وأن من لم يؤمن بذلك فهو من الفرق الهالكة ، وذكر في ذلك روايات ،   و كل تلك الروايات موضوعة ،  ثم قال أبو يعلى الفراء  في 2/485 معتمدا على الروايات الموضوعة : (( فلزمنا الإنكار على من رد هذه الفضيلة  التي قالتها العلماء وتلقوها بالقبول ، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة )) اهـ ، بل ونقل أبو يعلى عن بعضهم تكفير منكر ذلك !! . ج1/ص72 و ج2/ص476  ، وأثبت ( الاستلقاء والاتكاء والقعود ، ورفع إحدى الرجلين على الأخرى ) !!  وذكر في  ذلك رواية موضوعة :  (( إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال : إنها لا تصلح لبشر )) [  1/73 ، وفي 1/187 ] !!! ، وذكر ص188 عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا : (( هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى )) اهـ !! ، وقد أثبت أبو يعلى بهذا وذاك وغيره من الباطل صفات لله تعالى وتقدس عن إفكه فقال ص190 :  (( اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء : منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه ، لا على وجه الاستراحة بل على صفة لا نعقل معناها ، وأن له رجلين كما له يدان ، وأنه   يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها )) اهـ !!! .  ،  ثم لم يهدأ حتى وصف الله تعالى بأنه في صورة ( شاب ، أمرد ، أجعد ، في حلة حمراء ، عليه تاج ، ونعلان من ذهب ، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب ) !!  وكتب في ذلك صفحات كثيرة من الكتاب 1/133 ليثبت هذه الأوصاف لله ـ تعالى وتقدس عن إفكه ـ وكلها روايات موضوعة ، ونقل في 1/144 أن من لم  يؤمن بهذه الصفات العظيمة !! فهو : ( زنديق ) ، ( معتزلي ) ، ( جهمي ) ، ( لا تقبل شهادته ) ، ( لا يسلم عليه ) ، ( لا يعاد ) ، ثم قال أبو يعلى في 1/146 :  ( وليس في قوله : شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه ، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها ، كما أثبتنا ذاتا ونفسا ، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم ، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش .. )) اهـ !!!! ، فهذه بعض مخازي أبي يعلى الفراء ،   كما أثبت ( التدلي ) !!  بقوله تعالى : ( ثم دنا فتدلى ) على أن المتدلي هو الله !! فقال في  1/125 : (( فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى )) اهـ !! . يقول هذا   مع أن أئمة اللغة قد أجمعوا على أن الضمائر تعود على ما يناسبها ولو بعدت ،  ولم يتورع أبو يعلى من إطلاق الشمال على الله ، [  1/178 و 2/328 ]  ،  ولم يتورع عن اتبات صفات بكلام اليهود ، فذكر في 1/202 عن كعب الأحبار أنه قال : (( إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال : إني واط على بعضك ، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه )) اهـ ، والمحقق يقول : (( الخبر من الإسرائيليات )) اهـ ، لكن أبا يعلى لا يتورع عن إثبات صفات بمثل هذا ، ولأن أبو يعلى حشوي جلد ، فإنه مغرم بنسبة كل شيء إلى الذات ! لا يتردد أبدا في ذلك فتراه يذكر في 1/227 رواية ( إن الله يدني العبد يوم القيامة ) فيقول : (( المراد من دنوه الدنو من الذات )) !! ، وفي 1/265 يذكر : (( نزول ذاته )) !! تعالى وتقدس ، يستدل لذلك بخبر موضوع : (( إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته )) !! وفي 1/266 يذكر : (( هبوط الذات )) !! ، وفي 2/297 : (( الدنو والقرب من الذات )) !! وفي 2/334 : (( فأما التجلي فهو راجع إلى الذات )) !! ،  ثم أثبت الذراعين والصدر ) !! [  1/221 ] برواية مكذوبة باطلة ، نصها : (( خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر )) !! ( 2 ) ثم قال : (( الكلام في هذا الخبر في فصلين : أحدهما في إثبات الذراعين والصدر ، والثاني في خلق الملائكة من نوره )) اهـ !! فأثبت الذراعين والصدر والنور صفات ، وأثبت ( الفخذ والأمام والخلف لله تعالى سبحانه عن حشو المجسمة  ) !!!!   برواية باطلة : (( إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له : كن أمامي ، فيقول : رب ذنبي ، فيقول الله : كن   خلفي فيقول : رب ذنبي ذنبي ، فيقول الله له خذ بقدمي )) اهـ ، [  1/206  ] ثم يذكر الرواية الباطلة التالية : (( إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول : ادن منا أزلفت لدينا )) اهـ ، 

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

ثم قال : (( اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره ، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا ، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين … ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة ، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة … )) اهـ !!! ، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت ، جعل الفخذ صفة لله تعالى وتقدس ، والفخذ من العورة في شريعة الإسلام ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، ثم أثبت ( الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها ) !! بروايات لا يثبت بها شيء حتى في الوضوء ، فأثبت الإبهام صفة لله [ 1/210 ] ، مستدلا برواية منكرة باطلة : (( أوحى الله إلى داود : ارفع رأسك فقد غفرت لك .. ومحوت خطيئتك بإبهام يميني )) اهـ !! ، ثم قال أبو يعلى متحذلقا : (( وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام .. )) اهـ ، وقال في خبر تالف باطل [  2/316 ] : (( الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها )) اهـ ، ويقول في 2/335 : (( .. الخنصر وهو على ظاهره ، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته )) اهـ ، ثم أثبت ( اللهوات والأضراس ) !! صفاتا لله ، ففي [ 1/214 ] يذكر أبو يعلى خبرا باطلا نصه : (( يضحك الله .. حتى بدت لهواته وأضراسه )) اهـ !! ، ثم يقول : (( لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا ، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر ، وإن لم نعقل معناها )) اهـ ،  ولم يكتف بذلك حتى أثبت ( الملل ) !! صفة لله ،  [ 2/369 ] برواية : (( إن الله لا يمل حتى تملوا )) فأثبت الملل له تعالى صفة ، ثم قال : (( اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل لا على معنى السآمة والاستثقال .. )) اهـ !!! .  وأثبت ( الفم ) !!  بأثر باطل [  2/387 ] (( كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك )) اهـ ثم قال : (( اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه )) اهـ !! وأنه : (( صفة قد ورد الخبر بها )) اهـ !! ، وأثبت ( الجنب ) !!  صفة لله فقال [  2/427 ] : (( وأما قوله تعالى : ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) فحكى شيخنا أبو عبدالله رحمه الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله سبحانه )) اهـ !!! .ثم أثبت ( الهجو والاستهزاء والسخرية ) !! من جملة الصفات [ 2/462 ] وقال : (( واعلم أنه غير ممتنع على أصولنا إطلاق الهجو عليه سبحانه .. وكذلك الاستهزاء والسخرية )) اهـ !!  وعند إثبات الساق أورد روايات موضوعة مآلها كلها إلى التجسيم والعياذ بالله ، وقد تقدم بيان تأويل الحبر ر ضي الله عنهما للساق بالشدة ، ولكن انظروا لروايات الفراء ،  أورد أبو يعلى في كتابه 1/161 من طريق مقاتل بن سليمان قال : (( قال عبدالله بن مسعود في قوله عز وجل : ( يوم يكشف عن ساق ) يعني ساقه اليمين ، فيضيء من    نور ساقه الأرض ، فذلك قوله : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) ، يعني نور ساقه  اليمين )) اهـ !! ، والرواية حتى أهل الحشو المعاصر لا يقبلونها فقد قال محقق الكتاب وهو حشوي مثله  : (( إسناده ضعيف جدا ، ومقاتل بن سليمان متهم ورمي بالتجسيم )) اهـ  ، ثم لم يتورع حتى أسند رواية إلى الجن بأن الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض كان مستقرا على الحوت  فقد أورد [  1/237 ]  ، قال ابن الأثير في أحداث سنة ( 459هـ ) حيث كانت وفاة أبي يعلى :  (( وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي ، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة .. وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة ، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض ، تعالى الله عن ذلك .. )) اهـ ،  وقد قال فيه معاصره أبو محمد رزق الله الحنبلي شيخ الحنابلة ورئيسهم في بغداد ، ما لفظه : (( لقد شان المذهب شينا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة )) اهـ كما في ( دفع شبه التشبيه ) لابن الجوزي ص10 ، وقال الحافظ أبي الفرج عبدالرحمن بن الجوزي الحنبلي في مقدمة كتابه ( دفع شبه التشبيه بأكف التنـزيه )  (( ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة : أبو عبدالله بن حامد ، وصاحبه القاضي أبو يعلى ، وابن الزاغوني ، فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات على مقتضى الحس فسمعوا أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم عليه الصلاة والسلام على صورته فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات ، وعينين ، وفما ولهوات وأضراسا ، وأضواء لوجهه هي السبحات ، ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين وقالوا : ما سمعنا بذكر الرأس !! وقالوا : يجوز أن يَمَسَّ ويُمَسَّ !! ويدني العبد من ذاته وقال بعضهم : ويتنفس ، ثم إنهم يرضون العوام بقولهم : لا كما يُعقل ! .. )) اهـ ،  وقال في آخر الكتاب :  (( ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال ، لم يعجبهم لأنهم أَلِفُوا كلام رؤسائهم المجسمة فقالوا : ليس هذا المذهب . قلت : ليس مذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم ، فقد نزهت مذهب الإمام أحمد ، ونفيت عنه كذب المنقولات ، وهذيان المقولات ، غير مقلد فيما أعتقده .. )) اهـ من ص67  ،  وبعد فهذه أمثلة لكتب الحشو التي جُمعت فيها الأخبار المتشابهة والمتونُ المنكرة في ما يسمونه كتبَ التوحيد والسنةَ والردَ على الجهمية ، وهي في حقيقة الأمر كتب الجهل بما يلزم من التقديس والتنزيه لذات الله تعالى وتقدس ، وهي كتب الحشو والبدعة والتجسيم ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ المبحث العاشر ] عدم احترام مدارس التخصص العلمي العقائدي ، المتمثل في مذاهب ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) المؤصلة على منهاج أهل السنّة والجماعة

إن الشرع الحنيف يدعو إلى التخصص وإلى احترام التخصص :  قال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث ، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه ، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة ، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها ، وهكذا ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ،  عندما يفتي المحدث الغير دارس للفقه فيما يتعلق بمسائل الفقه والحلال والحرام يحدث الخلل ، وعندما يحكم الفقيه الغير دارس لعلوم الحديث على مدى صحة حديث ما يحدث الخطأ ، وعندما يتكلم الفقيه أو المحدث الغير دارس لقواعد التقديس والتوحيد في ذات الله تعالى وصفاته ، يحدث الخلل وننسب إلى الله تعالى ما لا يجوز نسبته إلى الله ، إن المرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي ترفع الخلاف بين طوائف أهل السنّة والجماعة هي مرجعية الرد إلى مدارس العلم المتخصصة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] أوضحت الآية أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة ، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة ، جاء قوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، أوضحت الآية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة ، وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، والثانية : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري ، والثالثة : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس ، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تؤصل ، ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة ، ولهم في التزكية والأخلاق والتصوف طرق ومدارس على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم ، وتشمل مرجعيتهم تلك المدارس العلمية المؤصلة ، فنأخذ ما اجتمعت عليه المدارس العلمية السنّية رأيا واحدا لا نرضى له بديلا ولا نلتفت إلى غيره ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات الدقيقة التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة ، هذا الله تعالى أعلم ، وهو سبحانه يهدي إلى الحق إلى سواء السبيل ،

مرحبًا بك إلى موقع دار الاصلاح والتجديد - سؤال وجواب، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين .
...