0 تصويتات
8 مشاهدات
في تصنيف العقيدة بواسطة

شيخنا الفاضل العقل نعمة عظيمة ، ولكن هل يستعمل العقل بصورة مطلقة أو سؤالي بصيغة أخرى ما هي مساحة استعمال العقل في فهم النص ؟

السؤال من ضمن الأسئلة التي تم تناولها في ( برنامج حوار حول الاصلاح والتجديد ) أضعه هنا في هذا الموقع الذي يقوم على الأسئلة والأجوبة لتعم الفائدة .

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله آله وصحبه أجمعين ، وبعد :  أكرم الله تعالى الإنسان بالعقل ، كي يحمله عقله على أن يؤمن بربه وخالقه ، وكي يفهم به العلم ، وكي يميز به بين الخير والشر والضار والنافع ، وقد تكرر ذكر العقل بمرادفاته في القرآن الكريم أكثر من سبعين مرة ، يُخاطب الناس باستعمال العقل في فهم الآيات الكونية أو الشرعية للوصول إلى منازل العلم والإيمان والإحسان ، منها : قوله تعالى : { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ البقرة : 242 ] ، وجعل عقل الآيات ومعرفتها صفة العلماء ، فقال تعالى : { وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ  } [ العنكبوت : 43 ] ، وخاطب الله تعالى أولي العقول ( أولي الألباب ) في مواضع عديدة من القرآن الكريم ، منها : قوله تعالى : { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ البقرة : 269 ] ، كما خاطبهم بقوله تعالى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى } ، وقوله تعالى : { هَل فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ } ،  كما أنّ من آثار العقل التفكر والتدبر والتذكر والنظر والاعتبار والاستبصار والرشد ، وقد جاءت آيات القرآن تترا يُشير إلى أهمية ذلك كله ، كما في قوله تعالى : { فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ يونس : 176 ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [ القصص : 51 ] ، وقوله تعالى : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ } ، إنّ الله تعالى أكرم الإنسان بالعقل ، وأنزل عليه القرآن وأمره ان يتدبره بعقله وأن يُعمل فيه فكره ، وأكرم رسوله صلى الله عليه وسلم بالحكمة والسنّة ، وجعل نصوص القرآن والسنة لا يمكن فهمها الفهم الصحيح إلا من خلال التفكر والتدبر والفهم الدقيق وإعمال العقل في فقهها  وحمل متشابهها على محكمها ،

قيمة العقل في فهم النصوص  : ترك الإسلام للعقل مساحة واسعة لفهم النصوص وتوضيحها ، ولا أدل على ذلك من ان نصوص الشريعة كما هو معلوم منها المحكم ومنها المتشابه ، ومنها الواضح ومنها المبهم ، ومنها الخاص ومنها العام ومنها المجمل ومنها المفصل ، والله تعالى هو من وضع ذلك ، ولو شاء سبحانه لجعل كل نصوص الشريعة واضحة ومحكمة ومخصصة ، ولما ترك للعقل أي مجال للاجتهاد في تفسير النصوص ، ولكنه شاء سبحانه أن يجعل للعقل مساحة واسعة لفهم النصوص وتوضيحها ، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشاور الصحابة في كثير من شؤونه ، كما أخذ برأي أصحابه وزوجاته في معظم أموره ، حتى أنه صلى الله عليه وسلم مدح معاذ بن جبل حينما سأله عندما بعثه إلى اليمن قائلاً : (( بم تحكم ؟ فقال بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد ، قال : فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإن لم تجد ، قال اجتهد رأي ولا آلو : فقال صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله  إلى ما يرضي به )) [ الحديث رواه ابن داود في السنن 3/2303 والترمذي في سننه 3/616 وقال: ليس اسناد بمتصل ] ،  إن النصوص الشرعية بحاجة إلى تحليل وفهم وفكر وتأمل لاستنباط معانيها ، ولا يمكن ذلك الا بالعقل والفكر السوي الصحيح والتأمل والنظر ، والاجتهاد ما هو إلا صورة من بيان  منهج العقل في فهم الاحكام ، ولذلك عرفه العلماء بقولهم : الاجتهاد هو بذل الجهد والوسع في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية والتبعية" ، المصادر الأساسية أو النقلية وهما القرآن والسنة ، والمصادر التبعية او العقلية وهي القياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب ، وقوله تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ النساء : 83 ] ، دلالة عظيمة على دور العلماء في استخراج الأحكام الشرعية بواسطة الاجتهاد من خلال النظر والتأمل في النصوص ، وقوله تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } [ ص : 29 ] ، وتدبر الآيات يكون بفهم معانيها ليتم العمل بها ، وقد دعا صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما بقوله : (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ))  ، فلو كان التأويل ( أي التفسير ) مقصوراً على السماع والنقل كالتنزيل نفسه ، لما كان هناك من فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء ، ولو كان علم التفسير مأثوراً كله عن النبي صلى الله عليه وسلم لقال : (( اللهم حفظه التأويل )) ، فدل ذلك على أن المراد بالتأويل الوارد في الدعاء هو أمر آخر وراء النقل والسماع ، ألا وهو اعمال العقل في فهم النصوص ، ومنه يتبين أن التأويل الصحيح لا حرج منه بهدف حمل المشابه على أمهاته من المحكم ، وتقليل دائرة المتشابه ووأد الفتنة والزيغ وإزالة الفتنة والبدعة ،

دور العقل في فهم نصوص التنزيه  :  يعجز العقل عن معرفة ذات اللّه تعالى لأن المخلوق لا يستوعب الخالق ، ومحدث الذات لا يدرك كنه قديم الذات والسلطان والصفات ، ولكن للعقل أكبر دور في فهم نصوص التنزيه  ، وبالتالي منع الحشو فيما يتعلق بجناب ذات الله تعالى ،  ومن ذلك : قوله تعالى { ليس كمثله شيء } يدل على تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه ، سبحانه لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث حقيقة الذات والأسماء والصفات والأفعال ، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء ، فهو الأول بلا ابتداء ، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء ، وليس بعده شيء ، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، الرحمن على العرش استوى ، وهو قريب من كل شيء ، ومحيط بكل شيء ، وقاهر لكل شيء  ، وهو الكبير المتعال ، وهو العلي العظيم ، وهو الواحد القهار ، وهو الأحد الصمد ، وهو الحي القيوم ، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، ولما كانت هذه الذات بالحال التي ذكرنا, فإن العقل البشري يستحيل عليه إدراك كنه هذه الذات, لأنه لا يتصور إلا الأشياء التي تدركها حواسه المحددة ، فذات الله تعالى تقدس عن أن تدركه البصائر النافذة فضلا عن الأبصار ، وعظم عن أن تتوهمه الظنون أو تتصوره الأفكار ، ومن آيات التقديس ، قوله تعالى :{ وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، والوجود الذي لا يشبه وجود المخلوقين ، وقال الله تعالى :{ فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له ، لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :{ هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فوجوده سبحانه لا يشبه وجود خلقه وذاتُه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال الله تعالى :{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقال الله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام: 103]  ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك ، وقال الله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وقال تعالى : { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } والند هو العدل والمثل  والنظير والشبيه ، فالله تعالى لا يقاس بأحد ، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه ، وليس كمثله شيء ، لا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، أجلّ وأعظم واكبر من أن تحيط بصفته العقول ، قال أبو جعفر الطحاوي : ( لا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأفهام ، ولا يشبه الأنام ، وكل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما ،

مرحبًا بك إلى موقع دار الاصلاح والتجديد - سؤال وجواب، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين .
...