0 تصويتات
14 مشاهدات
في تصنيف التزكية و الأخلاق بواسطة

سيادتكم ما هو التصوف كعلم  وما هي مجالات تخصصه ؟ 

السؤال من ضمن الأسئلة التي تم تناولها في ( برنامج حوار حول الاصلاح والتجديد ) أضعه هنا في هذا الموقع الذي يقوم على الأسئلة والأجوبة لتعم الفائدة .

6 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

[ 1 ] التصوف الحق أعظم حقائق الدين وأجل معارفه ،  و ( التصوف الحق ) : هو القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، و ( التصوف الحق ) اسم يطلق على الطريقة التي يسلكها الصوفي من أجل الوصول إلى الحق تعالى ، و ( علم التصوف ) يطلق على الجانب النظري المتعلق بهذا السفر إلى الله ، و ( سلوك  التصوف ) يطلق على الجانب العملي والسلوكي المتعلق بهذا السفر إلى الله  ، ويتناول المجاهدة المستمرة التي تبدأ بالتخلي عن جميع الصفات الذميمة والتحلي بجميع الصفات الحميدة والتهيؤ للتجلي والدخول على حضرة الحق ، ولا يكون هذا التجلي إلا بالزهد في الدنيا والآخرة ، والفناء عن السوى والأغيار واماتة النفس والرسم في الحق والفناء في الله ومن ثم البقاء بالله ، ولكي يصل الصوفي إلى ذلك لابد له من سفر أول  يبدأ بمنزل اليقظة وينتهى بمنزل الفناء وهو المنزل الثاني والتسعون من منازل السير إلى الله ، ثم يبدأ السفر الثاني بمنزل البقاء بالله ثم التحقيق بصفات الحق ثم الوراثة عن الحق ثم الوجود الحق ثم التجريد بالحق ثم التفريد في الحق ، ثم الجمع بالحق ، ثم التوحيد الحق للحق بالحق ،  إذن التصوف رحلة إلى الحق وأساسها : تزكية النفس وطهارة القلب ، والتخلي عن الصفات الذميمة والتحلي بالصفات الحميدة ، ومداومة ذكر الله مع المحبة لله ، ورعاية آداب الشريعة الظاهرة والباطنة ، و ( التصوف ) طريق إلى المعرفة بالله ، وطريق إلى صناعة الأولياء ، وهو علم راسخ وعمل جاد دائب ، لا محل فيه للهزل واللهو ، وهو أعلى مراتب الدين ، وأهله الكُمل هم الأولياء ، أهل الوراثة عن رسول الله ، والسائر منهم في أول الطريق يسمى ( مريد ) أو ( المبتدئ ) وله منازل أربعين تبدأ باليقظة وحتى الانبساط ، والسائر في منتصف الطريق يسمى ( سالك ) أو ( محب ) أو ( عاشق ) ومنازله ثلاثون تبدأ بالقصد وتنتهي بالذوق ، والسائر في آخر الطريق يسمى (  عارف ) أو ( ولي ) أو ( وارث ) وهذا قد أُذن له في الدخول على حضرة الحق وشهود تجليات الحق ،  ومنازله ثلاثون تبدأ باللحظ وأعلاها التوحيد الحق للحق بالحق ،

[ 2 ] ( علوم التصوف ) أهمها علمان : الأول : علم المعاملة وأهم كتبه إحياء علوم الدين للغزالي وهو يلائم عموم الأمة من أهل مراتب الإسلام والإيمان والإحسان ، والثاني علم المكاشفة : ومن أهم كتبه منازل السائرين للهروي ، وهو يناسب الأولياء والصديقين ، 

[ 3 ] ( طرق التصوف ) : هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل ، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية ، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية ، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله ، تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها ، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة. ولذلك قيل : لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق ؛ فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر ، وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر ، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلا ، ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين ، ومن أشهر تلك الطرق : الطريقة القادرية التي  أسّسها الشيخ عبد القادر الجيلاني ( ت561هـ ) ، والطريقة الرُفاعية التي أسسها الشيخ أحمد الرفاعي ( ت 578هـ ) ، والطريقة الشاذلية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي ( ت656هـ ) ، والطريقة الأحمدية أو البدوية التي أسسها الشيخ أحمد البدوي ( ت 634 هـ ) ، وغيرها من الطرق كثير ،

[ 4 ] ( نشأة التصوف ) : وجد التصوف منذ أول آية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم  { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } ، إلى قوله تعالى : { كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى } ، وذلك لأنّ التصوف هو لبّ الدين وثمرته ، وهو تزكية الدين ومنازله ، وهو منزلة الإحسان أعلى منازل الدين ، والعهد المكي كان فترة تحلية وتزكية للوصول إلى مرتبة الإحسان ، وذلك بغرس الأخلاق المحمدية في نفوس الصحابة رضوان الله عليهــــم ، مثل التوبة والخشية والإنابة والصبر والتواضع والمحبة والذكر ، وظل الأمر يسير على هذا النحو إلى أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ، واستمر الصحابة يتدرجون في مقامات الكمال ، بل كان الرجل ما إن يضع يده بيد الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعاً حتى يترقى إلى أعلى المقامات وأسمى الحالات وذلك لقوة نور النبوة ، وظل الأمر كذلك إلى أن انتقل المصطفى إلى جوار ربه ثم جاء التابعون فتربّوا على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان همهم الوصول إلى رضوان الله عز وجل فتزكت نفوسهم بتأثير النور المحمدي الذي سكن قلوب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ، وفي عصر التابعين دخل أناس في الإسلام أي كانوا حديثي عهد بكفر ، ومن جانب آخر فتحت الدنيا على المسلمين فركن البعض إلى الشهوات وحب الدنيا وبدأ البعض يبتعد عن حال السلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أناس أكفاء في ذلك الوقت وما بعدهم يدعون الناس إلى العودة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام أي حالة السلف الصالح وهؤلاء الدعاة هم الصوفية ، دعوا الناس إلى العودة إلى مرتبة الإحسان التي كان يعيشها السلف الصالح ، وتخليص النفس من رعوناتها التي كبلتها وقيدتها عن مشاهدة أنوار الحق ، وتخليص القلب من حب الدنيا وإحياؤه بذكر الله عز وجل ، فقام هؤلاء الأكابر من الرجال بفتح بيوتهم لاستقبال الناس يدعونهم إلى هذا الطريق الراقي طريق الإحسان ، أو التصوف ، وفتحوا المعاهد التربوية أو ما يسمى بـ " الزاوية أو التكية " لملاحظة الناس وتربيتهم عن قرب فكانوا في كل عصر هم نماذج السلف الصالح الذين حافظوا على علم الإحسان وأخلاق المحسنين ، وتزكية المقربين ،  واستطاعوا بصدق توجههم ونقاء سريرتهم أن ينبهوا القلوب الغافلة فيحيونها بأنوار الذكر ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ 5 ] ( تاريخ التصوف الاسلامي ) مر تقريبا بثلاثة مراحل : ( المرحلة الأولى ) : كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة ، في بدايات القرن الثاني ، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير ، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية كــ ” أبي هاشم الكوفي المتصوف ( ت 105هـ ) والحسن البصري( ت110هـ ) ورابعة العدوية ( 185هـ ) ، ومعروف الكرخي ( ت 200 هـ ) ، وأبو سليمان الداراني ( ت205هـ ) ، والمحاسبي ( ت242هـ ) وذي النون المصري ( ت 245هـ ) ،وأبو الحسن سري بن المغلس السقطي ( ت 251 هـ ) ، وأبو اليزيد البسطامي ( ت263هـ ) ، وأبو القاسم الجنيد سيد الطائفة ، قال عنه أبو عبد الرحمن السلمي : «هو من أئمة القوم وسادتهم؛ مقبول على جميع الألسنة» ، ( ت 297 ) ، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف ، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد ، وبداية التمييز عن علماء الفقه ، بعلم التزكية والتصوف ، و ( المرحلة الثانية ) : وهي المرحلة التي  ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف ، أبو نصر السرّاج الطوسي ( ت378هـ ) في كتابه اللمع في التصوف " و" أبو بكر محمد الكلاباذي ( ت380هـ ) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف" و" أبو طالب المكي ( ت386هـ ) في كتابه قوت القلوب" و" أبو القاسم القشيري ( ت465هـ ) في الرسالة القشيرية" وهي من أهم الكتب في التصوف و" الغزالي ( ت505هـ ) في كتابه الإحياء أشهر كتب التصوف وأجمعها ، و ( المرحلة الثالثة ) : وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية على يد الربانيين من أهل التصوف ،

[ 6 ] ( سبب انكار البعض على التصوف ) : التصوف ليس حروفاً تكتب إنما هو أحوال ومقامات وأذواق فلا بد أن يعيشها الإنسان كي يدركها ، لهذا أنكر البعض على التصوف وعلى من ينتسبون إليه ، وإنكارهم سببه أنّ أكثر معارف الصوفية ليست فقهاً يكتب فـــي السطور أو في مؤلفات الفقهاء إنما هي أحوال ومقامات ومنازل ، يتذوقها ويحس بها من أراد الله تعالى أن يشرح صدره لمنازل هؤلاء الاكابر ، لقد جاء علم التصوف ليرسم منهجاً عن طريق مجموعة من القواعد والآداب للوصول إلى هذه الأحوال والمقامات ومن ثم منازل الإحسان ومراتب السابقين ، إنّ التصوف بلفظِهِ لم يكن في زمنِ النبي أما ماهيتُهُ ومضمونُهُ ومَدارُهُ واستمدادُهُ وهيئتُهُ فليسَ إلاَّ الدينُ الكاملُ الذي جاءَ بهِ الرسولُ الأعظمُ ، ويشتمل على علوم الإسلام جميعا ، وكان الصحابة والتابعون على دراية بهذه العلوم ينقلونها للناس يعلمونها لهم دون فصل بينها ، وبعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين ، ودخول الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه ، فنشأ علم النحو ، وعلم أحكام التلاوة ، ثم احتاج الناس إلى معرفة  كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث ، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم  فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث ، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير ، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه ، ، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه ، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد ( علم العقيدة وأصول الدين ) ، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية ، وبالقلب والهمة ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص ، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، قال ابن خلدون في مقدمته : " وهذا العلم -  يعني التصوف -  من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة ، والانقطاع إلى الله تعالى ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد عن الخلق ، والخلوة للعبادة ، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا ، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية ) أهـ [ مقدمة ابن خلدون" علم التصوف ص 329 ، وانظر نشأة علم التصوف للدكتور أحمد علوش ] ، 

[ 7 ] ما هي أنواع التصوف : ( التصوف الحق ) : هو التصوف الحقيقي المستمدة أصوله وآدابه من القرآن والسنة ، فإن شئت أن تطلق عليه علم التزكية أو علم الإحسان ، أو علم التصوف ، فإن الأسماء لا تغير حقائق المسميات ،  ويتمثل في : سلوك معرفة الله لا عن طريق القراءة للكتب ، ولكن عن طريق المجاهدة وإدمان الذكر والتخلية والتحلية والتزكية للنفس والقلب ، وحمل الجوارح والجوانح على عبادة الله وطاعته ، مع المحبة والخوف والرجاء والشوق إلى بلوغ مقام لا حدود له من حب الله جل وعلا والحرص على رضاه ، ولا يمنع ذلك من العمل لدين الله والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الاصلاح ، فإن هذا من أصول الدين وأهم أعماله ،

[ 8 ] هناك قوم اعتقدوا التصوف الرهباني ، واستغرقوا في الأوراد وكثرة العبادة ، وهؤلاء على خير ولا يلام أحدهم ، ولهم سلف في ذلك من الصحابة كأبي ذر وأبي الدرداء وسلمان الفارسي رضي الله عن الجميع ،  ولكنهم ليسوا على ثغر التصوف الكامل ، لان الصوفية الحقة ليست انطوائيًة ولا انعزالية ، ولكنها تشمل جميع ثغور الدين وجوانبه ، مع حراسة دائمة على القلب ألا يلتفت إلى غير الله ،

[ 9 ] هناك قوم اعتقدوا التصوف الخرافي : وهم عوام بعيدون عن العلماء ، يعيشون في الجهل ، شغلوا أنفسهم بسرد القصص الخرافية والمبالغات الخيالية في كرامات الأولياء دون تحقق ، وقد تجد أحدهم لا يقيم الصلاة كما ينبغي ، ثم يشغل نفسه عن أعمال الطاعة والعبادة بسفاسف الامور ، والقيل والقال ، وهؤلاء في واد والتصوف في واد آخر ، واكثر هؤلاء أدعياء ، لهم دور كبير في تشويه صورة التصوف الحق ، ولكن وجودهم لا يقدح في التصوف الحق ، لان التصوف الحق هو روح الإسلام ، ولا حياة لجسد بلا روح ،

[ 10 ] يقول الغزالي : ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة ، وطريقتهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق .. ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم : وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ) [ المنقذ من الضلال ص131 ] ،  وقال الإِمام فخر الدين الرازي : ( المتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية ، ويجتهدون ألاَّ يخلو سرَّهم وبالَهم عن ذكر الله تعالى في سائر تصرفاتهم وأعمالهم ، منطبعون على كمال الأدب مع الله عز وجل ، وهؤلاء هم خير فرق الآدميين ) [ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 72 ] ،  وقال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه تأييد الحقيقة العليَّة : ( إِن التصوف في نفسه علم شريف ، وإِن مداره على اتباع السنة وترك البدع ، والتبرِّي من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها ، والتسليمِ لله ، والرضى به وبقضائه ، وطلبِ محبته ، واحتقارِ ما سواه.. وعلمتُ أيضاً أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم ، فأدخلوا فيه ما ليس منه ، فأدى ذلك إِلى إِساءة الظن بالجميع ، فوجَّه أهلُ العلم للتمييز بين الصنفين ليُعلمَ أهل الحق من أهل الباطل ، وقد تأملتُ الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أرَ صوفياً محقِّقَاً يقول بشيء منها ، وإِنما يقول بها أهل البدع والغلاةُ الذين ادَّعَوْا أنهم صوفية وليسوا منهم ) [ تأييد الحقيقة العلية ص57 ] ، إن التصوف هو طريق أهل الإحسان ، وهو ( التحقق بمرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين )  (( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، والتصوف منهج يقوم على ( التخلية ) و ( التحلية ) ، تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من  الأخلاق السيئة ، وتحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة ، وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص ، وطريق التصوف هو الاجتهاد في العبادات والقربات والمسارعة في الخيرات ، مع اجتناب المنهيات والمكروهات ، وتربية النفس على طاعة الله وجهادها على دوام ذكر الله ، وتطهير القلب من مساوئ الأخلاق ، ودسائس الطباع ، وتحليته بأحسن الأخلاق مع الله ومع الناس ، وكل ما سبق يحويه ما أسماه أصحابه  بـ ( التصوف ) ، وقد ألف الأئمة العارفون فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه ومناهجه الربانية في بلوغ مراتب الصديقين والمحسنين والصالحين وحسن أولئك رفيقا ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ 10 ] التصوف أعلى مراتب الدين : لقد بين القرآن الكريم مراتب الدين قال الله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، ومن الآية نعلم : أن عباد الله الذين اصطفاهم الله تعالى لدين الإسلام ثلاث مراتب ، فالمرتبة ( الأدنى ) هي مرتبة الظالم لنفسه ، أي المقصر في بعض حقوق الله تعالى عليه ، والمرتبة ( الوسطى ) هي مرتبة المقتصد وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات لا يزيد ولا ينقص ، والمرتبة ( الأعلى ) هي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله ، وهو الذي ويزبد على الواجبات بالتقرب إلى الله بالمندوبات ، وجميع أصحاب المراتب الثلاث داخل بحمد الله في الاصطفاء الرباني ، والعلم بهذه المراتب هو العلم بالدين كله ، وذلك لما جاء في حديث جبريل المشهور ، الذي أخرجه مسلم ، وفيه : (( قال : يا محمّد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله و أ نّ محمّدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا ، قال : فأخبرني عن الإيمان ،قال : أن تؤمن بالله و ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و تؤمن بالقدر خيره و شرّه ،  قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، ثم قال في آخر الحديث : إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم )) [ أخرجه مسلم ] ، فجعل العلم بمراتب الاسلام والايمان والاحسان هو العلم بالدين ،  والمسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين المراتب الثلاث الإسلام والايمان والاحسان ، و [ صاحب مرتبة الإسلام ] : وهو الواقف على أركان الإسلام ولكنه قد يفرط في أداء بقية الفرائض والواجبات وقد يقع في بعض الكبائر والمحرمات فهذا هو الظالم لنفسه ، ولكنه مسلم في دائرة مرتبة الإسلام ، وهذه المرتبة إذا اقتصر المسلم عليها لا يتعداها ، صار ظالما لنفسه لأن في الدين واجبات أخرى ينبغي أن تؤدى سوى الأركان الخمس ،  و [ صاحب مرتبة الإيمان ] : وهو المؤدي لما عليه من الأركان والفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات ، والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها  فهذا هو المقتصد ، و صاحب مرتبة الإيمان ، أعلى من صاحب مرتبة الإسلام ، قال تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، فقد ذم القرآن الكريم أولئك الذين ادعوا مرتبة الإيمان ولم يقوموا بحقوقها ، قال تعالى : { قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } ،  وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } ، أما صاحب مرتبة الإحسان : فهو المؤدي لكل ما يقوم به المقتصد صاحب مرتبة الإيمان ثم يزيد على ذلك بالتقرب إلى الله تعالى بالنوافل وبالتنزه عن المكروهات وبالتورع عن بعص الحلال خوفا من الوقوع في الشبهات ، وهذه المرتبة هي أعلى مراتب الدين ، اختص الله أهلها بالعناية ، قال تعالى : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل : 128 ] ، وهي منازل عالية ، أولها : المراقبة وأعلاها : المشاهدة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، إذن : مراتب الدين ثلاثة : هي : ( الإسلام ، الإيمان ، الإحسان ) ، وعلوم الدين الأساسية إن تدبرناها ثلاثة : ( علم الفقه ، وعلم العقيدة ، وعلم التصوف ) ، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم مرتبة الإسلام ، ومثلما اهتم علم العقيدة بمرتبة الإيمان ، فإن التصوف اهتم بتحقيق مرتبة الإحسان  ، وهو أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وهو علم عظيم له مباحثة القائمة على الكتاب والسنة وجهود علمائه في فهم أدلة الكتاب والسنة ، فكما أنه من الخطأ أن نقول ( الفقه مذهب إسلامي ) أو ( العقيدة مذهب إسلامي ) فكذلك من الخطأ أن نقول ( التصوف مذهب إسلامي ) ، لأن الفقه يتناول العلم بالشريعة ، وهناك مذاهب فقهية لفهم أدلة الفقه واستنباط أحكامه ، فليس الفقه مذهب إسلامي ولكنه ركن من أركان الدين ، وفيه مذاهب لفهمه على منهاج أهل السنة والجماعة ، وكذلك العقيدة ، وكذلك التصوف تماما ، فهو ركن من أركان الدين يتناول العلم بحقائق الدين التي هي أعمق علوم الدين ، ويرسم الطريق للوصول إلى الله ، وذلك عن طريق معارف ووسائل منها الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات ، وتزكية النفس وتطهير القلب بالتخلية من الأخلاق السيئة ، والتحلية بالأخلاق الحسنة ، وارتقاء المنازل إلى الله ، وهذه المعارف وتلك المنازل وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص ، فجعلوه علما سموه بـ علم التصوف ، أو علم التزكية ، أو علم الأخلاق ، أو علم الإحسان ، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده ،  إذن : مراتب الدين ثلاثة : هي : ( الإسلام ، الإيمان ، الإحسان ) ، وعلوم الدين الأساسية ثلاثة : ( علم الفقه تعلق ببيان مرتبة الإسلام ، وعلم العقيدة تعلق ببيان مرتبة الإيمان ، وعلم التصوف قام على مرتبة الإحسان ، وتعلق ببيان أركانها ودرجاتها أحوالها ومنازلها ،

ومنه نعلم لماذا الحرص على التصوف : الحرص على مسمى التصوف : لأنه يمثل احترام التخصص العلمي الضارب في عمق التاريخ الإسلامي ، ويمثل الاعتزاز  بثوابت الأمة العلمية والسلوكية المتمثلة في المرجعية المذهبية التي ترسخت على مر عصور الإسلام  ، هذه المذهبية العلمية التي تحترم التخصص ، وتمثل مرجعية أهل السنة والجماعة في علوم العقيدة والفقه والتزكية ، ففي العقيدة ثلاث مدارس متخصصة ، وهي ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، ويمثل مرجعية أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة : المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة ، يدخل فيه كل من لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار ، والسواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد هذه الجماعة الناجية ، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع ونحوها ، فإنّ الله تعالى بعلمه وإرادته ، جعل هذه الأمة تنقسم إلى قسمين : أهل السنة ، وهم الجماعة والسواد الأعظم ، يحترمون التخصص ويقبلون التعدد والتنوع ، والقسم الثاني أهل أهواء وبدعة ، وهم من شذ عن سنن الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين ، وميزة أهل السنة أن الخلاف بينهم في الفروع العقدية والفقهية والسلوكية لا يفرق جماعتهم ، بل يعتبرونه من عوامل السعة والمرونة والرحمة والشمول والصلاحية لكل زمان ومكان ، ويجهدون جهدهم على نبذ دواعي الفرقة وتحقيق التآلف والتضامن بين طوائف الأمة ، ولكن أرباب الأهواء ليسوا كذلك ، فهم لا يعرفون الاختلاف ، ولكنهم يعرفون الفرقة والشقاق والتبديع والتضليل والتكفير واستحلال الدماء والأعراض والأموال

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ 11 ] منزلة التصوف من الدين كمنزلة الروح من الجسد :  التصوف هو الجانب الروحي يبدا من الإسلام فالإيمان فالإحسان وينتهي مع الوراثة في منازل الوارثين الواصلين الأولياء العارفين

( أ ) التصوف علم إسلامي أصيل مرادف لمصطلح التزكية في القرآن ومصطلح الإحسان في السنّة ، وكما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد ، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا  ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ، وعلى مر العصور تتبلور العلوم ، وتتخصص المدارس العلمية ، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم ، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة ، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح ، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو المرادف لمصطلح ( التزكية ) المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ آل عمران : 164 ] ، وكذلك فإن ( التصوف ) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ،

( ب ) التصوف علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها ، والتصوف الإسلامي هو تربية علمية وعملية للنفوس وعلاج لأمراض القلوب وغرس الفضائل واقتلاع الرذائل وقمع الشهوات وتدريب على الطاعات ، والتصوف لا يعدوا أن يكون جهاداً عنيفا ضد الرغبات ليصل الإنسان إلى منازل الإحسان ، أعلى أركان الدين  (( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، والتصوف منهج يقوم على ( التخلية ) و ( التحلية ) ، تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من  الأخلاق السيئة ، وتحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة ، وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص ، وطريق التصوف هو الاجتهاد في العبادات والقربات والمسارعة في الخيرات ، مع اجتناب المنهيات والمكروهات ، وتربية النفس على طاعة الله وجهادها على دوام ذكر الله ، وتطهير القلب من مساوئ الأخلاق ، ودسائس الطباع ، وتحليته بأحسن الأخلاق مع الله ومع الناس ، وكل ما سبق يحويه ما أسماه أصحابه  بـ ( علم التصوف ) ، بينوا أصوله وفروعه ومناهجه الربانية في بلوغ مراتب الصديقين والمحسنين والصالحين وحسن أولئك رفيقا ،  

( ت ) التصوف علم له أهمية بالغة بين علوم الدين : لأنّه اختص بتزكية الباطن عملاً بقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَعراف : 33 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَنعام : 151 ] ، كما تخصص في تزكية القلب بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ... ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق .. ، وهذا القسم الذي تخصص فيه التصوف هو القسم الأهم لقوله صلى الله عليه وسلم  : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) [ أخرجه البخاري ( 52 ) ، ومسلم ( 2523 ) ]  وقوله صلى الله عليه وسلم  : ( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) [ أخرجه مسلم ( 2564 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  ( ... التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) [ أخرجه البخاري ( 5718 ) ومسلم ( 2559 ) ] ، كما تخصص في عظيم الأخلاق لقوله صلى الله عليه وسلم  ( إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم ) [ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( 19 : 76 ) ] ، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر ، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة ، كما أنّ التصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس ، ولذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي : بعد أن اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة ، وطريقتهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.. ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم : وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ) [ المنقذ من الضلال ] ، إن التكاليف الشرعية المتعلقة بالقلب أهم من التكاليف الشرعية المتعلقة بالبدن - وإن كان الكل مُهمَّاً – ، وما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة ، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها ، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها ، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً ، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [ الشعراء : 88 ، 89 ] ، كما أنّ التصوف هو العلم الذي اختص بتحلية النفس بالصفات الكاملة  كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب والمحبة والذكر والمراقبة ، وللصوفية في هذا المجال الحظ الأوفر من الوراثة النبوية ، وهو العلم الذي اهتم برسم الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الإيمان والإحسان والأخلاق والتزكية ، وعلى ذلك يمكننا القول بأنّ ( التصوف ) منهج عملي كامل ، يحقق صلاح المسلم وتهذيب أخلاقه وتحوله إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة ، تعيش في درجات الإحسان ، ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته ، ويتجلى لنا بوضوح ، أنه علم إسلامي قيم ، لا غنى عنه لكل مسلم ، كما لا غنى له عن علوم العقيدة التي تصلح الاعتقاد وعلوم الفقه التي تصلح العبادات والمعاملات ، وحاصله اتصاف المسلم بجميع المحامد وترك جميع الأوصاف ‏الذميمة ،  وهو مسلك قائم على العلم والعمل ، وله منازل أعلاها المشاهدة ( أن تعبد الله كأنك تراه ) وأولها المراقبة ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) وله مقامات عديدة شريفة منها التوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والصدق والإخلاص والصبر والورع والزهد والرضا والتوكل والشكر ، و ( التصوف ) هو الطريق المؤدي إلى أرقى درجات الكمال الإيماني والإحساني الذي به يتحقق مقام الشهود وحق اليقين ، وهو الطريق إلى مدارج السالكين ومراقي الصاعدين إلى مرضاة رب العالمين ، وأنه - علم التصوف النقي الصافي القائم على الكتاب والسنّة - أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ولابد من إنصافه ،

( ث  ) التصوف الإسلامي النقي الصافي بريء من الانتساب إلى غير الإسلام : وذلك لأنّ التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة ، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ، ويقوم على مبادئ التزكية والإحسان كما جاء بها الكتاب والسنّة ، أما الزعم الكاذب بان التصوف يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة ، فهذا ظلم بين لعلم التصوف ، وجحود واضح لأهله الصادقين المخلصين ، والله تعالى أمرنا بالإنصاف مع الكافرين في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [ المائدة : 8 ] ، فكيف بالإنصاف مع عباده الصالحين وأوليائه المحسنين ، وفي الحديث الصحيح : (( إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينّه ، ولئن استعاذني لأعيذنّه )) [ أخرجه البخاري ] ، وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

( ج ) التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء ، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف ، بل ضررهم على أنفسهم ، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين ، ويصححون مسار التصوف ، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف ، يثنون على التصوف الصحيح وأهله بالخير ، ويهاجمون الأدعياء والدخلاء دون إساءة للتصوف والصوفية ، أما أن نأخذ الصالح بجريرة الطالح فهذا ظلم عظيم ، قال الله تبارك تعالى { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [ الأنعام :164 ] ،

( ح ) هناك فريق جاهل بالتصوف الصحيح وقيامه على ثغر الإحسان أعلى مراتب الدين ، فريق حشوي متنطع لا يعرف ثغور الدين ، ولا يحيط بجوانب الدين يدعي الإصلاح يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره ، وهؤلاء يريدون ان يأخذوا التصوف ببعض أدعيائه ؟ وهم  يبذلون كل الوسائل المتاحة لمحاربته ، ويصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق بين محق وكاذب ، وبين ولي وجاهل ، ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال ، ثم تراهم يريدون هدم التصوف كله ، هذا التراث العظيم والعلم الجليل والسلوك القويم ،  بمقولة وجدها هنا او هناك ، قد تكون مدسوسة على ولي من أولياء الله ، أو قالها في حال أنس وفرح مع الله ، _ كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال : اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح _  إن الأصل في ديننا أنه ما من معصوم في هذه الأمة سوى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجميع العلماء بعده والطوائف كذلك يؤخذ منها ويرد عليها وهم غير معصومين عن الخطأ ، أخطاؤهم غير مقبولة كدين ، ونغض الطرف عن عثرات علمائهم  لأنه الأدب مع العلماء الذين لهم فضل ننظر إلى محاسنهم ونترك المساوئ  والعثرات ، إن كلمة ( صوفي ) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء ، وصفة مدح ، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى ، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره ، وابادة التصوف وأهله ، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة ، فهل بعد هذا التنطع من تنطع ، وأين يذهب سواد أهل السنة في العالم اليوم ، وعلى مر عصور الإسلام السابقة ، إن اهل التصوف هم سادة التزكية والاحسان ، وهم أقطاب السلوك ودعائم الأخلاق ، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته ، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام ،   وليس معنى ذلك أن نبرأ الصوفية من كل خطأ وأنهم معصومون ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف ، ولابد من تجديد التصوف حتى يسير في إتمام مهمته من تزكية النفس وبناء أمة الأخلاق في خضم زمان لا يعرف أهله سوى الماديات ، إن واجبنا نحو التصوف اليوم هو التزام المبادئ الإيجابية التي جاء بها التصوف الإسلامي ، وتقدير اهله ، مع الدعوة إلى إصلاحه و تجديد أمره وتصفيته من الدخن والخلل ، والعودة به إلى تزكية الكتاب والسنة ، لأنه - بحق - أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة لآنه القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ،

[ من هم أهل التصوف الحق ( أهل الطريق إلى الله ] :  الطريق هو الصراط المستقيم الذي ندعو به في كل ركعة من ركعات الصلاة : { اهدنا الصراط المستقيم } ، هناك أهل الطريق إلى الدنيا يعملون بعمل الآخرة ابتغاء الدنيا ، يطيعون الله ويؤدون الفرائض ويجتنبون الكبائر من أجل أن يوفقهم الله تعالى في الدنيا ، قال تعالى : { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ  } ، وهناك أهل الطريق إلى الجنة ، يعملون من أجل الآخرة ، يعملون من أجل أن يصرف الله تعالى عنهم عذاب النار وان يمن عليهم بالجنة ، قال تعالى : {  وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } ، وهناك أهل الطريق إلى الله ، يريدون وجهه ورضاه ، يعبدون الله لله ، لا يشغلهم عن الله نعيم جنة ولا عذاب نار ، وهؤلاء قال الله تعالى فيهم : {  وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } ، إذن : أهل الطريق درجات : الظالم لنفسه يسبر فيه طاعة لله من أجل تيسير أموره في الدنيا ، والمقتصد  يسير فيه طاعة لله من أجل النجاة في الآخرة ، والمحسن يسير فيه من أجل الدرجات العليا في الجنة ولذلك هو يزهد في الدنيا ويسارع في الخيرات من أجل الآخرة ، وأما الصوفي الحق ، أهل الطريق إلى الله ، فهم يسيرون فيه من أجل الله يزهد في الدنيا ويزهد في الآخرة من أجل الدخول على حضرة الحق ،  فهو يسير في الطريق إلى الله بالله من اجل الله ، وعلى ذلك فأهل الإسلام ثلاثة : أهل الدنيا وأهل الآخرة وأهل الله  ،   هناك من يعمل بأوامر الله من اجل الرزق والستر في الدنيا وان ينسا له في عمره و يبارك له في رزقه ، هذا مسلم يعبد الله لأجل الدنيا ، وهناك من يعمل بأوامر الله من اجل الآخرة وما فيها مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وهذا جائز ومن أحسن العمل ، وهناك من يعمل بأوامر الله من اجل الله ، فهذا يعمل لله من أجل الله ، وهذا هو الصوفي الحق ،

أهل الطريق إلى أي شيء يسيرون وكيف يسيرون وما هو دافعهم من السير  وما هي عوائق وعلائق الطريق ومن هم قطاع الطرق على الطريق ، وما هي منازل السير على الطريق ومتى الوصول

أهل الطريق إلى أي شيء يسيرون  : اهل الطريق هم أهل السير إلى الله  لا إلى شيء سواه ، وكيف يسيرون : يسيرون بالله لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ، فلا تحول إلى الطريق ولا قوة في السير على الطريق إلا بالله ،  وما هو دافعهم من السير   : الوصول إلى الله ، وما هي عوائق وعلائق الطريق :  العوائقُ هي كل ما يعوق القلب عن سيرِه إلى الله ويقطَعُ عليه طريقه ، والعلائقُ هيكلُّ ما تعلَّقَ به القلبُ دونَ الله ، والمعنى : برفض العلائق التي تشغله عن الله ، وقطع العوائق التي تعوقه عن السير في طريق الله ، فهو غائب عن كل ما يشغله عن طريق الله طالبا القرب من الله ،  ومذهب أهل الطريق : هو إماتة النفس وقطع علائقها ورغباتها وراحاتها من اجل الوصول إلى الحق ، ومن هم قطاع الطرق على الطريق : أربع هي ابليس والدنيا والنفس والهوى ، وما هي منازل السير على الطريق : مائة منزل منها أربعون تتعلق بالنفس حتى تطهر وتزكو وثلاثون بالقلب حتى يسلم وثلاثون بالروح حتى تصل ،

ومتى الوصول ؟ : يظل السير إلى الوصول إلى الحضرة الأحدية حيث تجليات الحق بجناب ذاته ، وهي جنة المعارف يغترف فيها العارف في كل لحظة من المعارف والتجليات ما هو فوق الحصر والعد والوصف ، لا حد لها ولا غاية ولا نهاية ، فجناب الحق أجل من ان يتصل به شيء أو أن ينفصل منه شيء ، كيف وله الأحدية المطلقة فلا جزء ولا كل ولا اتصال ولا انفصال ، ولا كفء ولا مثيل ،  إذ جناب الذات أحد صمد لم ينفصل منه شيء ولا يتصل به شيء ولم يكن له كفوا أحد ، وهذا تفسير سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن ، {  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } له الأحدية المطلقة فلا جزء ولا كل ، { اللَّهُ الصَّمَدُ } له الغنى المطلق فلا حاجة ولا علة {  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } لم ينفصل منه شيء ولم يتصل به شيء { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }  فليس كمثله شيء ،  ومهما بلغ العبد وترقى في تجليات التوحيد ومعارفه ، فإنّه قاصر عن بلوغ كمال التوحيد الذي لا حد له ولا منتهى ، لتعلقه بالمنزه عن الحدود والغايات والنهايات ، فلا حد ولا غاية ولا نهاية ،

0 تصويتات
بواسطة (24.8k نقاط)

[ إن التصوف الحق قام على قضية رئيسة ]  : هي السير إلى الله ، والدخول على حضرته ولذلك تعلقت كافة مجالاته بهذا الامر ، وقد علم اهل التصوف أن الدخول على الحق لا يكون إلا لأهل الطهارة الكاملة ظاهرا وباطنا فنشأ عندهم ما يعرف بالتخلية الظاهرة والباطنة والتحلية الظاهرة والباطنة ، وقالوا بمنهج التخلي ثم التحلي ثم التهيؤ للتجلي ، وقد علم اهل التصوف : أن السير إلى الله والدخول على حضرته يستلزم قطع مراحل ونزول منازل ، فنشأ عندهم ما يعرف بعلم المنازل وضبطت تلك المنازل بحيث يكون السائر على بينة من سيره إلى الله ، وهذا العلم هو أساس التصوف ، ، وقد علم اهل التصوف أن هناك أعداء للإنسان يمنعون من سيره كالشيطان والدنيا والنفس والهوى فنشا ما يعرف بالمنهج السلوكي للتغلب على هذه الاعداء ، ، وقد علم اهل التصوف أن هناك حجب تمنع من دخول الحضرة  القدسية فاجتهدوا في معرفة تلك الحجب والوسائل إلى إزالتها ، وعلموا أن أعظم الحجب عن السير هو النفس الامارة بالسوء فنشا ما يعرف بعلم تزكية النفس وتبديلها من أمارة بالسوء إلى زاكية راضية مرضية ، وقد علم اهل التصوف :  أنه لا يصح السير إلا لصاحب القلب السليم ، فنشأ عندهم ما يعرف بعلم  المعاملات ، وتكلموا في  كبائر القلوب وكيفية السلامة منها حتى يشفى القلب المريض ويتهيأ للسير إلى الله ، وقد علم اهل التصوف : أن الصدق طريق اهل التصوف إلى الحقائق ، فصدقوا مع الله ، فأكرمهم الله تعالى بالسرائر النقية والمعارف الوهبية ، فنشأ عندهم ما يعرف بعلم  الحقائق ، وتكلموا في حقائق الوجود بما لا يتهيأ لأحد غيرهم ، ولا يقاربهم فيه أحد ،  صدقوا مع الله ،  فأكرمهم الله تعالى بالدخول على حضرات التجليات الأسمائية المتعلقة بأفعال الله تعالى وصفاته وجناب ذاته ، فعاشوا مع تجليات الأسماء ، ونشا عندهم ما يعرف بعلم  التخلق والتعلق والتحقق بالأسماء ،

( 3 )  التصوف علم راسخ ومنهاج تربوي قويم وسلوك عملي يتناول تحقيق مرتبة دين الإسلام العليا ( مرتبة الإحسان ) ، ومراتب الدين ثلاثة : هي : ( الإسلام ، الإيمان ، الإحسان ) ، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم شريعة الإسلام ، ومثلما اهتم علم العقيدة بالإيمان ، فإن التصوف اهتم بتحقيق مقام الإحسان  ، وهو أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وهو علم عظيم له مباحثة القائمة على الكتاب والسنة وجهود علمائه في فهم أدلة الكتاب والسنة ، فكما انه من الخطأ أن نقول ( الفقه مذهب إسلامي ) أو ( العقيدة مذهب إسلامي ) فكذلك من الخطأ أن نقول ( التصوف مذهب إسلامي ) ، لأن الفقه يتناول العلم بالشريعة ، وهناك مذاهب فقهية لفهم أدلة الفقه واستنباط أحكامه ، فليس الفقه مذهب إسلامي ولكنه ركن من أركان الدين ، وفيه مذاهب لفهمه على منهاج أهل السنة والجماعة ، وكذلك العقيدة ، وكذلك التصوف تماما ، فهو ركن من أركان الدين يتناول العلم بحقائق الدين التي هي أعمق علوم الدين ، ويرسم الطريق للوصول إلى العلم الله ،

مرحبًا بك إلى موقع دار الاصلاح والتجديد - سؤال وجواب، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين .
...