معرفة سنن الله الكونية في القرآن الكريم

المشرفون: مشرف المنتدى، webmaster

مشرف المنتدى
مشاركات: 427
اشترك في: السبت يناير 09, 2016 11:42 pm

معرفة سنن الله الكونية في القرآن الكريم

مشاركةبواسطة مشرف المنتدى » الأربعاء مارس 09, 2016 3:13 am

معرفة سنن الله الكونية في القرآن الكريم
ومن الأمور التي لا بد للداعية معرفتها والبحث عنها وفهمها : سنن الله الكونية في القرآن الكريم ، منها :
1 - في سورة القصص شرح مُسْتَفيضٌ لِعواقِب الحُكم الفَرْدِيّ والاسْتِبْداد السياسي ، وشرح آخر لعواقب الطُّغيان الاقتصادي والاغْتِرار بالمال العَريضِ ، أَوْجزَهُ المولى - تبارك اسمه - في هذه الخُلاصة : { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } (83) [ سورة القصص ] ، تلك الآخرة التي تحدث عنها الذين أوتوا العلم، العلم الحق الذي يقوم الأشياء قيمتها الحقيقية، تلك الدار الآخرة العالية الرتبة البعيدة الآفاق، تلك الدار الآخرة «نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً» .. فلا يقوم في نفوسهم خاطر الاستعلاء بأنفسهم لأنفسهم ولا يهجس في قلوبهم الاعتزاز بذواتهم والاعتزاز بأشخاصهم وما يتعلق بها، إنما يتوارى شعورهم بأنفسهم ليملأها الشعور باللّه ، ومنهجه في الحياة، أولئك الذين لا يقيمون لهذه الأرض وأشيائها وأعراضها وقيمها وموازينها حسابا، ولا يبغون فيها كذلك فسادا، أولئك هم الذين جعل اللّه لهم الدار الآخرة، تلك الدار العالية السامية ، «وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» الذين يخشون اللّه ويراقبونه ويتحرجون من غضبه ويبتغون رضاه [ في ظلال القرآن - (6 / 3968) ] ، يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه القيم : «ما ذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟» .. عن هذه القيادة الخيرة الفذة في التاريخ كله ، وتحت عنوان «عهد القيادة الإسلامية» : «الأئمة المسلمون وخصائصهم» : «ظهر المسلمون ، وتزعموا العالم ، وعزلوا الأمم المزيفة من زعامة الإنسانية التي استغلتها وأساءت عملها ، وساروا بالإنسانية سيرا حثيثا متزنا عادلا ، وقد توفرت فيهم الصفات التي تؤهلهم لقيادة الأمم ، وتضمن سعادتها و فلاحها في ظلهم وتحت قيادتهم : « ( أولا ) : أنهم أصحاب كتاب منزل وشريعة إلهية ، فلا يقننون ولا يشترعون من عند أنفسهم، لأن ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم ، ولا يخبطون في سلوكهم وسياستهم ومعاملتهم للناس خبط عشواء ، وقد جعل اللّه لهم نورا يمشون به في الناس ، وجعل لهم شريعة يحكمون بها الناس «أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها؟» وقد قال اللّه تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» ، ( ثانيا ) : - أنهم لم يتولوا الحكم والقيادة بغير تربية خلقية وتزكية نفس ، بخلاف غالب الأمم والأفراد ورجال الحكومة في الماضي والحاضر ، بل مكثوا زمنا طويلا تحت تربية محمد - صلى الله عليه وسلم - وإشرافه الدقيق ، يزكيهم ويؤدبهم ، ويأخذهم بالزهد والورع والعفاف والأمانة والإيثار وخشية اللّه ، وعدم الاستشراف للإمارة والحرص عليها، عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا وَرَجُلاَنِ مِنْ بَنِي عَمِّي ، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ : يَا رَسُولَ اللهِ , أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاَك اللَّهُ , وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَقَالَ : إنَّا وَاللهِ لاَ نُوَلِّي هَذَا الْعَمَلَ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلاَ أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ [ مصنف ابن أبي شيبة - (17 / 370) (33208) صحيح ] » ، ولا يزال يقرع سمعهم : «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» .. فكانوا لا يتهافتون على الوظائف والمناصب ، فضلا عن أن يرشحوا أنفسهم للإمارة ، ويزكوا أنفسهم ، وينشروا دعاية لها ، وينفقوا الأموال سعيا وراءها، فإذا تولوا شيئا من أمور الناس لم يعدوه مغنما أو طعمة أو ثمنا لما أنفقوا من مال أو جهد بل عدوه أمانة في عنقهم ، وامتحانا من اللّه ويعلمون أنهم موقوفون عند ربهم ، ومسؤولون عن الدقيق والجليل ، وتذكروا دائما قول اللّه تعالى : «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ، وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» .. وقوله .. «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ، لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ» .. ( ثالثا ) : أنهم لم يكونوا خدمة جنس ، ورسل شعب أو وطن ، يسعون لرفاهيته ومصلحته وحده ويؤمنون بفضله وشرفه على جميع الشعوب والأوطان ، لم يخلقوا إلا ليكونوا حكاما ، ولم تخلق إلا لتكون محكومة لهم ، ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها ، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها ، ويخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكم أنفسهم! إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعا إلى عبادة اللّه وحده، وتلك حقيقة كان يعلنها الصحابة وقادة المسلمين في غزواتهم ، ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم ، النعمان بن مقرن ، وفرات بن حيان ، وحنظلة بن الربيع التميمي ، وعطارد بن حاجب ، والأشعث بن قيس ، والمغيرة بن شعبة ، وعمرو بن معديكرب ، يدعون رستم إلى الله - عز وجل - فقال لهم رستم : ما أقدمكم ؟ فقالوا : جئنا لموعود الله إيانا؛ أخذ بلادكم وسبي نسائكم وأبنائكم وأخذ أموالكم ، فنحن على يقين من ذلك، وقد رأى رستم في منامه كأن ملكا نزل من السماء ، فختم على سلاح الفرس كله ، ودفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمر ، وذكر سيف بن عمر ، أن رستم طاول سعدا في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعدا بالقادسية أربعة أشهر ، كل ذلك لعله يضجر سعدا ومن معه ليرجعوا ، ولولا أن الملك استعجله ما التقاه؛ لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم ، لما رأى في منامه ، ولما يتوسمه ، ولما سمع منهم ، ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه؛ لما له من الممارسة لهذا الفن، ولما دنا جيش رستم من سعد ، أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية ، فبعث سرية لتأتيه برجل من الفرس ، وكان في السرية طليحة الأسدي الذي كان ادعى النبوة ثم تاب ، وتقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا ، فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف ، وتخطى الألوف ، وقتل جماعة من الأبطال حتى أسر أحدهم ، وجاء به لا يملك من نفسه شيئا ، فسأله سعد عن القوم ، فجعل يصف شجاعة طليحة ، فقال : دعنا من هذا وأخبرنا عن رستم، فقال : هو في مائة ألف وعشرين ألفا ، ويتبعها مثلها، وأسلم الرجل من فوره، رحمه الله ، قال سيف عن شيوخه : ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه، بعث إليه المغيرة بن شعبة ، - رضي الله عنه - فلما قدم عليه جعل رستم يقول له : إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم ، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجاركم من الدخول إلى بلادنا، فقال له المغيرة : إنا ليس طلبنا الدنيا ، وإنما همنا وطلبنا الآخرة ، وقد بعث الله إلينا رسولا قال له : إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني ، فأنا منتقم بهم منهم ، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به ، وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل ، ولا يعتصم به إلا عز، فقال له رستم : فما هو ؟ فقال : أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به ، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، والإقرار بما جاء من عند الله، فقال : ما أحسن هذا ! وأي شيء أيضا ؟ قال : وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، قال : وحسن أيضا ، وأي شيء أيضا ؟ قال : والناس بنو آدم ، فهم إخوة لأب وأم، قال : وحسن أيضا ، ثم قال رستم : أرأيت إن دخلنا في دينكم ، أترجعون عن بلادنا ؟ قال : إي والله ، ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة، قال : وحسن أيضا، قال : ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الإسلام ، فأنفوا من ذلك وأبوا أن يدخلوا فيه ، قبحهم الله وأخزاهم ، وقد فعل، قالوا : ثم بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه ، وهو ربعي بن عامر ، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير ، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة ، والزينة العظيمة ، وعليه تاجه ، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة ، وقد جلس على سرير من ذهب ، ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة ، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد ، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضة على رأسه ، فقالوا له : ضع سلاحك، فقال : إني لم آتكم ، وإنما جئتكم حين دعوتموني ، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فقال رستم : ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها ، فقالوا له : ما جاء بكم ؟ فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه ، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله، قالوا : وما موعود الله ؟ قال : الجنة لمن مات على قتال من أبى ، والظفر لمن بقي، فقال رستم : قد سمعت مقالتكم ، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال : نعم ، كم أحب إليكم ؟ أيوما أو يومين ؟ قال : لا ، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا، فقال : ما سن لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ، فانظر في أمرك وأمرهم ، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، قال : أسيدهم أنت ؟ قال : لا ، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم، فاجتمع رستم برؤساء قومه ، فقال : هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا : معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب ! أما ترى إلى ثيابه ؟ ! فقال : ويلكم لا تنظروا إلى الثياب ، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة ، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل ، ويصونون الأحساب " [ البداية والنهاية لابن كثير - موافقة للمطبوع - (7 / 46) وتاريخ الرسل والملوك : (2 / 267) حسن ] .. فالأمم عندهم سواء ، والناس عندهم سواء، الناس كلهم من آدم ، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى : «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» ، فلم يبخل هؤلاء بما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد ، ولم يراعوا في الحكم والإمارة والفضل نسبا ولونا ووطنا ، بل كانوا سحابة انتظمت البلاد وعمت العباد ، وغوادي مزنة أثنى عليها السهل والوعر ، وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها ، في ظل هؤلاء وتحت حكمهم استطاعت الأمم والشعوب - حتى المضطهدة منها في القديم - أن تنال نصيبها من الدين والعلم والتهذيب والحكومة ، وأن تساهم العرب في بناء العالم الجديد ، بل إن كثيرا من أفرادها فاقوا العرب في بعض الفضائل ، وكان منهم أئمة هم تيجان مفارق العرب وسادة المسلمين من الأئمة والفقهاء والمحدثين .. ( رابعا ) : إن الإنسان جسم وروح ، وهو ذو قلب وعقل وعواطف وجوارح ، لا يسعد ولا يفلح ولا يرقى رقيا متزنا عادلا حتى تنمو فيه هذه القوى كلها نموا متناسبا لائقا بها ، ويتغذى غذاء صالحا ، ولا يمكن أن توجد المدنية الصالحة البتة إلا إذا ساد وسط ديني خلقي عقلي جسدي يمكن فيه للإنسان بسهولة أن يبلغ كماله الإنساني، وقد أثبتت التجربة أنه لا يكون ذلك إلا إذا مكنت قيادة الحياة وإدارة دفة المدنية بين الذين يؤمنون بالروح والمادة ، ويكونون أمثلة كاملة في الحياة الدينية والخلقية ، وأصحاب عقول سليمة راجحة ، وعلوم صحيحة نافعة» .. إلى أن يقول تحت عنوان : «دور الخلافة الراشدة مثل المدنية الصالحة» : « وكذلك كان ، فلم نعرف دورا من أدوار التاريخ أكمل وأجمل وأزهر في جميع هذه النواحي من هذا الدور - دور الخلافة الراشدة - فقد تعاونت فيه قوة الروح والأخلاق والدين والعلم والأدوات المادية في تنشئة الإنسان الكامل، وفي ظهور المدنية الصالحة .. كانت حكومة من أكبر حكومات العالم ، وقوة سياسية مادية تفوق كل قوة في عصرها ، تسود فيها المثل الخلقية العليا ، وتحكم معايير الأخلاق الفاضلة في حياة الناس ونظام الحكم ، وتزدهر فيها الأخلاق والفضيلة مع التجارة والصناعة ، ويساير الرقي الخلقي والروحي اتساع الفتوح واحتفال الحضارة ، فتقل الجنايات ، وتندر الجرائم بالنسبة إلى مساحة المملكة وعدد سكانها ورغم دواعيها وأسبابها ، وتحسن علاقة الفرد بالفرد ، والفرد بالجماعة ، وعلاقة الجماعة بالفرد، وهو دور كما لي لم يحلم الإنسان بأرقى منه ، ولم يفترض المفترضون أزهى منه .. » ، هذه بعض ملامح تلك الحقبة السعيدة التي عاشتها البشرية في ظل الدستور الإسلامي الذي تضع « سورة العصر» قواعده ، وتحت تلك الراية الإيمانية التي تحملها جماعة الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، فأين منها هذا الضياع الذي تعانيه البشرية اليوم في كل مكان ، والخسار الذي تبوء به في معركة الخير والشر ، والعماء عن ذلك الخير الكبير الذي حملته الأمة العربية للبشر يوم حملت راية الإسلام فكانت لها القيادة ، ثم وضعت هذه الراية فإذا هي في ذيل القافلة، وإذا القافلة كلها تعتو إلى الضياع والخسار، وإذا الرايات كلها بعد ذلك للشيطان ليس فيها راية واحدة للّه، وإذا هي كلها للباطل ليس فيها راية واحدة للحق، وإذا هي كلها للعماء والضلال ليس فيها راية واحدة للهدى والنور ، وإذا هي كلها للخسار ليس فيها راية واحدة للفلاح! وراية اللّه ما تزال ، وإنها لترتقب اليد التي ترفعها والأمة التي تسير تحتها إلى الخير والهدى والصلاح والفلاح ، ذلك شأن الربح والخسر في هذه الأرض، وهو على عظمته إذا قيس بشأن الآخرة صغير، وهناك، هناك الربح الحق والخسر الحق، هناك في الأمد الطويل ، وفي الحياة الباقية ، وفي عالم الحقيقة .. هناك الربح والخسر : ربح الجنة والرضوان ، أو خسر الجنة والرضوان، هناك حيث يبلغ الإنسان أقصى الكمال المقدر له ، أو يرتكس فتهدر آدميته ، وينتهي إلى أن يكون حجرا في القيمة ودون الحجر في الراحة : يوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ : يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً» [ في ظلال القرآن - (5 / 2714) و ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين - (1 / 128) ] ،
2 - في سورة يوسف ، وفي أَضواء فُصولٍ مُثيرَةٍ من الغُرْبَةِ والسجن والإغْرار والظلم ، يَبْرُزُ قانونان جَليلان : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } (90) [ سورة يوسف ] ، فالصبر والتقوى تنال بهما سعادة الدارين والتمكين في الأرض ، والرضى والرضوان ، والآخر … { يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } (87) [ سورة يوسف ] ، الأول نَهْجٌ خُلُقِيٌّ صارِمٌ في جَدْوى الاسْتِقامَةِ ، والثاني الاسْتِناد إلى الله في ارْتِقابِ مُسْتقبل أفضل مهما أظْلَمَتِ الآفاق في مَرْأى العَين ، فهل تَتِمُّ تَنْشِئة الشباب على هذه القواعد ؟ أم أنَّ التَّعَلُّقَ بالقُشورِ هو دَيْدَنُنا ؟!
3 - بدأت سورة محمد بهذه الآية : { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } (1) [ سورة محمد ] ، ألا تَلْمَحُ في هذا المطلع الحاسِم أنَّ الإلحادَ - مهما صَحِبَهُ مِنْ علم - مَشْؤومُ النهاية ، وأنَّ الكفار والفَتَّانِين مهما بلغ ذكاؤهم لا بد أنْ يُحْرَموا بركات الله ويواجهوا الفشل والدمار ، وأنَّ التَّعْوِيلَ إنما يكون على الإيمان والإصلاح ؟ وهذه الأعمال التي أضلت ربما كان المقصود منها بصفة خاصة الأعمال التي يأملون من ورائها الخير، والتي يبدو على ظاهرها الصلاح، فلا قيمة لعمل صالح من غير إيمان، فهذا الصلاح شكلي لا يعبر عن حقيقة وراءه ، والعبرة بالباعث الذي يصدر عنه العمل لا بشكل العمل، وقد يكون الباعث طيبا، ولكنه حين لا يقوم على الإيمان يكون فلتة عارضة أو نزوة طارئة، لا يتصل بمنهج ثابت واضح في الضمير ، متصل بخط سير الحياة العريض ، ولا بناموس الوجود الأصيل، فلا بد من الإيمان ليشد النفس إلى أصل تصدر عنه في كل اتجاهاتها ، وتتأثر به في كل انفعالاتها، وحينئذ يكون للعمل الصالح معناه، ويكون له هدفه ويكون له اطراده وتكون له آثاره وفق المنهج الإلهي الذي يربط أجزاء هذا الكون كله في الناموس ويجعل لكل عمل ولكل حركة وظيفة وأثرا في كيان هذا الوجود ، وفي قيامه بدوره ، وانتهائه إلى غايته ، وفي الجانب الآخر : «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» .. والإيمان الأول يشمل الإيمان بما نزل على محمد، ولكن السياق يبرزه ويظهره ليصفه بصفته : «وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» ويؤكد هذا المعنى ويقرره، وإلى جوار الإيمان المستكن في الضمير ، العمل الظاهر في الحياة، وهو ثمرة الإيمان الدالة على وجوده وحيويته وانبعاثه ، وهؤلاء : «كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ» .. في مقابل إبطال أعمال الذين كفروا ولو كانت حسنات في شكلها وظاهرها، وبينما يبطل العمل ولو كان صالحا من الكافرين ، فإن السيئة تغفر للمؤمنين، وهو تقابل تام مطلق يبرز قيمة الإيمان وقدره عند اللّه ، وفي حقيقة الحياة .. «وَأَصْلَحَ بالَهُمْ» .. وإصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة الإيمان في القدر والقيمة والأثر، والتعبير يلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة والرضى والسلام، ومتى صلح البال ، استقام الشعور والتفكير ، واطمأن القلب والضمير ، وارتاحت المشاعر والأعصاب ، ورضيت النفس واستمتعت بالأمن والسلام .. وماذا بعد هذا من نعمة أو متاع؟ ألا إنه الأفق المشرق الوضيء الرفاف ، ولم كان هذا وكان ذاك؟ إنها ليست المحاباة، وليست المصادفة، وليس الجزاف، إنما هو أمر له أصله الثابت ، المرتبط بالناموس الأصيل الذي قام عليه الوجود يوم خلق اللّه السماوات والأرض بالحق ، وجعل الحق هو الأساس : «ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ ، وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ» .. والباطل ليست له جذور ضاربة في كيان هذا الوجود ومن ثم فهو ذاهب هالك وكل من يتبعه وكل ما يصدر عنه ذاهب هالك كذلك، ولما كان الذين كفروا اتبعوا الباطل فقد ضلت أعمالهم ، ولم يبق لهم منها شيء ذو غناء ، والحق ثابت تقوم عليه السماوات والأرض ، وتضرب جذوره في أعماق هذا الكون، ومن ثم يبقى كل ما يتصل به ويقوم عليه، ولما كان الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ، فلا جرم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ، فهو أمر واضح مقرر يقوم على أصوله الثابتة ، ويرجع إلى أسبابه الأصيلة، وما هو فلتة ولا مصادفة ولا جزاف «كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ»، وكذلك يضع لهم القواعد التي يقيسون إليها أنفسهم وأعمالهم، فيعلمون المثل الذي ينتمون إليه ويقاسون عليه، ولا يحتارون في الوزن والقياس! [ في ظلال القرآن - (6 / 3280) ] ،
4 - الرغبة والرهبة أحاسيس مجنونة تَلْمسُها وراء الطمع الجامِح والخوف المذل ، فهل يُعاني مِنْ ذلك إنسان أوشعب يفهم قول الله - تعالى - : { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } (2) [ سورة فاطر ] ، ورحمة اللّه تتمثل في مظاهر لا يحصيها العد ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتسجيلها في ذات نفسه وتكوينه ، وتكريمه بما كرمه وفيما سخر له من حوله ومن فوقه ومن تحته وفيما أنعم به عليه مما يعلمه ومما لا يعلمه وهو كثير ، ورحمة اللّه تتمثل في الممنوع تمثلها في الممنوع، ويجدها من يفتحها اللّه له في كل شيء ، وفي كل وضع ، وفي كل حال ، وفي كل مكان .. يجدها في نفسه ، وفي مشاعره ويجدها في نفسه ، وفي مشاعره ويجدها فيما حوله ، وحيثما كان ، وكيفما كان، ولو فقد كل شيء مما يعد الناس فقده هو الحرمان .. ويفتقدها من يمسكها اللّه عنه في كل شيء ، وفي كل وضع ، وفي كل حالة ، وفي كل مكان، ولو وجد كل شيء مما يعده الناس علامة الوجدان والرضوان! وما من نعمة - يمسك اللّه معها رحمته - حتى تنقلب هي بذاتها نقمة، وما من محنة - تحفها رحمة اللّه - حتى تكون هي بذاتها نعمة .. ينام الإنسان على الشوك - مع رحمة اللّه - فإذا هو مهاد، وينام على الحرير - وقد أمسكت عنه - فإذا هو شوك القتاد، ويعالج أعسر الأمور - برحمة اللّه - فإذا هي هوادة ويسر، ويعالج أيسر الأمور - وقد تخلت رحمة اللّه - فإذا هي مشقة وعسر، ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي أمن وسلام، ويعبر بدونها المناهج والمسالك فإذا هي مهلكة وبوار! ولا ضيق مع رحمة اللّه، إنما الضيق في إمساكها دون سواه، لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن ، أو في جحيم العذاب أو في شعاب الهلاك، ولا وسعة مع إمساكها ولو تقلب الإنسان في أعطاف النعيم ، وفي مراتع الرخاء، فمن داخل النفس برحمة اللّه تتفجّر ينابيع السعادة والرضا والطمأنينة، ومن داخل النفس مع إمساكها تدب عقارب القلق والتعب والنصب والكد والمعاناة! هذا الباب وحده يفتح وتغلق جميع الأبواب ، وتوصد جميع النوافذ ، وتسد جميع المسالك .. فلا عليك ، فهو الفرج والفسحة واليسر والرخاء .. وهذا الباب وحده يغلق وتفتح جميع الأبواب والنوافذ والمسالك فما هو بنافع، وهو الضيق والكرب والشدة والقلق والعناء! هذا الفيض يفتح ، ثم يضيق الرزق، ويضيق السكن، ويضيق العيش ، وتخشن الحياة ، ويشوك المضجع .. فلا عليك، فهو الرخاء والراحة والطمأنينة والسعادة، وهذا الفيض يمسك، ثم يفيض الرزق ويقبل كل شيء ، فلا جدوى، وإنما هو الضنك والحرج والشقاوة والبلاء! المال والولد ، والصحة والقوة ، والجاه والسلطان .. تصبح مصادر قلق وتعب ونكد وجهد إذا أمسكت عنها رحمة اللّه، فإذا فتح اللّه أبواب رحمته كان فيها السكن والراحة والسعادة والاطمئنان ، يبسط اللّه الرزق - مع رحمته - فإذا هو متاع طيب ورخاء وإذا هو رغد في الدنيا وزاد إلى الآخرة، ويمسك رحمته ، فإذا هو مثار قلق وخوف ، وإذا هو مثار حسد وبغض ، وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض ، وقد يكون معه التلف بإفراط أو استهتار ، ويمنح اللّه الذرية - مع رحمته - فإذا هي زينة في الحياة ومصدر فرح واستمتاع ، ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح الذي يذكر اللّه، ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ونكد وعنت وشقاء ، وسهر بالليل وتعب بالنهار! ويهب اللّه الصحة والقوة - مع رحمته - فإذا هي نعمة وحياة طيبة ، والتذاذ بالحياة، ويمسك نعمته فإذا الصحة والقوة بلاء يسلطه اللّه على الصحيح القوي ، فينفق الصحة والقوة فيما يحطم الجسم ويفسد الروح ، ويدخر السوء ليوم الحساب! ويعطي اللّه السلطان والجاه - مع رحمته - فإذا هي أداة إصلاح ، ومصدر أمن ، ووسيلة لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر، ويمسك اللّه رحمته فإذا الجاه والسلطان مصدر قلق على فوتهما ، ومصدر طغيان وبغي بهما ، ومثار حقد وموجدة على صاحبهما لا يقر له معهما قرار ، ولا يستمتع بجاه ولا سلطان ، ويدخر بهما للآخرة رصيدا ضخما من النار! والعلم الغزير، والعمر الطويل، والمقام الطيب، كلها تتغير وتتبدل من حال إلى حال .. مع الإمساك ومع الإرسال .. وقليل من المعرفة يثمر وينفع ، وقليل من العمر يبارك اللّه فيه، وزهيد من المتاع يجعل اللّه فيه السعادة ، والجماعات كالآحاد، والأمم كالأفراد، في كل أمر وفي كل وضع ، وفي كل حال .. ولا يصعب القياس على هذه الأمثال! ومن رحمة اللّه أن تحس برحمة اللّه! فرحمة اللّه تضمك وتغمرك وتفيض عليك، ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة، ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة، وثقتك بها وتوقعها في كل أمر هو الرحمة، والعذاب هو العذاب في احتجابك عنها أو يأسك منها أو شكك فيها، وهو عذاب لا يصبه اللّه على مؤمن أبدا، «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ» ، ورحمة اللّه لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال، وجدها إبراهيم - عليه السّلام - في النار ، ووجدها يوسف - عليه السّلام - في الجب كما وجدها في السجن، ووجدها يونس - عليه السّلام - في بطن الحوت في ظلمات ثلاث، ووجدها موسى - عليه السّلام - في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة ، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه، ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور، فقال بعضهم لبعض : «فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ»، ووجدها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار .. ووجدها كل من آوى إليها يأسا من كل ما سواها، منقطعا عن كل شبهة في قوة ، وعن كل مظنة في رحمة ، قاصدا باب اللّه وحده دون الأبواب ، ثم إنه متى فتح اللّه أبواب رحمته فلا ممسك لها، ومتى أمسكها فلا مرسل لها، ومن ثم فلا مخافة من أحد ، ولا رجاء في أحد، ولا مخافة من شيء ، ولا رجاء في شيء، ولا خوف من فوت وسيلة ، ولا رجاء مع الوسيلة ، إنما هي مشيئة اللّه، ما يفتح اللّه فلا ممسك، وما يمسك اللّه فلا مرسل، والأمر مباشرة إلى اللّه .. «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .. يقدر بلا معقب على الإرسال والإمساك، ويرسل ويمسك وفق حكمة تكمن وراء الإرسال والإمساك ، «ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها» .. وما بين الناس ورحمة اللّه إلا أن يطلبوها مباشرة منه ، بلا وساطة وبلا وسيلة إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام ، «وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ»، فلا رجاء في أحد من خلقه ، ولا خوف لأحد من خلقه، فما أحد بمرسل من رحمة اللّه ما أمسكه اللّه ، أية طمأنينة؟ وأي قرار؟ وأي وضوح في التصورات والمشاعر والقيم والموازين تقره هذه الآية في الضمير؟! آية واحدة ترسم للحياة صورة جديدة وتنشئ في الشعور قيما لهذه الحياة ثابتة وموازين لا تهتز ولا تتأرجح ولا تتأثر بالمؤثرات كلها، ذهبت أم جاءت، كبرت أم صغرت، جلت أم هانت، كان مصدرها الناس أو الأحداث أو الأشياء! صورة واحدة لو استقرت في قلب إنسان لصمد كالطود للأحداث والأشياء والأشخاص والقوى والقيم والاعتبارات، ولو تضافر عليها الإنس والجن، وهم لا يفتحون رحمة اللّه حين يمسكها ، ولا يمسكونها حين يفتحها .. «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .. وهكذا أنشأ القرآن بمثل هذه الآية وهذه الصورة تلك الفئة العجيبة من البشر في صدر الإسلام، الفئة التي صنعت على عين اللّه بقرآنه هذا لتكون أداة من أدوات القدرة ، تنشئ في الأرض ما شاء اللّه أن ينشئ من عقيدة وتصور ، وقيم وموازين ، ونظم وأوضاع، وتقر في الأرض ما شاء اللّه أن يقر من نماذج الحياة الواقعة التي تبدو لنا اليوم كالأساطير والأحلام، الفئة التي كانت قدرا من قدر اللّه يسلطه على من يشاء في الأرض فيمحو ويثبت في واقع الحياة والناس ما شاء اللّه من محو ومن إثبات، ذلك أنها لم تكن تتعامل مع ألفاظ هذا القرآن ، ولا مع المعاني الجميلة التي تصورها .. وكفى .. ولكنها كانت تتعامل مع الحقيقة التي تمثلها آيات القرآن ، وتعيش في واقعها بها ، ولها .. وما يزال هذا القرآن بين أيدي الناس ، قادرا على أن ينشئ بآياته تلك أفرادا وفئات تمحو وتثبت في الأرض - بإذن اللّه - ما يشاء اللّه .. ذلك حين تستقر هذه الصور في القلوب ، فتأخذها جدا ، وتتمثلها حقا، حقا تحسه ، كأنها تلمسه بالأيدي وتراه بالأبصار .[ في ظلال القرآن - (5 / 2921) ] ، إنَّ اضطراب الأعصاب ومستشفيات الأمراض النفسية وحوادث الانتِحار تملأ أقطار الغرب ، لِنُضُوب هذه الرَّوْحانِيَّة وانطلاق الجماهير وراء الماديات لا تدري سِواها .فكيف حَصَّنَّا أنفسنا من هذه الأوْبِئَة ؟ …
5 - قال الله تعالى في [ سورة يونس : { فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) } [ يونس : 81 ، 82 ] .
فلما ألقَوا حبالهم وعصيَّهم قال لهم موسى : إنَّ الذي جئتم به وألقيتموه هو السحر ، إن الله سيُذْهب ما جئتم به وسيُبطله ، إن الله لا يصلح عمل مَن سعى في أرض الله بما يكرهه ، وأفسد فيها بمعصيته ، ويثبِّت الله الحق الذي جئتكم به من عنده فيُعليه على باطلكم بكلماته وأمره ، ولو كره المجرمون أصحاب المعاصي مِن آل فرعون ، وهكذا كل مفسد عمل عملا واحتال كيدًا ، أو أتى بمكر ، فإن عمله سيبطل ويضمحل ، وإن حصل لعمله روجان في وقت ما ، فإن مآله الاضمحلال والمحق ، وأما المصلحون الذين قصدهم بأعمالهم وجه الله تعالى ، وهي أعمال ووسائل نافعة ، مأمور بها ، فإن الله يصلح أعمالهم ويرقيها ، وينميها على الدوام ، فألقى موسى عصاه ، فتلقفت جميع ما صنعوا ، فبطل سحرهم ، واضمحل باطلهم [ تفسير السعدي - (1 / 371) ] ،
6 - قال الله - سبحانه - في سورة الرعد : { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ } (17) [ سورة الرعد ] ، ضرب الله سبحانه مثلا للحق والباطل بماء أنزله من السماء ، فجَرَت به أودية الأرض بقدر صغرها وكبرها ، فحمل السيل غثاء طافيًا فوقه لا نفع فيه، وضرب مثلا آخر : هو المعادن يوقِدون عليها النار لصهرها طلبًا للزينة كما في الذهب والفضة ، أو طلبًا لمنافع ينتفعون بها كما في النحاس ، فيخرج منها خبثها مما لا فائدة فيه كالذي كان مع الماء ، بمثل هذا يضرب الله المثل للحق والباطل : فالباطل كغثاء الماء يتلاشى أو يُرْمى إذ لا فائدة منه ، والحق كالماء الصافي ، والمعادن النقية تبقى في الأرض للانتفاع بها ، كما بيَّن لكم هذه الأمثال ، كذلك يضربها للناس; ليتضح الحق من الباطل والهدى من الضلال ، وإنزال الماء من السماء حتى تسيل به الوديان يتناسق مع جو البرق والرعد والسحاب الثقال في المشهد السابق ويؤلف جانبا من المشهد الكوني العام ، الذي تجري في جوه قضايا السورة وموضوعاتها، وهو كذلك يشهد بقدرة الواحد القهار .. وأن تسيل هذه الأودية بقدرها ، كل بحسبه ، وكل بمقدار طاقته ومقدار حاجته يشهد بتدبير الخالق وتقديره لكل شيء .. وهي إحدى القضايا التي تعالجها السورة .. وليس هذا أو ذلك بعد إلا إطارا للمثل الذي يريد اللّه ليضربه للناس من مشهود حياتهم الذي يمرون عليه دون انتباه ، إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية ، وهو يلم في طريقه غثاء ، فيطفو على وجهه في صورة الزبد حتى ليحجب الزبد الماء في بعض الأحيان، هذا الزبد نافش راب منتفخ .. ولكنه بعد غثاء، والماء من تحته سارب ساكن هادئ .. ولكنه هو الماء الذي يحمل الخير والحياة .. كذلك يقع في المعادن التي تذاب لتصاغ منها حلية كالذهب والفضة ، أو آنية أو آلة نافعة للحياة كالحديد والرصاص ، فإن الخبث يطفو وقد يحجب المعدن الأصيل، ولكنه بعد خبث يذهب ويبقى المعدن في نقاء .. ذلك مثل الحق والباطل في هذا الحياة، فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابيا طافيا ولكنه بعد زبد أو خبث ، ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحا لا حقيقة له ولا تماسك فيه، والحق يظل هادئا ساكنا، وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات، ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الصريح ، ينفع الناس، «كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ» وكذلك يقرر مصائر الدعوات ، ومصائر الاعتقادات، ومصائر الأعمال والأقوال، وهو اللّه الواحد القهار ، المدبر للكون والحياة ، العليم بالظاهر والباطن ، والحق والباطل والباقي والزائل [ في ظلال القرآن - (4 / 2074) ] ، وإن الإنسان ليجد مصداق قول اللّه هذا في كل من يلقاه من الناس معرضا عن هذا الحق الذي تضمنه دين اللّه ، والذي جاء به في صورته الكاملة محمد رسول اللّه .. فإن هي إلا جبلات مؤوفة مطموسة، وإن هي إلا كينونات معطلة في أهم جوانبها بحيث لا تتلقى إيقاعات هذا الوجود كله من حولها ، وهو يسبح بحمد ربه وينطق بوحدانيته وقدرته وتدبيره وتقديره ، وإذا كان الذين لا يؤمنون بهذا الحق عميا - بشهادة اللّه سبحانه - فإنه لا ينبغي لمسلم يزعم أنه يؤمن برسول اللّه ، ويؤمن بأن هذا القرآن وحي من عند اللّه .. لا ينبغي لمسلم يزعم هذا الزعم أن يتلقى في شأن من شؤون الحياة عن أعمى! وبخاصة إذا كان هذا الشأن متعلقا بالنظام الذي يحكم حياة الإنسان أو بالقيم والموازين التي تقوم عليها حياته أو بالعادات والسلوك والتقاليد والآداب التي تسود مجتمعه .. وهذا هو موقفنا من نتاج الفكر - غير الإسلامي - بجملته - فيما عدا العلوم المادية البحتة وتطبيقاتها العملية مما قصده رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بقوله : «أنتم أعلم بشؤون دنياكم»، فإنه ما ينبغي قط لمسلم يعرف هدى اللّه ويعرف هذا الحق الذي جاء به رسول اللّه ، أن يقعد مقعد التلميذ الذي يتلقى من أي إنسان لم يستجب لهذا الهدى ولم يعلم أنه الحق .. فهو أعمى بشهادة اللّه سبحانه .. ولن يرد شهادة اللّه مسلم .. ثم يزعم بعد ذلك أنه مسلم!!! إنه لا بد لنا أن نأخذ هذا الدين مأخذ الجد وأن نأخذ تقريراته هذه مأخذ الجزم .. وكل تميع في مثل هذه القضية هو تميع في العقيدة ذاتها إن لم يكن هو رد شهادة اللّه - سبحانه - وهو الكفر البواح في هذه الصورة! وأعجب العجب أن ناسا من الناس اليوم يزعمون أنهم مسلمون ثم يأخذون في منهج الحياة البشرية عن فلان وفلان من الذين يقول عنهم اللّه سبحانه : إنهم عمي، ثم يظلون يزعمون بعد ذلك أنهم مسلمون! إن هذا الدين جد لا يحتمل الهزل ، وجزم لا يحتمل التميع ، وحق في كل نص فيه وفي كل كلمة .. فمن لم يجد في نفسه هذا الجد وهذا الجزم وهذه الثقة فما أغنى هذا الدين عنه، واللّه غني عن العالمين «! وما يجوز أن يثقل الواقع الجاهلي على حس مسلم ، حتى يتلقى من الجاهلية في منهج حياته وهو يعلم أن ما جاءه به محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الحق وأن الذي لا يعلم أن هذا هو الحق «أعمى»، ثم يتبع هذا الأعمى ، ويتلقى عنه ، بعد شهادة اللّه سبحانه وتعالى .[ في ظلال القرآن - (4 / 2053) ] ، إن حياة الناس لا تصلح إلا بأن يتولى قيادتها المبصرون أولو الألباب الذين يعلمون أن ما أنزل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الحق، ومن ثم يوفون بعهد اللّه على الفطرة ، وبعهد اللّه على آدم وذريته ، أن يعبدوه وحده ، فيدينوا له وحده ، ولا يتلقوا عن غيره ، ولا يتبعوا إلا أمره ونهيه، ومن ثم يصلون ما أمر اللّه به أن يوصل ، ويخشون ربهم فيخافون أن يقع منهم ما نهى عنه وما يغضبه ويخافون سوء الحساب ، فيجعلون الآخرة في حسابهم في كل خالجة وكل حركة ويصبرون على الاستقامة على عهد اللّه ذاك بكل تكاليف الاستقامة ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم اللّه سرا وعلانية ويدفعون السوء والفساد في الأرض بالصلاح والإحسان .. إن حياة الناس في الأرض لا تصلح إلا بمثل هذه القيادة المبصرة التي تسير على هدى اللّه وحده والتي تصوغ الحياة كلها وفق منهجه وهديه .. إنها لا تصلح بالقيادات الضالة العمياء ، التي لا تعلم أن ما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الحق وحده والتي تتبع - من ثم - مناهج أخرى غير منهج اللّه الذي ارتضاه للصالحين من عباده .. إنها لا تصلح بالإقطاع والرأسمالية ، كما أنها لا تصلح بالشيوعية والاشتراكية العلمية! .. إنها كلها من مناهج العمي الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - هو وحده الحق ، الذي لا يجوز العدول عنه ، ولا التعديل فيه .. إنها لا تصلح بالثيوقراطية كما أنها لا تصلح بالديكتاتورية أو الديمقراطية! فكلها سواء في كونها من مناهج العمي ، الذين يقيمون من أنفسهم أربابا من دون اللّه ، تضع هي مناهج الحكم ومناهج الحياة ، وتشرع للناس ما لم يأذن به اللّه وتعبدهم لما تشرع ، فتجعل دينونتهم لغير اللّه .. وآية هذا الذي نقوله - استمداد من النص القرآني - هو هذا الفساد الطامي الذي يعم وجه الأرض اليوم في جاهلية القرن العشرين، وهو هذه الشقوة النكدة التي تعانيها البشرية في مشارق الأرض ومغاربها .. سواء في ذلك أوضاع الإقطاع والرأسمالية ، وأوضاع الشيوعية والاشتراكية العلمية! .. وسواء في ذلك أشكال الديكتاتورية في الحكم أو الديمقراطية! .. إنها كلها سواء فيما تلقاه البشرية من خلالها من فساد ومن تحلل ومن شقاء ومن قلق .. لأنها كلها سواء من صنع العمي الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد من ربه هو الحق وحده ولا تلتزم - من ثم - بعهد اللّه وشرعه ولا تستقيم في حياتها على منهجه وهديه ، إن المسلم يرفض - بحكم إيمانه باللّه وعلمه بأن ما أنزل على محمد هو الحق - كل منهج للحياة غير منهج اللّه وكل مذهب اجتماعي أو اقتصادي وكل وضع كذلك سياسي ، غير المنهج الوحيد ، والمذهب الوحيد ، والشرع الوحيد الذي سنه اللّه وارتضاه للصالحين من عباده ، ومجرد الاعتراف بشرعية منهج أو وضع أو حكم من صنع غير اللّه ، هو بذاته خروج من دائرة الإسلام للّه فالإسلام للّه هو توحيد الدينونة له دون سواه ، إن هذا الاعتراف فوق أنه يخالف بالضرورة مفهوم الإسلام الأساسي ، فهو في الوقت ذاته يسلم الخلافة في هذه الأرض للعمي الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ، ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض .. فهذا الفساد في الأرض مرتبط كل الارتباط بقيادة العمي! .. ولقد شقيت البشرية في تاريخها كله وهي تتخبط بين شتى المناهج وشتى الأوضاع وشتى الشرائع بقيادة أولئك العمي ، الذين يلبسون أردية الفلاسفة والمفكرين والمشرعين والسياسيين على مدار القرون، فلم تسعد قط ولم ترتفع «إنسانيتها» قط ، ولم تكن في مستوى الخلافة عن اللّه في الأرض قط ، إلا في ظلال المنهج الرباني في الفترات التي فاءت فيها إلى ذلك المنهج القويم [ في ظلال القرآن - (4 / 2075) ] .
7 - قال الله تعالى في [ سورة المائدة : { قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (100) [ سورة المائدة ] ، قل - أيها الرسول - : لا يستوي الخبيث والطيب من كل شيء ، فالكافر لا يساوي المؤمن ، والعاصي لا يساوي المطيع ، والجاهل لا يساوي العالم ، والمبتدع لا يساوي المتبع ، والمال الحرام لا يساوي الحلال ، ولو أعجبك - أيها الإنسان - كثرة الخبيث وعدد أهله، فاتقوا الله يا أصحاب العقول الراجحة باجتناب الخبائث ، وفعل الطيبات; لتفلحوا بنيل المقصود الأعظم ، وهو رضا الله تعالى والفوز بالجنة [ التفسير الميسر - (2 / 274) ] ، إن المناسبة الحاضرة لذكر الخبيث والطيب في هذا السياق ، هي مناسبة تفصيل الحرام والحلال في الصيد والطعام، والحرام خبيث ، والحلال طيب .. ولا يستوي الخبيث والطيب ولو كانت كثرة الخبيث تغر وتعجب، ففي الطيب متاع بلا معقبات من ندم أو تلف ، وبلا عقابيل من ألم أو مرض .. وما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيب مثلها على اعتدال وأمن من العاقبة في الدنيا والآخرة .. والعقل حين يتخلص من الهوى بمخالطة التقوى له ورقاقة القلب له ، يختار الطيب على الخبيث فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة : «فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» .. هذه هي المناسبة الحاضرة .. ولكن النص - بعد ذلك - أفسح مدى وأبعد أفقا، وهو يشمل الحياة جميعا ، ويصدق في مواضع شتى : لقد كان اللّه الذي أخرج هذه الأمة ، وجعلها خير أمة أخرجت للناس ، يعدها لأمر عظيم هائل .. كان يعدها لحمل أمانة منهجه في الأرض ، لتستقيم عليه كما لم تستقم أمة قط ، ولتقيمه في حياة الناس كما لم يقم كذلك قط، ولم يكن بد أن تراض هذه الأمة رياضة طويلة، رياضة تخلعها أولا من جاهليتها وترفعها من سفح الجاهلية الهابطة وتمضي بها صعدا في المرتقى الصاعد إلى قمة الإسلام الشامخة ثم تعكف بعد ذلك على تنقية تصوراتها وعاداتها ومشاعرها من رواسب الجاهلية وتربية إرادتها على حمل الحق وتبعاته، ثم تنتهي بها إلى تقييم الحياة جملة وتفصيلا وفق قيم الإسلام في ميزان اللّه .. حتى تكون ربانية حقا .. وحتى ترتفع بشريتها إلى أحسن تقويم .. وعندئذ لا يستوي في ميزانها الخبيث والطيب ولو أعجبها كثرة الخبيث! والكثرة تأخذ العين وتهول الحس، ولكن تمييز الخبيث من الطيب ، وارتفاع النفس حتى تزنه بميزان اللّه ، يجعل كفة الخبيث تشيل مع كثرته ، وكفة الطيب ترجح على قلته .. وعندئذ تصبح هذه الأمة أمينة ومؤتمنة على القوامة .. القوامة على البشرية .. تزن لها بميزان اللّه وتقدر لها بقدر اللّه وتختار لها الطيب ، ولا تأخذ عينها ولا نفسها كثرة الخبيث! وموقف آخر ينفع فيه هذا الميزان .. ذلك حين ينتفش الباطل فتراه النفوس رابيا وتؤخذ الأعين بمظهره وكثرته وقوته .. ثم ينظر المؤمن الذي يزن بميزان اللّه إلى هذا الباطل المنتفش ، فلا تضطرب يده ، ولا يزوغ بصره ، ولا يختل ميزانه ويختار عليه الحق الذي لا رغوة له ولا زبد ولا عدة حوله ولا عدد .. إنما هو الحق .. الحق المجرد إلا من صفته وذاته وإلا من ثقله في ميزان اللّه وثباته وإلا من جماله الذاتي وسلطانه! لقد ربى اللّه هذه الأمة بمنهج القرآن ، وقوامة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حتى علم - سبحانه - أنها وصلت إلى المستوي الذي تؤتمن فيه على دين اللّه .. لا في نفوسها وضمائرها فحسب ، ولكن في حياتها ومعاشها في هذه الأرض ، بكل ما يضطرب في الحياة من رغبات ومطامع ، وأهواء ومشارب ، وتصادم بين المصالح ، وغلاب بين الأفراد والجماعات، ثم بعد ذلك في قوامتها على البشرية بكل ما لها من تبعات جسام في خضم الحياة العام ، لقد رباها بشتى التوجيهات ، وشتى المؤثرات ، وشتى الابتلاءات ، وشتى التشريعات وجعلها كلها حزمة واحدة تؤدي دورا في النهاية واحدا ، هو إعداد هذه الأمة بعقيدتها وتصوراتها ، وبمشاعرها واستجاباتها ، وبسلوكها وأخلاقها ، وبشريعتها ونظامها ، لأن تقوم على دين اللّه في الأرض ، ولأن تتولى القوامة على البشر .. وحقق اللّه ما يريده بهذه الأمة .. واللّه غالب على أمره .. وقامت في واقع الحياة الأرضية تلك الصورة الوضيئة من دين اللّه .. حلما يتمثل في واقع .. وتملك البشرية أن تترسمه في كل وقت حين تجاهد لبلوغه فيعينها اللّه .[ في ظلال القرآن - (2 / 983) ] ،
8 - قال الله تعالى في [ سورة آل عمران : { إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ } (160) [ سورة آل عمران ] ، أي : إن يمددكم الله بنصره ومعونته { فلا غالب لكم } فلو اجتمع عليكم من في أقطارها وما عندهم من العدد والعُدد ، لأن الله لا مغالب له ، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم ، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه ، ولا تسكن إلا بإذنه ، { وإن يخذلكم } ويكلكم إلى أنفسكم { فمن ذا الذي ينصركم من بعده } فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق ، وفي ضمن ذلك الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه ، والبراءة من الحول والقوة ، ولهذا قال : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } بتقديم المعمول يؤذن بالحصر ، أي : على الله توكلوا لا على غيره ، لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده ، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود ، والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه ، بل ضار ، وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله وحده ، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله [ تفسير السعدي - (1 / 154) ] ، إن التصور الإسلامي يتسم بالتوازن المطلق بين تقرير الفاعلية المطلقة لقدر اللّه - سبحانه - وتحقق هذا القدر في الحياة الإنسانية من خلال نشاط الإنسان وفاعليته وعمله .. إن سنة اللّه تجري بترتيب النتائج على الأسباب ، ولكن الأسباب ليست هي التي «تنشئ» النتائج، فالفاعل المؤثر هو اللّه، واللّه يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته .. ومن ثم يطلب إلى الإنسان أن يؤدي واجبه ، وأن يبذل جهده ، وأن يفي بالتزاماته، وبقدر ما يوفي بذلك كله يرتب اللّه النتائج ويحققها .. وهكذا تظل النتائج والعواقب متعلقة بمشيئة اللّه وقدره، هو وحده الذي يأذن لها بالوجود حين يشاء ، وكيفما يشاء .. وهكذا يتوازن تصور المسلم وعمله، فهو يعمل ويبذل ما في طوقه وهو يتعلق في نتيجة عمله وجهده بقدر اللّه ومشيئته، ولا حتمية في تصوره بين النتائج والأسباب، فهو لا يحتم أمرا بعينه على اللّه! وهنا في قضية النصر والخذلان ، بوصفهما نتيجتين للمعركة - أية معركة - يرد المسلمين إلى قدر اللّه ومشيئته ويعلقهم بإرادة اللّه وقدرته : إن ينصرهم اللّه فلا غالب لهم، وإن يخذلهم فلا ناصر لهم من بعده .. وهي الحقيقة الكلية المطلقة في هذا الوجود، حيث لا قوة إلا قوة اللّه ، ولا قدرة إلا قدرته ، ولا مشيئة إلا مشيئته ، وعنها تصدر الأشياء والأحداث .. ولكن هذه الحقيقة الكلية المطلقة لا تعفي المسلمين من اتباع المنهج ، وطاعة التوجيه ، والنهوض بالتكاليف ، وبذل الجهد ، والتوكل بعد هذا كله على اللّه : «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» .. وبذلك يخلص تصور المسلم من التماس شيء من عند غير اللّه ويتصل قلبه مباشرة بالقوة الفاعلة في هذا الوجود فينفض يده من كل الأشباح الزائفة والأسباب الباطلة للنصرة والحماية والالتجاء ويتوكل على اللّه وحده في إحداث النتائج ، وتحقيق المصاير ، وتدبير الأمر بحكمته ، وتقبل ما يجيء به قدر اللّه في اطمئنان أيا كان ، إنه التوازن العجيب ، الذي لا يعرفه القلب البشري إلا في الإسلام [ في ظلال القرآن - (1 / 503) ] ،
9 - قال الله تعالى في [ سورة السجدة : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } (24) [ سورة السجدة ] ، وجعلنا من بني إسرائيل هداة ودعاة إلى الخير ، يأتمُّ بهم الناس ، ويدعونهم إلى التوحيد وعبادة الله وحده وطاعته ، وإنما نالوا هذه الدرجة العالية حين صبروا على أوامر الله ، وترك زواجره ، والدعوة إليه ، وتحمُّل الأذى في سبيله ، وكانوا بآيات الله وحججه يوقنون [ التفسير الميسر - (7 / 303) ] ، { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ } أي : من بني إسرائيل { أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } أي : علماء بالشرع ، وطرق الهداية ، مهتدين في أنفسهم ، يهدون غيرهم بذلك الهدى ، فالكتاب الذي أنزل إليهم ، هدى ، والمؤمنون به منهم ، على قسمين : أئمة يهدون بأمر اللّه ، وأتباع مهتدون بهم ، والقسم الأول أرفع الدرجات بعد درجة النبوة والرسالة ، وهي درجة الصديقين ، وإنما نالوا هذه الدرجة العالية بالصبر على التعلم والتعليم ، والدعوة إلى اللّه ، والأذى في سبيله ، وكفوا أنفسهم عن جماحها في المعاصي ، واسترسالها في الشهوات ، { وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } أي : وصلوا في الإيمان بآيات اللّه ، إلى درجة اليقين ، وهو العلم التام ، الموجب للعمل ، وإنما وصلوا إلى درجة اليقين ، لأنهم تعلموا تعلمًا صحيحًا ، وأخذوا المسائل عن أدلتها المفيدة لليقين ، فما زالوا يتعلمون المسائل ، ويستدلون عليها بكثرة الدلائل ، حتى وصلوا لذاك ، فبالصبر واليقين ، تُنَالُ الإمامة في الدين [ تفسير السعدي - (1 / 656) ] ،
10 - قال الله - سبحانه وتعالى - في سورة الأنفال : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (53) [ سورة الأنفال ] : يخبر الله تعالى عن تمام عدله في حكمه في أمور العباد ، وأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه .وأنه إنما أخذ قريشا - بكفرها بنعم الله إذ بعث فيهم رسولا يتلو عليهم آيات ربهم ، فكذبه الكفار منهم وأخرجوه وحاربوه - كما أخذ الأمم المكذبة قبلهم بذنوبهم [ أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1214) ] ، { ذَلِكَ } العذاب الذي أوقعه اللّه بالأمم المكذبين وأزال عنهم ما هم فيه من النعم والنعيم ، بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم ، فإن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم من نعم الدين والدنيا ، بل يبقيها ويزيدهم منها ، إن ازدادوا له شكرا.{ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } من الطاعة إلى المعصية فيكفروا نعمة اللّه ويبدلوها كفرا ، فيسلبهم إياها ويغيرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم ، وللّه الحكمة في ذلك والعدل والإحسان إلى عباده ، حيث لم يعاقبهم إلا بظلمهم ، وحيث جذب قلوب أوليائه إليه ، بما يذيق العباد من النكال إذا خالفوا أمره [ تفسير السعدي - (1 / 324) ] ، إذن فذرية آدم بدأت أولاً بتغيير نعمة الإيمان إلى الكفر ، ومن شكر النعمة إلى جحودها ، فجزاهم الله تعالى بالطوفان وبالصواعق وبالهلاك؛ لأنهم غيروا ما بأنفسهم ، ولو أنهم عادوا إلى شكر الله وعبادته؛ لأعاد لهم الله نعَم الأمن والاستقرار والحياة الطيبة ، ويلفتنا المولى سبحانه وتعالى إلى أن اتباع المنهج يزيد النعم ولا ينقصها ، فيقول : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ }[ الأعراف : 96 ] ، وطبقاً لهذا القانون الإلهي نجد أن تغير الناس من الإيمان إلى الكفر لا بد أن يقابله تغيير من نعمة الله عليهم وإلا لأصبح منهج الله بلا قيمة ، والمثال أن كل طالب يدخل امتحاناً ، ولكن لا ينجح إلا من ذاكر فقط ، وأما من لم يستذكر فإنه يرسب؛ حتى لا تكون الدنيا فوضى، ولو أن الله سبحانه وتعالَى أعطى لمن اتبعوا المنهج نفس العطاء الذي يعطيه لمن لا يتبعون المنهج فما هي قيمة المنهج ؟. إذن لا بد أن يدخل الإنسان إلى الإيمان ، وأن يكون هذا الإيمان متغلغلاً في أعماقك وليس أمراً ظاهريا فقط ، فلا تدَّع الإصلاح وأنت تفسد ، ولا تدع الشرف والأمانة وأنت تسرق ، ولا تدع العدل وأنت تظلم الفقير وتحابي الغني؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لا يعطي نعمه الظاهرة والباطنة إلا لمن يتبعون منهجه، وإذا رأيت قوماً عمّ فيهم الفساد فاعلم أن نفوسهم لم تتغير رغم أنهم يتظاهرون باتباع المنهج الإلهي ، وإن شكونا من سوء حالنا فلنعرف أولاً ماذا فعلنا ثم نغيره إلى ما يرضي الله عز وجل فيغير الله حالنا، ولذلك إذا وجدت كل الناس يشكون فاعلم أن هذا قد حدث بسبب أن الله غير نعمه عليهم؛ لأنهم غيروا ما بأنفسهم، أي أن حالتهم الأولى أنهم كانوا في نعمة ومنسجمين مع منهج الله ، فغيروا انسجامهم وطاعتهم فتغيرت النعمة ، أي أن هناك تغييرين أساسيين ، أن يغير الله نعمة أنعمها على قوم ، وهذا لا يحدث حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وقوله تعالى : { وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ الأنفال : 53 ] ، أي أن الله تعالى يعلم حقيقة ما يفعلون ويسمع سرّهم وجهرهم ، ولذلك إذا غيروا ، سمع الله سبحانه وعلم؛ لأن التغيير إما أن يكون بالقول وإما أن يكون بالفعل ، فإن كان التغيير بالقول فالحق سبحانه يسمعه ولو كان مجرد خواطر في النفوس ، وإن كان التغيير بالعمل فالحق يراه ويعلمه ولو كان في أقصى الأرض [ تفسير الشعراوي - ( / 1200) ] ، إنه ، من جانب ، يقرر عدل اللّه في معاملة العباد فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم ، ويبدلوا سلوكهم ، ويقلبوا أوضاعهم ، ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها .. ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم ، حين يجعل قدر اللّه به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم ، وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم .. ومن الجانب الثالث يلقي تبعة عظيمة - تقابل التكريم العظيم - على هذا الكائن، فهو يملك أن يستبقي نعمة اللّه عليه ويملك أن يزاد عليها ، إذا هو عرف فشكر كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر ، وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه ، وهذه الحقيقة الكبيرة تمثل جانبا من جوانب «التصور الإسلامي لحقيقة الإنسان» وعلاقة قدر اللّه به في هذا الوجود وعلاقته هو بهذا الكون وما يجري فيه .. ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن في ميزان اللّه وتكريمه بهذا التقدير كما تتبين فاعلية الإنسان في مصير نفسه وفي مصير الأحداث من حوله فيبدو عنصرا إيجابيا في صياغة هذا المصير - بإذن اللّه وقدره الذي يجري من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه - وتنتفي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية ، التي تصوره عنصرا سلبيا إزاء الحتميات الجبارة، حتمية الاقتصاد ، وحتمية التاريخ ، وحتمية التطور .. إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة ، ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول ! كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء في حياة هذا الكائن ونشاطه وتصور عدل اللّه المطلق ، في جعل هذا التلازم سنة من سننه يجري بها قدره ، ولا يظلم فيها عبد من عبيده : «وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» .. « فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ » .. « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » .. والحمد للّه رب العالمين [ في ظلال القرآن - (3 / 1535) ] ، هذه القوانين العشرة السابقة نموذج لِما يَكفل الحضارات ويُحَصِّن الأمم .ودراستها حياة ونماء للعقائد والأخلاق ، ومهما كان الوزن لفروع الفقه فهذه الأصول أسبق ، والعُكوف عليها أجدى ، ذلك أنها حقائق ، والمقابل لها أباطيل ، أوأنها معروف ، والمقابل لها منكر .أما الاختلاف في كثير من الأحكام الفقهية فلا يَعْدُو أن يكون وجهات نَظَرٍ قد تكون متساوية الأجر عند مَنْ يُصَوِّبون كل اجتهاد ، أو مُتَفاوِتَةَ الأجر عند مَنْ يرون المجتهدين عُرْضَةً للخطأ والصواب!! ]] انتهى من كتاب الخُـلاصَـةُ في فِـقْـهِ الـدَّعْوَةِ ، جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنَّة علي بن نايف الشحود ،
*** كتبه الراجي رحمة ربه الرؤوف الرحيم
مجدي محمد علي
حاصل على الشهادة العالمية ( الماجستير ) في العلوم الشرعية الإسلامية
للتحميل المباشر من هنامعرفة سنن الله الكونية في القرآن الكريم.rar
ليس لديك الصلاحية لمشاهدة المرفقات

العودة إلى “منتدى الدعوة والعمل لخدمة الإسلام”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد