بيان أنّ التوحيد بأقسامه عقيدة وشريعة وسلوك ومنهاج حياة متكامل

المشرفون: مشرف المنتدى، webmaster

مشرف المنتدى
مشاركات: 427
اشترك في: السبت يناير 09, 2016 11:42 pm

بيان أنّ التوحيد بأقسامه عقيدة وشريعة وسلوك ومنهاج حياة متكامل

مشاركةبواسطة مشرف المنتدى » الثلاثاء مارس 15, 2016 4:54 am

حول بيان أنّ التوحيد بأقسامه عقيدة وشريعة وسلوك ومنهاج حياة متكامل
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : فإنّ التوحيد هو المرادف لشهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) ، ولا يجزئ عن شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للتعبير عن كافة أقسام التوحيد وعن البراءة عن كافة أنواع الشرك سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا متصف بالأسماء الحسنى ولا الصفات العلا إلا الله ) ، وما ذاك إلا لأنّ ، قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، ف ( لا إله إلا الله ) توحيد ألوهية شامل يدخل في معناه لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد الصفات العلى ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ، و ( لا إله إلا الله ) : نفي وإثبات : أي نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله الواحد الأحد ، ونفي جميع صفات وأوصاف الربوبية والإلهية عما سوى الله ، واعتقاد أنه لا إله بحق إلا الله ولا رب على الحقيقة إلا هو ولا معبود بحق سواه ، ومعنى ( لا إله إلا الله ) : نفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه : توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد الربوبية وتوحيد الإلهية ، وعلى ذلك ف ( لا إله إلا الله ) هي شهادة التوحيد وهي توحيد الألوهية ، وهو يشمل أقسام عديدة تشمل الدين كله ، وقد اجتهد علماء لأهل السنة والجماعة في تقسيم التوحيد تسهيلاً لتدريسه أو عرضه أو التأليف فيه ، ولا حرج في هذه التقسيمات مادامت تستوعب كل أقسام التوحيد ، وما دامت تتسم بالصواب وعده الإفراط أو التفريط في تناول مباحث التوحيد ، حبى الله تعالى أهل السنة والجماعة بالشمول والتكامل في أبواب العلم والعمل والسلوك ، لقد ركزت طوائف أهل السنة والجماعة على جميع أقسام التوحيد ، ركزت طائفة منها على توحيد الذات وتوحيد الصفات والأفعال فأبدعت وأتت بما يفخر به أهل الإسلام من قواعد التقديس والتنزيه وتوحيد الذات والصفات والأفعال التي تمنع من الحشو والتجسيم ، كما أن طائفة أخرى ركزت على توحيد الربوبية والعبودية وأتت بما يحمي جناب التوحيد من شوائب الشرك ، كما أن طائفة ثالثة ركزت في باب التوحيد على مقامات التوحيد القلبية التي تعد مفخرة اهل الإسلام في بيان منازل الموحدين من الصديقين والمقربين والمحسنين ، والذي بلغ بأكابرهم أن عايشوا سنام التوحيد ( وحدة الشهود ) ، فعبدوا الله تعالى كأنهم يرونه كما في الحديث عن مرتبة الإسلام أعلى مراتب الدين : (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، والتجديد الشامل لعلم التوحيد يأخذ من كل طائفة أحسن القول والعلم في مباحث التوحيد ، ويتجنب الغلو والخطأ والقصور الذي شاب بعض تلك الطوائف في مباحث التوحيد ، وبهذا نخرج بعلم راسخ للتوحيد يحيط بكافة جوانبه العظيمة ، ولا تكون وحدة الكلمة إلا على علم التوحيد الصافي الزلال المحيط بكافة جوانب التوحيد ومباحثه وكافة اقسامه ، والتجديد الشامل لعلم التوحيد يأخذ من كل طائفة أحسن القول والعلم في مباحث التوحيد ، ويتجنب الغلو والخطأ والقصور الذي شاب بعض علماء تلك الطوائف الثلاث في كافة مباحث التوحيد ، وبهذا نخرج بعلم راسخ للتوحيد يحيط بكافة جوانبه العظيمة ، إن من اهم أهداف استيفاء علم التوحيد والاحاطة بكافة جوانبه ، فتح صفحة جديدة لباب الوحدة بين طوائف أهل السنة على التوحيد الشامل المعتدل الصافي المصفى وذلك : بإعادة التوازن والاعتدال والشمول إلى علم التوحيد في كافة جوانبه وإزالة القصور والإفراط الذي شاب البعض تجاه مسائل التوحيد والشرك ، وإزالة القصور والتفريط الذي شاب الآخرين ، وأحمد الله تعالى أني تناولت – بحمد الله تعالى - عبر تلك الأسئلة والإجابات : بيان علم التوحيد وفقه مسائله وأحكامه على طريقة جميع طوائف أهل السنة والجماعة ، على طريقة أهل أصول الدين المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة من حيث التركيز على التوحيد العقائدي وما فيه من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه والتسبيح ، وعلى طريقة الفقهاء من حيث التركيز على التوحيد العملي وما فيه من تحقيق التوحيد الواجب وحفظ جناب التوحيد ، وعلى طريق أهل التزكية والتصوف من حيث التركيز على منازل التوحيد وأخلاق الموحدين وما هم عليه من التربية والتزكية والإحسان ، وبالنظر إلى كافة أقسام التوحيد التي أبدع في بيانها علماء أهل السنة والجماعة ، نعلم يقينا أن التوحيد بأقسامه عقيدة وشريعة وسلوك ومنهاج حياة متكامل ، ونعلم يقينا أن التوحيد منهاج حياة كامل يتمثل في تحقيق العبودية والإلهية لله وحده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته وألوهيته للعالمين ، ومنهاج تزكية متكامل ن يتدرج فيه العبد في مدارج السالكين ن ومنازل السائرين إلى مرضاة رب العالمين ، إنّ التوحيد بأقسامه منهاج حياة كامل يتمثل في تحقيق العبودية والإلهية لله وحده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته وألوهيته للعالمين ، مصداقا لقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان كيفية تلك العبودية لله وحده لا شريك له ، فكل أعمال البشر لابد وأن تتجلى فيها العبودية لله وحده وفق منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالعبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في التوحيد ( شهادة إن لا إله إلا الله ) ، والتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية تحقيق هذه العبودية هو شطرها الثاني ، المتمثل في ( شهادة أن محمدا رسول الله ) ، ويتمثل هذا التوحيد في كافة جوانب العقيدة وفي كافة جوانب الشريعة وفي كافة جوانب الأخلاق والسلوك وفي كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالحياة ، وإنّ عقيدة التوحيد عقيدة متكاملة تتمثل في إفراد الله تعالى بالتوحيد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته للعالمين وإفراده وحده بالعبودية ، إفراد الله تعالى بالتوحيد في ذاته : لقوله تعالى : { وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } [النحل : 51 ] ، وقوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، سبحانه منزه عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ، لأنه هو الواحد القهار ، قهر الخلائق بالحد والمقدار ، تعالى عن الحدود والمقدار ، وهو منزه عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان لأنه خالق المكان والزمان ، ومنزه عن الحدوث أو الفناء { كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } ، ، ومنزه عن أي مثيل أو كفء أو شبيه { ليس كمثله شيء } ، { ولم يكن له كفوا أحد } ، ومنزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، لأن أقل الجسم جزآن ، والله تعالى أحد صمد ، ومنزه عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق لأنه المصور لكل الصور ، جل المصور أن يكون مصورا ، ، ومنزه عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق لأنه الغني الحميد ، ومنزه عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته ، لأنه القديم بذاته والقديم بصفاته منزه عن الأفول ، ومنزه عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ومنزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، ومنزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، ومنزه عن الوالد والولد والصاحبة ، قال تعالى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ، قال تعالى { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ سورة مريم : 88 ، 95 ] ، ومنزه عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، قال تعالى : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً } [الإسراء 111] ، وقال تعالى : { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } [الكهف 26] ، وإفراد الله تعالى بالتوحيد في أسمائه وصفاته : لقوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } [ سورة طه : 8 ] و قال تعالى { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ سورة الْأَعراف : 180 ] و قال تعالى { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [ سورة الإسراء : 110 إلى 111 ] وقال تعالى { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ سورة الحشر : 22 إلى 24 ] ، و إفراد الله تعالى بالتوحيد في في أفعاله : لقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، قوله تعالى : {خَالِقُ كُلِّ شَيء وَهُوَ عَلَي كُلِّ شَيء وَكِيلٌ } ، وقوله تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ الإنسان : 30 ، 31 ] ، قوله تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير : 29 ] ، فلا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله ، ولا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته ، هو سبحانه وحده المنفرد بالأفعال ، لا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء ، وإفراد الله تعالى بالتوحيد في ربوبيته لجميع خلقه : لقوله تعالى { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [ الأنعام : 164 ] ، وقوله تعالى { لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 38 ] ، وقوله تعالى { وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 42 ] ، وقوله تعالى { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [آل عمران : 64 ] ، وقوله تعالى { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 79 ، 80 ] ، وقوله تعالى { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }[ التوبة : 31 ] ، سبحانه لا شريك له في شيء من تلك المعاني التي يشملها توحيد الربوبية ، وأخص ذلك اعتقاد ان الله تعالى هو وحده المختص بالخلق والإمداد ، لقوله تعالى { قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ القَهّار } [ الرعد : 16 ] ، وإفراد الله تعالى بالتوحيد في الرزق والإمداد : لقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } [ الذاريات : 58 ] ، وإن كان سبحانه نسب الرزق أحياناً إلى خلقه ، فمن باب التفضل ، وإلا فلا رازق ولا ممد إلا هو لا حول ولا قوة إلا به ، وإفراد الله تعالى بالتوحيد في التدبير والتصريف : لقوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللّه ُالّذي خَلَق السَّمواتِ وَالاَرض في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى علَى الْعَرْشِ يُدَبِّر ُالاَمْر ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللّه ُرَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرون } [ يونس : 3 ] ، وقال سبحانه : "اللّهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَونَها ثُمَّ استوى علَى العَرشِ وَسَخَّرَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لاَجلٍ مُسمًّى يُدبِّرُ الاَمرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعلّكُمْ بِلِقاءِ ربّكُمْ تُوقِنونَ } [ الرعد : 2 ] ، وإفراد الله تعالى بالتوحيد في الحاكمية والتشريع : لقوله تعالى : {إنِ الْحُكْم ُإِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إلا ّإيّاه } [ يوسف : 40 ] ، وقوله تعالى : { أَفَحُكْم الْجاهِلِيةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَومٍ يُوقِنونَ } [ المائدة : 50 ] ، ، وقوله تعالى : { وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، وقوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} [ المائدة : 44 ] ، وقوله تعالى : { وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ فَأُولئكَ هُمُ الْفاسِقُونَ} [ المائدة : 47 ] ، وإفراد الله تعالى بالتوحيد في عبوديته واستحقاقه وحده للعبادة : لقوله تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ } ، وقوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً } [ آل عمران : 64 ] ، وقوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } ، وهي تقوم على إفراد الله تعالى بالعبادة فلا معبود بحق سواه ، وتوحيد كل معاني العبودية والطاعة والمحبة في الله تعالى والولاء والبراء على أساس منهج الله ، ولذا : وإفراد الله تعالى بالتوحيد في العبادة والنسك : لقوله تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [ الْأَنْبياء : 25 ] ، وقوله تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [ النحل : 36 ] ، وقوله تعالى { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ الْأَعراف : 59 ] ، وقوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، وقوله سبحانه : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، وإفراد الله تعالى بالتوحيد في التحكيم والتشريع : لقوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة : 44] ، وقوله تعالى { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، وقوله تعالى { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ النساء : 65 ] ، وإفراد الله تعالى بالتوحيد في الطاعة والاتباع : لقوله تعالى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 32 ] ، وقوله تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92} [ المائدة : 92 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } [ محمد : 33 ] ، وقوله تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ التغابن : 12 ] ، وإفراد الله تعالى بالتوحيد في الولاء والبراء : لقوله تعالى : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 14 ] ، وقوله تعالى : { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الشورى : 9 ] ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ }[ الشورى : 28 ] ] ، وقوله تعالى : { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ }[ الشورى : 31 ] ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } [ التوبة : 116 ] ، وينشأ عن توحيد الولاء لله تعالى الولاء لدينه دينه بالدعوة إليه والحسبة عليه والجهاد في سبيل نشره والتمكين له ، والولاء لكتابه القرآن الكريم بتدبره والعمل بما فيه ، والولاء لرسوله صلى الله عليه وسلم بطاعته واتباعه واحترامه وتعظيم قدره ، ومن توحيد الولاء : موالاة أولياء الله الموحدين الولاء العام لكل مسلم على شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، ومن توحيد البراء : معاداة أعداء الله تعالى ، وأعداء دينه ، ومعاداة المشركين ، وبغضهم ، ومعاداة الكافرين المحاربين ، وعدم مناصرتهم على المسلمين ، وإظهار البراء من كفرهم وشركهم ، كما في قوله تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ { ، [ المائدة : 55 ، 56 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [ التوبة : 23 ] ، وقوله تعالى : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { [ المجادلة : 22 ] ، وقوله تعالى : { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } [ الممتحنة : 4 ] ، وبعد : فالتوحيد لا يكتمل علمه إلا بتوحيد الذات ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الربوبية ، وتوحيد الالوهية ، وما يندرج داخلها من أقسام ، ومن عاش في علم التوحيد ، علم أنّه بحق علم العلوم ، وسيد العلوم ، لأنه الطريق إلى معرفة الله ، غاية كل عالم ، كما أثنى الله تعالى عليهم ، وجعلهم ممن يشهد - مع الله تعالى والملائكة - لله بالوحدانية والتوحيد ، بقوله تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ آل عمران : 18 ] ، وحصر الخشية من الله في حق هؤلاء العلماء فقال تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ، وعقيدة التوحيد تعني اعتراف المسلم بسيادة شرع الله تعالى وقانونه ونظامه على الأرض ، فالنظام الإسلامي يقوم على أساس أن الله وحده هو الذي يشرع للبشرية وكلهم مطالبون بتطبيق شرع الله ، فالسيادة فيه لله ، والعبودية للبشر ، أما بقية الأنظمة فهي مهما بلغ بها التطور جاهلية ، والفرق بين نظام الله ونظام البشر هو فارق بين التوحيد والشرك وفارق بين الإيمان والكفر ، فمن طبق أحدهما فلابد وأن يخالف الآخر ، ومن اعتقد احدهما لا مجال له إلا أن يكفر بالآخر ، قال تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة : 50] ، وأهل التوحيد تتحقق عبوديتهم لله وحده في كافة أعمالهم وشعائرهم : فالسيادة في حياة المسلم للشرع الإلهي ، لقوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [سورة المائدة الآية 44 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب : 36] ، وأهل التوحيد لا يرضون بالعلمانية والليبرالية وغيرها من الدعاوى التي تتعارض مع الإسلام قلبا وقالبا ، فالعلمانية كعقيدة وفلسفة تتعارض تمامًا مع الإسلام ، لأنها لا تؤمن ببعض دين الله ( ألا وهو جانب الحكم والتشريع الرباني بين خلقه وعبيده ) قد قال تعالى : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ *} [ البقرة : 85-86 ] ، والعلمانية تُقصي الدين عن الحياة وتحصره في العبادة المحضة كالصلاة ، أما في الإسلام فكما أن الصلاة لا تكون إلا لله؛ فالحياة كلها لله تعالى لا شريك له. قال تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [الأنعام : 162, 163] ، والعلمانية ترفض تحكيم الدين فيما يشجر بين الناس من نزاعات دنيوية في الدماء والأموال والأعراض ، أما في الإسلام فقد قال تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء : 65] ، والعلمانية تعني أن يعتقد الإنسان أنه غير ملزم بالخضوع لأحكـام الله في كل نواحي الحياة وأن الدين ليس له علاقة بشؤون الحياة في غير العبادات والصلوات ، ومن اعتقد هذه العقيدة فهو كافـر بنص القرآن الكريم قال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44] ، وقد أجمع علماء المسلمين أن من جحد حكم الله تعالى في القتل أو السرقة أو الزنا أو غيره مما جاء في القرآن الكريم فهو كافر الكفر الأكبر المخرج من دين المسلمين ، والجحود معناه إنكار الحكم أو إنكار صلاحيته للناس أو اعتقاد إقصائه عن حياة المسلمين ، وصدق الله تعالى إذ يقول : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) } [ المائدة : 50 ] ، والليبراليَّة : هي وجه آخر من وجوه العلمانيِّة ، وهي تعني في الأصل الحريِّة ، غير أن معتنقيها يقصدون بها أن يكون المجتمع حراً في أن يحكم بما يشاء ، بدون التقيد بشريعة إلهية ، فالمجتمع عند الليبراليين حر غير محكوم بشريعة من الله تعالى ، ولا مأمور من خالقه باتباع منهج إلهيّ ينظم حياته كلها ، كما قال تعالى : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [ الجاثية : 18] ، وحقيقة اعتقاد الليبرالي : الحرية المطلقة للمجتمع فيما يجب أن يسوده من القوانين والأحكام ، ولا سبيل إلى ذلك إلا التصويت الديمقراطي ، وبه وحده تعرف القوانين التي تحكم الحياة العامة ، وهو شريعة الناس لا شريعة لهم سواها ، وذلك بجمع أصوات ممثلي الشعب ، فمتى وقعت الأصوات أكثر وجب الحكم بالنتيجة سواء وافقت حكم الله أو خالفته ، لأن الدين لا دخل له في تنظيم حياة الناس ، وإذا تغيَّرت أصوات الاغلبيَّة تغيَّرت الأحكام والقيم ، وتبدلت الثوابت بأخرى جديدة ، إلا إذا صار حكمُ الأغلبيِّة هو الدين ، واختار عامة الشعب الحكم بالإسلام ، واتباع منهج الله تعالى ، والسير على أحكامه العادلة الشاملة الهادية إلى كل خير ، فإن الليبراليّة هنا تنزعج انزعاجاً شديداً ، وتشن على هذا الاختيار الشعبي حرباً شعواء ، وتندِّدُ بالشعب وتزدري اختياره إذا اختار الإسلام ، وتطالب بنقض هذا الاختيار وتسميه إرهاباً وتطرفاً وتخلفاً وظلاميّة ورجعيّة ، وهذا يدلنا أن الكفر ملة واحدة وجميعهم كما قال تعالى : { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } [ الزمر : 45 ] فإذا ذُكر منهج الله تعالى ، وأراد الناس شريعته اشمأزت قلوب الليبراليين ، وإذا ذُكِر أيُّ منهجٍ آخر ، أو شريعة أخرى ، أو قانون آخر ، إذا هم يستبشرون به ، ويرحِّبون به أيَّما ترحيب ، ولا يتردَّدون في تأيِّيده ، ومما سبق يتبين أن العلمانية والليبراليِّة هما وجهان لعقيدة واحدة تنافي التوحيد ، كلاهما بنيت أركانها على الإعراض عن شريعة الله تعالى ، والكفر بما أنزل الله تعالى ، والصد عن سبيله ، والمسلم لا يتلقى الحكم والتشريع والمنهاج من أحد سوى الله ، عن الطريق الذي بلغنا الله به ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى : 21] ، وقوله تعالى : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }[ الحشر : 7 ] ، هذا هو الموحد الذي تتمثل العبودية لله وحده في عقيدته وتصوراته ، كما تتمثل في شعائره وعبادته ، وأهل التوحيد يتلقون الإسلام من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويجرد اتباعه في إسلامه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن الإسلام هو منهاج حياة المسلم ، في كل صغيرة أو كبيرة من أمور دنياه وآخرته ، يفيدنا في تحديد المسار في كل قضايانا وأمورنا ، ويفيدنا في مواجهة واقع الحياة البشرية ، ويفيدنا في تحديد مناهجنا في الإصلاح وإعمار الكون ، والخلاصة أنّ عقيدة التوحيد المتمثلة في شهادة التوحيد شهادة ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) منهاج حياة كامل يتمثل في تحقيق العبودية والإلهية لله وحده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته وألوهيته للعالمين ، مصداقا لقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان كيفية تلك العبودية لله وحده لا شريك له ، فكل أعمال البشر لابد وأن تتجلى فيها العبودية لله وحده وفق منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ان أهم أقسام التوحيد وأعلاها [ توحيد العارفين والمحسنين والمقربين ] ، أعلى منازل التوحيد ( توحيد الله تعالى على الشهود ) ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ، وعلم التوحيد بحر محيط لا ساحل له ولا حد له ، وإنما يأخذ كل موحد منه بقدر ما كتبه الله تعالى له من علوم التوحيد ومن حقائقه ، وقد أكرم الله تعالى الربانيين العارفين من أهل التزكية من أمة النبي صلى الله ليه وسلم بالتركيز على مقامات التوحيد القلبية التي بلغت بهم أن عايشوا [ وحدة الشهود ] ، التي هي سنام التوحيد ، وإذا كان توحيد العامّة من أهل الإسلام هو اعتقاد وجود الإله الحق الرب المعبود وحده لا شريك له ، متمثلين في ذلك شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) ، وإذا كان توحيد الخاصة من المتخصصين في العقيدة هو توحيد الذات وتوحيد الأسماء وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية ، بما تشتمل عليه تلك الأقسام من علوم غزيرة ومعارف واسعة ، تتمثل في دفع الشبه القادحة في صحة التوحيد من كل ما يوجب التشبيه والتمثيل ، وكل ما يُوجب النقص ، أو العيب أو العجز ، أو يسلب الكمال المتعلق بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله ، أو يوجب الشرك في ربوبيته وإلهيته لجميع خلقه ، ودفع تلك الشبه التي تخدش أصل أو كمال التوحيد بالحجج العقلية القائمة على المقدمات اليقينية ، وبالحجج الشرعية التي تُوجب التوحيد والتفرد والتقديس والتنزيه ، وإذا كان توحيد الخاصة من المتخصصين في الشريعة هو التوحيد العملي وبيان ما يشتمل عليه من أقسام التوحيد الأصل والواجب ، والبراءة من الشرك الأكبر والشرك دون شرك والشرك الأصغر والشرك الخفي ، وحماية جناب التوحيد من كل ما يخدش جنابه ، فإنّ توحيد أهل التزكية والإحسان أعلى بكثير ، لأنّه توحيد الشهود ، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور : (( قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) [ أخرجه مسلم ] ، والمشاهدة أعظم اليقين ، ولهذا جاء التعبير عن شهادة التوحيد بلفظ أشهد أن لا إله إلا الله ، لأنّه لا يقين أعظم من الشهادة ، لأنّ الشهادة من المشاهدة والنظر ، وهي تعني : الرؤية بالبصر والبصيرة وجزم العقل والقلب على الأمر مع الشهادة على هذا باللسان بيقين دون شك أو تردد ، وعلى ذلك ، فقولنا في بداية الشهادة ( أشهد أن لا إله إلا الله ) أي أقر وأعترف وأجزم وأرى وأُوقن دون شك أو تردد أنّه ( لا إله إلا الله ) ، كما أنّ اليقين مراتب أولها علم اليقين وثانيها عين اليقين وثالثها حق اليقين ، كما جاء في قوله تعالى في سورة التكاثر : { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } فبينت السورة وجود منزلتين من منازل اليقين : الأول { عِلْمَ الْيَقِينِ } ، وهو ما يعلمه الإنسان ويوقن به دون أدنى شك عن طريق السمع والخبر والقياس والنظر ، والثاني هو : { عَيْنَ الْيَقِينِ } وهو ما يعلمه الإنسان ويوقن به عن طريق المشاهدة والنظر ، وهو أقوى من اليقين الاول لأنّه ليس الخبر كالعيان ، وليست المشاهدة كالسماع ، وهناك منزلة ثالثة اعلى من عين اليقين الا وهي { حَقُّ الْيَقِينِ } والذي جاء في قوله تعالى : { إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [ الواقعة : 88 إلى 96 ] ، وحق اليقين أعلى درجات اليقين لأنّه لا يقتصر على الرؤية والمشاهدة ، وإنّما يتعداها إلى المعايشة والمباشرة والملابسة الدائمة المستمرة ، فتلك هي أعلى مراتب اليقين ، فالمراتب ثلاث : ( علم يقين ) يحصل عن الخبر ثم تتجلى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر حتى يصير العلم به ( عين يقين ) ثم يباشره ويلابسه فيصير حق يقين ، فعلمنا الآن بالجنة والنار علم يقين فإذا أزلفت الجنة للمتقين في الموقف وبرزت الجحيم للغاوين وشاهدوهما عيانا كان ذلك عين يقين كما قال تعالى { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} فإذا دخل أهل الجنة : الجنة وأهل النار : النار فذلك ( حق اليقين ) ، الشاهد مما سبق أنّ توحيد أهل الإحسان يختلف بالكلية عن توحيد اهل الإيمان ، وتوحيد أهل الشهود أعلى من توحيد أهل النظر والاعتقاد ، لأنّه ليس المخبر كالمعاين ، وليس من سمع عن عسل النحل عرفه كمن رأى العسل وشاهده ، وليس من رأى العسل وشاهده عرفه كمعرفة من شرب العسل وذاق حلاوته ، وكما أنّ اليقين مراتب ، فإنّ التوحيد مراتب ، وتوحيد الشهود كما سياتي أعلى منازل التوحيد وأنّه توحيد اهل الإحسان المقربين السابقين ، وتوحيد الشهود هو التوحيد المستمد من التوحيد الذي كان عليه أفضل الخلق وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وذلك حين خاطبه الله تعالى بقوله : { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [ سورة الانعام : 161 إلى 164 ] ، فالآيات الكريمات تدل على أنّ الله تعالى قد هدى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصراط المستقيم والدين القيم ، وإلى ملة إبراهيم الخليل عليه السلام البريء من الشرك وجميع أهله ، ثم أرشدت الآيات إلى احسن التوحيد الذي تكون فيه كل حركات وسكنات الموحد لله تعالى ، { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ } فالعبادات والطاعات ، بل والحياة والممات لا يكون في هذا التوحيد الذي هو اكمل التوحيد واحسنه إلا لله وحده لا شريك له في ذلك كله ، وهذا هو التوحيد الذي أُمر به قدوة الموحدين وأعبد العابدين وأول المسلمين مرتبة ومنزلة عند الله ، رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } ، وتوحيد الشهود هو أعلى منازل التوحيد ، وذلك لأنّه توحيد من يعبد الله تعالى على المشاهدة ، والمشاهدة أعمق اليقين لأنه عبادة من كانّه يرى الله ويرى كل شيء في الوجود تجلياً من تجليات أسماء الله الحسنى ، أو أثراً من آثار صفاته ، وبديع أفعاله ، فإنه الله الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء ، فكل ما في الوجود من تدبير وتصريف وهداية وارشاد وغيرها من الأفعال إنما هي من تجليات اسماء الله تعالى الحسنى كاسمه الرحمن واسمه الرحيم ، وإنّما هي من آثار صفاته العلى من العلم والرحمة والكرم وغيرها من صفات الرب الرحمن الرحيم الحكيم الكريم ، فالتوحيد عند أهل الإحسان والشهود هو توحيد كل من يرى أنّ الله تعالى قائم على كل شيء وقائم فوق كل شيء ، حي قيوم ، أوجد الحياة كلها بتجليات اسمه الحي ، وقامت الخلائق كلها بتجليات اسمه القيوم ، فلولا الله تعالى لما كان الوجود بما فيه ، ولولا إمداد الله للوجود في كل لحظة وحين لزالت الخلائق وكان الفناء ، فهو إذن توحيد من لا يرى في الوجود شيئاً إلا يدله على الله تعالى وعلى أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الحكيمة وآثار رحمته التي وسعت كل شيء ، والتوحيد عند أهل الإحسان والشهود هو توحيد الفناء عمّا سوى الله ، فهو فانٍ عن الخلائق لا يرى لهم في الكون تأثيرا ولا تدبيرا ولا تصريفا ، لأنّ الله تعالى هو الرب المهيمن المدبر المصرف ، فلا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين ، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين ، ولا مالك لا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين ، ولا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، ولا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين ، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ، فهم أهل الشهود في الربوبية ، يتمثلون في كل حركاتهم وسكناتهم قول الله تعالى { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } [ الأنعام : 164 ] ، وقوله تعالى { لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 38 ] ، وقوله تعالى : { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } فالربوبية عندهم تتمثل في كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والإمداد والرزق والاستصلاح والهداية ، ثم كل معاني التملك من الملك والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والرئاسة والهيمنة والحكم والأمر ثم كل معاني النصر والعز والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ عندهم معاني توحيد الربوبية على المشاهدة والمعاينة ، فينتج عنه الفناء عمّا سوى الله لأنّ كل ما خلا الله إن حققته لا تأثير له ، بمعنى أنّه لا يضر إن شاء الله تعالى النفع ولا ينفع متى شاء الله تعالى بحكمته الضر ، قال تعالى : { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا } [ الجن : 21 ، 22 ] ، وقوله تعالى : { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ يونس : 107 ] ، وقوله تعالى : { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ فاطر : 2 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ )) [ سنن الترمذي ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي : ح 2516 ] ، والتوحيد عند أهل الإحسان والشهود هو توحيد البقاء بالله بعد الفناء عن الخلائق ، لأنّه يعلم ويرى ويشاهد أنّ الخلق كلهم بمعزل عن التدبير والتصريف والنفع والضر ، ويعلم انّ الامر كله لله ، لا يكون إلا ما شاء الله ، ما شاء الله تعالى كان ، وما لم يشأ لم يكن ، { مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الانعام : 39 ] ، { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ الإنسان : 30 ، 31 ] ، { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير : 29 ] ، وهو بقاء بالله لأنّه يرى رأي العيان انّ بقاءه في كل طرفة عين إنّما هو بالله لا يستغني في حركاته وسكناته وجميع شئونه عن الله ، وعلى ذلك فهو توحيد من لا يغيب عن الله ، وإن غاب لطبيعته المقصرة العاجزة التي لا انفكاك له عنها فإنّه سُرعان ما يعود إلى حاله مع الله ، وهؤلاء في أحوالهم مع الله تعالى يشعرون بلذة التوحيد التي لو علم بها الملوك لجالدوهم عليها بالسيوف لما فيها من لذة لا تُقاربها في الدنيا لذة أُخرى ، وقد عجل الله تعالى بها برحمته لعباده المحسنين ، ولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في قوله صلى الله عليه وسلم : (( وجعلت قرة عيني في الصلاة )) [ أخرجه النسائي وغيره ، وهو في صحيح سنن النسائي للألباني : ح 3950 ، وانظر السلسلة الصحيحة : ح ( 3291 ) ، و ح ( 3329 ) ] ، فلا متعة أعلى من قرة العين وقرة عين أهل الإحسان مناجاة الله الكريم المنان ، نسأل الله تعالى من فضله العظيم ، ، وبعد فهذا ما تيسر في إجابة السؤال ، والله تعالى أعلم ورسوله ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،
***
كتبه الراجي رحمة ربه الرؤوف الرحيم
مجدي محمد علي
حاصل على الشهادة العالمية ( الماجستير ) في العلوم الشرعية الإسلامية
للتحميل المباشر من هنابيان أنّ التوحيد بأقسامه عقيدة وشريعة وسلوك ومنهاج حياة متكامل.rar
ليس لديك الصلاحية لمشاهدة المرفقات

العودة إلى “منتدى التوحيد”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد