مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في التزكية والسلوك

المشرفون: مشرف المنتدى، webmaster

مشرف المنتدى
مشاركات: 427
اشترك في: السبت يناير 09, 2016 11:42 pm

مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في التزكية والسلوك

مشاركةبواسطة مشرف المنتدى » السبت مارس 19, 2016 3:36 pm

مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في التزكية والسلوك

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : عُرفت هذه المدارس بمدارس التصوف ، والتصوف يحمل في معانيه التزكية والتربية والأخلاق والسوك والإحسان ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، فقد عُرف المتخصصون في هذا الجانب باسم الصوفية منذ ما يزيد على ألف عام ، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وعلى ذلك ، وقد تعارف العلماء على ذلك منذ مئات السنين ، وجميعها مدارس علمية وسلوكية متخصصة ، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [ الْأَعلى : 14 ] ، وأيا كانت التسمية ، ( التزكية أو التصوف ) فإن المقصود هو ثلث الدين الأعلى ، ثلث ( الإحسان ) ، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، ومن أشهرها عند أهل السنة الطريقة القادرية والطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية وغيرها من الطرق الفاضلة التي تدل على طريق الله تعالى ضمن إطار منهج الحق ، وبهذه المذاهب العقدية والفقهية والسلوكية المتخصصة يتضح الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة ، سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، ولتأصيل هذا الجانب وبيان أهم مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في التزكية والسلوك ، لابد من تناول تلك المباحث وطرق تلك الموضوعات ، ( 1 ) بداية ظهور التصوف كعلم للتزكية ، ( 2 ) التصوف هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام ، ( 3 ) التصوف هو المرادف للتزكية في اصطلاح القران الكريم وللإحسان في اصطلاح الحديث الشريف ، ( 4 ) لماذا إذن استعمال مصطلح التصوف وليس التزكية أو الإحسان ، ( 5 ) تعريف التصوف وبيان ما هو المقصود بالتصوف ، ( 6 ) بداية ظهور مصطلح الصوفية ، ( 7 ) أصالة علم التصوف وانتسابه إلى الكتاب والسنة ، ( 8 ) برآءة التصوف الإسلامي من الانتساب إلى الأديان الأُخرى ، ( 9 ) التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ولابد من إنصافه ولابد من تصفيته من الدخن والخلل ، ( 10 ) انتساب الصوفية إلى أهل السنة والجماعة الناجية ، ( 11 ) التزام الصوفية الأكابر بالكتاب والسنة ، ( 12 ) بيان السمو والعظمة في عقائد أهل التصوف وأنّهم قادة التنزيه والتقديس والتسبيح الاعتقادي ، ( 13 ) براءة أهل التصوف الحق من العقائد الإلحادية كالاتحاد والحلول ووحدة الوجود ، ( 14 ) شهادات تزكية من علماء الأمة للتصوف ورجاله ، ( 15 ) ما الذي ينبغي أن يعرفه المسلم عن التصوف ، ( 16 ) تصحيح أفكار عن التصوف ، ( 17 ) مبادئ إصلاح أخطاء التصوف ، ( 18 ) مبادئ التجديد في علم التصوف ، ( 19 ) حقائق تتعلق بالطرق الصوفية ، ( 20 ) مسؤولية الطرق الصوفية في تصحيح الأخطاء ونشر التصوف السني الصحيح في ثوب جديد ،
[ 1 ] بداية ظهور التصوف كعلم للتزكية : القرآن الكريم شمل أصول وقواعد العلوم جميعا ومنها : ( علم الفقه وعلم العقيدة وعلم التزكية ) وكان الصحابة والتابعون على دراية بهذه العلوم ينقلونها للناس يعلمونها لهم دون فصل بينها ، وبعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين ، ودخول الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه ، فنشأ علم النحو ، وعلم أحكام التلاوة ، ثم احتاج الناس إلى معرفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث ، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث ، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير ، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه ، ، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه ، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد ( علم العقيدة وأصول الدين ) ، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية ، وبالقلب والهمة ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص ، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، قال ابن خلدون في مقدمته : " وهذا العلم - يعني التصوف - من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة ، والانقطاع إلى الله تعالى ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد عن الخلق ، والخلوة للعبادة ، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا ، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية ) أهـ [ مقدمة ابن خلدون" علم التصوف ص 329 ].
[ 2 ] التصوف هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام : كما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد ، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ، وعلى مر العصور تتبلور العلوم ، وتتخصص المدارس العلمية ، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم ، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة ، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح ، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام
[ 3 ] التصوف هو المرادف للتزكية في اصطلاح القران الكريم ، وهو المرادف للإحسان في اصطلاح الحديث الشريف : التصوف هو المرادف لمصطلح ( التزكية ) المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) } [ الْأَعلى : 14 ] ، وقوله تعالى : { جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } [ طه : 76 ] ، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ آل عمران : 164 ] ، وقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ الجمعة :2 ] ، وكذلك فإن ( التصوف ) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل ( التصوف ) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان ، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية ، و ( التصوف ) علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها ،
[ 4 ] لماذا إذن استعمال مصطلح التصوف وليس التزكية أو الإحسان : إن مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وعلى ذلك ، فما الداعي إلى تغيير اسم مصطلح لن يغير من المعنى شيئا ، ثم من يملك تغيير اسم الفقه أو العقيدة أو التصوف ، وقد تعارف عليها منذ مئات السنين ، وهي مدارس علمية متخصصة ، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [ الْأَعلى : 14 ] ، وأيا كانت التسمية ، ( التزكية أو التصوف ) فإن المقصود هو تجديد المضمون وتصحيح المسار لجانب يمثل ثلث الدين الأعلى ، ثلث ( الإحسان ) ، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، ولا ينبغي تضييع الوقت والجهد في تغيير مسمى قد عُرف على ما يزيد من ألف عام ، فلنركز الجهد على تجديد التصوف وإصلاح الصوفية ، حتى يتم بتجديدها تجديد مرتبة الإحسان ثلث الدين الأعلى ، والله المستعان ، يقول العلامة عبد القادر عيسى في كتابه القيم (( حقائق عن التصوف )) : التصوف أشهر من أن يحتاج في تعريفه إلى قياس لفظٍ ، واحتياج اشتقاق ، وإنكار بعض الناس على هذا اللفظ بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة والتابعين مردود ، إذ كثيرٌ من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة ، واستُعملت ولم تُنكَر ، كالنحو والفقه والمنطق ، وعلى كلٌّ فإننا لا نهتم بالتعابير والألفاظ ، بقَدْرِ اهتمامنا بالحقائق والأسس. ونحن إذ ندعو إلى التصوف إنما نقصد به تزكية النفوس وصفاء القلوب ، وإصلاح الأخلاق ، والوصول إلى مرتبة الإحسان ، نحن نسمي ذلك تصوفاً. وإن شئت فسمه الجانب الروحي في الإسلام ، أو الجانب الإحساني ، أو الجانب الأخلاقي ، أو سمه ما شئت مما يتفق مع حقيقته وجوهره؛ إلاَّ أن علماء الأمة قد توارثوا اسم التصوف وحقيقته عن أسلافهم من المرشدين منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا ، فصار عُرفاً فيهم. [ حقائق عن التصوف الباب الاول تعريف التصوف ] ،
[ 5 ] تعريف التصوف وبيان ما هو المقصود بالتصوف : ( أ ) تعريف التصوف من حيث اللغة : لا يهمنا ها هنا المعنى اللغوي للتصوف ، بقدر أهمية المقصود به ، المعنى اللغوي قد يكون اشتق من لبس الصوف لأن أوائل السادة الصوفية كانوا أئمة الزهد في الدنيا فكانوا يلبسون الصوف فكان علامة لهم ، ولكن المعنى الحقيقي له هو : أنه علم إسلامي يستمد أصوله من الكتاب والسنة ، يتعلق بتحقيق التزكية القلبية وتحقيق مرتبة الإحسان ، ونظرا لسعة علم التصوف واتساع جوانبه ، لذلك كثرت الأقوال في تعريف التصوف ، كل منها يشير إلى جانب رئيسي في التصوف ، قال الشيخ العلامة أحمد زروق رحمه الله : ( وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين ، مرجعها كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى ) [ "قواعد التصوف" ص2 ] ، ألفي تعريف وكل تعريف منها يشيـر إلـى جانب من جوانب التصوف : منها على سبيل المثال : قال سيد الطائفة الإمام الجنيد رحمه الله ( ت : سنة 297ه ) : (( التصوف استعمال كل خلق سني ، وترك كل خلق دني )) [ "النصرة النبوية" للشيخ مصطفى المدني ص22 ] ، وقال القاضي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله ( ت : سنة 929ه )ـ : (( التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس ، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية )) [ على هامش "الرسالة القشيرية" ص7 ] ، وقال الإمام النووي : إن أصول طريق التصوف خمسة : 1- تقوى الله تعالى في السر والعلانية. 2- إتباع السنة في الأقوال والأفعال. 3 الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار. 4- الرضا عن الله في القليل والكثير. 5- الرجوع إلى الله في السراء والضراء [ في رسالته "المقاصد" ص 20 ] ، ومن تعريفات أئمة التصوف التي تظهر بعض جوانب التصوف المشرقة : قال الامام سهل بن عبد الله التستري : أصول مذهبنا – أي التصوف – ثلاثة : الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال ، والأكل من الحلال ، وإخلاص النية في جميع الأعمال ، وقال الشيخ أبو القاسم ابراهيم النصر آبادي رحمه الله : أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع ، وتعظيم حرمات المشايخ ، ورؤية أعذار الخلق والمداومة على الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات ، وقال سمنون : التصوف أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء ، وقال معروف الكرخي : التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق ، وقال النوري : التصوف من لا يتعلق بشيءٍ ولا يتعلق به شيء ، وقال ذو النون المصري : الصوفي من لا يتعبه طلب ولا يزعجه سلب ، وقال أبو محمد الجريري : التصوف الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دنى ، وقال الكتاني : التصوف خُلق فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الصفاء ، وقال سهل بن عبد الله : الصوفي من صفا من الكدر ، وامتلأ من الفكر ، وانقطع إلى الله عن البشر واستوى عنده الذهب والمدر ، وقال بشر الحافي : الصوفي من صفا لله قلبه ، وقال الشبلي : التصوف الجلوس مع الله بلا هم ، وقال عمرو بن عثمان المكي : التصوف أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت ، وقال محمد بن أحمد المقرئ : التصوف استقامة الأحوال مع الله ، وقال أبو عمر بن الجنيد : التصوف الصبر تحت الأمر والنهي ، وقال رويم : التصوف مبني على ثلاث خصال : التمسك بالفقر والافتقار والتحقيق بالذل والإيثار وترك التعرض للاختيار ، وقال ذو النون المصري : أهل التصوف هم قوم آثروا الله عز وجل على كل شيء ، وقال أبو الحسين النوري : التصوف ترك نصيب النفس جملة ليكون الحق نصيبها ، وقال حماد الدينوري : التصوف أن تظهر الغنى وأن تؤثر أن تكون مجهولاً حتى لا يعرفك الخلق وأن تكف عن كل ما لا خير فيه ، وقال أبو سليمان الداراني : التصوف أن تجري على الصوفي أعمال لا يعلمها إلا الحق وأن يكون دائماً مع الحق على حال لا يعلمها إلا هو ، وقال الإمام الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى : التصوف ذكر مع اجتماع ووجد مع استماع وعمل مع اتباع ، وقال أيضا علمنا هذا التصوف مقيد بالكتاب والسنة ومن لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر والطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال أيضا : التصوف أن يختصك الله بالصفاء فمن صفا من كل ما سوى الله فهو الصوفي وقال أيضا : التصوف حفظ الأوقات ، وقال أيضاً : ما أخذنا التصوف بالقال والقيل ، ولكن أخذناه بالجوع والسهر وترك المألوفات ‏والمستحسنات ، وسئل الجنيد عن التصوف فقال : أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة ، أن لا تملك شيئا ولا يملكك شيء ، وقال الشيخ أبو حفص رحمه الله تعالى : التصوف كله آداب لكل وقت أجب ولكل مقام أدب فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال ومن ضيع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب ومردود من حيث يرجو القبول ، وقال الشيخ حسين الزيباري رحمه الله تعالى : ينحصر التصوف في أربع كلمات : أن تنصف الناس من نفسك ولا تطلب الإنصاف منهم وأن تبدي لهم شيئك وأن تكون من شيئهم آيسا ، وقال الشيخ أبو القاسم النصر أبادي رحمه الله : أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع ورؤية أعذار الخلائق والمداومة على الأوراد وترك الرخص والتأويلات ، وقال أبو جعفر الحداد رحمه الله : التصوف هو استقامة الأحوال مع الحق ، وقال الشيخ أبو القاسم جعفر بن أحمد المقرئ : التصوف استقامة الأحوال مع الحق ، [ راجع لتلك التعريفات : الرسالة القشيرية وطبقات الصوفية والتعرف لمذهب أهل التصوف ] ، وأختم بدرة للسيوطي رحمه الله حيث يقول : " إن التصوف في نفسه علم شريف ، وإن مداره على اتباع السنة وترك البدع ، والتبري من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها والتسليم لله والرضا به وبقضائه ، وطلب محبته واحتقار ما سواه .. وعلمت أيضا أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله ليسوا منهم ، فأدخلوا فيه ما ليس منه ، فأدى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع ، فوجّه أهل العلم للتمييز بين الصنفين ليُعلم أهل الحق من أهل الباطل ، وقد تأملت الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية ، فلم أر صوفيا محققا يقول بشيء منها ، وإنما يقول بها أهل البدع والغلاة الذين ادّعوا أنهم صوفية وليسوا منهم ، [ تأييد الحقيقة العلية : ص 57 ] ، وبالنظر في الأقوال المتقدمة – وهي قليلة بالنسبة إلى تعريفات علماء التصوف - نجد أن كل تعريف منها يشير إلى جانب من جوانب علم التصوف المشرقة ، وهذه الجوانب مجتمعة تشير إلى علم السني الذي يشتمل على جميع ما ذكر من زهد وإخلاص ومجاهدة وخلق كريم وتسليم لرب العالمين والتزام بشرعه ولهج بذكره ، مع البعد عن كل ما نهى الشارع عنه ، وعن البدع المضلة ، وما أجمل تعريف ابن خلدون له حيث قال : التصوف هو العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة " أهـ ، تبين مما سبق أن التصوف هو ( التزكية ) وهو ( التحقق بمرتبة الإحسان ) أحد أركان الدين الثلاثة ( الإسلام ، الإيمان ، الإحسان ) ، وأنه قد اهتم بتحقيق مقام الإحسان (( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، والتصوف منهج يقوم على ( التخلية ) و ( التحلية ) ، تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من الأخلاق السيئة ، وتحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة ، وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص ، وطريق التصوف هو الاجتهاد في العبادات والقربات والمسارعة في الخيرات ، مع اجتناب المنهيات والمكروهات ، وتربية النفس على طاعة الله وجهادها على دوام ذكر الله ، وتطهير القلب من مساوئ الأخلاق ، ودسائس الطباع ، وتحليته بأحسن الأخلاق مع الله ومع الناس ،
[ 6 ] نشأة علم التصوف وبداية ظهور مصطلح الصوفية : يقول القشيري رحمه الله : " اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام ، إذ لا أفضلية فوقها ، فقيل لهم "الصحابة" ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين "الزهاد" و"العُبَّاد" ، ثم ظهرت البدعة ، وحصل التداعي بين الفرق ، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا ، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى ، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم "التصوف" ، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة " أهـ [ مقدمة الرسالة القشيرية ] ،
[ 7 ] أصالة علم التصوف وانتسابه إلى الكتاب والسنة : التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة ، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان ، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم ، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه ، فلقد اهتم القرآن الكريم بعلم التصوف اهتماماً كبيرا ، وأولى له ولاية عظيمة ، بما حوى من أسس التزكية المتمثلة في الكم الكبير من الآيات التي تأمر بمقامات التزكية القلبية ، تلك الآيات التي تأمر بالخوف والرجاء والمحبة والتوكل والرضا ، وتلك الآيات التي تأمر بالتوبة والمراقبة والتقوى والإحسان ، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تطهير النفس عن دسائس الأخلاق كالكذب والنفاق والظلم والعدوان والحسد والكبر والغرور ، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تحلية القلب بعظيم الأخلاق كالتواضع والبر والصدق وغيرها من تعظيم الأخلاق ، أضف إلى ذلك أن جميع العبادات التي أمر بها القرآن من صلاة وصيام وزكاة وذكر وتلاوة للقرآن إنما هي كذلك لأنها طريق إلى تزكية القلوب وطهارتها ، كما أن أحد أكبر مهمات الرسول بين المسلمين هي تزكيتهم كما جاء في قوله تعالى : { ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } ، وقد رسم الرسول صلى الله عليه وسلم المنهاج المتكامل لأصول وقواعد ما سيسمى بعد ذلك بعلم التصوف ، كما أن مبادئ هذا العلم كانت في عهد السلف الكرام ، حيث ضربوا أروع الأمثلة على التزكية والصفاء والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله ، وصفاء النفس وسلامة الضمير ، وتصفية النفوس من طبائعها الرديئة ، وتخليصها من شهواتها الطاغية واتصافها بمكارم الأخلاق وسني الآداب ، وهل التصوف سوى هذه الأخلاق العظام ،
[ 8 ] برآءة التصوف الإسلامي من الانتساب إلى الأديان الأُخرى : التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة ، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان ، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم ، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه ، أما الزعم الفاجر بان التصوف يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة ، فهذا ظلم بين لعلم التصوف ، وجحود واضح لأهله الصادقين المخلصين ، والله تعالى أمرنا بالإنصاف مع الكافرين في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [ المائدة : 8 ] ، فكيف بالإنصاف مع عباده الصالحين وأوليائه المحسنين ، وفي الحديث الصحيح : (( إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينّه ، ولئن استعاذني لأعيذنّه )) [ أخرجه البخاري ] ، وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث ، يقول الشيخ حسني حسن الشريف في كتابه القيم ( الدلالة النورانية ) : " ( سؤال ) : يُتَّهم التصوف من بعض الجهلة وأدعياء العلم بأنه مستقى من أصول غير إسلامية كالفارسية والهندوسية والبراهمية ، كما أَطلق بعض أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم اسم التصوف على الرهبنة والبوذية والكهانة النصرانية والشعوذة الهندية ، فقالوا هناك تصوف بوذي وهندي ونصراني وفارسي؛ أين التصوف من كل هذا ، وأين هو من الشرع الإسلامي؟ ، ( جواب ) : إن علم التصوف مستمد من الكتاب والسنة النبوية جملةً وتفصيلاً ، ومما سبق من نصوص يتبين لنا أن التصوف ليس أمراً مستحدثاً جديداً ، ولكنه مأخوذ من الكتاب والسنة وحياة الصحابة الكرام ، ومن إلهامات الصالحين الربانيين وفتوحات العارفين الصديقين. وعلى القارئ إذا أراد أن يتبحر في ذلك أن يعود إلى كتاب إحياء علوم الدين للغزالي ، وأن يقرأ في أربعة كتب منه وهي : «كتاب العبادات» و «كتاب العادات» و «كتاب المهلكات» و «كتاب المنجيات» ليعرف السالك أن التصوف هو التطبيق العملي للإسلام وأنه يستمد فكره من الكتاب والسنة ، وأنه ليس هناك فعلاً إلا التصوف الإسلامي فقط. وإنما أُريدَ بتلك التهم تشويه اسم التصوف باتهامه بأنه يرجع في نشأته إلى تلك الأصول القديمة والفلسفات الضالة ، ومن ثَم إبعاد المسلمين عن حقيقة وجوهر وروح دينهم ، حتى يكونوا مجردين من الروح والخلق ، حافظين لنصوص دينهم دون عمل وفهم وتذوق ، إن مصدر علوم التصوف هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو أفضل الخلق بالإجماع. وقد جاءت هذه العلوم لتحقيق الكمالات علماً وعملاً وحالاً ، ولتكميل العقائد وتطهير النفوس وتحسين الأخلاق. وهذه رسالته صلى الله عليه وسلم ، أما ثبوت شرف التصوف ، فلا شك أن الكتاب والسنة وإجماع الأئمة وردت بمدح جزيئات التصوف ودعائمه ، كالتوبة والتقوى والإحسان والاستقامة والصدق والإخلاص والطمأنينة والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والمراقبة والصبر والشكر وغير ذلك من المسائل. وهذه ليست جديده ولا مبتدعة ، وليست قديمة من فلسفات الفرس والهندوس وغيرها ، إنما هي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما ربطنا بها إلا حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالصوفية أتبع الناس وأكثرهم إقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودل ذلك على أنهم أحب الخلق إلى الله. قال تعالى : {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [ آل عمران : 31 ] وروى البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ) وعلامة المحبة الإتّباع ، أما حكم الشرع في التصوف فقد قال الغزالي : ( إنه فرض عين ، إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم السلام ) على اعتبار أن التصوف هو المدخل إلى تزكية الأنفس. وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله : ( من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصِرّاً على الكبائر من حيث لا يشعر ولا يدري " أهـ [ الدلالة النورانية ] ،
[ 9 ] التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ، ولابد من إنصافه ورد الاعتبار إليه ولابد من تصفيته من الدخن والخلل : ( أ ) دين الإسلام جاء بتزكية الظاهر والباطن ، قال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَعراف : 33 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَنعام : 151 ] ، وقد تكفل علم التصوف بتزكية الباطن ، لأن من تعريفات التصوف أنه (( العلم الذي يعرف به كيفية تصفية الباطن وتخلية القلب عن صفاته الذميمة ، حتى يتوصل إلى تزكيته وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق )) وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وقد قال تعالى : { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الشعراء : 88-89 ] ، والتصوف – كما هو معلوم لأهله - يتخصص في تزكية القلب بطهارته من الكفر والشرك والنفاق والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ... ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق .. ، وهذا القسم الذي تخصص فيه التصوف هو القسم الأهم لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) [ أخرجه البخاري ( 52 ) ، ومسلم ( 2523 ) ] وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) [ أخرجه مسلم ( 2564 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( ... التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) [ أخرجه البخاري ( 5718 ) ومسلم ( 2559 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه ) [ أخرجه الترمذي في كتاب فضائل الجهاد ( 23 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم ) [ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( 19 : 76 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) [ أخرجه الترمذي ( 1988 ) وأحمد ( 5 : 53 و 158و 228 و 236 ) ] ، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر ، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة ، والحق يقال أنه على مر عصور الإسلام فإن للسادة الصوفية الحظ الأوفر من الوراثة النبوية في تحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والورع والتوكل والرضا والأدب والتسليم والمحبة والذكر والمراقبة ، ( ب ) التصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس ، وقد كان السادة الصوفية هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان ، ولذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي : بعد أن اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة ، وطريقتهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.. ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم : وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ) [ المنقذ من الضلال ] ، ( ت ) إن التكاليف الشرعية المتعلقة بالقلب أهم من التكاليف الشرعية المتعلقة بالبدن - وإن كان الكل مُهمَّاً – وذلك لأن الباطن أساس الظاهر ومصدره ، وأعماله مبدأ أعمال الظاهر ، ففي فساده إخلال بقيمة الأعمال الظاهرة ، وفي الحديث ما يدل على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم : (( ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحتْ صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب" [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم )) [ أخرجه مسلم ] ، وما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة ، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها ، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها ، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً ، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [ الشعراء : 88 - 89 ] ، قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله : ( وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها ، فقال الغزالي : إنها فرض عين ) [ "الأشباه والنظائر" للسيوطي ص504 ] ، ويقول العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة : ( إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين ، ومثلها غيرها من آفات النفوس ، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة ، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل ، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من "الإحياء". قال فيه : ولا ينفك عنها بشر ، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه ، وإزالتها فرض عين ، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها ، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه ) [ "حاشية ابن عابدين" المسماة رد المحتار على الدر المختار ج1 : ص31 ] ، ( ث ) إن التصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة الأمراض القلبية ، وتزكية النفس والتخلص من صفاتها الناقصة ، قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته : " علمٌ به تصفيةُ البواطنْ ... مِن كدَرَات النفس في المواطنْ " ، قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت : " التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس ، أي عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبر والرياء والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء ، لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته ، فبعلم التصوف يُتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى ، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى ) [ "النصرة النبوية" للشيخ مصطفى إسماعيل المدني على هامش شرح الرائية للفاسي ص 26 ] ، ( ج ) إن التصوف هو العلم الذي اختص بتحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب والمحبة والذكر والمراقبة ، وللصوفية في هذا المجال الحظ الأوفر من الوراثة النبوية ، ( ح ) التصوف هو العلم الذي اهتم برسم الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الكمال الإيماني والخُلُقي ، وليس كما يظن بعض الناس أنه مجرد اجتماع لذكر الله وقراءة الأوراد وحسب ، بل نقول ( التصوف ) منهج عملي كامل ، يحقق صلاح المسلم وتهذيب أخلاقه وتحوله إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة ، تعيش في درجات الإحسان ، ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته ، ويتجلى لنا بوضوح ، أنه علم إسلامي قيم ، لا غنى عنه لكل مسلم ، كما لا غنى له عن علوم العقيدة التي تصلح الاعتقاد وعلوم الفقه التي تصلح العبادات والمعاملات ، وأنه ( علم التصوف ) العلم الذي يصلح القلوب والأخلاق وبه يصل العبد إلى مرضاة الله ، ( خ ) علم التصوف من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ولابد من إنصافه ، لان ( التصوف ) هو مقام الاحسان من الاسلام الذي ورد في حديث جبريل المشهور حيث ينتقل العبد من مقام الايمان بالغيب إلى مقام شهود الغيب ( أن تعبد الله كأنك تراه ) ، وهذا لا يتأتى إلا بتصفية القلب وتخليصه من كثير من السحب المتلبدة عليه ، و ( التصوف ) مرتبة عالية تتمثل في إصلاح القلب بالوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا ، وهو ‏مبني على الكتاب والسنة وذلك باتباع شرع الله تعالى والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ‏الأخلاق والأحوال ، والأكل من الحلال ، وإخلاص النية في جميع الأفعال ، وتسليم الامور كلها ‏لله من غير إهمال في واجب ولا مقاربة محظور ، وحاصله اتصاف بجميع المحامد وترك لجميع الأوصاف ‏الذميمة ، وهو مسلك قائم على العلم والعمل ، وله منازل أعلاها المشاهدة ( أن تعبد الله كأنك تراه ) وأولها المراقبة ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) وله مقامات عديدة شريفة منها التوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والصدق والإخلاص والصبر والورع والزهد والرضا والتوكل والشكر ، و ( التصوف ) هو الطريق المؤدي إلى أرقى درجات الكمال الإيماني والإحساني الذي به يتحقق مقام الشهود وحق اليقين ، وهو الطريق إلى مدارج السالكين ومراقي الصاعدين إلى مرضاة رب العالمين ، ( د ) علم التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة علم من أجَّلِ العلوم الإسلامية ، ولابد وأن ينصف ، ولو رجعنا إلى علماء الأمة الأفاضل العلماء الأبرار الأخيار لوجدنا أكثرهم ينتمي إلى التصوف أو يثني عليه خيرا ،ولكن التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء ، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف ، بل ضررهم على أنفسهم ، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين ، ويصححون مسار التصوف ، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف ، يثنون على التصوف الصحيح وأهله بالخير ، ويهاجمون الأدعياء والدخلاء دون إساءة للتصوف والصوفية ، أما أن نأخذ الصالح بجريرة الطالح فهذا ظلم عظيم ، قال الله تبارك تعالى { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [ الأنعام :164 ] ، ( ذ ) هناك فريق يدعي الإصلاح يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره ، وهؤلاء يريدون ان يأخذوا التصوف ببعض أدعيائه ؟ وهم يبذلون كل الوسائل المتاحة لمحاربته ، ويصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال ، ثم تراهم يكفرون الصوفية كلها بمقولة وجدها في كتاب ما مدسوسة على احدهم ، أو قالها في ساعة ذهول لا يقصدها ، _ كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال : اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح _ إن الأصل في ديننا أنه ما من معصوم في هذه الأمة سوى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجميع العلماء بعده والطوائف كذلك يؤخذ منها ويرد عليها وهم غير معصومين عن الخطأ ، أخطاؤهم غير مقبولة كدين ، ونغض الطرف عن عثرات علمائهم لأنه الأدب مع العلماء الذين لهم فضل ننظر إلى محاسنهم ونترك المساوئ والعثرات ، ( ر ) إن كلمة ( صوفي ) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء ، وصفة مدح ، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى ، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره ، وابادة التصوف وأهله ، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة ، فهل بعد هذا التنطع من تنطع ، وأين يذهب تسعة أعشار أهل السنة في العالم اليوم في مصر والسودان ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين ، هذا اليوم ، فما بالنا بهم على مر عصور الإسلام السابقة ، وقد كان جمهورهم ينتسب إلى مدارس التصوف ، وأين يذهب الجنيد وأصحابه ، وحجة الإسلام الغزالي وأتباعه ، وعبد القادر الجيلاني والرفاعي والشاذلي وأمثالهم من الربانيين والملايين من أتباعهم ، إن هؤلاء هم سادة التزكية وأقطاب التصوف ودعائم الأخلاق ، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته ، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام ، ( ز ) ليس معنى ذلك أن نبرأ الصوفية من كل خطأ وأنهم معصومون ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف ، ولابد من تجديد التصوف حتى يسير في إتمام مهمته من تزكية النفس وبناء أمة الأخلاق في خضم زمان لا يعرف أهله سوى الماديات ، ( س ) إنه لابد من انصاف التصوف ورد الاعتبار إليه وتصفيته من الدخن والخلل ، والعودة به إلى تزكية الكتاب والسنة ، لقد أساء – على مر عصور الإسلام - أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه وادِّعائهم له مع خيانة مبادئه ومخالفة أوامره ، وأساء آخرون باعتراضهم عليه جملة وتفصيلا ، إن واجبنا نحو التصوف اليوم هو التزام المبادئ الإيجابية التي جاء بها التصوف الإسلامي ، مع إصلاحه و تجديد أمره وإعادته إلى تزكية القرآن والسنة وتأكيد ارتباطه بالكتاب والسنة ، لأنه - بحق - علم رباني من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ، ( ش ) لابد من تجديد أمر التصوف وتصفيته من الدخن والخلل : فإن ( الصوفية ) طائفة إسلامية كبيرة من طوائف أهل السنة والجماعة ، تنتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي ، وهي مثل بقية الطوائف الإسلامية كالمحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين ، فيهم الصالح والطالح ، والصحيح والفاسد والمصيب والمخطئ ولا يصح أن ننسب إلى أي طائفة من هؤلاء الطالح والفاسد والمخطئ فقط. فعندما يقال ( الصوفية ) فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض ، ومعروف الكرخي ، وبشر الحافي وعبد القادر الجيلاني والجنيد وغيرهم كثير من الأولياء والصالحين على مر عصور الإسلام ، ولا يراد بالصوفية أولئك الدجالون المخرفون المخالفون للكتاب والسنة ، الذين دخلوا على التصوف فأفسدوه ، لذلك وجب عدم خلط الأوراق بعضها من بعض فالعدل مطلوب مع العدو الكافر ، فضلاً عن كل المسلم ، فضلا عن من انتسب إلى إطار الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ، أما إلقاء التهم اعتباطا ليس من خلق المسلم ، والصوفية أسم جامع لطائفة عظيمة من المسلمين ، نخص منهم أولئك الصالحين المتمسكون بالكتاب والسنة والقائمون على ثغور مهمة التزكية التي هي إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذه الطائفة هي المقصودة بالتصوف الصافي النقي الصحيح الذي قام على صفاء النفس من الكدر ، وامتلائها من الفكر والذكر والخلق العظيم ، وتحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب دين الإسلام ، إن من الإنصاف أن نذكر فضل التصوف الصحيح الذي نهض برسالته منذ فجر الدعوة الإسلامية ، في التزكية والإحسان وبناء المؤمن الحق ، وكان رجال التصوف السابقون مدارس التربية والتزكية داخل المجتمع الإسلامي ، وكان بهم يتحقق تكامل العلم والسلوك ، وكانوا في الجهاد في مقدمة صفوف المجاهدين يحثونهم على التعلق بالآخرة ، والشوق إلى لقاء الله ، وكانوا ينشئون الرباطات على أطراف المدن الإسلامية وثغورها المتاخمة للأعداء ، فكانوا يشتغلون فيها بذكر الله حتى إذا ما دعاهم داعي الجهاد ، كانوا خيل الله السابقة ، وكانوا هم أئمة الدعوة إلى الله ، يصلون بدعوة الإسلام إلى المواقع التي لم تكن تبلغها جيوش الفتح العسكري ، فكان الدعاة من رجال التصوف يتكفلون بهذه الرسالة ، ينشرون الإسلام في مختلف أنحاء الأرض ، هذا هو التصوف الحق المستمد من قواعد الكتاب والسنة وأحوال السلف الصالح ، وهو التصوف الصافي الذي كان الفقهاء يعتبرون أنه من الشرف الانتساب إليه وانه بنقائه جزء مهم في تكوين شخصية كل مسلم ، ولكننا - اليوم - نرى التصوف قد اختلط بصفائه بعض الأخطاء مما جعل الكثيرين لا ينظرون إليه بعين الرضا والقبول ، بل بعين الشك والريبة ، فلابد من تجديد التصوف ، حتى نزيل عنه ما ليس منه ، وننقيه من العثرات والهفوات ، ونعيده إلى ثوب الكتاب والسنة ، حتى يتبوأ مكانه الحقيقي في مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، وما أحوجنا إلى منهاج تجديدي صحيح نقي صافي ، يقوم على أكتاف رجال التزكية المخلصين ، لا أشباه الرجال من الأدعياء والمنتسبين ، منهاج يعود بالصوفية إلى قمة منازل الصالحين من أهل السنة والجماعة ، وما أشد حاجة المسلمين إلى قيم التصوف المثلى وحضارته الروحية الطاهرة الزكية ، لقد أساء أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه ، وادِّعائهم له ، وأساء آخرون باعتراضهم عليه ، وردِّهم له جُملةً وتفصيلاً ؛ وذلك لأنهم لم يفقهوا حقيقته التي كان عليها السَّلف الصالح ، ولم يفرِّقوا بين الحقِّ الذي هُدِيَ إليه الصوفية الصادقون ، وبين الباطل الذي أُلصق بهم وأُدخل على طريقتهم ، وهم منه براء ، ولاشك أن هناك عوامل عديدة يجب إصلاحها بسرعة وإتقان داخل ( التصوف ) حتى يعود التيار الصوفي إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية - وأنا هنا لا أعمم تلك العوامل على جميع التيار الصوفي فالمنصفون يعلمون أن هناك صوفية أولياء في عداد الصديقين والأصفياء ، وهناك أدعياء للتصوف متمصلحون منه يأخذون منه عرض الحياة الدنيا ، وهناك جهلاء ، وهناك غلاة مبتدعون ، وهناك منحرفون ، وهناك مغرضون تزيّوا بزيه ، وانتسبوا إليه ، لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم ، والتصوف منهم براء ، ولذلك كان لا بد من التفريق بين أدعياء التصوف المنحرفين ، وبين الصوفية الصادقين ، أصحاب السلوك ، ممن لهم درجات عليا في التزكية والإيمان والورع والتقوى واليقين ، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين ، والدعوة إلى الله تعالى في سائر أزمان المسلمين ، والحاصل أن الإنصاف تجاه القوم مطلوب شرعي ، وفضل التصوف الصحيح الذي هو ضرورة لإحياء القلوب ، وتهذيب النفوس ، لا ينكره منصف أضاء الله تعالى بصيرته بأهمية الحفاظ على طوائف أهل السنة والجماعة القائمين على ثغور الإسلام ، والإصلاح واجب شرعي ، ومن الجوانب التي تحتاج إلى الإصلاح والتجديد ، ( 1 ) تحقيق التوحيد علماً وعملاً ، وذلك لأنّ إهمال علم التوحيد العملي ومسائله وأحكامه ، أثر على أسلوب البعض في التعامل مع مفردات العبادة ، وآل بهم إلى ممارسات خارجة عن الشريعة ، وخروقات تخدش جناب التوحيد وتخرق حصونه ، ومن ذلك الطواف حول القبور والأضرحة ، ومع أن الطواف عبادة ، وهو مخصوص بالكعبة المشرفة ، والطواف على قبور الصالحين لا تقره الشريعة المطهرة ، ولا نقول أنه شرك بالله كما يقوله البعض ، وذلك لأن مناط الشرك في الطواف اعتقاد إلهية المطاف به وربوبيته ، وهذا لا يفعله مسلم أبداً ، وإنما نقول أنه من البدع والجهل بدين الله تعالى ، ( 2 ) الاعتدال في اعتقاد الصالحين ، وذلك لأنّ المغالاة والإسراف في اعتقاد الصالحين ، وصل بالبعض إلى السجود عند أضرحتهم ، وإلى شكاية أحوالهم إليهم ، وغير ذلك مما يعتبر إسرافاً في اعتقاد الصالحين ، وممارسات خارجة عن حد الشريعة وحفظ جناب التوحيد ، ( 3 ) الاعتدال في علاقة المريد بالشيخ ، وذلك لأنّ الغلو في علاقة المريد بالشيخ ، والوصول بها إلى حد التقديس أحيانا ، والظن أنّه فوق الخطأ ، لدرجة إلغاء الحسبة على الدين معه ، والتحذير كل التحذير من الاعتراض على أخطائه ، ولو كانت كبائر ، ولاشك أن احترام الشيخ مطلوب ، لأنه وارث علم الرسول وسبب الهداية ، ولكن لاشك أن الحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة وحق على كل مسلم في حدود الأدب والاحترام ، ومن الغلو ظنّ بعض جهلة المتصوفة أنّ الشيخ يجل عن الخطأ وهذا مخالف لكلام الصوفية الصادقين، كقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله : ( إذا علم المريد من الشيخ خطأ فلينبهه، فان رجع فذاك الأمر وإلا فليترك خطأه وليتبع الشّرع ) قال ذلك في أدب المريد، وقال الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله : ( سلم للقوم أحوالهم ما لم يخالفوا الشرع فاذا خالفوا فكن مع الشرع ) ، وكتب الصوفية طافحة بمثل هذا ، ( 4 ) التوسع والتساهل في مسائل الإتباع والابتداع إلى حد أدى إلى انتشار المحدثات والبدع والمنكرات ، وحتى صار ( السماع ) - بدلا من سماع القرآن - سماعاً للألحان ، وصار الذكر - ولا حول ولا قوة إلا بالله - مضبوطاً بالحركات ، ورقصاً على نغمات الألحان ، وحتى صارت الموالد والاحتفالات والمهرجانات على مدار العام ، وكأن الإسلام قد اكتملت فرائضه وطبقت أحكامه ووثقت عراه ولم يبق إلا الاحتفال بمناسباته ، وما أكثرها عند القوم ، ( 5 ) التوسع والتساهل في مسائل الطاعة والمعصية ، حتى صارت الموالد والاحتفالات مرتعاً خصباً للفواحش والموبقات بسبب اختلاط الرجال بالنساء ، مما آل بالفقهاء إلى الإفتاء بإلغائها بسبب مفاسدها العظيمة التي تفوق الفائدة المرجوة منها ، ( 6 ) هناك أخطاء تتعلق بمناهج التزكية مثل جعل همة الصوفي تجري وراء الكشف والكرامة ، والأصل أن همته تبحث عن تحقيق كمال العبودية لله رب العالمين ، والكشف ما هو إلا أثر وثمرة من ثمرات التزكية ، والكمال الصوفي يتمثل في عدم البحث عن الكشف والكرامة التي ما هي إلا مثبتات لغير الكمل من سالكي طريق التزكية من الأولياء ، ( 7 ) هناك أقوام منهم غلب عليهم الكسل والتواكل والبطالة ، وصفهم العارف بالله الشيخ أحمد زروق بقوله : " هناك قوم غلب عليهم الكسل والبطالة، وجمحت نفوسهم للانتساب للقوم، فعدلوا لرخص المذهب من السماع والاجتماع، وإيثار التزيي من المرقعات المزينة، والسبحات المزخرفة، والسجادات المزوقة، والعكاكيز الملفقة، وتباهوا في ذلك مباهات النسوان في الثياب، وتضاهوا فيه تضاهي أبناء الدنيا في الأسباب، فإذا عوتبوا في ذلك قالوا: يكفينا من اتباع القوم التشبه بهم، فإن من تشبه بقوم فهو منهم، فإن قيل: هذا منكم قلة همة، قالوا: أنتم في بركة الحال، ونحن في بركة الزِّي، وقد قنعنا بالتزي، وما هو إلا الركون للبطالة وحب الشهوة بالباطل، [ عدة المريد الصادق، دار ابن حزم ، ص: 65 ] ، ( 8 ) الشطح والطامات التي تصدر عن بعضهم وقت ورود الوارد الثقيل ، الذي لا يقوى على تحمله ، فيشطح بما لا يمكن تأويله بحال ، كقول بعضهم ( ولجنا بحرا وقف الأنبياء بساحله ) ، والأصل في الشطح أنها زلات لسان لا ينبغي محاسبة قائلها عليها وقت الذهول ، كمثل الذي أخطأ من شدة الفرح فقال : (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح )) [ أخرجه مسلم ] ، ولكن سيف الشريعة يمنع من التمادي في تلك الأقوال التي لا يحسن تأويلها ، لاسيما مع تشنيع الخصوم بها ، ( 9 ) الفساد والجهل المتفشي في العديد من المؤسسات والطرق الصوفية بسبب التكالب على الدنيا وكثرة الأتباع ، وذلك غالبا ما يكون بين أدعياء التصوف أو أنصاف المشايخ ممن ورثوا هذا الأمر وراثة ، دون الوصول إلى حقائق التصوف ، وصار هم هؤلاء كثرة الأتباع ولو على حساب التزكية ، وكثرة الأموال ولو على حساب الدين ، والتكالب على الشبهات وأموال الحكام والرؤساء ، فما أبعد هؤلاء عن التصوف الصافي ، وهل التصوف إلا الزهد في الدنيا ، وفيما بين الناس ، وهل التصوف إلا الخلق ، وقد لخص العارفون معنى التصوف في الخلق الحسن ، وقالوا (( التصوف كله أخلاق ، فمن زاد عليك في الخلق ، زاد عليك في التصوف )) ، وبعد : وبعد فتلك هي العوامل التي أدت إلى تطاول الطوائف الأخرى على التصوف يريدون محوه والخلاص منه ، مع أنه الواقف على ثغور التزكية والمقامات ، ومناهج التربية والأخلاق ، إن من الإنصاف ألا نغمط حقوق الصوفية ، ولا تنسينا أخطاؤهم ، حسناتهم ، والتجديد الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وتجرد وإتقان حتى تعود الصوفية إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة سواد المسلمين الأعظم ، إن التجديد الإسلامي المنشود يفرض على أهل التصوف وقياداته أن يتحملوا واجباتهم في تصحيح المسار والاجتهاد الصادق في إزالة الحواجز والعقبات بين أهل التصوف وبين الطوائف الأخرى من أهل السنة والجماعة وذلك بالتقارب والتكامل مع بقية الطوائف ، من خلال الهدف المشترك بالعودة إلى الكتاب والسنة والاقتداء الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً وإخلاصاً ، وعند ذلك تتآلف القلوب وتنتفي الخصومات والعداوات ونكون يداً واحدةً في العمل على الدفاع عن دين الإسلام وتجديد أمره ،
[ 10 ] انتساب الصوفية الحقة إلى أهل السنة والجماعة : ( أهل السنة والجماعة ) هم أهل السنة الذين يهتمون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم أشد اهتمام ، وهم أهل الجماعة يحرصون عليها أشد الحرص ، وهم في مجموعهم يمثلون سواد المسلمين الأعظم والذي قارب اليوم المليار وسبعمائة مليون مسلم على وجه الأرض يزيد أهل السنة والجماعة فيهم على نسبة التسعين بالمائة ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) كل من اعتقد بصحة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، ويؤمنون بعدالة كل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، ويحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم أهل السنة النبوية يتمسكون بسنة وهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم أهل الفقه الأكبر في الدين ، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة ، وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، والثانية : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري ، والثالثة : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) أهل الفقه في الدين ، ويأخذون الفقه عن الأئمة الأربعة ، المذهب الحنفي ، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ، والمذهب المالكي ، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس ، والمذهب الشافعي ، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) أهل التصوف والتزكية ، يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين ، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، ومن أشهرها عند أهل السنة الطريقة القادرية والطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية والطريقة الدسوقية والطريقة النقشبندية والطريقة السنوسية والطريقة التيجانية وغيرها من الطرق الفاضلة التي تدل على طريق الله تعالى ، فهذا هو الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة ، سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، قال عبد القاهر البغدادي : - في كتابه الفرق بين الفرق – : ( اعلموا أسعدكم الله أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس : إلى أن قال : والصنف السادس منهم : الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا ، واختبروا فاعتبروا ، ورضوا بالمقدور ، وقنعوا بالميسور ، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك مسئول عن الخير والشر ، ومحاسب على مثاقيل الذر ، فأعدوا خير الإعداد ليوم المعاد ، وجرى كلامهم في طريقي العبارة والإشارة على سمت أهل الحديث ، دون من يشترى لهو الحديث ، لا يعملون الخير رياء ، ولا يتركونه حياء ، دينهم التوحيد ونفي التشبيه ، ومذهبهم التفويض إلى الله تعالى ، والتوكل عليه ، والتسليم لأمره ، والقناعة بما رزقوا ، والإعراض عن الاعتراض عليه { ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ اِلْعَظِيمِ } [ سورة الحديد آية 21 ] ) أهـ [ كتاب :" الفرق بين الفرق"– تأليف : الإمام عبد القاهر البغدادي ( ت429هـ ) ص :319 -323 ] ، والمراد من هذا النقل القيم أن نعلم يقيناً أن من أصناف أهل السنة والجماعة الصوفية الحقة أصحاب التصوف الصافي الصحيح ، وعلى مر عصور الإسلام الممتدة السابقة انتسب إلى أهل السنة والجماعة السادة الصوفية بمختلف مدارسهم وطرقهم التزكوية والأخلاقية والتربوية ، وجميعها - بحمد الله تعالى وعلى مر عصور الإسلام - وقف على ثغور الإسلام العظيمة ، فالصوفية الصافية النقية قامت على ثغور درجات مرتبة الإحسان ومنازل السالكين ومعارف المقربين ، وأثرت العالم الإسلامي بعلوم التزكية التي تناولت أخلاق الإسلام العظيمة ، ومناهج التربية القويمة ، وتخلية القلب من دسائس الأخلاق وتحليته بمعارف الإحسان وشعب الإيمان ومدارج الواصلين ، و( الصوفية ) طائفة إسلامية كبيرة من طوائف أهل السنة والجماعة ، تنتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي ، وهي مثل بقية الطوائف الإسلامية كالمحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين ، فيهم الصالح والطالح ، والصحيح والفاسد والمصيب والمخطئ ولا يصح أن ننسب إلى أي طائفة من هؤلاء الطالح والفاسد والمخطئ فقط ، فعندما يقال ( الصوفية ) فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض ، ومعروف الكرخي ، وبشر الحافي والجنيد وعبد القادر الجيلاني وغيرهم كثير من الأولياء والصالحين على مر عصور الإسلام ، ولا يراد بالصوفية أولئك المخرفون المخالفون للكتاب والسنة ، الذين دخلوا على التصوف فأفسدوا سمعته ، وإذا ذكرنا ( الصوفية ) فإننا نخص منهم أولئك الصالحين المتمسكون بالكتاب والسنة والقائمون على ثغور مهمة التزكية التي هي إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذه الطائفة هي المقصودة بالتصوف الصافي النقي الصحيح الذي قام على صفاء النفس من الكدر ، وامتلائها من الفكر والذكر والخلق العظيم ، وتحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب دين الإسلام ،
[ 11 ] التزام الصوفية بالكتاب والسنة : إن التصوف الصحيح قام على قواعد وأصول أهمها الالتزام بالكتاب والسنة ، وتعظيم الشريعة ، وأن كل حقيقة تخالف الشريعة فليست حقيقة ، وكل باطن يخالف الظاهر فهو باطل لا يعتد به ، لأن باطن الشريعة يوافق ظاهرها ، وأساس الظاهر والباطن هو الكتاب والسنة ، وهذه طائفة من أقوال السادة الصوفية الأكابر المقتدى بهم في التصوف في الأمر بالتزام الكتاب والسنة في جميع الأقوال والأفعال والأحوال والهيئات ، وفي بيان أن التصوف الحق الصحيح لا يقوم إلا على هدي الكتاب والسنة ، قال سيد هذه الطائفة الإمام أبو القاسم الجنيد : ( الطرق كلّها مسدودة على الخلق ، إلا من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام ) ، وقال أيضا : ( من لم يحفظ القرآن الكريم ، ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر ، لأن علمنا هذا مقيّد بالكتاب والسنّة ) ، وقال سري السقطي : ( المتصوّف اسم لثلاث معاني : هو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلّم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ، ولا تحمله الكرامات على هتك أسرار محارم الله تعالى ) ، وقال أبو بكر الطمستاني : ( الطريق واضح ، والكتاب والسنّة قائمان بين أظهرنا وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ، فمن صحب منّا الكتاب والسنّة وتغرّب عن نفسه والخلق وهاجر بقلبه إلى الله تعالى فهو الصادق المصيب ) ، وقال أبو يزيد البسطامي : ( لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة ) ، وقال أبو سليمان الداراني : ( ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة ) ، وقال ذو النون المصري : ( من علامات المحب لله عزّ وجل ّ متابعة حبيب الله صلّى الله عليه وسلّم في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه ) ، وقال سهل بن عبد الله التستري : ( أصولنا سبعة أشياء : التمسك بكتاب الله تعالى ، والاقتداء سنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، وأكل الحلال ، وكف الأذى ، واجتناب الآثام ، والتوبة ، وأداء الحقوق ) ، وقال أيضا : ( لا معين إلا الله ولا دليل إلا رسول الله ولا زاد إلا التقوى ولا عمل إلا الصبر ) ، وقال أحمد بن عطاء الأدمي : ( من ألزم نفسه آداب الشريعة نوّر الله قلبه بنور المعرفة ، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلّى الله عليه وسلّم في أوامره وأفعاله وأخلاقه ) ، وقال أبو الخير الأقطع : ( ما بلغ أحد حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة ومعانقة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين ) ، وقال أبو حمزة البزّار البغدادي : ( من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه ، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم في أحواله وأفعاله وأقواله ) ، وقال أبو عثمان الحيري : ( من أمّر السنّة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة ، قال الله تعالى : { وإن تطيعوه تهتدوا ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين} ) ، وقال أبو الحسين النوري : ( من رأيته يدّعي مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربنّ منه ) ، وقال أبو سعيد الخرّاز : ( كل باطن يخالف الظاهر فهو باطل ) ، وقال أحمد بن أبي الخواري : ( من عمل عملا بلا إتباع سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فباطل عمله ) ، وقال إبراهيم الخوّاص : ( ليس العالم بكثرة الرواية ، إنما العالم من اتبع العلم واستعمله ، واقتدى بالسنن وان كان قليل العلم ) ، وقال ممشاد الدينوري : ( أدب المريد في التزام حرمات المشايخ وخدمة الإخوان والخروج عن الأسباب وحفظ آداب الشرع ) ، وقال إبراهيم الرقّي : ( علامة محبة الله تعالى إيثار طاعته ومتابعة نبيه صلّى الله عليه وسلّم ) ، وقال شاه الكرماني : ( من غضّ يصره عن المحارم وأمسك نفسه عن الشهوات وعمّر باطنه بدوام المراقبة وظاهره بإتباع السنّة وعوّد نفسه أكل الحلال ، لم تخطئ له فراسة ) ، وقال عبد الله بن منازل وكان عالما يكتب الحديث : ( لم يضيّع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله تعالى بتضييع السنن ، ولم يضيّع أحد السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدع ) ، وقال أبو القاسم النصرآباذي : ( أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنّة ، وترك الأهواء والبدع وتعظيم حرمات المشايخ ورؤية أعذار الخلق ، والمداومة على الأوراد ، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات ) ، وقال الإمام عبد القادر الجيلاني : ( كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة ) ، وقال الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته الشهيرة بالرسالة القشيرية : ( وبناء هذا الأمر وملاكه على حفظ آداب الشريعة وصون اليد عن امتدادها إلى الحرام والشبهة ، وحفظ الحواس عن المحظورات ، وعدّ الأنفاس مع الله تعالى عن الغفلات ، وأن لا يستحلّ سمسمة فيها شبهة في أوان الضرورات ، فكيف عند الاختيار وقت الراحة ) ، وقال الإمام أحمد الرفاعي : ( الفقير - الصوفي - على الطريق ما دام على السنّة فمتى حاد عنها زلّ عن الطريق ) ، وقال أيضا : ( كل ّ حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة ) ، وقال : ( الشيخ من يلزمك الكتاب والسنّة ويبعدك عن المحدثة والبدعة ، الشيخ ظاهره الشرع وباطنه الشرع ) ، يبقى الشيخ من يلزمك الكتاب والسنّة ، الشيخ من يبعدك عن المحدثة والبدعة ، الشيخ ظاهره الشرع وباطنه الشرع ، وقال أيضا : ( من لم يزن أقواله وأفعاله وأحواله في كلّ وقت بالكتاب والسنّة ، ولم يتهم خواطره لم يثبت عندنا في ديوان الرجال ) ، وقال الإمام الرباني أبو الحسن الشاذلي : ( إذا عارض كشفك الكتاب والسنّة فاعمل بالكتاب والسنّة ودع الكشف وقل نفسك : إنّ الله ضمن لي العصمة في الكتاب والسنّة ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإلهام ) ، وقال أيضاً : ( إذا رأيت رجلا يدّعي حالا مع أنه يخرجه عن أمر الشرع فلا تقربنّ منه 00 ومن دعا إلى الله تعالى بغير ما دعا به الرسول صلّى الله عليه وسلم فهو بدعي ) ، وقال أبو الحسين الورّاق : ( لا يصل العبد إلى الله إلا بالله ، وبموافقة حبيبه صلّى الله عليه وسلّم في شرائعه ، ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء يضل من حيث يظن أنه مهتد ) ، وقال أحمد زرّوق الفاسي في قواعده الشهيرة : ( وكلّ شيخ لم يظهر بالسنّة فلا يصح إتباعه لعدم تحقق حاله ، وان صحّ في نفسه وظهر عليه ألف ألف كرامة من أمره ) ، إذن هذه بعض أقوال أئمة التصوف والتي تدل على أن التصوف الصحيح لا يقوم إلا على الالتزام بالكتاب والسنة ،
[ 12 ] بيان السمو والعظمة في عقائد أهل التصوف وأنّهم قادة التنزيه والتقديس والتسبيح الاعتقادي : عقائد الصوفية تمثل السمو والعظمة ، وتدل على أنّهم أهل الله تعالى وخاصته ، وأنّهم قادة التنزيه والتقديس والتسبيح الاعتقادي ، وأنّهم على أعلى وأعظم عقائد الإسلام ، قال الشيخ أبو بكر الكلاباذي في بيان عقيدة أهل التصوف : " واعلم أن الصوفية أجمعوا على أن الله واحد ، فرد صمد ، قديم عالم ، قادر حي ، سميع بصير ، عزيز عظيم ، جواد رؤوف ، متكبر جبار ، باق أول ، إله مالك رب ، رحمن رحيم ، مريد حكيم ، متكلم خالق رازق ، موصوف بكل كمال يليق به ، منزه عن كل نقص في حقه ، لم يزل قديما بأسمائه وصفاته ، غير مشابه للخلق بوجه من الوجوه ، لا يشبه ذاته الذوات ، ولا صفاته الصفات ، لا يجري عليه شيء من سمات المخلوقين الدالة على حدوثهم ، موجودا قبل كل شيء ، لا قديم غيره ، ولا إله سواه ، ليس بجسم ولا شبح ، ولا صورة ولا شخص ، ولا جوهر ولا عرض ، لا اجتماع له ولا افتراق ، لا يتحرك ولا يسكن ، ولا ينقص ولا يزيد ، ليس بذي أبعاض ولا أجزاء ، ولا جوارح ولا أعضاء ، ولا بذي جهات ولا أماكن ، لا تجري عليه الآفات ولا تأخذه السنات ، ولا تداوله الأوقات ولا تعينه الإشارات ، ولا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ، ولا الحلول في الأماكن ، ولا تحيط به الأفكار ولا تحجبه الأستار ، ولا تدركه الأبصار ، وأجمعوا أن لله صفات على الحقيقة ، هو بها موصوف من العلم والقدرة والقدم والحياة والإرادة والمشيئة والكلام ، وأنها ليست بأجسام ولا أعراض ولا جواهر ، كما أن ذاته ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر ، وأن له سمعا وبصرا ليسا كالأسماع والأبصار ، وأنها صفات الذات ، وقد أجمعوا على أنه لا تدركه العيون ، ولا تهجم عليه الظنون ، ولا تتغير صفاته ولا تتبدل أسماؤه ، لم يزل كذلك ، هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) أهـ [ التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي ] ، وقال الشيخ أحمد الرفاعي – في البرهان المؤيد : ( وصونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة , لأن ذلك من أصول الكفر قال تعالي ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) ( آل عمران 7 ) والواجب عليكم وعلي مكلف في المتشابه الايمان بأنه من عند الله , أنزله علي عبده سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما كلفنا سبحانه وتعالي تفصيل علم تأويله قال جلت عظمته ( وما يعلم تأويلة إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) ( آل عمران 7 ) فسبيل المتقين من السلف تنزيه الله تعالي عما دل عليه ظاهره , وتفويض معناه المراد منه إلي الحق تعالي وتقدس وبهذا سلامة الدين سئل بعض العارفين عن الخالق تقدست اسماؤه فقال للسائل : إن سألت عن ذاته , فليس كمثله شيء وإن سألت عن صفاته , فهو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وإن سألت عن اسمه فـ { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ } [ الحشر : 21 ] وإن سألت عن فعله فـ {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [ الرحمن : 29 ] وقد جمع إمامنا الشافعي رضي الله عنه جميع ماقيل في التوحيد بقوله : من انتهض لمعرفة مدبره فانتهي إلي موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه وإن اطمأن إلي العدم الصرف , فهو معطل وإن اطمأن لموجود , واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد ، ( أي سادة ) : نزهوا الله عن سمات المحدثين , وصفات المخلوقين وطهروا عقائدكم من تفسير معني الاستواء في حقه تعالي بالاستقرار , كاستواء الأجسام علي الأجسام المستلزم للحلول , تعالي الله عن ذلك واياكم والقول بالفوقية والسلفية , والمكان واليد والعين بالجارحة , والنزول بالاتيان والانتقال فإن كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يدل ظاهره علي ما ذكر , فقد جاء في الكتاب والسنة مثله مما يؤيد المقصود فما بقي إلا ما قاله صلحاء السلف : وهو الإيمان بظاهر كل ذلك ورد علم المراد إلي الله ورسوله ,مع تنزيه الباري تعالي عن الكيف وسمات الحدوث وعلي ذلك درج الأئمة وكل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالي ورسوله ولكم حمل المتشابه علي ما يوافق أصل المحكم لأنه اصل الكتاب والمتشابه لا يعارض المحكم سأل رجل الإمام مالكا بن أنس رضي الله عنه عن قوله تعالي { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] فقال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا وأمر به أن يخرج وقال إمامنا الشافعي رضي الله عنه لما سئل عن ذلك آمنت بلا تشبيه , وصدقت بلا تمثيل , واتهمت نفسي في الإدراك , وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه : من قال لا أعرف الله أ في السماء هو أم في الأرض ؟ فقد كفر لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا , ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه وسئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن الاستواء فقال : استوي كما أخبر , لا كما يخطر للبشر وقال الإمام ابن الإمام جعفر الصادق عليه السلام : من زعم أن الله في شيء , أو من شيء , فقد أشرك إذ لو كان علي شيء لكان محمولا ولو كان في شيء لكان محصورا ولو كان من شيء لكان محدثا ) أهـ [ البرهان المؤيد للرفاعي ص 14 إلى 19 ]
[ 13 ] براءة أهل التصوف الحق من العقائد الإلحادية كالاتحاد والحلول ووحدة الوجود : الاتحاد معناه أن تتحد ذاتان من الذوات حتى تصيرا واحدا ، والحلول معناه أن تحل ذات داخل أخرى ، وكلاهما مستحيل في حق الله تعالى ، وقد أجمع علماء أهل السنة والجماعة على أن ذلك مستحيل في حق ذات الله تعالى ، أذ يستحيل أن يتحد القديم مع المحدث وإلا لما كان قديما أزلياً ، ويستحيل اتحاد الأزلي الباقي مع المحدث الفاني ، وقد أجمع علماء أهل السنة والجماعة على كفر من اعتقد جواز الاتحاد والحلول على ذات الله تعالى ، وأهل التصوف الحق هم أهل المعرفة بالله وهم أهل التنزيه والتقديس لله لا يجوز الظن فيهم بأنهم من القائلين بالاتحاد والحلول ، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في تبرئة السادة الصوفية من هذه التهمة الباطلة ما نصه : ( ليس أحد من أهل المعرفة بالله يعتمد حلول الرب تعالى به أو بغيره من المخلوقات ولا اتحاده به وإن سمع شيء من ذلك منقول عن بضع أكابر الشيوخ فكثير منه مكذوب اختلقه الأفاكون من الاتحادية الإباحية الذين أضلهم الشيطان وألحقهم بالطائفة النصرانية ) [ مجموع الفتاوى : 11 : 74 و 75 ] ، وقال أيضا : ( كل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات وليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث وتمييز الخالق عن المخلوق وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا ) [ مجموع الفتاوى : 2 : 223 ] ، وقال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى – وهو يتعجب من إلصاق هذه التهمة الشنيعة بأهل التصوف أهل المعرفة بالله - : ( ولعمري إذا كان عُباد الأوثان لم يتجرؤوا أن يجلوا آلهتم عين الله بل قالوا : { ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ، فكيف يظن بأولياء الله تعالى أنهم يدعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله عنهم إذ ما من ولي إلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق وأنها الخارجة عن جميع معلومات الخلائق لأن الله بكل شيء محيط ) أهـ [ اليواقيت والجواهر : 1 : 83 ] ، وقال الشيخ محي الدين بن عربي في عقيدته الصغرى : ( تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها ) ، وقال في عقيدته الوسطى : ( اعلم أن الله تعالى واحد بالإجماع ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء أو يحل في شيء أو يتحد في شيء ) ، وقال في الباب التاسع والستين والمائة : ( القديم لا يكون قط محلا للحوادث ولا يكون حالا في المحدث ) ، إذن بعد هذا البيان كيف الجواب عما ورد من كلام السادة الصوفية في كتبهم مما يفيد ظاهرة الحلول والاتحاد ؟ والجواب أمراً من أمرين : ( الاول ) : إما أن يكون مدسوساً عليهم كما ابتلي المسلمون على مر عصور الإسلام – لا سيما أهل التصوف أهل المعرفة بالله - بمن يدس عليهم رغبة في إضلالهم أو الاستهزاء بهم ، وهذا أمر قوي وارد حيث ذكر الإمام الشعراني رحمه الله تعالى قصة تدل على دس الحاقدين على أهل التصوف أقولاً غاية في الكفر والبشاعة ونسبتها إلى الأكابر منهم ، ( الأمر الثاني ) : ان لا يقصدوه مطلقاً ، وأن يكون مقصدهم من الكلام معنى آخر بعيد كل البعد عن الاتحاد والحلول الحسي الحقيقي ، ألا وهو الاتحاد المجازي المعنوي ، بأن تصيرَ نفسُ العبد غافلةً عن الشعور بجملتها شُغلاً بالشهود القلبي في حضرة أسماء الله تعالى وصفاته ، وهذه المرتبة من مقامات الشهود عند أهل المعرفة بالله تعالى ، وفيها يغيب عن نفسه ، ويشعر بأنه يسمع بالله ويبصر بالله ويتكلم بالله ، مصداقاً للحديث الصحيح فيما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة سبحانه : { وما يزال عبدي يَتَقَرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّهُ ، فإذا أحْبَبْته : كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَع به ، وبَصَرَه الذي يُبْصِر به ، ويَدَه التي يَبْطِش بها ، ورِجْلَه التي يَمْشِي بها )) [ أخرجه البخاري ] ، وهذا الاتحاد المعنوي المجازي ، بأن تصيرَ نفسُ العبد غافلةً عن الشعور بجملتها شُغلاً بالشهود القلبي في حضرة أسماء الله تعالى وصفاته ، وهذه المرتبة من مقامات الشهود عند أهل المعرفة بالله تعالى ، وفيها يغيب عن نفسه ، فيقول بما يظنه السامع اعتقادا كفريا بالاتحاد والحلول الحقيقيين ، مع أنه محال أن يصدر من أمثال هؤلاء العارفين بالله ، وبما يجب في حقه سبحانه ، وبما يجوز في حقه تعالى ، وما يستحيل في حقه سبحانه وتعالى ، ومنه اتحاد الخالق الأزلي الباقي مع المخلوق المحدث الفاني ، هذا كله فيما يتعلق بأهل التصوف الحق ، أما الأدعياء ففيهم يقول الحافظ السيوطي رحمه الله “… غير أن طائفة من غلاة المتصوفة نقل عنهم أنهم قالوا بمثل هذه المقالة وما زالت العلماء ومحققو الصوفية يبنون بطلان القول بالحلول والاتحاد وينبهون على فساده ويحذرون من ضلاله” ،
[ 14 ] شهادات تزكية من علماء الأمة للتصوف ورجاله : قال الإِمام الكبير حجة المتكلمين عبد القاهر البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه الفَرْقُ بين الفِرَقِ : ( الفصل الأول من فصول هذا الباب في بيان أصناف أهل السنة والجماعة. اعلموا أسعدكم الله أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس : .. إلى أن قال : والصنف السادس منهم : الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا ، واختَبروا فاعتبروا ، ورضوا بالمقدور وقنعوا بالميسور ، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك مسؤول عن الخير والشر ، ومحاسب على مثاقيل الذر ، فأعدُّوا خير الإِعداد ليوم المعاد ، وجرى كلامهم في طريقَيْ العبارة والإِشارة على سَمْتِ أهل الحديث دون من يشتري لهو الحديث ، لا يعملون الخير رياء ، ولا يتركونه حياء ، دينُهم التوحيد ونفي التشبيه ، ومذهبهم التفويضُ إِلى الله تعالى ، والتوكلُ عليه والتسليمُ لأمره ، والقناعةُ بما رزقوا ، والإِعراضُ عن الاعتراض عليه. {ذلكَ فضلُ اللهِ يؤتِيهِ مَنْ يشاءُ واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ} [ الجمعة : 4 ] ، وقال الإِمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في مقدمة رسالته المشهورة متحدثاً عن الصوفية : ( جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه ، وفَضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم ، وجعل قلوبهم معادن أسراره ، واختصَّهم من بين الأمة بطوالع أنواره ، فهم الغياث للخلق ، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق. صفَّاهم من كدورات البشرية ، ورقَّاهم إِلى محل المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية ، ووفقهم للقيام بآداب العبودية ، وأشهدهم مجاري أحكام الربوبية ، فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف ، وتحققوا بما مَنَّه سبحانه لهم من التقليب والتصريف ، ثم رجعوا إِلى الله سبحانه وتعالى بصدق الافتقار ونعت الانكسار ، ولم يتَّكِلوا على ما حصل منهم من الأعمال أو صفا لهم من الأحوال ، علماً منهم بأنه جلَّ وعلا يفعل ما يريد ، ويختار من يشاء من العبيد ، لا يحكم عليه خلق ، ولا يتوجه عليه لمخلوق حق ، ثوابه ابتداء فضل ، وعذابه حكم بعدل ، وأمره قضاء فصل ) [ الرسالة القشيرية للإِمام أبي القاسم القشيري المتوفى سنة 465هـ. ص2 ] ، وها هو ذا حجة الإِسلام الإِمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى يتحدث في كتابه المنقذ من الضلال عن الصوفية وعن سلوكهم وطريقتهم الحقة الموصلة إِلى الله تعالى فيقول : ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة ، وطريقتهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.. ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم : وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ) [ المنقذ من الضلال لحجة الإِسلام الغزالي المتوفى سنة 505هـ. ص131 ] ، وقال العلامة الكبير والمفسر الشهير الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى في كتابه اعتقادات فرق المسلمين والمشركين : ( الباب الثامن في أحوال الصوفية : اعلم أن أكثر مَنْ حَصَرَ فرق الأمة ، لم يذكر الصوفية وذلك خطأ ، لأن حاصل قول الصوفية أن الطريق إِلى معرفة الله تعالى هو التصفية والتجرد من العلائق البدنية ، وهذا طريق حسن .. وقال أيضاً : والمتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية ، ويجتهدون ألاَّ يخلو سرَّهم وبالَهم عن ذكر الله تعالى في سائر تصرفاتهم وأعمالهم ، منطبعون على كمال الأدب مع الله عز وجل ، وهؤلاء هم خير فرق الآدميين ) [ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للإِمام فخر الدين الرازي ص72ـ73 ] ، وقال الإِمام النووي رحمه الله تعالى في رسالته المقاصد : أصول طريق التصوف خمسة : 1 - تقوى الله في السر والعلانية ، 2 - اتباع السنة في الأقوال والأفعال ، 3 - الإِعراض عن الخلق في الإِقبال والإِدبار ، 4 - الرضى عن الله في القليل والكثير ، 5 - الرجوع إِلى الله في السراء والضراء ) [ مقاصد الإِمام النووي في التوحيد والعبادة وأصول التصوف ص20] ، وقال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه تأييد الحقيقة العليَّة : ( إِن التصوف في نفسه علم شريف ، وإِن مداره على اتباع السنة وترك البدع ، والتبرِّي من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها ، والتسليمِ لله ، والرضى به وبقضائه ، وطلبِ محبته ، واحتقارِ ما سواه.. وعلمتُ أيضاً أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم ، فأدخلوا فيه ما ليس منه ، فأدى ذلك إِلى إِساءة الظن بالجميع ، فوجَّه أهلُ العلم للتمييز بين الصنفين ليُعلمَ أهل الحق من أهل الباطل ، وقد تأملتُ الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أرَ صوفياً محقِّقَاً يقول بشيء منها ، وإِنما يقول بها أهل البدع والغلاةُ الذين ادَّعَوْا أنهم صوفية وليسوا منهم ) [ تأييد الحقيقة العلية ص57. للعلامة جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ ] ، وقال الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى : ( لقد انفرد الصوفية بركن عظيم من أركان الدين ، لا يطاولهم فيه مطاول ، وهو التهذيب علماً وتخلقاً وتحققاً ، ثم لما دونت العلوم في الملة ، كتب شيوخ هذه الطائفة في الأخلاق ومحاسبة النفس.. ) [ مجلة المنار السنة الأولى ص726 ] ، فهذه بعض شهادات تزكية من علماء الأمة على مر عصور الإسلام للتصوف ورجاله
[ 15 ] ما الذي ينبغي أن يعرفه المسلم عن التصوف ذلك العلم القائم على ثغور التزكية والاحسان : من خير تلك الكتب التي تناولت المختصر المفيد الذي ينبغي أن يعرفه المسلم عن التصوف : كتاب أبجدية التصوف للشيخ العارف بالله تعالى محمد زكى إبراهيم رائد العشيرة المحمدية ، أنقل هنا - باختصار يسير - ما قاله الإمام الأزهري الفقيه المحدث الشريف الحسني رائد العشيرة المحمدية الشيخ العارف بالله تعالى محمد زكى إبراهيم ، جاء في كتابه أبجدية التصوف ، " السؤال الأول : ما هو المقصود بالتصوف الإسلامي ؟ وهل مورس هذا التصوف في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولماذا يختلفون في تعريف التصوف ؟ ولماذا يختلفون في تحديد مصادره ؟ ( فأجاب رحمه الله ) : ( 1 ) التصوف هو : التخلي عن كل دَنِى ، والتحلي بكلى سَنى " سلوكاً إلى مراتب القرب والوصول ، ويمكن تلخيص هذا التعريف في كلمة واحدة ، هي : ( التقوى ) في أرقى مستويات الحسية ، والمعنوية ، فالتقوى عقيدة ، وخٌلق ، فهي معاملة الله بحسن العبادة ، ومعاملة العبادة بحسن الخلق ، وهذا الاعتبار هو ما نزل به الوحى على كل نبي ، وعليه تدور حقوق الإنسانية الرفيعة في الإسلام ، وروح التقوى هو ( التزكية ) و { قد افلح من تزكى } " [ الأعلى : 14 ] ، و { قد أفلح من زكاها } [ الشمس : 9 ] ، ( 2 ) وبهذا يكون التصوف مما جاء به الوحى ، ومما نزل به القرآن ، ومما حثت عليه السنة ، فهو مقام ( الإحسان ) فيها ، كما أنه مقام التقوى في القرآن ، هذا هو التصوف الذى نعرفه ، فإذا كان هناك تصوف بخلاف ذلك ، فلا شأن لنا به ، ووزره على أهله ، ونحن لا نُسأل عنهم فــ " كل امرئ بما كسب رهين " ، ( 3 ) أما الاختلاف في تعريف التصوف ، فهو راجع إلى منازل الرجال في معارج السلوك ، فكل واحد منهم ترجم أساسه في مقامه ، وهو لا يتعارض أبداً مع مقام سواه ؛ فإن الحقيقة واحدة ، ( 4 ) أما الاختلاف في تحديد مصادر التصوف ، فدسيسة من دسائس أعداء الله ؛ فالتصوف عبادة ، وخلق ، ودعوة ، واحتياط ، وأخذ بالعزائم ، واعتصام بالقيم الرفيعة ، فمن ذا الذى يقول : إن هذه المعاني ليست من صميم الإسلام ؟ ، إنها مغالطات ، لم ينظروا إلى حقيقة التصوف ، والحكم على المجموع بتصرف أفراد انتسبوا إليه صدقاً أو كذباً ظلم مبين ، السؤال الثاني : من هو الصوفي ؟ وبماذا يمتاز عن عامة المسلمين ؟ وهل هناك فرق بينه وبين التقى ، أو المؤمن ، أو المسلم ، أو الصديق ؟ وإذا لم يكن هناك فرق ، فلماذا الإصرار على استخدام الاصطلاح ؟ ( الجواب ) : ( 1 ) تستطيع أن تعرف الصوفي الحق ، بأنه المسلم النموذجي ، فقد اجمع كافة أئمة التصوف على أن التصوف هو الكتاب والسنة ، في نقاء وسماحة واحتياط ، فالتصوف إذن هو : ربانية الإسلام الجامعة للدين والدنيا ، ومن هنا جاء قول أئمة التصوف ، وفي مقدمتهم ( الجنيد ) : " من لم يَحصل علوم القرآن والحديث ، فليس بصوفي " ، وأجمع على ذلك كل ائمة التصوف ، من قبل ومن بعد ، وتستطيع مراجعة نصوص أقوالهم عند القشيري ، والشعراني ، ومن بينهما ، ومن بعدهما ، ( 2 ) أما الامتياز عن عامة المسلمين ؛ فالقاعدة الإسلامية هنا هي العمل ؛ فإذا عمل الصوفي بمقتضى ما يتعين عليه كقدوة وداعية ، امتاز بمقدار جهده ، شأن كل متخصص وإلا فهو دون كل الناس إذا انحرف أو شذ ، بل إن تجاوز ، فالصوفية يجعلون خلاف الأولى في مرتبة الحرام اتقاءً للشبهات ، واستبراءٌ للعرض والدين ، وهم يعرفون كيف أن السلف كانوا يتركون تسعة أعشار الحلال : خوف الوقوع في الحرام ، فهم يؤمنون بهذا ، ويحاولون العمل به ، والله تعالى يقول : { ولكل درجات مما عملوا } ، فهم يؤمنون بهذا ويحاولون العمل به ، ( 3 ) أما مسألة الفرق بين الصوفي ، والمسلم ، والمؤمن ، والتقى : فإن الإسلام شرع لنا تعريف الناس بخصائصهم ، وذكرهم بما يميزهم عن غيرهم ، وقد ذكر الله المهاجرين والأنصار بخصيصتهم : تعريفاً ، وهم مسلمون مؤمنون أتقياء ، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً الحبشي ، وصهيباً الرومي ، وسلمان الفارسي بما يميزهم من الألقاب ، وهم مسلمون مؤمنون أتقياء ، وذكر القرآن من المسلمين أصنافاً : الخاشعين ، والقانتين ، والتائبين ، والمتصدقين ، والعابدين ، والحامدين ، والسائحين وغيرهم ، وكلهم من أهل { لا إله إلا الله } ، إذن ، فذكر إنسان بخصيصة عُرف بها عند الناس ، سنة قرآنية ونبوية ، وما دامت هذه الطائفة ، قد عرفت باسم الصوفية لسبب أو لآخر ، فليس بدعاً أن تُدعى بهذا الاسم ، السؤال الثالث : ما رأيكم فيما يوجه للتصوف من اتهام بأنه يعود في أصوله الأولى للبوذية ؟ والمجوسية ؟ والرهبانية ... ألخ ؟ ( الجواب ) التصوف الإسلامي ، هو الربانية ، فهو : إيمان وعمل ، وعبادة ، ودعوة ، وأخلاق ، وبر مطلق . وهو إرادة وجه الله في كل قول وعمل ، أو نية ، أو فكر ، دنيوي أو أخرى ، وهو التسامي بالبشرية إلى مستوى الإنسانية الرفيعة ، وهو بهذا الوصف ( طلب الكمال ) ، وطلبُ الكمال فرض عين ، وهو علاج لأمراض النفوس ، ولما كان التصوف قد تخصص في هذا الجانب ، كان طلبهُ فرضاً شرعياً ، ولا أعرف أن الكتاب والسنة نقلاً عن المجوسية ، والبوذية والرهبانية شيئاً أبداً ، وإنما هو الغل المورث للتهم الكواذب ، السؤال الرابع : ثابت أن المسلمين لم يعرفوا التصوف ، إلا بعد ثلاثة قرون من انتشار الإسلام ، فهل يحتاج الإسلام إلى التصوف ؟ وهل التصوف يضيف جديداً إلى الإسلام ؟ وما هو الفرق بين الزهد الإسلامي والتصوف ؟ ( الجواب ) : من الذى قال بأن المسلمين لم يعرفوا التصوف إلا بعد القرون الثلاثة الأولى ؟ ، هذه مجازفة : ليست بعلمية ، ولا تاريخية ، وليس لها سند ، فإذا كان المراد بأنهم لم يعرفوا لفظ التصوف إلا بعد القرون الثلاثة ، فليس هذا بصحيح أيضاً ، فمادة التصوف من حيث العبادة ، والخُلق – على أوسع معانى العبادة والخلق – موجود مشهودة في الكتاب والسنة ، شأن بقية مواد علوم الدين ، فإذا لم يكن لفظ ( التصوف ) موجوداً في هذا العقد ، فقد كانت العبادات والأخلاق ، وتربية النفس ، كل هذه مسجلة في دين الله ، وهي التصوف ، والمادة قديمة بقدم الكتاب والسنة ، شأن بقية علوم الدين سواء بسواء ، ولم يكن هذا بدعاً ، فلم يكن في هذا العهد علم باسـم ( الفقه ) ولا باسم ( الأصول ) ولا باسم ( مصطلح الحديث ) ، ولا غير ذلك من علوم الدين ، ولكن المادة كانت موجودة بين دفتى الكتاب والسنة . فلا دٌونت العلوم ، ورٌسمت القواعد والمصطلحات ، أطلقت الأسماء حسبما رجحته الظروف الواقعية آنذاك ، وإذن ، فلماذا ننكر تسمية التصوف ، ولا ننكر تسمية بقية علوم الدين ، والشأن واحد !؟ أما : هل الإسلام يحتاج إلى التصوف ؟ ليس التصوف شيئاً غير الإسلام ، حتى يقال : إنه يحتاج إليه ، او يستغنى عنه ، إنما التصوف هو ذروة الدين كله ، مقام " الإحسان " : التقوى ، والتزكية ، والربانية ، كما قدمنا ، فهو الغاية والثمرة التي لا تتاح إلا لسالك مريد موفقًّ ذَواق ، وهكذا نجد : أن السؤال الذى يقول : هل التصوف يضيف جديداً إلى الإسلام سؤال غير وارد ، والإجابة عليه واضحة في الرد على الشطر السابق ، أين هذا السؤال من قوله تعالى : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام ديناً } [ المائدة : 2 ] ، إن التصوف الحق هو : الإسلام في اعلى مستوياته ، وأما الفرق بينه وبين الزهد الإسلامي : فإن الصوفي أكبر من زاهد في الدنيا ؛ لأن الزاهد إنما يزهد في الدنيا ، وهي لا شئ ، فالزهد في الدنيا زهد في لا شيء ، والزاهد في ( لا شيء ) غافل أو جاهل ، لكن زهد الصوفي منصب على كل ما يبعده عن الله ، الزهد عند الصوفية : أن تكون الدنيا في يده ، لا في قلبه ، السؤال الخامس : بم تعلل فضيلتكم كون شيوخ التصوف من الفرس ، وكيف تعلل ازدهار التصوف في القرن السابع ، وما بعده بين العرب والمنتسبين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ( الجواب ) : قال تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } " سورة الحجرات ، الآية : 13 . وقال تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } وقال صلى الله عليه وسلم : " لا فضل لأبيض على احمر ، ولا عربي على عجمي إلا بالتقوى " " وفي رواية ذكرها ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم : { يا أيها الناس ، وأن الله تعالى قد أذهب عنكم غبية بالجاهلية وتعظمها بآبائها ، فالناس رجلان : رجل يرتقى كريم على الله ، ورجل فاجر شقى هين على الله } إلى آخر الحديث الذى رواه أبن أبى حاتم } " . وقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله أذهب عبية الجاهلية وفخرها بالآباء ؛ مؤمن تقى ، وفاجر شقى ،أنتم لآدم وآدم من تراب . .. ألم يأتك أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق به سيدنا سلمان الفارسى ، فقال : " سلمان منا أهل البيت " – ألم يرسل الله رسوله للناس كافة بشيراً ونذيراً ؟! إنها حمية الجاهلية ، يرددها ببغاوات البشر ، بلا تدبر ، ولا بينة ، وهل جاء الإسلام للعرب وحدهم ، فاغتصبه منهم غيرهم ، فأصبحوا منبوذين ؟! لم هذه الشعوبية ، والعنصرية الكريهة ، التي ينكرها الإسلام ، وتنكرها الإنسانية الشريفة ؟! أليس الإمام البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، والطبراني ، والبيهقي ، والاكثرية الغالبة من رجال الحديث ، كلهم من غير العرب ، وكذلك طائفة من أكبر المفسرين ، كالزمخشري ، والنيسابوري ، ، وطائفة من أكبر علماء البلاغة ، كالجرجاني ، والتفتازاني !؟ من هو طارق بن زياد ، وموسى بن نصير ، هذان الموليان القائدان الفاتحان ، اللذان أسسا للإسلام مجداً تاريخياً ، لا يمحوه الزمان ؟ أبو حنيفة من الأفغان ، قالوا من كابل " ، إمام مصر الليث بن سعد ، أصله من ( أصبهان ) ، أمام أهل السنة ، احمد بن حنبل ، أصله من ( مرو ) والإمام المفسر الطبرى ، أصله من ( طبرستان ) ، والحسن البصرى ، الكوكب الفرد ، ، كان أبوه من ( ميسان ) ، وهذا علاّمة اللغة سيبويه ، فارسى الأصل ، والأمام الكسائي ، فخر اللغة العربية ، أصله من فارس ، وتلميذه الإمام الفراء من الديلم ، فقيه مكة ، عطاء بن رباح ، وفقيه الشام : مكحول ، وفقيه الجزيرة : ميمون بن مهران ، وفقيه خراسان : الضحاك بن مزاحم ، وفقيها البصرة والكوفة : إبراهيم النخعي وابن سيرين ، كل أولئك ليسوا من العرب أصلاً ، ولكنهم برزوا في جوانب العلم والفكر والمعرفة والدين ؛ كانوا الأئمة بكل ما في اللفظ من معنى يتجدد ولا يفنى ، إنما يتفاضل الناس بالعقول " ، لا بالأرحام ، والناس عند الله سواسية كأسنان المشط ، والله يقول : { ولا تنسوا الفضل بينكم } [ البقرة : 237 ] ، ولقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد ( مولاه ) على جيش كان فيه أبو بكر وعمر ، أهل العلم : لا يكادون يذكرون ابن عمر ذكروا معه مولاه نافعاً ، ولا يكاد يذكر أنس بن مالك ، إلا ومعه مولاه ابن سيرين . ولا يكاد يذكر ابن عباس ، إلا ومعه مولاه عكرمة وما اكثر هذه الامثلة في الإسلام ، أما تعليل ازدهار التصوف في القرن السابع ، وما بعده بين العرب ، فإن هذا السؤال يحتاج إلى تكملة : هي أن هذا الازدهار في هذا القرن وما قبله ، كان بين العرب وغيرهم ، فمثلاً : نجد من صوفية القرن السابع أمثال أبى الحسن الشاذلي ، وأحمد البدوي . وابن دقيق العيد ، ومجد الدين القشيري ، وزكى الدين المنذري – ونجد من قبلهم في القرن السادس أمثال أحمد الرفاعي ، وأبى مدين . ونجد في القرن الخامس ، أمثال الغزالي ، وعبد القادر الجيلاني . وفي الثالث والرابع أمثال : الجنيد ، والشبلي ، ومن قبلهم ذو النون المصري ، وأبو يزيد ، ومن قبلهم الحسن البصري ، وسفيان الثوري ، ومالك بن دينار ، وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض ، وشقيق البلخي ، وحاتم الأصم ، السؤال السادس : من الاتهامات الموجهة إلى التصوف : أنه لا سند له من الكتاب والسنة ، وأنه دخيل على الإسلام ، وأنه يدعو إلى عقائد تتعارض مع عقيدة التوحيد ، كالحلول ، والاتحاد والوحدة ، وأنه يدعو إلى تقديس المشايخ ، والاستعانة بهم في الشدائد ، واعتقاد أنهم يملكون النفع والضر ، وأنه يدعو إلى التواكل والسلبية ، ( الجواب )
وللحديث تتمة يمكنك الإطلاع عليها من خلال تحميل المرفق
كتبه الراجي رحمة ربه الرؤوف الرحيم
مجدي محمد علي
حاصل على الشهادة العالمية ( الماجستير ) في العلوم الشرعية الإسلامية
للتحميل المباشر من هنامدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في التزكية والسلوك.rar
ليس لديك الصلاحية لمشاهدة المرفقات

العودة إلى “منتدى السنه والبدعة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد