مذهب أهل الحشو في الإيمان

المشرفون: مشرف المنتدى، webmaster

مشرف المنتدى
مشاركات: 427
اشترك في: السبت يناير 09, 2016 11:42 pm

مذهب أهل الحشو في الإيمان

مشاركةبواسطة مشرف المنتدى » الأحد مارس 13, 2016 4:17 am

مذهب أهل الحشو في الإيمان
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : الحشوية ليست من مدارس أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة ولا في باب الإيمان , وهناك عوامل عديدة أدت إلى قصور في فهم هؤلاء لكافة أبواب العقيدة ، ولتفصيل القول في ذلك ، أقول وبالله التوفيق : الحشوية طائفة موجودة معروفة ولا سبيل إلى إنكار وجودها : وهو لقب أطلق على طائفة من المبتدعة الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد ، ثم أخذوا بظاهر لفظها ، ثم تحزبوا عليها ، وامتحنوا الناس على أساسها ، والفرق بينهم وبين المجسمة ، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم ، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى ، أمّا الحشوية ، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم ، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم " بلا كيف " ، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة ، ولكني أراهم أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف زورا وبهتانا - والسلف من زيغ عقائدهم براء - ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة – وهم من أبعد الناس عن فقه أدلة الكتاب والسنة - ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في كافة علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف ، ومن أبرز صفات الحشوية ] : أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، ينسبون إلى الله تعالى الجوارح والأجزاء والأبعاض ، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، وهم لا يحترمون تخصص العلماء ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ، ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف ، والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ، والغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج ، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، وإلى الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، والغلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل ، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله ، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج ، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد ، واعتبارها من علوم اليونان ، وهم لا يعلمون : لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان ، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة ، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه ، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، وذلك في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، وهم ينتسبون إلى السلف ، والسلف برآء منهم ، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية ، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم ، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة - وهم أهل السلف الحقيقيون - بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم ، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية ، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية ، وهم أهل الجفاء والغلظة والخيلاء ، والقسوة وغمط المسلمين والجفاء عند معاملتهم ، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا ، تراهم دوماً في حروب وهمية مع من يظنونهم مبتدعون مارقون عن مذهب السلف الذي صنعوه بأيديهم ونسبوه إلى السلف ، ويدافعون عنه ضد كل من تسول له نفسه مخالفة ، ديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة ، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق ، يشنون حروبا لا داعي لها - بين الحين والآخر - على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم ، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله ، فأيهما أجدى البناء على ما بنوه فيرتفع البناء عاليا ، أم هدمه والتشكيك فيه ، مع استحالة إتقان ما أتقنوه ، واستيعاب ما استوعبوه ، وبناء ما بنوه ، ويشنون حروبا لا داعي لها على التصوف برمته ، صالحه وطالحه ، ويدّعون أن له أصل من اليهودية أو النصرانية أو البوذية ، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال ، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين والأدعياء ، مع أنه قد مرت عصور كاملة ، وقرون تامة ، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية ، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله ، فهل جميع أولئك على ضلالة ، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك ، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية ، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة ، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة ، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام ، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة ، التي أسّسها الاسلام ، وبناها علماء المسلمين طوال القرون ، ولذلك فهم من شر الفرق ، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف ، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف ، وأخطر مشاكل الحشوية عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام : على مر عصور الإسلام ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، فظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه : الاتقان في علوم القرآن ، وظهر المتخصصون في علم الحديث ، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل ، وعلم شرح الحديث وبيان معناه ، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح ، وظهر المتخصصون في الفقه ، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وهذه المذاهب الأربعة - بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة - صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة ، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق ، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، وبعد ظهور الأئمة الثلاث صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه ، و مع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، ثم عندما اتسعت الفتوحات وبدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، والمهم المضمون في هذا الباب ، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما ، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ، إنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في : الفوضى العلمية ، والفوضى الفكرية ، والخطأ في تقييم المواقف واصدار الأحكام ، كما يؤدي إلى فوضى التبديع الناشئة عن عدم احترام تخصصات الآخرين ، والهجوم على أصحابها واتهامهم بالبدعة والانحراف عن الدين ، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى ، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم ولا معرفة لأسباب تبني أهل التخصص لهذا الحكم دون غيره ، مع أنّ الحق حتما يكون مع أهل التخصص ، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، وأعلام هؤلاء الحشوية : شيخ الحشوية مقاتل بن سليمان ، فقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، في أقوال المحدثين ورواياتهم ، حتى ظهر مقاتل بن سليمان ( المتوفي سنة 150 ه‍ ) حيث ملأ تفسيره بحشو من الإسرائيليات ، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه ، وهو متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه ، قال ابن حبان : ( كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث ) [ المجروحون 2 : 15 ] ، لقد أصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة متكاملة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده من جهلاء المفسرين والمحدثين ، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية ، وساهم في بناء تلك الفرقة إبن ابي العوجاء الزنديق كان ربيب الإمام حماد ابن سلمة ، ويدخل عليه متى شاء ويعبث في أوراقه ومراجعه ، استغل كبر سن الإمام حماد بن سلمة وكان يدعي التتلمذ على علمه ويدس في رواياته وحماد إمام جليل وهو ثقة الناس كما ذكر ابن عدي واحمد. ذكر إبن حجر ايضاً في ترجمة حماد :"إنَّ حماداً كان لا يحفظ ، وكانوا يقولون : إنَّها (أي روايات التشبيه) دُسَّت في كتبه ، وقد قيل إنَّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه" قال ذلك في لسان الميزان ترجمة عبد الكريم بن أبي العوجاء ، ، ثم حمل راية الحشو في القرن الثالث الهجري محمد بن كرام السجستاني ( ت 255 هـ ) فلقب المنتمون إلى طريقته " الكرامية" ودلس على العامة من المسلمين بلباس الزهد والورع ، وأسس مدرسة التشبيه والتجسيم في أمة الإسلام ، ولم تمت الكرامية بموت مؤسسها بل تهذبت مقالته في التجسيم وزُيفت حتى كثر أتباعها ، وتسربت مقالاتهم إلى ما يسمى بعقيدة السلف ، وانتقلت بعدهما ( أي مقاتل بن سليمان ، و محمد بن كرام ) عدوى الحشو والتجسيم إلى فريقين ، الأول بعض جهلاء المحدثين ممن جهل قواعد التقديس والتنزيه ، ومن الزائغة قلوبهم الذين يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة ، وألف هؤلاء كتباً سموها بأسماء مغرية كالتوحيد ,أو السنة ,أو الصفات , ومن ذلك : ( 1 ) كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد : لعثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ ) ، ( 2 ) كتاب السنة لابن أبي عاصم ، ( 3 ) كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (290هـ ) ، ( 4 ) كتاب السنة للخلال ، ( 5 ) كتاب التوحيد لا بن خزيمة ، ( 6 ) كتاب الصفات المنسوب للدارقطني ، ( 7 ) كتاب التوحيد لابن مندة ، ( 8 ) كتاب العرش وما روي فيه : لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة ، ( 9 ) كتاب الأربعين في دلائل التوحيد للهروي ( ت 481 هـ ) ، وأما الفريق الثاني كان من الحنابلة الذين انتسبوا إلى الإمام أحمد بن حنبل في الفقه ، ولكنهم كانوا في العقيدة على مذهب الحشو ، وكان من أوائلهم : أبو الحسن البربهاري الحنبلي في أوائل القرن الرابع فنقل مفردات الحشو إلى مذهب الحنابلة وتترس بالكتاب والسنة ، وافتتن به العامة في بغداد وجد في الدعاية إلى مذهب الحشو ، وعظمت المحنة به ، وتبعه في ذلك ثلاثة من أئمة المذهب الحنبلي وهم أبو حامد وابن الزاغوني والقاضي أبو يعلى الفراء ، وقد تستر هؤلاء جميعا بنسبتهم إلى الإمام أحمد بن حنبل وهو منهم برآء ، حتى قال بعض الأفاضل : " رجلان من أئمة هذه الأمة ابتليا بقوم سوء فنسبوا إليهما ما هما براء منه : جعفر بن محمد الباقر وأحمد بن حنبل " ، وقد فضحهم الإمام الفاضل ابن الجوزي ونفى نسبتهم إلى الإمام أحمد بن حنبل في باب العقيدة ، وإن التزموا مذهبه في الفقه ، ومن الكتب في الصفات التي بعد أصحابها عن الصواب كتاب "إبطال التأويلات" لأبي يعلى الشهير بابن الفراء الحنبلي ، حتى قال عنه أبو محمد رزق الله التميمي الحنبلي : " لقد بال أبو يعلى على الحنابلة بولة لا يغسلها ماء البحر " ، وظل الحشو في مذهب الحنابلة بسبب هؤلاء حتى طالت مفردات الحشو بعض أكابرهم يمثلون قمة التخصص العلمي عندما يتحدثون في الفقه ، وقمة الحشو والتخلف العلمي عندما يتحدثون في العقيدة وأسس التقديس ، واستمر الحشو في بعض أوساط المدرستين " مدرسة الحديث ، ومدرسة الحنابلة " ، وإن كان فيهم الإتجاه الأثري الصحيح الذي يمثل امتداد السلف الصحيح ، ولكن عاد التزاوج بين فريقي الحشو عندما تسربت مفردات الحشو إلى الإمام ابن تيمية حيث اعتنق تلك المفردات وظنها منهج السلف ، فلم يلبث أن جعل السلفية في مقابل التخصصات العلمية كافة ، ونصب نفسه المتحدث عن السلف ، وتأثر به بعض تلامذته كابن القيم ، ثم نامت الفتنة بفضل علماء الأصول ، ثم ظهرت من جديد عندما تبنى بعض مفرداتها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري وفرضها بقوة السيف ، وانتقلت إلى اتباعه في زمانه وإلى هذا الزمان الذي نعيش فيه ، فنرى لدى الكثير منهم علم ببعض الحديث أو بعض الفقه ولكن إن تكلموا في العقيدة تكلموا على طريقة الحشوية الضالين الذين ينسبون إلى الله تعالى الحد والجهة والكون في المكان وينسبون إليه التغير والحدوث ويقولون : إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية ، وله من الجهات الست جهة الفوق ، ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون ، وليس لهم مستند فيما يقولون إلا التشبث المتشابهات التي لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، ومن أهم وأبرز العوامل التي أدت إلى قصور في فهم الطائفة السلفية المعاصرة في فهم أبواب العقائد : ( 1 ) الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وأدى ذلك إلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ، ( 2 ) الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة ، بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون ، ( 3 ) الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا ، والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج ، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، وأدى ذلك إلى جواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرون ، وتحويلهم إلى أشلاء ، وما أدبيات السلفيات القتالية والجهادية عن ذلك ببعيد ، ( 4 ) الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة ، في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، ( 5 ) غلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ، ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل ، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله ، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج ، ( 6 ) إهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد ، واعتبارها من علوم اليونان ، وهم لا يعلمون : لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان ، ( 7 ) عدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة ، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه ، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، وذلك في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، ( 8 ) الذهول عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية ، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم ، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة - وهم أهل السلف الحقيقيون - بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم ، ( 9 ) بعث بعض مفردات مذهب الحشوية والخطأ بنسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعله بديل لكافة التخصصات العلمية ، ومن ثم بعث بعض كتب الحشوية والمجسمة من جديد وإعادة طباعتها على أنها تمثل مذهب السلف والأثر ، وهم منها براء ، وهل كان السلف مجسمة أو مشبهة وحاشاهم من ذلك ، ( 10 ) الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة ، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق ، ( 11 ) إهمال مناهج التربية والتزكية ، ومن ثم كانت النفسية التي تتسم بالغلظة والقسوة وغمط طوائف أهل السنّة والجماعة الأخرى واحتقارهم وتبديعهم والجفاء عند معاملتهم ، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا ، ( 12 ) شن الحروب التي لا داعي لها - بين الحين والآخر - على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم ، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله ، فأيهما أجدى البناء على ما بناه أولئك الاكابر فيرتفع البناء عاليا ، أم هدمه والتشكيك فيه ، مع استحالة إتقان ما أتقنوه ، واستيعاب ما استوعبوه ، وبناء ما بنوه ، ( 13 ) شن الحروب على التصوف برمته ، صالحه وطالحه ، بدعوى أن له أصول من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال ، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين وبين الأدعياء ، مع أنه قد مرت عصور كاملة ، وقرون تامة ، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية ، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله ، فهل جميع أولئك على ضلالة ، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك ، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية ، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة ، ( 14 ) أمر خطير يمثل ضرب للمرجعية العلمية لتخصصات أهل السنة والجماعة ، ألا وهو اعتماد كلام ابن تيمية وكأنه - وحده - المتحدث الصحيح عن كافة طوائف أهل السنة والجماعة ، واختزال آراء من خالفوه في كثير من المسائل ، وكانوا وقتها يمثلون جمهور أمة الإسلام بمن فيهم الحنابلة ، وقد تقدم بيان المفردات الحشوية التي تسربت إليه ، ( 15 ) يرى هؤلاء أنّ منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة ، مع أنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر ابن تيمية ومدرسته ، وهكذا تم اختزال كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء ، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية الاخرى - والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام - ، بل وقياس قربهم وبعدهم عن أهل السنة والجماعة بهذه المقاييس الانحيازية ، مما يمثل خطرا على سعة الدين واحترام تخصصاته العلمية ، لقد دخل هؤلاء بسبب تلك التصورات الخاطئة في صراعات كبيرة مع بقية طوائف اهل السنّة والجماعة ، وزاد الطين بلة أنّهم تصوروا أنهم الأوصياء على الجميع ، فما فهموه هو الإسلام وهو الهدى والرشاد ، وما عارضوه فهو الضلال ، فشددوا النكير على المخالفين ، وصارت علاقتهم مع غيرهم من المسلمين علاقة التبديع والتاثيم والتفسيق ، إنّ هؤلاء الحشويين المتمسلفين في أمس الحاجة إلى مراجعات عقائدية وفقهية وتزكوية صحيحة ، وإلى مراجعات علمية وعملية جادة من أجل العودة إلى جادة الطريق وحمل لواء السلفية الحقة التي لا غنى للمسلمين عنها وعن بركاتها ، تلك السلفية الواعية التي تحيط بالإسلام من كافة جوانبه باعتدال وتوسط تميز به فهم الصحابة والتابعين ، وتلك السلفية التي تعي وتدرك أهمية احترام التخصصات العلمية العقائدية والفقهية والأخلاقية التي حبى الله تعالى بها أهل السنة والجماعة أهل الحق الزلال دون سائر الفرق ، وبعد فهذا ما تيسر في إجابة السؤال ، والله تعالى أعلم ورسوله ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،
***
كتبه الراجي رحمة ربه الرؤوف الرحيم
مجدي محمد علي
حاصل على الشهادة العالمية ( الماجستير ) في العلوم الشرعية الإسلامية
للتحميل المباشر من هنامذهب أهل الحشو في الإيمان.rar
ليس لديك الصلاحية لمشاهدة المرفقات

العودة إلى “منتدى علم الإيمان”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد