بيان حدود طاعة الحاكم المسلم وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم

المشرفون: مشرف المنتدى، webmaster

مشرف المنتدى
مشاركات: 427
اشترك في: السبت يناير 09, 2016 11:42 pm

بيان حدود طاعة الحاكم المسلم وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم

مشاركةبواسطة مشرف المنتدى » الأربعاء مارس 30, 2016 3:34 pm

بيان حدود طاعة الحاكم المسلم وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : أقول وبالله التوفيق :
( أولا ) : ما هي حدود طاعة الحاكم المسلم : حدود طاعة الحاكم المسلم متعلقة بالاستطاعة وبالطاعة في غير معصية ، والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر وحتى في حالة الأثرة والظلم تجب طاعة الحاكم فيما ليس من معصية الله ، واسداء النصيحة له بإخلاص ، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته ، ( أ ) الاستطاعة : لقوله تعالي: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16] ، ولما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : (( ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع )) [أخرجه مسلم : ح ( 1844) ] ، ( ب ) الطاعة في غير معصية : لما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955)، ومسلم ح (1709) ] ، فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ، ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث الذي أخرجه مسلم : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ، ( ت ) الصبر على المكروه : للحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما : (( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتة جاهلية )) [ متفق عليه (صحيح البخاري برقم 7053 وصحيح مسلم برقم 1849) ] ، ( ث ) الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وحتى في حالة الأثرة عليه وظلمه وأخذ ماله وجلد ظهره ، للحديث المتفق عليه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056)، ومسلم (1843) ] ، وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا )) - إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية - ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم ((وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ )) ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، فهذا معنى البواح ، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط ، (( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) ، ولحديث مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ، ما كانوا مسلمين ، ( ج ) اسداء النصيحة له بإخلاص ، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته وعدم نزع اليد من طاعته ، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، وقد جعلت الشريعة بحكمة سياستها الشرعية ، أنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وضياع الأمن ومصالح المسلمين ، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين ، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين ،
ثانيا : ما هي حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم : إنّ من الفقه في الدين أن يعلم المسلم حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، فإذا كان إنكار منكر من جعلك الله تعالى ولياً لأمرهم كالأبناء ومن تعول يختلف عن إنكار منكر من لا تعول ومن ليس لك عليهم ولاية ، وهذا كذلك يختلف عن إنكار منكر أحد الوالدين مثلاً ، فإن لكل مقام مقال ، وقد جعلت الشريعة الحكيمة لكل عمل حكمه الخاص به ، والسياسة الشرعية الحكيمة جعلت اسداء النصيحة للحاكم بإخلاص ، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته وعدم نزع اليد من طاعته ، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، وأنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ، قال ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية : (( ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة ، ويحرم بغير ذلك ، فأما تخشين القول نحو : يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء ، قال القاضي : والذي أراه المنع من ذلك )) أهـ [ الآداب الشرعية ( 1/195-197 ) ] ، وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ص 64 ) ، (( ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها )) اهـ ، وقال الشوكاني في [ السيل الجرار (4/556 ) ] : ( ينبغي لمن ظهر له غلط في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد ، بل كما ورد في الحديث : أنه يأخذ بيده ويخلوا به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله ، وقد قدمنا : أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعني متواترة ، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ،ويعصيه في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) أهـ ، ( قلت ) : فإذا كان هذا كلامه في حق عامة أصحاب النفوذ ، فكيف بالسلطان ، ويؤيد ذلك : ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما [ البخاري : ح ( 3267 ) ، ومسلم : ح ( 2989 ) ] عن أسامة بن زيد ، أنه قيل له : ألا تدخل على عثمان لتكلمه ؟ فقال : ( أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم ؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه )) ، قال الحافظ ابن حجر في [ الفتح ( 13/52 ) ] ، قوله : (( قد كلمته سراً دون أن أفتح باباً )) ، أي باب الإنكار على الأئمة علانية ، خشية أن تفترق الكلمة ... وقال عياض : مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سراً ، فذلك أجدر بالقول. اهـ. ، وما أخرجه الترمذي في [ سننه : ح ( 2225 ) ] : قال : حدثنا بندار : حدثنا أبو داود : حدثنا حميد بن مهران، عن سعد بن أوس، عن زياد بن كسيب العدوى، قال : كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق -، فقال أبو بلال : انظر إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق ! فقال أبو بكرة : اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله )) ، قال الترمذي : حسن غريب اهـ ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (5/42 ) من الطريق نفسه دون ذكر القصة ولفظه : (( من أكرم سلطان الله في الدنيا، أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله في الدنيا، أهانه الله يوم القيامة )) ، وما أخرجه ابن أبي شيبة في [ المصنف ( 15/74- 75 ) ] ، وسعيد بن منصور في (( سننه ( 4/1660 ) )) عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، قال : قال عبد الله : (( إذا أتيت الأمير المؤمر، فلا تأته على رؤوس الناس )) ، ولله در الإمام النووي حيث يقول : ( التأدب مع الكبار، وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه، ولا يجاهرون فقد يكون في المجاهرة به مفسدة ) اهـ [ شرح النووي : 7/148] ،
ثالثا : كيف يكون الفقه السديد في إنكار المنكر على ولاة الأمور : الأمر الأول : الابتعاد عن الإنكار باليد ) : لا يجوز الانكار باليد ، لأن ذلك مخالف للسياسة الشرعية التي أمر بها الله ورسوله ، في قوله تعالى { فقولا له قولا لينا } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( فاسمع وأطع وإن .. )) ، ونظراً لما يترتب على ذلك من الضرر الكثير للمسلمين حكاما ومحكومين ، والضرر البالغ للدعوة والدعاة ، الأمر الثاني : إنكار العلماء يكون باللسان ، وباللين وبالحكمة والموعظة الحسنة ، وأن تكون النصيحة في إطار إظهار البيعة وعدم نزع اليد من الطاعة ، وإظهار الحرص على مصلحة الحاكم والرعية ، فإن كان السلطان من أصحاب البطش والقسوة، فحفظاً للعلماء ودرءا للفتنة ، ترجأ عملية الإنكار باللسان إلى أن يهيئ الله وضعاً يستطاع فيه الإنكار باللسان، وهذا لا يعني عدم الإنكار بالقلب، قال الإمام النووي : ((لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضا به، أو بأن لا يكرهه بقلبه، أو بالمتابعة عليه )) ، والمستفاد من كلام الإمام النووي أنه إن لم يجد الوقت مناسبا للنصيحة لا بأس بالسكوت مع الكراهية بالقلب والنية في إرجائها إلى الوقت المناسب ، الأمر الثالث : ضرورة إعلان الزهد في الرئاسة والبعد التام عن كل ما يشعر بذلك ، وذلك لأن الكثير من الحكام يعتقد أن هدف العلماء والدعاة هو السيطرة على مقاليد الحكم ، فلا ينتفع بالنصيحة بل على العكس يظنها وسيلة إلى زعزعت أركان حكمه ، يتخذ بسبب هذا الظن الخاطئ إجراءات عكسية ليست في صالح العلماء ولا الدعاة ولا أهل الإسلام عامة ، الأمر الرابع : ترك النصيحة في الملأ : وهو أصل عظيم، وقاعدة جليلة في الإنكار على أصحاب النفوذ ، وإذا كانت النصيحة أو الإنكار في الملأ من الأمور المكروهة عند عامة الناس ، فهى أشد كراهة في حق أصحاب النفوذ، وهى أكثر شدة عليهم ممن عداهم ، فلا ينبغي النصح في الملأ ، ولا أن تطول النصيحة ، ولابد وأن تكون بألين عبارة ، وأوجز خطاب وأحسن أسلوب ، الأمر الخامس : عدم التعالم وإظهار أنه أفضل وأعلم وأتقى من الحاكم ، فينبغي أن تخرج النصيحة مخرج المذاكرة والتعريض ، ولا مخرج التعليم والإفادة ؛ لأن المعلم أفضل وأعلى من المتعلم ، فلا ينبغي وضع الحاكم في تلك الصورة التي تظهر كانه تلميذ لدى معلمه ، فهذه حالة ينبغي إجلال السلطان عنها ، فإن ظهر منه خطأ أو زلل، في قول أو عمل ،لم يجاهر بالرد ، وعرض باستدراك ذلك ، وإصلاح خلله ، مراعاة منه لإجلال السلطان ، ( الأمر السادس : ترك التخشين في الموعظة ) : فإن الواعظ لن يكون خيرا من موسى وهارون ، والموعوظ لن يكون شرا من فرعون ، ومع ذلك لما بعثهما إلى فرعون قال لهما : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر و يخشى } ، قد يكون العالم أو الداعية يطمع في أجر حديث : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ )) [ أخرجه الترمذي ، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1 / 886 ، ح رقم 491) ] ، ولكن الفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط : ( الضابط الأول ) : أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية ، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات ، ( الضابط الثاني ) : الهدي القرآني في معاملة الحكام ، قال تعالى - آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام - : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ( الضابط الثالث ) : منطوق الحديث وفيه ((كلمة عدل عند )) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان ، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب ، وتقويض دعائم الحكم وهيبته ، ( الضابط الرابع ) : أن تكون كلمة حق صادقة ، قالها انتصاراً لدين الله تعالى ، خالصاً لله وحده ، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته ، ( الضابط الخامس ) : منطوق الحديث (( كلمة عدل )) أو في الرواية الثانية (( كلمة حق )) ، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه ، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة ، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله ، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته ، ( الضابط السادس ) : قائل الحق المجرد من أهواء النفس إن سلمت له الضوابط السابقة ، إن كان يلحق بالدين او بالمسلمين غيره مفاسد عظيمة بسبب إنكاره ، كأن ينتقم الحاكم من طائفة من المسلمين بسببه ، وآنذاك لا يكون جهره بالحق جائزا ، بل له أن يُسر النصيحة إلى الحاكم دون الجهر بها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ )) [ أخرجه أحمد (15333) ] ، كما أخرج البخاري ومسلم عن أبي وائل ، قال قيل لأسامة رضي الله عنه : (( أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ ؟ فَقَالَ : أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ )) [ متفق عليه : أخرجه البخاري (3267)، ومسلم (2989) ] ، ولهذا قال الإمام ابن الجوزى : ((الجائز من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع السلاطين التعريف والوعظ، فأما تخشين القول، نحو يا ظالم، يا من لا يخالف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها إلى الغير لم يجز ، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عند جمهور العلماء )) [ الآداب الشرعية 1/197 ] ، ( الأمر السابع : اختصار الموعظة ) : نقل ابن مفلح عن كتابه (( الآداب الشرعية )) ( أنه يستحسن مع الرؤساء الإيجاز والاختصار ؛ لأن الإكثار يضجرهم حتى ربما يصيرهم إلى استقباح الحسن )) أهـ [ الآداب الشرعية 1/393 ] ، ذلك لأن كثرة انشغالهم بأمور الرعية، وما يتهددهم من مخاطر داخلية وخارجية ، ومتابعتهم للمسؤولين على مرافق البلد لا يجعل لهم متسعاً من الوقت للإصغاء للمواعظ المطولة والتي يغلب عليها الطابع الإنشائي أكثر من أي شيء آخر ،
رابعا : جمهور علماء أهل السنّة والجماعة لا يرون الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر : نسب النووي إلى أهل السنّة والجماعة الإجماع على تحريم الخروج على الحكام ، وإن كانوا فسقة ظالمين ، قال النووي في شرح حديث (( إلا أن تروا كفراً بواحاً )) : ( ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ، إلى أن قال : قال القاضي وقيل إن هذا الخلاف كان أولا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم : ج 12 : 229 ] ، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : - في شرح حديث حذيفة في لزوم الجماعة - ( وقال بن بطال فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم ولم يقل فيهم تعرف وتنكر كما قال في الأولين وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة ) أهـ [فتح الباري (13/ 37)] ، وقال في ترجمة الحسن بن صالح : ( وقولهم (كان يرى السيف) يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم ، لكن أستقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه؛ ففي وقعة الحرة ووقعة بن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر". [ تهذيب التهذيب (2 / 288) ] ، ( قلت ) : مستند الإجماع في ذلك كتاب الله تعالى ، والكثير من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وقد سبق ذكر مستند أدلتهم من كتاب الله تعالى ، ومنها : قوله تعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } ، قال ابن عطية في تفسير هذه الآية : ( لما تقدم إلي الولاة في الآية المتقدمة – يشير إلي قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً } تقدم في هذه إلي الرعية فأمر بطاعته – عز وجل -، وهي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله وطاعة الأمراء على قول الجمهور، أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم ... )) أهـ [ المحرر الوجيز : 4/158 ] ، وقال النووي – رحمه الله تعالي - : ( المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل : هم العلماء ،وقيل : هم الأمراء والعلماء )) أهـ [ شرح النووي على مسلم : 12/223 ] واختلف أهل العلم – رحمهم الله تعالي – في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية فذهب جماهير أهلا لعلم – كما تقدم – إلي أنها في الأمراء وذهب بعض أهل العلم إلي أنها في أهل العلم والفقه وقال آخرون : هي عامة تشمل الصنفين. قال ابن جرير الطبري – رحمه الله تعالي – في تفسيره : ( 5 : 150 ) : ( وأولي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة .. إلي أن قال: فإذا كان معلوماً أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } بطاعة ذي أمرنا كان معلوماً أن الذين أمر بطاعتهم – تعالي ذكره – من ذوي أمرنا هم الأئمة من ولاة المسلمون دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضاً القبول من كل من أمر بترك معصية ودعا إلي طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيها أمر ونهي فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية فإن على من أمروا بذلك طاعتهم وكذلك في كل ما لم يكن لله فيه معصية. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماًً بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره ) أهـ ، وهذا الذي رجحه ابن جرير هو اختيار البيهقي – رحمه لله – وقد احتج له بحجة أخري ، فقال : ( الحديث الذي ورد في نزول هذه الآية دليل على أنها في الأمراء ) أهـ [ الجامع لشعب الإيمان للبيهقي : 13/41 ] ، وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الشافعي قوله : ( كان من حول مكة من العرب لم يكن يعرف الإمارة وكانت تأنف أن تعطي بعضها بعضاً طاعة الإمارة ، فلما دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالطاعة لم تكن تري ذلك يصلح لغير النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر ) أهـ [ العجاب في بيان الأسباب : 2/898 ] ، وقد سبق ذكر أكثر من عشرين حديثاً صحيحاً جميعها يدل على وجوب الصبر على جور الحكام ما كانوا مسلمين ، كحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وحديث حذيفة رضي الله عنه : (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، إذن هذه هي السياسة الشرعية التي ليس المقصد منها مداهنة الحكام ، أو تبرير أخطائهم ، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين ، معاذ الله ، فهذه سياسة النبي صلى الله عليه وسلم الشرعية التي المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به قواعد الشريعة التي تراعي مصلحة الدين على الدنيا ، ومصلحة الجميع على الأفراد ، فإن معاداة الحكام - كما هو مجرب - لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ، وأيضا : حديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، وأيضا حديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها : (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، وأيضا حديث وائل بن حجر رضي الله عنه : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وأيضا حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ،
خامسا : ما هي ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام : [ 1 ] : يحرم الخروج على حكام المسلمين إلا بشرطين واضحين : الأول : الردة ، و الثاني : توفر القدرة ، ( الشرط الأول ) : ( الردة ) : أن نعلم علم اليقين أن ولي الأمر وقع في كفر بواح عندنا فيه من الكتاب والسنّة برهان ؛ وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، فيه : (( وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056)، ومسلم (1843) ] ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( إلا أن تروا )) ، والمراد بالرؤية هنا : العلم اليقيني ، أما مجرد الظن ، فلا يجوز معه الخروج عليه ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( كُفْرًا بَوَاحًا )) : أن نعلم أن الذي وقع فيه ولي الأمر (( كفرًا بواحًا )) أي: صريحًا بيِّنًا ظاهرًا معلنًا لا يحتمل التأويل ، وهذا الكفر البواح لا يكون إلا كفراً أكبر ، وليس كفراً دون كفر أو فسوق أو عصيان ؛ قال النووي في الحُكَّام : (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ) أهـ ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) : أي دليل قاطع على أن هذا الفعل كفر أكبر متفق على تكفير فاعله ، عندنا فيه من الله تعالى برهان ، بأن يكون دل عليه الكتاب أو السنة أو الإجماع ؛ لقوله: " عندكم فيه من الله برهان" ، هذا ما يتعلق بالشرط الأول ، أما الشرط الثاني : أن تكون عندنا ( القدرة ) على إزاحته ، وهذا الشرط لم يذكر في حديث عبادة ، ولكنه يؤخذ من عموم النصوص الدالة على تحريم قتل النفس بغير حق ، وتحريم إلقاء النفس في التهلكة ، كقوله تعالى: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ، وقوله تعالى: { وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ، لأنه إذا لم يكن لدينا القدرة على إزاحته قضى علينا ، فيكون الخروج عليه حينئذٍ من إلقاء النفس في التهلكة ، وعموم النصوص التي تدل على اشتراط القدرة ، كقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا } [ التغابن : 16 ] ، وما جاء في معناها ، فإن عدمت القوة ، وجب الإعداد لها لقوله تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] ، كما أنّه قد أجاز الشرع الحكيم الخروج على حكام المسلمين الظالمين والفاسقين ، بشرطين آخرين هما ترك الصلاة ، وتعطيل إقامة الصلاة في الجماعات ، ودليل الشرط الأول ( ترك الصلاة ) ، ما أخرجه مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، ودليل الشرط الثاني : ( تعطيل إقامة الصلاة في المساجد والجماعات ) ، ما أخرجه مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله ، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ، وقد نقل الإمام النووي الإجماع على ذلك - كما تقدم - فقال : ( وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث على ما ذكرته ، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ) أهـ [ شرح النووي : 12/229 ] ، ونقل الحافظ ابن حجر - أيضاً - الإجماع على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم ، فقال : ( قال ابن بطال : وفي الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار ، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه ، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ) أهـ [ فتح الباري : 13 : 7 ] ، وقال الإمام الشوكاني : ( ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث: أن يأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة ولا يذل سلطان الله ، وقد قدمنا في أول كتاب السير: أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ، ولم يظهر منهم الكفر البواح، والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة ، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ، ويعصيه في معصية الله فإنه (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) [ السيل الجرار : (4/556) ] ، [ 2 ] : أحكام الخروج على الحاكم المرتد : الحاكم الكافر الأصلي ليس له سمع ولا طاعة ؛ إذ لا ولاية له بإجماع المسلمين ، إذ السمع والطاعة لا تكون إلا للإمام المسلم ، والكافر أو المنافق الذي يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادا لا طاعة له ولا سمع ، قال الله تعالى : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } [ النساء : 141 ] ، وإذا كان الله سبحانه لم يجعل للكافر على ابنته إذا أسلمت ولاية ولا سبيلا ، فلا يعقد نكاحها ، ولا يحل له ميراثها ، ولا يتصرف في مالها ، فكيف يكون له ذلك على الأمة كلها يتصرف في دمائها وأرضها وشئونها ؟ فإذا كفر الإمام كفراً بواحاً ، وارتد عن دين الإسلام ، فقد أجمع الفقهاء على سقوط إمامته وطاعته، بل ووجوب الخروج عليه وخلعه ، إذ المقصود من الإمامة أصلا إقامة الدين، وسياسة الأمة به ، وقد نقل هذا الإجماع كثير من العلماء كالقاضي عياض ، نقله عنه الإمام النووي في شرح مسلم : قَالَ الْقَاضِي : ( فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه قال ولا تنعقد لفاسق ابتداء فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب ) [ شرح النووي على مسلم (12/ 229 ) ] ، وقال الحافظ ابن حجر : ( إنه - أي الإمام - ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض ) [ فتح الباري لابن حجر (13/ 123 ] ، وقال أيضا : ( وقد أجمعوا أنه أي الخليفة إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنه يقام عليه واختلفوا إذا غصب الأموال وسفك الدماء وانتهك هل يقام عليه أو لا ) [ فتح الباري لابن حجر (13/ 116 ] ، وقال العيني : ( وقد أجمعوا على أنه إذا دعا إلى كفر أو بدعة يقام عليه، وإن غصب الأموال وانتهك الحرم فاختلف فيه: هل يقام عليه ؟ فقال الأشعري مرة: نعم، ومرة: لا ) [ عمدة القاري شرح صحيح البخاري (16/ 74 ] ، وعليه : فإن ارتكب الحاكم كفراً بواحاً ظاهراً لا خفاء فيه ، وتوفرت شروط الخروج والتكفير ؛ فإنه يجب القيام عليه، وليس له سمعٌ ولا طاعةٌ، ومن شروط الخروج عليه القدرة ، وعدم حصول مفسدة أكبر من مفسدة بقائه ، والترجيح بين المفاسد والمصالح من مهمات العلماء بل خاصة أهل العلم ، وقد تقدم أنّ الخروج له شروط : الشرط الأول : أن يكون الحاكم قد كفر كفراً بواحاً ، ولا يحتمل التأويل وكفرا واضحا جليا مثل الشمس وهذا يبينه أهل العلم ، والشرط الثاني : أن يكون عند الخارجين عليه القدرة على إزالته ، الشرط الثالث : أن لا يتضرر المسلمون من هذا الخروج ، الضرر البالغ لأنه إن تضرروا ستكون المفسدة أكبر من المصلحة وهذه كما بيَّنها أهل العلم ، وبعد فهذا ما تيسر في إجابة السؤال ، والله تعالى أعلم ورسوله ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،
كتبه الراجي رحمة ربه الرؤوف الرحيم
مجدي محمد علي
حاصل على الشهادة العالمية ( الماجستير ) في العلوم الشرعية الإسلامية
للتحميل المباشر من هنابيان حدود طاعة الحاكم المسلم وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم.rar
ليس لديك الصلاحية لمشاهدة المرفقات

العودة إلى “منتدى السياسة الشرعية”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد