جديد الموقع

السؤال الثالث وإجابته وهو يدور حول أهم أسس ومنطلقات التجديد العلمي الإسلامي


الثلاثاء, 15 آذار/مارس 2016 18:52

السؤال ( 3 ) : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : تكلمتم عن حديث التجديد ، وبيان المقصود من التجديد ، وبيان أهم جوانب التجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ منها التجديد العلمي وإصلاح الخلل العلمي في الأمة ، فما هي أسس ومنطلقات ولبنات هذا الإصلاح العلمي المنشود ،  أفتونا مأجورين ؟

الجواب ( 3 ) : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : أقول وبالله التوفيق :  فإنّ أهم أسس ومنطلقات ولبنات الإصلاح العلمي المنشود تتمثل في : هذه الأسس والمنطلقات واللبنات : ( اللبنة الأولى ) : راية التجديد الإسلامي لا تكون إلا راية أهل السنة والجماعة الناجية  ، و ( اللبنة الثانية ) : تحديد المرجعية العلمية الصحيحة ، ومعرفة المدارس العلمية المتخصصة في أبواب العلم على منهاج أهل السنّة والجماعة ، ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف ، و ( اللبنة الثالثة ) : تحديد الإطار المعاصر لأهل السنّة والجماعة ، وبيان حلقات العلم المفقودة بين تلك الطوائف ، و ( اللبنة الرابعة ) : إصلاح أخطاء طوائف أهل السنة والجماعة المعاصرة وأهمها : إصلاح أخطاء السلفية ، وإصلاح أخطاء الصوفية ، وإصلاح أخطاء السنّية ،

[ اللبنة الأولى من لبنات التجديد العلمي : راية التجديد الإسلامي لا تكون إلا راية أهل السنة والجماعة الناجية ] :   [  1  ] صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، فقد أخرج أحاديث الافتراق ورواياته المتعددة جم غفير من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد في مسنده والأئمة أبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن والحاكم في المستدرك والهيثمي في مجمع الزوائد والبغوي في شرح السنة ، وابن حجر في المطالب العالية والسيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور ،  وقد صحح روايات هذا الحديث جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي والألباني وغيرهم من المحققين كثير ، وعلى ذلك فالخبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في افتراق الأمة ثابت صحيح معتبر عند أهل السنة والجماعة ، ذكر ابن تيمية أنه حديث صحيح مشهور ، وذكر السيوطي أنه حديث متواتر والتواتر هو أعلى درجات الصحة والتوثيق ، وقال الألباني : قد تبين بوضوح أن الحديث ( أي حديث الافتراق ) ثابت لا شك فيه لذلك تتابع العلماء خلفاً عن سلف على الاحتجاج به " [ انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ج1 ص 359 إلى 361 ] ،  ومن روايات الحديث الدال على افتراق الأمة : ما أخرجه الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان والحاكم والسيوطي وغيرهم ، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 356 وصحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وما أخرجه الترمذي : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي كتاب الإيمان 5/ 26 ، وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي ح2 ص 334 وقال : الحديث حسن ح (2129 ) ] ، وأخرج أبو داود  عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود كتاب السنة 4/198 وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ح ( 204 ) 1/358 ، وفي صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ، وما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : (( إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة )) [ أخرجه الإمام أحمد في المسند 3/145 وابن ماجه في السنن 2/1322 ، وذكره الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/364 وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة وقال : لحديث أنس طرق كثيرة … وسنده حسن في الشواهد- سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/359 ] ، وبعد : فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ، وفي الباب روايات عديدة أخرى عن جم غفير من صحابة النبي – صلى الله عليه وسلم – منهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأبو الدرداء وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله ، وأبو أمامة ، وواثلة ابن الأسقع وغيرهم كثير والحديث قد صححه جم غفير من أهل هذا العلم منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي وهذا ما دعا الألباني إلى القول : " … فقد تبين بوضوح أن الحديث ثابت لا شك فيه ولذلك تتابع العلماء خلفاً عن سلف على الاحتجاج به ، حتى قال الحاكم في أول كتابه المستدرك ، إنه حديث كبير في الأصول ، ولا أعلم أحداً قد طعن فيه إلا بعض من لا يعتد بتفرده وشذوذه " أهـ [ انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/361 ] ،   [  2  ] : بداية ظهور الفرق الضالة : لبث النبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثته قرابة ثلاث وعشرين عاما بين ظهراني أصحابه رضي الله عنهم يعلمهم ما يقيم لهم الفهم الصحيح المرتضي المحيط بكافة جوانب الدين وجميع عراه ، ولم يكن الصحابة في وجود النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى اجتهاد في أصول مسائل العقيدة لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان المرجع الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى عند كل خلاف ، ولأنّه لم تكن هناك فرق ضالة يحتاج المسلمون إلى الرد عليها  ، فكانوا جميعاً على قلب رجل واحد خلف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ظل الحال على الخيرية والصفاء طيلة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، وزمان أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وردحاً من زمان عثمان رضي الله عنه ، والفتنة آنذاك نائمة وبابها موصد وطريقها مغلق ، والصحابة جميعا على كلمة سواء ، ولما كان من سنن الله تعالى الكونية أنه ليس بعد التمام والكمال إلا النقص، فقد شاءت حكمة الله تعالى أن تضطرم الفتنة على آخر عهد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وتولي كبرها وإثمها غوغاء الأمصار وصفاؤهم، وأدت تلك الفتنة إلى مقتل الخلفة الراشد عثمان رضي الله عنه مظلوما شهيدا مبشرا بالشهادة وبالجنة ، واتجهت الأنظار بعد مقتله رضي الله عنه إلى الأمام علي رضي الله عنه ، وبويع بالخلافة ليصبح رابع الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالعض بالنواجذ على سننهم ، ولم تهدأ الفتنة بعد مبايعة الإمام علي بالخلافة إذ سيطر الغوغاء والسفهاء على جيشه ولم يستطع أن يقتص لدم عثمان رضي الله عنه ، فطالبه الصحابيان المبشران بالجنة الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما بدم عثمان وخرجا إلى البصرة مخالفين له فخرج إلى البصرة وقابلهما وتكلم معهما فرجعا عن خلافهما معه وخرجا من عنده راضيين ، إلا أن الغوغاء والسفهاء قتلوهما غدرا وغيلة مخافة أن يجتمع أمر الصحابة جميعا على القصاص لدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله وهم قتلته ، وكانت قد خرجت مع طلحة والزبير رضي الله عنهما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقصد الإصلاح بين الناس، ولكن بعد مقتل الزبير وطلحة رضي الله عنهما غلبها السفهاء والغوغاء على رأيها وخالفوا أمرها وقاتلوا جيش الإمام علي رضي الله عنه ظنا أنه هو الذي أمر بقتلهما ، وكان من موقعة الجمل ما كان ولولا سفهاء الطرفين ما كانت فتنة ولا قتال ، ولما اختلف صحابي مع أخيه فضلا عن قتاله ، ثم ما كادت تهدأ تلك الفتنة حتى تجددت المطالبة بدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وكان معاوية رضي الله عنه هو المطالب بدم عثمان بن عفان هذه المرة ، وذلك لقرابته من الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه ، والامام علي رضي الله عنه آنذاك لم يستتب له أمر جيشه وذلك لكثرة الغوغاء والسفهاء فيه فكان يريد المهلة حتى يستتب له الأمر ثم يأخذ بدم عثمان رضي الله عنه، ولكن معاوية رضي الله عنه لم يمهله وأصر على طلبه لدم الخليفة عثمان رضي الله عنه وقد كان له وجه اجتهاد ولكنه اجتهاد خاطئ وبغي على الإمام الحق ،  والحق كان أقرب إلى الخليفة الرابع الراشد علي رضي الله عنه ، وظل الخلاف حتى كانت موقعة صفين وكان فيها ما كان ، وأدنى الطائفتين وأقربهما إلى الحق طائفة الإمام الراشد على رضي الله عنه ، والبغي من نصيب الطائفة الأخرى ، وللصحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم حُرمة عظيمة ، لا يتعداها إلا ضال ، وجميعهم أكابر وأخطاؤهم مغمورة في بحر حسناتهم ، ولا يحق لمن جاء بعدهم إلا ما جاء في قوله تعالى - بعد ذكر فضائل المهاجرين والأنصار - : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  } [ الحشر : 10 ] ، وهكذا وجدنا الإمام علي رضي الله عنه بين تأديب السفهاء والقصاص لدم عثمان رضي الله عنه وبين المطالبين بدم الإمام عثمان رضي الله عنه، وهو أشد ما يكون حرصا على وحدة الأمة ووحدة صفوفها، فإذا بالفتنة الحقيقية تطل برأسها متمثلة في ظهور ( الخوارج ) وخروجهم عليه ، وكانت أول فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ ، وهؤلاء الخوارج انتقصوا من الإمام علي وكفروه وخرجوا عليه بعد (صفين) محققين ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من خروج هؤلاء الضالين الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وقاتلهم الإمام علي رضي الله عنه وسن للأمة من بعده إحكام التعامل مع هؤلاء ، وبحمد الله تعالى قتل الكثير منهم وتحققت على يديه بشارة النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى النقيض من هؤلاء الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه ظهر ( الروافض ) وكانوا بمثابة ثاني فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ ، وهؤلاء الروافض غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه ، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه ، حيث قدموه على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما تقديم تنقيص لهما واتهام لهما بظلمه وسلب الخلافة منه وهو الأحق بها ، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض) ، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان ، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه ، ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما ، وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وبعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة ، ومن ساعتها بدأ تمايز أهل الطائفة الظاهرة المنصورة والفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة) ، ( فأهل السنة ) : لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، واجتماعهم على تقديم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان على الخليفة الراشد علي، والترضي عنهم جميعا ، رضي الله عنهم وأرضاهم ، وذلك في مقابل الشيعة الذين خالفوا هدى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم ، والذين قدموا الإمام علي رضي الله عنه على الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا ، تقديم تنقيص واتهام لهما بسلبه حقه ، مخالفين بذلك إجماع الصحابة على تقديم الشيخين واتفاقهم على تقديم الخليفة الراشد عثمان على الخليفة الراشد علي رضي الله عنهم جميعا ، ثم لم يكتف هؤلاء الضالة بذلك ، حتى وقعوا في الصحابة وسفهوهم ، ثم آل بهم الغلو إلى تكفير الصحابة والحكم بردتهم جميعا إلا قليلا ، ( وأهل الجماعة ) : لاجتماعهم على الحق ولزومهم طاعة أولي الأمر وأئمة المسلمين وخلفائهم وحكامهم ما كانوا على الإسلام وأقاموا شرع الله تعالى ، وتحريم الخروج عليهم بالسيف إلا لكفر بواح للمسلمين فيه من الله تعالى ، وذلك في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي رضي الله عنه وقتلوه واستحلوا دماء المسلمين وأعراضهم من خلفه ،  [  3  ] : تمايز أهل السنّة والجماعة عن الفرق الضالة :  إنّ بداية ظهور وترسيخ هذا القب (أهل السنة والجماعة) ، كان مقترنا مع تصالح سيد شباب أهل الجنّة الحسن بن علي رضي الله عنهما مع معاوية رضي الله عنه ، وتنازله بالخلافة له ، حتى يصلح بين المسلمين ويجمع كلمتهم ، ومن ساعتها بدأ تمايز ( أهل السنة والجماعة ) الذي تمسكوا بالسنة في مقابل الروافض الذين تمسكوا بالبدعة والضلالة، والخوارج الذين تمسكوا بالبغي والعصيان والخروج والفرقة ، ومع اجتماع أهل الحق الخالص (أهل السنة والجماعة) ظل الخوارج والروافض تتجارى بهم الأهواء والبدع والضلالات، وهم على قلتهم كما تمادى بهم زمان اختلفوا وانقسموا فيما بينهم إلى فرق داخل الفرق وأهواء داخل الأهواء كلها يخالف بعضه بعضا ويرميها بالكفر والمروق من الدين ، وهذا شأن أهل البدعة والضلالة والباطل وصدق الله تعالى حيث يقول : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، فشأن الحق أهله مجتمعون عليه، وشأنه الباطل أهله منقسمون عليه متنازعون فيه والله تعالى يقول : {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [ الانعام : 159 ] ، فالخوارج انقسموا إلى قريب من عشرين فرقه كلها يكفر بعضها بعضا وسائر المسلمين ، والشيعة انقسموا فيما بينهم إلى قريب من ثلاثمائة فرقة لكل مقال يخالف بعضها بعضا ويرميها بالكفر والضلال ، ولم ينته الأمر إلى ظهور الخوارج والروافض ، فقد امتد الزمان ببعض الصحابة حتى ظهرت ( القدرية ) ، وانقسموا بعد ذلك إلى فرق ضالة تكفر بعضها بعضا ، وعلى النقيض منهم ظهر الجهمية الجبرية وفتحوا بابا عريضا نحو الانحلال والزندقة والاحتجاج على الله تعالى بالمعاصي، وعلى النقيض من الخوارج ظهر المرجئة كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوه إيمان العصاة كإيمان الملائكة وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب ، وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية ، وهما ( المعتزلة ) و ( المجسمة ) ، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس ، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس ، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم ، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار ، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه ، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله ، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس ، واستدلوا بالضعيف والموضوع ، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات ، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار ، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين ، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة ، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة ، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم ، وامتزجت علومهم ، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام ، ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل التقديس والتنزيه ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الله تعالى وحق أنبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول ، صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي المدرسة ( الأثرية ) ، وعليها الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، والمدرسة ( الأشعرية ) ، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، والمدرسة ( الماتريدية ) ، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، وبمرور العصور توالت ظهور الفرق الضالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة ، وظل أهل الحق خالص (أهل السنة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنة متمسكون فكانوا على مر العصور الطائفة المنصورة والجماعة الناجية فلله الحمد والمنة والفضل والثناء الحسن أن جعلنا في زمرة أهل الحق بعيدين كل البعد عن اهل الأهواء والبدع والضلالات ، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان والفرقة ،  [  4  ] : كم كان بحمد الله تعالى اختيار أئمة الحق لهذا اللقب (أهل السنة والجماعة ) كدليل على الطائفة الناجية الظاهرة بالحق وعلى الخلق حكيما موفقا ، ( فالسنة ) كما ذكرنا لأنهم أهل السنّة ، العالمون بها والمتمسكون بهديها ، وغيرهم على البدعة والضلالة ، نعوذ بالله من الخذلان ، ( والجماعة ) لأنهم مجتمعون على الحق ، ومن دونهم على باطلهم متفرقون وعلى الأمة بغاة خارجون مفرقون شملها وكلمتها ،  ولذلك كان لقب الفرقة الناجية (أهل السنة والجماعة) علامة على حالهم ، ووصف دقيق لأجل صفاتهم وسماتهم ، ورسم قويم لمناهجهم ، وفي المقابل أهل البدع والأهواء وأهل البغي والخروج والإثم والعدوان ، وكان بحمد الله تعالى اختيار هذا اللقب بتقدير من الله تعالى وتوفيق،  فلله الحمد والمنة والفضل في ذلك التوفيق ، ومع توالي ظهور الفرق الضالة ، وتنازع أهلها ببدعهم المنكرة وأهوائهم الضالة، استعمل سلفنا الصلح من التابعين وتابعيهم بإحسان لقب (أهل السنة والجماعة ) دلالة على أهل الحق الخالص، أصحاب الفرقة الناجية والطائفة الظاهرة المنصورة، في مقابل أهل الفرق الضالة وأصحاب البدع المنكرة ،  [  5  ] : أهل السنّة  والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين الفرق الضالة : أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه ، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه ، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب الإيمان بجناب ذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه ، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة  وآل البيت رضي الله عنهم  بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض ، ( أولاً ) : وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر : بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه ، فالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة جميعهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً ، فأما الخوارج والمعتزلة فأدخلوا فيه عمل الجوارح ، ولهذا فالخوارج يعتبرون مرتكب الكبيرة كافراً ، والمعتزلة يسلبون منه مسمى الإيمان ، فيجعلونه لا مؤمناً ولا كافراً ، والجهمية والمرجئة يعتبرونه مؤمناً كامل الإيمان ، أما أهل السنّة والجماعة فهم يجعلون الإيمان منه ما نهو أصل ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ومنه ما هو واجب ، وضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان ، ومرتكب الكبيرة عندهم مسلم لا يزال في مرتبة الإسلام ، وهو عندهم مؤمن فاسق عاص ، مؤمن بأصل إيمانه فاسق بكبيرته ، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان الناقل من الكفر الأكبر إلى الإسلام كما تفعل الخوارج والمعتزلة ، ولا يصفونه بالإيمان الكامل كما تفعل الجهمية والمرجئة ، ( ثانيا ) : وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام القضاء والقدر : بين الجهمية والجبرية من جهة الغلو وبين القدرية والمعتزلة من جهة التفريط فيه ، فالجهمية والجبرية أفرطوا في القضاء والقدر، فنفوا فعل العبد أصلا، وجعلوا الإنسان مجبورا ليس له أي اختيار ، وقالوا الإنسان مجبور على عمله كالريشة في مهب الريح ، والقدرية  والمعتزلة فرطوا في القضاء والقدر، وقالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله وليس لله تأثير على هداية العبد أو على إضلاله ، أما أهل السنة والجماعة : فتوسطوا وجعلوا له اختيارا، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وقالوا: إن العباد فاعلون والله خالقهم وخالق أفعالهم، كما ذكر القرآن: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ }  ، وعندهم أنّ الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله ، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى ، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله ، كما في قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [ الصافات: 96 ] ، ولكن الله تعالى جعل للثقلين ( الجن والإنس ) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله ، له حرية الاختيار ،  وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار ، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال ، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار ، ولكن ليس معنى ذلك ، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء ، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه ، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره ، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره ، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد ، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان ، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده ، كما قال تعالى :  { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وعندهم أنّ من طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله ، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه ، والله تعالى يقول : { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] ، ( ثالثاً ) وسطية أهل السنًة والجماعة في باب التوفيق بين المعقول والمنقول : بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع ، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد ، أو حتى في تدبر وفهم النصوص المتعارضات ،  لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول ، ويتجنبون إفراط المعتزلة ، ويتجنبون تفريط المجسمة المشبهة، فمذهبهم في ذلك أوسط المذاهب ، يعرفون ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى في اطار صريح المعقول ، وليس المقصود به عقل الجاهل ولا عقل القاصر ، وإنما عقل العالم المتخصص الفاهم الفقيه ،  ثم يوفقون بينه وبين صحيح الشرع ، في توسط وفقه واعتدال حبى الله تعالى به أهل السنّة والجماعة دوناً عن أهل البدع والأهواء من أهل الإفراط والتفريط ، ( رابعاً ) وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه بين ( النواصب والخوارج(  وبين ( الرافضة ) ، فالنواصب قالوا : بفسق علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والخوارج قالوا : بكفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والرافضة قالوا : بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، أما أهل السنة والجماعة : قالوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة راشد وإمام عادل ، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء ، وقالوا أنّه يهلك فيه فريقان أحدهما يقصر عن فضله حتى يكفره ، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته ويكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم ، ( خامساً ) وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الصحابة بين ( الرافضة ) الذين يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , بل يكفرونهم إلا نفراً يسيراً  , وفي المقابل ( الخوارج ) يكفرون علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه ، أما أهل السنة والجماعة , فهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا ولا يكفرون أحد منهم , وإنما يؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم , ( سابعاً ) وسطية أهل السنّة والجماعة في باب آل البيت : بين الرافضة والنواصب ، فالرافضة يصلون ببعض آل البيت إلى درجه العصمة ، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور ، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم ، أما أهل السنّة والجماعة  فهم يحبون آل البيت جميعا ، ويوالونهم جميعا ، وكذلك لا يرضون لما نالهم من الأذى , ويحبونهم المحبة الشرعية التي جعلها الله تبارك وتعالى لسائر المؤمنين وزيادة لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم ،  [  6  ] : أهل السنّة والجماعة هم أهل التخصص العلمي في علوم الدين : إذ تطرق القرآن الكريم إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد ، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا  ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ،  وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها ، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص ،  فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه ، فنشأ علم النحو، وعلم أحكام التلاوة وعلم القراءات ، ثم احتاج الناس إلى معرفة  كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث ، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم  فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث ، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير ، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه، ، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه ، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد ( علم العقيدة وأصول الدين ) ، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم الزهد والتزكية وهو ما عُرف باسم ( التصوف ) ، وهذا على وجه الإجمال ، أمّا بعض التفصيل : ( احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه ) : فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين : مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها ، وظهرت داخلها علوم القراءات ، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل ، وصار أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، لا يشاركهم  في جمع القرآن وضبطه غيرهم من فرق الإسلام ، وجميع فرق المسلمين عالة عليهم في القرآن وعلومه ، وصار لهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، منها سبع قراءات مشهورة , وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون ، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض ، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية ، ( ثم احتاج الناس إلى الحديث ) ، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث : البخاري ، ومُسْلِم ، أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ،  والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج ، ويحيى بن سعيد القَطَّان ، وعبدالرحمن بن مهدي ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المَديني ، والإمام أحمد بن حنبل ، وأبو زرعة الرازي ، وأبو حاتم الرازي ، وابن أبي حاتم ، فهؤلاء وأمثالهم ومن جاء بعدهم من تلامذتهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث ، ( ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام ) فظهرت مدرسة الفقه ، وانتسب إليها طلاب العلم ، وعرفوا باسم الفقهاء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه ، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين (( مذاهب )) ولم تسمى (( فرق )) ، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية ؛ وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع : وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد ، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا ، والاختلاف فيها اختلاف تنوع وليس تضاد ، ولا يدخل في الاختلاف المذموم ، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين ، وهذه المذاهب الأربعة - بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة - صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، وهل يستطيع طالب علم - اليوم - أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة ، لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة ، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة ، ولكن آراء الصحابي أو العالم  لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه ، كما أنها لم تُخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا ، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط ،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه ، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها ، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام ، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة ، مع العلم بأنّها ( المذاهب الفقهية ) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم ، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي ، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة ، ( ثم استفحل أمر الفرق الضالة  ) والتي كان أهم أسباب ظهورها هو الجهل بالدين ، أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق ، ( فالخوارج ) جمعوا آيات في توحيد الحاكمية ، ولم يجمعوا إليها علمها الفقهي الذي يكون بمثابة الضابط لها ، ولم يحترموا المتخصصين فيها كالإمام على رضي الله عنه ، وحبر الأمة وفقيهها عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما ، وماذا كانت النتيجة كفّروهما وكفروا سادة الامة من الصحابة والتابعين خبر قرون الإسلام ،  واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم ، وكانوا كلاب أهل النار كما ورد بذلك الخبر ، مع أنّ جباههم تقرحت بسبب قيام الليل وطول السجود ، ( والشيعة ) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على فضل الإمام علي رضي الله عنه ، وفضل آل البيت ، ولم يجمعوا إليها الآيات والأحاديث الدالة على فضل الصحابة ومناقبهم ، ثم لم يحترموا تخصص أكثر الصحابة في السياسة الشرعية للأمة واختيارهم لخيرهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق رضي الله عنه - ليكون خليفة للمسلمين ، فانتقصوا من المهاجرين والأنصار الذين قام على أكتافهم بناء دعوة الإسلام ، ثم تعدوا ذلك إلى تكفير أكثرهم ، وبدأ الانحراف العقدي يزداد ميلا ، ( والقدرية ) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على مسؤولية الإنسان على أعماله ، دون النظر إلى غيرها من الأدلة على أنّه لا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاء الله ، فأنكروا القدر ، ولم يطلبوا العلم الوافي ولم يحترموا المتخصصين فيه أمثال عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما ، وكما قيل عنهم أرادوا أن ينزهوا الله تعالى عن الظلم ، فوصفوه بالعجز ، تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا ، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار ، ( والمعتزلة ) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس ، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس ، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار ، ( والمشبهة ) ، ( والمجسمة ) على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه ، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله ، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس ، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات ، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار ، ( ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة ، لبيان عقائد الفرقة الناجية ، والرد على الفرق الضالة ، فظهرت مدارس العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ) : وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم : الإمام أحمد ابن حنبل ، والإمام أبو الحسن الأشعري ، والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين ، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة ، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والجهمية والمرجئة ، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم ، وامتزجت علومهم ، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام ، ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل التقديس والتنزيه ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه ، ( ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) كمدارس متخصصة في العقيدة ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) كمدارس متخصصة في الفقه ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس : 9-10 ] ، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك")) [ أخرجه مسلم ] ، وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، والمهم المضمون في هذا الباب ، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن ، وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق ، والتصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس ، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان ، وعلى ذلك استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة : في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية ، والثانية : الأشعرية ، والثالثة : الماتريدية ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل هؤلاء ، وهم سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص ، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة ، [  7  ] : خلاصة القول : راية التجديد الإسلامي لا تكون إلا راية أهل السنة والجماعة الناجية : و ( أهل السنة والجماعة ) هم أهل السنة الذين يهتمون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم أشد اهتمام ، وهم أهل الجماعة يحرصون عليها أشد الحرص ، وهم في مجموعهم يمثلون سواد المسلمين الأعظم والذي قارب اليوم المليار وسبعمائة مليون مسلم على وجه الأرض يزيد أهل السنة والجماعة فيهم على نسبة الثمانين بالمائة ، وهم الذين ينتسبون إلى السنّة ويلقبون باسمها ، دون من تسمى بغير اسمها كسائر الفرق الضالة الشيعة والخوارج والإباضية والمعتزلة والمجسمة وغيرها ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) كل من اعتقد بصحة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، ويؤمنون بعدالة كل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ويحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) : أهل القرآن تلاوةً وتدبراً وفهماً وحفظاً وتفسيراً ، كلام الله تعالى الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم على سبعة أحرف ، وجمعه على تشكيل واحد الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه , ولهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة , وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون ، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض ، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية ، ورواية قالون في ليبيا تونس ، ورواية ورش في الجزائر والمغرب وموريتانيا ومعظم الدول الإفريقية ، ورواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) : أهل السنة النبوية يتمسكون بسنة وهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، يأخذون السنة من كتب السنة المعتمدة لديهم ، وأهمها صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن الأربعة : سنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه ، والموطأ والمسانيد كمسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرها كمصادر للاعتقاد والتشريع ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) أهل الفقه في الدين ، ويأخذون الفقه عن الأئمة الأربعة ، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس ، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تصل إلى اتقان تلك المذاهب الأربعة في أصول الفقه وفروعه ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) : أهل الفقه الأكبر في الدين ، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة ، والتفريق بين المحكم والمتشابه ، عملاً بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي المحكم تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم والفقه في الدين ، لأن المحكم أصل العلم ، { مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } ، وفي المتشابه : تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط ، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة والحشوية ، وبين الجهمية والمعتزلة ، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على : التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم ، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها ، وأما التصديق : فهو الإيمان بما قاله الله تعالى ، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق ، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم ،  وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته ، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته ، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه ، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر ، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة ، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه ، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، ثم لما كان الوقف - في الآية - محتملاً على لفظ الجلالة ( الله ) أو على قوله قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) ، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد ، اتسع إطار أهل السنة والجماعة - لحكمة من الله تعالى ورحمة - ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل ، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية ( لغة القرآن ) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل ، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم  ، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله ، وعلى ذلك استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، ( الأولى ) : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، و ( الثانية ) : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، و ( الثالثة ) : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي  حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة [ سيتبين هذا الأمر في الرسائل المتتالية القادمة إن شاء الله تعالى بما لا يدع مجالا للشك في هذه القضايا المصيرية المتعلقة بأهل السنة والجماعة ] ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين ، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، ومن أشهرها عند أهل السنة والجماعة الطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية والطريقة الدسوقية والطريقة البرهانية والطريقة القادرية والطريقة التيجانية ، وكلها تنتمي في أصولها العريضة إلى أهل السنّة والجماعة الناجية ، إلا من شذ ، ولا عبرة بالشاذ ، ونحن نتكلم على مجمل الداخلين في إطار أهل السنّة والجماعة الناجية إن شاء الله تعالى ، وبعد : فهذا هو الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة ، سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،

[ اللبنة الثانية من لبنات التجديد العلمي :  تحديد المرجعية العلمية الصحيحة ، ومعرفة المدارس العلمية المتخصصة في أبواب العلم على منهاج أهل السنّة والجماعة ، ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم تلك  المدارس العلمية للمتخصصة ، فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف ]  :  [  1  ] : إن الخطوة العملية الصحيحة الأولى نحو وحدة طوائف ( أهل السنة والجماعة ) على منهاج صحيح واحد هي : احترام التخصص العلمي الذي يؤدى حتماً إلى تقارب الصفوف وتكاملها ، ومعرفة المدارس العلمية المتخصصة في أبواب العلم على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وتحديد المرجعية العلمية إليها دون غيرها ، ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف ، أمّا تقديم مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية فهو أخطر الخطر لأنّ ذلك سيؤدي حتماً إلى الخلل والتنازع والاختلاف ، فإنّ العلوم الإسلامية ما أوسعها وما أكثر تخصصاتها ، ولهذا ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، فظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه : الاتقان في علوم القرآن ، وظهر المتخصصون في علم الحديث ، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل ، وعلم شرح الحديث وبيان معناه ، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح ، وظهر المتخصصون في الفقه ، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة ، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق ، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، وكان من ثمرة التخصص في العقيدة بعد ظهور الأئمة الثلاثة وتتلمذ العلماء على أيديهم نشأة ثلاث مدارس متخصصة في الأصول على منهاج أهل السنّة والجماعة لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، والمهم المضمون في هذا الباب ، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما ، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ،  [  2  ] : دين الإسلام يدعو إلى التخصص وإلى احترام التخصص :  قال تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [ التوبة : 12  ] ، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، واحترام التخصص العلمي والرد إلى المدارس المتخصصة في علوم الإسلام  واجب تحتمه تقوى الله تعالى لأنّ الذي يخاف الله تعالى لا يسأل إلا أهل العلم المتخصصين فيه خوف الخطأ ، وواجب يحتمه العقل السديد ، لأنّه قد جرت العادة أنّ الناس لا يسألون إلا أهل الخبرة والتخصص ، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه ، ومظانه عند أهل التخصص فيه ، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث ، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه ، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة ، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها ، وهكذا ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ،  [  3  ] : المصائب العلمية الناشئة عن عدم احترام التخصص :  عندما يفتي المحدث الغير دارس للفقه فيما يتعلق بمسائل الفقه والحلال والحرام يحدث الخلل ، وتأتينا المصائب ، وعندما يحكم الفقيه الغير دارس لعلوم الحديث على مدى صحة حديث ما يحدث الخطأ ، وعندما يتكلم الفقيه أو المحدث الغير دارس لقواعد التقديس والتوحيد في جناب ذات الله تعالى وصفاته ، تأتينا المصائب والكوارث ويحدث الخلل وننسب إلى الله تعالى ما لا يجوز نسبته إلى الله ، والعالم الرباني هو الذي يجمع أصول كل علم من تلك العلوم متطفلاً على المتخصصين فيه ، فيحرز نفسه من الوقوع في الخطأ ، ثم يتخصص في المجال الذي يحب ، أما ما نراه اليوم من الفوضى العلمية ، فنجد الرجل الموسوعة الذي يفتي في الحديث على أنّه حامل لواء التصحيح والتضعيف ، ويفتى في الفقه على أنّه الفقيه بالكتاب والسنّة ، ثم هو نفسه يهجم على المتخصصين في العقيدة ، فيبدع مدارس برمتها ولا يعلم المسكين أنّهم المتخصصون في علمهم وأهل الخبرة فيه ، وأنّ ما ألجأهم إلى موقفهم هو التوفيق بين النصوص والفقه في دين الله تعالى وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله ، ويظن المغرور أنّ الله تعالى اصطفاه على أولئك الأصفياء ، وآتاه من العلم ما لم يؤتهم ، ولا يعلم المفتون أنّ الشيطان قد لبس عليه دينه ودخل عليه من باب التهجم على  أهل الاختصاص من العلم ، ولا يعلم المسكين أنّهم سواد علماء الأمة المدافعون عن عقيدة أهل السنة والجماعة القائمون على ثغورها ،  ولا يعلم المسكين أنّ في تبديعهم خروجه هو عن إطار أهل السنّة والجماعة ، ولا يعلم المسكين أنّهم الخبراء في علمهم الذي أفنوا أعمارهم فيه ، إنّ منشأ ذلك كله إنما من جراء عدم احترام التخصص والمتخصصين على مر عصور الإسلام ، ولو احترم تخصصهم لتتلمذ على أيديهم يُعلمونه قواعد علمهم وأصوله ،  [  4  ] : أمثلة للآثار السيئة الوخيمة المترتبة على عدم احترام التخصص  : إنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في :  تتمثل في : الفوضى العلمية ، والفوضى الفكرية ، والخطأ في تقييم المواقف واصدار الأحكام ، كما يؤدي إلى فوضى التبديع الناشئة عن عدم احترام تخصصات الآخرين ، والهجوم على أصحابها واتهامهم بالبدعة والانحراف عن الدين ، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى ، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم ولا معرفة لأسباب تبني أهل التخصص لهذا الحكم دون غيره ، مع أنّ الحق حتما يكون مع أهل التخصص ، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، ومن أمثلة لكوارث الفتوى بسبب عدم احترام التخصص : ( أ ) متخصص في علم الفقه لم يدرس قواعد التقديس والتنزيه - وهو بالتالي ليس متخصص في علم العقيدة - سُئل عن حكم انتساب الأشاعرة إلى أهل السنّة والجماعة فأفتى بأنهم ليسوا من أهل السنّة والجماعة في باب الأسماء والصفات ، وهو يعلم أنّ أكثر من مليار مسلم في مشارق الأرض ومغاربها ينتسبون إلى الأشاعرة في العقيدة ، وهو يعلم أنّ أكثر الجامعات الدينية في العالم تنتسب إليهم ، وهو يعلم أنّ سواد علماء المسلمين على مر عصور الإسلام أشاعرة ، هل سأل نفسه يوماً ما الذي ألجأهم إلى مذهبهم ، هل تتلمذ على يد متخصص منهم ، هل تعّلم قواعد التقديس والتنزيه ، هل يملك هو أنّ يحكم على هذا الكم الغفير من المسلمين بالخروج من أهل السنّة ، وإن أخرجهم فقد أخرج جماهير علماء الشافعية والمالكية من اطار أهل السنّة ، وإن أخرج الأشاعرة أخرج الماتريدية وهم عامة الأحناف  من باب الأولى ، فهل بقي له من أهل السنّة والجماعة سوى بضعة ملايين من تعداد يفوق المليار ونصف مسلم سني على وجه الأرض ، هل هذا هو ما استطاع أن يدلل عليه من أصالة التخصصات الإسلامية ، فما أفرح الفرق الضالة بتلك الفتوى التي تجعلهم أكثر عدداً من اهل السنّة والجماعة ، إنّ هذا الظالم سوف يعض على يديه يوم القيامة وقد خاصمه أكابر علماء أمّة الإسلام ، ( ب ) داعية مشهور لا أعلم له أي تخصص ولكنه إن سُئل في السياسة الشرعية أفتى ، وإن سُئل في الفقه أفتى ، وإن سُئل في العقيدة أجاب وأثنى على من يشاء بالصواب ، واتهم من يشاء بالبدعة ، سُئل عن التصوف والصوفية ، فبدلا من التفصيل ، أراح نفسه من عناء البحث ، واتهم الجميع بالزندقة والضلال ، حتى سادتهم كالجنيد والسري السقطي والرفاعي والشاذلي والجيلاني لم يسلموا من لسانه ، وذلك لأنّ التصوف في نظره جمع كل ضلال وانحلال وفجور ، هكذا وكأنّه يتكلم عن طائفة من غير المسلمين ، ولا يعلم أن الكثير من الصديقين في هذه الامة ينتسبون إلى التصوف ، ( ت ) أحدهم أراد أن يتناول مسألة النقاب وبيان حكم الشرع فيه ، وكتب رسالة يربو عدد صفاحتها على المئتين ، ولم أجد فيها نقلاً واحداً عن الشافعي ولا مالك ولا أبي حنيفة ، يا رجل على من تطلب علم الفقه وأحكام الفقه إذن ، هل يعقل أن نستهين بمتخصصينا إلى هذا الحد ، وجدته ينقل أقوال المفسرين والمحدثين ويستدل بها في مسألة فقهية ، وأهمل المتخصصين ، فهل يكون لرسالته أي ثقل علمي ، وهو لم يستعن بأهل الخبرة في الفقهاء وسادة الفقهاء والعلماء ، يا قومنا هؤلاء هم الخبراء والله تعالى يقول : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، ويقول تعالى  : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، أي أهل العلم الذاكرين له المتخصصين فيه ، إن عدم احترام التخصص يؤول بالأمة إلى الفوضى العلمية والتبديع والتضليل وضياع الأسس العلمية التي قام عليها الصرح العلمي لأهل السنّة والجماعة ، وإنّ دعوى الأخذ المباشر من الكتاب والسنّة مباشرة دون العروج على أقوال أهل العلم المتخصصين في العلم ، هي دعوى حق ولكن ليست لكل من هب ودب ، إنها دعوى حق في حق من يمتلك أدوات الاجتهاد في مجال تخصصه ، إنّ الشر كل الشر في ان يصبح الإفتاء في الدين كلأً مباحًا لكل من أراد من غير المختصين ، وأن تتم محاربة المتخصصين بدعوى الأخذ من الكتاب والسنّة مباشرة ، فإنها كلمة حق مآلها إلى الباطل ، تشبه إلى حد كبير مقولة الخوارج : إن الحكم إلا لله ، وهي كلمة حق ولكن لابد من وجود من يحكم بما أنزل الله ، وهاهنا لابد من وجود المجتهد المتخصص الذي يستنبط من الكتاب والسنة ، أمّا بيان خطأ وخطر تقديم مؤسسة السلفية بمفرداتها المعروفة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ، فهذا قد تقدم بيانه عند الحديث على أسباب الخلل العلمي في الجانب السلفي ، فلا داعي لإعادته هنا ،  [  5  ] : المرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي ترفع الخلاف بين طوائف أهل السنّة والجماعة هي مرجعية الرد إلى مدارس العلم المتخصصة على منهاج أهل السنّة والجماعة : هناك بحمد الله تعالى آيتان في كتاب الله تعالى يرتفع بهما الخلاف - إن فهمناهما الفهم الصحيح ، الآية الأولى ، قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] ، والآية الثانية ، قوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، فالآية الأولى : أوضحت أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة ، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة ، أوضحت الآية الثانية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة ، وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، والثانية : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري ، والثالثة : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس ، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تؤصل ، ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة ، ولهم في التزكية والأخلاق والتصوف طرق ومدارس على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم ، وتشمل مرجعيتهم تلك المدارس العلمية المؤصلة ، فنأخذ ما اجتمعت عليه المدارس العلمية السنّية رأيا واحدا لا نرضى له بديلا ولا نلتفت إلى غيره ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات الدقيقة التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة ، وتلك الامور يستحيل جمع الناس فيها على قول واحد لاحتمالات النصوص واختلاف المدارك بين العلماء ، ( تنبيه ) قد أكثر البعض - بحسن قصد - المقال والبيان حول مقولة : (( الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم السلف الصالح )) وهي مقولة حق ، لكن قد يؤول التطبيق الخاطئ لمعناها إلى وقوع الأمة في حيرة وشتات  ، وذلك لأنّ اصطلاح السلف الصالح هو اصطلاح يشمل فترة زمنية مباركة فاضلة ، هي فترة ( الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ) ،  باعتبارهم خير قرون الإسلام كما جاء في الحديث : ((خيرُ الناسِ قَرْنِي ، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم ، ثم الَّذِينَ يَلُونَهم ، ثُمَّ يَجِيءُ قومٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمينَهُ ، ويَمينَهُ شَهَادَتَهُ )) [ متفق عليه ] ، وهم ولا شك خير قرون الإسلام علما وعملاً وأخلاقا وقد كانوا بحق النواة العلمية الصالحة لظهور التخصصات العلمية بعد ذلك ، فإنّ أصحاب المذاهب التخصصية سواء في العقيدة او الفقه أو التزكية ، هم من السلف أو هم امتداد للسلف وهم من حسنات السلف ، ولم يخرجوا عن هدى السلف ، بل هم النابغين من تلاميذ السلف الذين تخصصوا في علوم الدين ، وقد منحهم هذا التخصص العلمي الدقيق أن يجمعوا أدلة كل باب من أبواب العلم ويرجحوا بينها في تمحيص شديد ويوفقوا بينها في تناسق بديع ، وهم عدول أهل العلم من أتباع السلف ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ، والحديث - كما هو واضح من سياقه - قد سيق في بيان خيرية تلك القرون ، خصوصا في أخلاقهم والشاهد لذلك من الحديث : (( ثُمَّ يَجِيءُ قومٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمينَهُ ، ويَمينَهُ شَهَادَتَهُ )) ، لقد حمل السلف لواء الدين بكافة جوانبه وكانوا هم العلماء والدعاة والمجاهدين من أجل هذا الدين ، فكانوا خير الناس وخير المسلمين ، وكان من بركة إخلاصهم أن جاء أتباعهم فتخصصوا في فروع العلم وفتح الله تعالى عليهم ببركة التخصص في مجال علومهم ، ثم رزقهم الله تعالى الأتباع الذين ساروا على منهاجهم فظهرت المدارس التخصصية التي تعتبر بحق مفخرة أهل السنّة وأهل العلم ، فالسلف كانوا خير الأمة ولكن لم تكن المدارس العلمية المتخصصة قد ظهرت بعد  ، ولم تكن أقوالهم قد تمحصت بعد وحمل متشابهها على محكمها ومطلقها على مقيدها وعامها على خاصها وهكذا كما فعل أهل التخصص بعد ذلك ، والدليل على ذلك ما يُنقل من الخلافات العلمية الواسعة في تلك الحقبة الزمنية المباركة في كافة أبواب العلم ، فكيف تجعل الرد إلى أفهامهم وهي في ذاتها مختلفة متعددة وغير منضبطة ، ولا يحق لأحد بعينه - مهما بلغ من العلم - أن ينصب نفسه المتحدث الرسمي عن السلف ، لأنّه آنذاك يتحدث عن فهمه هو لما يظن أنّه قول السلف وقد يكون هو مخطئاً فيما ينسبه إلى السلف ، ثم لا ننسى أنّ رؤوس الفرق الضالة قد أطلت برؤوسها في زمان السلف كالقدرية والحشوية والمجسمة والرافضة والخوارج وغيرهم ، وعليه فإنّ للخوارج سلف وللروافض سلف وللمجسمة سلف وللحشوية سلف كل ذلك في القرون الأولى ، وبالتالي فإن استعمال هذا المصطلح كمنهجية لرد الخلاف لا يكون صحيحا ولا دقيقا ، لأنّ لكل صاحب فكر ولو كان مبتدعا سلف ، وبالتالي صار ( اصطلاح السلف ) اصطلاح متنازع على معناه وما هو المقصود منه ، بل والأفراد الداخلين فيه باستثناء الصحابة رضي الله عنهم ، ، فإنّ من يراهم البعض من أئمة السلف الصالح ، يراهم الآخرون ليسوا كذلك ، وليست حجة هؤلاء بأولى من هؤلاء وهو بالتالي مصطلح غير محدد ولا منضبط علمياً ، وهذا بخلاف المدارس العلمية المتخصصة في باب من العلم كالعقائد أو الفقه أو التزكية ، فهؤلاء يجمعون كل أدلة العلم المتعلقة بمباحث علمهم ، ثم يوفقون بينها بما يمنع تعارضها وفق منهج مدروس مؤصل ، ثم تخرج أقوالهم في إطار منهجية كلية ترد المتشابه إلى محكمه ، والعام إلى خاصه ، والمطلق إلى مقيده ، علاوة على كون تلك المدارس العلمية المتخصصة مذاهب مؤصلة ومدارس معروفة والقول فيها منضبط معروف محدد يمكن الرجوع إليه دون نزاع ، وعليه فإنّ الرد إلى فهم السلف ليس دقيقا ولا منضبطا ولا نعرف من المقصود منهم عند اختلافهم ، ولا ومن هو المتخصص في الفقه ومن هو المتخصص في العقيدة وهكذا ، ولا يُعقل أنّ الرد يكون إلى أفرادهم عشوائيا في شتى التخصصات العلمية ، أما الرد إلى مدارس العلم المتخصصة فيه ، فهو الذي يرفع النزاع ، فالأمر الذي  اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً ، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف ، دون تنازع أو شقاق ، لقد حاول الإمام ابن تيمية - بحسن نية - تطبيق مبدأ الرد إلى أفهام السلف ، إلا أنّ جهوده أدت إلى ضرب المنهجية والمرجعية السنّية في مقتل ، لأنّ التنازع قبله كان يرجع إلى الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم المذاهب السنّية المتخصصة ، وبهذا يُفض الخلاف فإنّ اتفقت المذاهب السنّة المتخصصة في مسألة فلا مجال للخلاف ، وإن اختلفت وسعنا ما وسع المتخصصين من ذلكم الخلاف ، ولكن بصنيعه هذا أضر أتباعه ، وأصاب منهجيتهم في مقتل ، وانفلت العقد الضابط للخلاف ، وتنازعت أتباعه الأهواء ، ورأينا الغلو في التكفير والغلو في التبديع والغلو والحشو في باب التقديس والحشو في باب الفقة والجفاء على المسلمين في باب التزكية ، وانفرط عقد السلفية ، فهذا سلفي تراثي وذاك سلفي جهادي وآخر سلفي تكفيري وآخر سلفي علمي وآخر سلفي حسبي ، وآخر قطبي وآخر مدخلي وآخر سروري ، وصارت التيارات السلفية بعدد المشائخ والدعاة والمجاهدين ، وياليت بينها - وجميعها سلفية - الوفاق والحب والوئام ، بل للأسف صار بينها التكفير والتبديع والقتل والتدمير ، ، هذا كله بين السلفيين ، فما بالنا إن كان تقييمهم ينال الآخرين ، وعليه فإنّ الرد العلمي الصحيح والمنهجية العلمية السديدة لا تكون إلا إلى مدارس العلم المتخصصة فيه ، فهو الذي يرفع النزاع ، فالأمر الذي  اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً ، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف ، دون تنازع أو شقاق ، ولو ذهبنا نُقارن بين المرجعيتين ، لوجدنا نقيض ما وجدناه في الأولى ، لوجدنا الدقة في مرجعية أهل المذاهب العلمية المتخصصة ، فلم نسمع منهم أحدا يكفر أخاه إلا بضوابط دونها العلم الراسخ ، ولا استحل دمه وماله وعرضه إلا بضوابط وضعها المتخصصون ، ولم نسمع عن موجات التبديع والتفسيق التي اُبتلينا بها في هذا الزمان ، ( أمّا الرد المنضبط الدقيق ) : فمثاله : إذا حدث خلاف في قضية فقهية مثلاً ( النقاب ) فيكفينا أنّ نرجع إلى أقوال المذاهب الأربعة فيسعنا ما وسعهم من الخلاف فيها ولا معنى لحمل الناس على رأي اختلف فيه الشافعي وأحمد ووسعهم الخلاف فيه ثم لا يسعنا ، لا شك أنّ الذي لا يسعه خلافهم متهم في عقله أو دينه أو هو مصاب بمرض نفسي عضال علاجه في مكان معروف بعيدا عن المجتمع الإسلامي ، لنحمي المجتمع من سمومه وسخافاته ، وإذا حدث خلاف في قضية عقدية مثلاً ( تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الحد او الجارحة أو المكان ) فالقول فيها ما قالت المدارس المتخصصة الأشعرية أو الماتريدية أو الأثرية وجميعها مجمع على تنزيه الله تعالى عن تلك النقائص التي تضاد الكمال الواجب لله تعالى والتي هي سمات المخلوقات والمحدثات التي تنزه الله تعالى عنها { ليس كمثله شيء } ، ولا عبرة لمن خالف تلك المدارس المتخصصة من الحشوية والمجسمة والمشبهة وأنصاف الجهلاء وأصحاب الجهل المركب من الموتورين الصائلين على الكتاب والسنّة وما فيهما من التنزيه وهم يدعون - خطأً - الصولة لهما والانتفاض لنصرتهما ، وهكذا كل علم له أهله المتخصصون وله مدارسه السنّية المتأصلة العريقة ،

[ اللبنة الثالثة من لبنات التجديد العلمي : تحديد الإطار المعاصر لأهل السنّة والجماعة ، وبيان حلقات العلم المفقودة بين تلك الطوائف ] :  [  1  ] : الإطار العلمي الصحيح الصافي الذي يجب ان يكون عليه كافة المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة : هو الانتساب إلى المذاهب المعتمدة المتخصصة في علوم العقيدة والفقه والتزكية ، لأنّ العلم عميق ولا يؤتمن عليه أفرادٌ بأعيانهم ، وإنما المذاهب المتخصصة فيه والتي تخرج عليها آلاف العلماء المتخصصين النابغين والذين ضبطوا مباحث العلم وأحكموها وحملوا متشابهها على محكمها في كافة مسائل العلم ومباحثه حتى صار بناءه متينا راسخا ، وهذه المدارس في العقيدة هي : مدارس الأثرية والأشعرية والماتريدية ، وما عداها ميل إلى الحشو او الاعتزال ، ولا ينبئك في ذلك مثل خبير ، وفي الفقه مذاهب الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ، وفي التزكية مناهج الأكابر ممن جعل الله تعالى لهم القبول والاتباع من صديقي هذه الأمة وأكابر الربانيين فيها ،  [  2  ] : إطار أهل السنة والجماعة المعاصر ينتسب إليه اليوم ثلاث طوائف : هي ، السُنيّة ، والصوفية ، والسلفية :  ( الطائفة الأولى ) : ( السُنية ) : والسُنيّة  كمصطلح يُراد به كل من كان في العقيدة على مذاهب الأثرية أو الأشعرية أو الماتريدية ، وفي الفقه على مذاهب أحد الأئمة الأربعة ، وفي التزكية على مناهج أحد الأكابر الربانيين من صديقي هذه الأمة ، و ( السُنية ) هم على مر عصور الإسلام جمهور وأكثرية أهل السنّة والجماعة ، والأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة ، ولذلك يعترف الجميع بأن الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة ، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى [ لوامع الأنوار البهية : 1  :  73 ] : " أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : ( الأثرية ) ، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، و ( الأشعرية ) ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، و ( الماتريدية ) ، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى " أهـ  ، وهذه الطائفة السنية بمختلف مدارسها  العقائدية الأثرية والأشعرية والماتريدية قامت على ثغور العقيدة ، وعلى ثغور التقديس والتسبيح والتنزيه ، وأثرت العالم الإسلامي بعلوم التنزيه التي تملأ الصدر تقديسا وتنزيها للملك القدوس السلام للذي ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، والبراءة من التشبيه والتجسيم والتمثيل ، كما قاموا على ثغور تأصيل أركان العقائد على مذهب أهل السنة والجماعة ، والرد على الفرق الضالة المخالفة لأصول مذهب أهل السنّة والجماعة الناجية ، ولكنّهم - للأسف - قنعوا بما هم فيه من رسوخ في العلم ، ولم يقوموا بواجب نشر العلم الراسخ الذي رزقهم الله تعالى به ، وديننا دين علم وعمل ، ومكابدة في نشر العلم الصيح ، ومن كتم العلم أُلجم بلجام النار يوم القيامة ، فهل تُترك ثغور العلم  وساحات العلم لبعض الجهلاء وأنصاف المتعلمين والموتورين يعيثون في عقول العامة من المسلمين جهلا وغلوا  وما ذاك إلا لأنّ أهل العلم تركوا ثغوره لغيرهم ،  و ( الطائفة الثانية ) هي ( الصوفية الصافية النقية ) التي قامت على ثغور درجات مرتبة الإحسان ومنازل السالكين ومعارف المقربين ، وأثرت العالم الإسلامي بعلوم التزكية التي تناولت أخلاق الإسلام العظيمة ، ومناهج التربية القويمة ، وتخلية القلب من دسائس الأخلاق وتحليته بمعارف الإحسان وشعب الإيمان ومدارج الواصلين ، ولكنّ الأدعياء منهم  - للأسف - أفسدوا جواهر معارفهم بمبالغات فجة في حق الأولياء وقدراتهم التي وهبهم الله تعالى بها في التصريف والتدبير بما يخدش جناب التوحيد ، أفسدوا جواهر معارفهم بالسماع الغير منضبط بالشرع وبالشطح والدعاوى العريضة والرعونة ، وهل التصوف إلا الأخلاق العظيمة التي كان عليها الحبيب صلى الله عليه وسلم من مكابدة الليل بالذكر والقيام وتلاوة القرآن وتحقيق العبودية بالليل والنهار ، وهل التصوف إلا الرجولة في معاملة الحق والخلق والأخذ بالعزيمة لا الرعونة ،   و ( الطائفة الثالثة ) هي السلفية بمختلف مدارسها العلمية والعملية ، قامت على ثغر التوحيد والإتباع ، والاعتصام بالكتاب والسنة  ، ولكن - للأسف - أدعياء السلفية منهم جهلوا علم التقديس القائم على الكتاب والسنّة جهلاً مزرياً ، فأدى ذلك بهم إلى الولوج في أوحال الحشو والتجسيم ، وهم لا يشعرون ، وأدى ذلك بهم إلى معاداة أهل التقديس والتنزيه واتخاذ تلك العداوة شعارا لهم ، مع أنّهم لو تعلموه لصاروا لهم إخوانا وأولياء ، وأدى غلو الأدعياء منهم في أبواب الإيمان والتوحيد والسنّة إلى غلو تابع في التكفير والتشريك والتبديع ، ما أجمل السلفية وأكرم بها من مذهب لو عادت إلى سلفية الكتاب والسنّة ، واتقنت علوم الدين على مناهج أهل التخصص في العلم ، وعالجت القصور الذي سنبينه في الورقات التالية ،  [  3  ] : تنبيهات مهمة تصحح المسار العلمي : ( تنبيه أول ) :  هناك فرق دقيق بين الأثرية والسلفية : فالسلفية التي برزت كمصطلح ومنهج له سماته ومفرداته العلمية على يد  ابن تيمية في القرن الثامن الهجري ، ثم قام محمد بن عبد الوهاب ( المنظر الثاني لهذا المنهج ) بإحياء هذا المصطلح من جديد في منطقة نجد في القرن الثاني عشر الهجري ، ثم امتدت دعوته ، وصارت حركته ( الحركة الوهابية ) التي أسسها من أبرز ممثلي هذه المدرسة في العصر الحديث ، والفارق بين الأثرية والسلفية : أنّ الأثرية يرون تفويض علم المتشابه إلى الله ، والسلفية كمصطلح معاصر يرى اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله ، وكلاهما يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس ، وهو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري ينتهي نسبه إلى الصديق ابي بكر رضي الله عنه : أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان على تفويض علم المتشابه إلى الله ، وهو على ذلك كان أثرياً ، وهاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة ، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه ، ودعا عليهم ، وانظر كتابة الباز الأشهب في الرد على مخالفيه ، وكانوا ثلاثة من شيوخ المذهب الحنبلي ، وهم :  ابن حامد البغدادي ، والقاضي أبو يعلى الفراء ، وأبو الحسن ابن الزاغوني  ، واتهمهم بأنهم صنفوا كتبا شانوا بها مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، فقال :  يصف حالهم : " ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد . وصاحبه القاضي ، وابن الزاغوني " فصنفوا كتبا شانوا بها المذاهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس . فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته ، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات ، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين ، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس ، وقالوا يجوز أن يمس ويمس ، ويدني العبد من ذاته . وقال بعضهم ويتنفس .وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث ، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل ، حتى قالوا صفة ذات ، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا لا نحملها علي توجيه اللغة مثل يد علي نعمة وقدرة ومجيء وإتيان علي معني بر ولطف ، وساق علي شدة ، بل قالوا نحملها علي ظواهرها ، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين ، والشيء إنما يجعل علي حقيقته إذا أمكن ، وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة ، وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام ، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم : يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط : " كيف أقول ما لم يقل " فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه ،  ثم قالوا في الأحاديث ، تحمل علي ظاهرها . وظاهر القدم الجارحة ، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال : استوي بذاته فقد أجراه مجري الحسيات ، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل . وهو العقل ، فإنه به عرفنا الله تعالى ، وحكمنا له بالقدم ، فلو أنكم قلتم : نقرأ الأحاديث ونسكت ، ما أنكر عليكم أحد ، إنما حملكم إياها علي الظاهر قبيح ، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه .، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم ، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية ، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته ، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم : لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة " أهـ  ,  وقال في خاتمته : " ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال لم يعجبهم، لأنهم ألفوا كلام رؤسائهم المجسمة، فقالوا ليس هذا المذهب. قلت: ليس بمذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهتُ مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ونفيت عنه كذب المنقولات وهذيان المعقولات "  أهـ ، وانظر تفصيل هذا الأمر والترجيح فيه في كتابي "  المذهب الصحيح للسلف الكرام في متشابه الصفات والأخبار " ففيه تفصيل هذا الامر وتأصيله بأدلة الكتاب والسنّة وأقوال السلف الصالح ، ( تنبيه ثان ) : مذهب الأثرية من تفويض معنى المتشابه ليس معناه الجهل بالمراد من الآيات  :  لقد فهم البعض من السلفية خطئاً أنّ معنى تفويض المعنى هو الجهل العريض بآيات الصفات ، وهذه سقطة عظيمة وزلة عالم ، لا ينبغي تتبعها لأنّ حقيقة مذهب السلف ومذهب الاثرية في المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، من مثل النصوص التي توهم الجارحة كالوجه والعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، ومثال على هذا قوله تعالى( بل يداه مبسوطتان ) يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود المطلق والعطاء الذي لا ينقطع اللائق بصفة الرب تعالى، أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية ، فيدل ظاهره على إثبات الجارحة والجزء - حاش لله تعالى من ذلك - والله تعالى منزه عن الجارحة والجزء لأمور كثيرة يجمعها علم التقديس ، منها أنه سبحانه ( الأحد ) وصفة الأحدية تمنع من التركيب ، ومنع التركيب يمنع وجود الأجزاء ، كما أنه سبحانه ( الغني ) وكمال الغنى يمنع من الاحتياج للجوارح في تصريف الأمور ، ومنها نفي المثلية في قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وجميع الخلق تتكون أجسامهم من أجزاء والله تعالى ليس كمثله ، ولهذه الأسباب وغيرها - مما حواه علم التقديس -  توقف السلف عن الخوض في المتشابه ، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من الآيات ، هذا هو اللائق بمقامات السلف في العلم ، إذ لا يعقل أنهم كانوا يسمعون مثلاً قول الله تعالـى : { يد الله فوق أيديهم }  أو { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }  أو { الرحمن على العرش استوى }  أو { ثم استوى إلى السماء } أو { يوم يكشف عن ساق } ، أو قول رسول الله  : (( يضحك ربنا )) أو (( ينزل ربنا )) أو (( يعجب ربنا )) الخ، ثم لا يفهمون من كل ذلك أي معنى ، كما هو الحال مع الحروف التي في فواتح السور، كلا، فإن هذه الألفاظ لها في لغة العرب معانٍ مجازيةٌ معروفةٌ ومشهورةٌ لا شك أن السلف فهموها إجمالاً، ولكنهم لفرط تقواهم وخشيتهم لله تعالى وتهيبهم لذلك المقام الأقدس أحجموا عن التعيين والتصريح، واكتفوا بهذا الفهم الإجمالي لها ، ( تنبيه ثالث ) : الأثرية يعرفون من قواعد التقديس ما يمنعهم من نسبة النقص إلى جناب ذات الله تعالى : الأثرية يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى ، ولذلك فهم منزهون لله تعالى عن المكان والزمان وحلول الحوادث ، فقد جاء في متن العقيدة السفارينية : ( ويعلم الواجب والمحالا  ...  كجائز في حقه تعالى ... وليس ربنا بجوهر ولا ... عرض ولا جسم تعالى ذو العلا ) أهـ ،  وجاء في كتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر  للمؤلف عبدالباقي بن عبد القادر الحنبلي : ( ويجب الجزم بأنه تعالى واحد لا يتجزأ ولا ينقسم أحد لا من عدد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد  ، وبأنه تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها ليس بضروري ولا كسبي ولا استدلالي ، وبأنه قادر بقدرة واحدة وجودية باقية قديمة ذاتية متعلقة بكل ممكن فلم يوجد شيء في الماضي ولا يوجد في المستقبل إلا بها ، وبأنه مريد بإرادة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية متعلقة بكل ممكن ، ( الحياة ) : وبأنه تعالى حي بحياة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية ، وبأنه تعالى سميع بصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين متعلقين بكل مسموع ومبصر ، ( الكلام ) : وبأنه تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ، .. فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ) أهـ  ،  ( تنبيه رابع )  :  الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة  : الأثرية والأشاعرة والماتريدية : مذهبهم في العقيدة واحد يقوم في المتشابهات على تفويض معنى المتشابهات على مراد الله تعالى وعلى مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كامل التقديس والتنزيه ، ثم قالت الأثرية لا نزيد على ذلك لأنّا لا نعلم مراد الله تعالى على وجه الحقيقة من تلك المتشابهات ، وقالت الأشاعرة والماتريدية ، ونحن لا نعلم مراد الله تعالى على وجه الحقيقة من المتشابهات ، ولكن يمكن بعد التفويض والتقديس ، حمل المتشابه على أصله من المحكم الذي سيقت الآيات من أجله ، مع عدم الجزم بمراد الله تعالى من المتشابه ، وذلك بقصد صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه التي تؤول بأصحابها إلى التجسيم والتشبيه والتمثيل ، أو وبقصد الرد على المبتدعة من المجسمة والمشبهة وأمثالهم ، ولذلك يذكر المحققون من العلماء أن هذه الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة ، قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى (إتحاف السادة المتقين 2/6) : ( اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك، أو في لِميّة ما هنالك، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف: ( الأولى ) : أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية ، أعني الكتاب والسنة والإجماع ، ( الثانية ) : أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي ... ( الثالثة ) : أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومباديهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية ) اهـ ، وقال الإمام عضد الدين الإيجي - رحمه الله تعالى - في بيان الفرقة الناجية، بعد أن عدد فرق الهالكين (المواقف ص 430) : ( وأما الفرقة الناجية المستثناة الذين قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيهم "هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي" فهم الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة والجماعة، ومذهبهم خالٍ من بدع هؤلاء ) اهـ ، وقال الإمام عبد القاهر البغدادي رحمه الله ( الفرق بين الفرق ص 19) : ( .. فأما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة... وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق وهم الفرقة الناجية... فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بشيء من بدع.... سائر أهل الأهواء فهو من جملة الفرقة الناجية - إن ختم الله له بها - ودخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وأهل الظاهر .. ) اهـ. ، وقال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى ( لوامع الأنوار البهية 1 :  73 ) : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : ( الأثرية ) ، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، و ( الأشعرية ) ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، و ( الماتريدية ) ، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ. ، وقال العـلامة ابن الشطي الحنبلي - رحمه الله تعالى - في شرحـه على العقيـدة السفارينية ( تبصير القانع في الجمع بين شرحي ابن شطي وابن مانع على العقيدة السفارينية، الصفحة : 73 ) : ( قال بعض العلماء هم - يعني الفرقة الناجية - أهل الحديث يعني الأثرية والأشعرية والماتريدية) ثم قال بعد ذلك بأسطر: ( فائدة : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق ، الأثرية وإمامهم الإمام أحمد رضي الله عنه ، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى ، والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى ) اهـ ، وقال علامة الكويت الشيخ عبد الله بن خلف الدحيان - رحمه الله تعالى - تعليقا على تقسيم السفاريني لأهل السنة إلى ثلاث فرق : ( فإذا قلت: لفظ الحديـث يقتضـي عدم التعْدِيَة حيث قـال فيه صلى الله عليه وسلم " ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة وهي ما كان على ما أنا عليه وأصحابي " فالجواب : أن الثلاث فرق هي فرقة واحدة لأنهم كلهم أهل الحديث ، فإن الأشاعرة والماتريدية لم يردوا الأحاديث ولا أهملوها، فإمّا فوضوها وإمّا أوّلوها، وكل منهـم أهـل حديث، وحينئذ فالثلاث فرقة واحدة ، لاقتفائهم الأخبار وانتحالهم الآثار، بخلاف باقي الفرق فإنهم حكّموا العقول وخالفوا المنقول فهم أهل بدعة وضلالة ومخالفة وجهالة والله تعالى أعلم ) اهـ. (تبصير القائع ص / 73) ، وقال الشيخ العلامة الحنبلي محمد بن علي بن سلوم رحمه الله تعالى في شرحه على العقيدة السفارينية مثل ذلك. (شرح الدرة المضية، الصفحة / 58) ، [ قلت : انظر كتاب أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم ، جمع وإعداد حمد سنان وفوزي العنجري : مبحث أهل السنة والجماعة فيه نقول عديدة تثبت الوفاق بين طوائف أهل السنّة الثلاث الأثرية والأشاعرة والماتريدية ] ،  ( تنبيه خامس ) : من هم المعبرون عن الأثرية : ( أولاً ) : المعبرون عن الأثرية من أهل الحديث : ( المحدث ) هو كل من اشتغل بعلم الحديث رواية ودراية ، واشتهر عنه ذلك ، ولكن من المعروف عند اهل العلم : أن المحدثين ليس لهم مذهب مستقل في الاعتقاد ،  ففيهم أهل السنّة وفيهم الحشوية ، وفيهم الرافضة وفيهم الخوارج ، ونظرة سريعة إلى كتب الجرح والتعديل تدلنا على ذلك ، والذي يهمنا في هذا المبحث : أنّ من أهل الحديث من يمثل الأثرية ، وعلى رأسهم الإمام مالك بن أنس رحمه الله ، فقد  ذكر القاضي عياض  في كتابه الشفا : أنّه كان ينهى عن التحديث بالأحاديث المتشابهات التي توهم التشبيه ، وكان يمنع من السؤال عنها ، وكان مجرد السؤال عن المتشابه أمامه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه في طرد السائل عن معنى الاستواء وتبديعه ، وعلى رأسهم أيضاً : الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه تفويض معنى المتشابهات ، كما ثبت عنه التأويل عند الضرورة رداً على أصحاب البدع بسند صحيح أخرجه البيهقي ، والأثرية من أهل الحديث هم كل من سار على  نهج الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل  ، و ( الأثرية ) من أهل الحديث هم أهل التقديس والتنزيه الذين كانوا على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في مباحث العقيدة ، واهمهم من علماء أهل الحديث ، فخر الحديث وأهله الإمام البيهقي ، وله رسالة ( الأسماء والصفات ) تدل على رسوخ قدمه في علم العقيدة والتنزيه والتقديس ، وهي من أهم مراجع العقيدة الأثرية ، والإمام النووي شارح صحيح مسلم ، وقد تتبعت مباحث العقيدة في كتابه القيم  المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، والمشهور بشرح النووي على صحيح مسلم ، وهو أهم الشروح على صحيح مسلم ، فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً لعقيدة أهل الأثر ، وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني ، صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري ، وهو من أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها ، لا يستغني عنه طالب علم ، وأهم ما يميز فتح الباري أنّه يجمع في كل باب بالإضافة إلى ما رواه البخاري أهم الأحاديث المتعلقة بالباب التي وردت في دواوين السنة الأخرى من بقية الكتب الستة والمسانيد وغيرها، كما يجمع فيه شروح العلماء قبله على صحيح البخاري ، وينقل عن شراح كتب السنة الأخرى كشرح النووي على صحيح مسلم وشرح الخطابي لسنن أبي داود وكلام البغوي في شرح السنة وغيرهم ، حتى صار بحق أحد أعظم دواوين الإسلام المعتبرة ، ومصادره العلمية المهمة ، وقد تتبعت مباحث العقيدة فيه فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً كاملاً لعقيدة أهل الأثر ، ( ثانياً ) : المعبرون عن الأثرية من الحنابلة : من أفضل علماء الحنابلة الذين تكلموا في العقيدة على منهاج المتخصصين الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي القرشي التيمي البكري ، ( ت 597 هـ ) في كتابه الباز الأشهب في الرد على منتقضي المذهب ، والمسمى كذلك دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ، رد فيه على حشوية الحنابلة ، وكتابه الباز الأشهب من خير الكتب التي ردت على بدعة الحشو ، ومن الكتب المعبرة عن مذهب

ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، وهم قوم رعاع لا يحترمون تخصص العلماء ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، ويشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف ، والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في جناب ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ، والغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج ، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، وإلى الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، والغلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل ، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله ، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج ، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد ، واعتبارها من علوم اليونان ، وهم لا يعلمون : لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان ، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة ، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه ، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، وذلك في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، وهم ينتسبون إلى السلف ، والسلف برآء منهم ، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية ، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم ، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة - وهم أهل السلف الحقيقيون - بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم ، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية ، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية ، وهم أهل الجفاء والغلظة والخيلاء ، والقسوة وغمط المسلمين والجفاء عند معاملتهم ، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا ، تراهم دوماً في حروب وهمية مع من يظنونهم مبتدعون مارقون عن مذهب السلف الذي صنعوه بأيديهم ونسبوه إلى السلف ، ويدافعون عنه ضد كل من تسول له نفسه مخالفة ، ديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة  ، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق ، يشنون حروبا لا داعي لها - بين الحين والآخر - على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم ، وصقلت مدارسهم الفقهية  على مر عصور الإسلام  كل ما يتعلق بالفقه ومسائله ، فأيهما أجدى البناء على ما بنوه فيرتفع البناء عاليا ، أم هدمه والتشكيك فيه ، مع استحالة إتقان ما أتقنوه ، واستيعاب ما استوعبوه ، وبناء ما بنوه ، ويشنون حروبا لا داعي لها على التصوف برمته ، صالحه وطالحه ، ويدّعون أن له أصل من اليهودية أو النصرانية أو البوذية ، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال ، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين والأدعياء ، مع أنه قد مرت عصور كاملة ، وقرون تامة ، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية ، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله ، فهل جميع أولئك على ضلالة ، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك ، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية ، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة ، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة ، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام ، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة ، التي أسّسها الاسلام ، وبناها علماء المسلمين طوال القرون ، ولذلك فهم من شر الفرق ، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف ، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف ، وقد سماهم أهل العلم بالحشوية : ( أ ) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية ، وبكل ما يخالف صريح العقل ، وهم أبعد الناس عن العقل ، فالشيعة على بدعهم ، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء ، من  نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى ، ونسبة الحد والمقدار إلى جناب ذات الله تعالى ، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم ، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، يتكلمون في جناب ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، ( ب )  لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات : لأنّهم أهل التناقض ، فهم يبدعون المؤولة ، ثم يتأولون  القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة ، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية ، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع ، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته ، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة ، وهذا المكان هو العرش على ظنهم ، وأنّه بذاته فوق عرشه ، فأتو بلفظ ( ذاته ) من عند أنفسهم ، وجعلوا الاستواء حسيا ، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس كمثل وجوده وجود ، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش ، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان ، والملك والملكوت ، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون ، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم ، ويقولون " لا يعقل " وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول ، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول ، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات ، ( ت ) لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة ، في أبواب العقيدة وما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته ، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف ، ( ث ) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء ، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء ، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة ، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح ، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين ، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء ، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ،  (  تنبيه ثامن  )  :  تاريخ تسلسل ظهور الحشوية : فقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، في أقوال المحدثين ورواياتهم ، حتى ظهر مقاتل بن سليمان ( المتوفي سنة 150 ه‍) حيث ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات ،  وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه ، لقد أصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة متكاملة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده  من جهلاء المفسرين والمحدثين ، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية ، ثم ظهر محمد بن كرام السجزي ( ت 255 هـ ) ، وأتباعه هم الكرامية ، تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية ، ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي اجتهد في إرمام مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم بين العقلاء، فمن ذلك أنه عدل بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهو القائم بالذات، وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية رحمه الله  ومنه أيضاً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير المتناهية بينه وبين خلقه ، ثم تسربت مقالات التجسيم والحشو بعد ذلك إلى  كتب بعض الحنابلة الذين انتسبوا في الفقه إلى الإمام احمد كالبربهاري في القرن الرابع وابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى في القرن الخامس وكعبد الغني المقدسي الحنبلي و ابن مرزوق وابن الكيزاني في القرن السادس ، وفتنة الصوتية بالشام أيضاً مع العز ابن عبد السلام في عهد الملك الأشرف ابن الملك العادل الأيوبي الذي كان يميل إليهم فمنع العز من الافتاء , ثم لما تبين له الحق أطلق الإفتاء للعز ومنع الصوتية من مزاعم الحرف والصوت ، وهكذا توالت فتن الحشوية على مر عصور الإسلام ، ( تنبيه تاسع ) : براءة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله من انتساب الحشوية إليه : اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل (ت241هـ) ، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر ، ومن أكبر أئمّة الاسلام ، لكن قد انتسب إليه هؤلاء هو منهم بريء ، ، وقد تقدم مخاطبة الإمام ابن الجوزي ، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله ، لحشوية الحنابلة  ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي ، ومن نظر في كتابه الباز الأشهب علم مدى الحشو الذي وصل إليه هؤلاء ، حيث قال في خاتمة كتابه :  (( ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال ، لم يعجبهم لأنهم أَلِفُوا كلام رؤسائهم المجسمة فقالوا : ليس هذا المذهب . قلت : ليس مذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم ، فقد نزهت مذهب الإمام أحمد ، ونفيت عنه كذب المنقولات ، وهذيان المقولات )) اهـ  ، ومن نظر في كتاب ابطال التأويلات  للقاضي أبي يعلى علم ما وصل إليه القوم من الحشو ، ( تنبيه عاشر ) : التحذير من كتب حديثية كُتبت على منهج أهل الحشو ونُسبت إلى أهل السنّة والجماعة : إنّ من الأمانة العلمية أمام الله تعالى وأمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأمام المؤمنين تقتضي التحذير من كتب تلبس مسوح اهل السنّة ، والسنّة منها برآء ، وهي في الحقيقة لا تنتمي إلى العقيدة الأثرية ، ولا إلى عقائد أهل السنّة والجماعة القائمة على التقديس والتنزيه ، بل هي إلى عقيدة الحشو والتجسيم أقرب ، ومن ذلك : ( 1 ) كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد : لعثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ )  : فقد احتج فيهما بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيهما أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه ، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه ، وأثبتَ الثقل والحركة والقرب الحسي الذي يُقاس بالمسافة والحد لله عز وجل  ، وأنه مس آدم مسيساً بيده ، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع ، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة ، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش ، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وغير ذلك مما يدل على جهله العظيم بما يجب وما يستحيل في حق الله تعالى لما يوحي به من النقص والمشابهة لخلقه ، ( 2 ) كتاب السنة لابن أبي عاصم : وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها ، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه ، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك ، ( 3 )  كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (290هـ ) : وقلت : المنسوب لأنّ الغالب بل اليقين عندي أنّه لا تصح نسبته إليه ، لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه ، ولكونه اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة ، بل في بعضها تكفيره ، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة ، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان ، وقد كان أبوه الإمام أحمد يُجل الإمام أبي حنيفة وتتلمذ على تلامذته كمحمد بن الحسن الشيباني ،  ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش ، وإثبات صدر له وذراعين ، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم ، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة ، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه ، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك من الحشو الذي يؤول بصاحبه إلى التجسيم  ، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس ، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي  موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع ، ويعلم المحققون أنّ هذه الأخبار مكذوبة على الإمام أحمد وابنه عبد الله ،  بل الكتاب كله مكذوب عليه ، فإن كان هو واضعه فالله حسيبه ، والحق أحق أن يُتبع ، والكتاب عند المتخصصين في العقيدة لا يمثل سوى طائفة الحشوية وحسب ، ( 4 )  كتاب السنة للخلال : وفيه أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش ، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام ، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو ، والكتاب تقرير لعقائد أهل الحشو لا أهل السنّة ، ( 5 ) كتاب التوحيد لا بن خزيمة : تأثر - على علمه بالحديث - بابن كرام ،  صنف كتابه على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات ، ولكنه تاب عنه وندم فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: ( ما لأبي بكر والكلام ؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه .. ، ثم قال البيهقي : والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم " [ الأسماء والصفات للبيهقي ، ص 342 ] ، واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام " أهـ  [ الأسماء والصفات للبيهقي ، ص 340 ] ، وكتاب التوحيد أخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً ، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه ، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر ، وأنه يهبط ثم يرتفع ، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، وأن جنة عدن مسكنه ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو ، ( 6 )  كتاب الصفات المنسوب للدارقطني : وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه ، وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه ، فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري في [تبديد الظلام المخيم 206 ] ، لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته في [  ميزان الاعتدال 1/259 ] : (أقر بوضع حديث وتاب وأناب ) ، ولا يخفى أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين الأول أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين [ تدريب الراوي ج 1 / 329 ] ، الثاني : أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده. نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال [ لسان الميزان 1/ 218 ]   ، ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي ، وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال - فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) [ميزان الإعتدال6/ 267 ] ، وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن  ، ( 7 ) كتاب التوحيد لابن منده : وله أيضا كتاب الرد على الجهمية ، وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه ، وعزاه إلى البخاري ومسلم ، مع أنه ليس في أحدهما ، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من أخبار أهل الحشو لا أهل التخصص والعلم بالعقيدة ، ( 8 )  كتاب العرش وما روي فيه : لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة  ، وحال الكتاب من حال مؤلفه الذي نقل الذهبي تضعيفه عن الجمهور وتكذيبَه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، وعن غيره الاتهام بالوضع ، وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في روضة خضراء ، ( 9 )  كتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي ( ت 481 هـ ) : والهروي هو الذي كان المجسمة بهراة يلقبونه شيخ الإسلام نكاية بمن سمى به الحافظ أبا عثمان الصابوني الإمام المتقن ، ومن مصنفاته التي أضرت بعقيدة أهل الإسلام الصافية الصحيحة ، كتاب ذم الكلام وكتاب الفاروق في الصفات وكتاب الأربعين ، وهذه الكتب الثلاثة أبان فيها عن اعتقاد التشبيه ، وفي كتاب الأربعين ذكر أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة ، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين ، وباب في إثبات الهرولة ، وأهم أغلاط هؤلاء المصنفين على وجه الإجمال أنّهم : ( أولاً ) : جمعوا فيها أخباراً متفرقة فأحدث هذا الجمع في دلالتها تقوية لظاهرها الموهم كما سبق في الكلام على التفويض ، ( ثانياً ) : لم يفرقوا فيها بين النصوص التي تتفاوت دلالة وثبوتاً فمثلاً جعلوا قوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } مع الأخبار المنكرة التي تتحدث عن القعود على العرش وأطيط العرش من ثقل الجبار فوقه، وجعلوا هذين المتفاوتين من أدلة الاستواء على العرش ،  ( ثالثاً ) : أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا ، بل ربما عارضوا ما هو مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرويات عن أحد التابعين. ومثال ذلك تفسير المقام المحمود بالإقعاد على العرش. بل لم يفرقوا بين حديث نبوي وخبر إسرائيلي، فربما جعلوا ما لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من القدسية والمكانة ثابتاً لقول أهل الكتاب. ومثال ذلك ما ذكروه في الاستلقاء على العرش ووضع إحدى رجليه على الأخرى وغير ذلك مما هو مبسوط في الشبه السمعية ، ( رابعاً ) : أنهم لم يفرقوا بين منقول بالتواتر من الكتاب والسنة وخبر لم يصح سنده فأثبتوا بالثاني ما أثبتوه بالأول ، [ للتوسع في معرفة خلل هؤلاء انظر كتاب التجسيم في الفكر الإسلامي للدكتور صهيب السقار ، مبحث : التجسيم في فكر المحدثين ] ، ( فائدة ) : الفرق البين الواضح بين الحشوية والسلفية الحقة ( الأثرية ) هو الوقيعة في أهل التخصص من الأشاعرة والماتريدية ، إذ الأثرية على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في قواعد التقديس والتنزيه ، أم الحشوية - لجهلهم المركب بما يتعلق بتوحيد الذات أسمى معاني التوحيد ولجهلهم المركب بقواعد التقديس - فهم يعادون الأشاعرة والماتريدية أقسى مراتب العداء لأنّهم يجهلون ما عليه هؤلاء من رسوخ في العلم فيما يتعلق بتوحيد الذات وقواعد التقديس والتنزيه ،  ، ( تنبيه حادي عشر ) تسرب أفكار الحشوية إلى ابن تيمية : الحقيقة المؤسفة لمثلي - ممن درس الأصول وتخصص فيها - أنّي أعلم يقيناً أنّ الكثير من أفكار الحشوية قد تسربت إلى الإمام ابن تيمية ، بل يمكنني أن أُقسم قسماً وأحلف يميناً - أسأل عنه يوم القيامة ، وما أقسمته إلا شفقه بالمسلمين - أنّ ابن تيمية لم يكن سلفياً صافيا ، بل تسربت إليه العديد من مفردات المذهب الحشوي ، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي ظن أنّ لها من اسمها نصيب ، وقد سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد ، وفيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به ، وبأتباعه من بعده ، لكني أظن أنّ أكثر من أضر به في هذا المجال هما كتابي عثمان بن سعيد  الدارمي ، ( الأول ) كتاب الرد على الجهمية : فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، وعقد فيه باباً في تكفير الجهمية، وباباً في قتلهم واستتابتهم من الكفر، ولا يخفي أن الجهمية مصطلح تشنيع لا يراد به فرقة انتسبت إلى الجهم بن صفوان لأن الجهم مات وماتت معه أفكاره إلا أن الدارمي ومن تابعه يعنون بالجهمية من خالفهم في صفات الله عز وجل فيدخل في هذا الوصف المعتزلة وأهل السنة من الأشاعرة والماتريدية ، ( والثاني ) نقض عثمان بن سعيد على المريسي : وهو مثل سابقه في الحشو ، وزاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وغير ذلك مما هو مبسوط في موضعه ، وهذان الكتابان لهما منزلة عظيمة عند ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم وقد أكثرا النقل عن هذين الكتابين ، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية ، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف ، ومجدد السلفية ، ولكنّه للأسف جدد معها بناء المدرسة الحشوية بكل مفرداتها ، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد ،  إنّ المسلمين على زمان ابن تيمية كادوا يستقرون عقدياً ، على مدارس الأصول من الأثرية اتباع السلف الحقيقيون ، فلا يتتبعون المتشابه ولا يخوضون فيه ، بلا كيف ولا معنى ، والأشعرية والماتريدية ، فحول الأصول ، ووقد هذبوا العقائد وصفوها من شوائب الاعتزال والتجسيم والحشو ، وكادوا يستقرون فقهياً ، على المذاهب الأربعة وقد نقوا الفقه وصفوه من شذوذات ابن حزم والظاهرية وأنصاف الفقهاء ، وكادوا يستقرون في التزكية على أرقى وسائل التزكية والتصوف والإحسان ، في مدارس التربية التي تلائم العامة والخاصة ، والمسلمين والمحسنين ، وآنذاك يتفرغ المسلمون لنشر دينهم على أرقى وأحسن ما يكون التخصص العلمي المطلوب ، فبزغ نجم ابن تيمية ، فهاجم الأصول والفروع والوسائل ، وأخذ يهوش على المتخصصين ، فنصحوه ووعظوه ، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه ، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول ، وهو والله لا يبلغ قطرة في بحور الأشعرية والماتريدية مصابيح الزمان ، وحاملي لواء التقديس والتنزيه مفخرة عقائد الإسلام في كل مكان ، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ، ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى ، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله ، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام ، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل  الأعمال ، فهل كانت الأمة في زمانه على ضلال مبين ، حتى انتشلها من الظلام ، ثم دخل هو في دهاليز الألغام بان تحدث عن ليث بني غالب وباب العلوم والمعارف أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه ، بما لا ينبغي ، إذ لكل مقام مقال ، وهل الرد على الروافض يُجيز له إساءة الادب مع والد السبطين سيدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين ، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين ، بكلام لا يتفوه به من تأدب على أخلاق القرآن ، وعظّم جناب سيد الانام ، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام ، فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية ، فتعجل بتبنيها ونشرها ، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة ، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل ، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام ، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك ، أحد قبل ابن تيمية ، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه ،  وكيف تكون سلفية في مسالة نُخالف فيها السلف ، إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم ، لما له من كرامة عند اللّه ، ولم يخطر ببال أحد أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي  صلى الله عليه وسلم  شرك أو ذريعة إلى الشرك ، وكان هذا ديدن السلف في جميع العصور ، فهل لمنكر التوسل أن يصف نفسه بالسلفية ، ثم يتطاول على بقية المسلمين باللقب ، فيرميهم بالشرك والضلالة والبدعة والكفران ، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية ، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم  ، ويمتحن الناس باعتقادها ، هل هذه سلفية ، أم حشوية ، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية ، خوفا من تتبع المتشابهات ، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها ، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم ، ثم ينسب ذلك إلى السلف ، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع ، والله الهادي إلى سواء السبيل ، لقد ثار الرأي العلمي العام الإسلامي على الشيخ ابن تيمية من جانب الأصوليين المتخصصين في العقيدة ، ومن جانب الفقهاء المتخصصين في الفقه ، ومن جانب العارفين من الاولياء والصالحين ، بل ومن جانب المحدثين كابن حجر وغيره ، وهذا دليل على انحرافه عن صراط السلف المستقيم ، إذ ليس من الحكمة تخطئة جمهور علماء المسلمين واتهامهم بالسوء والضلال ، وتصويب رجل واحد ، فمنذ نشر الرجل رأيه حول الصفات الخبرية ، وضرورة الاخذ بظاهرها جاءت الاستنكارات عليه من علماء الأصول ، وعندما تكلم في التوسل والاستغاثة والزيارة ، استنكر ذلك عليه الفقهاء والربانيون ، ثم عندما تكلم في الحد السفلي والجهة العدمية وعلم الكلام والمعقول والمنقول ، وهو لا يعلم شيئا عن المعقول وضوابطه ، قامت عليه السلفية والأثرية ، فاجتمعت عليه طوائف العلماء والاولياء والفقهاء ( من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة )  - خيرة أمّة النبي صلى الله عليه وسلم - وقرروا منعه من نشر أخطائه ، فلما لم يسكت ، أمروا بسجنه ، ونفي من بلد إلى بلد ، وتعرض لاعتقال بعد اعتقال ، إلى أن منع من القرطاس والكتابة ، حتّى مات في السجن ممنوعاً من كل شيء ، ولو كان علمه صافياً لما تعرض لسخط كل هؤلاء العلماء ، ولأنتصب له من الطوائف من ينصره في مظلمته ، والجميع يعرفون أنّ مشاكله علمية وحسب ، ولم تكن سياسية قط حتى نقول أنّ الحكام تمالئوا عليه ، وظلموه ، لقد كانت مشاكله علمية مع علماء عصره ، فإنّ جماهير العلماء كانوا يخالفونه فيما يبديه من الآراء الشاذة ، المخالفة لما هو المشهور المجمع عليه بين العلماء ، في مجال الأُصول والفروع ، لقد ترجم للشيخ ابن تيمية مجموعة من تلامذته ممن تأثر به ، ومن الطبيعي أن يزيد التلميذ في حق استاذه ، فأسرفوا في الثناء عليه ، وفي مقدمتهم الذهبي ، لأنّه لاشك تلميذه وقد تأثر بأفكاره كثيرا ، وسيأتي بيان حال الذهبي في الترجمة في المبحث التالي ، والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ،  وتابعهما عبد الحي بن عماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، وابن رجب الحنبلي في الذيل على طبقات الحنابلة ، والسيوطي في طبقات الحفاظ ، ولا شك أنّهم ذكروا الجانب الحسن من علمه وحياته ، لكنّهم تعاطفوا عليه لكونه قضي أكثر حياته في السجون ، فلم يتوسعوا في ذكر الجانب السيء من علمه وحياته اكتفاءً بما لقيه من عقاب من الفقهاء والقضاة جراء أخطائه ،  أما الناظر الحصيف ، فإنّه يعلم شذوذه في أقواله التي خالف فيها العلماء ، لأنّه كان هناك اتفاق بين علماء وأكابر الفقهاء في عصره على أنّه يصدر عن عقائد وآراء في مجال العقائد والأحكام تخالف الرأي العام بين أهل السنة والجماعة ، ولأجل ذلك كانوا يصدرون الحكم عليه بعد الحكم ، ويعاقبونه مرة بعد أُخرى ، حتى منعوه من الكتابة قبل وفاته خوفا من تأثر العامة به  ،  (  التنبيه الثاني عشر )  :  تسرب أفكار الحشو إلى دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب : تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية بقوة السيف والسنان ، ولكن  أيضاً : كانت له كذلك اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية ، وفي مباحث توحيد الربوبية ، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر ، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته ، بحسنه وسيئه ، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، وقد أدى هذا الخلل إلى غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم ، ومرت على المسلمين سنوات عصيبة بسبب سلهم السيف على أغلب طوائف المسلمين ، ولقد مرت تلك المحنة وانتهت والحمد لله ، والجميع اليوم يأبى ذلك الغلو ويرفضه ، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة علمية واحدة غير متخصصة على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية الإسلامية ، وتلك هي الحشوية في أرزل صورها ، وهي كما ترى أبعد المذاهب عن السلفية الحقة الصافية الصحيحة ،  ( التنبيه الثالث عشر ) خطورة تجديد أفكار الحشوية في الفكر الإسلامي المعاصر تحت مسمى السلفية : الكثير من المعاصرين ممن تبنوا مذهب الحشو ،  أسرفوا في ذم جمهور أهل السنة وأكابرها من المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة من الأثرية والأشاعرة والماتريدية ، واهتموا بإعادة نشر ما صنفه بعض المتقدمين من كتب الحشو التي جمعت الأخبار المتشابهة والمتون المنكرة في ما يسمونه كتبَ التوحيد والسنةَ والردَ على الجهمية ، ويمكننا القول بيقين : أنّ متسلفة اليوم ليسوا على منهج السلف الصافي وأنّ انتساب الحشوية إلى السلف هي نسبة خاطئة ، وهكذا الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها وهو قد يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله ، ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول ، وقد أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، وذلك بموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ، ثم هم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق ، وأعظم به من منهاج ، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ثم هم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ، ثم هم يمقتون علم التقديس ولا يدرسونه مع أنّ قواعده مستمدة من الكتاب والسنّة ، ولو تواضعوا لهذا العلم ( علم توحيد الذات ) ودرسوه ، ودرسوا معه قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ،  [  4  ] : الأسباب والعلوم المفقودة التي أدى غيابها  إلى التنازع والاختلاف بين السلفية وبقية طوائف اهل السنّة والجماعة : أسباب عديدة وعلوم مفقودة أدى غيابها إلى التنازع والاختلاف بين طوائف السنّية والسلفية ، أهمها - في تقديري - الجهل بتلك العلوم :  ( أ ) الجهل بعلم التقديس والتنزيه المستمد قواعده من أدلة الكتاب والسنة ( علم توحيد الذات ) ، أدى في باب الغلو إلى وجود حشوية أهل السنّة ممن يقترب مذهبهم من المشبهة والمجسمة والوقيعة في أهل التقديس والتنزيه ، ورميهم بالتعطيل والتجهم وهم يظنون في ذلك العدوان أنّهم على هدي السلف وجادة الطريق يحاربون البدعة ويضللون أهلها ، وأدى في باب التفريط إلى وجود من يقترب من مذاهب المعتزلة الضالين في باب الأسماء والصفات ، ولا شك كذلك أنّ اختلال معايير العلم ( علم التقديس والتنزيه وتوحيد الذات ) يؤدي إلى اختلال تقييم الجهات المقابلة فيشتعل التكفير والتبديع والإفراط والتفريط والرمي هنا وهناك بالفسوق والبدعة والضلال ، و لأجل بيان هذا العلم وتأصيل مباحثه كان كتابي :  كتاب التجديد الأول : تجديد علم التقديس وفقه قواعد التنزيه وفقه توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام  ( ب ) والجهل بعلم الإيمان ، وفقه مسائله وأحكامه في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ، أدى في باب الغلو إلى وجود التكفيريين ممن يقترب مذهبهم من مذاهب المعتزلة والخوارج الضالين ، وفي باب التفريط إلى وجود مرجئة أهل السنّة ممن يقترب مذهبهم من المرجئة الضالة ، ولا شك أنّ اختلال معايير العلم ( علم الإيمان ) يؤدي إلى اختلال تقييم الجهات المقابلة فيشتعل التكفير والتبديع والإفراط والتفريط والرمي هنا وهناك بالفسوق والبدعة والضلال ، ووصل الحال إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، وزاد الخرق على الراقع فأفتى الغيورون منهم بجواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرون ، وتحويلهم إلى أشلاء ، وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله ، و لأجل بيان هذا العلم وتأصيل مباحثه كان كتابي : كتاب التجديد الثاني : تجديد علم الإيمان وفقه مسائل الإيمان والكفر ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام  ، ( ت ) والجهل بعلم التوحيد المستمد قواعده من أدلة الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ، ( توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والألوهية ) أدى في باب الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون ، قد يكون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أنّهم يقولون ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) ويقرون بها ، وأولئك وصفهم القرآن الكريم بقوله تعالى : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } [ ص : 4 إلى 8 ] ، وأدى في باب التفريط إلى وجود طائفة أهملت علم التوحيد ومسائله وأحكامه ، حتى أثر ذلك على أسلوبهم في التعامل مع مفردات العبادة ، وآل بهم إلى ممارسات خارجة عن الشريعة ، وخروقات تخدش جناب التوحيد وتخرق حصونه ، ومن ذلك الطواف حول القبور والأضرحة ، ومع أن الطواف عبادة ، وهو مخصوص بالكعبة المشرفة ، والطواف على قبور الصالحين لا تقره الشريعة المطهرة ، ولا نقول أنه شرك بالله كما يقوله أهل زيادة التكفير والتشريك ، وذلك لأن مناط الشرك في الطواف اعتقاد إلهية المطاف به أو ربوبيته ، وهذا لا يفعله مسلم أبداً ، وإنما نقول أنه من الجهل بدين الله تعالى ، ذلك الجهل الذي أدى بهم إلى المغالاة والإسراف في اعتقاد الصالحين ، حتى وصل الأمر إلى النذر لهم ، والتمسح بأعتابهم ، والسجود عند أضرحتهم ، وحتى شكوا إليهم أحوالهم ، وطلبوا منهم شفاء المرضى وعودة الغائبين ، ونجاح الأولاد وصلاح الأحوال ، وإغناء الفقير وإسعاد الزوجات ودفع المصائب والبلايا ، وإصلاح شئون البلاد والعباد ، وغير ذلك مما يعتبر إسرافاً في اعتقاد الصالحين ، وممارسات خارجة عن حد الشريعة ، ولا شك أنّ اختلال معايير العلم ( علم التوحيد ) يؤدي إلى اختلال تقييم الجهات المقابلة فيشتعل التكفير والتشريك والتبديع والإفراط والتفريط والرمي هنا وهناك بالكفر الاكبر والشرك الاكبر ، وبالفسوق والبدعة والضلال ، و لأجل بيان هذا العلم وتأصيل مباحثه كان كتابي :  كتاب التجديد الثالث : تجديد علم التوحيد وفقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام  ، ( ث ) والجهل بعلم الاتباع والسنّة ، وفقه مسائل السنّة والبدعة ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ، فأدى ذلك في باب الغلو إلى الزيادة في التبديع وتبديع ما ليس بمبتدع ، وتبديع الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب هؤلاء في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، وأدى ذلك في الباب المقابل باب التفريط إلى التوسع والتساهل في مسائل الإتباع والابتداع إلى حد أدى إلى انتشار المحدثات والبدع والمنكرات ، وحتى صار ( السماع ) - بدلا من سماع القرآن - سماعاً للألحان ، وصار الذكر - ولا حول ولا قوة إلا بالله - مضبوطاً بالحركات ، ورقصاً على نغمات الألحان ، وحتى صارت الموالد والاحتفالات والمهرجانات على مدار العام ، وكأن الإسلام قد اكتملت فرائضه وطبقت أحكامه ووثقت عراه ولم يبق إلا الاحتفال بمناسباته ، ولا شك أنّ اختلال معايير العلم ( علم السنّة والإتباع ) يؤدي إلى اختلال تقييم الجهات المقابلة فيشتعل التكفير والتبديع والإفراط والتفريط والرمي هنا وهناك بالبدعة والضلالة والهلاك ، و لأجل بيان هذا العلم وتأصيل مباحثه كان كتابي :  كتاب التجديد الرابع تجديد علم الاتباع والسنّة ، وفقه مسائل السنّة والبدعة ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام  ، ( ج ) والجهل بإطار أهل السنّة والجماعة الواسع الصحيح ، وهذا علم مستقل لا يتقنه إلا الراسخون في العلم الحريصون على امة النبي صلى الله عليه وسلم الرحماء بهم ، وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، والثانية : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري ، والثالثة : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة [ سيتبين هذا الأمر في الرسائل المتتالية القادمة إن شاء الله تعالى بما لا يدع مجالا للشك في هذه القضايا المصيرية المتعلقة بأهل السنة والجماعة ] ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس ، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ويحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين ، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) المتمسكة بأصول أهل السنّة والجماعة ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص ، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة ، و لأجل بيان هذا العلم وتأصيل مباحثه كان كتابي :  كتاب التجديد الخامس : تجديد فقه الانتساب إلى إطار أهل السنّة والجماعة الناجية ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ،  ( ح ) والجهل بعلم السياسة الشرعية ، وفقه مسائله وأحكامه في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ، ذلك العلم الذي يضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الافتئات عليها ، فيتفرغ الحاكم والعالم كلٌ لأداء مهامه ، وهو العلم الذي يضبط العلاقة الشرعية الصحيحة بين النظام الحاكم والمحكوم ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وفتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة ، وعلى حكمة وموعظة حسنة ، وتمتلئ بالرأفة والرحمة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ، وتتميز بتتبع جذور الغلّو في هذه المسألة ، واجتثاثها من أصولها ، حتى يتم فتح صفحة جديدة للتعامل بالصدق والثقة بين التيار الإسلامي وبين أهل السياسة والحكم ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وأكرر فإنّ مسألة العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والمحكوم في بلاد المسلمين هي من أشد المسائل التي سال من أجلها دماء في تاريخ الإسلام واستحلت محارم ما كان ينبغي لها أن تستحل يعرف ذلك كل من له أدنى اطلاع على تاريخ الإسلام ، وهي مسألة دقيقة تحتاج إلى فقه عظيم بدين الله تعالى ، لأنها من أشد مسائل الفقه إشكالاً على طلاب العلم حتى إنه لم يسلم من الخطأ فيها بالغلو أو التفريط الكثير ممن ينتسب إلى العلم ،  وهي مسألة دقيقة تؤثر كثيراً على عمل الدعاة والمحتسبين والمجاهدين وعلى كافة التيارات الإسلامية العاملة في مجال النهوض بالإسلام بسبب موقعها الحساس والمتعلق بالأنظمة الحاكمة لديار المسلمين شداً وجذباً ، وإنّ حاجة جميع المهتمين بالإسلام علماً وعملاً في هذه الأزمان شديدة إلى العلم الصحيح بتأصيل تلك المسألة وذلك من أجل تصحيح جميع المسارات الدعوية والتعليمية والتربوية والحسبية والجهادية العاملة لدين الله ، وأرى أنّ هذه المسألة من مسائل الفقه السياسي الإسلامي والسياسة الشرعية الإسلامية قد باتت من أشد مجالات الفقه الإسلامي في حاجة إلى بيان القواعد الشرعية الصحيحة التي تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وقد أدى الغلو في هذا الباب إلى مواجهة حتمية مع أنظمة قوية غاشمة في حرب غير متكافئة أهلكت الأخضر واليابس ، كما أدى التفريط في هذا الباب إلى ممالأة الظالمين على ظلمهم وتعطيل أحكام الشرع من اجل مكاسب موهومة لا صحة لها ، كما أدى التذبذب في هذا الباب ( باب السياسة الشرعية الحكيمة والتعامل مع الانظمة الحاكمة ) إلى اضطراب الكثير من الحركات الإسلامية القائمة على ثغور أهل السنّة  ، يعملون لخدمة الإسلام وعيونهم على كرسي الحكم ، تاركون الحكم لأهله سامعون مطيعون في إطار السياسة الشرعية الحكيمة التي جاء بها شرع الإسلام ، لا يزاحمون الحكام المسلمين فيما يدور في إطار صلاحياتهم ولا يفتاتون على صلاحياتهم ، ولا هم بغاة مسلحون يحمون بيضتهم بسلاحهم ، فلذلك يدورون في فلك واحد هو التنكيل والزج بالسجون والتعذيب حتى إذا اُستحلت حُرماتهم هادنوا ، ثم إذا اشتد عودهم وزاحموا الحكام في صلاحياتهم زُج بهم في السجون كرة أخرى ، وهذا حالهم في كل دول المسلمين ، وعلى مر تاريخهم السياسي المؤسف المرير ، يخرجون من أزمة إلى نكسة ، ومن نكسة إلى أخرى ، وهكذا دواليك مرة بعد أخرى ، فكانت النتيجة أن أضاعوا زهرة شبابهم ، ما بين شهيد وسجين ، وما بين مشرد وهارب ، فلا يتعلمون من تجاربهم ولا يصححون مسارهم ، ولا يتقنون السياسة الشرعية الحكيمة التي جاء بها شرع الإسلام ، ولا يحققون ما تكاتفوا من اجله لتجديد امر الدين وتحقيق اهدافه ، و لأجل بيان هذا العلم وتأصيل مباحثه كان كتابي :  كتاب التجديد السادس : تجديد السياسة الشرعية الإسلامية ، وبيان القواعد الشرعية الصحيحة لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام  ، ( خ ) والجهل بعلم العقيدة ومباحثه الدقيقة التي لا يُتقنها إلا المتخصصون ، على منهاج علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ، أو الجهل بالمدارس الأصولية المتخصصة التي ضبطت قضايا العقيدة ، او الجهل بدورها في بناء مقومات الاعتقاد ، أو الجهل بالقواعد الجامعة لأهل الفرقة الناجية في باب أصول الدين وفقهه الأكبر  باب العقيدة ، أو الجهل بالواجب والجائز والمستحيل في حق الله الواحد الأحد الجليل ، أو الجهل بقواعد التقديس والتنزيه التي تعصم من التعطيل والتشبيه  ، أو الجهل بمنهج السلف الصالح الصحيح في الذات الأسماء والصفات والأفعال ، أو الجهل بمنهج الاستدلال على الاعتقاد عند علماء العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة ، أو الجهل بأصول الفرق الضالة في باب العقيدة كالشيعة والخوارج وكالمعتزلة المعطلة والحشوية المجسمة ، فيؤدي ذلك إلى الخلل في باب العقيدة ، و لأجل بيان هذا العلم وتأصيل مباحثه كان كتابي :  كتاب التجديد السابع : التجديد في علم العقيدة ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام  ، ( د ) والجهل بعلم الفقه وقواعده وأصوله في الكتاب والسنه وعند سلف الأمة ، وعند علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ، أو الجهل بأهمية المدارس الفقهية الأربعة المتخصصة آلتي ضبطت مسائل الفقه ، أو الجهل بدورها في بناء الصرح الفقهي الشامخ ، أو الجهل بالقواعد الجامعة لأهل السنة والجماعة في باب الفقه ، فيؤدي ذلك إلى طلب الاحكام الشرعية من غير طريقها ومن غير المتخصصين فيها ، ولأجل بيان هذا العلم وتأصيل مباحثه كان كتابي :  كتاب التجديد الثامن : التجديد في علم الفقه ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ، ( ذ ) والجهل بعلم الإحسان وقواعد التزكية في الكتاب والسنة ، وعند سلف الأمة ، وعند علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ، أو الجهل بطريقة أهل السنة والجماعة في رقى المدارج إلى مراتب المقربين والصديقين ، أو الجهل بأقسام الصوفية وتقييمها بالميزان الرباني العدل الذي حبى الله عز وجل به العلماء المنصفين دونما ظلم أو عدوان ، و لأجل بيان هذا العلم وتأصيل مباحثه كان كتابي :  كتاب التجديد التاسع : التجديد في علم التزكية والإحسان ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام  ، ( ر ) الجهل بالفهم الصحيح الواسع لدين الإسلام ،  ذلك الفهم الصحيح الذي يساهم مساهمة فعالة في الوصول بالعقلية الإسلامية نحو ذروة سنام الفهم الواسع لدين الإسلام والمحيط بكافة جوانبه ، ويكون بمثابة حجر الأساس لوحدة إسلامية منهجية صحيحة شاملة قوية أصلها ثابت وفرعها في السماء ، ويكون بمثابة المرجع الصحيح لتوافق وتكامل جميع القائمين على ثغور العمل الإسلامي نحو تجديد أمر الدين ، و لأجل بيان هذا العلم وتأصيل مباحثه كان كتابي : كتاب التجديد العاشر : تجديد الفهم الصحيح الواسع المحيط بكافة جوانب دين الإسلام ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام  ، ( ز ) الجهل بأهم أهداف رسالة الإسلام على أرض الله تعالى وبين عبادة ، أو الجهل بالوسائل التي جاء بها الشرع الحكيم لتحقيق أهدافه ، أو الجهل بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في التمكين لدين الله تعالى على الأرض ، أو الجهل بأولويات العمل الإسلامي المعاصر في ظل الواقع العالمي المرير المحيط بالعمل الإسلامي ، أو الجهل بسنن الله تعالى في النصر والتمكين والتجديد ، أو عدم معرفة لنبات وقواعد العمل الإسلامي الجاد الصحيح المؤهل لحمل لواء التجديد ، أو الجهل بالقواعد المنهجية السليمة للإصلاح المنهجي لطوائف أهل السنّة والجماعة نحو العدل بلا إفراط ولا تفريط ، أو الجهل بالقواعد المنهجية السليمة اللازمة لإصلاح وترشيد الاتجاه السني بكافة فصائله وإصلاح وترشيد الاتجاه السلفي بكافة فصائله وإصلاح وترشيد الاتجاه الصوفي بكافة طرقه وفصائله ، أو الجهل بالقواعد المنهجية السليمة لتحقيق التقارب الشرعي بين طوائف أهل السنّة والجماعة ، أو الجهل بالقواعد المنهجية السليمة اللازمة لإصلاح وترشيد مختلف الاتجاهات الدعوية والحسبية والجهادية والسياسية القائمة على العمل الإسلامي ، أو الجهل بالتحديات الرهيبة المعاصرة لدعوة الإسلام وفقه مواجهتها والتغلب عليها والتحول من وضع الاستضعاف إلى التمكين ، أو الجهل بأصول وأسس العمل الإسلامي اللازم لتجديد أمر الدين ، وإحياء الخلافة على منهاج النبوة ، و لأجل بيان هذا العلم العملي وتأصيل مباحثه كانت  رسائلي من كتاب التجديد الحادي عشر ، وإلى كتاب التجديد العشرين ،   [  5  ] : أهل السنّة والجماعة سواد المسلمين الأعظم ولا يجوز تفتيت جماعتهم : بعض السلفية ينظر نظرة ضيقة أثيمة تعتبر جناية على أهل السنّة والجماعة ، نظرة تفقدها ميزتها بأنّها سواد المسلمين الأعظم ، وأكثريتها بين فرق المسلمين الضالة كالروافض ولخوارج والمعتزلة والمجسمة والمرجئة وغيرها ، فينظر إلى أهل السنّة والجماعة على أنّها طائفته التي ينتمي إليها وحسب ، وينظر إلى أنّ السلفية هي البديل الصحيح لمصطلح أهل السنّة والجماعة ، ومن عداها فرق مخالفة او فرق ضالة ، وهو قد أُتي من ضيق النظرة الأفقية في واقع المسلمين ، فإن تعداد المسلمين في العالم يربو على ألف وستمائة مليون نسمة ، لو أخرجنا الشيعة والخوارج والمعتزلة والمجسمة والمرجئة وسائر الفرق الضالة ، كان تعداد اهل السنّة والجماعة ما يربو على ألف وثلاثمائة مليون نسمة ، والسلفية لا تمثل سوى نسبة محدودة ، والسنية بمدارسها العقائدية والفقهية تمثل الخط العلمي العام لأكثرية العلماء والمتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة ، والصوفية تنتشر في مصر والسودان ودول المغرب العربي ودول شرق آسيا كبنغلادش والباكستان ، وإندونيسيا ، وغيرها من البلدان التي تمثل أكثرية تعداد المسلمين ، إنّ النظرة الصحيحة لأهل السنّة والجماعة - بعد معرفة أصولها الصحيحة الراسخة لا الأصول السطحية الخاطئة التي يؤصلها أنصاف المتعلمين عديمي التخصص الصحيح في العلم الشرعي  - هذه النظرة الصحيحة لأهل السنّة والجماعة ترى ضرورة وترى ضرورة إجراء تعديلات علمية وعملية تحتم إصلاح الخلل الموجود عند طوائف السلفية حتى تنتظم على الجادة في سلك الفرقة الناجية ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ،

[ اللبنة الرابعة من لبنات التجديد العلمي : إصلاح أخطاء طوائف أهل السنة والجماعة المعاصرة الثلاث : إصلاح أخطاء السلفية ، وإصلاح أخطاء الصوفية ، وإصلاح أخطاء السنّية ] :  كما ذكرنا أنّه قد انتسب إلى أهل السنة والجماعة تلك الطوائف الثلاث  ، وهي تمثل في مجموعها الإطار الواسع لأهل السنة والجماعة ، ولاشك أن هناك عوامل عديدة ، وحلقات مفقودة : أدت إلى التراشق بين طوائف أهل السنة بالبدعة والعداوة والبغضاء ، والتحزب وكل حزب بما لديهم فرحون ، والذي أراه : أن كلاً من تلك الطوائف العظيمة يحتاج إلى تجديد رصين ، تجديدٌ يقوم على ترسيخ الصواب ، وتصحيح الأخطاء ، وبالتالي يجتمعون - كما كانوا على مر عصور الإسلام -  داخل إطار أهل السنة والجماعة ، يجمعهم التوحيد والتقديس والتزكية ، وينطلقون على قلب رجل واحد نحو تجديد أمر الدين ،  ودور المجددين يتمثل في : إصلاح تلك الطوائف وتصحيح أخطائها بما يؤدي إلى تقاربها وتكاملها ، وفي تحديد العوامل التي أدت إلى ذلك التراشق بين طوائف أهل السنة بالبدعة والعداوة والبغضاء ، وعلاج أسبابها ، ووصل الحلقات المفقودة بينها بما يصحح مسارها جميعا ، مع تكاملها في نشرها للدين وحفظها له ، والمنهاج السديد في التجديد : هو اتباع أحسن ما أنتجته اجتهادات العلماء في طوائف السلفية والأشعرية والصوفية ، نأخذ الأحسن ونتبعه ، ونترك الخطأ ونرفضه ولا نشنع بقائله ، فإن كل بني آدم خطاء ولا معصوم في هذه الأمة سوى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، ، وبعد فهذا ما تيسر في إجابة السؤال ، والله تعالى أعلم ورسوله ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

الأثرية كتاب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات ، صنفه العلامة مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي ( ت : 1033 هـ ) ، وكتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر لعبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر  ، وكتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية وكلاهما - أي المتن والشرح - للشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي ،  ( تنبيه سادس ) : الفرق كبير بين الأثرية والحشوية  :  فالأثرية طائفة من طوائف أهل السنّة والجماعة أمّا الحشوية فهي فرقة ضالة ،  بل لا تصح المقارنة أصلاً ، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في جناب ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله ، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى جناب ذات الله تعالى ، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث ، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في جناب ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه ،  وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله ، وكلاهما ( الأثرية والحشوية ) يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس ، وهو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري ينتهي نسبه إلى الصديق ابي بكر رضي الله عنه : أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان على تفويض علم المتشابه إلى الله ، وهو على ذلك كان أثرياً ، وهاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة ، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه ، ودعا عليهم ، وانظر كتابة الباز الأشهب في الرد على مخالفيه ، وكانوا ثلاثة من شيوخ المذهب الحنبلي ، وهم :  ابن حامد البغدادي ، والقاضي أبو يعلى الفراء ، وأبو الحسن ابن الزاغوني  ، واتهمهم بأنهم صنفوا كتبا شانوا بها مذهب الإمام أحمد بن حنبل ،  وقال في خاتمة كتابه : " ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال لم يعجبهم، لأنهم ألفوا كلام رؤسائهم المجسمة، فقالوا ليس هذا المذهب. قلت: ليس بمذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهتُ مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ونفيت عنه كذب المنقولات وهذيان المعقولات "  أهـ ،  ( تنبيه سابع ) : الحشوية طائفة موجودة معروفة ولا سبيل إلى إنكار وجودها ، وهم أكبر خطراً على أمة الإسلام من المجسمة ، والسبب في ذلك أنّهم ينتسبون إلى السلف زورا وبهتانا ، والسلف من زيغ عقائدهم براء ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، ومن أبرز صفات الحشوية : أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بجناب ذات الله تعالى ، لا يجدون حرجا من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى جناب ذات الله ، ويعتقدون في جناب ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ،   يتكلمون في جناب

عدد الزيارات 594

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا