جديد الموقع

السؤال الرابع وإجابته وهو يدور حول التجديد والإصلاح في الجانب السلفي


الثلاثاء, 15 آذار/مارس 2016 19:23

السؤال ( 4 ) : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : تكلمتم عن حديث التجديد ، وبيان المقصود من التجديد ، وبيان أهم جوانب التجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ منها التجديد العلمي وإصلاح الخلل العلمي في الأمة ، وذكرتم أنّ من أسس ومنطلقات ولبنات الإصلاح العلمي المنشود ، التجديد والإصلاح في الجانب السلفي ، فكيف يتم هذا التجديد والإصلاح في الجانب السلفي ؟ أفتونا مأجورين ؟ 

الجواب ( 4 ) : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :  أقول وبالله التوفيق :  عوامل عديدة أدت إلى ذلك التراشق بين طوائف أهل السنة بالبدعة والعداوة والبغضاء ، وكان السبب فيها قصور من الطائفة السلفية ، وهذه العوامل يجب إصلاحها بسرعة وإتقان حتى تعود السلفية  إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية - وأنا هنا لا أعمم تلك العوامل على جميع التيار السلفي ، ولكنها موجودة في شتى فصائله ومدارسه العلمية والعملية -  ، ومن تلك العوامل : ( 1 ) الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وأدى ذلك إلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في جناب ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ،  ( 2 ) الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة ، بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون ، قد يكون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظرة إلى تاريخ ابن غنام وغيره ممن أرخ لتلك الفترة نعرف مدى صحة ذلك ، ( 3 ) الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا ، والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج ، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، وأدى ذلك إلى جواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرون ، وتحويلهم إلى أشلاء ، وما أدبيات السلفيات القتالية والجهادية عن ذلك ببعيد ،  ( 4 ) الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة ، في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ،  ( 5 ) غلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ، ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل ، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله ، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج ، ( 6 ) إهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد ، واعتبارها من علوم اليونان ، وهم لا يعلمون : لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان ،  ( 7 ) عدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة ، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه ، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، وذلك في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ،  ( 8 ) الذهول عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية ، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم ، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة - وهم أهل السلف الحقيقيون - بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم ،  ( 9 ) بعث بعض مفردات مذهب الحشوية والخطأ بنسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعله بديل لكافة التخصصات العلمية ، ومن ثم بعث بعض كتب الحشوية والمجسمة من جديد وإعادة طباعتها على أنها تمثل مذهب السلف والأثر ، وهم منها براء  ، وهل كان السلف مجسمة أو مشبهة وحاشاهم من ذلك ،  ( 10 ) الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة  ، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق ،  ( 11 ) إهمال مناهج التربية والتزكية ، ومن ثم كانت النفسية التي تتسم بالغلظة والقسوة وغمط طوائف أهل السنّة والجماعة الأخرى واحتقارهم وتبديعهم والجفاء عند معاملتهم ، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا ،  ( 12 ) شن الحروب التي لا داعي لها - بين الحين والآخر - على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم ، وصقلت مدارسهم الفقهية  على مر عصور الإسلام  كل ما يتعلق بالفقه ومسائله ، فأيهما أجدى البناء على ما بناه أولئك الاكابر فيرتفع البناء عاليا ، أم هدمه والتشكيك فيه ، مع استحالة إتقان ما أتقنوه ، واستيعاب ما استوعبوه ، وبناء ما بنوه ،  ( 13 ) شن الحروب على التصوف برمته ، صالحه وطالحه ، بدعوى أن له أصول من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال ، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين وبين الأدعياء ، مع أنه قد مرت عصور كاملة ، وقرون تامة ، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية ، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله ، فهل جميع أولئك على ضلالة ، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك ، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية ، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة ،  ( 14 ) أمر خطير يمثل خطرا على صفاء منهاج السلفية ، ألا وهو اعتماد كلام ابن تيمية وكأنه - وحده - المتحدث الصحيح  عن كافة طوائف أهل السنة والجماعة ، واختزال آراء من خالفوه في كثير من المسائل ، وكانوا وقتها يمثلون جمهور أمة الإسلام بمن فيهم الحنابلة ، فقد خالفوه في مسائل عديدة ، ولا شك أن ابن تيمية من العلماء ولكنه لم يكن معصوماً ، ولم يجمع كل علوم الإسلام ، وهذا غير متيسر لأحد ، وقد ذهل بالكلية عن قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة - كما سيتبين في تلك الرسائل - والتي بسبب ذهوله عنها هجم على أهل الفقه الأكبر في العقيدة ( الأشاعرة والماتريدية ) وانتقص من كبرائهم - مفاخر العلم -  انتقصهم بغير حق ،  كما أنه غاب عنه مذهب السلف الحقيقي في المتشابه ( الذي هو تفويض العلم به إلى الله ) وظنه إثبات اللفظ الظاهر على حقيقته وتفويض الكيفية ، فاقترب من الحشوية الجهلاء ، وظلم مذهب السلف والخلف ، واتهم مذهب السلف الصحيح الحقيقي ( تفويض العلم بالمتشابه ) بأنه شر المذاهب وأنه مذهب أهل الجهل ، ولذلك لم يسلم منه الكثير من علماء أهل السنة الأعلام ، وأدي ذلك إلى أن خاض في المتشابه على طرائق الحشوية والمشبهة واقترب منهم ، كما أن له تعميمات يعوزها الدقة والتمحيص ، وتمثل خطراً على صفاء منهج السلف الصالح ، كادعائه بأنه لم ينقل عن السلف الصالح تأويل شيء من المتشابه ، وبالتالي اتهم بالبدعة في الدين والخروج عن منهج السلف كل من أول شيئاً من المتشابه ، وطار بهذا التعميم الركبان في كل واد ، مع أنه ثابت في التفسيرعن حبر الأمة وترجمان القرآن  عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعن كثير من التابعين وتابعي التابعين والأئمة العلماء ،  وليس تأويلهم لهوى أو بدعة وحاشاهم من ذلك ، وإنما هو لضرورة منع اتباع العامة للمتشابه ، وضرورة حمل المتشابه على أمهاته من المحكمات ، لحفظ عقائد المسلمين من التشبيه والتمثيل ، كما أنه - ابن تيمية رحمه الله - تشدد في مسائل الزيارة والتبرك والوسيلة على غير طريقة الفقهاء ، وتشدد على طوائف الصوفية من أهل السنة والجماعة بحق أحياناً وبغير وجه حق أحيانا ، ونحن لا ننقصه حقه كأحد العلماء ، ولكن أن ننجرف مع أخطائه وتشدداته وتعميماته ، فهذا لا يرضاه العلماء المنصفون من أهل السنة والجماعة ، وهذا ما يأباه منهج التصحيح والتجديد ، الذي يأخذ من كل عالم أحسن ما اجتهد فيه ، ويصحح ما أخطأ فيه ، سعياً وراء الإنصاف والتصحيح والتجديد ، [ تنبيه ] : التأويل ثابت في التفسير عن حبر الأمة وترجمان القرآن  عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري (3 / 7) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2 / 322 ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17 / 52 ] ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري (18/135) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد [ الطبري 29 / 38، القرطبي 18 / 249] ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ، ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. [ تفسير الطبري (24 / 19) ] ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر.[ تفسير الطبري (29 / 38 – 39) ] ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله [  (الطبري 1 / 402 ] ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو [ دفع شبه التشبيه ص / 113] وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضائه [ تفسير البغوي 4 / 454 ] ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله. [ روح المعاني تفسير الآية 56 من سورة الزمر ] ، ومن تأويلات تابعي التابعين ، تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى ( ثم استوي إلى السماء ) بالقصد إليها [ مرقاة المفاتيح 2 / 137 ] ، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  (ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 105 ، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص/136، شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 37، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص / 82] ، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [البداية والنهاية لابن كثير 10 / 361  ] ، ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى ( أو يأتى أمر ربك ) ومثل هذا في القرآن ( وجاء ربك )  قال: إنما هو قدرته. [ دفع شبه التشبيه ص/ 141 ] ، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شيء هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر سـورة القصص، فتح البـاري 8 / 364] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة [ تفسير الطبري (16 / 123) ] ، وتأول ( الاستواء ) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته....علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) [ تفسير الطبري : (1 / 192) ] ،  ( 15 ) يرى أتباع السلفية المعاصرة أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة ، مع أنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر ابن تيمية ومدرسته ، وهكذا تم اختزال كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء ، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية الاخرى -  والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام -  ، بل وقياس قربهم وبعدهم  عن أهل السنة والجماعة بهذه المقاييس الانحيازية ، مما يمثل خطرا على سعة الدين واحترام تخصصاته العلمية  ، ( 16 ) الخطأ العلمي القائم على احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط ، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي ، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء الإمام ابن تيمية ، وآراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب  المؤسس الثاني لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر ، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل ، ولاشك أنّ أهل السنة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة ، ولكن ينبغي مناقشة آرائهم جميعها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف ، ومدى قربها أو بعدها عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم ،  ( 17 ) الخطأ في فهم المقصود بالخيرية التي وصفت بها قرون السلف الأولى ، قد اساء بعض المنتسبين إلى السلفية فهم الخيرية المنصوص عليها في احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ظاناً أنّ الخيرية اقتصرت على القرون الثلاث الاولى فقط ، فاتجهوا الى رفض ومعارضة كل رأي او فهم يأتي من خارج دائرة القرون الثلاث الا بانتقاء الآراء بعد ذلك من العصور المتأخرة ، والحقيقة التي يجب معرفتها : أنّ الخيرية لم تكن في جميع من عاش القرون الثلاث الاولى بل الخيرية كانت في العموم والمجموع الغالب ، ثم ظهرت التخصصات العلمية بعد ذلك مستمدة أصولها من علماء تلك الحقبة المباركة من عصور الإسلام ، فليس المقصود بالخيرية رفض كل صحيح بعدها ، وهذا هو الخلل في فهم الخيرية ، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم ، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي ، ففي القرن التالي لعصور السلف ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد ، وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة ، وانتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها ، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين ، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم ، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم ، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم ، وامتزجت علومهم ، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام ، ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل التقديس والتنزيه ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول ، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة  ، وهي المدرسة الأثرية وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، والمدرسة الأشعرية وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، والمدرسة الماتريدية وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، ومع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ،  ( 18 ) الخطأ والخطر في تقديم مؤسسة واحدة ( السلفية بمفرداتها التي اشتهرت بها ) على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ، لقد كان السلف الصالح هم خير قرون الإسلام علما وعملا ، وفقها وفهما ، وهم أعلم الناس بدين الله عز وجل وأرسخ الناس إحاطة بعلومه وجوانبه وأقل الناس تكلفا في أمره وأبعد الناس غلوا في فهمه أو تفريطا في القيام بجوانبه ، واهل السنة والجماعة يعرفون لسلفنا الصالح فضلهم ويسيرون على هديهم ومناهجهم فإنهم كانوا على الهدى القويم والصراط المستقيم ، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم ، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وابداعهم الفكري ، وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية ، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل ، ولاشك أنّ أهل السنة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة ، ولكن هناك نقاط لابد وأن توضع على الحروف عند تناول هذا الأمر ، ( النقطة الأولى ) : تتمثل في أنّ دعوى السلفية المعاصرة تنتسب إلى ابن تيمية انتسابا لصيقا لأنّه المؤسس لهذه الدعوى في القرن الثامن ، وكل من أثنى عليه ابن تيمية ممن سبقه ونسبه إلى السلف نسبته السلفية إلى السلف ، وكل من هاجمه ابن تيمية ممن سبقوه ناصبته السلفية المعاصرة العداء ، وليس يعتبر سلفيا من جاء بعده حتى يكون قد تتلمذ على يديه أو كتبه وأفكاره ، وعلى ذلك فينبغي قبل مناقشة دعوى السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية ينبغي مناقشة آراء ابن تيمية لمعرفة مدي تمثيله لمذهب السلف ، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم ، و ( النقطة الثانية ) : تتمثل في أنّ دعوى السلفية المعاصرة تنتسب إلى محمد بن عبد الوهاب  انتسابا لصيقا لأنّه المؤسس لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر ، وهو قد أحال أغلب آرائه إلى ابن تيمية ثم أضاف أشياء وآراء واجتهادات ينبغي مناقشتها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف ، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم ، و ( النقطة الثالثة ) : تتمثل في تقييم مدى أصالة المدرسة السلفية المعاصرة ، وبناءً على تلك النقاط ودراستها وتمحيصها يمكننا تقييم دعوى طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية ،  ( النقطة الأولى ) : تقييم مذهب ابن تيمية في شتى أقسام العلم لمعرفة مدي تمثيله لمذهب السلف ، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في بعض أقسام العلم : ابن تيمية رحمه الله تعالى : كان موسوعة اسلامية واسعة في أكثر ابواب العلم الإسلامي ، ولكنه لم يكن معصوماً ، ولم يجمع كل علوم الإسلام ، وهذا غير متيسر لأحد ، ولم يكن متخصصاً تخصصاً دقيقاً في أحد علوم الإسلام بحيث يُشار إليه فيه بالبنان ، ومع ذلك لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً ، ولكن كانت تنقصه في بعض الأحيان دقة المتخصصين في ذلك العلم ، كما أنّه ذهل ذهولاً  شديداً عن علم التقديس ، ولم يستطع هضمه ، ولا معرفة قواعده فآل به ذلك إلى عداوة قلبية للسادة الأشاعرة حماة العقيدة والمؤصلين بحق لكل أبوابها على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وأدت تلك العداوة إلى الانتقاص من قدرهم بمناسبة وغير مناسبة ، كما أنّها سببت خللاً عميقاً عنده عند الحديث عن اهل السنّة والجماعة وأهم صفاتهم وأهم أعلامهم ، فأدخل الحشوية  في إطار أهل السنّة ، وأثنى على مؤلفاتهم ، وفي المقابل صال وجال على علماء الأشاعرة المتخصصين في العقيدة دون أن يفهم منطلقاتهم التي استقوها من الكتاب والسنّة ، والتي أجبرتهم على تبني مذهبهم في شتى أبواب علم العقيدة ، كما أنّه ذهل عن حمل المتشابه على المحكم في أبواب الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، كما يفعل المتخصصون ، فصال وجال في باب الاسماء والاحكام   بأخطاء آلت بمتبعيه إلى الغلو في جميع تلك الأبواب ،  [ ففي مجال علوم العقيدة ] ، وقع في أخطاء أبرزها : ( أ ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين ، ( ب ) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً ، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى ، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك ، ولو كان له معنى لما كان متشابها ، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض - وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي - من شر مذاهب الفرق الضالة  ، ( ت ) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات  ( ث ) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض ، ( ج ) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة ، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة ، ( ح ) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء  ، ( خ ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله ، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة ، ( د ) نسب علم ( التقديس وقواعد التنزيه  المستمدة من الكتاب والسنّة ) إلى علوم اليونان وفلسفتهم ، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة ، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام ، قال تعالى : { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 84 ] ، ولأنهم متخصصون علموه ، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه ، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين ، ( ذ ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا ، ودمّر تخصصاتهم ، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم أهل التجهيل ، وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه ، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت ، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة ،  ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة ، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة ، ( ر )  لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول ، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره ، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب ، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة ، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير ، ( ز )  لم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك ، ( س ) لم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في التبديع ، كما انفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة ، ومن ذلك : ( أ ) إنكاره المجاز في القرآن ، مع أنّه ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، ولما كانت البلاغة هي ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول : ( ومن قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ) أهـ [ أسرار البلاغة : صـ ٣٦١ ] ، وقال الزركشي : ( ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن ) [ البرهان في علوم القرآن : ٢/٢٥٥ ] ، وقال السيوطي : (ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها ) أهـ [ الإتقان ج: 2 ص: 97 ] ، وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط : ( والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين ) أهـ  [ تفسير البحر المحيط ، سورة البقرة ، آية 115 ] ، وقال الشوكاني : ( وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة ) [ إرشاد الفحول : 50 ، 51 ] ، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ولولا أنّ مجال الحديث هنا لا يتناسب مع الإطالة في باب المجاز لسردت ستمائة آية تدل على المجاز ، ومن ذلك : التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر ، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما ، وهذا كما في قوله تعالى : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [ النمل : 80 ، 81 ] ، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 24 ] ، وقوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه ، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي غاية السخاء والكرم { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } [ هود : 37 ] ، وقوله تعالى : { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر : 13 ، 14 ] ، والسفينة لا تجري في أعين الله ، تعالى الله ، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة ، وقوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى ، { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ، والحاصل أنّه تكلف نفيه ولم يكن صوابا ، ( ب ) ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين ، وليس يفيده بحال ، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر - وهذا في السنّة كثير - ، ومع هذا الاحتمال ، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين ، لاشك أنّه يوجب العمل ، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد ، ( ت ) دندن حول قدم بعض المخلوقات ووجودها مع الله كالعرش ، وهذا يضاهي الفلاسفة بقدم العالم ، وأجاز التسلسل إلى ما لا بداية ، كما أجاز العقلاء التسلسل إلى ما لا نهاية ، مع أنّ الفرق بينهما عظيم ، والاول مستحيل لأنّه يؤول إلى قدم العالم ، والثاني جائز كبقاء اهل الجنّة واهل النار إلى ما لا نهاية ، ( ث ) وقال بحدوث القرآن ، وحدوث صفة الكلام ، ووصف الله تعالى بالسكوت قياساً على صفة الكلام عند البشر ، ( ج ) وصرح بقيام الحوادث بجناب ذات الله تعالى ، ( ح ) وحام حول فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها ، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده ، ( خ ) وحام حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة ، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، ( د ) كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب ، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها ، ينقل في ذلك الخلاف بما لا ينبغي حفظا لمقام الأنبياء ، ( ذ ) كما تورط في القول بفناء عذاب اهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم ، منها قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [ النساء : 168 ، 169 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا  } [ الأحزاب : 64 ، 65 ] ، وقوله تعالى : { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } [ الجن : 23 ] ،  [ وفي مجال الفقه ] : كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة ، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء ، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم ، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، واتباع الكتاب والسنّة ، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم ، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية - على مر عصور الإسلام -  كل ما يتعلق بالفقه ومسائله ، هذا علاوة على خرقه الإجماع في كثير من مسائل الفروع ، حتى قال الإمام المجتهد الورع تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي ( 683 – 756 هـ )   في مقدمة كتابه الدرة المضية في الرد على ابن تيمية : ( أما بعد : فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد ، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد ، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بجناب ذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات ، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة ، والمخلوق الحادث قديماً ، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة ، وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع ، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون ، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون ، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه ، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل ، وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث ، وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب ، وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة ، وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء ، ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة ، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام ) أهـ [ مقدمة الدرة المضية ] ،  [ وفي مجال التزكية والتصوف ] : أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف ، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها ، وتجريح أكابرها ،  [ وفي مجال تعلق المسلمين بالرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيت الرسول ] : أفتى بحرمة شد الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم ، مع أنّه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وزيارة المقابر كلها مسنونة ، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم ، أمّا حديث (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى  )) [ متفق عليه ] فالمعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه : لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضلها فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد ، وهي المذكورة  في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى ،  أما سوء الفهم في بيان المراد من الحديث هو ظن أن المراد من الحديث هو النهي عن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، بحجة أنه شد للرحال لذلك ، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف ، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط ، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها ، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم ، لا شيء فيها ، بل جميع اهل العلم على مر عصور الإسلام ، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد ،  كما أن شد الرحال للتجارة جائز ، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز ، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز ، فهل كل ذلك جائز ، وشد الرحال لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم غير جائز ،  على أنّ زيارة القبر النبوي لم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات ، والجمهور على ندبها ، وقال بعض المالكية : إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب ، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب ، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية ، وقد تقدم أنّ عمدة ابن تيمية على هذا المنع حديث : ( لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ) ، مع أنّه لا علاقة له أصلاً بزيارة القبر الشريف ،  [ وفي مجال الموقف من آل البيت  رضوان الله تعالى عليهم ]  ، أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف قليلاً عن آل البيت ، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير  المؤمنين خليفة المسلمين الرابع علي رضي الله عنه ، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة ، وحكم على أخرى بالوضع ، ولا تبلغ هذا الحد ، وخانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه ، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد ،  [ وفي مجال المعاملة مع أكابر علماء عصره ] ، هاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم كحجة الإسلام الغزالي والإمام الرازي وغيرهما من الأكابر ، وصال علي خيرة علماء عصره  ونال منهم ، واحتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه حتى يحفظون الناس من أخطائه ،  لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا ، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث ، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته ، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها ، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات  ،  لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف ، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله ، وهو لا يدرك أسباب استحالتها ، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه ، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث ، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل ، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء ، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات ، والذي هو مذهب السلف الصحيح ، والذي ليس لهم مذهب سواه ، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع  ، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث! ، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم ، والعالم المخلوق تحته ،  وهو موجود على عرشه ، وأنه متناه من جهة تحت ، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء  ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته ، فقد قال (وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته ) ،  وعلى هذا المذهب فإنّه سبحانه يبقى نازلاً أبداً ، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها ، كما دلت الدراسات الجغرافية ، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية ، ودندن حول حديث خلق آدم على صورته ، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن ، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بجناب ذات الله تعالى ، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم  وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء ، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث ، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد ، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب ، أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة  ، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً ، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة ، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان ، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة ، نصحوه فلم يرعوى ، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق ، وقد تأثر به عدد قليل من تلامذته ، ولكن لكثرة مؤلفاتهم ودندنتهم حول ما تسرب إليهم من مفردات الحشوية ، سحبوا أهل السنّة والجماعة نحو بعض مفردات الحشو والخلاف ، ومن رؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام لجمهور علماء المسلمين ، ولأجلها اعتقل مرات عديدة ونفي إلى مصر وسجن ومات بسجنه : ( أ ) وجوب وصفه سبحانه بالصفات الخبرية المتشابهة كالوجه واليد والعين والمجيء والنزول والاستواء بنفس المعاني اللغوية الظاهرة المعروفة من اللغة من دون تصرّف ، مع أنّها أمور متشابهة لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم ، وقد قام بذلك علماء الأصول مفاخر الإسلام ومعاقد الإيمان ، فضبطوا علمها وابن تيمية لا يعلم عن هذا العلم شيئاً ، ( تنبيه مهم جدا  ) : سر كون تلك الصفات الخبرية ( الوجه واليد والعين ) من المتشابهات أنّها تطلق في اللغة أصلاً على أجزاء الذات ، بخلاف صفات السمع والبصر والعلم والقدرة ، فإنّها تطلق في اللغة أصلاً على صفات الذات ، وبيان ذلك : أنّ ( الوجه ) في اللغة جزء من الذات كما أنّ اليد كذلك والعين كذلك ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجوارح والأجزاء والأبعاض ليس كمثله شيء ، وقد أجمعت الأمة - بحمد الله تعالى - عدا المجسمة على تنزيه الله تعالى عن الجارحة والجزء والبعض ، ولذلك فإنّ من أثبت تلك الصفات الخبرية من أهل السنّة والجماعة ، فإنّه يثبتها على أنّها صفات للذات وليست أجزاء من الذات ، وهذا بنفسه - لمن تدبره وكان منصفاً - تأويل لها وحمل لألفاظ اللغة - التي وضعت للتعبير عن أجزاء الذات - على غير ما وضعت له لاستحالة ذلك على جناب ذات الله تعالى ، ( ب ) تحريم  التوسّل بالأولياء والصالحين ، وتحريم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم لأنّها شرك بالله ، مع أنّ الشرك ضد التوحيد ، والتوحيد هو افراد الله تعالى بالعبادة ، وللعبادة جانب أهم وهو اعتقاد الإلهية والربوبية في المعبود ، وجانب آخر هو العمل العبادي كالسجود والدعاء وغيرهما من مفردات العبادة ، فمن صرفها باعتقادها كان عابدا ، ومن صرفها بغير اعتقاد ، فهي أبعد ما تكون عن العبادة ومنه سجود الملائكة لآدم ، فأين كل هذا من التوسل بالصالحين إلى الله تعالى لنيل الشفاعة عند الله ، ومع ذلك وعلى سبيل التنزل فقصاراها مسائل خلافية لا يجوز الاحتساب فيها ، ولا الأمر والنهي فيها ومع ذلك أفنى ابن تيمية حياته في نصرتها في أوقات كانت الأمة تنزف دماءها بسبب ضعفها أمام التتار ، فهل كان صوابا أن يشغب على الأمة بمفردات حشوية لا تمت إلى الأصول بنسب ولا صلة ،  ( ت ) تحريم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك ، وهذا أطم الطامات ، حيث انفرد به عن علماء الإسلام ، وحمل حديث (( لا تشد الرحال )) على غير محامله ، فقد سيق في بيان فضل المساجد الثلاث على غيرها ، فادخل فيها زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا علاقة للزيارة بالحديث ، بل علاقته أقرب إلى زيارة القبور ، وهي جائزة باتفاق ، وأولاها قبر سيد الأولين والآخرين الذي به صلى الله عليه وسلم أخرجنا الله تعالى من الظلمات إلى النور ، وما المانع أن يأتي بعده من يحرم شد الرحال للعمل أو طلب العلم ، لأنّ مآخذها ومآخذ الزيارة سواء ، وجميعها أجنبي عن فتوى تحريم شد الرحال ، إنّ المسلمين - على مر عصور الإسلام -  كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه ، ولم تك الزيارة في تلك العصور أبداً ذريعة إلى الشرك ، بل كان الهدف منها توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره ، وهو مطلب قرآني ، قال تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } الآية ،  ولكن ابن تيمية ، يُخالف ذلك كله ،  ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم  تمسكاً بحديث غير دال على ما ذهب إليه  ، فما ذنب الإسلام إن كانت بعض الأفكار الحشوية والخاطئة قد تسربت إلى عقل ابن تيمية ومن ثم إلى أتباعه ، والحقيقة المؤسفة أنّ ابن تيمية لم يكن سلفياً واعيا ، بل تسربت إليه العديد من مفردات المذهب الحشوي ، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد ، وظن هو أنّ لها من اسمها نصيب ، مع أنّ فيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به ، وبأتباعه من بعده ، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية ، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف ، ومجدد السلفية ، ولكنّه للأسف جدد معها بناء المدرسة الحشوية ببعض مفرداتها ، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد ،  هاجم الأصول والفروع والوسائل ، وأخذ يهوش على المتخصصين ، فنصحوه ووعظوه ، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه ، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول ، وهو لا يدرك المعقول ولم تتهيأ له الفرصة في تعلمه على يد المتخصصين ، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى ، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله ، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام ، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل  الأعمال ، فهل كانت الأمة في زمانه على ضلال مبين ، حتى انتشلها من الظلام ، ثم دخل هو في دهاليز الألغام بان تحدث عن ليث بني غالب وباب العلوم والمعارف أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه ، بما لا ينبغي ، إذ لكل مقام مقال ، وهل الرد على الروافض يُجيز له رفع الحشمة والادب مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه  ، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين ، بكلام لا ينبغي  ، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام ، فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية ، فتعجل بتبنيها ونشرها ، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة ، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل ، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام ، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك ، أحد قبل ابن تيمية ، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه ،  وكيف تكون سلفية في مسالة نُخالف فيها السلف ، إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم ، لما له من كرامة عند اللّه ، ولم يخطر ببال أحد أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي  صلى الله عليه وسلم  شرك أو ذريعة إلى الشرك ، وكان هذا ديدن السلف في جميع العصور ، فهل لمنكر التوسل أن يصف نفسه بالسلفية ، ثم يتطاول على بقية المسلمين باللقب ، فيرميهم بالشرك والضلالة والبدعة والكفران ، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية ، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم  ، ويمتحن الناس باعتقادها ، هل هذه سلفية ، أم حشوية ، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية ، خوفا من تتبع المتشابهات ، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها ، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم ، ثم ينسب ذلك إلى السلف ، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع ، والله الهادي إلى سواء السبيل ،  فهل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات : أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن الدين واهله ، وعن السلفية والسلف ، وعن العقيدة المنجية وأصولها ، وعن الفقه وأدلته ، وعن التزكية وأسرارها ، نعم نقدر له مكانته ، ولكنّه ليس بالمعصوم ، ولا بالمتخصص في علم معين يُقتدى به فيه ، نحترم علمه ونذكر أخطاءه ، ونضيف علمه إلى تراث علم أهل السنّة والجماعة ، بعد غربلته على أيدي المتخصصين ، ونستدل بأقواله ، ولا مانع عند الخطأ أن نقول : أخطأ في تقرير تلك المسألة ، ولا زلت أقول وأوقن أنّ ابن تيمية لو فهم علم التقديس وقواعد التنزيه على يد متخصص ، لكان آية في العلم ، ولتغيرت الكثير من موازين التقييم عنده ، ولا يغرنّك رده على الأكابر في علم التقديس والتنزيه كالرازي وفحول الأشاعرة ، فردوده خواء عن معرفة مقصود تنزيههم لأنّه ولج علما لا يتقن أصوله ، فأخذ يحشو في الردود حشواً ، وما أسوأ ردّه على كتاب تقديس الرازي ، يرد الصواب بالخطأ ويجول ويصول ويجادل في اثبات خطأ الصواب وصواب الخطأ ، ولا يغرنك محاولة اثباته عدم التعارض بين النقل والعقل ، بجر ما توهمه معقولاً ، إلى فهمه القاصر الذي فهمه بالخطأ من المنقول ، فلا هو - يرحمه الله - يدرك المعقول على وجهه لأنّه غير متخصص فيه ، وهل أقل المعقول إلا معرفة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الخالق سبحانه ، وهل أقل المعقول إلا التفريق الأصولي بين القديم والمحدث وهو لا يدركه ، وهل أقل المعقول إلا معرفة قواعد التنزيه التي تمنع التمثيل والتشبيه والتجسيم والحشو عند الحديث عن ما يتعلق بالله تعالى ، وهو يرحمه الله لا يدرك ذلك البته ، وأنا لا أتجنى عليه ، يرحمه الله فقد أمضيت ثلاثين سنة في دراسة كتبه ومعرفة مداركها ووجه المخالفة فيها لأكابر المتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة ، وأعلم علم اليقين أنّه لو درس المعقول على وجهه لما كان هذا حاله في التنزيه والتقديس ، وإنما كان يجعل المحسوس مكان المعقول وهو يتحدث عن المعقول  ، ولا يتبين الفارق بينهما مع أنّه فارق عظيم عند أهلا التخصص والعرفان ، ثم ما يفهمه من المنقول ليس هو بفهم الاكابر الذين ضبطوا الأصول في العقيدة ، لأنّه لا يمتلك أدواتهم ولا حواجزهم في منع الولوج في الفهم الممنوع ، ولذلك وقع في بعض المخالفات التي حاول فيها سحب الأمة بعيدا عن وسطيتها بين المعتزلة والمجسمة ، إلى ناحية المجسمة ، - وهو لا يدرك ذلك - بحسن ظن أنّه يريد سحبها إلى السلفية التي فهمها وعاش حياته من أجلها ، وهل كان السلف إلا أكابر المقدسين والمنزهين والمسبحين ، ولكن أبى الله تعالى العصمة إلا لرسوله ، وأبى الصحة والكمال إلا للمتخصصين من أهل العلم كلٌ في علمه الذي تخصص فيه ، وأتمنى أن تتكامل اللحمة بين طوائف أهل السنّة والجماعة ، فنأخذ بأحسن ما خط قلم الإمام أحمد بن تيمية ونتجنب غرائبه وأخطاءه ، ونقول أصاب في كذا ، وأخطأ في كذا ، وخالف الجمهور في كذا ، ونأخذ بقوله في كذا ، ونخالفه في كذا ، فتتقارب الصفوف بدلاً من شقها وتنازعها ليس على مدى القرب والبعد عن أصول الإسلام ، وإنما على أساس الولاء والبراء لدعوة ابن تيمية ، أما انتصارا لها وإما انتصارا لرافضيها ومحاربيها ، ( تنبيه ) : للتوسع في بيان أخطاء منهج ابن تيمية العلمي انظر كتابي : تقييم علم الإمام ابن تيمية في باب العقيدة وأصول الدين ، وهو الكتاب السادس والعشرون من المجموعة الثالثة من رسائل التجديد ،  ( النقطة الثانية ) : تقييم مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في شتى أقسام العلم لمعرفة مدي تمثيله لمذهب السلف ، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في بعض أقسام العلم : تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية بقوة السيف والسنان ، ولكن  أيضاً : كانت له كذلك اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية ، وفي مباحث توحيد الربوبية ، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر ، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته ، بحسنه وسيئه ، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، ( أ ) ففي مجال توحيد الألوهية : أخطأ في تفسير العبادة ، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع ، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله ،  أو لمن يعتقده رباً أو له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله ، وكنفوذ المشيئة لا محالة و لو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ خالق السموات والأرض ، الّذي هو أكبر الآلهة في اعتقاده  ولهذا قالوا : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ  *  وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } [ ص : 5 ، 6 ] ، وقالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] ، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم ، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، و هو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له ، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله  لا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد، عبادة شرعاً (كسجود الملائكة لآدم)، فانّه حينئذٍ يكون كفراً ، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به  { قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ } [ الاَعراف: 28 ] ، { وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر} [ الزمر: 7 ] ، وذلك ظاهر إن شاء اللّه ،  ولكن لما رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ ظنّ أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة , وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد , وإن وقعت لغيره فهي الشرك ،  فأدى ذلك إلى الغلط في تصور العبادة والشرك المقابل لها ، وإنّ الغلط في تفسير العبادة، كان المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، الذي أُستحِلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، وتقاطعت فيه أرحام أمر اللّه بها أن توصل، عياذاً باللّه من المزالق والفتن ، ( ب ) وفي مجال توحيد الربوبية : قال في مجموعة التوحيد : "  وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين  : القاعدة الأولى : أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى : { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون }" أهـ  [ مجموعة التوحيد ص 15 – 16] ، والخطأ في هذا القول بين لأسباب عديدة ، منها : أنّ توحيد الربوبية لله يعني اعتقاد أن الله أن الله تعالى هو وحده الخالق الرازق الهادي الشافي المحيي المميت المتعهد بالتربية لجميع خلقه إذ هو رب العالمين ، واعتقاد أن مقادير كل شيء بيد الله يرفع من يشاء ويخفض ويعز من يشاء ويذل ويهدي من يشاء ويضل ويوسع الرزق على من يشاء ويضيق ويحيي من يشاء ويميت ، له في ذلك كله المشيئة المطلقة والإرادة النـافذة لا حق لأحد في مراجعته وأمـره كله عدل وفضـل { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ، واعتقاد حقه المطلق في التشريع والحكم والأمر { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } ، هذا هو توحيد الربوبية عند الموحدين ، ومن اعتقد بأن هناك من يملك الضر أو النفع أو التصريف أو التدبير في حياة الناس وغيرهم من المخلوقات من دون الله فقد أشرك في ربوبية الله عز وجل شركاً أكبر ، ومن اعتقد أن لأحد من دون الله حق مطلق في التشريع المطلق بالتحليل والتحريم والحظر والإباحة والحكم والأمر والنهي دون الرجوع إلى حكم الله وشرعه فقد اتخذه رباً من دون الله ، ومن اعتقد أنه يجوز التحاكم إلى شرع غير شرع الله فقد كفر بربوبية الله عز وجل لخلقه ، هذا هو توحيد الربوبية عند المسلمين ، أما مشركو العرب فقد اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله  ، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم : 81 ] ،  وقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ }  [ يس : 74 ] ، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى : { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ } [ هود : 54] ، وقوله تعالى : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ الزمر : 36 ] ، والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون ، وكذلك فإن اعتقاد المشركين كان يقوم على اعتقاد وجود الشريك الذي له  تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [  الإسراء : 111 ] ، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة ، ولكن معه شرك الربوبية الذي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير ، وكذلك اعتقاد المشركين بوجود الند لله  ، والند كما جاء في معاجم اللعة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير [ انظر:  تهذيب اللغة ج14 ص 51 و المفردات ص 486] ، والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله ، والأدلة من القرآن الكريم على ذلك كثيرة منها : قوله تعالى : : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ } [ ابراهيم : 30 ] ، وقوله تعالى : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ فصلت : 9 ]، وقوله تعالى : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }[ البقرة : 22 ]، وقوله تعالى : { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الشورى : 9] ، وقوله تعالى : { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [ العنكبوت / 41 ] ، كما أنّ المشركين كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم ، كما في قوله تعالى - واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار- : { قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء:96 إلى 98 ] ، فهذه الآيات ـ التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه ، كما أنّ المشركين كانوا يلهجون بدعاء آلهتهم  رجاء نصرتها لهم واعزازها لهم ، إذ لا يعقل في تاريخ البشر أن يدعو أحد أحدا لا يرجوه لتحقيق منفعة أو رد ضر وإلا خرج من دائرة العقلاء ، ورد الله تعالى عليهم اعتقادهم الباطل بقوله تعالى : { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعرون أيّان يبعثون * إلهكم إلهٌ واحدٌ} [ النحل: 20إلى 22 ] ، وبقوله عز وجل  { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) [هود: 101] ، وقوله تعالى : { وما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } [ يونس: 66 ] ، ويظهر جليا من هذه الآيات أن مشركي العرب  كانوا يتخذون آلهة لهم من دون الله وكانوا يدعونهم عند الشدائد ويستغيثون بهم اعتقادا أن آلهتهم هذه تسمع دعاءهم وتقدر على نصرهم وأنهم شركاء لله في ملكه العظيم ، ومن هنا نعلم مدى الخطأ الجسيم في ادعاء أن المشركين كانوا على توحيد الربوبية ، ( ت ) والخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر : كما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك ، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى ، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر ، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر ، ومن ذلك الخطأ في فهم آية الزمر ، ومعرفة حقيقة اعتقاد المشركين بربوبية معبوداتهم : قال تعالى { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ }[ سورة الزمر : 3 ] ، والولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا }[ مريم  : 81  ] ، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز ،  وقوله تعالى { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ }[ يس : 74 ] ، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر ، وقوله تعالى { إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ }[ سورة هود ] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء ، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله ، { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ويستفاد من الآية  : أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية والألوهية ( ما نعبدهم ) ، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله ، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى ، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } ، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر ، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده ، وفي الحديث ( أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ) ، وقوله تعالى : { كَاذِبٌ كَفَّارٌ } صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته  وكذبوا على الله ورسوله ، ( ث ) والخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، وليس المقصد من الدعاء إلى تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر ، وليس هو من قبيل تهوين ما فعله الجهلاء من بناء المساجد على القبور ، وما يفعلونه عند مقابر الصالحين ، فإن المساجد بيوت الله تعالى في الأرض ، وهي دور العبادة والطاعة والصلاة ، ولابد من تنزيهها عن أفعال الجاهلين وغلو المغالين وتسيب المستهترين ، وإنما المقصد الأساس من ذلك هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد ، وتتبع السنّة والبدعة ولا تتبع الشرك والتوحيد ، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع الإيمان والكفر لأنّ المسلمين - على مر عصور الإسلام - مهما بلغ الجهل منهم مبلغه ، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله ، كيف وشعار هم هو ( لا إله إلا الله ) ، ومن ثم تهذيب مسائل التوحيد والشرك ، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء ، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء ، فعلاج الخلل لا يكون بالخلل ، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط ، ودين الله تعالى عدل بين ظلمين ، ووسط بين طرفين ، ( ج ) والخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته ، بحسنه وسيئه ، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وقد كان الإمام ابن تيمية يفصل في مسائل التصوف ، وجعلهم طوائف منهم الصديقون والأولياء ، ومنهم الأدعياء المرتزقة ، ومنهم أهل الجهل والخرافة ، ومنهم أهل البدعة والضلالة ، ولكن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفصّل وإنما  اعتبر التصوف برمته ضلال ينبغي أن يُزال ، مع أنّ السبب الاساس الذي أُنشأ من أجله التصوف هو تزكية الباطن ، وقد كان العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وتخليته عن صفاته الذميمة ، وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق ،  وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد وغيرها من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر ، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة ، كما أنّه هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس ، وقد كان السادة الصوفية الحقة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان ، وبالتالي فإن إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على بعضهم ، أو قالها بعضهم في ساعة ذهول لا يقصدها ، أمر لا ينبغي ، إن كلمة ( صوفي )  مثلها مثل كلمة ( سلفي ) كانت على مر عصور الإسلام السابقة  - منذ القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا - كلمة ثناء ، وصفة مدح ، فلا يعقل أن ينادي اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى اقتلاع التصوف من جذوره ، وابادة التصوف وأهله ، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة ، فهل بعد هذا من تنطع ، وأين يذهب أكثرية أهل السنة والجماعة في العالم اليوم في مصر والسودان وبلاد الشام ،ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين ، وليس معنى ذلك أن نبرأ جميع الصوفية من الخطأ ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف  ، ( ح ) الغلو في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم : إذ هناك العديد من نصوص الإمام محمد بن عبد الوهاب والتي آلت به إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم ، ومن تلك النصوص ، قوله : - وهو يتحدث عن أربع قواعد في التوحيد - : ( الأُولى ) : إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم مقرّون بأنّ اللّه هو الخالق الرازق المدبر ، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى : { قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ ... فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ } [يونس : الآية ٣١ ] ، ( الثانية ) : إنهم يقولون : ما دعونا الأصنام وما توجهنا إليهم الاّ لطلب القرب والشفاعة لقوله تعالى : { الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ مَا نَعْبُدُهُم اِلاّ لَيُقَرِّبُونا إلى اللّه زُلفَى } [الزمر : الآية ٣ ] ، وقوله : { وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّه مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه } [يونس : الآية ١٨] ، ( الثالثة ) : إنّه ظهر صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم على قوم متفرقين في عبادتهم ، فبعضهم يعبد الملائكة ، وبعضهم الأنبياء والصالحين ، وبعضهم الأشجار والأحجار ، وبعضهم الشمس والقمر ، فقاتلهم ولم يفرق بينهم ، ( الرابعة ) : إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين ، لأن أولئك يشركون في الرخاء ، ويخلصون في الشدة ، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى : { فَإِذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم إلَى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ } [ العنكبوت : الآية ٦٥ ] ، [ رسالة أربع قواعد ص ١ ـ ٤ ] وهو يقصد بمشركي زمانه كافة المسلمين دون أتباعه ،  وذلك لأنهم يتوسلون بالنبي صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم في شدتهم ورخائهم ، ولذلك صاروا عنده أغلظ من مشركي عهد الرسالة ، هذا مع أن التوسل بالرسول صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم جائز عند جمهور الفقهاء ، وقصاراه أنّه من المسائل الفقهية الخلافية وليس من مسائل التوحيد والشرك ، كما أنّ هناك فرقاً جلياً بين المسلمين وعبدة الأوثان والأصنام ، فإنّ المسلمين يعبدون اللّه وحده ، ولا يتوجّهون إلى النبي صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم إلاّ بقصد أن يدعو لهم عند اللّه ، ويشفع لهم عنده ، وأين هؤلاء من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه ، ويتوجهون إليها على أنها آلهة تملك ضرهم ونفعهم ، وهذا الخطأ أدى به إلى استحلال دمائهم على أنّهم مشركون ، وقد تكرر هذا الخطأ في رسالته كشف الشبهات ، حيث يقول في حق النبي صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم : " أرسله إلى أُناس يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً ، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات بينهم وبين اللّه ، يقولون نريد منهم التقرب إلى اللّه ، ونريد شفاعتهم عنده ، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأُناس غيرهم من الصالحين " [كشف الشبهات : ص ٣ ] ، فانظر كيف وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً ، وهذه مغالطة فجة ، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله ، وانكار رسالة الرسول صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم ، ثم اتخاذهم واسطة على سبيل الشراكة ، كما ذكرنا في كتاب التجديد الثالث " التجديد في علم التوحيد " ، فالوساطة لم تكن قط سبب شركهم ، وإنّما عبادة غير الله : { ما نعبدهم إلا } ، فقد أقروا بعبادتهم ، ثم الوساطة الجبرية على سبيل الشراكة مع الله ، وهذه وتلك لم يفعلها مسلم قط ، إذ المسلم لا يعبد إلا الله ، وهو بريء عن عقيدة الواسطة الشركية التي تكون جبرا على الله ، وقصاراه التوسل بمن لهم جاه عند الله لقبول الأعمال ، دون أي اعتقاد في شفاعتهم الجبرية على الله ، ويقول في موضع آخر ما نصه : " إنّ التوحيد الّذي جحدوه هو توحيد العبادة ، الّذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد ، كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلا ونهاراً ، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا له ، أو يدعو رجلا صالحاً مثل اللات ، أو نبياً مثل عيسى " [كشف الشبهات ، ص ٤ ] ، وهو هنا لا يفرق بين الدعاء وبين العبادة ، مع أنّ الدعاء لا يكون عبادة حتى يصاحبه اعتقاد الإلهية أو الربوبية لمن يدعوه ، ولو كان الدعاء لعبد صالح من عباد الله  ، لعل الله تعالى ان يستجيب دعوته ، فلا تكون الدعوة لهذا العبد عبادة له ، وإنّما توسل به إلى الله ،  ويقول أيضاً : " تحققت أنّ رسول اللّه قاتلهم ليكون الدعاء كله للّه ، والذبح كله للّه ، والنذر كله للّه ، والاستغاثة كلها باللّه " أهـ  ، وهذه كما ذكرت في كتاب التجديد الثالث " التجديد في علم التوحيد " كلها مفردات للعبادة إن اشتملت على اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف له كانت عبادة ، وإن لم تشتمل على تلك العقيدة لم تكن عبادة ، ويقول أيضاً : « إنّ المشركين يقرّون بالربوبية وإن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء » ، وهذا خطأ ، لأن كفرهم إنما كان لعبادتهم الملائكة والأنبياء لا لتعلقهم بها إذ ليس مجرد التعلق مع الاعتراف بعبوديتهم وعدم تفويض الأمر إليهم موجباً للتكفير ، ويقول أيضاً : « إنّ الذين قاتلهم رسول اللّه مقرّون بأن أوثانهم لا تدبّر شيئاً وإنما أرادوا منها الجاه والشفاعة » ، وهذا أيضاً خطأ ، لأنّ كفرهم لم يكن لأجل طلب الشفاعة ، بل لعبادتهم قال تعالى : { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُون هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه } [ يونس : الآية ١٨ ] ، ويقول : " إنّ اللّه كفّر من قصد الأصنام ، وكفّر من قصد الصالحين ، وقاتلهم رسول اللّه " أهـ ، وهذا أيضاً خطأ ، لأنّ رسول اللّه  صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم كفّر من عبد الصالحين ، لا من قصدهم ، فمن قصد الصالحين لطلب الدعاء لا يكون كافراً أبداً ، ويقول أيضاً - وهو يعلّم أتباعه كيف يناظرون المخالف- : " اقرأ عليه : { ادعوا ربّكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحبّ المعتدين } فإذا أعلمته بهذا فقل له : هل علمت هذا عبادة للّه؟ فلا بد أن يقول نعم ، والدعاء مخ العبادة ، فقل له : إذا أقررت أنها عبادة ، ثم دعوت تلك الحاجة نبياً أو غيره ، هل أشركت في عبادة اللّه غيره؟ فلابد أن يقول نعم  " أهـ ، وهذا أيضاٍ خطأ ، لأنّ الدعاء بنية العبادة ، والدعاء لمن يعتقده ربا وإلهاً ، عبادة ، وما خلا عن ذلك فليس بعبادة ، والدعاء مخ العبادة لمن دعا من يعتقد أنه يدعو الرب الإله ، فأين ذلك من دعوة الأنبياء والصالحين بمعنى التوسل بهم إلى الله ، والذين يتكلم عنهم الشيخ مسلمون موحدون ، لا يعبدون غير الله ، ويعلمون أنّ هؤلاء جميعا عباد صالحون لا يملكون شيئاً لأنفسهم ولا لغيرهم ، إلا الشفاعة بفضل الله ، فلا يجوز تشبيه دعاء الكافرين والمشركين لمن يظنون فيهم نوعا من الألوهية والربوبية ، وبين دعاء المسلمين الموحدين ، وبعد فبتلك القواعد المغلوطة توصل الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى تكفير المسلمين واستحلال محارمهم ، وجعلهم أشد كفراً من المشركيين الأصليين ، ( خ ) استحلال دماء وأموال مخالفيه : فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام ، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام ، نعلم كيف كانت ( الغزوات ) ! على أعراب نجد والحجاز ، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد ، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان ، لا مسلمين يقولون ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، ويعتقدون أنّه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله ، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله ، ( تنبيه ضروري ) : لقد مرت تلك المحنة وانتهت والحمد لله ، والجميع اليوم يأبى ذلك ويرفضه ، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة علمية واحدة على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية الإسلامية ، ورحم الله تعالى الإمام مالك ابن أنس ما أفقهه ، عندما طلب منه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ( ت158ه ) أن يجمع الناس على كتابه ( الموطأ ) ، فلم يجبه إلى ذلك ، وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف ، ويقينه بسعة علوم الإسلام ، وذلك لأنّ علوم الصحابة تفرقت في الأمصار ، وكان من قوله للمنصور : " يا أمير المؤمنين! إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم) [  مجموع الفتاوى (30/79) ] ، وقال له : (يا أمير المؤمنين، لا تفعل! فإن الناس سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وإن ردهم عما قد اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل أهل بلد منهم لأنفسهم ) [ الطبقات الكبرى (1/441) ] ،  وأبى رحمه الله أن يحمل الناس على كتاب واحد ، ( تنبيه ) : للتوسع في بيان أخطاء منهج محمد ابن عبد الوهاب العلمي انظر كتابي : تقييم الدعوة الوهابية في ميزان ما قدمته للإسلام والمسلمين ، وهو الكتاب السابع والعشرون من المجموعة الثالثة من رسائل التجديد ،  ( النقطة الثالثة ) : تتمثل في تقييم مدى أصالة الحركة السلفية المعاصرة ، إنّ مسمَّى الحركة السلفية المعاصرة نقصد به امتداد المدرسة النجدية ، التي أسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد ، ثم انتشرت في انحاء العالم الإسلامي في مشارقه ومغاربه ، إن أكثر أصحاب هذه الحركة يعتبرون جماعتهم هي الامتداد الصحيح الوحيد للفكر الإسلامي السليم الذي ينبغي أن يكون عليه كافة المسلمين ، ومع ذلك فلا بد من التأكيد على وجود أخطاء منهجية في الفكر ، والتطبيق على السواء ، حيث تتسم تلك الحركة - على تنوع فصائلها العلمية والعملية والتراثية والجهادية والمُدخلية والجامية والسرورية والقطبية والتكفيرية - بالسطحية في الطرح والجمود في التفكير، وأنها ترى الحق حكرا عليها في آرائها العقدية الساذجة التي هي أقرب إلى السطحية  منها إلى العلم الراسخ المتخصص ، وفي آرائها الفقهية المتشددة المولعة بتحريم الحلال والتضييق على عباد الله فيما جعل الشرع الحكيم فيه سعة ودفعا للحرج ، كما أنّها تعمل جادة بلا هوادة على إحياء قضايا عقائدية خاطئة ، تشق بها وحدة المسلمين العلمية والعقدية ، وهم فيها ضد أهل التخصص وأهل العلم الراسخ والحق الزلال ، مثل إثبات العلو الحسي والفوقية المكانية ، ومثل المبالغة في شن الحرب على التأويل السائغ الذي لا مفر منه للجمع الصحيح بين النصوص المتشابهة وحملها على أمهاتها من المحكمات شأن كل أهل العلم الراسخين فيه ،  ومن تلك الأخطاء الفكرية التي شوهت صفاء السلفية - عند هؤلاء - : ( أ ) الاهتمام بالقشور أكثر من اللب والمحتوى ، والاهتمام بالصور والمظاهر أكثر من الحقائق والبواطن ، والاهتمام بالثانويات والشكليات على حساب الأساسيات والمبادئ ، والاهتمام بالزي على حساب حسن الاخلاق ودماثتها ، وبعضهم يضخم الالتزام بالمندوبات والهيئات على حساب الاهتمام بالواجبات والفرائض - لاسيما فرائض الوقت الراهن - كوحدة الصف وتكاتف الجهود من أجل حماية الإسلام وأهله من هجمات أهل الكفر و العداء ، وما يتعلق بفقه التجديد لأمر الدين ، والتمكين في الأرض للإسلام واهله ، ( ب ) الخلل في مراعاة الأولويات ، إذ هناك أولويات أحق بالرعاية والتقديم ، فهناك أولويات في العلم - إذ ليس العلم رتبةً واحدة - وهناك أولويات في الأمر بالمعروف، وأولويات في مجال النهي، وهناك أولويات في مجال الإصلاح والتقويم، والخلل في ترتيب تلك الأولويات له نتائجه المدمرة على الإسلام وأهله ، ( ت ) عدم معرفة أهل التخصص العلمي في جوانب العقيدة والفقه والتزكية ، والنتيجة حشو العقول بما لا يليق بالعلماء ، فضلاً عن علماء السلف ، والاستغراق في الخلل العلمي ، وتبديع ما لا يبدع وتكفير ما لا يكفر وتشريك من لا تبلغ أفعاله درجة المشركين ، ( ث ) الافتقار إلى المنهج العلمي في التحصيل والتحليل والاستيعاب ، والافتقار إلى التوسط والاعتدال في تبني قضايا الدين ففهمهم للدين هو الدين ، وبالتالي يجب على الجميع أن يدين بما يدينون ، دون مراعاة لتنوع الأفهام واختلاف الآراء وتعدد وجهات النظر في فهم الخطاب الشرعي ، وبالتالي ترسخ في أذهانهم حق الوصاية على الجميع ، مع وجوب صياغة أدمغة الآخرين وفق ما اعتقدوه ، والضغط على المخالفين بالتزام ما قرروه ، ، وفي سبيل ذلك لا بأس باستباحة أعراض من يخالفهم ولو كان من العلماء البارزين أو الدعاة والمخلصين الموهوبين ، ولا بأس باستحلال دمه وماله إن كان حجر عثرة أمام ما يفهمون عن دين الإسلام ، فما فهموه هو السلفية والسلفية هي الإسلام وما خالف فهمهم فهو البدعة والضلالة إن لم يكن الكفر والشرك ، فإن كان قال به أحد من علماء السلف السابقين فهو عندهم زلة عالم ليس بمعصوم ، ( ج ) تضخيم جوانب بما يمثل الخلل الفكري والمنهجي والنفسي ، فقد شن أكثرهم الحرب على التصوف باسمه ورسمه ، وحقه وباطله ، وتفننوا في اتهام أهله بكل نقيصة ، واستباحوا أعراضهم ودماء بعضهم ، وأرادوا سحق وسحل كل من يتوسل بالأولياء واتهموه بالشرك ، وأنّ شركه أعظم من شرك المشركين الأصليين الذين حكى القرآن الكريم حالهم : { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ } [ الصافات : 35 ، 36 ] ، وجعلوا الغاية من دعوتهم تطهير الأرض من المتوسلين ، مع أنّ التوسل أجازه جمهور أهل العلم المتخصصين في علم الفقه والحلال والحرام ، وقصاراه من الأمور الفرعية الفقهية الخلافية التي أجازها جمهور الفقهاء من مدارسه العلمية الأربعة المتخصصة في الفقه ، ولكنهم اعتبروه فيصلا بين الحق والباطل والشرك والتوحيد ، وأنا هنا لا أدافع عن أهل التوسل فإنّ لهم أدلتهم ، ولكني أُشير إلى غلو السلفية المعاصرة وإفراطهم في تقدير الأمور ، ( ح ) يحاربون تقديس الأولياء - وهم في ذلك محقون لأنّ العصمة لا تكون إلا للأنبياء - ومع ذلك هم أول المقدسين للأشخاص من اعلام الدعوة السلفية التي لا ينبغي المساس بجناب أحدهم ، فمن ذكر أخطاء الإمام ابن تيمة فهو المتهم في دينه ، ومن ذكر غلو  الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير المخالف وتشريكه واستحلال دمه وعرضه وماله في مسائل لا تبلغ بهم ذلك أبداً ، فهذا مارق يبطن العداء للإسلام وأهله ، لقد التبست عليهم المرجعية الشرعية ، وهاموا في تقديس مشائخهم بأضعاف ما عابوا على الصوفية منه ،  وأسرفوا في تقليد  كل ما قالوا ، ولو خالف العقل والشرع وأقوال المتخصصين من اهل العلم الراسخين ، فكانت النتائج مؤسفة والأحكام على الآخرين مختلة محملة بالمغالاة والشطط ، ( خ

) إلغاء دور العقل في فهم النصوص ، بزعم اتباع الوحي المعصوم والدفاع عن الكتاب والسنّة ، وهذا من تلبيس إبليس عليهم ، فإنّ الوحي المعصوم يحتاج إلى إعمال العقل السوي السليم في فهمه ورد متشابهه إلى محكمه والجمع بين أدلته ، وهم يلوكون بأنّ العقل الصريح لا يعارض الوحي الصحيح ، وهذا حق أُريد به باطل ، فإنّ العقل الصريح والوحي الصحيح متوافقان لا يختلفان حقا وصدقا ، ولكنّهم يفهمون نصوص الوحي بالعقول السقيمة التي لا تعرف الواجب ولا الجائز ولا المستحيل في حق الله تعالى ودينه وشرعه ، فاختلطت المفاهيم في عقولهم ، وظنوا أنّ ما فهموه هو الوحي ، والطامة أنّهم يريدون جبر مخالفهم على نفس الفهم الذي فهموه ولو كان محالاً ، فهم في حقيقة الامر يلوون أدلة الوحي لتوافق ما فهموه ، ثم يزعمون أنّ ذلك الفهم هو الوحي المنزل الذي لا مناص من اتباعه ، وأنّ مخالفهم يخالف الوحي المعصوم ، وليس إلا ، ومثال ذلك كتاب ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ، والشهادة لله فإنّه لا يعرف العقل في هذا الكتاب ، ولا يعرف ما يرمي إليه الشرع ، فهاجم المتخصصين وشن الحرب عليهم بدعوى الانتصار والصولة للكتاب والسنّة ، وقطع الطريق على أهل البدع والضلال ، وهو في حقيقة الأمر ينتصر للحشو ويصول على الفهم الصحيح لأدلة الكتاب والسنّة ، وبدلا من قطع الطريق على أهل الباطل المبدعة من الحشوية والمجسمة والمعتزلة صار يقطع الطريق على أهل الحق المنزهين المقدسين لله المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل الحق ، من الأثرية والأشاعرة والماتريدية ، وما ذاك إلا لأنّه لم يدرس قواعد هذا العلم على أيدي أصحابه من المتخصصين ، ( د ) الجهل بما يتعلق بفقه واقع الأمة المسلمة وألويات الإصلاح العلمي والعملي والتجديد في أمر دينها ودنياها ، وضرورة سيادة أهل الإسلام في هذه الدنيا على جميع البشر ، بما يليق بعالمية الرسالة وخصائصها العملية على أرض الله تعالى وبين عباده ، لقد دخلت الحركة السلفية المعاصرة بسبب تلك التصورات الخاطئة في صراعات كبيرة مع بقية طوائف اهل السنّة والجماعة ، وزاد الطين بلة أنّهم تصوروا أنهم الأوصياء على الجميع ، فما فهموه هو الإسلام وهو الهدى والرشاد ، وما عارضوه فهو الضلال ، فشددوا النكير على المخالفين ، وصارت علاقتهم مع غيرهم من المسلمين علاقة التبديع والتاثيم والتفسيق ، ثم لم تلبث تلك الحركة السلفية المعاصرة أن انقسمت على نفسها إلى سلفية جهادية أُبتليت بالغلو في تكفير المخالفين ، ولو كانوا من السلفية نفسها ، والسلفية المُدخلية والجامية التي تُبدع المجاهدين والدعاة والمصلحين وتستسيغ العمل مع العلمانيين من أجل القضاء على بقية السلفيين فضلا عن سائر الدعاة والمصلحين ، والسلفية العلمية التراثية التي تستخرج من بطون الكتب الكثير مما يثير الخلاف ويشق الصف ، والسلفية العلمية الحسبية والسلفية العملية الدعوية والسلفية العملية القطبية والسلفية القبورية ، والسلفية الحاكمية ، والسلفية السرورية ، وهكذا انشطرت السلفية إلى عشرات الطوائف والفصائل ، أكثرها يبدع أكثرها ، وبعضها يكفّر بعضها ، والعلاقة السائدة بينها هي علاقة العداوة والبغضاء بدلا من المحية والإخاء ، إنّ السلفية الحقة هي امتثال هذا الدين بأخلاقه ومبادئه وعقائده وشرائعه ، والرجوع في فهمه والعمل من أجله إلى السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، إنّ أهم ما يميز السلفيين الصادقين هو الرجوع إلى  الكتاب والسنة والتمسك بهما ، والاستعانة على فهمهما بما كتبه المتخصصون من أهل العلم السائرين على منهاج الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ، ولاشك أنّ : للحركة السلفية المعاصرة دورها في الصحوة الإسلامية ، وكم لها من دور محمود في إحياء السنن ، والعودة إلى الكتاب والسنّة ،  ولكنها - للأسف - مع ذلك تورطت في أخطاء كثيرة ، لابد من تصحيحها ، إن الحركة السلفية المعاصرة تعيش - اليوم - أزمة منهجية عقدية علمية عملية ، تحتاج إلى تجديد امرها وتصحيح مسارها ، وصارت في امس الحاجة إلى مراجعات عقائدية وفقهية وتزكوية صحيحة ، وإلى مراجعات علمية وعملية جادة من أجل العودة إلى جادة الطريق وحمل لواء السلفية الحقة التي لا غنى للمسلمين عنها وعن بركاتها ، تلك السلفية الواعية التي تحيط بالإسلام من كافة جوانبه باعتدال وتوسط تميز به فهم الصحابة والتابعين ، وتلك السلفية التي تعي وتدرك مكامن الخطر على الأمة من أعدائها الحقيقيين ، والتي تعي وتدرك اهمية وحدة امة الإسلام متمثلة في طوائف أهل السنّة والجماعة الناجية من السلفية الحقة البريئة من الغلو والتنطع ، ومن السنّية المتخصصة في علوم العقيدة ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) ومن الصوفية الحقة المتخصصة في علوم الأخلاق والتزكية ، ومن الفقهاء من علماء المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة المتخصصين في الفقه ، فإنّ تلك الطوائف جميعها وعلى مر عصور الإسلام هي طوائف أهل السنّة والجماعة الناجية سواد اهل الإسلام الأعظم ، وتلك السلفية التي تعي بمتطلبات العصر الراهن من أجل الإصلاح والتجديد إذ تحرص على الجماعة والوحدة حرصها على السنّة ، فلا يكون منهاجها منهاج تفريق وتنازع بدلا من كونه منهاج الوحدة والاتفاق على شهادة الإسلام شهادة التوحيد والاتباع ، نتعاون فيما اتفقنا عليه وننصح فيما اختلفنا فيه ، وما أوسع دائرة الاتفاق ، وما أضيق دائرة الخلاف ، فلا يجوز أن يكون المنهج السلفي الصافي منهاج تفريق وتشتيت بأي حال من الاحوال ،  وبعد : فتلك العوامل بإيجاز أدت إلى غلو بعض المنتمين إلى التيار السلفي : في مسائل الأسماء والأحكام ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الأسماء والصفات ، وأدت إلى قسوته في تقييم المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة ، والتراشق مع الطوائف الأخرى بالبدعة والعداوة والبغضاء ، وأدت كذلك إلى تطاول الطوائف الاخرى عليه يريدون محوه والخلاص منه ، مع أنه الواقف على ثغور التوحيد والإتباع ، وعلوم إخلاص الدين لله والاعتصام بالكتاب والسنة ، إنّ من الإنصاف ألا نغمط حقوق المسلمين ، ولا تنسينا الأخطاء ، حسنات المحسنين ، والطوائف كالأفراد يستحيل الكمال في إحداها ، ومجموع الطوائف المنتسبة إلى أهل السنة والجماعة هو الخير الكثير ، والتجديد السلفي معناه : إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وتجرد وإتقان حتى تعود السلفية  إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية - وكما ذكرت - فإنني ها هنا لا أعمم تلك العوامل على جميع التيار السلفي ، ولكنها موجودة في شتى فصائله ومدارسه العلمية والعملية ، ولعل القسوة في تشخيص الداء تساعد في سرعة التشافي بالدواء  ، [ تنبيه ] : لأجل علاج تلك الأخطاء اجتهدت في إصلاحها برسائل عديدة ليس لي فيها سوى الجمع والترتيب ، وأهم تلك  الرسائل : الرسالة الأولى : ( تجديد علم التقديس والتنزيه وتجديد الإحاطة بأصول علم التقديس وقواعد التنزيه ) ، والرسالة الثانية : ( تجديد علم الإيمان وتجديد فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر) ، والرسالة الثالثة :( تجديد علم التوحيد وتجديد فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك) ، والرسالة الرابعة : ( تجديد فقه الإتباع والابتداع وتجديد فقه مسائل السنّة والبدعة ) ، والرسالة الخامسة : ( تجديد فقه الانتساب إلى الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة ) ، وعدة رسائل أخرى تتبنى التأصيل لعلم التقديس ومحاربة الحشو والتجسيم : منها : ( 1 ) كتاب قواعد التقديس والتنزيه التي تعصم من التعطيل والتشبيه ، ( 2 ) كتاب تقديس الله تعالى أن يحيط به مكان أو يجري عليه زمان ، ( 3 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن أن تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، ( 4 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن الحيز والحدود التي تحد المخلوق ، ( 5 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن معاني الجسمية والمادية التي يتصف بها المخلوق ، ( 6 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي يتصف بها المخلوق ، ( 7 ) كتاب تقديس الله تعالى أن نتصوره بصورة ، ( 8 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث والمخلوقات ، ( 9 ) كتاب تقديس الله تعالى عن التغير والحدوث وعن قبول الحوادث ، ( 10 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع المخلوق ، ( 11 ) كتاب التنزيه والتقديس المتعلق بكلام الله تعالى ليس كمثل كلامه كلام ، ( 12 ) كتاب فهم حديث الجارية في ضوء قواعد التنزيه ، ( 13 ) كتاب فقه الاستواء في الكتاب والسنة في ضوء قواعد التنزيه ، ( 14 ) كتاب شرح حديث النزول في ضوء قواعد التنزيه ، ( 15 )  كتاب حل إشكالات ظواهر النصوص التي يؤول اعتقادها إلى مذهب الحشو والتشبيه والتجسيم ، ( 16 )  كتاب المذهب الصحيح للسلف الكرام في متشابه الصفات والأخبار ، ( 17 )  المباحث الحشوية التي حالت دون فهم السلفية المعاصرة للعقيدة السنّية الصحيحة ، ( 18 ) كتاب الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها الخطير على عقيدة التنزيه والتقديس ، ( 19 ) كتاب تطهير السلفية الصحيحة النقية من أدران الحشو والتجسيم ، ( 20 ) كتاب دور العقل في فهم قواعد علم التقديس ، ( 21 ) كتاب بيان الواجب والجائز والمستحيل في حق الله الواحد الأحد الجليل ، ‫( 22 ) الانتصار بالأدلة لأهل التخصص في العقيدة من الأثرية والأشاعرة والماتريدية ، ( 23 ) كتاب جهود علماء أهل السنّة في إرساء علم التقديس والتنزيه ، ( 24 ) كتاب جهود علماء أهل السنّة في تنقية الأمة من أدران التشبيه والحشو والتجسيم ، ( 25 ) تقييم علم الإمام ابن تيمية في باب العقيدة وأصول الدين ، ( 26 ) تقييم الدعوة الوهابية في ميزان ما قدمته للإسلام والمسلمين ،  ( 27 ) كتاب متون العقيدة على منهاج أهل السنّة الأثرية امتداد السلف الصالح ، ( 28 ) كتاب متون العقيدة على منهاج  أهل السنّة الأشاعرة ، ( 29 ) كتاب ‫متون العقيدة على منهاج أهل السنّة الماتريدية ، ( 30 ) مؤلفات قيمة ساهمت في تهذيب أخطاء السلفية المعاصرة ، ، وبعد فهذا ما تيسر في إجابة السؤال ، والله تعالى أعلم ورسوله ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

عدد الزيارات 452

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا