جديد الموقع

السؤال السادس وإجابته وهو يدور حول التجديد والإصلاح في الجانب الصوفي


الثلاثاء, 22 آذار/مارس 2016 23:30

السؤال ( 6 ) : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،   وبعد : تكلمتم عن حديث التجديد ، وبيان المقصود من التجديد ، وبيان أهم جوانب التجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ منها التجديد العلمي وإصلاح الخلل العلمي في الأمة ، وذكرتم أنّ من أسس ومنطلقات ولبنات الإصلاح العلمي المنشود ، التجديد والإصلاح في الجانب الصوفي ، فكيف يتم هذا التجديد والإصلاح في الجانب الصوفي ؟ أفتونا مأجورين ؟

الجواب ( 5 ) : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :  أقول وبالله التوفيق :  [  1  ] : التصوف علم إسلامي أصيل مرادف لمصطلح التزكية في القرآن ومصطلح الإحسان في السنّة ، فكما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد ، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا  ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ، وعلى مر العصور تتبلور العلوم ، وتتخصص المدارس العلمية ، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم ، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة ، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح ، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو المرادف لمصطلح ( التزكية ) المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس : 9-10 ] ، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ آل عمران : 164 ] ، وكذلك فإن ( التصوف ) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك")) [ أخرجه مسلم ] ،  [  2  ] : أهم مباحث علم التصوف : التصوف علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها ، والتصوف الإسلامي هو تربية علمية وعملية للنفوس وعلاج لأمراض القلوب وغرس الفضائل واقتلاع الرذائل وقمع الشهوات وتدريب على الطاعات ، والتصوف لا يعدوا أن يكون جهاداً عنيفا ضد الرغبات ليصل الإنسان إلى منازل الإحسان ، أعلى أركان الدين  (( أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) ، والتصوف منهج يقوم على ( التخلية ) و ( التحلية ) ، تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من  الأخلاق السيئة ، وتحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة ، وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص ، وطريق التصوف هو الاجتهاد في العبادات والقربات والمسارعة في الخيرات ، مع اجتناب المنهيات والمكروهات ، وتربية النفس على طاعة الله وجهادها على دوام ذكر الله ، وتطهير القلب من مساوئ الأخلاق ، ودسائس الطباع ، وتحليته بأحسن الأخلاق مع الله ومع الناس  ، وكل ما سبق يحويه ما أسماه أصحابه  بـ ( علم التصوف ) ، بينوا أصوله وفروعه ومناهجه الربانية في بلوغ مراتب الصديقين والمحسنين والصالحين وحسن أولئك رفيقا ،   [  3  ] : أهمية علم التصوف : علم التصوف له أهمية بالغة بين علوم الدين : لأنّه اختص بتزكية الباطن عملاً بقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [الْأَعراف : 33 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [الْأَنعام : 151 ] ، كما تخصص في تزكية القلب بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ... ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق .. ، وهذا القسم الذي تخصص فيه التصوف هو القسم الأهم لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) [أخرجه البخاري (52) ، ومسلم (2523). ]  وقوله صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) [ أخرجه مسلم (2564) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  ( ... التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) [ أخرجه البخاري (5718) ومسلم (2559). ] ، كما تخصص في عظيم الأخلاق لقوله صلى الله عليه وسلم  (إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم ) [ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (19/76) ] ، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر ، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة ، كما أنّ التصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس ، ولذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي : بعد أن اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.. ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم : وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله) [المنقذ من الضلال  ] ، إن التكاليف الشرعية المتعلقة بالقلب أهم من التكاليف الشرعية المتعلقة بالبدن - وإن كان الكل مُهمَّاً – ، وما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء : 88ـ 89] ، قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله : (وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها، فقال الغزالي : إنها فرض عين) ["الأشباه والنظائر" للسيوطي ص504] ، كما أنّ التصوف هو العلم الذي اختص بتحلية النفس بالصفات الكاملة  كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب والمحبة والذكر والمراقبة ، وللصوفية في هذا المجال الحظ الأوفر من الوراثة النبوية ، وهو العلم الذي اهتم برسم الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الإيمان والإحسان والأخلاق والتزكية ، وعلى ذلك يمكننا القول بأنّ ( التصوف ) منهج عملي كامل، يحقق صلاح المسلم وتهذيب أخلاقه وتحوله إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة ، تعيش في درجات الإحسان ، ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته، ويتجلى لنا بوضوح، أنه علم إسلامي قيم ، لا غنى عنه لكل مسلم ، كما لا غنى له عن علوم العقيدة التي تصلح الاعتقاد وعلوم الفقه التي تصلح العبادات والمعاملات ، وحاصله اتصاف المسلم بجميع المحامد وترك جميع الأوصاف ‏الذميمة ،  وهو مسلك قائم على العلم والعمل ، وله منازل أعلاها المشاهدة ( أن تعبد الله كأنك تراه ) وأولها المراقبة ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) وله مقامات عديدة شريفة منها التوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والصدق والإخلاص والصبر والورع والزهد والرضا والتوكل والشكر ، و ( التصوف ) هو الطريق المؤدي إلى أرقى درجات الكمال الإيماني والإحساني الذي به يتحقق مقام الشهود وحق اليقين ، وهو الطريق إلى مدارج السالكين ومراقي الصاعدين إلى مرضاة رب العالمين ، وأنه ( علم التصوف النقي الصافي القائم على الكتاب والسنّة ) أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ولابد من إنصافه ،  [  4  ] : برآءة التصوف الإسلامي النقي الصافي من الانتساب إلى الأديان الأُخرى المحرفة والنحل الباطلة : وذلك لأنّ التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة ، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ، ويقوم على مبادئ التزكية والإحسان كما جاء بها الكتاب والسنّة ، أما الزعم الكاذب بان التصوف يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة ، فهذا ظلم بين لعلم التصوف ، وجحود واضح لأهله الصادقين المخلصين ، والله تعالى أمرنا بالإنصاف مع الكافرين في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [ المائدة : 8 ] ، فكيف بالإنصاف مع عباده الصالحين وأوليائه المحسنين ، وفي الحديث الصحيح : (( إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينّه ، ولئن استعاذني لأعيذنّه )) [ أخرجه البخاري ] ، وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث ،  [  5  ] : ضرورة تصحيح مسار التصوف وتجديد أمره : التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء ، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف ، بل ضررهم على أنفسهم ، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين ، ويصححون مسار التصوف ، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف ، يثنون على التصوف الصحيح وأهله بالخير ، ويهاجمون الأدعياء والدخلاء دون إساءة للتصوف والصوفية ، أما أن نأخذ الصالح بجريرة الطالح فهذا ظلم عظيم ، قال الله تبارك تعالى { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [ الأنعام :164 ] ،  [  6  ] : محاولات خاطئة يائسة للقضاء على التصوف : هناك فريق يدعي الإصلاح يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره ، وهؤلاء يريدون ان يأخذوا التصوف ببعض أدعيائه ؟ وهم  يبذلون كل الوسائل المتاحة لمحاربته ، ويصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال ، ثم تراهم يكفرون الصوفية كلها بمقولة وجدها في كتاب ما مدسوسة على احدهم ، أو قالها في ساعة ذهول لا يقصدها ، _ كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال : اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح _  إن الأصل في ديننا أنه ما من معصوم في هذه الأمة سوى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجميع العلماء بعده والطوائف كذلك يؤخذ منها ويرد عليها وهم غير معصومين عن الخطأ ، أخطاؤهم غير مقبولة كدين ، ونغض الطرف عن عثرات علمائهم  لأنه الأدب مع العلماء الذين لهم فضل ننظر إلى محاسنهم ونترك المساوئ  والعثرات ، إن كلمة ( صوفي ) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء ، وصفة مدح ، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى ، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره ، وابادة التصوف وأهله ، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة ، فهل بعد هذا التنطع من تنطع ، وأين يذهب تسعة أعشار أهل السنة في العالم اليوم في مصر والسودان ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين ، هذا اليوم ، فما بالنا بهم على مر عصور الإسلام السابقة ، وأين يذهب الجنيد وأصحابه ، وحجة الإسلام الغزالي وأتباعه ، وعبد القادر الجيلاني والرفاعي والشاذلي وآلاف الآلاف من أتباعهم ، إن هؤلاء هم سادة التزكية وأقطاب التصوف ودعائم الأخلاق ، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته ، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام  ،   ليس معنى ذلك أن نبرأ الصوفية من كل خطأ وأنهم معصومون ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف  ، ولابد من تجديد التصوف حتى يسير في إتمام مهمته من تزكية النفس وبناء أمة الأخلاق في خضم زمان لا يعرف أهله سوى الماديات ،  [  7  ] واجبنا اليوم نحو التصوف : لابد من انصاف التصوف ورد الاعتبار إليه ، ولابد من تصفيته من الدخن والخلل ، والعودة به إلى تزكية الكتاب والسنة ، إن واجبنا نحو التصوف اليوم هو التزام المبادئ الإيجابية التي جاء بها التصوف الإسلامي ، مع إصلاحه و تجديد أمره وإعادته إلى تزكية القرآن والسنة وتأكيد ارتباطه بالكتاب والسنة ، لأنه - بحق - علم رباني من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ، و ( الصوفية ) : طائفة إسلامية كبيرة من طوائف أهل السنة والجماعة ، تنتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي ، وهي مثل بقية الطوائف الإسلامية كالمحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين ، فيهم الصالح وهم الأكثرية ، وفيهم الطالح ، وفيهم المصيب وهذا الغالب ، وفيهم المخطئ ، ولا يصح أن ننسب إلى أي طائفة الطالح والفاسد الذي تتبرأ منه الطائفة ، فعندما يقال ( الصوفية ) فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي ، والجنيد ، وعبد القادر الجيلاني ، وأحمد الرفاعي ، وأبو الحسن الشاذلي ، ووغيرهم كثير من الأولياء والصالحين على مر عصور الإسلام ،  ولا يراد بالصوفية أولئك الدجالون المخرفون المخالفون للكتاب والسنة ، الذين دخلوا على التصوف فأفسدوه ، لذلك وجب عدم خلط الأوراق بعضها من بعض فالعدل مطلوب مع الموافق والمخالف، وهو الأمر الذي طلبه منا الله في محكم تنزيله بقوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ المائدة : 8 ]  فالعدل مطلوب مع العدو الكافر، فضلاً عن كل المسلم ، فضلا عن من انتسب إلى إطار الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ، أما إلقاء التهم اعتباطا ليس من خلق المسلم ، والصوفية أسم جامع لطائفة عظيمة من المسلمين ، نخص منهم أولئك الصالحين المتمسكون بالكتاب والسنة والقائمون على ثغور مهمة التزكية التي هي إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذه الطائفة هي المقصودة بالتصوف الصافي النقي الصحيح الذي قام على صفاء النفس من الكدر ، وامتلائها من الفكر والذكر والخلق العظيم ، وتحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب دين الإسلام  ، إن من الإنصاف أن نذكر فضل التصوف الصحيح الذي نهض برسالته منذ فجر الدعوة الإسلامية ، في التزكية والإحسان وبناء المؤمن الحق ، وكان رجال التصوف السابقون مدارس التربية والتزكية داخل المجتمع الإسلامي ، وكان بهم يتحقق تكامل العلم والسلوك ، وكانوا في الجهاد في مقدمة صفوف المجاهدين يحثونهم على التعلق بالآخرة ، والشوق إلى لقاء الله ، وكانوا ينشئون الرباطات على أطراف المدن الإسلامية وثغورها المتاخمة للأعداء ، فكانوا يشتغلون فيها بذكر الله حتى إذا ما دعاهم داعي الجهاد ، كانوا خيل الله السابقة ، وكانوا هم أئمة الدعوة إلى الله ، يصلون بدعوة الإسلام إلى المواقع التي لم تكن تبلغها جيوش الفتح العسكري ، فكان الدعاة من رجال التصوف يتكفلون بهذه الرسالة ، ينشرون الإسلام في مختلف أنحاء الأرض ، هذا هو التصوف الحق المستمد من قواعد الكتاب والسنة وأحوال السلف الصالح ، وهو التصوف الصافي الذي كان الفقهاء يعتبرون أنه من الشرف الانتساب إليه  وانه بنقائه جزء مهم في تكوين شخصية كل مسلم ، ولكننا - اليوم -  نرى التصوف قد اختلط بصفائه بعض الأخطاء مما جعل الكثيرين لا ينظرون إليه بعين الرضا والقبول ، بل بعين الشك والريبة ، فلابد من تجديد التصوف ، حتى نزيل عنه ما ليس منه ، وننقيه من العثرات والهفوات ، ونعيده إلى ثوب الكتاب والسنة ، حتى يتبوأ مكانه الحقيقي في مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، وما أحوجنا إلى منهاج تجديدي صحيح نقي صافي ، يقوم على أكتاف رجال التزكية المخلصين ، لا أشباه الرجال من الأدعياء والمنتسبين ، منهاج يعود بالصوفية إلى قمة منازل الصالحين من أهل السنة والجماعة  ، وما أشد حاجة المسلمين إلى قيم التصوف المثلى وحضارته الروحية الطاهرة الزكية ، لقد أساء أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه، وادِّعائهم له ، وأساء آخرون باعتراضهم عليه، وردِّهم له جُملةً وتفصيلاً ؛ وذلك لأنهم لم يفقهوا حقيقته التي كان عليها السَّلف الصالح ، ولم يفرِّقوا بين الحقِّ الذي هُدِيَ إليه الصوفية الصادقون، وبين الباطل الذي أُلصق بهم وأُدخل على طريقتهم، وهم منه براء ، ولاشك أن هناك عوامل عديدة يجب إصلاحها بسرعة وإتقان داخل ( التصوف ) حتى يعود التيار الصوفي  إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية - وأنا هنا لا أعمم تلك العوامل على جميع التيار الصوفي فالمنصفون يعلمون أن هناك صوفية أولياء في عداد الصديقين والأصفياء ، وهناك أدعياء للتصوف متمصلحون منه يأخذون منه عرض الحياة الدنيا ، وهناك جهلاء ، وهناك غلاة مبتدعون ، وهناك منحرفون ، وهناك مغرضون تزيّوا بزيه، وانتسبوا إليه، لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم ، والتصوف منهم براء ، ولذلك كان لا بد من التفريق بين أدعياء التصوف المنحرفين، وبين الصوفية الصادقين، أصحاب السلوك، ممن لهم درجات عليا في التزكية والإيمان والورع والتقوى واليقين  ، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين، والدعوة إلى الله تعالى في سائر أزمان المسلمين ، ثم هل يتحمل التصوف الصحيح في جوهره النقي جريرة المدعين ، وهل يؤاخذ البريء الطاهر بجرم المعتدين ، وهل من الإنصاف أن تنسب إلى هذه الفئة النقية أخطاء المتصوفة الشاذين من أعداء التصوف ، ولطالما حذّر الصوفية أنفسهم من هؤلاء الأدعياء ،  إن الذين يحاولون طمس التصوف والقضاء عليه وإخراج أهله من دائرة أهل السنة والجماعة ، مخطئون ، يناطحون الصخور ، وهم - للأسف - غير منصفين يجهلون حقيقة التصوف الإسلامي، ورجاله الصادقين وعلماءه المخلصين ، نظرتهم للإسلام هي فقط نظرة سطحية بعيدة عن الإنصاف والتمحيص ، وها هو العالم الأصولي المدقق ( الإمام الشاطبي ) صاحب كتاب الاعتصام ورافع لواء الحرب على البدع والمحدثات يصف الصوفية بأوصاف حميدة ومناقب جليلة ، فقال: " الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة ؛ مجمعون على تعظيم الشريعة ، مقيمون على متابعة السنة ، غير مخلين بشيء من آدابها، أبعد الناس عن البدع وأهلها، ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى فرقة من الفرق الضالة، ولا من يميل إلى خلاف السنة. وأكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومحدثون، وممن يؤخذ عنه الدين أصولا لا فروعا، ومن لم يكن كذلك؛ فلا بد من أن يكون فقيها في دينه بمقدار كفايته" أهــ [ الاعتصام، الشاطبي ، تحقيق : مشهور بن حسن ، 1/165-166 ]  ، كما أثنى عليهم بوصفهم : " أهل الحقائق والمواجد والأذواق والأحوال والأسرار التوحيدية، فهم الحجة لنا على كل من ينتسب إلى طريقهم ولا يجري على مناهجهم..." أهــ [ المصدر السابق، 1/165-166 ] ،  وقد كان في نيته - رحمه الله - أن يخصص مؤلفا للإشادة بطريق التصوف، وتحصينه من أهل البدع والأهواء، حيث قال: "وفي غرضي- إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله، ويسّر لي الأسباب- أن ألخص في طريقة القوم أنموذجا ، يُستدل به على صحتها، وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما دخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع: من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادّعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقوّلوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الآخر كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم...، وطريقة القوم بريئة من هذا الخُباط بحمد الله" أهـ [ الاعتصام : 1 : 148 ، 149 ] ، والحاصل أن الإنصاف تجاه القوم مطلوب شرعي ، وفضل التصوف الصحيح الذي هو  ضرورة لإحياء القلوب، وتهذيب النفوس، لا ينكره منصف أضاء الله تعالى بصيرته بأهمية الحفاظ على طوائف أهل السنة والجماعة القائمين على ثغور الإسلام ، والإصلاح واجب شرعي لهذا أشرع في بيان الأخطاء التي يجب إصلاحها بسرعة وإتقان حتى تعود الصوفية  إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية ،  [  8  ] : العوامل التي أدت إلى ذلك التراشق بين طوائف أهل السنة بالبدعة والعداوة والبغضاء وكان سببها في الجانب الصوفي :  ( 1 ) إهمال علم التوحيد ومسائله وأحكامه ، حتى أثر ذلك على أسلوبهم في التعامل مع مفردات العبادة ، وآل بهم إلى ممارسات خارجة عن الشريعة ، وخروقات تخدش جناب التوحيد وتخرق حصونه ، ومن ذلك الطواف حول القبور والأضرحة ، ومع أن الطواف عبادة ، وهو مخصوص بالكعبة المشرفة ، والطواف على قبور الصالحين لا تقره الشريعة المطهرة ، ولا نقول أنه شرك بالله كما يقوله البعض ، وذلك لأن مناط الشرك في الطواف اعتقاد إلهية المطاف به وربوبيته ، وهذا لا يفعله مسلم أبداً ، وإنما نقول أنه من أعظم البدع والجهل بدين الله تعالى ،  ( 2 ) المغالاة والإسراف في اعتقاد الصالحين ، حتى وصل الأمر إلى النذر لهم ، والتمسح بأعتابهم ، والسجود عند أضرحتهم ، وحتى شكوا إليهم أحوالهم ، وطلبوا منهم شفاء المرضى وعودة الغائبين ، ونجاح الأولاد وصلاح الأحوال ، وإغناء الفقير وإسعاد الزوجات ودفع المصائب والبلايا ، وإصلاح شئون البلاد والعباد ، وغير ذلك مما يعتبر إسرافاً في اعتقاد الصالحين ، وممارسات خارجة عن حد الشريعة وحفظ جناب التوحيد ، ونحن لا نقول أنهم عبدوهم من دون الله ، وذلك لان ضابط العبودية هو اعتقاد الإلوهية والربوبية لمن نصرف له العبادة ، وهؤلاء إنما توسلوا بهم عند الله لأجل صلاحهم ، وإن كان هذا النوع من التوسل له ضوابط عديدة ، وفيه خلافات فقهية تدور على حفظ جناب التوحيد ، وسد ذرائع الشرك ، وغلق مظاهر الانحراف العقدي  ، إلا أنه لا ينبغي أن يصل إلى ذلك الحد من الإسراف في التوسل بالصالحين كأن لهم حق عند الله - تعالى وتقدس عن ذلك - ، وقد قال الله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [ البقرة : 186 ] ،  ( 3 ) الغلو في علاقة المريد بالشيخ ، والوصول بها إلى حد التقديس أحيانا ، لدرجة إلغاء الحسبة على الدين معه ، والتحذير كل التحذير من الاعتراض على أخطائه ، ولو كانت كبائر ، ولاشك أن احترام الشيخ مطلوب ، لأنه وارث علم الرسول وسبب الهداية  ، ولكن لاشك أن الحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة وحق على كل مسلم في حدود الأدب والاحترام ،  ( 4 ) ومن الغلو ظنّ بعض جهلة المتصوفة أنّ الشيخ يجل عن الخطأ وهذا مخالف لكلام الصوفية الصادقين ، كقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله : ( إذا علم المريد من الشيخ خطأ فلينبهه، فان رجع فذاك الأمر وإلا فليترك خطأه وليتبع الشّرع ) قال ذلك في أدب المريد، وقال الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله : ( سلم للقوم أحوالهم ما لم يخالفوا الشرع فاذا خالفوا فكن مع الشرع ) ، وكتب الصوفية طافحة بمثل هذا ،  ( 5 ) التوسع والتساهل في مسائل الإتباع والابتداع إلى حد أدى إلى انتشار المحدثات والبدع والمنكرات ، وحتى صار ( السماع ) - بدلا من سماع القرآن - سماعاً للألحان ، وصار الذكر - ولا حول ولا قوة إلا بالله - مضبوطاً بالحركات ، ورقصاً على نغمات الألحان ، وحتى صارت الموالد والاحتفالات والمهرجانات على مدار العام ، وكأن الإسلام قد اكتملت فرائضه وطبقت أحكامه ووثقت عراه ولم يبق إلا الاحتفال بمناسباته ، وما أكثرها عندهم ،  ( 6 ) التوسع والتساهل في مسائل الطاعة والمعصية ، حتى صارت الموالد والاحتفالات مرتعاً خصباً للفواحش والموبقات بسبب اختلاط الرجال بالنساء ، مما آل بالفقهاء إلى الإفتاء بإلغائها بسبب مفاسدها العظيمة التي تفوق الفائدة المرجوة منها  ،  ( 7 ) هناك أخطاء تتعلق بمناهج التزكية مثل جعل همة الصوفي تجري وراء الكشف والكرامة ، والأصل أن همته تبحث عن تحقيق كمال العبودية لله رب العالمين ، والكشف ما هو إلا أثر وثمرة من ثمرات التزكية ، والكمال الصوفي يتمثل في عدم البحث عن الكشف والكرامة التي ما هي إلا مثبتات لغير الكمل من سالكي الطريق ،  ( 8 ) هناك أقوام منهم غلب عليهم الكسل والتواكل والبطالة  ، وصفهم العارف بالله الشيخ أحمد زروق بقوله :  " هناك قوم غلب عليهم الكسل والبطالة، وجمحت نفوسهم للانتساب للقوم، فعدلوا لرخص المذهب من السماع والاجتماع، وإيثار التزيي من المرقعات المزينة، والسبحات المزخرفة، والسجادات المزوقة، والعكاكيز الملفقة، وتباهوا في ذلك مباهات النسوان في الثياب، وتضاهوا فيه تضاهي أبناء الدنيا في الأسباب، فإذا عوتبوا في ذلك قالوا: يكفينا من اتباع القوم التشبه بهم، فإن من تشبه بقوم فهو منهم، فإن قيل: هذا منكم قلة همة، قالوا: أنتم في بركة الحال، ونحن في بركة الزِّي، وقد قنعنا بالتزي، وما هو إلا الركون للبطالة وحب الشهوة بالباطل، [ عدة المريد الصادق، دار ابن حزم ، ص: 65 ] ،  ( 9 ) الشطح والطامات التي تصدر عن بعضهم وقت ورود الوارد الثقيل ، الذي لا يقوى على تحمله ، فيشطح بما لا يمكن تأويله بحال ، كقول بعضهم ( ولجنا بحرا وقف الأنبياء بساحله )  ، والأصل في الشطح أنها زلات لسان لا ينبغي محاسبة قائلها عليها وقت الذهول ، كمثل الذي أخطأ من شدة الفرح فقال : (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح )) [ أخرجه مسلم ] ، ولكن سيف الشريعة يمنع من التمادي في تلك الأقوال التي لا يحسن تأويلها ، لاسيما مع تشنيع الخصوم بها ،  ( 10 ) الفساد والجهل المتفشي في العديد من المؤسسات والطرق الصوفية بسبب التكالب على الدنيا وكثرة الأتباع ، وذلك غالبا ما يكون بين أدعياء التصوف أو أنصاف المشايخ ممن ورثوا هذا الأمر وراثة ، دون الوصول إلى حقائق التصوف ، وصار هم هؤلاء كثرة الأتباع ولو على حساب التزكية ، وكثرة الأموال ولو على حساب الدين ، والتكالب على الشبهات وأموال الحكام والرؤساء ، فما أبعد هؤلاء عن التصوف الصافي ،  وهل التصوف إلا الزهد في الدنيا ، وفيما بين الناس ، وهل التصوف إلا الخلق ، وقد لخص العارفون معنى التصوف في الخلق الحسن ، وقالوا (( التصوف كله أخلاق ، فمن زاد عليك في الخلق ، زاد عليك في التصوف )) ،  ( 11 ) لقد دس أعداء الاسلام علي التصوف من يشوه صورته فسار وراء بعضهم العوام والجهلة ، وإن التصوف الإسلامي الأصيل يبرأ من كل ما يُخالف الدين ، فليس من التصوف الإسلامي : القول بمخالفة الشريعة للحقيقة ، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة ، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه ، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف  ، وليس من التصوف الإسلامي : القول بالحلول أو الاتحاد ، أو الوحدة التي تزعم أن الكون هو الله ، والله هو الكون ، وما جاء مما يوهم ذلك على لسان بعضهم فهو مؤول بما يوافق دين الله ، أو هو مدسوس على القائل ، أو هو مما قاله في حالة الفناء والغيبوبة على لسان الحق عز وجل ، ونحن نستغفر الله للجميع ، ونحسن الظن بكل مسلم ، وليس من التصوف الإسلامي : الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت ( اما الدف ففي الاناشيد والقصائد والمدائح فجائز) ، وليس من التصوف الإسلامي : تحريف أسماء الله والرقص بها ، رقصاً سخيفاً مع القفز والنط كما يفعل الجهلة ، ولا يجوز وجود أدوات وآلات اللهو والغناء ، وكل ما نراه من ذلك من بعض الاشخاص فهو ليس من التصوف والتصوف منهم براء ، أن هناك جماعة من الدخلاء على الصوفية ـ نسبوا أنفسهم إليهم وهم منهم براء ـ شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من بدع ضالة ، وأفعال منكرة ، تحرمها الشريعة الغراء ؛ كاستعمال آلات الطرب المحظورة، والغناء الفاحش، فلم يَعُدْ وسيلةً عملية لتطهير القلب من أدرانه، وصلته بالله تعالى، بل صار لتسلية النفوس الغافلة ، وتحقيق الأغراض الدنيئة ، وليس من التصوف الإسلامي : القذارة ، ولا البلادة ، ولا البطالة ، ولا الجهالة بدين الله ، ولا المتاجرة بالكرامات ، وليس من التصوف الإسلامي : ما يحدث في الموالد من اختلاط محرَّم ، ومباذل وسفاسف لا يرضاها عاقل ، وادعاءات فضفاضة وتغييب للعقول ، وليس من التصوف الإسلامي : ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن والشياطين والسحر والألفاظ الأعجمية والساذجة ،  ( 12 ) إنّ التصوف مرتبة عالية : تتمثل في إصلاح القلب بالوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وهو ‏مبني على الكتاب والسنة في ‏الأخلاق والأحوال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأفعال، وتسليم الامور كلها ‏لله من غير إهمال في واجب ولا مقاربة محظور، وحاصله اتصاف بالمحامد وترك للأوصاف ‏الذميمة ‏‎ ‎، وهو مسلك قائم على العلم والعمل، أعلاه علم التوحيد وأداء الواجبات قبل النوافل ثم عمل ‏البر والخير و الزهد والتحلي بالأخلاق الحسنة ‏‎، قال تعالى : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ‏يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ‏‏[ السجدة : 16 ، 17 ] ، لقد قال العارف الرباني الشيخ الرفاعي عن أهل زمانه وهو في القرن السادس الهجري : ( أي بُنيّ أكثَرُ مَن يَدّعِي التّصوّفَ اليومَ زَنادقةٌ وحُلُوليّة ومُبتَدِعة ) ، وكانوا أهل العزوف عن الدنيا وزينتها ، فكيف لو رأى صوفية اليوم وما هم فيه من تنعم وترف ، وتمسك بالدنيا وعزوف عن الآخرة إلا ما رحم الله من الصادقين الخالصين المخلصين من أهل التزكية والإحسان ، ( 13 ) حال الإسلام وحال أهل الإسلام - اليوم - يستلزم تغيير النمط الصوفي الذي يكتفي بتزكية نفسه بالذكر والتخلي عن التدسية والأخلاق الرديئة ، والتحلي بالتزكية والأخلاق العظيمة ، ويوجب عليه أن ينطلق نحو المسلمين داعياً إلى الله على بصيرة ، ومحتسباً على الدين بالأمر بكل معروف أتت به الشريعة والنهي عن كل منكر نهت عنه الشريعة ، وأن ينطلق نحو المسلمين معلما للدين ومربيا للناس على تعاليمه ، وأن يحمل لواء الدين تجاه ما يُحاك له من أعدائه المحيطين به والمتكالبين على إبادته وإبادة أهله ، لقد كان في الأزمان السابقة مجال للترقي في منازل الإحسان بالعزلة والاعتكاف والعيش في البراري والفلوات ، والمجاهدات العظيمة التي منها ما الموت أهون منه ، لكننا اليوم نعيش معركة وجود ، إما أن نعيش بديننا بين الأمم الكافرة والفاجرة ، وإما أن نزول بتراثنا ومقومات وجودنا ، فلا مجال لا للعزلة ولا السكون ، ولا مجال للرعونة ، ولا للترف العبثي الذي أُلحق بالتصوف في غيبة من رجاله الحارسين وقادته الربانيين ، والذي من مفرداته كثرة الرايات والاحتفالات والمهرجانات والمناسبات ، والحرص على الرياسات ، في الوقت الذي فيه الدين ينزف من جراحه العميقة التي أثخنه بها أعداؤه ، والمسلمون يُعانون من الإبادة والقتل والتشريد والفتنة عن الدين في مشارق الأرض ومغاربها ، وقد كان رواد التصوف الأوائل قادة العمل والاجنهاد ، وخيرة كتائب الدعوة والجهاد ورؤوس العلماء الربانيين والقادة الدعاة المجاهدين ،  وبعد : وبعد فتلك هي العوامل التي لابد من إصلاحها لإصلاح التصوف ، ذلك الجبل الواقف على ثغور التزكية والمقامات ، ومناهج التربية والأخلاق ، وما أحسن قول السيوطي رحمه الله فيه إذ يقول عن التصوف : " علم شريف رفيع قدره سني أمره، لم تزل أئمة الإسلام وهداة الأنام قديما وحديثا يرفعون مناره ويجلون مقداره ويعظمون أصحابه، ويعتقدون أربابه، فإنهم أولياء الله وخاصته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، غير أنه دخل فيهم قديما وحديثا دخلاء تشبهوا بهم وليسوا منهم ، وتكلموا بغير علم وتحقيق فزلوا وضلوا  وأضلوا، فمنهم من اقتصر على الاسم وتوسل بذلك إلى حطام الدنيا، ومنهم من لم يتحقق فقال بالحول وما شابهه، فأدّى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع، وقد نبّه المعتبرون منهم على هذا الخطب الجليل ونصوا على أن هذه الأمور السيئة من ذلك الدخيل " أهـ [ تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، لجلال الدين السيوطي ، ص: 4 ] ، إنّ التجديد الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وتجرد وإتقان حتى تعود الصوفية  إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ، وإن التجديد الإسلامي المنشود يفرض على أهل التصوف أن يتحملوا واجباتهم في تصحيح المسار والاجتهاد الصادق في إزالة الحواجز والعقبات بين أهل التصوف وبين الطوائف الأخرى من أهل السنة والجماعة وذلك بالتقارب والتكامل مع بقية الطوائف ، من خلال الهدف المشترك بالعودة إلى الكتاب والسنة والاقتداء الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً وإخلاصاً ، وعند ذلك تتآلف القلوب وتنتفي الخصومات والعداوات ونكون يداً واحدةً في العمل على الدفاع عن دين الإسلام وتجديد أمره ،   [  9  ] : تنبيه مهم يفيد في تقييم طوائف أهل السنّة والجماعة : الصوفية على وفاق تام مع مدارس التخصص في العقيدة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) : إذ أنّ عقائد الصوفية تمثل السمو والعظمة ، وتدل على أنّهم أهل الله تعالى وخاصته ، وأنّهم قادة التنزيه والتقديس والتسبيح الاعتقادي ، وأنّهم على أعلى وأعظم عقائد الإسلام ، وانهم مفخرة أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والفقه والتزكية ، وأنّهم على وفاق تام مع مدارس التخصص في العقيدة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) في عقائد التنزيه : يقول القشيري في رسالته القشيرية : ( بيان اعتقاد هذه الطائفة في مسائل الأصول : اعلموا رحمكم الله : أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل ، وعرفوا ما هو حق القدم ، وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم ، ولذلك قال سيد هذه الطريقة الجنيد، رحمه الله : " التوحيد إفراد للقدم من الحدث" ، وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل ، ولائح الشواهد ، كما قال أبو محمد الحريري رحمه الله : " أن من لم يقف على علم التوحيد بشاهد من شواهده زلت به قدم الغرور في مهواة من التلف" يريد بذلك : أن من ركن إلى التقليد، ولم يتأمل دلائل الوحيد ؛ سقط عن سنن النجاة ؛ ووقع في أسر الهلاك ، ومن تأمل ألفاظهم ، وتصفح كلامهم ، وجد في مجموع أقاويلهم ومتفرقاتها ما يثق بتأمله بأن القوم لم يقصروا في التحقيق عن شأو، ولم يعرجوا في الطلب على تقصير ، ونحن نذكر في هذا الفصل جملا من متفرقات كلامهم فيما يتعلق بمسائل الأصول، ثم نحرر على الترتيب بعدها ما يشتمل على ما يحتاج إليه في الاعتقاد، على وجه الإيجاز والاختصار، إن شاء الله تعالى ،  ( معرفة الله ) : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، رحمه الله، يقول : سمعت عبد الله بن موسى السلامي يقول : سمعت أبا بكر الشبلي يقول : " الواحد : المعروف قبل الحدود وقبل الحروف". وهذا صريح من الشبلي أن القديم -سبحانه- لا حدَّ لذاته ، ولا حروف لكلامه ، سمعت أبا حاتم الصوفي، يقول : سمعت أبا نصر الطوسي يقول : سئل رُويم عن أول فرض افترضه الله عزَّ وجلَّ على خلقه ما هو؟ فقال : المعرفة؛ لقوله جلَّ ذكره : "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" . قال ابن عباس : إلا ليعرفون ، وقال الجنيد : إن أول ما يحتاج إليه العبد من الحكمة : معرفة المصنوع صانعه، والمحدث كيف كان إحداثه، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث، ويذل لدعوته، ويعترف بوجوب طاعته؛ فإن من لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه ، أخبرني محمد بن الحسين، قال : سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول : سمعت أبا الطيب المراغي يقول : للعقل دلالة، و للحكمة إشارة، وللمعرفة شهادة؛ فالعقل يدل. والحكمة تشير. والمعرفة تشهد : أن صفاء العبادات لا ينال بصفاء التوحيد ، وسئل الجنيد عن الوحيد، فقال : إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته : أنه الواحد ، الذي لم يلد ، ولم يولد ، بنفي الأضداد ، والأنداد ، والأشباه ، بلا تشبيه ، ولا تكييف ، ولا تصوير ، ولا تمثيل ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، أخبرنا محمد بن يحيى الصوفي، قال : أخبرنا عبد الله بن علي التميمي الوصفي، يحكى عن الحسين بن علي الدامغاني، قال : سئل أبو بكر الزاهر أباذي عن المعرفة، فقال : المعرفة : اسم، ومعناه وجود تعظيم في القلب يمنعك عن التعطيل والتشبيه   ،  ( صفاته ) : وقال أبو الحسن البوشنجي رحمه الله : " التوحيد : أن تعلم أنه غير مشبه للذوات ، ولا منفيٍّ الصفات ، أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله تعالى ، قال : سمعت محمد بن محمد بن غالب. قال : سمعت أبا نصر أحمد بن سعيد الأسفنجاني يقول : قال : الحسين بن منصور : ألزِم الكلَّ الحدث ، لأنَّ القدم له ، فالذي بالجسم ظهوره فالعرَض يلزمه، والذي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه والذي يؤلِّفه وقت يفرقه وقت والذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه. والذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه ؛ ومن آواه محل أدركه أين ، ومن كان له جنس طالبه مكيِّف ، إنه سبحانه لا يظله فوق ، ولا يقله تحت ، ولا يقابله حد ولا يزاحمه عند ، ولا يأخذه خلْف ، ولا يحدُّه أمام ، ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد ، ولم يجمعه كلُّ ولم يوجده كان، ولم يفقده ليس ، وصفه : لا صفة له ، وفعله : لا علة له؛ وكونه : لا أمد له تنزَّه عن أوال خلقه ، ليس له من خلقه مزاج ، ولا في فعله علاج باينهم بقدمه ، كما باينوه بحدوثهم ، إن قلت : متى ، فقد سبق الوقتّ كونه ، وإن قلت : هو ، فالهاء والواو خلْقه ،  وإن قلت : أين ؟ فقد تقدَّم المكانّ وجوده ، فالحروف آياته ، ووجوده إثباته ومعرفته توحيده ، وتوحيده تمييزه من خلقه ، ما تُصوِّر في الأوهام فهو بخلافه ، كيف يحلُّ به ما منه بدأه ؟ أو يعود إليه ما هو أنشأه ؟ لا تماقلة العيون ، ولا تقابله الظنون ، قربه كرامته ، وبُعده إهانته ، علوُّه من غير توقُّل ومجيئه من غير تنقُّل ، هو : الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن ، القريب البعيد ، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر الطوسيِّ السرَّاج يحكى عن يوسف بن الحسين، قال : قام رجل بين يدي ذي النون المصري، فقال : أخبرني عن التوحيد : ما هو؟ فقال هو : أن تعلم قدرة الله تعالى في الأشياء بلا مزاج ، وصنعه للأشياء بلا علاج ، وعلَّة كل شيء صنعه ، ولا علَّة لصنعه ، وليس في السموات العلا، ولا في الأرضين السفلى مدبِّر غير الله ، وكل ما تصوّر في وهمك فالله بخلاف ذلك ، وقال الجنيد : التوحيد : علمك وإقرارك بأن الله فرد في أزليته لا ثانية معه ولا شيء يفعل فعله ،  ( الإيمان ) : وقال أبو عبد الله بن خفيف : الإيمان : تصديق القلوب بما علمه الحق من الغيوب ، وقال أبو العباس السياري : عطاؤه على نوعين : كرامة ، واستدراج ، فما أبقاه عليك فهو كرامة ، وما أزاله عنك فهو استدراج ، فقل : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى. وأبو العباس السياري كان شيخ وقته ، سمعت الأستاذ أبا علي الدَّقاق، رحمه الله، يقول : غمز رَجلٌ رِجل أبي العباس السياري : فقال : تغمز رِجلا ما نَقلتها قط في معصية الله عزَّ وجلَّ !! وقال أبو بكر الواسطي : من قال " أنا مؤمن بالله حقاً " قيل له : الحقيقة تشير إلى إشراف، وإطلاع، وإحاطة، فمن فقده بطل دعواه فيها ، يريد بذلك ما قاله أهل السنَّة : إن المؤمن الحقيقي : من كان محكوما له بالجنة فمن لم يعلم ذلك من سرِّ حكمة الله تعالى، فدعواه : بأنه مؤمن حقاً غير صحيحة ، سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا الحسن العنبري يقول : سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول : ينظر إليه، تعالى، المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية ، وقال أبو الحسين النوري : شاهد الحقُّ القلوبَ، فلم ير قلباً أشوق إليه من قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فأكرمه بالمعراج، تعجيلاً للرؤية والمكالمة ، سمعت الإمام أبا بكر محمد بن الحسن بن فورك، رحمه الله تعالى، يقول : سمعت محمد بن المحبوب - خادم أبي عثمان المغربي - يقول : قال لي أبو عثمان المغربي يوماً : يا محمد، لو قال لك أحد : أين معبودك؟ إيش تقول؟ قال : قلت : أقول حيث لم يزل ، قال : فإن قال : أين كان في الأزل؟ إبش تقول؟ قال : قلت : أقول حيث هو الآن، يعني : أنه كما كان ولا مكان فهو الآن كما كان. قال : فارتضى مني ذلك، ونزع قميصه وأعطانيه ، وسمعت الإمام أبا بكر بن فورك، رحمه الله تعالى، يقول : سمعت أبا عثمان المغربي، يقول : كنت أعتقد شيئاً من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلي أصحابنا بمكة : أنى أسلمت الآن إسلاماً جديداً ، سمعت محمد بن الحسين السلمي، رحمه الله، يقول : سمعت أبا عثمان المغربي يقول ، وقد سئل عن الخلق ، فقال : قوالب وأشباح تجري عليهم أحكام القدرة ،  ( الأرزاق ) : وقال الواسطي : لما كان الأرواح والأجساد قامتا بالله، وظهرتا به لا بذواتها، كذلك قامت الخطرات والحركات بالله لا بذواتها، إذ الحركات والخطرات فروع الأجساد والأرواح. صرَّح بهذا الكلام أن أكساب العباد مخلوقة لله تعالى، وكما أنه لا خالق للجواهر إلا الله تعالى، فكذلك لا خالق للأَعراض إلا الله تعالى ، سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول : سمعت محمد بن عبد الله يقول : سمعت أبا جعفر الصيدلاني يقول : سمعت أبا سعيد الخراز يقول : من ظنَّ أنه ببذل الجهد يصل إلى مطلوبه فمتَعنٍ، ومن ظن أنه بغير الجهد يصل فمتمنٍ ، وقال الواسطني : المقامات أقسام قُسِّمت، ونعوت أجريت، كيف تُستجلب بحركات، أو تنال بسعايات ؟ ، ( التوحيد ) : وقال الجنيد : سئل بعض العلماء عن التوحيد، فقال : هو اليقين ، فقال السائل : بّين لي ما هو؟ فقال : هو : معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم، فعل الله عزَّ وجلَّ، وحده، لا شريك له فإذا فعلت ذلك فقد وحَّدته ، سمعت محمد بن الحسين رحمه الله، يقول : سمعت عبد الواحد بن علي، يقول : سمعت القاسم بن القاسم يقول : سمعت محمد بن موسى الواسطي يقول : سمعت محمد بن الحسين الجوهري يقول : سمعت ذا النون المصري يقول، وقد جاءه رجل فقال : ادع الله لي، فقال : إن كنت قد أُيدت في علم الغيب بصدق التوحيد، فكم من دعوة مجابة قد سبقت لك، وإلا فإن النداء لا يُنقذ الغرقى ، .. وقال أبو الحسين النوري : التوحيد : كلُّ خاطر يشير إلى الله تعالى، بعد أن لا تزاحمه خواطر التشبيه ، وأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله تعالى، قال : سمعت عبد الواحد بن بكر، يقول : سمعت هلال بن أحمد يقول : سئل أبو علي الروذباري عن التوحيد، فقال : التوحيد : استقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل، وإنكار التشبيه، والتوحيد في كلمة واحدة : كل ما صوَّره الأوهام والأفكار فالله سبحانه بخلافه، لقوله تعالى : "ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير" ، وقال أبو القاسم النصر أباذي : الجنة باقية بإبقائه. وذكرُه لك ، ورحمته ، ومحبته لك باق ببقائه ، فشتان بين ما هو باق ببقائه ، وبين ما هو باقٍ بإبقائه ، والذي قاله الشيخ أبو القاسم النصر أباذي، هو غاية التحقيق ؛ فإن أهل الحق قالوا : صفات ذات القديم سبحانه  باقيات ببقائه تعالى. فنبه على هذه المسألة وبين أن الباقي باقٍ ببقائه. بخلاف ما قاله مخالفو أهل الحق فخالفوا الحق ، أخبرنا محمد بن الحسين ؛ قال : سمعت النصر أباذي يقول : أنت متردد بين صفات الفعل وصفات الذات، وكلاهما صفته تعالى على الحقيقة، فإذا هيمَّك في مقام التفرقة قرنك بصفات فعله، وإذا بلَّغك إلى مقام الجمع قرنك بصفات ذاته ، وأبو القاسم النصراباذي كان شيخ وقته ، 

سمعت الإمام أبا اسحق الاسفرايني ، رحمه الله ، يقول : لما قدمت من بغداد كنت أدرس في جامع نيسابور مسألة الروح ، وأشرح القول في أنها مخلوقة ، وكان أبو القاسم النصر أباذي قاعداً متباعداً عنا ؛ يصغي إلى كلامي ، فاجتاز بنا بعد ذلك يوماً بأيام قلائل ، فقال لمحمد الفراء : أشهد أني أسلمت جديداً على يد هذا الرجل، وأشار إليَّ ، سمعت محمد بن الحسين السلمي، يقول : سمعت أبا حسين الفارسي يقول : سمعت إبراهيم بن فاتك يقول : سمعت الجنيد يقول : متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير؟! هيهات، هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك، ولا وهم، ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان ، أخبرنا محمد بن الحسين، رحمه الله تعالى، قال : سمعت عبد الواحد ابن بكر يقول : حدثني أحمد بن محمد بن علي البردعي، قال : حدثنا طاهر بن إسماعيل الرازي، قال : قيل ليحيى بن معاذ : أخبرني عن الله عزَّ وجلَّ ، فقال : الله واحد ، فقيل له : كيف هو؟ فقال : ملك قادر ، فقيل : أين هو؟ فقال : هو بالمرصاد ، فقال السائل : لم أسألك عن هذا!! فقال : ما كان غير هذا كان صفةَ المخلوق. فأما صفته فما أخبرتك عنه وأخبرنا محمد بن الحسين، قال : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : كل ما توهمه متوهم بالجهل أنه كذلك، فالعقل يدل على أنه بخلافه ، وسأل ابن شاهين الجنيدَ عن معنى : مع ، فقال مع، على معنيين : مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة، قال الله تعالى : "إنني معكما أسمع وأرى" ، ومع العامة بالعلم والإحاطة، قال تعالى : "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم" ، فقال ابن شاهين : مثلك يصلح أن يكون دالاَّ للأمة على الله ،  ( الاستواء على العرش ) : وسئل ذو النون المصري عن قوله تعالى : "الرحمن على العرش استوى"  ، فقال : أثبتّ ذاته ونفى مكانه، فهو موجود بذاته، والأشياء موجودة بحكمة، كما شاء سبحانه ، وسئل الشبلي عن قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } ، فقال : الرحمن لم يزل ، والعرش محدث والعرش بالرحمن استوي ، وسئل جعفر بن نصير عن قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } ، فقال : استوى علمه بكل شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء ،  وقال جعفر الصادق : من زعم أن الله في شيء، أو من شيء، أو على شيء ، فقد أشرك ؛ إذ لو كان على شيء لكان محمولا ، ولو كان في شيء لكان محصوراً ، ولو كان من شيء لكان محدثاً ، وقال جعفر الصادق أيضاً في قوله { ثم دنا فتدلّى } : من توهم أنه بنفسه دنا جعل ثّمَّ مسافة ، إنما التداني أنه كلما قرب منه بَعَّده عن أنواع المعارف إذ لا دنوَّ ولا بُعد ، ورأيت بخط الأستاذ أبي عليٍّ أنه قيل لصوفيِّ : أين الله ؟ فقال : أسحقك الله !! تطلب مع العين أين؟! أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال : سمعت أبا العباس ابن الخشاب البغداي يقول : سمعت أبا القاسم بن موسى يقول : سمعت محمد بن أحمد يقول : سمعت الأنصاري يقول : سمعت الخراز يقول : حقيقة القرب : فقد حِسِّ الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى الله تعالى ، .. قال الأستاذ الإمام زين الإسلام أبو القاسم ، رحمه الله : دلَّت هذه الحكايات على أن عقائد مشايخ الصوفية توافق أقاويل أهل الحق في مسائل الأصول ، وقد اقتصرنا على هذا المقدار خشية خروجنا عما آثرناه من الإيجاز والاختصار ،  ( الحق سبحانه ) : فصل : قال الأستاذ زين الإسلام أبو القاسم، أدام الله عزَّه : وهذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب ، قال شيوخ هذه الطريقة، على ما يدلُ عليه متفرقات كلامهم، ومجموعاتهم، ومصنفاتهم في التوحيد : إن الحق، سبحانه وتعالى : موجود، قديم، واحد، حكيم، قادر، عليم، قاهر، رحيم، مريد، سميع، مجيد، رفيع، متكلم، بصير متكبر، قدير، حيُّ أحد، باق، صمد ، وأنه عالم بِعِلم، قادر بقدرة ؛ مريد بإرادة ؛ سميع بسمع ؛ بصير ببصر؛ متكلم بكلام؛ حيُّ بحياة؛ باقٍ ببقاء ، وله يدان هما صفتان ؛ يخلق بهما ما يشاء، سبحانه، على التخصيص ، وله الوجه الجميل. وصفات ذاته مختصة بذاته، لا يقال هي هو، ولا هي أغيار له، بل هي صفات له أزلية، ونعوت سرمدية ، وأنه أحدىُّ الذات، ليس يشبه شيئاً من المصنوعات، ولا يشبهه شيء من المخلوقات ، ليس بجسم، ولا جوهر ولا عرّض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصوَّر في الأوهام، ولا يتقدَّر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان، ولا يخصُّه هيئة وقدُّ، ولا يقطعه نهاية وحدُّ، ولا يحله حادث، ولا يحمله على الفعل باعث، ولا يجوز عليه لون ولا كوْن، ولا ينصره مدد ولا عون؛ ولا يخرج عن قدرته مقدور؛ ولا ينفك عن حكمه مفطور؛ ولا يعزب عن علمه معلوم؛ ولا هو على فعله كيف يصنع وما يصنع ملوم؛ لا يقال له : أين؛ ولا حيث؛ ولا كيف؛ ولا يُستفتح له وجود : فيقال : متى كان : ولا ينتهي له بقاء : فيقال استوفى الأجل والزمان، ولا يقال : لِمَ فعل ما فعل؛ إذ لا علَّة لأفعاله؛ ولا يقال ما هو؛ إذ لا جنس له فيتميز بأمارة عن أشكاله ، يُرى لا عن مقابلة، ويرى غيره لا عن مماقلة ، ويصنع لا عن مباشرة ومزاولة ، له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، يَفعل ما يريد، ويذل لحكمه العبيد، لا يجري في سلطانه إلا ما يشاء، ولا يحصل في ملكه غير ما سبق به القضاء، ما علم أنه يكون من الحادثات أراد أن يكون. وما علم أنه لا يكون. مما جاز أن يكون : أراد أن لا يكون. خالق إكساب العباد : خيرها وشرِّها. ومبدع ما في العالم من الأعيان والآثار : قُلُّها وكُثْرها ، ومرسل الرسل إلى الأمم من غير وجوب عليه ، ومتعبَّد الأنام على لسان الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ بما لا سبيل لأحد باللوم والاعتراض عليه، ومؤيد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، بما أزاح به العذر، وأوضح به اليقين والنكر، وحافظ بيضة الإسلام بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، بخلفائه الراشدين، ثم حارس الحق وناصره بما يوضحه من حجج الدين على ألسنة أوليائه، عصم الأمة الحنفية عن الاجتماع على الضلالة، وحسم مادة الباطل بما نصب من الدلالة، وأنجز ما وعد من نصرة الدين بقوله : " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " ، فهذه : فصول تشير إلى أصول المشايخ على وجه الإيجاز، وباللّه التوفيق ) أهـ [ الرسالة القشيرية : ص 2 إلى 9 ]  ،  ويقول الشيخ العارف بالله تعالى أبو بكر الكلاباذي في بيان عقيدة أهل التصوف :  "  واعلم أن الصوفية أجمعوا على أن الله واحد ، فرد صمد ، قديم عالم، قادر حي ، سميع بصير ، عزيز عظيم ، جواد رؤوف ، متكبر جبار ، باق أول ، إله مالك رب ، رحمن رحيم، مريد حكيم ،  متكلم خالق رازق ، موصوف بكل كمال يليق به ، منزه عن كل نقص في حقه ، لم يزل قديما بأسمائه وصفاته ، غير مشابه للخلق بوجه من الوجوه ، لا يشبه ذاته الذوات ، ولا صفاته الصفات، لا يجري عليه شيء من سمات المخلوقين الدالة على حدوثهم، موجودا قبل كل شيء، لا قديم غيره، ولا إله سواه ، ليس بجسم ولا شبح، ولا صورة ولا شخص، ولا جوهر ولا عرض، لا اجتماع له  ولا افتراق ، لا يتحرك ولا يسكن، ولا ينقص ولا يزيد، ليس بذي أبعاض ولا أجزاء، ولا جوارح ولا أعضاء، ولا بذي جهات ولا أماكن، لا تجري عليه الآفات ولا تأخذه السنات، ولا تداوله الأوقات ولا تعينه الإشارات، ولا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان،  ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا تحيط به الأفكار ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الأبصار، وأجمعوا أن لله صفات على الحقيقة، هو بها موصوف من العلم والقدرة والقدم والحياة والإرادة والمشيئة والكلام، وأنها ليست بأجسام ولا أعراض ولا جواهر، كما أن ذاته ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر،  وأن له سمعا وبصرا ليسا كالأسماع والأبصار، وأنها ليست هي هو ولا غيره، بل هي صفات الذات، وقد أجمعوا على أنه لا تدركه العيون، ولا تهجم عليه الظنون، ولا تتغير صفاته ولا تتبدل أسماؤه، لم يزل كذلك، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير  ) أهـ [ التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي ]  ، وقال الشيخ أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد :  ( وصونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة , لأن ذلك من أصول الكفر   قال تعالي ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) (آل عمران 7 ) والواجب عليكم وعلي مكلف في المتشابه الايمان بأنه من عند الله , أنزله علي عبده سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم   وما كلفنا سبحانه وتعالي تفصيل علم تأويله قال جلت عظمته : { وما يعلم تأويلة إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } [ آل عمران : 7 ] ، فسبيل المتقين من السلف تنزيه الله تعالي عما دل عليه ظاهره , وتفويض معناه المراد منه إلي الحق تعالي وتقدس   وبهذا سلامة الدين   سئل بعض العارفين عن الخالق تقدست اسماؤه   فقال للسائل : إن سألت عن ذاته , فليس كمثله شيء   وإن سألت عن صفاته , فهو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وإن سألت عن اسمه فـ { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } [ الحشر : 21  ]    وإن سألت عن فعله فـ {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [ الرحمن : 29 ]  وقد جمع إمامنا الشافعي رضي الله عنه جميع ماقيل في التوحيد بقوله : من انتهض  لمعرفة مدبره فانتهي إلي موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه   وإن اطمأن إلي العدم الصرف , فهو معطل   وإن اطمأن لموجود , واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد  ، ( أي سادة ) : نزهوا الله عن سمات المحدثين , وصفات المخلوقين   وطهروا عقائدكم من تفسير معني الاستواء في حقه تعالي بالاستقرار , كاستواء الأجسام علي الأجسام المستلزم للحلول , تعالي الله عن ذلك   واياكم والقول بالفوقية والسلفية , والمكان واليد والعين بالجارحة , والنزول بالاتيان والانتقال فإن كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يدل ظاهره علي ما ذكر , فقد جاء في الكتاب والسنة مثله مما يؤيد المقصود   فما بقي إلا ما قاله صلحاء السلف : وهو الإيمان بظاهر كل ذلك ورد علم المراد إلي الله  ورسوله ,مع تنزيه الباري تعالي عن الكيف وسمات الحدوث ، وعلي ذلك درج الأئمة   وكل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه   ليس لأحد أن يفسره إلا الله  تعالي ورسوله   ولكم حمل المتشابه علي ما يوافق أصل المحكم لأنه اصل الكتاب   والمتشابه لا يعارض المحكم   سأل رجل الإمام مالكا بن أنس رضي الله عنه عن قوله تعالي { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ]  فقال : الاستواء غير مجهول   والكيف غير معقول   والايمان به واجب   والسؤال عنه بدعة   وما أراك إلا مبتدعا   وأمر به أن يخرج   وقال إمامنا الشافعي رضي الله عنه لما سئل عن ذلك : " آمنت بلا تشبيه , وصدقت بلا تمثيل  , واتهمت نفسي في الإدراك , وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك " ، وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه : من قال لا أعرف الله أفي السماء هو أم في الأرض ؟ فقد كفر   لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا , ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه ، وسئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن الاستواء   فقال : استوي كما أخبر , لا كما يخطر للبشر   وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : من زعم أن الله في شيء , أو من شيء , أو على شيء فقد أشرك   إذ لو كان علي شيء لكان محمولا   ولو كان في شيء لكان محصورا   ولو كان من شيء لكان محدثا  ) أهـ [ البرهان المؤيد للرفاعي ص 14 إلى 19 ]  ، وبعد فهذا ما تيسر في إجابة السؤال ، والله تعالى أعلم ورسوله ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

*****

عدد الزيارات 509

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا