جديد الموقع

السؤال السابع وإجابته وهو يدور حول الإصلاح والتجديد في الجانب العملي


الثلاثاء, 22 آذار/مارس 2016 23:32

السؤال ( 7 ) : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،   وبعد : تكلمتم عن حديث التجديد ، وبيان المقصود من التجديد ، وبيان أهم جوانب التجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ منها التجديد العملي وإصلاح الخلل العملي في الأمة ، فما هي أسس ومنطلقات ولبنات هذا الإصلاح العلمي المنشود ،  أفتونا مأجورين ؟

 أفتونا مأجورين ؟

الجواب ( 7 ) : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :  أقول وبالله التوفيق : إنّ من أهم لبنات علم التجديد العملي المنشود هذه اللبنات : ( 1 ) معرفة أهمية وضرورة العمل من أجل دين الله ، ( 2 ) معرفة أهم الخصائص العملية لهذا الدين ، ( 3 ) معرفة أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده ، ( 4 ) معرفة أهم الوسائل الشرعية لتحقيق رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى ، ( 5 ) معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التمكين لدين الله ، ( 6 ) معرفة فقه الواقع الإسلامي المعاصر وفقه الواقع العالمي المرير المحيط بالعمل الإسلامي ، ( 7 ) معرفة فقه سنن الله تعالى في النصر والتمكين لدين الله تعالى وتحقيق رسالته العملية ، ( 8 ) معرفة ضوابط دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة لتنظيم العلاقة بين الحاكم المسلم والرعية بما يمنع الفتنة ويوحد الصف لنصرة الدين ، ( 9 ) معرفة كيفية  العمل الجماعي الجاد الصحيح للإسلام في ظل الواقع المعاصر ، ( 10 ) معرفة أهم الأعمال الرئيسية الحكيمة للنهوض بأعباء هذا الدين القيم ، ( 11 ) معرفة أهم مخططات العمل الإسلامي وخططه المطلوبة للتجديد العملي المنشود ، ( 12 ) رسم دقيق لملامح الاستراتيجية العملية الإسلامية المناسبة للسير الجاد نحو التجديد ، وبعد فتلك بعض أهم لبنات التجديد العملي المنشود ،

( اللبنة الأولى من لبنات التجديد العملي ) : معرفة أهمية العمل لنصرة دين الإسلام وتحقيق أهدافه :  الإسلام رسالة ربانية خالدة جاءت لتنير للبشر حياتهم : { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ  وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ المائدة : 15 ، 16 ] ، وهو منهج رباني قويم جاء ليحكم الأرض بشرع الله عز وجل وينظم الحياة فيها وفق مبادئه الحسنه القيمة ، وقد أرسل الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالبينات وبالهدى وبدين الحق وأيده بالقوة والسلطان والسيف ذي البأس الشديد من أجل إظهار الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون ومن أجل التمكين لشريعة ذلك الدين على الأرض وبسط سلطانه عليها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، قال تعالى : { لَقَدْ أرسلنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ  وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز ٌ} [ الحديد : 25 ] ، وقال تعالى { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أرسل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة : 32،33 ] ، وقال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 8 ، 9 ] ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس التوحيد والصلاة وسائر العبادات والطاعات ، وكان كذلك يعلمهم كيف يكون العمل لنشر الدين وحفظه وإظهاره ، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بكل وسائل نشر الدين ، من دعوة وتربية وتعليم وتزكية وحسبة وجهاد ، فكان صلى الله عليه وسلم : يدعو إلى الله عز وجل ليل نهار ويحتسب على دين الإسلام في كل أموره أمرا بكل معروف ، ناهيا عن كل منكر ، مجاهدا في سبيل الله جهادا دفاعيا في بادئ أمر الجهاد لأجل حماية دين الإسلام وأهله ثم جهادا طلبيا من أجل نشر الدين وبسط سلطانه ، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج من الغزوة إلى الغزوة ويرسل السرية تلو السرية ويباشر القتال تلو القتال نصرة لدين الإسلام وتحقيقا لأهدافه ، وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم عمله لهذا الدين منذ بداية بعثته حيث أمره الله عز وجل بالدعوة إليه ونشر رسالة التوحيد فدعا إلى الله وانذر عشيرته الأقربين ثم انذر من حولهم من بطون وقبائل العرب ثم انذر العرب قاطبة ثم انذر العالمين جميعا ، وأقام صلى الله عليه وسلم في مكة بضعه عشرة سنة ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزيه وكان يُؤمر بكف اليد والصبر والصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره ويأذن الله بالفتح المبين ، بدليل قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيديكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أو أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلى أجل قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخرة خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا } [ النساء :77 ] ، فقد أمرهم الله تعالى بكف اليد والصبر والصفح في مكة المكرمة ، ثم يسر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أسباب الهجرة إلى المدينة وأذن له في الهجرة إليها فهاجر إليها وأقام دوله الإسلام الأولى يرسخ فيها مبادئ الإسلام تعليماً وتربيةً وتزكيةً ، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ، ويبني فيها القاعدة الصلبة من المؤمنين المتآخين المتعاونين على البر والتقوى ، وأتم الله عز وجل له ذلك كله ، ثم أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد الدفاعي ( في إطار رد العدوان وقتال من قاتله والكف عمن اعتزله ولم يقاتله ) كما في قوله تعالى : { أذن لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ الحج : 39-40 ] ، وذلك حتى قويت شوكة المسلمين وترسخت دعائم دولتهم الفتية وآنذاك أمره الله عز وجل بقتال المشركين كافه – الجهاد الطلبي من أجل إظهار الدين والتمكين له وبسط سلطانه على الأرض حتى لا تكون فتنه ويكون الدين كله لله ، كما في قوله تعالى :{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الأنفال :39 ] ، وقوله تعالى : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التوبة : 29 ]  ، فدين الله عز وجل - الإسلام - لا يقبل الله تعالى من العباد جميعا دينا سواه ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } [ آل عمران : 19 ] ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، والمسلمون هم جند الرحمن ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أول المسلمين وإمامهم ، وقد بعثه الله عز وجل لإظهار دين الله الحق القيم وإخراجا لمن حاد الله عز وجل ورسوله من الكفر إلى الإيمان ومن الظلمة إلى النور ، فمن آمن فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين ومن كفر ( فلا إكراه في الدين) ولكن في إطار شرع الإسلام الظاهر ، وداخل سلطان حكم دين الإسلام دين الله عز وجل ، وقام النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد الطلبي خير قيام ، حتى ارتفعت راية التوحيد ودخل الناس في دين الله أفواجا وصارت كلمة الذين كفروا السفلى وكلمه الله تعالى هي العليا ، ومكن الله لدينه في الأرض وكتب له الظهور على الدين ، مصداقا لقوله تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أرسل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ  } [التوبة : 32-33] ، وقد سار الصحب الكرام رضي الله عنهم على نفس النهج الكريم والهدى القويم للنبي صلى الله علي وسلم فأخلصوا العمل لدين الله أيما إخلاص وضحوا من أجل نصرته والتمكين له بالنفس والمال وكل ما يملكون ، وخلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده الطلبي خير خلافه ، فملئوا الأرض دعوه وحسبه وجهادا طلبيا نصره وتمكينا لدين الإسلام ، فأظهر الله عز وجل بهم الدين ومكن لهم في الأرض يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويخرجون العباد من عباده العباد إلى عبادة الواحد القهار ومن ظلمة الكفر إلى نور الإسلام وفي جور الأديان المحرفة والملل الباطلة إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، وحمل التابعون اللواء بعد الصحابة رضي الله عنهم فأكملوا فتوح البلدان ونشر الإسلام حتى وصلت دعوة الإسلام مشارق الأرض ومغاربها ودين الإسلام يزداد تمكينا إلى تمكينه ونصره إلى نصرته وظهورا إلى ظهوره ، وحمل تابعوا التابعين اللواء بعد التابعين رحمهم الله تعالى- فأكملوا المسيرة مسيرة سلفنا الصالح رضي الله عنهم خير قرون الإسلام وفهما وتطبيقا لمنهج الإسلام فحققوا أهداف العمل الإسلامي واتموها خير تمام ، حيث خلافة الإسلام قوية الأرجاء يهابها أعداء الله وأعداء المسلمين ، ودولة الإسلام تقيم الفرائض وتعظم الشرائع وتحافظ على العقائد وترفع لواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ، والفتنة في طريقها للزوال ودين الإسلام يبسط سلطانه على الأرض حتى كاد أن يكون الدين كله لله عملا بقوله تعالى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } فجزأهم الله عن دين الإسلام خير جزاء ، وما أن تم الأمر بالكمال حتى بدأ في النقصان فتوالت اللازمان والقرون على أمة الإسلام والخيرية تقل يوما بعد يوم، وصعدت على المسلمين فتن وفتن ، وانصرف المسلمون-  إلا من رحم الله - عن العمل لدين الإسلام وحمل رايته والتضحية في سبيل نشره وإظهاره بالنفس والمال- وبدلا من أن يمتثلوا بقول الله تعالى{ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّوْنَهُ أذلة عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ أعزة عَلَى الْكَافِرِيْنَ يُجَاهِدُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُوْنَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ } [ سورة المائدة أية 54 ] ، صار بأسهم بينهم شديد وتحرشوا فيما بينهم وأذاقوا بعضهم بأس بعض، وانصرف العلماء إلى نافلة علوم الإسلام واستهلكت تلك النوافل جل وقتهم ، –  إلا من رحم الله من المصلحين والمجددين - وانصرف الأمراء والحكام - إلا ما رحم الله - إلى الدنيا وما فيها من غرور يتنافسون بينهم واعرضوا عن الدين وعن العلم به وعن العمل من أجله ، وانصرف العوام - إلا ما رحم الله - إلى مشاغل الدنيا وركنوا إلى ذلك ، وقد كان على أيام السلف الصالح رضي الله عنهم العلماء هم القادة وهم أهل الشورى وهم أهل الحل والعقد وهم أعلام الجهاد والعمل والتقوى، وكان القادة هم العلماء وهم المتقون وهم السابقون بالخيرات بأذن الله، وكان ذلك واضحا تماما على أيام الصحب الكرام رضي الله عنهم ثم تليهم في ذلك التابعون وتابعوا التابعين ، ثم توالت الأيام بما تحمل من فتن ومفاتن ، فقلت الخيرية يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن ، وهكذا توالى النقصان حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من الاستضعاف والمذلة والمهانة حتى أصبحنا ذيل الأمم جميعا وتكالبت علينا الأمم الكافرة طمعا في استئصال شأفة المسلمين ، والحمد لله أنه تعالى برحمته ومنته يأبى ذلك ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأرض فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفسهم فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إذا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أهلكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفسهم يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأقطارهَا أو قَالَ مَنْ بَيْنَ أقطارهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)) [ أخرجه مسلم ] ، لقد حدثت تطورات عالمية هامة وكبيرة في التاريخ الدولي الحديث غيرت مفاهيم القوي والحروب والصراعات ، وزادت الفجوة العسكرية بين أهل الكفر والشرك وبين المسلمين ، بما يستحيل معه دخول صراعات معها دون سابق إعداد هائل يكافئ موازين القوي والصراع ، فقد ازدادت قوة أعداء الإسلام بصورة يصعب معها مجرد تخيل دخول أي حرب ضدها ، بالقوى المتواضعة التي يملكها المسلمون ، إنّ الثورة الصناعية التي اخترعها الغرب ، وما صاحبها من إحلال الآلات محل القوة البشرية في الصناعة وفي الحرب ، وما تلاها من تقدم تقني وعلمي مذهل نشأ عنه ظهور الأسلحة الفتاكة ، والصواريخ عابرة القارات ، والتفوق الهائل على المسلمين ، مع علمنا اليقيني أنّ القوة هي الأساس الذي يحكم العلاقات بين الدول ، فإنّ القوي يفرض شروطه على الضعيف ، ولذلك وجدنا كل مقدرات وممتلكات الدول الإسلامية شبه مسروقة قسرا من أولئك إما بالتهديد المباشر أو بفرض شروط القوي على الضعيف ، أو بمجرد التلويح باستخدام القوة ، تعلم الغرب من الماضي ولم يتعلم المسلمون ، فإنهم لأجل الاحتفـاظ بالتفوق المادي والعسكري زرعوا اليهود في أرض المسلمين ، وحرصوا على تفتييت الدول الإسلامية إلى دويلات  ، ومنعوا المسلمين من امتلاك المعرفة العسكرية والقوة العسكرية والتقنية العسكرية حتى يظل المسلمون في ضعف وهوان وحاجة دائمة ذليلة للغرب ، هذا في حق الروم أهل الغرب ، أمّا اليهود فهم كما وصفهم 

الله بقوله تعالى : { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } ، إنّ هؤلاء لا يزالون على مر العصور والأيام على مكرهم وكيدهم وعدائهم للإسلام وأهله ، قال تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم } ، وقال تعالى : { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } ، ولهذا كان العلاج الرباني بقوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } [ الأنفال : 60 ] ،  فالإعداد أقصى استطاعة هو السبيل لتكافئ القوى ، وقد أوجب الله تعالى على أمة الإسلام الإعداد الدائم ، وبغير الإعداد تتفاوت الموازيين ، ويصعب مواجهة الاعداء ، وهاهنا : نرى وجوب العمل الإسلامي الجاد - اليوم -  آكد من ذي قبل لاحتياج الإسلام والمسلمين إليه لأنّه أساس الإعداد ، وهاهنا : تكمن أهمية الدعوة إلى الله ، والعودة إلى الله ، لأنّها خط الإعداد الأول ، وتكمن أهمية العلوم التي من خلالها يتكامل العمل الجماعي الإسلامي وينتظم ويسير بخطى صحيحة ثابتة نحو تحقيق أهدافه وتجديد أمره ، وتكمن أهمية العلوم والأسس العملية التي تتناول تغير الواقع المهين الذي يعيشه امة الإسلام إلى العزة والكرامة والقيادة والتمكين ، وتكمن أهمية العلوم والأسس العملية التي تتناول الأهداف السامية المنشودة والغائبة عن واقعنا اليوم وكيفية الوصول الشرعي الصحيح نحو تحقيقها ، وتكمن أهمية العلوم والأسس العملية التي تتناول سنن التغيير والنصر والتمكين  ، وتكمن أهمية العلوم والأسس التي تتناول العمل الجماعي وقواعده وضوابطه وما يؤهله للنصر والتمكين وتحقيق أهدافه ، كل ذلك في إطار قواعد دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة لتنظيم العلاقة بين الحاكم المسلم والرعية ، وفي إطار قواعد دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة التي تضبط حقوق الحكام المسلمين وإن كانوا جائرين  كما حفظها لهم دين الإسلام ، إن تجديد أمر الدين أمر عظيم - لاسيما في أوضاع الضعف والتخلف الراهنة - لذا وجب على كل مسلم أن يُساهم بقدر من جهده وماله لخدمة دينه ونصرته وحمايته من أعدائه وما أكثرهم ، وإلا فإنّ الله تعالى يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 54 إلى 56 ] ، ويقول جلّ شأنه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ التوبة : 38 ، 39 ] ، ويقول تبارك اسمه : { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } [ محمد : 38 ] ،

( اللبنة الثانية من لبنات التجديد العملي )  : معرفة أهم خصائص رسالة دين الإسلام العملية التي ينبغي العمل الجاد من أجل ترسيخها  :  من أهم خصائص رسالة دين الإسلام العملية التي بُعث بها النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم : أنّ دين الإسلام هو دين الخلافة الواحدة التي تجمع المسلمين على بيعة واحدة وراية واحدة تحمي الدين وتسوس الدنيا به ، وهو دين الجماعة الواحدة ( جماعة المسلمين ) ومن شذ شذ في النار ، وهو دين الدولة الإسلامية القوية التي تعلي كلمة الدين وترهب أعدائه ، وهو دين الحكومة القوية التي تقيم الأركان وتعظم الشعائر وتطبق الأحكام وتحفظ العقائد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وهو رسالة شاملة متكاملة تضع الأسس والضوابط لكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أنظمة الدولة الحديثة ، وهو دين الدعوة والحسبة والجهاد من أجل نشر الدين وحفظه ونصرته وبسط سلطانه ، وهو دين الجد والعمل الجماعي من أجل حمل الأمانة وحفظ الإسلام ونصرته ، ( أ ) دين الإسلام دين الخلافة الواحدة التي تجمع المسلمين على بيعة واحدة ، من مات وليس في عنقه بيعه لها مات ميتة جاهليه ، فقد أخرج البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه .. الحديث وفيه (( قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة ، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك((.  [ البخاري : 3606 ] ، والحديث فيه أمر بلزوم جماعة المسلمين ، وإمامهم ( خليفة المسلمين )  ، وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((  من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )) [صحيح مسلم 3|1478 ] ، والحديث ينصب على مبايعة خليفة المسلمين الذي له حق البيعة في أعناق أهل الحل والعقد ، والخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم ، ولها مقصدين كبيرين ، أولهما : حراسة الدين ، والثاني: سياسة الدنيا به ، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة ، وقد وردت فيها الأحاديث الصحيحة المشتملة على التحذير الشديد عن التهاون فيها ، وتصف من مات جاهلاً بها بأن ميتته جاهلية ، وقال الماوردي : "وعقدها ـ أي الإمامة ـ لمن يقوم بها في الأمَّة واجب بالإجماع " أهـ [  الأحكام السلطانية ، ص29. ] ، وقال ابن حجر : " قال النووي : أجمعوا على أنه يجب نصب خليفة ، وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل" أهـ  [فتح الباري 13|176] ، ( ب ) دين الإسلام هو دين الجماعة الواحدة (جماعة المسلمين ) ، ومن شذ شذ في النار ، دل على ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس في الصحيح: (( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة وخرج مات ميتة جاهلية )) [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات فميتته ميتة جاهلية )) [ أخرجه مسلم والنسائي وأحمد ] ، وأخرج الإمام أحمد والحاكم عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه )) [ أخرجه أحمد والحاكم وصححه وصححه كذلك الألباني ] ، والمراد بالجماعة في هذه الأحاديث ( جماعة المسلمين ) التي اجتمع المسلمون على أميرها ( الخليفة ) ، وأما ما سوى ذلك من الجماعات فليس لها حكم جماعة المسلمين وإمامهم الذي اجتمعوا عليه ، ( ت ) دين الإسلام هو دين الدولة الإسلامية القوية التي تعلي كلمة الدين وترهب أعدائه ، إذ لا يمكن أن تتحقق رسالة دين الإسلام على الأرض من حفظ الدين وتطبيق أحكامه إلا من خلال دولة إسلامية تسوس الدنيا بالإسلام وتنتشر الدين وتحقق التوحيد والعدل والاستقرار ، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة ، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر، فما أكثر آيات القرآن الكريم التي تدل على وجوب الحكم بما أنزل الله، وتطبيق الحدود ، وإقامة شرع الله ، والأمر بالشورى، ثم كيف يسوغ لجاهل أن ينكر أن الإسلام دولة أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحمل هم الدين وتطبق أهداف رسالته على الأرض ، وإلا فمن يرفع راية التوحيد ، ومن يقيم شعائر الدين ، ومن يعظم شعائره ، ومن يطبق الحدود ، ومن يحفظ أركان الإسلام ، ومن يدافع عن الإسلام وأهله ، ومن يطبق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، ومن يحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره وترغيبهم في ذلك ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية. ومن يقوم بإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع كما يقضي به الإسلام إن لم يكن هناك دولة إسلامية تقوم أسسها وقواعدها على الكتاب والسنة ، ( ث ) دين الإسلام هو دين الحكومة القوية التي تقيم الأركان وتعظم الشعائر وتطبق الأحكام وتحفظ العقائد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وتحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع إذ لا يمكن حفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إزالة ، حكومة تنشر الدين بالدعوة إليه وتحفظ الدين بالحسبة عليه وتبني مؤسسات علمية لحفظ معالم الدين وللدفاع عنه أمام الشبهات والبدع ودعاوى الباطل وتبني مؤسسات أخلاقية للحفاظ على أخلاق الإسلام ومحاربة الفواحش والرذائل وتسعى لمتابعة كل ما من شانه حفظ الدين ونشره وبسط سلطانه ، وتسعى لمنع كل ما من شأنه الإضرار بعقائد المسلمين أو عباداتهم أو أخلاقهم ، ( ج ) دين الإسلام رسالة شاملة متكاملة تضع الأسس والضوابط لكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية وغيرها من أنظمة الدولة الحديثة : وذلك لان دين الإسلام دين كامل تام تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة ،  بما يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة ، قال تعالى { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل : 89 ] ، وقال تعالى :{ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ إبراهيم : 1 ]  ، وقال تعالى : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } [ الأنعام : 38 ] ،  وقال تعالى { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ يوسف : 111] ،  وقوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : ] ، ومن تكامل المنهج الإسلامي اشتماله على أنظمة شاملة تغطي كافة الأنشطة البشرية المتعددة : ففيه النظام الاجتماعي : الذي يبني العلاقات الاجتماعية على أسس عقائدية وأخلاقية ربانية عظيمة تسعى إلى حفظ ضروريات المجتمع وحاجياته ، وتوجب عليه التكافل من أجل تحقيق ذلك ، وتسعى إلى تحقيق سعادة وفلاحه في الدنيا والآخرة ، وفيه النظام التربوي والتعليمي: الذي يربي الناس على الفضائل والشمائل والمثل العليا الربانية الحكيمة ، ويدعوا الناس إلى العلم وإلى طلب المزيد منه وشرفه سواء كان علم الدين أو كان علم به مصلحة الناس ومبتغاهم ، وفيه النظام المالي (الاقتصادي) الذي يبني العلاقات المالية على أساس العدالة والتكافل بعيدا عن كل الأسباب التحكم والسطوة والاستغلال ، والذي يقوم على أسس ربانية حكيمة تجعل ( المال ) مال الله عز وجل والإنسان مستخلف فيه ولله فيه حقوق، وتجعل ( المال ) نعمة في يد الأخيار الذين يراعون حقوقه ، وتجعل ( العمل والكسب الحلال ) واجب ، وتحرم البطالة والكسب الحرام ، وتمنع كنز المال وحسبه على التداول، وتقر بالملكية الفردية شريطة إلا تتعارض مع مصلحة الجماعة ، وتجعل الناس شركاء في المرافق العامة التي تعود الناس جميعها بالخير والمنفعة ، إلى غير ذلك من قواعد وضوابط ربانية تتحقق من خلالها العدالة الشاملة والتعاون العام وتنتفي كل عوامل الظلم والاستغلال ، وفيه النظام السياسي : الذي يضع الأسس الربانية السليمة لقيام الدولة الإسلامية القوية وإدارتها لأجهزتها المختلفة ، محددا حقوق المواطنة وواجباتها، وعلاقات الدولة الداخلية والخارجية، إلى غير ذلك من شؤون السياسة الإسلامية التي أهم ما تقوم عليه من الأسس أساس الولاء لله ورسوله وللمؤمنين والبراءة من  أعداء الله ورسوله والمؤمنين ، أسس ربانية يتحقق من خلالها أمن المجتمع ونصرة دينه ، وفيه النظام الجزائي : الذي يضع الأسس الربانية الحكيمة لتشريعات تضمن سلامة المجتمع من البغي والفاحشة ومن الجريمة والعدوان. تشريعات تستوي فيها الغني والفقير والوجيه والوضيع، كل الناس سواسية أما القضاء ، وقضاء الإسلام مستقل له حرمته وله سيادته لا سلطان عليه إلا للشرع فلا مدخل إليه لترغيب أحد أو ترهيبه. تشريع تكفيك فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ، وفيه النظام الحسبي:  الذي يتابع المجتمع ويحرص على أن يحفظ للناس دينهم وأعراضهم وأموالهم يأمرهم بكل معروف وينهاهم عن كل منكر ، وفيه النظام الإعلامي الإسلامي الذي يعمل كموجّه أخلاقي لبناء الأمّة ، ويحافظ على قيم الإسلام الروحيّة والماديّة ، ويلتزم ببناء النظام الأخلاقي في الأمة ، وتبني الدعوة إلى الله ونشر العلم الصحيح ، والتزام الصدق الإعلامي ، فرسالة الإعلام في المنظومة الإسلاميّة هي التي تعبّر عن الرسالة الإسلاميّة ، وهي التي تحمل القيم والأخلاق إلى سائر الأمم والشعوب ، والإسلام هو دين البلاغ والإعلام لجميع الناس بلا استثناء ، ، والنبي صلى الله عليه وسلم ما بُعث إلا لإعلام الناس برسالة الإسلام ودعوتهم للتمسك بها والعمل من أجلها ، والدعوة إلى الله عز وجل ما هي إلا إعلام للناس عن رسالة الإسلام ، من هنا يتبين لنا أهمية الإعلام في الرسالة الإسلامية والدعوة إلى الله عز وجل من خلالها ، وفيه النظام الجهادي (العسكري) : الذي يسعى لإعلاء راية الدين وكلمته ونشر النور وإخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن الظلم إلى العدل ومن الكفر إلى الإيمان. والذي يسعى لحماية حرمات المسلمين وسد ثغورهم وإرهاب أعدائهم ، وشرع الإسلام يضع الأسس الربانية القويمة التي تقوم عليها حياة الجهاد حياة العزة والكرامة في الدنيا والعلو والرقعة في درجات الأخرة ، وكل تلك الأنظمة وغيرها ما يحتاج إليه الناس في مجالات الحياة الدنيا وأنشطتها جاء شرع الإسلام بكل قواعدها وأصولها العامة الأساسية في صورة تامة كاملة يكمل بعضها بعضا بما يخدم البشرية جمعاء –فضلا عن أهل الإسلام –ويسير بها نحو الأمن والأمان والسعادة والاستقرار بحكمة خالق الإنسان { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الملك : 14 ] ، وهذه الأنظمة لابد وأن تطبق في حياة الناس : فلم يجعل الله عز وجل للإنسان اختيارا في إتباعها والسير وفق أحكامها بل أوجب عليه الاحتكام إليها وحبل ذلك من أصل الإيمان وأصل الدين ، قال تعالى : {  فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ النساء : 65 ] ،  وقال تعالى : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } [ الأنعام : 114 ] ، وقال تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [ المائدة : 50 ] ، ( ح ) دين الإسلام هو دين الدعوة والحسبة والجهاد من أجل نشر الدين وحفظه ونصرته وبسط سلطانه : دين الإسلام إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة : وفي ذلك يقول الله تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } ، وقال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28 ] ، ودين الإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله من عباده دينا سواه : وفي ذلك يقول الله تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [  آل عمران : 85 ] ، لذا وجب على المسلمين جميعا حمله إلى الناس جميعا ، بالدعوة إليه والحسبة عليه والجهاد في سبيل نشره وحفظه وإظهاره على الدين كله ولو كره المشركون ، ( خ ) دين الإسلام هو دين الجد والعمل الجماعي المتعاون من أجل حمل الأمانة وحفظ الإسلام ونصرته : يقول الله تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد ، ويقول تعالى : { وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[ المائدة : 2] ، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة )) ، والطائفة هي الجماعة من الناس ، ومن الأمور التي توجب - اليوم - التعاون الجماعي على نصرة الدين : غربة الدين وضياع الكثير من فرائضه وغياب الكثير من أهدافه ، أضف إلى ذلك المكائد العالمية على الإسلام وأهله من اليهودية الماكرة الخبيثة والوثنية الملحدة والصليبية الحاقدة ، فقد تكالب الكفار من كل صوب وحوب يوحدون صفوفهم على حربنا ويجمعون كلمتهم على ضرورة إبادة الإسلام وأهله ، ومن له أدنى علم ودراية بما عليه هؤلاء من التخطيط الجماعي الدؤوب لإبادة الإسلام وأهله حتما سيرى وجوب العمل الجماعي الإسلامي ووجوب جديته من أجل مكافئة الواقع بما يكافئه من قوة ومن رباط الخيل  ، كما أنّ دين الإسلام نفسه في أرضه يحتاج إلى من يجدد أمره ويؤنس غربته ويحقق أهدافه ، ومن هذا كله نرى ضرورة تضافر كافة الجهود الإسلامية والتنسيق التام بين كافة القائمين علي العمل الإسلامي وتكاملهم ، وذلك لان التغيير الإسلامي المنشود وتحقيق أهداف العمل الإسلامي في وسط تلك التحديات الرهيبة ، لاشك أن ذلك يستلزم تضافر كافة الجهود والقوى الإسلامية للتعاون على حفظ الدين ونصرته ، ( تنبيه ) ضرورة التفريق بين جماعة المسلمين الكبرى وبين جماعات الدعوة والعمل :  فالأولى ( جماعة المسلمين ) أمارتها أمارة عامة هي الخلافة ، وهي واجبة البيعة والطاعة في عنق كل مسلم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )) ، وهذه لا يجوز تعددها ، لا سيما في القطر الواحد عند الضرورة ، لما يؤدي ذلك إلى الهرج والمرج والتدافع وما ينتج عنه من سفك الدماء واستحلال الحرمات ، ولهذا جاء فيها الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال :رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم )) ، وأحاديث طاعة الأمراء والصبر على جورهم وظلمهم ، كحديث البخاري : ((  اسمعوا وأطيعوا ، و إن استعمل عليكم عبد حبشي ، كأن رأسه زبيبة )) ، وحديث مسلم : (( يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون .. قالوا  : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلوا )) ، وهذه الجماعة هي المقصودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( فإن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع )) ، وأميرها هو خليفة المسلمين الذي جاء في حقه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ))  ، أما جماعات الدعوة والحسبة وغيرها فهي جماعات خاصة في اطار الجماعة الكبرى جماعة المسلمين ، وأمارتها إمرة خاصة لا تأخذ حكم البيعة الكبرى أبدا لأنّها إمرة في شأن معين وجانب خاص من جوانب الدين ، و ( البيعة ) داخل تلك الجماعات الخاصة لا تتعدى كونها مجرد عهد والتزام يلتزم فيه المجتمعون بطاعة من اختاروه أميراً أو قائداً أو رئيساً عليهم في إطار خدمة الدين فإن رأى ما هو أنفع للإسلام جاز له أن يختار الأنفع والأقرب لخدمة الدين ، وهذه الجماعات ينبغي - إن كانت تريد نصرة الإسلام حقاً - ان تتكامل وتتوافق لا ان تتعادى وتتفرق ويضاد عمل كلٍ منها الآخر 

فيحدث الضعف والفشل ، كما في قوله تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، فلا بد هنا من الانتباه والتفريق بين جماعة المسلمين العامة وأحكامها وأحكام بيعتها الملزمة ، وما وبين الجماعات الخاصة وبيعتها التطوعية ، وعدم الخلط ما بين هذه وتلك ، لما يؤدي الخلط من عواقب وخيمة على الإسلام والمسلمين ،

( اللبنة الثالثة من لبنات التجديد العملي ) :  معرفة أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده  :  إن أهم أهداف العمل الإسلامي تتمثل في تلك الأهداف : ( الهدف الأول ) : أداء أمانة تبليغ هذا الدين إلى الناس كافة ، وهذا البلاغ هدف أساسي به نستجيب لأمر الله عز وجل ، وأمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، إذ لولا الدعوة إلى الله والعمل من أجل دين الله تعالى ، لما قام لله على الأرض دين ، ولا انتشر توحيد وإسلام ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغه إلى الناس كافة ، قال تعالى {  يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ..}  الآية. [المائدة: 67] ، وأمره سبحانه بأن تكون الدعوة إلى الله تعالى هي سبيله وسبيل إتباعه إلى قيام الساعة ، قال تعالى { قُلْ هـَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف: 108] ، وأمر سبحانه المسلمين بأن تتخصص طائفة منهم لحمل تلك الأمانة ( أمانة بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام ) ،قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[آل عمران:104] ، و ( الهدف الثاني ) : إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة ، قال الله تعالى : {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}، وإتباع الرسل يخلفونهم في هذه المهمة: وقال تعالى : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي...}، فإقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة هو ضمن أهداف العمل لدين الله تعالى ، والمدعو :  إما أن يستجيب ويهتدي فيتحقق هدف هداية الناس إلى الحق، وإما أن يعاند ويكفر فيتحقق هدف إقامة الحجة لله تبارك وتعالى وينقطع عذر المعاند إمام ربه يوم القيامة: قال تعالى : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَأهم وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء}، وقال تعالى : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } [ الرعد : 7 ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل للناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله عز وجل بأذنه وسراجا منيرا ، ورسالته صلى الله عليه وسلم  تمتد إلى قيام الساعة فهو النبي الخاتم ودينه الإسلام هو الدين الراسخ المهيمن على كافة الأديان قبله ولا يقبل عز وجل من العباد جميعا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه ، وحمل لواء الدعوة إلى دين الإسلام واجب على امة النبي صلى الله عليه وسلم حتى تبلغ الدعوة أرجاء الأرض وحتى تقوم الحجة على العباد جميعا به وحتى تعذر امة النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الأمانة ، و ( الهدف الثالث ) : نشر الدين وهداية العباد ، وإخراجهم به من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى والرشاد ، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ظلم العباد إلى العدل والرحمة والإحسان ، وقد أجمل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام ، عندما أرسله سعد بن أبي وقاص لرستم قائد الفرس يدعوه إلى الإسلام ، فقال له رستم: لماذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام [ البداية والنهاية 7/39 ] ، و ( الهدف الرابع ) : حفظ الدين بالحسبة عليه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان )) [ أخرجه مسلم ] ، و ( الهدف الخامس ) : إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية ، قال تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أو أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } الآية. [النحل: 92] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لأن يهدي الله بك رجلاً وأحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم )) [ متفق عليه ]  ، وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم الدعوي والحسبي و التعليمي والتربوي يهدف دائما إلى إيجاد ذلك المسلم الحقيقي الذي يختلط الإسلام بدمه ولحمة ويرى عزته في التمسك بدينه يعض عليه بالنواجذ ، إنّ حمل لواء التربية والتزكية والتعليم واجب على علماء أمة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلم المسلم من دينه ما يصح به اعتقاده وما تصح به عبادته ومعاملاته وآداب واخلاقه وما تزكوا به نفسه وما يسلم به قلبه { يوم لا ينفع مال ولا بنون لا من اتى الله بقلب سليم } ، و ( الهدف السادس ) : تكوين المجتمع المسلم الذي يمتثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا : قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [ الجمعة:2 ] ، وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران:164] ، ذلك المجتمع الذي تقام فيه الأركان والفرائض وتعظم فيه الشرائع وتظهر ثمار التزكية بالتواد والتآخي والتعاون على البر والتقوى والإيثار والحب في الله ، ذلك المجتمع الذي تنشر فيه فضائل الإسلام من الإيمان والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وتنتشر فيه الفحشاء والمنكر والبغي والفسوق والعصيان ، وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم الحسبي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يهدف دائما إلى إيجاد ذلك المجتمع الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا والذي ينتفي عنه كل ما نهي دين الإسلام عنه ، وأتباع النبي صلى الله عليه وسلم من علماء أمته الوارثين هديه ، يجب أن يكون منهم من يحمل هم إصلاح المجتمع ، قال تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إليهمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] ، والهدف السابع : بناء دولة الإسلام القوية التي تحفظ على المسلمين دينهم وتزود عنه وتحمل لوائه وتنصره وتحقق أهدافه : تلك الدولة التي تحفظ عقائد الإسلام وتطبق أحكامه وشرائعه وتقيم أركانه وتعظم شعائره وتعز أهله وترهب أعدائه ، وتلك الدولة التي ترفع لواءه وتسير به إلى الإمام نحو إظهار أمر الدين وبسط سلطانه والتمكين له في الأرض وحتى تزول الفتنة ويكون الدين كله لله ، وقد كان تركيز عمل النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة تلك الدولة التي تجمع المسلمين تحت وحده واحدة وولاء واحد وقيادة مسلمة واحدة تعمل من أجل نصرة الدين دونما ضغوط أو تدخل من غير الصف المسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل ويطلب منهم نصرته ونصرة دينه ، وظل أمل النبي صلى الله عيه وسلم قائما إلى أن أذن الله عز وجل له في الهجرة إلى المدينة وأقام فيها دولة الإسلام الأولى والتي ما لبثت أن اشتدت حتى شمل سلطانها على أيام تابعي التابعين أكثر المعمورة، تجاهد من أجل إخراج الناس من الكفر إلى الإيمان ومن الظلمات إلى النور ومن جور الأديان المحرفة الباطلة إلى عدل الإسلام المحفوظ بحفظ الله تعالى له ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة  ، إن حمل لواء العمل الإسلامي الصحيح الجاد المنضبط بالشرع الحنيف وضوابطه وأحكامه من أجل إقامة دولة الإسلام في كل قطر يدين أهله بالإسلام واجب وفرض ، وقد تكفل الله عز وجل بنصرة عباده المخلصين الجادين في نصرة دينه وشرعه ، قال تعالى : { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّأهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور } [ الحج : 40- 41 ] ، وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، والهدف الثامن: نصرة المستضعفين من المسلمين في أنحاء العالم : فما أكثر المسلمين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها ، في فلسطين ، وفي بورما والفلبين ، وفي الصومال وأواسط أفريقيا ، وغيرها من بقاع الأرض ، وقد خاطبنا الله تعالى بقوله : { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } [ النساء : 75 ، 76 ] ، والهدف التاسع : إقامة الخلافة الراشدة التي تنوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسية الدنيا به : تلك الخلافة التي تجمع المسلمين جميعا في مختلف أنحاء وأقطار العالم الإسلامي تحت بيعة واحدة وراية واحدة ، تلك الخلافة التي تحمي حرمات المسلمين في أنحاء العالم وتمد لهم يد العون والنصر وتعد العدة من أجل إرهاب أعداء الله وأعداء المسلمين ، وقد اجمع علماء أهل السنة والجماعة قاطبة على وجوب تنصيب خيفة للمسلمين نقل ذلك الإجماع : الماوردي في الأحكام السلطانية ( ص35 ) ، والنووي في شرح صحيح مسلم ( ج12 ص 205 ) ، وابن الحزم في الملل والنحل ( ج3 ص87 ) وغيرهم ممن تقل ذلك الإجماع كثير ، وأمة المسلمين من دون خليفة يوحد كلمتها وينظم صفوفها تظل في اختلاف واضطراب وذهاب القوة والبأس ويستهين أعداء الإسلام بها ويتجرؤون على أهلها لا يحفظون له حرمه ولا إلا ولا ذمه ، إن حمل لواء العمل الإسلامي الصحيح الجاد من أجل إحياء منصب الخلافة الإسلامية الواحدة الراشدة واجب، والطريق إلى تنصيب ذلك الخليفة الممكن الظاهر طويل وشاق ويحتاج إلى صبر وتؤده وحلم وأناة وعلم وعمل جاد لا بعرف الراحة والاستكانة وبشارات النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تؤكد عودة الخلافة الراشدة السائرة على منهاج النبوة، وذلك كائن لأعماله وما علينا إلا السير من بداية الطريق والله يؤتي ثمرة السير لمن شاء من عباده إنه اعلم بالشاكرين المستحقين لذلك الشرف العظيم ، والهدف العاشر : بناء حضارة الإسلام العالمية وإظهاره على الدين كله وإزالة الفتنة من على الأرض والتخلية بين الناس جميعا وبين دين الإسلام لا يقف بينه وبينهم حاجز يمنع وصوله صحيحا إليهم ويمنعهم من قبوله متى شاءوا قال تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } ، قال الله تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة : 32 ، 33 ] ، وقال تعالى :  { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } [ الفتح : 28 ] ، وقال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 8 ، 9 ] ، وتحقيق هذا الهدف يكون بالدعوة إلى الله بكل الجهد والطاقة ليلا ونهارا جهرا وإسرارا ، وقد وعد الله تعالى عباده الصالحين بتحقيق هذا الهدف ، قال تعالى { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  }  [النور : 55 ] ، فإذا من الله تعالى على المؤمنين بالتمكين في الأرض ، فإن ذلك سيكون سببا في نشر الخير والمعروف والصلاح والنهي عن الشر والمنكر والفساد ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأمر بِالْعَدْلِ وَالإحسان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  } [ النحل :90] ،  وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد تثبيت دعائم دولة الإسلام موجها نحو نشر الدين وتبليغه للناس أجمعين إزالة كل قوة تقف حجر عثرة تحول دون انتشار المد الإسلامي الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ، ولذلك أعلن النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد الطلبي من أجل نشر الدين وبسط سلطانه وإعلاء كلمته والتمكين له في الأرض وإزالة كل فتنة تقف في وجه المد الإسلامي المبارك ، وقد كان عمله امتثالا لقوله تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله }  ، وقوله تعالى { وقاتلوا المشركين كافه كما يقاتلوكم كافه } ، وقوله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ، إن حمل لواء هذا الجهاد الطلبي من أجل إظهار دين الإسلام على الدين كله وإزالة الفتنة من على الأرض وجعل الدين كله لله من أعظم مهمات أمة النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض ، ولكي نصل إلى تلك المرحلة العظيمة من الجهاد ينبغي ان نسير في طريق طويل من الإعداد المتقن واستيفاء شروط ذلك العمل العظيم ، والهدف الحادي عشر: المحافظة على تلك الأهداف السابقة محققة قائمة يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل : إن الكفار والمشركين والمنافقين لا يزالون على مر العصور والأيام على مكرهم وكيدهم وعدائهم لدين الله عز وجل الإسلام وأهله ، قال تعالى { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } ، وقال تعالى { ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم } ، وقال تعالى { لتجدن أشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين أشركوا } ، وهؤلاء الكافرين ينفقون أموالهم لحرب الإسلام وأهله ، قال تعالى { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون } وهؤلاء متى وجدوا في الصف المسلم ضعفا أو فرجه تسللوا منها ليمكروا بالمسلمين ومتى تمكنوا منهم فلا يرقبون فيهم يومئذ إلا ولا ذمة ، لذلك وجب على امة الإسلام أخذ الحيطة والحذر الدائمين قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا  } ، ووجب على أمة الإسلام الإعداد الدائم من أجل الحفاظ على أهداف رسالة دين الإسلام قائمة محققه ومن أجل إرهاب أعداء الله على طول الدوام فلا تسول لهم أنفسهم بالكيد للإسلام وأهله ، قال تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } ، وبعد فتلك بعض أهم أهداف العمل الإسلامي ومتى وصل الصف الإسلامي إلى تحقيق تك الأهداف جميعها فإنه يكون قد استطاع تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ، على أن تحقيق تلك الأهداف الغالية ليس ضربا من الخيال أو حديثا عن المستحيل بل هو كائن لا محالة ، كائن لا محالة مهما بلغت قوة الأعداء ومهما بلغ ضعف أمة الإسلام وهوانها فمتى رجعت عن دينها تتمسك به وتعمل جاهدة من أجل نصرته آنذاك يكون لها أياما من أيام الله الكريمات التي تنزل فيها الكرامات وينزل فيها نصر الله لعباده المؤمنين قال تعالى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } ، وقد دلت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم على تحقيق كافة تلك الأهداف المنشودة ، قال تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }  [ التوبة : 32 ، 33 ] ، وقال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 8 ، 9 ] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  إِنَّ اَللَّهَ زَوَى لِي الأرض, فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا, وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا, وَأُعْطِيتُ اَلْكَنْزَيْنِ اَلْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ )) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل و النهار و لا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام و ذلا يذل به الكفر )) [ رواه ابن حبان وصححه الألباني في السلسة الصحيحة ج1 : 7 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر أو الشجر : يا مسلم ! يا عبد الله ! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ، إلاَّ الغرقد فإنه مِن شَجر اليهود )) [ أخرجه البخاري ومسلم  ] ، ولا يقف الأمر عند ذلك الحد بل يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح روما عاصمة أهل الصليب وإن ذلك كائن لا محالة ، فيقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (( بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سئل  أي المدينـتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال : فأخرج منه كتابا قال : فقال عبد الله : بينما نحن حول رسول الله نكتب، إذ سئل رسول الله : :أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مدينة هرقل تفتح أولا : يعني قسطنطينية ) ([ رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ، ووافقهما الألباني في السلسة قائلا : وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني، كما هو معروف، وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح، وسيتحقق الفتح الثاني بأذن الله تعالى ولا بد، ولتعلمن نبأه بعد حين ، السلسة الصحيحة 1\8 ] ، وأخرج مسلم في صحيحه (( قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ نَافِعٌ: يَا جَابِرُ لَا نَرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ )) [ أخرجه مسلم ] ، ففتح الروم قادم لا محالة كما فتحت فارس من قبل ، وكما فتحت القسطنطينية من قبل ، ستفتح روما ، وترتفع عليها راية الإسلام ،   ، فهذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤكد أن التجديد الإسلامي قادم لا محالة مهما ظهر على امة الإسلام من ضعف أو هزيمة ومهما ظهر على أعداء الدين من قوة أو نصر مؤقت ، فدين الله سيبلغ مبلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيتا الا أدخله تحت سلطان دين الإسلام بعز يعز الله به الإسلام وأهله وبذل يذل الله به الكفر وأهله ، والحاصل أن ظهور الدين الإسلامي على الدين كله كائن ولو كره المشركون والتجديد الإسلامي قادم لا محالة ولو تكالب على امة الإسلام من بأقطار الأرض جميعا ، ولكن القضية الهامة تكمن فينا نحن المسلمين ، قال تعالى :{يا أيها الذين امنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، وقال تعالى : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } .

( اللبنة الرابعة من لبنات التجديد العملي )  :  معرفة أهم الوسائل الشرعية لتحقيق رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده  : إن الوسائل الشرعية الصحيحة لتحقيق أهداف رسالة دين الإسلام العملية تتمثل في : الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة ، والبناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم الشرعي الراسخ ، والحسبة على الدين بالأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر ، والإعداد الجهادي لإرهاب أعداء الله وأعداء الإسلام والمسلمين ، والجهاد في سبيل الله من أجل نشر الدين وإظهار أمره وإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله ، والعمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ، ( أولاً ) : الدعوة إلى الله تعالى : هي اشرف رسالة وأعظم قربة إلى الله تعالى فهي عمل الأنبياء ومهمة المرسلين ، وهي أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى:  { يَأَيّهَا النّبِي إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إلى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً } [الأحزاب: 45] ، والداعي إلى الله هو أحسن الناس قولاً ، قال تعالى { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إلى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت:33] ، وأجر الداعي إلى الله عظيم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا...)) [ الحديث رواه مسلم (2674) ] ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما للداعية من أجر عظيم ، فقال  لعلي رضي الله عنه : (( فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً وأحدا خير لك من حُمْرِ النعَم )) [ متفق عليه رواه البخاري (2942)، ومسلم (2406) ] ، ولولا الدعوة إلى الله لما قام لله على الأرض دين ، ولا انتشر توحيد وإسلام ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغها  إلى الناس كاملة ، قال تعالى {  يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ..}  الآية. [المائدة: 67] ، وأمره سبحانه بأن تكون الدعوة إلى الله تعالى هي سبيله وسبيل إتباعه إلى قيام الساعة ، قال تعالى { قُلْ هـَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَني وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف: 108] ، وأمر سبحانه المسلمين بأن يتخصص طائفة منهم لحمل تلك الأمانة ( أمانة الدعوة إلى الإسلام ) ،قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[آل عمران:104] ، والدعـوة إلى الله فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها ، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين ، وذلك لقوله تعالى: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فى الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوَاْ إليهمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ } [التوبة: 122] ، وقوله تعالى : { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران: 104] ، وتكمن فائدة الدعوة في أمور عظيمة منها : نشر الدين ودخول الناس فيه وهدايتهم إليه وإنقاذهم به من الكفر إلى الإيمان ومن عذاب الله وناره إلى رحمة الله وجنته ، ومنها نصرة الدين وعلو رايته وذلك أن نصرة الدين لا تكون إلا على عاتق إتباعه وهؤلاء هم الذين قبلوا الدعوة إليه وامنوا بمبادئ تلك الدعوة فحملوها وضحوا من أجلها بالنفس والمال وكل ما يملكون ، ومنها إنذار الكافرين وإقامة الحجة عليهم حيث لا يقبل الله من عباده جميعا دينا سوى الإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم ، وواجب المسلمين من بعده صلى الله عليه وسلم هو حمل رسالة دين الإسلام إلى الناس جميعا وإقامة الحجة عليهم بالدعوة والتبليغ ، ومنها الإعذار إلى الله تعالى بأداء تلك الأمانة العظيمة أمانة الدعوة والتبليغ ، وتكمن أهمية الدعوة إلى الله عز وجل - اليوم - في أن الحاجة إليها اشد من ذي قبل واشد من الحاجة إلى غيرها من أعمال الإسلام وما ذك إلا لغفلة المسلمين عن دينهم وعن التمسك به وبعقائده وشرائعه وأخلاقه وآدابه وتزكيه ، وما اشد حاجتنا اليوم إلى أن تتم الدعوة إلى الله تعالى وفق منهج دعوي صحيح مدروس له ملامح تؤهله لأن يكون جديرا بأن تجتمع عليه جهود الدعاة إلى الله تعالى وأن تجيش عليه كافة الجهود المخلصة من أجل أن تصل الدعوة إلى الله عز وجل صحيحة إلى أولئك المسلمين الغافلين المحتاجين إلى الدعوة ، تصل إليهم صحيحة واضحة على بصيرة وبحكمة وموعظة حسنة فتؤتي بأذن الله تعالى ثمارها معهم وآنذاك تجدي مع أولئك المسلمين كافة الجهود والأعمال الإسلامية التالية وأهمها البناء على تلك الدعوة  ، ( تنبيه ) : قد اجتهدت - بحمد الله تعالى - في كتاب التجديد الثاني عشر : ( كتاب التجديد في مجال الدعوة  إلى الله ) في جمع كل ما يتعلق بقواعد وضوابط وعلوم الدعوة إلى الله ، لعلها تكون أرضية لمنهاج عالمي في نشر الدعوة إلى الله تعالى بحكمة وعلى بصيرة ، ( ثانيا ) : البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم  : ويقصد به تربية المسلم على مبادئ الإسلام العقائدية والشرعية والأخلاقية ، وصبغة بمحتوى رسالة دين الإسلام حتى يتحقق فيه إسلام الوجه لله والمتابعة الحقة لرسول الله عز وجل صلى الله عليه وسلم ، والبناء على الدعوة هو المتمم لأثر الدعوة وهو يقوم على التربية الإسلامية الحقة والتزكية الإسلامية الخالصة والتعليم الشرعي الصحيح الراسخ ، وهذه الأسس الثلاثة جمعتها آية في كتاب الله تعالى وضحت وسائل البناء على الدعوة في منهج النبي صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ، فأعظم التربية تكون بملازمة كتاب الله عز وجل وتدبره وتدارسه ومعاهده سماعة وتلاوته ، وأحسن التزكية تكون في هدى النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يترك مجالا و لا سبيلا إلى تزكية النفس أو سلامة القلب أو مكارم الأخلاق وحسن الأدب وبالتالي سبيلا إلى مرضاة الله عز وجل والقرب من الا ووضحه وبينه أتم بيان والعلم الراسخ الصحيح النافع هو كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الحكمة التي خرجت من مشكاة النبوية والوحي { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } أو جهود العلماء الراسخين في العلم في بيان معنى الكتاب والسنة واستخراج أحكامها ، وتكمن أهمية البناء على الدعوة: في انه السبيل إلى إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام (عقيدة وفقها وتزكية وعملا من أجل نصرته ) ، وأنه السبيل إلى وجود الصف الإسلامي القوي الذي يحمل لواء التجديد الإسلامي ويتحمل تبعاته الجسام ومهامه العظام ، وهو السبيل إلى بناء الرجال ، ( رجال العلم الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله ) ، ورجال الدعوة الذين يدعون إلى الله تعالى على بصيرة وبحكمة وموعظة حسنة ، ورجال الحسبة الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالرفق والحلم والعلم امتثالا لقوله تعالى : {كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } ، ورجال الجهاد الذين يجاهدون في سبيل الله ابتغاء إعلاء كلمته ورفع رايته دينه الحق بالنفس والمال لا يخافون في الله لومة لائم ، ورجال التزكية والعبادة الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة ، وهل يُنصر دين الإسلام الا بمثل هؤلاء؟ ، ولذلك فالبناء على الدعوة غاية في الأهمية والضرورة ، وقد كان هو غالب جهد النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى يأمره بالصبر عليه ، قال تعالى {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } ، وما اشد حاجتنا اليوم : إلى مناهج صحيحة بسيطة واضحة صافيه سهله في البناء على الدعوة تقوم على التربية على كتاب الله وآدابه وأخلاقه ، وتقوم على التزكية بوسائل التزكية العملية التي وضحها الكتاب والسنة ورسخها التطبيق العملي في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وعباداته ومعاملاته ، وتقوم على التعليم الشرعي لاسيما العلم الراسخ المؤيد بالكتاب والسنة ولاسيما المعلوم من الدين بالضرورة في كافة مجالات الدين وجميع جوانبه ، وعلى تلك المناهج الصحيحة الواضحة تخرج بمشيئة الله تعالى كتائب التغير والنص والتمكين والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، ( تنبيه ) : قد اجتهدت - بحمد الله تعالى - في كتاب التجديد الثالث عشر : ( كتاب التجديد في مجال التربية والتزكية والبناء على الدعوة  إلى الله ) في جمع كل ما يتعلق بقواعد وضوابط وعلوم التربية والتزكية والبناء على الدعوة إلى الله ، لعلها تكون أرضية لمنهاج سديد في مجال التربية والتزكية والبناء على الدعوة  إلى الله  ، ( ثالثا ) : الاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أوجب الواجبات وأعظم القربات وابرز صفات المؤمنين ، وفيه مصلحة الأمة ونجاتها وبه يحافظ على الدين نقيا ظاهرا بعقائده وأركانه وشرائعه وأخلاقه وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير حيث تضيع العقائد والأركان وتُهمل الشرائع وتنتهك المحرمات وتنتشر الفواحش والرذائل ، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على كافة الأمم ، والأمة التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستحق اللعن من الله تعالى ، وللحسبة بركة عظيمة على المسلمين وتكمن فائدتها في أمور عظيمة منها: إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار دينه والحفاظ عليه بين المسلمين فلا ينتقص من عقائده ولا تهمل أركانه ولا تغيب فرائضه ولا تنتهك محرماته ، وهي سبيل إلى إيجاد المجتمع المسلم الحقيقي الذي تقام في الأركان وتطبق فيه الشرائع وتعظم فيه الشعائر وتصان فيه العقائد والأخلاق ، والنبي صلى الله عليه وسلم باشر الحسبة على الدين بنفسه في كل أمور الدين في العقائد وفي المعاملات وفي العبادات، احتسب على أهل بيته وعلى أصحابه وعلى المسلمين جميعا ولم يترك صغيرا ولا كبيرا من أمور الدين يحتاج إلى الحسبة إلا واحتسب عليه ، وكما احتسب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان صلى الله عليه وسلم مثالا عظيما للرفق واللين والحلم وسعة الصدر وهو الموصوف من الله تعالى بقوله عز وجل { ولَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاورْهُمْ فِي الأمر} ، وما اشد حاجتنا اليوم : إلى مناهج متكاملة للاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصفه جماعية تراعي مراحل الحسبة وأحكامها وآدابها ودرجاتها التي قررها الفقهاء وتراعي كذلك وضع العمل الإسلامي - فلا شك أن أحكام الحسبة ووسائل التغير قد تختلف من قطر إلى قطر وفقا لوضع ذلك القطر ووضع العمل الإسلامي فيه - ، وتراعي كذلك وضع المحتسب القائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يحتاجه من العلوم والآداب والأخلاق - إذ الحسبة من أدق الأعمال الإسلامية وأكثرها احتياجا إلى العلم والفقه 

في الدين وإلى موازنات دقيقة لا يتقنها إلا العلماء الراسخون  في العلم وذوو بصيرة في العمل وما يصلحه ، وعلى تلك المناهج الشاملة المتكاملة تخرج كتائب الأمرين بالمعروف الذين يملئون ديار المسلمين حسبه على الدين وتعظيما لأمر الله عز وجل ونهيه ويحققون قول الله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ، وبركه الحسبة لا يعلم مداها على الإسلام والمسلمين الا الله تبارك وتعالى، وعند القيام بها تظهر بعض بركاتها ، ( تنبيه ) : قد اجتهدت - بحمد الله تعالى - في كتاب التجديد الرابع عشر : ( كتاب التجديد في مجال الحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) في جمع كل ما يتعلق بقواعد وضوابط وعلوم الحسبة على الدين  ، لعلها تكون أرضية لمنهاج قويم صالح للحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق ضوابطه الفقهية السديدة ، ( رابعاً ) : الاعداد للجهاد في سبيل الله تعالى :  وأحكام ذلك الأعداد- قدر الاستطاعة - عملا بقوله تعالى { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } [ الأنفال : 60 ] ، والإعداد واجب شرعي من جهة الأمر في قوله تعالى : { وَأَعِدُّوا } ، ومن جهة أنّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، والجهاد في سبيل الله تعالى أعلى الواجبات وذروة سنام الإسلام ، ولا يتم الجهاد إلا بالإعداد له ، والإعداد ينبغي أن يكون بأقصى استطاعة ممكنة وأكبر جهد ممكن ، والملاحظ في الآية الكريمة أنّ كلمة : { قُوَّةٍ } جاءت نكره لتفنيد الشمول والعموم بكل قوة وبكل ما يؤدي الى القوة التي ترهب اعداء الله وآخرين من دونهم من المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، سواء أكانت قوة معنوية ايمانية او كانت قوة مادية من العدة والعتاد ووحدة الصفوف ، وهذا الاعداد ينبغي ان يكون قويا متقنا حتى يستوجب ارهاب اعداء الله اعداء المسلمين وغيرهم من المتربصين بالإسلام ، ثم نبه القرآن الكريم أنّ إنفاق المسلمين في سبيل الإعداد  سوف يوف اليهم اضعافا مضاعفة : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } ، وأهم مجالات الاعداد : ( أ ) إعداء الرجال: { رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } ، { رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } ، رجال : { يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ } ، ( ب ) وحدة صفوف المسلمين واجتماع كلمتهم ، فالوحدة قوة والتفرق ضعف : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } ، { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } ، ( ت ) الإعداد المادي وقوة السلاح : الإعداد المادي  وهو يشمل جميع أسباب القوة المادية ابتداءً ببناء الإنسان لجسمه بناءً قوياً ، وانتهاءً بامتلاك أحدث ما توصل إليه الإنسان من صناعات في مجال العتاد والسلاح  ، وقد أخرج مسلم :  عن عقبة بن عامر قال:  سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول : (( أعدوا لهم ما استطعتم من قوة : ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، إلا إن القوة الرمي )) [ أخرجه مسلم ] ، والمقصود بالرمي كل فنون الرماية بالمدافع والصواريخ وغيرها مما تفوق فيه العدو وكان سبباً في ظهوره علينا ، ( خامساً ) : الجهاد في سبيل الله تعالى بالنفس والمال : إن الجهاد في سبيل الله تعالى بالنفس والمال هو ذروه سنام دين الإسلام وأعلى سهم فيه ، إذ ليس بعد التضحية بالنفس والمال في سبيل نصرة دين الحق والذود عنه أو التمكين له في الأرض عمل ، والمجاهدون في سبيل الله تعالى حملوا على أعناقهم وأكتافهم رسالة تجديد أمر الدين ونضرته وضحوا من أجل ذلك الغالي والثمين وكل ما يملكون من حطام الدنيا الفانية ، فإن عاشوا عاشوا عيشة العزة والكرامة ، وإن ماتوا فلهم الشهادة فهنيئا لهم أجرهم عند الله تعالى - في الحالتين - وما أعظمه من اجر ، قال تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } [ البقرة : 154 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 169 إلى 171 ] ، وفي مجال الجهاد من أجل نصرة الدين وإظهار أمره وبسط سلطانه ، اشترى الله عز وجل من المؤمنين أنفسهم وأموالهم على الجهاد في سبيل الله وعلى أن لهم الجنة قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَ‍قًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أوفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ، وندب الله عز وجل للقتال المسلمين جميعا خفافا وثقالا ، فقال تعالى : { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } وامتدح الله عز وجل أولئك الطالبين للشهادة في سبيل إعلاء راية الدين والتمكين له في الأرض فقال تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله }  وقال تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}  ، وقال صلى الله عليه وسلم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك ، عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله تعالى )) [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، ومعلوم - في شرع الإسلام - أن للجهاد في سبيل الله تعالى أحكامه الشرعية التي تختلف وفقا لطبيعة الجهاد فالجهاد الدفاعي :  ( عند هجوم الأعداء على ديار المسلمين ) ، له أحكامه الخاصة به والتي تجيز للابن أن يخرج للجهاد دون أذن أبيه وللمرأة دون أذن زوجها  ، والجهاد الطلبي : (من أجل نشر رسالة الدين والتمكين له في الأرض وبسط سلطانه عليها )  له أحكامه الشرعية الخاصة به وله شروطه التي ينبغي أن يستوفيها ومنها : وجود الإمام الممكن الظاهر الذي يعلن الجهاد ويقاتل المسلمون من خلفه ، ووجود الإعداد المسبق - قدر الاستطاعة - وبما يرهب أعداء الله ، ويلزم له أحكام تتعلق به كإذن الأبوين للابن وإذن الدائن للمدين ، ( سادساً ) : العمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين : لقد ظهر بعد سقوط خلافة الإسلام - في أكثر أقطار أهل الإسلام - جماعات ترفع لواء العمل الجماعي من أجل تحقيق أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده ، وهذه الجماعات تتنوع ما بين جماعات دعوية تتخصص في الدعوة إلى الله تعالى ، وجماعات علمية تربوية تتخصص في نشر العلم والفضيلة ، وجماعات حسبية تتخصص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجماعات سياسية تحاول الوصول إلى سدة الحكم بالعمل السياسي ومن ثم التغيير ، وجماعات جهادية تحاول الوصول إلى سدة الحكم بالعمل الجهادي ومن ثم التغيير ، وجماعات شمولية إصلاحية تتبنى كافة جوانب العمل الإسلامي السابقة ، لقد حدثت أخطاء في مجالات العمل الجماعي في مجالات الدعوة والتربية والتزكية والحسبة والجهاد مما يستوجب تصحيح مسارها وذلك بوضع الضوابط المتعلقة بعلوم الدعوة والحسبة والجهاد والعمل الجماعي ، بحيث تؤتي ثمارها وفق ضوابطها التي لا تؤدي إلى الخلل والفساد أو إلى تغير المنكر بما هو أكبر منه ، وأشد الأخطاء كان تبني سياسة التكفير لحكام المسلمين واعلان الجهاد التغييري من أجل التغيير واستبدال الأنظمة الحاكمة بأنظمة وحكومات أخرى تتبنى الإسلام وتنصره بكل ما أوتيت من قوة وجهد ، غير أنّ قتال تلك الأنظمة والجهاد القتالي من أجل تغيرها له ضوابط شرعية عظيمة ومحاذير جسيمة وشروط جعلها الشرع الحنيف بمثابة حفظ لعمل الإسلامي من الانحراف أو التهور أو الخوض في أمور لا تحمد عاقبتها وعادة ما تؤدي إلى حدوث مفاسد عظيمة تفوق وجود تلك الأنظمة واستمرارها في حكم دول المسلمين ، وأهم تلك الشروط الواجب توافرها لصحة هذا الجهاد : ( الشرط الأول ) : أن يكون ذلك النظام كافرا كفراً بواحاً لنا فيه من الله تعالى برهان ، وذلك لحديث : ((وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرجه البخاري (7056)، ومسلم (1843) ] ، ( الشرط الثاني ) : أن يُعطل ذلك النظام شعائر الدين وأهمها الصلاة ، لحديث : ((قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، وحديث : (( قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرجه مسلم (1854) ] ، ( الشرط الثالث ) : أن تتوفر القدرة على ذلك وذلك لقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن : 16 ] ، وقوله تعالى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا  } [ البقرة : 286 ] ، وقوله تعالى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا } [ الطلاق : 7 ] ، ( الشرط الرابع ) : أن يكون هناك تمايز بين صفوف أهل الحق وأهل الباطل ، فلا يصح الجهاد التغييري عند اختلاط المسلمين بالكافرين اختلاطا يمنع التمييز بين كليهما لما ذلك من مفاسد عظيمة ، قال تعالى : { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ الفتح : 25 ] ، ولكي نصل إلى هذا التمايز ينبغي أن يكون للمسلمين في القطر الواحد- جماعة واحدة موحدة على قلب رجل واحد قيادة ومنهجا تعمل لنصرة دين الإسلام وتجديد أمره ، جماعة تتمثل صفات حزب الله الذي له الغلبة والفلاح، ويعمل أفرادها على البناء على تلك الجماعة الواحدة حتى تتمايز الصفوف بين حزب الله وجنده وبين حزب الشيطان وجنده وآنذاك يكون الجهاد على بينه جهادا واضحا لا شبهه فيه ولا التباس ، ( الشرط الخامس ) : أن يكون على رأس الصف الإسلامي المجاهد- الذي يمثل حزب الله في ذلك القطر- قيادة راشدة واحدة مطاعة ظاهرة ، ومن خلف تلك القيادة الواحدة يتم الجهاد ، فهي التي تحدد وتعلن الجهاد ويقاتل الصف الإسلامي من خلفها تأمره فيطيع الولاء في المنشط والمكره والعسر واليسر ، ولا خير في جهاد لا قائد له ولا نجاح لجهاد لا طاعة فيه للقياد المسلمة الواحدة ، ولكي نصل إلى تلك القيادة: ينبغي على الصف الإسلامي بشتى اتجاهاته في القطر الواحد أن يجتمع على قيادة واحدة راشدة تمثل الصف الإسلامي كله وتلقي القبول من كافة اتجاهاته، قيادة تعرف طريقها نحو تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ، ( الشرط السادس ) : أن يسبق ذلك الجهاد إعداد إسلامي متقن بأقصى استطاعة ممكنة ، قال تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } ، ودلائل الإعداد المتقن: ( 1 ) وجود الصحوة الإسلامية الحقيقية وأهم سماتها : عودة الشعب المسلم إلى دينه يتمسك به ويحب نصرته ونصرة القائمين عليه ، ووجود القاعدة الشعبية الإسلامية العريضة التي تناصر العمل الإسلامي وتمده ما يحتاج ، ووجود لنبات المجتمع المسلم المستحق لسنن التغيير والنصر والتمكين والذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا ، ( 2 ) ووجود الصف الإسلامي القوي الموحد والقادر على تحمل تبعات الجهاد : وأهم علاماته: وحدة الصف على قيادة راشدة واحدة ، وتقارب وجهات النظر نحو الاتفاق على منهج إسلامي يحيط بكافة جوانب دين الإسلام ، وتقارب وجهات النظر العملية داخل الصف حول القضايا الإصلاحية وأولوياتها ، واتفاق الصف الإسلامي على أهداف العمل الإسلامي ووسائله الشرعية الصحيحة ، ( 3 ) ظهور صفات حزب الله تعالى الموعود من الله عز وجل بالفلاح والغلبة على أفراد الصف الإسلامي ، والبناء على الصف الموحد ودخول الناس فيه أفواجا حتى يصبح قويا راسخا لا يستطيع أعدائه تصفيته ، ( 4 ) تقارب نسبة المواجهة بين جند الحق وجند الباطل والغلبة على الظن بالقدرة على التغيير ، ويتشف ذلك التقارب من قوله تعالى : { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا } ، [ تنبيه ] [ لا ينبغي أن يكون هناك جهاد تغييري قبل توافر الشروط السابقة الذكر ] : فإذا توافرت تلك الشروط كاملة في ظل أنظمة كافرة كفرا بواحا ظاهرا لا يحتاج إلى اجتهاد ، ولنا فيه من دين الله تعالى برهان ، جاز إعلان الجهاد ورفع رايته من أجل التغير ، إما قبل ذلك : فلا يصح الجهاد القتالي ولا يجوز رفع السلاح ولا يؤتى ثماره ، وغالبا ما تؤدي العجلة به إلى الفشل الذريع والفساد العظيم وعموم الفوضى التي تمكن إعداد المسلمين من السيطرة على ديار المسلمين ، وبالتالي يكون ذلك العمل المتعجل قد أدى إلى تغيير المنكر بما هو مثله أو بما هو شر منه وهذا لا يجوز في شرع الله تعالى الحكيم ، [ تنبيه أهم ] [ صعوبة اسقاط الحكم بالكفر البواح على أكثر حكام المسلمين اليوم ] : إنّ الكفر البواح لا يكون إلا باستحلال ما حرّم الله تعالى ، أو استحلال الحكم بغير ما أنزل الله ، أو جحد حكم الله تعالى أو الاستهزاء به وانتقاصه ، وأكثر حكام المسلمين يتجنبون هذه المكفرات ، ولذلك فهم لا يزالون في اطار الإسلام ، وقد جعل الشرع الحكيم لهم السمع والطاعة في المعروف ، ونهى عن الخروج عليهم ما كانوا في اطار الإسلام ، وقد جاءت أحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم تدلنا على حدود طاعة الحكام ولو كانوا جائرين أو فاسقين ، وتدلنا على الضوابط ، والشروط الواجب توافرها للخروج على أحدهم ، وقد تقدم ذكر تلك الأحاديث عند الحديث عن القواعد المنهجية السليمة لتحقيق التقارب الشرعي والعملي بين طوائف أهل السنّة والجماعة ، ( قلت ) وفي كتاب التجديد السادس " تجديد السياسة الشرعية الإسلامية وبيان قواعد تنظيم العلاقة الشرعية بين الحاكم والمحكوم في شرع الإسلام الحكيم " تأصيل تلك العلاقة بما يتيح للأمة الاستقرار السياسي ، مع وجود العمل الجاد ليل نهار من أجل نصرة الدين ، وذلك : بالدعوة إلى الله تعالى ، والبناء عليها تعليما وتربية وتزكية ، وبالحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالإعداد الجاد حتى يأذن الله تعالى بأمر من عنده فيصبح الذين ظلموا على ما اسروا في أنفسهم نادمين ، والجهاد المبارك قائم إلى قيام الساعة لا يبطله عدل الحكام ولا جورهم ، حتى نصل إلى إحياء منصب الخلافة الراشدة التي تجمع المسلمين جميعا على بيعة واحدة وراية واحدة والتي ترفع لواء الجهاد من أجل نصرة المسلمين المستضعفين ومد يد العون إليهم في كل مكان على أرض الله تبارك وتعالى، ثم ترفع لواء الجهاد الطلبي من أجل إزالة الفتنة وجعل الدين كله لله ، [ بشارة نبوية غالية ] عودة الخلافة كائنة حتما ، فقد اخرج الإمام أحمد وغيره عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا عاضا ، فيكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم يكون ملكا جبريا ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، )) [ أخرجه أبو داود (4-211) والترمذي مختصرا (4-503) وأخرجه احمد (4-273) والطيالسي (438) وصححه العراقي ] وما على المسلمين الا العمل الجاد من أجل عودة تلك الخلافة ولكنه عمل منضبط بالشرع الحنيف لا يستعجل الأمر قبل أوانه وفي نفس الوقت لا يداهن ولا يركن إلى الظالمين بل ديدنه العمل المخلص الجاد المتقن السائر وفق ضوابط الشرع حتى يأذن الله بتهيؤ سنن التغيير والتجديد ومن ثم النصر والتمكين ، وآنذاك وبعدها يحرر المسلمون بيت المقدس من دنس أبناء اليهود إخوان القردة والخنازير، ويفتح المسلمون روما ، وآنذاك تعود الخلافة الراشدة على منهاج النبوة ويخرج الناس من الظلمة إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ويومئذ يفرح بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم .

( اللبنة الخامسة من لبنات التجديد العملي ) : معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في التمكين لدين الله :  إنّ الأساس الصحيح الذي ينبغي أن ينطلق منه التجديد العملي هو فهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان الرد العلمي يتحتم أن يكون إلى المدارس العلمية المتخصصة ، فإن الرد العملي ينبغي ان يكون إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفق معرفة ثلاثة مباحث مهمة : ( الاول ) : أبرز المراحل العملية التي مر بها عمل النبي صلى الله عليه وسلم لدين الله تعالى ، و( الثاني ) معرفة كيفية الاقتداء بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين لدين الإسلام على الأرض ، و ( الثالث ) معرفة كيفية التوفيق بين الأحكام الشرعية النهائية المحكمة المستقرة وبين التدرج العملي للوصول إلى تحقيق أهداف العمل الإسلامي ، ( المبحث الاول ) : أبرز المراحل العملية التي مر بها عمل النبي صلى الله عليه وسلم لدين الله تعالى : إنّ من الفقه العملي الصحيح المطلوب واللازم لتجديد الدين وتحقيق أهدافه المعرفة الصحيحة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الإسلام ونصرته والتمكين له في الأرض ثم معرفة الكيفية الصحيحة للافتداء بذلك المنهج اقتداء صحيحا يؤهل المسلمين لحمل أعباء التجديد والسير نحوه بخطى ثابتة صحيحة ، وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم العمل لدين الله عز وجل منفردا وذلك بنشر الدين والدعوة إليه والبناء عليه متدرجا حتى وصل إلى إظهار الدين على الدين كله وحتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس كافة في دين الله أفواجا ، وقد كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم متميزا بالتدرج في الخطوات العملية وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقل بتسديد الله عز وجل من مرحلة إلى أخرى ، وكل مرحلة مر بها النبي صلى الله عليه وسلم كانت لها قواعدها وملامحها وضوابطها التي تضيء لها النجاح في الوصول إلى تحقيق أهدافها وذلك حتى وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعلى المراحل وأعظمها ألا وهي مرحلة التمكين في الأرض ورفع لواء الجهاد الطلبي حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، وتلك المرحلة (مرحلة التمكين) هي أهم المراحل وذلك لأنها المرحلة الأخيرة التي ينبغي للمسلمين أن يعملوا جادين من أجل الوصول إليها ثم المحافظة عليها وعلى استمرارها حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وتلك المرحلة (مرحلة التمكين في الأرض) هي المرحلة التي سلمها النبي صلى الله عليه وسلم لصحبه الكرام وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم أجمعين ، ( ومرحلة التمكين ) : وهي المرحلة التي حافظ عليها سلفنا الصالح خير قرون الإسلام (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) ورسخوا وجودها حتى بسط الدين سلطانه على أرجاء الأرض يملأها خيرا وعدلا وتوحيدا وإيمانا وإسلاما لله رب العالمين  ، إنّ أبرز المراحل العملية التي مر بها عمل النبي صلى الله عليه وسلم لدين الله تعالى : ثلاث مراحل : ( المرحلة الأولى ) : مرحلة الاستضعاف ، و ( المرحلة الثانية ) : مرحلة إقامة الدولة وتثبيت دعائمها والجهاد الدفاعي من أجل ذلك ، و ( المرحلة الثالثة ) : مرحلة التمكين في الأرض والجهاد الطلبي لإزالة الفتنة وإظهار الدين كله لله ، وقد كانت المراحل وفق تسديد الله عز وجل لخطى نبيه صلى الله عليه وسلم يعلمه أولويات كل مرحلة وملامحها وضوابطها وما يصلح لها وما يصلحها ، والناظر المتمعن لتلك الملامح والضوابط التي تحكم كل مرحلة عملية مر بها عمل النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنها تخضع إلى حد كبير للظروف والإمكانيات المادية والمعنوية التي كان عليها واقع المسلمين آنذاك، ويجد أنها تخضع إلى حد كبير للأخذ بأسباب التغيير والنصر والتمكين ولسنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير ، وهكذا سار النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل الإسلامي من مرحلة إلى أخرى حتى مكن الله عز وجل لدينه في الأرض ، وفي كل مرحلة في تلك المراحل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق أهدافها ويهيئ أسباب التحول إلى مرحلة التي تليها ، والله عز وجل يؤتيه أسباب ذلك التدرج حتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا ، [ المرحلة الأولى مرحلة الاستضعاف ] : وقد كانت تلك المرحلة في عمل النبي صلى الله عليه وسلم هي المرحلة المكية وهي التي ابتدأت مع بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الهجرة إلى المدينة ، وقد استمرت تلك المرحلة ثلاث عشرة سنة تقريبا وكانت على خطوات أبرزها : ( الخطوة الأولى ) : منذ البعثة وحتى السنة الثالثة من البعثة وكانت تتميز بالسرية والتكتم ودعوة من يثق بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ( الخطوة الثانية ) : واستمرت حتى السنة العاشرة من البعثة تقريبا وكانت تتميز بالجهر بالدعوة والتركيز على الأقربين قريش ومواليها ، ( الخطوة الثالثة ) : واستمرت حتى الهجرة وقد واجهت الدعوة المعادة الشديدة من قريش فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان دعوته إلى الناس جميعا في الأسواق وقوافل العرب القادمة من أنحاء الجزيرة لعل قبيلة منهم تنصره وتعينه على تبليغ رسالته حتى ساق الله عز وجل إليه نفرا من أهل المدينة شرح الله صدورهم للإيمان وعقد معهم بيعة العقبة الأولى ثم الثانية ثم أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى المدينة حيث بدأت المرحلة الثانية من المراحل العملية التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، وأهم ملامح المرحلة الأولى ( مرحلة الاستضعاف ) : نشر مبادئ الدعوة الإسلامية مع الشغف بها والانقطاع إليها بجميع الجهد والطاقة ، والاهتمام بالتربية والبناء على الدعوة ، وسلمية الدعوة إلى دين الإسلام ، والعلنية في نشر مبادئ الإسلام العقائدية والتشريعية والأخلاقية ، والسرية في بناء الجماعة وتكوينها وخططها العملية  ، والبحث الدائم عن النصير الذي ينصر الدعوة ويحمي أصحابها ، ( أ ) نشر مبادئ الدعوة الإسلامية مع الشغف بها والانقطاع إليها بجميع الجهد والطاقة : وقد استمر النبي صلى الله عليه وسلم على العمل الدعوي يصل ليله نهاره ويعطي جل وقته واهتمامه له، يدعوا أهل بيته وأقاربه وأصحابه وذوي عشيرته ويدعوا بطون قريش في نواديهم وأماكن تجمعهم ويطوف على الناس في الأسواق ويمر على قوافل العرب التي تقصد بيت الله الحرام يدعوهم جميعا إلى الإسلام ويعرض نفسه عليهم لعلها تنصره وتعينه على حمل رسالته للناس أجمعين ، ولم يزده البلاء له ولأصحابه إلا إصرارا على الدعوة إلى الله وهداية الناس إلى دين الإسلام وإلى نصرته ونصرة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وكان شعار النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة قول الله تعالى:{ ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ }[النحل: 125] ، وقول الله تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي.. } [يوسف: 108] ، ( ب )  الاهتمام بالتربية والبناء على الدعوة : وذلك بتربية الداخلين إلى دين الإسلام على هدى الإسلام والعمل على تزكيتهم وتكوينهم على مبادئ الدعوة وصبغهم بمحتواها وأفكارها وتعاليمها وذلك عن طريق ( 1 ) تعليمهم أمر دينهم ، ( 2 ) تطبيق الإسلام في حياتهم ، ( 3 ) تعميق معاني الإخوة فيما بينهم ، ( 4 ) التواصي بالحق والتواصي بالصبر على طريق الدعوة واحتساب ذلك عند الله تعالى ، وقد كان شعار النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول الله تعالى :{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ..} [الكهف: 28] ، وكان من نتائج التربية والبناء أن بنيت القاعدة الصلبة من المهاجرين والتي قامت على أكتافها رسالة الإسلام بعد ذلك ، ( ت ) سلمية الدعوة إلى دين الإسلام : فقد أمر المسلمون في تلك المرحلة بكف اليد ولم يؤذن لهم في القتال واستعمال السلاح ولا في رد العدوان بل أمروا بالعفو والصفح والصبر ، كما في قوله تعالى: { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ، وقوله تعالى: { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الجاثية : 14 ] ، وقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيديكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..} [النساء: 77] ، فدل ذلك على انهم كانوا يؤمرون في مكه بكف اليد ولم يؤذن لهم في القتال الا بعد الهجرة إلى المدينة حيث قال الله تعالى:{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.. } [الأنبياء: 39-40] ، واستعمال السلاح في تلك الآونة له عواقب وخيمة على المسلمين جميعا وعلى العمل الإسلامي كله حيث لا يوجد استعداد التام للمواجهة ولعدم استقلالية الجماعة المسلمة أو تميز المؤمنين عن الكافرين ، واستعمال السلاح في تلك المواقف هو من باب تغيير المنكر بوقوع منكرا أكبر منه وذلك محرم وممنوع  ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أكثر الناس غيره على محارم الله وحرمات المسلمين كان يرى آل ياسر وهم يعذبون ولم يكن يزيد عن قوله صلى الله عليه وسلم ((صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)) أخرجه احمد والحاكم وقال صحيح ووافقه الذهبي ،  وأخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهـما : ((أن عبد الرحمن بن عـوف وأصحـاباً له أتوا النبي  صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا : يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشـركون ، فلما آمنا صرنا أذلة فقال : إني أمرت بالعـفو فلا تقاتلوا )) [أخرجه النسائي (6/3 ) والحاكم ( 2/307 ) وصححه  ] فدل ذلك على أنهم كانوا يؤمرون في مكة بكف اليد ولم يؤذن لهم في القتال الا بعد الهجرة إلى المدينة حيث تكونت الدولة الوليدة وتحتاج إلى من يدافع عنها ، وسلمية الدعوة والعمل الإسلامي كان لحكمة عظيمة فالحركة الإسلامية الأولى على يد النبي صلى الله عليه وسلم لم يجف عودها ولم تقف على قدميها بعد ، والسلمية لها أمر حتمي ، وهو من سنة الله في خلقه وكونه ولم تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا حيث تراعي الحركة إمكانياتها وقدراتها حيث لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وعليها أن تأخذ بأسباب القوة والنصر والغلبة ، ولهذا لم نسمع صدام مسلح بين الجماعة المسلمة وبين الكافرين في تلك المرحلة ولم نسمع أيضا عن حالات اغتيالات لشخصيات بارزة من صناديد الكفر وآنذاك ، بل كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم مركزا على نشر مبادئ الدعوة والبناء عليها في إطار السلمية التامة والبعد عم ساحة الصدام المسلح وتأجيل المواجهة قدر الاستطاعة وذلك بالعفو والصفح والصبر حتى أذن الله بالفرج والفتح المبين ، ( ت ) العلنية في نشر مبادئ الإسلام العقائدية والتشريعية والأخلاقية : فالعلنية هي الخط العام للدعوة الإسلامية وهي السبيل الواضح الصريح وهي اقصر الطرق إلى نشر دين الإسلام والدعوة إليه ونشر مبادئه العقائدية والتشريعية والأخلاقية ، ولذلك كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الجهر بالحق وتبليغ رسالات الله لا يخاف في الله لومة لائم ولا يخش في ذلك الا الله عملا بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [المائدة: 67] ، وعملا بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أحدا إِلَّا اللَّهَ ..} [الأحزاب: 39] ، وعملا بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45-46] ، ( ث ) البحث الدائم عن النصير الذي ينصر الدعوة ويحمي أصحابها : ففي مرحلة الاستضعاف كان النبي صلى الله عليه وسلم يبحث دائما عن النصير الذي ينصر رسالته ويحمي أصحابها وكان صلى الله عليه وسلم يبحث دائما عن الأرض ذات المنعة حيث يتاح العمل لدين الله دونما خطر يهددها وهي في مهدها لم يقف على قدميها بعد ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب التي لها المنعة والقوة لعل قبيلة منهم تنصره وتقوم بالدين وتحيط به من كافة جوانبه  ، وقد خرج صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى الطائف لعل ثقيفا تنصره وتؤمن برسالته ولكنه لاقى منهم اشد البلاء ، ومع بحثه صلى الله عليه وسلم عن استقلالية الأرض التي تقف عليها الجماعة المسلمة وتنطلق منها نحو نشر الدين والتمكين له عقد صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى ثم الثانية واشترط فيها على الأنصار ان يحموه ويمنعوه بما يمنعون به أهليهم وأولادهم وبايعه الأنصار على ذلك وبعدها أذن النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته في الهجرة إلى المدينة ثم اذن الله تعالى له في الهجرة فهاجر إليها وهناك بدأت المرحلة الثانية من فواصل العمل الإسلامي نحو نصرة الدين والتمكين له في الأرض ، وأهم ضوابط مرحلة الاستضعاف : ( أ ) كف اليد والحرص التام على عدم مواجهة العدوان بالعدوان والانتقام بل الصبر والعفو والصفح حتى يأتي الله بأمره وفتحه وفرجه القريب ، فقد منع المسلمون من استعمال السلاح ولم يؤذن لهم فيه وعند اشتداد البلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يأذن لأصحابه في الهجرة وكان ذلك في الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة ، (ب) الصبر على الإسلام وتحمل الأذى والبلاء في سبيل ذلك : فهذا هو طريق الإيمان قال تعالى: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } [العنكبوت: 2-3] ، وقال تعالى { وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } [آل عمران: 142-143] ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر أصحابه بالصبر على البلاء كقوله صلى الله عليه وسلم (( صبرا أل ياسر فإن موعدكم الجنة )) ، ( ت ) عدم الاستعجال في قطف ثمار العمل قبل نضجها  : وكان ذلك واضحا من رد النبي صلى الله عليه وسلكم على خباب بن الأرت رضي الله عنه حين جاءه وطلب منه الاستنصار للمسلمين ، فقد اخرج البخاري عن أبي عبد الله خباب ابن الأرت رضي الله عنه قال : ((شكونا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وهو متوسِّدٌ بُردةً له في ظلِّ الكعبةِ، فقلنا : ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا ؟ فقال : ( قد كان مَن قبلكم، يؤخذ الرجلُ فيحفرُ له في الأرضِ، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشارِ فيوضع على رأسِه فيجعلُ نصفين، ويمشط بأمشاطِ الحديدِ ما دون لحمه وعظمه، فما يصدُّه ذلك عن دينه، واللهِ لَيُتمَّنَّ هذا الأمرَ، حتى يسير الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرمَوتٍ، لا يخاف إلا اللهَ، والذئبَ على غنمِه، ولكنكم تستعجِلون ) [ صحيح البخاري : ح ( 6943 ) ] ، وأهم أولويات تلك المرحلة : ( مرحلة الاستضعاف ) : ( أ ) الاهتمام الشديد بتبليغ دعوة الإسلام ونشرها وهداية الناس إلى دين الحق ، ( ب ) انتشار الدعوة وعدم الجمود بها في مكان واحد أو على وسيلة واحدة بكل وسيلة ممكنة ، ( ت ) الاصطفاء المستمر لرجال الدعوة والتربية والتعليم لأولئك النفر لبناء القاعدة الصلبة المؤمنة  ، ( ث ) الحرص التام على أرواح أولئك الرجال والتفكير المستمر في إنقاذ المستضعفين فهم بكافة الوسائل الممكنة ولو أدى ذلك إلى الهجرة عن مكان الدعوة ، [ المرحلة الثانية : مرحلة قيام دولة الإسلام والجهاد الدفاعي من أجل تثبيت دعائمها ] : وتبدأ تلك المرحلة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتمتد إلى صلح الحديبية الذي كان بمثابة الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام ، وتلك المرحلة هي مرحلة بناء دولة الإسلام وتدعيم وتثبيت أركانها وذلك بوحدة الصف وبناء القاعدة الصلبة والتآخي التام مع المسلمين ، وتلك المرحلة هي مرحلة الإذن في رد العدوان بمثله ، وهي مرحلة عقد المعاهدات وفق قدرات الدولة الإسلامية النامية ، وأهم ملامح المرحلة الثانية : مرحلة قيام دولة الإسلام والجهاد الدفاعي من أجل تثبيت دعائمها : ( أولاً ) الحرص على ترسيخ أركان دولة الإسلام من الداخل : وكان ذلك : ( 1 ) ببناء المسجد الذي اصبح مركز الانطلاق لنشر الإسلام وأصبح مقر الحكم والقيادة والقضاء وقيادة الجيوش ومحضن التربية الأول، ( 2 ) التآخي بين المهاجرين والأنصار حتى أصبح المسلمون أمة واحدة من دون الناس ، ( 3 ) بناء القاعدة الصلبة من المؤمنين والمهاجرين بالتربية والتعليم والتزكية تلك القاعدة التي سيقوم على عاتقها نصرة الدين وتحقيق أهدافه ، ( 3 ) الاهتمام بتطبيق شرع الله على جميع المستويات الفردية والجماعية تطبيقا كاملا في مجال العبادات والشرائع والشعائر والمعاملات ، وبالتالي تقديم النظام التشريعي الواضح الذي يعتبر ركن ودعائمه من دعائم ترسيخ دولة الإسلام وكذلك تقديم النموذج الكامل المثالي للمسلم الحق الذي ارتضى الله عز وجل دينه واستحق بذلك التمكين في الأرض ، ( ثانياً ) : السياسة الخارجية الحكيمة وذلك بعدم تعريض دولة الإسلام لما لا طاقة لها به ، وتمثل في :   ( 1 ) عقد المعاهدات مع المجاورين لدولة الإسلام على أساس حسن الجوار والدفاع المشترك وقد عاهد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، ( 2 ) عدم فتح جهات عدائية جديدة ودولة الإسلام لا تزال في مرحلة تثبيت الدعائم ، ولذلك لم يقدم النبي صلى الله عليه وسلم على معاداة أحد حتى يتبين موقفه من دعوة الإسلام ، ( 3 ) عدم البدء بالقتال والإذن فقط في رد العدوان قال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [الأنبياء: 39] ، (4 ) إرسال فرق الاغتيالات لتصفية المعادين المهاجرين بالعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته وذوي التأثير القوي على الرأي العام وتأليبه على المسلمين . وذلك لإرهاب المتربصين بالدعوة ، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة في نفر من الأوس لاغتيال كعب ابن الأشرف وأرسل صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك في نفر من الخزرج لاغتيال سلام ابن ابي الحقيق وغيرهم وكان لذلك أثره العظيم في بث الرعب في صفوف اليهود وإرهابهم ، ( 5 ) الإعلام الخارجي القبائل المجاورة ولإحياء العرب وتبليغ دعوة الإسلام الهم لعل ذلك يكون سببا في هدايتهم إلى الإسلام وكان أهم وسائل ذلك الإعلام الشعر وذلك لما له من تأثير قوي على العرب ، وأهم ضوابط المرحلة الثانية : مرحلة بناء الدولة : ( 1 ) عدم البدء بالعدوان والإذن فقط في رد العدوان لقوله تعالى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ }[البقرة: 194] ، وقوله تعالى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا..} [البقرة: 190] ، ( 2 ) حفظ العهود والمواثيق : فمن نكث فإنما ينكث على نفسه والعاقبة للمتقين وقد حفظ النبي صلى الله عليه وسلم مواثيقه مع إليهم حتى غدروا به ونكثوا عهودهم معه وكان أول من نكث العهد منهم بنو قينقاع فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عن المدينة ثم بنو قريظة فحاصرهم وقتل الرجال وسبى النساء والولدان ثم خيبر فحاربهم وكانت شطرين الأول خمسة حصون بالثاني ثلاثة حصون ففتحها الله جميعا على المسلمين وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلي اليهود عن خيبر فطلبوا منه أن يتركهم يصلحون الأرض ولهم شطر الزرع فوافقهم النبي صلى الله عليه وسلم ، [ المرحلة الثالثة : مرحلة العزة والتمكين في الأرض ] : وتبدأ تلك المرحلة من صلح الحديبية إلى آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالدنيا والتحاقه بالرفيق الأعلى وتستمر وتمتد لتشمل عهد الصحابة والتابعين وتابعي التابعين خير قرون الإسلام علما وعملا ، وتلك المرحلة هي مرحة تبليغ الرسالة إلى البشرية جمعاء وهي مرحلة تطبيق الأحكام النهائية لشرع الإسلام وتحقيق الأهداف العامة النهائية لدين الإسلام وهي مرحلة تطبيق مبدأ الجهاد الطلبي وقتال المشركين كافة حتى لا تكون فتنة على وجه الأرض ويكون الدين كله لله فيخضع الكل لسلطان الإسلام إما بالدخول في دين الإسلام أو بالجزية عن يد وهم صاغرون ، وفي تلك المرحلة كانت الخطوة الأولى هي التفرغ لنشر الدين دعوة الناس جميعا إلى الإسلام فبعد صلح الحديبية وقد كان بمثابة الاعتراف الرسمي بدولة الإسلام قال الرسول صلى الله عليه وسلم بمراسلة الملوك والأمراء داعيا إياهم بالدخول في دين الإسلام الذي لا يقبل الله من عباده سواه ، وكانت الخطوة الثانية متمثلة في الصدام الأول دولة الروم في غزوة مؤتة ثم غدر أهل مكة فكان الفتح المبين ففتح مكة زادها تكريما وتشريفا ثم كانت الخطوة التالية ، وهي إنهاء الجيوب الوثنية في جزيرة العرب كلها في دين الإسلام  ، ثم كان التحدي الأكبر لدولة الروم والمتمثل في غزوة تبوك ثم نزول سورة ( التوبة ) وإنهاء الوجود الوثني تماما من جزيرة العرب ثم حجة الوداع ثم انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وأهم ملامح مرحلة التمكين : ( 1 ) الدعوة العالمية العامة إلى دين الإسلام ومراسلة الملوك والأفراد بذلك ، ( 2 ) قتال المشركين كافة حتى يشهدوا بالشهادتين ويدخلوا في دين الإسلام يعملون بشرائعه ، ( 3 ) دعوة اهل الكتاب وفي شبهة كتاب إلى الإسلام أو الجزية أو القتال حتى يفتح الله بالنصر المبين ، ( 4 ) التمكين لدين الإسلام في الأرض وبسط سلطانه عليها بإقامة شرعه وحفظ عقيدته ونشرها وتحقيق أهدافه ، وازال كل طاغوت من على وجه الأرض وتعبيدها لخالقها جل وعلا ، كل ذلك امتثالا لقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } [الإسراء: 105] ، وقوله تعالى:{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ..} [البقرة: 193] ،  وقوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [التوبة: 29] ، وقوله تعالى { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور} [الأنبياء: 41] ، وبعد : فتلك خطوط عريضة وملامح أساسية وضوابط عامة لأبرز مراحل عمل النبي صلى الله عليه وسلم للتمكين لدين الإسلام وإظهاره على الدين كله ، وقد تبين لنا أنه قد كان النبي صلى الله عليه وسلم في كل مرحلة من مراحل العمل الإسلامي له صلى الله عليه وسلم سياسته العملية الحكيمة التي تحكمها وتوجها آيات القران الخالدة ، وقد وضح لنا تماما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأسباب واعتنائه بالسنن الربانية ومراعاتها وهو الرسول المرسل من خالق الأسباب ومسبباتها وقد كان المولى جل وعلا قادر على أن يمكن لنبيه صلى الله عليه وسلم دونما ابتلاء أو اخذ بالأسباب التدرج والنصر والتمكين ولكنه سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير { فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43] ، ( وبعد ) فهذا هو المنهج العملي للنبي صلى الله عليه وسلم في التمكين لدين الإسلام في الأرض وإظهاره على الدين كله وتحقيق أهدافه جميعا على الأرض ، وهذا المنهج ينبغي للعاملين لدين الإسلام أن يجعلوه دليل عملهم ونبراس طريقهم وهم سائرون نحو تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ، ولعل ابرز سمات هذا المنهج : ( 1 )  التدرج العملي بما يتوافق مع إمكانيات الجماعة المؤمنة وقدراتها المعنوية والمادية ، ( 2 )  الأخذ التام بأسباب التغيير والنصر والتمكين والنجاح والغلبة والفلاح ، إلا انه يبقى تعقيب هام على منهج النبي صلى الله عليه وسلم يجيب على بعض التساؤلات ويمنع الالتباس في الفهم والخطى في العمل لدين الإسلام ، ويتناول : كيفية الاقتداء بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم  ، وكيف يمكن التوفيق بين المرحلة العملية وبين الأحكام النهائية الثابتة المستقرة في شرع الإسلام ، ( المبحث الثاني ) :  كيفية الاقتداء بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين للإسلام على الأرض : لقد مر منهج النبي صلى الله عليه وسلم بمراحل عملية كان أبرزها : (  1) مرحلة الاستضعاف ، ( 2 ) مرحلة بناء الدولة وتثيب دعائمها ، ( 3 ) مرحلة العزة والتمكين والجهاد الطلبي لإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله ، وقد كان لكل مرحلة من المراحل ملامحها وضوابطها التي تؤهل العمل الإسلامي للنجاح والوصول إلى تحقيق أهدافه فيها ، والعمل الإسلامي الناجح اليوم ينبغي أن يعرف القائمون عليه أين وضع ذلك العمل من مراحل عمل النبي صلى الله علي وسلم ثم يعملوا جاهدين على أن يعملوا جاهدين على ان يتأسوا بملامح وقواعد وضوابط تلك المرحلة قدر المستطاع وبما يلائم الواقع ولا يعارض الشرع المحكم ، وأي تعسف في العمل الإسلامي بما لا يراعي منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين لدين الإسلام في الأرض سيؤدي إلى الاصطدام بالسنن الكونية وسيعرض العمل كله للفشل وحتما لا يصل العمل إلى تحقيق وسيعرض العمل كله للفشل وحتما لا يصل العمل إلى تحقيق الأهداف المرجوة منه على أكمل وجه ، والناظر إلى فشل كثير من الأعمال الإسلامية وفشل الكثير من الاتجاهات الإسلامية في تحقيق أهدافها يجد السبب في ذلك : ( أ ) هو إما عدم فهم النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الإسلام وفق الإمكانيات المتاحة والمرحلة العلمية القائمة واقعا ، ( ب ) وإما التعسف في تطبيق تلك المراحل تعسفا يخرج عن التوسط في فهم منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي ومراحله وخطواته وأهدافه المرحلية والأساسية والقريبة والبعيدة وفي فهم ضوابطه وملامحه التي تؤثر تأثيرا ضروريا في نجاح العمل أو فشله ، ( ت ) وإما لعدم الإخلاص في الدعوة وتفريغ الجهد الكامل لها والشغف الشديد بها واللازم لنجاحها ، وما أحوج المسلمين إلى النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فهي منهجه العملي في نصرة الدين وإعلاء كلمته وتحقيق أهدافه ، وما أحوجهم إلى الفهم الصحيح لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي لنصرة الدين وإعلاء كلمته ، وعند فهم المسلمين لواقعهم العملي وفهمهم الجيد لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الإسلام ، وعند معرفة الصف الإسلامي للمرحلة العملية التي تلائم قدراتهم وأوضاعهم العملية في منهج النبي صلى الله عليه وسلم ، وعند التأسي بملامح وضوابط تلك المرحلة بما لا يعد تعسفا في التطبيق ولا إعراضا عنه وإغفالا لهديه ولا مخالفة للشرع الحكيم المحكم ، فآنذاك يكون القائمون على العمل الإسلامي قد وقفوا على أول طريق التجديد الإسلامي المنشود وآنذاك سيكون نصر الله إن شاء الله قريبا ، ( المبحث الثالث ) :كيفية التوفيق بين الأحكام الشرعية النهائية المحكمة المستقرة وبين التدرج العملي للوصول إلى تحقيق أهداف العمل الإسلامي : المذاهب الفقهية الاربعة المعتمدة لدى أهل السنّة والجماعة ، جميعها تنظر إلى مقاصد الشرع ، وتعمل بالمصلحة ، إما دليلاً مستقلاً كالمالكية ، أو ضمن الأدلة المتفق عليها كالقياس أو إرجاعها لمقصود الشارع الذي يدلّ عليه الكتاب والسنة والإجماع ، بشرط أن لا تنافي أصلا من أصول الشرع الثابتة ، ولا تعارض دليلا من أدلته القطعية ، ولهذا يصبح من اليسير على أهل الفقه في الدين أن يوفقوا بين الأحكام الشرعية النهائية المحكمة المستقرة وبين التدرج العملي للوصول إلى تحقيق أهداف العمل الإسلامي ، وقد يقول قائل  : إنّ أحكام الشرع المستقرة النهائية كانت على الجهاد الطلبي ، فكيف يُستساغ أن يؤمر المسلمون مع أعدائهم بكف اليد والصبر والصفح والعفو ، مع أنّ الأحكام النهائية الثابتة المستقرة في دين الإسلام تأمر بالجهاد الطلبي ، والبدء بالجهاد لنصرة الدين وإعلاء كلمته وإظهار أمره فضلا عن حفظه وحفظ أهله بالجهاد الدفاعي لرد العدوان ؟ والناظر بعلم وفقه ووعي وتؤده إلى الأحكام الشرعية النهائية المستقرة يجد أن لها شروطها التي لا بد وأن تستكمل قبل البدء فيها ، ويجد لها ظروفا وأوضاعا لا بد وان تهيئ للقيام الصحيح بتلك الأعمال وللتطبيق السليم لتلك الأحكام ، فالجهاد الطلبي على سبيل المثال يستلزم شروطا لا بد من توفرها قبل البدء فيه وإلا كان الأمر استعجالا ومخاطرة وتواكلا قد يؤدي إلى تغير المنكر بما هو أكبر منه ، وعلى ذلك فلا يصح تطبيق مبدأ الجهاد الطلبي دون تحقق تلك الشروط وإلا كان الأمر أقرب إلى الفوضى والهلاك منه إلى الشرع والواقع ، وأقرب إلى الجهل منه إلى العلم وأقرب إلى التواكل منه إلى التوكل وأقرب إلى شبه الخوارج منه إلى هدى المؤمنين ، ولكي يصل الصف الإسلامي إلى مرحلة الجهاد الطلبي ، فإن إمامه طريق طويل ملئ بالفواز والعقبات والصبر والابتلاءات يحتاج إلى جهد وعمل متواصل وإخلاص شديد ، وإعداد يمر بمراحل عديدة عظيمة لتحمل تبعات الجهاد والطريق الطويل نحو التجديد المنشود ، إعداد يستكمل فيه المسلمون عدتهم ، وآنذاك يسير المسلمون إلى تحقيق أهداف الدين في جهاد صحيح لا شبهة فيه ولا تواني ولا استعجال إما قبل ذلك فالعمل يحكم عليه بالفشل الذريع لمضادة سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير ولعدم الإعداد الجيد له ولعدم اخذ الأسباب لنجاحه ، وعلى ذلك فالمرحلية العملية لا تعني أبدا مخالفة الأحكام الشرعية الثابتة المستقرة ولا تعني أبدا تعطيلها بل تعني السير الجاد نحو استيفاء شروطها وتهيئة الأوضاع والظروف للقيام بها خير قيام ، والمرحلة العملية تعني كذلك الأخذ بأسباب النجاح وتعني التحرك وفق الإمكانيات المتاحة وتعني الواقعية الشرعية في معالجة الوضع المتردي للعمل الإسلامي وما يقابله من معضلات ، وتعني التأسي بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين لدين الإسلام في الأرض ، وليس من التدرج العملي في شيء أن نعطل حكما شرعيا أو أن نكتم علما ، أو أن نترك عملا شرعيا متاحا ممكنا ، أو أن نخفي أهدافا أوجب الشرع العمل من أجل تحقيقها  ، فكل ذلك من الوهن ومن حب الدنيا ومن كراهية الموت في سبيل الله ، والتدرج العملي الحكيم لا يعني ذلك مطلقا ، بل يعني قوله تعالى : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أمرتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* وَلَا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أولِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 112-113] ،  ، وكذلك قوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أمرتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأمرتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أعمالنَا وَلَكُمْ أعمالكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإليه الْمَصِيرُ} [ الشورى : 15 ] ، والآيات نزلت في بداية الدعوة وهي توضح الطريق نحو النصر والاستحقاق ولاية الرحمن ، ( مبحث إضافي ) : المعرفة الصحيحة لكيفية الاقتداء بمنهج سلفنا الصالح رضي الله عنهم العملي في نصرة دين الإسلام والتمكين له في الأرض : منهج سلفنا الصالح العملي الصالح كان هو الامتداد الطبيعي والترسيخ الحق للمرحلة الأخيرة من منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي (مرحلة التمكين في الأرض والجهاد الطلبي لإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله) ، وهؤلاء السلف الصالح (الصحابة ومن بعدهم التابعين وتابعي التابعين ) أتموا تلك المرحلة خير تمام وقاموا بالمحافظة عليها ورسخوا أهدافها وبسطوا سلطان الدين على عظم الأرض، ولو امتد بهم الزمان لما وجد على الأرض إلا دين الإسلام ولما وجد على الأرض إلا سلطان الإسلام ، وقد قام هؤلاء السلف الصالح رضي الله عنهم بالجهاد الطلبي خير قيام تطبيقا لقوله تعالى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ..} [الأنفال: 39] ، وقوله تعالى:{ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً..} [التوبة: 36] ، وقوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] ، وقوله صلى الله عليه وسلم )): أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك ، عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله تعالى(( [ رواه البخاري ومسلم ] ، فقاتلوا دولة الفرس حتى أزالوها من على الأرض وادخلوها في دين الإسلام وأنقذوهم به من النار ، وقاتلوا دولة الروم على الإسلام أو الجزية أو القتل ، فمنهم من دخل في دين الله مسلما له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ومنهم من قبل الجزية عن يد وهم صاغر طائع لسلطان دين الله وأحكامه ومنهم من امتنع فقاتله  السلف بالسيف حتى قتلوهم وطهروا الأرض من رجسهم ، اشتغلوا بالجهاد وآثره عن غيرهم كيف وتركه وهو عين التهلكة التي قال فيها المولى جل وعلا { وَلَا تُلْقُوا بِأيديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة: 195] ، فدانت لهم  الأرض مشارقها ومغاربها يعبدونها لله ويجعلون راية الإسلام عالية وأحكامه ممكنه وكلمته على الناس هي العليا ، وذلت لهم الجبابرة وأزالوا الطواغيت من على وجه الأرض وطهروها من الكفر والشرك إلى الإيمان والتوحيد ، واخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وفي جور الأديان الباطلة والمحرفة إلى  عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، فجزاهم الله عن عملهم لدين الإسلام خير جزاء ، وقد مر بنا فيما سبق أسباب عدم حديث أولئك الإعلام عن علوم العمل الإسلامي وقواعده وضوابطه ومراحله وأهدافه ، وذلك لأنهم قاموا بذلك كله خير قيام والكلام فيه يكون كتحصيل الحاصل ليس إلا ولم يكن يخطر ببالهم أبدا انة سيأتي على المسلمين زمان بلا خلافة ولا حكومة ولا دولة واحدة ووحدة ترفع شعار الإسلام عاليا وتعمل على تحقيق الأهداف الدين كلها دون مراهنة أو تقصير ، ولم يكن يخطر ببالهم أبدا انه سيأتي على المسلمين زمان لا يحكم بشرع الله ويستبدل بالقانون الوضعي ، ...إلى غير ذلك مما جد على المسلمين في حاضرنا المؤسف المرير ، ولكن بعد العسر يسرا وبعد الشدة فرجا وتجديد أمر الدين كائن لا محالة ببشارات النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك كائن ولو كره المشركون ولو اجتمع الإنس والجن على منعه { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [الصافات: 171-173] واليك بعضا من أعمال أولئك السلف الصالح في العمل لنصرة دين الإسلام ونشر دعوته ورفع رايته والتمكين لسلطانه في الأرض ، [ المنهج العملي على عهد الصديق رضي الله عنه ] : عهد الصديق رضي الله عنه كان عهد التتمة لمرحلة العزة والتمكين ، وعهد الجهاد الطلبي في سبيل الله ، وقد قضى رضي الله عنه على المرتدين وقاتل مانعي الزكاة وأنفذ جيش أسامة واستأنف الفتوحات الإسلامية فوجه خالد رضي الله عنه نحو العراق وأبي عبيده رضي الله عنه إلى الشام وعلى عهده رضي الله عنه فتح الله على المسلمين أغلب الجزيرة والعراق والشام ، [ المنهج العملي على عهد الفاروق رضي الله عنه ] عهد الفارق رضي الله عنه هو عهد التتمة لمرحلة العزة والتمكين ، وعهد الجهاد الطلبي في سبيل الله ، وقد أكمل رضي الله عنه فتح العراق وفارس : وكان ذلك في ( القادسية) على يد القائد الفاتح سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه واستمر زاحفا حتى المدائن عاصمة الفرس وصلى فاتحا في فصر كسرى مع جنده المسلمين ، ثم كانت نهاوند فتح الفتوح على يد الفاتح حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ثم فتحوا أصبهان وسائر من فرسان ، ثم توجهت الجيوش على عهده رضي الله عنه إلى بلاد ما وراء النهر حتى قارب بلاد السند وصارت فارس كلها في عهدة في نطاق دولة الإسلام ، وأكمل رضي الله عنه فتح الشام : فتحت الأردن ودمشق على يد القائد الفاتح أبو عبيده الجراح رضي الله عنه ولم يبق إلا بيت المقدس طلب أهلها الصلح بحضور أمير المؤمنين رضي الله عنهم فذهب إليها وتسلم المدينة وكتب لأهلها أمانا على أموالهم وأنفسهم وشعائر دينهم ، وفتحت مصر على عهده رضي الله عنه بقيادة الفاتح عمرو بن العاص رضي الله عنه وتوفي رضي الله عنه والجزيرة والشام والعراق ومصر وفارس كلها في نطاق دولة الإسلام ، [ المنهج العملي على عهد ذو النورين رضي الله عنه ] المنهج العملي على عهد ذو النورين رضي الله عنه هو أيضا امتداد لمرحلة التمكين والجهاد الطلبي في سبيل الله ،  امتدت الفتوحات على عهده إلى غرب أفريقيا وبلاد ما وراء النهر حتى وصل المسلمون إلى (كابول) في أفغانستان (وعزفه) في بلاد الأتراك وعمورية وأذربيجان وأقصى بلاد أرمينية وأجزاء من 

طبرستان جنوب بحر القزوين ، وامتدت الضياء على عهده لتشمل النوبة والسودان جنوب مصر ، وامتدت أيضا لتشمل على جزيرة قبرص وكافة جزر البحر المتوسط عن طريق أساطيل المد الإسلامي بقيادة القائد الفاتح معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وتوفي رضي الله عنه وكل تلك البلاد تحت لواء الإسلام وتحت سلطانه  ، [ المنهج العملي على عهد أبي السبطين علي رضي الله عنه ] في عهده رضي الله عنه توقف الجهاد الطلبي بسبب الفتن والخلافات ، وانشغل رضي الله عنه بتوحيد كلمة المسلمين وتوحيد الصف الإسلامي عن إتمام مسيرة الفتوح والجهاد الطلبي في سبيل الله ، إذ وحدة الصف الداخلية مقدمة على فتح البلدان الخارجية كما يقدم رأس المال على الربح ، وفي تلك الآونة قاتل الخوارج وسن لأمة الإسلام التعامل معهم وسائر فرق المسلمين الضالة، وكان رضي الله عنه أولى لطائفتين بالحق ، [ المنهج العملي على عهد خير ملوك الإسلام معاوية رضي الله عنه ] في عهده رضي الله عنه استأنفت الفتوحات من جديد ، وبدأ الجهاد الطلبي لنشر دين الإسلام والتمكين لسلطانه في الأرض وامتد حتى شمل عصور شمل عصور التابعين وتابعي التابعين ، [ الفتوحات على زمن التابعين وتابعي التابعين.] في عهدهم وصلت الفتوحات إلى القسطنطينية –مدينة هرقل- وحاصروها سبع سنوات دون أن يأذن الله بالفتح  - وقد فتحت بحمد الله تعالى في القرن الثامن في عهد الخلافة العثمانية - ، ووصلت الفتوحات في عهدهم أيضا إلى الأندلس وشملت قرطبة وغرناطة وطليطلة وغيرها من البلاد الأندلس ، ووصلوا إلى فرنسا قريبا من باريس وكانت هناك موقعة بلاد الشهداء ، وامتدت أيضا حتى شملت ما وراء النهرين وحتى كثغر من بلاد الصين وكثير في شمال السند ، وعلى ذلك فلقد كان شغل السلف الصالح (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) هو الجهاد الطلبي من أجل ألا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، وقد كان منهجهم في ذلك هو الامتداد والتنمية للمرحلة الأخيرة من مراحل منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي ، [كيفية الاقتداء بمنهج سلفنا الصالح في العمل لنصرة الدين والتمكين له في الأرض ] : لا يصح قياس حالنا العملي - اليوم - على حال السلف الصالح العملي، إذ أن منهج سلفنا الصالح رضي الله عنهم العملي كان الامتداد الطبيعي والترسيخ الحقيقي للمرحلة النهائية من منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي (مرحلة التمكين في الأرض والجهاد الطلبي لإزالة الفتنة) ، فقد ورث سلفنا الصالح رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرحلة الجهاد الطلبي وقاموا بها حق قيام ورسخوا ملامحها حتى بسطوا سلطان الدين على معظم الأرض آنذاك ولو امتد بهم الزمان لما وجد على الأرض سوى سلطان الإسلام ، أما اليوم فالخلافة غائبة ، وأمة المسلمين مستضعفة ، وأعداء الإسلام تكالبوا عليها من كل جانب يستحلون حرماتها ويعبثون بمقدراتها ، وقد زادت الفجوة العسكرية بينهم وبين المسلمين ، بما يستحيل معه دخول صراعات معها دون سابق إعداد هائل يكافئ موازين القوي والصراع ، فقد ازدادت قوة أعداء الإسلام بصورة يصعب معها مجرد تخيل دخول أي حرب ضدها ، بالقوى المتواضعة التي يملكها المسلمون ، حتى أصبح المسلمون في ديارهم لا يملكون قرارهم بأنفسهم فما أشبهنا بحالة الاستضعاف الأولى التي ينبغي السير على هدى من ملامحها وضوابطها حتى نستحق سنن التغيير وحتى نقوى على مواجهة الباطل وتحقق شروطه وآنذاك نسير على طريق النصر ثم التمكين وآنذاك يصح قياس حالنا العملي على حال السلف الصالح رضي الله عنهم، إما قبل ذلك فلا يصح ، ولذلك ينبغي العمل الجاد وفق منهج النبي صلى الله عليه وسلم حتى نصل إلى المرحلة التي نتمكن فيها من إعلان الجهاد الطلبي والاقتداء بمنهج السلف الصالح في تمكين لدين الله عز وجل في الأرض وبسط سلطانه عليها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله  ،

( اللبنة السادسة من لبنات التجديد العملي ) :  معرفة فقه الواقع الإسلامي وفقه الواقع العالمي المرير المحيط بالعمل الإسلامي  :  ( 1 ) المقصود بفقه الواقع الإسلامي : الفقهاء والأصوليون يقصدون من هذا العلم  (فقه الواقع الإسلامي ) : المعرفة الصحيحة المحيطة بالواقع المتعلق بالفتوى ، وذلك لأن الفتوى كما هو مقرر تتعلق بالزمان والمكان وتتغير وفق أحوال المسلمين ، ضمن شروط قد تخصص العام ، أو تقيد المطلق ، ولكن لا تعطل حكما ولا تحل حراما أو تحرم حلالا ، والفقهاء والأصوليون يرون ضرورة هذا العلم للفتوى الصحيحة لأن فقه الواقع عندهم يوازي فقه النص وبدون أحدهما يختل نظام الفتوى ويكثر الخطى فيه ، أما المصلحون والمجددون فالمقصود عندهم بـ (فقه الواقع الإسلامي ) : هو ذلك العلم الذي يقوم على المعرفة الدقيقة والفهم العميق للواقع الإسلامي المعاصر من حيث جوانب القوة والضعف ، والعدد والعتاد ، مقارنةً بغيره من واقع الأمم ، والفهم الصحيح لكيفية التعامل الشرعي معه من أجل إصلاحه ، ( 2 ) جوانب فقه الواقع الإسلامي : فقه الواقع يتكون من شقين : ( الشق الأول ) : معرفة واقع الأمة الإسلامية المعاصر : ويشمل المعرفة الدقيقة والفهم العميق للواقع الإسلامي المعاصر ، ومقارنته بغيره من واقع الأمم من حيث القوة والضعف ، ويتناول معرفة أعدائه الحقيقيين ، وما يكيدون له من مكائد وما يدبرون له من خطط ، ومعرفة أشد الناس له عداوة ، وأقربهم إليه مودة ، ومعرفة القوى الحقيقية المهيمنة على الوضع العالمي ، ومعرفة مخططاتها الخبيثة لحرب الإسلام والمسلمين ، ومعرفة ما عندها من إمكانات لتحقيق مخططاتها ، و ( الشق الثاني ) : معرفة الطريق إلى تغيير الواقع الإسلامي من الاستضعاف إلى التمكين : ويتناول معرفة السبل المشروعة لحماية الأمة من أعدائها ، وإفشال مخططاتهم ، ومن ثم تفوقها عليهم والسير قدما نحو تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية العالمية على أرض الله تعالى وبين عباده ، وذلك الوسائل العملية الصحيحة المناسبة القابلة للتطبيق على أرض الواقع ، ( 3 ) أهمية فقه الواقع : إن دراسة فقه الواقع في جوانبه المتعددة يعطي تكاملا في الرؤية، وبعدا في النظر، وتخطيطا دقيقا لمستقبل العمل الإسلامي ، و إن دراسة العالم الإسلامي ، ودراسة الدول والشعوب الإسلامية ، وفهم واقعها، بالنسبة إلى العالم المحيط بها هو الذي يوضح لنا طريقة التعامل مع حاضرها ، والبناء الصحيح لمستقبلها  ، وإتقان الخطط العملية الصحيحة الملائمة التي يمكننا  من خلالها التدرج في إصلاحها وتجديد دينها ، وعلى ذلك تكمن أهمية فقه الواقع في أنه يدلنا على المنهج الواقعي الممكن للإصلاح والتجديد ،  ويضع العلاجات المناسبة  لكل المعوقات التي تعترض طريق التجديد ، ويوضح معالم التغيير ، ويبين الخطوات الصحيحة نحو التجديد والتمكين ، وإذا غفل المسلمون المصلحون عن فقه واقعنا ، فإن خططهم الإصلاحية ستبوء بالفشل الذريع لأنها ستصطدم بسنن التغيير والتمكين ، وتلك السنن لا تجامل أحدا ، قال تعالى : { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا } [ الأحزاب : 62 ] ، إن من أهم أسباب تخلف العمل الإسلامي في عصرها الحاضر هو الجهل بالواقع  ، وغفلة قادة العمل الإسلامي عن الحجم الرهيب من الكيد الذي  يكيده الأعداء ويخططون له ، فقد أحكموا سيطرتهم على مقدرات الدول الإسلامية ضمن مخطط محكم رهيب ، ونحن لا نستوعب حجم القدرات الهائلة التي يملكها هؤلاء ، والقائمون على العمل الإسلامي - اليوم - لا بديل لهم عن فقه الواقع واستيعابه ، ومن ثم بناء الخطط الملائمة للنهوض بذلك الواقع ، ( 4 ) ضرورة وجود المتخصصين في علم فقه الواقع بين القائمين على العمل الإسلامي : لقد تخصص الكثير من أعدائنا في علم الواقع ، وأحصوا أعداد المسلمين ، وعددهم وعتادهم ، وعرفوا مقدار قوتهم ، ونقاط الضعف عندهم ، فتيسر لهم إنجاح خططهم في هزيمتنا والتلاعب بمقدراتنا ، وفي المقابل نجد عزوف كثير من المسلمين العاملين للإسلام عن التخصص في هذا الجانب ، ورسم الخطط الملائمة للواقع والقادرة على إفشال مخططاتهم ، فما أشد حاجة الأمة إلى مثل هؤلاء ، لأنهم أشبه ما يكونون بالأطباء المتخصصين في تشخيص الأمراض تشخيصا صحيحا ، ومن ثم إعطاؤهم العلاج المناسب لهم ، إن هذا العلم يحتاج إلى فقهاء نابهين ، ومصلحين موهوبين ، وساسة حاذقين ، يستوعبون القواعد الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمثل أسس وأركان هذا العلم ، ويستوعبون سنن الله تعالى في التغيير والإصلاح والتمكين ثم التوسع في دراسة العلوم الاجتماعية  والإنسانية كالتاريخ وسنن تبديل الأمم وإصلاح الدول والمجتمعات ، مع استيعاب لأصول علوم السياسة والإعلام والاقتصاد المؤثرة في تطور المجتمعات ، مع المعرفة بالبيانات الدقيقة عن واقع الأمة وحالها وحال أفرادها وفئاتها المتعددة ، ودراسة مخططات الأعداء ضد الأمة ، ومواطن القوة والضعف لديهم ، ومن ثم المقدرة على رسم الخطط وبناء الاستراتيجيات الملائمة للتغيير والإصلاح والتجديد وفق الإمكانات والقدرات ، ( 5 ) فقه كيفية إصلاح الواقع من خلال تدبر القرآن الكريم : ليس أدل على مراعاة الواقع من تتبع آيات القرآن الكريم حسب زمن النزول ، فالقرآن الذي كان ينزل بمكة كان يركز على بيان ما يناسب المؤمنين الجدد ، والدعوة الإسلامية الوليدة ، من بيان أركان العقيدة ، وبيان الأسس العامة للتشريع، وأصول مكارم الأخلاق، أما من الناحية العملية فقد كان يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في تلك المرحلة - بما يناسب واقعهم وحفاظا على استمرارية دعوتهم الناشئة - بالصبر والعفو والصفح وكف اليد ،كما في قوله تعالى: { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ } ، وقوله تعالى: { وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } ،وقوله تعالى: { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ، وقوله تعالى: { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } ، وقوله تعالى: { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا }  ، وقوله تعالى: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا }  ، وقوله تعالى: { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ، وقوله تعالى: { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الجاثية : 14 ] ، ولم يؤذن لهم في القتال واستعمال السلاح ولا في رد العدوان بل أمروا بالصبر ، كما قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيديكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..} [النساء: 77] ، وأخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهـما : ((أن عبد الرحمن بن عـوف وأصحـاباً له أتوا النبي  صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا : يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشـركون ، فلما آمنا صرنا أذلة فقال : إني أمرت بالعـفو فلا تقاتلوا )) [أخرجه النسائي (6/3 ) والحاكم ( 2/307 ) وصححه  ] فدل ذلك على أنهم كانوا يؤمرون في مكة بكف اليد ولم يؤذن لهم في القتال الا بعد الهجرة إلى المدينة - حيث تكونت الدولة الوليدة وتحتاج إلى من يدافع عنها - قال الله تعالى:{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [الأنبياء: 39 - 41 ] ، وفي تلك الفترة ، كتب على المؤمنين الجهاد الدفاعي ، ورد العدوان ، كما في قوله تعالى : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [ البقرة : 190 ] ، وقوله تعالى : { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 195 ] ، وقوله تعالى : { فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا } [ النساء : 90 ] ، ثم لما ترسخ وجود الدولة المسلمة ، بدأت مرحلة التمكين في الأرض ، والجهاد الطلبي من أجل إظهار الدين ، كما في قوله تعالى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الْأَنْفال : 39 ] ، وقوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [التوبة: 29] ، وقوله تعالى { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور} [الأنبياء: 41] ، ( 6 ) فقه كيفية إصلاح الواقع من خلال سيرة الرسول : لقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم العمل لدين الله عز وجل منفردا وذلك بنشر الدين والدعوة إليه والبناء عليه متدرجا حتى وصل إلى إظهار الدين على الدين كله وحتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس كافة في دين الله أفواجا ، وقد كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم متميزا بالتدرج في الخطوات العملية وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقل بتسديد الله عز وجل من مرحلة إلى أخرى ،  وكل مرحلة مر بها النبي صلى الله عليه وسلم كانت لها قواعدها وملامحها وضوابطها التي تضيء لها النجاح في الوصول إلى تحقيق أهدافها وذلك حتى وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعلى المراحل وأعظمها ألا وهي مرحلة التمكين في الأرض ورفع لواء الجهاد الطلبي حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، [ للتفصيل راجع فصل المعرفة الصحيحة لكيفية الاقتداء بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم في نشر الدين ونصرته وإظهار أمره وتحقيق أهدافه صـ ] ، ( 7 ) فقه كيفية إصلاح الواقع من خلال الفقه الإسلامي واجتهادات الفقهاء : لقد أكرم الله تعالى أمة الإسلام أن جعل فيها فقهاء عظام تركوا لنا ثروة هائلة من القواعد المرنة والضوابط الحكيمة والأحكام الملائمة للتعامل مع الأحداث وفق إمكانات الصف العامل لدين الله تعالى ، فكانت تلك القواعد هي المصدر الرابع والواسع لفقه الواقع ، وهذه القواعد تعتمد على أمرين : ( أولهما ) : مقاصد الشريعة العامة التي تهدف إلى تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة ، ( والثاني ) : مصادر التشريع الإسلامي الخاضعة للاجتهاد  وهي : ( القياس ) و ( الاستصلاح أو المصالح المرسلة  ) و ( الاستحسان ) و (  العرف ) و ( الاستصحاب ) - على اختلاف لفظي بين الفقهاء في إقرار بعضها وعند تحقيق المناطات وتحرير مواطن النزاع جميعهم يتفق عليها -  ، وجميع تلك المصادر تضع ( الواقع ) نصب أعينها ، وهي تمثل الباب الواسع لاجتهادات المصلحين في بناء منظومة متكاملة للعمل لدين الله تعالى تناسب الزمان والمكان وفق معطيات الحاضر  ووفق فقه الواقع المعاصر ، بصورة مرحلية شريطة أن لا تحل من دين الله تعالى حراما ولا تحرم منه حلالا ، وقد اتفق الفقهاء المجتهدون على أن من أهم مقاصد الشريعة تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة ، ومن التطبيقات العملية لتلك القاعدة المتعلقة بفقه الواقع ، جواز الهدنة المؤقتة مع الأعداء - ولو مع اعطائهم المال - إذا عُلم ضعف المسلمين وقوة الأعداء ، والخوف على المسلمين منهم ، ولذلك ينبغي  للقائمين على العمل الإسلامي  مراعاة الواقع عند رسم الخطط للنهوض بالعمل الإسلامي من الاستضعاف إلى التمكين  ، وقد اتفق الفقهاء على أنّ جميع مصادر التشريع الإسلامي وأولها : ( القرآن والسنة والإجماع ) مرتبطة أشد الارتباط بالواقع ، وقد أجمع الصحابة على أمور كلها مرتبط بفقه الواقع ، مثاله جمع القرآن عند موت القراء ، وخوف ضياع بعض القرآن ، وجمع الناس على مصحف عثمان وحرق بقية المصاحف عند خوف اختلاف الناس على القرآن  ، وكذلك فإن مصادر التشريع الإسلامي التبعية ( القياس ) و ( الاستصلاح أو المصالح المرسلة  ) و ( الاستحسان ) و (  العرف ) و ( الاستصحاب ) كلها قائمة على مراعاة الواقع ، واليــوم ما أحوجنــا إلى الاستفادة من تلك المصادر الفقهية ، والقواعد الفقهية المستقاة منها في رسم استراتيجية العمل الإسلامي الناجح نحو التمكين ، ومن تلك القواعد - على سبيل المثال -  المشقة تجلب التيسير ، والضرر يزال و لا ضرر ولا ضرار و الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف ، إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما ، ويُختار أهون الشَّرين ، والعادة مُحكمة فما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن ، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح ، و درء المفاسد أولى من 

جلب المنافع ، والمشقة تجلب التيسير والأمر إذا ضاق اتَّسع ، والضرورات تبيح المحظورات ، ويجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها ، وإذا تعارضت المقاصد والوسائل فيجب مراعاة المقاصد لأن المقاصد هي الغاية المطلوبة والوسيلة مجرد معين لها ، ومراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل أبدًا ، والخروج من الخلاف مستحب ، ومراعاة الخلاف بشروطه مستحب ، والأصل في العبادات الحظر وفي العادات الإباحة ، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة قُدِّم أرجحهما  فإن تساوت المصالح والمفاسد كان درء المفاسد أولى ، والأصل في العادات عدم التحريم فلا يحظر منها إلا ما حظره الله ، وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فإن طاعته فيه بحسب الإمكان ، فهذه بعض القواعد الفقهية التي يمكن للقائمين على العمل الإسلامي الاستفادة منها عند بناء خطط العمل ، ولولا خشية الإطالة هاهنا لذكرت العديد من القواعد الشرعية المستفادة من تلك المصادر والمفيدة في بناء خطط العمل الإسلامي الملائمة للواقع ، ( 8 ) بعض الإحصاءات المتعلقة بفقه الواقع المعاصر لحال المسلمين : ( أ ) أعداد المسلمين : المسلمون اليوم يبلغون حوالي المليار وسبعمائة مليون نسمة تقريبا ، وذلك من تعداد العالم الذي يزيد على سبعة مليارات نسمة ، منهم ملياران وربع تقريبا من النصارى ( الكاثوليك والبروتستانت والأرزدوكس وغيرهم من طوائف النصارى ) ، ومنهم ( مليار ) هندوس ، ومنهم ( نصف مليار ) بوذيون ، ومنهم ( نصف مليار ) صينبون كونفوسيوسيون  ، ومنهم ( خمسة وعشرون مليونا ) من السيخ ،  ومنهم ( خمسة عشر مليونا ) من اليهود يحكمون العالم تقريبا ، وبقية الناس مابين ديانات محدودة أو ملاحدة دهريون شيوعيون ، ومنه نعلم أن المسلمون تزيد نسبتهم على خمس سكان العالم ، وتكاد تصل إلى الربع ، ولكنهم غثاء لا تأثير لهم في عالم الأرض ، لأنهم متفرقون متناحرون تركوا الدين وأحبوا الدنيا فشغلتهم ، ومنه نعلم أن اليهود قلة ( خمسة عشر مليونا ) ولكنهم يحكمون العالم تقريبا ويسيطرون عليه في مجال السياسة والاقتصاد والإعلام ، يحركون الدول وفق مخططاتهم ، ويوقدون الحروب لمصالحهم ، وهم - كما وصفهم الله تعالى - أشد الناس عداوة للمسلمين ، ومنه نعلم أن النصارى كثرة ( ملياران وربع ) وهم - كما وصفهم الله تعالى - أقربهم مودة للمسلمين ولكنهم أحجار على رقعة الشطرنج ، يلعب بهم اليهود في أوربا والأمريكيتين  وروسيا كيفما شاءوا عن طريق تجمعات الضغط اليهودية التي تملك المال والذهب ، وأوراق الضغط ونقاط الضعف لكل زعيم سياسي في أمريكا وروسيا و أوربا صغير أو كبير ، ومنه نعلم أن المشركين كثرة فهم يبلغون أكثر من نصف سكان الأرض في الصين والهند واليابان والكوريتين وغيرها ، وهؤلاء كما وصفهم الله تعالى بالصف الثاني في العداء للمسلمين ، ومنه نعلم أن الملاحدة والدهريون والشيوعيون في الأرض كثير وهم يحاربون الأديان ويرفضون الإيمان ، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، ( ب ) حال المسلمين : ( إلا ما رحم الله ) فالمسلمون يعانون من فرقة مزمنة ، تأصل وجودها على مر عصور التاريخ الإسلامي ، وساهم في هذه الفرقة المبتدعة الضالون والمغرضون الحاقدون ، إضافة إلى جهود الأعداء في تعميق شقة الخلاف بين طوائف المسلمين ، والشعوب يغلب عليها البعد عن الدين ، وهي مغلوبة على أمرها ، أراد لها أعداؤها أن يكون جل وقتها المكابدة لأجل لقمة العيش في الدنيا لا أكثر ، وما زاد فإنما هو للملذات والمشغلات ، والحكام أكثرهم لقمة سائغة عند اليهود وأعداء المسلمين ، يضحون بأي شيء من أجل مصالحهم الموهومة ، ولهم أبواق إعلامية في كل واد تسبح بحمدهم وتقدس أمرهم وتشيطن كل من يعارضهم ، وأنظمة دول الإسلام قد استشرى فيها الفساد والظلم ، تقوم على العلمانية ومحاربة الدين وسحق كل من تسول له نفسه تطبيق شرع الله ، واستبعد عن أكثرها كل قوي أمين في دين الله تعالى ، فلا الجيوش تقوم على عقائد الإسلام ونظرياته ، ولا الشرطة ترسخ وجود العدل والشرع ، ولا النظام السياسي يقوم على الولاء للدين وحده  ، والنظام الاقتصادي يقوم على  الربا ، وحدث ولا حرج ، ( ت ) عتاد المسلمين : المسلمون - في مجال العتاد - متخلفون لا يصنعون سلاحا ولا يملكون منه إلا ما سمح لهم به أعداؤهم فقط ، مما عفى عليه الزمان من خردة السلاح ، وهم يستعملونه في إبادة بعضهم بعضا ، يحاربنا الأعداء حربا إلكترونية بعتاد لا قبل لنا بمعرفته ولا بصده ، أشبه ما تكون عندهم بألعاب الحاسوب الإلكترونية ، ونحن نمثل ضحاياها ، هذا هو الواقع المعاصر لحال المسلمين ، ولكن - والحمد الله - لا نزال نمتلك أساب النصر - وأهمها قوة الله الغالب إن نحن نصرنا دينه وعدنا إلى شرعه وحققنا العبودية له وأخلصنا العمل في سبيله ،

( اللبنة السابعة من لبنات التجديد العملي ) :  فقه سنن الله تعالى في النصر والتمكين لدين الله تعالى وتحقيق رسالته العملية  :  ويشتمل على بيان : سنن التغيير ، وسنن الفلاح والغلبة ، وسنن النصر والتمكين ، وسنن الابتلاء والتمحيص ، وسنة الصبر ، وسنة التدرج في الإصلاح ، وسنة الأجل المسمى ، وسنة تداول أيام النصر والهزيمة ، وسنة التدافع بين الحق والباطل ، وسنن المواجهة بين حزب الله تعالى  وبين حزب الشيطان وضرورة الإعداد لها ، وسنن الله تعالى في المنافقين والمشككين ، وغيرها من السنن التي دل عليها كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، وينبغي على جميع العاملين لدين الله تعالى فهم سنن الله ، وذلك للأهمية القصوى البالغة لتلك السنن لأي عمل جماعي إسلامي يريد النجاح في سيرة نحو تجديد الدين وتحقيق أهدافه ، إذ على فهم تلك السنن تبنى النظريات العملية الناجحة لنصرة الدين والتمكين له في الأرض وجهل تلك السنن يؤدي حتما إلى فشل العمل الجماعي الإسلامي في تحقيق أهدافه وذلك لأنه لن تجد لسنة الله تحويلا ، ومن أهم تلك السنن : سنن التغيير وسنن الفلاح والغلبة وسنن النصر والتمكين وسنة الابتلاء والتمحيص وسنة المواجهة بين جند الحق وبين جند الباطل وضرورة الإعداد لها وسنة الصبر وثمرته وسنة الله في المنافقين والمشككين ، وتكمن أهمية تلك السنن: في أن التاريخ يتبدل والشعوب تتبدل والدول تتبدل ولا تدوم على حال { وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَيْنَ النَّاسِ } [آل عمران: 140] ، إلا أن سنن الله عز وعلا في كونه وفي خلقه لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير ،  ولذلك فمن أهم ما أراه لازما للعمل الإسلامي اليوم هو دراسة تلك السنن حتى يعامل معها الصف الإسلامي العامل للإسلام على بصيرة وعلى درية وعلى علم تام بها ، والعارف لتلك السنن حتى يتعامل معها الصف الإسلامي العامل للإسلام على بصيرة ودراية وعلى علم تام بها ، والعارف لتلك السنن ولا يعاندها لأنها غلابة لا تتحول ولا تتبدل فيكون عمله لدين الإسلام في تقدم مستمر وفي طريقه نحو تحقيق أهدافه ، والجاهل لتلك السنن يمشي مكبا على وجهة لا يرى ابعد من قدميه وهو لمن كانت تلك حالة أن يتعثر وأن يخيب رجاؤه وان يعارض سنن الله الغالبة التي لا يقف في وجهها شيء الا دمره وصدق المولى إذا يقول :{ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } [فاطر: 43] ، ومن تلك السنن : [ سنة التغيير ] : قضت سنته تعالى أنه سبحانه لا يغير حال قوم حتى يغيروا هم من حالهم سواء من الحال الحسن إلى الحال السيئ أو من الحال السيئ إلى الحال الحسن ، قال تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأنفال -53] ، وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وإذا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } [الرعد: 11] ومن تلك الآيات نستخرج أمرين: الأمر الأول : أن الله عز وجل لا يغير حال قوم من الضعف والذلة والهوان إلى حال العزة والقوة والتمكين حتى يبدأ هؤلاء القوم بإرادة ذلك التغيير والله جل وعلا يعين ذلك المجتمع على تغيير حاله فلن أتي التغيير دون أن يكون ساعيا إلى التغيير ،  وكذلك العكس فان سنة الله جل وعلا في التغيير اقتضت أن لا يغير ما بقوم من القوة والعزة والتمكين إلى حال الذلة والمهانة والفقر والهزيمة إلا إن فعلوا هم أسباب ذلك الانهيار والتغيير وآنذاك يستحقون من الله عز وجل سنة التغيير وتبديل النعم إلى نقم  ، والأمر الثاني: أن التعبير القرآني جاء بلفظ (قوم) ليدل على أن سنة التغيير سنة جماعية تنطبق على المجتمعات والدول وليس على الأفراد كأفراد ، فسنة التغيير سنة جماعية وليست فردية ، فينبغي أن يتنبه العاملون للإسلام لذلك الأمر وتلك الحقيقة ، وذلك لأنه بعض العاملين للإسلام (ونسبتهم قليله في المجتمع) يصلحون حالهم مع الله تبارك وتعالى وينتظرون من الله جل وعلا التغيير ، وفي هذا الأمر يحسنون الظن بالله جهلا منهم بأن هذه السنن لا تجامل أحدا فخاب مسلكهم وذلك لان التغيير سنة جماعية ، تعمل على المجموع لا الأفراد ، فلابد وأن تكون أغلبية هذا المجتمع أو نسبة مؤثرة فيه على الأقل تريد هذا التغيير وتعمل على أسبابه فتتحقق سنة الله تعالى في التغيير آنذاك ، وهذه السنة ( سنة التغيير ) رد على أولئك الذين يريدون الوصول إلى تحقيق أهداف العمل الإسلامي في القمة بمعنى الانقلاب على الحكام ، وفرض الإسلام على الجميع ، وهؤلاء يضادون سنة التغيير وكل محاولاتهم ستبوء بالفشل حتى لو نجحوا في الوصول إلى الحكم فلن يحدث التغيير المنشود وذلك لان الغالبية والنسبة المؤثرة في المجتمع لن تعمل من أجل الوصول إلى ذلك التغيير ، فهؤلاء يضادون سنة التغيير وكل محاولاتهم ستبوء بالفشل حتى ولو نجحوا في الوصول إلى الحلم فلن يحدث التغيير المنشود فستنقلب الآية وينقلب المجتمع على هؤلاء وتبوء أعمالهم بالفشل الذريع ، إنّ التغيير واستحقاق سنته يستوجب التركيز على القاعدة حتى تتكون القاعدة العريضة العاملة من أجل التغيير الصادقة في ذلك وآنذاك تنزل رحمة الله تعالى بتغيير الحال إلى أحسن حال ، والناظر إلى مجتمعاتنا اليوم يجد الغالبية تجهل الكثير من أساسيات الإسلام ، ومن يعلم فهو لا يعمل من أجل نصرة هذا الدين ، والكثير يفرط في أركان الإسلام الذي لا يقوم البناء إلا بها فمن يقيم الصلاة إلا قليلا ، ومن يؤدي حق الشهادتين كما ينبغي ، ومن يؤدي حق الزكاة إلا قليلا وفي الصيام إلا قليلا وهكذا..، والناظر إلى المعاصي والذنوب والفواحش والمنكرات تجدها متفشية في مجتمعات المسلمين والناظر إلى العاملين للإسلام يجدهم بين هؤلاء نسبة قليلة جدا لا تكاد تذكر ، ثم هؤلاء بينهم متناحرون مختلفون أحزابا وجماعات فهل يحق لأحد منا أن ينتظر سنة التغيير ونحن على ذلك الحال ؟  إنها الأماني كاذبة  ، إن العاملين للإسلام عليهم أن يوحدوا صفهم ويجيشوا جيشهم نحو الدعوة والتغيير ونحو هداية المسلمين إلى ربهم وإلى دينهم وإلى هدي نبيهم ، وعندما يتوحد العاملون للإسلام على صف واحد ووجهة واحدة وقيادة واحدة ، وعندما ينصلح حال الكثير من أولئك المسلمين وتبدوا علامات الصلاح على المجتمعات المسلمة آنذاك ننتظر سنة التغيير  ، وعلى ذلك لكي نستحق سنة التغيير يجب علينا : ( 1 ) أن نوحد كلمتنا ونوحد صفنا ونتعاون على البر والتقوى وندع العداوة والبغضاء والتناحر والتنازع بين شتى الاتجاهات بل الكل يرمي عن قوس واحدة والكل يسد عن الآخرين ثغرات لا بد من سدها ، وأن يكون ولاءنا العام لدين الله ، ( 2) أن نغير ما بأنفسنا نحن في البداية فننزع منها حب الدنيا وحب الزعامات والظهور والإعجاب بالرأي وأن نداوي بذور الشقاق والخلاف وندع غمط الآخرين وصغير أفضالهم بل كما وصفنا المولى جل وعلا : { أذلة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أعزة عَلَى الْكَافِرِينَ ..}[المائدة: 54] ، وقوله تعالى : { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ، ( 3 ) أن توجه الطاقات جميعها نحو المجتمعات ندعوها إلى المولى جل وعلا وإلى الدعوة إلى ديننا الذي أعزنا الله به ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ، ندعوها باللين والرفق والحنو والموعظة الحسنة والحكمة والحوار البناء والجدال التي هي أحسن الممزوج بالشفقة والرحمة والرأفة على المؤمنين والمسلمين ، وعندما تظهر بوادر الفلاح على العاملين للإسلام وعلى المجتمعات المسلمة أنداك سيتغير حالنا ويتبدل حالنا إلى أحسن حال ، كما قال الله تعالى :{ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }[القصص: 5] ، وقبل ذلك فأمل التغيير سراب ليس له حقيقة ولا تحقيق ، و [ سنن الفلاح والغلبة ] : قضت سنة الله جل وعلا أن حزبه هو الغالبون وأن جنده هم الغالبون ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا ، قال تعالى: { فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] ، وقال تعالى:{ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] ، وقال تعالى:{ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173] ،  وقد وضح القران الكريم صفات حزب الله ومتى اتصف العاملون للإسلام بتلك الصفات فقد ضمن المولى تعالى لهم الغلبة والتمكين في الأرض ، ولفظ ( حزب ) يدل على أن سنة الغلبة هاهنا جماعية أيضا ، وفي صفات حزب الله تعالى يقول المولى جل وعلا :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذلة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أعزة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [المائدة: 54-56] ، ويقول عز وجل :{ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أو أَبْنَاءَهُمْ أو إِخْوَانَهُمْ أو عَشِيرَتَهُمْ أولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22] ، فهذه الآيات الكريمات اشتملت على صفات حزب الله الذي يستحق من الله عز وجل وعلا الغلبة والفلاح في الدنيا والآخرة وأهم تلك الصفات : (1)  ( يحبهم ) الله جل وعلا : والله يحب المحسنين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الصابرين ويحب المتوكلين ويحب المقسطين ويحب المتقين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص والمقصود به وحدة الصف ، وفي المقابل فإن الله عز وجل لا يحب الكافرين ولا يحب الظالمين ولا يحب المفسدين ولا يحب المعتدين ولا يحب الخائنين ولا يحب المستكبرين ولا يحب الفرحين ولا يحب كل مختال فخور ولا يحب كل خوان أثيم ولا يحب كل كفار أثيم ، (2) ( ويحبونه ) وعلامة حبهم هم للمولى جل وعلا إتباع النبي صلى الله عليه وسلم: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ..} [آل عمران: 31] ، (3) أذلة على المؤمنين ، (4) أعزة على الكافرين ، (5)  يجاهدون في سبيل الله ، (6) لا يخافون لومة لائم ، (7) الولاء لا يكون إلا لله وحدة ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، (8) البراءة من الكافرين ولو كانوا أباءهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم  ،  فالجماعة المسلمة التي تستحق تلك الصفات وتستوفيها هي حزب الله الذي له الغلبة والفلاح في الدنيا والآخرة ، وما أعظمهما في صفات ينبغي أن يتصف بها كافة العاملين للإسلام حتى يستحقوا منه الغلبة والفلاح في الدنيا والآخرة وما أعظمهما في صفات ينبغي أن يتصف بها كافة العاملين للإسلام حتى يستحقوا منه الغلبة والفلاح ، مع مراعاة أنها سنة جماعية أيضا فينبغي أن تشمل جميع العاملين في الحزب العامل للإسلام ، [ سنن النصر والتمكين ] : قضت سنة الله عز وجل أن ينصر من نصره وأن ينصر الصابرين لدينه وان ينصر المجاهدين المخلصين العاملين من أجل نصرة دينه ، وقضت سنة الله أن يمكن في الأرض للمؤمنين الصالحين الذين ارتضى الله عز وجل وعلا دينهم ولأولئك الآخذين بأسباب النصر والتمكين المعنوية والمادية وأولئك المحسنين ،  قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] ،  وقال تعالى: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّأهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور } [الأنبياء: 40-41] ،  وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } [البقرة: 214] ، وقال تعالى:{ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 11-13] ، وقال تعالى: { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ* وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَأوأهم النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [النور: 54-56] ، وقال تعالى في حكاية عن ذي القرنين :{ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا  فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 84 ،  85] ، والإعداد هو في الأساس الأخذ بأسباب النصر والتمكين قال تعالى :{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] ، وفي ذلك يتبين أن أهم أسباب النصر والتمكين : (أ)  نصرة دين الله بحمله ودفع لواءه والعمل من أجل تحقيق أهدافه ونشره في الأرض ، (ب) إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، (ج) الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله بالمال والنفس ، (د) طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والإيمان والعمل الصالح ، (ه) الأخذ بأسباب النصر والتمكين المعنوية والمادية ، (و) الإعداد وهو في أهم أسباب النصر والتمكين ، و [  سنة الابتلاء ] : قال الله عز وجل :{ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3] ، وقال تعالى : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } [البقرة: 214] ، وقال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإذا أوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أولَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت: 10-11] ، والنبي صلى الله عليه وسلم: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء)) ، فالابتلاء سنة في سنن الله جل وعلا في عبادة المؤمنين ولهذا فينبغي أن لا يزيد البلاء للمؤمن إلا قوة وصلابة وإصرارا على السير في طريق الحق وطريق نصره الدين والتمكين له ، وعلى العاملين للإسلام الا تثنيهم الابتلاءات والتمحيصات الربانية عن العمل الجاد من أجل نصرة دين الإسلام ، و [ سنة التمحيص ] ، وهذه السنة تعتبر نتيجة مترتبة على سنة الابتلاء ، فيمحص الله تعالى بالابتلاء ما في الصدور، ويخرج ما في القلوب ، قال تعالى : {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ،وقال تعالى :{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} ، و [  سنة الصبر ] : الصبر طريق إلى التمكين وهو طريق إلى النصر وهو سبب من أهم أسباب الإمداد الرباني بالنصر والتثبيت  ، قال تعالى:{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمرنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } [السجدة: 24] ، وقال تعالى:{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا..} [الأعراف: 137] ، وقال تعالى:{ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] ، فثمرة الصبر الإمامة والتمكين ونيل معيه الله ورضاه وبشارته لعباده الصابرين بالنصر والتثبيت  ، و [ سنة التدرج ] : المراد بها أخد الناس بالتغيير شيئا فشيئا ومرحلة فمرحلة ، فقد جعل الله تعالى التدرج سنة كونية وسنة شرعية أيضا ، فمن الناحية الكونية اقتضت حكمته خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، قال تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في  ستة أيام ثم استوى على العرش } [ الأعراف : 53 ] ، وكان سبحانه قادرا أن يقول لها : كن فتكون ، ومن الناحية الشرعية فقد بدأ الإسلام بالدعوة إلى التوحيد وتثبيت العقيدة السليمة ، ثم كان التشريع شيئا فشيئا ، كما فرضت فرائض وحرمت محرمات بالتدريج ،وفي هذا المعنى تقول عائشة رضي الله عنها: (( إنما أنزل أول ما أنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة والنار ،حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام ،نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر ولا تزنوا لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى أبدا )) [ البخاري : 4993 ] ،  من هنا كان على الذين يدعون إلى التغيير لإصلاح حال المسلمين وتجديد أمر الدين أن يراعوا سنة التدريج في تحقيق ما يريدون من إصلاح وتجديد ،  و [  سنة الأجل المسمى ] : هي سنّة متممة لسنّة التدرج ، فقد جعل الله تعالى لكل شيء أجلا مسمى يبلغ فيه نضجه وكماله ، فلا ينبغي أن يستعجل الشيء قبل أن يبلغ أجله المقدر لمثله ،ومن القواعد المقررة في الإسلام أن "من استعجل 

الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه "؛ فان الزرع إذا حصد قبل إبانه، والثمر إذا قطف قبل أوانه لا ينتفع به النفع المرجو بل يضر ولا ينفع ، وكذلك التغيير لا يتم إلا باستيفاء شروطه ، فقد جعل الله تعالى لكل شيء أجلا مسمى ، قال تعالى : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } [ النحل : 61 ] ، ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بالصبر ، وعدم الاستعجال، قال الله تعالى : { خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون } [ الأنبياء : 37 ] ، وقال تعالى : { ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا } [ الإسراء : 11 ] ، وقال تعالى : { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم } [ يونس : 11 ] ، وقال تعالى مخاطباً رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم : { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم } [ الأحقاف : 35 ] ، وضرب الله تعالى لرسوله وللمؤمنين معه مثلا بمن خلا قبلهم من أصحاب الرسالات، والذين صبروا على شدة الابتلاء ،وطول الطريق، وصعوبة انتظار النصر، ولم يستعجلوا : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } [ البقرة : 214 ] ، فنصر الله تعالى قريب ولكن اقتضت سنة الله تعالى أن يكون له  أجل مسمى ، و [ سنة تداول أيام النصر والهزيمة ] : وهي سنة تحكم حركة الحياة وحركة التاريخ ،وتتمثل في نظام التعاقب والتناوب بين الدول والشعوب ، قال تعالى : {  ودليلها قوله تعالى : { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [ آل عمران : 141 ] ، و [ سنة التدافع بين الحق والباطل ] : وهي سنة عامة وثابتة ومطردة، تحكم كل المجتمعات والحضارات، قال تعالى : {  وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  } [ البقرة : 251 ] وقوله تعالى : { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ الحج : 40 ] ، و [  سنة الله في المنافقين والمشككين ] : قال تعال: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاورُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا *مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيـلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 60-62] ، اقتضت سنة الله عز وجل في المنافقين والذين وفي قلوبهم شك وريبة وفي أولئك المرجفين الذين يروجون الإشاعات الكاذبة في الصف المسلم بقصد توهينه ، واقتضت سنة الله تعالى في هؤلاء أن يفضحهم ، ويظهر عليهم الصف المسلم بعد تمكينه فيستأصلهم بالطرد أو بالقتل وتلك سنة الله التي لا تجد لها تبديلا ، فليطمئن الصف المسلم إلى كفاية الله عز وجل وعليه أن يسير في طريقه غير عابئ بأولئك المنافقين ولا بأولئك المتشككين المرتابين ولا أولئك المرجفين المروحين لكل إشاعة كاذبة توهن قوة من استمع إليها وتكسر قلبه ، وعند التمكين يكون الضرب بيد من حديد على أولئك المنافقين معلومي النفاق وعلى أولئك المرجفين الفاسقين ، وهذه سنة الله في المنافقين ولن تجد لسنة الله تبديلا ، وسنن الله تعالى الكونية والتشريعية فوق الحصر والبيان ، ومن تدبر القرآن صارت لديه موسوعة كبيرة من تلك السنن ، منها : ( سنة الاستخلاف للنظر في عمل الأمم ) : قال تعالى { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ، و ( سنّة الأرزاق بالقدر المعلوم ) قال تعالى : { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ } ،  وقال تعالى : { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } و ( سنة الله تعالى في الهداية والضلال ) : قال تعالى : { لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  } ، وقال تعالى : { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ }  و ( سنة تبديل النعم ) قال تعالى : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } ،  و ( سنّة الإملاء ) قال تعالى :  { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } ، و ( سنّة الفتنة ) قال تعالى : { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى } ،  و ( سنّة الله تعالى في الذين يكتمون الحق ) : قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } ، و ( سنّة الركون إلى الظالمين ) قال تعالى : { وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} ، و ( سنّة الصراع بين أهل الحق واهل الباطل ) : قال تعالى : { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ } ، وقال تعالى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } ،  و ( سنّة الاصطفاء والمن ) قال تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ  } ، وقال تعالى : { قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }  ، و ( سنّة الانتساب والموالاة ) قال تعالى : { وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } ، وقال تعالى : { إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } ، وقال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ، و ( سنّة التقوى ) ، قال تعالى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ، ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} ، و ( سنّة الجزاء من جنس العمل ) ، قال تعالى : { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } ، و ( سنّة الاستبدال ) : ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ، وقال تعالى : { إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ،  وقال تعالى : { هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } ، و ( سنّة الله تعالى في التنازع ) قال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، وقال تعالى : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } ، و ( سنّة الله تعالى في النصر بعد اليأس ) ، قال تعالى : { حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } ، و ( سنّة المد والإمهال ) قال تعالى : { قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا } ، ، وقال تعالى : { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا } ، ، وقال تعالى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ } ، وقال تعالى : {  وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} ، وبعد فتلك بعض سنن الله تعالى التي لا تعرف المجاملة ، قال تعالى : { فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } ، ولابد لمن أراد استيعاب بعض تلك السنن أن يتدبر القرآن الكريم ، فإنّه المرجع والأصل لمن أراد معرفة تلك السنن التي لا تعرف المجاملة ، قال تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، وقال تعالى : { اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } ، وقال تعالى :  { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ }  وقال تعالى : { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا } ،

( اللبنة الثامنة من لبنات التجديد العملي ) :  ضوابط دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة لتنظيم العلاقة بين الحاكم المسلم والرعية ، بما يمنع الفتنة ويوحد الجهد نحو نصرة الدين  :  إنّ مسألة العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والمحكوم في بلاد المسلمين هي من أشد المسائل التي سال من أجلها دماء في تاريخ الإسلام واستحلت محارم ما كان ينبغي لها أن تستحل يعرف ذلك كل من له أدنى اطلاع على تاريخ الإسلام ، وهي مسألة دقيقة تؤثر كثيراً على عمل الدعاة والمحتسبين والمجاهدين وعلى كافة التيارات الإسلامية العاملة في مجال النهوض بالإسلام بسبب موقعها الحساس والمتعلق بالأنظمة الحاكمة لديار المسلمين شداً وجذباً ، وإنّ حاجة جميع المهتمين بالإسلام علماً وعملاً في هذه الأزمان شديدة إلى العلم الصحيح بتأصيل تلك المسألة وذلك من أجل تصحيح جميع المسارات الدعوية والتعليمية والتربوية والحسبية والجهادية العاملة لدين الله ، إنّ التوافق الإسلامي بين طوائف أهل السنّة والجماعة ، وإنّ العمل الإسلامي الصحيح المثمر لا يكون إلا في ظل توافق شرعي سديد مع الأنظمة الحاكمة المسلمة التي تحكم أقطار المسلمين ، فهذا هو الجو الصحي الذي تثمر فيه الدعوة الإسلامية الصحيحة ثمارها ، وهذا الأمر هو ما حرص عليه شرع الإسلام أتم حرص ، وأرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، في ظل منظومة من السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الافتئات عليها ، ويتم فتح صفحة جديدة للتعامل بالحسنى والثقة بين التيار الإسلامي وعلمائه ، وبين أهل السياسة والحكم ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وفتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة ، وعلى حكمة وموعظة حسنة ، وتمتلئ بالرأفة والرحمة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ، ومن أجل بيان تلك المنظومة الشرعية التي تضبط العلاقة الشرعية الصحيحة بين النظام الحاكم والمحكوم ، كتبت - بحمد الله تعالى - كتاب التجديد السادس : ( تجديد السياسة الشرعية الإسلامية ، وبيان القواعد الشرعية الصحيحة لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ) ففيه بحمد الله تعالى بيان تلك القواعد الربانية لتصحيح العلاقة بين أهل الحكم والسياسة وبين أهل العلم والعمل لدين الله تعالى ، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تضبط هذه العلاقة بما يهيء المناخ السديد لنشر الدين وتوثيق عُراه ، ( الـحديث الأول ) : أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056)، ومسلم (1843) ] ، وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا  )) - إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية - ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم ((وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ  )) ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، فهذا معنى البواح ، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط ، (( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) ، ( والـحديث الثاني ) : أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ، ما كانوا مسلمين للحديث السابق ، ( والـحديث الثالث ) : أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم ، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد ، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط ، ((؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ )) ، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد ، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة  ((أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) ، ( والحديث الرابع ) : أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955)، ومسلم ح (1709) ] ، وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث السابق : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، ( والـحديث الخامس ) : أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، وهذا الحديث يدلنا على فقه انكار المنكر المتعلق بالحكام المسلمين الجائرين ، فمن كره مناكرهم ولم يتابعهم عليها فقد برئت ذمته ((فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ )) ، ومن ناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقد سلم من غضب الله تعالى على مرتكبي المنكر ((وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ  )) ، ومن رضي بمنكرهم وتابعهم على ظلمهم وفسادهم فعليه ما عليهم من السخط والعذاب ((وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ  )) ، ثم وضح الحديث الشريف ضابط الخروج عليهم ومقاتلتهم ، ألا وهو ترك الصلاة ، لأنها صلة العبد المسلم بربه ، فمن تركها فقد كفر ، وترك الصلاة وإن كان عند جماهير الفقهاء كفر دون كفر ، إلا أنّ تركها يدل على مبلغ الفساد والفسوق والظلم الذي لا يصلح معه المرء أن يكون حاكما للمسلمين ، ولكن لا يكون الخروج إلا مع استيفاء شروط القدرة ووجود الإمام البديل الذي يجتمع عليه أهل الحل والعقد من المسلمين ، وإلا فالصبر مع الجهر بالحق وانكار المنكر أولى من المجازفة بالمسلمين وإيرادهم المهالك ، ( والـحديث السادس ) : أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية ، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية ، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم ، ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) ، ( والـحديث السابع ) : أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري (7053)، ومسلم (1851) ] ، وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم ، ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر  )) ، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية ، ((مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) ، ( والـحديث الثامن ) : أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) [أخرج مسلم (1836) ] ، يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم ، ((  وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) ، ( والـحديث التاسع ) : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام  للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً ، ( والـحديث العاشر ) : عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ، ( والحديث الحادي عشر ) : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) كتاب الأحكام » باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ] ، وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة ، مبالغة في الأمر بالطاعة ، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة ، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش ، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا ، ( والـحديث الثاني عشر ) : أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، ( والـحديث الثالث عشر ) : أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول : (( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) [ أخرجه البخاري ح  ( 6673 )، ومسلم ح  ( 1847 ) ] ، ( والـحديث الرابع عشر ) : أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )) [ أخرجه مسلم ح ( 1853 ) ] ، والحديث يدل على خطورة الأمر وأنّه لا هزل فيه ، وأنّ سفك دم الخارج على الحاكم أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج ،  ( والـحديث الخامس عشر ) : أخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( أنه ستكون هنات و هنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان )) [ أخرجه مسلم ح ( 1852 ) ] ، والحديث فيه الأمر بقتال من خرج على الحاكم المسلم ، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ، ( والحديث السادس عشر ) : أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم )) [ أخرجه البخاري ح ( 3268 ) ] ومسلم ( 1842 ) ] ، والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان ، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم ، الله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم، ( والحديث السابع عشر ) : أخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا )) [ أخرجه مسلم ح ( 1298 ) ] ، والمراد هاهنا كما ذكر النووي في شرح الحديث : ( فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى ، قال العلماء : معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم ، ولا يشق عليهم العصا ، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا ) أهـ [ شرح النووي على مسلم ج 9 /47 ] ، وقال السندي رحمه الله: ( يقودكم بكتاب الله : فيه إشارة إلى أنه لا طاعة له فيما يخالف حكم الله تعالى والله تعالى أعلم ) [ حاشية 

السندي على النسائي ج 7/154 ] ، فمعنى الحديث إن قادكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا، وإن لم يقدكم بكتاب الله؛ أي: إن أمركم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة ، قلت : وقد فهم البعض خطأً أنّ المقصود من الحديث الخروج على الحكام إن لم يحكموا بكتاب الله ، وهذا خطأ لأنّ المقصود هو الالتزام المجمل بالإسلام وبكتاب الله تعالى واعتقادهما ، وإلا فكل جائر أو ظالم أو فاسق فإنه لم يحكم بكتاب الله ، فهل يجوز الخروج عليه بمجرد جوره ومخالفته لكتاب الله تعالى ، والتفصيل في الأمر : أنّ عدم الحكم بما أنزل الله قد يرجع إلى الكفر به ، والكافر قد سقطت ولايته بالكلية لقوله تعالى : { وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النساء : 59 ] ، ف ( منكم ) تدل على أنّه لا يكون إلا مسلما ، وإلا لم يعد ولياً للأمر ووجب الخروج عليه عند توافر القدرة ، وقد يرجع عدم الحكم بكتاب الله تعالى إلى جور أو ظلم أو فسوق ، والجائر والظالم والفاسق هم من المسلمين ما اعتقدوا كتاب الله تعالى بقلوبهم وحكموا بغيره ، وهنا لهم الطاعة في كل ما ليس بمعصية ، فإن خالف كتاب الله ، فلا سمع ولا طاعة له فيما خالف فيه كتاب الله تعالى ، ولا ننزع اليد من طاعته فيما سوى ذلك ، مع النصح والصدع بالحق وإنكار المنكر في اطار الاعتراف بولايته ، ( والحديث الثامن عشر ) : عن الزبير بن عدي قال : (( أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ ، فقال : اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم )) [ أخرجه البخاري : ح : 7068 ] ، ( والحديث التاسع عشر ) : أخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه ن قال : (( قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها ، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها ؟ قال قلتُ : فما تأمرني ؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها . فإن أدركتَها معهم فصلِّ . فإنها لكَ نافلةً )) [ أخرجه مسلم ح ( 648 ) ]، ( والحديث العشرون ) : عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا : لمن ؟ قال : للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم )) [ أخرجه مسلم ح ( 55 ) ] ، وبعد فهذه أحاديث نبوية شريفة صحيحة تضع الضوابط الحكيمة لعلاقة شرعية سديدة بين أهل الحكم وأهل العلم ، وفي كتابي : كتاب التجديد السادس : ( تجديد السياسة الشرعية الإسلامية ) بيان تلك القواعد الربانية لتصحيح العلاقة بين أهل الحكم والسياسة وبين أهل العلم والعمل لدين الله تعالى ، بما يهيئ المناخ السديد لنشر الدين وتوثيق عُراه ،

( اللبنة التاسعة من لبنات التجديد العملي ) : كيف يكون العمل الجماعي الجاد الصحيح للإسلام في ظل الواقع المعاصر :  لكي يستقيم العمل الجماعي الإسلامي ويسلم من التناقض والتضاد والاختلاف والقصور وحتى يصبح عملا جماعيا صحيحا شاملا لشتى مناحي العمل الإسلامي في توازن واعتدال يعطي كل عمل قدره الشرعي والعملي اللازم له ، وحتى يكافئ العمل الجماعي الإسلامي ما يكيده له أعداء الإسلام ، وحتى يكون قادرا على مواجهة مخططات الأعداء التي تهدف إلى إبادة الإسلام وأهله قال تعالى:{ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا..} [البقرة : 217] ، وحتى يسير العمل الجماعي الإسلامي بخطى صحيحة ثابتة وراسخة نحو تحقيق أهداف الذين من نشره وبسط سلطانه وإظهاره على الدين كله ، من أجل ذلك ينبغي للعمل الجماعي أن يسير وفق قواعد صحيحة تنظمه وتؤهله لأن يكون جديرا بتحقيق أهدافه وإلا سيتناقض العمل ويختلف وتذهب قوته ويفشل وتنتفي فائدته المرجوة منه وسيرى الناظر إلى ساحة العمل الإسلامي أنها قد امتلأت بالفوضى والهرج والتضاد والاختلاط ولا أثر يذكر لذلك العمل الجماعي الضائع الأثر ، وأهم تلك الضوابط والقواعد : ( 1 ) مشروعية العمل الجماعي الإسلامي : قال الله تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد ، وقال الله تعالى : { وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[المائدة: 2] ، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) [ أخرجه مسلم حديث ( 1923 ) ] ، والطائفة هي الجماعة من الناس ، ( 2 ) وجوب العمل الجماعي في عصرنا الحالي : القاعدة الأصولية تقرر انه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، والعمل الجماعي الإسلامي واجب في عصرنا الحالي لأسباب عدة منها : غربة الدين وضياع الكثير من فرائضه وغياب الكثير من أهدافه ، وغياب الخلافة التي توحد دول الإسلام ، والتي تحرس الدين وتسوس الدنيا به ، والمكائد العالمية على الإسلام وأهله من اليهودية الماكرة الخبيثة والوثنية الملحدة والصليبية الحاقدة ، أضف إلى ذلك أنّه لابد لهذا الدين أن يكون هناك من يحمل همه ويسعى ليجدد أمره ويؤنس غربته ويحقق أهدافه ويمكن له في الأرض ويبسط له سلطانه فيها سوى عمل جماعي إسلامي جاد موحد على قلب رجل واحد يهدف إلى نصرة الدين ولو كلفة ذلك النفس والمال وكل ما يملك وهو ينتظر الشهادة من رب العالمين ، ( 3 ) وجوب الالتزام بالسياسة الشرعية الرصينة فيما يخص صلاحيات الحكام المسلمين : وذلك حتى يتفرغ كل من الحاكم والمحكوم لأداء مهامه ، مع فتح صفحة جديدة للتعامل بالحسنى والثقة بين التيار الإسلامي العامل لدين الله تعالى ، وبين أهل السياسة والحكم ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وفتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة ، وعلى حكمة وموعظة حسنة ، وتمتلئ بالرأفة والرحمة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ،  كل ذلك مع وجود العمل الجاد ليل نهار من أجل نصرة الدين ، وذلك : بالدعوة والبناء عليها تعليما وتربية وتزكية ، وبالحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالإعداد الجاد حتى يأذن الله تعالى بالفتح على المخلصين الصادقين ، { فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ } [ المائدة : 52 ] ، ( 3 ) ضرورة تضافر كافة الجهود الإسلامية والتنسيق التام بين كافة القائمين علي العمل الإسلامي : وذلك لان التغيير الإسلامي المنشود وتحقيق أهداف العمل الإسلامي في وسط تلك التحديات الرهيبة من أعداء الإسلام والمنافقين من أهله ، لاشك أن ذلك كله أكبر من أن تقوم به فئة محدودة أو طائفة معينة من العاملين لدين الإسلام ،بل هو يستلزم تضافر كافة الجهود والقوى الإسلامية في وحدة واحدة وتنسيق كامل وتوافق كبير من أجل مواجهة التحديات ثم السير قدما نحو تحقيق كافة الأهداف ، وبغير تلك الوحدة وذلك التنسيق فمال العمل الجماعي الإسلامي إلى الفرقة والاختلاف والتعارض والتضاد والتنازع والتشرذم والقصور والضعف والتخلف وذلك كله من شأنه تأخير التغيير الإسلامي نحو التجديد الإسلامي المنشود فضلا عن كونه يعمل على تمكين القوى المعادية للعمل الإسلامي من التمادي والاستمرار في فتنة المسلمين عن دينهم وقيادة شعوبهم نحو الهاوية والهلاك ، ( 4 ) ضرورة وأهمية تنظيم العمل الجماعي الإسلامي في القطر الإسلامي الواحد : العمل الجماعي لا يكتب له النجاح إلا إذا كان منظما ، والمقصود بالنظام الانضباط والمسؤولية والطاعة في إطار المعروف ، ولا شك أن حدود الانضباط والطاعة في العمل الجماعي الإسلامي تختلف عن حدود الطاعة العامة في إطار جماعة المسلمين والبيعة العامة التي من خرج عن طاعتها وفارق جماعتها مات ميتة جاهلية ، ولكنها طاعة ضمن الولاء الخاص وطاعة في المعروف ليس بديلا عن وجودها سوى الفوضى والخلاف والفشل والتسيب وعدم تحمل المسؤوليات ، وما لم يشعر أفراد العمل الإسلامي بضرورة الانضباط والطاعة فلا قيمة لذلك العمل الجماعي ولا اثر له ، ( 5 ) ضرورة وأهمية التخطيط المسبق والمتقن لحاضر ومستقبل العمل الجماعي : وهذا التخطيط ينبغي أن يكون لكل قطر إسلامي على حدة وبما يصلحه ويلائمه ويلائم وضعه وإمكانياته ،  وبدون هذا التخطيط الواعي الفاهم لواقع لحاضر العمل الإسلامي وواقعه وإمكانياته وما يدبره له أعداؤه والمتربصين به يؤول العمل إلى الفوضى والارتجال والتضاد والفشل وذهاب القوة والأثر ، وينبغي أن يشتمل التخطيط على وضع مناهج عملية وخطط متقنة واضحة المعالم واضحة المراحل تسير نحو تحقيق أهداف العمل الجماعي الإسلامي بخطى صحيحة ثابتة راسخة ، (6 ) ضرورة وأهمية شمول العمل الجماعي الإسلامي وتكامله : العمل الجماعي الإسلامي ينبغي أن يكون شاملا بشمول المنهج الإسلامي تتوزع فيه الطاقات والجهود لتغطية كل جانب وسد كل ثغر من ثغور العمل الإسلامي وذلك حتى يكون البناء في كل موقع فلا يحدث قصور في العمل الجماعي الإسلامي في الجانب التعليمي وفي الجانب الثقافي وفي الجانب التربوي وفي الجانب الدعوي وفي الجانب الإعلامي وفي الجانب السياسي وفي الجانب الاجتماعي وفي الجانب الاقتصادي وغيرها من جوانب العمل الجماعي الإسلامي ، وينبغي أن يكون العمل الجماعي متكاملا يكمل بعضه بعضا في خدمة تحقيق الأهداف العامة للعمل الجماعي الإسلامي وفي إطاره العام الصحيح الذي يوجه جزئيات العمل واختصاصاته المتنوعة نحو خدمة الهدف المنشود ، ( 7 ) أهمية وضرورة التوازن ومراعاة الأوليات بين جوانب العمل الإسلامي : وذلك بإعطاء كل جانب من جوانب العمل الإسلامي قدره اللازم له من الاهتمام والتركيز كما جاء بذلك الشرع من غير إفراط يضخم جانبا على حساب جانب، ومن غير تفريط يهمل جانبا على حساب جانب، مع مراعاة الأولويات التي جاء بها الشرع وآثرها على غيرها لأهميتها ، فجانب الدعوة مطلوب، وجانب البناء على الدعوة بالتعليم والتزكية مطلوب ، وجانب الحسبة مطلوب ، وجانب الإعداد مطلوب ، وهناك جوانب أخرى مطلوبة كالأعمال الاجتماعية النافعة للمجتمع المؤلفة لقلبه والأعمال الاقتصادية التي تمد العمل الإسلامي بقوام الحياة ( المال ) الذي يحتاج إليه ، ولكن  الشرع جعل الأولوية للأعمال والجوانب الأولى أكثر لكونها أعمال مباشرة في تحقيق أهداف العمل الإسلامي، وأهم تلك الجوانب ( الدعوة ) لحاجة المسلمين إليها و ( البناء على الدعوة بالتربية والتعليم والتزكية ) لحاجة الصف الإسلامي إليه ، ( 8 ) أهمية وضرورة ووجوب التزام العمل الجماعي الإسلامي التام بمنطوق الشرع الحنيف : الانضباط التام بالشرع الحنيف هو سمة كل عمل إسلامي صحيح ناجح وان شق عليه الطريق وزادت عليه النكبات ، إما المسايرة والمداهنة والتنازل عن بعض ما انزل الله بغية كسب أهل الباطل أو الالتقاء معهم في منتصف الطريق فكل ذلك لا يجوز البتة وهو من مناورات أهل الدنيا والزيغ والباطل وليس من سمة ولا أعمال أهل الحق الواضح ، والعمل الجماعي الإسلامي الصحيح يدور مع الشرع حيث دار يقف عند حدوده لا يتعداها ، ويقف مع كتاب الله تعالى يستلهم منه المواقف الإيمانية الصادقة يتزود منه بالصبر واليقين والتقوى وهو يوقن في نصر الله وأن عليه السير على الطريق الصحيح وإن شق عليه وعلى الله عز وجل النتائج ولم يستعبدنا الله تعالى بها  ، ولأهمية هذا الأمر (ضرورة ووجوب الالتزام التام بمنطوق الشرع الحنيف) جاء الأمر به مباشرا إلى النبي صلى الله عليه  ، قال تعالى :{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [ الحجر : 94 ، 95 ] ، وقال تعالى:{ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إليهمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إذا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } [الإسراء: 74-75] ن قال تعالى : { وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [ المائدة :  49 ] ، قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [ القلم : 9 ] ، وانطلاقا من هذا المبدأ العظيم : يلزم العمل الجماعي الإسلامي الجهر بالحق ولو كان مراً والعمل بالشرع ولو كان صعباً ، قال تعالى :{ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أحدا إِلَّا اللَّهَ } [الأحزاب: 39] ، ويلزم العمل الجماعي الإسلامي عدم الترخص البغيض الممقوت في مجال الالتزامات العقائدية أو الشرعية أو السلوكية بحجة مصلحة العمل فلا مصلحة للعمل إلا الالتزام الشرع والعمل به ، والنتائج إلى الله تعالى وللصف الإسلامي إحدى الحسنيين ، وإتقان العمل يستوجب الالتزام بشرع الإسلام الأخذ بكافة شروطه وأحكامه ، ولا يجوز التعجل بخطوات العمل على حساب الشرع ، وإن عدم التمسك بهذا المبدأ ( ضرورة ووجوب الالتزام التام بمنطوق الشرع الحنيف ) يؤول بالعمل الجماعي الإسلامي إلى التفريط والتميع والتنازع والفشل وذهاب الريح والقوة والأثر ، ( 9 ) ضرورة الارتباط الدائم بالحق والرد عند الاختلاف إلى الكتاب والسنة بفهم المتخصصين في العلم الشرعي ، فإذا كان الاختلاف في العقيدة رد الأمر إلى مدارس أهل السنّة المتخصصة في العقيدة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) لأنّهم الأعلم بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنّة في العقيدة ، وإن كان الخلاف في الفقه رد الأمر إلى مدارس أهل السنّة المتخصصة في الفقه ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) لأنّهم الأعلم بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنّة في الفقه ، وهكذا ، فالرد لا يكون لكل المسلمين وإلا ٌ لكان الامر فوضى وقال الناس في دين الله بغير علم ولكن الرد يكون لأولي العلم المتخصصين القادرين على الاستدلال والاستنباط ، وليس هناك أدق من مدارس علمية متخصصة تخرج من خلالها آلاف العلماء المجتهدين الراسخين في العلم ، ( 10 ) ضرورة وأهمية تبني العمل الجماعي الإسلامي لجانب التيسير والرحمة على الناس : بني دين الإسلام الحنيف على التيسير ورفع الحرج والرحمة بالناس ، والعمل الجماعي الصحيح الناتج يتبني هذا الجانب الطيب الأثر على الناس جميعا عملا بقوله تعالى :{ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، وقوله تعالى :{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، وقد وصف الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بتلك الصفة ، قال تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً وميسراً () [ صحيح الجامع : 1806 ] ، وأمره صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعري رضي الله عنهما لما بعثهما إلى اليمن ((يسرا و لا تعسرا وبشرا ولا تنفرا)) [ صحيح البخاري ] ، وهدى النبي صلى الله عليه وسلم في التيسير على أمته صلى الله عليه وسلم عظيم ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر المصلى بالناس أن يخفف فان فيهم الضعيف وذا الحاجة ، ولم يخير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا واختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، وكان صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله عز وجل عظيم الحرص على هداية المسلمين وصلاح حالهم عظيم الرحمة والرأفة والرفق بهم ، والعمل الجماعي الإسلامي له في النبي صلى الله عليه وسلم عظيم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة في تبني جانب التيسير والرحمة على العالمين جميعا ، وحدود وضوابط ذلك التيسير ألا يخرج عن كونه التزام بالشرع الحنيف إلى التقصير والتفريط والترخص البغيض الممقوت ، ( 11 ) ضرورة وأهمية تأهيل القائمين على العمل الجماعي الإسلامي للقيام بأعباء التجديد : وذلك بوراثة العلم الشرعي الصحيح الراسخ ، ووراثة التزكية الربانية الصادقة ووراثة العمل الصحيح الجاد الناجح ، وراثة العلم الشرعي الصحيح الراسخ بفهم الدين فهما صحيحا خالصا محيطا بكافة جوانبه ، ووراثة التزكية الربانية الصادقة التي تجعلهم في إطار معية الله ونصرة الله ورضا الله تعالى ، ووراثة العمل الصحيح الجاد الناجح الملائم للواقع والقدر على النهوض بالعمل الإسلامي والسير به نحو تحقيق أهدافه  ، ( 12 ) ضرورة الاستفادة من المناهج العلمية والعملية وفي التجارب والخبرات السابقة والحالية في مجال الجماعي الإسلامي : وأقصد بذلك دراسة تلك المناهج والتجارب دراسة نقد وتمحيص والاستفادة منها قدر الإمكان فالمناهج والتجارب الصحيحة الناجحة تكون الاستفادة منها باعتمادها وتنميتها ، والأخطاء الواردة يكون الاستفادة منها بتجنب الوقوع فيها مرة أخرى ،

( اللبنة العاشرة من لبنات التجديد العملي ) :  معرفة أهم الأعمال الرئيسية الحكيمة للنهوض بأعباء هذا الدين القيم

إن تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه على مشارف هذا القرن الهجري الخامس عشر يستلزم القيام بأعمال رئيسية في كل قطر إسلامي ، وذلك حتى يصل العمل الاسلامي في ذلك القطر إلى تجديد أمر الدين في ذلك القطر ومن ثم التوافق والتكامل في مجال تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه العالمية ، ( العمل الأول ) : تآلف وتوافق وتكامل القائمين على العمل الاسلامي في القطر الاسلامي الواحد : على منهاج تجديدي صحيح واسع ، وقيادة جماعية متفهمة تقوم على مبادئ الشورى واحترام الآراء وتفهم وجهات النظر ، وهذه القيادة بتلك الصفات هي المؤهلة لتنظيم العمل الإسلامي ، وتوزيع أدواره ، وجمع صفوفه ، وتكامل جهوده وأعماله ، وبدون المنهاج الواسع الشامل ، وبدون هذا التنظيم والتخطيط والتوافق  تتفتت القوى الاسلامية ويتخلف العمل الاسلامي ويعجز عن مواجهة اعدائه ، فضلاً عن تحقيق بعض أهدافه ، أما في ظل هذا التوافق والتكامل يتاح للصف الاسلامي العامل لدين الله تعالى فرصة اعظم للعمل الاسلامي الشامل وفرصة أعظم للتعبير عن الرأي الاسلامي الحق بصورة أفضل وبشمول أعم , ويعطي العمل الاسلامي قدره ذاتيه على الانتشار ، وعلى السير بخطى صحيحة ثابته نحو تحقيق أهدافه ، ولتهيئة نجاح هذا العمل ينبغي التركيز على قضايا ومباحث تتعلق بمعرفة : أهمية وضرورة وحتمية وحدة الصف الاسلامي ، ومعرفة الاتجاهات والجماعات التي يرجى منها التوافق والتآلف والتكامل والتعاون نحو وحدة الصف ، ومعرفة عوامل التقريب الشرعي الصحيح بين العاملين لدين الاسلام ، وترسيخ وجود المرجعية المنهجية التي تساهم في تآلف الصف الإسلامي وتكامله ، ومعرفة صفات القيادة الراشدة الحكيمة المتوافقة التي تستجمع مؤهلات التجديد والتي تقود العمل الإسلامي نحو التجديد ، ( العمل الثاني ) : الاعداد الاسلامي الشامل على مستوى القطر : وذلك لتحقيق أهداف لازمة لنجاح العمل الاسلامي في ذلك القطر الاسلامي  ، ( الهدف الاول ) : إيجاد صحوة إسلامية حقيقية راسخة في المجتمع المسلم وأهم علامات تلك الصحوة هداية المسلمين وعودتهم إلى دينهم يتمسكون به , ووجود القاعدة الشعبية الاسلامية العريضة الواعية التي تناصر العمل الاسلامي وتحب القائمين عليه , وبناء لبنات المجتمع الاسلامي الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا ، وأهم وسائل إحداث تلك الصحوة هي الدعوة الاسلامية الشاملة إلى الله تعالى وإلى التمسك بدين الاسلام وبعقائده وشرائعه وأخلاقه ، و ( الهدف الثاني ) : من ذلك الاعداد الاسلامي الشامل هو بناء جبل النصر والتمكين والصدق والجهاد والتضحية , ذلك الجيل الذي يقع على عاتقه تجديد الدين وتحقق أهدافه ، وأهم وسائل بناء ذلك الجيل المخلص الخالص هو التكوين على الدعوة بالعلم الصحيح والتزكية الربانية والتربية السليمة ، و ( الهدف الثالث ) : من ذلك الاعداد هو السير بالعمل الاسلامي نحو استكمال شروط العُدة  التي أمر الله تعالى بها في قوله تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] ، وينبغي لأجل تأمين النجاح لهذا الإعداد أنّ يتم الاتفاق على الاهداف الاساسية في مرحلة الاعداد ، وعلى محاور العمل الرئيسية في مرحلة الاعداد ، وعلى الاولويات التي ينبغي مراعاتها في مرحلة الاعداد ، وعلى الاطار العام للعمل الاسلامي في مرحلة الاعداد ، وعلى خطة عملية صالحة لتحقيق للإعداد الناجح ، وذلك كله حتى تظهر دلائل ذلك الاعداد المتقن ، ( العمل الثالث ) : التجديد الفعلي لأمر الدين وتحقيق بقية أهدافه : متى ما  ظهرت دلائل الإعداد الناجح ، وتحققت شروطه ، فإنّه ينبغي المطالبة بتطبيق شرع الله تعالى ، وأسلمة  كافة الأنظمة والقوانين ،  والعمل الجاد من أجل نصرة دين الله تعالى وتحقيق كافة أهدافه ، ولابد للعمل الإسلامي قبل انطلاقه نحو تلك الخطوة أن يستوفي شروطها ، وأن يعلم أبعادها ، وأن يكون منضبطا بالشرع الحكيم وفق إمكاناته وقدراته وفقه واقعه ، ولا يتعدى قدره ولا حجمه ولا تغره الأماني ، ولا يستعجل الثمرة قبل نضجها ، ولا يستأخر النصر ، فكم من نبي - وهو نبي - مات مقتولاً أو مظلوما ،  وكم من طالب نصر لا يبلغه لأنّه لم يستوف شروط النصر ، أو لحكمة يعلمها الله تعالى : { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 216 ] ،

( اللبنة الحادية عشرة من لبنات التجديد العملي )  : بيان لمخططات العمل الإسلامي وخططه المطلوبة للتجديد العملي المنشود   :  إن الصف الإسلامي القائم على ثغور العمل الإسلامي ، والذي يهدف إلى تجديد دين الإسلام وتحقيق أهدافه ينبغي ان تكون له خطه منهجية عملية واقعية صحيحة شرعا وواضحة المعالم ومحددة المراحل نحو تجديد الدين وتحقيق أهدافه ، فمنهجية الخطة العملية الناجحة : تعني أن يتضح فيها الغاية والأهداف والوسائل نحو تحقيق تلك الأهداف وضوحا بينا لا التباس فيه ، فالغاية التي ليس دونها غاية هي رضا الله عز وجل ونيل جنته والنجاة من سخطه وناره  ، والأهداف الواضحة للعمل الإسلامي الصحيح تتمثل في : نشر دين الإسلام وتبليغ دعوته واقامة الحجة على عباد الله به والاعذار إلى الله بأداء الامانة ، وإيجاد المسلم الحقيقي والمجتمع الإسلامي الصحيح الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا ، وبناء دولة الإسلام القوية التي تحفظ على المسلمين دينهم وتحمل لواء تجديده وتحقق أهدافه ، وإقامة خلافة الإسلام التي تحرس الدين وتوسوس الدنيا به ، وإزالة الفتنة من على الارض والتخلية بين الناس جميعا وبين دين الإسلام فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ( لا اكراه في الدين ) ، ولكن في ظل سلطان الإسلام والامتثال لأحكامه الخاصة بغير المسلمين واحترام شعائر الإسلام وشرائعه { حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } ، والوسائل الواضحة نحو تحقيق هذه الافعال : لا تخرج عن الدعوة والحسبة والتربية والتزكية والتعليم والجهاد في ظل احكامها وضوابطها وآدابها التي قررها الفقهاء وكل ذلك في اطار عمل جماعي منظم يسير وفق خطة عملية صحيحة وفي خطا ثابته نحو تحقيق أهدافه ، وواقعية الخطة العملية الناجحة : تعني أن العمل الإسلامي يواجه واقعا بشريا فعليا فلابد وأن تواجهه بوسائل مكافئه الواقع والعمل الإسلامي يواجه مخططات عالمية رهيبة لإبادة الإسلام وأهله ويواجه ظروفا صعبة من الاستضعاف وتكالب الاعداء الاقوياء من ناحية العدة والعتاد والمكر والعداء والتخطيط والتنفيذ لضرب العمل الإسلامي ، فلا يصح ان يواجه العمل الإسلامي ذلك كله بنظريات جامدة مجردة أو بوسائل مفككه او بعمل عفوي فوضوي مضطرب ، بل ينبغي أن تقابل ذلك كله بخطة عملية مدروسة تحتوي على وسائل مكافئه لذلك الواقع وتحتوي على قدر كبير من المرونة العملية الصحيحة شرعا التي تتأسى بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم في مقابلة المصاعب والازمات، وتحتوي على قدر كبير من التنظيم والتخطيط البعيد النظر  لمستقبل العمل الإسلامي وتحتوي على قدر كبير من الاستعداد الدائم والتوقع المستمر للعقبات والمفاجئات والمصاعب وان تكون لها الاطار العام الدائم ولها الخطط المرحلية والمستمرة ولها البدائل العملية لمقابلة العقبات وان تأخذ لكل شيء سببا  { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا *  فَأَتْبَعَ سَبَبًا } ، وأن تكون الخطة واضحة المعالم : بحيث يكون العاملون لدين الإسلام على بينه من أمرهم ووضوح من أهدافهم ووسائلهم نحو تحقيق تلك الأهداف وذلك حتى يسير العمل الإسلامي بهم مستقرا ثابتا واضحا لا تداخل في قراراته ولا التباس في مواقفه ولا شبهة في احكامه واعماله ، وأن تكون الخطة عدة مراحل: بحيث تسلم كل مرحلة عملية إلى المرحلة التي تليها وذلك بالتدرج في الخطوات العملية حتى يصل العاملون لدين الإسلام إلى تحقيق أهدافهم الهدف تلو الهدف حتى تصل سفينة العمل الإسلامي إلى تحقيق كافة أهدافها ،  وان تكون الخطة صحيحة شرعا : اي لا غبار عليها من الناحية الشرعية ، فلا تعطل حكما شرعيا توافرت شروط تحقيقه ، ولا تعارض حكما شرعيا او تناقضه في كل مراحلها العملية ، فليس علينا سوى تحري الصواب الشرعي في اطار الفقه العملي لنصرة دين الإسلام ، وتحقيق النتائج إلى الله تعالى يؤتي ثمرته من يشاء ، وما علينا الا صحة العمل واتقانه وملائمته الصحيحة للظروف والواقع المحيط بالعمل الإسلامي ،  وان تكون الخطة جادة في السير نحو تحقيق كافة أهدافها : فلا تداهن ولا تناقض ولا تؤثر الدنيا على الاخرة ولا تؤثر الراحة والدعة والاسترخاء على الدعوة والحسبة والجهاد والعمل لنصرة دين الإسلام على ما سواه فتصل ليلها بنهارها وتستفيد من كل الامكانيات وتفجر كل الطاقات من أجل السير بالعمل الإسلامي نحو تحقيق أهدافه ، وان تكون الخطة شاملة لكل اعمل الإسلام فلا تقتصر على جانب دون الاخر: وذلك بأن تكون شامله بمنهج الإسلامي العملي ومتكاملة بتكامله فلا تقتصر على عمل دون الاخر او على هدف دون الاخر او على وسيلة دون الاخرى ، بل تصطبغ في ذلك كله بصبغة المنهج الإسلامي العملي النبي صلى الله عليه وسلم { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة } ، ومن خلال تلك السمات والملامح للخطة الإسلامية الناجحة سأحاول جاهدا - والله المستعان - في السطور التالية في وضع أرضية لهذه الخطة لعلها تفيد الصف الإسلامي وتكون دليله أثناء سيرة إلى الامام نحو تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ، والله المستعان ، وإذا تصورنا العمل الإسلامي كقطار يسير نحو هدفه العظيم ومقصده النهائي الذي ينبغي أن يستقر عليه ويحافظ عليه ومحطته المنشودة التي يستقر عليها (تجديد امر الدين وتحقيق أهدافه) فإنّه حتما سيمر في طريقه على محطات وصول تدل على صحة الطريق وقرب الوصول وتلك المحطات منها محطات رئيسية واخرى فرعية ، ( فالمحطات الفرعية ) : يعتبر الوصول إليها علامة مطمئنة على صحة السير نحو محطة رئيسية يقف عندها القطار قليلا ليتزود من الوقود الازم لتكملة المسيرة نحو محطة رئيسية قادمة يمر خلالها أيضا بمحطات فرعية اخرى تكون بمثابة  علامات على الطريق تدل على صحة السير نحو تحقيق هدف أساسي من أهداف العمل الإسلامي يستقر العاملون لدين الإسلام بعض الوقت لترسيخه وللبدء في مرحلة عملية جديدة نحو تحقيق الهدف الرئيسي التالي وهكذا ، و ( المحطات الرئيسية ) : يعتبر الوصول إلى احداها علامة وصول حقيقية لهدف رئيسي من أهداف العمل الإسلامي ويعتبر نصر مؤزر للعمل الإسلامي وحافز قوي للسير نحو تحقيق بقية الأهداف ، [ المحطة الرئيسية الأولى : ( استحقاق سنن التغيير والتجديد ) ] : وذلك بتحقيق وجود الصحوة الإسلامية الحقيقية في مجتمعات المسلمين  ، وتتمثل تلك الصحوة في  : ( أ ) عودة المسلمين إلى دينهم يتمسكون به ويحبون نصرته وظهور امره ، ( ب ) وجود المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية ، ( ت ) وجود قاعدة شعبية إسلامية عريضة من كافة الطبقات المجتمع المسلم ، تلك القاعدة التي تناصر الفكرة الإسلامية وتحب الدعاة اليها وتكره اعدائها وفي يقف في طريقها ، ( ث ) بناء لبنات المجتمع الإسلامي الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا ، ذلك المجتمع الذي يستحق سنن التغيير بتحقق نسبة ويستحق سنن النصر والتمكين بالعمل من أجله والتضحية من اجل نصرة الدين ، وذلك المجتمع الذي يطالب بتطبيق شرع الله مطالبة جادة عن عقيدة صحيحة واستعداد للتضحية من أجل تحقيق ذلك المطلب ، أمّا وسائل الوصول إلى تلك المحطة الأولى: ( أ ) عموم الدعوة إلى الله على مستوى القطر وانتشارها وفق منهج دعوي صحيح مدروس ووفق جهاز دعوي يملأ القطر كله دعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ( ب ) عموم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على مستوى القطر الإسلامي وانتشاره وفق منهج حسي صحيح مدروس ووفق جهاز حسي يملأ القطر كله احتسابا على الدين في اطار احكام الحسبة الصحيحة ومراحلها المعتمدة ، ( ت ) نشر العلم الإسلامي الصحيح الصافي وتعليم المسلمين بأمور دينهم لاسيما المعلوم في الدين بالضرورة ومع التركيز على علوم السير والرقائق التي تحيي في قلوب المسلمين الإيمان والعمل للدين ، ويتم ذلك وفق منهج تعليمي صحيح مدروس ووفق جهاز تعليمي مؤهل ينشر العلم على كافة المسلمين ، ( ث ) عموم التربية الإسلامية الصحيحة والتزكية الإسلامية الخالصة على الآداب الإسلامية العالية والاخلاق الإسلامية العظيمة ، ويتم ذلك وفق منهج مدروس صحيح يتربى المسلمون من خلاله على طاعة الله والمسارعة إلى مرضاته وعلى حسن الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى حسن الخلق والادب مع الخالق جل وعلا ومع المخلوق عموما ، أمّا المؤشرات التي تدل على الوصول إلى تلك المحطة الأولى تتمثل في : ( أ ) ظهور اثر الدعوة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك بكثرة وزيادة المهتدين إلى طريق الله ورجوع الناس إلى دين الله افواجا يقبلون على المساجد والطاعات ، ( ب ) ظهور أثر التربية والتزكية والتعليم : وذلك بوجود صحوة دينيه تتمثل في كثرة طلاب العلم وانتشار دروس العلم والفقه وتتمثل في الاقبال على تلاوة القران ودراسة الحديث والاقبال على القربات والطاعات ، ( ت ) ظهور رأي عام إسلامي يناصر الفكرة الإسلامية وينادي بتطبيق شرع الله وتحكيمه مناداة حقيقية يتحمل تبعاتها ويضحي من أجلها ، وأمّا المحطات الفرعية التي تسبق الوصول إلى تلك المحطة الرئيسية الأولى:  ( أ ) وحدة الصف العامل لدين الإسلام في القطر الإسلامي الواحد أو على أقل تقدير توافق وجهات النظر الإسلامية تجاه العمل الإسلامي وأولوياته وأهدافه الاساسية والمرحلية ، وتكون تلك الوحدة أو ذلك التوافق من خلال اجتماع العاملين لدين الإسلام على منهج اسلامي صحيح واحد يحيط بكافة جوانب دين الإسلام العلمية والعملية ، ومن خلال قيادة واعية فقهية في امر الدين وفي امور العمل له ومن أجل نصرته وتحقيق أهدافه ، ( ب ) تنظيم العمل الإسلامي في القطر الإسلامي الواحد ، وتوجيه الطاقات العاملة لدين الإسلام نحو تفجير العمل الإسلامي في شتى مجالاته على اسس دينية وعلمية وعملية (حركية) صحيحة ووفق مناهج عملية مدروسة وإطار عام صحيح وخطط عملية ملائمة تسير نحو تحقيق أهدافها في خطوات عملية صحيحة متدرجة المراحل واضحة المعالم ، ( ت ) التحضير للصحوة الإسلامية الحقيقية : عن طريق أجهزة عملية تسير وفق مناهج مدروسة وتغطي القطر الواحد كله عملا لدين الإسلام وأهم تلك الاجهزة في هذه المرحلة : جهاز دعوة إلى الله لهداية المسلمين للرجوع إلى دينهم ، وجهاز الامر بالمعروف والنهي عن المنكر للنصح والارشاد وحراسة شرائع الدين ، وجهاز تعليمي تربوي لنشر علوم الإسلام وتربية المسلمين على اخلاق الإسلام العظيمة ، وأمّا ضوابط العمل الإسلامي في تلك المرحلة الاساسية الأولى وملامحة : ( أ ) التركيز الشديد على الدعوة لأنها خطة العمل الأولى والأهم ، ولأن المسلمين في حاجة شديدة إلى من يأخذ بأيديهم بالرفق والحكمة والموعظة الحسنة نحو الإيمان والالتزام بشرائع الإسلام ، ( ب ) البعد التام عن الجدل في الدين الذي يضيع الاوقات ويشتت الجهود ، ( لاسيما في امور الفروع التي تصرف العوام عن العمل إلى الجدل والرعونة ) ، ( ت ) التركيز على علوم السير والرقائق التي تحمي الإيمان في النفوس وتجدد الإسلام في القلوب  ، والتي لها الاثر طيب على كل مسلم في تزكية نفسه وطهارة صدرة ، ( ث ) التركيز على نشر المعلوم من الدين بالضرورة والتركيز على الاصول الثابتة دون التوغل في الجزئيات والفرعيات سواء في مجال العقائد او في مجال الفقه والتشريع ، ( ج ) التركيز على ربط المسلمين بالعبادات والطاعات ووسائل التزكية الحقة واهمها تلاوة القران والمحافظة على الصلوات المفروضة والمسنونة والبعد بهم تماما عن الجدل الكلامي واللفظي الذي يذهب الخشوع الإيمان والسير بهم وفق هدى السلف من إيثار العمل على الجدل ، [ المحطة الرئيسية الثانية : ( بناء دولة الإسلام الصادقة القوية ) ] ، فما أحسن الحكمة القائلة : (( منكم يول عليكم )) ، ولو صلحت الرعية صلح الحكام ، ومتى استحق العمل الإسلامي سنن التغيير والتمكين : سار نحو بناء دولة الإسلام الصادقة القوية ، والتي من أهم سماتها : ( أ ) أن يطبق شرع الله تطبيقا كاملا لكافة مجالات الحياة التي تتناولها الشرع ، ( ب ) أن يؤمر بالمعروف وينهى فيها عن المنكر وتقام فيها اركان الدين ، ( ت ) أن يكون ولاؤها لله ولرسوله وللمؤمنين وبراؤها لأعدائهم ، ( ث ) أن تحمل راية الإسلام وتعلي كلمته وتسعى جاهدة جادة من أجل نصرة الدين واظهار امره وتحقيق أهدافه على الارض ، وحاجة دين الإسلام والعاملين لدين الإسلام والمسلمون جميعا إلى تحقيق هذا الهدف المنشود والمقصد العظيم لا تخفى على عالم او عاقل ، وغالب احكام دين الإسلام الثابتة المستقرة يرتبط تنفيذها بوجود الدولة الإسلامية وذلك كالقصاص واقامة الحدود واعلان الجهاد وهي اعظم شعائر الإسلام ، والعاملون لدين الإسلام في حاجة ماسة إلى بناء دولة الإسلام الحقيقية التي يعملون تحت لوائها ويجاهدون برايتها ويسعون إلى تحقيق أهداف دين الإسلام من خلالها ، والمسلمون في حاجة ماسة إلى دولة الإسلام الحقيقية ، التي تحفظ لهم عقيدتهم وتعينهم على اداء عباداتهم وترعى لهم حقوقهم وتقيم الحقوق فيما بينهم ، لذا يجب على العاملين لدين الإسلام السعي الحاد من اجل بناء تلك الدولة الإسلامية الحقيقية - هذا ان كانت غائبة - أو مؤازرتها بالنصر والتأييد- هذا إن كانت موجودة – ، وأمّا وسائل الوصول إلى تلك المحطة الرئيسية الثانية : ( أ ) إحكام وحدة الصف الإسلامي في القطر الواحد ، وذلك باجتماعه على قلب رجل واحد قيادة وقاعدة ومنهجا ، قيادة تعرف الطريق نحو تجديد الدين وتعمل جاهدة لتحقيق ذلك ، وقاعدة تسمع وتطيع في المعروف ، ومنهجا يحيط بكافة جوانب الدين ويجمع المسلمين على قلب رجل واحد منهجا وعلما وعملا ونصرة لدين الإسلام ، ( ب ) الاعداد الإسلامي الصحيح الشامل ، وإحكام ذلك الاعداد-قدر الاستطاعة- عملا بقول تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ } ، اعداد اسلامي شامل لكل مجالات العمل الإسلامي وفق خطط صحيحة مدروسة منظمة حتى يسير الاعداد بخطى ثابته صحيحة نحو تحقيق أهدافه ، ( ت ) التغلب على معوقات العمل الإسلامي : داخل الصف نفسه كاختلاف الكلمة وضعف التخطيط والتنظيم وحب الدنيا وكراهية الموت ، وداخل الشعب المسلم كالانصراف عن الإسلام وعن تعلمه والعمل بشرائعه وكالجهل بالإسلام وقصر الفهم له واليأس من انتصار العمل الإسلامي وتحقيق أهدافه ، ويكون ذلك بوحدة الكلمة وقوة الصلة بين القيادة والقاعدة والتخطيط المستمر لمستقبل العمل الإسلامي وبالتربية الجهادية للعاملين لدين الإسلام ، ويكون ذلك بالدعوة والتعليم وترسيخ الإيمان واليقين في الله وفي نصره لعباده الصالحين المجاهدين ، وأمّا المحطات الفرعية التي تسبق الوصول إلى المحطة الرئيسية الثانية : ( أ ) تكوين قاعدة شعبية إسلامية حقيقية عريضة ، فمع تكثيف العمل الإسلامي الشامل المتغلغل في طبقات المجتمع يتكون نتيجة لذلك قاعدة شعبية إسلامية حقيقية عريضة تناصر العمل الإسلامي وتحب القائمين عليه وتكره كل من يعاديه ، وتلك القاعدة بمثابة المستودع الذي يمد الحركة الإسلامية بالرجال وبك ما تحتاجه من أجل نصرة الدين وتحقيق أهدافه ، ( ب ) تكوين مجتمع  قوي متماسك ، فمع التربية والتكوين على العمل الإسلامي وقواعده وضوابطه نصل إلى مجتمع اسلامي قوي محد يتميز بالتكوين الدقيق والإيمان العميق والمتواصل من اجل نصرة الدين وتحقيق أهدافه ، مجتمع قادر على القيام بأعباء العمل الإسلامي التي لا يقوى على حملها الا المخلصون المجاهدون السابقون ، ( ت ) تحقيق واستيفاء شروط المواجهة مع الباطل ، حيث يظل الصف الإسلامي على عمله المتواصل لنصرة الدين اعدادا ودعوة وحسبة وتربية وتعليما وتزكية حتى تظهر بوادر ودلائل الاعداد المتقن المتمثلة في : تغلب الصف الإسلامي على معوقات العمل الإسلامي وامتلاكه لأمر نفسه واستقلاله بأموره ، وحصول التمايز بين أهل الحق وأهل الباطل ، وتحقق نسبة المواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل ، واستحقاق العمل الإسلامي لسنة التغيير ولسنن النصر والتمكين ، والصف الإسلامي يلتزم في عمله كله لدين الإسلام -مالم يستقل بأموره تماما-بالاطار العام للعمل الإسلامي وملامحة المتمثلة في : ( نشر الدعوة والانقطاع اليها بمعظم الجهد والطاقة ، والسلمية والصبر التام على استفزازات الجهات المعادية ، والايجابية والبناء من كل موقع والعمل في كل اتجاه ، والعلنية والجهر بالحق وتبليغ رسالته ، والتربية والتزكية والتعليم ، والابتعاد التام عن المواجهة مالم يستوف العمل شروطها ، والعمل الجاد المتقن وعدم التعجل في قطف الثمار ، فليس معنى سعي الصف الإسلامي الجاد لتحقيق شروط المواجهة أن يغير من اطار العمل القادم وبالتالي يتعجل المواجهة دون قصد ودون استعاد حقيقي للعمل الجهادي من أجل تحقيق أهداف العمل الإسلامي ، فما على الصف الإسلامي الا أن يسير وفق اطاره العام وجنبا إلى جنب يسعى إلى التغلب على معوقات العمل الإسلامي داخل الصف نفسه وداخل الشعوب المسلمة وعلى معوقات العمل الناشئة من الاحتكاك بالسلطات ، وأن يسعى جاهدا بالدعوة والتكوين عليها الوصول إلى تمايز واضح بين حزب الله الحامل للواء العمل لنصرة الدين وحزب الشيطان المحارب للعمل الإسلامي المعادي لأهله ، وأن يسعى جاهدا بالدعوة والتكوين عليها للوصول إلى تمايز واضح بين حزب الله الحامل للولاء العمل لنصرة الدين وحزب الشيطان المحارب للعمل الإسلامي المعادي لأهله ، وأن يسعى جاهدا بالدعوة والتربية والتزكية والتعليم نحو استحقاق العمل الإسلامي لسنة التغيير وسنن النصر والتمكين ونحو تحقيق نسب المواجهة المنطقية الصحيحة بين أهل الحق وأهل الباطل كما بينها القران الكريم بقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، فنتشف من تلك الآيتين نسب المواجهة الملائمة والضابط الدقيق لمواجهة اهل الباطل فالنسبة الادنى هي : ( 1 إلى 2 ) والنسبة الاعلى : ( 1 إلى 10 ) ، وهذه النسب ليست نصا شرعيا ولا حكما فقهيا ولكنه فقه عملي يبين ضابط المواجهة دون افراط او تفريط في الاقدام على مواجهة اهل الباطل ، وليس معنى ذلك التحديد النصي للمواجهة ولا تجاهل المعاني الشرعية للآيات في ضوء علوم القران من التفسير والناسخ والمنسوخ واسباب النزول ، ولكن هو كما ذكرت فقه عملي نستنير من خلاله في معرفة ضوابط المواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل ، ( تنبيه ) يظن البعض أن اقامة دولة الإسلام يأتي عن طريق العمل السياسي أو عن طريق العمل الانقلابي ، وهذا الفريق لا يهتم بالعمل الدعوي والتربوي والتعليمي ولا يهتم بالعمل الجماعي من اجل ايجاد صحوة إسلامية حقيقية ولا قاعدة شعبية إسلامية عريضة ولا صف اسلامي قوي محكم ولا يهتم بالإعداد السابق للامة ، وهذا الفكر ايضا يهمل سنة التدرج في العمل الإسلامي والمتمثلة في تحقيق الهدف الأول والمحطة الرئيسية الأولى من ايجاد الفرد المسلم وتكوين لبنات المجتمع المسلم الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا وفي ايجاد الصحوة الإسلامية الحقيقية التي ستكون بمثابة مستودع الوقود الذي يمد العمل الإسلامي بما يحتاجه من رجال ومال وجهد من أجل نصرة الدين وتجديد امره وتحقيق أهدافه ، وهذا الفكر ايضا إن فشل في الوصول إلى تحقيق هدفه - وهذا هو الغالب لعدم اخذه بالأسباب وبالمنهج القويم في العمل لدين الإسلام  - إن فشل في تحقيق هدفه فلن يقدم لدين الإسلام شيئا يذكر ، وذلك بعكس الفكر الصحيح الذي يرى أن المحطة الأولى هي هداية المسلمين إلى طريق الله وإلى العودة إلى دينهم والتمسك بهديه وعقائده وشرائعه واخلاقه ، فهذا الفكر الواعي الفقيه لن يعدم الخير أبدا ويكفي أنه يحقق الكثير من أهداف العمل الإسلامي أهمها هداية الناس إلى طريق الله في تبليغ الرسالة ، ثم هو بعد ذلك يسير في الطريق الصحيح نحو بناء المجتمع المسلم ، وبناء لبنات دولة الإسلام على اسس قوية ثابته  ، واقامة الدولة الإسلامية الحقة كائن لا محالة ببشارات الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا داعي لتعجل الثمر قبل نضجه والمطلوب اتقان العمل والثمر إلى الله يؤتيه من يشاء من عباده الذين ارتضى لهم دينهم فيمكن لهم في الارض ، بل والخلافة الراشدة على منهاج النبوة كائنة بفضل الله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ، وأما اولئك الذين يرون العمل الانقلابي او السياسي المباشر لإقامة دولة الإسلام فهل أعدوا القادة المصلحين الذين يقومون بالحكم بالشرع الحنيف وهل هيئوا الراي العام للامة لصالح العمل الإسلامي والحكم بما أنزل الله ، فهؤلاء ان وصلوا إلى تحقيق مرادهم من الوصول إلى الحكم فإنّهم لن ينجحوا في اقامة دولة الإسلام الحقيقية وذلك لعدم وجود الكوادر المؤهلة لإقامة خلافة الله في الارض بالعدل والعلم ولعدم تهيئة الشعوب المسلمة لمناصرة هذا العمل المفاجئ ، وما هكذا تقام دولة الإسلام الحقيقية بل قامت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد والكفاح والدعوة المتواصلة والاعداد المستمر والتدرج نحو تحقيق هذا الهدف المنشود والمقصد العظيم ، لقد جرب امر الانقلابات كثيرا وكذلك امر العمل السياسي كثيرا فلم ينجح أي منهما لمخالفة لسنن الله في التمكين ، ولعدم استحقاق العمل مع لسنن التغيير ولكونه ليس الطريق إلى تجديد امر الدين وتحقيق أهدافه ، ورحم الله القائل : ( اقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على ارضكم ) يقصد الشعب المسلم عندما يستحق سنن التغيير التي جاءت بها الآية الكريمة : {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ،  فآنذاك سيدفع الله عز وجل الامة نحو التغيير إلى الافضل وييسر لهم سبل  تحقيق اهدافهم بنصرهم وخاذلات اعدائهم ، { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ } ، وهذا لا يعني عدم المواجهة مع الباطل فذلك كائن لا محالة ولكن النصر يكون متى كان العمل الإسلامي بعد استعداد واعداد شرعي صحيح وسير في طريق صحيح واضح نحو تجديد امر الدين وتحقيق أهدافه ، { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  } ، [ المحطة الرئيسية الثالثة : تثبيت دعائم دولة الإسلام الحقيقية وترسيخ جهودها ] ، فأمّا وسائل ترسيخ دعائم دولة الإسلام الداخلية : ( أ ) إقامة الصلاة وايتاء الزكاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تكون هذه الاعمال الثلاثة سمة المجتمع والدولة ، ( ب ) بناء القاعدة الصلبة من المجاهدين المؤهلين لتكملة المسيرة نحو تجديد الدين وتحقيق أهدافه مجاهدين يحملون ارواحهم على اكفهم ويجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم ، مجاهدين باعوا أنفسهم واموالهم لله بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، ( ت ) ترسيخ وجود المجتمع المسلم الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا ، ( ث ) ترسيخ وجود المجتمع المسلم الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا ، ( ج ) الضرب بيد من حديد على كل عناصر النفاق والفسق في مجتمع دولة الإسلام وتطهير المجتمع منهم حتى لا يعمل هؤلاء على عرقلة عجلة التقدم الإسلامي وتثبيط العمل الجهادي ، ومعاملة الزنادقة والمنافقين ومرضى القلوب وفق الاحكام الشرعية الصحيحة في الكتاب والسنّة ، ( ح ) توجيه اجهزة الدولة الإسلامية الاعلامية والسياسية والادارية نحو خدمة هذا الهدف الاساسي من ترسيخ دولة الإسلام وتثبيت دعائمها ، ( خ ) الذلة على المؤمنين وإعزازهم وتقريبهم وجزل العطاء لهم لا سيما العلماء المخلصون والعزة على المنافقين واذلالهم وابعادهم عن موضع صنع القرار ، وأمّا وسائل ترسيخ دعائم دولة الإسلام الخارجية فتتمثل في : ( أ ) عدم فتح جهات عدائية جديدة-قدر الامكان-حتى لا يتشتت الامر ويصعب على القائمين عليه تحمله ، ( ب ) عدم المبادئة بالقتال إلى حين ترسيخ قوائم الدولة ويكون الجهاد هو الجهاد الدفاعي لصد العدوان ، ( ت ) الاعداد الدائم لإرهاب اعداء الله واعداء المسلمين وآخرين من دونهم لا نعلمهم الله يعلمهم من المنافقين والمتربصين ، ( ث ) التخلص من المتربصين بالدولة الإسلامية والذين اشتد عداؤهم لها ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع المجرمين أمثال : كعب بن الأشرف ، وأبي رافع سلام بن أبي الحقيق اليهوديين ، [ المحطة الرئيسية الرابعة : تكملة المسيرة نحو بقية محطات العمل الإسلامي نحو الهدف المنشود من تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ] : عند ترسيخ دعائم الدولة الإسلامية الحقة واثبات وجودها يكون  على عاتقها تكملة المسيرة نحو بقية محطات العمل الإسلامي نحو الهدف المنشود من تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ، وأهم تلك المحطات المقبلة للعمل الإسلامي: ( أ ) تحرير الارض المباركة ارض المسجد الاقصى وما حولها من دنس اليهود ونصرة المسلمين المستضعفين داخل فلسطين المحتلة ، وهذا الأمر كائن بمشيئة الله تعالى لا محالة نسأل الله عز وجل أن يجعل لنا فيه من نصيب بالعمل الفعلي أو بالنية والقصد والله سميع مجيب للدعاء ، ( ب ) إقامة الخلافة الراشدة واختيار خليفة المسلمين الذي تتوافر فيه شروطه التي وضعها الفقهاء وتأسيس النظام القوي الذي يكون ساعد الخليفة في رعاية مصالح المسلمين وحراسة الدين وسياسة الدنيا به ونصرة المستضعفين من المسلمين في كل مكان تمد اليه قوة المسلمين ، وهذا العمل العظيم لا من التمهيد له بنصرة دول الإسلام ومد يد المساعدة بنصرة دول الإسلام ود يد المساعدة اليها والتحضير الجيد لإقامة نظام الخلافة دون محاولة لإراقة دماء مسلم واحد قدر الامكان ، وذلك لأنّ حرمة دمه أشد حرمة عن الله تعالى من بيت الله الحرام في البلد الحرام في الشهر الحرام ، ( ت ) الجهاد في سبيل الله جهادا طلبيا حتى لا تكون فتنة ولكون الدين كله لله واخراج العباد من ظلم العباد إلى عبادة الله الواحد القهار ومن ظلم وجور الحكام إلى عدل الإسلام في الارض وبسط سلطانه عليها واظهار امره على الدين كله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، وهذا الهدف العظيم لا بد من التحضير له والتمهيد له بعدة امور اهمها : إعلان مبادئ الإسلام للبشرية كافة من خلال وسائل الاعلام الخاصة بأمة الإسلام ، ومطالبة كافة الناس بالدخول في دين الإسلام ذلك الدين القيم الذي لا يقبل الله من عباده جميعا سواه { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، ومطالبة كافة دول العالم بالخضوع لتعاليم الإسلام واتباع خلافة الإسلام في ذلك والرضوخ لسلطان دين الإسلام دين الله الاوحد في الارض ، والا فالجزية عن يد وهم صاغرون ، واعلان الجهاد الطلبي حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، كائن لا محالة دلت عليه آيات القران الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تبين ظهور دين الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون ، وكل تلك الأهداف كائنة لا محالة فقد جاءت الآيات القرآنية الكريمة والبشارات النبوية الصادقة تبشر بظهور الدين على الدين كله وبتحقيق كافة أهداف رسالة دين الإسلام على ارض الله تعالى وبين عباده ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } ، وقال تعالي : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } ، وقال تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *  هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ  } ، والاحاديث النبوية الشريفة الدالة على ذلك الظهور قوله صلى الله عليه وسلم  : (( إِنَّ اَللَّهَ زَوَى لِي اَلْأَرْضَ, فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا, وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا, وَأُعْطِيتُ اَلْكَنْزَيْنِ اَلْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ )) [ أخرجه مسلم وابو داوود والترمذي ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( يَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ 

وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ ‏ ‏مَدَرٍ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏وَبَرٍ ‏ ‏إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإسلام وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ )) [ أخرجه بن حيان وصححه وذكره الالباني في السلسلة الصحيحة 1-7 ] ، وبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفتح معقلي الصليبية القسطنطينية ورومية (روما) ، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي قبيل قال كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية، فدعا عبد الله بصندوق له حلق قال فأخرج منه كتاباً قال: فقال عبد الله : بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولاً  قسطنطينية أو رومية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مدينة هرقل تفتح أولاً، يعني قسطنطينية )) ، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة  - بعد إيراد الحديث - : ( وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد العثماني كما هو معروف بعد اكثر من ثمانمائة عام من اخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح وسيتحقق الفتح الثاني بإذن الله تعالى ولا بد ) [  السلسلة الصحيحة 1-8 ] ، فكل تلك الآيات القرآنية والبشارات النبوية تؤكد ان هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا بر الا ادخله الله هذا الدين بعز يعز به الإسلام ويذل به الكفر وأن هذا الدين قد كتب الله جل وعلا له الظهور على الدين كله ولو كره الكافرون ولو كره المشركون ، وذلك الظهور كائن لا محالة على ايدي اقوام يحبهم الله ويحبونه اذلة اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم وهؤلاء هم حزب الله الغالبون ، ومن أجل ذلك الظهور على الدين كله المشركون ، فقد انتدب الله جل وعلا أمة الإسلام وعبادة المسلمين إلى حمل الدين ونشره والدعوة اليه والحسبة من اجله وعليه والجهاد في سبيل ظهوره وإعلاء رايته ولو كلف ذلك النفس والمال وكل نفيس ، قال تعالى في مجال الدعوة اليه : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } ، وقال تعالى في مجال نشر الدين والحسبة عليه : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  } ، وقال تعالى في مجال الجهاد في سبيل ظهوره على الدين كله : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } ، وقال تعالى في سبيل ظهوره على اهل الكتاب : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ  } ، ويقول صلى الله عليه وسلم : (( أُمِرْتُ أن أقاتِل الناسَ حتى يَشهدُوا أن لا إله إلا الله ، أنَّ محمداً رسولُ الله ، ويقيموا الصلاةَ ، ويُؤتوا الزكاةَ ، فإذا فَعَلوا ذلِكَ عَصمُوا مني دِمائهُمْ ، إلا بحقَّ الإسلام ، وحِسابُهُم على الله )) [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، ومن اجل ذلك الظهور على الدين كله اشترى الله حل وعلا من المؤمنين انفسهم واموالهم على ان لهم الجنة قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَ‍قًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ، ولقد جاهد النبي صلى الله عليه وسلم في الله ومن اجل الظهور هذا الدين هو جهاده جل وعلا وتبعه في ذلك الصحب الكرام رضي الله عنهم وسار على نهجهم السلف الصالح من العلماء المجاهدين والقادة الفاتحين والجند المنتصرين ، والجهاد باق إلى ان يرث الله الارض ومن عليها وهو ممتد حتى ينطق الحجر والشجر نصرة لدين الله ونصرة لعباد الله المسلمين وظهورا لدين الإسلام على الدين كله ، فقد أخرج البخاري في صحيحه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود )) [ اخرجه البخاري ] ، وعلى ذلك فنتائج العمل الإسلامي في الوصول إلى تحقيق أهدافه مضمونة من الله تعالى وما على أهل التجديد الحاملين لواه سوى السير في الطريق الصحيح الموصل إلى ذلك التجديد مع الاخذ بأسباب النجاح والتوفيق ، ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز ،

( اللبنة الثانية عشرة من لبنات التجديد العملي ) : رسم الاستراتيجية العملية الإسلامية المناسبة للسير الجاد نحو التجديد : لرسم استراتيجية منهجية متكاملة يسير عليها العمل الإسلامي في المرحلة المقبلة الحرجة نحو تجديد الدين وتحقيق أهدافه ، نحتاج إلى معرفة محاور تلك الاستراتيجية العملية ، وبيان المعطيات مهمة تؤهل الصف الإسلامي لتصور صحيح لاستراتيجية العمل التجديدي المقبل ، وبيان ملامح الاستراتيجية الإسلامية الصحيحة ومحاورها العملية ، وبيان الاطار العام للعمل التجديدي الإسلامي المقبل ، وبيان محاور العمل التجديدي المقبل المنشود ، ( 1 ) الافكار المطروحة عن العمل الإسلامي وتناولها بالنقد والتحليل : البعض يظن : أن الغاية التي ليس دونها غاية هي اقامة دولة الإسلام وخلافة الإسلام بأي وسيلة وبأي ثمن وبأي طريقة حتى لو كانت عن طريق الانقلابات أو الاغتيالات للشخصيات السياسية او بالجهاد المسلح دون سابق اعداد محكم ودون توفر شروطه الازمة للبدء فيه ، وعند التعرض لهذا القول بالتدقيق والنقد والتمحيص ، نجد أنّ الطريق الذي اختاره هؤلاء لا هو بالطريق الممهد شرعا ولا واقعاً ، وذلك لأنّنا عن طريق الشرع لن نستطيع أن نصل إلى جواز الخروج على حكام المسلمين ، ما أقاموا فينا الصلاة ، وما لم يتلبسوا بكفر بواح لنا فيه من الله تعالى برهان ، وكل ما قيل في تكفيرهم ووجوب الخروج عليهم إنما هي اجتهادات لا تبلغ بهم الكفر البواح إلا في حالات استثنائية لا تأخذ التعميم ، وبالتالي فإنّه شرعا - في الاوضاع الحالية - لا يمكن الاتفاق على جواز الخروج عليهم إلا في أدبيات الاتجاه الجهادي ، وسيتبين - عند الحديث عن هذا الاتجاه - أنّه غالى في تلك المباحث بما يقربهم من مناهج الخوارج والمعتزلة ، وأمّا من ناحية الواقع ، فإنّهم أمام أنظمة جمعت أسباب البطش والقوة والتبرير لسحق أي معتد عليها ، والنظام العالمي يقف وراء تلك الأنظمة بما يمدها بأسباب التفوق المادي ، وعليه فإنّ هذا الطريق طويل وعر يحتاج إلى ما يشبه المعجزات من الإعداد الصحيح المكافئ ، وإلى امتلاك حداً معيناً من القوة المادية والمعنوية بما يسمح لهم بالقيام بمثل هذا الأمر الذي يحتاج سابق اعداد متقن ، كما يحتاج إلى الاخذ الكامل بسنن التغيير والتبديل ، وإلى الأخذ بالأسباب أسباب النصر ، ويحتاج إلى المراعاة التامة لسنن الفلاح والنصر والغلبة والتمكين  ، ويحتاج إلى تعبئه الامه والرأي العام لصالح العمل الإسلامي وتكوين صحوة إسلامية حقيقية تمد العمل بما يحتاج إليه من أجل السير نحو تجديد الدين وتحقيق أهدافه ، ثم بعد ذلك فإنّ المواجهة تحتاج إلى استيفاء شروطها الشرعية والمادية والمعنوية والا لكان العمل تسرعا وتهورا وكانت نتائجه وخيمة على العمل الإسلامي وعلى القائمين عليه ، إن الذين يقولون بهذا القول يضادون ويعادون ويعارضون سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير ويعارضون أسباب النصر والتمكين ، لقد جرب المسلمون هذا الفكر فلم يروا منه نجاحا ولا تقدما ، بل جرّ عليهم المآسي وأرجعهم إلى الوراء ، وذلك لأسباب كثيرة أهمها أنّ السير في تلك الاستراتيجية فقط ودون غيرها معناه قتل الدعوة إلى الله في مهدها فذلك العمل يحتاج إلى السرية والغموض والجمهور العام من عوام المسلمين يرفض هذه الفكرة ويخش من عواقبها ، ثم إن العاملين لدين الإسلام طلاب دين وأصحاب دعوة ورسالة لا بد من نشرها وهداية المجتمع إلى طريق الله واداء تلك الامانة التي تحملها النبي صلى الل عليه وسلم ، وقيام دولة الإسلام ليس غاية العمل الإسلامي بل هو هدف من اهدافها وهو هدف قائم لحفظ الدين وحراسته وسياسة الدنيا به والعمل الإسلامي له أهداف كثيرة ينبغي أن يسعى جادا من أجل تحقيقها ، وقيام دولة الإسلام واحد من أهم تلك الأهداف الا أنه يسبقه في الأهمية وفي الترتيب أهداف أكبر ، أهمها هداية الناس إلى طريق الله لأنّه عمل الأنبياء الأساسي ، ثم إن وصل اولئك  إلى الحكم وهم على تلك الحالة من الفوضى العملية والعفوية وانعدام التخطيط لمستقبل العمل الإسلامي ، فهل سيتمكنون فعلا من السيطرة على زمام الامور في البلاد دونما استحقاق لسنن التغير والنصر والتمكين ، ودونما إيجاد القيادات والخطط التي تكافئ مخططات النظام العالمي وإمكاناته ، ولا يفوتني هاهنا أن أذكر أمرا أخر ، الا وهو : أنّ قيام أصحاب هذا الفكر بأعمال اغتيالات سياسة او تصفية انتقامية لبعض عناصر الحكم  في الوقت الذي لا تملك فيه الحركة الإسلامية أمر نفسها ولم تستقل بأمورها ، هذا العمل يضاد هدى الني صلى الله عليه وسلم في العمل في ظل احكام الاستضعاف العملية وذلك لكون له عواقب وخيمة على العمل الإسلامي ككل ، وهذا واضح تماما في يومنا هذا حيث يجد النظام الحاكم المبرات المنطقية امام الجميع لتصفية أولئك الإسلامين ويجد كذلك المبررات للتصفية الرهيبة للقائمين على العمل الإسلامي ككل وفرض المزيد من العقوبات والمضايقات على القائمين على دين الله كافة ، كما أنّ هذه الأفعال تضاد وتخالف ضوابط المنهج العملي للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤثر عنه قبل قيام دولة الإسلام في المدينة انه اجاز لأصحابه او لاحد منهم أن يقوم بعمليات اغتيالات او تصفية لصناديد قريش ولو كان هذا الامر صحيحا لفعله الصحابة آنذاك حيث يقع عليهم وعلى اخوانهم اشد العذاب من ائمة الكفر في مكة المكرمة آنذاك ، ولكن منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي قبل قيام دولة الإسلام هو الحث على الصبر  والامر بكف اليد وعدم رد الاذى والعدوان والمنع التام من استعمال السلاح ، وبعد قيام دولة الإسلام القوية امتلأت كتب السيرة بأخبار الغزوات والسرايا وفرق التصفية لأعداء دين الإسلام واعداء المسلمين والتي كان يرسلها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وقد نجحت آنذاك في تحقيق اهدافها ورجوعها إلى دولة الإسلام تحتمي بها وترسخ بعملها قوائم وجود تلك الدولة الفتية القوية ، فالاغتيالات اليوم خطأ جسيم من الناحية العملية مالم تشرف عليها دولة إسلامية قوية ترهب اعدائها ويخش المنافقون والكافرون سطوتها ، والسير في استراتيجية التصفية الجسدية قبل قيام دولة الإسلام يعرض العمل الإسلامي للتصفية وهكذا في حلقة مفرغة لا تكاد تنتهي من المد والجذر والعداء المتبادل الغير منضبط بين الانظمة الحاكمة وبين القائمين على تلك الاعمال ، ولذا اكرر بأن العمل الإسلامي مالم يستقل بنفسه ويحقق شروط الجهاد الدفاعي والمواجهة مع العدوان واهله تحقيقا صحيحا دون تعسق او تعجل ودون تكاسل ايضا ، لان ذلك قتل للدعوة مهدها وتشويه لصورة العمل الإسلامي كله ، وخلاصة القول في هؤلاء القائمين على تلك الاستراتيجية المحدودة : أنهم متسرعون لا يأتون الامر من بابه وهم يتعجلون الثمار قبل نضوجها دون عمل صحيح واعي متأني ، ومع انهم غيورون على الدين يغلبهم حماسهم لدين الإسلام ولنصرته الا انهم تنقصهم الحكمة والتعقل وزنة الامور بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي الذي اهم ما تميز به : مراعاة الامكانيات المتاحة للعمل الإسلامي  ، ومراعاة سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير ، والاخذ بمبدأ الاعداد المتقن والاخذ بأسباب النصر والتمكين ، والبحث الدائم عن توافر شروط العمل الإسلامي الجهادي الصحيح من أجل نصرة الدين وتحقيق أهدافة ، إنّ هؤلاء يحتاجون إلى انضباط بالشرع الحكيم ، وإلى وعي عملي وفقه عملي صحيح يعرف متطلبات العمل الإسلامي نحو تجديد أمر الدين ويعرف الوسائل الصحيحة نحو تحقيق أهدافه وفق ضوابط وملامح منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عز وجل فيه : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } ،  والبعض يظن : أن استراتيجية العمل الإسلامي ينبغي ان تقتصر على العمل السياسي من أجل الوصول إلى الحكم وآنذاك (فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقران) فينبغي الزام الناس بكافة جوانب دين الإسلام ، وهؤلاء يرون أن أي اعمال إسلامية اخرى دون الهدف السياسي لإقامة دولة الإسلام هي بمثابة ترقيع للأنظمة الحاكمة وذلك لا يجوز البته ، والحق : أن النشاط السياسي جانب هام من جوانب العمل الإسلامي الا انه ليس أهم الجوانب ولا هو الجانب الوحيد الذي ينبغي البدء فيه ، والتركيز على العمل السياسي فقط قصور في العمل الإسلامي ، إذ أنّ بناء وقيام دولة الإسلام لا يعدوا كونه جانب من جوانب العمل الجماعي الإسلامي ، وليس هو أهم الجوانب ، بل هداية الناس إلى دين الله تعالى هو الأصل من العمل الإسلامي ، إضافة إلى أنّ  دولة الإسلام يصعب قيامها بالعمل السياسي فقط وذلك لأن العمل السياسي الإسلامي له اعداؤه من العلمانيين والليبراليين الذين يتربصون به ويحاربونه ويخططون لأفشاله في تحقيق أهدافه ، وهؤلاء لن يدعو له الفرصة للوصول بالعمل السياسي وحده ،  ولو استعانوا على ذلك بالتدخل الخارجي من أعداء الإسلام الأصليين ، إن الاكتفاء بالعمل السياسي بمفردة هو بمثابة التقصير في شمول العمل الإسلامي ، وينبغي أن يكون جنبا إلى جنب مع بقية جوانب العمل الإسلامي الصحيح الشامل المتكامل الذي يكمل بعضه بعضا سيرا إلى اهداف دين الإسلام والتي كلها يؤدي إلى غاية واحدة الا وهي نيل رضا الله بتجديد امر الدين وتحقيق أهدافه ، ولا يمنع ذلك من التركيز على أولويات تفرضها طبيعة الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه الدعاة المجاهدون العاملون لدين الإسلام الجادون في نصرته واظهار امره ، والبعض يظن : أن استراتيجية العمل الإسلامي ينبغي ان تقتصر على العمل الخيري من خدمات اجتماعية وتعليمية وثقافية ومساعدات مادية أو صحية تحارب الجهل والفقر والمرض ويعم نفعها على المؤمنين وتأتي على القائمين عليها بالأجر الوفير عند الله عز وجل ، أما في مجال العمل الجهادي والاعداد له أو في مجال أهداف إسلامية راسخة كمحاربة المنكر والمطالبة بشرع الله فهنا ينبغي ان نتوقف ولسان حالهم كأنه يقول ( دع ما لقيصر لقيصر ودع ما لله لله) وهي مقولة النصارى الذين لا تشريع عندهم يشمل كافة مجالات الحياة ، والعمل الخيري يفيد تماما في نشر رسالة الدين ويحبب الناس في الإسلام ، إلا أنّه ينبغي أن يكون جنبا إلى جنب مع العمل الجاد الذي يحمل لواء الإصلاح والتجديد ، يجهر بالحق ولا يخاف فيه لومة لائم ولا يداهن ولا يركن إلى الذين ظلمة ويبلغ رسالات الله ويخشاه ولا يخش احدا الا الله ، والعمل الخيري جزء من رسالة المسلم على الارض وتجاه اخيه المسلم ، ولكن هناك جوانب عديدة أخرى ، وهو إلى جانب فعل الخيرات فهو كذلك عمل جاد لنصرة الدين ضمن جماعة وطاعة ودعوة وحسبة وحكم وجهاد وخلافة ، ومحاولة اصلاح جانب دون اخر فهو عفلة عن طبيعة المنهج الإسلامي الشامل المتكامل الذي ينظر إلى العمل الإسلامي على انه وحدة واحدة تتوزع من خلالها الطاقات والجهود نحو الإحاطة بجوانب دين الإسلام جميعا ، وهذا الجانب الخيري بمفرده غير كاف وغير جاد في تغيير المجتمع إلى صحوة إسلامية حقيقية تحمل لواء العمل الإسلامي في حزم وقوة نحو اظهار الدين الحق على الدين كله ولو كره المشركون ، والبعض يرى : أنه بالدعوة إلى الله بطريق النصح والارشاد يرجع الناس إلى دين الله ويتحول الشعب إلى مجتمع اسلامي حقيقي ، واستراتيجية هؤلاء تنتهي عند هذا الحد فلا توجد أهداف اخرى تلو الصحوة الإسلامية الناشئة عن العمل الدعوي ولا توجد خطة منهجية عملية لحمل لواء العمل الإسلامي لنصرة الدين وتحقيق أهدافه ، والحق الذي لا مراء فيه أننا اليوم في حاجة إلى دعوة على بصيرة تصل ليلها بنهارها ، ولكن ذلك لا يعني الوقوف باستراتيجية العمل الإسلامي عند هذا الحد بل ينبغي البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم ، وينبغي الاعداد الإسلامي لاستثمار العمل الدعوي خير استثمار نحو اقامة المجتمع الإسلامي الحقيقي الذي يحمل الإسلام قولا وعملا وتحقيقا ، وكذلك فإن الدعوة بمفردها ان لم يتبعها تربية وتزكية وتعليم فإن مآلها إلى انعدام اثرها أو قلته وذلك لأن مجتمعات المسلمين اليوم تعج بالوسائل التي تضاد تأثير الدعوة والوعظ والإرشاد وتجعل تأثيرها محدود ضعيف ، إن الدعوة والوعظ والارشاد من أهم الوسائل العمل الإسلامي ولكنه ضمن أطار عام شامل متكامل لعمل اسلامي جاد لا يعرف الكلل والملل وهو في طريقه نحو تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ، والبعض يرى : أنه لا توجد ضرورة ماسة لوضع استراتيجية عامة واطار عام للعمل الإسلامي ويرون انه لا ضرورة أيضا لعمل جماعي اسلامي ، فالأصل عندهم هو الالتزام بعقائد وشرائع وتزكية سلفنا الصالح وان كان بمفرده فهو في عداد أهل السنة والجماعة ، وسلفنا الصالح كما كانوا على علم عظيم كانوا كذلك على عمل عظيم دعوة وحسبه وجهادا ، وعملا خالصا لنشر الدين وبسط سلطانه واطهار امره واعلاء كلمته ورفع رايته وازالة الفتنة من الارض وجعل الدين كله لله ، ولو تمسك المسلمون اليوم بما كانوا عليه سلفنا الصلح في مجال علوم الإسلام وفي مجال العمل لدين الإسلام لملكوا الارض كما ملكوها يعبدونها لله وحده ويبسطون عليها سلطان الدين الذي لا يقبل الله من العباد دينا سواه ونالوا الرضوان في الدنيا والاخرة ، وأيام السلف الصالح كانت الخلافة المسلمة الممتدة ، ونشر الدين على قدم وساق والحسبة على الدين عظيمة فما ظهرت في عهدهم بدعة الا اماتوها ولا غابت سنة الا احيوها والجهاد في سبيل الله طلبيا لنشر الدين وازالة الفتنة فحدث فيه ولا حرج فقد كان شغلهم الشاغل أن يرزقهم الله تعالى الشهادة في سبيل الله ، وأهداف الإسلام محققه واهل الإسلام في عزة وسيادة وأهل الكفر في ذلة ومهانه وأهل الكتاب يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون ، ونحن اليوم - على ما نحن فيه من ضعف وفرقة فلا خلافة تجمع المسلمين وتحمل الدين وترفع لواء العمل لنصرته الا ما رحم الله ، وأهل الكفر كلمتهم عالية وسلطانهم عزيز - فهل بعد ذلك كله لا توجد ضرورة ماسة لوضع استراتيجية عملية يسير على هديها العمل الإسلامي نحو تحقيق أهدافه ، وهل بعد ذلك كله نشك في شرعية العمل الجماعي من أجل نصرة الدين وحراسته وتحقيق أهدافه ، إن الذي يقول بذلك ليست لديه اي دراية عن حال المسلمين وحال الدين وغربته وحال اعداء الإسلام وتكابهم على الإسلام واهله ، وليست اي دراية عن أهداف رسالة دين الإسلام ولا المنهج العملي للنبي صلى الله عليه وسلم في نصرة الدين وتحقيق أهداف رسالته ، والحق الذي لا مراء فيه : أن تعلم علوم الدين ونشرها جانب عظيم وهام من جوانب العمل الإسلامي ولكنه ينبغي أن يكون ضمن اطار عام للعمل الإسلامي جنبا إلى جنب مع جوانب العمل الإسلامي الجاد لنصرة الدين وحرسته وحمايته ونصرة اهله وتحقيق أهدافه ، أما انتظار معجزة سماوية لتقيم لنا شرع ربنا ولتقيم لنا دولة إسلامية وتعيد لنا خلافتنا الراشدة دون عمل جاد لتحقيق تلك الأهداف ، فهذا جهل ولهو وتكاسل وتواكل وعدم فهم صحيح لدين الإسلام ورسالته في الارض والتي تقوم على العمل والتضحية والاخذ بالأسباب والجهاد والدعوة والحسبة والعمل الجماعي الجاد ضمن خلافة ودولة وضمن جماعة وإمره وطاعة وضمن الزام حقيقي بضوابط العمل الجماعي الإسلامي الصحيح ، ولذلك فجوانب دين الإسلام كثيرة فيها نشر العلوم ومنها محاربة البدع ومنها العمل الجاد لنصرة الدين وتحقيق أهدافه وكل ذلك ينبغي ان يكون ضمن استراتيجية صحيحة مدروسة تضع الامور في نصابها وفي توازن رباني معجز هو توازن دين الإسلام القويم الذي أتم الله النعمة ورضيه للعالمين جميعا دينا لا يقبل منهم دينا سواه ، وهناك اخرون : يعمل كل منهم بمفرده ويرى انه لا ضرورة ملحة لعمل جماعي منظم لتجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه، بل ينبغي على حد قولهم ان يعمل كل مسلم ما في وسعه من أجل نشر الدين والدعوة اليه والنصح لكل مسلم، أما العمل الجماعي المنظم لحمل رسالة دين الإسلام وتحقيقها على الارض وبين البشر فلا ضرورة ملحة لذلك ، وهؤلاء لا شك يقدمون أعمالا إسلامية من صميم المنهج الإسلامي ، ولكن في الفقه الإسلامي قاعدة تقول (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ، واليوم أعداء الإسلام تكالبوا عليه يريدون إبادة الإسلام وأهله من خلال عمل عدائي منظم لا يعرف في مؤمن الا ولا ذمة ، ونحن وهذا حالنا لازال البعض يرى انه لا ضرورة ملحة لعمل جماعي لنصرة الإسلام وتحقيق أهدافه ، ولا شك أن العمل الفردي يؤتي اثره وثمرته في ظل دولة الإسلام وحكومة القران وشرع الرحمن حيث العقائد محفوظة والشرائع مطبقة والشرائع معظمة ، ولكن وحالنا من نحن فيه من ضعف وتخلف مع تجمع قوي الباطل ضدنا يحتم ذلك علينا العمل الجماعي الجاد لإنقاذ الإسلام وأهله من براثن قوى الكفر والطغيان ، ومن هذا المنطلق ومن غيره اجزم بأن من له ادنى علم بالمكائد التي تحاك للإسلام والقائمين عليه ولا يرضى بمثل هذا الادعاء الذي من شأنه أن يفتت القوى الإسلامية ويضعفها وهي في أمس الحاجة إلى الوحدة الجماعية المؤثرة ، وهناك اخرون : يرون مشروعية العمل الجماعي الإسلامي ولكنهم يرون ايضا تعدده وتعدد مجالاته ويرون تعدد قياداته ، ويرون في هذا التعدد ظاهرة سليمة وصحية ودليل قوي على انتشار المد الإسلامي ويرون أن تعدد اتجاهات العمل الإسلامي يكسبه شمولا وتغطيه لكافة مجالات وجوانب العمل الإسلامي ، والحق الذي اراه : أن كون العمل الشامل لا بد من تعدد مناحيه ومجالاته حتى يشمل كافة عرى الدين ويغطي جميع جوانبه فهذا أمر صحيح ينبغي ان يكون عليه عملنا لدين الإسلام ، وتعدد القيادات للعمل الإسلامي إن كان من خلال التآلف والتعاون على البر والتقوى والعمل للإسلام ، وإن كان من خلال التوافق والتكامل ، كلٌ يكمل عمل الآخر ، فهذا من أحسن الحسن ، وإما إن كان يؤول إلى التعارض والشقاق والتنازع والاختلاف ، فهذا من الفشل وذهاب القوة والضرر على الإسلام وأهله ، إنّ تعدد قيادات العمل الإسلامي الذي يؤول إلى تفرق العمل الجماعي وتشتته واختلاف الكلمة واضطراب التنظيم وتعارض التخطيط لنجاح العمل الإسلامي ، فهذا الامر لا يصح لا سيما في عندما يكون المسلمون مستهدفين من أعدائهم ، فكيف وقد تكالب عليهم من بأقطار الأرض كلٌ يريد ابادة الإسلام وأهله ، فآنذاك فالشرع الإسلامي ينهي نهيا جازما عن الفرقة والاختلاف والتنازع والتعدد في العمل الجماعي الذي يهدف إلى مصرة الدين ، وذلك لأن الفرقة والاختلاف يؤديان إلى التنازع والفشل وذهب ريح العمل الإسلامي وفشله في تحقيق أهدافه ، وآنذاك فالشرع الإسلامي يأمر أمرا جازما بوحدة العمل الإسلامي على قيادة راشدة واحدة تأخذ بالعمل نحو نجاحه ، وتضع خطة عملية واحدة واطار عملي واحد واستراتيجية عملية واحدة نحو تحقيق أهداف العمل الإسلامي ونجاحها ، ( 2 ) معطيات ضرورية تؤهل الصف الإسلامي لتصور استراتيجية عملية إسلامية صحيحة مناسبة قادرة على تحقيق التجديد الإسلامي المنشود : إنّ أهم المعطيات الضرورية التي تؤهل الصف الإسلامي لتصور استراتيجية عملية إسلامية صحيحة مناسبة قادرة على تحقيق التجديد الإسلامي المنشود تتمثل في : ( أولاً ) : معرفة أهداف العمل الإسلامي التي ينبغي الجد في تحقيقها ، ( ثانيا ): معرفة خصائص رسالة دين الإسلام العملية التي ينبغي العمل الجاد من أجل ترسيخها ، ( ثالثا ) : معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيق تلك الأهداف وترسيخ تلك الخصائص ، ( رابعا ) : معرفة سنن الله تعالى - و التي لا تتبدل لأحد ولا تتغير من أجل أحد - في التغيير والنصر والتمكين ،  ( خامسا ) : أسباب عدم صحة قياس حالنا العملي على حال السلف الصالح العملي ، ( سادسا ) : معرفة نظرة العمل الإسلامي التجديدي تجاه المحيطين به ، والغرض من تلك المعطيات الالمام بوعي وفقه عملي يؤهل القائمين على العمل الإسلامي لتصور استراتيجية إسلامية عملية صحيحة مناسبة وقادرة على تحقيق التجديد الإسلامي المنشود ، ( قلت ) : وقد تقدم بيان ذلك مختصرا بما يغني عن تكراره ، ماعدا البند الخامس والسادس ،  والبند الخامس يتمثل في : أنّه ( لا يصح قياس حالنا العملي على حال السلف الصالح العملي ) : لأنّ منهج سلفنا الصالح رضي الله عنهم العملي كان الامتداد الطبيعي والترسيخ الحقيقي للمرحلة النهائية من منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي (مرحلة التمكين في الارض والجهاد الطلبي لإزالة الفتنة) فقد ورث سلفنا الصالح رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرحلة الجهاد الطلبي وقاموا بها حق قيام ورسخوا ملامحها حتى بسطوا سلطان الدين على معظم الارض آنذاك ولو امتد بهم الزمان لما وجد على الارض سوى سلطان الإسلام ، أما اليوم فأمة المسلمين مستضعفة والاعداء يتكالبون عليها من كل جانب يعبثون بمقدراتها ويستحلون حرماتها ، والخلافة غائبة وشرع الله تعالى محظور والمسلمون في ديارهم لا يملكون قرارهم بأنفسهم فما أشبهنا بحالة الاستضعاف الأولى التي ينبغي السير على هدى من ملامحها وضوابطها حتى نستحق سنن التغيير وحتى نقوى على مواجهة الباطل وتحقق شروطه وآنذاك نسير على طريق النصر ثم التمكين وآنذاك يصح قياس حالنا العملي على حال السلف الصالح رضي الله عنهم، أما قبل ذلك فلا يصح ، والبند السابع يتمثل في : ( نظرة العمل التجديدي الإسلامي تجاه المحيطين به ) : ( أ ) إنّ العمل التجديدي الإسلامي ينبغي أن ينظر إلى العاملين لدين الإسلام على : أنهم جميعا ما كان عملهم في إطار منهاج أهل السنة والجماعة يقومون على ثغور دين الإسلام الدعوية والتربوية والتعليمية والحسبية والجهادية والسياسية والخيرية ، وعلى أنهم جميعا ينبغي أن يشاع بينهم جو المودة والإخاء والإيثار والتعاون على البر والتقوى ، وعلى أنهم جميعا ينبغي أن يستجمعهم وحدة منهجية صحيحة واحدة وتوافق عملي وتكامل وتعاون وتآلف حتى يكون سيرهم نحو نصرة الدين واعلاء كلمته على صف واحد كالبنيان المرصوص ، ( ب ) وينبغي أن ينظر إلى ينظر إلى شعوب الإسلام على أنّها : ساحات الدعوة وساحات البناء على الدعوة ومساحات الاعداد ومساحات استحقاق سنن التغيير ومن ثم النصر والتمكين ، وهو ينظر إلى تلك الشعوب بعين الرأفة والرحمة ولين الجانب والتيسير والترغيب رغبة في تأليف قلوبها وايقاظها من الغفلة وانتشالها من براثن الجهل وقصور الفهم بدين الإسلام ، وهو يعلم بأنه متى تغيرت الشعوب من الغفلة إلى التمسك بمبادئ الدين وشرائعه ومن الجهل إلى العلم به ومن البعد عنه إلى العمل من أجل نصرته فآنذاك يأذن الله عز وجل بالتغيير نحو الفلاح ونحو الغلبة ونحو النصرة والتمكين ، ( ت ) وينبغي أن ينظر إلى أعداء الإسلام على أساس : أن الصف الإسلامي ينبغي ان تكون له خططه العملية المستوعبة لمكائد هؤلاء فلا تعطيهم الفرصة لتحقيق مآربهم ، وأن حساب هؤلاء لن يكون قبل أن يقف العمل الإسلامي التجديدي على قدميه ويملك امر نفسه ويملك زمام المبادرة وآنذاك يكون حسابهم بما يستحقون ، وأنه مالم يملك الصف الإسلامي امر نفسه ويستوفي شروط المواجهة مع الباطل وأهله فانه مشغول بالدعوة والبناء على الدعوة والاعداد الشامل قدر الاستطاعة والسير نحو استيفاء شروط التغيير والمواجهة وهو حريص آنذاك على عدم إثارة مواجهات مع هؤلاء من شأنها تفتيت القوى وبعثره للجهود وانحراف العمل الإسلامي إلى مزالق ما كان ينبغي أن يذهب إليها ، ( وبعد ) فتلك المعطيات الستة : معرفة أهداف العمل الإسلامي التي ينبغي الجد في تحقيقها ، ومعرفة خصائص رسالة دين الإسلام العملية التي ينبغي العمل الجاد من أجل ترسيخها ، ومعرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيق تلك الأهداف وترسيخ تلك الخصائص ، ومعرفة أسباب عدم صحة قياس حالنا العملي على حال السلف الصالح العملي ، ومعرفة سنن الله تعالى - و التي لا تتبدل لأحد ولا تتغير من أجل أحد - في التغيير والنصر والتمكين ،  ومعرفة نظرة العمل الإسلامي التجديدي تجاه المحيطين به ، ستؤهل القائمين على العمل الإسلامي - إن شاء الله تعالى - لتصور استراتيجية إسلامية عملية صحيحة مناسبة وقادرة على تحقيق التجديد الإسلامي المنشود ،  ( 3 ) الإطار العام للعمل الإسلامي الصحيح الناجح في المرحلة المقبلة : من الفقه في العمل لنصرة دين الإسلام ، أن يعرف الصف العامل لدين الإسلام الاطار العام للعمل الإسلامي المنشود المقبل وملامحه التي تؤهله للسير إلى الأمام في نجاح ، وإنه لمن الضروري ومن الأهمية بمكان أن يسير الصف الإسلامي في الفترة المقبلة ضمن اطار صحيح مدروس ذي ملامح واضحة لا يحاول الخروج عنها حتى لا يتعرض العمل الجماعي للفشل ، وحتى يتأهل العمل الإسلامي للسير نحو تجددي الدين وتحقيق أهدافه دون عوائق تعوقه عن بلوغه لغايته ، وأهم تلك الملامح التي تمثل الخريطة الاساسية العامة للعمل الإسلامي المنشود المقبل: ( أ ) نشر الدعوة إلى الله مع الشغف بها والانقطاع اليها بمعظم الجهد والطاقة وتجييش ما يمكن تجييشه من العاملين لدين الإسلام لهذا العمل العظيم ، ( ب ) السلمية والصبر التام على استفزازات الجهات المعادية والصفح وكف اليد حتى يأذن الله بأمر من عنده ، ( ت ) الإيجابية والبناء من كل موقع والعمل في كل اتجاه ومحاولة سد كل الثغرات ، ( ث ) العلنية بالجهر بالحق وتبليغ الرسالة لا تخش الا الله والبعد قدر المستطاع عن السرية التي تريب المحيطين بالعمل الإسلامي فيه ، ( ج ) التربية والتزكية والتكوين على الدعوة لبناء قاعدة النصر والتمكين ولبناء حزب الله الذي له الغلبة والتمكين  ، ( ح ) العمل الجاد المتقن المتأني الصحيح شرعا والنتائج على الله عز وجل فلا تعجل في طلبها ، ( خ ) الابتعاد الكامل عن المواجهة المسلحة مع اعداء الدعوة حتى تستوفي شروطها الشرعية الكاملة ، والناظر الة تلك الملامح التي تمثل الاطار العام للعمل الإسلامي الملائم للفترة المقبلة يجد أنها نفس الملامح التي قام عليها منهج النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الإسلام في بداية امره حيث امكانيات الصف الإسلامي قليلة محدودة وامكانيات الاعداء يفوقها بأضعاف مضاعفة وفي ذلك اشارة إلى الاخذ بأسباب النصر وبسنن التغيير والتمكين التي لا تتبدل ولا تتغير ، والعمل ضمن هذا الاطار هو الفقه العملي المطلوب في الفترة المقبلة في عامة أقطار المسلمين ، والعمل ضمن هذا الاطار يؤمن للحركة الإسلامية عملها ويحفظ عليها افرادها وقوتها قدر الاستطاعة ، ولتفصيل تلك الملامح والمبادئ نقول وبالله التوفيق : ( أ ) نشر الدعوة إلى الله تعالى مع الشغف بها والانقطاع اليها بمعظم الجهد والطاقة وتجييش ما يمكن تجييشه من العاملين لدين الإسلام بهذا العمل العظيم ، فالدعوة إلى الله تعالى هي المعلم الأول في حياته صلى الله عليه وسلم وهي شغله الشاغل في بداية عمله لدين الإسلام فهو البشير والنذير وهو الهادي إلى صراط الله المستقيم ، وكان شعاره صلى الله عليه وسلم في دعوته قوله تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } ، وقوله تعالى : { ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ، وقوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } ، وهذا العمل هو العمل الذي ينبغي للصف الإسلامي أن يركز عليه في فترته المقبلة تمام التركيز وذلك عن طريق الدعوة الفردية والدعوة العامة ، وينبغي أن يتم هذا العمل عن طريق جهاز دعوي متكامل يمسح القطر كله دعوة إلى الله وفق احكامها وآدابها ووفق منهج دعوي صحيح مدروس يحدد ماهية المبادئ التي ينبغي نشرها والدعوة اليها وفق اهميتها وموضعها في دين الإسلام ، وينبغي ان يولي جهاز الدعوة إلى الله أهمية كبيرة وينبغي أن يجيش له ما يمكن تجييشه من العاملين المخلصين لدين الإسلام الذي يؤثرون الدعوة والعمل الدعوي على الاوقات والاعمال وزينة الحياة الدنيا ، دعاة شغوفون لدعوتهم يرون هداية الرجل الواحد للتمسك بدين الإسلام خير من الدنيا وما عليها ، دعاة يصلون بالدعوة إلى كل مكان وإلى كل المسلمين ولا يقفون بها عند حد وهؤلاء هم الدعاة التي تحتاج اليهم الحركة الإسلامية المقبلة ، ولو وصل الدعاة اليوم إلى ذلك المستوى من الشغف بدعوتهم لوصلنا إلى قاعدة إسلامية قوية عريضة ولوصلنا إلى راي عام اسلامي صادق وإلى جيل جديد يحمل الدعوة وينصر الرسالة ويسعى جادا من أجل اعلاء كلمتها ورفع رايتها ، ( ب ) السلمية والصبر التام على استفزازات الجهات المعادية والصفح وكف اليد حتى يأذن الله بأمر من عنده ، فالسلمية شأن كل حركة لم تقف على قدميها بعد وتريد ان تنجح في الوصول إلى تحقيق أهدافها ، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ، والسلمية هي منهج النبي صلى الله عليه وسلم الأول في التمكين لرسالة الإسلام في الارض فقد امر بكف اليد وبالعفو والصفح والصبر حتى يأتي الله بأمره ، والسلمية هي الطريق الواسع الامن نحو نشر رسالة دين الإسلام وتبليغ دعوته والكف والمنع من استعمال السلاح هو حماية الصف الإسلامي من مخاطر لا يقوى على مواجهتها ، والسلمية شريطة أن تكون صحيحة شرعا لا غبار عليها من الناحية الشرعية ، والواقع يحدثنا أن كل عمل تعمل في المواجهة دون اعداد عدة وأخذ بأسباب كانت نهايته على يد أصحابه والشرع يحدثنا ان الني صلى الهه عليه وسلم ظل يدعو إلى الله ثلاث عشر سنة وأصحابه يعذبون ويذوقون أشد البلاء ولم يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم باغتيال احد من صناديد الكفر والشرك او بقتله بل جاء الشرع يؤمر بكف اليد وبالصفح والصبر حتى يأذن الله بالفرج القريب : { حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } ، ( ت ) الايجابية والبناء من كل موقع والعمل في كل اتجاه لسد كافة الثغرات وتغطيه كافة الاحتياجات العملية ، فينبغي العاملين لدين الإسلام أن يؤثروا الايجابية والبناء في كل موقع يستطيعون البناء فيه والعمل في كل اتجاه اسلامي يستطيعون سد ثغرته ، وذلك لأن احتياجات التجديد المقبل عظيمة وأهدافه الغائبة كثيرة ولا شك في ان تحقيق كل ذلك يستلزم من كل مسلم أن يعمل قدر استطاعته وفي المجال الذي يتقنه من أجل نصرة دين الإسلام وتجديد امره وتحقيق أهدافه  ، وبالإيجابية المستمرة يتسنى للمسلم أن يتغلب على المعوقات التي تعترض العمل الإسلامي وتحول دون تغلغل الفكرة الإسلامية في أعماق المجتمع المسلم ، شريطة ان تكون لك الايجابية في اطار الشرعية وفي اطار الانضباط التام بالشرع الحنيف دون مراهنة أو نفاق ، ( ث ) العلنية والجهر بالحق وتبليغ رسالة الإسلام لا نخشى في الله لومة لائم والبعد قدر المستطاع عن السرية التي تريب المحيطين بالعمل الإسلامي فيه ، فالعلنية هي السبيل الواضح الصريح وهي أقصر الطرق للوصول إلى المقصود من أي عمل ، والعلنية هي الطريق الاساسي والخط الأصيل في توعية المسلمين بأمور دينهم وبالتالي تكوين القاعدة الإسلامية التي تمد الصف الإسلامي بما يحتاجه من رجال ومال ، وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم بالحق وتبليغ رسالته لا يهاف في الله لومة لائم ولا يخشى في ذلك الا الله وحده ، والسرية وان كانت ضرورة في أمور خاصة بالعمل الإسلامي الا انها ينبغي ان تكون في أضيق الحدود وذلك لأن سلبياتها كثيرة واعتمادها كخط اصيل للعمل الإسلامي يقضى عليه في مهده لما يثيره من شكوك تتناول جميع المحيطين بالعمل الإسلامي دون استثناء أحد منهم ، ( ج ) التكوين على الدعوة والتربية والتزكية لبناء قاعدة النصر وحزب الله الذي له الغلبة والفلاح والتمكين ، فلا بد وأن يتبع المجهود الدعوي استجابة من اولئك الذين خالط الإيمان شغاف قلوبهم ولذلك ينبغي وأن يتلازم مع الدعوة التكوين عليها لأولئك الذين استجابوا لها وامنوا بمحتواها ، ولا يتم ذلك التكوين الا بالتربية الإسلامية الخالصة على الالتزام بالشرع الحنيف والاستعداد الدائم للتضحية من اجل ذلك بالنفس والمال والجهد والوقت ، ولا يتم ذلك الا بالتزكية الإسلامية الخالصة التي تتمثل في القلب السليم الممتلئ بالتوحيد والإيمان وفي النفس الزاكية الممتلئة بصفات الإسلام الحميدة وفي الاخلاق العظيمة والآداب العالية ، ولا تتم التربية الا وفق منهج تربوي يتربى فيه المسلم على الطاعة لله ولرسوله ولأولي الامر في العسر واليسر والمنشط والمكره ، ولا يتم التزكية الا وفق وسائل وسلوكيات التزكية التي شرعها دين الإسلام من عبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج والاعتمار وتلاوة القران وقيام الليل وذكر الله تعالى ، ومن أعمل القلوب كالصبر والشكر والتقوى واليقين والزهد والفي الدنيا والاقبال على الاخرة ... إلى غير ذلك من الوسائل الشرعية لتزكية الأنفس وسلامة القلوب ن والمسلم الذي تربى على منهج القران وتزكى على نهج القران هو جندي في جزب الله له الغلبة والتمكين في الدنيا وله الفلاح والفوز والرضوان في الآخرة ، ( ح ) العمل الجاد المتقن المتحري للصحة الشرعية والمتأني فلا يتعجل في طلب النتائج ، فالعمل الإسلامي الجاد يؤثر العمل على القول ويؤثر المخبر على المظهر ويؤثر النتائج العملية الحقيقية على الصيت والشهرة وإثبات الوجود ، والعمل الإسلامي المتقن هو الذي يراعي ويتحرى للصواب الشرعي ، وهو الذي ينضبط انضباطا كليا بالشرع الحنيف ولو كان في ذلك من التأني ما فيه وهو الذي يحسن العمل ولا ينتظر النتائج فالثمرة إلى الله تعالى يضعها حيث يشاء ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصل ليله بنهاره عملا لدين الإسلام ومن أجل نصرته وإظهار امره وكان يسير وفق هدى القران ووفق وحي الله عز وجل له، وعندما عبس في وجه الأعمى واعرض عنه رجاء أن يؤمن له عظماء مكة عاتبه لله عز وجل في ذلك لأن الهداية إلى الله يضعها حيث يشاء ولو شاء لأمن من في الارض جميعا ولو شاء لنصر جيته بقوله كن فيكون ، ولكن المنهج القرآني سمته وهديه التأني وإتقان العمل وإحسانه لله عز وجل وعدم التعجل في طلب النتائج وقطف الثمار لأن ذلك إلى الله يضعه حيث يشاء ومتى يشاء ،  (خ ) الابتعاد الكامل عن أي مواجهات مسلحة مع اعداد الدعوة : وفي ذلك الملمح أتم الصيانة للصف الإسلامي وللعمل الإسلامي من الخطر العظيم الذي لا طاقة للعاملين لدين الإسلام به قبل إعداد العدة واستيفاء شروطه المواجهة ، والناظر المتمعن إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعمله لنصرة دين الإسلام يجد ان خطته العملية اعتمدت قبل قيام دولة الإسلام على نشر الدعوة والتكوين عليها بالتربية ، والتزكية والتعليم مع منع اي مواجهة ابتداء مع اعداء الدعوة وكذلك منع رد العدوان حتى لا يجر إلى مواجهة مسلحة لا طاقة للصف الإسلامي بها ، إنّ الدعوة التي لا تتحلى بتلك الصفة - الصبر على استفزاز الجهات المعادية والابتعاد عن المواجهة المسلحة- فهي دعوة متهورة مقضي عليها في مهدها ، ولو كان عدم الالتزام بهذه الصفة ممكنا لأي دعوة في مراحلها التكوينية لما اتصفت بها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في صدرها الأول ، فهو النبي المرسل من قبل العزيز الحكيم العليم الخبير ومع ذلك تحمل كل انواع الأذى والكيد والعداء ورأي بعينيه الكريمتين دماء أصحابه الزكية تسيل ومع ذلك لم يخرجه ذلك عن الاطار الذي سار عليه والذي سدد فيه خطاه المولى جل وعلا والذي كان من ملامحه الصبر على الأذى والابتعاد التام عن الصدام حتى تستوفى شروطه كاملة ، وتلك الصفة امتدت حتى بعد قيام دولة الإسلام ولكنها كانت نامية لم يشتد عودها بعد فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عز وجل بتأجيل المواجهة مع اليهود حتى يأتي الله بأمره ، قال تعالى : { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ، فالآية صريحة في الامر بالعفو والصفح والصبر حتى يأتي الله بأمره والله على كل شيء قدير ، وامتداد هذا الامر إلى عهده المدني يدل على ان المهادنة والمعاهدة مع الكفار وأهل الكتاب هي حكم اسلامي عملي متجدد يخضع لظروف وامكانيات الجماعة المسلمة ووفق تحقيقها لشروط المواجهة الواجبة ، والجماعة التي لم تستوف شروط المواجهة مطالبة دائما بالالتزام بالابتعاد عن المواجهة المسلمة مع اعداء الدعوة ، وهذا لا يمنع أبدا من الجهر بالحق والصدع به والله مولانا ولا مولى لهم ،  ( 4 ) معرفة أهم محاور العمل الإسلامي اللازمة لتجديد الدين وتحقيق اهدافه : لكي يسير العمل الإسلامي إلى تحقيق أهدافه بخطى صحيحة راسخة قوية ثابته ينبغي له أن يسير على عدة محاور ضرورية ولازمة لنجاح العمل وتحقيق أهدافه المرجوة منه ، ومن أهم تلك المحاور العملية : ( المحور الأول ) : السعي الجاد نحو تقارب الصفوف وتوافق وجهات نظر العاملين لدين الإسلام الواقفين على ثغوره : ووصل الحلقات المفقودة فيما بينهم حتى نصل إلى صف اسلامي واحد موحد على مستوى القطر الإسلامي الواحد  تحت قيادة راشدة واحدة وفي ظل منهج اسلامي صحيح واحد يكون بمثابة الجامع المنهجي الذي يؤهل المسلمين جميعا لوحدة إسلامية واحدة ، و ( المحور الثاني ) : تفجير العمل الإسلامي الصحيح الجاد الشامل : على مستوى كل قطر الإسلامي ، وكل مكان فيه أحد من اهل الإسلام : دعوه وحسبة وتعليما وتربية وتزكية واعدادا للجهاد الجاد من أجل نصرة الدين وتحقيق أهدافه ، و ( المحور الثالث ) : التكوين الجاد على ذلك العمل الصحيح الشامل : بغية الوصول إلى حزب الله الواحد العامل لدين الإسلام في القطر الإسلامي الواحد وبغية الوصول إلى التمايز الواضح بين جند الحق وجند الباطل وأهل الإسلام وأهل العداء له وبالتالي يكون العمل الإسلامي على بينه من أمره ، و ( المحور الرابع ) : التغلب على معوقات العمل الإسلامي التي تعترض انتشاره داخل القطر الإسلامي وبالتالي تيسير مهمته ومساعدته على السير إلى الأمام بخطى صحيحة قوية راسخة ، ( المحور الأول ) : السعي الجاد نحو توافق الصف الإسلامي العامل لدين الإسلام – على مستوى كل بلد اسلامي- وصهر جميع العاملين لدين الإسلام أفرد وجماعات في بوتقة عمل جماعي متآلف متعاون تحت قيادة راشدة متوافقة متآلفة متعاونة وفي ظل منهج اسلامي صحيح ذي مرجعية واحدة ، ويبدأ ذلك بإشاعة جو المودة والموالاة والمحبة بين كافة العاملين لدين الإسلام وذلك بوسائل شرعية صحيحة تؤدي إلى تقارب الصفوف ، ومن تلك الوسائل : علاج الاسباب المؤدية إلى الخلاف والنزاع بهدي الكتاب والسنة بمرجعية المدارس المتخصصة على منهاج اهل السنّة والجماعة فنقبل ما اتفقت عليه رأيا واحدا ، ويسعنا ما وسعها من الخلاف سواء في امور العقيدة او الفقه او التزكية او العمل ، مع التوسط والاعتدال الشرعي في فهم قضايا الإسلام ، والارتباط الدائم بالحق والتعود الدائم على ذلك ، وتنمية أواصر الاخاء والولاء والحب في الله تعالى والتزاور فيه ، وتنمية الحسنات التي تقوم بها جماعات العمل والدعوة ومعالجة الأخطاء ، وتنمية الفقه العملي لدى مختلف العاملين لدين الإسلام والقائمين على ثغوره ، وترسيخ الاقتناع لدى جميع العاملين لدين الإسلام على وجوب وضرورة وحتمية ووحدة الصفوف واجتماع الكلمة ، وذلك بالتأكيد على فرضية الوحدة من الكتاب والسنة ، والتأكيد على حرص الصحابة الشديد على وحدة الصف واجتماع الصفوف ، ومعرفة الواقع الإسلامي وتكالب الأعداء على دين الإسلام وذلك كله يوجب الوحدة ، والسير في طريق عملي وبخطط عملية حكيمة نحو اجتماع الصفوف على قيادة راشدة تمثل الصف كله ومؤهلة لحمل راية التجديد وتحمل تبعاته ، وقد تقدم بيان اكثر ذلك في الباب السابق : (مدخل إلى معرفة أهم الخطط العملية الحكيمة للنهوض بأعباء هذا الدين القيم ) ، و ( المحور الثاني ) : تفجير ونشر العمل الإسلامي الصحيح الشامل الجاد نحو تحقيق اهدافه على مستوى القطر الإسلامي كله ، إن اهم ما يجعل العمل الإسلامي سائرا نحو تحقيق أهدافه بخطى قوية راسخة هو العمل الجاد الذي لا يعرف الملل ولا المداهنة ولا الركون إلى الذين ظلموا ولا يخاف في الله ويخشاه وحده لا يخشى في ذلك الا الله وحده جلت قدرته وتعالت عزته وعظمته ، هذا الذي يصل ليله بنهاره دعوة إلى الله وحسبة على الدين وتعليما لشرع الإسلام وتربية وتزكية لقلوب ونفوس المسلمين واعدادا للجهاد الصحيح الذي لا شبهة فيه ولا التباس من اجل نصرة الدين وتجديد امره وتحقيق أهدافه ، ويتم هذا العمل الجاد من خلال أجهزة عملية تعمل لدين الإسلام على بصيرة وعلم ومعرفة بما تقوم به من أعمال إسلامية هي اساسا أعمال المرسلين والأنبياء والمصلحين والعلماء المجاهدين من صفوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأهم تلك الاجهزة العملية : ( أ ) جهاز الدعوة إلى الله عز وجل : يشرف على الدعوة إلى الله عز وجل على بصيرة على مستوى قطر الإسلامي كله بحيث تصل الدعوة إلى الله إلى كل مسلم مقصر في حق ربه مفرط في حق نفسه ، تصل صحيحة وفق مراحلها وأحكامها وآدابها التي قررها العلماء الفقهاء الدعاة إلى الله ، وتتم الدعوة إلى الله تعالى وفق منهج دعوي صحيح مدروس يعم على جميع القائمين على الدعوة حتى نضمن ان تصل صحيحة وبالحكمة والموعظة الحسنة وتستفيد من تجارب الدعاة إلى الله ما كانت في اطار الصحة الشرعية ، ( ب ) جهاز الامر بالمعروف والنهي عن المنكر : وهو جهاز جليل يقوم على عاتقه حراسة الدين وحفظ شعائره وشرائعه وشعائره ، يشرف على الامر بكل معروف والنهي عن كل منكر وإحياء السنن ومحاربة البدع والمفاسد والفاحش والرذائل على مستوى القطر كله ، بحيث تملأ الحسبة على الدين طباق القطر كله وللحسبة اعظم على البركة على العمل الإسلامي كله ، وتتم الحسبة على الدين وفق منهج حسي صحيح مدروس يعم على جميع القائمين على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر المؤهلين لذلك العمل العظيم الذي لا يصح له الا الفقهاء ، وذلك حتى نضمن وصول الحسبة صحيحة وفق مراحلها وآدابها وأحكامها وشروطها التي قررها العلماء الفقهاء المحتسبون ، وتتم الحسبة وفق الاطار العام الذي يسمح به العمل الإسلامي الجاد الصحيح المناسب للمرحلة التي قررها العلماء الفقهاء المحتسبون ، والتي يمر بها العمل الإسلامي ، وذلك حتى لا يؤدي تغيير المنكر إلى حدوث منكرا أكبر منه ، ( ت ) جهاز علمي تعليمي ، وهو جهاز جليل يقوم على رأسه خيرة العلماء في القطر الإسلامي ، يقوم بوضع مناهج التعليم الشرعي التي تلائم وتناسب العامة والتي تركز  

على المعلوم من الدين بالضرورة والتي تعتمد التخصص ، وتتتلمذ على المدارس المتخصصة في العقيدة والفقه والتزكية ، فتلتزم اتفاقهم ، ويسعها اختلافهم ، ويشرف هذا الجهاز على نشر علوم الإسلام الصحيحة الصافية المصفاة ويركز على المعلوم من الدين بالضرورة في مختلف علوم الإسلام ويصرف انظاره العامة عن مواضع الخلاف العلمية ويركز على علوم الرقائق التي توقظ الإيمان في نفوس العامة ، ويعم عمل هذا الجهاز حتى تصل العلوم الشرعية الملائمة العامة إلى كل مسلم يجهل أمر دينه ، ( ث ) جهاز تربوي : يقوم بتربية المستقطبين إلى العمل الإسلامي تربية جماعية على العمل الجماعي وقواعده وضوابطه وتربية جهادية على التضحية والجهر بالحق والصبر عليه وتربية روحية على تزكية النفس وطهارة القلب بتلاوة القران والعبادات الصلوات والصيام وغيرها من وسائل التزكية الشرعية الصحيحة ، ويعمل هذا الجهاز وفق منهج تربوي صحيح وفق خطة تربوية مدروسة لها ملامحها الواضحة ووسائلها المعتمدة وسلوكياتها الصحيحة ، وبعد فتلك أهم الأجهزة العملية التي ينبغي أن يوليها الصف الإسلامي تركيزا خاصا ورعاية مستمرة ، وهناك أجهزة اخرى لا شك يحتاج اليها العمل الإسلامي ومن تلك الأجهزة : ( جهاز فكري ثقافي ) : يقوم بوضع وتعميم المناهج الفكرية والثقافية الإسلامية الصحيحة وذلك بقصد : توجيه المجتمع نحو القيم الإسلامية العالمية ، وتحصين المجتمع من الثقافات الاجنبية الفردية المعادية لدين الإسلام ، ومعرفة المجتمع المسلم لأعدائه ومخططاتهم لإبادة الإسلام واهله ، ومعرفة المجتمع المسلم لوسائل النهوض بدينه وإظهاره علي الدين كله ، ومعرفة المجتمع المسلم لأسباب تأخره ، وغير ذلك من جوانب الثقافة الإسلامية العلمية والعملية ، و ( جهاز اعلامي ) : يقوم بالتعبير عن مواقف الصف الإسلامي وأدائه واعماله واهدافه ، ويقوم بتغطيته الاحداث التي تهم المسلمين بمنظور اسلامي صحيح ، ويقوم بذلك من خلال وسائل الاعلام الممكنة ، ( جهاز مالي ) : يعمل على تمويل العمل الإسلامي بما يحتاجه من مال ، لا غنى له عنه ، ولعلنا من ذلك تفهم اهمية الجهاد بالمال وقد قرن مع الجهاد بالنفس في آيات الجهاد ، ( جهاز خدمات اجتماعية ) : يقوم بالتكافل الاجتماعي بين المسلمين وذلك بمساعدة المحتاج وتقديم المساعدات الممكنة والمتاحة لهم ، ... إلى غير ذلك من أعمال قد يحتاج اليها العمل الإسلامي الجاد من أجل نصرة الدين وتجديد امره الدين وتجديد امره وتحقيق أهدافه ، والقائمين على العمل الإسلامي من خلال تلك الأجهزة العملية : ينبغي ان لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن العمل لدين الإسلام ونصرته ، وينبغي أن يصدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وينبغي ان يبلغوا رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا الا الله ، وينبغي ان يصلوا ليلهم بنهارهم ووقتهم بجهدهم عملا لدين الإسلام ، و ( المحور الثالث ) : التكوين الجاد على ذلك العمل الشامل : ويكون ذلك بالاستقطاب المستمر والانتقاء المتواصل للعناصر الإسلامية الصالحة للانضمام للصف الإسلامي العامل لدين الإسلام والصالحة للانخراط في العمل الجماعي الإسلامي الجاد من أجل نصرة الدين وتجديد امره وتحقيق أهدافه ، ثم الارتقاء الرأسي لهؤلاء بالتربية الإسلامية وبالتعليم الشرعي حتى نصل إلى بناء عاملين جدد ( دعاة وعلماء ومحتسبين ومجاهدين ) يقومون على العمل الإسلامي وحتى نصل إلى عمل جماعي قوي يهدف إلى نصرة الدين والتضحية من أجل ذلك بالنفس والمال والجهد ، وإلى جيل رباني قد تربى تربية إسلامية على العمل الجماعي وقواعده وضوابطه الشرعية الصحيحة ، وتربية إسلامية على الجهاد والتضحية من أجل نصرة دين الإسلام بكل ما يملك ، وتربية إسلامية على الآداب العالية والاخلاق العظيمة وكل ما يؤدي سلامة القلب وزكاة النفس وحسن الخلق ، وعلى علم شرعي راسخ يمثل ذروة سنام الفهم الصحيح لدين الله والعمل الجاد لنصرته ، وينبغي ان يدرج ضمن البناء منهج عملي لتربيه قادة جدد للعمل الإسلامي على مستوى المسؤولية لتحمل تبعات العمل الجاد لنصرة الدين ، ويقوم على ذلك المنهج جهاز خاص يعمد إلى التركيز على النابغين المخلصين وتربيتهم تربية قيادية خاصة وذلك حتى يتسنى للصف الإسلامي تخرج قادة قادرين على ادارة العمل الجماعي الإسلامي مستقبلا على أحسن وجه مستطاع ، و ( المحور الرابع ) : التغلب على معوقات العمل الإسلامي : سواء أكانت داخل الصف العامل لدين الإسلام ، أو داخل الشعب المسلم ، أو تجاه أنظمة الحكم التي تحكم اقطار المسلمين ، أو تجاه المؤسسات والمنظمات والقوى المعادية للعمل الإسلامي : إنّ العمل الإسلامي وهو في سيرة نحو تحقيق أهدافه التي هي اهداف رسالة دين الإسلام في الأرض يواجه معوقات تعوق انتشاره وسيره نحو تحقيق أهدافه ، وهذه المعوقات منها ما يتعلق بالصف العامل لدين الإسلام ومنها ما يتعلق بالشعوب المسلمة ومنها ما ينشأ بسبب الاحتكاك مع انظمة الحكم التي تحكم أقطار المسلمين ومنها ما ينشأ بسبب العدا السافر لمؤسسات وأنظمة كافرة تحيك دائما المؤامرات والدسائس والمكائد للعمل الإسلامي والقائمين عليه ويؤازرها في ذلك اعداء الله واعداء الدين من الخارج ، والعمل الإسلامي الجاد المثمر ينبغي أن يتغلب على تلك المعوقات حتى يتسنى له السير الصحيح الثابت الراسخ الحثيث نحو نصرة الدين وتحقيق أهدافه ، ومن تلك المعوقات التي تعوق العمل الإسلامي داخل الصف الإسلامي لدين الإسلام وكيفية التغلب عليها : ( أ ) الفرقة والتعدد الجماعي واختلاف العمل وضعفه نتيجة ذلك ، ( ب ) العزلة عن الشعب : إنّ الصف الإسلامي العامل لدين الإسلام قد يتعجل أثر الدعوة إلى الله في الشعب ولا يجد هذا الاثر سريعا فيشعر باليأس السريع من استجابة الجماهير لتلك الدعوة للعودة إلى دين الإسلام والتمسك بتعاليمه والعمل بشرائعه ، وآنذاك يقيم الصف حجبا كثيفة بينه وبين الناس ويعجل بالحكم على الشعب بالفسوق والعصيان وقد يصل بهم المطاف إلى تكفير المجتمعات المسلمة ، وعند ذلك يتقوقع العمل الإسلامي وينغلق على القائمين عليه فقط وفي ذلك الهلاك السريع للعمل الإسلامي وللقائمين عليه ، ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم إمام الدعاة والمرسلين حيث أدمى المشركون قدميه بالحجارة وهو يقول اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون أعظم الموعظة والقدوة ، ولنا في النبي نوح عليه السلام الموعظة والقدوة حيث مكث في قومه ألف سنة الا خمسين عاما وهو يدعوهم إلى الله وما آمن معه الا قليل ، ولنا في قصة بني يونس عليه السلام الموعظة الحسنة حيث تعمل على قومه فعاتبه ربه جل وعلا وهو النبي المرسل وفي قصته مع قومه - عليه السلام - اشارة إلى عدم استعجال أثر الدعوة مطلقا حتى يأذن الله بالهداية لكافة المسلمين ، ويكون التغلب على ذلك المعوق الذي يقتل العمل الإسلامي في مقتل حيث يعزله عن مستودع وقوده يكون بالإيجابية مع الشعب والاخذ بيديه برفق إلى طريق الله بالحكمة والموعظة الحسنة وبالرفق واللين والتيسير ولا التعسير والتبشير لا التنفير ، ويكون كذلك يتعود العاملين لدين الإسلام على الصبر على الدعوة وعلى العمل وعدم تعجل قطف ثمار الدعوة فإن الله سيجعل الله سيجعل بعد اليسر يسرا وبعد الدعوة هداية وبعد العمل نجاحا ولكننا نستعجل ، ويكون كذلك بحفص القائمين على العمل الإسلامي الجناح للمسلمين جميعا لكسب حبهم وثقتهم جنبا إلى جنب مع العمل الجاد ليل نهار حتى يشرح الله صدورا غلفا وقلوبا عميا لدعوة الحق ولئن يهدي الله بك رجلا خير لك من الدنيا وما فيها ، ، ( ث ) عدم الجدية في العمل ، فهناك داعية يصل ليله بنهاره دعوة إلى الله يصل بالدعوة إلى كل مكان سارت اليه قدماه أني ذهب فهو يحمل أني ذهب فهو يحمل دعوته ورسالته معه ، وهناك عالم عامل يصل ليله بنهاره تعليما للمسلمين لأمور دينهم وتزكية لتلامذته وأنى ذهب فهو يحمل دعوته ورسالته معه ، وأينما ذهب فهو قدوة للمسلمين جميعا ، وهناك المجاهد الصادق الذي يقوم بكل ما يكلف به من مهام يحمل روحه على اكفه يبيع دنياه ونفسه ومال وما عليك رجاء رضوان الله وجنته ، وهناك اخرون لا يقومون بالعمل الإسلامي الا كما وصف الله المنافقين بقوله تعالى : { وَإِذَا قَامُوا إلى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } ، وهؤلاء دائما محسوبون من العاملين لدين الإسلام وهم العمل على وبالا ، والتغلب على ذلك المعوق : بتربية العاملين لدين الإسلام على مناهج تربوية عملية دعوية وحسبيه وجهادية على العمل والطاعة وعلى التضحية والإيثار ، وذلك حتى يتسنى للصف الإسلامي أن يبني رجالا يتمثلون قول الله تعالى : { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } ، وقول الله تعالى : { رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } ، وقول الله تعال (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ، ( ج ) حب الدنيا وكراهية الموت : فهما الوهن الذي حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم ومتى دب إلى قلوب العاملين لدين الإسلام حب للدنيا وكراهية للموت تنافسوا في الدنيا وتطلعوا إلى مكاسبها الدنيوية وتفرقوا شيعا من أجل الدنيا يذيق بعضهم بأس بعض وأصبحوا جميعا غثاء كغثاء السيل ، والتغلب على ذلك المعوق الخطير للعمل الإسلامي : يكون بتزكية العاملين لدين الإسلام على مناهج صحيحة للتزكية الإسلامية الصحيحة ووسائلها الشرعية الصحيحة ، ترسخ تلك المناهج في قلوب العاملين لدين الإسلام الزهد في الدنيا الحقيرة الفانية التي لا تساوي عند الله عز وجل جناح بعوضة وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور  ، وترسخ في قلوب العاملين لدين الإسلام حب لقاء الله وحب الشهادة في سبيله والسعي الجاد لنيلها ، ومتى زهد العاملون لدين الإسلام لدين الإسلام في الدنيا واحبوا الاخرة وأقبلوا عليها لا يقف في وجهه عملهم شيء حتى ينالوا احدى الحسنين النصر او الشهادة ، وقد كتب الله لأغلبن انا ورسلي ان الله لقوي عزيز ، ومن تلك المعوقات التي تعوق العمل الإسلامي داخل الشعب المسلم وكيفية التغلب عليها : ومن تلك المعوقات : ( أ ) الانصراف عن دين الإسلام وعن طلب علومه وعن العمل به وله ، وهذا منشؤه نقص الإيمان او ان الإيمان لم يخالط القلوب او ان الإيمان مخدد في القلوب يحتاج إلى من يوقظه ، ويتم التغلب على ذلك المعوق ، بتفجير الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة بين صفوف الشعب المسلم الذي يمثل عوام المسلمين والذي تجدي مع اكثرهم الدعوة إلى الله وتؤتي أفضل ثمارها معهم لا سيما مع ذلك الشباب الحائر الذي لا يدل طريقا ولا يعرف غاية ولا هدفا وانغمس في ضياع الوقت والعمر في الشهوات ، فالدعوة إلى الله ان تمت وفق منهج مدروس وخطه دعوية شاملة صحيحة لا شك انها ان شاء الله ستثمر مع شعوبنا المسلمة أثم اثمار وستنجح بينهم أتم نجاح ، ( ب ) الجهل بالإسلام وبشرائعه واوامره ونواهيه : وهذا منشؤه ضياع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين حتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا ، ويتم التغلب على ذلك المعوق الذي يعترض العمل الإسلامي داخل الشعب المسلم بتفجير الاحتساب على الدين والامر بكل معروف والنهي عن المنكر في كل مكان على مستوى القطر المسلم ويتم ذلك عن طريق جهاز حسي من العاملين لدين الإسلام العلماء والفقهاء ووفق منهج حسي مدروس يراعي احكام وآداب وضوابط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ومراحلة المتدرجة نحو ازالة المنكر ، وللحسبة بركة عظيمة في تغيير الحال وتعريف الناس والزامهم بتعاليم شرائع دينهم ويرى المجربون ان للحسبة بركة عظيمة في صلاح أحوال العباد سواء كانت الحسبة في أمر كبير أو صغير من شرائع الدين وسواء كان في لب الشريعة او قشورها (وانما يحفظ اللب بالقشر) ولكن مع الحذر التام من الخوض في الخلافيات ومحاولة الزام الناس برأي دون اخر فهذا باب في الجدل عظيم يصرف العوام عن العمل لدينهم والالتزام به وإلى الجدل وما احب الناس للجدل وأكسلهم عن العمل : { وكان الانسان اكثر شيء جدلا } ، ( ت ) قصر الفهم لدين الله عز وجل أو الجهل به : وهذا منشؤه عدم طلب العلم الشرعي الذي يصح به فهم الدين ومعرفة المعلوم منه بالضرورة  ، ويمكن التغلب على هذا المعوق بواسطة جهاز علمي متخصص يقوم عليه علماء الصف الإسلامي الشرعيين وينشر علوم الدين الصافية الصحيحة المصفاة ويركز على المعلوم من الدين بالضرورة في كل علم في علوم الدين العقائد والفقه ويركز كذلك على علوم السير والرقائق التي توقظ الإيمان في القلوب وتورث الخشية في الصدور وانما يخشى الله من عباده العلماء ، ( ث ) اليأس من انتصار الصف الإسلامي ونجاح العمل الإسلامي : وهذا الاحساس مترسخ في أذهان عامة الشعوب المسلمة بسبب الاضطهاد المتكرر الذي يتعرض له العاملون لدين الإسلام ، ويتم التغلب على ذلك المعوق الذي يعترض العمل الإسلامي داخل الشعب المسلم عن طريق ترسيخ اليقين في قلوب وعقول العامة بأن نصر الله قريب وآت لا ريب فيه وأن الله ناصر عباده المؤمنين الناصرين لدينهم وأن جند الله هم الغالبون المنتصرون وأن حزب الله هم المفلحون والغالبون وأن دين الإسلام ظاهر على الدين كله ولو كره المشركون ، ويتم ذلك بنشر الآيات القرآنية والبشارات النبوية الدالة على ذلك النصر ففي ذلك ترسيخ للثقة في نصر الله عند العامة وعند العاملين لدين الإسلام ، وقد قال الله تعالى : { حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } ، ويتم التغلب على ذلك المعوق أيضا عن طريق ترسيخ الإيمان واليقين في قلوب العامة بأن طريق النصر لابد وأن يمر بالبلاء والتمحيص والاختبار والعاقبة في النهاية للمتقين الصابرين الموقنين ، ( ج ) حب الدنيا والركون إليها وإلى شهوتها وملذاتها ، فحب الدنيا رأس كل خطيئة وأصل كل منقصة ومعصية وهي من أكبر المعوقات التي تصرف المسلمين عن دينهم وعن الالتزام به من أجل نصرته ، والتغلب على ذلك المعوق يتم عن طريق التركيز على دعوة المسلمين إلى الزهد في الدنيا وبيان حضارتها وقيمتها عند الله تعالى وفي نفس المؤمن ، وكذا عن طريق الترغيب والترهيب والرقائق والسير التي ترقق القلوب وتزهد في الدنيا وترغبها في الآخرة وفي العمل لها والاستعداد لها ، وبعد فتلك بعض المعوقات التي تعوق العمل الإسلامي وتعترض انتشاره داخل الشعوب المسلمة وكيفية التغلب عليها هو جزء من خطة العمل الإسلامي الناجح المثمر الصحيح ، والتغلب عليها يسير إلى لدعوة الإسلام التغلغل في اعماق المجتمع المسلم وبالتالي صحوة إسلامية حقيقية تتمثل في : عودة المسلمين إلى دينهم يتمسكون به ويحبون نصرته وظهور امره ، وايجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية ، وايجاد القاعدة الإسلامية الشعبية الإسلامية العريضة التي    الفكرة الإسلامية وتحب الدعاة اليها وتكره كل من يقف في طريقها  ، وايجاد الجيل المسلم المثقف بدينه الواعي في كيفية نصرته والعمل له ، وبناء لبنات المجتمع الإسلامي الحقيقي الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا ويكون بمثابة وقود العمل الإسلامي نحو تحقيق أهدافه ، ومن تلك المعوقات التي تعوق العمل الإسلامي بسبب الاحتكاك بالسلطات والحكومات : الحكومات ثلاث : إما ( حكومة مسلمة راشدة ) : وهذه ينبغي على العاملين لدين الإسلام مؤازرتها بالولاء والنصرة والتأييد والدعاء وأن يكون ولائهم لها خالصا فهي جنتهم وهم جنودها المخلصون ، و ( حكومة مسلمة جائرة بظلم أو فسوق ) ، وهذه ينبغي على العاملين لدين الإسلام مؤازرتها بالنصح والإرشاد مع الرفق في ذلك والدعاء بصلاح حالها ، وأنه لا يجوز الخروج عليها مجال إلا ان يروا كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان وفيما دون ذلك فلها عليهم بالطاعة والمؤازرة ، و ( حكومة كافرة ) بين كفرها عندنا فيه من الله برهان ، وهذه ينبغي على العاملين لدين الإسلام الجادين في نصرته أن يسعوا إلى إقامة دولة الإسلام الراشدة التي تحرس الدين وتسوس البلاد به وترفع لواء العمل الإسلامي من أجل تحقيق ببقية أهداف العمل الإسلامي ، وينبغي أن يكون سعيهم نحو اقامة الدولة وفق خطوات عملية شرعية صحيحة تحرص أشد الحرص على عدم التعسف في تغيير المنكر بمنكر أكبر منه وتحرص أشد الحرص على عدم التعسف في تغيير ذلك المنكر قبل استيفاء شروط تغييره ، والصف الإسلامي مالم يملك امر نفسه ويستقل بأموره وقراراته ويستوفي شروطه مواجهة الباطل فينبغي عليه يعمل لدين الإسلام جادا مجتهدا لا يكل ولا يمل ولكن عليه أن يتغلب على المعوقات التي تعترض ذلك العمل والناشئة من الاحتكاك فتلك الحكومات التي لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة ، ويكون التغلب على تلك المعوقات باتباع سياسة ضبط النفس وكف اليد والصفح والعفو والصبر حتى يأتي الله بالفتح القريب ، ويكون كذلك بتجنب الاحتكاك بالسلطات او الاصطدام بها أو التعرض لها بالقوة ورد العدوان فكال ذلك يأتي بالخسارة على الصف الإسلامي وعلى العمل الإسلامي بالدرجة الأولى ، والصبر على استفزاز تلك السلطات هو من أبرز عوامل صيانة العمل الإسلامي والقائمين عليه لأن عدم الصبر على استفزازات تلك السلطات سيعطيها المبر المستمر للاحتكاك بالعاملين لدين الإسلام وتصفيتهم في أي وقت ارادت وهي الاقوى عدوا وعدة وعتادا ، وقد يقول قائل أجاهدهم بيدي حتى أقتل ولي الشهادة ، وهذا وان جاز في حق الافراد فعلى ضوابط أحدها أن يضمن ألا ينقلب الانتقام إلى كافة العاملين لدين الإسلام وهذا غالبا ما يحدث ، وكذلك فإن هذا العمل لا يجوز في حق صف اسلامي يريد تجديد الدين وتحقيق أهدافه لأنه حتما سيسير على هدي  النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك والا فمآل عمله إلى الفشل والهزيمة وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم العمل وفق الامكانيات المتاحة دون تعسف او تواكل او عدم الاخذ بالأسباب او معارضة لسنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير ولو تبدلت لكان اولى الناس بها النبي صلى الله عليه وسلم في عملة لنصرة دين الإسلام مر بمراحل عملية عديدة تحكم كل مرحلة منها ضوابط وقواعد عملية لصيانة العمل الإسلامي ونجاحة في تحقيق اهدافه فدل ذلك على ان الواجب علينا اليوم التأسي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في نصرة الدين وتحقيق أهدافه ، ويكون التغلب على معوقات الاحتكاك بالسلطات ايضا : بالعمل السلمي والدعوة العلنية والوضوح والبعد قدر الاستطاعة عن المخاطر التي تعرض الصف للتصفية ، وهذه وان كانت اخذا بالأسباب وهو ما نطالب به الا أنه ليس معناه ترك العمل الإسلامي أو التهاون فيه أو المداهنة كلا ، بل المقصود هو العمل لدين الإسلام دون كلل او ملل ليل نهار ولكن في ضمن اطار عمل يحفظ للعمل الإسلامي نجاحة في تحقيق اهدافه ، ويكون التغلب على معوقات الاحتكاك بالسلطات ايضا: بتأليف القلوب والعمل بمبدأ المؤلفة قلوبهم ويطلب النصرة المستمرة دون يأس وبدعوتهم باللين والرفق وقد ارسل الله عز وجل موسى إلى فرعون الطاغوت وامر نبيه وكلمه موسى عليه السلام بالدعوة باللين والرفق : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } ، وسبحان مغير الاحوال والقلوب والاعمال ، وقد يجعل الله تعالى الخير على من نظن أنه أبعد الناس عن دين الله ، وقد يقول قائل : إن أغلب هؤلاء يعادي دين الإسلام ، ويكون الرد عليه بأنه على أقل الأحوال (معذره إلى ربنا ولعلهم يتقون) وهؤلاء هم الذين انجاهم الله من العذاب البئيس ، وطلب النصرة ان لم يأت بنتائج مرجوة منه فهو على الأقل سيجنب الصف الإسلامي الضغينة والحقد والشر الموجود عند هؤلاء نحو العاملين لدين الإسلام ، وإن كان طلب النصرة احتمالاته ضعيفة ولكنه كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم فقد عرض نفسه على ثقيف وهي اغلظ قلوبا من قريش وهو كذلك من باب المعذرة إلى الله واقامة الحجة على اولئك المعاندين ، وبعد قتلك بعض وسائل التغلب على المعوقات الناشئة عن الاحتكاك بالسلطات التي تفادي دين الإسلام وتكره نصرته وانتشاره ، ( وبعد ) : فهذه تصوراتي عن استراتيجية العمل الإسلامي التجديدي  المقبل المنشود وهي في الحقيقة اجتهادات متفرقة لعلماء العمل الإسلامي المجاهدين العاملين ، وأغلب عملي أن جمعتها من أقوالهم وكتاباتهم ونسقها بما يلائم تسلسل الموضوع وبما يجعلها خطة متكاملة - إن شاء الله  تعالى - للعمل التجديدي المنشود وأخص منهم العلامة يوسف القرضاوي في أكثر مؤلفاته العملية القيمة التي تتعلق بترشيد العمل الإسلامي والصحوة الإسلامية ، وحسين بن محمد بن جابر رحمه الله في مؤلفه القيم الطريق إلى جماعة المسلمين ، وعلى قادة العمل الإسلامي وعلمائه : تمحيص تلك الاجتهادات واعتماد الصالح منها حتى تسير صفوف المسلمين نحو تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ، وان اريد الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب ،  والخلاصة : تتمثل في أنّ من أهم لبنات علم التجديد العملي المنشود هذه اللبنات : ( 1 ) معرفة أهمية وضرورة العمل من أجل دين الله ، ( 2 ) معرفة أهم الخصائص العملية لهذا الدين ، ( 3 ) معرفة أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده ، ( 4 ) معرفة أهم الوسائل الشرعية لتحقيق رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى ، ( 5 ) معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التمكين لدين الله ، ( 6 ) معرفة فقه الواقع الإسلامي المعاصر وفقه الواقع العالمي المرير المحيط بالعمل الإسلامي ، ( 7 ) معرفة فقه سنن الله تعالى في النصر والتمكين لدين الله تعالى وتحقيق رسالته العملية ، ( 8 ) معرفة ضوابط دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة لتنظيم العلاقة بين الحاكم المسلم والرعية بما يمنع الفتنة ويوحد الصف لنصرة الدين ، ( 9 ) معرفة كيفية  العمل الجماعي الجاد الصحيح للإسلام في ظل الواقع المعاصر ، ( 10 ) معرفة أهم الأعمال الرئيسية الحكيمة للنهوض بأعباء هذا الدين القيم ، ( 11 ) معرفة أهم مخططات العمل الإسلامي وخططه المطلوبة للتجديد العملي المنشود ، ( 12 ) رسم دقيق لملامح الاستراتيجية العملية الإسلامية المناسبة للسير الجاد نحو التجديد ، فتلك بعض أهم لبنات التجديد العملي المنشود ، وبعد فهذا ما تيسر في إجابة السؤال ، والله تعالى أعلم ورسوله ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

*****

عدد الزيارات 745

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا