السؤال السابع وإجابته وهو يدور حول الإصلاح والتجديد في الجانب العملي


الثلاثاء, 22 آذار/مارس 2016 23:32

السؤال ( 7 ) : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،   وبعد : تكلمتم عن حديث التجديد ، وبيان المقصود من التجديد ، وبيان أهم جوانب التجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ منها التجديد العملي وإصلاح الخلل العملي في الأمة ، فما هي أسس ومنطلقات ولبنات هذا الإصلاح العلمي المنشود ،  أفتونا مأجورين ؟

 أفتونا مأجورين ؟

الجواب ( 7 ) : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :  أقول وبالله التوفيق : إنّ من أهم لبنات علم التجديد العملي المنشود هذه اللبنات : ( 1 ) معرفة أهمية وضرورة العمل من أجل دين الله ، ( 2 ) معرفة أهم الخصائص العملية لهذا الدين ، ( 3 ) معرفة أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده ، ( 4 ) معرفة أهم الوسائل الشرعية لتحقيق رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى ، ( 5 ) معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التمكين لدين الله ، ( 6 ) معرفة فقه الواقع الإسلامي المعاصر وفقه الواقع العالمي المرير المحيط بالعمل الإسلامي ، ( 7 ) معرفة فقه سنن الله تعالى في النصر والتمكين لدين الله تعالى وتحقيق رسالته العملية ، ( 8 ) معرفة ضوابط دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة لتنظيم العلاقة بين الحاكم المسلم والرعية بما يمنع الفتنة ويوحد الصف لنصرة الدين ، ( 9 ) معرفة كيفية  العمل الجماعي الجاد الصحيح للإسلام في ظل الواقع المعاصر ، ( 10 ) معرفة أهم الأعمال الرئيسية الحكيمة للنهوض بأعباء هذا الدين القيم ، ( 11 ) معرفة أهم مخططات العمل الإسلامي وخططه المطلوبة للتجديد العملي المنشود ، ( 12 ) رسم دقيق لملامح الاستراتيجية العملية الإسلامية المناسبة للسير الجاد نحو التجديد ، وبعد فتلك بعض أهم لبنات التجديد العملي المنشود ،

( اللبنة الأولى من لبنات التجديد العملي ) : معرفة أهمية العمل لنصرة دين الإسلام وتحقيق أهدافه :  الإسلام رسالة ربانية خالدة جاءت لتنير للبشر حياتهم : { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ  وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ المائدة : 15 ، 16 ] ، وهو منهج رباني قويم جاء ليحكم الأرض بشرع الله عز وجل وينظم الحياة فيها وفق مبادئه الحسنه القيمة ، وقد أرسل الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالبينات وبالهدى وبدين الحق وأيده بالقوة والسلطان والسيف ذي البأس الشديد من أجل إظهار الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون ومن أجل التمكين لشريعة ذلك الدين على الأرض وبسط سلطانه عليها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، قال تعالى : { لَقَدْ أرسلنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ  وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز ٌ} [ الحديد : 25 ] ، وقال تعالى { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أرسل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة : 32،33 ] ، وقال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 8 ، 9 ] ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس التوحيد والصلاة وسائر العبادات والطاعات ، وكان كذلك يعلمهم كيف يكون العمل لنشر الدين وحفظه وإظهاره ، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بكل وسائل نشر الدين ، من دعوة وتربية وتعليم وتزكية وحسبة وجهاد ، فكان صلى الله عليه وسلم : يدعو إلى الله عز وجل ليل نهار ويحتسب على دين الإسلام في كل أموره أمرا بكل معروف ، ناهيا عن كل منكر ، مجاهدا في سبيل الله جهادا دفاعيا في بادئ أمر الجهاد لأجل حماية دين الإسلام وأهله ثم جهادا طلبيا من أجل نشر الدين وبسط سلطانه ، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج من الغزوة إلى الغزوة ويرسل السرية تلو السرية ويباشر القتال تلو القتال نصرة لدين الإسلام وتحقيقا لأهدافه ، وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم عمله لهذا الدين منذ بداية بعثته حيث أمره الله عز وجل بالدعوة إليه ونشر رسالة التوحيد فدعا إلى الله وانذر عشيرته الأقربين ثم انذر من حولهم من بطون وقبائل العرب ثم انذر العرب قاطبة ثم انذر العالمين جميعا ، وأقام صلى الله عليه وسلم في مكة بضعه عشرة سنة ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزيه وكان يُؤمر بكف اليد والصبر والصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره ويأذن الله بالفتح المبين ، بدليل قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيديكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أو أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلى أجل قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخرة خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا } [ النساء :77 ] ، فقد أمرهم الله تعالى بكف اليد والصبر والصفح في مكة المكرمة ، ثم يسر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أسباب الهجرة إلى المدينة وأذن له في الهجرة إليها فهاجر إليها وأقام دوله الإسلام الأولى يرسخ فيها مبادئ الإسلام تعليماً وتربيةً وتزكيةً ، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ، ويبني فيها القاعدة الصلبة من المؤمنين المتآخين المتعاونين على البر والتقوى ، وأتم الله عز وجل له ذلك كله ، ثم أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد الدفاعي ( في إطار رد العدوان وقتال من قاتله والكف عمن اعتزله ولم يقاتله ) كما في قوله تعالى : { أذن لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ الحج : 39-40 ] ، وذلك حتى قويت شوكة المسلمين وترسخت دعائم دولتهم الفتية وآنذاك أمره الله عز وجل بقتال المشركين كافه – الجهاد الطلبي من أجل إظهار الدين والتمكين له وبسط سلطانه على الأرض حتى لا تكون فتنه ويكون الدين كله لله ، كما في قوله تعالى :{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الأنفال :39 ] ، وقوله تعالى : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التوبة : 29 ]  ، فدين الله عز وجل - الإسلام - لا يقبل الله تعالى من العباد جميعا دينا سواه ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } [ آل عمران : 19 ] ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، والمسلمون هم جند الرحمن ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أول المسلمين وإمامهم ، وقد بعثه الله عز وجل لإظهار دين الله الحق القيم وإخراجا لمن حاد الله عز وجل ورسوله من الكفر إلى الإيمان ومن الظلمة إلى النور ، فمن آمن فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين ومن كفر ( فلا إكراه في الدين) ولكن في إطار شرع الإسلام الظاهر ، وداخل سلطان حكم دين الإسلام دين الله عز وجل ، وقام النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد الطلبي خير قيام ، حتى ارتفعت راية التوحيد ودخل الناس في دين الله أفواجا وصارت كلمة الذين كفروا السفلى وكلمه الله تعالى هي العليا ، ومكن الله لدينه في الأرض وكتب له الظهور على الدين ، مصداقا لقوله تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أرسل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ  } [التوبة : 32-33] ، وقد سار الصحب الكرام رضي الله عنهم على نفس النهج الكريم والهدى القويم للنبي صلى الله علي وسلم فأخلصوا العمل لدين الله أيما إخلاص وضحوا من أجل نصرته والتمكين له بالنفس والمال وكل ما يملكون ، وخلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده الطلبي خير خلافه ، فملئوا الأرض دعوه وحسبه وجهادا طلبيا نصره وتمكينا لدين الإسلام ، فأظهر الله عز وجل بهم الدين ومكن لهم في الأرض يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويخرجون العباد من عباده العباد إلى عبادة الواحد القهار ومن ظلمة الكفر إلى نور الإسلام وفي جور الأديان المحرفة والملل الباطلة إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، وحمل التابعون اللواء بعد الصحابة رضي الله عنهم فأكملوا فتوح البلدان ونشر الإسلام حتى وصلت دعوة الإسلام مشارق الأرض ومغاربها ودين الإسلام يزداد تمكينا إلى تمكينه ونصره إلى نصرته وظهورا إلى ظهوره ، وحمل تابعوا التابعين اللواء بعد التابعين رحمهم الله تعالى- فأكملوا المسيرة مسيرة سلفنا الصالح رضي الله عنهم خير قرون الإسلام وفهما وتطبيقا لمنهج الإسلام فحققوا أهداف العمل الإسلامي واتموها خير تمام ، حيث خلافة الإسلام قوية الأرجاء يهابها أعداء الله وأعداء المسلمين ، ودولة الإسلام تقيم الفرائض وتعظم الشرائع وتحافظ على العقائد وترفع لواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ، والفتنة في طريقها للزوال ودين الإسلام يبسط سلطانه على الأرض حتى كاد أن يكون الدين كله لله عملا بقوله تعالى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } فجزأهم الله عن دين الإسلام خير جزاء ، وما أن تم الأمر بالكمال حتى بدأ في النقصان فتوالت اللازمان والقرون على أمة الإسلام والخيرية تقل يوما بعد يوم، وصعدت على المسلمين فتن وفتن ، وانصرف المسلمون-  إلا من رحم الله - عن العمل لدين الإسلام وحمل رايته والتضحية في سبيل نشره وإظهاره بالنفس والمال- وبدلا من أن يمتثلوا بقول الله تعالى{ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّوْنَهُ أذلة عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ أعزة عَلَى الْكَافِرِيْنَ يُجَاهِدُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُوْنَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ } [ سورة المائدة أية 54 ] ، صار بأسهم بينهم شديد وتحرشوا فيما بينهم وأذاقوا بعضهم بأس بعض، وانصرف العلماء إلى نافلة علوم الإسلام واستهلكت تلك النوافل جل وقتهم ، –  إلا من رحم الله من المصلحين والمجددين - وانصرف الأمراء والحكام - إلا ما رحم الله - إلى الدنيا وما فيها من غرور يتنافسون بينهم واعرضوا عن الدين وعن العلم به وعن العمل من أجله ، وانصرف العوام - إلا ما رحم الله - إلى مشاغل الدنيا وركنوا إلى ذلك ، وقد كان على أيام السلف الصالح رضي الله عنهم العلماء هم القادة وهم أهل الشورى وهم أهل الحل والعقد وهم أعلام الجهاد والعمل والتقوى، وكان القادة هم العلماء وهم المتقون وهم السابقون بالخيرات بأذن الله، وكان ذلك واضحا تماما على أيام الصحب الكرام رضي الله عنهم ثم تليهم في ذلك التابعون وتابعوا التابعين ، ثم توالت الأيام بما تحمل من فتن ومفاتن ، فقلت الخيرية يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن ، وهكذا توالى النقصان حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من الاستضعاف والمذلة والمهانة حتى أصبحنا ذيل الأمم جميعا وتكالبت علينا الأمم الكافرة طمعا في استئصال شأفة المسلمين ، والحمد لله أنه تعالى برحمته ومنته يأبى ذلك ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأرض فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفسهم فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إذا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أهلكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفسهم يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأقطارهَا أو قَالَ مَنْ بَيْنَ أقطارهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)) [ أخرجه مسلم ] ، لقد حدثت تطورات عالمية هامة وكبيرة في التاريخ الدولي الحديث غيرت مفاهيم القوي والحروب والصراعات ، وزادت الفجوة العسكرية بين أهل الكفر والشرك وبين المسلمين ، بما يستحيل معه دخول صراعات معها دون سابق إعداد هائل يكافئ موازين القوي والصراع ، فقد ازدادت قوة أعداء الإسلام بصورة يصعب معها مجرد تخيل دخول أي حرب ضدها ، بالقوى المتواضعة التي يملكها المسلمون ، إنّ الثورة الصناعية التي اخترعها الغرب ، وما صاحبها من إحلال الآلات محل القوة البشرية في الصناعة وفي الحرب ، وما تلاها من تقدم تقني وعلمي مذهل نشأ عنه ظهور الأسلحة الفتاكة ، والصواريخ عابرة القارات ، والتفوق الهائل على المسلمين ، مع علمنا اليقيني أنّ القوة هي الأساس الذي يحكم العلاقات بين الدول ، فإنّ القوي يفرض شروطه على الضعيف ، ولذلك وجدنا كل مقدرات وممتلكات الدول الإسلامية شبه مسروقة قسرا من أولئك إما بالتهديد المباشر أو بفرض شروط القوي على الضعيف ، أو بمجرد التلويح باستخدام القوة ، تعلم الغرب من الماضي ولم يتعلم المسلمون ، فإنهم لأجل الاحتفـاظ بالتفوق المادي والعسكري زرعوا اليهود في أرض المسلمين ، وحرصوا على تفتييت الدول الإسلامية إلى دويلات  ، ومنعوا المسلمين من امتلاك المعرفة العسكرية والقوة العسكرية والتقنية العسكرية حتى يظل المسلمون في ضعف وهوان وحاجة دائمة ذليلة للغرب ، هذا في حق الروم أهل الغرب ، أمّا اليهود فهم كما وصفهم 

الله بقوله تعالى : { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } ، إنّ هؤلاء لا يزالون على مر العصور والأيام على مكرهم وكيدهم وعدائهم للإسلام وأهله ، قال تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم } ، وقال تعالى : { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } ، ولهذا كان العلاج الرباني بقوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } [ الأنفال : 60 ] ،  فالإعداد أقصى استطاعة هو السبيل لتكافئ القوى ، وقد أوجب الله تعالى على أمة الإسلام الإعداد الدائم ، وبغير الإعداد تتفاوت الموازيين ، ويصعب مواجهة الاعداء ، وهاهنا : نرى وجوب العمل الإسلامي الجاد - اليوم -  آكد من ذي قبل لاحتياج الإسلام والمسلمين إليه لأنّه أساس الإعداد ، وهاهنا : تكمن أهمية الدعوة إلى الله ، والعودة إلى الله ، لأنّها خط الإعداد الأول ، وتكمن أهمية العلوم التي من خلالها يتكامل العمل الجماعي الإسلامي وينتظم ويسير بخطى صحيحة ثابتة نحو تحقيق أهدافه وتجديد أمره ، وتكمن أهمية العلوم والأسس العملية التي تتناول تغير الواقع المهين الذي يعيشه امة الإسلام إلى العزة والكرامة والقيادة والتمكين ، وتكمن أهمية العلوم والأسس العملية التي تتناول الأهداف السامية المنشودة والغائبة عن واقعنا اليوم وكيفية الوصول الشرعي الصحيح نحو تحقيقها ، وتكمن أهمية العلوم والأسس العملية التي تتناول سنن التغيير والنصر والتمكين  ، وتكمن أهمية العلوم والأسس التي تتناول العمل الجماعي وقواعده وضوابطه وما يؤهله للنصر والتمكين وتحقيق أهدافه ، كل ذلك في إطار قواعد دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة لتنظيم العلاقة بين الحاكم المسلم والرعية ، وفي إطار قواعد دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة التي تضبط حقوق الحكام المسلمين وإن كانوا جائرين  كما حفظها لهم دين الإسلام ، إن تجديد أمر الدين أمر عظيم - لاسيما في أوضاع الضعف والتخلف الراهنة - لذا وجب على كل مسلم أن يُساهم بقدر من جهده وماله لخدمة دينه ونصرته وحمايته من أعدائه وما أكثرهم ، وإلا فإنّ الله تعالى يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 54 إلى 56 ] ، ويقول جلّ شأنه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ التوبة : 38 ، 39 ] ، ويقول تبارك اسمه : { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } [ محمد : 38 ] ،

( اللبنة الثانية من لبنات التجديد العملي )  : معرفة أهم خصائص رسالة دين الإسلام العملية التي ينبغي العمل الجاد من أجل ترسيخها  :  من أهم خصائص رسالة دين الإسلام العملية التي بُعث بها النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم : أنّ دين الإسلام هو دين الخلافة الواحدة التي تجمع المسلمين على بيعة واحدة وراية واحدة تحمي الدين وتسوس الدنيا به ، وهو دين الجماعة الواحدة ( جماعة المسلمين ) ومن شذ شذ في النار ، وهو دين الدولة الإسلامية القوية التي تعلي كلمة الدين وترهب أعدائه ، وهو دين الحكومة القوية التي تقيم الأركان وتعظم الشعائر وتطبق الأحكام وتحفظ العقائد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وهو رسالة شاملة متكاملة تضع الأسس والضوابط لكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أنظمة الدولة الحديثة ، وهو دين الدعوة والحسبة والجهاد من أجل نشر الدين وحفظه ونصرته وبسط سلطانه ، وهو دين الجد والعمل الجماعي من أجل حمل الأمانة وحفظ الإسلام ونصرته ، ( أ ) دين الإسلام دين الخلافة الواحدة التي تجمع المسلمين على بيعة واحدة ، من مات وليس في عنقه بيعه لها مات ميتة جاهليه ، فقد أخرج البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه .. الحديث وفيه (( قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة ، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك((.  [ البخاري : 3606 ] ، والحديث فيه أمر بلزوم جماعة المسلمين ، وإمامهم ( خليفة المسلمين )  ، وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((  من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )) [صحيح مسلم 3|1478 ] ، والحديث ينصب على مبايعة خليفة المسلمين الذي له حق البيعة في أعناق أهل الحل والعقد ، والخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم ، ولها مقصدين كبيرين ، أولهما : حراسة الدين ، والثاني: سياسة الدنيا به ، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة ، وقد وردت فيها الأحاديث الصحيحة المشتملة على التحذير الشديد عن التهاون فيها ، وتصف من مات جاهلاً بها بأن ميتته جاهلية ، وقال الماوردي : "وعقدها ـ أي الإمامة ـ لمن يقوم بها في الأمَّة واجب بالإجماع " أهـ [  الأحكام السلطانية ، ص29. ] ، وقال ابن حجر : " قال النووي : أجمعوا على أنه يجب نصب خليفة ، وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل" أهـ  [فتح الباري 13|176] ، ( ب ) دين الإسلام هو دين الجماعة الواحدة (جماعة المسلمين ) ، ومن شذ شذ في النار ، دل على ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس في الصحيح: (( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة وخرج مات ميتة جاهلية )) [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات فميتته ميتة جاهلية )) [ أخرجه مسلم والنسائي وأحمد ] ، وأخرج الإمام أحمد والحاكم عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه )) [ أخرجه أحمد والحاكم وصححه وصححه كذلك الألباني ] ، والمراد بالجماعة في هذه الأحاديث ( جماعة المسلمين ) التي اجتمع المسلمون على أميرها ( الخليفة ) ، وأما ما سوى ذلك من الجماعات فليس لها حكم جماعة المسلمين وإمامهم الذي اجتمعوا عليه ، ( ت ) دين الإسلام هو دين الدولة الإسلامية القوية التي تعلي كلمة الدين وترهب أعدائه ، إذ لا يمكن أن تتحقق رسالة دين الإسلام على الأرض من حفظ الدين وتطبيق أحكامه إلا من خلال دولة إسلامية تسوس الدنيا بالإسلام وتنتشر الدين وتحقق التوحيد والعدل والاستقرار ، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة ، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر، فما أكثر آيات القرآن الكريم التي تدل على وجوب الحكم بما أنزل الله، وتطبيق الحدود ، وإقامة شرع الله ، والأمر بالشورى، ثم كيف يسوغ لجاهل أن ينكر أن الإسلام دولة أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحمل هم الدين وتطبق أهداف رسالته على الأرض ، وإلا فمن يرفع راية التوحيد ، ومن يقيم شعائر الدين ، ومن يعظم شعائره ، ومن يطبق الحدود ، ومن يحفظ أركان الإسلام ، ومن يدافع عن الإسلام وأهله ، ومن يطبق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، ومن يحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره وترغيبهم في ذلك ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية. ومن يقوم بإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع كما يقضي به الإسلام إن لم يكن هناك دولة إسلامية تقوم أسسها وقواعدها على الكتاب والسنة ، ( ث ) دين الإسلام هو دين الحكومة القوية التي تقيم الأركان وتعظم الشعائر وتطبق الأحكام وتحفظ العقائد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وتحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع إذ لا يمكن حفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إزالة ، حكومة تنشر الدين بالدعوة إليه وتحفظ الدين بالحسبة عليه وتبني مؤسسات علمية لحفظ معالم الدين وللدفاع عنه أمام الشبهات والبدع ودعاوى الباطل وتبني مؤسسات أخلاقية للحفاظ على أخلاق الإسلام ومحاربة الفواحش والرذائل وتسعى لمتابعة كل ما من شانه حفظ الدين ونشره وبسط سلطانه ، وتسعى لمنع كل ما من شأنه الإضرار بعقائد المسلمين أو عباداتهم أو أخلاقهم ، ( ج ) دين الإسلام رسالة شاملة متكاملة تضع الأسس والضوابط لكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية وغيرها من أنظمة الدولة الحديثة : وذلك لان دين الإسلام دين كامل تام تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة ،  بما يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة ، قال تعالى { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل : 89 ] ، وقال تعالى :{ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ إبراهيم : 1 ]  ، وقال تعالى : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } [ الأنعام : 38 ] ،  وقال تعالى { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ يوسف : 111] ،  وقوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : ] ، ومن تكامل المنهج الإسلامي اشتماله على أنظمة شاملة تغطي كافة الأنشطة البشرية المتعددة : ففيه النظام الاجتماعي : الذي يبني العلاقات الاجتماعية على أسس عقائدية وأخلاقية ربانية عظيمة تسعى إلى حفظ ضروريات المجتمع وحاجياته ، وتوجب عليه التكافل من أجل تحقيق ذلك ، وتسعى إلى تحقيق سعادة وفلاحه في الدنيا والآخرة ، وفيه النظام التربوي والتعليمي: الذي يربي الناس على الفضائل والشمائل والمثل العليا الربانية الحكيمة ، ويدعوا الناس إلى العلم وإلى طلب المزيد منه وشرفه سواء كان علم الدين أو كان علم به مصلحة الناس ومبتغاهم ، وفيه النظام المالي (الاقتصادي) الذي يبني العلاقات المالية على أساس العدالة والتكافل بعيدا عن كل الأسباب التحكم والسطوة والاستغلال ، والذي يقوم على أسس ربانية حكيمة تجعل ( المال ) مال الله عز وجل والإنسان مستخلف فيه ولله فيه حقوق، وتجعل ( المال ) نعمة في يد الأخيار الذين يراعون حقوقه ، وتجعل ( العمل والكسب الحلال ) واجب ، وتحرم البطالة والكسب الحرام ، وتمنع كنز المال وحسبه على التداول، وتقر بالملكية الفردية شريطة إلا تتعارض مع مصلحة الجماعة ، وتجعل الناس شركاء في المرافق العامة التي تعود الناس جميعها بالخير والمنفعة ، إلى غير ذلك من قواعد وضوابط ربانية تتحقق من خلالها العدالة الشاملة والتعاون العام وتنتفي كل عوامل الظلم والاستغلال ، وفيه النظام السياسي : الذي يضع الأسس الربانية السليمة لقيام الدولة الإسلامية القوية وإدارتها لأجهزتها المختلفة ، محددا حقوق المواطنة وواجباتها، وعلاقات الدولة الداخلية والخارجية، إلى غير ذلك من شؤون السياسة الإسلامية التي أهم ما تقوم عليه من الأسس أساس الولاء لله ورسوله وللمؤمنين والبراءة من  أعداء الله ورسوله والمؤمنين ، أسس ربانية يتحقق من خلالها أمن المجتمع ونصرة دينه ، وفيه النظام الجزائي : الذي يضع الأسس الربانية الحكيمة لتشريعات تضمن سلامة المجتمع من البغي والفاحشة ومن الجريمة والعدوان. تشريعات تستوي فيها الغني والفقير والوجيه والوضيع، كل الناس سواسية أما القضاء ، وقضاء الإسلام مستقل له حرمته وله سيادته لا سلطان عليه إلا للشرع فلا مدخل إليه لترغيب أحد أو ترهيبه. تشريع تكفيك فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ، وفيه النظام الحسبي:  الذي يتابع المجتمع ويحرص على أن يحفظ للناس دينهم وأعراضهم وأموالهم يأمرهم بكل معروف وينهاهم عن كل منكر ، وفيه النظام الإعلامي الإسلامي الذي يعمل كموجّه أخلاقي لبناء الأمّة ، ويحافظ على قيم الإسلام الروحيّة والماديّة ، ويلتزم ببناء النظام الأخلاقي في الأمة ، وتبني الدعوة إلى الله ونشر العلم الصحيح ، والتزام الصدق الإعلامي ، فرسالة الإعلام في المنظومة الإسلاميّة هي التي تعبّر عن الرسالة الإسلاميّة ، وهي التي تحمل القيم والأخلاق إلى سائر الأمم والشعوب ، والإسلام هو دين البلاغ والإعلام لجميع الناس بلا استثناء ، ، والنبي صلى الله عليه وسلم ما بُعث إلا لإعلام الناس برسالة الإسلام ودعوتهم للتمسك بها والعمل من أجلها ، والدعوة إلى الله عز وجل ما هي إلا إعلام للناس عن رسالة الإسلام ، من هنا يتبين لنا أهمية الإعلام في الرسالة الإسلامية والدعوة إلى الله عز وجل من خلالها ، وفيه النظام الجهادي (العسكري) : الذي يسعى لإعلاء راية الدين وكلمته ونشر النور وإخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن الظلم إلى العدل ومن الكفر إلى الإيمان. والذي يسعى لحماية حرمات المسلمين وسد ثغورهم وإرهاب أعدائهم ، وشرع الإسلام يضع الأسس الربانية القويمة التي تقوم عليها حياة الجهاد حياة العزة والكرامة في الدنيا والعلو والرقعة في درجات الأخرة ، وكل تلك الأنظمة وغيرها ما يحتاج إليه الناس في مجالات الحياة الدنيا وأنشطتها جاء شرع الإسلام بكل قواعدها وأصولها العامة الأساسية في صورة تامة كاملة يكمل بعضها بعضا بما يخدم البشرية جمعاء –فضلا عن أهل الإسلام –ويسير بها نحو الأمن والأمان والسعادة والاستقرار بحكمة خالق الإنسان { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الملك : 14 ] ، وهذه الأنظمة لابد وأن تطبق في حياة الناس : فلم يجعل الله عز وجل للإنسان اختيارا في إتباعها والسير وفق أحكامها بل أوجب عليه الاحتكام إليها وحبل ذلك من أصل الإيمان وأصل الدين ، قال تعالى : {  فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ النساء : 65 ] ،  وقال تعالى : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } [ الأنعام : 114 ] ، وقال تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [ المائدة : 50 ] ، ( ح ) دين الإسلام هو دين الدعوة والحسبة والجهاد من أجل نشر الدين وحفظه ونصرته وبسط سلطانه : دين الإسلام إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة : وفي ذلك يقول الله تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } ، وقال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28 ] ، ودين الإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله من عباده دينا سواه : وفي ذلك يقول الله تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [  آل عمران : 85 ] ، لذا وجب على المسلمين جميعا حمله إلى الناس جميعا ، بالدعوة إليه والحسبة عليه والجهاد في سبيل نشره وحفظه وإظهاره على الدين كله ولو كره المشركون ، ( خ ) دين الإسلام هو دين الجد والعمل الجماعي المتعاون من أجل حمل الأمانة وحفظ الإسلام ونصرته : يقول الله تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد ، ويقول تعالى : { وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[ المائدة : 2] ، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة )) ، والطائفة هي الجماعة من الناس ، ومن الأمور التي توجب - اليوم - التعاون الجماعي على نصرة الدين : غربة الدين وضياع الكثير من فرائضه وغياب الكثير من أهدافه ، أضف إلى ذلك المكائد العالمية على الإسلام وأهله من اليهودية الماكرة الخبيثة والوثنية الملحدة والصليبية الحاقدة ، فقد تكالب الكفار من كل صوب وحوب يوحدون صفوفهم على حربنا ويجمعون كلمتهم على ضرورة إبادة الإسلام وأهله ، ومن له أدنى علم ودراية بما عليه هؤلاء من التخطيط الجماعي الدؤوب لإبادة الإسلام وأهله حتما سيرى وجوب العمل الجماعي الإسلامي ووجوب جديته من أجل مكافئة الواقع بما يكافئه من قوة ومن رباط الخيل  ، كما أنّ دين الإسلام نفسه في أرضه يحتاج إلى من يجدد أمره ويؤنس غربته ويحقق أهدافه ، ومن هذا كله نرى ضرورة تضافر كافة الجهود الإسلامية والتنسيق التام بين كافة القائمين علي العمل الإسلامي وتكاملهم ، وذلك لان التغيير الإسلامي المنشود وتحقيق أهداف العمل الإسلامي في وسط تلك التحديات الرهيبة ، لاشك أن ذلك يستلزم تضافر كافة الجهود والقوى الإسلامية للتعاون على حفظ الدين ونصرته ، ( تنبيه ) ضرورة التفريق بين جماعة المسلمين الكبرى وبين جماعات الدعوة والعمل :  فالأولى ( جماعة المسلمين ) أمارتها أمارة عامة هي الخلافة ، وهي واجبة البيعة والطاعة في عنق كل مسلم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )) ، وهذه لا يجوز تعددها ، لا سيما في القطر الواحد عند الضرورة ، لما يؤدي ذلك إلى الهرج والمرج والتدافع وما ينتج عنه من سفك الدماء واستحلال الحرمات ، ولهذا جاء فيها الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال :رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم )) ، وأحاديث طاعة الأمراء والصبر على جورهم وظلمهم ، كحديث البخاري : ((  اسمعوا وأطيعوا ، و إن استعمل عليكم عبد حبشي ، كأن رأسه زبيبة )) ، وحديث مسلم : (( يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون .. قالوا  : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلوا )) ، وهذه الجماعة هي المقصودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( فإن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع )) ، وأميرها هو خليفة المسلمين الذي جاء في حقه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ))  ، أما جماعات الدعوة والحسبة وغيرها فهي جماعات خاصة في اطار الجماعة الكبرى جماعة المسلمين ، وأمارتها إمرة خاصة لا تأخذ حكم البيعة الكبرى أبدا لأنّها إمرة في شأن معين وجانب خاص من جوانب الدين ، و ( البيعة ) داخل تلك الجماعات الخاصة لا تتعدى كونها مجرد عهد والتزام يلتزم فيه المجتمعون بطاعة من اختاروه أميراً أو قائداً أو رئيساً عليهم في إطار خدمة الدين فإن رأى ما هو أنفع للإسلام جاز له أن يختار الأنفع والأقرب لخدمة الدين ، وهذه الجماعات ينبغي - إن كانت تريد نصرة الإسلام حقاً - ان تتكامل وتتوافق لا ان تتعادى وتتفرق ويضاد عمل كلٍ منها الآخر 

فيحدث الضعف والفشل ، كما في قوله تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، فلا بد هنا من الانتباه والتفريق بين جماعة المسلمين العامة وأحكامها وأحكام بيعتها الملزمة ، وما وبين الجماعات الخاصة وبيعتها التطوعية ، وعدم الخلط ما بين هذه وتلك ، لما يؤدي الخلط من عواقب وخيمة على الإسلام والمسلمين ،

( اللبنة الثالثة من لبنات التجديد العملي ) :  معرفة أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده  :  إن أهم أهداف العمل الإسلامي تتمثل في تلك الأهداف : ( الهدف الأول ) : أداء أمانة تبليغ هذا الدين إلى الناس كافة ، وهذا البلاغ هدف أساسي به نستجيب لأمر الله عز وجل ، وأمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، إذ لولا الدعوة إلى الله والعمل من أجل دين الله تعالى ، لما قام لله على الأرض دين ، ولا انتشر توحيد وإسلام ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغه إلى الناس كافة ، قال تعالى {  يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ..}  الآية. [المائدة: 67] ، وأمره سبحانه بأن تكون الدعوة إلى الله تعالى هي سبيله وسبيل إتباعه إلى قيام الساعة ، قال تعالى { قُلْ هـَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف: 108] ، وأمر سبحانه المسلمين بأن تتخصص طائفة منهم لحمل تلك الأمانة ( أمانة بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام ) ،قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[آل عمران:104] ، و ( الهدف الثاني ) : إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة ، قال الله تعالى : {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}، وإتباع الرسل يخلفونهم في هذه المهمة: وقال تعالى : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي...}، فإقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة هو ضمن أهداف العمل لدين الله تعالى ، والمدعو :  إما أن يستجيب ويهتدي فيتحقق هدف هداية الناس إلى الحق، وإما أن يعاند ويكفر فيتحقق هدف إقامة الحجة لله تبارك وتعالى وينقطع عذر المعاند إمام ربه يوم القيامة: قال تعالى : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَأهم وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء}، وقال تعالى : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } [ الرعد : 7 ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل للناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله عز وجل بأذنه وسراجا منيرا ، ورسالته صلى الله عليه وسلم  تمتد إلى قيام الساعة فهو النبي الخاتم ودينه الإسلام هو الدين الراسخ المهيمن على كافة الأديان قبله ولا يقبل عز وجل من العباد جميعا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه ، وحمل لواء الدعوة إلى دين الإسلام واجب على امة النبي صلى الله عليه وسلم حتى تبلغ الدعوة أرجاء الأرض وحتى تقوم الحجة على العباد جميعا به وحتى تعذر امة النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الأمانة ، و ( الهدف الثالث ) : نشر الدين وهداية العباد ، وإخراجهم به من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى والرشاد ، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ظلم العباد إلى العدل والرحمة والإحسان ، وقد أجمل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام ، عندما أرسله سعد بن أبي وقاص لرستم قائد الفرس يدعوه إلى الإسلام ، فقال له رستم: لماذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام [ البداية والنهاية 7/39 ] ، و ( الهدف الرابع ) : حفظ الدين بالحسبة عليه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان )) [ أخرجه مسلم ] ، و ( الهدف الخامس ) : إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية ، قال تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أو أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } الآية. [النحل: 92] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لأن يهدي الله بك رجلاً وأحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم )) [ متفق عليه ]  ، وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم الدعوي والحسبي و التعليمي والتربوي يهدف دائما إلى إيجاد ذلك المسلم الحقيقي الذي يختلط الإسلام بدمه ولحمة ويرى عزته في التمسك بدينه يعض عليه بالنواجذ ، إنّ حمل لواء التربية والتزكية والتعليم واجب على علماء أمة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلم المسلم من دينه ما يصح به اعتقاده وما تصح به عبادته ومعاملاته وآداب واخلاقه وما تزكوا به نفسه وما يسلم به قلبه { يوم لا ينفع مال ولا بنون لا من اتى الله بقلب سليم } ، و ( الهدف السادس ) : تكوين المجتمع المسلم الذي يمتثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا : قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [ الجمعة:2 ] ، وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران:164] ، ذلك المجتمع الذي تقام فيه الأركان والفرائض وتعظم فيه الشرائع وتظهر ثمار التزكية بالتواد والتآخي والتعاون على البر والتقوى والإيثار والحب في الله ، ذلك المجتمع الذي تنشر فيه فضائل الإسلام من الإيمان والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وتنتشر فيه الفحشاء والمنكر والبغي والفسوق والعصيان ، وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم الحسبي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يهدف دائما إلى إيجاد ذلك المجتمع الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا والذي ينتفي عنه كل ما نهي دين الإسلام عنه ، وأتباع النبي صلى الله عليه وسلم من علماء أمته الوارثين هديه ، يجب أن يكون منهم من يحمل هم إصلاح المجتمع ، قال تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إليهمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] ، والهدف السابع : بناء دولة الإسلام القوية التي تحفظ على المسلمين دينهم وتزود عنه وتحمل لوائه وتنصره وتحقق أهدافه : تلك الدولة التي تحفظ عقائد الإسلام وتطبق أحكامه وشرائعه وتقيم أركانه وتعظم شعائره وتعز أهله وترهب أعدائه ، وتلك الدولة التي ترفع لواءه وتسير به إلى الإمام نحو إظهار أمر الدين وبسط سلطانه والتمكين له في الأرض وحتى تزول الفتنة ويكون الدين كله لله ، وقد كان تركيز عمل النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة تلك الدولة التي تجمع المسلمين تحت وحده واحدة وولاء واحد وقيادة مسلمة واحدة تعمل من أجل نصرة الدين دونما ضغوط أو تدخل من غير الصف المسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل ويطلب منهم نصرته ونصرة دينه ، وظل أمل النبي صلى الله عيه وسلم قائما إلى أن أذن الله عز وجل له في الهجرة إلى المدينة وأقام فيها دولة الإسلام الأولى والتي ما لبثت أن اشتدت حتى شمل سلطانها على أيام تابعي التابعين أكثر المعمورة، تجاهد من أجل إخراج الناس من الكفر إلى الإيمان ومن الظلمات إلى النور ومن جور الأديان المحرفة الباطلة إلى عدل الإسلام المحفوظ بحفظ الله تعالى له ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة  ، إن حمل لواء العمل الإسلامي الصحيح الجاد المنضبط بالشرع الحنيف وضوابطه وأحكامه من أجل إقامة دولة الإسلام في كل قطر يدين أهله بالإسلام واجب وفرض ، وقد تكفل الله عز وجل بنصرة عباده المخلصين الجادين في نصرة دينه وشرعه ، قال تعالى : { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّأهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور } [ الحج : 40- 41 ] ، وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، والهدف الثامن: نصرة المستضعفين من المسلمين في أنحاء العالم : فما أكثر المسلمين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها ، في فلسطين ، وفي بورما والفلبين ، وفي الصومال وأواسط أفريقيا ، وغيرها من بقاع الأرض ، وقد خاطبنا الله تعالى بقوله : { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } [ النساء : 75 ، 76 ] ، والهدف التاسع : إقامة الخلافة الراشدة التي تنوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسية الدنيا به : تلك الخلافة التي تجمع المسلمين جميعا في مختلف أنحاء وأقطار العالم الإسلامي تحت بيعة واحدة وراية واحدة ، تلك الخلافة التي تحمي حرمات المسلمين في أنحاء العالم وتمد لهم يد العون والنصر وتعد العدة من أجل إرهاب أعداء الله وأعداء المسلمين ، وقد اجمع علماء أهل السنة والجماعة قاطبة على وجوب تنصيب خيفة للمسلمين نقل ذلك الإجماع : الماوردي في الأحكام السلطانية ( ص35 ) ، والنووي في شرح صحيح مسلم ( ج12 ص 205 ) ، وابن الحزم في الملل والنحل ( ج3 ص87 ) وغيرهم ممن تقل ذلك الإجماع كثير ، وأمة المسلمين من دون خليفة يوحد كلمتها وينظم صفوفها تظل في اختلاف واضطراب وذهاب القوة والبأس ويستهين أعداء الإسلام بها ويتجرؤون على أهلها لا يحفظون له حرمه ولا إلا ولا ذمه ، إن حمل لواء العمل الإسلامي الصحيح الجاد من أجل إحياء منصب الخلافة الإسلامية الواحدة الراشدة واجب، والطريق إلى تنصيب ذلك الخليفة الممكن الظاهر طويل وشاق ويحتاج إلى صبر وتؤده وحلم وأناة وعلم وعمل جاد لا بعرف الراحة والاستكانة وبشارات النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تؤكد عودة الخلافة الراشدة السائرة على منهاج النبوة، وذلك كائن لأعماله وما علينا إلا السير من بداية الطريق والله يؤتي ثمرة السير لمن شاء من عباده إنه اعلم بالشاكرين المستحقين لذلك الشرف العظيم ، والهدف العاشر : بناء حضارة الإسلام العالمية وإظهاره على الدين كله وإزالة الفتنة من على الأرض والتخلية بين الناس جميعا وبين دين الإسلام لا يقف بينه وبينهم حاجز يمنع وصوله صحيحا إليهم ويمنعهم من قبوله متى شاءوا قال تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } ، قال الله تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة : 32 ، 33 ] ، وقال تعالى :  { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } [ الفتح : 28 ] ، وقال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 8 ، 9 ] ، وتحقيق هذا الهدف يكون بالدعوة إلى الله بكل الجهد والطاقة ليلا ونهارا جهرا وإسرارا ، وقد وعد الله تعالى عباده الصالحين بتحقيق هذا الهدف ، قال تعالى { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  }  [النور : 55 ] ، فإذا من الله تعالى على المؤمنين بالتمكين في الأرض ، فإن ذلك سيكون سببا في نشر الخير والمعروف والصلاح والنهي عن الشر والمنكر والفساد ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأمر بِالْعَدْلِ وَالإحسان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  } [ النحل :90] ،  وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد تثبيت دعائم دولة الإسلام موجها نحو نشر الدين وتبليغه للناس أجمعين إزالة كل قوة تقف حجر عثرة تحول دون انتشار المد الإسلامي الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ، ولذلك أعلن النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد الطلبي من أجل نشر الدين وبسط سلطانه وإعلاء كلمته والتمكين له في الأرض وإزالة كل فتنة تقف في وجه المد الإسلامي المبارك ، وقد كان عمله امتثالا لقوله تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله }  ، وقوله تعالى { وقاتلوا المشركين كافه كما يقاتلوكم كافه } ، وقوله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ، إن حمل لواء هذا الجهاد الطلبي من أجل إظهار دين الإسلام على الدين كله وإزالة الفتنة من على الأرض وجعل الدين كله لله من أعظم مهمات أمة النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض ، ولكي نصل إلى تلك المرحلة العظيمة من الجهاد ينبغي ان نسير في طريق طويل من الإعداد المتقن واستيفاء شروط ذلك العمل العظيم ، والهدف الحادي عشر: المحافظة على تلك الأهداف السابقة محققة قائمة يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل : إن الكفار والمشركين والمنافقين لا يزالون على مر العصور والأيام على مكرهم وكيدهم وعدائهم لدين الله عز وجل الإسلام وأهله ، قال تعالى { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } ، وقال تعالى { ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم } ، وقال تعالى { لتجدن أشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين أشركوا } ، وهؤلاء الكافرين ينفقون أموالهم لحرب الإسلام وأهله ، قال تعالى { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون } وهؤلاء متى وجدوا في الصف المسلم ضعفا أو فرجه تسللوا منها ليمكروا بالمسلمين ومتى تمكنوا منهم فلا يرقبون فيهم يومئذ إلا ولا ذمة ، لذلك وجب على امة الإسلام أخذ الحيطة والحذر الدائمين قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا  } ، ووجب على أمة الإسلام الإعداد الدائم من أجل الحفاظ على أهداف رسالة دين الإسلام قائمة محققه ومن أجل إرهاب أعداء الله على طول الدوام فلا تسول لهم أنفسهم بالكيد للإسلام وأهله ، قال تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } ، وبعد فتلك بعض أهم أهداف العمل الإسلامي ومتى وصل الصف الإسلامي إلى تحقيق تك الأهداف جميعها فإنه يكون قد استطاع تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ، على أن تحقيق تلك الأهداف الغالية ليس ضربا من الخيال أو حديثا عن المستحيل بل هو كائن لا محالة ، كائن لا محالة مهما بلغت قوة الأعداء ومهما بلغ ضعف أمة الإسلام وهوانها فمتى رجعت عن دينها تتمسك به وتعمل جاهدة من أجل نصرته آنذاك يكون لها أياما من أيام الله الكريمات التي تنزل فيها الكرامات وينزل فيها نصر الله لعباده المؤمنين قال تعالى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } ، وقد دلت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم على تحقيق كافة تلك الأهداف المنشودة ، قال تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }  [ التوبة : 32 ، 33 ] ، وقال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 8 ، 9 ] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  إِنَّ اَللَّهَ زَوَى لِي الأرض, فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا, وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا, وَأُعْطِيتُ اَلْكَنْزَيْنِ اَلْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ )) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل و النهار و لا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام و ذلا يذل به الكفر )) [ رواه ابن حبان وصححه الألباني في السلسة الصحيحة ج1 : 7 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر أو الشجر : يا مسلم ! يا عبد الله ! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ، إلاَّ الغرقد فإنه مِن شَجر اليهود )) [ أخرجه البخاري ومسلم  ] ، ولا يقف الأمر عند ذلك الحد بل يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح روما عاصمة أهل الصليب وإن ذلك كائن لا محالة ، فيقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (( بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سئل  أي المدينـتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال : فأخرج منه كتابا قال : فقال عبد الله : بينما نحن حول رسول الله نكتب، إذ سئل رسول الله : :أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مدينة هرقل تفتح أولا : يعني قسطنطينية ) ([ رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ، ووافقهما الألباني في السلسة قائلا : وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني، كما هو معروف، وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح، وسيتحقق الفتح الثاني بأذن الله تعالى ولا بد، ولتعلمن نبأه بعد حين ، السلسة الصحيحة 1\8 ] ، وأخرج مسلم في صحيحه (( قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ نَافِعٌ: يَا جَابِرُ لَا نَرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ )) [ أخرجه مسلم ] ، ففتح الروم قادم لا محالة كما فتحت فارس من قبل ، وكما فتحت القسطنطينية من قبل ، ستفتح روما ، وترتفع عليها راية الإسلام ،   ، فهذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤكد أن التجديد الإسلامي قادم لا محالة مهما ظهر على امة الإسلام من ضعف أو هزيمة ومهما ظهر على أعداء الدين من قوة أو نصر مؤقت ، فدين الله سيبلغ مبلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيتا الا أدخله تحت سلطان دين الإسلام بعز يعز الله به الإسلام وأهله وبذل يذل الله به الكفر وأهله ، والحاصل أن ظهور الدين الإسلامي على الدين كله كائن ولو كره المشركون والتجديد الإسلامي قادم لا محالة ولو تكالب على امة الإسلام من بأقطار الأرض جميعا ، ولكن القضية الهامة تكمن فينا نحن المسلمين ، قال تعالى :{يا أيها الذين امنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، وقال تعالى : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } .

( اللبنة الرابعة من لبنات التجديد العملي )  :  معرفة أهم الوسائل الشرعية لتحقيق رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده  : إن الوسائل الشرعية الصحيحة لتحقيق أهداف رسالة دين الإسلام العملية تتمثل في : الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة ، والبناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم الشرعي الراسخ ، والحسبة على الدين بالأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر ، والإعداد الجهادي لإرهاب أعداء الله وأعداء الإسلام والمسلمين ، والجهاد في سبيل الله من أجل نشر الدين وإظهار أمره وإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله ، والعمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ، ( أولاً ) : الدعوة إلى الله تعالى : هي اشرف رسالة وأعظم قربة إلى الله تعالى فهي عمل الأنبياء ومهمة المرسلين ، وهي أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى:  { يَأَيّهَا النّبِي إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إلى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً } [الأحزاب: 45] ، والداعي إلى الله هو أحسن الناس قولاً ، قال تعالى { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إلى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت:33] ، وأجر الداعي إلى الله عظيم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا...)) [ الحديث رواه مسلم (2674) ] ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما للداعية من أجر عظيم ، فقال  لعلي رضي الله عنه : (( فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً وأ