العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الثالث : ( علم الإيمان ) للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين مميز


الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 18:00 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الثالث : ( علم الإيمان ) للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين

[  1  ]  علم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة من أهم العلوم المفقودة في هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى الخلل الفكري والعقدي بين فرق المسلمين ، وهو علم بالغ الأهمية للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين ، إنّ فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة يجعلنا نفرق بين إيمانين ، الأول : ( الإيمان المطلق ) ، وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً من غير عذاب ، و الإيمان الثاني ( مطلق الإيمان ) وهو أدنى ما يصح به الإيمان وينجي فقط من الخلود الأبدي في النار  ، إذ هو لا يمنع من دخول النار  ، ولكن يمنع من الخلود في النار خلود الكافرين ، وهذا الإيمان هو : ( أصل الإيمان ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه ، وهو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ، وهو الذي يأخذ المرء به اسم الإيمان وحكمه ، ومن خلاله يتم ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً ، ومتى تم تحديد عناصر هذا الأصل بدقة انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا ، واستطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها دون خلط بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل ، ودون خلط بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية ، إنّ التكفير حكم شرعي ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، وعلم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة من أهم العلوم المفقودة في هذا الزمان التي من ثمرة معرفتها : القضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،

[  2  ]  من فقه أحكام ومسائل الإيمان التفريق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق :  ( الإيمان المطلق ) هو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً من غير عذاب ، و ( مطلق الإيمان ) وهو أدنى ما يصح به الإيمان وينجي فقط من الخلود الأبدي في النار  ، إذ هو لا يمنع من دخول النار  ، ولكن يمنع من الخلود في النار خلود الكافرين ، ( أ  ) كثيراً ما نجد القرآن الكريم ينفي عن مسلم ما -  يشهد الشهادتين -  صفة الإيمان ، وذلك كقوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الحجرات : 14 ] ، فهل نفي الإيمان هنا معناه نفي أصل الإيمان ( مطلق الإيمان ) وبالتالي وصف المنفي عنه الإيمان بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، أم معناه نفي الإيمان الواجب الذي معناه نزول العبد من مرتبة الإيمان إلى الإسلام وليس إلى الكفر الأكبر ، الآية دلت على نفي الإيمان ودلت على اثبات مسمى الإسلام ، وفقه الآية يوجب التفريق بين إيمانين ، الأول الإيمان المطلق ، وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً ، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها ، والمنفي عنه هذا الإيمان ( المطلق ) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ،  والثاني هو  ( مطلق الإيمان ) : وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار ،  ( ب ) وكذلك كثيراً ما نجد القرآن الكريم  يفصل بين الإيمان والعمل وذلك بعطف العمل على الإيمان مع أن العمل من الإيمان ، وقد تكرر كثيرا في القرآن الكريم قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، وإذا كان الإيمان يشمل العمل فإن التفريق في الآيات بين الإيمان والعمل يوجب التفريق بين إيمانين ، أصل وفرع ، أصل لا يصح الإيمان بغيره ، وفرع يضاف إليه فيزيده ، وقد فهم فقهاء أهل السنّة والجماعة من هذا الفصل أن المقصود بالإيمان الأصل المقتضي للعمل ، وفي ذلك يقول البيهقي " قوله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لا يدل على أن عمل الصالحات ليس بإيمان ، وإنما معناه أن الذين آمنوا مثل الإيمان الناقل عن الكفر ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل [ شعب الإيمان للبيهقي ج 1/ 49  ] أهـ ،  ( ت ) وكذلك كثيراً ما نجد نفي الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان عن أشخاص مسلمين ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )) [ أخرجه مسلم ] ، فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق ، ولا يسلب مطلق الإيمان ، ولذلك كان من فقه أحكام ومسائل الإيمان على مذهب أهل السنّة والجماعة تقسيم الإيمان إلى ( إيمان مطلق ) و( مطلق الإيمان ) والتفريق بينهما : ( ث  ) المصطلح الأول ( الإيمان المطلق ) : وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً ، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها ، والمنفي عنه هذا الإيمان ( المطلق ) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ،  وعلماء أهل السنة يعبرون عن الإيمان المطلق بعدة مصطلحات قد وردت في بيانهم لأقسام الإيمان ، من ذلك فرع الإيمان و الإيمان الواجب و الإيمان الكامل الكمال المأمور به ، والمصطلح الثاني ( مطلق الإيمان ) : وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، وليس بعده إلا الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار،  وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً ( أصل الإيمان ) أو ( الحد الأدنى من الإيمان ) ، ( ج  ) وأجمع علماء أهل السنّة والجماعة على أنّ العاصي والفاسق من أهل القبلة لا ينفي عنه مطلق الإيمان بعصيانه وفسوقه ولا يوصف بالإيمان المطلق ، ولكن هو مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم ، ( ح  ) الإيمان المطلق يدخل صاحبه في مثل قوله تعالى ( والله ولي المؤمنين ) و قوله ( قد أفلح المؤمنون ) وقـوله ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) وقوله ( أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )  فالإيمان المطلق يستحق أهله به الثواب بلا عقاب ، ومطلق الإيمان يدخــل صاحبه في قوله تعالى ( فتحرير رقبة مؤمنة ) وفي قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) وفي قوله ( لا يقتل مؤمن بكافر ) وأمثال ذلك مما يثبت مجرد الإيمان وإن استحق أهله الوعيد بالعقاب ، (  خ  ) قد ينف الإيمان المطلق عن قوم مسلمين لهم مطلق الإيمان كما في قوله تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } إلى قوله تعالى { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } فالأعراب مسلمون جفاة نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاءً لا نفاقاً وكفراً أمرهم الله تعالى بحسن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ووعدهم خيرا إن أطاعوا الله والرسول :{ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم } ، ومثاله من السنة نفى النبي صلى الله عليه وسلم " الإيمان المطلق " عن الزاني وشارب الخمر والسارق وإن لم ينف عنه " مطلق الإيمان " في قوله ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق ، ولا يسلب مطلق الإيمان ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( من غشنا فليس منا ومن حمل السلاح علينا فليس منا ) فهذا كله نفي للإيمان المطلق وليس نفيا لمطلق الإيمان ، وصاحب ( مطلق الإيمان )  يصح أن يقال : هو  مؤمن باعتبار ما أتى به من أصل الإيمان ، ويصح أن يقال ليس مؤمناً باعتبار تفريطه في الإيمان الواجب ،  (  د  ) من أجل فوائد التفريق بين الإيمانين الإيمان المطلق و مطلق الإيمان : أنّه إذا نفى الشرع الإيمان عن أحد فهل المقصود به كفره الكفر الأكبر المخرج من الإسلام أم المقصود به الكفر دون كفر والفسوق والعصيان ، فتجري عليه أحكام المسلمين ، ومعرفة هذا من الفقه الراسخ في دين الله تعالى ، ،

[  3  ]  من فقه أحكام ومسائل الإيمان عند علماء أهل السنّة والجماعة ، تقسيم الإيمان إلى أصل وفرع ، وأصل الإيمان هو أقل ما يصح به الإيمان وفرع الإيمان يدخل فيه كافة شعب الإيمان وكافة شرائع الدين ، ثم تقسيم فرع الإيمان إلى فرع واجب يتناول أداء الواجبات والكف عن المحرمات وهو ما يسمى ( الإيمان الواجب ) وفرع مستحب يتناول ما زاد على الواجب من السنن والمندوبات ، وهو ما يسمى ( الإيمان المستحب ومنزلة الإحسان ) ، ( ب  ) معرفـة وتحديد أدنى الإيمـان ( أصل الإيمان ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه ، هو أهم علوم الإيمان ، ولما كان علم الإيمان هو علم الفقه الأكبر في الدين ، صار ( أصل الإيمان ) هو  أصل الفقه في الدين كله ، وهو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ، وهو الذي يأخذ المرء به اسم الإيمان وحكمه ، ومن خلاله يتم ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً ، وبالتالي متى مُيز الأصل عن الواجب انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا ، وإذا تميز الأصل عن الواجب استطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها وعدم الخطأ في هذه المسائل دون تمييز بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل ، ودون تمييز واضح بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية ، ( ت ) من الفوائد العظيمة لتحديد أصل الإيمان ومعرفة عناصره وتمييزها عن عناصر الإيمان الواجب وعناصر الإيمان المستحب الكامل ، هو إعطاء كل عنصر من عناصر الإيمان حقه الشرعي اللازم له فعنصر يدخل في أصل الإيمان ليس كعنصر يدخل في الإيمان الواجب وهذا ليس كعنصر يدخل في الإيمان المستحب ، فأهم عناصر الإيمان ما دخل في الأصل لأن نقصه يعني الكفر الأكبر ويليه ما دخل في الواجب لأن نقصه يعني الكفر دون الكفر أو الفسوق واستحقاق الوعيد بالنار ،   وهذا الأصل والإحاطة بأحكامه وتحديد عناصره من أهم  الفقه في مسائل الإيمان لكون صاحبه له في الدنيا اسم الإسلام وحكمه ولا يخلد في الآخرة في النار خلود الجاحدين ،  ويليه ما دخل في الإيمان المستحب لأن نقصه يعني نقص الدرجة والمنزلة دون الدخول في إطار الوعيد بالنار ،  وليس مقصود فقهاء وعلماء أهل السنة والجماعة الراسخون في ا لعلم والفقه والدين بهذا الفصل بين أصل الإيمان وواجبه ومستحبه الاستهانة ببعض عناصر الإيمان -  حاشا لله بل هو الميزان الذي أنزل الله عز وجل به دينه وشرعه وملته الحنيفية السمحة

[  4  ]  أقسام الإيمان ثلاثة  : ( الأصل ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه ، و ( الواجب ) الذي أوجبه الله تعالى على عباده ، و ( المستحب ) الذي به كمال الإيمان ،  القسم الأول : وهو أصل الإيمان ومطلق الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار ،  والقسم الثاني  : وهو الإيمان الواجب المأمور به ، وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها ، وهذا الإيمان يسميه العلماء " الإيمان الواجب " وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها ، والقسم الثالث : وهو الإيمان المستحب ويكون بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه ، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل ، والإيمان المطلق الواجب هو الذي يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهي صاحبه لدخول الجنة ابتداء ، أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين ، وحدود الإيمان المطلق الواجب : أداء الفرائض والكف عن المحرمات والوقوف عند حدود الله دون تعد لها ، ودرجات الإيمان المطلق المستحب عديدة : تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات والتنزه عن الشبهات والمكروهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح ، ( ب ) ضد الإيمان الأصل : الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ومن أتى بأصل الإيمان وصح له هذا الأصل فهو في مأمن من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وضد الإيمان الواجب الكفر ولكن في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرب المتروك منه أو بعده عن الإيمان الأصل ، فالأقرب للإيمان الأصل كالصلاة فإن تركها كفر ولكن دون كفر ، وما كان بعيدا عن الأصل فإن ضده العصيان ، فإن تكرر كان ضده الفسوق ، وأياً كان المتروك من الإيمان الواجب ،  فلا يبلغ منه شيء أن يخرج من الملة بكفر أكبر حتى يأتي على أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد على وجه الإجمال حين الإجمال ، والتفصيل حين التفصيل ، ومن أهم الفوائد من تقسيم الإيمان إلى أصل وواجب ومستحب :  أنّ من حقق أصل الإيمان ( مطلق الإيمان ) نجا من الكفر الأكبر ونجا من الخلود الأبدي في النار ، وإذا زاد العبد عن الأصل فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرّم عليه فقد حقق الإيمان الواجب واستحق اسم الإيمان المطلق ، وإذا مات العبد على الإيمان الواجب دخل الجنّة بلا عذاب ، وإن زاد العبد على الواجب بأداء المستحبات والنأي عن الشبهات واجتناب المكروهات فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب ، وأهل الإيمان الكامل المستحب متفاوتون في المنازل والدرجات تفاوتاً شديداً وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، و ( الإيمان ) إذا أطلق في نصوص الشرع فإنه يدخل فيه الإيمان الواجب والمستحب ، وإذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب دون الأصل أو المستحب ، وأنّ من قال من العلماء أن المنفي هو كمال الإيمان فالمراد به الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة ، وأنّ الإيمان بهذا التقسيم ثلاثة مراتب الظالم لنفسه وأدناه الوقوف على ( أصل الإيمان)  لأنه ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر ، ثم المقتصد ( الإيمان المطلق الواجب ) وصاحبه هو المؤدي للواجبات الكاف عن المحرمات ، ثم السابق بالخيرات بإذن الله وهو مرتبة ( الإيمان المطلق المستحب )  ويصدق ذلك قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ،

[  5  ]  الإيمان قول وعمل : قـول القلب و عمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح : هناك عناصر أربعة تدخل جميعا في مسمى الإيمان الشرعي الذي جاء به كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهذه العناصر هي : الاول ( قـول القلب ) : ويشمل معرفة القلب بالشهادتين وعلمه بهما وتصديقه إياهما ، والثاني ( عمل القلب ) : ويشمل كافة أعمال القلوب من الانقياد والخضوع والمحبة والخشية والإخلاص وغيرها من أعمال القلب ، والثالث : ( قول اللسان ) : ويدخل فيه الإقرار بالشهادتين وتـلاوة القـرآن وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من عبارات اللسان ، والرابع ( عمل الجوارح ) : ويدخل فيه كافة أعمال الجوارح من أداء الفـرائض والمندوبات والكف عن المحرمات والمكروهات ،  ولكل عنصر من تلك العناصر الأربعة أدلته من كتاب الله وسنة نبيه ، فمن الأدلة على دخول قول القلب في الإيمان : قوله تعالى : {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [ الحجرات : 14 ] وقوله تعالى :{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 7 ] وقوله تعالى : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } [ النحل : 106 ]  وقوله تعالى : {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } [ المجادلة : 22 ] فهذه الآيات تدل على ما وقر في القلب من الإيمان ، ومن الأدلة على دخول عمل القلب في الإيمان : قوله تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }[ النساء : 65 ] وقوله تعالى : {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}[ البقرة : 165 ]وقوله تعالى : { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[ آل عمران : 171 ] وقوله تعالى :{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[ آل عمران 160 ] وقوله تعالى :{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}[ الأنفال : 2 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : (( التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات )) [ أخرجه مسلم ح ( 2564 ) ] وقوله صلى  الله عليه وسلم : (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب )) [ متفق عليه ] فالإذعان والانقياد والتسليم والرضا بحكـم الله ورسولـه صلى الله عليه وسلم و الخوف والخشية من الله والركون إليه والتوكل عليه وتعظيمه عز وجل في القلب و الإخلاص وجميع أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان ،  ومن الأدلة على دخول قول اللسان في الإيمان : قوله تعالى : {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ } [ البقرة : 136 ]وقوله تعالى : {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ . .} [ العنكبوت : 46 ]، ومن الأدلة على دخول عمل الجوارح في الإيمان : قوله تعالى : {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}[ السجدة : 15 ] . دلت الآية على أن السجود من الإيمان وهو عمل من أعمال الجوارح ، وقوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [ الأنفال : 2 - 3 ] .دلت الآية على دخول إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في مسمى الإيمان ، وأن كلاهما من الإيمان ، فهذه هي الأدلة البينة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الدالة على أن الإيمان قـول وعمـل  (( قول القلب وعمل القلب ، وقول اللسان وعمل الجوارح )). وأن هذه العناصر الأربعة داخلة جميعا في مسمى الإيمان الشرعي الذي جاء به كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ،

[  6  ]  الإيمان أصل وفرع  ، وأصل الإيمان هو أقل ما يصح به الإيمان وهو قول وعمل  ، وفرع الإيمان يدخل فيه كافة شعب الإيمان وهو قول وعمل :  إنّ الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يقسمون العمل إلى قسمين عمل القلب وهو القبول والانقياد القلبي والاذعان ، وعمل الجوارح من صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر العبادات والطاعات ، وأدخلوا القسم الأول ( عمل القلب ) في أصل الإيمان ، وأدخلوا القسم الثاني ( عمل الجوارح ) فيما زاد عن الأصل من الإيمان الواجب  والمستحب ،  وهذا الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يتميزون عن كافة الفرق الضالة في مسائل واحكام الإيمان سواء بالتفريط أو الافراط ، فهم تميزوا عن المرجئة المفرطة في مسائل الإيمان فأدخلوا العمل ( عمل القلب ) في أصل الإيمان ، لأنّ المرجئة لا يدخلون أي عمل في الإيمان الأصل ، وتميزوا عن الخوارج والمعتزلة الغالية في مسائل وأحكام الإيمان بإدخال عمل الجارحة في الأصل وبالتالي غالوا في تكفير المسلمين بغير حق  ،

[  7  ]  المعرفة الصحيحة لعناصر أصل الإيمان والإحاطة بأحكام هذا الأصل من أهم وأدق الفقه في مسائل الإيمان ، وهي من أهم الفقه في باب أسماء الملة وأحكامها ، وذلك لأن صاحب أصل الإيمان له في الدنيا اسم الإسلام وحكمه ولا يخلد في الآخرة في النار خلود الجاحدين ، ولأنه  الحد الفاصل بين الإيمان والكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، فمن أتى به وحافظ عليه فلم ينقضه بناقض كانت له أحكام الإيمان الدنيوية والأخروية ، بمعنى أنه : سيكون له اسم الإيمان وحكمه فيعامل معاملة المسلمين في الدنيا فيأخذ أحكامهم بأن تحل لزوجته المسلمة البقاء معه ويحل لأولاده المسلمين أن يبقوا تحت سلطانه ، و إذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله ، وتجوز عليه الرحمة والمغفرة ، وينجو من الوصف بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار وينجو من أحكامه الدنيوية ، فلا يحل دمه ردة وإن كان قد يحل حداً وعقوبة ، وإذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين وتجوز عليه الرحمة التي تعم كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها بقلبه تصديقاً وانقياداً  ، إنّ فوائد معرفة الحد الأدنى للإيمان عظيمة لأنها أصل الفقه في الإيمان ، والإيمان أصل الديانة فأصل الفقه في الدين كله هو معرفة الحد الفاصل بين الإيمان والكفر حتى يكون عالماً بفقه مسائـل الإيمان والكفر وأخطرها أصل الإيمان الذي به يأخذ المرء اسم الإيمان وحكمه ومن هذه الفوائد ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً وبالتالي متى مُيز الأصل عن الواجب انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا ، فإذا تميز الأصل عن الواجب استطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها وعدم الخطأ في هذه المسائل دون تمييز بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل ، ودون تمييز واضح بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية ، ومن ذلك فإن هناك آيات كريمات جاءت بنفي الإيمان وأحاديث عديدة جاءت بنفي الإيمان ، وهنا يأتي الفقه في دين الله بمعنى إن كان النفي لأصل الإيمان حل محله الكفر الأكبر وإن كان النفي لما زاد على الأصل أي ما دخل في مرتبة الواجب حل محله الكفر دون الكفر الأكبر ، كما أنّ من الفوائد العظيمة لتحديد أصل الإيمان ومعرفة عناصره وتمييزها عن عناصر الإيمان الواجب وعناصر الإيمان المستحب الكامل ، هو إعطاء كل عنصر من عناصر الإيمان حقه الشرعي اللازم له فعنصر يدخل في أصل الإيمان ليس كعنصر يدخل في الإيمان الواجب وهذا ليس كعنصر يدخل في الإيمان المستحب ، فأهم عناصر الإيمان ما دخل في الأصل لأن نقصه يعني الكفر الأكبر ويليه ما دخل في الواجب لأن نقصه يعني الكفر دون الكفر أو الفسوق واستحقاق الوعيد بالنار ، ويليه ما دخل في الإيمان المستحب لأن نقصه يعني نقص الدرجة والمنزلة دون الدخول في إطار الوعيد بالنار ،

[  8  ]  أصل الإيمان محله القلب وهو قول وعمل ولا يصح أصل الإيمان الذي وقر في القلب حتى يظهر أثره على جارحة اللسان بالإقرار ، وعناصر الأصل ثلاثة لا رابع لها ، هي :  إقرار اللسان ، وقول القلب ( التصديق ) ، وعمل القلب ( الانقياد ) ، ولا يمكن أن يستغني الأصل عن أحد تلك العناصر الثلاث ، لأنه إذا انتفى إقرار اللسان لم نعلم بإيمان المرء ، وهذا هو كفر الجحود ، وإذا انتفى قول القلب ( التصديق ) حل محله كفر التكذيب ، أو الشك ، أو النفاق ، وإذا انتفى عمل القلب ( الانقياد ) حل محله كفر الاستكبار والإباء ، وهو كفر ابليس الرجيم ، أما عمل الجارحة فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع فإن كان واجبا دخل في الفرع الواجب وإن كان مستحبا دخل في الفرع المستحب ، والادلة على ذلك  من كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جدا ، فمن الأدلة من كتاب الله عز وجل على صحة هذه القاعدة : أنّ الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل : منها قوله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 82 ] ، وقوله تعالى : { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ  } [ الروم : 45 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 7 ] ، فهذه الآيات التي فيها عطف العمل على الإيمان , والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما ، ولا يُقال ها هنا أنّ العطف من باب عطف الخاص على العام , لأنّ ذلك خلاف الأصل, فالأصل أن العطف يقتضي المغايرة إلا أن توجد القرينة الصارفة ولا قرينة هنا على الخروج عن الأصل بل كثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة ،  فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح ، فالإيمان هاهنا المقصود به الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه ، والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء ، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب : كقوله تعالى : {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } ، وكقوله تعالى : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } ، وقوله تعالى : {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [ الحجرات : 14 ] ،  وقوله تعالى : {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } [ المجادلة : 22 ] ، وقوله تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }[ النساء : 65 ] ، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( التقوى هاهنا )) ، ويشير إلى صدره ثلاثاً ، وكقوله صلى الله عليه وسلم ، (( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )) [ أخرجه البخاري ] وكقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله عز وجل : (( أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان )) [ أخرجه البخاري ] ، فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تدلنا على أن أهم الإيمان وأصله هو ما وقر في القلب وأن هذا الأصل هو الفاروق بين الخلود الأبدي في النار وعدم الخلود فيها ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الأدلة من الكتاب والسنة على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب :  ومن ذلك قوله تعالى : {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ }وقوله تعالى :{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } وقوله تعالى :{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى :{ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ .. إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ }فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : أنّ الإيمان جاء في كتاب الله عز وجل مقروناً بالعمل الصالح وجاء أيضاً مقروناً بضده : ومثاله قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا }[ الحجرات : 9 ] فعبر القرآن الكريم عن المقتتلين بلفظ الإيمان مع أن الحديث الصحيح مفاده ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) فعلينا عند الجمع بين الآية والحديث أن المقتتلين من المسلمين لهم مسمى الإيمان بما أتوا به من الأصل وأن كفرهم في إطار الملة وليس خارجها ، ومثاله أيضاً قوله تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ..}[ البقرة : 178 ] فجاء التعبير القرآني بإثبات أخوة القاتل لولي الدم ولا شك أنه قد أتى بضد العمل الصالح الذي هو من قبيل الإيمان الواجب وهذا بخلاف من انتفى عنه التصديق ـ مثلاً ـ فأولئك قال عنهم الله عز وجل :{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } [ البقرة : 8 - 9 ]  وحكم عليهم القرآن الكريم بالنفاق وجعل الدرك الأسفل من النار مأواهم يوم القيامة ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الأدلة من السنة على صحة هذه القاعدة  :  1) ما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة )) [ مسلم : ح 44 ] .والحديث يدل على أن الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما سبب لدخول الجنة وإن دخل النار بذنوبه فإنه لا يخلد فيهما خلود الجاحدين لأن مآله إلى الجنة ، 2) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار )) [ مسلم : ح 47 ]فمن أقر بالشهادتين واعتقدهما حرم الله عز وجل عليه الخلود الأبدي في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ هو مذهب أهل السنة والجماعة لا يعرفون غيره فيقولون بأن أصحاب الكبائر في المشيئة ، وقد دلت الأخبار الصحيحة على أن بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط ، 3) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة (([ صحيح مسلم : ح 52 ] . ففي الحديث دلالة على أن كل من شهد الشهادتين معتقداً لهما ومات على ذلك فإن مآله إلى الجنة ، 4) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار ، قال ( أي معاذ ) يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال : " إذا يتكلوا " فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً))[ صحيح مسلم : ح 53 ]  ،  5) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(( ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت –    أي راوي الحديث وهو أبو ذر – رضي الله عنه – وإن زنى وإن سرق قال : ( وإن زنى وإن سرق ) ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبي ذر ) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبي ذر)) " [ صحيح مسلم : ح 154 ] ، وبعد فهذه بعض الأحاديث التي تدل على صحة ما ذكرناه من كون أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار الإقرار بالشهادة مع اعتقادها ، واعتقادها يشمل قول القلب أي تصديقه وعمل القلب بالانقياد لها إذ لا تصح الشهادة إلا بذاك ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : [ أحاديث الشفاعة ] : حتى نصل إلى تحديد الحد الأدنى من الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه علينا أن نبحث عن آخر أهل الجنة دخولاً وعن صفة إيمان هذا العبد ، وذلك لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة ، وما دام هذا العبد قد دخل الجنة فقد حاز مسمى الإيمان ، ولما كان هذا العبد آخر أهل الجنة دخولاً للجنة كان عنده أدنى الإيمان الذي يأخذ به اسم الإيمان وحكمه وكان عنده أصل الإيمان الذي أتاح له دخول الجنة ، لذلك إذا توجه البحث إلى أبواب الشفاعة وخروج الموحدين من النار لوضح لنا أصل الإيمان المنجي من الخلود في النار وذلك لأن آخر أهل الجنة دخولاً للجنة هو يقيناً آخر أهل النار من الموحدين خروجا من النار ، لذلك ذهب الفقهاء إلى جمع هذه الأحاديث من كتب الصحاح والسنن وتتبعها والتوفيق بينها لبيان الحد الواضح لأدنى الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار ، وقد بينت هذه الأحاديث أن للشفاعة مراحل عدة : المرحلة الأولى :شفاعات المؤمنين وهذه  للمصلين يعرفونهم بأثر السجود فالنار لا تأكل  منهم أثر السجود ، والمرحلة الثانية : شفاعات الملائكة لمن بقي من المصلين لا يعرفهم المؤمنون فيخرجونهم أيضاً ويعرفونهم بأثر السجود ، والمرحلة الثالثة : شفاعات النبيين وهي ولا شك لمن كان حالهم أدنى وأسوأ من سابقيهم ممن أخرجهم المؤمنون والملائكة ، والمرحلة الرابعة : شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثلاث تنال آخرها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجهم من النار ، والمرحلة الأخيرة : وفيها يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل الشفاعة الرابعة له وهي في حق من اقتصر على قول لا إله إلا الله معتقداً لها مجردة عن الأعمال فيأبى الله عز وجل ذلك له لأنها شفاعة لا تنبغي إلا لله سبحانه أرحم الراحمين فيقـول الله عـز وجـل كما جاء في الحديث : (( لـيس ذاك إليـك وعزتي وكبريـائي وعظمـتي وجبريائي لأخرجـن مـن قال لا إله إلا الله ))  ، فالذي يدل على شفاعات المؤمنين وأنها تنال المصلين : ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه (( وإذا رأوا أنهم قد نجو في إخوانهم يقولون : ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا فيقول الله تعالى اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عرفوا  ..)) الحديث [ أخرجه البخاري ح 7439 ] ، والذي يدل على شفاعات الملائكة وأنها تنال المصلين : ما أخرجه البخاري عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – الحديث وفيه ((… حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة السجود فيخرجونهم قد امتحشوا فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل …)) الحديث[ أخرجه البخاري ح 6573 ] ، والذي يدل على شفاعات الأنبياء : ما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – الحديث وفيه ( فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا ) الحديث [ أخرجه البخاري ح 7439 ] ، والذي يدل على شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم الثلاث : ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحديث وفيه : فأقول : يا رب ، أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجداً فيقال : يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي . فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان . فانطلق فافعل ثم أعود فاخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان . فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجداً فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي فيقول : انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار من النار من النار ، فأنطلق فأفعل …" [ البخاري : ح 7510 ومسلم : ح 326 ].فدل الحديث على أن هناك ثلاث شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم :الأولى : لمن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، والثانية : لمن كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان ، والثالثة : لمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردلة من إيمان  ، والذي يدل على شفاعة الرحمن وأنها تعم كل من اقتصر على قول لا إله إلا الله المجردة عن الأعمال :  تتمة حديث أنس الذي أخرجه البخاري ومسلم في الشفاعة وفيه " … ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً  فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع . فأقول : يا رب ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله قال : ليس ذاك لك ( أو قال ليس ذاك إليك ) ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال : لا إله إلا الله "[ متفق عليه واللفظ لمسلم ] ، وما أخرجه البخاري– رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه وفيه : " يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار : بقيت شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا ، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له : ماء الحياة ، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل ، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة ، إلى جانب الشجرة . فما كان إلى الشمس منها أخضر ، وما كان منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم ، فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن ، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم : لكم  ما رأيتم ومثله معه " [ صحيـح البخاري ك التوحيد باب / 24 ح 7439 ] ، وما أخرجه مسلم–  رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أيضاً وفيه : " فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومـاً لم يعملوا خـيراً قـط ,, يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه " [ صحيـح مسلم كتاب الإيمان باب 81 ح 302 ] ، فالشفاعة الرابعة لا تنبغي إلا لأرحم الراحمين لأنها تعم كل من اقتصر على قول لا إله إلا الله المجردة عن الأعمال كما دل على ذلك لفظ الحديث في الشفاعة الثالثة وأنها تتناول صاحب أدنى عمل زائد على أصل التوحيد ، والشاهد لهذه الشفاعة الرابعة وأنها لا تنبغي إلا لله ما جاء في حديث مسلم –   رحمه الله –(( فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال : ليس ذاك لك ( أو قال ليس ذاك إليك ) ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله ))[ مسلم : ح326 ] ، والذي يؤكد يقيناً أن صاحب هذه الشفاعة الرابعة جاء بالإقرار المجرد عن الأعمال تماماً ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري والشاهد منه (( فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا … إلى قوله فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم ا لجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه )) [ البخاري : ح 7439 ]فأهل الجنة يصفون أصحاب القبضة بأنهم دخلوا الجنة بغير أعمال عملوها ولا خيرات قدموها ، وهو  كما جاء بالحديث الأول، والأكثر دلالة منهما على خروج الأعمال عن حد إيمان أصحاب القبضة حديث مسلم رحمه الله : (( فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط ))[ مسلم : ح 302 ] ، فالحديث صريح الدلالة على أن إيمان أصحاب القبضة كان مجرداً عن الأعمال لقوله صلى الله عليه وسلم(( لم يعملوا خيراً قط )) وفيه نفي مؤكد بلفظ ( قط ) بمعنى لم يعملوا خيراً أبداً ، ويؤيد ذلك ويؤكده مجموع الأدلة المأخوذة من الأحاديث السابقة لهذا الحديث ، فكلها قد تضافرت على إثبات إيمان مجرد من الأعمال لأصحاب القبضة الذين هم أقل الخلق إيماناً وآخر أهل الجنة دخولاً ، وما أقوله من الاستدلال بهذه الأحاديث على هذا النحو ليس بدعاً من القول بل هو ما قاله العلماء منذ تعرضهم لشرح أحاديث الشفاعة والاستدلال بها ،  قال القاضي عياض : عند قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث عن رب العزة سبحانه (( لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله )) " فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان ، وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم ، وإنما دلت الآثار على أنه أذن لمن عنده شيء زائد على مجرد الإيمان وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين صلوات الله وسلامه عليهم دليلاً عليه وتفرد الله عز وجل بعلم ما تكنه القلوب والرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان "[ نقله عنه النووي في شرح مسلم ج 439 ط الشعب ] أهـ  ، وتبقى بعد هذه الأحاديث وقفة مهمة جدا جدا تحتاج إلى فقه وبصيرة : وهي هل النجاة من الخلود الأبدي في النار والمتحققة في الأحاديث السابقة تتناول من اقتصر على قول لا إله إلا الله فقط أم أنها تتناول القائل لها بلسانه والمعتقد لها بقلبه والاعتقاد يتناول قول القلب ( التصديق ) وعمله وهو ( الانقياد ). والإجابة على هذا السؤال يسيرة واضحة وهي أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق وإلا كان المنافقون مؤمنين ، ولا يصح التصديق إلا بالانقياد و إلا كان إبليس الرجيم مؤمناً فقد كـان كفره كفر إباء وعناد واستكبار ، فمما يدل على أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق : قوله عز وجل { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}[ البقرة : 8 - 9 ] وقوله جل شأنه : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ}[ النساء : 142 ] وقوله جل شأنه : {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[ المنافقون : 1 ] وقوله جل شأنه {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا}[ النساء : 145 ]فهذه الآيات جميعها دلت على أن الإقرار لا يصح بلا تصديق وأن صاحبه منافق نفاق اعتقادي حاله في النار أسوأ من حال الكفار الأصليين لأنه في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لأحد منهم منقذاً من النار ولا نصيراً ، ودخول التصديق( ومنه المعرفة والعلم ) في أصل الإيمان أمر أجمع عليه أهل السنة حتى قال الإمام أحمد بن حنبل : " وإن جحد وقال لا يحتاج ( أي الإيمان ) إلى المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً ولا أحسب أحداً يدفع المعرفة والتصديق " نقله عنه ابن تيمية في كتابه الإيمان ، وعلق عليه بقوله : " وأحمد ذكر أنه لا بد من المعرفة والتصديق مع الإقرار وقال إن من جحد المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً ، فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام ولهذا لم يذهب إليه أحد قبل الكرامية ، مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة والتصديق"[ الإيمان لابن تيمية ص 377 ] ، ومما يدل على أنه لا يصح الإقرار والتصديق إلا بالانقياد القلبي : ما جاء في كتاب الله تعالى عن كفر إبليس الرجيم مع أنه يقيناً كان مصدقاً وإنما أتى كفره من قبل عدم الانقياد وليس من قبل التكذيب كما ذكر ذلك المولى تعالى في سورة البقرة بقوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [ البقرة : 34 ] وفي سورة الإسراء نجد قول الله تعالى : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 61 - 62 ] . في الآيات دلالة واضحة على أن كفر إبليس إنما هو لمعاندة أمر الله تعالى وليس لتكذيبه والمعاندة واضحة في قوله ( أأسجد لمن خلقت طيناً ) ، فهذا معاندة للأمر واستكبار عن اتباعه وليس هو من باب التكذيب أبداً  ، وفي سورة ص نجد قول الله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }[ ص : 71 - 85 ] . وفي هذه الآيات دلالات عديدة على تصديق إبليس وأنه إنما أتي من قبل انتفاء عمل القلب وهو انقياده وإذعانه لأمر الله ، وبالتالي استكباره عن طاعة الله وهذا هو كفر إبليس الحقيقي ، ومعصية إبليس لم تكن في ترك السجود وإلا فقد أكل آدم من الشجرة بعد أن نهاه الله تعالى عنها ولكنه عصى الله بجوارحه وقلبه منقاد لأمر الله يعلم أنه ما كان ينبغي له مخالفة أمر الله في شيء ولذلك لما تاب وأناب تاب الله تعالى عليه ، أما إبليس فلم يكن تركه للسجود معصية جارحة وإنما هو استكبار القلب وعناده وخلوه عن الانقياد لأمر الله فاستحق الكفر والرجم  ، ولو نظرنا إلى الآيات لوجدناه يخاطب الله عز وجــل بقوله " رب فأنظرني إلى يوم يبعثون " فهو مصدق بالله بربوبيته له وللعالمين أجمعين ، ولم يكن مكذباً بشيء من ذلك أبداً بل هو يحلف بعزة الله ويعلم أنها صفة جليلة للرحمن سبحانه فيقول " فبعزتك لأغوينهم أجمعين " ومن ذلك كله نعلم يقيناً أن التصديق المجرد لا ينفع بشيء حتى يضاف إليه انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لأمر الله  ، وكذلك ما جاء في كتاب الله تعالى عن كفر فرعون وقومه مع أن الكتاب الكريم أشار إلى تصديق قلوبهم بقوله تعالى في حق فرعون وقومه : {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }[ النمل : 13 - 14 ] فكما ذكر القرآن الكريم أنهم استيقنوا بآيات الله ، واليقين أعلى درجات التصديق القلبي . ومع ذلك فكان كفرهم الحقيقي هو كفر الجحود جحود اللسان عن الإقرار بما صدقه بقلبه ، وجحود القلب عن الانقياد والإذعان والخضوع لما صدقه بقلبه  ، وجاء في كتاب الله تعالى عن كفر اليهود قال تعالى : {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[ البقرة : 146 ] وقال تعالى : {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[ البقرة : 109 ] . وقال تعالى : {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ }[ البقرة 89 – 90 ] . فدلت الآيات الكريمات على أن اليهود قد تبين لهم الحق وأنهم يعرفونه بقلوبهم معرفة لا شك فيها ، بل قد جاء في السنة ما يدل على أن بعضهم أقر برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأقر أنه يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي ولكن لما كان الإقرار والتصديق مجرداً خالياً من انقياد القلب وخضوعه وإذعانه لأمر الله ونهيه ، دل ذلك على أنهم لم ينفعهم تصديقهم ولا إقرارهم بشيء إذ خلا قلبهم من عمله الداخل في أصل الإيمان ألا وهو الانقياد القلبي لدين الله والطاعة القلبية لأمر الله ونهيه ، وعلى ذلك فإقرار أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار بشفاعته لنفسه سبحانه لا يصح إلا باعتقاد ما أقروا به من توحيد الله عز وجل والاعتقاد قول وعمل يتناول قول القلب ( ومنه المعرفة والعلم والتصديق ) وعمل القلب ( ومنه الانقياد والخضوع والإذعـان ) , وهذا هو إجماع أهل السنة لا خلاف بينهم فيه ، قال ابن القيم : " إذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة ، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول ، بل ويقرون به سراً وجهراً ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به " [ الصلاة وحكم تاركها ص 25 ط . دار الحديث ] أ.ه فإجماع أهل السنة على أن الإيمان لا يصح إلا بالتصديق والانقياد وأن التصديق المجرد لا ينفع بشيء مع انتفاء عمل القلب وهو الانقياد , وعلى ذلك : فعناصر الأصل ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان (2)  قول القلب ( التصديق ) (3) عمل القلب ( الإنقياد ) ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب ، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار ، وهذه من أعظم ضوابط أهل السنة والجماعة في الباب ، ، وقد اتفقت المدارس المتخصصة في العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) بعلمائها وهم على مر عصور الإسلام سواد أهل العلم الأعظم ، على أن حد الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار هو قول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، ونسب غالبهم هذا التحديد إلى دلالات الكتاب والسنة وإلى قول السلف ويشيرون إلى أنه مذهب أهل الحق الفرقة الناجية ، ومن أقوال علماء أهل السنة في ذلك : ما نقله البدر العيني في كتابه عمدة القارئ شرح صحيح البخاري عن الإمام الشافعي– رحمه الله – أنه قال : (  الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو مـن الخلـود في النـار ويدخل الجنـة ) ،   وقال الإمام النووي ( ت 676 هـ ) : " واتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ، ونطق بالشهادتين فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً " [ شرح مسلم ج1/2 11 ] ، وقال ابن حجر العسقلاني  :  السلف قالوا هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص  ، وخلاصة القول : عناصر أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان (2)  قول القلب ( التصديق ) (3) عمل القلب ( الانقياد والتعظيم ) ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب ، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار ، وهذه من أعظم ضوابط أهل السنة والجماعة في الباب

[  9  ]  عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا رابع لها ، هي :  إقرار اللسان ، وقول القلب ( التصديق ) ، وعمل القلب ( الانقياد ) ، ولا يمكن أن يستغني الأصل عن أحد تلك العناصر الثلاث ، أما عمل الجارحة فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع فإن كان واجبا دخل في الفرع الواجب وإن كان مستحبا دخل في الفرع المستحب ، وصاحب هذا الأصل وإن كان له اسم الإيمان وحكمه إلا إنه إن وقف على هذا الحد لا يزيد عليه ولا يتعداه إلى شعب الإيمان الواجب فهو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الهلاك وعلى شفا جرف هار من الكفر ، لأن الإيمان يزيد وينقص ، وهذا الواقف على أصل الإيمان لا يتعداه بالزيادة إن نقص إيمانه دخل في الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، كما أنّ الله عز وجل لم يمتدح إلا أصحاب الإيمان الواجب الذين يؤدون ما أوجبه الله عز وجل عليهم من أعمال الإيمان ، قياماً بالواجبات وكفاً عن المحرمات ، أما هذا الواقف على أصل الإيمان لا يتعداه فإنه إن مات عليه فهو من أهل الوعيد بالنار ، بل دلت الأحاديث الصحيحة على أنه يدخل النار ، بل وأنه أسوأ أهل النار – الذين لا يخلدون فيها – حالاً فلا تنفعه شفاعة المؤمنين ولا شفاعة الملائكة ولا شفاعة النبيين ، بل ولا شفاعة خير المرسلين صلى الله عليه وسلم ، حتى تناله شفاعة الرحمن فيخرج مع أصحاب القبضة لما أتى به من أصل الإيمان ، ثم إننا لا ينبغي أن نستهين بدخول النار فإن غمسة واحدة في النار لا تساويها لذة الدنيا بأسرها ، بل إن داخل النار لو أن له ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدى به من سوء العذاب يوم القيامة ، وهو لا يملك ذلك ، ولو ملكه لما قبل منه ، بل وبدا له من عذاب الله ونكاله ما لم يكن في حسبانه ولا خطر على باله نسأل الله عز وجل السلامة من النار ومن عذاب النار كدعاء عباد الرحمن المؤمنين قبلنا{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ً }[ الفرقان : 65 - 66 ] ودعاؤهم {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}[ آل عمران : 192 ]فأي خزي أعظم من دخول النار التي هي عنوان سخط الله وغضبه ، وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس –رضي الله عنهما – ((أن النبي صلى  الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن قولوا اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم…. الحديث ))[ أخرجه مسلم ] ، وجاء في صحيح البخاري عن أنس – رضي الله عنه : ( كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }[ أخرجه البخاري ] ، الشاهد من ذكر ذلك أن أمر النار عظيم ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وإلا صرنا كاليهود الذين وصفهم الله عز وجل بقوله{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } [ البقرة : 74 ] حيث قالوا {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً }[ البقرة :80 ] استهانوا بعذاب النار التي هي سخط الله وغضبه وعقابه وعذابه فكان عاقبة استهانتهم أن ختم الله تعالى على قلوبهم ، فكانوا يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك ضرب الله على قلوبهم فكفروا به فلعنة الله على الكافرين فصاروا من الخالدين المخلدين في النار أبداً نسأل الله السلامة ، وخلاصة القول : أن الحد الأدنى للإيمان هو الأصل الأهم الذي ينبغي أن يبدأ به صاحب الإيمان فيحسنه حتى ينجو من الكفر الأكبر ومن الخلود الأبدي في النار وحتى يأخذ به اسم الإيمان وحكمه ، ولكن عليه ألا يقف عند حده بل ينبغي أن يتعداه إلى الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات والذي امتدح الله عز وجل أصحابه ووعدهم به الجنة ، وعافاهم به من دخول النار ، فإن استوفاه وأراد أن يحظى بالمنازل العالية والدرجات السامية فعليه أن يتعداه إلى الإيمان المستحب الأكمل الذي يتناول أداء الواجبات والقربات والكف عن المحرمات والمنهيات والمسارعة إلى الخيرات حتى يكون من عباد الله السابقين المقربين ، والحذر الحذر من الوقوف على حد الإيمان الأدنى لا يزيد عنه لأن الإيمان على مذهب أهل الحق – أهل السنة والجماعة ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وصاحب هذا الحد الأدنى لا طاعة  تزيد إيمانه، وهو إلى النقصان بالتقصير أقرب. والحد الأدنى من الإيمان لا يقبل النقصان في إطار الإيمان فإذا نقص زال الإيمان بالكلية وحل محله الكفر الأكبر نعوذ بالله من الخسران ،  ومع كل ما سبق : فإن صاحب الحد الأدنى له اسم الإيمان وحكمه ، وهذا دين الله عز وجل الذي أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتلك هي رحمة الرحمن التي وسعت كل شيء ، وذلك هو الفقه الأكبر في دين الله عز وجل في مسائل الإيمان والكفر ، لأنه الضابط للحد الفاصل بين الإيمان والكفر وصاحبه يستحق اسم الإيمان لاحتفاظه بأصله ، والمقصر عنه في إطار الكفار المخلدين في نار جهنم أبد الآبدين ، ( تنبيه ) : ليس مقصود فقهاء وعلماء أهل السنة والجماعة الراسخون في العلم والفقه والدين بهذا الفصل بين أصل الإيمان وواجبه ومستحبه الاستهانة ببعض عناصر الإيمان -  حاشا لله بل هو الميزان الذي أنزل الله عز وجل به دينه وشرعه وملته الحنيفية السمحة ، وإذا علمنا أن عمل الجوارح عند أئمة أهل السنة المقتدى بهم في الدين والمحققون لمسائل الإيمان والكفر لا يدخل منها في أصل الإيمان شيء  عدا إقرار اللسان لأنه لازم لأصل الإيمان ، وأن جميعها يدخل في إطار الواجب ثم المستحب ، وتارك عمل الجارحة متى ما أتى بالاعتقاد والانقياد والإقرار فهو من أهل الوعيد بالنار يمكث فيها ما شاء الله له أن يمكث حتى يخرج آخرهم بشفاعة الرحمن سبحانه وهم أصحاب القبضة ، أقوام لم يأتوا إلا بأصل الإيمان ولم يعملوا خيراً قط ، إذا علمنا ذلك ، علمنا الميزان الذي ميز الله عز وجل به القلب عن سائر الجوارح وجعله محل الإيمان كما يفهم من مثل قوله تعالى{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 7 ] وقوله تعالى {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [ المجادلة : 22 ] وقوله تعالى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [ النحل :106 ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( ألا في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله )) وليس المقصود بذلك – عند علماء الأمة – تقليل قيمة أعمال الجوارح فقد ذكرت في المبحث السابق أن غمسة في النار تعدل الدنيا وما فيها من لذة فما بالنا بمن يلبث في النار أحقاباً ويتعرض لغضب الله وسخطه ، ولكنه الميزان الرباني المعجز الذي أبى أن يسوي بين  الجاحدين وبين المقرين المصدقين المنقادين بقولهم ، فإذا كان هذا وذاك يخلدان في النار خلوداً أبدياً فقد سوت الشريعة الحكيمة بين الجاحد والمعتقد وشتان بينهما ، فالأول إذا قيل له لا إله إلا الله يستكبر ويقول أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون ، أما الثاني فإنه يقول لا إله إلا الله ويقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ويشهد أنه رسول الله الذي يتوجب طاعته واحترامه وإجلاله . والشريعة لا تسوي أبداً بين الحالتين ، وهكذا تظهر حكمة الشرع في عقاب المذنبين وإن كانوا من أهل الإيمان وتظهر – رحمة الرب سبحانه في إخراج أصحاب أصل الإيمان المقرين المنقادين من النار بعدما أخذوا عقابهم إلى الجنة وإن لم يعملوا خيراً قط ، والشاهد من ذلك كله أن من فوائد معرفة الحد الأدنى للإيمان معرفة الميزان الشرعي وحده الشرعي الذي قررته لنا الشريعة الغراء والملة الحنيفية السمحة . وكفي بذلك فقهاً عظيماً في مسائل الإيمان وفي مسائل أسماء الملة وأحكامها وهذا هو الفقه الأكبر في دين الله تعالى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين

[  10  ]  من فقه مسائل وأحكام الإيمان الكامل  : أن نعلم أنّ الإيمان الكامل قسمان : ( الأول ) : وهو الإيمان الكامل الكمال المأمور به وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها ، وهذا الإيمان يسميه العلماء " الإيمان الواجب " وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها ، و ( الثاني ) : وهو الإيمان الكامل الكمال المستحب وهو بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه ، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل ، والإيمان الكامل هو الإيمان المقصود بالثناء المطلق كما في قوله تعالى : {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا }[ الأحزاب : 47 ]وقوله تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }[ التوبة : 72 ] ، وذلك لأن الإيمان الكامل هو الإيمان المطلق الذي يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهيمنُ صاحبه لدخول الجنة ابتداء ، وهذا هو الواجب منه أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين ، وحدود الإيمان الواجب : أداء الفرائض ، والكف عن المحرمات ، والوقوف عند حدود الله دون تعد لها ، ودرجات الإيمان المستحب عديدة : تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات ، والتنزه عن الشبهات والمكروهات ، وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح ، فإذا ما حقق العبد الإيمان الواجب فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرم عليه ظاهراً وباطناً فقد استحق اسم الإيمان المطلق ، فإن مات على ذلك دخل الجنة بلا عذاب ، فإذا زاد العبد على ذلك ما شاء الله له أن يزيد ، بأن اجتنب المكروهات ونأى بنفسه على المشتبهات ، وأتى بالمستحبات بقدر ما ييسر الله له ذلك ، فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب ، وتفاوت العباد في هذه المرتبة يقابله تفاوتهم في درجات الجنة ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، ولا ينفى الإيمان في النصوص إلا في مجال ترك الأفعال الواجبة ، فإن تارك الأفعال المستحبة لا ينفى عنه الإيمان ، فإذا ما نفت النصوص الإيمان عند انعدام بعض الأفعال علم أنها واجبة وأن تاركها معرض للوعيد ، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة، وحاصل المستفاد من تلك القاعدة ما يلي : من حقق أصل الإيمان نجا من الكفر الأكبر ونجا من الخلود الأبدي في النار ، إذا زاد العبد عن الأصل فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرّم عليه فقد حقق الإيمان الواجب واستحق اسم الإيمان المطلق ، إذا مات العبد على الإيمان الواجب دخل الجنّة بلا عذاب ، فإن زاد العبد على الواجب بأداء المستحبات والنأي عن الشبهات واجتناب المكروهات فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب ، أصل الإيمان الكامل المستحب متفاوتون في المنازل والدرجات تفاوتاً شديداً وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، الإيمان إذا أطلق في نصوص الشرع فإنه يدخل فيه الإيمان الواجب والمستحب ، الإيمان إذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب دون المستحب ، الإيمان إذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة ، الإيمان بهذا التقسيم ثلاثة مراتب الظالم لنفسه وأدناه الوقوف على أصل الإيمان لأنه ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر ، ثم المقتصد وهو المؤدي للواجبات الكاف عن المحرمات ، ثم السابق بالخيرات بإذن الله وهو مرتبة الإيمان الكامل المستحب ويصدق ذلك قوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}[ فاطر : 32 ] .

[  11  ]  فقـه مسائل الإيمان الواجب والمستحب : من فقـه مسائل الإيمان الواجب  : أن نعلم أنّ الإيمان إذا أطلق في نصوص الشرع ( الكتاب والسنّة ) فإن أدنى ما يتناوله هو الإيمان الواجب الذي أوجبه الله على عباده ، وإذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به نفي الإيمان الواجب ، ومن نفى عنه الشرع الإيمان الواجب لم يخرج من الإيمان إلى الكفر ولكن من الإيمان إلى الإسلام  ، وهذه القاعدة بينة واضحة في كثير من كتابات علماء أهل السنة والجماعة رحمهم الله ، أذكر منها على سبيل المثال : قال ابن عبد البر : " قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن يريد مستكمل الإيمان ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر )) "[ التمهيد لابن عبد البر ج4 / 237 ] ، قال النووي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه )) قال العلماء رحمهم الله معناه لا يؤمن الايمان التام والا فأصل الايمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة " [ شرح النووي على صحيح مسلم ج2 / 16 ] ،  وحدود هذه المرتبـة تتمثـل في : القيام بالفرائض والواجبات ، والكف عن الكبائر والمحرمات ، والوقوف عند حدود الله تعالى في الأمر والنهي والحظر والإباحه ، وغالب أوامر ونواهي القرآن الكريم تدخل في إطار الأمر بتحقيق هذه المرتبة ولذلك كانت مبتدئه بنداء المولى سبحانه{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ومعناه كما نقلنا معناه عن الإمام البيهقي وغيره " يا أيها الذين أتوا بأصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد" وجب عليكم من أعمال الإيمان أو حرّم عليكم من أعمال الفسوق والعصيان كذا وكذا ، وهذا الإيمان الواجب هو الذي مدح الله تعالى أصحابه ووعدهم به الجنة ابتداء وبشرهم بالفضل الكبير والمكانة الصادقة ، وأكثر ما في القرآن من الآيات المسبوقة بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } هي في إطار الإيمان الواجب . فإمّا أن تأمر بواجب أو تنهى عن محـرّم أو تحـد حـداً من شـرع الله . نسأل الله عز وجل أن يعيننا على القيام بحق مرتبة الإيمان الواجب وأن يجعلنا من عباده المؤمنين ، ومن فقـه مسائـل الإيمـان الكامـل المستحـب  :  أنّ نعلم أنّ الإيمان الكامل المستحب هو مرتبة المحسنين ، وهـذه المرتبة العالية التي يسميها العلماء مرتبة الإحسان وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم المشهور وفيه : (( فأخبرني عن الإحسان ؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) [ أخرجه مسلم ]  .ويسميها العلماء كذلك مرتبة السابق بالخـيرات وذلـك لقـوله تعـالى : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }[ فاطر : 32 ] ويسميها العلماء كذلك مرتبة المقربين لقوله تعالى : {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ *أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ  * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ }[ الواقعة : 10 - 12 ] ، ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الإيمان ، وهي مرتبة الصديقين والسابقين والمقربين والمسارعين إلى عمل الخيرات والمتنافسين في القرب من رب العباد ونيل رضوانه . وهي مرتبة العارفين بالله السالكين طريقه الخائفين من مقامه وعذابه والطامعين في رضوانه والراجين لرحمته . وهي مرتبة القوامين بالليل الصوامين بالنهار المجاهدين في سبيل الله لا تأخذهم فيه لومة لائم . وهي مرتبة الدعاة إلى الله السالكين نهج النبي صلى  الله عليه وسلم الحاملين دعوته إلى الناس جميعاً . وهي مرتبة أئمة العلماء العاملين وأئمة المحتسبين والمجاهدين وجميع المسارعين في الخيرات المتنافسين في مرضاة الرحمن ، وحدود مرتبة الإحسان : مرتبة الإحسان هي مرتبة الإيمان الكامل المستحب الجامع لكافة شعب الإيمان بأصله وفرعه ، وعلى ذلك فالإحسان إتمام الإيمان الواجب ثم الزيادة عليه بأداء النوافل والسنن والمندوبات والتنـزه عن المكروهات والشبهات وهو إحسان الاعتقاد والعمل وتصويبه وإخلاصه وإتقانه ابتغاء مرضاة الله ، ولمرتبة الإحسان درجات عظيمة متفاوتة تبدأ بالمراقبة وهي تُعلم من قوله صلى الله عليه وسلم (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ويندرج المحسن في منازلها حتى يبلغ مرتبة المشاهدة وهي كما قال صلى الله عليه وسلم (( أن تعبد الله كأنك تراه )) . فالمراقبة تكون بمراقبة الله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة مع اليقين الدائم بأن الله يراك في كل حين فتحسن العمـل وتخلصـه وتتقنـه لله . ويدرج المحسن بعد ذلك في منازل الإحسان عن طريق إتقان مقامات القلوب من التوبة والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا وإحسان أعمال القلوب من التقوى والمحبة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والصبر والشكر والتقوى . وعن طريق العبادات والقربات والطاعات من الصلاة والصيام والصدقة والإنفاق والقيام وتلاوة القرآن ، وعن طريق التنـزه عن المكروهات فضلاً عن المحرمات ، واتقاء الشبهات واجتناب الصغائر فضلاً عن الموبقات ، فبإحسـان أعمال القلب ، وبإحسـان أعمال اللسان ، وبإحسـان أعمـال الجـوارح لا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يُنعم عليه بالصعود في منازل الإحسان وأعلى تلك المنازل منزلة المشاهدة وهي (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، ومهما وصل العبد في القربى من الله ، وفي المعرفة والعلم وفي العبادة والطاعة ففيه تقصير ، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابين ، وأهل مرتبة الإحسان السابقون بالخيرات ، قد يُقصّر أحدهم في أوراده العبادية أو العلمية أو العملية فيكون ذلك في حقهم تقصير ، وكما قيل( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) ، وقد يكون منهم اللمم الذي وعدهم الله عليه المغفرة بقوله :  {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [ النجم : 32 ] ،

[  12  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى ، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية ، والملة بالكلية ، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان ،  قال النووي : في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) : " أما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفراً يخرج من الملة ، كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله ، إذ تقرر هذا في تأويل الحديث أقوال أحدها أنه في المستحل والثاني أنّ المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام لا كفر الجحود والثالث أنه يؤول إلي الكفر والرابع أنه كفعل الكفار  " [ صحيح مسلم بشرح النووي ج 2/54 ]أهـ ، وقال النووي  أيضاً : وذلك عند شرحه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))  ما نصه : "قيل معناه سبعة أقوال : أحدهما أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق ، والثاني المراد كفر النعمة وحق الإسلام ، والثالث أنه يقرب من الكفر ويؤدى إليه ، والرابع أنه فعل كفعل الكفار ، والخامس المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين والسادس حكاه الخطابي وغيره المراد بالكفّار المتكفرون بالسلاح ، يُقال تكفر الرجل بسلاحه ، إذا لبسه ثم نسب إلي الأزهري قوله في كتابه حديث اللغة : يقال للابس السلاح كافر والسابع قاله الخطابي معناه لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم  " [ صحيح مسلم بشرح النووي ج 2/55 ] أهـ ، وإنما أورد الإمام النووي هذه التأويلات جميعاً ليدلنا على أن ظاهر الحديث لم يقل به أحد من علماء أهل السنّة والجماعة وإلا وقع الناس فيما وقعت فيه الخوارج من قبل من تكفير المسلمين بالمعاصي والآثام ، وقد أطال رحمه الله في سرد التأويلات وحاصله أن المقصود به كفر دون كفر ، أي كفر في إطار الملة لا يخرجه عن اسم الإسلام وحكمه ، وإنما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم { بالكفر } ليدلنا على وخامة هذا الفعل وخطورة عاقبته التي قد تؤول بصاحبه إلي خذلان الله عز وجل له فيضرب على قلبه قبل الموت ، فيموت كافراً ، نسأل الله السلامة وحسن الختامة ، وليس بعد هذا التحذير النبوي البليغ من تحذير ، وليس بعد ترهيبه من هذا الفعـل مـن ترهيب ، وقد أوتى النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم وهو أبلغ من نطق بالعربية ـ لغة القرآن  الكريم ـ بإجماع ، فجمع الترهيب والتحذير ، وبيان خطورة العاقبة في كلمة ( الكفر ) وهو صلى الله عليه وسلم يعلم يقيناً أن علماء أمته سيحملونها على محاملها الصحيحة لا سيما ودليلهم القرآن الكريم يدلهم على أنّ القاتل المسلم له اسم الإسلام وحكمه وله أخوة الإيمان ورابطته فدّل على أنه ليس بكفر ينقل من الملة ، ولكن هو كفر في إطار الملة ، 

[  13  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر ، ف ( الكفر الأكبر ) : هو الكفر المناقض لأصل الإيمان ( الإقرار والتصديق والانقياد ) ، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد الانقياد : فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق ، وكفر الجحود يضاد الإقرار ، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد ، وكفر الشك يضاد التصديق ، وكفر النفاق يضاد التصديق ، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق ، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر ، والكفر الأكبر  : يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فيجب تفريق زوجته المسلمة عنه ولا يحل لها البقاء تحت سلطانه ، ويجب تفريق أولاده القصر عنه لأنه لا يؤتمن عليهم ويخشى أن يؤثر عليم بكفره ، ويجب أن يحاكم إلى قضاء المسلمين وتقام عليه الحجة فإن تاب وإلا قتل رٍدّة ، إذا مات أو قتل رٍدّة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يورث كما أنه لا يرث إذا مات مورث له ، والكفر الأكبر يوجب الخلود الأبدي في النار ـ فصاحبه من أصحاب النار الذين لهم  الخلود الأبدي في النار فلا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا هم منها بمخرجين ، وهم في النار لا يجوز لهم شفاعة ولا تنفعهم شفاعة ولا هم تحت المشيئة بل هم أصحاب النار خالدون فيها أبداً وبئس المصير ، وأما ( الكفر دون الكفر الأكبر ) : وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر ، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان ، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة ، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان ، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وصاحب الكفر دون الكفر الأكبر مفرط في الإيمان الواجب من أصل الإيمان فهو يكاد ويوشك أن يقع فيما ينقض أصل الإيمان ، ومن أمثلة هذا الكفر قتل المسلمين وقتالهم لأنه قريب من اعتياد ذلك واستحلاله ، واستحلاله كفر أكبر ، ومن أمثلته النياحة على الميت لأنه قريب من اعتياد الاعتراض على قضاء الله وقدره ، والظن السيئ بالله ، وهو بذلك قريب من الكفر الأكبر ، ومن أمثلته تكفير المسلم لأخيه المسلم بغير وجه حق لأنه قريب إلى استحلال دمه وماله وعرضه بغير وجه حق ، وهكذا فكل ما حكم الشرع بكونه كفر دون كفر ، فهو دلالة على قربه من الكفر الأكبر وأنّ اعتياده طريق إلى الكفر الأكبر المضاد لأصل الإيمان والموجب للخلود الأبدي في النار ، " قلت " ، ومن أمثلته أيضاً عند جمهور السلف والخلف وغالب الفقهاء ترك الصلاة لأنّه قريب من اعتياد ذلك وجحوده فيختم لهم بسوء الخاتمة ، نسأل الله عز وجل التثبيت وحسن الخاتمة ،  ومنه نعلم خطورة الكفر دون كفر وأنه أعلى من الفسوق بكثير فإن الفسوق يتناول ترك الواجبات أو فعل الكبائر التي تؤثر مباشرة في الإيمان الواجب ، وإن كان إدمانها عند البعض قد يصل به إلى الشك وعاقبة السوء ، أما تلك الأعمال التي وصفها الشرع بكفر دون كفر فهي لا شك أكبر من أكبر الكبائر وأعظم من أعظم المحرمات دون الكفر الأكبر والشرك الأكبر والنفاق الاعتقادي الأكبر ، وهى التي يظن بصاحبها الزندقة والانحلال ، ويخشى عليه برجحان سوء الخاتمة وسوء العاقبة وهو على شفا جرف هار قد ينهار به إلى الكفر الأكبر الذي لا شفاعة فيه ، ولا مكان له إلا الخلود الأبدي في جهنم وبئس المصير ، وأبرز أمثلته ترك الأركان العملية الأربعة التي بني عليها الدين ( الصلاة والزكاة والصيام والحج ) ،   ومن هنا نعلم سبب الخلاف بين بعض العلماء في مسائل الكفر بشقيه الأكبر والأصغر وفى مسائل الفسوق والعصيان ، فإنّ من العلماء من جعل الكفر دون الكفر الأكبر بمثابة الفسوق ، كلاهما سواء ـ ومنهم من جعله بمثابة الكفر الأكبر المخرج من الملة بالكلية وإن كان صاحبها مقراً معتقداً منقاداً بقلبه لها ـ وكلاهما ـ جانب الصواب ، فالفريق الأول قصّر وفرط ولم يفرق بين ما يجب تفريقه بين الكفر داخل إطار الملة والفسوق داخل إطار الملة ، وليس مسمى الكفر في الشرع كمسمى الفسوق ، والفريق الثاني ، أفرط فلم يراعى قواعد الشرع العامة ولا أصول المحكمة كقاعدة ( من عاش على التوحيد ومات عليه استوجب الجنة ) وقاعدة ( ماعدا الشرك الأكبر بالله كله داخل تحت إمكان المغفرة ) وقاعدة ( من أتى بأصل الإيمان حكم له باسمه وحكمه ) وقاعدة ( لا نكفر أحداً من المسلمين بعمل حتى يتضمن ترك أصل الإيمان ) ، وقاعدة ( أصل الإيمان إقرار وتصديق وانقياد ) ، وقاعدة ( عمل الجوارح يدخل في الإيمان الواجب ولا يدخل في أصل الإيمان ) وقاعدة ( الكفر نوعان كفر جحود وكفر عمل ) وقاعدة ( قد يجتمع في المسلم كفر وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى وفجور وله اسم الإيمان وحكمه حتى ينقض أصل الإيمان ) ، إلى غير ذلك من قواعد أهل السنة ، ـ الشاهد ـ أن الكفر دون كفر أنّ يوجب استحقاق الوعيد دون الخلود في النار . فالكفر الأصغر أو الكفر دون الكفر صاحبه وإن كان على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر ، إلا أن صاحبه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه وإن مات فتجرى عليه كافة أحكام المسلم ما لم يكفر الكفر الأكبر عندنا بيقين وهذا من أصول الملة الحنيفية السمحة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم  من عند الله ، فإذا مات غسل وصلى عليه ودفن في مدافن المسلمين ويورث ويرث ، وتجوز عليه الرحمة وهو داخل إطار المشيئة ، هذا في الحكم الظاهر أما أحكام الآخرة فإن كان مات على الإيمان فم يخذل عند خروج الروح فهو حقاً تحت المشيئة ، وهو لا يخلد في النار ، خلود الكافرين بل مآله ـ وإن لبث في النار أحقاباً ـ إلى الجنة برحمة الله عز وجل ولو مع أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار إلى الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه  ، والشاهد من ذلك : أنّ كل من كان كفره في إطار الملة فإنه في الأحكام يأخذ اسم الإيمان وحكمه ، وإذا كان كفره يوجب القتل فإنه يقتل حداً ، فيغسل ويكفن ، ويدفن في مدافن المسلمين لما أتى به من الإقرار الظاهر ، ولهذا كان مذهب جماهير السلف والخلف أنّ تارك الصلاة يقتل لأدلة شرعية كثيرة منها قوله تعالى { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ.. }[ التوبة : 5 ] وقوله صلى الله عليه وسلـم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله )) ، ولكنه يقتل حداً فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله ، وما ذلك إلا لما أتى به من الإقرار ولما أظهر من التصديق والانقياد وحسابه على الله تعالى ، وبعد ـ فهذا ما تيسر في بيان الفرق بين الكفر الأكبر وكفر دون كفر كما وضحه الشرع وكما فهمه علماء الأمة الفقهاء أعلام أهل السنّة والجماعة الناجين .

[  14  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الكفر الأكبر : كفر اعتقاد وجحود ، والكفر دون كفر : كفر عمل مجرد عن الاعتقاد  :  هذه القاعدة : ( الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً  أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله ) قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء ، فكل ما كان من الكفر  يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة ، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر  ، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة ، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده ، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر ، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله ، ومن أمثلة على تطبيقات العلماء لهذه القاعدة : يقول الطحاوي وهو يشير إلى عقيدة أهل السنّة : " ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين ، وله وبكل ما قاله وأخبر مصدقين ، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله إلى أن قال ولا يخرج العبد من الإيمان إلاّ بجحود ما أدخله فيه " أهـ ، وبيان قوله رحمه الله :  أن أهل القبلة مسلمين مؤمنين بما جاءوا به من الإقرار والتصديق  – أي الانقيادي لأنه قول أهل السنّة قاطبة ، وأن أهل السنّة والجماعة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بالذنوب والمعاصي إلاّ إن لازمها استحلالا قلبياً ، وأن باب الإسلام هو الإقرار والتصديق الانقيادي ومن هذا الباب يدخل المرء إلى الإسلام وكما أنه دخل من هذا الباب فلا يخرج إلا منه بمعنى أنه لا يكفر الكفر الأكبر حتى يصدر منه ما يناقض إقراره وتصديقه وانقياده ، وهذا هو ما عبّر عنه الإمام الطحاوي بالاستحلال والجحود ، ويقول ابن عبد البر  وهو يطبق القاعدة -  : وذلك بعد ذكره لحديث (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )) ، قال : " فيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرهـا ، ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقد نيته فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً إلا برفع ما كان به مسلماً وهو الجحود لما كان أقرّ به واعتقده . والله أعلم "[ التمهيد حـ 23 / 288 - 290 ] أهـ ،

[  15  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة [ الإقرار – التصديق – الانقياد ]  ، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة ، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار ، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر : ومنه عدم الإقرار بالشهادتين أصلاً أو التلفظ بكلمة الكفر الناقضة للإقرار أو إقرار الكفر المناقض للإيمان أو جحود شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه  صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة ، ويدخل فيه سبّ الله أو سب رسوله أو دينه أو كتابه لأن ذلك ناقض لأصل الإقرار إذ الإقرار ينبئ عن التصديق والانقياد والسب ينبئ عن التكذيب أو الاستكبار أو كليهما ، ويدخل فيه أيضاً الاستهزاء بالله أو برسوله أو بدينه أو بكتابه إذ الإقرار ينبئ عن التعظيم والاحترام والاستهزاء ينبئ عن الاستخفاف وعدم الاحترام فلذا كان ناقضاً للإقرار ، وكل ما كان ناقضاً للتصديق فهو كفر أكبر : ومنه الشك وهو عدم التصديق الجازم بل التردد بين التصديق والتكذيب ومنه التكذيب ومنه النفاق وهو إظهار التصديق باللسان مع تبطن الكفر ، وكل ما كان ناقضاً للانقياد كان كفراً أكبر : ومنه العناد والكبر والإباء والاستكبار ، وكـل ما كـان مصاحبـاً بانتفـاء عناصـر الإيمـان الثلاثـة كـان كفـراً أكبـر ، ومنه كفر الجهل بجهل الإقرار والتصديق والانقياد ، وكفر الإعراض وهو الإعراض عن الإقرار والتصديق والانقياد والفرق بينهمـا أن الأول لم يسمـع بالرسالـة فهـو جاهـل والثاني سمع عنها فأعرض ، وهكذا فالكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها : كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب .ولكل هذه الأنواع أدلتها التي قال بها فقهاء أهل السنّة والجماعة الأعلام ، وسيأتي بمشيئة الله تعالى بيانها تباعا ، وأعمال الجوارح كما حققناها عند فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب ، وبعضها أقرب من بعض إلى أصل الإيمان ، وأقر بها إلى أصل الإيمان إقامة الصلاة ، ولهذا غلّظ الشرع في تركها ووصف تاركها بالكفر وهو عند جمهور المحققين - وغيره من أعمال الجوارح من باب الأولى - داخل في إطار كفر دون كفر ، وصاحبه لا يخرج من الملة بالكلية وإن كان يُخشى عليه ذلك لكونه على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر ، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق ، فلا يخرج من الملة بالكلية ، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين ، وتارك الإيمان الواجب كله على خطر عظيم وعاقبة وخيمة وهو ما كان محافظاً على أصل الإيمان - وأنىّ له ذلك لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية حتى يزول - فهو كافر ولكن في إطار الملة فله اسم الإسلام وحكمه ، وهو يقيناً على شفا جُرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر والخلود الأبدي في النار ، إلاّ وأننا التزمنا طريقة الفقهاء [ المقصود بهم الفقهاء بالكتاب  والسنّة الذين لا يميلون في كلامهم إلى التشديد على سبيل الترغيب والترهيب ، ولا إلى التفريط على سبيل الإرجاء وإرضاء العامة ، فهم وسط يدورون حيث دار الدليل ويعتبرون أن حدود الشرع وسط إذا زاد المرء فيها وقع في الغلو وإذا قصر وقع في التفريط والشارع الحكيم وضع للشرع ضوابط لا نتعداّها لا على سبيل الإفراط ولا على سبيل التفريط ] ، فمن كان هذا حاله فلا نحكم عليه بالكفر الأكبر حتى يأتي على أصل الإيمان أو عنصر من عناصره فنحكم عليه به أما دون ذلك فهو في إطار الملة بمعنى أنه إن مات على أصل الإيمان بريئاً من النواقص فهو إلى المشيئة وغايته في النار أن يخرج مع أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار إلى الجنة بواسع رحمته بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، هذا كله إن مات على أصل الإيمان وأنى له هذا كما أشرت من قبل إلى نقصان الإيمان بالمعاصي حتى يزول ، نسأل الله السلامة 

[  16  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه ،  وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب ، يقول القاضي عياض : ( وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل ، كالسجود للصنم والشمس والقمر والصليب والنار ، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس ، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام ) أهـ [ الشفا للقاضي عياض حـ2/1072 - 1073 ] ،

[  17  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح ، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط : وهذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها علماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه ، فإنّ   المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة ، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً ، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها ، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين ، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار إبتداءً ، وله - أيضاً - كلام طيب ممتلئ حكمة يؤكد صحة هذه القاعدة ، ذكر في بدايته أن نفي الإيمان في كتاب الله يتناول نفي الإيمان الواجب وأن صاحبه وإن نفي عنه الإيمان الواجب إلاّ أن له اسم الإيمان وحكمه وما ذلك إلاّ لأنه لم يتول بالكلية عن الطاعة مادام قد أتى بطاعة الاعتقاد وبالتالي فهو في إطار الملة ولكنه من أهل الوعيد ، 

[  18  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله ،  كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ، وقوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، من أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله ، فقد حكم بقبله بما أنزل الله ، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر ، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة ، ومن جحد حكم الله بقلبه ، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ولذلك اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم على التفصيل في المسألة ، فمنهم من قال : أنها ليست في المسلمين وإنما هي في الكفار وقد ورد هذا القول عن بعض التابعين (( فقد أخرج الطبـري بسنـده عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }  ليس في أهل الإسلام منها شيء ، هي في الكفار [ تفسير الطبري جـ6/252 ] أهــ ، ومنهم من قال : أنهـا نزلـت في أهـل الكتـاب وفـي الكافريـن جميعــاً وقال بهذا القول من الصحابة رضي الله عنهم البراء بن عازب ، فقد أخرج مسلم عن البراء بن عازب رضى الله عنه الحديث وفيه قال (( قوله تعالى : { و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  } [ المائدة : 44 ] ، قـال : في اليهـود إلى قوله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ المائدة : 47 ]  ، قال : في الكفار كلها [ صحيح مسلم ] ، ومنهم من قال : أنّ حكم الآية يتناول المسلمين ويقصد به الكفر في إطـار الملة {كفر دون كفر} وقد جاء هذا القول صحيحاً عن حبر الأمة وفقيهها ـ الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والفقه ـ عبدالله بن عباس رضى الله عنهما ، وبه قال عامة أصحابه كعطاء وطاوس . { أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس   { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسلـه [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاَ بسنده عن ابن طـاوس عـن أبيه قال : قال رجل لابن عباس في هذه الآيات { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } فمن فعل هذا فقد كفر ، قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر  وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا }[ تفسير الطبري ج6/256 ] وأخرج أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال : سُئل ابن عباس عن قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : هي به كفر ، قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن طاوس { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : ليس بكفر ينقل عن الملة [ تفسير الطبري ج6/256 ].هـ وأخرج أيضاَ عنه { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : كفر لا ينقل عن الملة . قال : وقال عطاء : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن عطاء قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون} قال كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم }[ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وقد نقل بعض هذه الآثار الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وهو يتحدث عن الكفر في إطار الملة فقال : (( وأما الفرقان الشاهد عليه ـ أي الكفر دون الكفر ـ في التنزيل فقول الله عز وجل  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] وقال ابن عباس " ليس بكفر ينقل عن الملة " وقال عطاء بن أبي رباح (كفر دون كفر)  فقد تبين لنا أنه كان  ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب ، فلا معنى له إلا خلاف الكفار الحكم بغير ما أنزل الله [ كتاب الإيمان لأبي عبيد ص45 ط . المكتب الإسلامي ] أهــ ، ومنهم من قال  : أن حكم الآية يتناول المسلمين وله تفصيل فمن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً للحكم فهو كافر الكفر الأكبر ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر به معتقد له فهو ظالم فاسق وكفره دون الكفر الأكبر ، وقد أخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بن عباس قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به فهو ظالم فاسق [ تفسير الطبري جـ6/257 ] ، وذكر ابن حبان في تفسيره (( وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية [ البحر المحيط لابن حبان جـ3/493 ] أهـ . وهذا القول هو غاية الجمع بين الأقوال جميعها وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها ، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله ، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين ، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى ، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة ، ومن أقوال الأئمة العلماء الراسخين في العلم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، والتي تؤيد ما رجحناه من أن الآية في حق المسلمين تتناول المسلمين وأنها في حق الجاحد كفر أكبر ، لأنه لم يحكم بما أنزل الله البتة ، وأنها في حق المقر المعتقد بقلبه كفر دون كفر ، لأنه حكم بقلبه بما أنزل الله فلم يترك الحكم بما أنزل الله بالكلية  فصار الكفر في حقه كفراً عملياً مجرداً لا يخرج من الملة وإن كان صاحبه على خطر عظيم وهو خطر الكفر في إطار الملة ، ومعلوم يقيناً أنه أشد على صاحبه وأخطر من أكبر الكبائر ، نسأل الله السلامة وحسن العاقبة :   قال الطبري رحمه الله :  وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب ، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت ، وهم المعنيون بها ، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم ، فكونها خبراً عنهم أولى .   فإن قال قائل : فإن الله ـ تعالى ذكره ـ قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصاً ؟ . قيل : إن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين ، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون ، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به ، هو بالله كافر ، كما قال ابن عباس  [ تفسير الطبري ج10 / 358 ] ، ،  وقال الواحدي رحمه الله في تفسيره : (( ومن لم يحكم   بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء (( [ تفسير الواحدي ج 1 / 321 ]  ،  وقال الطحاوي رحمه الله في بيان الكفر دون الكفر الأكبر بالله حين شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم { قتاله كفر } (( ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} على ما تأوله فعن ابن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال هي كفره وليس كمن كفر بالله تعالى واليوم الآخر . و عن طاوس قال (( قلت لابن عباس : من لم يحكم  بما أنزل الله فهو كافر قال : هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر  )) [ مشكل الآثار ج2 / 317 ]  ،  وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله : (( هم اليهود إن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا له كما غير اليهود فهو كافر ظالم فاسق )) [ الناسخ والمنسوخ للنحاس :ج1 / 402 ]  ،  وقال الثعالبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} " وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن " [ تفسيرالثعالبي ج1 / 465 ]  ،  وقال ابن عبد البر رحمه الله " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل   ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس وهي عامة فينا قالوا ليس كفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء "  [ التمهيد لابن عبد البر ج5 / 74 : 75 ] ا هـ . وقال في حديثه عن الخوارج " وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . ‎ ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر " [ التمهيد لابن عبد البر ج17 / 16 ]  ،  وقال الغزالي رحمه الله : قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له  [ المستصفى ج1 / 168 ]  ،  وقال ابن العربي رحمه الله : المسألة الحادية عشرة : قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} اختلف فيه المفسرون ; فمنهم من قال : الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود , ومنهم من قال : الكافرون للمشركين , والظالمون لليهود , والفاسقون للنصارى , وبه أقول ; لأنه ظاهر الآيات , وهو اختيار ابن عباس , وجابر بن زيد , وابن أبي زائدة , وابن شبرمة . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة , ولكنه كفر دون كفر . وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ; فهو تبديل له يوجب الكفر , وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين . [ أحكام القرآ لابن العربي ج2 / 127 ] ،  وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله : قال أبو بكر قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة [ أحكام القرآن ج4 / 93 ]  ،  وقال القرطبي رحمه الله :  قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } و { الظالمون } و{ الفاسقون } نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلىهذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيهإضمار أي ومنلم يحكم بماأنزل اللهردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا ، قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساقالمسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له [ تفسير القرطبي ج6 /190 ]  ، وقال النسفي رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهينا به {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحدا فهو كافر و إن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم. . إلى أن قال : يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافرا ظالما فاسقا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله }فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله [ تفسير النسفي ج1 / 284 : 285 ] ،  وقال البغوي رحمه الله : " وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات فقال إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات وقال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا " [ تفسير البغوي ج2 / 41 ] ، وقال البيضاوي رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهيناً به منكراً له {فأولئك هم الكافرون}  لاستهانتهم به ، وتمردهم بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم بقولـه {الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}، فكفرهم لإنكاره ، وظلمهم بالحكم على خلاقه ، وفسقهم بالخروج عنه [ تفسير البيضاوي سورة المائدة – الآية 43 : 50 ] ، وقال  : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } عن حكمه أو عن الإيمان إن كان مستهينا به  [ تفسير البيضاوي ج2 /331 ] ، وقال أبو السعود رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }كائنا من كان دون المخاطبين خاصة فانهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم يحكم بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاء بينا  {فأولئك} إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها  { هم الكافرون}لاستهانتهم به [ تفسير أبي السعود ج3 / 42 ]  ،    وقال ابن كثير رحمه الله : (( {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً ، وقال هاهنا {فأولئك هم الظالمون} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخالفوا وظلموا وتعدوا(( [ تفسير القرآن العظيم ج2/61 ] ، وقال الشاطبي رحمه الله : ((  ومثله قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} مع أنها نزلت في اليهود والسياق يدل على ذلك ، ثم إن العلماء عمُّوا بها غير الكفار، وقالوا : كُفرٌ دون كفر )) [ الموافقات للشاطبي ج3 /ص147 ]  ،  وقال أبو حيان رحمه الله : وقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ظاهر هذا العموم ، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم ، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود ، وإلى أنها عامة في اليهود غيرهم ذهب ابن مسعود، وابراهيم، وعطاء ، وجماعة ولكنْ كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق يعني : إنّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله : ابن عباس وطاووس . . .  واحتجت الخوارج بهذه الآية على أنّ كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا : هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافراً _ ثم ذكر أقوال المفسرين في تأويل الآية ثم اختار قول عكرمة فقال _ وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه ، أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله ، إلا أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ، لكنه تارك له ، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية . [ تفسير البحرالمحيط سورة المائدة – 40 : 48 ]  ،  وقال ابن حجر رحمه الله : واقتصر المصنف على تلاوة الآيتين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . . . الفاسقون . . الآيتان} لإمكان تناولهما المسلمين بخلاف الأولى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فإنها في حق من استحل الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى وأما الآخرتان فهما لأعم من ذلك [ فتح الباري ج13 / 299 ] ،

[  19  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ، ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب { جحد الصلاة } ، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة  ،  و كل ما قيل في مسألة ( ترك الحكم بما أنزل الله ) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر ، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة ، بل هو في مسألة ( تارك الصلاة ) أظهر وأولى ،  (( قلت )) وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة ، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني ( حـ2/157 ) والنووي في المجموع ( حـ3/14 )  والشوكاني في نيل الأوطار ( حـ1/291 ) وهذا ما دعا الشنقيطي رحمه الله إلى أن يجعل هذا القول أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث وأنه كما قال النووي القول المتعين الذي ينبغي القول به لأنه يجمع بين أصول الشرع وقواعده فقال رحمه الله { وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ، وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن ، وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه :( ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث ، وأما الجواب عمّا احتج به من كفره من حديث جابر وبُريدة ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها انتهى محل الغرض منه ) [ أضواء البيان حـ4/ص322 ] أهــ ، ومن أدلة الفقهاء على أنّ ترك الصلاة تكاسلاً كفر ولكن في إطار الملة : الدليل الأول  أ - ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ))  ، ( قلت ) : الحديث صحيح لا ريب في صحته ، قال عنه النووي رحمه الله " حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة [ المجموع شرح المهذب حـ3صـ17 ] ، وقال عنه الشوكاني وهو يشير إلى صحته " الحديث أخرجه مالك في الموطأ وابن حبان وابن السكن قال ابن عبد البرّ وهو حديث صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه " [ نيل الأوطار حـ1/344 ] أهـ ، وقد رجعت إلى كلام الحافظ ابن عبد البرّ في الحديث ووجدته درة ينبغي أنّ تكتب بماء الذهب وهو قليل عليها فبعد ذكره للحديث بنصه قال – لله درّه –(لم يختلف عن مالك في إسناده هذا الحديث فهو حديث صحيح ثابت وفيه أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير ... وفيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعلم ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته ، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع مـا كان به مسلماً وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلــم ) [ التمهيـد لمـا في الموطـأ من المعـاني والأسانيــد حـ23 / 288 – 290 ] ، وقال الحافظ الطحاوي  -  في كتاب مشكل الآثار -  بعد ذكره حديث عبادة بن الصامت : ((  فقال قائل كيف تقبلون هذا الحديث عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأنتم تروون عنه خلافه ، ثم ذكر حديث (( بين العبد وبين الكفر أو قال وبين الشرك ترك الصلاة )) . فكان جوابنا له في ذلك : أنّ الكفر المذكور في هذا الحديث خلاف الكفر بالله عز وجل وإنما هو عند أهل اللغة أنه يغطي إيمان تارك الصلاة ويغنيه حتى يصير غالباً عليه مغطيا له ومن ذلك ما قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم   ((  سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ولم يكن ذلك الكفر بالله ولكنه على ما ركب إيمانه وغطاه من قبح فعلـه فمثـل ذلـك قولـه  (( ليس بين العبد وبين الكفر الاّ ترك الصلاة )) هو من هذا المعنى أيضاً والله أعلم حتى تصح هذه الأخبار ولا تختلف [ مشكل الآثار للإمام الحاوي حـ4/222 - 227 ] أهــ  ، وقال الحافظ السخاوي – وهو يستدل بالحديث على عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر ، فقال بعد سياقه لبعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة – ولكن كل هذا إنما يُحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجوبها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين لأنه يكون حينئذ كافراً مرتداً بإجماع المسلمين ، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه والاّ قتل ، أما من تركها بلا عذر بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه يُستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويُغسل ويُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب العمل جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضاً عنــه الحديـث   صلى الله عليه وسلم  أنـه قال (( خمس صلوات كتبهن الله –   وفيه إن شاء عذبه وإن شاء غفر لــه )) . ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورّث [ الفتاوي الحديثه حـ2/84 للحافظ السخاوي ] أهــ،  وقال الإمام القرطبي -   عن شرحه لحديث مسلم (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ))  وهو يستدل لكونه كفر دون كفر بحديث ( خمس صلوات ... ومن لم يأت بهن )  – (( والصحيح أنه ليـس بكافـر ، لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ، ولأن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قد قـال (( خمس صلوات افترضهن الله على العباد ، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ))  فهذا ينص على أن ترك الصلاة ليس بكفر ، وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] .[ المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم حـ1/271 - 272 ط.دار ابن كثير ] أهـ ،   الدليل الثاني : ما أخرجه الخمسة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إن أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإنّ أتمها وإلاّ قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك )) والحديث صحيح لا ريب في صحته ، قال الشوكاني " الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق. طريقتين متصلتين بأبي هريرة والطريقة الثالثة بتميم الداري وكلها لا مطعن فيها ... وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي وصححها ابن القطان ، وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال : هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجة بنحو حديث أبي هريرة قال العراقي وإسناده صحيح وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال إسناده صحيح على شرط مسلم "[ نيـل الأوطار حـ1ص345 ] أهــ ،  والشاهد من الحديث للدلالة عل أنّ كفر تارك الصلاة هو دون الكفر الأكبر هو ما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره للحديث تحت باب وحُجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر  قال رحمه الله " والحديث يدل على أنّ ما لحق الفرائض من النقص كملته النوافل ، وأورده المصنف في حجج من قال بعدم الكفر ، لأن نقصان الفرائض أعم من أن يكون نقصاً في الذات وهو ترك بعضها ، أو في الصفه وهو عدم استيفاء أذكارها أو أركانها وجبرانها بالنوافل ، مشعر بأنها مقبولة مثاب عليها والكفـر ينافي ذلك "  أهــ وقصده من قول ( والكفر يُنافي الإيمان ) أي أن الكفر الأكبر يُنافي جبران النقص بالنوافل لأنه إذا كان ترك الصلاة كفراً أكبر مخرج من الملة فإنه لا يصح جبران الكفر الأكبر أبداً ، بل ينبغي أن يُنشئ المرء بعده إسلاما جديدا ، والحديث دلّ على جبران النقص ومنه ترك بعض الصلوات بالنوافل ، وهذا يدل على أنّ ترك الصلاة دون الكفر الأكبر المانع للجبر وتعويض النقص ، والدليل الثالث : (( حديث البطاقة )) :أخرج الترمذي وغيره من أهل السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( أن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً ، كل سجل مثل مد البصر ، ثم يقول من هذا شيئاً ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول لا يارب ، فيقول أفلك عذر فيقول لا يارب ، فيقول بلى إنّ لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم اليوم فتخرج بطاقه فيها أشهد أن لا إله الاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، فيقول أحضر وزنك ، فيقول يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال إنك لا تظلم ، قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقـة في كفـة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء )) [ أخرجه الترمذي ح(2639) وابن ماجه (4300) ،والإمام أحمد حـ2/213 وصححه الألباني ح(135) ] ، فلم يذكر في البطاقة غير الشهادة ، كما أنّ هذا التفصيل : هو قول المدارس الفقهية المتخصصة بعلمائها الأجلاء : تارك الصلاة كفر في إطار الملة هو قول المدارس الفقهية المعتمدة الحنفية والمالكية والشافعية والقول الصحيح المعتمد المختار عند فقهاء الحنابلة وهو القول الراجح عند أكثر مدارس أهل الحديث كما ذكر الشوكاني والصنعاني رحمهما الله تعالى . ويكمن أهمية هذا الدليل ، أن هؤلاء هم أهل التخصص في الفقه ، فكل مدرسة من هذه المدارس إضافة إلى مكانة مؤسسيها العلمية العالية والتي لم يتبوأها أحد في الأمة في زمانهم أو بعدهم ، إضافه إلى ذلك أنها مدارس تخصصية تحتوى كل مدرسة على مئات من العلماء الفقهاء بالكتاب والسنّة المجتهدين على الإطلاق أو في إطار المذهب أو في إطار أصوله ، إضافة إلى أنها المدارس التي انضبطت أقوال مؤسسيها ، فعرفت أقوالهم القديمة والجديدة والمعتمدة ، ومرت على عقول مئات العلماء المنتسبين لهذه المذاهب ، فحمل مطلقها على مقيدها ، وعامها على خاصها ، وهكذا انضبطت الأقوال داخلها ، بخلاف ما يُنقل عن الأئمة الباقين ، فالنقل عنهم عزيز ، والتمحيص لأقوالهم يكاد يكون مفقودا ، فلا نعلم متى قال بذلك وهل رجع عنه أم لا ، وهل قاله على وجه العموم أو لحالة مخصوصة وهل قوله مطلق أم مقيد وهكذا ، وهذا أهم ما ننبه عليه إخواننا لاسيما في زماننا هذا الذي عزف فيه كثير من طلبة العلم عن معرفة آراء هؤلاء الفقهاء وإعطائها حقها من الأهمية في المسائل الفقهية . فطلب الفقه من الكتاب والسنّة بفهم هؤلاء هو من باب طلب الشيء من المتخصصين فيه ، وهذا من الفقه في دين الله عز وجل بمكانة ، وفي ذلك إشارة إلى منهج أسأل الله عز وجل أن ييسر لي بيانه في رسالة مستقلة ، وإن في ذلك لذكرى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ، وهذا ما دعا النووي رحمه الله إلى أن يقول : " ولم يزل المسلمون يورثون عنه ، ولو كان كافراً ـ أي الكفر الأكبر ـ لم يغفر له ولم يرث ولم يورث . وأمّا الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها "[ المجموع شرح المهذب حـ3 ص17 ] أهـ ، ودعا ابن قدامة رحمه الله إلى أن يقول : (( ذلك إجماع المسلمين فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ، ولا منع ورثته ميراثه ولا منع هو ميراث مورثه ، ولا فرق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ، ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها ، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ، ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة وصيام. وأمّا الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ والتشبيه له بالكفار لا على الحقيقه كقوله عليه السلام (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ، وقوله (( كفر بالله تبرؤ من نسب وإن وجد )) وقوله (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) ، وقوله (( من أتى حائضاً أو أمرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد )) ، وقال (( ومن قال مطرنا بنوء  الكواكب فهو كافر بالله مؤمن بالكواكب )) ، وقوله (( من حلف بغير الله فقد أشرك )) ، وقوله (( شارب الخمر كعابد وثن ))  وأشباه هذا مما أُريد به التشدد في الوعيد وهو أصـوب القولـين والله أعلـم.[ المغنـــي حـ2/158 ] أهـ ، ( قلت ) وقد تقدم ذكر قول الشنقيطي رحمه الله في بداية ذكر المسألة وفيه ( وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ولأن إعمال الدليلين أولى من  إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث ...0 إلى أن نقل قول النووي وفيه وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها )[ انظر أضواء البيان حـ4/322 ] أهــ ويقول النووي  " وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور " [ المجموع حـ3/14 ] ، وقد علل رحمه الله لذلك بعلّة حرّي بنا أن نفهمها وأن نعض عليها بالنواجذ وهي قوله قبل أن يقطع بصحة عدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً الكفر الأكبر - " ولا يكفر بترك الصلاة لأن الكفر بالاعتقاد واعتقاده صحيح فلم يحكم بكفـره " [ المجموع حـ3/13 ] ، ويقول الشوكاني " ذهبت الكثرة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر "[ نيل الأوطار حـ1/291 ] أهــ وقوله (  لا يكفر )  أي الكفر الأكبر المخرج من الملة وإن كان كفراً في إطار الملة ، ورجحه أيضاً العلامة القرطبي بقوله " والصحيح أنه ليس بكافر لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قـد قــال (( خمس صلوات افترضهن الله على عباده فمن جاء بهن لم يضّيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء يغفر له وإن شاء عذبه ))  فهذا ينص على أنّ ترك الصلاة ليس بكفر وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفـر ما دون ذلـك لمن يشـاء  { النساء : 48 }[ المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم حـ1/271 ط. دار ابن كثير ] أهــ ن ورجحه أيضاً الحافظ السخاوي في فتاواه فكان من قوله " أما من تركها بلا عذر ، بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه يستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويغّسـل ويصلـى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائـر أحكـام المسلميـن عليه  أهـل الفتاوي الحديثه حـ2/84 "  ، ورجحه أيضاً ابن عبدالبرّ بقوله  –بعدما ذكر حديث (خمس صلوات .. من أتى بهن .. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ) – وهو حديث صحيح سيأتي بيانه ، (( وفيه دليل على أنّ من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمداً صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ، ألا ترى أنّ المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته ، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع ما كان مسلماً به وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلم  أهــ [ التمهيد حـ23/288 - 290 ] ، ورجحه أيضاً ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد حيث قال : ( تارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب الاّ أن يتركها معتقداً لتركها ، فنحن إذاً بين أحد أمرين : ( الأمر الأول ) إما أن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي يجب علينا أن نتأول أنه أراد  صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة معتقداً لتركها فقد كفر ، ( والأمر الثاني ) :  أن يحمل على اسم الكفر على غير موضعه الأول وذلك على أحد معنيين :إما على أن حكمه حكم الكافر أعني في القتل  ، وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ والردع له ...0 وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع حكامه مع أنه مؤمن فشيء مفارق للأصـول ...0 ولـذلك صار هذا القول مضاهياً لقول من يكفّر بالذنوب  [ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ]  ،  ( قلت ) : وهو القول الراجح من أقوال الإمام أحمد اختاره أبي عبدالله بن بطة وأنكر قول من قال : أنه يكفر وذكر أن المذهب – أي الحنبلي – على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه ، وهذا الذي رجحه كذلك ابن قدامة الحنبلي وهو ما رجحه أيضاً في إطار المذهب الحنبلي الشيخ علاء الدين المرداوي في كتاب " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل " ، ، وليس المقصود من ذكر هذه الأدلة السابقة تسهيل ترك الصلاة على العامة ، حاش لله ، بل تركها هو الطريق العريض نحو الكفر الأكبر ونحو الهلاك والعياذ بالله ، ولكن المقصد من عرض الأدلة بيان دين الله عز وجل القيّم الذي لا يُسوي بين قائل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله والمقر بها والمصدق لها تصديقاً جازماً يلازمه الإذعان لحقوقها وبين الجاحد لها فإذا قلنا أن تركها تكاسلاً مع الإقرار بها كفر أكبر فقد ساوينا بين المقر والجاحد وبين قائل لا إله إلاّ الله وعابد الوثن لكونهما مخلدين في النار. وكذلك فإن هذا هو الفقه الذي من يرد الله تعالى به خيراً يرزقه إياه وكذلك فإنه الضابط العاصم من تكفير الموحدين الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وقد تواترت الأحاديث على أنّ من قال لا إله إلاّ الله دخل الجنة وإن لبث في النار أحقاباً

[  20  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ كفر تولي الكافرين كفر أكبر للموالي على أساس الدين ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وكانت الموالاة على أساس الدنيا والعقد والاعتقاد سليمين : إنّ شرع الإسلام شرع محكم يوافق بعضه بعضاً { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا }[ النساء : 82 ] ومن توافق هذا الشرع المحكم هو ما اتفق عليه الأئمة المحققون من علماء أهل السنّة والجماعة أنّ أصل الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه هو الإقرار والاعتقاد ، وأنّ عمل الجوارح خارج عن أصل الإيمان الفاصل بين الإيمان الأصل والكفر الأكبر داخل في الإيمان الواجب الفاصل بين الإيمان الواجب والكفر في إطار الملة . وعلى ذلك فمن أتى بالإقرار والاعتقاد للشرع وأحكامه ولم ينقضهما بناقض متعلق بهما فقد سلم عقده وقلبه وهو في منجى من الخلود الأبدي في النار مهما قصّر بـه عمله ، ومن أقر بالشرع واعتقده ثم قصّر به عمله فقد أخلّ بالإيمان الواجب الذي ضده الكفر في إطار الملة فلا يحكم بردته لأنه قد أتى بحسنة الاعتقاد والإقرار . ومع تطبيق هذه القاعدة الحكيمة التي حبا الله عز وجل بها فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسألة الموالاة والمعاداة نعلم يقيناً أنّ مناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة هو الموالاة الباطنة للكافرين على دينهم ، أمّا من وقع في موالاة ظاهرة وقلبه سليم وعقده سليم ولم يوال على الكفر ولا لأجله وإنما لحاجة أو شهوة أو هوى فاسد فهو كافر ولكنـه في إطـار الملـة ،   لاشك أنّ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات ، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة . ومع ذلك فالمفرّط فيهما مثله تماماً مثل تارك الحكم بما أنزل الله وتارك الصلاة وتسري عليه قواعد الشريعة الضابطة للمسألتين اللتين سبقتاه ، وينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة ، وهو الضابط الذي وضحناه وأصلناه في القواعد السابقة . فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة . وهذا هو الفقه الذي حبا به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن ، ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة : ( هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين ) ، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم . فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة . وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة وصاحب الكفر دون الكفر عموماً على خطر عظيم لقربه من هاوية الكفر الأكبر ، ومعاداة المؤمنين كذلك لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون معاداة قلبه متعلقة بإسلامهم وإيمانهم . فمن عادى المؤمنين على دُنيا أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فكفره في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر ومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر } . فالقتال هنا كفر ولكنه بإجمـاع أهل السنّة كفر في إطار الملة وإلاّ كفّر بعضنا بعضاً بالمعاصي والآثام ، وقد ثبت بنص القرآن أنّ المؤمنين يكون بينهم اقتتال وهم على اسم الإيمان وحكمه كما في قوله تعالى{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.. إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  } الآية [ الحجرات : 9 - 10 ] ، وعلى ذلك فمناط التكفير في مسألة الموالاة والمعاداة : هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمن ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام . فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست بالردّة ، وليس هذا تهويناً من شأن الموالاة والمعاداة ، فشأنها عظيم ويكفي أنّ ما كان منها ظاهراً فهو ( كفر ) في إطار الملة وليس بالأمر الهين لفظ الكفر ولا بالأمر السهل أن يوصف المرء بالكفر في إطار الملة فهو أشد وأخطر من الكبائر عامة ، والمحرمات كافة لأنه قريب من الكفر الأكبر وصاحبه على خطر عظيم إن لم تتداركه رحمة الله بالتثبيت ، وكما أنه ليس تهويناً من شأن الولاء والبراء ، فهو كذلك انضباط بضوابط أهل الحق  - أهل السنّة والجماعة الناجية - في مسائل الإيمان والكفر ، فلا يكفّرون إلاّ من يستحق الكفر بضوابطه الرصينة ، ولا يسوون بين الجاحد المنكر والمقر المعتقد فيكفّرون كليهما بالعمل الظاهر دون التثبت من سلامة العقد والقلب ، وهذه من حِكمَ الشريعة الباهرة التي خصّ الله تعالى بها أهل الفقه في الدين ، أهل السنّة والجماعة الناجية ، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ،

[  21  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  قاعدة : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر ) ودليل ذلك ما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) [ أخرجه مسلم ] ، صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال ( لا إله إلا الله ) إلاّ تقية وهرباً من القتل ، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : (( بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم  ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً  ، قال ، فقال : (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم ))  [ صحيح مسلم ] ، وأخرج مسلم عن جندب بن عبدالله البجلي رضي الله عنه القصة وفيها : (( قال : يا رسول الله أوجع في المسلمين. وقتل فلاناً وفلاناً ، وسمّى له نفراً ، وإني حملت عليه ، فلمّا رأى السيف قال : لا إله إلاّ الله ، قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم  : أقتلته ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ، قال : يا رسول الله ! استغفر لي ، قال : وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟  قال : فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله )) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،  ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين ، أنه يفعل ما يشاء ،  فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها ، مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ،

[  22  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  قاعدة : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ،  ودليل       ذلك ما جاء في حديث الشفاعة ، وفيه : (( ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ متفق عليه ]  ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان )) [ أخرجه البخاري] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة ))[ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة )) فقال أبو ذر رضي الله عنه : وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سـرق ، ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) [ أخرجه مسلم ] ،

[  23  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  قاعدة : وجوب الاحتياط عند الحكـم علي أي مسلم بالكفر الاكبر ، ووجوب ترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ) ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[  24  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ) ، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره ، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية ، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء ، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة : ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي   صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل ] ، ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ،

[  25  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  الأعذار الشرعية التي تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، كثير ة منها : العذر بالجهل ، والعذر بالخطأ ، والعذر بالتأويل ، والعذر بالإكراه ) ، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول ، لقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] ، وقوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] ، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل ، إذ لم يسمع بالدليل ، والدليل على عذره  : قوله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] ، والمعنى : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان ، وقوله تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[ النساء : 115 ] ، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416 ] ، والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه ,  والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة  ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة ، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ، وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] ، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، وأخرج مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : بعثنا رسول الله إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ـ كان قد أثخن على المسلمين ـ قال فلمّا غشيناه قال لا إله إلاّ الله قـال : فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي فقتلته ، قال فلمّا قدمنا بلغ ذلك النبي   صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) قلت يا رسول إنما كان متعوذاً ، قـال :  (( أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله ؟ )) فمازال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم .)) ، [ أخرجه مسلم ] ، وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وسلم  أسامه رضي الله عنه بتأويله ، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة  ، والحديث أخرجه البخاري ، وذلك أنّ حاطب رضي الله عنه تأول أنّ خوفه من الكفار على أهله وماله يرخص له في موالاة الكافرين ، وعذره الرسول  صلى الله عليه وسلم لخطئه في التأويل فلم يقم عليه حد الردة ، والعذر بالإكراه نص عليه القرآن الكريم ، قال تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] ، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك ،

[  26  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  قاعدة : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ) ، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير ، قال تعالى  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون ، وتقوم عليهم الحجة بذلك ، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[ المائدة : 93 ] ، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : ( الضابط الأول ) : الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] ، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، لقوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] ، وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، و ( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه ، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً ، عاقلاً ، عالماً بأن فعله مكفر ، متعمداً قاصداً لفعله ، مختاراً له بإرادته ، والقسم الثاني : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، و القسم ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع ، و ( الضابط الثالث ) : فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره ، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم ،

[  27  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  قاعدة : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ) ،  لا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير ، وانتفاء موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة ، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   أن نحكم عليها بأنها في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبا الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[  28  ]  مجمل قواعد الإيمان التي أصلها السادة علماء وفقهاء  أهل السنة والجماعة الناجية :  (1) الإيمان قول وعمل ، (2) الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل ،  (3) أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان وهو مطلق الإيمان ، وهو إيمان أصحاب قبضة الرحمن وأصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلاّ للرحمن ،  (4) أصل الإيمان هو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان وحكمه ، وليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام ،  (5) ليس بعد أصل الإيمان سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار  ، (6) أصل الإيمان لا يمنع من دخول النار ولكنه يمنع من الخلود الأبدي فيها خلود الجاحدين المكذبين ،  (7) أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب وعمله وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار ،  (8) عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها :الأول :  قول اللسان ( الإقرار ) ، والثاني : قول القلب ( المعرفة والعلم والتصديق ) ، والثالث : عمل القلب ( الانقياد والإذعان ) ،  (9) أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب ،  (10) ضد أصل الإيمان أو أحد عناصره الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وكل كفر كان ضداً للإيمان الفرع فهو كفر في إطار الملة وليس خارجها ،  (11) فرع الإيمان هو ما يسميه العلماء ( الإيمان المطلق ) أو ( الإيمان الكامل ) وهو الأشهر عندهم ،  (12) الإيمان الكامل قسمان : الأول : الكامل الكمال المأمور به وهو الإيمان الواجب ،  الثاني : الكامل الكمال المندوب إليه وهو الإيمان الكامل المستحب ،  (13) الإيمان الواجب يكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات إضافة إلى وجود الأصل ، (14) الإيمان المنفي في نصوص الشرع ( الكتاب والسنّة ) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان ،  (15) الإيمان الكامل المستحب يكون إضافة إلى وجود أصل الإيمان وواجبه التحلي بالمندوبات والقربات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات ،  (16) الإيمــان ثــلاث مراتـب : أعلاها مرتبة الإحسان : - وهي مرتبة السابق  بالخيرات بإذن الله ، المؤدي لكافة شرائع الإيمان فرضاً ونفلاً ( فعلاً وتركاً ) وهي مرتبة أصحاب الدرجات العُلا في جنـة الخلد . ويليها مرتبة الإيمان : - ( الإيمان الواجب وهي مرتبة المقتصد ) المؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات لا يزيد على ذلك ولا ينقص منه ، وأصحاب هذه المرتبة يدخلون الجنة ابتداء ، وأقلها مرتبة الإسلام : ( مرتبة الظالم لنفسه ) وهو المؤدي للأركان الخمسة وأهمها الصلاة ولكنه مقصّر في أداء بعض الفرائض والواجبات والواقع على بعض الكبائر والمحرمات ، وصاحب هذه المرتبة إلى المشيئة إن شاء الله عز وجل غفر له وإن شاء عذبه حتى يخرج من النار بشفاعة المؤمنين والملائكة والنبيين ، وأدنى هذه المرتبة الثالثة : ( مرتبة أصل الإيمان وحدّه الأدنى الذي يصح به الإيمان ) وهي درجة التوحيد المجرد ، وصاحبها هو الذي جاء فيه قسم الله عز وجل (( وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) أي معتقداً لها وهؤلاء هم آخر أهل النار خروجاً من النار وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة وأدناهم فيها منزلة ، وليس بعد ذلك سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين المكذبيـن ، ومجمل قواعد التكفير التي أصلها السادة علماء وفقهاء أهل السنة والجماعة الناجية :  ( القاعدة الأولى ) : الكفر الأكبر كفر اعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه زوال الاعتقاد بـزوال قـول القلب ( تصديقه ) أو بزوال عمله ( انقياده ) ، و ( القاعدة الثانية ) : الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان أو أحد عناصره ، والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب ، و ( القاعدة الثالثة ) : الأعمال الكفرية كالسجود للأصنام والاستهزاء بالدين وسب الأنبياء وإهانة المصاحف وما شاكلها كفر عملي فيما يظهر للناس ولكنها في الحقيقة كفر اعتقاد ناشئ عن غياب عمل القلب من الانقياد والتعظيم ، ( القاعدة الرابعة ) : التولي عن الطاعة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب وهو كفر في إطار الملة إذا صحّ العقد والاعتقاد واقتصر التولي على كفر الجارحة ، ( القاعدة الخامسة ) : تارك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر للجاحد لحكم الله ، وللمستحل بالحكم بغير ما أنزل الله ، الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وهو كفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المعتقد لحكم الله تعالى ، وكان تفريطه في عمل الجارحة فقط ، ( القاعدة السادسة ) :  تارك الصلاة كافر ، وهو كفر أكبر للجاحد لفرضية الصلاة ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المعتقد لها ، واقتصر تفريطه في عمل الجارحة فقط تكاسلا ، و ( القاعدة السابعة ) : من تولى الكافرين على المسلمين كفر ، وكفره أكبر لمن تولاهم على دينهم ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المعتقد لوجوب موالاة المسلمين على الكافرين ، وكانت موالاتهم على غير دينهم ومعتقدهم ، ومن أهم قواعد الشريعة العامة الضابطة لباب الإيمان والكفر ، والتي أصلها السادة علماء وفقهاء  أهل السنة والجماعة الناجية :  ( القاعدة الأولى ) : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ( القاعدة الثانية ) : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ( القاعدة الثالثة ) : بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ، كل من لم يشهد بالشهادتين فهو كافر ، فإن كان لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر جاهل ، وإن كان سمع به ولم يؤمن برسالته فهو كافر معانـد ، ( القاعدة الرابعة ) : عـدم مؤاخـذة الكافريـن على كفرهـم قبـل بلـوغ النـذارة إليهـم ، ( القاعدة الخامسة ) : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، ( القاعدة السادسة ) : العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، ( القاعدة السابعة ) : العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، ( القاعدة الثامنة ) : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، ( القاعدة التاسعة ) :  وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفيــر المعيـن ، ( القاعدة العاشرة ) : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ،  ( القاعدة الحادية عشر ) : اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليــة ، ( القاعدة الثانية عشر ) : لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه ، ( القاعدة الثالثة عشر ) : قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر ( الكفر دون كفر ) أو الشرك ( الشرك الأصغر ) أو النفـاق ( النفاق العملي ) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه ، ( القاعدة الرابعة عشر ) : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة عن منهاج أهل السنّة والجماعة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ، وبعد فهذه هي أهم قواعد الشريعة العامة اللازمة لفقه الإيمان والكفر على أكمل وجه مستطاع ، وهي التي اجتهد السادة علماء اهل السنة والجماعة في تأصيلها بأدلة الكتاب والسنّة ، وهذه القواعد ضرورية ، تضبط فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر على منهاج  أهل السنة والجماعة الناجية ، وفي الحديث المتفق عليه (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) ،  وهذه القواعد هي ثمرة جهود السادة الأثرية والأشعرية والماتريدية في حفظ وتأصيل علم الإيمان والكفر على منهاج الكتاب والسنة ، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ،

[  29  ]  خلاف السادة الأحناف والماتريدية في بعض مسائل الإيمان والكفر للسادة الأثرية والأشعرية خلاف نظري محض وصوري بحت لا حقيقة له ، وجميعهم على الحق ،  والجميع يقولون ويصرحون في كتبهم أنّ أصل الإيمان ( حدّه الأدنى ) يتناول قول القلب وعمله مع إقرار اللسان ، المذهب واحد في الأصل المنجي من الكفر الاكبر الموجب للخلود الابدي في النار ، والمذهب واحد في الأصل الذي يمنح المسلم أسم الإيمان وحكمه ، أمّا الإيمان الفرع فقد تكلم فيه الأشاعرة والأثرية ، ولهذا قالوا بزيادة الإيمان ونقصانه ، أما الأحناف والماتريدية فهم تكلموا فقط على أصل الإيمان ، وقالوا أنه بمثابة النصاب محدد لا يقبل زيادة ولا نقصان ، وهذا صحيح ، لأنه لو زاد لم تتناول الزيادة الأصل وإنما الإيمان الواجب ، ولو نقص زال اصل الإيمان وحل محله الكفر الاكبر ،  ( إذن ) الأحناف عندما قالوا عن الإيمان وأهله في أصله سواء ، قصدوا أصل الإيمان ، لأنه لا يقبل التفاوت بمعنى : إن نقص دخل صاحبه في الكفر الأكبر ، وإن زاد دخل في مرتبة أخرى هي الإيمان الواجب ، ومثال ذلك " النصاب " فكما أنّ نصاب الذهب في حق الأغنياء بالذهب واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتغير من شخص لآخر ، وإن تفاوتوا في الغنى بالذهب وتقدير الزكاة وفق ثروة كل منهم ،  فكذلك يقول الأحناف : إن الإيمان الذي هو نصاب التصديق والانقياد لا يزيد ولا ينقص ، وفي إطار هذا المثال أن نفهم القصد من عبـارة الأحناف والماتريدية : ( وأهله في أصله سواء ) أي في الحد الأدنى الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه وهذا لابد وأن يوجد عند كل مسلم سواءً أكان ملكاً مقرباً أو مؤمناً عاصياً لأن لكليهما اسم الإيمان وحكمه وقد اكتسبه بسبب ما عنده من أصل الإيمان ونصابه الأدنى الذي يصح به اسم الإيمان . ومع فهم المثال السابق نعلم أنّ الأحناف لا ينفون تفاوت الناس في درجات الإيمان ولا ينفون زيادة الإيمان ونقصانه بالنسبة للأشخاص وهم يقولون ويصرحون أنّ المؤمنين متفاوتون في ثمرات الإيمان ونتائجه ومتعلقاته ، وإنما نفيهم للزيادة والنقصان إنما هو في مرتبة محفوظة مقصودة هي مرتبة الأصل الذي توقف عليه النجاة من الخلود الأبدي في النار والذي ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر ،  ويؤيد ذلك ما قاله شارح الفقه الأكبر الملا على القارئ الحنفي بقوله " الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان من حيث أصل التصديق لا من جهة اليقين فإن مراتب أهلها مختلفة في الدين "[ شرح الفقه الأكبر ص 70 ] أهـ ،  وقال البدر العيني الحنفي كذلك : "فكل ما قام من الدليل على أنّ الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفاً إلى أصل الإيمان "[ عمدة القارئ حـ1/108 ] أهـ ، وعلى ذلك ، فمع تحقيق المسألة وتحرر موضع النـزاع نجد أنّ الخلاف بين الأحناف وبين بقية أهل السنّة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه ليس على إطلاقها كما فهمها البعض وظنها خلاف حقيقياً وإنما بتحرير موضع النـزاع نعلم أنه عند معرفة قصد كليهما أنه لا خلاف البتة بينهم وأن حاصله لفظي محض ونظري مجرد لا يترتب عليه أي خلل في فهم الإيمان بمختلف مراتبه وهو لا شك يزيد وينقص عند الجميع بما فيهم الأحناف ، والأحناف تكلموا عن نصاب الأصل الذي لا يصح الإيمان إلاّ به وهو لا شك عامل مشترك عند كل مسلم ونصاب ثابت عند الجميع إن نقص صار شكاً وكفراً وإن زاد دخلت الزيادة في إطار الإيمان الواجب ، وبهذا نجد أنّ مدارس العقيدة السنية جميعها ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) في الباب على الصراط السوي لا يخالفهم فيه إلاّ الخوارج أو المعتزلة أو الجهمية أو المرجئة أو حشوية المحدثين الذين لم يبلغوا الفقه المطلوب للحديث عن علوم الدين عامة ومسائل الإيمان والكفر خاصة ، فصاروا لا يفرقون بين مراتب الإيمان ولا الحدّ الأدنى منه والحد الكامل منه ، ولا يفرقون بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق بل الأمر عندهم دون التفصيل الذي بلغه فقهاء الملة ورب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من أفقه منه كما جاء في الحديث ،

[  30  ]  أسس يمكن أن تُزيل الخلاف في مسائل الإيمان بين كافة طوائف أهل السنّة والجماعة :  ( الأساس الأول ) : حمل قول من قال من أهل السنّة والجماعة أنّ الإيمان هو التصديق على تصديق اللسان وتصديق القلب الإذعاني المستلزم لانقياده . وحمل من قال أنّ الإيمان إقرار وتصديق على إقرار اللسان وتصديق القلب المستلزم لانقياده . وليس هذا الحمل على سبيل التطوع أو حسن الظن بل هو الحمل الواجب لأنه بذلك دلّت أقوالهم في كتبهم ومؤلفاتهم وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله تعالى بما فيه الكفاية . وبهذا الحمل يتفق جميع علماء أهل السنّة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين على أصل الإيمان وكونه قول اللسان ( الإقرار ) وقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) ، ( الأساس الثاني ) : حمل كلام الأحناف على أصل الإيمان وليس مسماه يتفق الجميع في كون أصل الإيمان قول وعمل ( قول القلب واللسان وعمل القلب ) وتكون أعمال الجوارح خارجه عن الأصل داخله في المسمى الإيمان عند الطرفين ، وهذا بالطبع بخلاف المرجئة التي تقول بأنّ إيمان المرتكب لأكبر الكبائر عدا الشرك بالله كإيمان أبي بكر وعمر بل وكإيمان الملائكة والأنبياء نعوذ بالله من الإرجاء وأهله ، فهؤلاء المرجئة يخالفون أهل السنّة والجماعة في أنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية وأهل السنّة يقولون بأنه يضر مع الإيمان المعصية والعاصي مستحق للوعيد ،  ( الأساس الثالث ) : أنه لا فرق جوهري – في أحكام الدُنيا – بين من جعل الإقرار ركن من أركان أصل الإيمان وبين من جعل الإقرار شرط لصحة الإيمان لأنهما يؤولان إلى قول واحد وهو ضرورة الإقرار والتصديق والانقياد للحكم بإيمان المعين ظاهراً وباطناً ، ولعله إلى ذلك يُشير النووي بقوله : " اتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنّ المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام ونطق بالشهادتين " أهــ [ شرح مسلم للنووي حـ1/219 ]  ، ( الأساس الرابع ) : أنّ من قال أنه التصديق وحده ، وكان من علماء أهل السنّة والجماعة فلم يُنسب إلى غيرهم من أهل الفرق الضالة فلابد وأن يُحمل كلامه على أنه يقصد الاعتقاد بشقيه قول القلب ( العلم والمعرفة والتصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) ، ويُحمل كلامه على أحكام الآخرة لأن الإجماع متحقق عند أهل السنّة والجماعة أن مـن لم يقـر بالشهادتين بلسانه بغير عذر فليس بمسلم ولا تجري عليه أحكام المسلمين في الدُنيا ، وأشار إليه النووي بقوله :" الإيـمان شرطـه الإقـرار بالشهادتـين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم " [ شرح النووي لصحيح مسلم حـ1/293 ] أهـ ، وقولـه :" اتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنّ المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام ونطق بالشهادتين " [ شرح مسلم للنووي حـ1/211 ] أهـ ، ( الأساس الخامس ) : جميع من انتسب إلى أهل السنّة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ( علماء الأصول ) يجعلون للعمل منـزلة وأهمية كبيرة وجميعهم يقولون بأن أهل الذنوب داخلون تحت الذمّ والوعيد ، ويقولون بأن الإيمان بدون العمل المفروض ، ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذمّ والعقاب ، ويقولون بأنّ بعض أهل الكبائر يدخلون النار ويعذّبون فيها ، ويقولون بأنّ مرتكب الكبيرة فاسق داخل تحت الوعيد وهذا كله يخالفون فيه المرجئة الذين قام مذهبهم الضال على أنّـه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وأنّ أهل لا إله إلاّ الله جميعهم يدخلون الجنة ابتداءً فلا يلج أحدهم النار مهما كثرت ذنوبه ، وأن إيمانهم جميعاً كإيمان الملائكة والنبيين ،  وبهذا نعلم الفارق العظيم بين متكلمي أهل السنّة والجماعة وبين المرجئة ونعلم لماذا على مدى قرون عديدة والعلماء يتحدثون عن والأشاعرة والماتريدية على أنهم مع الأثرية أتباع السلف الحقيقيون هم المتخصصون في العقيدة في إطار أهل السنّة ، فبهذه الأسس يضيق الخلاف والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، 

[ خاتمة  الحديث عن العلم الثاني : علم الإيمان ] : كل ما سبق من نقاط كان مما تيسر بيانه من لبنات علم  الإيمان وفقه مسائله وأحكامه ،  وتفاصيل هذا العلم العظيم هو من جملة العلوم المفقودة في هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى الخلل العقدي والعلمي بين فرق المسلمين ، والى وقوع طوائف من الأمة في بدعة الغلو في التكفير واستحلال دماء أهل القبلة وحرماتهم نسأل الله تعالى السلامة من الزيغ ، ومن  البدع ،  وأرى أنه لا مناص للأمة من تجديد الطلب لهذا العلم الجليل وذلك للقضاء على فوضى الغلو في التكفير ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بحفظ حُرمة أهل القبلة ، أهل ( لا إله إلاّ الله * محمـد رسول الله ) وحفظ حقوقهم الشرعية دون تعدي على أحد منهم بتكفير لا يستحقه أو ظلم لا يُـناسبه ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتتبع جذور الغلّو في مسائل التكفير واجتثاثها من أصولها ، ومنع الغلّو  في تكفير أهل القبلة أو التعجل فيه دون اتباع ضوابط أهل العلم الصحيحة في تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتتبع شبهات الخوارج والمعتزلة وآرائهم التي تسربت إلى أهل زيادة التكفير الذين لابد من التحذير من خطورة مسلكهم ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق ببيان الفهم الصحيح للإرجاء وحدوده الفاصلة بينه وبين السنّة ، وبيان من هم المرجئة ومتى يُتهم المرء بالإرجاء ومتى لا يُـتهم ، وذلك لأننا رأينا في زماننا هذا كثير من المائلين إلى التكفير الجانحين إلى الزيادة فيه يرمون علماء أهل السنّة بالإرجاء وما ذلك إلاّ لعدم تحقيقهم للحدّ الفاصل بين الإرجاء والسنّة ، بل وعدم فهمهم لحقيقة مذهب أهل السنّة ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتجديد النظرة السمحة الصحيحة المعتدلة التي كان عليها علماؤنا الأجلاء تجاه أهل السنّة . وهم بحمد الله سواد الأمة الأعظم على مرّ عصور الإسلام ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بفتح صفحة جديدة صحيحة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين سواد وعامة أهل السنّة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالرأفة والرحمة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو في التفسيق والتبديع الزائد دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتأصيل مسائل الإيمان والكفر على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة والتي تتميز بوضوح الأحكام وصحتها وسهولة إدراكها وتطبيقها  وذلك حتى يتيسر لطالب العلم جمع أهم مسائل وأحكام الإيمان مجتمعة متكاملة في مؤلف واحد ، وأظنه ثغرٌ يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين عموماً وعن طلاب العلم على وجه الخصوص ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

عدد الزيارات 1

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا