العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الرابع : ( علم التوحيد ) وذلك للقضاء على جانب اتهام الأمة بالشرك في أعمال لا تبلغ الشرك مميز


الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 18:57 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الرابع : ( علم التوحيد ) وذلك للقضاء على جانب اتهام الأمة بالشرك في أعمال لا تبلغ الشرك ،

[  1  ]  علم التوحيد وفقه مسائله وأحكامه على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة من أهم العلوم المفقودة في هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى الخلل الفكري والعقدي بين فرق المسلمين ، وهو علم بالغ الأهمية للقضاء على فوضى الغلو في اتهام الأمة الإسلامية بالشرك في أوساط المسلمين ، إنّ فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة يجعلنا نفرق بين أصل العبادة الذي هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ولها ( للعبادة ) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر عند الفقهاء ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ، إنّ التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له ، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة ، فمن صرفها لله وحده فهو موحد ، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً ، والعبادة ( أي عبادة ) ، لها أصل وصورة ، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه ، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل ، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين ، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود ، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله ، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله ، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها ، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ،  لقد أخطأ أهل الغلو في باب التوحيد والشرك في تفسير العبادة ، ففسروها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع ، وذهلوا عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله  ، أو لمن يعتقده رباً له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله ، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم ، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم ، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له ، أو اعتقاد ألهيتهم من دون الله ، وقد كانوا يسمونها آلهة ويعبدونها ويظنون فيها النصر والعزة ، قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)  } [ يس : 74 ] ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  } [ مريم : 81 ]  ، وقال تعالى حكاية عن اعتقادهم { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ، إنّ من أعظم الخلل في باب التوحيد والشرك المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين : المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله ، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء ، والمسلم يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله ، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله ، ويقول : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا ، لقوله تعالى : { قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً }[الزمر : 44]  وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله ، وإنما لمن ارتضى ، لقوله تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  } [ الأنبياء : 28 ] ، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة - على اعتقادهم الباطل - مع الله ،  ويدل عليه قوله تعالى : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } [ الأنعام : 94 ] ، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى : { فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} [ فاطر : 10 ] ، والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى : { وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً  } [ مريم  : 81 ] ، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين ، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) معتقدين لها ، والمشرك لا يؤمن بالرسول ، ويقول - كما حكاه عنه القرآن الكريم - : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } [ ص : 4 إلى 8 ] ،  ولذلك لا يصح مقارنة أفعال المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً قد تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال ، كالطواف حول القبور ، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه ، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية  والربوبية أو شيء من صورهما ، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر ، واستحلال دمائهم وأموالهم ، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر ، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي ، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله ، وهذا لا يكون من مسلم أبدا ،

[  2  ]  يدخل في علم التوحيد سبعة معان تستوفي معاني شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) : أولها : توحيد الله تعالى في جناب ذاته ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وثانيها : توحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى ، وثالثها : توحيد الله تعالى في صفاته ، ورابعها : توحيد الله تعالى في أفعاله ،  وخامسها : توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه ، فلا رب للعالمين سواه ، وسادسها : توحيد الله تعالى في عبوديته ، فلا معبود بحق إلا إياه ، وسابعها : البراءة من الشرك في الإلهية بأقسامها الستة : توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، وذلك بالبراءة من الشرك فيما يتعلق بجناب الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، فهذه المعاني السبعة جميعها يدخل في توحيد الإلهية ، الذي يشهد به كل مسلم عند قوله : (( أشهد أن لا إله  إلا الله )) ، ولذلك فإن علم التوحيد يشتمل على سبعة مباحث هي : توحيد جناب ذات الله تعالى وتقدس ، وتوحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى ، وتوحيد الله تعالى في صفاته العلا ، وتوحيد الله تعالى في أفعاله فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه فلا رب لهم سواه ، وتوحيد الله تعالى في استحقاقه للعبودية  فلا معبود بحق إلا هو، والبراءة من الشرك ذلك الذنب الذي لا يغفره الله إلا أن يتوب منه صاحبه ،  وبحمد الله تعالى قد استوفينا ما يتعلق بتوحيد جناب ذات الله تعالى وتقدس ، وتوحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى ، وتوحيد الله تعالى في صفاته العلا ، وتوحيد الله تعالى في أفعاله ، عند الحديث عن علم التقديس ، ولذا اقتصر هاهنا بالإشارة إلى توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه فلا رب لهم سواه ، وتوحيد الله تعالى في استحقاقه للعبودية  فلا معبود بحق إلا هو، والبراءة من الشرك ذلك الذنب الذي لا يغفره الله إلا أن يتوب منه صاحبه ،  

[  3  ]  توحيد جناب الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي الذي هو أعلى واجل من مجرد تسبيح اللسان ،  كما أنّ توحيد الذات هو أساس التوحيد ، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه ، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى ، والمسمى هو ذات الله ، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات ، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات ، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال ، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى ، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات ، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين ، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده ، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد ، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات ، ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد ، كما أنّ توحيد الذات هو أهم قسم من أقسام التوحيد ، وهو علم التقديس والتنزيه ، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد ، والمقصود من ( توحيد الذات )  هو اعتقاد الكمال لله في ذاته ، والتنزيه لذاته عن كل نقص ، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة ، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود ، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد ذات المعبود سبحانه ، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد ذات الله تعالى ،  ولابد من الإشارة إلى خطورة الذهول عن توحيد الذات : لأن ذلك سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه ، كما سيؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وحتما سيؤول بأصحاب ذلك الخلل إلى الحشو على حساب التقديس ، وإلى اعتقاد بدعة التجسيم وإن لم يشعروا بذلك ،  وقد أشرت إلى أهم لبنات علم التقديس بما يغني عن إعادته ها هنا ،

[  4  ]  توحيد الله تعالى في أسمائه : الله تعالى له وحده الأسماء الحسنى ، بالغة الحسن والجلال والإكرام لأنها أسماء الله تعالى ، ولأنها تدل على صفات الله تعالى ، تقدست أسماؤه ، وتعالت صفاته ، التي دلت عليها أسماؤه ، قال تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى  } [ سورة طه : 8 ] و قال تعالى { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ سورة الْأَعراف : 180 ] ، وأسماء الله الحسنى توقيفية لا مجال للاجتهاد إذ العقل قاصر عن الاجتهاد فيما لا يدركه لقوله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } [ الإسراء : 36 ] ، وقوله تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [ الأعراف : 33 ] ، وأسماءُ الله تعالى الحسنى والعلم بأسماء الله تعالى الحسنى أشرفُ العلوم لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته العلى ،  وكل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة علية يتصف بها الله عز وجل ، والأسماء الحسنى تقدست عن العد والحصر ، ولهذا جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ )) [ أخرجه أحمد وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (ح : 3528 ) ] ، ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))  [متفق عليه ] ، ومقصود الحديث أن من أحصى هذا القدر من أسماء الله الحسنى ( مائة إلا واحداً ) دخل الجنة ، وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في هذا العدد ، وذلك لأن أسمائه الحسنى سبحانه لا يحصيها إلا الله عز وجل ، كما أنّ أسماء الله  الحسنى ثناء عليه ، ولا يحصي الثناء على الله إلا الله . وقد جاء في الحديث (( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) [ صححه الألباني في صحيح أبو داود (823 ) ] ،  ومن توحيد الله تعالى في أسمائه أن ندعوه بها وأن نبرأ ممن يلحد في أسمائه ، قال تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) [ الأعراف : 180 ] ، والدعاء يشمل : دعاءَ المسألة والطَّلَب ، ودعاءُ العبادة والذكر والثَّناء ، والإلحاد في الأسماء الحسنى يكون بإثبات المشاركة لأحد من الخلق في هذه الأسماء أو بعضها بنفس معناها ومدلولها ، ومن ذلك ما كان يفعله المشركون من تسمى المعبودات الباطلة بما تسمى به الله تعالى من الأسماء الحسنى ، وذلك  كتسميتهم اللات من الإله ، والعزَّى من العزيز ، ومنَاةَ من المنَّان، وتسميتهم للأصنام آلهة ، يضاهئون بذلك أسماء الله تعالى الحسنى ، ومنها اعتقادهم أن من أسماء آلهتهم العزيز والنصير ، وأن من صفات آلهتهم النصرة والعزة ، كما قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)  } [ يس : 74 ] ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  } [ مريم : 81 ] ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى أيضاً أن يسمى الله تعالى بما لا يليق به من الاسماء ،  ومن ذلك تسميةُ النَّصارى له ( الأب ) ، وتسميتهم له  ( الابن ) ، وهو تعالى أحد صمد كما قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ، ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى أيضاً  تَشْبيهُ ما  تضمَّنَتْه أسماءُ الله الحسنى من صفات بصفات المخلوقين ، كأن يقولون الله تعالى سميع ، ويسمع بأذن ، أو يقولون الله بصير ، ويبصر بعين ، ينسبون له الجوارح والأعضاء والاجزاء ، وهو الأحد الصمد الذي لم يكن له كفوا أحد ،

[  5  ]  توحيد الله تعالى في صفاته : ليس كمثل صفاته صفات ، له سبحانه وحده صفات الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية ، وله صفات الكمال ، وله صفات الجلال والإكرام ، وكما أنّ جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار ، والمثيل والند والشبيه ، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه ، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات ، وكما أنّ ذات الله تعالى وتقدس له الكمال المطلق منزه عن الكفء والمثيل ، فكذلك الصفات تابعة للذات ، ليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ، له سبحانه كمال صفة العلم التي تدل على أنّ الله تعالى بكل شيء عليم ، لا يغيب عن علمه شيء ، وله سبحانه كمال صفة الرحمة ، وسعت رحمته كل خلقه ووسعت كل شيء ، وهكذا سائر الصفات العلى لا ندرك من معانيها إلا ما تحتمله عقولنا ، وأنى للعقول المحدودة والأفهام المخلوقة أن تحيط علماً بالصفات المنزهة عن التناهي والحدود ، ولهذا كانت القاعدة التنزيهية أنّ الله تعالى أجلّ من أن تدرك صفاته ، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته ، قال تعالى : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [ الزمر : 66 ] ، والصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : الذي لا يُتصور في العقل عدمه ، وذلك لأن كل واجب عقلي يقابله ويضاده المستحيل العقلي ، بمعنى إنه إذا كانت له سبحانه صفات الوجود والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام ، وهي واجبة لله تعالى عقلا فإن أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى ، وهي العدم والفناء ومشابهة الحوادث ووجود الشريك والموت والاحتياج والعجز والاضطرار والجهل والصمم والعمى والبكم ، و هناك فرق في الاصطلاح بين الحكم العقلي والحكم السمعي ، إذ الحكم السمعي هو ما كان إثباته عن طريق الشرع ، ولا يلزم من اثباته استحالة ضده وانتفائه في حق الله تعالى ، إذ أنّ الشرع دل على ثبوت صفة الرحمة لله وثبوت ضدها وهو شدة العقاب ،  وعند تطبيق تلك المصطلحات بدقة لن يكون هناك لبس في تعلم العلم ، فإنّه إذا قيل واجب عقلي ، فإنّ معناه الذي لا يُتصور في العقل عدمه ، وبالتالي فإنّ وجود الله تعالى واجب عقلي لأنّه لا يُتصور في العقل عدمه ، إذ وجود جميع تلك المخلوقات والنظام الذي هي فيه يوجب في العقل وجود خالقها الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ،  أما ( الرحمة ) التي يتصف بها الرحمن سبحانه فإنّها واجب سمعي وليس شرعي ، وتعريفه كما ذكرنا هو الذي دل الشرع على وجوبه ، وقد أعلمنا الله تعالى بتلك الصفة بقوله تعالى : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [  المائدة : 98 ] ، ومن ذلك نعرف خطأ غير المتخصص عندما يخلط بين الواجب العقلي والواجب السمعي ، ويتهم السادة الأشاعرة أو السادة الماتريدية المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة بأنّهم أثبتوا ثلاث عشرة صفة ، وألغوا بقيتها ، وحاشاهم من ذلك ، فإنّهم يتكلمون على الواجب العقلي الذي لا يُتصور في العقل عدمه ، وأما عند حديثهم على الواجب السمعي فإنّهم يجعلون جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله تعالى من طريق السمع فلا يستلزم اثباتها نفي أضدادها كما هو الحال في الصفات الواجبة لله تعالى من جهة الحكم العقلي ، و ( الصفة الأولى من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الوجود ، فإنّ وجود السماوات والأرض بما فيهما من عجيب صنع الله لا يدع مجالا للشك في وجود الله ، وقديماً سُئل الأعرابي كيف عرفت ربك قال : البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير ، وهناك فرق عظيم بين وجود الله ووجود المخلوقات وهي كل ما عدا الله سبحانه ، فوجود الله ذاتي واجب لولاه لما وجد أي موجود ووجود جميع المخلوقات جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود ، ووجود الله تعالى ذاتي ليس له ابتداء ولا انتهاء ، فهو الأول ليس قبله شيء وهو الأخر فليس بعده شيء ، ليس وجوده في مكان لأنه خالق المكان وليس وجوده في زمان لأنه خالق الزمان , و (  الصفة الثانية من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القدم ) : هو الأزلي الأول بلا ابتداء ،  والقِدمُ معناهُ الأزلية فإذا قيل الله قديمٌ معناه لا ابتداءَ لوجودِهِ، هذا في حق الله أما في حق غيره إذا قيل قديم فمعناه مضى عليه زمانٌ طويلٌ ، والله تبارك وتعالى لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَانِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ، وقد قال أهلُ التخصص : الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ: القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، والقسمُ الثاني من الموجودِ: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها ، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء ، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، لأنّ الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا والله تعالى هو وحده الأزليٌّ الأبديٌّ بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، و ( الصفة الثالثة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة البقاء :  ومعناها أنه تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد ، وهناك فرق بين صفة البقاء الله وبين بقاء الجنة والنار وخلود أهل الجنة والنار , فبقاء الله ذاتي لا يجوز عليه العدم أو الفناء أما بقاء الجنة أو النار فهو بقاء متعلق بإبقاء الله تعالى لها ، فهي باقية لأن الله أراد لها البقاء ، و ( الصفة الرابعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة المخالفة للحوادث ) : ومعناها نفي المشابهة في الذات والصفات والأفعال ، فليست ذاته من جنس الأجسام والأنوار والأعراض والأجرام ، بل كل ما يخطر في بالك فالله خلاف ذلك ، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان ، تعالى عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، ليس كمثلِه شيء ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ، فلا نظير له بوجه من الوجوه ، ولا كفء له ولا شبيه ، تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ليس كمثله شيء، منزه عن الكميةِ والكيفية ، والكميةُ هي مِقدارُ الجرم أي فهو تبارك وتعالى ليس كالجِرمِ الذي يدخُله المقدارُ والمِساحَةُ والحدُّ فهو ليس بمحدودٍ ذا مِقدارٍ ومَسَافَةٍ، ومن قال في الله تعالى إنَّ له حدًّا فقد شَبَّههُ بخلقِهِ ، والله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ لاحتاج إلى من جَعَلَهُ على ذلك الحدّ والمقدارِ كما تحتاجُ الأجرامُ إلى من جَعَلَها بحدودها ومقاديرها لأن الشيء لا يخلقُ نفسَه بمقدارِهِ ، ولو كان سبحانه ذا حدّ ومقدارٍ لاحتاجَ إلى من جَعَلَهُ بذلكَ الحدّ ، والمحتاجُ لا يكونُ إلها لأنَّ من شرطِ الألوهية الاستغناء عن كل شيء ، و ( الصفة الخامسة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الوحدانية ) : إن معنى الوحدانية يرجع إلى أن البارئ جلّ وعلا واحد أحد لا ثاني له لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في ربوبيته ولا في عبوديته واستحقاقه للعبادة وحده ، فيجب اعتقاد وحدانية الذات من جهة نفي الشريك في الخارج ونفي الكثرة في جناب الذات ، فذاته تعالي له الأحدية المطلقة منزه عن الكثرة والانقسام والأبعاض والأجزاء ،  منزه عن التركيب ، ولذلك قال الله تعالي عن نفسه : {  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] ، فالشيء قد يكون واحدا ومع ذلك يكون مركبا من أجزاء أما الله تعالي فهو سبحانه واحد لا شريك له ، أحد لا جزء له ، ويجب اعتقاد وحدانية الأسماء الحسنى ، ووحدانية الصفات العلى ، ووحدانية الأفعال فلا ثم إلا خلقه ،  ووحدانية الربوبية فلا رب سواه ، ووحدانية العبودية فلا معبود بحق إلا هو ، وكل هذه الأقسام يشملها توحيد الألوهية ( لا إله إلا الله ) ، و (  الصفة السادسة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الحياة ) : وهى صفة قديمـة قائمـة بذات الله تعالى ، تصحح لموصوفها الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر، وما إلى ذلك من صفات الكمال اللائقة به تعالى ، له سبحانه كمال الحياة ، حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت ، حياة أزلية ليس لها ابتداء ، وهي حياة أبدية باقية ليس لها انتهاء ، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت ، وهو الحي بعد كل ميت ، وهو الحي القيوم لا إله إلا هو ، وكل حي فمحتاج إليه ، مستمد حياته من فيض كرمه وجوده ، و ( الصفة السابعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القيام بالنفس ) : ومعناه أنه سبحانه قائم بنفسه مستغنٍ عمّن سواه ، له كمال الغنى والقيومية ، فهو سبحانه الغنيُ الغنى المطلق ، والحي القيوم ، فلا يحتاج إلى أحد والكل محتاج إليه ، فقير إلى فضله وغناه ، ومعنى قيامه تعالى بنفسه أنه تعالى منزه عن الحاجة ، والحاجة نقص والمحتاج عاجز عما يحتاج إليه إلى أن يبلغـه ويـدركه وللمحتاج إليه فضل بوجود ما ليس عند المحتاج فالنقص منفى عن القديم بكل حال والعجز غير جائز عليه ، ومن معاني القيام بالنفس هو غناه تعالى عن المحل ، لذلك يستحيل أن يحتاج إلى مكان يؤويه أو زمان يحويه  أو عرش يحمله ، كان الله ولا شيء غيره أو قبله أو معه، وهو الواحد القهار  ، مستغنٍ عن كل شيء ويحتاجٌ إليه كلُّ شيء سِواهُ ، والله تبارك وتعالى من كمال غناه وقيامه بنفسه لا ينتفعُ بطاعةِ الطَّائعينَ ولا يُضرُّ بعصيانِ العصاةِ، وكلُّ شيء سوى الله محتاجٌ إلى الله لا يستغني عن الله طرفةَ عينٍ ، و ( الصفة الثامنة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القدرة  ) : وهي في حق الله عزّ وجلّ صفةٌ ذاتيةٌ وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ بالكتاب والسنة يتأتّى بها أيجاد الممكن وإعدامه ، وهي تتعلّق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق ، إما لإيجاده أو لإعدامه ، ، ولا تتعلّق بالواجب في حق الله تعالى أو المستحيل في حقة سبحانه ، لأنها لو تعلّقت بالواجب في حق الله تعالى لإيجاده فهو موجود وجوباً ، ولو تعلقت بالواجب في حق الله تعالى لإعدامه فهو لا يقبل العدم ، ومثال ذلك تعلق قدرة الله تعالى بعلم الله تعالى ، فلا يجوز ، ولا يصح أن يقال : أن الله متى شاء أن يعلم فإنه يعلم ، ومتى شاء أن يجهل فإنه يجهل ، لأن العلم صفة واجبة لله تعالى ، لا تعلق للقدرة بها ، لأنه بكل شيء عليم ، والجهل صفة مستحيلة في حق الله تعالى ، ، وبالتالي فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حقه سبحانه ، لأنها لو تعلّقت بالمستحيل لإيجاده فهو لا يقبل الوجود لاستحالة وجوده ، ولو تعلقت لإعدامه فهو معدوم أصلاً  ،  والله تعالى على كل شيء قدير ،  بمعنى إيجاد الممكن - وهو كل ما يتعلق بالمخلوق - وإعدامه ،  ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القدرة : أن نعلم أنّ قدرة الله تعالى عامة لا يجوز تخصيصها ، ولكن في مجالها المتعلق بجميع الممكنات وجميع المخلوقات ، فإن الله تعالى لو شاء أن يجعل العالم كله في حجم البيضة وأقل من ذلك لفعل لأنه على كل شيء قدير ، ولكن قدرة الله تعالى صفة من صفات الله تعالى الواجبة له ، فلا تعلق لها ببقية صفاته الواجبة له سبحانه كالعلم والسمع والبصر ، لا تتعلق بالواجب في حق الله تعالى لأنه موجود لا يقبل الفناء ، وكذلك فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى لأنه معدوم لا يقبل الوجود ، ولا تعلق لقدرة الله بالمستحيل في حق الله تعالى ، كمثل شخص يقول : هل يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق مثل نفسه ؟  ، وهذا السؤال كفر والجواب عليه : لا نقول هو قادر ولا نقول غير قادر فالجوابان كفر والجواب الصحيح هو أن نقول أن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد المستحيل في حق الله تعالى ، والشيء المستحيل في حق الله تعالى لا يمكن أن يوجد ، لأنه لو خلقه كان مخلوقاً ، فلا يكون إلهاً ، ولا خالقاً ، ومثل ذلك تماماً ، زعم النصارى أن لله تعالى الولد ، وهذا مستحيل ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ] ، و ( الصفة التاسعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الإرادة ) : وهي صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتة بالكتاب والسنة يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه كوجود المخلوق في زمن دون غيره وفى مكان دون آخر وعلى صفة أو هيئة دون غيرها وهكذا، لقوله تعالى: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } [ القصص: 68 ] ، و ( الصفة العاشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة العلم ) : العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ، صفة أزلية أبدية ليس لها نهاية ولا بداية يعلم بها الله تبارك وتعالى جميع الأشياء ، الواجبات والممكنات والمستحيلات ، فهو تعالى يعلم وجود ذاته وصفاته ، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن كيف كان لو انه يكون ، ويعلم في الأزل من يدخل الجنة ومن يدخل النار ، ويعلم أفعال عباده ، وكل ما يكون منهم. عالم بكل شيء ، عليم بذات الصدور ، لا تخفى عليه خافية ، وعلم الله تعالى ذاتي قديم كامل لا يزيد ولا ينقص ولا يعتريه جهل ولا نسيان ، ولا يستفاد من المعلومات ، ولهذا وجدت المخلوقات على هذه الدقة المتناهية لا خلل فيها ولا فطور ، ووجد الكون على هذا الصنع البديع ، والله تعالى موصوف بها أزلا وأبدا ، لا يغيب عنه أي معلوم ، وهو بكل شيء عليم ، و ( الصفة الحادية عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة السمع ) : صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ينكشف لله بها جميع المسموعات ، فهو يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء ، سمع الله تعالى ليس كمثله شيء ، يسمع بلا آلات ، منزه عن الأذن والصماخ  ، لا يطرأ على سمعه ضعف ولا انقطاع ، ليس كمثله شيء ، لا يغيب عنه أي مسموع مهما كان ، وهو السميع البصير ، و ( الصفة الثانية عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة البصر ) : صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه تحيط بجميع المبصرات وينكشف لله تعالى بها جميع الموجودات ، يرى سبحانه من غير احتياج لحدقة أو واسطة أخرى ، لا يطرأ عليها ضعف ولا انقطاع ، والله موصوف بها أزلا وأبدا ، لا يغيب عنه أي مرئي مهما كان ،  و ( الصفة الثالثة عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الكلام ) : صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه ، ليس كمثله كلامه سبحانه كلام فهو أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى أزلي أبدي ليس بمخلوق ولا يقال عنه أنه من صفات الفعل ولا يقال عنه أنه يتعلق بالمشيئة لأن هذا تكييف قياسا على كلام البشر والله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه ولا يعلم الله على حقيقته إلا الله ، ولأنّ صفة الكلام قديمة وكل ما تعلق بالمشيئة محدث مخلوق ، فمن قال يتكلم متى شاء كيفما شاء فقد جعل الكلام مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن ، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان ، وهذا كله عجز ونقص يتنزه الله تعالى عنه ، ونحن لا نملك إلا أن نقول : العجز عن دَرَك الإدراك إدراكُ والكيف مخلوق ، والكيف يستحيل على الله  ، والله تعالى له كمال صفة الكلام ، ليس كمثل كلامه كلام ، وليس كلامه تعالى من جنس كلام البشر بحرف وصوت ، ولا يوصف كلام الله تعالى بجهر ولا سر ولا تقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكوت ولا وصل ولا فصل، لأن هـذا كله من صفات الحوادث، وهى محالة عليه تعالى ، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق ، والقرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم لا يوصف بالحدوث والخلق ، صفة قائمة بذات الله تعالى ، لا تقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق ، كما لا يقبل العدم ولا ما فى معناه من السكوت ولا التجديد ولا البعض ولا الكل ولا التقديم ولا التأخير ولا اللحن ولا الأعراب ولا سائر التغيرات ، ليس كمثل كلامه كلام ، القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم ، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم ، وأما الصفات الثابتة لله تعالى من جهة الشرع : فهي جميع الصفات التي دلّت عليها الأسماء الحسنى ثابتة لله تعالى من جهة الشرع : ف ( الرحمن ) : يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله ، و ( الرحيم ) : يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي ، و ( الملك ) : يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي ، و ( القدوس ) : يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول ، و ( السلام ) : يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء ، و ( المؤمن ) : يدل على صفة التأمين والصدق مع عباده فيما وعدهم به من الأجر والثواب ، و ( المهيمن ): يدل على صفة الهيمنة والرعاية والوقاية والصيانة والرقابة والحفظ لكل خلقه ، والقيام على خلقه بأعمالهم ، وأرزاقهم ، وآجالهم، و ( العزيز ) : يدل على صفة العزة التي لا ترام والقوة التي لا تقهر ، والغلبة على كل شيء ، و ( الجبار ) : يدل على صفات العظمة والجبروت والقهر ونفاذ المشيئة ، و ( المتكبر ) : يدل على صفة التفرد بالعظمة والكبرياء والتعالي عن مشابهة الخلق ، و( الخالق ): يدل على صفة التقدير والإيجاد لكل شيء والخلق لكل موجود سواه ،  و ( البارئ ) : يدل على صفة إبراز خلقه إلى الوجود بقدرته لا عن مثال سابق ، و ( المصور ) : يدل على صفة التصوير ، وأنه هو الذي صور جميع الموجودات، ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها ، و ( الغفار ) : يدل على صفة المغفرة الذي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا والاخرة ، و ( القهار ): يدل على صفة القهر والغلبة والتصريف على كل خلقه بسلطانه وقدرته ، و ( الوهاب ) : يدل على صفات الوهب والإنعام والعطاء ، فهو المنعم على العباد، الذي يهب بغير عوض ويعطي الحاجة بغير سؤال، كثير النعم، دائم العطاء ، و ( الرزاق ) : يدل على صفة الرزق والإمداد فهو الذي خلق الارزاق واعطى كل الخلائق أرزاقها، وجميع الاسماء الحسنى تدل على صفات محكمة الله تعالى ، وهذه الصفات التي تؤدي إلى المعرفة الصحيحة بالله تعالى ، ومن عرف الله تعالى افرد له الربوبية والإلهية وكمال المحبة والتذلل والانقياد ،  وأما متشابهات الأخبار التي تُعارض المحكم من عقيدة التقديس ، والتي في اثباتها على ظواهرها محاذير عظيمة ، فقد نهانا الشرع عن تتبعها ، واعلمنا أنه لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، وهي تتناول ثلاثة أقسام عريضة ، القسم الأول : ما يوحي بالجارحة والتجزؤ والتبعض في ذات الله ، وأظهرها الوجه واليد والعين ، والقسم الثاني : وهو ما يوحي بالتغير والحدوث والحد والنهاية وأظهرها الاستواء والنزول والمجيء ، والقسم الثالث وهو ما يوحي بالكيفيات الحسية والتغير والانفعال كالغضب والرضا والفرح والضحك والسرور ، ومجمل مسالك أهل السنة والجماعة فيها  ثلاث مسالك معتمدة ، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو ، و المسلك ( الاول ) : طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه ، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، و المسلك ( الثاني ) : اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة لله تعالى على مراد الله ومراد رسول الله ، منزهة عن الجارحة والحد والصورة ، واثبات الاستواء صفة لله تعالى على مراد الله ومراد رسول الله ، منزها عن الجلوس والتحيز والحد والجهة الحسية ، وأنّ الاستواء ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه كما أخبر بلا كيف بائن من جميع خلقه ، وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف لقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } وقوله تعالى : { هل تعلم له سميا } ، والمسلك ( الثالث ) : حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها ، ومثاله حمل الوجه على الذات في قوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } ، وحمل اليد على مقتضي الآية ، ففي قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } تحمل على الكرم والجود والعطاء ، وفي قوله تعالى : { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى : { مما خلقت أيدينا أنعاما } ، وقوله تعالى : { والسماء بنيناها بأيد } ، وقوله تعالى : { إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة ، وما سوى ذلك فهو ميل إلى الاعتزال ، وفي المقابل ميل إلى الحشو والتشبيه ، وكلاهما من البدع الضالة ،

[  6  ]  توحيد الله تعالى في أفعاله : ومعناه اعتقاد أنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله  ، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته ، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة ، ليس في الوجود خالق غيره ، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء  وعمدة هذا التوحيد : قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ] ، وقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون ، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه ، فهو مسبب الاسباب  ، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى  ، ومع توحيد الأفعال يمكن أنّ نفهم مدى مسؤولية الإنسان عن أفعاله وأعماله : فالإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله ، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى ، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله ، ولكن الله تعالى جعل للثقلين ( الجن والإنس ) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله ، له حرية الاختيار ،  وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار ، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال ، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار ، ولكن ليس معنى ذلك ، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء ، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، إن فعل الخير يحمد الله ، وإن فعل الشر يجأر إلى الله بطلب الهداية والعفو ، فلا منجا لا ملجأ منه إلا إليه ،   فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه ، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره ، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره ، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد ، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان ، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده ، كما قال تعالى :  { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله ، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه ، قال تعالى ‏:‏ ‏{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }‏ ،

[  7  ]  توحيد الله تعالى في الربوبية :  يتفرّع عن توحيد الأفعال توحيد الربوبية بجميع أقسامه : لما كان المقصود من توحيد الأفعال هو الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله  ، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته ، وأنّه سبحانه وحده المنفرد بخلق بالخلق ، وأن كل وجود و كل حركة وكل سكون ، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه ، فهو مسبب الاسباب  ، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى  ، كما قال سبحانه :{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ]   ،  لما كان المقصود من توحيد الأفعال كذلك ، كان توحيد الربوبية فرع من توحيد الأفعال ،  إذ توحيد الربوبية معناه أنّه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين ، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين ، ولا مالك لا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين ،  إنّ ( الرب ) هو المربي وهو المالك وهو المدبر المتصرف الذي بيده مقاليد تصريف الأمور ، وهو السيد المطاع وهو الحاكم المهيمن ، وعلى ذلك فالربوبية مصطلح شامل يحمل معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا في مسمى الربوبية وتتمثل في كل معاني الخلق والإيجاد وفي كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والاستصلاح ثم كل معاني التملك من الملك  والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والرئاسة والحكم والأمر ثم كل معاني الهيمنة من العز والذل والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ معاني الربوبية ،  ولا يصلح  لفظ آخر أن يحل محل لفظ ( الربوبية ) في الإحاطة بكل معانيه ، ولهذا تكرر لفظ ( الرب ) في القرآن الكريم قريب من ألف مرة ، بصيغ مختلفة تدل على شمول الربوبية لجميع العالمين منها ( رَبِّ الْعَالَمِينَ ) و ( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) و ( رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ) و ( رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ) و ( رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) و ( رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) و (رَبُّكُمْ ) و ( رَبِّ الْفَلَقِ) و ( رَبِّ النَّاسِ)  ،  ووفقاً لتعريف الربوبية ، فإنّ ( توحيد الربوبية ) مصطلح شامل يحمل اعتقاد معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا مسمى توحيد الربوبية ، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا ، وإلا كان الشرك في الربوبية جليا ، وتتمثل تلك الاعتقادات في اعتقاد أنه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا رازق على الحقيقة في الكون كله إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا مالك لا متصرف بيده ملكوت كل شيء ولا مدبر للكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا شفيع في شيء من أمور الكون كله إلا من بعد إذن الواحد الأحد الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا شريك للرب الواحد الأحد الله رب العالمين في شيء من تلك المعاني التي يشملها توحيد الربوبية ، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا بحصر معاني الربوبية في اللّهِ وحده ، ولا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا لله رب العالمين وحده لا شريك له ، 

[  8  ]  توحيد الربوبية قسم عظيم من أقسام التوحيد : جاءت الآيات القرآنية متتالية تشير إلى حصر الربوبية لله رب العالمين ، ومن ذلك : قوله تعالى: { إنَّ رَبَّكمُ اللّهُ الّذي خلقَ السَّمواتِ وَالارضَ في ستَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استوى على العَرشِ يُدَبِّرُ الامرَ ما مِن شَفيعٍ إلاّ مِن بَعدِ إذنِهِ ذلِكم اللّهُ رَبُّكم فاعبدوهُ أَفلا تَذَكّرون} [ يونس : 3 ] ، وقوله تعالى : { قُل أَئنَّكُم لَتكفُرونَ بِالّذي خلقَ الارضَ في يَومينِ وَتَجعَلونَ لَه أَندادا ذلكَ رَبُّ العالمين } [ فصلت : 9 ]  ، وقوله تعالى : {  ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) [ الْأَنعام : 102 ] ، وقوله تعالى : {  قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } [ الْأَنْبياء : 56 ] ،  وجاءت الآيات القرآنية تترا تدعو إلى توحيد الربوبية ، ومن ذلك قوله تعالى { لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 38 ] ، وقوله تعالى { وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) } [ الكهف : 42 ] ، وقوله تعالى { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ }[ يوسف : 39 ، 40 ] ، وقوله تعالى { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [آل عمران : 64 ] ، وقوله تعالى { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 79 ، 80 ] ، وقوله تعالى { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }[  التوبة : 31 ] ، وقوله تعالى { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }[ الأنعام : 164 ]  ، 

[  9  ]  الأقسام الرئيسية لتوحيد الربوبية  : يشتمل توحيد الربوبية على ثلاثة أقسام رئيسية : القسم الأول : التوحيد في الخلق والتكوين : والمقصود منه الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله  ، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته ،هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة ، ليس في الوجود خالق غيره ، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء  ويدل على هذا التوحيد : قوله تعالى : { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، قوله تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } [ غافر : 62 ، 63 ] ، وهذا القسم من الربوبية لظهوره لم ينازع فيه إلا القليل من الملاحدة ، قال تعالى { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ العنْكبوت : 61 ] ،  وقوله تعالى { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [ لقمان : 25 ]  ، وقوله تعالى : {  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } [الزخرف : 87 ] ، والقسم الثاني : التوحيد في التصريف و التدبير : والمراد منه أنّ للكون مدبّراً و متصرفاً واحداً لا يشاركه في التدبير شيء فهو سبحانه المدبّر للعالم، ويدل على هذا التوحيد قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس : 3 ] ، وقوله تعالى : { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ } [ يونس : 31 ] ، وقوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } [ الرعد : 2 ] ، وتوحيد التدبير والتصريف ، لا يعارضه قوله تعالى - عن الملائكة - : { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا } [ النازعات : 5 ] ، لأنّ هؤلاء الملائكة مدبرات بأمر الله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ولقد كان أكثر شرك العرب في الربوبية واقعاً في هذا الباب ، فقد كانوا يظنون أنّ لآلهتهم نوع من الشراكة مع الله في تدبير أمورهم ، وكانوا يعتقدون أنها تستطيع إعزازهم ودفع الضر عنهم ، قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  } [ سورة مريم  ] فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز والاعزاز والإذلال من مفردات الربوبية ،  والمشركون اتخذوا من دون الله آلهة لتحقق لهم النصر ، قال تعالى { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } [ سورة يس ] والنصر من مفردات الربوبية إذ الرب هو الناصر والمعين ، والمشركون على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء ، قال تعالى – حكاية عن قولهم واعتقادهم - { إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ } [ سورة هود ] وهذا معتقد المشركين ، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله ، وكانوا يعتقدون أنّ لها الشفاعة الواجبة لهم عند خالق السموات والارض ،  ولهذا خاطبهم الله تعالى بنفي شفاعتهم التي يظنونها لآلهتهم التي عبدوها من دون الله تعالى ، قال تعالى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس : 3 ] ، والقسم الثالث : التوحيد في الحاكمية والتشريع : والمراد منه اعتقاد أنّ للإنسان مرجع واحد في الحكم والتشريع ، هو شرع الله تعالى وحده ، وحكمه تعالى وحده ، فالله تعالى هو الرب الحاكم المشرع وحده لا شريك له في حكمه وتشريعه ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } [ الأنعام : 57 ] ، وقوله تعالى : { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ  } [ يوسف : 40 ] ، وقوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  } [ المائدة : 44 ]  ، { الظالمون } ، { الفاسقون } ، وقوله تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة : 50 ] ، وتوحيد الحكم والتشريع ، لا يعارضه عمل الفقهاء والمجتهدين في تقنين الشريعة ، لأنّ عملهم هو استخراج واستنباط الاَحكام الشرعية من الكتاب والسنّة وهو اجتهاد في معرفة شرع الله ، لا إنشاء شرع جديد ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة : أنّ من استحل الحكم بغير ما أنزل الله فقد كفر وأشرك ،  والضابط الفقهي للمسألة وهو الاستحلال ، فمن استحل فقد كفر الكفر الأكبر ، ومن أقر وحكم بغير ما أنزل الله ، فهو كافر في إطار الملة ( كفر دون كفر ) ،

[  10  ]  أسس وركائز تمنع من الغلو في توحيد الربوبية : المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية : مفردات الربوبية كثيرة تشمل الخلق والرزق والتدبير والتصريف والرعاية والهداية والحفظ والسيادة والقهر والحكم والأمر ، وتوحيد الربوبية لا يطلق إلا على من اعتقدها خالصة لله ليس له فيها شريك ولا معين ، وقد كان المشركون على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق ، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور ، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الألوهية والربوبية في اعتقادهم ، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله ، كما أنه لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد العبودية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى الشرك الواقع في الربوبية عند الأمم السابقة في العديد من الآيات منها قوله تعالى { وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ } [ آل عمران : 64 ]  ، وقوله تعالى : { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا } [ آل عمران :80  ] ، وقوله تعالى : { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ )[ التوبة : 31 ،]  ، وقوله تعالى : { أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ يوسف : 39  ] ، والأدلة على كون المشركين في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية كثيرة ( منها ) : اعتقادهم بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا يعني ربوبيتها وهذا شرك في توحيد الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله  ،   في مثل قوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم : 81 ]  ، وقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، وقوله تعالى : { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ } [ هود : 101 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ } [ الأنبياء : 43  ]  ، وقد كانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى : { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ } [ هود : 54] ، وقوله تعالى : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر : 36 ] ، وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة معاداة الأوثان ، وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ، و ( منها ) : اعتقاد المشركين بوجود الشريك الذي له  تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [ الإسراء : 111 ] ،  وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة ، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير ، و ( منها ) : اعتقاد المشركين بوجود الند لله : ، والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير ، والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله ، قال تعالى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ } [ ابراهيم : 30] ، وقال تعالى : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ فصلت : 9]، وقوله تعالى : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 22 ]، وقال تعالى : { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [ الشورى : 9]، و ( منها ) : أنهم كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية والربوبية : قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار : { قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ *  تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء: 96 إلى 98 ] فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه ، ونستفيد مما سبق أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً ، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك ،

[  11  ]  توحيد الله تعالى في استحقاق العبودية : من أهم أقسام توحيد الألوهية توحيد العبودية :  ومن الفقه في الدين ملاحظة الفرق في الاصطلاح بين الألوهية وبين العبودية ، وذلك لأنّ توحيد الألوهية يشمل جميع معاني التوحيد ويدخل فيه توحيد الذات ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، وما ذاك إلا لأنّ ، قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، فتوحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد الصفات العلى ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ،

[  12  ]  معنى العبودية وبيان المقصود من توحيد العبودية : العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية واستحقاق العبودية ، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية ، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق ، أو المعبودات الباطلة من دون الله ، إن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة ، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى { وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } [الاِسراء :24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة ، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم ، الهيئة واحدة هي هيئة السجود ( وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع ) ، الفعل واحد هو السجود ، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم ، إذ قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } لم يكن سجود عبادة لآدم وإنما سجود تكريم لم أكرمه الله تعالى بالعلم ، فشتان ما بين السجود للتكريم ، والسجود بنية العبادة ، كذلك : الفرق بين سجود نبي الله يعقوب وبنيه لله وسجودهم ليوسف عليه السلام ، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف في قوله تعالى : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَ‍قًّا  } ، وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة  فشتان ما بين السجود للتكريم ، والسجود بنية العبادة ، ومن سجد بنية العبادة ، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده إلها وربا ومعبودا ، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة ، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة : فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله ، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة ،

[  13  ]  خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة ( اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود ) : العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ولها ( للعبادة ) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ،

[  14  ]  خلاصة الأمر في تعريف العبادة : التعريف الصحيح للعبادة ينبغي أن يشتمل على الضابط الذي يمنع من اتهام المسلم بالشرك الاكبر وهو لم يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر ،  ويكون التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الألوهية والربوبية واستحقاق العبودية في حقّ المخضوع له ، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة ، فمن صرفها لله وحده فهو موحد ، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً ، والعبادة ( أي عبادة ) ، لها أصل وصورة ، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه ، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل ، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين ، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود ، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله ، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله ، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها ، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ، 

[  15  ]  أسس وركائز مهمة تمنع من الغلو في توحيد العبودية( أ ) الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة : فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر  ، ( ب ) الفقه في مفهوم مفردات العبادة التي من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر: العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر ، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان  : الركن الأول : الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة ، والركن الثاني : العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد ، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر ، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ، ( ت ) الفقه في مفهوم ( السجود ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له - كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة ، ( ث ) الفقه في مفهوم ( الدعاء ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء ، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر ، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه ، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل ، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله ، ( ج ) الفقه في مفهوم ( الذبح ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في السجود يقال مثله في الذبح ، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة ، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر ، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام ، وكذلك كل من ذبح بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له ، فهذا كله لا يدخل في باب الشرك الاكبر ، ، ( ح ) الفقه في مفهوم ( النذر ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في السجود يقال مثله في النذر ، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها ، فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر ، وإن كان النذر خاليا من ذلك الاعتقاد فليس بعبادة ، ( خ ) الفقه في مفهوم ( الشفاعة ) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة ، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة ، فهذا من الشرك الأكبر ، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده ، فهذه عقيدة أهل الإسلام ، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ، السجود يقال مثله في الذبح ، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة ، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة لللازمة على الله تعالى ، فهذا الشرك الاكبر ،  ( د ) الفقه في مفهوم ( الاستعانة ) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة  ، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية او بعضها ، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية ، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده ، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك ، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة ، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل ، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى ، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج ، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء ، ويجعل من يشاء عقيما ، وهكذا ، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله ، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] ، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده ، والقصد على وجه الاستقلال ، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو ، وكما علمنا القرآن الكريم  توحيد الاستعانة بالله تعالى ، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة ، كما في قوله تعالى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } [ البقرة : 45 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [ البقرة : 153 ] ، وضابط الاستعانة ، أنّ من اعتقد أنّ أحداً  له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة ، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له ، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير ، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله ، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده ،  ولكنّه ـ مع ذلك  أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره ،  والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله ،  وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده ، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله ، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية ( لأنهما متلازمان ) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله ، وإن خلت من النية والاعتقاد ، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر ، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب ، ( ذ ) التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة : إنّ التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية ، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح ، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين ، وقد شاب تعريف ( العبادة ) قصور عند بعض العلماء ، ولهذا لابد من تصحيح هذا التعريف لما يترتب عليه من آثار تتعلق بالتوحيد والشرك ، ومتى يكون المرء موحداً ، ومتى يكون مشركا ، ( ر ) التعريف الصحيح الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الألوهية : إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية ، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله ، أو شفاعة ملزمة على الله ، أو استحقاق أن يعبد من دون الله ، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى ، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه ،

[  16  ]  الشرك بالله ونواقض التوحيد : الشرك يحرم على صاحبه الجنة ويوجب عليه الخلود في النار ، قال تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [ المائدة : 72 ] ، والشرك يحبط العمل ، لقوله تعالى : { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [ الزمر : 65 ، 66 ] ، وقوله تعالى : { ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ الأنعام : 88 ] ، وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى أبداً إلا أن يتوب صاحبه ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [ النساء : 48 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [ النساء : 116 ] ،  وهو أعظم الذنب و أكبر الكبائر : كما جاء في الصحيح المتفق على صحته - عندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم قال : (( أن تجعل لله ندًا وهو خلقك )) [ متفق عليه ] ،  و كما جاء في الصحيح المتفق على صحته عَنْ أبِي بَكْرَةَ رَضيَ اللهُ عَنهُ قال : قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (( ألا أنَبِّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبَائِرِ )) ثَلاثاً ، قالوا : بَلَى يَا رَسُولَ الله ، قال : (( الإِشْرَاكُ بِالله ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئاً ، فَقال : ألا وَقَوْلُ الزُّورِ ))  قال : فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ )) [ متفق عليه ]

[  17  ]  مفردات الشرك في عقائد المشركين :  من مفردات الشرك في عقائد المشركين : ( أ ) اعتقاد الشريك مع الله ، وهذا كقول النصارى إن الله ثالث ثلاثة ، قال تعالى : {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ المائدة : 73 ] ، وقوله تعالى - في حق عباد الشمس والقمر والكواكب - : {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [ فُصِّلَت : 37 ] ، وقوله تعالى - في حق مشركي العرب - : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } [ ص : 5 ، 6 ] ، ( ب ) اعتقاد الولد والبنت لله : كما في قوله تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ] ، ولأنّه لا يجوز على الله تعالى الولد لأنّ الولد صنو أبيه والله تعالى ليس كمثله شيء ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس ، وقوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ،  وقد نسب النصارى واليهود الولد إلى الله ، كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ التوبة : 30 ] ، وقد نسب مشركو العرب البنت إلى الله تعالى ، كما في قوله تعالى : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ } [ النحل : 57 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ } [ الصافات : 149 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ } [ الطور : 39 ] ، وقوله تعالى : { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } [ النجم : 19 إلى 22 ] ، ( ت ) اعتقاد الند لله : والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير ، ويدل عليه قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ سبأ : 33 ] ، وقوله تعالى : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ فصلت : 9 ] ، وقوله تعالى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ } [ ابراهيم : 30 ] ، ( ث ) اعتقاد الشريك في الربوبية ومفرداتها من التصريف والتدبير : كما في قوله تعالى : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } [ سورة الأنعام : 164] ، وقوله تعالى : { وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ } [ آل عمران : 64 ] ، وقوله تعالى : { والذين هم بربهم لا يشركون } [ المؤمنون : 59 ] ، وقوله تعالى : { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا } [ آل عمران : 80 ] وقوله تعالى : { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } [ التوبة : 31 ] ، وقوله تعالى : {  أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ يوسف : 39  ] ، ( ج ) اعتقاد الشريك في الملك : كما في قوله تعالى : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [ الإسراء : 111 ] ، وقوله تعالى : { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } [ الفرقان : 2 ] ، ( ح ) اعتقاد القدرة الذاتية على النفع والضر والإعزاز والنصر : كما في قوله تعالى : {  وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  }  [ مريم : 81] ، وقوله تعالى : {  وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  } [ يس : 74 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [ الأنبياء : 43  ]وقوله تعالى : { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ } [ هود : 101 ] ، والمعنى أنّهم كانوا يدعونهم ويعبدونهم وهم ينتظرون أن يغنوا عنهم من الاله شيئا ، وقد كان الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى : { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ } [ هود : 54 ] ، وقوله تعالى : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر : 36] وذلك أنهم خوفوا النبي (صلى الله عليه وسلم ) معرة معاداة الأوثان ، ( خ ) اتخاذهم أولياء ينصرونهم من دون الله : كما في قوله تعالى : { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الشورى : 9 ] ، وقوله تعالى : { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [ العنكبوت : 41 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } [ النساء : 173 ] ، وقوله تعالى : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الانعام : 14 ] ، ( د ) اعتقادهم استحقاق معبوداتهم للعبادة من دون الله : كما في قوله تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [ آل عمران : 64 ] ، وقوله تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [ النحل : 36 ] ، وقوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، ( ذ ) اعتقاد التسوية بين الله وبين معبوداتهم في الربوبية : كما في قوله تعالى : { قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [ الشعراء : 96 إلى 98 ] ، فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات الربوبية ،

[  18  ]  أنواع الشرك : الشرك أنواع ، فمنه الشرك الأكبر ، وهو المخرج من الملة ، والموجب للخلود الأبدي في النار وهو شرك اعتقاد يوجب اعتقاد شريك مع الله تعالى في ذاته أو اسمائه أو صفاته أو أفعاله أو في ربوبيته أو في ألوهيته أو في هذه الأقسام جميعها ، ومنه الشرك الأصغر ، وهو ( الرياء ) شرك العمل بغير اعتقاد الشريك مع الله ، ومنه الشرك الخفي وهو تعلق القلب بغير الله تعالى من سائر الأسباب ، والشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة ، وصاحبه مخلد في النار ، وهو محبط لجميع الأعمال مبيح للدم والمال ، قال الله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء : 48] ، وقال الله تعالى : {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الزُّمَر : 65 ] ، والشرك الأصغر لا يخرج من الملة ، ينقص التوحيد ولكنه لا ينقضه ، ولا يخلد صاحبه في النار ، بل يعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج من النار ، وقد يتوب الله عليه فلا يدخل النار ، والشرك الأصغر لا يحبط جميع الأعمال ، وإنما يحبط العمل الذي خالطه ، ولا يبيح الدم والمال كالأكبر ، وحكم فاعله حكم عصاة الموحدين ، والشرك الخفي : أخفى على القلب من دبيب النمل ، وتخفى دقائقه على أهل التوحيد ، ولهذا لا ينجو منه إلا الأنبياء والمرسلين ، ومحاربة هذا النوع من الشرك هو من كمال التوحيد ، ومثاله ، تعلق القلب بالأسباب ، وتعلق المحبة بالأبناء والأموال ، وهكذا ، وقد علمنا الرسول الكريم الاستعاذة من هذا الشرك بقوله صلى الله عليه وسلم (( اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا أعلم )) [ أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (18781) ] ،

[  19  ]  ضابط الشرك الأكبر المحبط للعمل  :  الشرك قسمان : أكبر يتعلق بالقلب والاعتقاد ، وأصغر يتعلق بالعمل والجوارح ، وهذا من أعظم الفقه في دين الله تعالى ومن الموازين الربانية لضبط مسائل وأحكام الشرك ، وإلا دخلت الأمة في فوضى اتهام الأمة الإسلامية بالشرك والتكفير واستحلال دماء وأموال وحرمات أهل القبلة ، واتهام أهل الجهل والبدعة بالشرك الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله ،  وشرك العبادة الأكبر شرك اعتقاد : ويتناول اعتقاد إلوهية أو ربيوبية أو استحقاق عبودية غير الله ، وعلى ذلك فمناط الشرك الأكبر هو الاعتقاد القلبي ، وإن الاضطراب الحاصل في تحديد حقيقة الشرك الأكبر أوقع الكثير من المنتسبين للعلم في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ لأنها خالية من اعتقاد شريك مع الله في ألوهيته أو ربوبيته أو استحقاقه للعبودية ، ومن أعظم قواعد أهل السنة والجماعة في ضبط مسائل الشرك : قولهم أنّ : الشرك الأكبر اعتقادي والشرك الأصغر عملي : فلا يكون العمل الشركي دالا على الشرك الأكبر إلا باعتقاد ألوهية غير الله أو ربوبيته أو استحقاق غيره للعبادة ، وهذا الضابط هو العاصم من التكفير واتهام المسلم بالشرك الاكبر المخرج من الملة ، بمعنى أنه كل من يقول أنا لا أعبد إلا الله وما أقوم به ليس عبادة لغير الله ، لا يمكن أن يقال له : لا بل أنت مشرك ، أنت تعبد غير الله لأننا نحن نعرف معنى العبادة وأنت لم تعرفها ، هو مسلم بمجرد اعتقاده بأن العبادة لا تكون إلا لله ولم يقصد غير الله بالأعمال العبادية ، وكل مقر بلسانه بكلمة التوحيد مسلم ليس لنا أن تتهمه بالشرك ما دام يأبى الشرك بالله ، والاتهام بالشرك أخطر أنواع التكفير والمقر بلسانه بكلمة التوحيد( لا إله إلا الله ) مسلم ، ليس لنا أن تتهمه بغير ذلك ، ما كان مقرا بأن الله هو الخالق المدبر المعبود وحده لا شريك ولا يمكن أن نحكم بكفره إلا إذا أنكر ما هو ضروري من الدين مع انتفاء الشبهة في حقه ، وقد ردع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتهام اي مسلم بالشرك او الكفر . ففي صحيح مسلم : (( إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما )) [ صحيح مسلم ج1 ص 79 ] ،

[  20  ]  أخطاء في باب الشرك  : ( 1 ) خطأ المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين : المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله ، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء ، والموحد يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله ، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله ، ويقول : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ، والمسلم يعتقد أنّ : { ُ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، والمشرك ينسب إليه الولد والوالد والصاحبة والبنات ، والمسلم يوحد الله تعالى  في أسمائه وصفاته وأفعاله ، ولا يرى له مثيلاً ولا نظيراً في الأسماء والصفات والاَفعال فهو المتفرِّد في أسمائه وصفاته وأفعاله ، والمشرك يلحد في أسمائه ويشتق منها أسماء لآلهته ، كالعزى من العزيز ، ويلحد في صفاته وأفعاله ، وينسب إلى آلهته صفات القدرة والنفع والضر والإعزاز والإذلال ، ويسوي الاَصنامَ بربّ العالمين كما في قوله تعالى - وهم يتعاتبون في النار - : {تَاللّه ِإِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين } [ الشعراء  : 97 ، 98 ] ، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا ، لقوله تعالى : { قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً }[الزمر : 44]  وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله ، وإنما لمن ارتضى ، لقوله تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  } [ الأنبياء : 28 ] ، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة - على اعتقادهم الباطل - مع الله ،  ويدل عليه قوله تعالى : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } [ الأنعام : 94 ] ، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى : { فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً}  (فاطر : 10) والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى : { وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً  } [ مريم  : 81 ] ، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين ، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) معتقدين لها ، والمشرك لا يؤمن بالرسول ، ويقول - كما حكاه عنه القرآن الكريم - : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } [ ص : 4 إلى 8 ] ،  ولذلك لا يصح مقارنة أفعال جهلاء المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال ، كالطواف حول القبور والتبرك بالصخور ، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه ، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية  والربوبية أو شيء من صورهما ، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر ، واستحلال دمائهم وأموالهم ، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر ، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي ، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله ، وهذا لا يكون من مسلم أبدا ،  ( 2 ) الشفاعة معتقد صحيح في دين الله ولا علاقة لشفاعة المسلمين بالشرك : هناك فرق أصيل بين عقيدة المسلمين في الشفاعة وعقيدة المشركين في الشفاعة ، فالمسلم يعتقد أنّ الشفاعة تكون للصالحين فيما يأذن به الله ويرضاه سبحانه ، كما في قوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا  } [ طه : 109 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } [ الأنبياء : 28 ] ، وقوله تعالى { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ }  [ يونس : 3  ] ، واعتقاد الشفاعة بهذه الضوابط لا يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر ، بل هو على النقيض من ذلك توحيد وطاعة ووسيلة إلى رضا الله تعالى ، أما المشركون فيعتقدون شفاعة آلهتهم ومعبوداتهم إلزاما على الله تعالى بموجب شراكتهم لله تعالى في ملكه وربوبيته وألوهيته ، فهذه شفاعة شرك وكفران ، ودليل ذلك قوله تعالى : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } [ الأنعام : 94 ] ، فالمشركون - كما تدل الآية - : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ  } يزعمون أن شفاعة معبوداتهم واجبة بما لها من شراكة مع الله ، تعالى الله عما يشركون ، ومنه يتبين خطأ من استدل بآية الزمر على اتهام المسلمين بالشرك لاتخاذهم بعض الصالحين شفعاء عند الله ، فالمسلم يعتقد أنّ الشفاعة تكون للصالحين فيما يأذن به الله ويرضاه سبحانه ، أما المشركون فيعتقدون شفاعة آلهتهم ومعبوداتهم إلزاما على الله تعالى بموجب شراكتهم لله تعالى في ملكه وربوبيته وألوهيته ، ( 3 ) خطأ من ظن أن اعتقاد الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر : استدل بعض المتعجلين بالآية  : { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }  [ الزمر : 43 ، 44] على اعتبار اعتقاد الشفاعة المجردة موجب مستقل للشرك الأكبر ، وقد تقدم أنّ هناك فرق بين اعتقاد الشفاعة عتد المسلمين والمشركين ، وكذلك فإن اعتقاد المشركين لم يكن بمجرد الشفاعة بمعنى الواسطة ولكن اعتقادهم كان بالشفاعة الجبرية بما لها من شراكة في الملك والتدبير ، ومن تدبر آية الأنعام علم ذلك ، قال تعالى : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } [ الأنعام : 94] ، فجمع الله تعالى بين اعتقادهم الشفاعة وزعمهم أن لها الشراكة في الربوبية والملك والتدبير  { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } ، ( 4 ) خطأ من استدل بآية الزمر للتوصل إلى اتهام جهلاء المسلمين بالشرك : قال تعالى { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ }[ سورة الزمر : 3 ] ، تبدأ الآية بذكر الدين الخالص الذي هو ( التوحيد ) ويشمل كافة أقسام التوحيد من توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال ويشمل توحيد الربوبية بكافة مفرداتها وتوحيد الإلوهية بكافة مفرداتها ، ثم قال تعالى : { والذين اتخذوا من دونه أولياء } ، الولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا }[ مريم  : 81  ] ، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز ،  وقوله تعالى { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ }[ يس : 74 ] ، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر ، وقوله تعالى { إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ }[ سورة هود ] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء ، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله ، { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } ، ويستفاد من الآية  : أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في قسم توحيد العبودية ( ما نعبدهم ) ، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله ، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى ، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } ، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر ، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده ، وفي الحديث ( أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ) ، وقوله تعالى : { كَاذِبٌ كَفَّارٌ } صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته  وكذبوا على الله ورسوله ، ( 5 ) خطأ من استدل بآية يونس للتوصل إلى اتهام جهلاء المسلمين بالشرك : قال تعالى { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ يونس : 18 ] ،   والمتدبر في الآيات يفقه منها أمور ضرورية : ( الأول ) : الإقرار بعبادة غير الله { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، و ( الثاني ) : اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، و ( الثالث ) : تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله : { قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ } ، و ( الرابع ) : ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها ، مما سبق يعلم خطا من جعل ضابط الشرك الأكبر في الآية هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء ، (  6  ) الفارق العظيم بين التوسل وبين الشرك بالله : ( أ ) التوسل هو التقرب إلى الله ، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ المائدة : 35 ] ، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته ، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل ، قال تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } [ الإسراء : 57 ] ، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته ، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل ، وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } [ النساء : 64 ] ، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي ، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية ، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فقط ، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة ، قال المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم ، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة ) : إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وسلم في قبره لحال أمته ، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته ، ومن فرق بين حياته وموته صلى الله عليه وسلم فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريمة ، ( ب ) الخطأ في فهم المقصود من التوسل : ظن البعض أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل ، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك ، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد ، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله ، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا ،  وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل ، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا ، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل في المسالة ، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل ، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل ، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه ، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه ، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل ، والمسألة فقهية بابها الفقه وليس العقيدة والتوحيد والشرك ، ( ت ) تحرير المعنى المقصود من التوسل : التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله ، ولا يرجو سوى الله ، ولا يدع إلا الله وحده ، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم - هو المالك القادر المهيمن ، وهو وحده المعطي والمانع ، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة - رجاء قبول مبتغاه عند الله ،  وليس التوسل - أبداً - اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، كما كان يفعل المشركون بقولهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ  } [ الزمر : 3 ] ، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله ، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله ، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله ، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان ، ويشهد بالشهادتين ( لا إله إلا الله  -  محمد رسول الله ) ، عن يقين واعتقاد ، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان ، ويزعم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ساحر كذاب ، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } [ ص : آية 4 إلى آية 8 ] ، فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان ، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم ، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية ، قال تعالى : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ  } [ الزمر : 3 ] ،  وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من ( التوسل ) إذا قاله المسلم ، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام ، وهنا إذ تحرر موضع النزاع في معنى التوسل ، بقي أن نعلم ما هي أنواع التوسل الجائزة شرعا ، فنقول لها سمعاً وطاعةً ، ولا نتقدم على الشرع الحكيم برأي أو هوى أو غلو أو تقصير ، أو إفراط او تفريط ، والمسألة كما ذكرت بابها الفقه وليس العقيدة ، وجمهور أهل الفقه على جواز التوسل إلى الله تعالى بذوات الأنبياء والصالحين ،  

[  21  ]  تقييم مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في علم التوحيد لمعرفة مدي تمثيله لمذهب السلف ، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في بعض أقسام العلم :  لقد تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية - بما فيها من أخطاء - بقوة السيف والسنان ، ولكن  أيضاً  إضافة إلى تبنيه أخطاء ابن تيمية ، كانت له كذلك اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية ، وفي مباحث توحيد الربوبية ، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر ، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، وبسبب هذا الخلل في استيعاب مسائل وأحكام التوحيد على منهاج أهل السنة والجماعة غالى في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ ، وكانت النتيجة أن أعلن الحرب على طوائف عديدة من المسلمين ، واستحل دماءهم وأموالهم وحرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ،

[  22  ] حال نجد الحجاز التي خرج منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب  كما وردت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم  : أخرج البخاريُ في صَحيحِه عن  مُحَمَّدِ بْنُ الْمُثَنَّى عَن حُسَيْنِ بْنُ الْحَسَنِ عَن ابنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ  : (( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا" ، قَالُوا  : وَفِي نَجْدِنَا ؟ قَالَ  : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا ، قَالُوا  : وَفِي نَجْدِنَا ؟ قَالَ  : "هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ )) [ أخرجه البخاري ] ، وأخرج البخاريُ ومسلم عن مُسَدَّدٌ عن يَحْيَى ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عن قَيْسٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ (( الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا ، أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ )) [ متفق عليه ]  ، ونجد الحجاز هي جهة المشرق تماما بالنسبة إلى أهل المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري في كتاب الفتن ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الفتنة من قبل المشرق ) ( 7092 ) من طريق معمر عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام على المنبر فقال : (( الفتنة ههنا ، الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان ، أو قال قرن الشمس )) ، وأخرج البخاري في كتاب الفتن ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الفتنة من قبل المشرق ) ( 7092 ) ، ومسلم في كتاب الفتن ، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان ( 7292 ) بنحوه كلاهما من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل المشرق يقول : (( ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان )) ، ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام ( قرن الشيطان ) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( 13 : 46 ) ( قوله قرن الشمس ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال ) ، وفي تحفة الأحوذي ( 10 : 315 ) ( قرن الشيطان : أي حزبه وأهل وقته وزمانه وأعوانه ، وقيل يحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال ) أهــ ، قلت  : ومن نظر إلى الخريطة وجد أنّ نجد تقع تماما في جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا يفند زعم البعض أنّ نجد المقصودة هي منطقة بالعراق ، وآخرون أنّها منطقة بالشام ، وكلامهم يفتقد إلى أدنى التحقيق والإنصاف ، وذلك لأنّ نَجد الحِجاز كانت أرض الفَدّادين رِعاءِ الإبِل ، والعراق كانت أرض زراعة وصناعة وتجارة وما كانت آنذاك أرضًا لرِعاء الإبل ، كما أنّ "نجد" الحجاز هي بلاد ربيعة ومضر وليس نجد العِراق أو الشام ثم نحن لا نعلم نجدا معروفا إذا أطلق لفظ " نجد " سوى نجد الحجاز والتي ظهر منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وأتباعه من علماء الدعوة النجدية ، التي ينتسبون إليها ، وليس القصد من ذلك التجريح في اهل نجد ، ولكن المقصود الحذر ثم الحذر مما ينفرد به أهل نجد من علوم الدين لأنه آنذاك يكون  يقينا من الباطل الذي نفخ فيه الشيطان بقرنه ، لأن الأحاديث دلت على التحذير من هذه المنطقة ومما يخرج منها من الضلال الذي يُخالف ما عليه عامة أهل السنة والجماعة من علوم الدين ،

[  23  ]  أخطاء محمد بن عبد الوهاب في فهم توحيد الألوهية  : أخطأ في تفسير العبادة ، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع ، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله  ،أو لمن يعتقده رباً أو له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله ، وكنفوذ المشيئة لا محالة و لو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ خالق السموات والأرض ، الّذي هو أكبر الآلهة في اعتقاده  ولهذا قالوا  : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ  *  وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } [ ص  : 5 ، 6 ] ، وقالوا  : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ الزمر  : 3 ] ، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم ، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم ، و هو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له ، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله  لا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد ، عبادة شرعاً ( كسجود الملائكة لآدم ) ، فانّه حينئذٍ يكون كفراً ، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع ، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به  { قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ } [ الاَعراف : 28 ] ، { وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر } [ الزمر : 7 ] ، وذلك ظاهر إن شاء اللّه  ،ولكن لما رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ ظنّ أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة , وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد , وإن وقعت لغيره فهي الشرك  ،فأدى ذلك إلى الغلط في تصور العبادة والشرك المقابل لها ، وإنّ الغلط في تفسير العبادة ، كان المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى ، الذي أُستحِلت به دماءُ لا تحصى ، وانتهكت به أعراض لا تعد ، وتقاطعت فيه أرحام أمر اللّه بها أن توصل ، عياذاً باللّه من المزالق والفتن ،

[  24  ]  أخطاء محمد بن عبد الوهاب في فهم توحيد الربوبية  : قال في مجموعة التوحيد  : "  وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين   : القاعدة الأولى  : أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى  : { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون }" أهـ  [ مجموعة التوحيد ص 15 - 16 ] ، والخطأ في هذا القول بين لأسباب عديدة ، منها  : أنّ توحيد الربوبية لله يعني اعتقاد أن الله أن الله تعالى هو وحده الخالق الرازق الهادي الشافي المحيي المميت المتعهد بالتربية لجميع خلقه إذ هو رب العالمين ، واعتقاد أن مقادير كل شيء بيد الله يرفع من يشاء ويخفض ويعز من يشاء ويذل ويهدي من يشاء ويضل ويوسع الرزق على من يشاء ويضيق ويحيي من يشاء ويميت ، له في لك كله المشيئة المطلقة والإرادة النـافذة لا حق لأحد في مراجعته وأمـره كله عدل وفضـل { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ، واعتقاد حقه المطلق في التشريع والحكم والأمر { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } ، هذا هو توحيد الربوبية عند الموحدين ، ومن اعتقد بأن هناك من يملك الضر أو النفع أو التصريف أو التدبير في حياة الناس وغيرهم من المخلوقات من دون الله فقد أشرك في ربوبية الله عز وجل شركاً أكبر ، ومن اعتقد أن لأحد من دون الله حق مطلق في التشريع المطلق بالتحليل والتحريم والحظر والإباحة والحكم والأمر والنهي دون الرجوع إلى حكم الله وشرعه فقد اتخذه رباً من دون الله ، ومن اعتقد أنه يجوز التحاكم إلى شرع غير شرع الله فقد كفر بربوبية الله عز وجل لخلقه ، هذا هو توحيد الربوبية عند المسلمين ، أما مشركو العرب فقد اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله  ، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى  : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم  : 81 ]  ،وقوله تعالى  : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ }  [ يس  : 74 ] ، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى  : { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ } [ هود  : 54 ] ، وقوله تعالى  : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ الزمر  : 36 ] ، والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون ، وكذلك فإن اعتقاد المشركين كان يقوم على اعتقاد وجود الشريك الذي له  تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى  : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [  الإسراء  : 111 ] ، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة ، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير ، وكذلك اعتقاد المشركين بوجود الند لله  ، والند كما جاء في معاجم اللعة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير [ انظر : تهذيب اللغة ج14 ص 51 و المفردات ص 486 ] ، والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله ، والأدلة من القرآن الكريم على ذلك كثيرة منها  : قوله تعالى  : : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ } [ ابراهيم  : 30 ] ، وقوله تعالى  : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ فصلت  : 9 ] ، وقوله تعالى  : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }[ البقرة  : 22 ] ، وقوله تعالى  : { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الشورى  : 9 ] ، وقوله تعالى  : { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [ العنكبوت  :  41 ] ، كما أنّ المشركين كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم ، كما في قوله تعالى - واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار-  : { قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [ الشعراء : 96 إلى 98 ] ، فهذه الآيات ـ التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه ، كما أنّ المشركين كانوا يلهجون بدعاء آلهتهم  رجاء نصرتها لهم واعزازها لهم ، إذ لا يعقل في تاريخ البشر أن يدعو أحد أحدا لا يرجوه لتحقيق منفعة أو رد ضر وإلا خرج من دائرة العقلاء ، ورد الله تعالى عليهم اعتقادهم الباطل بقوله تعالى  : { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعرون أيّان يبعثون * إلهكم إلهٌ واحدٌ } [ النحل : 20إلى 22 ] ، وبقوله عز وجل  { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب ) [ هود : 101 ] ، وقوله تعالى  : { وما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } [ يونس : 66 ] ، ويظهر جليا من هذه الآيات أن مشركي العرب  كانوا يتخذون آلهة لهم من دون الله وكانوا يدعونهم عند الشدائد ويستغيثون بهم اعتقادا أن آلهتهم هذه تسمع دعاءهم وتقدر على نصرهم وأنهم شركاء لله في ملكه العظيم ، ومن هنا نعلم مدى الخطأ الجسيم في ادعاء أن المشركين كانوا على توحيد الربوبية ،

[  25  ]  أخطاء محمد بن عبد الوهاب في تقرير حقيقة الشرك الأكبر  : كما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك ، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى ، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر ، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر ، ومن ذلك الخطأ في فهم آية الزمر ، ومعرفة حقيقة اعتقاد المشركين بربوبية معبوداتهم  : قال تعالى { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ }[ سورة الزمر  : 3 ] ، والولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا }[ مريم   : 81  ] ، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز  ،وقوله تعالى { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ }[ يس  : 74 ] ، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر ، وقوله تعالى { إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ }[ سورة هود ] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء ، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله ، { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ويستفاد من الآية   : أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية والألوهية ( ما نعبدهم ) ، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله ، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى ، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } ، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر ، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده ، وفي الحديث ( أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ) ، وقوله تعالى  : { كَاذِبٌ كَفَّارٌ } صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته  وكذبوا على الله ورسوله ،

[  26  ]  أخطاء محمد بن عبد الوهاب في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، وليس المقصد من الدعاء إلى تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر ، وليس هو من قبيل تهوين ما فعله الجهلاء من بناء المساجد على القبور ، وما يفعلونه عند مقابر الصالحين ، فإن المساجد بيوت الله تعالى في الأرض ، وهي دور العبادة والطاعة والصلاة ، ولابد من تنزيهها عن أفعال الجاهلين وغلو المغالين وتسيب المستهترين ، وإنما المقصد الأساس من ذلك هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد ، وتتبع السنّة والبدعة ولا تتبع الشرك والتوحيد ، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع الإيمان والكفر لأنّ المسلمين - على مر عصور الإسلام - مهما بلغ الجهل منهم مبلغه ، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله ، كيف وشعار هم هو ( لا إله إلا الله ) ، ومن ثم تهذيب مسائل التوحيد والشرك ، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء ، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء ، فعلاج الخلل لا يكون بالخلل ، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط ، ودين الله تعالى عدل بين ظلمين ، ووسط بين طرفين ،

[  27  ]  أخطاء محمد بن عبد الوهاب في الهجوم على علم التصوف برمته ، بحسنه وسيئه ، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وقد كان الإمام ابن تيمية يفصل في مسائل التصوف ، وجعلهم طوائف منهم الصديقون والأولياء ، ومنهم الأدعياء المرتزقة ، ومنهم أهل الجهل والخرافة ، ومنهم أهل البدعة والضلالة ، ولكن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفصّل وإنما  اعتبر التصوف برمته ضلال ينبغي أن يُزال ، مع أنّ السبب الاساس الذي أُنشأ من أجله التصوف هو تزكية الباطن ، وقد كان العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وتخليته عن صفاته الذميمة ، وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق  ،وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد وغيرها من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر ، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة ، كما أنّه هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس ، وقد كان السادة الصوفية الحقة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان ، وبالتالي فإن إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على بعضهم ، أو قالها بعضهم في ساعة ذهول لا يقصدها ، أمر لا ينبغي ، إن كلمة ( صوفي ) مثلها مثل كلمة ( سلفي ) كانت على مر عصور الإسلام السابقة  - منذ القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا - كلمة ثناء ، وصفة مدح ، فلا يعقل أن ينادي اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى اقتلاع التصوف من جذوره ، وابادة التصوف وأهله ، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة ، فهل بعد هذا من تنطع ، وأين يذهب أكثرية أهل السنة والجماعة في العالم اليوم في مصر والسودان وبلاد الشام ،ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين ، وليس معنى ذلك أن نبرأ جميع الصوفية من الخطأ ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف  ،

[   28  ]  أخطاء محمد بن عبد الوهاب في باب الغلو في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم  : إذ هناك العديد من نصوص الإمام محمد بن عبد الوهاب والتي آلت به إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم ، ومن تلك النصوص ، قوله  : - وهو يتحدث عن أربع قواعد في التوحيد -  : ( الأُولى ) : إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم مقرّون بأنّ اللّه هو الخالق الرازق المدبر ، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى  : { قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ ..  ،فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ } [ يونس  : الآية ٣١ ] ، ( الثانية ) : إنهم يقولون  : ما دعونا الأصنام وما توجهنا إليهم الاّ لطلب القرب والشفاعة لقوله تعالى  : { الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ مَا نَعْبُدُهُم اِلاّ لَيُقَرِّبُونا إلى اللّه زُلفَى } [ الزمر  : الآية ٣ ] ، وقوله  : { وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّه مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه } [ يونس  : الآية ١٨ ] ، ( الثالثة ) : إنّه ظهر صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم على قوم متفرقين في عبادتهم ، فبعضهم يعبد الملائكة ، وبعضهم الأنبياء والصالحين ، وبعضهم الأشجار والأحجار ، وبعضهم الشمس والقمر ، فقاتلهم ولم يفرق بينهم ، ( الرابعة ) : إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين ، لأن أولئك يشركون في الرخاء ، ويخلصون في الشدة ، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى  : { فَإِذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم إلَى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ } [ العنكبوت  : الآية ٦٥ ] ، [ رسالة أربع قواعد ص ١ ـ ٤ ] وهو يقصد بمشركي زمانه كافة المسلمين دون أتباعه  ،وذلك لأنهم يتوسلون بالنبي صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم في شدتهم ورخائهم ، ولذلك صاروا عنده أغلظ من مشركي عهد الرسالة ، هذا مع أن التوسل بالرسول صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم جائز عند جمهور الفقهاء ، وقصاراه أنّه من المسائل الفقهية الخلافية وليس من مسائل التوحيد والشرك ، كما أنّ هناك فرقاً جلياً بين المسلمين وعبدة الأوثان والأصنام ، فإنّ المسلمين يعبدون اللّه وحده ، ولا يتوجّهون إلى النبي صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم إلاّ بقصد أن يدعو لهم عند اللّه ، ويشفع لهم عنده ، وأين هؤلاء من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه ، ويتوجهون إليها على أنها آلهة تملك ضرهم ونفعهم ، وهذا الخطأ أدى به إلى استحلال دمائهم على أنّهم مشركون ، وقد تكرر هذا الخطأ في رسالته كشف الشبهات ، حيث يقول في حق النبي صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم  : " أرسله إلى أُناس يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً ، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات بينهم وبين اللّه ، يقولون نريد منهم التقرب إلى اللّه ، ونريد شفاعتهم عنده ، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأُناس غيرهم من الصالحين " [ كشف الشبهات  : ص ٣ ] ، فانظر كيف وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً ، وهذه مغالطة فجة ، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله ، وانكار رسالة الرسول صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم ، ثم اتخاذهم واسطة على سبيل الشراكة ، كما ذكرنا في كتاب التجديد الثالث " التجديد في علم التوحيد " ، فالوساطة لم تكن قط سبب شركهم ، وإنّما عبادة غير الله  : { ما نعبدهم إلا } ، فقد أقروا بعبادتهم ، ثم الوساطة الجبرية على سبيل الشراكة مع الله ، وهذه وتلك لم يفعلها مسلم قط ، إذ المسلم لا يعبد إلا الله ، وهو بريء عن عقيدة الواسطة الشركية التي تكون جبرا على الله ، وقصاراه التوسل بمن لهم جاه عند الله لقبول الأعمال ، دون أي اعتقاد في شفاعتهم الجبرية على الله ، ويقول في موضع آخر ما نصه  : " إنّ التوحيد الّذي جحدوه هو توحيد العبادة ، الّذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد ، كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلا ونهاراً ، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا له ، أو يدعو رجلا صالحاً مثل اللات ، أو نبياً مثل عيسى " [ كشف الشبهات ، ص ٤ ] ، وهو هنا لا يفرق بين الدعاء وبين العبادة ، مع أنّ الدعاء لا يكون عبادة حتى يصاحبه اعتقاد الإلهية أو الربوبية لمن يدعوه ، ولو كان الدعاء لعبد صالح من عباد الله  ، لعل الله تعالى ان يستجيب دعوته ، فلا تكون الدعوة لهذا العبد عبادة له ، وإنّما توسل به إلى الله  ،ويقول أيضاً  : " تحققت أنّ رسول اللّه قاتلهم ليكون الدعاء كله للّه ، والذبح كله للّه ، والنذر كله للّه ، والاستغاثة كلها باللّه " أهـ  ، وهذه كما ذكرت في كتاب التجديد الثالث " التجديد في علم التوحيد " كلها مفردات للعبادة إن اشتملت على اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف له كانت عبادة ، وإن لم تشتمل على تلك العقيدة لم تكن عبادة ، ويقول أيضاً  : « إنّ المشركين يقرّون بالربوبية وإن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء » ، وهذا خطأ ، لأن كفرهم إنما كان لعبادتهم الملائكة والأنبياء لا لتعلقهم بها إذ ليس مجرد التعلق مع الاعتراف بعبوديتهم وعدم تفويض الأمر إليهم موجباً للتكفير ، ويقول أيضاً  : « إنّ الذين قاتلهم رسول اللّه مقرّون بأن أوثانهم لا تدبّر شيئاً وإنما أرادوا منها الجاه والشفاعة » ، وهذا أيضاً خطأ ، لأنّ كفرهم لم يكن لأجل طلب الشفاعة ، بل لعبادتهم قال تعالى  : { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُون هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه } [ يونس  : الآية ١٨ ] ، ويقول  : " إنّ اللّه كفّر من قصد الأصنام ، وكفّر من قصد الصالحين ، وقاتلهم رسول اللّه " أهـ ، وهذا أيضاً خطأ ، لأنّ رسول اللّه  صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم كفّر من عبد الصالحين ، لا من قصدهم ، فمن قصد الصالحين لطلب الدعاء لا يكون كافراً أبداً ، ويقول أيضاً - وهو يعلّم أتباعه كيف يناظرون المخالف-  : " اقرأ عليه  : { ادعوا ربّكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحبّ المعتدين } فإذا أعلمته بهذا فقل له  : هل علمت هذا عبادة للّه ؟ فلا بد أن يقول نعم ، والدعاء مخ العبادة ، فقل له  : إذا أقررت أنها عبادة ، ثم دعوت تلك الحاجة نبياً أو غيره ، هل أشركت في عبادة اللّه غيره ؟ فلابد أن يقول نعم  " أهـ ، وهذا أيضاٍ خطأ ، لأنّ الدعاء بنية العبادة ، والدعاء لمن يعتقده ربا وإلهاً ، عبادة ، وما خلا عن ذلك فليس بعبادة ، والدعاء مخ العبادة لمن دعا من يعتقد أنه يدعو الرب الإله ، فأين ذلك من دعوة الأنبياء والصالحين بمعنى التوسل بهم إلى الله ، والذين يتكلم عنهم الشيخ مسلمون موحدون ، لا يعبدون غير الله ، ويعلمون أنّ هؤلاء جميعا عباد صالحون لا يملكون شيئاً لأنفسهم ولا لغيرهم ، إلا الشفاعة بفضل الله ، فلا يجوز تشبيه دعاء الكافرين والمشركين لمن يظنون فيهم نوعا من الألوهية والربوبية ، وبين دعاء المسلمين الموحدون ، وبعد فبتلك القواعد المغلوطة توصل الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى تكفير المسلمين ، وجعلهم أشد كفراً من المشركيين الأصليين ، ومن ثم استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام ، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام ، نعلم كيف كانت ( الغزوات ) ! على أعراب نجد والحجاز ، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد ، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان ، لا مسلمين يقولون ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، ويعتقدون أنّه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله ، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله ، ( تنبيه ضروري ) : لقد مرت تلك المحنة وانتهت والحمد لله ، والجميع اليوم يأبى ذلك ويرفضه ، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة الحشو على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية الإسلامية ،

[  29  ] من العلماء الرادّين على أخطاء الشيخ محمّد بن عبد الوهاب : أخوه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب في رسالته  : الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية ، وعليها مقدمة الشيخ محمّد بن سليمان الكردي الشافعي الّتي قرّظ بها رسالته  ،ورسالة تجريد سيف الجهاد لمدّعي الاجتهاد لشيخه العلامة عبد اللّه بن عبد اللطيف الشافعي ، ورسالة الصواعق والرعود للعلامة عفيف الدين عبداللّه بن داود الحنبلي ، ورسالة تهكّم المقلدين بمن ادّعى تجديد الدين للعلاّمة المحقق محمّد بن عبدالرحمن ابن عفالق الحنبلي ، وقد ترصّد فيه لكل مسألة من المسائل الّتي ابتدعها وردّ عليها بأبلغ رد ، ورسالة للعلامة أحمد بن علي القباني البصري الشافعي ، ورسالة للعلامة عبدالوهاب بن أحمد بركات الشافعي الأحمدي المكي ، ورسالة الصارم الهندي في عنق النجدي للشيخ عطاء المكي ، ورسالة للشيخ عبد اللّه بن عيسى المويسي ، ورسالة للشيخ أحمد المصري الإحسائي ، ورسالة السيف الباتر لعنق المنكر على الأكابر ، للسيد علوي بن أحمد الحداد ، ورسالة للشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن عبداللطيف الإحسائي ، ورسالة تحريض الأغبياء على الاستغاثة بالأنبياء والأولياء ، للعلامة عبداللّه بن إبراهيم ميرغني  ، ورسالة الانتصار للأولياء الأبرار للعلامة طاهر سنبل الحنفي ، ومجموعة أجوبة وردود نظماً ونثراً لأكابر علماء المذاهب الأربعة ، من أهل الحرمين الشريفين والأحساء والبصرة وبغداد وحلب واليمن وغيرها ، ومصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام للعلامة السيد علوي بن الحداد ، ورسالة الدرر السنية في الرد على الوهابية  لمفتي مكة السيد أحمد زيني دحلان المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ  ، ورسالة شواهد الحق في التوسل بسيد الخلق للشيخ يوسف النبهاني ، ورسالة الفجر الصادق لجميل صدقي الزهاوي ، ورسالة إظهار العقوق ممن منع التوسل بالنبي والولي الصدوق للشيخ المشرفي المالكي الجزائري ، ورسالة في جواز التوسل ، للشيخ المهدي الوازناني مفتي فاس ، ورسالة غوث العباد في بيان الرشاد للشيخ مصطفى الحمامي المصرى ، ورسالة البراهين الساطعة للعلامة الشيخ سلامة العزامي المتوفى سنة ١٣٧٩ هـ ، ورسالة النقول الشرعية في الردّ على الوهابية » للشيخ حسن الشطي الحنبلي الدمشقي  ،ورسالة في حكم التوسل بالأنبياء والأولياء ، للشيخ محمّد حسنين مخلوف  ،ورسالة المقالات الوفية في الردّ على الوهابية للشيخ حسن قزبك ، ورسالة الأقوال المرضية في الردّ على الوهابية للشيخ عطا الكسم الدمشقي ، والردود أكثر مما ذكر ، وقد اكتفينا بالإشارة ، وفي الملحق سيتم نشر أهم تلك الرسائل وما فيها من درر  وتحقيقات علمية ، ومن أقوال العلماء في بيان غلو الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه : قال زيني دحلان في الدرر السنية  : " كان محمد بن عبدالوهاب يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبة  : ومن توسل بالنبي فقد كفر ، وكان أخوه الشيخ سليمان ينكر عليه إنكاراً شديداً ، فقال لأخيه يوماً  : كم أركان الإسلام يا محمد ؟ فقال  : خمسة فقال أنت جعلتها ستة  : السادس  : من لم يتبعك فليس بمسلم ، هذا عندك ركن سادس للإسلام  ، ولما طال النزاع بينه وبين أخيه فخاف على نفسه ، فارتحل إلى المدينة المنورة ، وألّف رسالة في الرد على محمد بن عبدالوهاب وأرسلها له ، فلم ينته ، وألّف كثير من علماء الحنابلة وغيرهم رسائل في الردّ عليه وأرسلوها إليه ، فلم ينته " أهـ [ الدرر السنية في الرد على الوهابية ، ص ٣٩ ـ ٤٠ ] ، وقال جميل صدقي الزهاوي  : كان محمد بن عبدالوهاب يسمي جماعته من أهل بلده ، الأنصار; وكان يسمي متابعيه من الخارج ، المهاجرين; وكان يأمر من حج حجة الإسلام قبل اتّباعه أن يحج ثانياً قائلا إنّ حجتك الأُولى غير مقبولة لأنك حججتها وأنت مشرك ، ويقول لمن أراد أن يدخل في دينه  : اشهد على نفسك أنك كنت كافراً ، واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين ، واشهد على فلان وفلان ( يسمي جماعة من أكابر العلماء الماضين ) أنهم كانوا كفاراً ، فإن شهد بذلك قبله ، وكان يصرّح بتكفير الاُمة منذ ستمائة سنة ، ويكفّر كل من لا يتبعه وإن كان من أتقى المسلمين ، ويسميهم مشركين ، ويستحل دماءهم وأموالهم ، ويثبت الإيمان لمن اتّبعه ، وكان يكره الصلاة على النبي بعد الأذان ، وينهى عن ذكرها ليلة الجمعة وعن الجهر بها على المنابر ، ويعاقب من يفعل ذلك عقاباً شديداً ، حتّى أنه قتل رجلا أعمى مؤذناً لم ينته عن الصلاة على النبي بعد الأذان ، ويلبس على أتباعه أن ذلك كله محافظة على التوحيد  ،كان قد أحرق كثيراً من كتب الصلاة على النبي ، كدلائل الخيرات وغيرها ، وكذلك أحرق كثيراً من كتب الفقه والتفسير والحديث مما هو مخالف لأباطيله " أهـ [ الفجر الصادق ، ص ١٧ ـ ١٨ ] ،

[  30  ] تقييم مدى أصالة الحركة السلفية المعاصرة المنتسبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب : إنّ مسمَّى الحركة السلفية المعاصرة نقصد به امتداد المدرسة النجدية ، التي أسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد ، ثم انتشرت في انحاء العالم الإسلامي في مشارقه ومغاربه ، إن أكثر أصحاب هذه الحركة يعتبرون جماعتهم هي الامتداد الصحيح الوحيد للفكر الإسلامي السليم الذي ينبغي أن يكون عليه كافة المسلمين ، ومع ذلك فلا بد من التأكيد على وجود أخطاء منهجية في الفكر ، والتطبيق على السواء ، حيث تتسم تلك الحركة  على تنوع فصائلها العلمية والعملية والتراثية والجهادية بالجمود في التفكير ، وأنها ترى الحق حكرا عليها في آرائها العقدية الساذجة التي هي أقرب إلى السطحية  منها إلى العلم الراسخ المتخصص ، وفي آرائها الفقهية المتشددة المولعة بتحريم الحلال والتضييق على عباد الله فيما جعل الشرع الحكيم فيه سعة ودفعا للحرج ، كما أنّها تعمل جادة بلا هوادة على إحياء قضايا عقائدية خاطئة ، تشق بها وحدة المسلمين العلمية والعقدية ، وهم فيها ضد أهل التخصص وأهل العلم الراسخ والحق الزلال ، مثل إثبات العلو الحسي والفوقية المكانية ، ومثل المبالغة في شن الحرب على التأويل السائغ الذي لا مفر منه للجمع الصحيح بين النصوص المتشابهة وحملها على أمهاتها من المحكمات شأن كل أهل العلم الراسخين فيه ، لقد دخلت الحركة السلفية المعاصرة بسبب التصورات الخاطئة في صراعات كبيرة مع بقية طوائف اهل السنّة والجماعة ، وزاد الطين بلة أنّهم تصوروا أنهم الأوصياء على الجميع ، فما فهموه هو الإسلام وهو الهدى والرشاد ، وما عارضوه فهو الضلال ، فشددوا النكير على المخالفين ، وصارت علاقتهم مع غيرهم من المسلمين علاقة التبديع والتاثيم والتفسيق ، ثم لم تلبث تلك الحركة السلفية المعاصرة أن انقسمت على نفسها إلى سلفية جهادية أُبتليت بالغلو في تكفير المخالفين ، ولو كانوا من السلفية نفسها ، والسلفية المُدخلية والجامية التي تُبدع المجاهدين والدعاة والمصلحين ، والسلفية العلمية التراثية التي تستخرج من بطون الكتب الكثير مما يثير الخلاف ويشق الصف ، والسلفية العلمية الحسبية والسلفية العملية الدعوية والسلفية العملية القطبية والسلفية القبورية ، والسلفية الحاكمية ، والسلفية السرورية ، وهكذا انشطرت السلفية إلى عشرات الطوائف والفصائل ، أكثرها يبدع أكثرها ، وبعضها يكفّر بعضها ، والعلاقة السائدة بينها هي علاقة العداوة والبغضاء بدلا من المحية والإخاء ، إنّ السلفية الحقة هي امتثال هذا الدين بأخلاقه ومبادئه وعقائده وشرائعه ، والرجوع في فهمه والعمل من أجله إلى السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، إنّ أهم ما يميز السلفيين الصادقين هو الرجوع إلى  الكتاب والسنة والتمسك بهما ، والاستعانة على فهمهما بما كتبه المتخصصون من أهل العلم السائرين على منهاج الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ، ولاشك أنّ  : للحركة السلفية المعاصرة دورها في الصحوة الإسلامية ، ولكنها مع ذلك تورطت في أخطاء كثيرة ، لابد من تصحيحها ، ومن تلك الأخطاء المنهجية  : ( 1 ) الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وأدى ذلك إلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى  ،وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ، ( 2 ) الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة ، بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون ، قد يكون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظرة إلى تاريخ ابن غنام وغيره ممن أرخ لتلك الفترة نعرف مدى صحة ذلك ، ( 3 ) الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا ، والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج ، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، وأدى ذلك إلى جواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرون ، وتحويلهم إلى أشلاء ، وما أدبيات السلفيات القتالية والجهادية عن ذلك ببعيد ، ( 4 ) الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة ، في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، ( 5 ) غلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ، ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل ، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله ، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج ، ( 6 ) إهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد ، واعتبارها من علوم اليونان ، وهم لا يعلمون  : لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان  ،( 7 ) عدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة ، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه ، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، وذلك في قوله تعالى  : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران  : 7 ] ، ( 8 ) الذهول عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية ، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم ، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة - وهم أهل السلف الحقيقيون - بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم ، ( 9 ) بعث بعض مفردات مذهب الحشوية والخطأ بنسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعله بديل لكافة التخصصات العلمية ، ومن ثم بعث بعض كتب الحشوية والمجسمة من جديد وإعادة طباعتها على أنها تمثل مذهب السلف والأثر ، وهم منها براء  ، وهل كان السلف مجسمة أو مشبهة وحاشاهم من ذلك  ،( 10 ) الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة  ، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق ، ( 11 ) إهمال مناهج التربية والتزكية ، ومن ثم كانت النفسية التي تتسم بالغلظة والقسوة وغمط طوائف أهل السنّة والجماعة الأخرى واحتقارهم وتبديعهم والجفاء عند معاملتهم ، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا ، ( 12 ) شن الحروب التي لا داعي لها - بين الحين والآخر - على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم ، وصقلت مدارسهم الفقهية  على مر عصور الإسلام  كل ما يتعلق بالفقه ومسائله ، فأيهما أجدى البناء على ما بناه أولئك الاكابر فيرتفع البناء عاليا ، أم هدمه والتشكيك فيه ، مع استحالة إتقان ما أتقنوه ، واستيعاب ما استوعبوه ، وبناء ما بنوه  ،( 13 ) شن الحروب على التصوف برمته ، صالحه وطالحه ، بدعوى أن له أصول من اليهودية أو النصرانية أو البوذية ، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال ، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين وبين الأدعياء ، مع أنه قد مرت عصور كاملة ، وقرون تامة ، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية ، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله ، فهل جميع أولئك على ضلالة ، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك ، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية ، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة  ،( 14 ) أمر خطير يمثل خطرا على صفاء منهاج السلفية ، ألا وهو اعتماد كلام الشيخ ابن تيمية وكأنه - وحده - المتحدث الصحيح  عن كافة طوائف أهل السنة والجماعة ، واختزال آراء من خالفوه في كثير من المسائل ، وكانوا وقتها يمثلون جمهور أمة الإسلام بمن فيهم الحنابلة ، فقد خالفوه في مسائل عديدة ، ولا شك أنه لم يكن متخصصا في كل ما تكلم فيه ، وقد ذهل بالكلية عن قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ، والتي بسبب ذهوله عنها هجم على أهل الفقه الأكبر في العقيدة ( الأشاعرة والماتريدية ) وانتقص من كبرائهم - مفاخر العلم -  انتقصهم بغير حق  ،كما أنه غاب عنه مذهب السلف الحقيقي في المتشابه ( الذي هو تفويض العلم به إلى الله ) وظنه إثبات اللفظ الظاهر على حقيقته وتفويض الكيفية ، فاقترب من الحشوية الجهلاء ، وظلم مذهب السلف والخلف ، واتهم مذهب السلف الصحيح الحقيقي ( تفويض العلم بالمتشابه ) بأنه شر المذاهب وأنه مذهب أهل الجهل ، ولذلك لم يسلم منه الكثير من علماء أهل السنة الأعلام ، وأدي ذلك إلى أن خاض في المتشابه على طرائق الحشوية والمشبهة واقترب منهم ، كما أن له تعميمات يعوزها الدقة والتمحيص ، وتمثل خطراً على صفاء منهج السلف الصالح ، كادعائه بأنه لم ينقل عن السلف الصالح تأويل شيء من المتشابه ، وبالتالي اتهم بالبدعة في الدين والخروج عن منهج السلف كل من أول شيئاً من المتشابه ، وطار بهذا التعميم الركبان في كل واد ، مع أنه ثابت في التفسيرعن حبر الأمة وترجمان القرآن  عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعن كثير من التابعين وتابعي التابعين والأئمة العلماء  ،وليس تأويلهم لهوى أو بدعة وحاشاهم من ذلك ، وإنما هو لضرورة منع اتباع العامة للمتشابه ، وضرورة حمل المتشابه على أمهاته من المحكمات ، لحفظ عقائد المسلمين من التشبيه والتمثيل ، كما أنه - ابن تيمية رحمه الله - تشدد في مسائل الزيارة والتبرك والوسيلة على غير طريقة الفقهاء ، وتشدد على طوائف الصوفية من أهل السنة والجماعة بحق أحياناً وبغير وجه حق أحيانا ، ونحن لا ننقصه حقه كأحد العلماء المصلحين ، ولكن أن ننجرف مع أخطائه وتشدداته وتعميماته ، فهذا لا يرضاه العلماء المنصفون من أهل السنة والجماعة ، وهذا ما يأباه منهج التصحيح والتجديد ، الذي يأخذ من كل عالم أحسن ما اجتهد فيه ، ويصحح ما أخطأ فيه ، سعياً وراء الإنصاف والتصحيح والتجديد ، ( 15 ) يرى أتباع السلفية المعاصرة أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة ، مع أنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر ابن تيمية ومدرسته ، وهكذا تم اختزال كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء ، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية الاخرى -  والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام -  ، بل وقياس قربهم وبعدهم  عن أهل السنة والجماعة بهذه المقاييس الانحيازية ، مما يمثل خطرا على سعة الدين واحترام تخصصاته العلمية   ،( 16 ) الخطأ العلمي القائم على احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط ، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي ، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء ابن تيمية ، وآراء محمد بن عبد الوهاب  المؤسس الثاني لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر ، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل ، ولاشك أنّ أهل السنة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة ، ولكن ينبغي مناقشة آرائهم جميعها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف ، ومدى قربها أو بعدها عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم ، ( 17 ) الخطأ في فهم المقصود بالخيرية التي وصفت بها قرون السلف الأولى ، قد اساء بعض المنتسبين إلى السلفية فهم الخيرية المنصوص عليها في احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ظاناً أنّ الخيرية اقتصرت على القرون الثلاث الاولى فقط ، فاتجهوا الى رفض ومعارضة كل رأي او فهم يأتي من خارج دائرة القرون الثلاث الا بانتقاء الآراء بعد ذلك من العصور المتأخرة ، والحقيقة التي يجب معرفتها  : أنّ الخيرية لم تكن في جميع من عاش القرون الثلاث الاولى بل الخيرية كانت في العموم والمجموع الغالب ، ثم ظهرت التخصصات العلمية بعد ذلك مستمدة أصولها من علماء تلك الحقبة المباركة من عصور الإسلام ، فليس المقصود بالخيرية رفض كل صحيح بعدها ، وهذا هو الخلل في فهم الخيرية ، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم ، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي ، ففي القرن التالي لعصور السلف ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد ، وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة ، وانتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها ، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين ، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم ، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم ، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم ، وامتزجت علومهم ، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام ، ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل التقديس والتنزيه ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول ، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة  ، وهي المدرسة الأثرية وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، والمدرسة الأشعرية وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، والمدرسة الماتريدية وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، ومع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية ، وبالقلب والهمة ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص ، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، ( 18 ) الخطأ والخطر في تقديم مؤسسة واحدة ( السلفية بمفرداتها التي اشتهرت بها ) على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ، لقد كان السلف الصالح هم خير قرون الإسلام علما وعملا ، وفقها وفهما ، وهم أعلم الناس بدين الله عز وجل وأرسخ الناس إحاطة بعلومه وجوانبه وأقل الناس تكلفا في أمره وأبعد الناس غلوا في فهمه أو تفريطا في القيام بجوانبه ، واهل السنة والجماعة يعرفون لسلفنا الصالح فضلهم ويسيرون على هديهم ومناهجهم فإنهم كانوا على الهدى القويم والصراط المستقيم ، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم ، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وابداعهم الفكري ، وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية ، إن الحركة السلفية المعاصرة تعيش أزمة منهجية عقدية علمية عملية ، وصارت في امس الحاجة إلى مراجعات عقائدية وفقهية وتزكوية صحيحة ، وإلى مراجعات علمية وعملية جادة من أجل تصحيح المسار ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

عدد الزيارات 1

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا