العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الخامس : ( علم الاتباع ) وذلك للقضاء على جانب الغلو في التبديع ( أ ) مميز


الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 19:05 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الخامس : ( علم الاتباع ) وذلك  للقضاء على جانب الغلو في التبديع ( أ )

[  1  ]  علم السنة والبدعة علم عظيم وضروري تزداد أهميته في هذا الزمان لمزيد حاجة المسلمين إلى معرفة إطار أهل النجاة ( أهل السنة والجماعة ) في زمان اشرأبت فيه أعناق أهل البدع والضلالة ، ولاشك أن علم الاتباع وفقه مسائل وأحكام السنة والبدعة ، في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ، علم عظيم ومهم في حفظ الدين وحفظ حرمات المسلمين لأن التهاون في هذا الباب يؤدي إلى ضياع معالم الدين ولأن التنطع فيه يؤدي إلى إنتهاك حرمات المسلمين وتبديع من ليس بمبتدع ، والتبديع سلاح خطير ، وإذا كان الخوارج قديما قد سلوا سيف التكفير على أمة الإسلام فإن هناك طوائف عديدة ممن إبتلوا بهوس البدعة ولم يشموا رائحة الفقه في الدين وخلطوا بين أمور الإبتداع وأمور الخلاف في الإجتهادات الفقهية بسبب أصول ضيقة أصلوها بأفهامهم السقيمة ، حتى صار كل منهم يبدع الأخرين على أقل الخلاف وأيسره ، وفي المقابل أبتليت الأمة أيضا بمن تساهل وترخص ترخصا مرذولا في أمر الإتباع والإبتداع حتى هان في عينه علم السنة والبدعة نسأل الله السلامة ، ولهذا كان لزاما على الفقيه الحريص على أمة الأسلام أن يستخلص من أدلة الكتاب والسنة ومن جهود الفقهاء على مر العصور القواعد والضوابط التي تضبط مسائل الإتباع والإبتداع مراعيا الإعتدال والإنصاف بعيدا عن التنطع الممقوت والتساهل المفرط المرذول ،

[  2  ]  من أهم الأهداف الشرعية من بيان : علم السنة والبدعة : هو القضاء على فوضى التبديع والرمي بالبدعة بين طوائف أهل السنّة والجماعة ، وبيان فقه الاتباع والابتداع والحدود الشرعية لكل منهما ، وتحقيق الاعتدال الشرعي في مسائل الاتباع والابتداع ، والتأكيد على حُرمة أهل ( لا إله إلاّ الله محمـد رسول الله ) وحفظ حقوقهم الشرعية دون تعدي على أحد منهم بتبديع لا يستحقه أو ظلم لا يُـناسبه ، وتتبع جذور الغلّو في مسائل التبديع واجتثاثها من أصولها ، ومنع الغلّو  في تبديع أهل القبلة أو التعجل فيه دون اتباع ضوابط أهل العلم الصحيحة في مسائل وأحكام البدعة ، مع بيان الفهم الصحيح لبدعة الضلالة ، والفوارق بينها وبين السنّة الحسنة ،  وبيان من هم المبتدعة ومتى يُتهم المرء ببدعة الضلالة ومتى لا يُـتهم ، وذلك لأننا رأينا في زماننا هذا كثير من المائلين إلى التبديع الجانحين إلى الزيادة فيه يرمون علماء أهل السنّة بالبدعة وما ذلك إلاّ لعدم تحقيقهم لمسائل وأحكام السنّة والبدعة ، بل وعدم فهمهم لحقيقة مذهب أهل السنّة والجماعة في باب السنّة والبدعة ، ومن أهم الأهداف الشرعية من بيان : علم السنة والبدعة : وضع القواعد والضوابط الجامعة لفقه مسائل البدعة عند أهل السنّة والجماعة ، وتنزيل فقه البدع على الواقع مع أمثلة عملية لذلك كثيرا ما شقت صفوف الفكر الإسلامي المعاصر بسبب عدم تأصيل باب السنّة والبدعة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، كمسائل المولد النبوي ، والذكر الجماعي ، ومن أهم الأهداف الشرعية من بيان : علم السنة والبدعة كذلك : تأصيل مسائل السنّة والبدعة على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة والتي تتميز بوضوح الأحكام وسهولة إدراكها وتطبيقها  وذلك حتى يتيسر لطالب العلم جمع أهم مسائل وأحكام الإيمان مجتمعة متكاملة في مؤلف واحد ، وأظنه ثغرٌ يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين عموماً وعن طلاب العلم على وجه الخصوص ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة والجماعة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب ،

[  3  ]  أهم ما يشتمل عليه علم الاتباع من أقسام ومباحث :  ( القسم الأول ) : بيان فقه الآيات والاحاديث الواردة في مسألة البدعة ودرر من أقوال الفقهاء في فقهها ، وبيان القواعد والضوابط الجامعة لفقه مسائل البدعة عند أهل السنّة والجماعة ، والتوفيق بين أقوال الفريق المانع والفريق المجيز للبدعة الحسنة بما يضبط قواعد البدع عند الفريقين ، ويجعل الخلاف لفظياً لا حقيقة وراءه إلا في أذهان الغلاة والموتورين ، ( القسم الثاني ) : قواعد وضوابط مهمة لفقه مسائل البدعة عند أهل السنّة والجماعة ، وقد اشتمل على بيان فقه أهل السنة والجماعة السديد في مسألة الترك وضابطها الرصين ، وفي مسالة العمل بالحديث الضعيف وعدم جواز تبديع القائل به ، وفي تقدير مسألة البدعة الإضافية ، وفي التحذير من الإسراف في تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة ، وفي التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية ، وفي بيان أن كل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع المقصود به بدع الاعتقاد التي تشق صف الأمة ، ولا يُحمل على الخلافات الفقهية أبدا ، وفي بيان أنه لا تبديع ولا تفسيق في المسائل الخلافية بين المذاهب المعتمدة ،  ( القسم الثالث ) : أهم رؤوس البدع الضالة التي تمثل خطرا على إطار اهل السنّة والجماعة الناجية ، وهي : الخروج والتشيع والاعتزال والحشو والإرجاء والتجهم ، وبيان أبرز ضلالات تلك الفرق الضالة ، ( القسم الرابع ) : درر من مباحث وأقوال العلماء والفقهاء في تجديد وتهذيب مفهوم البدعة بما يمنع من الغلو في هذا العلم  ،  ( القسم الخامس ) : فقه تنزيل أحكام البدع العملية على الواقع ، مثل مسائل : مدى شرعية الاحتفال بالمولد النبوي ، والذكر الجماعي ، والمبالغة في التعبد والتراويح عشرون ركعة ، والصلاة على الرسول عقب الآذان بصوت مسموع ، وأذكار ختم الصلوات الجماعية ، والمصافحة عقب الصلاة ،  ( القسم السادس ) : مسائل فقهية خلافية قال بها أتباع المذاهب الفقهية الأربعة ، لا يجوز بحال تبديع فاعلها  ، ويشمل على تحقيق القول في التوسل ، والتبرك ، وشد الرحال إلى زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم ،  ( القسم السابع ) : منهج أهل السنّة والجماعة في تقسيم البدع وفق قدرها ، وفقههم في التعامل مع أهل البدع على اختلاف درجات بدعتهم  ، فهذه أقسام سبعة يتناولها التجديد في علم الاتباع وفقه مسائله وأحكامه  ،  

[  4  ]  القرآن الكريم كتاب الله تعالى الذي فيه الهداية لمن أراد الهدى والرشاد أشار إلى أمرين يتعلق كلاهما بالبدعة ، ( الأمر الأول ) : اكتمال الدين وإلى ذم البدع والتحذير منها أيما تحذير ، و ( الأمر الثاني ) : أشار إلى إمكانية الإحداث في الدين بما يوافق أصوله وقواعده وقبول الله تعالى لهذا الابتداع ، وكذلك السنة النبوية الشريفة جانب من أحاديثها الثابتة أشار إلى عموم ضلالة البدعة وانها سيئة ، وجانب آخر من أحاديثها الصحيحة أشار إلى تقسيم المحدثة إلى حسنة توافق السنة وسيئة وتخالف السنة ، وقد تمسك فريق بالجانب الأول فذمّ البدع جميعها وجعلها من باب الضلالة ، ووضع لها من الضوابط والقيود  ما يخرج من تعريفها ما كان له أصل من الكتاب والسنة ، وتمسك الفريق الثاني بالجانب الآخر وقسم المحدثات إلى حسنة توافق القرآن والسنة وأخرى سيئة تخالف القرآن والسنة ، ووضع لها الضوابط والقيود بما يضمن للدين صفاءه وبراءته من بدع الضلالة وكلا الفريقين يستضيء  بهدي الكتاب والسنة ، والآن نشرع في تفصيل هذا الإجمال ،

[  5  ]  فقه الآيات الواردة في ذم البدعة وتحذر منها : هناك نصوص عديدة في القرآن الكريم تحذر من البدع والإبتداع في الدين منها : قوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ سورة المائدة الآية 3 ] ، وفي الآية يمتن الله تعالى على عباده المسلمين بكمال الدين وتمام النعمة به ، وقوله تعالى : { وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللّهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقوا واذكُروا نِعمَةَ اللّهِ عَليكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعمَتِهِ إخْوانا } [ آل عمران|103 ] ، وهذه تأمرنا بالاعتصام بدين الله تعالى وعدم التفرق فيه ، وقوله تعالى : { وأن هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ سورة الأنعام الآية 153 ] ، وهذه الآية تأمرنا بإتباع الصراط المستقيم صراط الله تعالى وصراط رسوله صلى الله عليه وسلم وتنهى عن إتباع السبل المخالفة لسبيل الكتاب والسنة لأنها تؤدي إلى التفرق المذموم ، وقوله تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ سورة الحشر الآية 7 ] ، هذه الآية تأمرنا بإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر والانتهاء عن ما عنه نهى وزجر ، وقوله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ سورة النور الآية 63 ] ، هذه الآية تحذرنا من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } [ آل عمران : 105 ، 106 ] ، هذه الآية تنهانا عن التفرق في الدين وتحذر أهل البدعة من عذاب عظيم يوم القيامة ، يوم تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة والضلالة ، وقوله تعالى - في ذم البدع وأهلها - : { مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ  } [ الروم أيه 32 ] ، هذه الآية تصف أهل البدعة بأنهم فرقوا دينهم وكانوا كل حزب منهم بما لديه من الضلالة فرحون ، وقوله تعالى - في ذم البدع وأهلها - : { إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِـي شَـيءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ } [ الاَنعام : 159 ] ، تنذر بالبراءة من أهل البدع والضلالة ،  إن كل هذه الآيات إنما تدل على خطورة الابتداع ، وتنهى عن البدع والمحدثات في الدين ولكن ينبغي أن نفقه ضوابط هذا النهي ، وأن نراعي الفقه المتعلق بهذه الآيات :  (  أ  ) الآية الكريمة { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } لا يُفهم منها أن نصوص الكتاب والسنة قد أحاطت بكل الجزئيات ، وإنما أحاطت بالأصول ، فهذا مما اتفق عليه فقهاء أهل السنة والجماعة أن نصوص الكتاب والسنة أحاطت بأصول المسائل وطرق الاستنباط بل وكثير من الجزئيات ولذلك اعتمدوا القياس كأصل رابع للإجتهاد بعد الكتاب والسنة والإجماع ، ، وعلى أهل العلم أن يستنبطوا من نصوص الكتاب والسنة ما يحقق مقاصدهما بما يتفق وروحَ هذين المصدرين الكتاب والسنة ، ومن الأدلة على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله فرض فرائض وفيه : (( وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان )) ، [ حسّنه النووي في " الأربعين النووية " وفي " الإيمان لابن تيمية بتعليقات الألباني" : ص  43 ] ،  إذن معنى الآية الصحيح أن الله تعالى أكمل لنا قواعد الدين وأصوله ومبادئه ، وترك لفقهاء الإمة المجتهدين أن يستنبطوا منها الحكم الشرعي الذي يلائم كل محدثة تجد على حياة المسلمين ،  وهذا يدل على صواب من استدل بالآية على تبديع وتضليل كل محدثة في الدين ليس لها أصل في دين الله ،  وخطـأ من استدل بالآية على تبديع كل محدثة في الدين ولو كانت مستمدة من أصول الدين وقواعدة لأنه باتفاق علماء أهل السنة أن من شروط البدعة أن لا يكون لها أصل من كتاب الله لقوله صلى الله عليه وسلم : (( من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد ( ) [ متفق عليه ، صحيح البخاري مع الفتح 6 : 230 ، صحيح مسلم مع شرح النووي 3 : 379 ] ، قال ابن رجب " وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء " [ جامع العلوم والحكم ص 81 ] ، وقال ابن حجر " وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده , فإن معناه : من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه " [ فتح البارى ] ، ( قلت ) ومما يستفاد من الحديث الشريف معرفة شرطين للبدعة : الأول : أن ينسب إلى الدين ، والثاني : أن لا يكون له أصل من دين الله يشهد له الحديث ، فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا ) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( ما ليس منه ) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه ،  ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم ( فهو رد ) ،  (  ب  ) جميع الآيات تتحدث عن المحدثات التي تتناول بدع الضلالة التي تؤدي إلى ظهور الفرق الضالة كبدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة والمرجئة وغيرهم ، كقوله تعالى : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } [ آل عمران : 105 ،106 ] ، قال ابن كثير في تفسيرها : " ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم ، .. وقوله تعالى : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } يعني : يوم القيامة ، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة ، قاله ابن عباس ، رضي الله عنهما ) أهـ ، فالمقصد من الآيات البدع التي تخالف منهاج أهل السنّة وتوافق أهل الفرق الضالة ، كما وجدنا عند الخوارج وبدعة الخروج وتكفير المسلمين ، وبدعة التشيع وتضليل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خير الأصحاب رضي الله عنهم وارضاهم ، وغير ذلك من بدع الضلال ،

[  6  ]  فقه الآيات الواردة في الإشارة إلى إمكانية الإحداث في الدين بما يوافق أصوله وقواعده وقبول الله تعالى لهذا الابتداع ، قال تعالى : { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } [ الحديد : 27 ]   فالآية تعبّـر عن الرهبانية بأنّها كانت من مبتدعات الرهبان ولم تكن مفروضة عليهم من قبل ، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم ابتغاء مرضاة الله ،وأن الله تعالى قد تقبل منهم هذه البدعة وألزمهم به ،  وقد فهم الكثير من المفسرين أن الآية الكريمة تشير إلى قبول بدعتهم من غير ذم لها وإنما الذم لاولئك الذين لم يؤدوها حقها ، ومن هؤلاء المفسرين الإمام القرطبي وابن الأثير والرازي وغيرهم ، قال القرطبي في تفسير الآية " قوله تعالى) : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله( الآية ، يقول : ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها المتأخرون حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم يعني الذين ابتدعوها أولا ورعوها وكثير منهم فاسقون يعني المتأخرين ، ... وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة ، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه ، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية . وعن أبي أمامة الباهلي - واسمه صدي بن عجلان - قال : ( أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم ، إنما كتب عليكم الصيام ، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه ، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ، ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ، فعابهم الله بتركها فقال : { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها } ) أهـ [ تفسير القرطبي : ج 17 : 264 ] ، والقرطبي يشير إلى أن الله تعالى تقبلها منهم وأوردها في سياق المدح لا الذم لانه سبحانه قرنها بما أمتدحهم به من الرأفة والرحمة وأنه سبحانه تقبلها منهم وإنما عاتب من أهملها ولم يراعها حق رعايتها من طاعة الله والتقرب له ويشهد لذلك قوله رحمه الله " وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة ، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه ، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية" أهـ ويؤيد ما ذهب إليه ويؤكده بما ذكره من الأثر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه حيث قاس ما أحدثه المسلمون من قيام رمضان على ما أحدثه النصارى من الرهبانية وأمر بالمداومة عليه حتى لا يعاتبوا على تركه ويشهد لذلك قوله رضي الله عنه " أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم ، إنما كتب عليكم الصيام ، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه ، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ، ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ، فعابهم الله بتركها فقال : { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها  } ) أهـ ، وبمثل ما مال إليه القرطبي قال العلامة الألوسي في تفسير الآية  " وليس في الآية ما يدل على ذم البدعة مطلقاً ، والذي تدل عليه ظاهراً ذم عدم رعاية ما التزموه " أهــ ، وقريب منه ما قاله الفخر الرازي في تفسير الآية " المسألة الخامسة : لم يعن الله تعالى بابتدعوها طريقة الذم ، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ؛ ولذلك قال تعالى بعده ( ما كتبناها عليهم )  " أهـ ، ويؤيده ما قاله الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير : " وإنما عطفت هذه الجملة ( ورهبانية ابتدعوها ) على جملة (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ) لاشتراك مضمون الجملتين في أنه من الفضائل المراد بها رضوان الله ، والمعنى : وابتدعوا لأنفسهم رهبانية ما شرعناها لهم ، ولكنهم ابتغوا بها رضوان الله ، فقبلها الله منهم؛ لأن سياق حكاية ذلك عنهم يقتضي الثناء عليهم" أهـ ،  وهذه الآية الكريمة استدل بها الفريق الذي قسم المحدثات إلى قسمين : ( القسم الأول ) : البِدْعَةُ الحَسَنَةُ : وتُسَمَّى السُّنَّةَ الحسَنَةَ ، وهي المُحدَثُ الذي يُوافِقُ القُرءانَ والسُّنَّةَ ، و ( القِسْمُ الثَّاني ) : البدْعَةُ السَّيّئَةُ : وهي المُحْدَثُ الذي يُخَالِفُ القُرءانَ والحَدِيثَ ، وهو الذي جاء فيه قول الشافعي رحمه الله : البدعة بدعتان : بدعة  خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله ، وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه [ رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل ] ، وعند تدبر الآية الكريمة ، نجد أنّ الرهبانية عبادة ابتدعها النصارى ابتغاء رضوان الله ، ولم يعترض القرآن الكريم على هذه البدعة ، بل أشارت إلى أنّ الله تعالى تقبل هذه البدعة منهم ، كما لم تتضمن الآية أي معنى صريح للذم لأولئك الذين ابتدعوها ابتغاء مرضاة الله ، بدليل قوله تعالى : { فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ  } ، ولكن لحق الذم أولئك الذين لم يراعوها حق رعايتها ، ، كما يُفهم من الآيات أنّ الله سبحانه وتعالى قد تقبل منهم هذه البدعة ، وأمرهم بالدوام عليها وعدم تركها ، وجعلها في حقهم كالنذر الذي من ألزم نفسه به فعليه القيام به ، وعدم تركه والتهاون فيه ، وإلا فإنه يلام على عدم الوفاء به ، ويُفهم منها أنّ الذم غير متوجه لمحدثي البدعة وإنما لأولئك الذين لم يراعوها حق رعايتها ،

[  7  ]  فقه الأحاديث الواردة في ذم البدعة : هناك نصوص عديدة في السنة الصحيحة  تحذر من البدع والإبتداع في الدين ويفهم منها أن كل المحدثات في الدين بدع ضالة مردودة على أصحابها وأصول تلك الأحاديث هي : قوله صلى الله عليه وسلم : (( أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدَثاتها ، وكل محدَثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة )) [ أخرجه مسلم ] ، وفي رواية عند النسائي بزيادة ((أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدَثاتها ، وكل محدَثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة؛ وكل ضلالةٍ في النار)) [ أخرجه النسائي ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( فإن من يعش منكم؛ فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة  )) [ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (3 : 119) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد  )) [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )) [ أخرجه مسلم ] ، إلا أن هذه الأحاديث لابد من فقهها ومعرفة ضوابطها ومفاتيحها التي تساعد على فهمها الفهم الصحيح حتى لا نقع في الإفراط أو التفريط ،  ((  1  )) : فقه معنى الحديث الأول : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدَثاتها ، وكل محدَثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة؛ " وكل ضلالةٍ في النار" ) أخرجه مسلم [ صحيح مسلم بشرح النووي 2 : 464 ] ، هذا الحديث العظيم يستدل به البعض على ضلال كل محدثة في الدين وعلى أنه لا توجد بدعة في الدين تكون حسنة ، ووجه الدلالة فيه : أن لفظ ( كل )  في الحديث يفيد العموم فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ،  ولكن هل من الممكن أن تأتي ( كل ) على معنى الغالب والأكثر وليس جميع مفردات البدع والمحدثات ، وبالتالي يكون التحذير من بدع الضلالة التي تمثل غالب المحدثات والكثرة الكاثرة منها ، ولا يمنع ذلك من وجود محدثات لها أصل من الشرع وتدل على خير لا خلاف لأحد فيه ، فإنّ الذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك أن كلمة (( كل )) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، ففي الآية لا تستطيع أن تتصور شيئاً لا يدخل في عموم ما دخل عليه لفظ (( كل )) ، فالله تعالى بكل شيء عليم ، ويستحيل أن تتصور شيئاً لا يدخل في علمه تعالى ،، وقد تأتي (( كل ))  والمراد بها تعميم هو دون التعميم الشامل لكل ما يصدق عليه اللفظ ، ومن ذلك قوله تعالى : { بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ } ، أي تدمر كل شيء أرسلت بهلاكه ، لأنها لم تدمر هوداً عليه السلام ومن كان آمن به ، ولم تدمر مساكنهم ، وقال تعالى : { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } ، ( وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء ) أي من الأمور التي يحتاج إليها الملك في تدبير أمور المملكة ، وعلى هذا يمكن أن نفهم من قوله صلى الله عليه وسلم (( وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) هو الغالب أو العام المخصوص ، والمعنى أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً ، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة ، وإنّ من قواعد الأصول الثابتة أن في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من الكليات والعموميات ، من العام المخصوص ، أو العام الذي أريد به الخصوص ، والعموميات في الكتاب والسنة كثيرة وكلها دخلها التخصيص ، ومن العام الذي أريد به الخصوص قوله تعالى : { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى } [ النجم : 39 ]  مع أن هناك من الأدلة ما يبلغ التواتر في أن المسلم ينتفع بعمل غيره من إخوانه المسلمين ودعاء الملائكة ، كما هو كمقرر في الشريعة ، ويشهد لذلك حديث (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) ،  فإن قال قائل : لم لا نحمل هذا اللفظ الوارد في الحديث الشريف على العموم ؟ ! فالجواب : أنه إذا حملناه على العموم الشامل بإطلاق فإن هذا يؤدي إلى مخالفة ما كان عليه الهدي النبوي كما سيأتي عند بيان فقه قوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ )) [ أخرجه مسلم ] ، وقال النووي في شرح الحديث : " وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلّ مُحْدَثَة بِدْعَة وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة ) , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُحْدَثَات الْبَاطِلَة وَالْبِدَع الْمَذْمُومَة " أهـ ، وما فعله النووي هو الفقه في دين الله حتى لا تتعارض النصوص ويضرب بعضها بعضا ، والقاعدة الأصولية تنص على أن الجمع بين الادلة مقدم على الترجيح بينها ، وسيأتي مزيد بيان لهذا الأمر عند شرح قول عمر رضي الله عنه ( نعم البدعة هذه ) ،  ومن درر الفقهاء في فهم حديث ( كل بدعة ضلالة ) : يقول الإمام النووي في فقه الحديث ما نصه : " قوله صلى الله عليه وسلم : ( وكل بدعة ضلالة ) هذا عام مخصوص , والمراد غالب البدع ..  ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح : نعمت البدعة , ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا . قوله : ( كل بدعة ) مؤكدا ( بكل ) , بل يدخله التخصيص مع ذلك , كقوله تعالى : ( تدمر كل شيء ) " أهـ [ صحيح مسلم بشرح النووي 2 : 464 ] ، ويقول الإمام النووي رحمه الله عند شرح حديث (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) ما نصه : " وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم : (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) , وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة " أهـ ، ويقول السندي في شرح سنن النسائى في فقه الحديث  -  وهو يوضح ضابط البدعة  -  ما نصه : " (وشر الأمور محدثاتها) يريد المحدثات التي ليس في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة وهي المسماة بالبدع ، ويقول ابن حجر في كتابه فتح البارى : " قوله ( وشر الأمور محدثاتها إلخ ) و" المحدثات " بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث , وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع " بدعة " وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة , فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما , قال الشافعي : " البدعة بدعتان : محمودة ومذمومة , فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم " أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي , وجاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال " المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال , وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة " انتهى ، والمراد بقوله " كل بدعة ضلالة " ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام " أهـ ، إذن : من الدرر المستفادة من الحديث وأقوال الفقهاء عليه ، وتتمثل في أن الحديث من العام الذي يشمل غالب البدع ، وأنه يخرج من معنى الحديث كل محدثة لها أصل في كتاب الله ، وأن كل محدثة لها أصل في الدين لا تكون بدعة ضلالة ،  ((  2  ))  فقه معنى الحديث الثاني : قوله  صلى الله عليه وسلم : (( فإن من يعش منكم؛ فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة  )) [ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان وغيرهم وقال الترمذي حديث حسن صحيح وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (3 : 119) ، وانظر عون المعبود 11 : 234 ، وتحفة الأحوذي 7 : 365 ، وصحيح ابن حبان 1 : 178 ، والفتح الرباني 1 : 188 ، والمستدرك 1 : 288 ] ، ومن درر الفقهاء في فهم الحديث : ( وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَات الْأُمُور إِلَخْ ) : قال الحافظ ابن رجب في كتاب جامع العلوم والحكم : " فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله " كل بدعة ضلالة " والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه , وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة " أهـ ، ( قلت ) : وهاهنا اجمل الدرر المستفادة من الحديث ومن فقه الحافظ ابن رجب عليها ، وتتمثل في : أنّ كل محدث له أصل من شرع الله فلا يكون بدعة شرعية ( بدعة ضلالة) وإن كان يطلق عليه بدعة لغة ، وأنّ كل ما أحدث من الدين وليس له أصل في شرع الله فهو بدعة ضلالة لا يختلف على ذلك فقيهان ،  ((  3  )) : فقه معنى الحديث : ( من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد  ) متفق عليه ، وفي رواية مسلم  -  ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )  رواه مسلم [ صحيح مسلم مع شرح النووي 3 : 380 ] ، ومن درر الفقهاء في فهم الحديثين : قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه : " وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث " الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء " [ جامع العلوم والحكم ص 81 . ]  فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين ولم يأذن بها الله ورسوله ، وقال بن حجر في فتح البارى في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه : " وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده , فإن معناه : من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه . " فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه ، ( قلت ) : وهاهنا اجمل الدرر المستفادة من الحديث : أنّ هناك شرطين للبدعة الضالة عند الحافظ ابن رجب وهما أن أن تضاف إلى الدين ولم يأذن بها الله ورسوله ، وأنّهما نفس الشرطين للبدعة الضالة عند الحافظ ابن حجر وهما أن تضاف إلى الدين وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه ، ونستفيد معرفة الشرطين من الحديث الشريف فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين ،وقوله صلى الله عليه وسلم ( ما ليس منه ) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه . ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم ( فهو رد )  ، 

[  8  ]  من الأحاديث الدالة على إمكانية وجود البدعة الحسنة : ( 1 ) ما أخرجه مسلم في صحيحه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ )) ، وفي رواية أخرى : (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)) ، وفي رواية أخرى : (( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ ))  ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ ، قال النووي : في شرح الحديث : " وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم  كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) , وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة " أهـ ، وقال أيضا : " قوله صلى الله عليه وسلم : ( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة ) الحديث وفي الحديث الآخر ( من دعا إلى الهدى ومن دعا إلى الضلالة ) ،  هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة , وتحريم سن الأمور السيئة , وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه , أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه , سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه , أم كان مسبوقا إليه , وسواء كان ذلك تعليم علم , أو عبادة , أو أدب , أو غير ذلك . قوله صلى الله عليه وسلم : ( فعمل بها بعده ) معناه إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته . والله أعلم ." أهـ ، وقال -  عند شرح حديث : ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ; لأنه كان أول من سن القتل ) - : " وهذا الحديث من قواعد الإسلام , وهو : أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة , ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة , وهو موافق للحديث الصحيح : " من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة " وللحديث الصحيح " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " وللحديث الصحيح : " ما من داع يدعو إلى هدى وما من داع يدعو إلى ضلالة " . والله أعلم ." أهـ ، وجاء في تحفة الأحوذي بشرح الترمذى : قوله : ( من سن سنة خير ) وفي رواية مسلم : من سن في الإسلام سنة حسنة أي أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة أي طريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين. " أهـ ،  ( 2 ) وما أخرجه مسلم كذلك في صحيحه : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا )) ،   ( 3 ) وأخرج ابن ماجة في سننه : عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا)) ، وقال السندى في شرح الحديث : " قوله ( سنة حسنة ) أي طريقة مرضية يقتدي فيها والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها " أهـ ،  ( 4 ) وأخرج البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ : عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله  ) [ صحيح البخاري مع الفتح 5 : 155 ] ، قال بن حجر في شرح الحديث : قوله : ( قال عمر نعم البدعة ) في بعض الروايات " نعمت البدعة " بزيادة تاء , والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق , وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة , والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة " أهـ. [ صحيح البخاري مع الفتح 5 : 155-156 ] ، وجاء في المنتقى شرح المؤطأ : فقال نعمت البدعة هذه ، وهذا القول تصريح من عمر رضي الله عنه بأنه أول من جمع الناس على قيام رمضان على إمام واحد بقصد الصلاة بهم ورتب ذلك في المساجد ترتيبا مستقرا لأن البدعة هو ما ابتدأ فعله المبتدع دون أن يتقدمه إليه غيره فابتدعه عمر وتابعه عليه الصحابة والناس إلى هلم جرا وهذا أبين في صحة القول بالرأي والاجتهاد وإنما وصفها بنعمت البدعة لما فيها من وجوه المصالح التي ذكرناها " أهـ ،  ( 5 ) وأخرج الترمذى في سننه : عن كثير بن عبد الله هو ابن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث : (( اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال ما أعلم يا رسول الله قال إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي ، فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا )) ، قال الترمذي : هذا حديث حسن . وقال البغوي : هذا حديث حسن . وصححه الألباني [ انظر سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي 10 : 106-107 ، وسنن ابن ماجة 1 : 76 ، وشرح السنة للبغوي1 : 233 ، وصحيح سنن ابن ماجة للألباني 1 : 41-42 ] ، وجاء فِي الْمِرْقَاةِ في شرح الحديث " ( ومن ابتدع بدعة ضلالة ) قيد به لإخراج البدعة الحسنة " أهـ ،  ( 6 ) وأخرج ابن ماجة في سننه : حدثني كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص من أجور الناس شيئا ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص من آثام الناس شيئا )) ، قال السندى في شرح الحديث : قوله ( لا يرضاها الله تعالى ) هذا تقبيح للبدعة وإلا فكل بدعة كذلك بالمعنى الذي ذكرناه وهو ما لا يوافق أصول الشرع وقيل فيه تنبيه على أن من البدع ما يرضاها الله ورسوله كالتصنيف وبناء المدارس ونحو ذلك قلت وهذا مبني على أن البدعة مطلق الأمر المحدث بعده " أهـ ،  ( 7 ) وأخرج البخاري في صحيحه : عن رِفاعة بن رافع الزَّرقي قال : (( كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رفع رأسه من الركعة قال : " سمع الله لمن حمده" ، قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه ، فلما انصرف قال : " من المتكلم" قال : أنا ، قال : " رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" )) ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث : " واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور" اهـ [ فتح الباري : كتاب الصلاة (312 : 8) ] ، 

[  9  ]  موقف فقهاء الأمة من تلك الأحاديث : ( الفريق الأول من الفقهاء ) : يرى بأنّ كل المحدثات الدينية بدعة وأنها جميعها ضلالات ، وأنه لا توجد بدعة حسنة ولا يمكن تصور ذلك في الدين لأن الدين مكتمل ولا يحتاج إلى اي إضافة ، ويستدلون لذلك بالعديد من الآيات والأحاديث التي تدعم مذهبهم في ذم البدع والمحدثات ، ولكنّهم لفقههم في الدين جعلوا لكون المحدثة بدعة ضلالة ضابطان : ( الاول ) : أن يكون مجالها في الدين ، فالابتداع لا يكون إلا في الدين ، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع ، و ( الثاني ) : أن لا يكون لها أصل في الشرع ، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه ، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة ، وممن نُسب إليه هذا القول : إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله وعدد من المالكية والحنابلة والمحدثين منهم الطرطوشي والشاطبي ، وهؤلاء جعلوا لفظ البدعة يتعلق بالدين فقط ، ويحمل معنى الذم والضلال ، وفي المقابل وسعوا في معنى المصالح المرسلة ووضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشروطها الربانية الهادية التي  استنبطوها من فقه الكتاب والسنة ، الشرط الأول : أن تكون محدثة بعد زمن التشريع ، والشرط الثاني : أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى ، والشرط الثالث : أن تخالف الشرع ، والشرط الرابع : ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله  صلى الله عليه وسلم ، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة : ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين ، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع ، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست, أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف ، و ( الفريق الثاني من الفقهاء ، وهم جمهور الفقهاء  ) : يثبت وجود البدعة الحسنة ، ويجزم بأن الدين تام كامل بأصوله وقواعده ولكن هذه الأصول والقواعد أشارت إلى وجود المحدث النافع والبدعة الحسنة التي تعود على المسلمين بالخير والأجر ، واستدلوا لمذهبهم بالكثير من الأيات والأحاديث وأقوال الصحابة وأعمالهم ، وهؤلاء فهموا من أدلة الشرع ما يدل على تقسيم المحدث إلى حسن يوافق الكتاب والسنة وقبيح يخالف الكتاب والسنة ، وقالوا : أن الدليل الأول على تقسيم البدعة هو تقسيم الرسول صلى الله عليه وسلم لها بقوله ( من سن في الإسلام سنة حسنة .....ومن سن في الإسلام سنة سيئة ) ،  ويؤيده ما جاء عن فقيه قريش الإمام الشافعي الذي ملأ الأرض علما رحمه الله : حيث روى الحافظ البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل : قال الشافعي رحمه الله " البدعة بدعتان بدعة  خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه " أهـ ، ومن أكابر العلماء الذين نصروا هذا الرأي : الإمام الشافعي عالم الأمة الإمام القرشي المطلبي الذي ملأ طباق الأرض علما وبه قال عامة الشافعية والأحناف والمالكية وعدد من فقهاء الحنابلة ، وقد نقل الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي إجماع المالكية عليه في كتاب المعيار المعرب [ ج 1 : 357 ، 358 ]  وقال به الكثير من علماء الأمة والمحدثين ، منهم على سبيل المثال : الإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وسلطان العلماء الإمام العز بن عبدالسلام والإمام القرافي والفقيه الرباني الإمام النووي وأمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والإمام الزرقاني والأمام الكرماني وابن عابدين الشامي والإمام الحافظ ابن العربي المالكي والعلامة ابن الأثير الجزري والإمام شهاب الدين أبو شامة والإمام العيني وغيرهم كثير وهؤلاء هم ورثة النبوة وأركان العلم عند أهل السنة والجماعة فمن بدع هؤلاء الفقهاء في فهمهم لتقسيم البدعة فليراجع عقله أو يراجع دينه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وهؤلاء العلماء الربانيون وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا يُطلق على المحدثة في الدين لفظ الحسنة إلا بشروط ربانية هادية استنبطوها من فقه الكتاب والسنة ، الشرط الاول : أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه ، والشرط الثاني : أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ،  فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة ، والشرط الثالث : أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، وسيأتي تباعا بيان أقوال الجميع وأدلتهم على ما قالوا وما استنبطوا به شروطهم الضابطة لباب الاتباع والابتداع ، والفريق الأول حق بضوابطه ، والفريق الثاني حق بضوابطه ، ولكن الخلل في المعاصرين من الأتباع ، وذلك في عدم تطبيق القيود والضوابط فينفرط عقد البدعة ويحدث التشدد أو يحدث التساهل ،

[  10  ]  الخلل التبديعي يكمن في أنصاف المتفيقهين ممن لم يشموا رائحة الفقه في هذا الباب ، ولم يفهموا ضوابط البدعة ، أو لم يفعلوا تلك الضوابط ، وإنما يكمن العلاج في أمرين : أولهما : تفعيل الضوابط الفقهية السديدة للبدعة عند الطرفين وحينها ينتظم الأمر للجميع بوحدة علمية عملية صحيحة في مجال البدعة ، وذلك من خلال فقه الآيات والأحاديث ووضع الضوابط الصحيحة للبدعة من خلالهما بما يضبط أحكامها دونما غلو أو تقصير ، والثاني : حمل ذم الفريق الأول للبدعة على أنها بدعة الضلالة ( على المعنى الشرعي ) التي يكون مجالها في الدين ، ولا يكون لها أصل معتبر في الشرع ، وحمل مدح الفريق الثاني للبدعة الحسنة ( على المعنى اللغوي ) أو اسمها الحقيقي السنّة الحسنة ( على معناها الشرعي ) وذلك للحديث (( من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها )) بشروطها المعتبرة عندهم وهي أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه ، وأن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، فإن تم لنا ذلك صار الخلاف لفظيا ،

[  11 ]  مما يقرب الأمر بين فريقي أهل السنة بعد النظر إلى الضوابط الرصينة التي وضعها فقهاء كلا الفريقين لضبط مسائل البدعة مبادئ أهمها : ( أ ) أنّ الفريقين متفقان على أنّ أصول البدع الضالة التي تُخرج من إطار أهل السنّة والجماعة إنما هي الأصول العريضة التي قامت عليها فرق الضلال من الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة والمشبهة والمرجئة والجبرية ، ، وأنّ هناك أحيانا خلاف لفظي على مصطلح البدعة بين لغوي وشرعي يسبب الخلط أحياناً ، فما له أصل في الدين يسميه الفريق الاول سنة حسنة أو مصلحة مرسلة ، ويمتنع عليه تسميته بدعة لأن البدعة عنده لا تكون إلا سيئة ، أما الفريق الثاني وفق تعريفه اللغوي للبدعة فيسميه بدعة حسنة على غرار تسمية الفاروق رضي الله عنه لجمع المسلمين على إمام واحد في قيام رمضان يصلي بهم عشرين ركعة نعم البدعة هذه ، ويحدث الخلاف بسبب اختلاف التعريف ، ولذلك قيل : كم للتعاريف من جناية على الألفاظ ، ( ب ) أن الكل متفق على خطورة البدعة بمفهومها الشرعي المذموم الإحداث في الدين بما ليس فيه ، وأنّه أخطر على الدين من الفسوق والعصيان ، لأنّ مآله إلى تغيير معالم الدين وتحريف شرائعه ، ( ت ) أنّ الذين لم يقسموا البدعة إلى حسنة وسيئة ، أخرجوا كل محدث له أصل في الدين من مسمى البدعة وجعلوا له مسمى السنّة الحسنة ، وكل محدث يؤول إلى خدمة الدين والشرع بالمصلحة المرسلة ، (  ث  ) أن الذين قسموا البدعة لم يتناسوا التعميم الحادث في قول الرسول ( كل بدعة ضلالة ) ، فإنهم وإن خصصوه بأدلة من الشرع ولكن جعلوه من العام الذي يشمل غالب البدع وأكثرها إلا ما كان له أصل من الدين يشهد له وهذا وفق تعريف الفريق الأول يخرج من معنى البدعة لأنهم جعلوا من شروط البدعة أن لا يكون لها اصل من الدين ، (  ج  ) أن الدين تام كامل بأصوله وقواعده وليس بجميع الفروع والجزئيات إذ ليست محصورة ولم يقل بهذا فقيه قط والدين صالح لكل زمان ومكان والمحدثاث مستمرة لا تتوقف والفقه في الدين أن تعرض المحدثات على اصول الدين وقواعده  فما كان له أصل من الدين كان سنة حسنة وما ليس له أصل كان بدعة سيئة ، ( ح ) أن تطبيق القواعد الفقهية المقيدة والضابطة لمصطلح البدعة عند الفريقين سيؤول إلى نفس النتيجة عند تطبيقها التطبيق الصحيح على أرض الواقع ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، فالفريق الذي جعل كل محدثة بدعة ضلالة ، وضع لها القيود الهادية فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشروطها ، وأول تلك الشروط أن يكون مجالها في الدين ، فالابتداع لا يكون إلا في الدين ، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع ، والثاني : أن لا يكون لها أصل في الشرع يحث عليها ، فإن كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة بالاصطلاح المقصود ، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه ، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة ، والفريق الذي قسّم البدعة إلى حسنة وسيئة ، وضع لها القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بضوابط وشروط لابد منها ، تجعلها مقبولة في ميزان الشرع ، مندرجة تحت غطائه ، وليس الأمر بالتشهي ولا باتباع الهوى ، وهؤلاء الفقهاء وضعوا شروطا ثلاثة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بهذه الشروط التي استنبطوهما من فقه الكتاب والسنة هي : الاول : أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه ، والثاني : أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين.  فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة ، والثالث : أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، وبالنظر إلى ضوابط الطرفين من الفقهاء الذين في مجملهم يمثلون أهل السنة والجماعة ، وعند التزام تلك الضوابط فلن يكون هناك خلاف حقيقي بين الطرفين إلا في أذهان المتنطعين أو المتساهلين ،  ومع تطبيق تلك الضوابط المقيدة للبدعة عند كلا الطرفين وفقه مسائلها تقترب وجهات النظر إلى حد كبير ويضيق الخلاف في فروع البدعة ويؤول إلى خلاف فقهي ناشئ عن اجتهاد معتبر للمصيب فيه أجران وللمخطئ فيه أجر واحد ، ومع جمع الضوابط الفقهية للبدعة تتضح الصورة أكثر وتظهر الحلقة المفقودة بين الطرفين وتتواصل سلسلة الود والتفاهم بين كافة أطراف أهل السنة ، وبالتالي تتوحد جهود علماء أهل السنة والجماعة نحو محاربة البدع الأصلية التي تأخذ بأصحابها نحو الضلالة واستحقاق النار كبدع الخوارج والروافض والمرجئة والمشبهة والمجسمة والقدرية والجبرية والجهمية وغيرها من الفرق الضالة ،

[  12  ]  هدي السلف الصالح في فقه مسائل البدعة هو الجمع بين أمرين ، ( الأمر الأول ) : التحذير من بدع الضلالة ويحمل تحذيرهم على بدع الضلالة التي تؤول إلى فرق ضالة كبدعة الخروج وبدعة الرفض وبدعة الاعتزال وبدعة الحشو ، و ( الأمر الثاني ) : الاجتهاد في سن السنن الحسنة ، فأما حمل كلامهم على الاجتهادات الفرعية والأقوال الفرعية فهذا لا يفهمه إلا أهل الوسوسة في تبديع المسلمين وأهل الهوس البدعي والافراط في تبديع أهل القبلة ، وأما أثر اعتراض الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود على المجتمعين في المسجد للتسبيح والذكر ، وقوله لهم : تعلمون أنكم لأهدى من محمد صلى الله عليه وأصحابه ؟!! أو إنكم لمتعلقون بذنب ضلالة ، فهذا الأثر الذي اعتمد عليه أولئل الموسوسون في تبديع ما لا يستحق التبديع في الإنكار على الذكر الجماعي ، وأصبحوا يكررونه فرحين مستبشرين فهو أثر ضعيف كما بينت في الحلقات ، لا يجوز الاحتجاج به لضعفه ، وهؤلاء الموسوسون ينكرون على غيرهم التمسك بالضعيف ، ولكن إذا كان الضعيف ينصر رأيهم فلا بأس من الاحتجاج به ولو كان هذا الضعيف يعارض طائفة من الأحاديث الصحيحة ، كحديث البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق ، يلتمسون أهل الذكر ، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجل تنادوا هلموا إلى حاجتكم ، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ، فيسألهم ربهم وهو أعلم : ما يقول عبادي ؟ . فيقولون : يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك )) . وفي آخر الحديث : (( فيقول الله تعالى : فأشـهدكم أني قد غفرت لهم )) [ صحيح البخاري : كتاب الدعوات ، باب فضل ذكر الله عز وجل ] ، قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في الحاوي للفتاوي (1 : 379) : فإن قلت ، فقد نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد. قلت : هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج إلى بيان سنده ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة وهي مقدمة عليه عند التعارض ، ثم رأيت ما يقتضي إنكار ذلك عن ابن مسعود قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد ثنا حسين ابن محمد ثنا المسعودي عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالست عبد الله مجلسا قط إلا ذكر الله فيه ، وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (1 : 177) : وأما ما نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال : ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد, فلم يصح عنه بل لم يرد; ومن ثم أخرج أحمد عن أبي وائل قال : هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ; ما جالست عبد الله مجلسا قط إلا ذكر الله فيه, والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب انتهى ، وقال الإمام المحدث المناوي في فيض القدير (1 : 457) : وأما ما نقل عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال : ما أراكم إلا مبتدعين وأمر بإخراجهم فغير ثابت . وبفرض ثبوته يعارضه ما في كتاب الزهد لأحمد عن شقيق بن أبي وائل قال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالسته مجلسا قط إلا ذكر الله فيه أهـ ،  وقال الألوسي رحمه الله في روح المعاني ( 6 : 163 ) : وما ذكر في الواقعات عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال : ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجه من المسجد لا يصح عند الحفاظ من الأئمة المحدثين وعلى فرض صحته هو معارض بما يدل على ثبوت الجهر منه رضي الله تعالى عنه مما رواه غير واحد من الحفاظ أو محمول على الجهر البالغ "  أهـ  ،

[  13  ]  هناك آثار عديدة واردة عن السلف الصالح تدل على اجتهادهم في سن سنن الهدى والخير المستمدة من روح التشريع ومرونته : والأمثلة على ذلك كثيرة منها : ( 1 ) سنة الوضوء التي أحدثها بلال رضي الله عنه ، ولم يكن قد أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا استأذنه فيها ، إلى أن قال له : (( يا بلال ، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام ، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة ، قال : ما عملت عملا أرجى عندي ، أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار ، إلا صليت بذلك الطهور ، ما كتب لي أن أصلي )) [ أخرجه البخاري ح 1098 ] ، لقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السنّة ، لكن بعد أن أحدثها بلال من اجتهاده في الخير ، بما لا يخالف دين الله ، وبما له أصل من دين الله تعالى الذي يحث على كثرة الطهارة والصلاة ، ( 2 ) وأخرج البخاري عن أَنَسِ رضي الله عنه : (( كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح قل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى فإما تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى فقال ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم  أخبروه الخبر فقال يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة فقال إني أحبها فقال حبك إياها أدخلك الجنة )) [ أخرجه البخاري ح 741 ] ، ( 3 ) وعن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ : { قل هو الله أحد } ، يرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن )) [ أخرجه البخاري : ح  4726 ] ،  وأخرج البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم  بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب { قل هو الله أحد } فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي  صلى الله عليه وسلم   فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أخبروه أن الله يحبه )) [ أخرجه البخاري : ح 6940 ] ، ( 4 ) وأخرج البخاري عن رفاعة بن رافع  رضي الله عنه  قال : ((كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم   فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمدا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول )) [ أخرجه البخاري : ح 766 ] ، فهذه أدلة عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم تدل على أنهم كانوا يبادرون إلى الخير في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم دون انتظار الإذن بذلك ، ولو كانت اجتهاداتهم في التقرب إلى الله بشتى أنواع العبادات والقربات ممنوعة ، لنهاهم عنها الرسول صلى الله عليه وسلم خوف الابتداع في الدين ،  كما أنّ هناك سنناً حسنة فعلها الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يفعلها هو في حياته ، ولم يمنعهم من فعلها أنه لم يفعلها ، ومن ذلك : ( 1 ) جمع أبي بكر رضي الله عنه للقرآن ، المصحف زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فقد أخرج البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه  أنه قال : ((  أرسل إلي أبوبكر فقال : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن ، فيذهب كثير من القرآن ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن ، قلت لعمر : كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم  ؟  قال عمر : هذا والله خير ، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر ..  فتتبع القرآن فاجمعه .. قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ؟ قال : هو والله خير ، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال )) [ أخرجه البخاري : ح 4701 ] ، ( 2 ) وجمع عمر رضي الله عنه المسلمين على إمام واحد في صلاة التراويح يصلي بهم عشرين ركعة يروحهم بعد كل أربع ركعات ، وقوله رضي الله عنه عندما  رآهم مجتمعين على إمام واحد ((نعم البدعة هذه )) [ لأخرجه البخاري : ح 1906 ] ، ( 3 ) وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (( إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  ليدع العمل ، وهو يحب أن يعمل به ، خشية أن يعمل به الناس ، فيفرض عليهم ، وما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم  سبحة الضحى قط ، وإني لأسبحها )) [ متفق عليه ، أخرجه البخاري ح : 1076 ، ومسلم ح : 718 ] ، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي فضلها في العلم على نساء المسلمين كفضل الثريد على سائر الطعام ، تفعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حسب قولها ،  وأخرج مسلم عن مجاهد قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد ، فإذا عبدالله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة ، والناس يصلون الضحى في المسجد فسألناه عن صلاتهم فقال : (( بدعة ..)) [ أخرجه مسلم 1255 ] ، قال النووي في شرح مسلم : ( مراده أن إظهارها في المسجد بدعة ، والاجتماع لها هو البدعة أو يقال : المواظبة عليها بدعة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم  لم يواظب عليها ، خشية أن تفرض ) [ شرح مسلم للنووي ج 5 ص 230  ] ، ولذلك كان من فقه الإمام الشافعي الذي ملأ طباق الأرض أنّه قال : ( المحدثات من الأمور ضربان ، أحدهما ما أحدث ، مما يخالف كتابا أو سنة ، أو أثرا ، أو إجماعا ، فهذه البدعة الضلالة ، والثاني ، ما أحدث من الخير ، لا خلاف فيه لواحد من هذا ، وهذه محدثة غير مذمومة  ) [ معرفة السنن والآثار : 2 : 521 والحاوي للسيوطي 1 : 192  ] ، إذن لقد كان هدي السلف الصالح في فقه مسائل البدعة الجمع بين أمرين ، الأمر الأول : التحذير من بدع الضلالة ، والأمر الثاني : الاجتهاد في سن السنن الحسنة ، سنن الهدى والخير المستمدة من روح التشريع ومرونته ، وبعد فهذا ما تيسر في إجابة السؤال ، والله تعالى أعلم ورسوله ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

[  14  ]  أهم مباحث علم السنة والبدعة ، والتي تهذب الفقه فيه وتهدي إلى سبيل الاعتدال والتوسط فيه :  تتمثل في : ( مبحث ) : الفقه في مسألة الترك وضابطها الرصين ، و ( مبحث ) : الفقه في مسالة العمل بالحديث الضعيف ، و ( مبحث ) : لا تبديع ولا تفسيق في المسائل الخلافية بين المذاهب المعتمدة ، و ( مبحث )  : الفقه في تقدير مسألة البدعة الإضافية ، و ( مبحث )   : الفقه في النهي عن تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة ، و ( مبحث ) : الفقه في التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية ، و ( مبحث )  : كل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع فالمقصود به بدع الاعتقاد التي تشق صف الأمة ، ولا يُحمل على الخلافات الفقهية أبدا ، ففهم هذه المباحث على منهاج علماء أهل السنة والجماعة ومدارسهم المعتمدة في الفقه وفي العقيدة وفي التزكية ضروري للرسوخ في علم الاتباع والابتداع ( علم السنة والبدعة ) على منهاج أهل الحق ، أهل السنة والجماعة ، والمشكلة تكمن في تشغيب الحشوية على تلك المباحث المؤصلة باعتدال عند مذاهب أهل السنة والجماعة ومدارسهم المعتمدة في الفقه وفي العقيدة وفي التزكية ،

[  15  ]  الفقه في مسألة الترك وضابطها الرصين ، ودور هذا المبحث في تجديد وتهذيب وضبط مفهوم السنة والبدعة  :  ( أ ) السّنة عند أهل الأصول ، تعني ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل أو تقرير ، وعلى ذلك فهي ثلاثة أقسام : السنن القولية ، والسنن الفعلية ، والسنن التقريرية ،  وأما الترك المجرد من القرائن فهو عدم فعل ، والعدم ليس بشيء ، ولا يصلح دليلاً لجواز شيء أو حرمته ، وقد حذرنا الله تعالى من التشريع والتحريم بغير هدى من الله وبما لم يأذن به الله ، كما في قوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } [ النحل : 116 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } [ النحل : 116 ] ، وجاءت الآيات تحرم من القول في دين الله تعالى بغير علم كما في قوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 33 ] ، فكيف إذا كان تحريم المباح يعقبه الاتهام بالبدعة والضلالة لانّ كل بدعة ضلالة ، إن هذا لهو من أسوأ التقول على دين الله تعالى بما ليس فيه ، فالزعم بأن الترك المجرد سنّة فهذا ادخال في الدين ما ليس فيه ، ولم يقل به أحد من الأئمة المجتهدين المقتدى بهم في الدين ، وهو تقول على دين الله بغير علم ، وبما لم يأذن به الله ، وهو في حد ذاته بدعة بإدخال ما ليس من الدين إليه ،  ( ب )  الدليل على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي ، ما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم : (( دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم  )) [ متفق عليه ] ، دليل على أنّ الترك لا يدل على أمر أو نهي أو تشريع ، وإلا لما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم  بقوله : (( دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم )) ، ففرق بين الترك والنهي والأمر ، ففي الترك قال : (( دعوني ما تركتكم )) وفي النهي قال : (( فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه )) ، وفي الامر قال : (( وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم )) ، ففرق بين الترك وجعله من باب المباح ، وبين النهي وجعله من باب المحرم الذي ينبغي اجتنابه كله ، وبين الامر الذي يأتي الإنسان منه ما استطاع ،  وأما ما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو عفو ، وهذا من رحمة الله . فالأشياء إما مأمور بها ، أو منهي عنها ، أو مسكوت عنها ، فما سكت الله ورسوله فإنه عفو لا يلزمنا فعله ولا تركه ، ولا يدخل فيه التشريع بإيجاب ولا نهي إلا بدليل آخر مستقل ،  ( ت ) من الأدلة على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي ، ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه )) [ أخرجه مسلم ]  وقال النووي في شرح الحديث : (قوله صلى الله عليه وسلم : ( ذروني ما تركتكم )  دليل على أن الأصل عدم الوجوب ، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع ، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا  ) أهـ  ،  ( ث ) ومن الأدلة على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي ، ما أخرجه ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم الحديث الثلاثون وحسنه ، وأخرجه الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إن الله فرض فرائض ، فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء ، فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان ، فلا تبحثوا عنها )) ، وقد روي معنى هذا الحديث مرفوعا من وجوه أخر ، خرجه البزار في مسنده [ ص 151 ] ، والحاكم من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا هذه الآية : { وما كان ربك نسيا } ))  وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، وقال البزار : إسناده صالح ، وخرجه الترمذي ، وابن ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء ، فقال : الحلال ما أحل الله في كتابه ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه )) فإذا كان ما سكت عنه القرآن وترك بيان حكمه فهو مباح ، فكذلك ما سكت عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وتركه فهو من باب المباح حتى يأتي ما يدل على حكم جديد له ،  ( ج ) ترك النبي صلى الله عليه وسلم أفعالاً كثيرة تعد من المستحبات والطاعات عمداً لاعتبارات عديدة ، فقد كان يترك بعض العبادات والطاعات خشية أن تفرض على الناس فيعجزوا عنها ، مع أنها من الطاعات وعمل الخير ، وهذه الامور تركها الرسول ، ولكنها في شرع الله تعالى من الطاعات والقربات ، ومثال ذلك ما أخرجه البخاري عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال : (( أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها )) [ أخرجه البخاري ] ،  ( ح ) ترك النبي صلى الله عليه وسلم  بعض العبادات والطاعات التي ثبتت فضيلتها حتى لا يشق على المسلمين ، رفقاً بهم ، ومن ذلك تركه للخروج في جميع السرايا للجهاد في سبيل الله ، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة : قوله صلى الله عليه وسلم : ((  والذي نفس محمد بيده : لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً ، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ، ولا يجدون سعة ، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني ، والذي نفس محمد بيده : لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ، ثم أغزو فأقتل ، ثم أغزو فأقتل )) [ أخرجه مسلم ]  ،  ( خ ) ترك النبي صلى الله عليه وسلم  بعض العبادات والطاعات التي ثبت أنها أفضل الطاعات  لشيء في علم الله تعالى ولعله حتى لا يشق على المسلمين رفقاً بهم أن يقتدوا به ، ومن ذلك صيام يوم وافطار يوم ، وقد نص حديثه صلى الله عليه وسلم  على أن أفضل الصيام صيام داود ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. ومع ذلك تركه النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عنه قط أنه كان يصوم هكذا ، مع أنّه أفضل الصيام بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ،  ( د ) ترك النبي صلى الله عليه وسلم الخلوة التي كان يواظب على فعلها قبل البعثة ، مع أنّه أجازها للمسلم عند فساد الزمان ، فهل تركه لها يدل على بطلانها وأنها لا تجوز ، أم أنّ الترك في هذه الحالة لا يدل إلا على أن الفعل المتروك لم يعد مستحباً ، فيعود جائزاً مباحاً ، إلا أن يأتي دليل على الكراهية أو التحريم ،  ( ذ ) ترك النبي صلى الله عليه وسلم بيان العلوم على الطريقة التي نتعلمها ، ومثال ذلك كان يعلمهم الصلاة ، ولم ينقل عنه أنّه كان يوضح لهم التفريق بين أركانها وشروط وجوبها وشروط صحتها وواجباتها وسننها مع أنّه أعلم الخلق بها وبدين الله تعالى ، ولكنه ترك المجال واسعاً للفقهاء المجتهدين بعده أن يجتهدوا فيها ، فهل تركه لها يدلنا على أنّها علوم مبتدعة لا حاجة للمسلمين إليها ،  ( ر ) حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الفرق الضالة وكان يخبرنا بانه ستكون فوق السبعين فرقه ، وقد كان في مقدوره أن يضع لنا كتابا فيه الرد على تلك الفرق الضالة ، وبيان ضلالها ، ولكنه ترك ذلك ، وهو يعلم أنّها كائنة بعده ، وأنّ الأمة ستحتاج من العلم ما يمكنها من الرد عليها ، ولكنه ترك ذلك للعلماء الذين هم ورثة الانبياء بعده ، فلما ظهرت الخوارج رد عليها علي وابن عباس رضي الله عنهم ، ولما ظهرت القدرية رد عليها ابن عمر رضي الله عنهما ، ولما ظهرت المعتزلة رد عليها أحمد بن حنبل رحمه الله ، ولما ظهرت المشبهة والمجسمة والحشوية رد عليهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، وهكذا يحمل العلم من كل جيل عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ،  ( ز ) قد يترك النبي بعض العمل لاعتبارات كثيرة أخرى منها ما نعلم سببه ، ومنها ما لا نعلم سببه ، والترك في جميع الأحوال عدم فعل ، والعدم لا يصلح دليلاً على شيء في الشرع مطلقاً ، إلا أن يصاحبه نهي أو أمر من الشارع بشيء ،  ( س ) لقد تسبب اعتماد مبدأ ( السنة التركية ) كدليل على التبديع إلى غلو شنيع في مسائل التبديع ، أخرجها عن إطار التوسط والاعتدال إلى مجال الغلو والتنطع ، والامثلة على ذلك كثيرة ، بعضهم يبدع استعمال السبحة للتسبيح ، ودليله أنّ الرسول تركها ولو كان فيها خير لأستعملها ، وهل السبحة إلا آلة بسيطة تُعين الذاكر على عدّ الأذكار وإحصائها واحتسابها تقرباً إلى الله ، فهل تركُ الرسول صلى الله عليه وسلم لها دليل على بدعيتها ، ألا تصلح أن تكون بديلاً عن العد بالحصى والحجارة ، وقد ثبت عن بعض الصحابة أنهم كانوا يعدون التسبيح بالنوى والحصى ، فقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وقال : صحيح, وابن حبان  عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه : " أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نَوَى, أو حَصى تسبح به فقال : " ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ فقال : سبحان الله عدد ما خلق في السماء, سبحان الله عدد ما خلق في الأرض, سبحان الله عدد ما بين ذلك, سبحان الله عدد ما هو خالق, والله أكبر مثل ذلك, والحمد لله مثل ذلك, ولا إله إلا الله مثل ذلك, ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك" رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وقال : صحيح, وابن حبان في صحيحه ،  ( ش ) ومثال ذلك أيضا صلاة القيام في رمضان ، قيام الليل أمر عام مطلق ، والمسلمون يصلون كما شاءوا أول الليل ، آخر الليل ، ثمانية ركعات أو عشرين او ستاً وثلاثين ، أو مائة مثلا ، فالأصل التقرب إلى الله تعالى بالقيام والركوع والسجود ، حتى أتى على المسلمين من يقول إنّ زيادة الركعات في اليوم والليلة عن ثمانية بدعة ، لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم ما زاد في ليلة على ثمانية ركعات ، وكان الرسول يقدر على صلاتها أكثر من ثمانية ولكنه صلى الله عليه وسلم تركها مع وجود المقتضي لها وهو كثرة العبادة والتقرب إلى الله وانتفاء الموانع عنها وهو امكانية جعلها أكثر من ثمانية ، فهي سنة تركية واظب الرسول على تركها ، وفعل القيام أكثر من ذلك تعدي على فعل الرسول ، وهو يظن أنّ من فعلها أكثر من ثمانية فقد زاد في العبادة على الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمسكين لا يدرك أنّه لو صلاها ألف ركعة بتمام خشوع وحضور لما بلغ بها أجر ركعة من الرسول ، كيف وكله ونفسه وأعماله كلها إن كان صالحا فهي في ميزان الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم ألم يصليها المسلمون في زمان عمر رضي الله عنه عشرين ، أفهم هو من الترك ما لم يفهمه عمر والصحابة ، أم فهم ما لم يفهمه الأئمة الأربعة ، فإن المذاهب الأربعة على أنها عشرين ، والقضية أنّه على مر عصور الإسلام وللصالحين أوراد كيف شاءوا مع الله ، فمنهم من كان ورده ركعة ومنهم من كان ورده مائة ، وهذا من المباح ما كان في اطار اعطاء كل ذي حق حقه ، فكيف نقول هذا بدعة إلا إذا كان الخلل في أذهاننا نحّرم ما أحل الله ونحجر واسعاً من دين الله ،  ( ص ) ومثال ذلك أيضا القارئ في مجلس الاستماع للقرآن أراد أن يعلم الناس بإنهاء القراءة فقال صدق الله العظيم ، فقامت قيامة أحدهم والسبب أنها من البدع التركية لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تركها مع وجود المقتضي لها وانتفاء الموانع عنها ، وهل الرجل عندما أراد أن يفصل بين قراءة القرآن وحديث الناس فقال بما أيده به القرآن الكريم بقوله تعالى : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } [ النساء : 87 ] ، وقوله تعالى : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا } [ النساء : 122 ] ، هل أتى ببدع من القول ، وهل قال أنّ هذا من الدين ، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يسمع صحابيا يقول " الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنُّا أن يحمد وينبغي له " , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف قلت؟ فردّ عليه كما قال, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( والذى نفسى بيده لقد ابتدرها عشرة أملاك كلهم حريص على أن يكتبها فما دَرَوْا كيف يكتبونها حتى  رفعوها إلى ذي العزّة, فقال : اكتبوها كما قال عبدى )) [ أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان ] ، وهذا بلال رضي الله عنه ن يجتهد في الطاعة ، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( بم سبقتني إلى الجنة؟ فقال : ما أذَّنت قط إلا صليت ركعتين, وما أصابني حدث قط إلا توضأت ورأيت أن الله علّى ركعتين. فقال صلى الله عليه وسلم : بهما نِلْتَ )) [ أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح , والحاكم وقال على شرط البخاري ومسلم وأقره الذهبي ] ، لا شك أنّ هناك بدعاً انشطارية أتت علينا من فتح باب ( البدعة التركية ) وصار همّ  هؤلاء الشاغل : قل ولا تقل ، افعل ولا تفعل ، هذا ورد ، وهذا لم يرد ، دونما فقه وضبط لهذا الباب الدقيق ،   ( ض ) قد يقول قائل إن الترك المجرد ليس حجة ولكن الترك مع وجود المقتضى ، وانتفاء الموانع ، فهو حجة ، وقوله هذا لم يعتد به أحد من أهل الأصول ، لأنّ هناك موانع قد تمنع من فعل بعض المستحبات والطاعات لاعتبارات معينة ، ونحن نعلم أنها طاعات وقد تركها النبي صلى الله عليه وسلم في ظروف معينة ،  فهذه طاعات وقربات فضلاً عن المباحات التي هي مجال حديثنا ها هنا ،كما أنّ هناك موانع قد لا نهتدي إليها فيكون التشريع تخرصاً بالظن ، ويكون التبديع بالترك اتهاماً بغير دليل ، ودين الله تعالى لا يقوم إلا على الدليل الواضح الذي لا شبهة فيه ، وقد تقدم  قوله صلى الله عليه وسلم : ((دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم  )) [ متفق عليه ] ، وأنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي ، وأنّ هناك فرق بيّن بين الترك الذي هو من باب المباح ، وبين النهي الذي هو من باب المحرم الذي ينبغي اجتنابه كله ، وبين الامر الذي هو من باب الواجب يأتي الإنسان منه ما استطاع ، كما أن القائلين بذلك قد اشتبهت عليهم هذه المسئلة بمسئلة السكوت في مقام البيان وأنه آنذاك يفيد الحصر ، ومثاله أن الأذان في العيدين بدعة غير مشروعة ، لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركه ولكن لأنه صلى الله عليه وسلم بيّن في الحديث ما يعمل في العيدين ولم يذكر الأذان ، فدل سكوته على أنه غير مشروع ، والقاعدة : أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر ،  ( ط ) خلاصة الأمر أنّ مسألة ترك النبي صلى الله عليه وسلم ، هو على الإباحة الأصلية المطلقة ، حتى يأتي دليل من دين الله تعالى بترجيح الترك أو الفعل ، ولا يجوز أبداً استعمال هذا الأمر ( السنّة التركية ) للتبديع والتفسيق ورمي الناس بالبدعة والضلالة ، لأن الذي يدل على التحريم في الشرع ثلاثة أشياء : النهي ، نحو : { ولا تقربوا الزنا } ، والتحريم ، نحو : { حرّمت عليكم الميتة } ، والثالث : ذم الفعل أو التوعد عليه بالعقاب ، نحو : " من غش فليس منا" ، والترك ليس واحدًا من هذه الثلاثة ، فلا يقتضي التحريم ، وحكم الترك - المجرد -  في الشريعة هو الإباحة ، حتى يأتي دليل مستقل بالنهي أو الإيجاب ، أو الاستحباب أو الكراهة ، أمّا التبديع بمجرد الترك هو في ذاته قول منكر وبدعة تؤول بصاحبها إلى تبديع من لا يستحق من عباد الله المسلمين ، وبالتالي فإن هذه القاعدة : (( حكم الترك في الشريعة هو بيان الإباحة ))  ، تُفيد في الرد على أصحاب الغلو في باب البدعة عندما يقولون ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم  ففعله بدعة ، نقول لهم : لا ، حكم الترك في الشريعة هو بيان الإباحة فقط ، والله تعالى يقول في كتابه : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ، ولم يقل : وما تركه ففعله بدعة ، بل البدعة بدعتكم بالغلو في الدين وتضييق ما وسعه الله تعالى على عباده ، لقد تسبب اعتماد مبدأ ( السنة التركية ) كدليل على التبديع إلى غلو شنيع في مسائل التبديع ، أخرجها عن إطار التوسط والاعتدال إلى مجال الغلو والتنطع ، 

[  16  ]  الفقه في مسألة العمل بالحديث الضعيف ، ودور هذا المبحث في تجديد وتهذيب وضبط مفهوم السنة والبدعة :  (( أ ))  الحديث الضعيف : هو ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول أو من شروط الحديث المقبول ، وهذا يعني أن نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نسبة ضعيفة ، وليس معنى حكم العلماء على الحديث بالضعف أنَّ النبي لم يقله ، فهذا ما لا يستطيع أحدٌ أن يجزم به ،  نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى في كثيرٍ من كتبه كالروضة  والأذكار والإرشاد والتقريب ، اتفاق المحدثين والفقهاء على جواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعا ، قال في الأذكار : " قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم : يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا ، وأما الأحكام كالحلال والحرام ، والبيع ، والنكاح ، والطلاق ، وغير ذلك ، فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح ، أو الحسن ، إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك " أهـ [ الأذكار للنووي ص : 7 ، 8 ] ، وقال في المجموع : " وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام ، وهذا من نحو فضائل الأعمال " [ المجموع : ج 3 : 226 ] ، ويؤيد كما ذكره الإمام النووي : ما أخرجه الخطيب البغدادي عن عبد الرحمن بن مهدي : " إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والأحكام تشددنا وانتقدنا الرجال ، واذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد " [ الجامع لأخلاق الرواي للخطيب البغدادي : 2 : 91 ] ، وما أخرجه الخطيب البغدادي عن الإمام أحمد : " إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكماً ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد " أهـ [ الكفاية في علم الرواية ص 135 ، وطبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي : 1 : 95  ] ،   (( ب  )) شروط الحديث الضعيف الذي أجاز الفقهاء والمحدثون العمل به : قال الحافظ بن حجر العسقلاني : " قواعد العمل بالحديث الضعيف : ( أحدها ) : أن يكون الضعف غير شديد ، فيخرج من انفرد من الكذابين ، والمتهمين بالكذب ، ومن فحش غلطه ، نقل العلائي الاتفاق عليه ، ( الثاني ) : أن يندرج تحت أصل معمول به ، ( الثالث ) : أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته ، بل يعتقد الاحتياط " أهـ [ تبيين العجب بما ورد في فضل رجب ص 3 ] ، وذكر تلك الشروط  الحافظ السخاوي ، وقال : وممن اختاروا ذلك أيضاً ابن عبدالسلام وابن دقيق العيد " أهـ [ القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع  (ص 195) ] ،  (( ت )) أقوال العلماء في جواز العمل بالحديث الضعيف ما لم يكن شديد الضعف : قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : " تجوز رواية الحديث الضعيف إن كان بهذا الشرطين : ألا يكون فيه حكم ، وأن تشهد له الأصول " أهـ [ الإصابة في تميز الصحابة (5 : 690) ] ، وقال الإمام السيوطي : " ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من الضعيف والعمل به من غير بيان ضعفه في غير صفات الله تعالى والأحكام كالحلال والحرام وما لا تعلق له بالعقائد والأحكام " أهـ [ تدريب الراوي (ص258) ] ، وقال الحافظ المنذري : " ولأن من تقدم من العلماء رضي الله عنهم أساغوا التساهل في أنواع من الترغيب والترهيب " أهـ [ الترغيب والترهيب (1 : 12) ] ، وقال الخطيب البغدادي : " والتجوز في فضائل الأعمال قد روي عن غير واحد من السلف أنه لا يجوز حمل الأحاديث المتعلقة بالتحليل والتحريم إلا عمن كان بريئاً من التهمة بعيداً عن الظن وأما أحاديث الترغيب والمواعظ ونحو ذلك فإنه يجوز كتابتها عن سائر المشايخ " أهـ [ الكفاية في علم الرواية (ص412 ] ، وقال الحافظ العراقي : " أما غير الموضوع فيجوز التساهل في اسناده وروايته من غير بيانٍ لضعفه إذا كان في غير الأحكام والعقائد بل في الترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحوها أما إن كان في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وغيرها أو العقائد كصفات الله تعالى وما يجوز وما يستحيل عليه ونحو ذلك فلم يروا التساهل في ذلك " أهـ [ شرح الألفية (1 : 291 ] ، وقال أيضاً عن الإمام أحمد أنه قال : " أحاديث الرقاق يُحتمل التساهل فيها حتى يجيء بشيءٍ فيه حكم " [ الكفاية في علم الرواية (213) ] ، وقال الحافظ ابن عبد البر : " أهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل فيرونها عن كل ، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام " أهـ [ جامع بيان العلم وفضله (ص42) ] ، وقال الإمام النووي : " يُستأنس بأحاديث الفضائل وإن كانت ضعيفة الإسناد ويُعمل بها في الترغيب والترهيب " أهـ [ المجموع شرح المهذب (5 : 294) ] ، وقال أيضاً : " يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية سوى الموضوع من الضعيف ، والعمل به من غير بيان ضعفه في غير صفات الله تعالى والأحكام ، كالحلال والحرام ، ومما لا تعلق له بالعقائد والأحكام " أهـ [ تدريب الراوي ج1 ص298  ] ، وقال الإمام الرملي في فتاواه : " حكى النووي في عدة من تصانيفه إجماع أهل الحديث على العمل بالحديث الضعيف في الفضائل ونحوها خاصة " [ فتاوى الرملي ٤ : ٣٨٣ ] ، وقال ابن حجر الهيثمي : " قد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ؛ لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر ، فقد أعطى حقه من العمل به ، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدةُ تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير " أهـ [ الفتح المبين ص32 ] ، وقال الإمام ابن علان : " ويبقى للعمل بالضعيف شرطان : أن يكون له أصل شاهد لذلك كاندراجه في عموم أو قاعدة كلية وأن لا يُعتقد عند العمل به ثبوته بل يُعتقد الاحتياط " أهـ [ الفتوحات الربانية (1 : 84) ] ،  (( ث )) اتفاق الفقهاء من المذاهب الأربعة المتخصصة في الشريعة على العمل بالحديث الضعيف بشروطه : قال عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي في كتابه " حكم العمل بالحديث الضعيف عند المحدثين والفقهاء دراسة تأصيلية " - تحت عنوان : حكاية الاتفاق على العمل بالحديث الضعيف في الفضائل - : " قال الإمام النووي في المجموع [ ٢٢٦ : ٣ ] : " وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام ، وهذا من نحو فضائل الأعمال" أهـ ، وفي فتاوى الرملي [ ٤ : ٣٨٣ ] : " حكى النووي في عدة من تصانيفه إجماع أهل الحديث على العمل بالحديث الضعيف في الفضائل ونحوها خاصة " أهـ ، وجاء في مواهب الجليل للحطاب [ ١ : ١٧ ] ، وشرح الخرشي على خليل [ ١ : ٢٣ ] : " قلت : وإن كان ضعيفا [ أي حديث كل أمر ذي بال... ]  فقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال " أهـ ، وقال علي القاري في الحظ الأوفر كما في الأجوبة الفاضلة للكنوي ( ص ٣٦ ) : " الحديث الضعيف معتبر في فضائل الأعمال عند جميع العلماء من أرباب الكمال" أهـ ، وقال القاري في رسالته في الموضوعات كما في الأجوبة الفاضلة للكنوي ( ص ٣٦ ) : " الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقا " أهـ ، وقال ابن حجر الهيتمي في شرحه على الأربعين النووية ( ص ٣٢ ) : " قد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف فى فضائل الأعمال؛ لأنه إن كان صحيحا فى نفس الأمر ، فقد أعطى حقه من العمل به ، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدةُ تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير " أهـ ، وفي فتاوى ابن حجر الهيتمي [ ٢ : ٥٤ ] : " وقد تقرر أن الحديث الضعيف والمرسل والمنقطع والمعضل والموقوف يعمل بها في فضائل الأعمال إجماعا " أهـ ، وفي تطهير الجنان لابن حجر أيضا ( ص ٣ ) : " فإن قلت هذا الحديث المذكور سنده ضعيف فكيف يحتج به ؟ قلت : الذي أطبق عليه أئمتنا الفقهاء والأصوليون والحفاظ أن الحديث الضعيف حجة في المناقب ، كما أنه بإجماع من يعتد به حجة في فضائل الأعمال ، وإذا ثبت أنه حجة في ذلك لم تبق شبهة لمعاند ، ومطعن لحاسد بل وجب على كل من فيه أهلية أن يقر هذا الحق في نصابه " أهـ ، وقال - تحت عنوان : من أقوال أهل الفقه في ذلك ، وفيه مطالب - : " ( المطلب الأول : من أقوال الحنفية ) : قال الكمال بن الهمام في فتح القدير [ ١ : ٣٤٩ ] : ( فإن صح وإلا فالضعيف غير الموضوع يعمل به في فضائل الأعمال ) اهـ ، وفي حاشية ابن عابدين [ ١ : ١٢٨ ] : ( قوله : في فضائل الأعمال ) أي لأجل تحصيل الفضيلة المترتبة على الأعمال . قال ابن حجر في شرح الأربعين : لأنه إن كان صحيحا في نفس الأمر فقد أعطي حقه من العمل وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير " أهـ ، وقال الخادمي في كتابه بريقة محمودية [ ١ : ١١٥ ] : ( قيل عن ابن الهمام رحمه الله : يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعا " أهـ ، وتقدم كلام ملا علي قاري الحنفي عند حكاية الاتفاق وسيأتي أيضا كلام لأئمة الحنفية ضمن المباحث والفروع الآتية ، ( المطلب الثاني : من أقوال المالكية ) : قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير [ ٤ : ٧٧١ ] : " قوله : قال الغزالي [ لا ينظر للصحة إلا في باب الأحكام ] : أي التكليفية والوضعية وأما فضائل الأعمال والآداب الحكمية فلا تتوقف على ذلك بل يتأنس لها بالحديث الضعيف وبالآثار المروية عن السلف " أهـ ، وفي فتاوى الرملي ٤ : ٣٨٣ وتقدم عن فتح المغيث : " قال ابن عبد البر : أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يحتج به " أهـ ، وتقدم كلام الحطاب والخرشي عند حكاية الاتفاق وسيأتي أيضا كلام لأئمة المالكية ضمن المباحث والفروع الآتية ، ( المطلب الثالث : من أقوال الشافعية ) : قال الإمام النووي في مقدمة المموع ١ : ٩٧ : ( فصل : قال العلماء : الحديث ثلاثة أقسام صحيح ، وحسن وضعيف قالوا : وإنما يجوز الاحتجاج من الحديث في الأحكام بالحديث الصحيح أو الحسن ، فأما الضعيف فلا يجوز الاحتجاج به في الأحكام والعقائد وتجوز روايته والعمل به في غير الأحكام ، كالقصص وفضائل الأعمال والترغيب والترهيب " أهـ ، وقال ابن حجر في شرحه على الأربعين النووية عند حكاية النووي الاتفاق على قبول الحديث الضعيف في الفضائل ( ص ٣٢ ) : ( أشار المصنف بحكاية الاتفاق على ما ذكره إلى الرد على من نازع فيه بأن الفضائل إنما تتلقى من الشارع فإثباتها بما ذكر اختراع عبادة وشرع في الدين لم يأذن به الله ، ووجه رده أن الإجماع لكونه قطعيا تارة وظنيا ظنا قويا أخرى لا يرد بمثل ذلك لو لم يكن عنه جواب فكيف وجوابه واضح إذ ليس ذلك من باب الاختراع والشرع المذكورين وإنما هو من باب ابتغاء فضيلة ورجائها بإمارة ضعيفة من غير ترتب مفسدة عليه " أهـ ، ... وتقدم كلام العراقي وابن حجر الهيتمي والسخاوي والسيوطي وغيرهم في ذلك ضمن ما سبق ، (  المطلب الرابع : من أقوال الحنابلة ) : قال الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى [ ٢٠ : ٢٦١ ] : ( ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب مالا يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام لأن اعتقاد الوعيد يحمل النفوس على الترك فان كان ذلك الوعيد حقا كان الإنسان قد نجا وإن لم يكن الوعيد حقا بل عقوبة الفعل أخف من ذلك الوعيد لم يضر الإنسان إذا ترك ذلك الفعل خطؤه في اعتقاده زيادة العقوبة ، لأنه إن اعتقد نقص العقوبة فقد يخطئ أيضا وكذلك إن لم يعتقد لأنه في تلك الزيادة نفيا ولا إثباتا قد يخطئ ، فهذا الخطأ قد يهون الفعل عنده فيقع فيه فيستحق العقوبة الزائدة إن كانت ثابتة أو يقوم به سبب استحقاق ذلك فإذا الخطأ في الاعتقاد على التقديرين تقدير اعتقاد الوعيد وتقدير عدمه سواء والنجاة من العذاب على تقدير اعتقاد الوعيد أقرب فيكون هذا التقدير أولى " أهـ ، وقال ابن مفلح في الآداب [ ٢ : ٣٠٣ ] : ( فصل في العمل بالحديث الضعيف وروايته والتساهل في أحاديث الفضائل دون ما تثبت به الأحكام والحلال والحرام ... ينبغي الإشارة إلى ذكر العمل بالحديث الضعيف ، والذي قطع به غير واحد ممن صنف في علوم الحديث حكاية عن العلماء أنه يعمل بالحديث الضعيف فيما ليس فيه تحليل ولا تحريم كالفضائل ، وعن الإمام أحمد ما يوافق هذا ، قال الدوري : سمعت أحمد بن حنبل وهو شاب على باب أبي النضر ، فقيل له : يا أبا عبد الله ، ما تقول في موسى بن عبيدة ومحمد بن إسحاق ؟ قال : أما محمد فهو رجل نسمع منه ونكتب عنه هذه الأحاديث يعني المغازي ونحوها ، وأما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس ولكنه روى عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أحاديث مناكير ، فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا أقواما هكذا . قال العباس : وأرانا بيده ، قال الخلال : وأرانا العباس فعل أبي عبد الله قبض كفيه جميعا وأقام إبهاميه " أهـ ، وفي شرح الكوكب لابن النجار الفتوحي ( ٣١٥ ) : ( ويعمل ب) الحديث ( الضعيف في الفضائل ) عند الإمام أحمد رضي الله عنه والموفق والأكثر ... واستحب الإمام أحمد الاجتماع ليلة العيد في رواية ، فدل على العمل به لو كان شعارا ، وفي المغني في صلاة التسبيح : الفضائل لا يشترط لها صحة الخبر ، واستحبها جماعةً ليلة العيد .فدل على التفرقة بين الشعار وغيره . قاله ابن مفلح في أصوله .وعن أحمد رواية أخرى لا يعمل بالحديث الضعيف في الفضائل ، ولهذا لم يستحب صلاة التسبيح لضعف خبرها عنده ، مع أنه خبر مشهور عمل به وصححه غير واحد من الأئمة .ولم يستحب أيضا التيمم بضربتين على الصحيح عنه ، مع أن فيه أخبارا وآثارا ، وغير ذلك من مسائل الفروع ... وفي جامع القاضي : أن الحديث الضعيف لا يحتج به في المآثم " أهـ  [ انتهى من كتابه حكم العمل بالحديث الضعيف عند المحدثين والفقهاء دراسة تأصيلية ] ،  (( ج )) خلاصة المبحث : أنّ الحديث الضعيف : هو ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول أو من شروط الحديث المقبول ، وهذا يعني أن نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نسبة ضعيفة ، وليس معنى حكم العلماء على الحديث بالضعف أنَّ النبي لم يقله ، فهذا ما لا يستطيع أحدٌ أن يجزم به ،  وشروط الحديث الضعيف الذي أجاز الفقهاء والمحدثون العمل به : قال الحافظ بن حجر العسقلاني : " قواعد العمل بالحديث الضعيف : ( أحدها ) : أن يكون الضعف غير شديد ، فيخرج من انفرد من الكذابين ، والمتهمين بالكذب ، ومن فحش غلطه ، نقل العلائي الاتفاق عليه ، ( الثاني ) : أن يندرج تحت أصل معمول به ، ( الثالث ) : أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته ، بل يعتقد الاحتياط " أهـ [ تبيين العجب بما ورد في فضل رجب ص 3 ] ، وقد اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة المتخصصة في الشريعة على العمل بالحديث الضعيف بشروطه ، وعلى أنه لا يُعمل بالحديث الضعيف في الأحكام والعقائد ، ولكن يُعمل به في فضائل لأعمال والترغيب والترهيب والتفسير والمغازي والسير بشروط اعتمدها الأئمة الثقات ، وممن قال بذلك : الحافظ ابن حجر العسقلاني ، والإمام النووي ، والإمام السيوطي ، والإمام ابن جماعة ، والإمام الطيبي ، والإمام سراج الدين البلقيني ، والحافظ المنذري ، والحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي ، والإمام ابن دقيق العيد ، والحافظ ابن عبد البر المالكي ، والحافظ ابن حجر الهيثمي ، والإمام ابن الهمام ، وابن قدامة المقدسي ، وابن كثير ، وغيرهم كثير ، لذا لا ينبغي التنطع برفض الحديث الضعيف فيما يتعلق بفضائل الأعمال ، أما الطامة الكبرى تكون عند تبديع أهل الحشو لأهل السنّة عندما يعمل أحدهم بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ، وبعد فهذا ما تيسر في إجابة السؤال ، والله تعالى أعلم ورسوله ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

[  17  ]  قاعدة  : (  لا تبديع ولا تفسيق في المسائل الخلافية بين المذاهب السنية المعتمدة ) ،  ودور هذه القاعدة المباركة في تجديد وتهذيب وضبط مفهوم السنة والبدعة  ،  (( أ )) من القواعد المهمة اللازمة لفقه مسائل السنّة والبدعة عند أهل السنّة والجماعة قاعدة : ( لا تبديع ولا تفسيق في المسائل الخلافية بين المذاهب المعتمدة ) ،  ومن المقرر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة أنّه لا تبديع ولا تفسيق في المسائل الخلافية بين المذاهب المعتمدة على منهاج أهل السنة والجماعة ، ولا يجوز التشنيع عليها ، ومن صنع شيئاً من ذلك فهو المبتدع المخالف لما عليه  فقهاء أهل السنّة والجماعة ، وقد اتفق الصحابة على إقرار كل مجتهد بالعمل باجتهاده دونما تبديع أو تفسيق ، وذلك في مسائل تنازعوا فيها ، كمسائل في فروع العقائد كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج ، ومسائل في السياسة الشرعية ، ومسائل فروع في العبادات والمعاملات كثيرة جدا ، ومثال ذلك : ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (( نَادَىَ فِينَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الأَحْزَابِ "لاَ يُصَلّيَنّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إلاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ" فَتَخَوّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: لاَ نُصَلّي إلاّ حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَإنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنّفَ وَاحِداً مِنَ الْفَرِيقَيْنِ )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (( خَرَجَ رَجُلاَنِ في سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمّمَا صَعِيداً طِيّباً فَصَلّيَا ثُمّ وَجَدَا الْمَاءَ في الْوَقْتِ فأعَادَ أحَدُهُمَا الصّلاَةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الاَخَرُ، ثُمّ أتَيَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فقال لِلّذِي لَمْ يَعُدْ: أصَبْتَ السّنّةَ وَأجْزَأتْكَ صَلاَتُكَ، وقال لِلّذِي تَوَضّأَ وَأعَادَ: لَكَ الأجْرُ مَرّتَيْنِ )) [ أخرجه أبو داود والحاكم ] ، فإننا نلحظ إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لاختلاف الصحابة في مسألة واحدة ، وهذا يدل على سعة هذه الشريعة ومرونتها، والتيسير فيها، ورفع الحرج عن المكلفين في تطبيقها ،  نعم يجوز بيان ما يراه المجتهد أنه راجحا وله أن يبين أن قول معارضه مرجوح ، ولكن في ظل احترام رأي الآخرين ، بدون تبديع ولا تفسيق ،  كما لا يجوز له مهما بلغ علمه واجتهاده ، أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده ، وقد قال الإمام مالك : ‏ ‏(‏ ما منا إلا رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر‏ )‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ،  (( ب )) هذه القاعدة " قاعدة : ( لا إنكار ولا تبديع ولا تفسيق في مسائل الخلاف الفرعية ) " تعتبر من أهم القواعد الفقهية التي تصبغ المجتمع المسلم بالتراحم والألفة والتراضي ، وهي تتعلق بالأساس بالمذاهب السنية المتخصصة سواء في العقيدة أو في الفقه أو في التزكية ، لأنّها مدارس مؤصلة روجعت آراؤها على أيدي آلاف المجتهدين الأئمة العلماء فكانت في مأمن من البدعة والضلالة والخطأ الجسيم ، وتعددها رحمة بالأمة واستيعاب لجميع الاجتهادات الصحيحة التي تخضع لقواعد اللغة والشريعة ، كما أن الاختلاف في تلك المسائل الفرعية سعة ورحمة ، لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق ، وما دام المختلفون أئمة يقتدى بهم ، فلا بأس بالاقتداء بأحدهم ، وأولى المذاهب بذلك مدارس العقيدة الثلاث على منهاج أهل السنة والجماعة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) فهي متفقة في الأصول ، والخلاف بينها في فروع لا توجب تبديعا ولا تفسيقا ، وأولى المذاهب بذلك مدارس الفقه الأربعة ، وهي متفقة في الأصول ، والخلاف بينها في فروع لا توجب تبديعا ولا تفسيقا ، وهذا ما جعل الإمام النووي ، رحمه الله يقول : ( إنما ينكرون ما أجمع عليه ، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه ، لأنه على أحد المذهبين : كل مجتهد مصيب ، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم ، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه ) [ شرح النووي على مسلم،2/ 23 ] ،  (( ت )) الاختلاف في الفروع رحمة ومنفعة وسعة ، وهو كذلك عامل من عوامل خلود هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان ، كما أنّه لا خطر منه ولا ضرر ، وهو أمر فطري طبيعي حيث تختلف العقول في فهم النص الواحد وتفسيره ، فكيف بمئات بل آلاف النصوص من الكتاب والسنّة ، والتي تجتهد عقول المجتهدين في شرحها وتفسيرها واستنباط الاحكام منها ، كما أنّ الاختلاف بين المذاهب العلمية كان السبب الأول في نماء الثروة العلمية ، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : (ما سرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة ) ، مع التنبيه على أن اختلاف الأئمة العلماء لم يكن سببه الهوى أو أي غرض من أعراض الدنيا الزائلة ، بل كان هدفه الوصول إلى الحق ، ابتغاء مرضاة الله  ،  (( ث )) مذاهب الفقهاء الأربعة هي المتخصصة في علم الفقه الإسلامي : إذ لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النحل : 43 ] ، ولا يجوز التهجم على علومهم دون الرجوع إليهم قال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء : 83 ] ، والأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة يجمعون علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار ، وعلى ذلك : فأولى المجتهدين بالإتباع : من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب ، وصار له مذهب معروف ، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة ، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء ، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم ، (( ج )) كذلك لو ذهبنا إلى باب العقائد : سنجد أنّ مذاهب الأثرية والأشعرية والماتريدية هي المتخصصة في علم العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة ، وهي متفقة جميعا على أصول العقيدة والخلاف إنما هو في فروع العلم ، وأنبه أن لكل علم أصوله وفروعه حتى علم العقيدة ،  وآراء تلك المدارس قد تمحصت بما فيه الكفاية لأنها تأصلت بفعل آلاف العلماء المتخصصين في باب العقيدة ، لا أمثال أنصاف المتعلمين الذين درسوا العقيدة في ساعات معدودة ، ثم صاروا يتنطعون في اتهام المتخصصين بالبدعة ، وهؤلاء لا يكاد أحدهم يميز المحدث من القديم في مصطلح أهل التخصص إلا بما يفهمه من مجرد اللغة ، ولا يعلم ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الأحد الصمد الأول الآخر سبحانه المتصف بالقدم الأزلي والبقاء الأبدي ، والمقصد من ذلك أنّه يندر أن نقع على خطأ جسيم عند مدرسة هذا حالها منذ أكثر من ألف سنة تخرج على أقوالها الاكابر من علماء أهل السنّة والجماعة المقتدى بهم في الدين ، ولن يفهم ذلك جلياً إلا أهل التخصص في العقيدة على منهاج التقديس والتنزيه ، لا المناهج السطحية المبتورة عن أصلها والتي كتبها غير المتخصصين في العقيدة ، ثم صارت مراجع لخلفهم ، وهي أبعد ما تكون عن التخصص العلمي الرصين ، ولا يكون متخصصا في العقيدة إلا من استطاع التفريق بين المحسوسات والمعقولات تفريقا صحيحا ، واستطاع التفريق بين صفات القديم والمحدث تفريقاً سديدا ، ولا يحل لأحد أن يتكلم في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وهو لا يعلم قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة ، ويعلم علم اليقين ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، وإلا كان من الذين يقولون على الله تعالى بغير علم ، والله تعالى يقول : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 33 ] ، وما من طائفة خالفت تلك المدارس او بدعتها او ضللتها إلا وكانت هي الأحق بالضلال والبدعة ، وكانت بمثابة قطاع الطريق على أهل التخصص العلمي ،  ومما يؤكد ذلك أنّنا نجد غالب علماء أمة الإسلام الأكابر على مذهب الأشاعرة والماتريدية العقائدي ، فأكابر مفسري الأمة من الأشاعرة والماتريدية ، منهم الإمام العلامة القرطبي صاحب تفسير الجامع لأحكام القرآن، والإمام المقدم فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى صاحب تفسير مفاتيح الغيب ، والإمام المفسر الحافظ البغوي محي السنة رحمه الله تعالى صاحب كتاب شرح السنة، والإمام الحافظ المفسر جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، وأكابر محدثي الأمة وحفاظها من الأشاعرة والماتريدية ، منهم على سبيل المثال : الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى إمام وقته ، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى، صاحب حلية الأولياء، والحافظ أبو ذر الهروي عبد بن أحمد رحمه الله تعالى، والحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى، والحافظ الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى صاحب المستدرك على الصحيحين، وإمام أهل الحديث في عصره، والحافظ ابن حبان البستي رحمه الله تعالى صاحب الصحيح وكتاب الثقات وغيرها، والإمام الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى صاحب التصانيف التي طار صيتها في الدنيا والمؤلفات المرضية عند المؤيدين والمخالفين، والإمام الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى صاحب كتاب تاريخ مدينة دمشق ، والإمام الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، والإمام الحافظ محي الدين يحيى بن شرف النووي محي الدين رحمه الله تعالى ، والإمام المحقق بقية الحفاظ صلاح الدين العلائي ، والإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى ، والإمام الحافظ المنذري رحمه الله تعالى صاحب الترغيب والترهيب ، والإمام الحافظ الأبي رحمه الله تعالى شارح صحيح مسلم ، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى صاحب فتح الباري ، والإمام الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى ، والإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى ، والإمام القسطلاني رحمه الله تعالى شارح الصحيح ، والإمام الحافظ المناوي رحمه الله تعالى ، وغيرهم وغيرهم من أئمة الحديث وحفاظ الأمة، كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ، وأكابر فقهاء الأمة من الأشاعرة والماتريدية ، قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى : " وأكثر العلماء في جميع الأقطار عليه – يعني مذهب الأشعري – وأئمة الأمصار في سائر الأعصار يدعون إليه ... وهل من الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق له أو منتسب إليه أو راضٍ بحميد سعيه في دين الله أو مثنٍ بكثرة العلم عليه "  اهـ. [ تبيين كذب المفتري ص/ 410] ،  (( ح )) لا مناص من الاختلاف في فروع العلم : لأسباب عديدة ، منها : التفاوت والتباين الذي فطر الله تعالى عليه البشر من حيث تفاوتهم في القدرة على الإدراك والاستيعاب ، بما فضل الله به  بعضهم على بعض من الفهم والعلم والحفظ وسَعة الاطلاع ، وإلى التفاوت في البيئة والمعيشة لما لهما من دورٌ في التأثير على اجتهاد المجتهد ، وما يترتب عليه من الحكم الشرعي الصادر عن المجتهد والفقيه ، ومنها : الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته:  فهناك ثبوت النص عند إمام وعدم ثبوته عند غيره , وذلك تبعاً للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم ,  ومنها :  الاختلاف في فهم النص:  بسبب كونه مشتركا بين معانٍ كثيرة ، أو مجملاً لم يبين معناه ، ومثاله اختلاف الصحابة في فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم (( لاَ يُصَلّيَنّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إلاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ )) ،  وإذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية ، فلا يوجد أي داع لتبديع المخالف ولا تفسيقه ، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المرحومة ، وعلى اختلاف مذاهب الفقه : لا يوجد أدنى مشكلة بين هذه المذاهب المتأصلة العريقة ، بل إنّها علامة على صلاحية الشريعة الربانية لكل زمان ولكل مكان ولجميع أجناس البشر الصعب منهم والسهل ، وهي لا تزال تمثل مظهراً من مظاهر السعة والرحمة والغنى والثراء في ميدان الاجتهادات الفقهية ، والأحكام الشرعية ، إنّ أهم مميزات الاختلافات الفقهية أنّها لا تضعف أبداً الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لأن ميدانها هو الفروع ، الذي لا يزال الناس فيه مختلفين، فاختلافاتها سنة وقانون إلهيّ لا تبديل له ولا تحويل ، وهي اختلافات تعدد وتنوع في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة ، وتجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل ، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام ، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ ، لأنه يضر بالميزة التي حبا الله تعالى بها الفقه ألا وهي ( السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان ) ، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا ، وبالتالي فإن من القواعد المهمة لفقه مسائل السنّة والبدعة عند أهل السنّة والجماعة : تفعيل مبدأ عدم التبديع أو التفسيق في المسائل الخلافية بين المذاهب المعتمدة ، 

[  18  ]  الفقه في تقدير مسألة البدعة الإضافية ،  ودور هذا المبحث في تجديد وتهذيب وضبط مفهوم السنة والبدعة :  إنّ الفقه السديد في مسألة تقدير البدعة الإضافية ، وفق أقوال علماء أهل السنة والجماعة ومدارسهم المعتمدة في الفقه وفي العقيدة وفي التزكية له دوره العظيم في تجديد وتهذيب وضبط مفهوم البدعة ، فلا بد من التفريق بين أحكام البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية  ، و [ البدعة الحقيقية ]  : هي البدعة التي أُحدثت بأصلها ووصفها ، لذا فهي تُعارض السنّة من كل وجه ، وينطبق عليها تعريف بدعة الضلالة من كل وجه كما تنطبق عليها ضوابط البدعة التي لا تكون إلا بدعة ضلالة ، ألا وهي : الأول : أن يكون مجالها في الدين ، والثاني : أن لا يكون لها أصل في الشرع ، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ، قال الشاطبي : ( البدعة الحقيقية فهي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل ) أهـ [ الاعتصام 1/286 ] ، ومثال تلك البدعة غالب البدع العقائدية كبدع التشيع والخروج والاعتزال والتجسيم والتشبيه والقدر والتجهم والجبر ، فإنّها بدع من جميع وجوهها ، خارجة عن الشرع من كل وجه ، وهي بدع ضلالة تستحق الوعيد بالنار ،  [ أما البدعة الإضافية ] : فهي البدعة التي لها أصل في الدين ترجع إليه ولكنها تزيد على الأصل بتخصيص وصف معين ، وذلك كتخصيصها بوقت محدد أو هيئة محددة ، وعلى ذلك فهي بدعة في وصفها لا أصلها ، قال الشاطبي : (  وأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان إحدهما لها من الأدلة  متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي البدعة الإضافية أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء ، والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة ) أهـ [ الاعتصام 1/286-287 ] ، [ وخلاصة الفقه في مسألة البدعة الإضافية ] : مع تطبيق القواعد والضوابط الفقهية عند من لا يجيز البدعة الحسنة ، وعند من يجيزيها تضيق مساحة الخلاف ويتهذب ويؤول إلى خلاف البدعة الإضافية إلى مسائل الفروع التي لا يصح الحسبة عليها ، ولا المخاصمة من أجلها ، لأنّه شتان ما بين البدعة الحقيقية التي لا اصل لها في الدين بل تُعارضه وتضاد سننه ، كبدع التشيع والخروج والاعتزال والتجسيم والتشبيه والقدر والتجهم والجبر ، فإنّها بدع من جميع وجوهها ، خارجة عن الشرع من كل وجه ، وهي بدع حقيقية من كل وجه تستحق الوعيد بالنار ، فشتان ما بينها وما بين البدعة الإضافية التي لها أصل في الدين ، وإنّما الخلاف في جهة الوصف أو الهيئة أو الكم ،  وخلاصة الفقه في مسألة البدعة الإضافية أنّ ما كان أقرب إلى التشريع منه إلى التنظيم والترتيب والتزام الأوراد ، فهذا لا يجوز ولا يصح فعله ، ومثال ذلك : الأذان للعيدين ولصلاة الكسوف فالأذان في أصله مشروع ولكن الأذان للعيدين والكسوف لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع كون المقتضي له موجود في زمان التشريع ، فلما لم يُشرع عُلم أنّه من باب العبادات التي يكون الأصل فيها الاتباع والتوقف ، أمّا ما كان اقرب إلى التنظيم والترتيب والتزام الأوراد ، فهذا لا يكون بدعة ضلالة بحال ومثاله التزام أذكار مخصوصة بصفة منتظمة على سبيل الاجتهاد في العبادة كمن يجعل له ورداً بختم جزء قرآن مثلاً بعد صلاة الفجر ، أو يجعل له ورد تسبيح ألف تسبيحة  بعد صلاة العصر مثلاً ، فهذا لا حرج منه البتة ، لأنّه ليس من باب التشريع وإنّما من باب تنظيم العبادة والاجتهاد فيها ، هذا حتى لو كان له أتباع يقلدونه فيما يفعل ويلتزمون به ، فإنّه لما جاز له جاز لغيره ، ومنه أيضاً الاجتماع للذكر أو للعلم في وقت معين يتفق عليه الجميع ، ويُلحق به الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم عقب الآذان ، فإنّه في أصله سنّة ولكن اختلفت الهيئة من السر إلى الجهر ، فإن كان فاصل يفصل بين الآذان والصلاة على الرسول فلا بأس ولا حرج لأنّها تذكر الناسي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الآذان ،

[  19  ] التحذير من التوسع في باب سد الذرائع ، ودور هذا المبحث في تجديد وتهذيب وضبط مفهوم السنة والبدعة  :  الفقهاء وهم أشد الناس حرصا على شريعة الله ؟، فإنهم نهوا عن تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة ، وكان من قواعدنهم الربانية في ذلك  :  ( قاعدة ) : لا يجوز تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة ، لأنّ الله تعالى يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [ الصف : 3 ] ، فالقول إن شيئاً مما أحله الله لا يجوز ، مثل القول : إن شيئاً مما حرمه الله يجوز ، وهذا من القول على الله بغير علم ، وقد قال الله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } [ النحل : 116 ] ،  و ( قاعدة ) الأصل في الأشياء الإباحة : لقول الله تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا } [ سورة البقرة : 29 ] ، وقوله تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ } [ سورة الجاثية : 13 ] ، وقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ } [ سورة لقمان : 20 ] ،  و ( قاعدة ) أيّ قضية سكت عنها الدين قضية مباحة : فلا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح صريح ، وكل قضية سكت عنها الدين مباحة ، ما لم يرد في تحريمها نص شرعي ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته )) [ أخرجه الدارقطني (2 : 137) والبزار (2231) ، وقال البزار : إسناده صالح ، وأخرجه الحاكم (3419) ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (11160) وقال ورجاله ثقات ] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله افترض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودًا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تقربوها ، وترك أشياء غير نسيان رحمة لكم فلا تبحثوا عنها)) [ الطبراني ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي ، وحسّنه النووي في " الأربعين النووية ] ،  و ( قاعدة ) الأصل في العبادات قوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ )) [ متفق عليه ] ، وقوله  صلى الله عليه وسلم : في رواية لمسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )  رواه مسلم [ صحيح مسلم ] ، ومما يستفاد من الحديث الشريف معرفة شرطين للبدعة : الأول : أن ينسب إلى الدين ، والثاني : أن لا يكون له أصل من دين الله يشهد له الحديث ، فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا ) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( ما ليس منه ) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه ،  ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم ( فهو رد ) ، قال الشافعي : " البدعة بدعتان : محمودة ومذمومة , فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم " أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي , وجاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال " المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال , وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة " انتهى ، أي أن البدعة الشرعية التي يقصد بها الضلالة هي كل محدثة في الدين وليس لها أصل فيه ، أما المحدثات التي لها أصل من الدين أو داخلة تحت شيء من مقاصده ، أو أمر عام من أوامره ، ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة ، ولا خلاف فيما تدل عليه من الخير فهذه من المحدثات الحسنة التي جاء بها الحديث الصحيح (( من سن سنة حسنة )) ، وهذا هو الفقه الحقيقي للدين الذي سبقنا إليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين فهموا روح الدين وحقيقته ، وحاصل الفقه أنّ في هذا الحديث الشريف تحذير ووعيد لمن يحدث في أمر الدين شيئاً وهو ليس منه ، وأنه مردود عليه ، وهذا حق لا مرية فيه ، لكن إيراد هذا الحديث في معرض الاستدلال به على أن عملاً ما من بدع الضلالة هو إيراد في غير محله ، إذ قد يكون ذلك العمل داخلاً فيما هو من الدين ، لا فيما ليس منه ، فيعود السؤال : ما الدليل على أن ذلك العمل ليس من أمور الدين ، لأنه إذا كان مندرجاً تحت نص من نصوص الإذن العامة أو المطلقة ولم يعارض نصاً آخر فلم لا يكون من المأذون فيه ؟ ! ! . فظهر بهذا أن هذا الحديث يبين أن ما أُحدث مما ليس من الدين مردود على صاحبه ، وليس فيه البتة أن كل ما أحدث فهو ليس من الدين ، و ( قاعدة ) تحريم القول بأن هذا حلال وهذا حرام من دون دليل قطعي ، وذلك لقوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } [ النحل : 116 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون)) [ أخرجه مسلم ] ، إذ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر ، والمتنطعون هم الذين يسارعون أن يقولوا كلمة " حرام " على ما أحله الله ، وقد قال الفقهاء : أجرؤكم على الفتية أجرؤكم على النار ، 

[  20  ] مبحث : التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية ، ودور هذا المبحث في تهذيب وضبط مفهوم السنة والبدعة : إنّ الفقه السديد في التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية  :  الأمر العادي : هو الأمر الذي يعاوده صاحبه , ويرجع إليه مرة  بعد أخرى حتى يصبح له عادة , سواء في ذلك أكان هذا الأمر متصلا بالفــرد نفسه , أو متصلا بالجماعة فيما بين أفرادها , أو فيما بينها و بين جماعة أخرى ، وهو بحسب استعـــمال الشرع : ما يجرى بين الناس من تصرفات لتحقيق المصلحة فيها مما لا يقصد به التـــقرب إلى الله تعالى ولكنها تحقق المقاصد التي يراعيها الشرع مثل تسهيل سبل الحياة , وما يصلح للناس ويحقق لهم السعادة وطيب العيش وقوة الرابطة ، وهو بخلاف الأمر  التعبدي القائم على أســاس الانقيـــاد والخضوع لدين الله تعالى والسير وفق ما أمر به شرع الله , وقد وضع بذاته للتقرب إلى الله تعالى, كالذكر, والصلاة ، وقد ذكرنا أنّ الابتـــداع المنهى عنه هو مـــا يدخل في الأمور التعبدية , سواء أكانت من أمور الاعتقاد , أو كانت من أمور الجوارح والأعمال الظاهرة ، وأما الأمور غير التعبدية, أي العادية , المحدثة لتحقيق منفعة لا ينهى عنها الشرع فــلا حرج منها , فما دام الأمر العادي لا ينهى عنه الشرع ، ولا يضر بالمصلحة , ولا يخرج على مقاصد الشرع ، ولا يُعد تشبهاً منهيا عنه بالكفار ،  وعند تطبيق فقه القاعدة على أمور عادية غير تعبدية : كمثال : المناسبات الوطنية ، وما يسّمى يوم الميلاد ، وما يسمى يوم الأم ، وغير ذلك من المناسبات  :  هذه الاحتفالات يفعلها الناس كعادات وليست من أمور الدين في شيء ، ولا أعلم على حد علمي أن أحد المسلمين يتقرب إلى الله تعالى بعمل شيء من تلك الاحتفالات ، إذن الكل يحتفل بتلك المناسبات بعيدا عن الدين ، وقد يقول قـــائل : فيها تشبه بغير المسلمين , والرد عليه أن ضابط التشبه بالكفار إنما يكون فيما يتعلق بدينهم لا بدنياهم ، فأمور الدنيا قائمة على المباحات حتى يأتي دليل الحظر ، وأمور الدين قائمة على أســاس الانقيـــاد والخضوع لدين الله تعالى والسير وفق ما أمر به شرع الله , والابتـــداع المنهى عنه هو مـــا يدخل في الأمور التعبدية , لا الأمور الدنيوية ، فلا مانع في أمور الدنيا من الاستفادة بكل مفيد من علوم او أعمال هؤلاء  ، وهذه لا يدخل فيها التشبه بالكفـــار , ولكن فيها مــا يراه كل أحد ومصلحته ، فإن قال قائل : هذا تشريع لأعياد متعددة ، وليس للمسلمين غير عيدين , فالجواب أن من قال عيد من العامة ، فلا يقصد به المعنى الشرعي للعيد ، وكل المسلمين يعلمون أن عيدي المسلمين الشرعيين هما عيدا الفطر والأضحى وأنهما دين , أما هذه المناسبات فهي احتفالات ومناسبات دنيوية ، يحكمها الشرع ، بمعنى إن صار فيها اختلاط محرم فهي محرمة لذلك ، وإن  صار فيها أمور تخالف الدين فهي محرمة كذلك ، وإن صار فيها سرف وبذخ فهذا مخالف للشرع ، ولكن الاحتفال في حد ذاته مباح ، هذا فيما يتعلق بالمناسبات الخاصة ، وأمّا المناسبات الوطنية ، والتي لا علاقة لها بالدين ، فما دام الأمر فيها لا ينهى عنه الشرع ، ولا يضر بالمصلحة الدينية , ولا يخرج على مقاصد الشرع ، ولا يُعد تشبهاً منهيا عنه بالكفار ،  فإنّها من أمور الدنيا العادية التي لا علاقة لها بالبدعة ، وإنّما يُنظر إليها من منظار المصلحة والمفسدة ، والله تعالى أعلم ، ومع ذلك أقول - وهذا اجتهادي - الأولى لكل مسلم أن يعتز بكل ما هو اسلامي ويتنزه عن كل ما هو أجنبي عن دين الإسلام ، فلا فلاح لنا إلا بصبغة الإسلام ، قال تعالى : { صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ } ،

[  21  ] كل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع ، فإنّ المقصود به إنما هو بدع الاعتقاد التي تشق صف الأمة ، ولا يُحمل أبدا على الخلافات الفقهية  ، فإنّ أصول البدع المخرجة عن إطار أهل السنّة والجماعة إلى أُطر الفرق الضالة تتمثل في بدع اعتقادية ضالة عريضة يؤول اعتقادها إلى مفارقة الفرقة الناجية إلى الضلال واستحقاق الوعيد بالنار ،  وإنّ رؤوس الفرق الضالة في باب الاعتقاد في إطار الإسلام تتمثل في الشيعة ، والخوارج ، والمعتزلة ، والحشوية  ، والمرجئة ، والجهمية الجبرية ، فهذه أصول الفرق الضالة عن مذهب أهل السنّة والجماعة ، ومن كل فرقة منهم انشطر العديد من الفرق بعدد أفكار الضلال ، وتمايز عنهم أهل الفرقة الناجية باسم : أهل السنة والجماعة ، إنّ بدعة الاعتقاد هي السبب الأول للافتراق في الدين : فقد أخرج الترمذي : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ) " [ سنن الترمذي ]  ، وأخرج في سننه : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي ))  [ أخرجه الترمذي ] ، والبدعة العقائدية هي السبب الرئيس للتفرق ، فقد اجتمعت الخوارج على بدعة الغلو في مسائل الإيمان وتكفير المسلمين به واستحلال حرماتهم به . واجتمعت الشيعة على بدعة الغلو في الإمام علي رضي الله عنه واتهام الصحابة بمخالفة الحق ،  واجتمعت المعتزلة على تقديم العقل على النقل ، واجتمعت الحشوية على بدع الحشو والتجسيم ، وكل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع المقصود به بدع الاعتقاد التي تشق صف الأمة ، ولا يُحمل على الخلافات الفقهية أبدا : لأنّ من القواعد الفقهية ، التي تعتبر من أهم ضوابط الخلافات الفقهية التي تخضع للاجتهاد قاعدة : ( لا إنكار في مسائل الخلاف الفقهية ) ، وهذه القاعدة تتعلق بالأساس بالمذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة لأنّها مدارس فقهية مؤصلة روجعت آراؤها على أيدي آلاف المجتهدين الأئمة العلماء ،   لقد صارت تلك القاعدة أساسا اجتماعيا وأخلاقيا يصبغ المجتمع المسلم بالتراحم والألفة والتراضي لاسيما في أمور الفقه التي تحتمل الوجوه ، ومما يؤكد ذلك أنّ تلك المذاهب الإسـلامية لم تنشأ إلا لاستيعاب أحكام الشريعة ، وهي قاعدة وضعها الفقهاء صيانة للدين ، واستيعاباً لاختلاف الآراء ، وضبطاً لتعدد الاجتهادات الفقهية التي تخضع لقواعد اللغة ومدي ثبوت النصوص ودلالاتها ، وحفاظاً  على وحدة الأمة ، وإعلاء لمبدأ : { إنما المؤمنون إخوة } ، والاختلاف في تلك المسائل الفقهية سعة ورحمة ، لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق ، وما دام المختلفون أئمة يقتدى بهم ، فلا بأس بالاقتداء بأحدهم ، وأولى الناس بذلك هم الأئمة الأربعة ، وأولى المذاهب بذلك المذاهب الأربعة ، ومن أهم أسباب وضع قاعدة : ( لا إنكار في مسائل الاجتهاد ) : ضبط الخلاف بين المتنازعين ،  وتخفيف وطأة الخلاف بين العلماء فيما فيه سعة من مسائل الاجتهاد ، والحفاظ على شمول الشريعة من حيث قبول جميع أوجه الفقه المقبول ،  ولهذا برزت قاعدة فقهية أخرى تتناول اجتهادات المذاهب الفقهية المعتمدة للحفاظ على لحمة المجتمع المسلم ، ألا وهي قاعدة : (كل مجتهدٍ مصيب) : وهذا ما جعل الإمام النووي ، رحمه الله يقول : ( إنما ينكرون ما أجمع عليه ، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه ، لأنه على أحد المذهبين : كل مجتهد مصيب ، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم ، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه ) [ شرح النووي على صحيح مسلم،2/ 23 ] ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

عدد الزيارات 1

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا