العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الخامس : ( علم الاتباع ) وذلك للقضاء على جانب الغلو في التبديع ( ب ) مميز


الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 19:10 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الخامس : ( علم الاتباع ) وذلك  للقضاء على جانب الغلو في التبديع ( ب )

[  22  ] أصول البدع الضالة عند الخوارج : ( أ ) غلوهم في الإمامة : فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه  ، ( ب ) غلوهم مع أهل القبلة : يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام ، ويقولون كل ذنب مغلط كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان ، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان ،  ( ت ) غلوهم في حق أنفسهم : يقرون لأنفسهم بالإيمان ، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار  ، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم  كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم ، ( ث ) يقولون بأن  كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر مرتد حلال المال والعرض والدم دونما تفصيل أو فقه في الدين ، ويقولون بأن كل من وافقه أو سكت عنه فهو كافر مثله ، ( ج ) من صفاتهم يدعون أهل الشرك إلى الإسلام ، ويكفرون أهل الإسلام الأصليين ، ويطبقون الآيات التي نزلت في المشركين على أهل الإسلام فيكفرونهم ويستحلون حرماتهم ، يمرقون من الدين بأدنى شبهة ،

[  23  ] أصول البدع الضالة عند الشيعة : ( أ ) المغالاة في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد التي يبنى عليها دين الإسلام ،  ( والإمامة ) عند أهل السنة والجماعة الناجية ليست من أصول الدين وأركانه ، ولكنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ، ( ب ) بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم ، مع أنهم خير أصحاب الأنبياء وصفهم الله تعالى بالصدق والإخلاص ، ( ت ) عدم اعترافهم بدواوين السنّة المشرفة  ، التي جمعها أئمة الحديث عند أهل السنّة والجماعة ، ( ث ) وقوعهم في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق ، وأسباب ذلك : استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي  صلى الله عليه وسلم  الكرام البررة ، واستحلالهم دماء وأموال وأعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة السائرين على هدي النبي  صلى الله عليه وأصحابه الكرام البررة ، واستحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان ، واستحلالهم الزنا في صورة المتعة حتى أنهم من خلالها أعاروا الفروج وغرقوا في الفاحشة ، نسأل الله العافية ،

[  24  ] أصول البدع الضالة عند المعتزلة : ( أ ) الأصل الأول عندهم : يسمونه التوحيد ، وقد وصلوا من خلال هذا المبحث إلى نفي صفات الله تعالى المحكمة من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأنه سبحانه لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة ، ووصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثباتاً ،  ( ب ) الأصل الثاني عندهم : يسمون العدل ، ويبحثون فيه أفعال الله تعالى وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى فوقعوا في وصفه سبحانه بالعجز تعالى الله عن ضلال المعتزلة علواً كبيراً  ، ( ت ) الأصل الثالث عندهم : ويسمونه الوعد والوعيد : ومعناه أن الله تعالى إذا وعد وفى وإذا أوعد وفى ، وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء ، وتحكم غير صحيح في مشيئة الله تعالى الذي إن شاء عذّب وإن شاء عفى ، وأصحاب الفطرة السليمة يقولون أن الكريم إذا وعد وفى وإذا أوعد عفى ، ( ث ) الأصل الرابع عندهم : يسمونه المنـزلة بين المنـزلتين : ومعناه أن مرتكب الكبائر ليس مؤمنا ولا كافرا ، وإنما في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة ، ثم حكموا عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ( ج ) الأصل الخامس عندهم : ويسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر : يرون من خلاله الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين ،  

[  25  ] أصول البدع الضالة عند الحشوية : الحشوية : لقب أُطلق على طائفة من المبتدعة الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والتغير والحدوث وقبول الحوادث والكون في المكان وأنه بذاته على العرش ، والفرق بينهم وبين المجسمة ، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم ، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى ، أمّا الحشوية ،  فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم ، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم ، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة ، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، والحشوية لهم مواصفات معينة ، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، يعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه في المخلوق المحدث فيقيسون جناب جلال ذات الله تعالى وتقدس القديم بذاته وأسمائه وصفاته على المحدث المخلوق ، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف ، والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وإلى الوقوع في الحشو المرذول على حساب التقديس والتنزيه ، يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، مصداقا لقوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، وقد سماهم أهل العلم بالحشوية : لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية ، وبكل ما يخالف صريح العقل ، وهم أبعد الناس عن العقل وأدلته القطعية ، ينسبون الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله الأحد الصمد المنزه عن كل ما يعارض الأحدية المطلقة من الانقسام والجزئية والبعضية والجارحة ، وينسبون الحد والمقدار إلى ذات الله الواحد القهار ، ولو عقلوا أنّ المحدود المقهور بحده لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم ، ويجيزون علي الله تعالى الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، كما سماهم اهل العلم حشوية لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة ، في أبواب العقيدة وما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته ، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف ، كما سماهم اهل العلم حشوية : لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات : لأنّهم أهل التناقض ، فهم يبدعون المؤولة ، ثم يتأولون  القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة ، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية ، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع ، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أذهانهم السقيمة التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته ، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة ، وهذا المكان هو العرش على ظنهم ، وأنّه بذاته فوق عرشه ، فأتو بلفظ ( ذاته ) من عند أنفسهم ، وجعلوا الاستواء حسيا ، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس كمثل وجوده وجود ، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش ، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان ، والملك والملكوت ، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون ، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم ، ويقولون " لا يعقل " وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول ، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول ، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات ، كما سماهم اهل العلم حشوية : لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء ، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء ، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة ، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح ، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين ، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ،

[  26  ] أصول البدع الضالة عند المرجئة  : ( أ )  الأصل الأول : الإيمان أصله وفرعه وجميعه لا يخرج عن القلب ولا يتعداه إلى الجوارح وأعمال الجوارح ليست من مسمى الإيمان أصلا ، ( ب ) إهمال قيمة عمل الجوارح بالكلية وعدم الاعتداد به ، وبالتالي أهملوا في أداء الواجبات واستهانوا بالمعاصي والآثام ، وقد بدا هذا الخلل العظيم واضحاً في مقولاتهم : فمنهم من يقول : ( الفاسق مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كجبريل وميكائيل وإن لم يعمل واجباً قط وإن لم يدع كبيرة قط ) ، ومنهم من يقول : ( لا يدخل من أهل التوحيد أحد النار أبداً ) ، ومنهم من يقول : ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة ) ، ومنهم من يقول : ( المعصية لا تضر صاحب التوحيد ) ،

[  27  ] أصول البدع الضالة عند الجهمية : ( أ ) الأصل الأول : تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل ، ( ب ) الأصل الثاني : القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر ، ( ت ) الأصل الثالث : القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة ، ( ث ) الأصل الرابع : القول بفناء الجنة والنار ، ( ج ) الأصل الخامس : إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كالصراط والميزان وعذاب القبر ،

[  28  ]  من البدع المعاصرة التي تمثل خطرا على صفاء منهج أهل السنّة والجماعة وتمثل انحرافا عن منهجهم الصافي إلى مناهج أهل الضلال : بدعة الغلو في مسائل التكفير ، وكذلك بدعة الحشو عند الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، وبدعة الغلو في مسائل الشرك ، وبدعة الغلو في مسائل التبديع ،  (( أ ))  بدعة الغلو في مسائل التكفير :  بدعة الغلو في مسائل التكفير تمثلها جماعات الغلو في التكفير  : وهي جماعات غالية نهجت نهج الخوارج في تكفير أهل القبلة من المسلمين بالذنوب والمعاصي  ، وهم يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل ، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل ، أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك ، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم  ، أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم ، ويرجع أصل بدعة الغلو في التكفير الى الخوارج والذين كانوا من أشد الناس تمسكاً بالشعائر التعبدية صياماً وقياماً وتلاوة القرآن ولكنهم أتوا من فساد الفكر لا من فساد الضمير وزين لهم سوء عملهم فرأوه حسناً  وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم : (( يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم )) ، وأنّهم : ((  يقتلون أهل الاسلام و يدعون أهل الأوثان )) ، (( ب )) بدعة الحشو في مسائل التقديس :  وهي تتمثل في تتبع المتشابهات التي حذرنا الله تعالى من تتبعها بقوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ  } [ آل عمران : 7 ] ، وهؤلاء يعتقدون المعاني المنطوية على التجسيم من هذه المتشابهات ، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، وهم لا يحترمون تخصص العلماء ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، ولديهم قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، ديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة  ، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق ، وهم من أخطر الفرق على منهاج أهل السنة والجماعة ، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف ، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف ، (( ت )) بدعة الغلو في مسائل الشرك :  لقد حدث الغلو في مسائل الشرك واتهام المسلمين بالشرك الأكبر في أعمال لا تبلغ بهم ذلك الشرك ، والسبب في ذلك الغلو ، هو الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة وذلك بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في تحديد الضابط الشرعي الدقيق والصحيح لمسمى العبادة ، وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، في أعمال قد تسبب فيها الجهل أو البدعة ، أو مجرد الخلاف الفقهي المشروع ، وأدى ذلكم الغلو إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون تحل دماؤهم واعراضهم ، (( ث )) بدعة الغلو في مسائل التبديع :  لقد حدث الغلو في مسائل التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب الغلاة في التبديع في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، لقد حدث غلو شديد في مسائل التبديع ، وصار  الغلاة يبدعون حتى في المسائل الفقهية الاجتهادية التي قال بها الأئمة المجتهدين ، وصار الغلاة يبدعون حتى المدارس الأصولية التى ارتضاها أهل السنّة والجماعة مدارس معبرة عن آرائهم ، وهي الأثرية والأشعرية والماتريدية ، تلك المدارس المتخصصة التي حفظ الله تعالى بها عقائد أهل السنّة والجماعة بعيدا عن الاعتزال والحشو والتجسيم ، إن فقه مسائل السنّة والبدعة ، باب خطير لأنّ التنطع فيه يؤدي إلى إنتهاك حرمات المسلمين وتبديع من ليس بمبتدع ، والتبديع سلاح خطير ، وإذا كان الخوارج قديما قد سلوا سيف التكفير على أمة الإسلام فإن هناك طوائف عديدة ممن إبتلوا بهوس البدعة ولم يشموا رائحة الفقه في الدين وخلطوا بين أمور الإبتداع وأمور الخلاف في الإجتهادات الفقهية بسبب أصول ضيقة أصلوها بأفهامهم السقيمة ، حتى صار كل منهم يبدع الأخرين على أقل الخلاف وأيسره ، إنّ من الخطر أن يتجرأ أحد ويبادر بالتبديع ويرمي المسلمين بالضلالة ، لقد اُبتلينا بطوائف لا تخشى من حساب الله وتستهين بما يؤول إليه تساهلهم في التبديع والرمي بالبدعة والضلالة ، فما أسهل وما أهون وما أيسر أن يتهموا المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) بالبدعة والضلالة ، وما أيسر أن يتهموا المتخصصين في التزكية على منهاج أهل السنّة ( السادة الصوفية الصالحون على منهج الكتاب والسنّة ) بالبدعة والضلالة ، وهؤلاء هم سواد أهل السنّة الاعظم ، حتى بلغ الأمر بهم أنّهم يبدعون بعضهم بعضا ، بألفاظ وألقاب ما أنزل الله تعالى بها من سلطان ، بدّعوا غالب أهل الإسلام ، وشككوا في مناهج المدارس العريقة المنتسبة إلى أهل السنّة والجماعة والمتخصصة في العقيدة والفقه والتزكية ، وإذا ذكرت لهم أكابر العلماء كالنووي وابن حجر والسيوطي وغيرهم كثير ، قالوا ليسوا على جادة السنّة ، وبدلا من أن يطلبوا العلم الصحيح على أيدي المتخصصين ، اتهموهم بالبدعة  في الدين ، وصاروا بمثابة قاطع طريق على أهل السنة والجماعة في صورة المدافعين عنها ،

[  29  ] الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة : ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبا الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها : ( الشرط الأول ) : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، ( الشرط الثاني ) : أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه ، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين ، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة : أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه ، ( الشرط الثالث ) : قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء ،

[  30  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف : ليس المقصد من ذكر هذه المسالة الدعوة إلى احداث أعياد جديدة للمسلمين ، وإنما للمسلمين عيدان اثنان هما عيد الفطر وعيد الأضحى ، وليس لهما من الأعياد سواهما ، كما أنّ للعيد في شرع الإسلام شعائر ومناسك تميزه عن غيره من المناسبات السعيدة ، أهمها صلاة العيد بالكيفية المخصوصة لها ،  وإنما المقصد هو الاعتدال في تقييم البدع والمحدثات بطريقة الفقهاء في الدين دونما غلو أو تفريط ، وبيان أنّ المولد النبوي الشريف ليس عيدا بالمعنى الاصطلاحي للعيد ، وإنما هو مناسبة اسلامية سعيدة ، ويوم من أيام الله العظيمة ، وقد امرنا القرآن الكريم بتذكر أيام الله تعالى الجليلة ،  كما في قوله تعالى : { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [ إبراهيم : 5 ] ، فهل من مانع شرعي من إظهار الفرح والسرور والاحتفال بهذه المناسبة العظيمة وتذكير المسلمين بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة ، وسيرته الكريمة ، وقد علم المسلمون أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم  هو فضل من الله تعالى عظيم على هذه الامة ، وهو رحمة من الله تعالى للعالمين ، وقد قال الله تعالى : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [ يونس : 58 ] ، فإن لم نفرح بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم فبماذا يفرح المسلمون ،  [  ثانيا  ] : هل يمكن أن يكون اظهار الفرح والسرور بمولد الرسول حراما ، وما هو دليل الحرمة ، إن الشرع الحكيم قد جعل لنا ضوابط تضبط الحلال والحرام ، قال الله تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ الحشر : 7 ] ، فإن كان نهانا الرسول عنه انتهينا وان كان مما سكت عنه ، علمنا أنّ ما سكت الشرع عنه فإنّه في دائرة المباح حتى يأتي ما يدل على استحبابه أو تحريمه ، وهل يمكن أنّ يكون اظهار الفرح والسرور بمولد الرسول بدعة ضلالة ، إنّ البدعة  مصطلح شرعي خطير يسقط عدالة من يُتهم به ، ويظل هذا العار في عنقه إلى يوم القيامة ، ولهذا كان التحذير من الولوج فيه عظيما ، وخطر الولوج فيه جسيما ، والمفترض أنّه لا يملك حق وصف المسلم به إلا العلماء الفقهاء أهل التخصص الفقهي الذين بلغوا الغاية في الفقه في الدين ، حتى يتمكن أحدهم من انزال حكم البدعة على المبتدع انزالاً صحيحا ،فإنها من مسائل الدين الوعرة الخطيرة ، لا يحسنها أي أحد ، بل تحتاج عند انزالها على  المسلمين إلى معرفة واسعة بالدين واحاطة بجوانبه ، كما تحتاج إلى معرفة تامة بضوابط البدعة الضلالة وضوابط البدعة الحسنة ، وضوابط التبديع وشروطه وموانعه ،  ولا يقوى على ذلك كله إلا أهل التخصص الفقهي الراسخين في العلم والفقه والدين ،  إن المقصود من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف إنما هو التعبيرٌ عن الفرح والسرور بمولده صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقراءة سيرتهِ وشمائلهِ وأخلاقه ودعوته وجهاده من أجل دين الله تعالى ، وهذا كله تثبيت لقلوب المؤمنين على الإيمان ، وقد كان الله تعالى يثبت قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذكرِ أنباء الرُسل السابقين عليهِ كما في قوله تعالى : { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ  } [ هود : 120 ] ، فما أحوج المسلمين لتثبيت قلوبهم بذكر أنباء الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتقرب إلى الله تعالى بذكره وكثرة الصلاة عليه ، فهذا هو المقصد من الاحتفال إما ما عداه من مخالفات شرعية ، فهذا ما نبرأ إلى الله تعالى منه ، وإنّه لمن المؤسف أن يبلغ الحال ببعض المسلمين أن يكون إعلان الفرح والسرور والاحتفال بيوم ولادتهِ عليهِ الصلاة والسلام موضع تبديعٍ وإتهام , وهو اليوم الفاضل الذي أكرم الله تعالى به البشرية لأنّه الرحمة المسداة والكتاب المنير والهدى والنور للناس جميعا ، بل تعدت رحمته إلى الثقلين الإنس والجن وإلى جميع العالمين ، قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] ، وقال تعالى : { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } [ المائدة : 15 ] ، كما أنّ يوم المولد النبوي الشريف يوم فاضل ، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، سُئِل عن صوم يوم الاثنين ، قال : (( ذاك يوم ولدت فيه ، ويوم بعثت ، (أو أنزل علي فيه) )) [ أخرجه مسلم ] ، كما أنّ الاحتفال بالمولد  : للاحتفال بالمولد له أدلة عديدة أهمها : أنّ الآيات القرآنية أشارت إليه ، وأنّ له أصلاً في الشرع ، وأنّه يدخل ضمن السنة الحسنة لقولهِ عليهِ الصلاة والسلام : (( من سن في الإسلام سنة حسنة فلهُ أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء )) ، ولذلك ورد استحباب الكثير من علماء أهل السنّة والجماعة لفعله ، ومن أدلتهم الشرعية على ذلك : ( أ ) أنّ القرآن الكريم ذكر قصص مولد عددٍ من الأنبياء عليهم السلام ، كقصة مولد سيدنا موسى عليهِ السلام ، وقصة مولد سيدنا يحي بن زكريا عليهما السلام ، وقصة ميلاد مريم عليها السلام ، وكان الهدف من ذكر تلك القصص تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم  بأخبار  الأنبياء والمرسلين ، كما في قوله تعالى : { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ  } [ هود : 120 ] ، فما أحوج المسلمين لتثبيت قلوبهم بذكر أنباء الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتقرب إلى الله تعالى بذكره وكثرة الصلاة عليه ، والتأسي بسيرته العطرة ، ( ب ) أنّ الاحتفال بيوم مولده من تذكر آيات الله تعالى التي أمرنا الله عز وجل بتذكرها ، وذلك مستفاد من قوله تعالى : { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [ إبراهيم : 5 ] ، ومن أجل أيام نعمه يوم مولده صلى الله عليه وسلم ،  وأي نعمة أعظمُ من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم ،  نبي الرحمة في ذلك اليوم ، ( ت )  أخرج البخاري : (( أن عروة قال : وثويبة مولاة لأبي لهب ، كان أبو لهب أعتقها ، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات أبو لهب ، أريه بعض أهله بشر حيبة ، قال له : ماذا لقيت ؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم ، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة )) [ أخرجه البخاري : ح 4813 ] ، فهذا أبو لهب مخلد في النار ، كافر بالله ورسوله  صلى الله عليه وسلم  ومع ذلك يخفف عنه العذاب ، لسروره بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعتقه بهذه المناسبة جاريته ثويبة . فكيف بمن يسر بمولد النبي صلى الله عليه وسلم   وهو مؤمن به ، فهذا من باب أولى أن يكتب له القبول ، وتناله الرحمة في الدنيا والآخرة ، ولله در الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي ، حافظ الشام ، حيث قال في كتابه " مورد الصادي في مولد الهادي" : ( فقد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين ، لإعتاقه ثويبة ، سرورا بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم  ، ثم أنشد : (( إذا كان هذا كافراً  جاء  ذمّهُ ... بتبت يداهُ في الجحيمِ مُخلّدا  ... أتى أنه ُ في يوم الاثنين دائماً ... يُخففُ عنهُ للسرورِ بأحمدا ... فما الظنُ بالعبد الذي طول عمرهِ ... بأحمد مسروراً ومات مُوحّدا )) ،  ( ث ) الرسول صلى الله عليه وسلم يُسأل عن سبب صيامه ليوم الأثنين ، فيذكر السبب وأنّه يوم ولد فيه ، فهو يحتفل به بصورة صيامه ، وإلا فما علاقة الإجابة (( ذاك يوم ولدت فيه )) بالسؤال (( وسئل عن صوم يوم الاثنين )) إلا إذا كان القصد بيان شرف هذا الزمان الذي ولد فيه ، وهذا  مثله ما جاء في صوم يوم عاشوراء ، أنّ اليهود كانوا يصومونه فرحاً باليوم الذي نجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وأغرق آل فرعون ، فكان قوله صلى الله عليه وسلم : (( أنا أولى بموسى منهم )) فصام هذا اليوم ، فالأصل هنا الذي يدل على شرعية الاحتفال بالمولد الشريف أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم الاثنين من كل أسبوع وندب إلى صيامه لأنّه يوم مولده ، وصام يوم عاشوراء لأنّه يوم من أيام الله تعالى نجى فيه موسى عليه السلام وبني إسرائيل ، وأغرق أل فرعون ، ولا شك أنّ يوم مولده من أعظم أيام الله تعالى فضلاً ورحمة على البشرية ، وقد كان من أسباب جعل يوم الجمعة عيد المسلمين الأسبوعي أنّه يوم مولد آدم عليه السلام ، فإنّ من أسباب الفرح والسرور بيوم الأثنين الأسبوعي أنّه يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فما بالنا بيوم واحد في العام يستبشر المؤمنون بيوم مولده صلى الله عليه وسلم ويعيشون فيه مع سيرته العطرة وأخلاقه العظيمة كتذكير يمتد أثره طوال العام ، فبه صلى الله عليه وسلم - وهو الفضل والرحمة - فليفرح المؤمنون هو خير لهم مما يجمعون ، ( ج ) الاحتفال بالمولد النبوي يدخل ضمن السنة الحسنة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ((من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا)) [ أخرجه مسلم ] ، وذلك لأنّ الاحتفال بمولده يشمل ذكر شمائله وسيرته وأخلاقه وذكره والصلاة عليه ،  وقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم  احتفل بيوم مولده وذلك بصيامه ، فإن قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم مولده فلم لا تقتصرون على صيامه كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، قلنا الأصل الاحتفال والفرح به ، وصيامه سنّة ، والاستبشار به والسرور بمقدمه والاجتماع على ذكره أقل ما يقال فيه أنّه مباح ، إن لم يكن سنّة حسنة يؤجر عليها المسلم بنيته وفعله ،  ولهذا قال الحافظ ابن حجر فيما نقله عنهُ السيوطي : ( وأما ما يعمل فيهِ فينبغي أن يُقتصر فيهِ على ما يُفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة ) أهــ [ الحاوي للفتاوي للحافظ السيوطي ص189 ] ،  ولهذه الأدلة استحب الكثير من علماء أهل السنّة والجماعة الاحتفال بالمولد الشريف ومن ذلك : قول الحافظ السيوطي : ( أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ، والأخبار الواردة في بداية أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع لهُ من الآيات ، ثم يُمد لهم سماط يأكلونهُ ، وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها لما فيها من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح بمولده الشريف )) أهــ [ باب حُسنُ المقصَدَ في عمل المولد ، من كتابه الحاوي للفتاوى ص189 ] ، وقول الحافظ العراقي : ( إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مُستحب في كل وقت ، فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهور النبي في هذا الشهر الشريف ، ولا يلزم من كونهِ بدعة أن يكون مكروهاً ، فكم من بدعة مستحبة بل قد تكون واجبة ) أهــ [  شرح المواهب اللدنية للزرقاني ] ، وقول الحافظ السخاوي : ( لم يفعلهُ أحدٌ من السلف في القرون الثلاثة ، وإنما حدث بعد ، ثم لازال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمُدن يعملون المولد ويتصدقون في لياليهِ بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولدهِ الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته ِكلُ فضلٍ عميم ) أهــ  [ السيرة الحلبية (1 : 83 و 84 ) ] ، وقول العلامة ابن عابدين : فقد قال في شرحهِ على مولد ابن حجر : ( اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف من الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم )  أهــ ، وقول الحافظ ابن حجر الهيثمي : ( والحاصل أن البدعة الحسنة متفقٌ على ندبها ، وعمل المولد واجتماع الناس لهُ كذلك ) أهــ ، وقول الحافظ ابن الحاج : ( فكان يجب أن نزداد يوم الأثنين الثاني عشر في ربيع الأول من العبادات والخير شكراً للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة وأعظمها ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم ) أهــ  [ المدخل (1 : 361) ] ، ومن الذين ألفوا رسائل في فضل الاحتفال بالمولد : الإمام الحافظ المناوي لهُ مؤلف في المولد اُشتُهر  باسم ـ (مولد المناوي) في ثمانين صفحة طُبعت سنة 1377 ، والعلامة الحُجة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي مفتى الشافعية بمكة المكرمة وسمى كتابهُ ( إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم )  ، والحافظ السيوطي في رسالته حُسنُ المقصَدَ في عمل المولد ، أما الحجج التي يستدل بها هؤلاء من جعل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة ضلالة  تؤول إلى ثلاث حجج كلها باطلة ، الأولى : كونه محدث وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، والثاني : أنّه لم ينقل عن النبي صلي الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أنّهم احتفلوا به قط ،  الثالث : أنّ العبادات توقيفية ولا يجوز ادخال ما ليس منها فيها وأنّ الله تعالى أكرمنا بعيدين فلا يجوز أن تجعل ما سواها أعيادا للمسلمين ، وجميع تلك الحجج واهية أمام الأدلة الدالة على جواز الاحتفال بالمولد ،   ففيما يخص حديث (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ، لفظ ( كُل ) الذي جاء في حديث : (( كل محدثة بدعة )) عموم مخصوص بكل ما أحدث في الدين مما ليس منه ، كما أنّ الترك  ( ترك الرسول صلى الله عليه وسلم لعملٍ ما ) لا يدل على حكم شرعي معين سوى الجواز إلا إن جاء دليل مستقل على  النهي ، فما بالنا إن دل دليل شرعي على استحباب هذا الاحتفال كما بينا ، ومن حرم بالترك أو بدع بالترك دخل لا محالة في التحذير الرباني في قوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } ،  وأما قولهم : أنّ العبادات توقيفية ولا يجوز ادخال ما ليس منها فيها وأنّ الله تعالى أكرمنا بعيدين فلا يجوز أن تجعل ما سواها أعيادا للمسلمين ، فمن قال من المسلمين أن الاحتفال بالمولد الشريف عيد بالمعنى الشرعي ، وكل المسلمين يعلمون أن للمسلمين عيدان اثنان هما عيد الفطر وعيد الأضحى ، وليس لهما من الأعياد سواهما ، بما يميزهما من شعائر ومناسك تميزهما عن غيرهما من المناسبات السعيدة ، أهمها صلاة العيد بالكيفية المخصوصة لها ،  إذن المولد النبوي الشريف ليس عيدا بالمعنى الاصطلاحي للعيد ، وإنما هو مناسبة اسلامية سعيدة ، ويوم من أيام الله العظيمة ، إنّ محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، وذكره والتعلق به يجب أن يكون في كل حين ، وليس ذلك مخصوصاً بليلة مولده وشهر مولده ، ولكن لابأس أن يكون شهر ربيع الأول كله هو شهر الرسول نكثر فيه من دراسة سيرته ومعرفة أخلاقه ، والإكثار من ذكره والصلاة عليه ، وكما أنّ شهر رمضان المبارك هو شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن ، مع أنّ ذلك ليس مخصوصاً بشهر رمضان ، ولكننا نكثر فيه من القيام وتلاوة القرآن ، فليكن شهر ربيع الأول هو الفرصة الكبرى لتذكير المسلمين كافة بالنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته ، ودراسة كل ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم ابتغاء التخلق بأخلاقه والتأسي بسنته وهذا هو الاحتفال الحقيقي بمولد الرسول ،  أما ما قد يصاحب المولد من مخالفات أو محرمات فهذه يبرأ كل مسلم إلى الله تعالى مما يغضبه في هذا اليوم من أيام الله تعالى ، ويجب انكار تلك المخالفات نصرة لدين الله تعالى ، وصدق الله تعالى حيث يقول : { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [ إبراهيم : 5 ] ، وحيث يقول : { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } [ الحج : من الآية32 ]  وحيث يقول : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [ يونس : 58 ] ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ،

[  31  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الذكر الجماعي :  إنّ كثير من الآيات القرآنية دلت على جواز الذكر الجماعي ، وكثير من الأحاديث الشريفة بينت استحباب الذكر الجماعي وحثت عليه ، كما تكاثرت أقوال الفقهاء على جوازه ،  فمن الآيات القرآنية التي تدل على الذكر الجماعي : قوله تعالى { فاذكروني أذكركم }[ البقرة : 152 ] ، وقال تعالى : { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } [آل عمران : 191 ] ، وقال تعالى { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما }[ الأحزاب : 35 ] ، وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا } [ الأحزاب : 41 ، 42) ]  ، وهناك أحاديث شريفة عديدة تبين استحباب الذكر الجماعي والحث عليه  منها :  ( 1 ) أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا : هلموا إلى حاجتكم. قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال : فيسألهم ربهم – وهو أعلم بهم – ما يقول عبادي؟ قال : يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال فيقول هل رأوني ؟ قال فيقولون لا والله ما رأوك قال فيقول كيف لو رأوني؟ قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا اقل يقول فما يسألوني؟ قال يسألونك الجنة قال يقول وهل رأوها؟ قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو أنهم رأوها؟ قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال : فمم يتعوذون؟ قال يقولون من النار قال يقول وهل رأوها؟ قال يقولون لا والله ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها؟ فقال : يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم )) [ أخرجه البخاري (6408) ] ، ( 2 ) أخرج مسلم : عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال : ما أجلسكم؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ علينا قال : آ لله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا : والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة[ أخرجه مسلم (6797) ] ، (  3 ) أخرج أحمد والترمذي وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال : حلق الذكر ))  [ أخرجه أحمد (3/150) والترمذي (3510) وذكره السيوطي في الجامع الصغير (859) ورمز لصحته ] ، ( 4 ) أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي... وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)[ أخرجه البخاري(6970) ومسلم (2675) ] ،  ( 5 ) أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده )) [ أخرجه مسلم (2700) ]  ، ( 11 ) أخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات)) [ رواه أحمد (14/202) ] ،

[  32  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الذكر الجهري  :  جاءت آيات عديدة وأحاديث كثيرة تبين جواز الجهر في الذكر ، قال الله تعالى { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم }[ آل عمران : 191 ] ، وقال تعالى { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما }[ الأحزاب : 35 ] ، وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا } [ الأحزاب : 41 ، 42 ] ، أحاديث وآثار تبين استحباب الجهر بالذكر والحث عليه إما تصريحا أو التزاما : ( 1 ) أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يتلمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال : فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال : فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم : ما يقول عبادي؟ قال : يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال فيقول : هل رأوني؟ قال فيقولون لا والله ما رأوك قال : فيقول : كيف لو رأوني؟ قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا قال يقول فما يسألوني؟ قال : يسألونك الجنة قال : يقول : وهل رأوها؟قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو أنهم رأوها؟ قال فيقلون لو أنهم  راوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال فمم يتعوذون ؟ قال : يقولون من النار قال يقول وهل رأوها ؟ قال يقولون لا والله ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها؟ قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول : فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال : هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم )) [ أخرجه البخاري (8/107) ومسلم (8/68) ] ،  وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا عند ظن عبدي بي .. وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه )) [ أخرجه البخاري (6970) ومسلم (2675) ]  والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر ، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ أخرجه البخاري (805 - 806) ] ،  ( 2 ) وأخرج مسلم عن ابن الزبير رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سلم من صلاته قال بصوته الأعلى : (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله )[ رواه مسلم (594) والترمذي (299) ] ، ( 3 ) وأخرج أحمد والترمذي عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال : ما يجلسكم؟ قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده فقال : إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة )) [ أخرجه أحمد (14/205) والترمذي (3379) ] ،   ( 4 ) وأخرج أحمد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال : قال ابن الأدرع : انطلقت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة ، فمر برجل بالمسجد يرفع صوته قلت : يا رسول الله عسى أن يكون ذلك مرائيا؟ قال : لا ولكنه أواه وفي رواية عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين : إنه آواه وذلك أنه كان يذكر الله [ أخرجه أحمد (4/159) ] ، ( 5 ) وأخرج أحمد عن الحسن بن مسلم : كان رجل من أهل نجد إن دعا رفع صوته وإن صلى رفع صوته وإن قرأ رفع صوته فشكاه أبو ذر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إن هذا الأعرابي قد آذاني لئن دعا ليرفعن صوته ولئن قرأ ليرفعن صوته فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( دعه فإنه أواه ))  [ أخرجه أحمد (4/159) ] ،  ( 6 ) وأخرج بقية من مخلد عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بمجلسين أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه والآخر يعلمون العلم فقال : (( كلا المجلسين خيرا وأحدهما أفضل من الآخر ))  فإقراراه صلى الله عليه وآله وسلم لمجلس الدعاء والذكر الذي يفهم منه الجهر فيما بالخيرية دليل على جواز الجهر فيهما ،  ( 7 ) وأخرج أحمد عن عبدالله بن معضل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((  ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات  )) [ أخرجه أحمد (14/202) ]  ، ( 8 ) وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( يقول الرب تعالى يوم القيامة : سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم ، قيل : ومن أهل الكرم يا رسول الله ؟ قال : أهل مجالس الذكر في المساجد  ))  [ أخرجه احمد (14/2059 وأبو يعلى (1046) و (1403) وابن حبان (816) والهيثمي في مجمع الزوائد (16763) ] ، وأخرج أحمد وأصحاب السنن عن السائب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( جائني جبريل فقال : مر أصحابك يرفعوا أصواتهم بالتكبير  ))  [ أخرجه أحمد (11/180) وأبو داود (1814) والترمذي (829) وصححه النسائي (2752) وابن ماجه (2923) ] ،

[  33  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الذكر بالاسم المفرد :  الذكر بالاسم المفرد ( الله ) جائز بدليل قول الله تعالى :  { واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ وتبتَّلْ إليه تبتيلاً } [ المزمل : 8 ] ،  وقوله تعالى : { واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ بكرةً وأصيلاً } [ الدهر : 25 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض : الله ، الله ))  [ أخرجه مسلم ]  فهذا اسم مفرد ورد ذكره مكرراً في هذا الحديث ، ثم إن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي رَغَّبَتْ في الذكر جاءت عامة ومطلقة لم تخصص ذكراً معيناً ، ولم يرد نص شرعي يُحَرِّمُ الذكرَ بالاسم المفرد ( الله ) ، واعتراض البعض على الذكر بالاسم المفرد بحجة أنه لا يؤلف جملة تامة مفيدة كما في قولنا : الله واحد ، مردود وذلك لأن الذاكر بهذا الاسم المفرد لا يكلم مخلوقاً فلا يُشترط أن يكون كلامه تاماً مفيداً ؛ لأنه يذكر الله سبحانه الذي هو عالم بنفسه مطلع على قلبه ،

[  34  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة المبالغة في التعبد :  الله عز وجل امتدح العابدين ، فقال تعالى : { وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } [ الأنبياء : 73 ]  فأثنى عليهم سبحانه لاجتهادهم في عبادة ربهم ، وندب الله تعالى عباده إلى المسارعة في العبادة ، بقوله تعالى : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ  } [ آل عمران : 133 ]   وقال تعالى : { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } [ الحديد : 21 ] ، وندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستمرار على العبادة فقال في الحديث القدسي عن ربه عز وجل : (( وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه )) ، وقد أمرنا الله تعالى بالاجتهاد في العبادة كما في قوله تعالى : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  } [ السجدة : 15  ] ، وقوله تعالى : { كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ  * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ  } [ الذاريات : 17-19 ] ، وأخرج مسلم عن عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: « يَا عَائِشَةُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ » ، وهو الذي خاطبه ربه سبحانه بقوله تعالى : { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً } ،  ويستفاد من الحديث مشروعيةُ أخذ الإنسان على نفسه بالاجتهاد في العبادة والإكثار منها، والمداومة عليها أسوةً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ومحل الجواز عدم إفضائه إلى الملل، لأن حال النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الأحوال، كان لا يمل من عبادة ربِّه وإن أضرّ ذلك ببدنه وأما غيره فإن خَشِيَ الملل فلا ينبغي له أن يكره نفسه على الشدة بل يأخذ بالرخصة ويكلِّف نفسه ما سمحت به وأطاقته لقوله صلى الله عليه وسلم : «خُذُوا من الأَعمَالِ مَا تُطيْقُون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتَّى تملُّوا» والملل سبب لترك العمل ، والأولى في العبادة القصد والملازمة لا المبالغة المفضية إلى الترك ، إذن ليس المقصود من الاجتهاد على العبادات  التشدد وتحمل ما لا يطيق المسلم ،  وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة )) ، وقد أخرج البخاري رحمه الله : في باب ما يكره في التشديد في العبادة : عن أنس رضي الله عنه قال : (( دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال : ما هذا الحبل؟ قالوا : هذا حبل لـزينب فإذا فترت تعلقت تقوم وتصلي في الليل ، فإذا أصابها الفتور والتعب تعلقت بالحبل لتبقى واقفة وتظل قائمة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد )) [ البخاري : 1150 ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم – وقد تقدم - : (( عليكم من العمل ما تطيقون ، فإن الله عز وجل لا يمل حتى تملوا ، وإن أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومه وإن قل )) ،

[  35  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة التراويح عشرين ركعة :  لقد كان الصحابة رضي الله عنهم والسلف من أتباعهم يجتهدون في العبادة اجتهادا عظيما وكان أجتهادهم فيها في رمضان أعظم ، ولذلك كانوا يصلون الليل إلا قليلاً في رمضان ، وقد ثبت أنّهم كانوا يصلون التراويح عشرين ركعة او اكثر ، وقد روى البخاري (1129) ومسلم (761) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ ، فَكَثُرَ النَّاسُ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ : ( قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ ) وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ ،  فهذا يدل على أنها مشروعة في جماعة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، غير أنه تركها خشية أن تفرض على الأمة ، فلما علم الصحابة رضي الله عنهم أن مقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يخشى أن تفرض عليهم دون أن يكون فيها أي مخالفة شرعية عادوا إلى المسجد واصبحوا يصلونها فيه بعضهم يصلي منفردا وبعضهم يصلي بجماعة وبقي العمل على هذا حتى جاء عهد سيدنا عمر رضي الله عنه فدخل عليهم المسجد فوجدهم قد كثروا وأصبح المسجد مكتظا بالصحابة والتابعين وكل يصلي على حدة أو بجماعة مع صاحب له فنظر إليهم نظرة متبصر بحالهم نظرة باحث عن الطريقة الأمثل لتأمين كامل الخشوع لهم فقرر أن يجمعهم على قارئ واحد فجمعهم على سيدنا أبي بن كعب رضي الله عنه ، أخرج البخاري عن عبدالرحمن بن عبد القاري يقول : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر رضي الله عنه : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة اخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر : ( نعمت البدعة هذه) [ أخرجه البخاري (2010) ] ، فأكثر سيدنا عمر رضي الله عنه عدد الركعات وخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأنه أخف على المأموم من تطويل الركعة الواحدة وجعل لهم ترويحة كل أربع ركعات ، أخرج الإمام مالك في الموطأ عن يزيد بن رومان قال : ( كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة ) ، وأخرج البيهقي في السنن الكبرى  : عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال : ( كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة وكانوا يقومون بالمئتين وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام) [ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (2/496) ، وممن صححه العيني والقسطلاني في شرحيهما لصحيح البخاري والسبكي في شرح المنهاج والكمال بن الهمام في شرح الهداية والعراقي في شرح التقريب والإمام النووي في المجموع ] ، وأخرج المروزي عن زيد بن وهب أنه قال : ( كان عبدالله بن مسعود يصلي لنا في شهر رمضان فينصرف وعليه ليل ) قال الأعمش : ( كان يصلي عشرين ركعة يوتر بثلاث) ، وكذلك عن داود بن قيس أنه قال : ( أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبدالعزيز يعني بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث) ، وعن نافع قال : ( لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعا وثلاثين ويوترون منها بثلاث) ، ونقل الحافظ ابن حجر أن مالكا قال : ( الأمر عندنا بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شيء من ذلك ضيق) ، وعن إسحاق بن منصور قال : قلت لأحمد بن حنبل : كم ركعة يصلى في قيام شهر رمضان؟ فقال : ( قد قيل أقوال نحو أربعين وإنما هو تطوع ) أهـ ، ولهذا ذهب الشافعية والأحناف والحنابلة إلى أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات آخذين بما صح عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم صلوها في عهد عمر وعثمان وعلي عشرين ركعة وقال به ايضا صاحب كتاب فقه السنة ونقل أنه مذهب داود الظاهري ، وقال الترمذي : ( وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو قول النووي وابن المبارك) ، وقال الإمام الشافعي : ( هكذا أدركنا الناس بمكة يصلون عشرين ركعة) [ فقه السنة (2/54) ، والترمذي (3/170) ] ، وذهب الإمام مالك : إلى أنها تسع وثلاثون ، فنستنتج مما مضى أن عدد الركعات في صلاة التراويح غير محدد ، والأمر فيه سعة ، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد معين مؤقت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يزيد ولا ينقص فقد أخطأ ، وأما ما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشر ركعة ) [ أخرجه البخاري (1096) ومسلم ( 738) ] ،  فكانت تقصد فيه ركعات الوتر وليس التراويح ، فقد قالت : ( ولا في غيره ) وفي غير رمضان لا يوجد صلاة للتراويح أما صلاة الوتر فمشتركة بين رمضان وغيره ، وقد قال الإمام الترمذي : ( روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوتر بثلاث عشرة وإحدى عشر وتسع وسبع وخمس وثلاث وواحدة ) فإذا كان وتره في غير رمضان بإحدى عشر أو ثلاث عشرة ركعة فهل يعقل أن يوتر في شهر العبادة والقيام بثلاث فقط ؟! على القول بأن ثماني ركعات للتراويح وثلاث ركعات للوتر هذا بعيد جدا ، ثم إن قلنا إن المقصود من كل منها صلاة التراويح والوتر معه ، يصبح للتراويح عدد ركعات معين ثابت وهو ثمان ركعات ، وهذا يتنافى مع ما مر معنا من عمل الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يصلونها عشرين ركعة حتى عهد الإمام مالك والإمام الشافعي وهل يعقل أن تعلم السيدة عائشة بصلاتهم عشرين ركعة ثم تسكت عنهم إذا كان فعلهم مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!! هذا والله بعيد جدا وكما هو معلوم أن عدد صلاة التراويح في البيت الحرام عشرون ركعة ولا ينكر هذا العدد احد من العلماء المعتبرين فنسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل ، إنّ الصحابة قد اتفقوا على صلاة التراويح عشرين ركعة وتبعهم على ذلك التابعون فمن بعدهم ولم يخالفهم أحد من السلف الصالح إلا في زيادة العدد على العشرين ، والأمر في هذه المسألة واسع بإجماع السلف ، ولا معنى لقول متأخرٍ زعم أن الزيادة عن إحدى عشرة ركعة بدعة ، لأن هذا القول محدث جديد لم يقل به أحد من السلف الطيب طيلة قرون عديدة ودهور مديدة  ، ولنا في المدارس الفقهية المتخصصة أعظم العبرة ، وقد اتفق جمهورها على العشرين ، ولا معنى لقول متأخرٍ محدث زعم أن الزيادة عن إحدى عشرة ركعة بدعة ، وما ذاك إلا لما أصابه من الغلو في التبديع على غير هدي العلماء الراسخين في العلم في تأصيل باب السنة والبدعة ،

[  36  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الصلاة على الرسول عقب الآذان :  الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان سنة بلا خلاف عند جميع المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي )) [ أخرجه مسلم ] ، ومن باب الأولى أن يصلى المؤذن نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان حتى يناله الأجر والثواب ، ولكن الاختلاف في كونه إذا صلى جهراً هل تكون سنّة هدى أو بدعة ضلالة ، والاختلاف فيها أهون مما حدث بين الموتورين ، فإنّه إن قصد به اتباع الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الآذان ، وقصد تذكير المسلمين بتلك السنّة ، وفصل بين الآذان وبين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للتفريق بينهما فإنّه لا شك على أقل تقدير ، ليس من باب بدعة الضلالة أبدا ، إذ أنّ لها أصل من الدين ، ولا تُخالف شيئا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أنّها من امور الخير التي لا يختلف عليها أهل الإسلام ، ولهذا لا ينبغي تضخيم الأمر فيها وكأنّها من أصول البدع الضالة ، وتحزيب المسلمين على أساسها ، فإن الفقهاء الذين جعلوا كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة على العموم جعلوا لها ضوابط فقهية أهمها : ضابطان : الاول : أن يكون مجالها في الدين ، فالابتداع لا يكون إلا في الدين ، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع ، والثاني : أن لا يكون لها أصل في الشرع ، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه ، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة ، وعلى ذلك فالجهر بالصلاة على النبي بعد الآذان ليس ببدعة ضلالة على مفهوم هؤلاء ، والفقهاء الذين قسموا المحدث إلى بدعة ضلالة وبدعة هدى لقوله صلى الله عليه وسلم ( من سن في الإسلام سنة حسنة ) ، وقول عمر رضي الله عنه : ( نعمة البدعة هذه ) ، وهذا قول جمهور أهل الفقه والعلم ، جعلوا لها ضوابط فقهية أهمها : أنّ المحدث في الدين لا يُطلق عليه لفظ الحسنة إلا أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، وأن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ،  وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ،  إذن المشكلة تكمن في أنصاف المتفيقهين المغالين في باب السنة والبدعة ممن لم يشموا رائحة الفقه في هذا الباب ، وإنما يكمن العلاج في أمرين : أولهما : تفعيل الضوابط الفقهية السديدة للبدعة عند الطرفين وحينها ينتظم الأمر بلا غلو ولا تقصير  ، فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان سنة بلا خلاف عند جميع المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي )) [ أخرجه مسلم ] ، كما أنه من باب الأولى أن يصلى المؤذن نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان حتى يناله الأجر والثواب ، ولكن الاختلاف في كونه إذا صلى جهراً هل تكون سنّة هدى أو بدعة ضلالة ، فإنّه إن قصد به اتباع الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الآذان ، وقصد تذكير المسلمين بتلك السنّة ، وفصل بين الآذان وبين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للتفريق بينهما فإنّ ذلك لن يكون من باب بدعة الضلالة أبدا ، إذ أنّ لها أصل من الدين ، ولا تُخالف شيئا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أنّها من امور الخير التي لا يختلف عليها أهل الإسلام ، ولهذا لا ينبغي الغلو في هذا الباب ، 

[  37  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة لفظ السيادة  للنبي صلى الله عليه وسلم : النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد البشر وسيد المرسلين ولا شك في ذلك ، وقد أشار القرآن الكريم إلى سيادة بعض الأنبياء ، فقال تعالى : { أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } [ آل عمران : 39 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( أنا سيد الناس يوم القيامة )) [ البخاري (3340) ، ومسلم (479) ] ، وفي رواية أخرى لمسلم : (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة )) [ مسلم (5899) ] ، وقد أمرنا الله تعالى بالتأدب مع نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلا نناديه باسمه ، قال تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } [ النور : 63 ] ، وهل تسويده صلى الله عليه وسلم إلا اتباع لهذه الآية الكريمة في توقيره واحترامه ، وإذا كان القرآن الكريم أشار إلى سيادة البعض بقوله تعالى : { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ } [ يوسف : 25 ] ، فكيف بسيد الاولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ،

[  38  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة رفع اليدين عند الدعاء :  رفع اليدين للدعاء مشروع عند كل دعاء ، جاءت في مشروعيته أحاديث كثيرة تشمل الدعاء في أي وقت ، ويدخل في ذلك الدعاء عقب الصلوات ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردها صفرا ) [ أخرجه الترمذي : ح (3556)  وحسنه ، وأبو داود : ح (1488) ] ، وأخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن عمير مولى أبي اللحم انه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء يدعو رافعا كفيه قبل وجهه ) [  أخرجه أحمد (5/223) ، والترمذي (557) ،  وأبو داود (1168) ، والنسائي (3/159) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود : ح : ( 1168 ) ] ، إنّ حرمة الشيء أو كراهته ، تستفاد من النهي عنه ، وقد تقرر في علم الأصول : أن النهي إذا كان جزمًا أفاد الحرمة وإذا كان غير جازم أفاد الكراهة ، مثال نهي التحريم : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ، هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب } ، ومقال نهي الكراهة : " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" ، كما أنّ ترك الشيء لا يدل على منعه ، لأنه ليس بنهي ، والله تعالى يقول : { وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ولم يقل : وما تركه فانتهوا عنه ، كما أنه تقرر في الأصول : أن الآية أو الحديث إذا شملت بعمومها أمرًا دل على مشروعيته ، وحديث : (( إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا خاليتين ))  يشمل بعمومه رفع اليدين بعد الصلاة فيكون مشروعًا ، ولا يجوز أن يسمى بدعة أبدًا بحال ، إنّ هؤلاء الذين لا يكتفون في المسألة  بدليل يشملها بعمومه ، ويطلبون دليلاً خاصًا بها ، يلزمهم خطر عظيم في الدين ، لأنه لو كانت كل حادثة يشترط في مشروعيتها ، ونفي وصف البدعة عنها ، ورود دليل خاص يعينها ، لتعطلت عمومات الكتاب والسنة وبطل الاحتجاج بها ، وفي ذلك هدم لمعظم دلائل الشريعة ، وتضييق لدائرة الأحكام ويلزم على ذلك أن تكون الشريعة غير وافية بأحكام ما يحدث من حوادث على امتداد الزمان ، وهذه لوازم قد تؤدي إلى نقص في قدر الشريعة والنيل منها وهو كفر بواح ، إنّ في مشروعية رفع اليدين أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء ، وسرد منها النووي في (الأذكار) ، وللحافظ السيوطي جزء سماه " فض الوعاء عن أحاديث رفع اليدين في الدعاء "  ذكر فيه مائة حديث ، وهذا عدد التواتر على جميع الأقوال المذكورة في كتب الأصول والمصطلح ، فلا ينبغي اللغط في هذه المسائل المتعلقة بالفروع ولا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ وخلل ،

[  39  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسائل أذكار ختم الصلوات ، والمصافحة عقب الصلاة وقول تقبل الله : هذه المسائل سئل عنها سلطان العلماء  عز الدين بن عبد السلام رحمه الله : فقال ( أنها من البدع المباحة) ، وقال الإمام النووي في الأذكار : ( أنها بدعة مباحة ) ، إذن  لا داعي للتبديع في مسالة قال عنها العالم الرباني النووي وقال عنها سلطان العلماء أنها مباحة ، وقد جاء في مبحث المصافحة بعد الصلاة من كتاب الموسوعة اليوسفية : ( المصافحة بعد الصلاة أمر مشروع يزيد المحبة بين المسلمين ويوثق أواصر الأخوة فيما بينهم والأدلة على ذلك ما يلي : ( 1 ) عن سيدنا يزيد بن الأسود رضي الله عنه : أنه صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : ثم ثار الناس يأخذون بيده يمسحون بها وجوههم فأخذت بيده فمسحت بها وجهي فوجدتها ( أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك) ، وفي رواية عن سيدنا أبي جحيفة رضي الله عنه قال : ثم صلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة تمر من ورائها المرأة وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم قال فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي ( أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك ) [ أخرجه البخاري (3360) ] ، ( 2 ) وقال البراء بن عازب رضي الله عنه : من تمام التحية أن تصافح أخاك [ أخرجه البخاري في الأدب (968) ] ، ( 3 ) وعن قلدة بن دعامة الدوسي رضي الله عنه قال قلت لأنس : (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال : نعم ) ، ( 4 ) عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال : لما جاء أهل اليمن قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((  قد جاءكم أهل اليمن ، وهم أول من جاء بالمصافحة  ))  [ أخرجه أبو داود (5213) والبخاري في الأدب (967) وقال الحافظ سنده صحيح ] ، ( 5 ) وعن سيدنا البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((  ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا ))  [ أخرجه أبو داود (5212) ] ، فالأحاديث الثلاثة الأخيرة عامة في مشروعية المصافحة وهي تشمل المصافحة بعد الصلاة وفي الأوقات كلها ، والحديثان الأولان يخصصان ويبينان جواز السلام والمصافحة بعد الصلاة خصوصا ، ومن أقوال العلماء التي تدل على جواز الصافحة بعد الصلاة :  ( 1 ) قال الإمام الطحاوي في حاشيته على مراقي الفلاح : ( تطلب المصافحة فهي سنة عقب الصلاة كلها وعند كل لقي ) ، ( 2 ) وقال الشيخ عبدالغني النابلسي عن المصافحة بعد الصلاة : ( إنها داخلة تحت عموم سنة المصافحة مطلقا) [ شرح الطريقة المحمدية للشيخ النابلسي (2/150) ] ، ( 3 ) وقال الشيخ الإمام أبو محمد عز الدين بن عبد السلام رحمه الله : ( أنها من البدع المباحة) ، ( 4 ) وقال الإمام النووي في الأذكار : ( أنها بدعة مباحة).؟ ، على أن المصافحة بعد الصلاة ودعاء المسلم لأخيه المسلم بأن يتقبل الله منه صلاته بقوله ( تقبل الله ) لا يخفى ما فيهما من خير كبير وزيادة تعارف وتآلف وسبب لربط القلوب وإظهار للوحدة والترابط بين المسلمين ، ( قلت ) وبعد تلك الأدلة فإنّه من الهوس التبديعي أن يجعل البعض ذلك بدعة ضلالة ، ويعادي عليها ويجيز إحداث الشغب والضوضاء في المساجد من اجل ابطال تلك العادة التي لا تمت إلى الصلاة بصلة ، بل هي عقب انتهاء الصلاة ، فإذا سلّم المسلم جاز له أن يسلم على من بيمينه او يساره ، وقصارى الأمر أنه من الأمور الجائزة التي لا تثريب على من فعلها او تركها ، وقد جاء في الحديث أنّه إذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر اليابس إذا عصفت به الريح ، وهذه الفضيلة باقية في كل وقت ، فلا تنتفي بعد الصلاة ، وقد جاء في سنن أبي داود في كتاب الصلاة : عن سمرة بن جندب قال : (( أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نردّ على الإمام وأن نتحاب وأن يسلّم بعضنا على بعض )) ، 

[  40  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة قول صدق الله العظيم عند الفراغ من تلاوة القرآن : قول القارئ في مجلس الاستماع للقرآن إذا أراد أن يعلم الناس بإنهاء القراءة يقول " صدق الله العظيم " ، تقوم قيامة البعض ، على أنها بدعة ضلالة ، ودليله الأوحد  أنها من السنن التركية على حد زعمه ، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تركها والصحابة تركوها ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه ، أقول : هل الرجل عندما أراد أن يفصل بين قراءة القرآن وحديث الناس فقال بما أيده به القرآن الكريم بقوله تعالى : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } [ النساء : 87 ] ، وقوله تعالى : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا } [ النساء : 122 ] ، هل أتى ببدع من القول ، وهل قال أنّ هذا من الدين ، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يسمع صحابيا يقول " الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنُّا أن يحمد وينبغي له " , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف قلت؟ فردّ عليه كما قال, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( والذى نفسى بيده لقد ابتدرها عشرة أملاك كلهم حريص على أن يكتبها فما دَرَوْا كيف يكتبونها حتى  رفعوها إلى ذي العزّة, فقال : اكتبوها كما قال عبدى )) [ أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان ] ، وهذا بلال رضي الله عنه ن يجتهد في الطاعة ، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( بم سبقتني إلى الجنة؟ فقال : ما أذَّنت قط إلا صليت ركعتين, وما أصابني حدث قط إلا توضأت ورأيت أن الله علّى ركعتين. فقال صلى الله عليه وسلم : بهما نِلْتَ )) [ أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح , والحاكم وقال على شرط البخاري ومسلم وأقره الذهبي ] ، لا شك أنّ هناك بدعاً انشطارية أتت علينا من فتح باب ( البدعة التركية ) وصار همّ  هؤلاء الشاغل : قل ولا تقل ، افعل ولا تفعل ، هذا ورد ، وهذا لم يرد ، دونما فقه وضبط لهذا الباب الدقيق ، كما أنّ الترك ( ترك الرسول صلى الله عليه وسلم لعملٍ ما ) لا يدل على حكم شرعي معين سوى الجواز إلا إن جاء دليل مستقل على  النهي ، إنّ الفقه في مسألة الترك أن نقول : ليس معنى ترك النبي صلى الله عليه وسلم للشيء هو أن ذلك الشيء لا يجوز فعله أو أن فعله بدعة ، فأن الذي يدل على التحريم ثلاثة أشياء : الأول : النهي نحو { ولا تقربوا الزنا } [ الإسراء : 32 ]  ، والثاني : لفظ التحريم نحو قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ  } ، والثالث البراءة من الفعل نحو قوله صلى الله عليه وسلم : (( من غشنا فليس منا )) [ أخرجه مسلم ] ، والترك ليس واحدا من هذه الثلاثة فلا يقتضي التحريم ، والله تعالى قال { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر : 7 ] ، ولم يقل ما تركه فانتهوا عنه فالترك لا يفيد التحريم ، و ( ثالثها ) : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه )) [ متفق عليه ] ، ولم يقل ما تركته فاجتنبوه فكيف دل الترك على التحريم؟ و ( رابعها ) : أن الأصوليين عرفوا السنة بأنها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وتقريره ولم يقولوا وتركه لأنه ليس بدليل ، و ( خامسها ) : تقدم أن الترك يحتمل أنواعا غير التحريم والقاعدة الأصولية (أن ما  دخله الاحتمال سقط به الاستدلال) ، و ( سادسها ) : أن الترك أصل ، لأنه عدم فعل والعدم هو الأصل والفعل طارئ والأصل لا يدل على شيء لغة ولا شرعا فلا يقتضي الترك تحريما  ، فيعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل جميع المندوبات المباحات لأنها كثيرة لا يستطيع بشر أن يستوعبها ولاشتغاله بمهام اعظم استغرقت معظم وقته من تبليغ للدعوة ومحاربة للمشركين ونقاش مع الكتابيين والكفار وغيرها مما هو مهم لتأسيس الدولة الإسلامية ، ومن حرم بالترك أو بدع بالترك دخل لا محالة في التحذير الرباني في قوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } ،

[  41  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة استعمال السبحة في التسبيح : من العجائب أن نتحدث عن مشروعية استعمال السبحة في التسبيح ، وكأنّ لها دخل بالتسبيح ، مع أنّها آلة لضبط عدد التسبيح ، وهي آلة تساعد على  الذكر وتنشط صاحبها على دوام ذكر الله ، فهل يأتي زمان نتحدث فيه على بدعية لبس الساعة لكونها تُعلمنا بوقت الصلاة وتُعين على ضبط الوقت الخاص بالصلوات ، إنّ إدخال مسالة السبحة في باب البدعة هو من باب الهوس التبديعي ، والوسوسة التبديعية التي أُبتلي بها كثير ممن لم يُؤت الفقه في دين الله تعالى ، والأدلة على مشروعية السبحة كثيرة ، منها : ما أخرجه الترمذي : عن صفية رضي الله عنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها فقال لقد سبحت بهذه ألا أعلمك بأكثر مما سبحت به فقلت بلى علمني فقال قولي سبحان الله عدد خلقه [ رواه الترمذي (3554) ] ، وأخرج الإمام أحمد في الزهد عن يونس بن عبيد عن امه قالت : رأيت أبا صفية رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان جارنا قالت فكان يسبح بالحصى ، وأخرج أحمد في الزهد : عن عبدالرحمن قال : كان لأبي الدرداء رضي الله عنه نوى العجوة في كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفذن ، وأخرج أبو داود عن أبي نضرة حدثني شيخ من طفاوة : قال تثويت أبا هريرة بالمدينة فلم أر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد تشميرا ولا أقوم على ضيق منه ، فبينما أنا عنده يوما وهو على سرير له معه كيس فيه حصى أو نوى وأسفل منه جارية له سوداء وهو سبح بها حتى إذا نفذ ما في الكيس القاه إليها فجمعته فأعادته في الكيس فرفعته إليه " [ رواه أبو داود (2174) ] ، وقد ورد في حديث مسلسل أن الحسن البصري كان يستعمل السبحة وكان هو في عصر الصحابة ، وقال ابن علان : ( وقد أفردت السبحة بجزء لطيف سميته (إيقاد المصابيح في اتخاذ المسابيح) وأوردت فيه ما يتعلق بها من الأخبار والآثار والاختلاف في تفاصيل الاشتغال بها أو بعقد الأصابع في الأذكار وحاصل ذلك أن استعمالها في أعداد الأذكار الكثيرة التي يلهي الاشتغال بها عن التوجه للذكر أفضل من العقد بالأنامل ونحوه ... ولهذا اتخذ أهل العبادة وغيرهم السبحة) [ من الفتوحات الربانية على الأذكار النووية للعلامة محمد بن علان الصديقي (ج1 ص 251 - 252) ] ، وفي شرح المشكاة لابن حجر : ويستفاد من الأمر المذكور في الحديث ندب اتخاذ السبحة وزعم أنها بدعة غير صحيح ، وقال ابن الجوزي : إن السبحة مستحبة لما في حديث صفية أنها كانت تسبح بنوى أو حصى وقد أقرها صلى الله عليه وآله وسلم على فعلها والسبحة في معناها إذ لا يختلف الغرض عن كونها منظومة أو منثورة ، وقال عكرمة : قد اتخذ السبحة سادات يشار إليهم مؤخذ عنهم ويعتمد عليهم كأبي هريرة كان له خيط فيه ألفا عقدة فكان لا ينام حتى يسبح به ثنتي عشرة ألف تسبيحة ، وفي الدر المختار (في مذهب الحنفية)  لا بأس باتخاذ السبحة لغير رياء كما بسطه في البحر ، وقال الإمام السيوطي : وقد أخذ السبحة سادات يشار اليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم فلو لم يكن في اتخاذها غير موافقة هؤلاء السادة والدخول في مسلكهم لكفى ، وذكر القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان في وفيات الأعيان أنه رؤي في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد يوما سبحة فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟ قال : طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه [ الحاوي (ج2 : ص37 -40) ] ، وقد قال العلامة ابن عابدين في حاشيته المشهورة : لا بأس باتخاذ السبحة [ حاشية ابن عابدين ج1/ ص457 ] ، وأما شبهات أهل الهوس التبديعي في اتخاذ السبحة : أنه لو كان فيها حسن لاتخذها النبي صلى الله عليه وسلم وهدى الصحابة اليها ، وجوابه : أنه ليس كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه فهو ليس بحسن فإن ما رغب فيه أو قرر عليه أيضا حسن ، وهنا قرر صلى الله عليه وسلم النظير وهو التسبيح بالحصى  ، أن أصل اتخاذ السبحة قائم في الإسلام لإحصاء الذكر وإن الذي تطور إنما هو النوى والحصى وتطورت العقد في الخيط وعلى الأنامل إلى حبات مثقوبة على صورة العقد يجمعها خيط يحملها العابد فتذكره بربه وبورده ، وفي هذا القدر كفاية لعلاج الهوس التبديعي عند اهل الغلو في التبديع بالفروع والمسائل الفقهية التي قال بجوازها الفقهاء ،

[  42  ] تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة قراءة القرءان على الميت :  قراءة القرءان على الميت ، من المسائل الفقهية الفرعية المختلف فيها بين العلماء ، وجمهور الفقهاء لاسيما المتأخرين على جوازها ، وهي ليست من مسائل العقيدة ولا من مسائل الأصول حتى تُعقد الألوية على الولاء والبراء من أجلها ، والمبالغة في إنكارها ، كما ان العلماء الذين قالوا بعدم الوصول صرحوا بأن القارئ إذا دعا بعد قراءته بإيصال ثوابها إلى الميت ، وصله بلا خلاف ، لأنها تكون حينئذ من قبيل الدعاء المجمع على وصوله ، كما أنّه لم يأت دليل يحرم قراءة القرءان على الميت ، لا من القرءان ولا من السنة ولا صرح به أحد من أئمة المذاهب الأربعة المعتمدة ، فكيف يتجرأ البعض بالتصريح بتحريم قراءة القرءان على الميت ؟ وأنها بدعة ضلالة ، ولم يقل بذلك أحد قبلهم نسال الله تعالى السلامة ،  والأولى في مثل تلك المسائل الفقهية الخلافية ذكر الخلاف وإيراد الأدلة ،  وإن كان من أهل القدرة على الترجيح أن يرجح ما يراه راجحًا ، من غير تبديع ولا تضليل ، ولكنها بدعة الغلو في التبديع والتضليل وما تفعل بأصحابها ، كما تفعل بدعة التكفير بأصحابها ، وأدلة المانعين للوصول : تتمثل في : أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى ، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ، واستدلوا بقوله تعالى : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى }، وأن ذلك لم ينقل ذلك عن الرسول ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ، ولو كان خيرًا لسبقوا إليه ، وهذا كله خلل في فقه مسائل واحكام البدعة ،  فإن الترك المجرد لا يفيد سوى الجواز ، وأما الآية فإن الدعاء والصدقة نص الشارع على وصولهما للميت ، وأجمع العلماء على وصولهما للميت ، ولا يقدر أحد على إنكار ذلك ، والقرآن خير من الدعاء ، وأجمع العلماء على أن القارئ إذا دعا بعد قراءته بإيصال ثوابها إلى الميت ، وصله بلا خلاف ، لأنها تكون حينئذ من قبيل الدعاء المجمع على وصوله ، إذن الأمر واسع ولا بد من فقه الآية ، والرد على المغالطات ، أما الآية ، فالجواب عنها من وجوه عديدة : منها : أنها لم تبق على عمومها ، بدليل إخراج الدعاء والصيام والصدقة والحج من عمومها فهذه تصل إلى المسلم ، وقد قيل أن الآية تتعلق بالكافر ، أما المؤمن فله ما سعى وما سُعي له ، وقيل أن الآية تتعلق بالذنوب فقط فلا تعلق لها بالحسنات ، وقد اتفق العلماء على أنه لا يحتمل أحد ذنب أحد ، ويدل على هذا قوله تعالى قبلها : { أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى }  ، وكأن معناها : لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يؤاخذ إلا بذنب نفسه ، ومن اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد أخطأ لأنّ  : الإنسان ينتفع بدعاء غيره ، وهو انتفاع بعمل الغير ، ولأنّ النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب ، ثم لأهل الجنة في دخولها ، ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار ، ولأنّ الملائكة يستغفرون ويدعون لمن في الأرض ، ولأنّ الله تعالى قال في قصة الغلامين اليتيمين { كان أبوهما صالحًا } ، ولأنّ الميت ينتفع بالصدقة عنه بنص السنة والإجماع ، وأما أدلة القائلين بالوصول :  فقد استدلوا بأمور : ( أحدها ) : قال الطبراني في معجمه الكبير ، عن أبي اللجلاج أبو خالد : قال يا بني إذا أنا مت فألحدني فإذا وضعتني في لحدي فقل : بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم شن عليّ التراب شنًا ، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ، قال الحافظ الهيثمي رجاله موثقون ،   ( ثانيها ) : روى الطبراني والبيهقي عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره وليقرأ عند رأسه فاتحة الكتاب" ولفظ رواية البيهقي [ بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمة البقرة في قبره ] ، ( ثالثها ) : ثبت في الأحاديث الصحيحة وصول الصدقة والصوم والحج والعمرة إلى الميت وهذه عبادات ، وقراءة القرءان عبادة أيضًا ، فتصل إلى الميت لأنه لا فارق بينها وبين تلك العبادات المذكورة ، وهذا من القياس الجلي ، الذي لا خلاف في حجيته ، والعمل به ، فكما يصل للميت ثوابها ، فكذلك تصل قراءة القرءان والدعاء والاستغفار. إذ كل ذلك صدقة ، ( رابعها ) أخرج أحمد وأبو داود -والنسائي واللفظ له- وابن ماجه عن معقل بن يسار : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( قلب القرءان يس لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له اقرأوها على موتاكم ))  ، وقول البعض : أنّ المراد بالموتى من حضره الموت ، فإنّ لفظ الموتى حقيقة فيمن مات ، ولا يعدل عن الحقيقة إلا بقرينة ، ولا مانع من قراءتها على المحتضر ، ليتدبر ما فيها ولا مانع من قراءتها على الميت لينفعه ثوابها ،  قال النووي في الكلام على زيارة القبور من شرح المهذب : ويستحب أن يقرأ من القرءان ما تيسر ويدعو لهم عقبها ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب اهـ. ، ( خامسها ) :  استدل العلماء على قراءة القرءان ، بحديث العسيب الرطب الذي شقه النبي صلى الله عليه وسلم باثنين ، ثم غرس على هذا واحدًا ، وعلى هذا واحدًا ثم قال : (( لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا )) [ متفق عليه ] ،  ويستفاد منه أنه إذا خفف عنهم بالأشجار ، فكيف بقراءة الرجل المؤمن للقرآن؟ قال النووي : استحب العلماء قراءة القرآن عن القبر واستأنسوا لذلك بحديث الجريدتين وقالوا : إذا وصل النفع إلى الميت بتسبيحهما حال رطوبتهما فانتفاع الميت بقراءة القرآن عند قبره أولى  فإن قراءة القرآن من إنسان أعظم وأنفع من التسبيح من عود وقد نفع القرآن بعض من حصل له ضرر في حال الحياة فالميت كذلك ، قال ابن الرفعة : الذي دل عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ما هو فيه نفعه إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بها القارئ نفع الملدوغ نفعته وأقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بقوله (وما يدريك أنها رقية) [ أخرجه البخاري (2276) ومسلم (5697) ]  وإذا نفعت الحي بالقصد كان نفع الميت بها أولى " أهـ  [ روضة الطالبين للنووي (5/191) ] ،

[  43  ]  تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على أحكام الجنائز والمقابر : أصحاب الغلو في التبديع نسال الله تعالى لنا ولهم الهداية : عرفوا النعي بأنه النداء فى الناس : إن فلانًا قد مات ليشهدوا جنازته ، ثم قالوا النعي للميت بدعة ضلالة : لحديث حذيفة رضى الله عنه قال : (( سمعت النبى صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي )) [ أخرجه الترمذي ] ،  أقول : إنما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن نعي الجاهلية ، وهناك فرق عظيم بين النعي في الإسلام بمعنى الإعلام بموته لمن لم يعلم , والإخبار لكثرة المصلين عليه فهذا جائز ، وأما نعي الجاهلية فمعناه ذكر المآثـــر والمفاخر والتَّطواف بين الناس بــــذكره بهذه الأشياء, وهذا هو المنهى عنه ]]  ، وقالوا : تلقين الميت عند دفنه بدعة ضلالة ، مع أنه قول الفقهاء ، ومع أن ابن تيمية أجازه ، وهو يقول في الفتاوى ( مجلد 24 صفحة296 ) : تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه نُقل عن طائفة من الصحابة : أنهم أمروا به كأبى أمامة الباهلى وغيره , وروى فيه حديثًا عن النبى, مما لا يحكم بصحته, ولم يكن كثير مـــن الصحابة يفعل ذلك , فلهــذا قال الإمام أحمد وغيره من العلماء : إن هذا التلقين لا بأس به, فرخصوا فيه ولم يأمروا به, واستحبه طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد, وقد ثبت أن المقبور يسأل ويمتحن وأنه يؤمر بالدعاء له, فلهذا قيل : إن التلقين ينفعه فإن الميت يسمع الــــنداء كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنه ليسمع قرع نعالهم" وأنه أمرنا بالسلام على الموتى فقال : " ما من رجل يمر بقبر الرجل الذى يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا ردّ الله روحه حتى يرد عليه السلام" , انتهى  ، وقالوا : الوقوف على القبر بعد ما يدفن ويدعى للميت بدعة ضلالة ، مع أنه جاء في المغني  : قال ابن قدامة الحنبلى في [ المغنى : 2 : 505 ] : ســــئل عن ذلك أحمد فقال : لا بأس به , قد وقف علىّ والأحنف, وروى أبو داود عن عثمــان قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دفن الرجل وقف عليه وقال : استـــغفروا لأخــيكم واسألوا له التــثبيت, فإنه الآن يسأل" ، وقال تيمــية فى الفتـــاوى (24 : 298) : القراءة على القبــر كرهها أحمد فى إحدى الروايتين ولم يكن يكرهها فى الأخرى, وإنما رخص فيها لأنه بلغه أن ابن عمر أوصى أن يقرأ عند قبره بفواتح البقرة وخواتيها. وروى عن بعض الصحابة قراءة سورة البقرة , فالقراءة عـــند الدفن مأثورة فى الجملة ,  وأما المستحب الذى أمر به وحضَّ عليــه النبى صلى الله عليه وسلم فهو الدعاء للميت. انتهى ،  وقالوا أقامة السرادقات لأخذ العزاء بدعة ضلالة ، مع انها من العادات وليست من العبادات, والحكم عليها من قِبَل المصالح, أي النفع والضرر, والحسن والقبح, فإن احتاج الناس إليها لاستقبال المعزين وإراحتهم وجلوسهم ، وحمايتهم من الشمس والمطر وغيره  ، فهى من المصالح المرسلة يفعلها الناس عادة ولا يتقربون بها إلى الله , وإلا فأين يستقبل أهل العزاء المعزين ، وقد ثبت فى البخارى ومسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم جلس لأخذ العزاء فى قتلى مؤتة ،  وقالوا تلقين الميت بعد الدفن بدعة ضلالة ، مع أن الأئمة الفقهاء قالوا بجواز ذلك  واستدلوا بما أخرجه مسلم : ((  لقنوا موتاكم لا إله إلا الله  ))  [ أخرجه مسلم (916) وأبو داود (3117) ] ، قال الشوكاني : لفظ موتاكم نص في الأموات وتناوله للحي المحتضر مجاز فلا يصار إليه إلا بقرينة وحيث لا توجد قرينة تصرفه عن حقيقته إلى مجازه فشموله للأموات أولى ، واستدلوا أيضا بما أخرجه الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم احدكم على رأس قبره ثم يقول : يا فلان فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل : اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد بيد صاحبه ويقول : انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته. فقال رجل : يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ فقال : ينسبه إلى أمه حواء يا فلان ابن حواء. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني إسناد صالح وذكر له شواهد في كتابه التلخيص [ تلخيص الحبير ص (242 - 243) من المجموع للنووي ص (243) وأخرجه الطبراني في الكبير (7979) والهيثمي في مجمع الزوائد (4248) وقد قواه الضياء في أحكامه ] ، ولذلك نص الفقهاء على استحباب تلقينه في تلك الساعة وهو مطابق لقوله تعالى { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } [ سورة الذاريات الآية (55) ] ، وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير بالله عند سؤال الملائكة ، قال النووي : وأما تلقين الميت بعد الدفن فقد قال جماعة كثيرون من أصحابنا باستحبابه وممن نص على استحبابه القاضي حسين والمتولي والمقدسي والرافعي [ الأذكار ص (123) ] ،

[  44  ]  تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على العادات التي لا تدخل تحت إطار الدين  : إنّ لبدعة الضلالة ، ضابطان : ( الاول ) : أن يكون مجالها في الدين ، فالابتداع لا يكون إلا في الدين ، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع ، و ( الثاني ) : أن لا يكون لها أصل في الشرع ، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه ، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة ، وعلى ذلك فإنّ الأشياء العاديّة التي لا تتعلق بالدين فلا يدخلها الابتداع ، ومن ذلك الاحتفالات الوطنية ، والمناسبات الشعبية ، كما أنّ هناك مناسبات دينية يكون القصد منها تعظيم شعائر الله تعالى ، وليس على سبيل الدين ونسبة الامور إلى الدين ، ومن تلك المناسبات مناسبة المولد الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو مناسبة للحديث عن أخلاق وفضائل سيد الأنبياء والمرسلين بقصد التأسي بسيرته ، ومناسبة الاسراء والمعراج للحديث عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ، ومناسبة الهجرة للحديث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الله تعالى ، وقد تقدم أنّ تلك المناسبات وإن كانت دينية إلا أنّها ليست داخلة في العبادات التوقيفية ، وإنما هي داخلة في باب تعظيم شعائر الله تعالى ، والله تعالى يقول : { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ  } ، وتدخل أيضا في باب وسائل الدعوة ونشر الدين بالاستفادة من تلك المناسبات في تذكير المسلمين بأمور دينهم ، ثم إن أحدا من المسلمين زعم أنها من الشرع أو من الدين ، وعلى ذلك فهي أبعد ما تكون عن بدع الضلالة التي حذرنا منها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي تكاد أن تكون من السنن الحسنة التي جاء فيها حديث النبي صلى الله علية وسلم : (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ  )) [ أخرجه مسلم ] ، لأنّه كما مر بنا أنّ الفقهاء  جعلوا المحدث في الدين لا يُطلق عليه لفظ الحسنة إلا في وجود شروط ثلاثة استنبطوها من فقه الكتاب والسنة هي : الاول : أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه ، والثاني : أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ،  فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة ، والثالث : أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، ولكي يكون الأمر منضبطاً عندهم ، أوضحوا شروط بدعة الضلالة ، حتى لا يختلط الحابل بالنابل ، والحسنة بالضلالة ، وقالوا : بدعة الضلالة هي مَا اجتمع فيها شروط أربعة : الأول : أن تكون محدثة بعد زمن التشريع ، والثاني : أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى ، والثالث : أن تخالف الشرع ، والرابع : ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة : ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين ، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع ، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست, أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف ، لا خــلاف بين العلماء في أن الابتـــداع المنهى عنه هو مـــا يدخل في الأمور التعبدية , وأما الأمور العادية المبتدعة لتحقيق منفعة لا ينهى عنها الشرع فــلا حرج منها , ومن ذلك : ( ما يسّمى أعياد الميلاد وعيد الأم ) : فهذه يفعلها الناس وليست من أمور الدين , وقد يقول قـــائل : فيها تشبه بغير المسلمين, والرد عليه أن ذلك مثل سائر أمور الدنيا ليس فيها تشبه بالكفـــار, ولكن فيها مــا يراه كل أحد ومصلحته ، وقد يقول قائل  : هذا تشريع لعيد وليس للمسلمين غير عيدين, وأقول : كل المسلمين يعلمون أن عيدى المسلمين هما عيدا الفطر والأضحى وأنهما دين, أما هذا فهو احتفال ، وإذا قام مسلم بعمل هــذا الحــفل بدون إسراف , وبغير نية التدين به فهذا من المباح ، وما ينطبق على ذلك ينطبق بصورة أوضح على المناسبات الوطنية والاجتماعية والشخصية ، فلا نفتئت على دين الله تعالى ، ولا نحرم حلالا ، ولا نضيق واسعا ، ونمتثل قول الله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } ، شريطة أن لا يكون في ذلك تشبها بغير المسلمين فيما يتعلق بدينهم ، وشريطة الأمر بكل معروف وإنكار كل منكر يتعلق بتلك الاحتفالات ، وأما ما يتعلق بالمناسبات الدينية : التي يكون القصد منها تعظيم شعائر الله تعالى ، ومن تلك المناسبات مناسبة المولد الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو مناسبة للحديث عن أخلاق وفضائل سيد الأنبياء والمرسلين بقصد التأسي بسيرته ، ومناسبة الاسراء والمعراج للحديث عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ، ومناسبة الهجرة للحديث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الله تعالى ، فهذه المناسبات وإن كانت دينية إلا أنّها ليست داخلة في العبادات التوقيفية ، وإنما هي داخلة في تعظيم شعائر الله ، والله تعالى يقول : { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ  } ، وهي لاشك من أحسن وسائل الدعوة إلى الله ونشر الدين والاستفادة منها في تذكير المسلمين بأمور دينهم ، وهي أبعد ما تكون عن بدع الضلالة التي حذرنا منها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي جائزة على أقل تقدير ، بل تكاد أن تكون من السنن الحسنة في الدين ، والتي جاء فيها حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ  )) [ أخرجه مسلم ] ، ولا يمكن أن يحتج أحد لضلالها بكونها لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، فإن السلف الصالح سنّوا سنناً حسنة : وهذه السنن لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد فعلها أو قالها ، ولم يستأذنوه أولا في فعلها أو الإتيان بها ، وإنما بادروا إلى فعلها ، ثم بعد ذلك علم هو بها ، أو فعلوها بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها : سنة الوضوء التي أحدثها بلال رضي الله عنه ، وسنة تكرار سورة الإخلاص في الصلاة ، وسنة الركعتين قبل القتل صبرا ، وغيرها كثير ، ولو كانت اجتهاداتهم في التقرب إلى الله بشتى أنواع العبادات والقربات ممنوعة ، لنهاهم عنها الرسول صلى الله عليه وسلم خوف الابتداع في الدين ، كما أنّ هناك سنناً حسنة فعلها الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يفعلها هو في حياته ، ولم يمنعهم من فعلها أنه لم يفعلها ، ومن ذلك : جمع أبي بكر رضي الله عنه للقرآن ،  وجمع عمر رضي الله عنه المسلمين على إمام واحد في صلاة التراويح يصلي بهم عشرين ركعة يروحهم بعد كل أربع ركعات ، وقوله رضي الله عنه عندما  رآهم مجتمعين على إمام واحد ((نعم البدعة هذه )) [ أخرجه البخاري : ح 1906 ] ، ولذلك كان من فقه الإمام الشافعي الذي ملأ طباق الأرض أنّه قال : ( المحدثات من الأمور ضربان ، أحدهما ما أحدث ، مما يخالف كتابا أو سنة ، أو أثرا ، أو إجماعا ، فهذه البدعة الضلالة ، والثاني ، ما أحدث من الخير ، لا خلاف فيه لواحد من هذا ، وهذه محدثة غير مذمومة  ) ، والاحتفال بتلك المناسبات الدينية : من السنن الحسنة التي يكون القصد منها تعظيم شعائر الله تعالى ، وهي مناسبات عظيمة للحديث عن أخلاق وفضائل سيد الأنبياء والمرسلين بقصد التأسي بسيرته  وللحديث عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ، وسيرته العطرة الزكية ،  أما ما يقوله الموسوسون بهاجس البدعة والضلالة من كون أنّه لم ينقل عن النبي صلي الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أنّهم احتفلوا بهذه المناسبات قط  ،  فإن الترك لا يدل على حكم شرعي معين سوى الجواز إلا إن جاء دليل مستقل على  النهي ، فلا يقتضي الترك تحريما  ، فيعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل جميع المندوبات المباحات لأنها كثيرة لا يستطيع بشر أن يستوعبها ولاشتغاله بمهام اعظم استغرقت معظم وقته من تبليغ للدعوة ومحاربة للمشركين ونقاش مع الكتابيين والكفار وغيرها مما هو مهم لتأسيس الدولة الإسلامية ، ومن حرم بالترك أو بدع بالترك دخل لا محالة في التحذير الرباني في قوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } ، وأما ما يقوله الموسوسون بهاجس البدعة والضلالة من كون كل تحمل على العموم المطلق الذي لا تخصيص فيه في حديث (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ، فإن لفظ ( كُل ) الذي جاء في حديث : (( كل محدثة بدعة )) عموم مخصوص بكل ما أحدث في الدين مما ليس منه ومما يُعارض سنن الدين ،  فإنّ ( كل ) تأتي في صورة العموم ويُرادُ بها الخصوص إذا كان هذا يسير على القرآن الكريم : كقولهِ تعالى : { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا } [ الكهف : 79 ] ، ومع ذلك لم يأخذ الملك السفينة التي خرقها الخضر عليهِ السلام ، لأنّ المقصود ( كل سفينة صالحة سليمة ) كقولهِ أيضاً سبحانهُ وتعالى : { إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } [ النمل : 23 ] ، ومع ذلك فإنها لم تؤتى مُلكَ سليمان ،  وكقولهِ سبحانهُ وتعالى : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ } [ الأحقاف : 25 ] ، وهي لم تُدمّر الجبال والأرض و السماوات بل حتى مساكنهُم ،  ف ( كل ) هنا من صيغ العموم ولكن يُراد بها الخصوص ، والخصوص هاهنا في حديث : (( كل محدثة بدعة )) هو أن تكون محدثة ليس لها أصل في كتاب الله تعالى ، فإن كان لها أصل فهي سنّة حسنة وليست بدعة ضلالة ، وعلى ذلك فإنّ  كلمة ( كل ) تتعلق بقيدها وضابطها ، وهو المحدثة التي تخالف دين الله وليس لها أصل من دين الله والمولد لا يخالف دين الله تعالى في شيء ، كما أنّ له أصولاً من دين الله تعالى سنوضحها في النقاط التالية ، أما ما يقوله الموسوسون بهاجس البدعة والضلالة من كون كل هذه الاحتفالات أعياد والاعياد عبادات توقيفية ولا يجوز ادخال ما ليس منها فيها وأنّ الله تعالى أكرمنا بعيدين فلا يجوز أن تجعل ما سواها أعيادا للمسلمين ، وهذا من أوهى الحجج لأنه لم يقل أحد من المسلمين أنها أعياد ، فإن للأعياد شعائر خاصة بها أولها صلاة العيد ، والتكبير في الصلوات ، بل غاية ما يقال فيها أنها مناسبات  دينية عظيمة وهي من أيام الله تعالى التي أمرنا الله تعالى بتذكرها كما في قوله تعالى : { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  } ،  أما ما قد يصاحب تلك المناسبات من مخالفات فهذه يجب انكارها نصرة لدين الله تعالى ، ولا علاقة لها بباب السنة والبدعة ،

[  45  ]  خلاصة ما جاء في باب السنة والبدعة من علم راسخ ، دل عليه الكتاب والسنة ، وكان عليه هدي السلف الصالح ، وقال به علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الثقات الراسخين في العلم ،  أقول وبالله التوفيق :  ((  1  )) : إن فقه مسائل الإتباع والإبتداع باب عظيم ومهم في حفظ الدين وحفظ حرمات المسلمين لأن التهاون في هذا الباب يؤدي إلى ضياع معالم الدين ولأن التنطع فيه يؤدي إلى إنتهاك حرمات المسلمين وتبديع من ليس بمبتدع ، والتبديع سلاح خطير ، وإذا كان الخوارج قديما قد سلوا سيف التكفير على أمة الإسلام فإن هناك طوائف عديدة ممن إبتلوا بهوس البدعة ولم يشموا رائحة الفقه في الدين وخلطوا بين أمور الإبتداع وأمور الخلاف في الإجتهادات الفقهية بسبب أصول ضيقة أصلوها بأفهامهم السقيمة ، حتى صار كل منهم يبدع الأخرين على أقل الخلاف وأيسره ، وفي المقابل أبتليت الأمة بطوائف عديدة من الجهلاء تساهلوا في أمر الإتباع والإبتداع حتى تقرب بعضهم إلى الله ببدع الضلالة والعياذ بالله ، ولهذا كان لزاما على الفقيه الحريص على أمة الأسلام أن يستخلص من أدلة الكتاب والسنة ومن جهود الفقهاء على مر العصور القواعد والضوابط التي تضبط مسائل الإتباع والإبتداع مراعيا الإعتدال والإنصاف بعيدا عن التنطع الممقوت والتساهل المفرط المرذول ،  ((  2  )) : من أهم أهداف طلب علم الإتباع ، وفقه مسائل وأحكام السنة والبدعة  : القضاء على فوضى التبديع والرمي بالبدعة بين طوائف أهل السنّة والجماعة : فإنّه كما عانى المسلمون كثيرا من أهل التكفير الذين يرمون المسلمين بالكفر الأكبر ، وكما عانى المسلمون كثيرا من أهل الغلو في الشرك ،  الذين يرمون المسلمين الموحدين بالشرك الأكبر ، كذلك عانى المسلمون كثيرا من أهل التبديع الذين يرمون المسلمين بالبدعة والضلالة ، قد تجرؤوا على تبديع المسلمين بأقل المخالفات وأهون الاختلافات ، والبدعة  مصطلح شرعي خطير يسقط عدالة من يُتهم به ، ويظل هذا العار في عنقه إلى يوم القيامة ، ولهذا كان التحذير من الولوج فيه عظيما ، وخطر الولوج فيه جسيما ، والمفترض أنّه لا يملك حق وصم المسلم به إلا العلماء الفقهاء أهل التخصص الفقهي الذين بلغوا الغاية في الفقه في الدين ، حتى يتمكن أحدهم من انزال حكم البدعة على المبتدع انزالاً صحيحا ،فإنها من مسائل الدين الوعرة الخطيرة ، لا يحسنها أي أحد ، بل تحتاج عند انزالها على  المسلمين إلى معرفة واسعة بالدين واحاطة بجوانبه ، كما تحتاج إلى معرفة تامة بضوابط التبديع وشروطه وموانعه ،  كما تحتاج إلى معرفة أقسام البدعة ، وحكم كل قسم منها والتفريق بين البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية ، والتفريق بين البدعة العقائدية والبدعة العملية ، والتفريق بين مسائل البدعة في الدين ومسائل الخلاف الفقهي بين الفقهاء ، وكل هذا لا يقوى عليه الكثير من العلماء فضلاً عن طلبة العلم والمتعلمين ، فالحذر الحذر من اطلاق لفظ المبتدع على أحد من المسلمين إلا بدليل واضح كالشمس لا يختلف عليه عالمان من أهل السنّة والجماعة الناجية ، أما المشتبهات فالسكوت فيها أولى من حمل ورز تبديع من لا يستحق التبديع ،  ومن أهداف طلب هذا العلم  أيضاً : بيان أهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة ، كبدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة القدر ، وبدعة الجبر ، وبدعة الإرجاء ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة التشبيه والتجسيم ، وبيان أهم رؤوس البدع الضالة في إطار الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة : كبدعة الغلو في مسائل التكفير ، وبدعة الغلو في مسائل الشرك ، وبدعة الغلو في مسائل التبديع ، وبدعة التفريط في مسائل التكفير ، وبدعة التفريط في مسائل الشرك ، وبدعة التفريط في مسائل التبديع ، وبيان منهج أهل السنّة والجماعة في التعامل مع أهل البدع على اختلاف بدعتهم ، وبيان خلاصة البحث في تصحيح مفاهيم السنّة والبدعة على هدي من فقه الكتاب والسنّة ، ومن أهداف طلب هذا العلم  أيضاً : الاعتدال الشرعي في مسائل الاتباع والابتداع ، وذلك ببيان : حُرمة أهل ( لا إله إلاّ الله محمـد رسول الله ) وحفظ حقوقهم الشرعية دون تعدي على أحد منهم بتبديع لا يستحقه أو ظلم لا يُـناسبه ، وتتبع جذور الغلّو في مسائل التبديع واجتثاثها من أصولها ، ومنع الغلّو  في تبديع أهل القبلة أو التعجل فيه دون اتباع ضوابط أهل العلم الصحيحة في مسائل وأحكام البدعة ، وتتبع شبهات أهل زيادة التبديع - ممن نحسن الظن بصدقهم ولكننا نحذر من خطورة مسلكهم -والرد عيها بأدلة الكتاب والسنّة وأقوال سلف الأمة وعلمائها الأئمة المقتدى بهم في الدين ، مع بيان الفهم الصحيح لبدعة الضلالة ، والفوارق بينها وبين السنّة الحسنة ،  وبيان من هم المبتدعة ومتى يُتهم المرء ببدعة الضلالة ومتى لا يُـتهم ، وذلك لأننا رأينا في زماننا هذا كثير من المائلين إلى التبديع الجانحين إلى الزيادة فيه يرمون علماء أهل السنّة بالبدعة وما ذلك إلاّ لعدم تحقيقهم لمسائل وأحكام السنّة والبدعة ، بل وعدم فهمهم لحقيقة مذهب أهل السنّة والجماعة في باب السنّة والبدعة ،  ومن أهداف طلب هذا العلم  أيضاً : وضع القواعد والضوابط الجامعة لفقه مسائل البدعة عند أهل السنّة والجماعة ، وتنزيل فقه البدع على الواقع مع أمثلة عملية لذلك كثيرا ما شقت صفوف الفكر الإسلامي المعاصر بسبب عدم تأصيل باب السنّة والبدعة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، كمسائل المولد النبوي ، والذكر الجماعي ، وقضية المبالغة في التعبد ، واستعمال السبحة ، وقول تقبل الله مع المصافحة عقب الصلاة ، وقول صدق الله العظيم ، والصلاة على الرسول عقب الآذان ، وأذكار ختم الصلوات ، ومسألة الذكر المفرد ، وصلاة التراويح عشرون ركعة ، وكل ما يتعلق بدع الجنائز والمقابر وغيرها ، ومن أهداف طلب هذا العلم  أيضاً : تأصيل مسائل السنّة والبدعة على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة والتي تتميز بوضوح الأحكام وسهولة إدراكها وتطبيقها  وذلك حتى يتيسر لطالب العلم جمع أهم مسائل وأحكام الإيمان مجتمعة متكاملة في مؤلف واحد ، وأظنه ثغرٌ يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين عموماً وعن طلاب العلم على وجه الخصوص ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة والجماعة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه  نعم المجيب ، ومن أهم المستفاد من طلب هذا العلم :  (( الأمر الأول  )) لعلماء أهل السنّة والجماعة في باب البدعة قولان ظاهرهما الاختلاف ، ولكنهما يؤولان إلى قول واحد متوافق صحيح - عند التحقيق والنظر إلى الضوابط الفقهية التي قال بها أصحاب القولين ،  ( القول الأول ) : يرى بأنّ كل المحدثات الدينية بدعة وأنها جميعها ضلالات ، وأنه لا توجد بدعة حسنة ولا يمكن تصور ذلك في الدين لأن الدين مكتمل ولا يحتاج إلى اي إضافة ، ويستدلون لذلك بالعديد من الآيات والأحاديث التي تدعم مذهبهم في ذم البدع والمحدثات ، ولكنّهم لفقههم في الدين جعلوا لكون المحدثة بدعة ضلالة ضابطان : ( الاول ) : أن يكون مجالها في الدين ، فالابتداع لا يكون إلا في الدين ، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع ، و ( الثاني ) : أن لا يكون لها أصل في الشرع ، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه ، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة ، و ( القول الثاني ) : يثبت وجود البدعة الحسنة  ويجزم بأن الدين تام كامل بأصوله وقواعده ولكن هذه الأصول والقواعد أشارت إلى وجود المحدث النافع والبدعة الحسنة التي تعود على المسلمين بالخير والأجر ، واستدلوا لمذهبهم بالكثير من الأيات والأحاديث وأقوال الصحابة وأعمالهم ، وهؤلاء فهموا من أدلة الشرع ما يدل على تقسيم المحدث إلى حسن يوافق الكتاب والسنة وقبيح يخالف الكتاب والسنة ، وهؤلاء الفقهاء وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بضوابط وشروط لابد منها ، تجعلها مقبولة في ميزان الشرع ، مندرجة تحت غطائه ، ومن تلك الشروط : الأول : أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه ، والثاني : أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ،  والثالث : أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، إذ أمر البدعة جدُّ خطير ، ولابد في كل أمر محدث من نظر فقيه مجتهد عالم بموازين الشريعة ، وقواعدها وضوابطها لينظر هل تندرج هذه البدعة في ميزان الشريعة فتكون بدعة حسنة ، أو لا تندرج فيها فتكون بدعة ضلالة ، والفريق الأول حق بضوابطه ، والفريق الثاني حق بضوابطه ، ولكن الخلل في المعاصرين من الأتباع ، وذلك في عدم تطبيق القيود والضوابط فينفرط عقد البدعة ويحدث التشدد أو يحدث التساهل ، وعلاج المشكلة لا يكون إلا بتفعيل الضوابط التي وضعها فقهاء الفريقين لبدعة الضلالة وللبدعة الحسنة ،   (( الأمر الثاني )) فقه الآيات والاحاديث الواردة في مسألة البدعة ودرر من أقوال الفقهاء في فقهها ووضع الضوابط الصحيحة لها ، قوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } (( سورة المائدة الآية 3 )) ، لا يُفهم منه أن نصوص الكتاب والسنة قد أحاطت بكل الجزئيات فهذا مما اتفق عليه فقهاء أهل السنة والجماعة أن نصوص الكتاب والسنة أحاطت بأصول المسائل وطرق الاستنباط بل وكثير من الجزئيات ولذلك اعتمدوا القياس كأصل رابع للإجتهاد بعد الكتاب والسنة والإجماع ، ، وعلى أهل العلم أن يستنبطوا من نصوص الكتاب والسنة ما يحقق مقاصدهما بما يتفق وروحَ هذين المصدرين الكتاب والسنة ، ومن الأدلة على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله فرض فرائض وفيه : (( وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان )) ، (( حسّنه النووي في " الأربعين النووية " وفي " الإيمان لابن تيمية بتعليقات الألباني" : ص  43 )) ،  إذن معنى الآية الصحيح أن الله تعالى أكمل لنا قواعد الدين وأصوله ومبادئه ، وترك لفقهاء الإمة المجتهدين  أن يستنبطوا منها الحكم الشرعي الذي يلائم كل محدثة تجد على حياة المسلمين ،  كما أن جميع الآيات التي تتحدث عن خطورة الابتداع تتناول بدع الضلالة التي تؤدي إلى ظهور الفرق الضالة كبدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة والمرجئة وغيرهم ، كقوله تعالى : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } (( آل عمران : 105 ،106 )) ، ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم ، .. وقوله تعالى : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } يعني : يوم القيامة ، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة ، قاله ابن عباس ، رضي الله عنهما ، فالمقصد البدع التي تخالف أصول منهاج أهل السنّة وتؤول بأصحابها إلى فرق ضالة ، كما وجدنا عند الخوارج وبدعة الخروج وتكفير المسلمين ، وبدعة التشيع وتضليل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خير الأصحاب رضي الله عنهم وارضاهم ، وغير ذلك من بدع الضلال ،  أما قوله تعالى : { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } (( الحديد : 27 ))  ، فهو دليل على وجود البدعة الحسنة ، فالآية تعبّـر عن الرهبانية بأنّها كانت من مبتدعات الرهبان ولم تكن مفروضة عليهم من قبل ، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم ابتغاء مرضاة الله ،وأن الله تعالى قد تقبل منهم هذه البدعة وألزمهم به ،  وإنما ذم وعاب على أولئك الذين جاءوا من بعدهم فلم يراعوها حق رعايتها ،  ((  الأمر الثالث  )) : فقه الأحاديث الواردة في ذم البدعة : قوله صلى الله عليه وسلم : (( أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدَثاتها ، وكل محدَثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة )) (( أخرجه مسلم )) ، وفي رواية عند النسائي بزيادة ((أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدَثاتها ، وكل محدَثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة؛ وكل ضلالةٍ في النار)) (( أخرجه النسائي )) ، لفظ ( كُل ) الذي جاء في حديث : (( كل محدثة بدعة )) عموم مخصوص بكل ما أحدث في الدين مما ليس منه ،  ف ( كل ) هنا من صيغ العموم ولكن يُراد بها الخصوص ، والخصوص هاهنا في حديث : (( كل محدثة بدعة )) هو أن تكون محدثة ليس لها أصل في كتاب الله تعالى ، فإن كان لها أصل فهي سنّة حسنة وليست بدعة ضلالة ، ((  الأمر الرابع  )) : الأحاديث الدالة على إمكانية وجود البدعة الحسنة : هناك نصوص عديدة في السنة الصحيحة  يفهم منها أن المحدثات في الدين ليست كلها ضالة بل قد يكون منها ما هو حسن وأصول تلك الأحاديث هي : ( 1 ) ما أخرجه مسلم في صحيحه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ )) ، قال النووي : قوله صلى الله عليه وسلم : ( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة ) الحديث وفي الحديث الآخر ( من دعا إلى الهدى ومن دعا إلى الضلالة ) ،  هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة , وتحريم سن الأمور السيئة , وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه , أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه , سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه , أم كان مسبوقا إليه , وسواء كان ذلك تعليم علم , أو عبادة , أو أدب , أو غير ذلك . قوله صلى الله عليه وسلم : ( فعمل بها بعده ) معناه إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته . والله أعلم ." أهـ ، وأخرج البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ : عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله  ) (( صحيح البخاري مع الفتح 5 : 155 )) ، قال بن حجر في شرح الحديث : قوله : ( قال عمر نعم البدعة ) في بعض الروايات " نعمت البدعة " بزيادة تاء , والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق , وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة , والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة " أهـ. (( صحيح البخاري مع الفتح 5 : 155-156 )) ، استفاد فقهاء الأمة الأعلام من هذه الاحاديث وأخرجوا لنا دررا من فقه الدين ، فمن ذلك : أن الدليل الأول على تقسيم البدعة هو تقسيم الرسول صلى الله عليه وسلم لها بقوله ( من سن في الإسلام سنة حسنة .....ومن سن في الإسلام سنة سيئة ) ،  والدليل الثاني هو قول عمر رضي الله عنه نعمة البدعة هذه ، ومن أكابر العلماء الذين نصروا هذا القول : الإمام الشافعي عالم الأمة الإمام القرشي المطلبي الذي ملأ طباق الأرض علما وبه قال عامة الشافعية والأحناف والمالكية وعدد من فقهاء الحنابلة ،وقد نقل الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي إجماع المالكية عليه في كتاب المعيار المعرب (( ج 1 : 357 ، 358 ))  وقال به الكثير من علماء الأمة والمحدثين ، منهم على سبيل المثال : الإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وسلطان العلماء الإمام العز بن عبدالسلام والإمام القرافي والفقيه الرباني الإمام النووي وأمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والإمام الزرقاني والأمام الكرماني وابن عابدين الشامي والإمام الحافظ ابن العربي المالكي والعلامة ابن الأثير الجزري والإمام شهاب الدين أبو شامة والإمام العيني وغيرهم كثير وهؤلاء هم ورثة النبوة وأركان العلم عند أهل السنة والجماعة فمن بدع هؤلاء الفقهاء في فهمهم لتقسيم البدعة فليراجع عقله أو يراجع دينه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وهؤلاء العلماء الربانيون وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا يُطلق على المحدثة في الدين لفظ الحسنة إلا بشروط ربانية هادية استنبطوها من فقه الكتاب والسنة ، الشرط الاول : أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه ، والشرط الثاني : أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ،  فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة ، والشرط الثالث : أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، وسيأتي تباعا بيان أقوال الجميع وأدلتهم على ما قالوا وما استنبطوا به شروطهم الضابطة لباب الاتباع والابتداع ، (( الأمر الخامس  )) هدي السلف الصالح في فقه مسائل البدعة هو الجمع بين الأمرين ، الأمر الأول : التحذير من بدع الضلالة ويحمل تحذيرهم على بدع الضلالة التي تؤول إلى فرق ضالة كبدعة الخروج وبدعة الرفض وبدعة الاعتزال وبدعة الحشو ، والأمر الثاني : الاجتهاد في سن السنن الحسنة ، فأما حمل كلامهم على الاجتهادات الفرعية والأقوال الفرعية فهذا لا يفهمه إلا أهل الوسوسة في تبديع المسلمين وأهل الهوس البدعي والافراط في تبديع أهل القبلة ، وأما أثر اعتراض الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود على المجتمعين في المسجد للتسبيح والذكر ، وقوله لهم : تعلمون أنكم لأهدى من محمد صلى الله عليه وأصحابه ؟!! أو إنكم لمتعلقون بذنب ضلالة ، فهذا الأثر الذي اعتمد عليه أولئل الموسوسون في تبديع ما لا يستحق التبديع في الإنكار على الذكر الجماعي ، وأصبحوا يكررونه فرحين مستبشرين فهو أثر ضعيف كما بينت في الحلقات ، لا يجوز الاحتجاج به لضعفه ، وهؤلاء الموسوسون ينكرون على غيرهم التمسك بالضعيف ، ولكن إذا كان الضعيف ينصر رأيهم فلا بأس من الاحتجاج به ولو كان هذا الضعيف يعارض طائفة من الأحاديث الصحيحة ، كحديث البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق ، يلتمسون أهل الذكر ، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجل تنادوا هلموا إلى حاجتكم ، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ، فيسألهم ربهم وهو أعلم : ما يقول عبادي ؟ . فيقولون : يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك )) . وفي آخر الحديث : (( فيقول الله تعالى : فأشـهدكم أني قد غفرت لهم )) (( صحيح البخاري : كتاب الدعوات ، باب فضل ذكر الله عز وجل )) ، قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في الحاوي للفتاوي (1 : 379) : فإن قلت ، فقد نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد. قلت : هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج إلى بيان سنده ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة وهي مقدمة عليه عند التعارض ، ثم رأيت ما يقتضي إنكار ذلك عن ابن مسعود قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد ثنا حسين ابن محمد ثنا المسعودي عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالست عبد الله مجلسا قط إلا ذكر الله فيه ، وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (1 : 177) : وأما ما نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال : ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد, فلم يصح عنه بل لم يرد; ومن ثم أخرج أحمد عن أبي وائل قال : هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ; ما جالست عبد الله مجلسا قط إلا ذكر الله فيه, والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب انتهى ، وقال الإمام المحدث المناوي في فيض القدير (1 : 457) : وأما ما نقل عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال : ما أراكم إلا مبتدعين وأمر بإخراجهم فغير ثابت . وبفرض ثبوته يعارضه ما في كتاب الزهد لأحمد عن شقيق بن أبي وائل قال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالسته مجلسا قط إلا ذكر الله فيه أهـ ،  وقال الألوسي رحمه الله في روح المعاني (6 : 163) : وما ذكر في الواقعات عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال : ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجه من المسجد لا يصح عند الحفاظ من الأئمة المحدثين وعلى فرض صحته هو معارض بما يدل على ثبوت الجهر منه رضي الله تعالى عنه مما رواه غير واحد من الحفاظ أو محمول على الجهر البالغ "  أهـ  ، كما أن السلف الصالح سنّوا سنناً حسنة : وهذه السنن لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد فعلها أو قالها ، ولم يستأذنوه أولا في فعلها أو الإتيان بها ، وإنما بادروا إلى فعلها ، ثم بعد ذلك علم هو بها ، أو فعلوها بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها : سنة الوضوء التي أحدثها بلال رضي الله عنه ، وسنة تكرار سورة الإخلاص في الصلاة ، وسنة الركعتين قبل القتل صبرا ، وغيرها كثير ، وهي أدلة عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم تدل على أنهم كانوا يبادرون إلى الخير في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم دون انتظار الإذن بذلك ، ولو كانت اجتهاداتهم في التقرب إلى الله بشتى أنواع العبادات والقربات ممنوعة ، لنهاهم عنها الرسول صلى الله عليه وسلم خوف الابتداع في الدين ، كما أنّ هناك سنناً حسنة فعلها الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يفعلها هو في حياته ، ولم يمنعهم من فعلها أنه لم يفعلها ، ومن ذلك : جمع أبي بكر رضي الله عنه للقرآن ،  وجمع عمر رضي الله عنه المسلمين على إمام واحد في صلاة التراويح يصلي بهم عشرين ركعة يروحهم بعد كل أربع ركعات ، وقوله رضي الله عنه عندما  رآهم مجتمعين على إمام واحد ((نعم البدعة هذه )) (( أخرجه البخاري : ح 1906 )) ،  (( الأمر السادس )) من القواعد المهمة لفقه مسائل البدعة عند أهل السنّة والجماعة : معرفة فقه أهل السنة والجماعة السديد في مسألة الترك وضابطها الرصين ، وفي مسالة العمل بالحديث الضعيف وعدم جواز تبديع القائل به ، وفي تقدير مسألة البدعة الإضافية ، وفي التحذير من الإسراف في تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة ، وفي التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية ، وفي بيان أن كل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع المقصود به بدع الاعتقاد التي تشق صف الأمة ، ولا يُحمل على الخلافات الفقهية أبدا ، وفي بيان أنه لا تبديع ولا تفسيق في المسائل الخلافية بين المذاهب المعتمدة ،  لقد تسبب اعتماد مبدأ ( السنة التركية ) كدليل على التبديع إلى غلو شنيع في مسائل التبديع ،  كما تسبب عدم الإلمام بمنهج اهل السنة والجماعة في مسالة العمل بالحديث الضعيف ، فالقاعدة عندهم  أن كل من استدل لعمله بحديث ولو كان ضعيفا فلا ينبغي تبديعه ، ولا اتهامه بالبدعة لمجرد ذلك ، وفي هذا أعظم التهذيب لعلم الاتباع ووقف التبديع الانشطاري الذي أُبتلي به بعض المهووسين بالغلو في التبديع بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وقد نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى اتفاق المحدثين والفقهاء على جواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعا ، وكذلك فإنه من المقرر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة أنّه لا تبديع ولا تفسيق في المسائل الخلافية بين المذاهب المعتمدة على منهاج أهل السنة والجماعة ، ولا يجوز التشنيع عليها ، ومن صنع شيئاً من ذلك فهو المبتدع المخالف لما عليه  فقهاء أهل السنّة والجماعة ،  ((  الأمر السابع  )) للبدعة الشرعية قيودًا ثلاثة تختص بها حتى تكون بدعة ضلالة ، والمحدثة لا يكون بدعة ضلالة في الشرع إلا بتوفرها فيه ، وهي : الإحداث ، وأن يضاف هذا الإحداث إلى الدين ، وألا يستند هذا الإحداث المضاف إلى الدين إلى أصل شرعي ؛ بطريق خاص أو عام ، والمستفاد من فقه تلك الضوابط : أنّه لا تطلق بدعة الضلالة إلا على ما اجتمعت له شروط ثلاثة ، أن يكون محدثة ، وأن تتعلق بالدين ، وأن لا ترجع إلى أصل عام أو خاص ، وبالتالي ، فكل ما لا يُقصد به الدين ، فلا يدخل في بدع الضلالة ، وكل ما يعود إلى أصل عام أو خاص فلا يدخل في باب البدع الضالة ، ومن هذا القبيل فإن فقه تنزيل هذه الضوابط على مسائل عديدة مختلف فيها سوف يحل إشكالاً عويصاً في مسائل وأحكام السنّة والبدعة ، ومن ذلك تنزيل هذه الضوابط على مسألة الاحتفال بالمولد النبوي ، فإن لم تُضف إلى الدين على أنّها منه ، أو إن وجد لها أصل في الشرع عام او خاص ، أو إن فعلت على سبيل تعظيم الرسول وتوقيره وإظهار الفرح والسرور بمقدمه ، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً ، ومن ذلك تنزيل هذه الضوابط على مسألة الذكر الجماعي ، فإن لم تُضف إلى الدين على أنّها منه ، بل كوسيلة إلى ذكر الله تعالى ، أو إن وجد لها أصل في الشرع عام او خاص ، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً ، ومن ذلك تنزيل هذه الضوابط على مسألة المبالغة في التعبد والتراويح عشرون ركعة أو ست وثلاثين ركعة مثلاً ، فإن لم تُضف إلى الدين على أنّها منه ، بل كوسيلة إلى التقرب إلى الله تعالى ، أو إن وجد لها أصل في الشرع عام او خاص ، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً ، ومن ذلك تنزيل هذه الضوابط على مسألة الصلاة على الرسول عقب الآذان وعقب الصلوات ، فإن لم تُضف إلى الدين على أنّها منه ، أو إن وجد لها أصل في الشرع عام او خاص ، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً ، ومن ذلك تنزيل هذه الضوابط على مسألة تسييد النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن لم تُضف إلى الدين على أنّها منه ، بل كوسيلة إلى ذكر الله تعالى ، أو إن وجد لها أصل في الشرع عام او خاص ، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً ، ومن ذلك تنزيل هذه الضوابط على مسألة أذكار ختم الصلوات ، وقول تقبل الله ، والمصافحة عقب الصلاة ، وقول صدق الله العظيم ، ورفع اليدين عند الدعاء ، واستعمال السبحة في التسبيح ، واهداء ثواب القرآن والأعمال إلى المسلمين ، فهذه كلها إن لم تُضف إلى الدين على أنّها منه ، أو إن وجد لها أصل في الشرع عام او خاص ، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً ، ومن ذلك تنزيل هذه الضوابط على العادات التي لا تدخل تحت إطار الدين قط مثل الاحتفالات والمناسبات الأسرية والوطنية ، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً ، وغير ذلك كثير سوف نرى بركة تطبيقه على أمور عديدة يعدها المتنطعون من بدع الضلالة وهي وفق ضوابط بدع الضلالة لا تكون أبداً منها ، وإنما غالب تلك البدع الضلالة إنما تكون في الاعتقادات الضالة التي ينسبها المبتدعة إلى الدين كغالب بدع الخوارج والروافض والمعتزلة والقدرية والجبرية والمرجئة والمشبهة والمجسمة وغيرها من بدع الضلال ،  ((  الأمر الثامن  )) من أهم شروط وضوابط بدعة الهدى ( السنّة الحسنة ) : (( الشرط الأول )) : أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، ((  الشرط الثاني )) : أن لا تصادم البدعة نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ،  ((  الشرط الثالث )) : أن يراها المسلمون أمراً حسناً ، ((  الشرط الرابع )) : ن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ، و ( مثال ذلك ) : الأذان الأول يوم الجمعة ، فقد أخرج البخاري وابن ماجه والترمذي عن السائب بن يزيد قال : كان النداء  يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر ، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء ، قال الإمام النووي : إنما جعل ثالثاً لأن الإقامة أيضاً تسمى أذاناً. انتهى ، فهذا الأذان زيادة من سيدنا عثمان رضي الله عنه وهو من الأمور التعبدية الصرفة ، وقد استحسنه الصحابة رضوان الله عليهم ولم ينكره أحد منهم ، ثم جرى العمل عليه من بعده دونما نكير ، فكان بدعة حسنة ، ويمثل لذلك أيضاً بتحديد ركعات التراويح في رمضان بعشرين ركعة ، كما جمعهم عليه سيدنا عمر ابن الخطاب وجرى العمل عليه دونما نكير ،  ((  الأمر التاسع  )) : لابد من التفريق بين بدع الضلالة وما بين الأمور الفقهية الخلافية ، فمن أهم أصول البدع الضالة التي تمثل خطرا على إطار اهل السنّة والجماعة الناجية المعاصر : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ،  كما ينبغي الحذر كل الحذر من بدعة الغلو في مسائل التكفير ، وبدعة الحشو في مسائل التقديس ، وبدعة الغلو في مسائل الشرك ، وبدعة الغلو في مسائل التبديع ،  ومن الأمور الفقهية الخلافية ، الاحتفال بالمولد النبوي ، والذكر الجماعي ، والتراويح عشرون ركعة ، والصلاة على الرسول عقب الآذان ، ومسألة أذكار ختم الصلوات ، والمصافحة عقب الصلاة ، وقول صدق الله العظيم عند الفراغ من تلاوة القرآن، ورفع اليدين عند الدعاء ، وغير ذلك الأمور الفقهية الخلافية  ،  ((  الأمر العاشر  )) : منهج أهل السنّة والجماعة في تقسيم البدع وفق قدرها منهج حكيم : يتمثل في التفريق بين بدع العقيدة التي تؤول بصاحبها إلى الفرق الضالة والضلال ، وبين الأمور الفقهية الاجتهادية التي لا يجوز التبديع فيها بحال ، ومنهج أهل السنّة والجماعة الرصين في التعامل مع أهل البدع ، وأنهم من أهل القبلة وأهل الإسلام ، فيجوز الاستغفار لميتهم والدعاء له بالرحمة ، لأنه لا يزال في عداد المسلمين ، وأنه من أعظم الخطر خطورة تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، والتسرع في التكفير صفة أهل الضلال ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ،  وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

عدد الزيارات 1

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا