العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم السادس : ( علم الانتساب إلى الجماعة الناجية ) وذلك لجمع المسلمين تحت منهاج صحيح واسع واحد مميز


الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 19:19 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم السادس : ( علم الانتساب إلى الجماعة الناجية )   وذلك لجمع المسلمين تحت منهاج صحيح واسع واحد

[ 1 ] تفرق الامة إلى فرق ضالة وواحدة ناجية : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وأخرج الترمذي : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح2 ص 334 ] ، وأخرج أبو داود  : عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ، وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : (( إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة )) [ أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/364 ] ، فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ، وقد صحح عموم روايات الافتراق جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي والألباني ،

[ 2 ] الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي أهل السنة والجماعة : لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة : [ السبب الأول ] : أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين إذ هم الذين حفظوه ، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنة والجماعة ،  [ السبب الثاني ] :  أهل السنة والجماعة هم  أهل الحديث وخاصته  ، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين ، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة  ومعرفة السنّة ،  [ السبب الثالث ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين ، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة ، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع  والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين ، هم أهل السنة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع ،  [ السبب الرابع ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي ،  لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة ، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية ، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس : ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، وبها اكتملت علوم العقيدة ، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب ، وهي  : المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وبها اكتملت علوم الفقه ، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان ، فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ، وبهذا التخصص العلمي الرصين : صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،  [ السبب الخامس ] : أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين : أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه ، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه ، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه ، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة  وآل البيت رضي الله عنهم  بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض ، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية التجديد سوى راية أهل السنّة والجماعة ، أهل التوسط والاعتدال ،  [ السبب السادس ] : هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق  الصحيحة ، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود وصححه الألباني ] ،  لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة) ، ( فأهل السنة ) : لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، ( وأهل الجماعة ) : لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال ،  [ السبب السابع ] : أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه ، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " ، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ شذ في النار )) ، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى ( أهل السنة والجماعة ) ، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية الإصلاح والتجديد سوى راية أهل السنة والجماعة ،

[ 3 ] : الإطار العلمي الدقيق للفرقة الناجية :  يمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة ، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم ، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار ،

[  4  ]  بداية ظهور التخصص في العقيدة : استفحل أمر الفرق الضالة ، وأصول تلك الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم ( الخوارج ) و ( الروافض ) و ( المعتزلة ) و ( الحشوية ) ، والتي كان أهم أسباب ظهورها هو تتبع المتشابه  الذي حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان ، فإنّ تتبع المتشابه فيها أدى إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة ، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم ، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، أما طريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، هذا هو فعل المتخصصين الراسخين في العلم الذين مكنهم علمهم من الاستنباط الصحيح ، قال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، وصار لأهل السنة والجماعة ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس أو بسبب تسرب مفردات عقيدة الحشو إليهم ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب علماء السادة الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وهذه المدارس الفاضلة الثلاث تمثل أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وعلماؤها هم أهل الفقه الأكبر في الدين ، 

[  5  ]  اتباع المتشابه هو الذي أهلك الفرق الضالة : ( أ ) القرآن الكريم يحوي المحكم والمتشابه ، وقد حذرنا القرآن الكريم من تتبع المتشابه ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري :ح ( 4547 ) ، مسلم :ح (  2665 ) ]  ، [ ( ب ) ما هي دائرة المتشابه ] : وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه  ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ،

[  6  ]  من الذي يعلم المتشابه : جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه ، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، قال : لا يعلم المتشابه إلا الله وحده ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول : عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله ، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال : إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه ، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين ، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ] ، [ ( ث ) الخلاف في المسألة لفظي ] : فإن من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله ، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده ، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق ، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه ، وحمله ما أمكن على محكمه ، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده ، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص ، وحمل المتشابه على المحكم ،  ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على : لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على : ( الراسخون في العلم ) ، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه ، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده ، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد ،

[  7  ]  آيات الصفات منها آيات محكمات وأخر متشابهات : آيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه ، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته : فمن المحكم - على سبيل المثال - ( صفة العلم ) وهي صفة كمال من كل وجه ، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، و ( صفة القدرة ) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها  ( العجز ) ، وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، وما أكثر الصفات المحكمة التي تدل على وجوه الكمال والجلال والإكرام لله تعالى كما أنّ جميع الأسماء الحسنى الثابتة في حق الله تعالى فهي تدل على صفات محكمة لله تعالى ، أما المتشابهات فهي ( الأخبار ) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه ، وتلك المتشابهات أقسام : فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى  كالوجه والعين واليد ، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء ، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال ، وكل ذلك مستحيل على جناب الله الأحد الصمد القديم بجناب ذاته وصفاته  ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه

[  8  ] منهج السلف في المتشابهات : للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، منهجان صحيحان : المنهج الأول : هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ ، [ المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ] : وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال ، ومذهب السلف الأول فيها : أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، [ المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ] ، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم : والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ،  ومما يدل عليه  أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله : (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ، ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو ، وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله ، ومن تأويلات تابعي التابعين : تأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  ( ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو ) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 10 5 ، شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 370 ] ، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [ البداية والنهاية لابن كثير 10  / 361  ] ، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر ] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ،  

[  9  ] المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف :  الأثرية : هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة ، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله : التفريق بين المحكم والمتشابه ، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه ، عدم الخوض بالحشو والتجسيم ، والأثرية هم الامتداد  الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة ، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله ، فمن ذلك : قولهم : ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم ، وقولهم : نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها ، وقولهم : نترك التعرض لمعانيها ، وقولهم : كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه ، وقولهم  : كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له ، وقولهم : المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط ، وقولهم : آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله ،  

[  10  ] الأشعرية والماتريدية امتداد السلف وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة : ( الأشاعرة ) : هم المتخصصون في العقيدة ، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة ، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري  رحمه الله ( 270 ه إلى 330 ه ) ، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة ، نصر الحديث ، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين  ،  هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال ، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم ، وإبطال شبههم ، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه ، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم ،  وعظماء أمة النبي صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة ، كالباقلاني ، والقشيري ، وأبي إسحاق الشيرازي ، وأبي محمد الجويني ، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين ، وحجة الإسلام الغزالي ، والقاضي أبي بكر بن العربي ، والإمام فخر الدين الرازي ، والحافظ ابن عساكر، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والإمام الرافعي، والإمام النووي، والإمام السبكي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام الفقيه ابن حجر الهيتمي ، والحافظ السيوطي ، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس ، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا ،  ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين ، والأشاعرة لم يبتدعوا  مذهباً ، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام ، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة ، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان ،  والأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة : أنقذ الله تعالى بهم الأمة من الاعتزال والحشو ، صاغوا المنهج الحق ، القائم على الكتاب والسنّة ، بعيداً عن بدع الخروج والتشيع ، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو ، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة ، في باب الإيمان والكفر  ، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد ، وباب السنّة والبدعة ، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات ، بما لا مزيد عليه ، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً  ، وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور : أهمها : الأول : دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة ، والمحور الثاني : الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة ، الثالث : قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها ، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم ، ( والماتريدية ) : ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي ، وهو إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين ورئيس أهل السنة والجماعة وناصر السنة وقامع البدعة ، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، مضيف النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و سلَّم في دار الهجرة ، وتعتمد أسس الماتريدية على المذهب الحنفي في العقائد والفقه ،  وكان لأنصار أبي منصور الماتريدي الدور المهم في انضاج المذهب ونصرته ونشره وإشاعته ، فقد كافحوا المعتزلة والمجسمة والحشوية ، والحاصل هو أن الأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها ، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي ، والأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وهما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية ، قال الإمام المرتضى الزبيدي : ( وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور - رضي الله عنهما - وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله ... ناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) اهـ. [ إتحاف السادة المتقين 2/7 ] ، 

[  11  ] الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة : لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة : ثلاث مذاهب لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المذهب الأثري ) وعليه غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( المذهب الأشعري ) وعليه غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( المذهب الماتريدي ) وعليه غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وجميع تلك المذاهب يعبر عن الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، ما اتفقوا عليه من أصول الدين والعقيدة نجتمع عليه ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في فروع العقيدة ، وهذه المذاهب الثلاث المؤصلة هي المرجعية العقائدية الصحيحة لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ،

[  12  ] المدارس الفقهية لأهل السنة والجماعة : استقر لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة ، لقد جمع الله تعالى علوم الفقه كلها في مذاهب الأئمة الأربعة : فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة ، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه ، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه ، ويملأ طباق الأرض علما وفقها ، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه ، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة ، على أنّ هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة : وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي بالشام ، وسفيان الثوري بالعراق ، والليث بن سعد بمصر ، وسفيان بن عيينة بمكة ، إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة ، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع ، وعلى ذلك : فإنّه يمكن القول بأنّ علوم الفقه كلها اجتمعت في مذاهب الأئمة الأربعة ، وهي مذاهب منضبطة مدونة محررة معروفة ، تخرج من خلالها  آلاف الفقهاء ، وهذه إشارة إلى هذه المذاهب الفقهية العريقة المؤصلة ، ( المذهب الحنفي ) : وإمام المذهب هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، ( ولد في الكوفة سنة 80هـ ) ، برع في الفقه حتى صار من بعده عيالاً عليه ، قال ابن المبارك : أفقه الناس أبو حنيفة ، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة ،  والإمام الأعظم أبو حنيفة : يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح ، وقواعد رصينة ، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه ، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه ، ( المذهب المالكي ) : وإمام المذهب : هو إمام دار الهجرة أبو عبدالله مالك بن أنس ، هو إمام أهل الحديث وإمام أهل الفقه ، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره ، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم ، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي ، فكان آية في الفقه والعلم ، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه ، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة ))  ، قال الشافعي: مالك حجة الله على خلقه ،  وقال أيضا : إذا ذكر العلماء فمالك النجم ، ( المذهب الشافعي ) : وإمام المذهب : هو أبو عبدالله محمد بن إدريس شافع القرشي المطلبي ، تلقى العلم بادئ الأمر في مكة على يد مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة (ت179هـ) ، ثم رحل إلى مالك في المدينة ، وقرأ عليه الموطأ وأخذ عنه الحديث والعلم ، ولزمه حتى مات ، ثم خرج إلى العراق فلقي محمد بن الحسن وأخذ منه فقه العراق ، فاجتمع له فقه الحجاز ( مكة والمدينة ) والعراق ، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، ووضع للفقه أصولاً تضمنتها ( الرسالة ) ، وإليه ينسب علم أصول الفقه ، ثم استقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها ، اعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز ، والفقهاء بعده  عيال عليه في الفقه وأصول الفقه لأنه هو الذي فتح هذا الباب ، وصدق فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً  )) أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده ، وأبو نعيم فى الحلية ، وقال أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي ، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعي ، لأنه إمامٌ عالمٌ من قريش، وقال عنه أيضا : كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقال أيضا : ما أحد مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة ، وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثا خطأ ، ( المذهب الحنبلي ) : إمام المذهب : هو إمام أهل السنة أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل ، عُرف بولعه وشغفه بالعلم منذ صباه ، أخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها ، جمع فقه أهل العراق ثم لازم الشافعي وتتلمذ على يديه في الفقه ، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه ، قال عنه الشافعي : أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه ، إمام في اللغة ، إمام في القرآن ، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع ، إمام في السنة ،

[  13  ] الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب الفقه : استقر لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد مال أهل الفقه إلى الاكتفاء بهذه المذاهب الأربعة في باب الفقه : لأسباب عديدة منها : (  السبب الأول ) : بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه ، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه ،   ( السبب الثاني ) :  صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد. حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد ، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق ، وذكروا منها شروطا عشرة تتمثل في : معرفة آيات الأحكام من القرآن الكريم ومعرفة تفسيرها والناسخ والمنسوخ منها وأقوال الفقهاء حولها و معرفة أحاديث الأحكام من السنة ، ومعرفة تفسيرها والناسخ والمنسوخ منها وأقوال الفقهاء حولها ، و معرفة مسائل الإجماع ، و معرفة وجوه القياس ، و معرفة اللغة العربية ، و معرفة أصول الفقه ، ومعرفة مقاصد الشريعة العامة ، وأن يكون لديه ملكة الاجتهاد ، ( السبب الثالث ) : وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي ، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ( وما أعسرها ) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة ، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة ، ويمكنه الاجتهاد في إطارها  ، ( السبب الرابع ) : تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا ، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم ، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور ، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله ، ( السبب الخامس ) : الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها ، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه ، وأصول الفقه ، والقواعد الفقهية الجامعة ، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة - بفضل الجهود الجماعية لعلمائها - بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ،

[  14 ] ضوابط الانتساب إلى المذاهب الأربعة : وضع الفقهاء ضوابط رصينة في حق الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة على وفق أن المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء ، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا ، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة ، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم ، ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب : ( 1 ) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً ، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن ، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى ، ( 2 ) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به ، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهله المتخصصين فيه ، ( 3 ) المذاهب الأربعة متكافئة ، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة  فكلهم على خير ، ( 4 ) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال - وفق الهوى - من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً ، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه ، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر ، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه ، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل ، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط ، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة ، أو وجود الدليل الراجح ، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها ، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال ، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد ، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا ، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه ، وليس كل الناس علماء ، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء ، ( 5 ) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله ، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله ، ويصعب ، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم ، وقد حبا الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي ، ( 6 ) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة  لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب ، ولا يجوز له التعصب من أجله ، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع ، ( 7 ) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله ، والأدلة محتملة ، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد ، وملكة الفقه والترجيح ، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء ، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم ،  ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة ، ( 8 ) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ  بل يخطئون ويصيبون ، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم ، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم ، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة ، وكان اختلافهم رحمة ، وبعد فإنّ هذه المذاهب الأربعة تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع ، وجميعها يعبر عن الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب الفقه ، ما اتفقوا عليه من آراء الفقه نجتمع عليه ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف ، وهذه المذاهب الأربعة المؤصلة هي المرجعية الفقهية الصحيحة لأهل السنة والجماعة ،

[ 15 ] مدارس التزكية والإحسان المنتسبة لأهل السنة والجماعة :  لقد كان من ثمرة التخصص في علم التزكية ظهور أقطاب التصوف الصديقين العارفين الذين رزقهم الله تعالى لسان الصدق في الأمة على مر العصور  ، وقد سميت اجتهادات هؤلاء الربانيين ومن ذهب مذهبهم السالكين المجتهدين (( طرق )) ولم تسمى (( فرق )) ، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية ، وإنما كان الخلاف بينهم في طريق الوصول إلى مرتبة الإحسان ، تعددت الطرق والغاية واحدة ، رضا المولى تبارك وتعالى ونيل رضاه ، لقد أكرم الله تعالى الأمة بثلاثة مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وأكرم الله تعالى الأمة بأربعة مدارس في علم  الفقه لا خامس لها إلا الميل إلى الحشو والشذوذ الفقهي ، وكذلك أكرم الله تعالى الأمة بأهل التصوف والزهد والمعرفة الذين قاموا على علم بتزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ، وكان لكل منهم طريقة في السلوك لها أورادها ولها اجتهاداتها التي تميزت بها عن غيرها ، إن هذا الإطار الواسع هو الإطار العلمي الصحيح لأهل السنة والجماعة ، سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الجماعة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،

[  16  ] التخصص الصوفي في التزكية : إنّ احترام التخصص التزكوي والرد في علم التزكية إلى تلك المدارس الصوفية المتخصصة ، ضرورة علمية وأخلاقية وتربوية ، وذلك لقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، قال حجة الإسلام الإمام الغزالي : ( الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب ، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) اهـ ، قال الإمام الجنيد : ( إذا وفق الله المريدَ ألقاهُ إلى الصُّوفيَّة ) اهـ ، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي : ( من لم يغلغل في علمنا هذا ، مات مُصراً على الكبائر وهو لا يشعر ) اهـ ، وهذا حق لأنهم هم الذين جمعوا علوم الإحسان ووسائل التزكية ، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، فإن علوم الدين الثلاثة التي اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، و ( التصوف ) هو المرادف لمصطلح ( التزكية ) المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس : 9-10 ] ، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ آل عمران : 164 ] ،  وكذلك فإن ( التصوف ) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه : (( قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك")) [ أخرجه مسلم ] ، وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل ( التصوف ) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان ، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية ، وهو علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها ، 

[ 17 ] المقصود بالتصوف : التصوف هو العلم الذي يتعلق بتزكية النفوس وسلامة القلوب وتعمير الظاهر والباطن ، وتحقيق مرتبة الإحسان ، مستمدا أصوله من الكتاب والسنة ، ، وقد حُدَّ التصوف وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين ، مرجعها  كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى ، واستعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني ، وهو في نهاية المطاف عظيم الاخلاق مع الخالق ومع المخلوق ،  ولهذا قالوا : التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف ، وأركان علم التصوف أربعة : ( الأول ) معرفة جناب ذات الله تعالى وتقدس وما يجب له من التسبيح والتقديس والتنزيه والتعظيم ، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتوحيده سبحانه في إلهيته ربوبيته وعبوديته لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، ( الثاني ) معرفة النفوس وشرورها ودواعيها والطريق إلى تخليتها عن دسائسها وتحليتها بتزكيتها ، قال تعالى : { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ، و ( الثالث ) معرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله وكيفية التغلب على مكائده ، قال تعالى { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ، و ( الرابع ) ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها ، وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها وضرورة الزهد فيها ، قال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، وقال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } ، ثم ألزموا أنفسهم  بعد توطئة هذه الأركان : دوام المجاهدة ، وشدة المكابدة ، وحفظ الأوقات ، واغتنام الطاعات ، ومفارقة الراحات ، والزهد في الدنيا الفانية ، وإيثار الآخرة الباقية ، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله خير الجزاء ، ( تنبيه ) مع احترام التخصص لابد من الإصلاح والتجديد ، وإذا كان الدين نفسه يحتاج إلى إصلاح وتجديد كل مائة عام ، فإن التصوف القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين يحتاج أيضا إلى إصلاح وتجديد ، وذلك بإصلاح جوانب الخلل التي أصابت التصوف بفعل عوامل طول الزمان ووجود الجهلاء والأدعياء ، مع التنبيه على وجوب أخذه من اهله المتخصصين ،

[  18  ] ( تاريخ التصوف الاسلامي ) : يمكن اختصاره إلى ثلاث مراحل : ( المرحلة الأولى ) : كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة ، في بدايات القرن الثاني ، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير ، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية : من أمثال الحسن البصري ( ت ١١٠ هـ ) ،  وإبراهيم بن أدهم البلخي ( ت ١١6 هـ ) ،  ورابعة العدوية ( 185هـ ) ، والفضيل بن عياض الخراساني ( ت ١87 هـ ) ،  ومعروف الكرخي ، ( ت 201 هـ ) ، وأبو سليمان الداراني ( ت205هـ ) ، وبشر بن الحارث الحافي ( ت 227 هـ ) ،  والحارث بن أسد المحاسبي ( ت 243 هـ ) ، وذي النون المصري ( ت 245 هـ ) ، وسري بن المغلس السقطي ( ت 257 هـ ) ،  ويحيى بن معاذ الرازي الواعظ ( ت 258 هـ ) ، وأبو اليزيد البسطامي ( ت263هـ ) ،  وأحمد بن عيسى الخراز ( ت 277 هـ ) ،  وسهل بن عبدالله التستري ( ت 283 هـ ) ، وأبي القاسم الجنيد البغدادي ( ت 297 هـ ) ،  ورويم بن أحمد البغدادي ( ت 303 هـ )  ، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف ، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد ، وبداية التمييز عن علماء الفقه ، بعلم التزكية والتصوف ، ( المرحلة الثانية ) : وهي المرحلة التي  ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف ، أبو نصر السرّاج الطوسي ( ت378هـ ) في كتابه اللمع في التصوف " و" أبو بكر محمد الكلاباذي ( ت380هـ ) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف" و" أبو طالب المكي ( ت386هـ ) في كتابه قوت القلوب" و" أبو القاسم القشيري ( ت465هـ ) في الرسالة القشيرية" وهي من أهم الكتب في التصوف و" الغزالي ( ت505هـ ) في كتابه إحياء علوم الدين ، ( المرحلة الثالثة ) : وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية ، ومدارس التصوف والتربية والتزكية في العالم الإسلامي ، على يد الربانيين من أهل التصوف ،  ومن أشهر تلك الطرق التربوية : الطريقة القادرية التي  أسّسها الشيخ عبد القادر الجيلاني ( ت561هـ ) ، والطريقة الرُفاعية التي أسسها الشيخ أحمد الرفاعي ( ت 578هـ ) ، والطريقة الشاذلية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي ( ت656هـ ) ، والطريقة الأحمدية أو البدوية التي أسسها الشيخ أحمد البدوي ( ت 634 هـ ) ، والطريقة المولوية التي أسسها الشيخ جلال الدين الرومي ( ت672ه‍ـ ) ، والطريقة البرهامية أو الطريقة الدسوقية التي اسسها الشيخ إبراهيم الدسوقي ( ت 676هـ ) ، والطريقة النَقشبندية التي أسسها الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي ( ت791هـ ) ، والطريقة الخلوتية التي أسسها الشيخ محمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي ، ( ت 986 هـ ) ، والطريقة السنوسية التي أسسها الشيخ محمد بن على السنوسي ( ت 1202 هـ ) ، والطريقة التيجانية التي أسسها الشيخ أحمد التيجاني ( ت1230ه‍ ) ، الطريقة المرغنية التي أسسها الشيخ محمد بن عثمان المرغني السوداني ( ت 1267 هـ ) ،

[  19  ] ( الطرق الصوفية ) :  هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل ، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية ، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية ، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله ، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها ، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة ، فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر ، وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر ، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلا ، ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين ، كما توجد ثلاثة أنواع من الطرق وهي : طريقة التبرك ، وطريقة الإرشاد ، وطريقة التربية والترقية ، وذلك حسب مستوى شيخ الطريقة، فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح ، ويقف دوره عند هذا التبليغ ، وينال الآخذ عنه بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ينال ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزم بها ، وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك ، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات. فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة. وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر ، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة  في مقام ( أن تعبد الله كأنك تراه ) ، 

[ 20 ] معالم الإصلاح والتجديد في مجال التصوف السني الصحيح : تتمثل في : ( أولا ) : تأكيد وتجديد مبدأ ارتباط التصوف بالكتاب والسنة ، ( ثانيا ) : التأكيد على أهمية التصوف كمنهج أصيل للإصلاح والتربية ،  ( ثالثا ) : تصحيح التصورات الخاطئة عن التصوف لدى عامة المسلمين ، فإن السادة الصوفية هم خواص أهل السنة والجماعة ، لم يقل أحد من المعتبرين منهم إن الصوفية فرقة مختلفة عن أهل السنة ، لأن عقيدة الصوفية هي عقيدة أهل السنة ، كما أن جميع طوائف الاتحادية والحلولية والإباحية والباطنية والمادية طوائف ليست من الصوفية في شيء ، والصوفية منهم برآء كما أنّ الإسلام منهم برآء ،  ( رابعا ) : تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتصوفة ، سواء كانت هذه المفاهيم محدثة من قبل المنحرفين ، أو أن لها أصلا صحيحا وتعرضت للتحريف من قبل الجهال والمبدِّلين ، ( خامسا ) : واجبنا نحو التصوف اليوم : هو طرحه نموذجاً لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، وأن نعكس صورة التصوف الإسلامي الصحيح من خلال أخلاقنا وآدابنا والتزامنا بالشرع الشريف وأن نتبع أسس التصوف الأولى من  صفاء النفس ، وقصد وجه الله ، والتمسك بالفقر والافتقار ، وتوطين القلب على الرحمة والمحبة ، والتجمل بمكارم الأخلاق التي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها ، وأن نعطي النموذج الحي الصحيح للصوفي الرباني ، وذلك بالتمسك بأخلاق الصوفية الاكابر ،

[  21  ]  : الفرق الضالة في العقيدة والخارجة عن إطار اهل السنة والجماعة : هي شراذم قليلة لا تمثل أغلبية وأكثر من ينطوي بداخل تلك الفرق عوام لا يعلمون جوانب البدعة والضلال في تلك الفرق ، وهذه الفرق استحقت لضلالها الوعيد بالنار ، وأفرادها إلى مشيئة الله ، كحال كل مسلم إن شاء عفى عنه وإن شاء عذبه لبدعته ، ولكن لا يخلد في النار احد من أهل الإسلام ، وأضر تلك الفرق على امة الإسلام أربعة : الخوارج والشيعة والمعتزلة والحشوية ، وذلك لكثرة تشغيبها على الجماعة الناجية ، ويلي تلك الأربعة الجهمية الجبرية والمرجئة والمجسمة لأنها أقل عددا ،  ( أولاً ) : الخوارج وأصول الضلال عندهم  : الخوارج على اختلاف فرقهم ومذاهبهم تكاد تجمعهم مخازي مشينة ومعتقدات ضالة تنبئ عن غلوهم وتنطعهم وصدق ما وصفهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من سفاهة عقولهم وتمكن الأهواء من قلوبهم ومروقهم من الدين بسرعة وعجلة ، ومن هذه المعتقدات الضالة :  ( أ ) غلوهم في الإمامة : فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه  ، ( ب ) غلوهم مع أهل القبلة : يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام ، ويقولون كل ذنب مغلط كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان ، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان ، ويحكمون على صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر ، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار ، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة ، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد ،  ( ت ) غلوهم في حق أنفسهم : يقرون لأنفسهم بالإيمان ، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار  ، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم  كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم ، ( ث ) يقولون بأن  كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر مرتد حلال المال والعرض والدم دونما تفصيل أو فقه في الدين ، ويقولون بأن كل من وافقه أو سكت عنه فهو كافر مثله ، ( ج ) من صفاتهم يدعون أهل الشرك إلى الإسلام ، ويكفرون أهل الإسلام الأصليين ، ويطبقون الآيات التي نزلت في المشركين على أهل الإسلام فيكفرونهم ويستحلون حرماتهم ، يمرقون من الدين بأدنى شبهة ، فهذه صور من غلو الخوارج كلاب أهل النار ، ( ثانياً ) : الشيعة وأصول الضلال عندهم : أبرز أصول البدع الضالة عند الشيعة تتمثل في : المغالاة في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد التي يبنى عليها دين الإسلام ،  ( والإمامة ) عند أهل السنة والجماعة الناجية : ليست من أصول الدين وأركانه ، ولكنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على وجوب نصب الإمام ،  وأجمع أهل السنة والجماعة الناجية على أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمة عند موته دون أن ينص على إمام بعينه ، بل ترك للأمة حق اختيار من تراه أفضلها وأكفأها وأصلحها لهذا الأمر ، واتفق أهل السنة والجماعة الناجية على أن الشورى بين المهاجرين والأنصار آلت بهم إلى تفضيل الصديق أبي بكر رضي الله عنه واختياره خليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثم من بعده الخلفاء الراشدون عمر وعثمان وعلي ،  ومن أصول الضلال عندهم : بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم ، مع أنهم خير أصحاب الأنبياء وصفهم الله تعالى بالصدق والإخلاص ، حملوا دين الإسلام ونشروا رسالته إلى أرجاء الأرض ونصروا عقائده وشرائعه وأخلاقه ، وبسطوا سلطانه ورفعوا رايته ، عاشوا حياتهم كلها لله دعوة وحسبة وجهاداً ، يضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل مرضاته ، راجين رحمته وخائفين من عذابه ، وقد امتلأ القرآن الكريم بالثناء عليهم والترضي عنهم ، ( ثالثاً ) : المعتزلة وأصول الضلال عندهم : المعتزلة فرقة واسعة الانتشار بأفكارها الضالة إذ أن كثير من العقلانيين  اليوم  ما هم في حقيقة أمرهم إلا معتزلة ، وكذلك فلا تنسى أن الشيعة الزيدية والشيعة الإمامية  والإباضية هؤلاء جميعاً هم معتزلة في الأصول ، ومن أصول الضلال عند المعتزلة : الأصل الأول عندهم : يسمونه التوحيد ، وقد وصلوا من خلال هذا المبحث إلى نفي صفات الله تعالى المحكمة من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأنه سبحانه لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة ، ووصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثباتاً ،  والأصل الثاني عندهم : يسمون العدل ، ويبحثون فيه أفعال الله تعالى وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى فوقعوا في وصفه سبحانه بالعجز تعالى الله عن ضلال المعتزلة علواً كبيراً  ، والأصل الثالث عندهم : ويسمونه الوعد والوعيد : ومعناه أن الله تعالى إذا وعد وفى وإذا أوعد وفى ، وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء ، وتحكم غير صحيح في مشيئة الله تعالى الذي إن شاء عذّب وإن شاء عفى ، وأصحاب الفطرة السليمة يقولون أن الكريم إذا وعد وفى وإذا أوعد عفى ، والأصل الرابع عندهم : ويسمونه المنـزلة بين المنـزلتين : ومعناه أن مرتكب الكبائر ليس مؤمنا ولا كافرا ، وإنما في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة ، ثم حكموا عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، والأصل الخامس عندهم : ويسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر : يرون من خلاله الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين ،  ( رابعاً ) : الحشوية وأصول الضلال عندهم : الحشوية : لقب أُطلق على طائفة من المبتدعة الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والتغير والحدوث وقبول الحوادث والكون في المكان وأنه بذاته على العرش ، والفرق بينهم وبين المجسمة ، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم ، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى ، أمّا الحشوية ،  فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم ، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم ، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة ، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، والحشوية لهم مواصفات معينة ، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، يعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه في المخلوق المحدث فيقيسون جناب جلال ذات الله تعالى وتقدس القديم بذاته وأسمائه وصفاته على المحدث المخلوق ، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف ، والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وإلى الوقوع في الحشو المرذول على حساب التقديس والتنزيه ، يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، مصداقا لقوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، وقد سماهم أهل العلم بالحشوية : لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية ، وبكل ما يخالف صريح العقل ، وهم أبعد الناس عن العقل وأدلته القطعية ، ينسبون الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله الأحد الصمد المنزه عن كل ما يعارض الأحدية المطلقة من الانقسام والجزئية والبعضية والجارحة ، وينسبون الحد والمقدار إلى ذات الله الواحد القهار ، ولو عقلوا أنّ المحدود المقهور بحده لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم ، ويجيزون علي الله تعالى الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، كما سماهم اهل العلم حشوية لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة ، في أبواب العقيدة وما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته ، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف ، كما سماهم اهل العلم حشوية : لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات : لأنّهم أهل التناقض ، فهم يبدعون المؤولة ، ثم يتأولون  القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة ، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية ، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع ، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أذهانهم السقيمة التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته ، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة ، وهذا المكان هو العرش على ظنهم ، وأنّه بذاته فوق عرشه ، فأتو بلفظ ( ذاته ) من عند أنفسهم ، وجعلوا الاستواء حسيا ، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس كمثل وجوده وجود ، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش ، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان ، والملك والملكوت ، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون ، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم ، ويقولون " لا يعقل " وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول ، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول ، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات ، كما سماهم اهل العلم حشوية : لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء ، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء ، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة ، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح ، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين ، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ، ( خامساً ) : المرجئة وأصول الضلال عندهم : من أصول الضلال التي قام عليها الإرجاء : الأصل الأول : الإيمان أصله وفرعه وجميعه لا يخرج عن القلب ولا يتعداه إلى الجوارح وأعمال الجوارح ليست من الإيمان ، والأصل الثاني من أصول الضلال عند المرجئة : الخطأ في فهم الإيمان وظنهم أنه حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة فإما أن توجد وإما أن تنتفي ولهذا جردوه عن الأعمال وقالوا لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، والأصل الثالث من أصول الضلال عند المرجئة : إهمال قيمة عمل الجوارح بالكلية وعدم الاعتداد به ، وبالتالي أهملوا في أداء الواجبات واستهانوا بالمعاصي والآثام ، وقد بدا هذا الخلل العظيم واضحاً في مقولاتهم : فمنهم من يقول : ( الفاسق مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كجبريل وميكائيل وإن لم يعمل واجباً قط وإن لم يدع كبيرة قط ) ، ومنهم من يقول : ( فساق أهل القبلة لا نطلق عليهم اسم الفسوق ولكن نقول فسق في كذا وكذا ) ، ومنهم من يقول : ( لا يدخل من أهل التوحيد أحد النار أبداً ) ، ومنهم من يقول : ( النار محرمة على أهل لا إله إلا الله )  ، ومنهم من يقول : ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة ) ، ومنهم من يقول : ( المعصية لا تضر صاحب التوحيد ) ، ومنهم من يقول : ( لا يدخل النار مؤمن مهما أتى من الذنوب والآثـام ) ، ويقولون بعدم دخوله النار ابتداءً ، والفارق بينهم وبين مذهب أهل السنة عظيم ، لأن أهل السنة يقولون أن للإيمان أصل ينجي من الكفر الأكبر وفرع ينجي من الكفر دون كفر ومن الفسوق ومن العصيان ، ويقولون بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ويقولون بأن المقصر في أعمال الإيمان في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار ، ويمكثون في النار ما شاء الله ، ولكن لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين ،والأصل الرابع من أصول الضلال عند المرجئة : زعمهم أنه ما دام الإيمان في القلب فلا يكفر صاحبه مهما أتى به من أعمال الكفر الظاهرة ، فمن سب الدين أو استهان بالدين أو أهان المصاحف فهذه الأعمال عندهم لا تضر صاحبها وهو مؤمن كامل الإيمان ، نسال الله السلامة ، ( سادسا ) : الجهمية وأصول الضلال عندهم :  الجهمية فرقة ضالة يقوم ضلالها على تلك الأصول : الأصل الأول : تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل ، والأصل الثاني : القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر ، والأصل الثالث : القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة ، والأصل الرابع : القول بفناء الجنة والنار ، والأصل الخامس : إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان وعذاب القبر ،

[  22  ] أبرز الفرق الضالة في زماننا المعاصر : خمسة : ( الأولى ) العلمانية من أهل الجهل المركب بدين الله ، يحاربون الدين ويريدون فصل شريعة الرحمن عن حياة المسلمين ، و ( الثانية ) الصفوية الخمينية التي تنتسب إلى الشيعة الإمامية وقد غالت زيادة على غلو الشيعة حتى صارت خطرا على المسلمين  ، و ( الثالثة ) الإباضية من الخوارج والتي تعمل جاهدة على عودة الامة إلى مذهب الخوارج المارقين ، و ( الرابعة ) أدعياء السلفية الذين يحاربون التخصص العلمي الإسلامي وينتسبون زورا وبهتانا إلى السلف الكرام والسلفية الحقة منهم برآء ، و ( الخامسة  ) أدعياء الصوفية من أهل الدجل والخلل يحاربون التزكية والإحسان وينتسبون زورا وبهتانا إلى أهل التصوف والصوفية الحقة منهم برآء ، ( أولاً ) دعاة العلمانية  : من أبرز الفرق التي ضلت الطريق في زماننا المعاصر : دعاة العلمانية من أهل الجهل المركب بدين الله يريدون حكم الجاهلية ، وفصل شريعة الرحمن عن حياة المسلمين  ، إنّ شهادة الإسلام ( لا إله إلا الله – محمد رسول الله ) تعني اعتراف المسلم بسيادة شرع الله تعالى على الأرض ، الله وحده هو الذي يشرع للبشرية وكلهم مطالبون بتطبيق شرع الله ، والمسلم تتحقق عبوديته لله وحده في كافة أعماله وشعائره  : فالسيادة في حياة المسلم للشرع الإلهي ، لقوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ، والمسلم لا يرضى بالعلمانية وغيرها من الدعاوى التي تتعارض مع الإسلام ، فالعلمانية تكفر ببعض دين الله ( ألا وهو جانب الحكم والتشريع ) ، وقد قال الله تعالى : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } [ البقرة : 85 ، 86 ] ، والعلمانية تُقصي الدين عن الحياة وتحصره في العبادة المحضة كالصلاة ، أما في الإسلام فكما أن الصلاة لا تكون إلا لله ، فالحياة كلها لله تعالى لا شريك له. قال تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [ الأنعام : 162, 163] ، والعلمانية لا تعتقد بضرورة تحكيم الدين فيما يشجر بين الناس من نزاعات دنيوية في الدماء والأموال والأعراض، أما في الإسلام فقد قال تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }  [النساء: 65] ، والعلمانية تعني أن يعتقد الإنسان أنه غير ملزم بالخضوع لأحكـام الله في كل نواحي الحياة وأن الدين ليس له علاقة بشؤون الحياة في غير العبادات والصلوات ، وقد أجمع علماء المسلمين أن من جحد حكم الله تعالى في القتل أو السرقة أو الزنا أو غيره مما جاء في القرآن الكريم فهو كافر الكفر الأكبر المخرج من دين المسلمين ، والجحود معناه إنكار الحكم أو إنكار صلاحيته للناس أو اعتقاد إقصائه عن حياة المسلمين ، والليبراليَّة : وجه من وجوه العلمانيِّة ، وهي تعني في الأصل الحريِّة ، غير أن معتنقيها يقصدون بها أن يكون المجتمع حراً في أن يحكم بما يشاء ، بدون التقيد بشريعة إلهية ، فالمجتمع عند الليبراليين حر  غير محكوم بشريعة من الله تعالى ، ولا مأمور من خالقه باتباع منهج إلهيّ ينظم حياته كلها، كما قال تعالى : {  ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  } [ الجاثية : 18] ، بل هم يريدون حكم الجاهلية ، قال تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة : 50 ] ، ( ثانياً ) : الصفوية الخمينية وأصول الضلال عندهم : هذه الطائفة زادت في غلوها ، ونقلت مذهب الشيعة الإمامية إلى مرحلة خطيرة من العداء للمسلمين وحربهم ، وقد دعم الصليبيون هذه الفرقة وأمدوها بالمال والعتاد لتكون رأس حربة على أهل الإسلام ، وأبرز أصول البدع الضالة عند هؤلاء : المغالاة في الإمامة الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم ، ومن لا يعترف بأئمتهم الاثني عشر فليس بمسلم ،  ومن أصول الضلال عندهم : تكفير الصحابة وسبهم ولعنهم والبراءة منهم  ، ومن أصول الضلال عندهم : التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم ، حيث يقوم مذهبهم الضال على تكفير الصحابة والبرآة منهم ، والصحابة هم الذين جمعوا القرآن الكريم ، والقرآن تمتلئ آياته بالثناء عليهم والترضي عليهم ، كان هؤلاء في مأزق عسير : إما أن يجزموا بصحة القرآن وصيانته ويترضوا عمن ترضى عنهم القرآن وعمن حملوا لنا القرآن وحفظوه وجمعوه وبالتالي ينسفوا مذهبهم الباطل من أساسه ، وإما أن يكفروا الكفر البواح ويعلنوا أن القرآن الذي جمعه الصحابة وحفظوه وقد حرف وزيد فيه ونقص وحذفت منه آيات تنص على الولاية لسيدنا علي رضي الله عنه وحذفت منه آيات تفضح أولئك الذين قام المذهب على سبهم ولعنهم وتكفيرهم  ، ومن أصول الضلال عندهم : عدم اعترافهم بدواوين السنّة المشرفة  ، وقد دعاهم إلى إنكار السنة التي جمعها أئمة الحديث عند أهل السنّة والجماعة أسباب  أهمها : أنّهم يكفرون أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  ولذلك فهم ينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي  صلى الله عليه وسلم  إلينا ، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم ألغوا السنة النبوية بكاملها وألغوا كافة أثارها إذ لم يحمل إلينا السنة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم ، والسبب الثاني : أنّهم يضللون كل من يقدم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الإمام علي رضي الله عنه ، ولذلك فهم يضللون الحفاظ المحدثين الذين سجلوا حديث النبي  صلى الله عليه وسلم  وحفظوه ، ولذلك نجدهم يكذبون حديث النبي  صلى الله عليه وسلم الموجود في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول لاسيما ما وجد منها في الصحيحين البخاري ومسلم ثم ما تلاهما من كتب الحديث كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وما تلاها من المستدركات على الصحيحين والمسانيد والجوامع ، وهم ينكرون كل هذه الأحاديث ، ولذلك لم يبق لهم من علم الحديث شيء وصار واقعهم العملي الحقيقي هو إنكار سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبها ، ومن أصول الضلال عندهم : وقوعهم في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق ، وأسباب ذلك : استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي  صلى الله عليه وسلم  الكرام البررة ، واستحلالهم دماء وأموال وأعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة السائرين على هدي النبي  صلى الله عليه وأصحابه الكرام البررة ، واستحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان ، واستحلالهم الزنا في صورة المتعة حتى أنهم من خلالها أعاروا الفروج وغرقوا في الفاحشة ، نسأل الله العافية ، ( ثالثاً ) الإباضية وأصول الضلال عندهم : المذهب الإباضي مذهب من مذاهب الخوارج يقدح في عدالة الصحابة ، ويخلط في عقائده ما بين عقائد الخوارج وعقائد المعتزلة ، ويحاولون جاهدين ترميم مذهب الخوارج ليعود من جديد ، وهؤلاء يقولون بأن صاحب الكبيرة إذا لم يتب ومات فهو كافر مخلد في النار ، ويقدحون في جمع من الصحابة منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن عوام  ، ومعاوية بن أبي سفيان ، و عمرو بن العاص رضي الله عنهم  ، ويصححون موقف خوارج النهروان في خروجهم على الإمام علي رضي الله عنه ، وعلى ذلك فهم فرقة من فرق الخوارج ، وهم يقولون بأن القرآن مخلوق ، وأن الله لا يُرى في الآخرة  وهذه من عقائد المعتزلة ، والإباضية ينتسبون زورا إلى التابعي الجليل جابر بن زيد ، وهو منهم براء ، ذكر ابن حجر في التهذيب أن جابر بن زيد تبرأ منهم ، والإباضية لهم كتاب واحد اسمه ( مسند الربيع بن حبيب ) والربيع نفسه مجهول  ، لم تترجم له كتب الرجال المعروفة ، وترجمته مقصورة على كتب الأباضية ، وهو غير الربيع بن حبيب الذي ترجم له البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والإمام أحمد في العلل ، ومن المآخذ التي حفل بها المسند :  إنكار رؤية الله عز وجل يوم القيامة  ، وتكفيرهم لأهل الكبائر ، كما أن هناك جملة من الملاحظات تثير مزيدا من الشكوك في صحة وجود هذا المسند تاريخيا : منها الغموض المريب الذي يلف تاريخ هذا المسند حيث لم تشير إلى ذكره المراجع والأمهات المعتبرة ، كما أن أكثر رجاله مجاهيل ، لم تتعرض لهم كتب الرجال المعروفة والموثوق بها بالذكر  ، كما أن الكثير من أحاديثه غير مسندة  ، أضف إلى ذلك ما تضمنه من انحرافات في العقيدة والشريعة  ، وبناء عليه يزيد الشك في أن يكون هذا المسند من وضع بعض رجال المذهب الأباضي ، والخلاصة أنه مسند لا تتوفر فيه شروط الصحة التي أجمع عليها علماء الحديث من القديم والحديث فلا يجوز الاعتماد ولا التعويل عليه ،  ( رابعاً ) : أدعياء السلفية وأصول الضلال عندهم :  السلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام ، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية في الحديث الصحيح:  (( خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم )) ،  فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف ، والسلفيون الصادقون ينتمون إلى هذه السلفية ، ولكن السلفية الحقة الأصيلة قد ابتليت بالأدعياء  ، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء ، شوَّهوا جمال عقائدها بما أدخلوا عليها من بدع ضالة ، إنّ السلفية انتسب إليها المحق والمدعي ، والمحقون هم السادة الأثرية أهل التقديس والتنزيه وعدم الخوض بالحشو فيما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته وهؤلاء على وفاق في أصول العقيدة مع مذاهب التخصص العقدي على منهاج اهل السنة والجماعة ( السادة الأشعرية والماتريدية ) ، والمدعون لها هم أهل الحشو الجاهلون بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله ، ومن أبرز هؤلاء : التيمية المغالون في الشيخ ابن تيمية - وعلامة هؤلاء حتى نفرق بينهم وبين الأثرية – أنهم يتبعونه حتى في أخطائه المخالفة للشرع ، فإن هناك فرق بين من ينظر إليه على أنه عالم يصيب ويخطئ ، فيتبعه في صوابه ويخالفه في أخطائه التي تسربت إليه بسبب جهله بقواعد التقديس وحسن ظنه برواد بدعة الحشو الاوائل ممن تدثروا بلباس السلف والسلف منهم برآء ، وبين من يرى أنه المتحدث الرسمي عن الدين وأصوله وفروعه وعن السلف والسلفية ، وعن السنة وأهلها ، فمن أثنى عليهم فهم من أهل السنة ومن لمزهم فهم من أهل البدعة ، ويطرح علمه على أنه البديل لكافة المؤسسات والمدارس والمذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية التي أسسها الآلاف من علماء أهل السنة والجماعة ، كل في مجال تخصصه على مر عصور الإسلام وقرونه ، فهؤلاء المغالون فيه يشقون وحدة أهل السنة ويضربون مرجعيتها وتخصصاتها العلمية في مقتل وهم حجر عثرة أمام الإصلاح والتجديد ،  ومن أبرز هؤلاء أيضا : الوهابية المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، الذين يتبعونه حتى في أخطائه الجسيمة المخالفة للشرع لاسيما في مفاهيمه المغلوطة في باب التوحيد والشرك وما آل به ذلك إلى الغلو في باب التكفير واتهام الأمة الإسلامية بالشرك والتبديع ، واستحلال دماء المسلمين وحرماتهم وأموالهم ، هؤلاء المغالون عند أهل التخصص ضمن فرق الحشوية ثم زادوا عليها غلوا في تكفير المسلمين وتبديعهم واتهامهم بالشرك الأكبر في مسائل فقهية خلافية ،  ( خامساً ) أدعياء الصوفية وأصول الضلال عندهم :  ومن تلك الطوائف التي ضلت الطريق في زماننا المعاصر : أدعياء الصوفية من أهل سقوط التكاليف يحاربون التزكية والإحسان وينتسبون زورا وبهتانا إلى أهل التصوف ، والصوفية الحقة منهم برآء ، إن التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام ، وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه : ليس من التصوف الإسلامي : القول بمخالفة الشريعة للحقيقة ، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة ، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه ، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف ، وليس من التصوف الإسلامي : القول بالحلول أو الاتحاد ، وليس من التصوف الإسلامي : الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت ، وليس من التصوف الإسلامي : تحريف أسماء الله والرقص بها مع وجود آلات اللهو والغناء ، إن الأدعياء شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة ، وليس من التصوف الإسلامي : البطالة ولا الجهالة بدين الله ، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات ، وليس منه : ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن والشياطين ، إنّ التصوف بريء من ذلك كله ، إن الإصلاح الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وتجرد وإتقان ،

[  23  ] الخلافات الفرعية بين علماء المذاهب الأربعة هي من باب الاجتهاد وليست من باب البدع ، وهي داخل إطار أهل السنة والجماعة الناجية ، لا يبدع بها إلا حشو ضال وقع في الغلو في باب السنة والبدعة بسبب جهله بضوابط أهل الحق في هذا الباب ، وقد حبا الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون بين بدع الأصول العقائدية ، وبين الأمور الفرعية الفقهية التي اختلف الفقهاء على حكمها ما بين مجيز ومانع ، فهذه أمور فقهية اجتهادية مجالها الفقه وليس باب السنة والبدعة ما كانت ضمن إطار الخلاف المعتبر ، والمجتهد في هذه الأمور الفرعية مأجور في كل حال ، سواء أخطأ أو أصاب ما كان مالكا لأدوات الاجتهاد ، المصيب له فيها أجران والمجتهد المخطئ له اجر واحد ، وهذا الاختلاف يُحمل على الحديث : (( إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ )) [ متفق عليه ] ،

[  24  ] التفريق بين التعددية المحمودة عند أهل السنة والجماعة وبين الطائفية المذمومة عند أهل الفرق الضالة : من الضروري لضبط باب السنة والبدعة ومنع الغلو فيه : التفريق بين التعددية المحمودة لدى أهل السنة والجماعة متمثلة في مدارسها المتعددة العقدية والفقهية والتزكوية والدعوية والإصلاحية ، وما بين الطائفية المذمومة لدى الفرق الضالة ، فإنّ حديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، لا يتناول طوائف أهل السنّة والجماعة لأنّها كلها فرقة واحدة تضمها أصول عقدية واحدة ، كما أنّ الاختلاف الوارد في حديث افتراق الأمة لا يعني الاختلاف في مسائل الفروع أو تعدد المذاهب أو الاختلاف في مناهج السلوك والعبادة ، أو تعدد الطرق التي يتخذها الأولياء في توصيل المريدين إلى الله تعالى ، بل إن السواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد الفرقة الناجية ، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع ونحوها ، فإنّ الله تعالى جعل هذه الأمة تنقسم إلى قسمين : أهل السنة ، وهم الجماعة والسواد الأعظم ، وأهل أهواء وبدعة ، وهم من شذ عن سنن الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين ، وميزة أهل السنة أن الخلاف بينهم في الفروع لا يفرق جماعتهم ، ولكن أرباب الأهواء ليسوا كذلك ، فهم لا يعرفون الاختلاف ، ولكن الفرقة والشقاق والتكفير والتضليل ،

[  25  ]  خاتمة  الحديث عن العلم السادس : علم الانتساب إلى أهل السنة والجماعة : كل ما سبق من نقاط كان مما تيسر بيانه من لبنات علم الانتساب إلى أهل السنة والجماعة ،  وتفاصيل هذا العلم العظيم هو من جملة العلوم المفقودة في هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى وقوع طوائف من الأمة في بدعة الغلو في التبديع ، وتبديع الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة ، بل وتبديع طوائف من أهل السنة والجماعة برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، وأرى أنه لا مناص للأمة من تجديد الطلب لهذا العلم الجليل وذلك للقضاء على فوضى الغلو في التبديع ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

عدد الزيارات 1

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا