العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الثامن : ( علم العقيدة ) وذلك لمعرفة مدارس العلم المتخصصة في العقيدة مميز


الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 19:47 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الثامن : ( علم العقيدة  ) وذلك لمعرفة مدارس العلم المتخصصة في العقيدة

[ 1 ]  إنّ الإصلاح والتجديد في علوم العقيدة يكون باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة ، وتوجيه طالب علم العقيدة إلى الطريق القويم نحو طلب علم العقيدة على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد ، وعلى أهله المتخصصين فيه ، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم العقيدة واحترفت تدريسها على أفضل الطرق التعليمية ، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب قد لا تؤدي إلى الرسوخ في علم العقيدة ، وفي الإحاطة بمباحثه ومسائله وقواعده وأحكامه ،

[ 2 ] افتراق الأمة من جهة الاعتقاد إلى فرق ضالة عديدة منها واحدة ناجية من جهة الاعتقاد : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وأخرج الترمذي : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح2 ص 334 ] ، وأخرج أبو داود  : عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ، وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : (( إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة )) [ أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/364 ] ، فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ، وقد صحح عموم روايات الافتراق جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي والألباني ، وهذه الفرق جميعها ضلت من جهة الاعتقاد ،

[ 3 ] الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي أهل السنة والجماعة : لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة : [ السبب الأول ] : أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين إذ هم الذين حفظوه ، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنة والجماعة ،  [ السبب الثاني ] :  أهل السنة والجماعة هم  أهل الحديث وخاصته  ، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين ، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة  ومعرفة السنّة ،  [ السبب الثالث ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين ، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة ، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع  والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين ، هم أهل السنة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع ،  [ السبب الرابع ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي ،  لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة ، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية ، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس : ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، وبها اكتملت علوم العقيدة ، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب ، وهي  : المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وبها اكتملت علوم الفقه ، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان ، فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ، وبهذا التخصص العلمي الرصين : صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،  [ السبب الخامس ] : أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين : أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه ، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه ، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه ، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة  وآل البيت رضي الله عنهم  بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض ، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية التجديد سوى راية أهل السنّة والجماعة ، أهل التوسط والاعتدال ،  [ السبب السادس ] : هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق  الصحيحة ، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود وصححه الألباني ] ،  لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة) ، ( فأهل السنة ) : لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، ( وأهل الجماعة ) : لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال ،  [ السبب السابع ] : أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه ، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " ، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ شذ في النار )) ، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى ( أهل السنة والجماعة ) ، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية الإصلاح والتجديد سوى راية أهل السنة والجماعة ،

[ 4 ] : الإطار العلمي الدقيق للفرقة الناجية :  يمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة ، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم ، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار ،

[  5  ]  بداية ظهور التخصص في العقيدة : استفحل أمر الفرق الضالة ، وأصول تلك الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم ( الخوارج ) و ( الروافض ) و ( المعتزلة ) و ( الحشوية ) ، والتي كان أهم أسباب ظهورها هو تتبع المتشابه  الذي حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان ، فإنّ تتبع المتشابه فيها أدى إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة ، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم ، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، أما طريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، هذا هو فعل المتخصصين الراسخين في العلم الذين مكنهم علمهم من الاستنباط الصحيح ، قال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، وصار لأهل السنة والجماعة ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس أو بسبب تسرب مفردات عقيدة الحشو إليهم ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب علماء السادة الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وهذه المدارس الفاضلة الثلاث تمثل أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وعلماؤها هم أهل الفقه الأكبر في الدين ، 

[  6  ]  اتباع المتشابه هو الذي أهلك الفرق الضالة : ( أ ) القرآن الكريم يحوي المحكم والمتشابه ، وقد حذرنا القرآن الكريم من تتبع المتشابه ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري :ح ( 4547 ) ، مسلم :ح (  2665 ) ]  ، [ ( ب ) ما هي دائرة المتشابه ] : وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه  ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ،

[  7  ]  :  من الذي يعلم المتشابه : جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه ، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، قال : لا يعلم المتشابه إلا الله وحده ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول : عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله ، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال : إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه ، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين ، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ] ، [ ( ث ) الخلاف في المسألة لفظي ] : فإن من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله ، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده ، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق ، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه ، وحمله ما أمكن على محكمه ، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده ، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص ، وحمل المتشابه على المحكم ،  ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على : لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على : ( الراسخون في العلم ) ، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه ، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده ، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد ،

[  8  ]  آيات الصفات منها آيات محكمات وأخر متشابهات : آيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه ، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته : فمن المحكم - على سبيل المثال - ( صفة العلم ) وهي صفة كمال من كل وجه ، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، و ( صفة القدرة ) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها  ( العجز ) ، وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، وما أكثر الصفات المحكمة التي تدل على وجوه الكمال والجلال والإكرام لله تعالى كما أنّ جميع الأسماء الحسنى الثابتة في حق الله تعالى فهي تدل على صفات محكمة لله تعالى ، أما المتشابهات فهي ( الأخبار ) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه ، وتلك المتشابهات أقسام : فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى  كالوجه والعين واليد ، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء ، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال ، وكل ذلك مستحيل على جناب الله الأحد الصمد القديم بجناب ذاته وصفاته  ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه

[  9  ] منهج السلف في المتشابهات : للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، منهجان صحيحان : المنهج الأول : هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ ،  [ المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ] : وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال ، ومذهب السلف الأول فيها : أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، [ المنهج الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ] ، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم : والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ،  ومما يدل عليه  أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله : (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ، ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو ، وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله ، ومن تأويلات تابعي التابعين : تأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  ( ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو ) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 10 5 ، شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 370 ] ، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [ البداية والنهاية لابن كثير 10  / 361  ] ، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر ] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ،

[  10  ]  منهج أهل السنة والجماعة في المتشابهات : أهل السنة والجماعة هم أهل الفقه الأكبر في الدين ، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة ، والتفريق بين المحكم والمتشابه ، عملاً بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي المحكم تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم والفقه في الدين ، لأن المحكم أصل العلم ، { مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } ، وفي المتشابه : تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط ، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة والحشوية ، وبين الجهمية والمعتزلة ، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على : التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم ، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها ، وأما التصديق : فهو الإيمان بما قاله الله تعالى ، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق ، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم ،  وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته ، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته ، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه ، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر ، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة ، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه ، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، ثم لما كان الوقف - في الآية - محتملاً على لفظ الجلالة ( الله ) أو على قوله قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) ، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد ، اتسع إطار أهل السنة والجماعة - لحكمة من الله تعالى ورحمة - ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل ، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية ( لغة القرآن ) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل ، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم  ، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله ، وعلى ذلك استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، ( الأولى ) : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، و ( الثانية ) : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، و ( الثالثة ) : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي  حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ،  لقد كان تفويض علم المتشابه هو مذهب السلف الصحيح ، وذلك لأن هناك نصوص توهم الجارحة كالعين واليد ، ونصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، ونصوص توهم النقص والحد ، ومذهب السلف فيها أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، قال الإمام التـرمذي رحمه الله - مبيناً مذهب السلف الصالح في المتشابهات - : ( والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه) اهـ [سنن الترمذي 4  :  492 ] ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من صفات الكمال وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، وهذا هو المذهب الأول والأساس للسلف في المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث هو تفويض المعنى إلى الله تعالى مع التقديس والتنزيه ونفي المثل والكفء والشبيه ، والمذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو رد المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم ، درأ للفتنة ،  ومن ذلك تأويل حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري (3  :  7) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2  :  322 ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17  :  52 ] ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري (18 : 135) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد [ الطبري 29  :  38، القرطبي 18  :  249] ، فهذه بعض تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)  ، ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ، وما يدل على جواز التأويل المقبول الذي ورد عن السلف الكرام ، أنّ التمسك بظواهر جميع النصوص متعذر  : إذ لا يمكن الثبات على التمسك بجميع الظواهر، ولا بد أن يستسيغ التأويل في بعض المواضع ، كما أننا مجبرون على التأويل في مواضع عديدة وإلا أصبحنا في تهافتٍ وتناقضٍ واضطرابٍ عجيب ، فقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص : 88 ]  ، وظاهر الآية هلاك الذات إلا الوجه ، ولا مناص من تأويل الوجه بالذات لأنّه يستحيل أن يهلك الذات إلا الوجه ، وقوله عز وجل: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [الطور : 48 ]   ، والمعنى بمرأى منا ولا تغيب عنا وليس المراد أنك بداخل أعيننا ، ولكن ظاهر الآية يدل على وجود النبي داخل العيون ،  وقوله تعالى : { فإني قريب }[ البقرة : 186 ]  ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ،  وظاهر  الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته ، والمراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، و قوله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } [الحديد  : 4 ] ، وقوله تعالى : { لا تحزن إن الله معنا } [ التوبة : 40 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى معنا بذاته ، والمراد معيته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وقوله تعالى : { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } [ البروج : 20 ] ، وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى محيط بذاته بكل شيء ، والمراد احاطته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] ، وقوله تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان : 59 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى على العرش بذاته ، وليس تأويل آيات القرب والمعية والإحاطة بأولى من تأويل الاستواء ،  لا سيما وآيات القرب والمعية والإحاطة أكثر عددا ، والمراد استواؤه بالقدرة والربوبية والهيمنة ، إذ التمدح لا يكون بالجلوس ، وإنما بالهيمنة والقدرة ،  وقوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } [ المائدة : 64 ] ،  قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } يدل ظاهرها على البسط وعدم القبض وهذه حالة المتشنج ، والمعنى الذي أراده اليهود بعيد عن ذلك ، أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل فأخبر أن يديه مبسوطتان كما قال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا } [ الإسراء : 29 ] ،  فبسط اليدين المراد به الجواد والعطاء، ليس المراد ما توهموه من بسط مجرد ولما كان العطاء باليد يكون ببسطها صار من المعروف في اللغة التعبير ببسط اليد عن العطاء ، وقوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } [ الفتح : 10 ] ، وظاهر الآية وجود اليد فوق الأيادي بمحاذاتها ، والمراد الكناية عن الرضا عن البيعة وقبولها ، وقوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } [ التوبة : 67 ] ، وظاهر الآية جواز النسيان على الله ، ولكن هذا الظاهر ليس هو المراد ، وإنما المعنى المراد هو تركهم في النار ،  وقوله تعالى :  { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ } [ الأحزاب : 57 ] وظاهر الآية جواز إيذاء الله تعالى ، وهو محال والمقصود أولياء الله والمؤمنين بالله ، وأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى :  { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } [ آل عمران : 142 ] ، وظاهر الآية نفي علم الله تعالى القديم ، وهو محال ،  كما أنّ تأويل أهل السنّة والجماعة ناشئ عن ضرورة وله ضوابط : مذهب أهل السنّة والجماعة ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) أن الأصل هو الإيمان بما ورد به الكتاب والسنة من المتشابه دون التعرض لتأويله مع اعتقاد التقديس وأن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وأن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ ، ولكن قد يلجأ العلماء إلى التأويل للرد على أهل البدع وانتشار التشبيه والتمثيل بين العامة ، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات ، قال الإمام عدي بن مسافر الشامي " ونؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم أن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، فإن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ، وهذا الذي درج عليه السلف قبل ظهور الأهواء وتشعب الآراء، فلما ظهرت البدع وانتشر في الناس التشبيه والتعطيل فزع أهل الحق إلى التأويل)" اهـ. [ اعتقاد أهل السنة والجماعة ص : 26 ] ، وقال العلامة ملا على القاري " ولم يريدوا بذلك - أي التأويل - مخالفة السلف الصالح - معاذ الله أن يظن بهم ذلك - وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك، لكثرة المجسمة والجهمية وغيرها من فرق الضلال، واستيلائهم على عقول العامة، فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم، ومن ثم اعتذر كثير منهم وقالوا : لو كنا على ما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقائد وعدم المبطلين في زمنهم لم نخض في تأويل شيء من ذلك) اهـ. [ مرقاة المفاتيح 2  :  136] وقال الحافظ بن حجر : " أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها – آيات الصفات – إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته، وأكثر الخلف يؤولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس، لاضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم) اهـ. [ مرقاة المفاتيح 1 : 134 ] ، قال الإمام النووي : " (فإن دعت الحاجة إلى التأويل لرد مبتدع ونحوه تأوّلوا حينئذ، وعلى هذا يحمل ما جاء عن العلماء في هذا - أي التأويل - "  اهـ. [ المجموع 1  :  25 ] ، وقال العلامة ملا علي القاري : " اتـفـق السلف والخلف على تنـزيه الله تعالى عن ظواهر المتشابهات المستحيلة على الله تعالى... وخاض أكثر الخلف في التأويل لكن غير جازمين بأن هذا هو مراد الله تعالى من تلك النصوص، وإنما قصدوا بذلك صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه، والرد على المبتدعة المتمسكين بأكثر تلك الظواهر" اهـ. [ مرقاة المفاتيح 1 :  189] ، وقال الإمام العز بن عبد السلام " وليس الكلام في هذا - يعني التأويل - بدعة قبيحة، وإنما الكلام فيه بدعة حسنة واجبة لَمَّا ظهرت الشبهة، وإنما سكت السلف عن الكلام فيه إذ لم يكن في عصرهم من يحمل كلام الله وكلام رسوله على ما لا يجوز حمله عليه، ولو ظهرت في عصرهم شبهة لكذبوهم وأنكروا عليهم غاية الإنكار، فقد رد الصحابة والسلف على القدرية لما أظهروا بدعتهم، ولم يكونوا قبل ظهورهم يتكلمون في ذلك" اهـ. [ فتاوى العز بن عبد السلام ص  :  22 ] ، وعلى ذلك فالأشاعرة والماتريدية  لم يخالفوا السلف في الاعتقاد وإنما ألجأهم إلى التأويل ضرورة الرد على أهل البدع وصرف أذهان العامة عن التشبيه والتجسيم  ، كما أنّ للتأويل ضوابط عظيمة عند أهل السنّة والجماعة : إذ التأويل الصحيح وهو التأويل الذي يصار إليه بدليل مع استيفاء شروطه ، وأما التأويل الباطل المردود : فهو التأويل الذي يصار إليه بلا دليل، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح وهي : أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية ، ولابد وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره ، فإذا انعدم الدليل بطل التأويل ، وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه و إلاَّ كان التأويل فاسدًا ، و أن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، و إلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر. ، وأهلية الناظر للتأويل ، فهذه ضوابط التأويل و إلاَّ كان المؤول قائلاً على الله تعالى بلا علم ، والخلاصة : استقر لأهل السنة والجماعة على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، ( الأولى ) : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، و ( الثانية ) : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، و ( الثالثة ) : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي  حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ،  

[  11  ] المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف :  الأثرية : هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة ، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله : التفريق بين المحكم والمتشابه ، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه ، عدم الخوض بالحشو والتجسيم ، والأثرية هم الامتداد  الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة ، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله ، فمن ذلك : قولهم : ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم ، وقولهم : نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها ، وقولهم : نترك التعرض لمعانيها ، وقولهم : كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه ، وقولهم  : كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له ، وقولهم : المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط ، وقولهم : آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله ،  

[  12 ]   تنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية :  ( التنبيه الأول  ) :  هناك فرق دقيق ومهم بين الأثرية والسلفية : فالسلفية التي برزت كمصطلح ومنهج له سماته ومفرداته العلمية على يد ابن تيمية في القرن الثامن الهجري ، ثم قام محمد بن عبد الوهاب ( المنظر الثاني لهذا المنهج ) بإحياء هذا المصطلح من جديد في منطقة نجد في القرن الثاني عشر الهجري ، ثم امتدت دعوته ، وصارت حركته ( الحركة الوهابية ) التي أسسها من أبرز ممثلي هذه المدرسة في العصر الحديث ، والفارق بين الأثرية والسلفية : أنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه وتوحيد الذات ما يمنع من ولوجهم في الحشو والتشبيه ، وهم الامتداد الحق للسلف الصالح حيث يرون تفويض علم المتشابه إلى الله لا يخوضون فيه ، والسلفية كمصطلح معاصر لا يعلمون شيئا عن قواعد التقديس والتنزيه وتوحيد الذات  ، وهم يتتبعون المتشابه ، ويرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات مع أنّه يستحيل نسبته إلى الله ، وكلاهما يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس ، وهو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري ينتهي نسبه إلى الصديق ابي بكر رضي الله عنه : أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان أثريا يرى تفويض علم المتشابه إلى الله ، كما هاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة ، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه ، ودعا عليهم ، وانظر كتابة دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ، وكانوا ثلاثة من شيوخ المذهب الحنبلي في الفقه ولكنهم كانوا على الحشو في العقيدة ، فقال :  يصف حالهم : " ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد . وصاحبه القاضي ، وابن الزاغوني " فصنفوا كتبا شانوا بها المذاهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس ، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته ، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات ، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ، ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين ، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس ، وقالوا يجوز أن يمس ويمس ، ويدني العبد من ذاته . وقال بعضهم ويتنفس .وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث ، وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة ، وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام ، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم : يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط : " كيف أقول ما لم يقل " فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه ،  فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه .، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم ، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية ، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته ، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم : لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة " أهـ  ,  وقال في خاتمته : " ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال لم يعجبهم، لأنهم ألفوا كلام رؤسائهم المجسمة، فقالوا ليس هذا المذهب. قلت: ليس بمذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهتُ مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ونفيت عنه كذب المنقولات وهذيان المعقولات "  أهـ ، وانظر تفصيل هذا الأمر والترجيح فيه في كتابي "  المذهب الصحيح للسلف الكرام في متشابه الصفات والأخبار " ففيه تفصيل هذا الامر وتأصيله بأدلة الكتاب والسنّة وأقوال السلف الصالح ،  ( تنبيه ثان )  :  مذهب الأثرية من تفويض معنى المتشابه ليس معناه الجهل بالمراد من الآيات  :  لقد فهم البعض من السلفية خطئاً أنّ معنى تفويض المعنى هو الجهل العريض بآيات الصفات ، وهذه سقطة عظيمة وزلة كبيرة ، لا ينبغي السير خلفها ، لأنّ حقيقة مذهب السلف ومذهب الاثرية في المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، من مثل النصوص التي توهم الجارحة كالوجه والعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، ومثال على هذا قوله تعالى( بل يداه مبسوطتان ) يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود المطلق والعطاء الذي لا ينقطع اللائق بصفة الرب تعالى، أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية ، فيدل ظاهره على إثبات الجارحة والجزء - حاش لله تعالى من ذلك - والله تعالى منزه عن الجارحة والجزء لأمور كثيرة يجمعها علم التقديس ، منها أنه سبحانه ( الأحد ) وصفة الأحدية تمنع من الكثرة في الذات ، وبالتالي تمنع من الأجزاء والأبعاض ، كما أنه سبحانه ( الغني ) وكمال الغنى يمنع من الاحتياج للجوارح في تصريف الأمور ، ومنها نفي المثلية في قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وجميع الخلق تتكون أجسامهم من أجزاء والله تعالى ليس كمثله ، ولهذه الأسباب وغيرها - مما حواه علم التقديس -  توقف السلف عن الخوض في المتشابه ، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من الآيات ، هذا هو اللائق بمقامات السلف في العلم ، إذ لا يعقل أنهم كانوا يسمعون مثلاً قول الله تعالـى : { يد الله فوق أيديهم }  أو { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }  أو { الرحمن على العرش استوى }  أو { ثم استوى إلى السماء } أو { يوم يكشف عن ساق } ، أو قول رسول الله  : (( يضحك ربنا )) أو (( ينزل ربنا )) أو (( يعجب ربنا )) الخ، ثم لا يفهمون من كل ذلك أي معنى ، كما هو الحال مع الحروف التي في فواتح السور، كلا، فإن هذه الألفاظ لها في لغة العرب معانٍ مجازيةٌ معروفةٌ ومشهورةٌ لا شك أن السلف فهموها إجمالاً، ولكنهم لفرط تقواهم وخشيتهم لله تعالى وتهيبهم لذلك المقام الأقدس أحجموا عن التعيين والتصريح، واكتفوا بهذا الفهم الإجمالي لها ، ( تنبيه ثالث ) : الأثرية يعرفون من قواعد التقديس ما يمنعهم من نسبة النقص إلى ذات الله تعالى : الأثرية يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى ، ولذلك فهم منزهون لله تعالى عن المكان والزمان وحلول الحوادث ، فقد جاء في متن العقيدة السفارينية : ( ويعلم الواجب والمحالا  ...  كجائز في حقه تعالى ... وليس ربنا بجوهر ولا ... عرض ولا جسم تعالى ذو العلا ) أهـ ،  وجاء في كتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر  للمؤلف عبدالباقي بن عبد القادر الحنبلي : ( ويجب الجزم بأنه تعالى واحد لا يتجزأ ولا ينقسم أحد لا من عدد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد  ، وبأنه تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها ليس بضروري ولا كسبي ولا استدلالي ، وبأنه قادر بقدرة واحدة وجودية باقية قديمة ذاتية متعلقة بكل ممكن فلم يوجد شيء في الماضي ولا يوجد في المستقبل إلا بها ، وبأنه مريد بإرادة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية متعلقة بكل ممكن ، ( الحياة ) : وبأنه تعالى حي بحياة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية ، وبأنه تعالى سميع بصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين متعلقين بكل مسموع ومبصر ، ( الكلام ) : وبأنه تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ، .. فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ) أهـ  ، ( تنبيه رابع ) : الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة  : الأثرية والأشاعرة والماتريدية : مذهبهم في العقيدة واحد يقوم في المتشابهات على تفويض معنى المتشابهات على مراد الله تعالى وعلى مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كامل التقديس والتنزيه ، ثم قالت الأثرية لا نزيد على ذلك لأنّا لا نعلم مراد الله تعالى على وجه الحقيقة من تلك المتشابهات ، وقالت الأشاعرة والماتريدية ، ونحن لا نعلم مراد الله تعالى على وجه الحقيقة من المتشابهات ، ولكن يمكن بعد التفويض والتقديس ، حمل المتشابه على أصله من المحكم الذي سيقت الآيات من أجله ، مع عدم الجزم بمراد الله تعالى من المتشابه ، وذلك بقصد صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه التي تؤول بأصحابها إلى التجسيم والتشبيه والتمثيل ، أو وبقصد الرد على المبتدعة من المجسمة والمشبهة وأمثالهم ، ولذلك يذكر المحققون من العلماء أن هذه الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة ، قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى (إتحاف السادة المتقين 2/6) : ( اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك، أو في لِميّة ما هنالك، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف: ( الأولى ) : أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية ، الكتاب والسنة والإجماع ، ( الثانية ) : أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي ... ( الثالثة ) : أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومباديهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية ) اهـ ، وقال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى ( لوامع الأنوار البهية 1 :  73 ) : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : ( الأثرية ) ، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، و ( الأشعرية ) ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، و ( الماتريدية ) ، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ. ،  ( فائدة ) : الفرق البين الواضح بين الحشوية والسلفية الحقة ( الأثرية ) هو الوقيعة في أهل التخصص من الأشاعرة والماتريدية ، إذ الأثرية على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في قواعد التقديس والتنزيه ، أم الحشوية فإنهم لجهلهم المركب بما يتعلق بتوحيد الذات أسمى معاني التوحيد ولجهلهم المركب بقواعد التقديس فإنهم يعادون الأشاعرة أقسى مراتب العداء لأنّهم يجهلون ما عليه هؤلاء من رسوخ في العلم فيما يتعلق بتوحيد الذات وقواعد التقديس والتنزيه ،  ( تنبيه خامس ) : من هم المعبرون عن الأثرية : ( أولاً ) : المعبرون عن الأثرية من أهل الحديث : ( المحدث ) هو كل من اشتغل بعلم الحديث رواية ودراية ، واشتهر عنه ذلك ، ولكن من المعروف عند اهل العلم : أن المحدثين ليس لهم مذهب مستقل في الاعتقاد ،  ففيهم أهل السنّة وفيهم الحشوية ، وفيهم الرافضة وفيهم الخوارج ، ونظرة سريعة إلى كتب الجرح والتعديل تدلنا على ذلك ، والذي يهمنا في هذا المبحث : أنّ من أهل الحديث من يمثل الأثرية ، وعلى رأسهم الإمام مالك بن أنس رحمه الله ، فقد  ذكر القاضي عياض  في كتابه الشفا : أنّه كان ينهى عن التحديث بالأحاديث المتشابهات التي توهم التشبيه ، وكان يمنع من السؤال عنها ، وكان مجرد السؤال عن المتشابه أمامه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه في طرد السائل عن معنى الاستواء وتبديعه ، وعلى رأسهم أيضاً : الإمام الشافعي ، جاء في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي : " وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه " [طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 4 ، ] أهـ   وعلى رأسهم أيضاً : الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه تفويض معنى المتشابهات ، كما ثبت عنه التأويل عند الضرورة رداً على أصحاب البدع بسند صحيح أخرجه البيهقي ، والأثرية من أهل الحديث هم كل من سار على  نهج الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل  ، و ( الأثرية ) من أهل الحديث هم أهل التقديس والتنزيه الذين كانوا على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في مباحث العقيدة ، واهمهم من علماء أهل الحديث ، فخر الحديث وأهله الإمام البيهقي ، وله رسالة ( الأسماء والصفات ) تدل على رسوخ قدمه في علم العقيدة والتنزيه والتقديس ، وهي من أهم مراجع العقيدة الأثرية ، والإمام النووي شارح صحيح مسلم ، وقد تتبعت مباحث العقيدة في كتابه القيم  المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، والمشهور بشرح النووي على صحيح مسلم ، وهو أهم الشروح على صحيح مسلم ، فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً لعقيدة أهل الأثر ، وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني ، صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري ، وهو من أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها ، لا يستغني عنه طالب علم ، وأهم ما يميز فتح الباري أنّه يجمع في كل باب بالإضافة إلى ما رواه البخاري أهم الأحاديث المتعلقة بالباب التي وردت في دواوين السنة الأخرى من بقية الكتب الستة والمسانيد وغيرها، كما يجمع فيه شروح العلماء قبله على صحيح البخاري ، وينقل عن شراح كتب السنة الأخرى كشرح النووي على صحيح مسلم وشرح الخطابي لسنن أبي داود وكلام البغوي في شرح السنة وغيرهم ، حتى صار بحق أحد أعظم دواوين الإسلام المعتبرة ، ومصادره العلمية المهمة ، وقد تتبعت مباحث العقيدة فيه فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً كاملاً لعقيدة أهل الأثر ، ( ثانياً ) : المعبرون عن الأثرية من الحنابلة : من أفضل علماء الحنابلة الذين تكلموا في العقيدة على منهاج المتخصصين الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي القرشي التيمي البكري ، ( ت 597 هـ ) في كتابه الباز الأشهب في الرد على منتقضي المذهب ، والمسمى كذلك دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ، رد فيه على حشوية الحنابلة ، وكتابه الباز الأشهب من خير الكتب التي ردت على بدعة الحشو ، ومن الكتب المعبرة عن مذهب الأثرية كتاب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات ، صنفه العلامة مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي ( ت : 1033 هـ ) ، وكتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر لعبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر  ، وكتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية وكلاهما - أي المتن والشرح - للشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي ،  ( تنبيه سادس ) : الفرق كبير جدا بين الأثرية والحشوية  :  فالأثرية طائفة من طوائف أهل السنّة والجماعة أمّا الحشوية فهي فرقة ضالة ،  بل لا تصح المقارنة أصلاً ، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله ، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى ، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث ، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه ،  وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله ، وكلاهما ( الأثرية والحشوية ) يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس ، أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان أثرياً ، وهاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة ، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه ، ودعا عليهم ، وانظر كتابة دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ،   ( تنبيه سابع ) : الحشوية طائفة موجودة معروفة ولا سبيل إلى إنكار وجودها ، وهم أكبر خطراً على أمة الإسلام من المجسمة ، والسبب في ذلك أنّهم ينتسبون إلى السلف زورا وبهتانا ، والسلف من زيغ عقائدهم براء ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، ومن أبرز صفات الحشوية : أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، لا يجدون حرجا من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى ذات الله ، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ،   يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، وهم قوم رعاع لا يحترمون تخصص العلماء ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، ويشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس ، لهم غلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهم غلو في فهم  مسائل وأحكام الإيمان والكفر ، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، ولهم غلو في فهم  مسائل وأحكام الاتباع ، فآل ذلك بهم إلى الغلو في التبديع وتبديع الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف من أهل السنة والجماعة برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية ، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية ، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة ، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام ، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة ، التي أسّسها الاسلام ، وبناها علماء المسلمين طوال القرون ، ولذلك فهم من شر الفرق ، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف ، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام باسم السلف ، وبزعم اتباع الكتاب والسنّة ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ،  (  تنبيه ثامن  )  :  تاريخ تسلسل ظهور الحشوية : فقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، في أقوال المحدثين ورواياتهم ، حتى ظهر مقاتل بن سليمان ( المتوفي سنة 150 ه‍) حيث ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات ،  وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه ، لقد أصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة متكاملة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده  من جهلاء المفسرين والمحدثين ، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية ، ثم ظهر محمد بن كرام السجزي ( ت 255 هـ ) ، وأتباعه هم الكرامية ، تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية ، ثم تسربت مقالات التجسيم والحشو بعد ذلك إلى  كتب بعض الحنابلة الذين انتسبوا في الفقه إلى الإمام احمد كالبربهاري في القرن الرابع وابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى في القرن الخامس وكعبد الغني المقدسي الحنبلي و ابن مرزوق وابن الكيزاني في القرن السادس ، وفتنة الصوتية بالشام أيضاً مع العز ابن عبد السلام في عهد الملك الأشرف ابن الملك العادل الأيوبي الذي كان يميل إليهم فمنع العز من الافتاء , ثم لما تبين له الحق أطلق الإفتاء للعز ومنع الصوتية من مزاعم الحرف والصوت ، وهكذا توالت فتن الحشوية على مر عصور الإسلام ، ثم تسربت بعض أفكار الحشوية إلى ابن تيمية وتلامذته من بعده ، ( تنبيه تاسع ) : براءة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله من انتساب الحشوية إليه : اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل (ت241هـ) ، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر ، ومن أكبر أئمّة الاسلام ، لكن قد انتسب إليه هؤلاء هو منهم بريء ، ، وقد تقدم مخاطبة الإمام ابن الجوزي ، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله ، لحشوية الحنابلة  ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي ، ومن نظر في كتابه الباز الأشهب علم مدى الحشو الذي وصل إليه هؤلاء ، حيث قال في خاتمة كتابه :  (( ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال ، لم يعجبهم لأنهم أَلِفُوا كلام رؤسائهم المجسمة فقالوا : ليس هذا المذهب . قلت : ليس مذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم ، فقد نزهت مذهب الإمام أحمد ، ونفيت عنه كذب المنقولات ، وهذيان المقولات )) اهـ  ، ومن نظر في كتاب ابطال التأويلات  للقاضي أبي يعلى علم ما وصل إليه القوم من الحشو ،  ( تنبيه عاشر ) : تسرب أفكار الحشوية إلى ابن تيمية : ابن تيمية لم يكن سلفياً صافيا ، بل تسربت إليه العديد من مفردات المذهب الحشوي ، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي ظن أنّ لها من اسمها نصيب ، وقد سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد ، وفيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به ، وبأتباعه من بعده ، وأكثر ما أضر به في هذا المجال هما كتابي عثمان بن سعيد  الدارمي ، ( الأول ) كتاب الرد على الجهمية : فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، وعقد فيه باباً في تكفير الجهمية، وباباً في قتلهم واستتابتهم من الكفر، ولا يخفي أن الجهمية مصطلح تشنيع لا يراد به فرقة انتسبت إلى الجهم بن صفوان لأن الجهم مات وماتت معه أفكاره إلا أن الدارمي ومن تابعه يعنون بالجهمية من خالفهم في صفات الله عز وجل فيدخل في هذا الوصف المعتزلة وأهل السنة من الأشاعرة والماتريدية ، ( والثاني ) نقض عثمان بن سعيد على المريسي : وهو مثل سابقه في الحشو ، وزاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وغير ذلك مما هو مبسوط في موضعه ، وهذان الكتابان لهما منزلة عظيمة عند ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم وقد أكثرا النقل عن هذين الكتابين ، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية ، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف ، ومجدد السلفية ، ولكنّه للأسف جدد بناء المدرسة الحشوية بكل مفرداتها ، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد ،  إنّ المسلمين على زمان ابن تيمية كادوا يستقرون عقدياً ، على مدارس الأصول من الأثرية اتباع السلف الحقيقيون ، فلا يتتبعون المتشابه ولا يخوضون فيه ، بلا كيف ولا معنى ، والأشعرية والماتريدية ، فحول الأصول ، ووقد هذبوا العقائد وصفوها من شوائب الاعتزال والتجسيم والحشو ، وكادوا يستقرون فقهياً ، على المذاهب الأربعة وقد نقوا الفقه وصفوه من شذوذات ابن حزم والظاهرية وأنصاف الفقهاء ، وكادوا يستقرون في التزكية على أرقى وسائل التزكية والتصوف والإحسان ، في مدارس التربية التي تلائم العامة والخاصة ، والمسلمين والمحسنين ، وآنذاك يتفرغ المسلمون لنشر دينهم على أرقى وأحسن ما يكون التخصص العلمي المطلوب ، فبزغ نجم ابن تيمية ، فهاجم الأصول والفروع والوسائل ، وأخذ يهوش على المتخصصين ، فنصحوه ووعظوه ، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه ، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول ، وهو والله لا يبلغ قطرة في بحور الأشعرية والماتريدية مصابيح الزمان ، وحاملي لواء التقديس والتنزيه مفخرة عقائد الإسلام في كل مكان ، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ، ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى ، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله ، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام ، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل  الأعمال ، لقد ثار الرأي العلمي العام الإسلامي على الشيخ ابن تيمية من جانب الأصوليين المتخصصين في العقيدة ، ومن جانب الفقهاء المتخصصين في الفقه ، ومن جانب العارفين من الاولياء والصالحين ، بل ومن جانب المحدثين كابن حجر وغيره ، وهذا دليل على انحرافه عن صراط السلف المستقيم ، إذ ليس من الحكمة تخطئة جمهور علماء المسلمين واتهامهم بالسوء والضلال ، وتصويب رجل واحد ، فمنذ نشر الرجل رأيه حول الصفات الخبرية ، وضرورة الاخذ بظاهرها جاءت الاستنكارات عليه من علماء الأصول ، وعندما تكلم في التوسل والاستغاثة والزيارة ، استنكر ذلك عليه الفقهاء والربانيون ، ثم عندما تكلم في الحد السفلي والجهة العدمية وعلم الكلام والمعقول والمنقول ، وهو لا يعلم شيئا عن المعقول وضوابطه ، قامت عليه الأثرية ، فاجتمعت عليه طوائف العلماء والاولياء والفقهاء ( من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة )  - خيرة أمّة النبي صلى الله عليه وسلم - وقرروا منعه من نشر أخطائه ، فلما لم يسكت ، أمروا بسجنه ، ونفي من بلد إلى بلد ، وتعرض لاعتقال بعد اعتقال ، إلى أن منع من القرطاس والكتابة ، حتّى مات في السجن ممنوعاً من كل شيء ، ولو كان علمه صافياً لما تعرض لسخط كل هؤلاء العلماء ، ولأنتصب له من الطوائف من ينصره في مظلمته ، والجميع يعرفون أنّ مشاكله علمية وحسب ، ولم تكن سياسية قط حتى نقول أنّ الحكام تمالئوا عليه ، وظلموه ، لقد كانت مشاكله علمية مع علماء عصره ، فإنّ جماهير العلماء كانوا يخالفونه فيما يبديه من الآراء الشاذة ، المخالفة لما هو المشهور المجمع عليه بين العلماء ، في مجال الأُصول والفروع ، لقد ترجم للشيخ ابن تيمية مجموعة من تلامذته ممن تأثر به ، ومن الطبيعي أن يزيد التلميذ في حق استاذه ، فأسرفوا في الثناء عليه ، وفي مقدمتهم الذهبي ، لأنّه لاشك تلميذه وقد تأثر بأفكاره كثيرا ، والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ،  وتابعهما عبد الحي بن عماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، وابن رجب الحنبلي في الذيل على طبقات الحنابلة ، والسيوطي في طبقات الحفاظ ، ولا شك أنّهم ذكروا الجانب الحسن من علمه وحياته ، لكنّهم تعاطفوا عليه لكونه قضي أكثر حياته في السجون ، فلم يتوسعوا في ذكر الجانب السيء من علمه وحياته اكتفاءً بما لقيه من عقاب من الفقهاء والقضاة جراء أخطائه ،  أما الناظر الحصيف ، فإنّه يعلم شذوذه في أقواله التي خالف فيها العلماء ، لأنّه كان هناك اتفاق بين علماء وأكابر الفقهاء في عصره على أنّه يصدر عن عقائد وآراء في مجال العقائد والأحكام تخالف الرأي العام بين أهل السنة والجماعة ، ولأجل ذلك كانوا يصدرون الحكم عليه بعد الحكم ، ويعاقبونه مرة بعد أُخرى ،  حتى منعوه من الكتابة قبل وفاته خوفا من تأثر العامة به  ،  (  التنبيه الحادي عشر )  :  تسرب أفكار الحشو إلى دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب : تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية بقوة السيف والسنان ، ولكن  أيضاً : كانت له كذلك اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية ، وفي مباحث توحيد الربوبية ، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر ، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته ، بحسنه وسيئه ، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، وقد أدى هذا الخلل إلى غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم ، ومرت على المسلمين سنوات عصيبة بسبب سلهم السيف على أغلب طوائف المسلمين ، ولقد مرت تلك المحنة وانتهت والحمد لله ، والجميع اليوم يأبى ذلك الغلو ويرفضه ، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة علمية واحدة غير متخصصة على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية الإسلامية ، وهي كما ترى أبعد المذاهب عن السلفية الحقة الصافية الصحيحة ،  ( التنبيه الثاني عشر ) خطورة تجديد أفكار الحشوية في الفكر الإسلامي المعاصر تحت مسمى السلفية : الكثير من المعاصرين ممن تبنوا مذهب الحشو ،  أسرفوا في ذم جمهور أهل السنة وأكابرها من المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة من الأثرية والأشاعرة والماتريدية ، واهتموا بإعادة نشر ما صنفه بعض المتقدمين من كتب الحشو التي جمعت الأخبار المتشابهة والمتون المنكرة في ما يسمونه كتبَ التوحيد والسنةَ والردَ على الجهمية ، ويمكننا القول بيقين : أنّ متسلفة اليوم ليسوا على منهج السلف الصافي وأنّ انتساب الحشوية إلى السلف هي نسبة خاطئة ، وقد أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، وذلك بموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ثم هم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ، ثم هم يمقتون علم التقديس ولا يدرسونه مع أنّ قواعده مستمدة من الكتاب والسنّة ، ولو تواضعوا لهذا العلم ( علم توحيد الذات ) ودرسوه ، ودرسوا معه قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ، ( التنبيه الثالث عشر ) : تنبيه مهم يتعلق بالمرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي ترفع الخلاف بين طوائف أهل السنّة والجماعة ، وبيان خطأ مقولة : (( الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم السلف الصالح )) ، إنّ المرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي ترفع الخلاف بين طوائف أهل السنّة والجماعة هي مرجعية الرد إلى مدارس العلم المتخصصة على منهاج أهل السنّة والجماعة : هناك بحمد الله تعالى آيتان في كتاب الله تعالى يرتفع بهما الخلاف - إن فهمناهما الفهم الصحيح ، الآية الأولى ، قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] ، والآية الثانية ، قوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، فالآية الأولى : أوضحت أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة ، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة ، أوضحت الآية الثانية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة ، وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، والثانية : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري ، والثالثة : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ولهم في التزكية والأخلاق والتصوف طرق ومدارس على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم ، وتشمل مرجعيتهم تلك المدارس العلمية المؤصلة ، فنأخذ ما اجتمعت عليه المدارس العلمية السنّية رأيا واحدا لا نرضى له بديلا ولا نلتفت إلى غيره ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات الدقيقة التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة ، وتلك الامور يستحيل جمع الناس فيها على قول واحد لاحتمالات النصوص واختلاف المدارك بين العلماء ،   أما ما يتشدق به البعض بمقولة : (( الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم السلف الصالح )) فإن التطبيق الخاطئ لمعناها إلى وقوع الأمة في حيرة وشتات  ، وذلك لأنّ اصطلاح السلف الصالح هو اصطلاح يشمل فترة زمنية مباركة فاضلة ، هي فترة ( الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ) ،  باعتبارهم خير قرون الإسلام كما جاء في الحديث : ((خيرُ الناسِ قَرْنِي ، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم ، ثم الَّذِينَ يَلُونَهم ، ثُمَّ يَجِيءُ قومٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمينَهُ ، ويَمينَهُ شَهَادَتَهُ )) [ متفق عليه ] ، وهم ولا شك خير قرون الإسلام علما وعملاً وأخلاقا وقد كانوا بحق النواة العلمية الصالحة لظهور التخصصات العلمية بعد ذلك ، فإنّ أصحاب المذاهب التخصصية سواء في العقيدة او الفقه أو التزكية ، هم من السلف أو هم امتداد للسلف وهم من حسنات السلف ، ولم يخرجوا عن هدى السلف ، بل هم النابغون من تلاميذ السلف الذين تخصصوا في علوم الدين ، وقد منحهم هذا التخصص العلمي الدقيق أن يجمعوا أدلة كل باب من أبواب العلم ويرجحوا بينها في تمحيص شديد ويوفقوا بينها في تناسق بديع ، وهم عدول أهل العلم من أتباع السلف ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ، لقد حمل السلف لواء الدين بكافة جوانبه وكانوا هم العلماء والدعاة والمجاهدين من أجل هذا الدين ، فكانوا خير الناس وخير المسلمين ، وكان من بركة إخلاصهم أن جاء أتباعهم فتخصصوا في فروع العلم وفتح الله تعالى عليهم ببركة التخصص في مجال علومهم ، ثم رزقهم الله تعالى الأتباع الذين ساروا على منهاجهم فظهرت المدارس التخصصية التي تعتبر بحق مفخرة أهل السنّة وأهل العلم ، فالسلف كانوا خير الأمة ولكن لم تكن المدارس العلمية المتخصصة قد ظهرت بعد  ، ولم تكن أقوالهم قد تمحصت بعد وحمل متشابهها على محكمها ومطلقها على مقيدها وعامها على خاصها وهكذا كما فعل أهل التخصص بعد ذلك ، والدليل على ذلك ما يُنقل من الخلافات العلمية الواسعة في تلك الحقبة الزمنية المباركة في كافة أبواب العلم ، فكيف تجعل الرد إلى أفهامهم وهي في ذاتها مختلفة متعددة وغير منضبطة ، ولا يحق لأحد بعينه - مهما بلغ من العلم - أن ينصب نفسه المتحدث الرسمي عن السلف ، لأنّه آنذاك يتحدث عن فهمه هو لما يظن أنّه قول السلف وقد يكون هو مخطئاً فيما ينسبه إلى السلف ، ، ثم لا ننسى أنّ رؤوس الفرق الضالة قد أطلت برؤسها في زمان السلف كالقدرية والحشوية والمجسمة والرافضة والخوارج وغيرهم ، وعليه فإنّ للخوارج سلف وللروافض سلف وللمجسمة سلف وللحشوية سلف كل ذلك في القرون الأولى ، وبالتالي فإن استعمال هذا المصطلح كمنهجية لرد الخلاف لا يكون صحيحا ولا دقيقا ، لأنّ لكل صاحب فكر ولو كان مبتدعا سلف ، وبالتالي صار ( اصطلاح السلف ) اصطلاح متنازع على معناه وما هو المقصود منه ، بل والأفراد الداخلين فيه باستثناء الصحابة رضي الله عنهم ، فإنّ من يراهم البعض من أئمة السلف الصالح ، يراهم الآخرون ليسوا كذلك ، وليست حجة هؤلاء بأولى من هؤلاء وهو بالتالي مصطلح غير محدد ولا منضبط علمياً ، وهذا بخلاف المدارس العلمية المتخصصة في باب من العلم كالعقائد أو الفقه أو التزكية ، فهؤلاء يجمعون كل أدلة العلم المتعلقة بمباحث علمهم ، ثم يوفقون بينها بما يمنع تعارضها وفق منهج مدروس مؤصل ، ثم تخرج أقوالهم في إطار منهجية كلية ترد المتشابه إلى محكمه ، والعام إلى خاصه ، والمطلق إلى مقيده ، علاوة على كون تلك المدارس العلمية المتخصصة مذاهب مؤصلة ومدارس معروفة والقول فيها منضبط معروف محدد يمكن الرجوع إليه دون نزاع ، وعليه فإنّ الرد إلى فهم السلف ليس دقيقا ولا منضبطا ولا نعرف من المقصود منهم عند اختلافهم ، ولا ومن هو المتخصص في الفقه ومن هو المتخصص في العقيدة وهكذا ، ولا يُعقل أنّ الرد يكون إلى أفرادهم عشوائيا في شتى التخصصات العلمية ، أما الرد إلى مدارس العلم المتخصصة فيه ، فهو الذي يرفع النزاع ، فالأمر الذي  اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً ، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف ، دون تنازع أو شقاق ، لقد حاول الإمام ابن تيمية - بحسن نية - تطبيق مبدأ الرد إلى أفهام السلف ، إلا أنّ جهوده أدت إلى ضرب المنهجية والمرجعية السنّية في مقتل ، لأنّ التنازع قبله كان يرجع إلى الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم المذاهب السنّية المتخصصة ،  إذن هنا ننظر إلى المرجعية الصحيحة المتخصصة ، وبهذا يُفض الخلاف فإنّ اتفقت المذاهب السنّة المتخصصة في مسألة في مجال تخصصها فلا مجال للخلاف ، وإن اختلفت وسعنا ما وسع المتخصصين من ذلكم الخلاف ، ولكن عند الرد إلى غير المدارس المتخصصة للأسف ، رأينا الغلو في التكفير والغلو في التبديع والغلو والحشو في باب التقديس والحشو في باب الفقة والجفاء على المسلمين في باب التزكية ، وعليه فإنّ الرد العلمي الصحيح والمنهجية العلمية السديدة لا تكون إلا إلى مدارس العلم المتخصصة فيه ، فهو الذي يرفع النزاع ، فالأمر الذي  اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً ، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف ، دون تنازع أو شقاق ، ولو ذهبنا نُقارن بين المرجعيتين ، مرجعية الرد إلى المدارس المتخصصة ، وبين مرجعية الرد ألى السلف ، لوجدنا أننا في الحالة الأولى نرد إلى آلاف العلماء المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية كلٌ في مجال اختصاصة ، وفي الثانية نرد إلى عالم واحد هو الامام ابن تيمية ثم ثلة من اتباعة في كل ابواب العلم ، ، عند الرد إلى مرجعية المذاهب وجدنا الدقة في المرجعية ، فلم نسمع منهم أحدا يكفر أخاه إلا بضوابط دونها العلم الراسخ ، ولا استحل دمه وماله وعرضه إلا بضوابط وضعها المتخصصون ، ولم نسمع عن موجات التبديع والتفسيق التي اُبتلينا بها في هذا الزمان ، ومثال الرد المنضبط الدقيق : أنه إذا حدث خلاف في قضية فقهية مثلاً يكفينا أنّ نرجع إلى أقوال المذاهب الأربعة فيسعنا ما وسعهم من الخلاف فيها ولا معنى لحمل الناس على رأي اختلف فيه الشافعي وأحمد ووسعهم الخلاف فيه ثم لا يسعنا ، لا شك أنّ الذي لا يسعه خلافهم متهم في عقله أو دينه أو هو مصاب بمرض نفسي عضال علاجه في مكان معروف بعيدا عن المجتمع الإسلامي لنقي المجتمع من سمومه وسخافاته ، وإذا حدث خلاف في قضية عقدية مثلاً ( تنزيه ذات الله تعالى عن الحد او الجارحة أو المكان ) فالقول فيها ما قالت المدارس المتخصصة الأشعرية أو الماتريدية أو الأثرية وجميعها مجمع على تنزيه الله تعالى عن تلك النقائص التي تضاد الكمال الواجب لله تعالى والتي هي سمات المخلوقات والمحدثات التي تنزه الله تعالى عنها { ليس كمثله شيء } ، ولا عبرة لمن خالف تلك المدارس المتخصصة من الحشوية والمجسمة والمشبهة وأنصاف الجهلاء وأصحاب الجهل المركب من الموتورين الصائلين على الكتاب والسنّة وما فيهما من التنزيه وهم يدعون - خطأً - الصولة لهما والانتفاض لنصرتهما ، وهكذا كل علم له أهله المتخصصون وله مدارسه السنّية المتأصلة العريقة ،  ( التنبيه الرابع عشر ) : التحذير من كتب حديثية كُتبت على منهج أهل الحشو ونُسبت إلى أهل السنّة والجماعة : إنّ من الأمانة العلمية أمام الله تعالى وأمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأمام المؤمنين تقتضي التحذير من كتب تلبس مسوح اهل السنّة ، والسنّة منها برآء ، وهي في الحقيقة لا تنتمي إلى العقيدة الأثرية ، ولا إلى عقائد أهل السنّة والجماعة القائمة على التقديس والتنزيه ، بل هي إلى عقيدة الحشو والتجسيم أقرب ، ومن ذلك : ( 1 ) كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد : لعثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ )  : وقد تقدم ذكر مخازيه ، ( 2 ) كتاب السنة لابن أبي عاصم : وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها ، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه ، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك ، ( 3 )  كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (290هـ ) : وقلت : المنسوب لأنّ الغالب بل اليقين عندي أنّه لا تصح نسبته إليه ، لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه ، ولكونه اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة ، بل في بعضها تكفيره ، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة ، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان ، وقد كان أبوه الإمام أحمد يُجل الإمام أبي حنيفة وتتلمذ على تلامذته كمحمد بن الحسن الشيباني ،  ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش ، وإثبات صدر له وذراعين ، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم ، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة ، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه ، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك من الحشو الذي يؤول بصاحبه إلى التجسيم  ، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس ، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي  موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع ، ويعلم المحققون أنّ هذه الأخبار مكذوبة على الإمام أحمد وابنه عبد الله ،  بل الكتاب كله مكذوب عليه ، فإن كان هو واضعه فالله حسيبه ، والحق أحق أن يُتبع ، والكتاب عند المتخصصين في العقيدة لا يمثل سوى طائفة الحشوية وحسب ، ( 4 )  كتاب السنة للخلال : وفيه أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش ، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام ، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو ، والكتاب تقرير لعقائد أهل الحشو لا أهل السنّة ،  ( 5 ) كتاب التوحيد لا بن خزيمة : تأثر - على علمه بالحديث - بابن كرام ،  صنف كتابه على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات ، ولكنه تاب عنه وندم فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: ( ما لأبي بكر والكلام ؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه .. ، ثم قال البيهقي : والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم " [ الأسماء والصفات للبيهقي ، ص 342 ] ، واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام " أهـ  [ الأسماء والصفات للبيهقي ، ص 340 ] ، وكتاب التوحيد أخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً ، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه ، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر ، وأنه يهبط ثم يرتفع ، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، وأن جنة عدن مسكنه ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو ، ( 6 )  كتاب الصفات المنسوب للدارقطني : وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه ، وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه ، فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري في [تبديد الظلام المخيم 206 ] ، لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته في [  ميزان الاعتدال 1/259 ] : (أقر بوضع حديث وتاب وأناب ) ، ولا يخفى أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين الأول أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين [ تدريب الراوي ج 1 / 329 ] ، الثاني : أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده. نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال [ لسان الميزان 1/ 218 ]   ، ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي ، وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال - فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) [ميزان الإعتدال6/ 267 ] ، وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن  ، ( 7 ) كتاب التوحيد لابن منده : وله أيضا كتاب الرد على الجهمية ، وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه ، وعزاه إلى البخاري ومسلم ، مع أنه ليس في أحدهما ، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من أخبار أهل الحشو لا أهل التخصص والعلم بالعقيدة ، ( 8 )  كتاب العرش وما روي فيه : لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة  ، وحال الكتاب من حال مؤلفه الذي نقل الذهبي تضعيفه عن الجمهور وتكذيبَه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، وعن غيره الاتهام بالوضع ، وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في روضة خضراء ، ( 9 )  كتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي ( ت 481 هـ ) : والهروي هو الذي كان المجسمة بهراة يلقبونه شيخ الإسلام نكاية بمن سمى به الحافظ أبا عثمان الصابوني الإمام المتقن ، ومن مصنفاته التي أضرت بعقيدة أهل الإسلام الصافية الصحيحة ، كتاب ذم الكلام وكتاب الفاروق في الصفات وكتاب الأربعين ، وهذه الكتب الثلاثة أبان فيها عن اعتقاد التشبيه ، وفي كتاب الأربعين ذكر أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة ، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين ، وباب في إثبات الهرولة ، وأهم أغلاط هؤلاء المصنفين على وجه الإجمال أنّهم : ( أولاً ) : جمعوا فيها أخباراً متفرقة فأحدث هذا الجمع في دلالتها تقوية لظاهرها الموهم كما سبق في الكلام على التفويض ، ( ثانياً ) : لم يفرقوا فيها بين النصوص التي تتفاوت دلالة وثبوتاً فمثلاً جعلوا قوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } مع الأخبار المنكرة التي تتحدث عن القعود على العرش وأطيط العرش من ثقل الجبار فوقه، وجعلوا هذين المتفاوتين من أدلة الاستواء على العرش ،  ( ثالثاً ) : أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا ، بل ربما عارضوا ما هو مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرويات عن أحد التابعين. ومثال ذلك تفسير المقام المحمود بالإقعاد على العرش. بل لم يفرقوا بين حديث نبوي وخبر إسرائيلي، فربما جعلوا ما لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من القدسية والمكانة ثابتاً لقول أهل الكتاب. ومثال ذلك ما ذكروه في الاستلقاء على العرش ووضع إحدى رجليه على الأخرى وغير ذلك مما هو مبسوط في الشبه السمعية ، ( رابعاً ) : أنهم لم يفرقوا بين منقول بالتواتر من الكتاب والسنة وخبر لم يصح سنده فأثبتوا بالثاني ما أثبتوه بالأول ،  ( التنبيه الخامس عشر ) : لأجل علاج تلك الأخطاء اجتهدت في إصلاحها برسائل عديدة ليس لي فيها سوى الجمع والترتيب ، وأهم تلك  الرسائل : الرسالة الأولى : ( تجديد علم التقديس والتنزيه وتجديد الإحاطة بأصول علم التقديس وقواعد التنزيه ) ، والرسالة الثانية : ( تجديد علم الإيمان وتجديد فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر) ، والرسالة الثالثة :( تجديد علم التوحيد وتجديد فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك) ، والرسالة الرابعة : ( تجديد فقه الإتباع والابتداع وتجديد فقه مسائل السنّة والبدعة ) ، والرسالة الخامسة : ( تجديد فقه الانتساب إلى الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة ) ، وعدة رسائل أخرى تتبنى التأصيل لعلم التقديس ومحاربة الحشو والتجسيم : منها : ( 1 ) كتاب قواعد التقديس والتنزيه التي تعصم من التعطيل والتشبيه ، ( 2 ) كتاب تقديس الله تعالى أن يحيط به مكان أو يجري عليه زمان ، ( 3 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن أن تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، ( 4 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن الحيز والحدود التي تحد المخلوق ، ( 5 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن معاني الجسمية والمادية التي يتصف بها المخلوق ، ( 6 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي يتصف بها المخلوق ، ( 7 ) كتاب تقديس الله تعالى أن نتصوره بصورة ، ( 8 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث والمخلوقات ، ( 9 ) كتاب تقديس الله تعالى عن التغير والحدوث وعن قبول الحوادث ، ( 10 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع المخلوق ، ( 11 ) كتاب التنزيه والتقديس المتعلق بكلام الله تعالى ليس كمثل كلامه كلام ، ( 12 ) كتاب فهم حديث الجارية في ضوء قواعد التنزيه ، ( 13 ) كتاب فقه الاستواء في الكتاب والسنة في ضوء قواعد التنزيه ، ( 14 ) كتاب شرح حديث النزول في ضوء قواعد التنزيه ، ( 15 )  كتاب حل إشكالات ظواهر النصوص التي يؤول اعتقادها إلى مذهب الحشو والتشبيه والتجسيم ، ( 16 )  كتاب المذهب الصحيح للسلف الكرام في متشابه الصفات والأخبار ، ( 17 )  المباحث الحشوية التي حالت دون فهم السلفية المعاصرة للعقيدة السنّية الصحيحة ، ( 18 ) كتاب الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها الخطير على عقيدة التنزيه والتقديس ، ( 19 ) كتاب تطهير السلفية الصحيحة النقية من أدران الحشو والتجسيم ، ( 20 ) كتاب دور العقل في فهم قواعد علم التقديس ، ( 21 ) كتاب بيان الواجب والجائز والمستحيل في حق الله الواحد الأحد الجليل ، ‫( 22 ) الانتصار بالأدلة لأهل التخصص في العقيدة من الأثرية والأشاعرة والماتريدية ، ( 23 ) كتاب جهود علماء أهل السنّة في إرساء علم التقديس والتنزيه ، ( 24 ) كتاب جهود علماء أهل السنّة في تنقية الأمة من أدران التشبيه والحشو والتجسيم ، ( 25 ) تقييم علم الإمام ابن تيمية في باب العقيدة وأصول الدين ، ( 26 ) تقييم الدعوة الوهابية في ميزان ما قدمته للإسلام والمسلمين ،  ( 27 ) كتاب متون العقيدة على منهاج أهل السنّة الأثرية امتداد السلف الصالح ، ( 28 ) كتاب متون العقيدة على منهاج  أهل السنّة الأشاعرة ، ( 29 ) كتاب ‫متون العقيدة على منهاج أهل السنّة الماتريدية ، ( 30 ) مؤلفات قيمة ساهمت في تهذيب أخطاء السلفية المعاصرة ،

[  13  ] الأشعرية والماتريدية امتداد السلف وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة : ( الأشاعرة ) : هم المتخصصون في العقيدة ، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة ، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري  رحمه الله ( 270 ه إلى 330 ه ) ، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة ، نصر الحديث ، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين  ،  هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال ، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم ، وإبطال شبههم ، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه ، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم ،  وعظماء أمة النبي صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة ، كالباقلاني ، والقشيري ، وأبي إسحاق الشيرازي ، وأبي محمد الجويني ، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين ، وحجة الإسلام الغزالي ، والقاضي أبي بكر بن العربي ، والإمام فخر الدين الرازي ، والحافظ ابن عساكر، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والإمام الرافعي، والإمام النووي، والإمام السبكي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام الفقيه ابن حجر الهيتمي ، والحافظ السيوطي ، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس ، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا ،  ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين ، والأشاعرة لم يبتدعوا  مذهباً ، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام ، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة ، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان ،  والأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة : أنقذ الله تعالى بهم الأمة من الاعتزال والحشو ، صاغوا المنهج الحق ، القائم على الكتاب والسنّة ، بعيداً عن بدع الخروج والتشيع ، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو ، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة ، في باب الإيمان والكفر  ، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد ، وباب السنّة والبدعة ، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات ، بما لا مزيد عليه ، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً  ، وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور : أهمها : الأول : دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة ، والمحور الثاني : الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة ، الثالث : قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها ، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم ، ( والماتريدية ) : ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي ، وهو إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين ورئيس أهل السنة والجماعة وناصر السنة وقامع البدعة ، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، مضيف النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و سلَّم في دار الهجرة ، وتعتمد أسس الماتريدية على المذهب الحنفي في العقائد والفقه ،  وكان لأنصار أبي منصور الماتريدي الدور المهم في انضاج المذهب ونصرته ونشره وإشاعته ، فقد كافحوا المعتزلة والمجسمة والحشوية ، والحاصل هو أن الأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها ، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي ، والأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وهما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية ، قال الإمام المرتضى الزبيدي : ( وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور - رضي الله عنهما - وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله ... ناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) اهـ. [ إتحاف السادة المتقين 2/7 ] ، 

[  14  ] الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة : لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة : ثلاث مذاهب لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المذهب الأثري ) وعليه غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( المذهب الأشعري ) وعليه غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( المذهب الماتريدي ) وعليه غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وجميع تلك المذاهب يعبر عن الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، ما اتفقوا عليه من أصول الدين والعقيدة نجتمع عليه ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في فروع العقيدة ، وهذه المذاهب الثلاث المؤصلة هي المرجعية العقائدية الصحيحة لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ،

[  15  ]  : الفرق الضالة في العقيدة والخارجة عن إطار اهل السنة والجماعة : هي شراذم قليلة لا تمثل أغلبية وأكثر من ينطوي بداخل تلك الفرق عوام لا يعلمون جوانب البدعة والضلال في تلك الفرق ، وهذه الفرق استحقت لضلالها الوعيد بالنار ، وأفرادها إلى مشيئة الله ، كحال كل مسلم إن شاء عفى عنه وإن شاء عذبه لبدعته ، ولكن لا يخلد في النار احد من أهل الإسلام ، وأضر تلك الفرق على امة الإسلام أربعة : الخوارج والشيعة والمعتزلة والحشوية ، وذلك لكثرة تشغيبها على الجماعة الناجية ، ويلي تلك الأربعة الجهمية الجبرية والمرجئة والمجسمة لأنها أقل عددا ،

[  16  ] الخوارج وأصول الضلال عندهم  : الخوارج على اختلاف فرقهم ومذاهبهم تكاد تجمعهم مخازي مشينة ومعتقدات ضالة تنبئ عن غلوهم وتنطعهم وصدق ما وصفهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من سفاهة عقولهم وتمكن الأهواء من قلوبهم ومروقهم من الدين بسرعة وعجلة ، ومن هذه المعتقدات الضالة :  ( أ ) غلوهم في الإمامة : فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه  ، ( ب ) غلوهم مع أهل القبلة : يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام ، ويقولون كل ذنب مغلط كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان ، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان ، ويحكمون على صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر ، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار ، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة ، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد ،  ( ت ) غلوهم في حق أنفسهم : يقرون لأنفسهم بالإيمان ، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار  ، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم  كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم ، ( ث ) يقولون بأن  كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر مرتد حلال المال والعرض والدم دونما تفصيل أو فقه في الدين ، ويقولون بأن كل من وافقه أو سكت عنه فهو كافر مثله ، ( ج ) من صفاتهم يدعون أهل الشرك إلى الإسلام ، ويكفرون أهل الإسلام الأصليين ، ويطبقون الآيات التي نزلت في المشركين على أهل الإسلام فيكفرونهم ويستحلون حرماتهم ، يمرقون من الدين بأدنى شبهة ، فهذه صور من غلو الخوارج كلاب أهل النار ،

[ 17 ] الشيعة وأصول الضلال عندهم : أبرز أصول البدع الضالة عند الشيعة تتمثل في : المغالاة في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد التي يبنى عليها دين الإسلام ،  ( والإمامة ) عند أهل السنة والجماعة الناجية : ليست من أصول الدين وأركانه ، ولكنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على وجوب نصب الإمام ،  وأجمع أهل السنة والجماعة الناجية على أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمة عند موته دون أن ينص على إمام بعينه ، بل ترك للأمة حق اختيار من تراه أفضلها وأكفأها وأصلحها لهذا الأمر ، واتفق أهل السنة والجماعة الناجية على أن الشورى بين المهاجرين والأنصار آلت بهم إلى تفضيل الصديق أبي بكر رضي الله عنه واختياره خليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثم من بعده الخلفاء الراشدون عمر وعثمان وعلي ،  ومن أصول الضلال عندهم : بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم ، مع أنهم خير أصحاب الأنبياء وصفهم الله تعالى بالصدق والإخلاص ، حملوا دين الإسلام ونشروا رسالته إلى أرجاء الأرض ونصروا عقائده وشرائعه وأخلاقه ، وبسطوا سلطانه ورفعوا رايته ، عاشوا حياتهم كلها لله دعوة وحسبة وجهاداً ، يضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل مرضاته ، راجين رحمته وخائفين من عذابه ، وقد امتلأ القرآن الكريم بالثناء عليهم والترضي عنهم ،

[  18  ] المعتزلة وأصول الضلال عندهم : المعتزلة فرقة واسعة الانتشار بأفكارها الضالة إذ أن كثير من العقلانيين  اليوم  ما هم في حقيقة أمرهم إلا معتزلة ، وكذلك فلا تنسى أن الشيعة الزيدية والشيعة الإمامية  والإباضية هؤلاء جميعاً هم معتزلة في الأصول ، ومن أصول الضلال عند المعتزلة : الأصل الأول عندهم : يسمونه التوحيد ، وقد وصلوا من خلال هذا المبحث إلى نفي صفات الله تعالى المحكمة من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأنه سبحانه لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة ، ووصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثباتاً ،  والأصل الثاني عندهم : يسمون العدل ، ويبحثون فيه أفعال الله تعالى وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى فوقعوا في وصفه سبحانه بالعجز تعالى الله عن ضلال المعتزلة علواً كبيراً  ، والأصل الثالث عندهم : ويسمونه الوعد والوعيد : ومعناه أن الله تعالى إذا وعد وفى وإذا أوعد وفى ، وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء ، وتحكم غير صحيح في مشيئة الله تعالى الذي إن شاء عذّب وإن شاء عفى ، وأصحاب الفطرة السليمة يقولون أن الكريم إذا وعد وفى وإذا أوعد عفى ، والأصل الرابع عندهم : ويسمونه المنـزلة بين المنـزلتين : ومعناه أن مرتكب الكبائر ليس مؤمنا ولا كافرا ، وإنما في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة ، ثم حكموا عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، والأصل الخامس عندهم : ويسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر : يرون من خلاله الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين ،  

[  19 ] الحشوية وأصول الضلال عندهم : الحشوية : لقب أُطلق على طائفة من المبتدعة الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والتغير والحدوث وقبول الحوادث والكون في المكان وأنه بذاته على العرش ، والفرق بينهم وبين المجسمة ، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم ، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى ، أمّا الحشوية ،  فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم ، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم ، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة ، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، والحشوية لهم مواصفات معينة ، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، يعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه في المخلوق المحدث فيقيسون جناب جلال ذات الله تعالى وتقدس القديم بذاته وأسمائه وصفاته على المحدث المخلوق ، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف ، والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وإلى الوقوع في الحشو المرذول على حساب التقديس والتنزيه ، يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، مصداقا لقوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، وقد سماهم أهل العلم بالحشوية : لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية ، وبكل ما يخالف صريح العقل ، وهم أبعد الناس عن العقل وأدلته القطعية ، ينسبون الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله الأحد الصمد المنزه عن كل ما يعارض الأحدية المطلقة من الانقسام والجزئية والبعضية والجارحة ، وينسبون الحد والمقدار إلى ذات الله الواحد القهار ، ولو عقلوا أنّ المحدود المقهور بحده لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم ، ويجيزون علي الله تعالى الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، كما سماهم اهل العلم حشوية لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة ، في أبواب العقيدة وما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته ، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف ، كما سماهم اهل العلم حشوية : لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات : لأنّهم أهل التناقض ، فهم يبدعون المؤولة ، ثم يتأولون  القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة ، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية ، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع ، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أذهانهم السقيمة التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته ، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة ، وهذا المكان هو العرش على ظنهم ، وأنّه بذاته فوق عرشه ، فأتو بلفظ ( ذاته ) من عند أنفسهم ، وجعلوا الاستواء حسيا ، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس كمثل وجوده وجود ، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش ، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان ، والملك والملكوت ، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون ، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم ، ويقولون " لا يعقل " وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول ، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول ، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات ، كما سماهم اهل العلم حشوية : لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء ، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء ، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة ، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح ، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين ، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء ، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ،

[  20  ] المرجئة وأصول الضلال عندهم : من أصول الضلال التي قام عليها الإرجاء : الأصل الأول : الإيمان أصله وفرعه وجميعه لا يخرج عن القلب ولا يتعداه إلى الجوارح وأعمال الجوارح ليست من الإيمان ، والأصل الثاني من أصول الضلال عند المرجئة : الخطأ في فهم الإيمان وظنهم أنه حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة فإما أن توجد وإما أن تنتفي ولهذا جردوه عن الأعمال وقالوا لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، والأصل الثالث من أصول الضلال عند المرجئة : إهمال قيمة عمل الجوارح بالكلية وعدم الاعتداد به ، وبالتالي أهملوا في أداء الواجبات واستهانوا بالمعاصي والآثام ، وقد بدا هذا الخلل العظيم واضحاً في مقولاتهم : فمنهم من يقول : ( الفاسق مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كجبريل وميكائيل وإن لم يعمل واجباً قط وإن لم يدع كبيرة قط ) ، ومنهم من يقول : ( فساق أهل القبلة لا نطلق عليهم اسم الفسوق ولكن نقول فسق في كذا وكذا ) ، ومنهم من يقول : ( لا يدخل من أهل التوحيد أحد النار أبداً ) ، ومنهم من يقول : ( النار محرمة على أهل لا إله إلا الله )  ، ومنهم من يقول : ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة ) ، ومنهم من يقول : ( المعصية لا تضر صاحب التوحيد ) ، ومنهم من يقول : ( لا يدخل النار مؤمن ) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام ، ويقولون بعدم دخوله النار ابتداءً ، والفارق بينهم وبين مذهب أهل السنة عظيم ، لأن أهل السنة يقولون أن للإيمان أصل ينجي من الكفر الأكبر وفرع ينجي من الكفر دون كفر ومن الفسوق ومن العصيان ، ويقولون بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ويقولون بأن المقصر في أعمال الإيمان في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار ، ويمكثون في النار ما شاء الله ، ولكن لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين ،والأصل الرابع من أصول الضلال عند المرجئة : زعمهم أنه ما دام الإيمان في القلب فلا يكفر صاحبه مهما أتى به من أعمال الكفر الظاهرة ، فمن سب الدين أو استهان بالدين أو أهان المصاحف فهذه الأعمال عندهم لا تضر صاحبها وهو مؤمن كامل الإيمان ، نسال الله السلامة ، وعلاج بدع وأخطاء المرجئة يكون ذلك بدراسة علم الإيمان والكفر وفقه مسائله وأحكامه وفق  منهاج اهل السنة والجماعة متمثلا في مدارسه الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، وقد أكرمني الله تعالى بجمع كتاب التجديد الأول : ( تجديد علم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه ) ،  وقد ضمنته قواعد أهل السنة والجماعة التي تقضي على بدعة الإرجاء ،

[  21  ] الجهمية وأصول الضلال عندهم :  الجهمية فرقة ضالة يقوم ضلالها على تلك الأصول : الأصل الأول : تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل ، والأصل الثاني : القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر ، والأصل الثالث : القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة ، والأصل الرابع : القول بفناء الجنة والنار ، والأصل الخامس : إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان وعذاب القبر ، وعلاج بدع الجهمية :  يكون بدراسة  ( علم التقديس ) ،  و ( علم الإيمان ) ، و ( علم التوحيد ) على منهاج أهل السنة والجماعة وفق ضوابطهم التي تقضي على بدعة التجهم ،

[  22  ] أبرز الفرق الضالة في زماننا المعاصر : خمسة : ( الأولى ) الصفوية الخمينية التي تنتسب إلى الشيعة الإمامية وقد غالت زيادة على غلو الشيعة حتى صارت خطرا على المسلمين  ، و ( الثانية ) الإباضية من الخوارج والتي تعمل جاهدة على عودة الامة إلى مذهب الخوارج المارقين ، و ( الثالثة ) أدعياء السلفية الذين يحاربون التخصص العلمي الإسلامي وينتسبون زورا وبهتانا إلى السلف الكرام والسلفية الحقة منهم برآء ، و ( الرابعة ) أدعياء الصوفية من أهل الدجل والخلل يحاربون التزكية والإحسان وينتسبون زورا وبهتانا إلى أهل التصوف والصوفية الحقة منهم برآء ، و ( الخامسة  ) العلمانية من أهل الجهل المركب بدين الله ، يحاربون الدين ويريدون فصل شريعة الرحمن عن حياة المسلمين ،

[  23  ]  الصفوية الخمينية وأصول الضلال عندهم : هذه الطائفة زادت في غلوها ، ونقلت مذهب الشيعة الإمامية إلى مرحلة خطيرة من العداء للمسلمين وحربهم ، وقد دعم الصليبيون هذه الفرقة وأمدوها بالمال والعتاد لتكون رأس حربة على أهل الإسلام ، وأبرز أصول البدع الضالة عند هؤلاء : المغالاة في الإمامة الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم ، ومن لا يعترف بأئمتهم الاثني عشر فليس بمسلم ،  ومن أصول الضلال عندهم : تكفير الصحابة وسبهم ولعنهم والبراءة منهم  ، ومن أصول الضلال عندهم : التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم ، حيث يقوم مذهبهم الضال على تكفير الصحابة والبرآة منهم ، والصحابة هم الذين جمعوا القرآن الكريم ، والقرآن تمتلئ آياته بالثناء عليهم والترضي عليهم ، كان هؤلاء في مأزق عسير : إما أن يجزموا بصحة القرآن وصيانته ويترضوا عمن ترضى عنهم القرآن وعمن حملوا لنا القرآن وحفظوه وجمعوه وبالتالي ينسفوا مذهبهم الباطل من أساسه ، وإما أن يكفروا الكفر البواح ويعلنوا أن القرآن الذي جمعه الصحابة وحفظوه وقد حرف وزيد فيه ونقص وحذفت منه آيات تنص على الولاية لسيدنا علي رضي الله عنه وحذفت منه آيات تفضح أولئك الذين قام المذهب على سبهم ولعنهم وتكفيرهم  ، ومن أصول الضلال عندهم : عدم اعترافهم بدواوين السنّة المشرفة  ، وقد دعاهم إلى إنكار السنة التي جمعها أئمة الحديث عند أهل السنّة والجماعة أسباب  أهمها : أنّهم يكفرون أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  ولذلك فهم ينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي  صلى الله عليه وسلم  إلينا ، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم ألغوا السنة النبوية بكاملها وألغوا كافة أثارها إذ لم يحمل إلينا السنة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم ، والسبب الثاني : أنّهم يضللون كل من يقدم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الإمام علي رضي الله عنه ، ولذلك فهم يضللون الحفاظ المحدثين الذين سجلوا حديث النبي  صلى الله عليه وسلم  وحفظوه ، ولذلك نجدهم يكذبون حديث النبي  صلى الله عليه وسلم الموجود في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول لاسيما ما وجد منها في الصحيحين البخاري ومسلم ثم ما تلاهما من كتب الحديث كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وما تلاها من المستدركات على الصحيحين والمسانيد والجوامع ، وهم ينكرون كل هذه الأحاديث ، ولذلك لم يبق لهم من علم الحديث شيء وصار واقعهم العملي الحقيقي هو إنكار سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبها ، ومن أصول الضلال عندهم : وقوعهم في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق ، وأسباب ذلك : استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي  صلى الله عليه وسلم  الكرام البررة ، واستحلالهم دماء وأموال وأعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة السائرين على هدي النبي  صلى الله عليه وأصحابه الكرام البررة ، واستحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان ، واستحلالهم الزنا في صورة المتعة حتى أنهم من خلالها أعاروا الفروج وغرقوا في الفاحشة ، نسأل الله العافية ،

[  24  ] الإباضية وأصول الضلال عندهم : المذهب الإباضي مذهب من مذاهب الخوارج يقدح في عدالة الصحابة ، ويخلط في عقائده ما بين عقائد الخوارج وعقائد المعتزلة ، ويحاولون جاهدين ترميم مذهب الخوارج ليعود من جديد ، وهؤلاء يقولون بأن صاحب الكبيرة إذا لم يتب ومات فهو كافر مخلد في النار ، ويقدحون في جمع من الصحابة منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن عوام  ، ومعاوية بن أبي سفيان ، و عمرو بن العاص رضي الله عنهم  ، ويصححون موقف خوارج النهروان في خروجهم على الإمام علي رضي الله عنه ، وعلى ذلك فهم فرقة من فرق الخوارج ، وهم يقولون بأن القرآن مخلوق ، وأن الله لا يُرى في الآخرة  وهذه من عقائد المعتزلة ، والإباضية ينتسبون زورا إلى التابعي الجليل جابر بن زيد ، وهو منهم براء ، ذكر ابن حجر في التهذيب أن جابر بن زيد تبرأ منهم ، والإباضية لهم كتاب واحد اسمه ( مسند الربيع بن حبيب ) والربيع نفسه مجهول  ، لم تترجم له كتب الرجال المعروفة ، وترجمته مقصورة على كتب الأباضية ، وهو غير الربيع بن حبيب الذي ترجم له البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والإمام أحمد في العلل ، ومن المآخذ التي حفل بها المسند :  إنكار رؤية الله عز وجل يوم القيامة  ، وتكفيرهم لأهل الكبائر ، كما أن هناك جملة من الملاحظات تثير مزيدا من الشكوك في صحة وجود هذا المسند تاريخيا : منها الغموض المريب الذي يلف تاريخ هذا المسند حيث لم تشير إلى ذكره المراجع والأمهات المعتبرة ، كما أن أكثر رجاله مجاهيل ، لم تتعرض لهم كتب الرجال المعروفة والموثوق بها بالذكر  ، كما أن الكثير من أحاديثه غير مسندة  ، أضف إلى ذلك ما تضمنه من انحرافات في العقيدة والشريعة  ، وبناء عليه يزيد الشك في أن يكون هذا المسند من وضع بعض رجال المذهب الأباضي ، والخلاصة أنه مسند لا تتوفر فيه شروط الصحة التي أجمع عليها علماء الحديث من القديم والحديث فلا يجوز الاعتماد ولا التعويل عليه ،

[  25  ] أدعياء السلفية وأصول الضلال عندهم :  السلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام ، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية في الحديث الصحيح:  (( خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم )) ،  فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف ، والسلفيون الصادقون ينتمون إلى هذه السلفية ، ولكن السلفية الحقة الأصيلة قد ابتليت بالأدعياء  ، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء ، شوَّهوا جمال عقائدها بما أدخلوا عليها من بدع ضالة ، إنّ السلفية انتسب إليها المحق والمدعي ، والمحقون هم السادة الأثرية أهل التقديس والتنزيه وعدم الخوض بالحشو فيما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته وهؤلاء على وفاق في أصول العقيدة مع مذاهب التخصص العقدي على منهاج اهل السنة والجماعة ( السادة الأشعرية والماتريدية ) ، والمدعون لها هم أهل الحشو الجاهلون بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله ، ومن أبرز هؤلاء : التيمية المغالون في الشيخ ابن تيمية - وعلامة هؤلاء حتى نفرق بينهم وبين الأثرية – أنهم يتبعونه حتى في أخطائه المخالفة للشرع ، فإن هناك فرق بين من ينظر إليه على أنه عالم يصيب ويخطئ ، فيتبعه في صوابه ويخالفه في أخطائه التي تسربت إليه بسبب جهله بقواعد التقديس وحسن ظنه برواد بدعة الحشو الاوائل ممن تدثروا بلباس السلف والسلف منهم برآء ، وبين من يرى أنه المتحدث الرسمي عن الدين وأصوله وفروعه وعن السلف والسلفية ، وعن السنة وأهلها ، فمن أثنى عليهم فهم من أهل السنة ومن لمزهم فهم من أهل البدعة ، ويطرح علمه على أنه البديل لكافة المؤسسات والمدارس والمذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية التي أسسها الآلاف من علماء أهل السنة والجماعة ، كل في مجال تخصصه على مر عصور الإسلام وقرونه ، فهؤلاء المغالون فيه يشقون وحدة أهل السنة ويضربون مرجعيتها وتخصصاتها العلمية في مقتل وهم حجر عثرة أمام الإصلاح والتجديد ،  ومن أبرز هؤلاء أيضا : الوهابية المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، الذين يتبعونه حتى في أخطائه الجسيمة المخالفة للشرع لاسيما في مفاهيمه المغلوطة في باب التوحيد والشرك وما آل به ذلك إلى الغلو في باب التكفير واتهام الأمة الإسلامية بالشرك والتبديع ، واستحلال دماء المسلمين وحرماتهم وأموالهم ، هؤلاء المغالون عند أهل التخصص ضمن فرق الحشوية ثم زادوا عليها غلوا في تكفير المسلمين وتبديعهم واتهامهم بالشرك الأكبر في مسائل فقهية خلافية ، 

[ 26 ] التيمية المغالون في الشيخ ابن تيمية :  اهتم ابن تيمية رحمه الله بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا  ، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث  ، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته  ، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها  ، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات   ،  لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف  ، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله  ، وهو لا يدرك أسباب استحالتها  ، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه  ، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث  ، فإن حديث النزول – على سبيل المثال - ليس الهدف منه اثبات الحركة والنزول من علو إلى سفل  ، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء  ، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات  ، والذي هو مذهب السلف الصحيح  ، والذي ليس لهم مذهب سواه  ، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع   ، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي ، ويرفض حملها على المجاز ، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!  ، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم  ، والعالم المخلوق تحته  ،  وهو موجود على عرشه  ، وأنه متناه من جهة تحت  ، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء   ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته  ، فقد قال  (  وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته  )  ،  وعلى هذا المذهب فإنّه سبحانه يبقى نازلاً أبداً  ، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها  ،   كما حام حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات  ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية  ، كما حام حول الجسمية والتجسيم  ، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!  ، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية  ، وحام حول حديث خلق آدم على صورته  ، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن  ، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى  ، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم  وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء  ، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث  ، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبا الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد  ، ومن الغريب أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة   ، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً  ، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة  ، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان  ، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة  ، نصحوه فلم يرعوى  ، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق  ، وقد تأثر به عدد قليل من تلامذته  ، ولكن لكثرة مؤلفاتهم ودندنتهم حول ما تسرب إليهم من مفردات الحشوية  ، سحبوا أهل السنّة والجماعة نحو بعض مفردات الحشو والخلاف  ، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية  ، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف  ، ومجدد السلفية  ، ولكنّه للأسف جدد بناء المدرسة الحشوية ببعض مفرداتها  ، من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد  ،  هاجم الأصول والفروع والوسائل  ، وأخذ يهوش على المتخصصين  ، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول  ، وهو لا يدرك المعقول ولم تتهيأ له الفرصة في تعلمه على يد المتخصصين  ، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام في نفوس الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى  ، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله  ، ثم جازف وغامر بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام  ، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل  الأعمال  ، فهل كانت الأمة في زمانه على ضلال مبين  ، حتى انتشلها من الظلام  ، ثم تجاسر بتخطئة أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه  ، وتكلم في حقه بما لا ينبغي  ، إذ لكل مقام مقال  ، وهل الرد على الشيعة يُجيز له رفع الحشمة والادب مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه   ، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين  ، بكلام لا ينبغي   ، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام  ، فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية  ، فتعجل بتبنيها ونشرها  ، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة  ، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل  ، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام  ، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك  ، أحد قبل ابن تيمية  ، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه  ،  لقد ظن ابن تيمية أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل ، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك ، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد ، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله ، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا ،  وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل ، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا ،  ولو تتبعنا أخطاء ابن تيمية نجد أنه وقع في أخطاء أبرزها :  (  أ  ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين  ،  (  ب  ) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً  ، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى  ، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك  ، ولو كان له معنى لما كان متشابها  ، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض - وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي - من شر مذاهب الفرق الضالة   ،  (  ت  ) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات   (  ث  ) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض  ،  (  ج  ) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة  ، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة  ،  (  ح  ) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء   ،  (  خ  ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله  ، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة  ،  (  د  ) نسب علم  (  التقديس وقواعد التنزيه  المستمدة من الكتاب والسنّة  ) إلى علوم اليونان وفلسفتهم  ، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة  ، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام  ، قال تعالى : { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 84 ]  ، ولأنهم متخصصون علموه  ، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه  ، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين  ، (  ذ  ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا  ، ودمّر تخصصاتهم  ، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم أهل التجهيل  ، وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه  ، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت  ، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة  ،  ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة  ، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة  ،  (  ر  )  لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول  ، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره  ، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب  ، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة  ، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير  ،  (  ز  )  لم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك  ،  (  س  ) لم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في التبديع  ، (  ش  ) كما انفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة  ، ومن ذلك إنكاره المجاز في القرآن  ، ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين  ، وليس يفيده بحال  ، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى ، كما تورط في الحديث حول قدم بعض المخلوقات ووجودها مع الله كالعرش  ، وهذا يضاهي الفلاسفة بقدم العالم  ، وأجاز التسلسل إلى ما لا بداية  ، كما أجاز العقلاء التسلسل إلى ما لا نهاية  ، مع أنّ الفرق بينهما عظيم  ، والاول مستحيل لأنّه يؤول إلى قدم العالم  ، والثاني جائز كبقاء اهل الجنّة واهل النار إلى ما لا نهاية  ،  وتورط في القول بحدوث صفة الكلام  ، وصرح بأن الكلام صفة فعلية يخضع للمشيئة قياساً على صفة الكلام عند البشر  ، كما صرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى  ، وذهل عن الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ألا وهو الأفول ، وحام حول فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها  ، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده  ،  وحام حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة  ، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة  ،  كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب  ، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها  ، ينقل في ذلك الخلاف بما لا ينبغي حفظا لمقام الأنبياء  ،  كما تورط في الحديث حول فناء عذاب اهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم منها قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [ النساء : 168  ، 169 ]  ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا  } [ الأحزاب : 64  ، 65 ]  ، و كان يشن بين الحين والآخر حروبا على المذاهب الأربعة المتخصصة في الفقه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة  ، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء  ، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم  ، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا أضعاف أضعاف ما بلغه ابن تيمية في الفقه والعلم والورع  ، واتباع الكتاب والسنّة  ، وفي مجال التزكية والتصوف : أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف  ، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها وتجريح أكابرها  ،  لقد أفنى ابن تيمية عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة ، وهو لم يستوعب علمهم ولم يصل إلى شيء من رسوخهم في علم العقيدة والأصول  ، كما أفنى عمره وجهده في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه ، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث  ،  إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية  ، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف  ، ومجدد السلفية  ، ولكنّه للأسف جدد بناء المدرسة الحشوية بأخطر مفرداتها  ، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد  ،  ولا يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي عن السلفية والسلف ، 

[ 27 ] الوهابية المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب : لقد تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية بقوة السيف والسنان ، ولكن  أيضاً : كانت له كذلك تصورات مغلوطة ، واجتهادات خاطئة خالف فيها أهل العلم المتخصصين فيه ، وذلك في بعض مباحث توحيد الألوهية ، وتوحيد الربوبية ، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر ، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته ، بحسنه وسيئه ، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، ( أ ) ففي مجال توحيد الألوهية : أخطأ في تفسير العبادة ، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع ، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو  الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله ،  وكان هذا الغلط في تفسير العبادة هو المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، التي أُستحِلت بها دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد ، وتقاطعت فيه أرحام أمر اللّه بها أن توصل، عياذاً باللّه من المزالق والفتن ، ( ب ) وفي مجال توحيد الربوبية : نسب إلى المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم توحيد الربوبية ، مع أن هؤلاء المشركين اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية ، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم : 81 ] ،  وقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ }  [ يس : 74 ] ، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى : { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ } [ هود : 54] ، وقوله تعالى : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ الزمر : 36 ] ، ( ت ) والخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر : كما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك ، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى ، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر ، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر ،  ( ث ) والخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، ( ج ) والخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته ، بحسنه وسيئه ، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، ( ح ) الغلو في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم ، فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام ، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام ، نعلم كيف كانت ( الغزوات ) ! على أعراب نجد والحجاز ، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد ، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان ، لا مسلمين يقولون ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، ويعتقدون أنّه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله ، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله ، لقد مرت تلك المحنة والحمد لله ، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة واحدة تسربت إليها مفردات الحشو على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية ( العقدية والفقهية والتزكوية ) الإسلامية ،

[  28  ] أدعياء الصوفية وأصول الضلال عندهم :  ومن تلك الطوائف التي ضلت الطريق في زماننا المعاصر : أدعياء الصوفية من أهل سقوط التكاليف يحاربون التزكية والإحسان وينتسبون زورا وبهتانا إلى أهل التصوف ، والصوفية الحقة منهم برآء ، إن التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام ، وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه : ليس من التصوف الإسلامي : القول بمخالفة الشريعة للحقيقة ، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة ، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه ، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف ، وليس من التصوف الإسلامي : القول بالحلول أو الاتحاد ، وليس من التصوف الإسلامي : الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت ، وليس من التصوف الإسلامي : تحريف أسماء الله والرقص بها مع وجود آلات اللهو والغناء ، إن الأدعياء شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة ، وليس من التصوف الإسلامي : البطالة ولا الجهالة بدين الله ، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات ، وليس منه : ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن والشياطين ، إنّ التصوف بريء من ذلك كله ، إن الإصلاح الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وتجرد وإتقان ،

[  29  ] دعاة العلمانية  : من أبرز الفرق التي ضلت الطريق في زماننا المعاصر : دعاة العلمانية من أهل الجهل المركب بدين الله يريدون حكم الجاهلية ، وفصل شريعة الرحمن عن حياة المسلمين  ، إنّ شهادة الإسلام ( لا إله إلا الله – محمد رسول الله ) تعني اعتراف المسلم بسيادة شرع الله تعالى على الأرض ، الله وحده هو الذي يشرع للبشرية وكلهم مطالبون بتطبيق شرع الله ، والمسلم تتحقق عبوديته لله وحده في كافة أعماله وشعائره  : فالسيادة في حياة المسلم للشرع الإلهي ، لقوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ، والمسلم لا يرضى بالعلمانية وغيرها من الدعاوى التي تتعارض مع الإسلام ، فالعلمانية تكفر ببعض دين الله ( ألا وهو جانب الحكم والتشريع ) ، وقد قال الله تعالى : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } [ البقرة : 85 ، 86 ] ، والعلمانية تُقصي الدين عن الحياة وتحصره في العبادة المحضة كالصلاة ، أما في الإسلام فكما أن الصلاة لا تكون إلا لله ، فالحياة كلها لله تعالى لا شريك له. قال تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [ الأنعام : 162, 163] ، والعلمانية لا تعتقد بضرورة تحكيم الدين فيما يشجر بين الناس من نزاعات دنيوية في الدماء والأموال والأعراض، أما في الإسلام فقد قال تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }  [النساء: 65] ، والعلمانية تعني أن يعتقد الإنسان أنه غير ملزم بالخضوع لأحكـام الله في كل نواحي الحياة وأن الدين ليس له علاقة بشؤون الحياة في غير العبادات والصلوات ، وقد أجمع علماء المسلمين أن من جحد حكم الله تعالى في القتل أو السرقة أو الزنا أو غيره مما جاء في القرآن الكريم فهو كافر الكفر الأكبر المخرج من دين المسلمين ، والجحود معناه إنكار الحكم أو إنكار صلاحيته للناس أو اعتقاد إقصائه عن حياة المسلمين ، والليبراليَّة : وجه من وجوه العلمانيِّة ، وهي تعني في الأصل الحريِّة ، غير أن معتنقيها يقصدون بها أن يكون المجتمع حراً في أن يحكم بما يشاء ، بدون التقيد بشريعة إلهية ، فالمجتمع عند الليبراليين حر  غير محكوم بشريعة من الله تعالى ، ولا مأمور من خالقه باتباع منهج إلهيّ ينظم حياته كلها، كما قال تعالى : {  ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  } [ الجاثية : 18] ، بل هم يريدون حكم الجاهلية ، قال تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة : 50 ] ،

[  30  ] الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة : ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبا الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، ومن مسائل الشريعة الغراء التي تبين هدي علماء الجماعة الناجية في معاملة الفرق المسلمة التي ضلت الطريق في بعض جوانب الدين : ( مسألة تكفير المبتدع ) : لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها : ( الشرط الأول ) : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، ( الشرط الثاني ) : أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه ، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين ، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة : أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه ، ( الشرط الثالث ) : قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء ، ( مسالة قتل المبتدع ) : الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله ، وفي الحديث (( لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث : - الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة )) ،  وقد قال الله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً ) ، وقال العلماء في شرحه  : الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره , والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول ، ( مسألة بغض المبتدع ) : يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة ، والمبتدع مسلم ، نحبه لإسلامه , ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة , نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان , ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار , ( مسألة معاداة أهل البدع ) : المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم ،  وندعو لهم بالهداية ، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان ، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين ، (  مسألة البراءة من أهل البدع ) : تجب البراءة من البدعة نفسها , والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته ، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء ، ( مسألة الصلاة على أهل البدع ) : الأصل أن المبتدع الذي بقي معه أصل الإسلام يصلى عليه , لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن , ( مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة ) : المبتدع يدعى له ويستغفر له , لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه , فيدعى ويستغفر له , بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة , (  مسألة السلام على أهل البدع  ) : الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه ، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه , وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا , لأنهم مسلمون ، وإذا  كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز ، (  مسالة هجر المبتدع ) : يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر ، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر, لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته, وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية , فإن كان لا يحققها فلا يشرع , ( مبحث الصلاة خلف المبتدع ) : تصح الصلاة خلفه , وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون : القرآن مخلوق , ( مسألة حكم غيبة المبتدع ) : الأدلة من الكتاب والسنة حرمت غيبة المسلم كما قال تعالى { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره  )) فالأصل هو تحريم غيبة المسلم , ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته ، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته , والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها ، ( مسالة مجالسة أهل البدع ) : جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة ،  وكلها محمولة على أتباع الفرق الضالة الداعين إليها ، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة ، ومحمولة على العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب اهل الحق ، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة ، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك بل هو من باب الجهاد بالكلمة لإظهار الحق , أمّا ما يفعله المهووسون بالتبديع اليوم من النهي عن مجالسة المخالفين لهم في مسائل الفقه والفروع ، أو النهي عن مجالسة أهل العلم من أهل السنّة والجماعة على اعتبار أنّهم أصحاب البدع ، فإنّهم اولى بهذا الوصم منهم ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( هلك المتنطعون ، قالها ثلاثا )) [ أخرجه مسلم ] ،   لقد بالغ أهل الحشو في بناء الأحكام الخاطئة من حديث الافتراق ، وفهموه على عكس مراده ، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ، والحاصل أنّ أهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم ، بل يجب أن يعم الإخاء والولاء بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه ] ، وأهل الفرق الضالة لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام ، في قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، إنّ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ،

[  خاتمة الحديث عن علم العقيدة ] : كل ما سبق مما تيسر بيانه من لبنات علم العقيدة  هو من أهم ما يحتاجه المسلمون في هذا الزمان ، وحاصله أنّ الإصلاح والتجديد في علوم العقيدة يكون باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة ، وتوجيه طالب علم العقيدة إلى الطريق القويم نحو طلب علم العقيدة على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد ، وعلى أهله المتخصصين فيه ، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم العقيدة واحترفت تدريسها على أفضل الطرق التعليمية ، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب قد لا تؤدي إلى الرسوخ في علم العقيدة ، وفي الإحاطة بمباحثه ومسائله وقواعده وأحكامه ،  ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة ، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم ، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار ،  وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

عدد الزيارات 1

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا