العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم التاسع : ( علم الفقه ) وذلك لتصحيح المسار الفقهي عند أهل الإسلام مميز


الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 19:59 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم التاسع : ( علم الفقه ) وذلك لتصحيح المسار الفقهي عند أهل الإسلام    

[  1  ] مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في علم الفقه والشريعة ، والتي ينبغي تحصيل علم الفقه من خلالها ، أربعة مذاهب متخصصة معروفة ( الأحناف ) و ( المالكية ) و ( الشافعية ) و ( الحنابلة ) ، ينبغي رد الأمور الفقهية المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم تلك المدارس الفقهية  المتخصصة ، فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف ، وهذه المرجعية تمثل ولا شك احترام التخصص العلمي الذي يؤدى حتماً إلى الوحدة والتكامل ، وقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، فقد أوضحت الآية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة ، وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي ، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ، والمذهب المالكي ، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس ، والمذهب الشافعي ، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل ، وهذه المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء ، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا ،

[  2  ] ما هي أهم أسباب اختلاف الفقهاء ؟ : أسباب عديدة : منها ما يعود إلى طبيعة المجتهد وقد خلق الله تعالى البشر بطبائع متفاوته فمنهم من يميل إلى الاحتياط والأخذ بالعزائم ومنهم من يميل إلى الانتفاع بالسعة في الشريعة ورخصها ، والفقه لابد وأن يستوعب جميع الطبائع ، ومنها ما يعود إلى بيئته ، ومنها ما يعود إلى الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته ، وذلك بسبب تشدد البعض وتساهل آخرين في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم , ومنها ما يعود إلى  الاختلاف في فهم النص، ومنها ما يعود إلى الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة ، ومنها ما يعود إلى الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط  ،

[  3  ] خصائص الخلاف في الفقه الإسلامي  :  ( 1 ) الخلاف في الفروع يختلف عن الخلاف في الأصول : فأمّا الخلاف الذي يتعلق بأصول الدين وأصول العقيدة فهو خلاف بين حق وباطل وبين هدى وضلال ، وهو الخلاف الذي ينشأ عنه فرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار ، وفي هذا الخلاف أشارت إليه روايات حديث تفرق الامة ، والتي منها : حديث : (( وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني ] ، وأما الخلاف في الفروق فإنّه خلاف بين صواب وخطأ ، والمجتهد فيه له أجر سواء أصاب أم أخطأ ، ولهذا تواترت أقوال الفقهاء بأنّه خلاف رحمة وسعة ، فشتان بين خلاف الأصول الذي ينشأ عن الخطأ فيه الضلال واستحقاق النار ، وبين خلاف الفروع الذي للمصيب وللمخطئ فيه اجر ما كان خالص النية مستوف لشروط الاجتهاد ، ( 2 ) إذن الاختلاف الفقهي نوعان  : اختلاف تنوع ، واختلاف تضاد ، واختلاف التنوع : ( لا يمثل في حقيقته أي اختلاف ) لأن منه ما يكون كل واحد من القولين صحيح شرعا ، كما هو الحال في اختلاف القراءات ، واختلاف الأنواع في صفة الأذان ، والإقامة ، والاستفتاح ، والتشهدات ، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد ، وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه ، ومن الاختلاف ما يكون كل من القولين هو في معنى قول الآخر ؛ لكن العبارتان مختلفتان ، ومنه ما يكون المعنيان متغايرين ، لكن لا يتنافيان؛ فهذا قول صحيح، وهذا قول صحيح وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، فيجوز سلوك أحدهما أو الآخر كما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة ، وأما اختلاف التضاد : فيكون فيه القولان متنافيين ،  وهذا الاختلاف هو اختلاف الرحمة والسعة ، وللمجتهد المصيب أجران ، وللمخطئ أجر واحد ، وهو خلاف بين راجح ومرجوح ، وإن كان المصيب واحد  ، فلا بأس بتمحيص الصواب وينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر )) ، وعلى هذا الأمر اتفقت كلمة الفقهاء المقتدى بهم من كافة المذاهب الفقهية الإسلامية التي تنتمي إلى الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة ، وابرزها مذاهب الأئمة الأربعة : ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، فهذه الاختلافات الفقهية ، قد مثلت سعةً ورحمةً وغنًى وثراءً في الاجتهاد ، مجسدة بذلك التنوّعَ الطبيعيَّ في مناهج النظر الفقهي، والاستجابة المناسبة لتنوّع واقع الأمة ومصالحها عبر الزمان والمكان ، وعلى ذلك فإن اختلاف هؤلاء في الفروع لا يعد بحال اختلافا مذموما ، ومن كان في مثل علم هؤلاء - وهيهات - فله أن يجتهد مثلهم ،  ومن لم يصل إلى علمهم فليتتلمذ على فقههم ، حتى يصل إلى فقههم ، ومحاولة جمع الجميع على رأي فرعي واحد ، فهو مخطئ يضيع جهده ويصرف الأمة عن مهامها الثقيلة إلى ما هو دونه ، ( 3 ) إذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية ، فلا يوجد أي داع للتعصب الفقهي المذهبي ، ولا ينبغي ضياع الأعمار والجهود في المفاضلة بين المذاهب القائم على التعصب لأحدها على أنه قد جمع الحق في الفقه كله ، بل الحق متوزع بينها وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المرحومة ، ( 4 ) إنّ الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة ، على اختلاف مذاهب هذا الفقه : لا يوجد فيها أدنى مشكلة بين هذه المذاهب المتأصلة العريقة ، بل إنّها علامة على صلاحية الشريعة الربانية لكل زمان ولكل مكان ولجميع أجناس البشر الصعب منهم والسهل ، وهي لا تزال تمثل مظهراً من مظاهر السعة والرحمة والغنى والثراء في ميدان الاجتهادات الفقهية ، والأحكام الشرعية ، ( 5 ) من أهم مميزات الاختلافات الفقهية أنّها لا تضعف أبداً الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لأن ميدانها هو الفروع ، الذي لا يزال الناس فيه مختلفين، فاختلافاتها سنة وقانون إلهيّ لا تبديل له ولا تحويل ، وهي اختلافات تعدد وتنوع في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة ، أي تنوع في الاجتهاد الفقهي في إطار الشريعة الواحدة، التي هي وضع إلهي ثابت ،  ( 6 ) تجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل ، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام ، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ ، لأنه يضر بالميزة التي حبا الله تعالى بها الفقه ألا وهي ( السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان ) ، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا ، ورحم الله تعالى مالكاً وقد عرض الخليفة العباسي أن يحمل الناسَ على الموطأ فأبى ، وما ذاك إلا لأنّه يعلم أنّ اختلاف الأمة في الفقه وفي الفروع رحمة بالغة وسعة تغطي الزمان والمكان ،  ( 7 ) الذي نحتاجه في ميدان الفقه ، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة ، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان ، 

[  4  ] أهمية وضرورة احترام التخصص في الفقه :   كل علم يحترم أهله مجال التخصص فيه يثمر المعرفة والصواب ، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وإنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في : الفوضى العلمية ، والخطأ في اصدار الأحكام ،  كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى ، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم  ، ومن المسلمات في دين الله تعالى أنه لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه ، قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [ التوبة : 12  ] ، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، لقد كان من ثمرة التخصص في الفقه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع : وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد ، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا ، والاختلاف فيها لا يدخل في الاختلاف المذموم ، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين ، وهذه المذاهب الأربعة - بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة - صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، وهل يستطيع طالب علم - اليوم - أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة ، لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة ، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة ، ولكن آراء الصحابي أو العالم  لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه ، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا ، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط ،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه ، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها ، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام ، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة ، مع العلم بأنّها ( المذاهب الفقهية ) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم ، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي ، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة ، إنّ احترام التخصص الفقهي والرد في علم الفقه إلى تلك المدارس ، ضرورة علمية  ، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه ، ومظانه عند أهل التخصص فيه ، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث ، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه ، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة ، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها ، وهكذا ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ، إن عدم احترام التخصص يؤول بالأمة إلى الفوضى العلمية والتبديع والتضليل وضياع الأسس العلمية التي قام عليها الصرح العلمي لأهل السنّة والجماعة ، وإنّ دعوى الأخذ المباشر من الكتاب والسنّة مباشرة دون العروج على أقوال أهل العلم المتخصصين في العلم ، هي دعوى حق ولكن ليست لكل من هب ودب ، إنها دعوى حق في حق من يمتلك أدوات الاجتهاد في مجال تخصصه ، إنّ الشر كل الشر في ان يصبح الإفتاء في الدين كلأً مباحًا لكل من أراد من غير المختصين ، وأن تتم محاربة المتخصصين بدعوى الأخذ من الكتاب والسنّة مباشرة ، فإنها كلمة حق مآلها إلى الباطل ، تشبه إلى حد كبير مقولة الخوارج : إن الحكم إلا لله ، وهي كلمة حق ولكن لابد من وجود من يحكم بما أنزل الله ، وهاهنا لابد من وجود المجتهد المتخصص الذي يستنبط من الكتاب والسنة ،  إن المرجعية الفقهية الصحيحة ، ومعرفة المدارس الفقهية المتخصصة في علم الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة ، أمر مطلوب ، وهناك أربعة مذاهب متخصصة معروفة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، ينبغي رد الأمور الفقهية المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم تلك المدارس الفقهية  المتخصصة ، فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات الدقيقة التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة ، وتلك الامور يستحيل جمع الناس فيها على قول واحد لاحتمالات النصوص واختلاف المدارك بين العلماء ،  ولا عبرة لمن خالف تلك المدارس المتخصصة من الحشوية وأنصاف الجهلاء وأصحاب الجهل المركب من الموتورين الصائلين على الكتاب والسنّة وما فيهما من الدعوة إلى احترام التخصص وأهله ، وقد علمنا أن لكل علم شرعي له أهله المتخصصون وله مدارسه السنّية المتأصلة العريقة حتى التزكية والاحسان والأخلاق كذلك لها مدارسها المتخصصة التي تنتسب إلى الصديقين المربين من العلماء العارفين الربانيين ،  وكل أمة لا تحترم علماءها النابغين والمتخصصين فلا حق لها في النبوغ أو الازدهار  ، 

[  5  ] أصالة المذاهب الفقهية الاربعة وضرورة طلب الفقه من خلالها :  ذكرنا أنّ لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه ، قال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، ولا يجوز التهجم على علومهم دون الرجوع إليهم قال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء : 83 ] ، إن مذاهب الفقهاء الأربعة هي المذاهب المتخصصة في علم الفقه الإسلامي ، والأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة جمعوا بحمد الله تعالى علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار ، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة ، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه ، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه ، ويملأ طباق الأرض علما وفقها ، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه ، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء ، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة ،  أضف إلى ذلك أن المتدبر لمسيرة تطور علوم الفقه وبناء المذاهب الفقهية ذلك البناء الشامخ ، يجد أنّ أقوال وآراء أكثر الأئمة المجتهدين على مر عصور الإسلام السابقة لعصر بناء المذاهب الفقهية الكبرى يجد أنّها جميعا قد دخلت في إطار أقوال المذاهب الأربعة ، فقد جمع مالك في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كالصديق والفاروق وفقه زيد بن ثابت ، وتلامذتهم من الفقهاء السبعة فقهاء المدينة ، وجمع أبو حنيفة في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة ممن عاشوا بالعراق كعلي بن أبي طالب  وعبد الله بن مسعود وتلامذتهما ، وجمع الشافعي في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كعبد الله بن عباس ومدرسته الفقهية في مكة المكرمة ، وجمع أحمد في مذهبه الأقوال الفقهية والموسوعة الحديثية لأكابر الصحابة ممن رووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشروا العلم في سائر الأمصار ، كما دخل في أقوالهم الفقهية علوم الليث بن سعد عالم مصر وعلوم الأوزاعي عالم الشام وعلوم الثوري عالم العراق ، فلا تكاد ترى قولاً لعلماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة إلا وهو مدون في المذاهب الأربعة  ،  نعم هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة : وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي (ت157هـ) بالشام ؛ وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق ؛ والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر ، وسفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة ؛  وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور ؛ إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة ، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع ، وعلى ذلك : فأولى المجتهدين بالإتباع : من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب ، وصار له مذهب معروف ، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة ، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء ، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم : أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ،  إن أصل العلوم جميعا كتاب الله تعالى ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد تعبد الله تبارك وتعالى كل مسلم بإتباع الكتاب والسنة ، والناس تجاه الكتاب والسنة صنفان : مجتهد وعامي ، و ( المجتهد ) فقط له الحقّ في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ؛ و ( العامّي )  _ وهو كلّ من لم يبلغ رتبة الاجتهاد  _ يأخذ الأحكام من المجتهد، ولا يجوز له استنباط الأحكام  ؛ فإن فعل ذلك فقد عصى الله ورسوله ولو أصاب في اجتهاده فضلاً عن خطئه، لقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } أي: إن كنتم لا تعلمون الحكم ، أو الوسائل الواجبة لاستنباط الأحكام والتي يتوقف فهم الأحكام على مراد الله عليها ، وأولى المجتهدين بالإتباع : من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب ، وصار له مذهب معروف ، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة ، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء ، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم : أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ، وهذه المذاهب الأربعة - بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة - صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، وهل يستطيع طالب علم - اليوم - أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة  ، إنّ من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى ، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة (( أحد المتون العلمية )) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه ، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه ، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح ، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة صحيحة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين ، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها  ، لقد كان لكثير من علماء المسلمين الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة ، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة ، ولكن آراء الصحابي أو العالم  لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه ، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا ، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط ،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه ، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها ، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام   ، لقد حظيت المذاهب الأربعة بقبول واسع لدى المسلمين وجاء فترات للأمة لا تكاد تجد فيها أحدا إلا وهو ينتسب لمذهب منها، بل استحوذ كل مذهب في غالب الأحيان على مناطق شاسعة، فيقال مثلا بلاد كذا جميعها حنفية ، أو مالكية ، أو شافعية ، أو حنبلية ، وذلك له عدة عوامل أهمها نبوغ جماعات من العلماء الذين تبنوا نشر هذه المذاهب والتأصيل لها والإفتاء بموجبها ، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه ، فمن أراد من المسلمين أن يسلك الطريق الصواب في الفقه  ، فعليه أن يلتزم مذهباً من هذه المذاهب الأربعة، وأن يحرص على استفتاء أئمتها وعلماءها ، ومن أراد طلب علم الفقه - من طلاب العلم الشرعي - من بابه الصحيح فعليه أن يطلبه من خلال الوسائل التعليمية التي قررتها إحدى تلك المدارس الفقهية الأربعة ثم يتوسع بعد ذلك كيفما شاء طلبا للاجتهاد ، والحذر الحذر من الدعوة إلى الخروج على فقه المذاهب الأربعة ، فإن الدعوة للخروج عن المذاهب الأربعة يلزم منها:  إما أن يرجع كلّ فرد من الأمة إلى الأدلة الشرعية ويستنبط منها الأحكام، وهذا بدوره يزيد  المذاهب، ويفرق الأمة، ويحرِّف الدِّين ، وإما أن يرجع الناس إلى مجتهد ما  ، فنقول : وهل هؤلاء أولى بالاتباع ممن عُرِف اكتمال علمه وفقهه وتقواه ، وذهب مذهبه الآلاف من المجتهدين المهتدين ، إنّ الأمر بالرد إلى الكتاب والسنّة هو عمل المجتهدين ، أمّا عامة المسلمين ، فالأمر هو الرد إلى أهل العلم والذكر الحكيم ، والله تعالى يقول - في موضعين من القرآن الكريم - :{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43] ، [ الأنبياء : 7 ] ، إن واجب المجتهد: أن يبحث عن الدليل الصحيح وصفات النصوص لاستنباط الحكم منها ؛ وواجب عامة المسلمين أن يبحثوا عن العالم الصحيح ، وهل هناك أعلم في الفقه من مدارس الفقه المتخصصة فيه ، والتي تضم خيرة فقهاء وعلماء أهل السنّة والجماعة الأئمة المهديين المُتبعين ،  

[  6  ]  أسباب ميل فقهاء علماء أهل السنة والجماعة إلى الاكتفاء بالمذاهب الأربعة : أسباب عديدة منها : (  السبب الأول ) : بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه ، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه ،  ( السبب الثاني ) :  صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد. حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد ، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق ، ( السبب الثالث ) : وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي ، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ( وما أعسرها ) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة ، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة ، ويمكنه الاجتهاد في إطارها  ، ( السبب الرابع ) : تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا ، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم ، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور ، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله ، ( السبب الخامس ) : الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها ، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه ، وأصول الفقه ، والقواعد الفقهية الجامعة ، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة - بفضل الجهود الجماعية لعلمائها - بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى ، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة (( أحد المتون العلمية )) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه ، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه ، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح ، هذا في نفس الوقت الذي يتم فيه تدريس أصول الفقه والقواعد الفقهية المتعلقة بالمذهب ، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين ، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها  ، 

[  7  ]  ضوابط الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة :  المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء ، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا ، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة ، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم ، ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب : ( 1 ) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً ، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن ، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى ، ( 2 ) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به ، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهله المتخصصين فيه ، ( 3 ) المذاهب الأربعة متكافئة ، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة  فكلهم على خير ، ( 4 ) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال - وفق الهوى - من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً ، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه ، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر ، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه ، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل ، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط ، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة ، أو وجود الدليل الراجح ، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها ، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال ، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد ، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا ، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه ، وليس كل الناس علماء ، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء ، ( 5 ) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله ، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله ، ويصعب ، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم ، وقد حبا الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي ، ( 6 ) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة  لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب ، ولا يجوز له التعصب من أجله ، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع ، ( 7 ) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله ، والأدلة محتملة ، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد ، وملكة الفقه والترجيح ، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء ، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم ،  ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة ، ( 8 ) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ  بل يخطئون ويصيبون ، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم ، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم ، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة ، وكان اختلافهم رحمة ،

[  8  ]  دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث ، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء ، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم ، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم ، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة ، بعدد كل ناعق مذهب ، وينفرط عقد الفقه ، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص ، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب ، إنّ العلماء عندما قصروا طلب الفقه على المذاهب الأربعة علموا أنه قد كان وراء الأئمة الأربعة ألف فقيه وفقيه ، وألف حسيب وحسيب ، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها ، ألا يعلم هذا المتغول على الامة في باب الفقه لكونه حفظ أو قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب ، ألا يعلم أن مجلس الإمام أبي حنيفة كان يضم أربعين فقيها كلهم من حفاظ الكتاب والسنة يراجعون الإمام في مسائله ، أقلهم في العلم قد يكون أعلم من علماء زماننا مجتمعين ، فهيهات من دعاوى الحمقى والسفهاء والمتغولين التي ما جرت على الأمة سوى التنازع والتفرق والشذوذ الفقهي والتقعر والتنطع ، وللأسف فهناك موتورون كلما اتفقت الأمة على قضية نخروا في أساسها يبغون الخلاف ، وكلما بني الفقهاء صرحا علميا شامخاً أرادوا تشويه صورته ولا أدري لمصلحة مَن مِن أمة الإسلام ينعق هؤلاء ، فإن زعموا أنّه الانتصار للكتاب والسنّة فهل كان الفقهاء على خلاف مع الكتاب والسنّة ام كانوا على جهل بهما وحاشاهم من ذلك ، أم أنّه حب الظهور وداء الكبر وبطر الحق وغمط الناس ، وغالب هؤلاء يذب الذباب عن وجه الآخرين وفي قلوبهم الحنوش الموتورة ، تتحكم فيهم أمراض نفسية قاتلة تتمثل في عدم احترام التخصص الفقهي ، ومحاولة لفت الانظار تتجارى الأهواء في دمائهم نسأل الله تعالى السلامة ،

9  ]  يفهم البعض من قول الأئمة الفقهاء ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) الفهم الخاطئ  ، فهم بهذا القول يظنون أنّه لا حرج من تخطئة الأئمة الفقهاء المجتهدين ، بكل حديث ظنوا أنّه يُخالف ما ذهبوا إليه ،  ومن ثم يريدون الزام الناس بما فهموه ، ويؤثمون أتباع الفقهاء في ترك الحديث من أجل قول فلان وفلان ، وقد يبلغ بهم الحال إلى اتهام الناس في دينهم واخلاصهم لأنّهم ردوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل قول فلان وفلان ، وهم لضيق أفقهم ومحدودية علمهم لا يعلمون أنّ الحديث قد يُعارضه حديث آخر أًصح منه ، وقد صحت أحاديث عديدة عند الإمام مالك رحمه الله ورواها في الموطأ ولم يعمل بها لأنه عارضها حسب وجهة نظره ما هو أقوى منها ،  كما أنّ للفقهاء شروطا معينة للعمل بالحديث قد لا يستوعبها المحدث غير الفقيه ، كما أنّ  كل حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه فلا يلزم العمل به  إلا عند من يعتقد صحته فقط ، وكم رأينا محدثين يصححون اليوم حديثا ثم يتراجعون عن تصحيحه لعلة علموها من الحديث ، فهل ننتظر في ديننا حتى يستقر رأى هؤلاء على التصحيح والتضعيف ،  إذن كلام البعض بان أخطاء أئمة الفقه الأربعة في الفقه لا يجوز متابعتهم عليها ، وأن أحدهم إذا أخطأ في حكم مسألة ما فلا يجوز تقليده فيها ، هذا كله في حكم الفرضية النظرية المستحيلة ، لأنّه انتسب إلى تلك المذاهب آلاف الفقهاء فكيف سهى الجميع عن هذا الخطأ ، وإن كان عمداً فهل نتهم فقهاء الأمة على التمالؤ على كتم الحق ،  والخلاصة أنّ الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم وجعل فقهاءها خير الفقهاء ، وقد كفانا الأئمة المجتهدون مؤونة أكثر الفقه ، على أمل أن تتفرغ الأمة لغايتها من نشر الدين ونصرته وتحقيق أهدافه على أرض الله تعالى وبين عباده ، لقد استوفت مسائل العبادات في باب الفقه بحثاً بما لا مزيد عليه ، ومع تكرار البحث فيها والتقعر في مباحثها تضخمت وتورمت ، وفي المقابل ضمرت مباحث المعاملات وتقلصت ، مع أنّ مجال المعاملات واسع وكل يوم تأتي معاملة جديدة تبحث عن حكم شرعي ، ناهيك عن احتاج الدول الإسلامية إلى مباحث علوم الاقتصاد الإسلامي والسياسة الشرعية الإسلامية ، والعلاقات الدولية ، والمعاهدات الجائزة في السلم والحرب والأمن والخوف ، فالفحولة ها هنا تكون في الاجتهاد في تلك الأبواب لا أن نجتر كل يوم مسائل الخلاف في العبادات مع اتفاقنا أن الفقهاء الأربعة مجتهدون مأجورون في كل حال ، من أصاب منهم له أجران ومن أخطأ منهم فله أجر ، وليس معنى ذلك الزام المحدثين بقول الفقهاء ، فليس لنا الزامهم ، ولكننا نطلب منهم عدم تصدير الخلاف إلى أمة الإسلام وعدم استعمال معاول الهدم لشرخ جدران الصرح الفقهي الذي بناه الفقهاء ، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  ، وليس معنى ذلك ادعاء عصمة الأئمة الأربعة ، فإنهم يقينا ليسوا معصومين عن الخطأ  بل يخطئون ويصيبون ، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم ، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم ، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة ، وكان اختلافهم رحمة ،  وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

عدد الزيارات 4

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا