العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم العاشر : ( علم التصوف ) وذلك لأخذ التزكية من أهلها المتخصصين مميز


الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 20:01 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم العاشر : ( علم التصوف ) وذلك لأخذ التزكية من أهلها المتخصصين

[  1  ] عُرفت مدارس التزكية والإحسان بمدارس التصوف ، والتصوف يحمل في معانيه التزكية والتربية والأخلاق والسوك والإحسان ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، فقد عُرف المتخصصون في هذا الجانب باسم الصوفية منذ ما يزيد على ألف عام ، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وعلى ذلك ، وقد تعارف العلماء على ذلك منذ مئات السنين ، وجميعها مدارس علمية وسلوكية متخصصة ، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [ الْأَعلى : 14 ] ، وأيا كانت التسمية ، ( التزكية أو التصوف )  فإن المقصود هو ثلث الدين الأعلى ، ثلث ( الإحسان ) ، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، ومن أشهرها عند أهل السنة  الطريقة القادرية والطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية وغيرها من الطرق الفاضلة التي تدل على طريق الله تعالى ضمن إطار منهج الحق ، وبهذه المذاهب العقدية والفقهية والسلوكية المتخصصة يتضح الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة ، سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،

[  2  ] بداية ظهور التصوف كعلم للتزكية : القرآن الكريم شمل أصول وقواعد العلوم جميعا ومنها : ( علم الفقه وعلم العقيدة وعلم التزكية ) وكان الصحابة والتابعون على دراية بهذه العلوم ينقلونها للناس يعلمونها لهم دون فصل بينها ، وبعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين ، ودخول الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه ، فنشأ علم النحو ، وعلم أحكام التلاوة ، ثم احتاج الناس إلى معرفة  كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث ، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم  فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث ، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير ، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه ، ، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه ، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد ( علم العقيدة وأصول الدين ) ، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية ، وبالقلب والهمة ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص ، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، قال ابن خلدون في مقدمته : " وهذا العلم -  يعني التصوف -  من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة ، والانقطاع إلى الله تعالى ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد عن الخلق ، والخلوة للعبادة ، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا ، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية ) أهـ [ مقدمة ابن خلدون ص 329 ] ،

[  3  ]  التصوف هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام  :  كما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد ، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا  ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ، وعلى مر العصور تتبلور العلوم ، وتتخصص المدارس العلمية ، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم ، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة ، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح ، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام  ،

[  4  ] التصوف هو المرادف للتزكية في اصطلاح القران الكريم ، وهو المرادف للإحسان في اصطلاح الحديث الشريف  :  التصوف هو المرادف لمصطلح ( التزكية ) المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) } [ الْأَعلى : 14 ] ، وقوله تعالى : { جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } [ طه : 76 ] ، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ آل عمران : 164 ] ، وقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  } [ الجمعة :2 ] ، وكذلك فإن ( التصوف ) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل ( التصوف ) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان ، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية ، و ( التصوف ) علم عظيم من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، 

[  5  ] لماذا  إذن  استعمال مصطلح التصوف وليس التزكية أو الإحسان :  إن مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وعلى ذلك ، فما الداعي إلى تغيير اسم مصطلح لن يغير من المعنى شيئا ، ثم من يملك تغيير اسم الفقه أو العقيدة أو التصوف ، وقد تعارف عليها منذ مئات السنين ، وهي مدارس علمية متخصصة ، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [ الْأَعلى : 14 ] ، وأيا كانت التسمية ، ( التزكية أو التصوف )  فإن المقصود هو تجديد المضمون وتصحيح المسار لجانب يمثل ثلث الدين الأعلى ، ثلث ( الإحسان ) ، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، ولا ينبغي تضييع الوقت والجهد في تغيير مسمى قد عُرف على ما يزيد من ألف عام ، فلنركز الجهد على تجديد التصوف وإصلاح الصوفية ، حتى يتم بتجديدها تجديد مرتبة الإحسان ثلث الدين الأعلى ، والله المستعان ، يقول العلامة عبد القادر عيسى في كتابه القيم (( حقائق عن التصوف )) :  التصوف أشهر من أن يحتاج في تعريفه إلى قياس لفظٍ ، واحتياج اشتقاق ،   وإنكار بعض الناس على هذا اللفظ بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة والتابعين مردود ، إذ كثيرٌ من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة ، واستُعملت ولم تُنكَر ، كالنحو والفقه والمنطق ،   وعلى كلٌّ فإننا لا نهتم بالتعابير والألفاظ ، بقَدْرِ اهتمامنا بالحقائق والأسس. ونحن إذ ندعو إلى التصوف إنما نقصد به تزكية النفوس وصفاء القلوب ، وإصلاح الأخلاق ، والوصول إلى مرتبة الإحسان ، نحن نسمي ذلك تصوفاً. وإن شئت فسمه الجانب الروحي في الإسلام ، أو الجانب الإحساني ، أو الجانب الأخلاقي ، أو سمه ما شئت مما يتفق مع حقيقته وجوهره؛ إلاَّ أن علماء الأمة قد توارثوا اسم التصوف وحقيقته عن أسلافهم من المرشدين منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا ، فصار عُرفاً فيهم. [ حقائق عن التصوف الباب الاول تعريف التصوف ] ، 

[  6  ] تعريف التصوف وبيان ما هو المقصود بالتصوف :  ( أ ) تعريف التصوف من حيث اللغة : لا يهمنا ها هنا  المعنى اللغوي للتصوف ، بقدر أهمية المقصود به ، المعنى اللغوي قد يكون اشتق من لبس الصوف لأن أوائل السادة الصوفية كانوا أئمة الزهد في الدنيا فكانوا يلبسون الصوف فكان علامة لهم ، ولكن المعنى الحقيقي له هو : أنه علم إسلامي يستمد أصوله من الكتاب والسنة ، يتعلق بتحقيق التزكية القلبية وتحقيق مرتبة الإحسان ، ونظرا لسعة علم التصوف واتساع جوانبه ، لذلك كثرت الأقوال في تعريف التصوف ، كل منها يشير إلى جانب رئيسي في التصوف ، قال الشيخ العلامة أحمد زروق رحمه الله : ( وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين ، مرجعها كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى ) [ "قواعد التصوف" ص2 ] ، ألفي تعريف وكل تعريف منها يشيـر إلـى جانب من جوانب التصوف : منها على سبيل المثال :  قال سيد الطائفة الإمام الجنيد رحمه الله ( ت : سنة 297ه  ) : (( التصوف استعمال كل خلق سني ، وترك كل خلق دني )) [ "النصرة النبوية" للشيخ مصطفى المدني ص22 ] ، وقال القاضي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله ( ت : سنة 929ه )ـ :   (( التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس ، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية )) [ على هامش "الرسالة القشيرية" ص7 ] ،

[  7  ] نشأة علم التصوف وبداية ظهور مصطلح الصوفية :  يقول القشيري رحمه الله : " اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام ، إذ لا أفضلية فوقها ، فقيل لهم "الصحابة" ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين "الزهاد" و"العُبَّاد" ، ثم ظهرت البدعة ، وحصل التداعي بين الفرق ، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا ، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى ، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم "التصوف" ، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة " أهـ [ مقدمة الرسالة القشيرية ] ، 

[  8 ]  أركان علم التصوف : أركان علم التصوف أربعة : ( الأول ) معرفة جناب ذات الله تعالى وتقدس وما يجب له من التسبيح والتقديس والتنزيه والتعظيم ، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتوحيده سبحانه في إلهيته ربوبيته وعبوديته لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، ( الثاني ) معرفة النفوس وشرورها ودواعيها والطريق إلى تخليتها عن دسائسها وتحليتها بتزكيتها ، قال تعالى : { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ، و ( الثالث ) معرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله وكيفية التغلب على مكائده ، قال تعالى { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ، و ( الرابع ) ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها ، وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها وضرورة الزهد فيها ، قال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، وقال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } ، ثم ألزموا أنفسهم  بعد توطئة هذه الأركان : دوام المجاهدة ، وشدة المكابدة ، وحفظ الأوقات ، واغتنام الطاعات ، ومفارقة الراحات ، والزهد في الدنيا الفانية ، وإيثار الآخرة الباقية ، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله خير الجزاء ، ( تنبيه ) مع احترام التخصص لابد من الإصلاح والتجديد ، وإذا كان الدين نفسه يحتاج إلى إصلاح وتجديد كل مائة عام ، فإن التصوف القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين يحتاج أيضا إلى إصلاح وتجديد ، وذلك بإصلاح جوانب الخلل التي أصابت التصوف بفعل عوامل طول الزمان ووجود الجهلاء والأدعياء ، مع التنبيه على وجوب أخذه من اهله المتخصصين ،

[  9  ] ( تاريخ التصوف الاسلامي ) : ويمكن اختصاره إلى ثلاث مراحل : ( المرحلة الأولى ) : كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة ، في بدايات القرن الثاني ، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير ، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية : من أمثال الحسن البصري ( ت ١١٠ هـ ) ،  وإبراهيم بن أدهم البلخي ( ت ١١6 هـ ) ،  ورابعة العدوية ( 185هـ ) ، والفضيل بن عياض الخراساني ( ت ١87 هـ ) ،  ومعروف الكرخي ، ( ت 201 هـ ) ، وأبو سليمان الداراني ( ت205هـ ) ، وبشر بن الحارث الحافي ( ت 227 هـ ) ،  والحارث بن أسد المحاسبي ( ت 243 هـ ) ، وذي النون المصري ( ت 245 هـ ) ، وسري بن المغلس السقطي ( ت 257 هـ ) ،  ويحيى بن معاذ الرازي الواعظ ( ت 258 هـ ) ، وأبو اليزيد البسطامي ( ت263هـ ) ،  وأحمد بن عيسى الخراز ( ت 277 هـ ) ،  وسهل بن عبدالله التستري ( ت 283 هـ ) ، وأبي القاسم الجنيد البغدادي ( ت 297 هـ ) ،  ورويم بن أحمد البغدادي ( ت 303 هـ )  ، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف ، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد ، وبداية التمييز عن علماء الفقه ، بعلم التزكية والتصوف ، ( المرحلة الثانية ) : وهي المرحلة التي  ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف ، أبو نصر السرّاج الطوسي ( ت378هـ ) في كتابه اللمع في التصوف " و" أبو بكر محمد الكلاباذي ( ت380هـ ) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف" و" أبو طالب المكي ( ت386هـ ) في كتابه قوت القلوب" و" أبو القاسم القشيري ( ت465هـ ) في الرسالة القشيرية" وهي من أهم الكتب في التصوف و" الغزالي ( ت505هـ ) في كتابه إحياء علوم الدين ، ( المرحلة الثالثة ) : وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية ، ومدارس التصوف والتربية والتزكية في العالم الإسلامي ، على يد الربانيين من أهل التصوف ،  ومن أشهر تلك الطرق التربوية : الطريقة القادرية التي  أسّسها الشيخ عبد القادر الجيلاني ( ت561هـ ) ، والطريقة الرُفاعية التي أسسها الشيخ أحمد الرفاعي ( ت 578هـ ) ، والطريقة الشاذلية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي ( ت656هـ ) ، والطريقة الأحمدية أو البدوية التي أسسها الشيخ أحمد البدوي ( ت 634 هـ ) ، والطريقة المولوية التي أسسها الشيخ جلال الدين الرومي ( ت672ه‍ـ ) ، والطريقة البرهامية أو الطريقة الدسوقية التي اسسها الشيخ إبراهيم الدسوقي ( ت 676هـ ) ، والطريقة النَقشبندية التي أسسها الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي ( ت791هـ ) ، والطريقة الخلوتية التي أسسها الشيخ محمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي ، ( ت 986 هـ ) ، والطريقة السنوسية التي أسسها الشيخ محمد بن على السنوسي ( ت 1202 هـ ) ، والطريقة التيجانية التي أسسها الشيخ أحمد التيجاني ( ت1230ه‍ ) ، الطريقة المرغنية التي أسسها الشيخ محمد بن عثمان المرغني السوداني ( ت 1267 هـ ) ،

[  10  ] ( الطرق الصوفية ) :  هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل ، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية ، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية ، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله ، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها ، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة ، فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر ، وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر ، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلا ، ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين ، ( أنواع الطرق ) : توجد ثلاثة أنواع من الطرق وهي : طريقة التبرك ، وطريقة الإرشاد ، وطريقة التربية والترقية ، وذلك حسب مستوى شيخ الطريقة، فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح ، ويقف دوره عند هذا التبليغ ، وينال الآخذ عنه بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ينال ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزم بها ، وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك ، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات. فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة. وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر ، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة  في مقام ( أن تعبد الله كأنك تراه ) ،

[  11  ] أصالة علم التصوف وانتسابه إلى الكتاب والسنة :  التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة ، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان ، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم ، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه ،  فلقد اهتم القرآن الكريم بعلم التصوف اهتماماً كبيرا ، وأولى له ولاية عظيمة ، بما حوى من أسس التزكية المتمثلة في الكم الكبير من الآيات التي تأمر بمقامات التزكية القلبية ، تلك الآيات التي تأمر بالخوف والرجاء والمحبة والتوكل والرضا ، وتلك الآيات التي تأمر بالتوبة والمراقبة والتقوى والإحسان ، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تطهير النفس عن دسائس الأخلاق كالكذب والنفاق والظلم والعدوان والحسد والكبر والغرور ، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تحلية القلب بعظيم الأخلاق كالتواضع والبر والصدق وغيرها من تعظيم الأخلاق ، أضف إلى ذلك أن جميع العبادات التي أمر بها القرآن من صلاة وصيام وزكاة وذكر وتلاوة للقرآن إنما هي كذلك لأنها طريق إلى تزكية القلوب وطهارتها ، كما أن أحد أكبر مهمات الرسول بين المسلمين هي تزكيتهم كما جاء في قوله تعالى : { ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } ، وقد رسم الرسول صلى الله عليه وسلم المنهاج المتكامل لأصول وقواعد ما سيسمى بعد ذلك بعلم التصوف ، كما أن مبادئ هذا العلم كانت في عهد السلف الكرام ، حيث ضربوا أروع الأمثلة على التزكية والصفاء والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله ، وصفاء النفس وسلامة الضمير ، وتصفية النفوس من طبائعها الرديئة ، وتخليصها من شهواتها الطاغية واتصافها بمكارم الأخلاق وسني الآداب ، وهل التصوف سوى هذه الأخلاق العظام ، 

[  12  ] برآءة التصوف الإسلامي من الانتساب إلى الأديان الأُخرى :  التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة ، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان ، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم ، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه ، أما الزعم الفاجر بان التصوف يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة ، فهذا ظلم بين لعلم التصوف ، وجحود واضح لأهله الصادقين المخلصين ، والله تعالى أمرنا بالإنصاف مع الكافرين في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [ المائدة : 8 ] ، فكيف بالإنصاف مع عباده الصالحين وأوليائه المحسنين ، وفي الحديث الصحيح : (( إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينّه ، ولئن استعاذني لأعيذنّه )) [ أخرجه البخاري ] ، وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث ،  يقول الشيخ حسني حسن الشريف في كتابه القيم ( الدلالة النورانية ) : " ( سؤال ) : يُتَّهم التصوف من بعض الجهلة وأدعياء العلم بأنه مستقى من أصول غير إسلامية كالفارسية والهندوسية والبراهمية ، كما أَطلق بعض أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم اسم التصوف على الرهبنة والبوذية والكهانة النصرانية والشعوذة الهندية ، فقالوا هناك تصوف بوذي وهندي ونصراني وفارسي؛ أين التصوف من كل هذا ، وأين هو من الشرع الإسلامي؟ ،  ( جواب ) : إن علم التصوف مستمد من الكتاب والسنة النبوية جملةً وتفصيلاً ، ومما سبق من نصوص يتبين لنا أن التصوف ليس أمراً مستحدثاً جديداً ، ولكنه مأخوذ من الكتاب والسنة وحياة الصحابة الكرام ، ومن إلهامات الصالحين الربانيين وفتوحات العارفين الصديقين. وعلى القارئ إذا أراد أن يتبحر في ذلك أن يعود إلى كتاب إحياء علوم الدين للغزالي ، وأن يقرأ في أربعة كتب منه وهي : «كتاب العبادات» و «كتاب العادات» و «كتاب المهلكات» و «كتاب المنجيات» ليعرف السالك أن التصوف هو التطبيق العملي للإسلام وأنه يستمد فكره من الكتاب والسنة ، وأنه ليس هناك فعلاً إلا التصوف الإسلامي فقط. وإنما أُريدَ بتلك التهم تشويه اسم التصوف باتهامه بأنه يرجع في نشأته إلى تلك الأصول القديمة والفلسفات الضالة ، ومن ثَم إبعاد المسلمين عن حقيقة وجوهر وروح دينهم ، حتى يكونوا مجردين من الروح والخلق ، حافظين لنصوص دينهم دون عمل وفهم وتذوق ،   إن مصدر علوم التصوف هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو أفضل الخلق بالإجماع. وقد جاءت هذه العلوم لتحقيق الكمالات علماً وعملاً وحالاً ، ولتكميل العقائد وتطهير النفوس وتحسين الأخلاق. وهذه رسالته صلى الله عليه وسلم ،  أما ثبوت شرف التصوف ، فلا شك أن الكتاب والسنة وإجماع الأئمة وردت بمدح جزيئات التصوف ودعائمه ، كالتوبة والتقوى والإحسان والاستقامة والصدق والإخلاص والطمأنينة والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والمراقبة والصبر والشكر وغير ذلك من المسائل. وهذه ليست جديده ولا مبتدعة ، وليست قديمة من فلسفات الفرس والهندوس وغيرها ، إنما هي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما ربطنا بها إلا حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،  فالصوفية أتبع الناس وأكثرهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودل ذلك على أنهم أحب الخلق إلى الله. قال تعالى : {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [ آل عمران : 31 ]  وروى البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ) وعلامة المحبة الإتّباع ،  أما حكم الشرع في التصوف فقد قال الغزالي : ( إنه فرض عين ، إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم السلام ) على اعتبار أن التصوف هو المدخل إلى تزكية الأنفس. وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله : ( من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصِرّاً على الكبائر من حيث لا يشعر ولا يدري " أهـ [ الدلالة النورانية ] ، 

[  13  ] التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ، ولابد من إنصافه ورد الاعتبار إليه :  ( أ ) دين الإسلام جاء بتزكية الظاهر والباطن ، قال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَعراف : 33 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَنعام : 151 ] ، وقد تكفل علم التصوف بتزكية الباطن ، لأن من تعريفات التصوف أنه (( العلم الذي يعرف به كيفية تصفية الباطن وتخلية القلب عن صفاته الذميمة ، حتى يتوصل إلى تزكيته وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق )) وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وقد قال تعالى : { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الشعراء : 88-89 ] ، والتصوف – كما هو معلوم لأهله - يتخصص في تزكية القلب بطهارته من الكفر والشرك والنفاق والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ... ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق .. ، وهذا القسم الذي تخصص فيه التصوف هو القسم الأهم لقوله صلى الله عليه وسلم  : (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )) [ أخرجه البخاري ( 52 ) ، ومسلم ( 2523 ) ]  وقوله صلى الله عليه وسلم  : ( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) [ أخرجه مسلم ( 2564 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  ( ... التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) [ أخرجه البخاري ( 5718 ) ومسلم ( 2559 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  ( إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه ) [ أخرجه الترمذي في كتاب فضائل الجهاد ( 23 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  ( إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم ) [ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( 19 : 76 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  ( اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) [ أخرجه الترمذي ( 1988 ) وأحمد ( 5 : 53 و 158و 228 و 236 ) ] ، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر ، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة ، والحق يقال أنه على مر عصور الإسلام فإن للسادة الصوفية الحظ الأوفر من الوراثة النبوية في تحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والورع والتوكل والرضا والأدب والتسليم والمحبة والذكر والمراقبة  ،  ( ب ) التصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس ، وقد كان السادة الصوفية هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان ، ولذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي : بعد أن اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة ، وطريقتهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.. ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم : وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ) [ المنقذ من الضلال ]  ،  ( ت ) إن التكاليف الشرعية المتعلقة بالقلب أهم من التكاليف الشرعية المتعلقة بالبدن - وإن كان الكل مُهمَّاً – وذلك لأن الباطن أساس الظاهر ومصدره ، وأعماله مبدأ أعمال الظاهر ، ففي فساده إخلال بقيمة الأعمال الظاهرة ، وفي الحديث ما يدل على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم : (( ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحتْ صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب" [ متفق عليه ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم (( إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم )) [ أخرجه مسلم ] ، وما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة ، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها ، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها ، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً ، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [ الشعراء : 88 - 89 ] ، قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله : ( وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها ، فقال الغزالي : إنها فرض عين ) [ "الأشباه والنظائر" للسيوطي ص504 ] ،   ويقول العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة : ( إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين ، ومثلها غيرها من آفات النفوس ، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة ، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل ، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من "الإحياء". قال فيه : ولا ينفك عنها بشر ، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه ، وإزالتها فرض عين ، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها ، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه ) [ "حاشية ابن عابدين" المسماة رد المحتار على الدر المختار ج1 : ص31 ] ،  ( ث ) إن التصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة الأمراض القلبية ، وتزكية النفس والتخلص من صفاتها الناقصة ، قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته : " علمٌ به تصفيةُ البواطنْ ... مِن كدَرَات النفس في المواطنْ " ، قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت : " التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس ، أي عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبر والرياء والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء ، لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته ، فبعلم التصوف يُتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى ، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى ) [ "النصرة النبوية" للشيخ مصطفى إسماعيل المدني على هامش شرح الرائية للفاسي ص 26 ] ،  ( ج ) إن التصوف هو العلم الذي اختص بتحلية النفس بالصفات الكاملة  كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب والمحبة والذكر والمراقبة ، وللصوفية في هذا المجال الحظ الأوفر من الوراثة النبوية ،  ( ح ) التصوف هو العلم الذي اهتم برسم الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الكمال الإيماني والخُلُقي ، وليس كما يظن بعض الناس أنه مجرد اجتماع لذكر الله وقراءة الأوراد وحسب ، بل نقول ( التصوف ) منهج عملي كامل ، يحقق صلاح المسلم وتهذيب أخلاقه وتحوله إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة ، تعيش في درجات الإحسان ، ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته ، ويتجلى لنا بوضوح ، أنه علم إسلامي قيم ، لا غنى عنه لكل مسلم ، كما لا غنى له عن علوم العقيدة التي تصلح الاعتقاد وعلوم الفقه التي تصلح العبادات والمعاملات ، وأنه ( علم التصوف ) العلم الذي يصلح القلوب والأخلاق وبه يصل العبد إلى مرضاة الله ،  ( خ ) علم التصوف من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ولابد من إنصافه ، لان ( التصوف ) هو مقام الاحسان من الاسلام الذي ورد في حديث جبريل المشهور حيث ينتقل العبد من مقام الايمان  بالغيب إلى مقام شهود الغيب ( أن تعبد الله كأنك تراه ) ، وهذا لا يتأتى إلا بتصفية القلب وتخليصه من كثير من السحب المتلبدة عليه ، و  ( التصوف ) مرتبة عالية تتمثل في إصلاح القلب بالوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا ، وهو ‏مبني على الكتاب والسنة وذلك باتباع شرع الله تعالى والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ‏الأخلاق والأحوال ، والأكل من الحلال ، وإخلاص النية في جميع الأفعال ، وتسليم الامور كلها ‏لله من غير إهمال في واجب ولا مقاربة محظور ، وحاصله اتصاف بجميع المحامد وترك لجميع الأوصاف ‏الذميمة ،  وهو مسلك قائم على العلم والعمل ، وله منازل أعلاها المشاهدة ( أن تعبد الله كأنك تراه ) وأولها المراقبة ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) وله مقامات عديدة شريفة منها التوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والصدق والإخلاص والصبر والورع والزهد والرضا والتوكل والشكر ، و ( التصوف ) هو الطريق المؤدي إلى أرقى درجات الكمال الإيماني والإحساني الذي به يتحقق مقام الشهود وحق اليقين ، وهو الطريق إلى مدارج السالكين ومراقي الصاعدين إلى مرضاة رب العالمين ،  ( د ) علم التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة علم من أجَّلِ العلوم الإسلامية ، ولابد وأن ينصف ، ولو رجعنا إلى علماء الأمة الأفاضل العلماء الأبرار الأخيار لوجدنا أكثرهم ينتمي إلى التصوف أو يثني عليه خيرا ،ولكن التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء ، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف ، بل ضررهم على أنفسهم ، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين ، ويصححون مسار التصوف ، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف ، ( ذ ) هناك فريق يدعي الإصلاح يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره ، وهؤلاء يريدون ان يأخذوا التصوف ببعض أدعيائه ؟ وهم  يبذلون كل الوسائل المتاحة لمحاربته ، ويصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال ، ثم تراهم يكفرون الصوفية كلها بمقولة وجدها في كتاب ما مدسوسة على احدهم ، أو قالها في ساعة ذهول لا يقصدها ، _ كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال : اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح _  إن الأصل في ديننا أنه ما من معصوم في هذه الأمة سوى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجميع العلماء بعده والطوائف كذلك يؤخذ منها ويرد عليها وهم غير معصومين عن الخطأ ، أخطاؤهم غير مقبولة كدين ، ونغض الطرف عن عثرات علمائهم  لأنه الأدب مع العلماء الذين لهم فضل ننظر إلى محاسنهم ونترك المساوئ  والعثرات ،  ( ر ) إن كلمة ( صوفي ) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء ، وصفة مدح ، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى ، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره ، وابادة التصوف وأهله ، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة ، فهل بعد هذا التنطع من تنطع ، وأين يذهب تسعة أعشار أهل السنة في العالم اليوم في مصر والسودان ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين ، هذا اليوم ، فما بالنا بهم على مر عصور الإسلام السابقة ،  وقد كان جمهورهم ينتسب إلى مدارس التصوف ، وأين يذهب الجنيد وأصحابه ، وحجة الإسلام الغزالي وأتباعه ، وعبد القادر الجيلاني والرفاعي والشاذلي وأمثالهم من الربانيين والملايين من أتباعهم ، إن هؤلاء هم سادة التزكية وأقطاب التصوف ودعائم الأخلاق ، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته ، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام ،  ( ز ) ليس معنى ذلك أن نبرأ الصوفية من كل خطأ وأنهم معصومون ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف ، ولابد من التصحيح حتى يسير التصوف في إتمام مهمته من تزكية النفس وبناء أمة الأخلاق في خضم زمان لا يعرف أهله سوى الماديات  ،

[  14  ] التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ، ولابد من تصفيته من الدخن والخلل : ( أ ) لابد من تصفية التصوف من الدخن والخلل ، والعودة به إلى تزكية الكتاب والسنة ، لقد أساء –  على مر عصور الإسلام - أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه وادِّعائهم له مع خيانة مبادئه ومخالفة أوامره ، وأساء آخرون باعتراضهم عليه جملة وتفصيلا ، إن واجبنا نحو التصوف اليوم هو التزام المبادئ الإيجابية التي جاء بها التصوف الإسلامي ، مع إصلاحه و تجديد أمره وإعادته إلى تزكية القرآن والسنة وتأكيد ارتباطه بالكتاب والسنة ، لأنه - بحق - علم رباني من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة  ،  ( ب ) لابد من تجديد أمر التصوف وتصفيته من الدخن والخلل : فإن ( الصوفية ) طائفة إسلامية كبيرة من طوائف أهل السنة والجماعة ، تنتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي ، وهي مثل بقية الطوائف الإسلامية كالمحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين ، فيهم الصالح والطالح ، والصحيح والفاسد والمصيب والمخطئ ولا يصح أن ننسب إلى أي طائفة من هؤلاء الطالح والفاسد والمخطئ فقط. فعندما يقال ( الصوفية ) فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض ، ومعروف الكرخي ، وبشر الحافي وعبد القادر الجيلاني والجنيد وغيرهم كثير من الأولياء والصالحين على مر عصور الإسلام ،  ولا يراد بالصوفية أولئك الدجالون المخرفون المخالفون للكتاب والسنة ، الذين دخلوا على التصوف فأفسدوه ، لذلك وجب عدم خلط الأوراق بعضها من بعض فالعدل مطلوب مع العدو الكافر ، فضلاً عن كل المسلم ، فضلا عن من انتسب إلى إطار الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ، أما إلقاء التهم اعتباطا ليس من خلق المسلم ، والصوفية أسم جامع لطائفة عظيمة من المسلمين ، نخص منهم أولئك الصالحين المتمسكون بالكتاب والسنة والقائمون على ثغور مهمة التزكية التي هي إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذه الطائفة هي المقصودة بالتصوف الصافي النقي الصحيح الذي قام على صفاء النفس من الكدر ، وامتلائها من الفكر والذكر والخلق العظيم ، وتحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب دين الإسلام ،  إن من الإنصاف أن نذكر فضل التصوف الصحيح الذي نهض برسالته منذ فجر الدعوة الإسلامية ، في التزكية والإحسان وبناء المؤمن الحق ، وكان رجال التصوف السابقون مدارس التربية والتزكية داخل المجتمع الإسلامي ، وكان بهم يتحقق تكامل العلم والسلوك ، وكانوا في الجهاد في مقدمة صفوف المجاهدين يحثونهم على التعلق بالآخرة ، والشوق إلى لقاء الله ، وكانوا ينشئون الرباطات على أطراف المدن الإسلامية وثغورها المتاخمة للأعداء ، فكانوا يشتغلون فيها بذكر الله حتى إذا ما دعاهم داعي الجهاد ، كانوا خيل الله السابقة ، وكانوا هم أئمة الدعوة إلى الله ، يصلون بدعوة الإسلام إلى المواقع التي لم تكن تبلغها جيوش الفتح العسكري ، فكان الدعاة من رجال التصوف يتكفلون بهذه الرسالة ، ينشرون الإسلام في مختلف أنحاء الأرض ، هذا هو التصوف الحق المستمد من قواعد الكتاب والسنة وأحوال السلف الصالح ، وهو التصوف الصافي الذي كان الفقهاء يعتبرون أنه من الشرف الانتساب إليه  وانه بنقائه جزء مهم في تكوين شخصية كل مسلم ،  ولكننا - اليوم -  نرى التصوف قد اختلط بصفائه بعض الأخطاء مما جعل الكثيرين لا ينظرون إليه بعين الرضا والقبول ، بل بعين الشك والريبة ، فلابد من تجديد التصوف ، حتى نزيل عنه ما ليس منه ، وننقيه من العثرات والهفوات ، ونعيده إلى ثوب الكتاب والسنة ، حتى يتبوأ مكانه الحقيقي في مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، وما أحوجنا إلى منهاج تجديدي صحيح نقي صافي ، يقوم على أكتاف رجال التزكية المخلصين ، لا أشباه الرجال من الأدعياء والمنتسبين ، منهاج يعود بالصوفية إلى قمة منازل الصالحين من أهل السنة والجماعة ، وما أشد حاجة المسلمين إلى قيم التصوف المثلى وحضارته الروحية الطاهرة الزكية ،  لقد أساء أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه ، وادِّعائهم له ، وأساء آخرون باعتراضهم عليه ، وردِّهم له جُملةً وتفصيلاً ؛ وذلك لأنهم لم يفقهوا حقيقته التي كان عليها السَّلف الصالح ، ولم يفرِّقوا بين الحقِّ الذي هُدِيَ إليه الصوفية الصادقون ، وبين الباطل الذي أُلصق بهم وأُدخل على طريقتهم ، وهم منه براء ، ولاشك أن هناك عوامل عديدة يجب إصلاحها بسرعة وإتقان داخل ( التصوف ) حتى يعود التيار الصوفي  إلى الوسطية التي حبا الله تعالى بها الفرقة الناجية - وأنا هنا لا أعمم تلك العوامل على جميع التيار الصوفي فالمنصفون يعلمون أن هناك صوفية أولياء في عداد الصديقين والأصفياء ، وهناك أدعياء للتصوف متمصلحون منه يأخذون منه عرض الحياة الدنيا ، وهناك جهلاء ، وهناك غلاة مبتدعون ، وهناك منحرفون ، وهناك مغرضون تزيّوا بزيه ، وانتسبوا إليه ، لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم ، والتصوف منهم براء ، ولذلك كان لا بد من التفريق بين أدعياء التصوف المنحرفين ، وبين الصوفية الصادقين ، أصحاب السلوك ، ممن لهم درجات عليا في التزكية والإيمان والورع والتقوى واليقين ، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين ، والدعوة إلى الله تعالى في سائر أزمان المسلمين ، والحاصل أن الإنصاف تجاه القوم مطلوب شرعي ، وفضل التصوف الصحيح الذي هو  ضرورة لإحياء القلوب ، وتهذيب النفوس ، لا ينكره منصف أضاء الله تعالى بصيرته بأهمية الحفاظ على طوائف أهل السنة والجماعة القائمين على ثغور الإسلام ، والإصلاح واجب شرعي ،

[  15  ] إن التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام ، وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه : ليس من التصوف الإسلامي : القول بمخالفة الشريعة للحقيقة ، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة ، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه ، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف ، وليس من التصوف الإسلامي : القول بالحلول أو الاتحاد ، وليس من التصوف الإسلامي : الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت ، وليس من التصوف الإسلامي : تحريف أسماء الله والرقص بها مع وجود آلات اللهو والغناء ، إن الأدعياء شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة ، وليس من التصوف الإسلامي : البطالة ولا الجهالة بدين الله ، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات ، وليس منه : ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن ، إنّ التصوف بريء من ذلك ، والإصلاح الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بتجرد وإتقان ،

[  16 ] معالم الإصلاح والتجديد في مجال التصوف السني الصحيح : تتمثل في : ( أولا ) : تأكيد وتجديد مبدأ ارتباط التصوف بالكتاب والسنة ، ( ثانيا ) : التأكيد على أهمية التصوف كمنهج أصيل للإصلاح والتربية ،  ( ثالثا ) : تصحيح التصورات الخاطئة عن التصوف لدى عامة المسلمين ، فإن السادة الصوفية هم خواص أهل السنة والجماعة ، لم يقل أحد من المعتبرين منهم إن الصوفية فرقة مختلفة عن أهل السنة ، لأن عقيدة الصوفية هي عقيدة أهل السنة ، كما أن جميع طوائف الاتحادية والحلولية والإباحية والباطنية والمادية طوائف ليست من الصوفية في شيء ، والصوفية منهم برآء كما أنّ الإسلام منهم برآء ،  ( رابعا ) : تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتصوفة ، سواء كانت هذه المفاهيم محدثة من قبل المنحرفين ، أو أن لها أصلا صحيحا وتعرضت للتحريف من قبل الجهال والمبدِّلين ، ( خامسا ) : التمييز بين التعددية المحمودة والطائفية المذمومة ، فإنّ حديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، لا يتناول طوائف أهل السنّة والجماعة لأنّها كلها فرقة واحدة تضمها أصول عقدية واحدة ، كما أنّ الاختلاف الوارد في حديث افتراق الأمة لا يعني الاختلاف في مسائل الفروع أو تعدد المذاهب أو الاختلاف في مناهج السلوك والعبادة ، أو تعدد الطرق التي يتخذها الأولياء في توصيل المريدين إلى الله تعالى ، بل إن السواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد الفرقة الناجية ، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع ،

[  17  ] واجبنا نحو التصوف اليوم : هو طرحه نموذجاً لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، وأن نعكس صورة التصوف الإسلامي الصحيح من خلال أخلاقنا وآدابنا والتزامنا بالشرع الشريف فحال الإنسان يغني عن مقاله ، واجبنا نحو التصوف اليوم : أتباع أسس التصوف الأولى :  صفاء النفس ، وقصد وجه الله ، والتمسك بالفقر والافتقار ، وتوطين القلب على الرحمة والمحبة ، والتجمل بمكارم الأخلاق التي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها ، واجبنا نحو التصوف اليوم : نشر التصوف الصحيح  والبراءة من أدعياء التصوف من الجهلة والمرتزقة والدجالين المنسوبين زورا الى التصوف ، واجبنا نحو التصوف اليوم : إعطاء النموذج الحي الصحيح للصوفي الرباني ، وذلك بالتمسك بأخلاق الصوفية الاكابر ، وإن التجديد الإسلامي المنشود يفرض على أهل التصوف وقياداته أن يتحملوا واجباتهم في تصحيح المسار ، وذلك بالتأكيد على عدة حقائق : ( الحقيقة الأولى ) : بيان كون منزلة الطريقة في التصوف كمنزلة المذهب في الفقه ، فكما أنّ طلب الفقه الراسخ يتطلب التخصص على إحدى مذاهب الفقه الأربعة ، فكذلك فإن طلب التصوف الراسخ ينبغي أن يكون عبر إحدى طرق التصوف الموصولة السند والمتأصلة في تاريخ التصوف الإسلامي ، و ( الحقيقة الثانية ) التفريق بين أنواع الطرق الصوفية ثلاث : طريقة التبرك ، وطريقة الإرشاد ، وطريقة التربية والترقية ، وهذا يختلف باختلاف مستوى شيخ الطريقة ، و( الحقيقة الثالثة ) :  أهمية ذكر الله ، فإن الذكر منشور الولاية وعمدة الطريق الصوفي :  كما أنّ الذكر هو قوام التصوف الذى هو روح الإسلام ، والذكر له المكانة الرفيعة فهو في ذروة العبادات والطاعات ( الحقيقة الرابعة ) أهمية الأوراد في حياة المسلم فضلا عن الصوفي السالك لطريق الإحسان ، فينبغي لكل مسلم أن  تكون له أوراد يومية لا يقصر عنها ، وهذا الورد اليومي الذي يرتبه المسلم على نفسه ينبغي أن يلاحظ فيه أن يجعل له حداً أدنى لا بد أن يؤديه ثم بعد ذلك إن وجد فراغاً أو إقبالاً من النفس زاد ، ( الحقيقة الخامسة ) تصحيح الأخطاء ، تلك الأخطاء التي يتحمل وزرها أدعياء التصوف المتمصلحون ، أو الجهلاء ، أو المنحرفون ، أو المغرضون الذين تزيّوا بزي التصوف وانتسبوا إليه لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم ، والتصوف منهم براء ،  إنّ التصوف يمثل المرتبة الثالثة من مراتب الدين وهي مرتبة الإحسان التي تلي مرتبتي الإسلام والإيمان ، وعلى الغيورين على أخلاق الإسلام والمسلمين أن ينبروا للدفاع عن قيم الإحسان ، إننا إذا جردنا التصوف من الصورة القاتمة التي رسمها أعداء التصوف ندرك أننا أمام جوهر نقي خالص لابد منه في عملية الإصلاح والتجديد ،  وأرى لزاماً على العلماء ومشايخ الطرق والأتباع الراشدين أن يهبوا هم قبل غيرهم لتخليص التصوف من كل الشوائب التي علقت به مع تقادم العهد ، وأن يتخلصوا من كل الشكليات التي حطت من قدر التصوف ليعود إلى نقائه ودوره وأصوله وجوهره وعند ذلك يكون قادراً على أداء دوره المنوط به  في الإصلاح والتجديد ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

عدد الزيارات 4

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا