العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الحادي عشر ( علم الفهم المحيط بجوانب دين الإسلام ) وذلك للقضاء على جانب الخلل في فهم الدين مميز


الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 20:04 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الحادي عشر ( علم الفهم المحيط بجوانب دين الإسلام ) وذلك للقضاء على جانب الخلل والقصور في فهم الدين

[ 1 ]  إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، وهذا الدين يُطالب به الناس كافة ، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،  وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله ، لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ،

[ 2 ]  الإسلام لغة هو الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة ، فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه فهو المسلم ، وبهذا المعنى نجد أنّه دين الأنبياء والمرسلين جميعا من لدن آدم وإلى رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الأنبياء إخوة من علات ، وأمهاتهم شتى ، ودينهم واحد )) [ أخرجه مسلم ] ، فالدين واحد ، هو الإسلام ، وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام ، وأول الرسل الكرام نوح عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى - على لسان نوح عليه السلام - : { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }  [ يونس : 72  ] ، وإبراهيم أبو الأنبياء  عليه السلام كان مسلما وجميع الأنبياء من بعده كانوا مسلمين ، قال تعالى : { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 130 إلى 133 ] ، وموسى عليه السلام كان مسلما ،  قال تعالى  : { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } [ يونس : 84 ] ، وعيسى عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ المائدة : 52 ]  ، فالدين واحد هو الإسلام وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام ، ودين الإسلام الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا واحد من حيث اتفاقه على عقيدة التوحيد وإفراد الله عز وجل بالإلهية والربوبية والعبودية والأسماء والصفات ، ولكنه يختلف سعة وشمولا وفق رسالة الرسول ويختلف تشريعا من رسول إلى أخر ، حتى وصل إلى منتهاه الأسمى وكمال الرباني الأعلى متمثلا في دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم الذي أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة ورضي دينه الذي جاء به من عند ربه عز وجل ، قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] ، ودين الإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة يعني الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والطاعة لله وحده لا شريك له ولا يكون ذلك الانقياد ولا تلك الطاعة إلا من طريق واحد هو طريق متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية عبادة الله وطاعته وإسلام الوجه له وحده ،  وهذا المعنى السابق لدين الإسلام يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،

[ 3 ]  الدين المعتبر عند الله - بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة - هو دين الإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله ، ولا يقبل الله تعالى من العباد بعد بعثته وإلى قيام الساعة دينا سواه ، والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم ،  هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [ النساء : 150 إلى 152 ] ، نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، والناس كما أخبر القرآن قسمان مؤمن وكافر ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ التغابن : 2 ] ، وأدنى الكفار هم أهل الكتاب ، لأنهم أهل كتاب ، وهم كفار لجحدهم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وهم كفار لزعمهم أن الله هو المسح ابن مريم ، قال تعالى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ } [المائدة : 72 ] ، وهم كفار لقولهم بأن الله تعالى ثالث ثلاثة ، قال تعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ } [المائدة : 73 ] ، وهم كفار لنسبتهم الولد إلى الله ، قال تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ التوبة : 30 ] ، وكفرهم لا تتحمله السموات ولا الأرض ولا الجبال ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *  تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } ،  والكفار والمشركون هم شر البرية ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 6 ] ،

[ 4 ]  أهم خصائص دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم  :  أنّه الدين الخاتم الذي ختمت به الرسالات جميعا والأديان جميعا ، قال تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [ الأحزاب : 40] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ))   وأنا خاتم النبيين  )) [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، وأنّه إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة ، قال تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }  [ الاعراف : 158 ] ، وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28 ] ، وأنّه الدين الناسخ لما سبقه من الأديان والمهيمن عليه جميعا ، قال تعالى : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } [ المائدة : 48 ، 49 ] ، وأنّه محفوظ بحفظ الله عز وجل له وإلى قيام الساعة ، وذلك بحفظ مصادره الأساسية - القرآن والسنة ، فالقرآن الكريم : حفظه الله جل وعلا من أي تبديل أو تحريف أو زيادة أو نقصان ، قال تعالى { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت : 42 ] ، والسنة النبوية الشريفة : حفظها المولى تبارك وتعالى وسخر لها الجهابذة الحفاظ من العلماء النابغين الناقدين الذين أفنوا أعمارهم في حفظها وتمييز الثابت منها ونفي المردود عنها ، ووضعوا لذلك قواعد وضوابط تضبط قبول روايتها ، وحفظ السنة من لوازم حفظ القران فهي المبنية لمعاينة والمفصلة لمجملة والمتممة لأحكامه ، واتصال السند للسنة الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم دونما انقطاع خصيصة في خصائص الحفظ الإلهي لهذه السنة الشريفة وإعجاز إلهي في حفظ دينه جل وعلا حيث لم تعرف الأمم غيرنا سندا متصلا لأقوال أنبيائها ورسلها وإنها كانت أقوال وأخبار يرويها الأحبار والرهبان بالمعنى يزيدون فيها وينقصون ويحرفون يشترون بذلك ثمنا قليلا ، قال تعالى { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ البقرة : 75 ] ، وأنّه الدين الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه قال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، ومن عبد الله عز وجل بغير شرع الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى وقد سمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم فعبادته مردودة عليه لا يقبلها الله عز وجل ، قال تعالى : { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا }، وقال صلى الله عليه وسلم : (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )) [ أخرجه مسلم ] ، وأنّه دين كامل تام شامل تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة ، قال تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل : 89 ] ،

[ 5 ]  المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : معتقدا لها ، مصدقا لها بلسانه ، ومنقادا لها بقلبه ، لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، وباب الإسلام الأوحد هو شهادة ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله )  ، والشهادتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى لأنه إذا كانت شهادة ( لا إله إلا الله ) تعني توحيد الله تعالى في إلهيته ، فإن شهادة ( محمد رسول الله ) تعني بيان طريق ذلك التوحيد ، ومعنى الشهادة : أي أقر وأعترف وأجزم وأرى وأُوقن دون شك أو تردد أنّه ( لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ) ،  ومعنى ( الإله ) : الرب المعبود المألوه الذي له التفرد في الذات والأسماء والصفات والأفعال ،  وليس هناك كلمة تنوب عن كلمة (  الإله ) في بيان كافة معانيها ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا كمال إلا لله ) ، وما ذاك إلا لأنّ ، قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، فتوحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد الصفات العلى ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ، ومعنى ( لا إله إلا الله ) : نفي وإثبات : أي نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله الواحد الأحد ، ونفي جميع صفات الإلهية والربوبية والعبودية عما سوى الله ، ونفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه : توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية ،  ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله  : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله ، وأنّه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، وأنه لا رب حقا لهذا الكون إلا الله ، وأنه لا معبود بحق إلا هو الإله الحق ، هو وحده المستحق لتوحيد الذات ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الربوبية بكافة مفرداتها ، وتوحيد العبودية بكافة مفرداتها ، فإذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، ليس له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، والله أكبر من كل تصور ، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، أو تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ومعنى شهادة : ( أنّ محمداً رسول الله ) : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه نؤمن بأنه رسول الله ، ونعتقد صدقه في كل ما أخبر به عن الله ، ونعتقد وجوب محبته وتعظيمه وتوقيره والصلاة والسلام عليه ، ونعتقد وجوب اتباعه وطاعته والانقياد لشرعه ، لأنه رسول الله المبلغ عن الله دينه وشرعه ، والشهادتان هما أصل كل شيء للمسلم فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بها فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،

[ 6 ]  مراتب دين الإسلام : مراتب الدين ثلاث مرتبة الظالم لنفسه ، وهي مرتبة ( الإسلام ) ، ومرتبة المقتصد ، وهي مرتبة ( الإيمان ) ومرتبة السابق بالخيرات ، وهي مرتبة ( الإحسان ) : قال تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، ومن الآية نعلم : أن عباد الله الذين اصطفاهم الله تعالى واختارهم لدين الإسلام ثلاث مراتب تبدأ من الأدنى إلى الأعلى ، فالمرتبة الأولى ( الأدنى ) هي مرتبة الظالم لنفسه ، أي المقصر في بعض حقوق الله تعالى عليه ، والمرتبة الثانية هي مرتبة المقتصد وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات لا يزيد ولا ينقص ، والمرتبة الثالثة ( المرتبة الأعلى ) هي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله ، وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات ويزبد على ذلك بالتقرب إلى الله تعالى بالمندوبات والمستحبات ، وجميعهم ( أي أصحاب المراتب الثلاث ) داخل بحمد الله تعالى في الاصطفاء والاختيار لدين الله ، وأخرج مسلم في صحيحه عن الفاروق عمر رضي الله عنه  قال : (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر السفر و لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه و وضع كفّيه على فخذيه ، و قال : يا محمّد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله و أ نّ محمّدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا . قال صدقت . فعجبنا له يسأله ويصدقه ! ، قال : فأخبرني عن الإيمان ،قال : أن تؤمن بالله و ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و تؤمن بالقدر خيره و شرّه . قال : صدقت ، قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال : فأخبرني عن أماراتها . قال : أن تلد الأمة ربّتها و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان . ثم انطلق فلبثت مليا ، ثم قال : يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت الله و رسوله أعلم ، قال : إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم )) [ أخرجه مسلم ] ،   ونزول جبريل عليه السلام في هيئة رجل يراه الصحابة رضي الله عنهم ويجلس أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان بقصد تعليم المسلمين أمر دينهم ليس بالأمر الهين ، بل هو أمر عظيم يدل على أهمية ومنزلة هذه الأسئلة من دين الله عز وجل فقد اشتمل على بيان أصول الدين وقواعده ومراتبه , ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث :  ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) , فجعل ما في هذا الحديث بمنزلة الدين كله  ، والمستفاد من الحديث : أن مسمى مراتب الدين الثلاثة هي : الإسلام والإيمان والإحسان ، وأن هذه المراتب عظيمة جدًا تحيط بكافة جوانب الدين وعراه ، ويعلم من ذلك الحديث العظيم : أهمية معرفة المسلمين لتلك المراتب وأركانها وحدودها ، فعلى تلك المراتب وأركانها وحدودها يبنى الفهم الصحيح والعلم الراسخ لدين الإسلام ، ولولا أهمية العلم بتلك المراتب وأركانها وحدودها ومنزلتها من دين الله تعالى لما أرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصدقه ، والصحابة رضي الله عنهم يسمعون باهتمام ، وبعدما انصرف جبريل عليه السلام ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. ، فجعل صلى الله عليه وسلم تعليم الدين هو بمثابة معرفة تلك المراتب ومعرفة أركانها وحدودها ، وبين هذه المراتب ارتباط وثيق ، فدائرة الإسلام أوسع هذه الدوائر ، تليها دائرة الإيمان فالإحسان ، وبالتالي فإن كل محسن مؤمن ، وكل مؤمن مسلم ، والمسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين هذه المراتب الثلاث ، ( أ ) : [ صاحب مرتبة الإسلام ] : وهو الواقف على أركان الإسلام ولكنه يفرط في أداء بقية الفرائض والواجبات ويقع في الكبائر والمحرمات فهذا هو الظالم لنفسه ، ولكنه مسلم في دائرة الإسلام ،   وأركان المرتبة الأولى ( مرتبة الإسلام ) هي أركان الدين الخمسة الظاهرة الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، مَن أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلمًا حقاً ، مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حُكماً، فإذا دخل في الإسلام بذلك، أُلزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين ، خرج من الإسلام ، وهذه المرتبة إذا اقتصر المسلم عليها لا يتعداها ، صار ظالما لنفسه لأن في الدين واجبات أخرى ينبغي أن تؤدى سوى الأركان الخمس ، ( ب ) : [ صاحب مرتبة الإيمان ] : وهو المؤدي لما عليه من الأركان والفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها فهذا هو المقتصد ، وأركان المرتبة الثانية ( مرتبة الإيمان) هي ستة أركان : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقدر خيره وشره من الله تعالى وكل ركن منها يلزمه تصديق بالقلب وقول اللسان وعمل بالجوارح ، وذلك لأن الإيمان قول وعمل ، وعقيدة في القلب تصدقها الجوارح ، وهذه المرتبة هي ( مرتبة المقتصد) ، الذي يؤدي حق المرتبة السابقة ( أركان مرتبة الإسلام )  ثم يؤدي ما افترضه الله تعالى عليه من واجبات وينتهي عن الكبائر والمحرمات ، ( ت ) : [ صاحب مرتبة الإحسان ] : هو المؤدي لكل ما يقوم به المقتصد صاحب مرتبة الإيمان ولكنه يزيد على ذلك بالمسابقة بما ينال رضا الله عز وجل من الأعمال والأقوال والنوافل والمندوبات وبالتنزه عن المكروهات وبالتورع عن بعص الحلال خوفا من الوقوع في الشبهات ، وبالسير في طريق إحسان العمل وإخلاصه التام لله رب العالمين، وهذا هو السابق بالخيرات بإذن الله ،  وهذه المرتبة الثالثة العالية هي أعلى مراتب الدين وأشرفها ، فقد اختص الله أهلها بالعناية ، وأيدهم بالنصر ، قال عز وجل : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل : 128 ] ، وهي درجات عظيمة وأحوال مهيبة ومقامات عديدة ومنازل عالية ، أولها : المراقبة (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، وأعلاها : اليقين والشهادة ((  فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، ( ث ) : المسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين هذه المراتب الثلاث ، لكن ينبغي التنبه إلى أمور : ( الأمر الأول )  : خطورة التقصير في حق المرتبة الأولى ( مرتبة الإسلام الظاهر) وذلك بالتقصير في ركن من أركانها لأنه بتلك الأركان يوزن إسلام المرء فهي العلامات الظاهرة التي تشير إلى إسلام الفرد وإسلام المجتمعات ، وبها يقاس قرب العبد وبعده عن دين الإسلام ، فالحذر كل الحذر من التهاون في تحقيق أركان تلك المرتبة التي هي أدنى المراتب وإلا لكان المقصر فيها والمتهاون في تحقيقها على شفا حفرة من الخطر الجسيم ، ( الأمر الثاني )  : خطورة أن يدعي المسلم مرتبة ليست له أو لم يستوف أركانها وحدودها وإذا كان الله عز وجل قد نهانا أن نزكي أنفسنا بما هو فينا لمجرد التزكية فإن النهي أشد وأعظم عندما نزكي أنفسنا بما لا نستحقه ، قال تعالى { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، فقد ذم الله عز وجل أولئك الذين ادعوا مرتبة الإيمان ولم يقوموا بحقوقها ، والصحابة رضي الله عنهم مع أنهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين ومع أنهم أئمة المحسنين والمقربين والسابقين بالخيرات بإذن الله إلا أنهم كانوا يتحرجون من ادعاء الإيمان مخافة تزكية النفس ، فكان أكثرهم يقول إني مسلم أو إني مؤمن إن شاء الله وذلك لا شكا في الإيمان حاش لله فهم أرسخ الناس إيمانا وأعمقهم يقينا في الله ولكنه تواضعا لله وخوفا من عاقبة الأمور كما وصفهم الله تعالى بقوله : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } ، فالأمور والأعمال  بخواتيمها والله عز وجل أعلم بالعواقب ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون نسأل الله حسن الخاتمة ،  ولذلك :  يجب على المسلم أن يقول إني مسلم معتزا بإسلامه لله وحده ، والأفضل له عند ذكر الإيمان أن يقول إني مؤمن إن شاء الله لأنه قد لا يكون استكمل واجبات وحدود مرتبة الإيمان فيكون كمن ادعى ما ليس له ، وإن استكمل حدود المرتبة فهو لا يدري الخاتمة والأعمال بخواتيمها  ، ( الأمر الثالث ) : لا يحق لمسلم أن يقول إني محسن يقصد بذلك بلوغه الإحسان لان ذلك لا شك تزكية للنفس والله عز وجل ينهى عن ذلك قال تعالى : {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }  ولأن مرتبة الإحسان مرتبة عظيمة لا يصل إليها إلا القليل ، إلا أنه ينبغي للمسلم أن يجتهد دائما في المسارعة بالخيرات حتى يكون من عباد الله السائرين على هدى المحسنين المقربين السابقين بالخيرات بإذن الله ذلك الفضل الكبير،  نسأل الله تعالى من فضله الكبير ،

[ 7 ]  نواقض دين الإسلام : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وهذه النواقض تكاد تجتمع في أربعة نواقض رئيسية هي : الشرك الأكبر : وهو اعتقاد وجود آلهة مع الله تُصرف لها مفردات الربوبية والعبودية أو أي منها ، والكفر الأكبر : بإنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، والنفاق الاعتقادي : بإظهار الإسلام وإبطان الكفر ، والردة بعد الإسلام : وذلك يكون بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم ، أو الطعن في رسالته صلى الله عليه وسلم ، أو في شيء منها ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ، ومن أتى بناقض فعليه أن يأتي بالشهادة مع التوبة مما كان سببا في الحكم عليه بالردة ، مع العلم بأن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، والمسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، ولا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، ولا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه ، لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من اهل الإسلام ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ، ويجب ترجيـح جانب حسـن الظـن بكل مسلم ، وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ، وترك ألف كافر بشبهة أهون من تكفير مسلم واحد بمجرد شبهه لا تبلغ حد اليقين ،

[ 8 ]  قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بدين الإسلام  : ( القاعدة الأولى ) : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر لما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) [ أخرجه مسلم ] ، صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال ( لا إله إلا الله ) إلاّ تقية وهرباً من القتل ، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : (( بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم  ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً  ، قال ، فقال : (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم ))  [ صحيح مسلم ] ، وأخرج مسلم عن جندب بن عبدالله البجلي رضي الله عنه القصة وفيها : (( قال : يا رسول الله أوجع في المسلمين. وقتل فلاناً وفلاناً ، وسمّى له نفراً ، وإني حملت عليه ، فلمّا رأى السيف قال : لا إله إلاّ الله ، قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم  : أقتلته ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ، قال : يا رسول الله ! استغفر لي ، قال : وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟  قال : فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله )) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،  ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين ، أنه يفعل ما يشاء ،  فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها ، مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ، و ( القاعدة الثانية ) : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ،  لما جاء في حديث الشفاعة ، وفيه : (( ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ متفق عليه ]  ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان )) [ أخرجه البخاري] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة ))[ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة )) فقال أبو ذر رضي الله عنه : وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سـرق ، ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) [ أخرجه مسلم ] ، و ( القاعدة الثالثة ) : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، و ( القاعدة الرابعة ) : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره ، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية ، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء ، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة : ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي   صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل ] ، ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ، و ( القاعدة الخامسة ) : هناك أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، منها العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه ، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول ، لقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] ، وقوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] ، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل ، إذ لم يسمع بالدليل ، والدليل على عذره  : قوله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] ، والمعنى : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان ، وقوله تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[ النساء : 115 ] ، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416 ] ، والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه ,  والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة  ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة ، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ، وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] ، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، وأخرج مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : بعثنا رسول الله إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ـ كان قد أثخن على المسلمين ـ قال فلمّا غشيناه قال لا إله إلاّ الله قـال : فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي فقتلته ، قال فلمّا قدمنا بلغ ذلك النبي   صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) قلت يا رسول إنما كان متعوذاً ، قـال :  (( أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله ؟ )) فمازال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم .)) ، [ أخرجه مسلم ] ، وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وسلم  أسامه رضي الله عنه بتأويله ، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة  ، والحديث أخرجه البخاري ، وذلك أنّ حاطب رضي الله عنه تأول أنّ خوفه من الكفار على أهله وماله يرخص له في موالاة الكافرين ، وعذره الرسول  صلى الله عليه وسلم لخطئه في التأويل فلم يقم عليه حد الردة ، والعذر بالإكراه نص عليه القرآن الكريم ، قال تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] ، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك ، و ( القاعدة السادسة ) : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير ، قال تعالى  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون ، وتقوم عليهم الحجة بذلك ، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[ المائدة : 93 ] ، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : ( الضابط الأول ) : الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] ، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، لقوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] ، وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، و ( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه ، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً ، عاقلاً ، عالماً بأن فعله مكفر ، متعمداً قاصداً لفعله ، مختاراً له بإرادته ، والقسم الثاني : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، و القسم ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع ، و ( الضابط الثالث ) : فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره ، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم ، و ( القاعدة السابعة ) : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ،  لا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير ، وانتفاء موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة ، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   أن نحكم عليها بأنها في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبا الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[  9 ]  العلوم الشرعية المتعلقة بدين الإسلام : هي تلك العلوم التي تتناول دين الإسلام ، ومعرفة ما يجب على المسلم المكلف من أمر دينه في عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه ، ويطلق لفظ العَالِم الشرعي على كل متخصص في علوم الدين كالمتخصص في العقيدة أو الفقه أو التزكية أو التفسير أو الحديث أو السيرة أو الدعوة ، والعلماء الشرعيون هم ورثة الانبياء ، لقوله صلى الله عليه وسلم :  (( إن العُلَماء ورَثةُ الأنبياَء، إن الأنبياَء لم يورثُوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورثُوا العِلمَ فمَن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ )) [ أخرجه أبو داود ، والترمذي وصححه الألباني ] ،  وجاء في فضل العِلم والثّناء على أهله في الكثير من آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم  ، منها قوله تعالى : :{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [ الزمر : 11 ]  ، وقوله تعالى : {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}  [ المجادلة : 11] ، ولم يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم ، فقال تعالى :{ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } [ طه : 114 ] ، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على فضل العلم وأهله ، قوله صلى الله عليه وسلم  : (( فَضلُ العَالِم على العَابِد كفضلِي على أدناكُم  ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم  : إن اللَّه وملائكتهُ وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جُحرها وحتى الحوت لَيصلُون على مُعَلِمي النّاس الخير )) [ أخرجه الترمذي ، وصححه الألباني ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ )) [ متفق عليه ] ،

[  10 ]  وجوب احترام التخصص العلمي في العلوم الشرعية : العلوم الإسلامية ما أوسعها وما أكثر تخصصاتها ، ولهذا نجد أنّه على مر عصور الإسلام ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، ظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه : الاتقان في علوم القرآن ، وظهر المتخصصون في علم الحديث ، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل ، وعلم شرح الحديث وبيان معناه ، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح ، وظهر المتخصصون في الفقه ، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وهذه المذاهب الأربعة بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام صارت بمثابة جامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة ، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق ، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، وبعد ظهور الأئمة الثلاث صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه ، ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، ثم عندما اتسعت الفتوحات وبدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، وقد عُرف المتخصصون في هذا الجانب ( بالصوفية ) ، وأصبح علم التصوف هو المتكفل ببيان تزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ، فهذا اختصار موجز لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما ، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ،  وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ،  وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، ويجب الرجوع إلى المتخصصين في أبواب العلم الشرعي ، ولا يجوز الإفتاء بغير علم ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ الحجرات : 1 ] ،  وقال سبحانه : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، وقال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 33 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 168 ، 169 ] ،

[  11  ] التصور المحيط لأقسام العلوم الشرعية :  لاشك أن العلوم التي حواها شرع الإسلام كثيرة جداً ، ومتنوعة تنوعاً عظيماً ، وهذا يجعلنا نحرص على أن نضع تصوراً جامعاً شاملاً لتلك العلوم الإسلامية ذات الصلة بالدين من قريب أو بعيد ، يسهم في تصور محيط لتلك العلوم ،  وأول تلك العلوم : العلوم الأصلية : وهي الكتاب والسنّة ومسائل الإجماع ، وثانيها : العلوم المتعلقة بأسماء وأحكام الدين وتشمل : علم الإيمان والكفر ، وعلم التوحيد والشرك ، وعلم التقديس والتنزيه ، وعلم الإتباع والابتداع ، وعلم الانتساب إلى الفرقة الناجية ، وثالثها : العلوم المستنبطة من الدين ، وتشمل علم العقيدة ( أصول الدين ) ، وعلم الفقه وأصوله ، وعلم التزكية والأخلاق ، ورابعها : علوم الوسائل اللازمة لفهم القرآن والسنّة فهما صحيحا لا خلل ولا قصور فيه ، وهي أربعة علوم ، الأول : علوم القرآن لفهم القرآن ، والثاني : علوم الحديث لبيان درجة ثبوت الحديث ، وفهم الحديث ، والثالث : علوم اللغة العربية  لفهم القرآن والسنّة ، وعلوم اللغة العربية عديدة منها النحو والصرف والبلاغة واللغة والمعاني والأدب ، وهي ضرورية لفهم معاني الكتاب والسنّة ، والرابع : علوم الأصول ، وهما علمان  : علم المنطق الإسلامي الصحيح : لمعرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، وعلم أصول الفقه : لمعرفة أدلة الأحكام وقوتها ومدى حجيتها ، ومعرفة طرق الاستنباط من الأدلة ، وخامسها : العلوم المتعلقة بأعمال الدين : وتشمل علوم الدعوة وعلوم الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلوم الجهاد في سبيل الله تعالى ، وعلوم السياسة الشرعية ، وعلوم العمل الجماعي من أجل نصرة الدين وتحقيق أهدافه ،  وسادسها : العلوم المتعلقة بأنظمة الدين الربانية المتكاملة التي فيها صلاح الفرد والمجتمع والدولة والعالم ، وتتناول أنظمة الدين السياسية والاقتصادية والإعلامية والتربوية والتعليمية والحسبية والأخلاقية والعسكرية ، تلك الأنظمة العادلة التي بها رضا الله تعالى وفلاح المجتمع ، وسابعها : العلوم المتممة والمكملة وتشمل علوم السيرة والغزوات ، وعلم التاريخ الإسلامي لاسيما حياة الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وأعلام العارفين والعلماء والدعاة والمحتسبين والمجاهدين والصالحين من أمة الإسلام ، إذن حاصل التقسيم المعاصر لعلوم الدين سبعة أقسام ، يُرجع في تفصيل  كل علم إلى أهله المتخصصين ،

[  12  ]  المصدر الأول من مصادر  العلم الشرعي  هو كتاب الله تعالى القرآن الكريم  :  وهو كلام الله تعالى المنزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باللفظ العربي المعجز ، والمنقول إلينا متوترا بلا أدنى شبهة ، والمحفوظ في المصاحف ، والمتعبد بتلاوته ، والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس ،  والقرآن الكريم معجزة ربانية لا تضاهيها معجزة ، والدليل على ذلك أن للمعجزة ثلاثة شروط هي: التحدي ووجود المقتضي وانتفاء المانع ، و ( التحـدي ) : وقد تحقق التحدي ، في آيات عديدة من آيات القرآن الكريم ، منها قوله تعالى:  { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }  [ البقرة : 23 ] ، وأي تحد أشد من هذا التحدي ، أمّا ( وجود المقتضى ) فيتمثل في أن يكون أمام الخصم دافع لمضاهاتها والإتيان بمثلها ، وهذا متأكد أيضاً  يدل عليه رغبة المشركين الأكيدة في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإظهار عجزه، لما جاء به من نقض لمبادئهم وعقائدهم الفاسدة ، والأمر الثالث ( انتفاء المانع ) ، وقد نزل القرآن بلغتهم ، وهم العرب الأقحاح مضرب المثل في البلاغة والفصاحة ،  فلما عجزوا عن مضاهاته ، دل ذلك على عجزهم ، وإذا كان القرآن الكريم معجزا للبشر كان معنى ذلك أنه من الله تعالى،  بالتالي كان هو الحجة الأساس ، والمصدر الأول من مصادر العلم الشرعي ، وقد أجمع أهل العلم من المسلمين على أن القرآن الكريم هو المصدر الأول والأساس من مصادر التشريع ، وأن أحكامه واجبة الاتباع ، ولكن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية ، تكون قطعية إذا كان اللفظ الوارد فيه يدل على معنى واحد ولا يحتمل غيره ، وتكون ظنية إذا كان لفظه يحتمل الدلالة على أكثر من معنى ، وطالب العلم الشرعي لا غنى له عن حفظ القرآن الكريم : القرآن الكريم أساس العلم الشرعي ، وطالب العلم الشرعي لا غنى له عن حفظ القرآن ، ومعرفة معانيه واستيعاب مقاصده ، ومن أفضل التفاسير المعينة على فهم القرآن : تفسير ( الجامع لأحكام القرآن ) لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي ( ت 671 هـ ) ، وهو من أجل التفاسير ، يتوسع في بيان الأحكام ، والثاني ( تفسير القرآن العظيم ) للحافظ ابن كثير ( ت 774 هـ ) ، وهو من كتب التفسير بالمأثور ، وهو قائم على تفسير ابن جرير الطبري ، وتفسير ابن أبي حاتم الرازي، وغيرهما ، ومن أكثر المطالعة فيهما فقد استمسك بزبدة التفسير ، وخلاصة العلم بالقرآن الكريم ، 

[  13  ]  المصدر الثاني من مصادر  العلم الشرعي هو سنّة النبي صلى الله عليه وسلم  :  لقد أحال القرآن الكريم إحالة عامة على السنة النبوية في أكثر تفصيلات العلم بقوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ، ومن ثم كانت السنة متممة الكتاب ، وشارحة لنصوصه ، ومفصلة لمجمله ،  و السنة الشريفة في الاصطلاح  : هي كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير  القرآن الكريم من قول أو فعل أو تقرير ، فالسنة القولية : هي كل ما نقل لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله الشريفة ، والسنة الفعلية: هي كل ما رواه الصحابة رضي الله عنهم عن أفعاله صلى الله عليه وسلم ، والسنة التقريرية : هي أن يقال قول أو يفعل فعل أمام النبي صلى الله عليه وسلم أو أمام غيره فيراه أو يسمع به ، فيقره بالقول أو السكوت عنه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مشرِع لا يجوز سكوته على خطأ ، ولذلك يعتبر سكوته عن هذا الفعل أو القول إقرارا بمشروعيته ، ومراتب السنة الشريفة من حيث ثبوتها : ذهب جمهور العلماء إلى أنها من حيث ثبوتها على مرتبتين : السنة المتواترة ، والسنة الأحادية ، وذهب الحنفية إلى أنها على ثلاث مراتب، هي: السنة المتواترة ، والسنة الأحادية ، والسنة المشهورة ، وهي مرتبة ثالثة وسط بين التواتر والآحاد ، و ( السنّة المتواترة ) : هي السنّة التي وردت إلينا مستوفية شروط التواتر ، رواها قوم عن قوم يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، والسنة المتواترة قليلة بشكل إجمالي، وهي في أفعاله أكثر منها في أقواله صلى الله عليه وسلم ، و ( السنّة الأحادية ) : هي ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد أو أكثر لم يبلغوا حد التواتر في كل القرون ، والقسم الثالث - وهو عند الحنفية - هو ( السنّة المشهورة ) : وهي: ما لم يبلغ حد التواتر ، وهو فوق الحديث الآحادي من حيث الثبوت ، أما الجمهور فإنهم يدخلونه في حديث الآحاد ،  ومراتب العلم المستفاد من السنة الشريفة : فقد قسّم جمهور العلماء السنة الصحيحة بحسب طرق ثبوتها إلى مرتبتين وهما : التواتر والآحاد، وقالوا : الحديث المتواتر يفيد القطع أي العلم اليقيني والعمل ، أما السنة الأحادية فإنها تفيد الظن والعمل ولا تبلغ اليقين لاسيما عند وجود المعارض ، لاحتمال أن تكون قد رويت بالمعنى وليس باللفظ ، ولاحتمال الوهم والسهو عند راويها ، وكل من له خبرة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك ، ولا عبرة بتشغيب أهل الحشو في كونها تفيد اليقين ، لاحتمال أن تكون قد رويت بالمعنى وليس باللفظ ، ولاحتمال الوهم والسهو عند راويها ، وذهب الحنفية إلى زيادة الحديث المشهور بين المتواتر والأحادي وقالوا إنه يفيد طمأنينة الظن وهي مرتبة فوق الظن ودون اليقين ، هذا من حيث الثبوت فقط ، أما من ناحية الدلالة فإنّ الحديث المتواتر قد يفيد الظن فقط دون اليقين إذا كان ظني الدلالة ،  بمعنى إذا كان لفظه يحتمل الدلالة على أكثر من معنى ،

[  14 ]  أهم دواوين السنّة المشرفة : إنّ أهم دواوين السنّة المشرفة وأولاها بالدراسة صحيح البخاري ثم صحيح مسلم ،  وأعظم ما كتب في شرحهما ، بل في شروح السنّة قاطبة ، فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر ، وشرح النووي على صحيح مسلم ، ثم كتب السنن الأربعة ، وهي سنن الترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن ابن ماجة ، ثم الموطأ للإمام مالك ، ومسند الإمام أحمد ، وهذا بيان موجز لها ، [ أولاً : ( صحيح البخاري ) ] : هو أصح كتب الحديث النبوي عند أهل السنة والجماعة ، جمعه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأسماه " الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه". هو أول مصنف في الحديث الصحيح المجرد ، جاء مبوباً على الموضوعات الفقهية ، وقد نقل النووي إجماع الأمة على صحة الكتاب هذا ووجوب العمل بأحاديثه ، وقد بلغت أحاديث البخاري بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي لأحاديث البخاري ( 7593) حديثـًا ، وفي البخاري أحاديث معلقة وجملتها ( 1341) ، وعدد أحاديث البخاري المتصلة من غير المكررات قرابة أربعة آلاف ، وقد تصدى لشرحه عدد كبير جدا من علماء المسلمين ، ولكن أشهر شروحه وأكثرها اعتمادا هو شرح الإمام ابن حجر العسقلاني فتح الباري ، [ ثانياً : ( صحيح مسلم ) ] : هو ثاني أهم كتب الحديث النبوي بعد صحيح البخاري عند أهل السنة والجماعة ، جمعه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ، وقد تصدى لشرحه عديدون ولكن أشهر شروحه وأكثرها اعتمادا هو شرح الإمام النووي  ، وعدد أحاديث صحيح مسلم بالمكرر وفق ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي (( 5770 )) حديثاً  ،  دون المتابعات والشواهد، وفد تتبّع عددها الشيخ مشهور فبلغت 1615 حديثاً فيكون عدد أحاديث الكتاب بالمكرر ومع الشواهد والمتابعات 7385 حديثاً ، بدون أحاديث المقدّمة وعددها 10 أحاديث ،  قد أوضح ابن الصلاح إن في  كتابه قريب من أربعة آلاف حديث هي أصول الكتاب دون المكررات ، [ ثالثاً : ( سنن الترمذي ) ] : هو أحد كتب الحديث الستة قام بجمعه الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَةَ الترمذي ( ت 279 هـ  ) ، وسماه " الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وقال عن كتابه هذا : ( من كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبي يتكلم )  ،  قسم الحديث إلى ثلاثة أنواع : صحيح ، وضعيف ، وحسن ، وهو أول من شهر الحديث الحسن ، ولا يكتفي الترمذي بإيراد الأحاديث، بل يتكلم على درجتها من حيث الصحة أو الضعف، وكتابه هو أولى الكتب الحديثية بعد الصحيحين بعناية طالب العلم ،  وقد قسمه الشيخ الألباني إلى صحيح الترمذي وضعيف الترمذي وفق اجتهاده في تصحيح وتضعيف الحديث ، [  رابعاً : ( سنن أبي داود ) ] : جمع فيه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ( ت 275 ) جملة من الأحاديث بلغت ( 5274 ) حديثـاً ، وكتابه السنن صنفه وانتقاه من خمسمائة ألف حديث ، وقد وجه أبو داود همه في هذا الكتاب إلى جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء، ودارت بينهم، وبنى عليها علماء الأمصار الأحكام ، وكتاب السنن لأبي داود يوازي كتاب السنن للترمذي ، وهو أيسر في دراسته وذلك لأنه اقْتَصَرَ علَى أحاديثِ الأحكام ولم يُكْثِر فيه مِن ذِكْرِ الخلافَات المذْهَبِيَّةِ كما صَنعَ الترمذي ، وقد قام الألباني بتحقيق أحاديث سنن أبي داوود ، فقسم الكتاب إلى كتابين : صحيح سنن أبي داوود ، ووضع فيه الأحاديث الصحيحة ، وضعيف سنن أبي داوود ،  ووضع فيه الأحاديث الضعيفة وفقا لاجتهاده ،  [ خامساً : ( سنن النسائي ) ] : المعروف باسم " السنن الصغرى "  أو " المجتبى من السنن الكبرى " ، وهو أحد كتب الحديث الستة قام بجمعه الإمام أحمد بن شعيب النسائي ( ت 303 هـ ) ، صنَّف النسائي في البداية "سننه الكبرى" ، ثم استخلص منه "السنن الصغرى" وهو أقل السنن حديثاً ضعيفاً وعدد أحاديثه: (  5761 ) حديثاً ، اقتصر في سننه على أحاديث الأحكام ، وتكلم على الأحاديث وعللها، وبين ما فيها من الزيادات والاختلاف ، [ سادساً : ( سنن ابن ماجه ) ] : هو أدنى كتب الحديث الستة ، جمع فيه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه ( ت 273 هـ )  ما يزيد على أربعة آلاف حديث  وقد رتب الأحاديث على الكتب والأبواب ، وسنن ابن ماجه فيه من الأحاديث الصحيح ، والحسن ، والضعيف ، ولهذا يُعتبَر هذا الكتاب أدنى الكتب الستة في الرتبة ، وقد قسمه الشيخ الألباني إلى صحيح ابن ماجة وضعيف ابن ماجة وفق اجتهاده ، [ سابعاً : ( موطأ الإمام مالك ) ] : وهو أجلّ كتب الحديث المتقدمة عليه وأعظمها نفعاً بلا شك ، فيه الأحاديث الصحيحة المسندة ، وفيه البلاغات والمنقطعات والمراسيل، وهذه البلاغات وصلها ابن عبد البر في التمهيد سوى أربعة أحاديث ،  قال الإمام مالك نفسه عن كتابه هذا: "عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة ، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ ) أهـ [ تنوير الحوالك ، ص 9 ] ، وقال الإمام الشافعي:  ( ما كتاب بعد كتاب الله أنفع من كتاب مالك بن أنس ) أهـ [  حلية الأولياء، لأبي نعيم، ج9، ص63 ] ، وهذا القول قبل ظهور صحيح البخاري  ، فلما ظهر صحيح الإمام البخاري قدمه المسلمون على الموطأ في الصحة وذلك لأن الإمام البخاري جرد صلب الكتاب من البلاغات والمراسيل وإنما ذكرها في تراجم الأبواب على سبيل الاستشهاد بها لا أكثر ، والمعول في كتابه على أحاديث الصلب لا التراجم ، ومع تقدم صحيحي البخاري ومسلم في الصحة , لم يفقد الموطأ تلك المكانة كمصدر من مصادر السنة المشهورة ذات المكانة المرموقة ، وقد ذهب إلى القول بأن كل ما في الموطأ صحيح جمع من الأئمة في المشرق والمغرب وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح وابن حجر في آخر باب الصحيح من أنواع علوم الحديث ،  [ ثامناً : ( مسند الإمام أحمد بن حنبل ) ]  من أشهر كتب الحديث وأوسعها ، يحتوي على ما يزيد على ( 26 ألف حديث نبوي ) ، وفيه الكثير من الأحاديث الصحيحة التي لا توجد في الصحيحين ، ومؤلفه هو الإمام أحمد بن حنبل ( ت 241 هـ ) إمام المذهب الحنبلي ، وقد وضع الإمام أحمد هذا الكتاب ليكون مرجعًا للمسلمين وإمامًا وجعله مرتبًا على أسماء الصحابة الذين يروون الأحاديث كما هي طريقة المسانيد ، وعدد الصحابة الذين لهم مسانيد في مسند الإمام أحمد ( 904 ) صحابي ، وقد كان الإمام أحمد يحفظ ألف ألف حديث عن ظهر قلب ، وقد انتقى المسند من هذا العدد الهائل من محفوظه ، ولم يدخل فيه إلاَّ ما يحتج به ، وقد ألف الحافظ ابن حجر كتابًا سماه " القول المسدد في الذب عن المسند " حقق فيه نفي الوضع عن أحاديث المسند وظهر من بحثه أن غالبها جياد وأنه لا يتأتى القطع بالوضع في شيء منها بل ولا الحكم بكون واحد منها موضوعًا إلا الفرد النادر مع الاحتمال القوي في دفع ذلك ، وقال السيوطي في خطبة كتابه الجامع الكبير ما لفظه : ( وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول ، فإن الضعيف فيه يقرب من الحسن ) أهـ  ، [ تاسعاً : موسوعة السنّة وسائر علوم الإسلام فتح الباري شرح صحيح البخاري ] ألفه الحافظ ابن حجر العسقلاني وهو من أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها في شرح صحيح البخاري ، لا يستغني عنه طالب علم ، ولا فقيه ، ولا محدث ، ولا مفتٍ ، ولا مجتهد، وأهم ما يميز فتح الباري شرح صحيح البخاري أنّه يجمع في كل باب بالإضافة إلى ما رواه البخاري أهم الأحاديث المتعلقة بالباب التي وردت في دواوين السنة الأخرى من بقية الكتب الستة والمسانيد وغيرها، كما يجمع فيه شروح العلماء قبله على صحيح البخاري ، وينقل عن شراح كتب السنة الأخرى كشرح النووي على صحيح مسلم وشرح الخطابي لسنن أبي داود وكلام البغوي في شرح السنة وغيرهم ، وهو يُعَّد بحق أحد أعظم دواوين الإسلام المعتبرة ، وأحد أعظم مصادره العلمية المهمة ، [ عاشراً : ثاني أهم شروح كتب السنّة : شرح النووي على صحيح مسلم ] : واسمه المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج ،  ومؤلفه هو العالم الرباني يحيى بن شرف النووي ( ت 676 هـ ) ، صاحب التصانيف الكثيرة النافعة في الفقه والحديث ،  وشرحه على صحيح مسلم هو أهم الشروح وأنفعها على صحيح مسلم بن الحجاج ،

[  15 ]  العلوم المتعلقة بأسماء وأحكام الدين والملة ، وتشمل : علم التقديس والتنزيه  ، وعلم الإيمان والكفر ،  وعلم التوحيد والشرك ،  وعلم الإتباع والابتداع ، وعلم الانتساب إلى أصول الفرقة الناجية ( أهل السنّة والجماعة ) بعيدا عن الفرق الضالة المستحقة الوعيد بالنار ، [ ( أولاً ) ( علم التقديس ) ]  :  وهو ما يسميه البعض ( علم توحيد الذات ) وهو العلم الضروري الذي يمثل حلقة الوصل المفقودة في علم العقيدة التي من خلالها يمكن الوصول إلى ذروة الفقه لعقائد الإسلام العظيمة الصافية ، والتي يمكن من خلالها تحقيق التقارب الشرعي الصحيح بين مختلف طوائف المسلمين ، وهذا العلم هو أشرف علوم الإسلام وأعلاها : ويشتمل هذا العلم على معرفة : قواعد التنزيه : التي ساهم في إظهارها أهل الأصول المتخصصون من علماء أهل السنة ، هذه القواعد التي نتعلم من خلالها المستحيل في حق الله تعالى فيكون المرء على بينه من دينه وعلى فقه فيه وهو يتكلم في باب جناب الذات لقد انقسمت الأمة بسبب الجهل بقواعد التقديس إلى : ( حشوية ) خاضت في تكييف الذات وتفسير الصفات والأخبار خوضا زائغا ، وإلى ( معتزلة ) خاضت في نفي الأخبار الصحيحة الثابتة نفياً زائغا  ، وبقيت طائفة أهل السنّة والجماعة تعض على معتقدها بالنواجذ تتمسك بالتوازن الرباني بين الإثبات والتنزيه في ظل قواعد للتقديس تمنع من التشبيه والتجسيم والحشو ،  [ ( ثانياً ) علم وفقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر ] :  هذا العلم هو أهم علوم الأسماء والأحكام : ويشتمل هذا العلم على معرفة : ( أ ) أصل الإيمان ومطلقه وحدّه الأدنى الذي يصح لحامله اسم الإيمان وحكمه والدخول به في عداد المؤمنين المخاطبين بالنداء القرآني الكريم : { يا أيها الذين آمنوا } ، وبيان الأحكام الشرعية المتعلقة بصاحب هذا الأصل من كون له اسم الإيمان وحكمه وأنه في مأمن من الكفر الأكبر ما كان محتفظاً بهذا الأصل لا ينقضه بناقض  ، وبيان أنّه إن مات على هذا الأصل فلا يخلد في النار خلوداً أبدياً خلود الجاحدين ، وبيان ضد هذا الأصل وناقضه : الكفر الأكبر المخرج من الملة والموجب لصاحبه الخلود في النار خلود الجاحدين ، ( ب ) بيان الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى على كافة المؤمنين ،  وتناوله لأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات . وبيان أهمية هذا الإيمان – الواجب – وكونه أدنى الإيمان الذي أثنى الله تعالى على أصحابه وبشرهم به الجنة ودخولها ابتداء ً. وبيان خطورة التفريط في هذا الإيمان الذي يمنع من دخول النار ابتداءً ودخول المقصر فيه تحت الوعيد بالعذاب والعقاب ، ( ت ) بيان الإيمان الكامل المستحب وبيان أنّ هذا الإيمان يتناول أداء المندوبات والمستحبات والكف والتنـزه عن المكروهات فضلاً عن أداء الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى من أداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات ، ( ث ) وفقه هذه المراتب وفقه حدودها من أعظم الفقه في دين الله تعالى ، وذلك لأنه الضابط لمسائل الإيمان والكفر أهم مسائل أسماء الملة وأحكامها ومن خلاله يُعلم من هو المؤمن الداخل في إطار الملة وتُعلم مرتبته ، ومن هو الكافر الخارج عن الملة والخالد في النار خلوداً أبدياً خلود الجاحدين المكذبين ، [ ( ثالثاً ) علم التوحيد الشامل وفقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك ]  :  يشمل هذا العلم على : ( أ ) بيان أهمية التوحيد وبيان أصله وفرعه ، وبيان أركانه وأقسامه وأنواعه وبيان الضابط الفقهي لكل نوع ، دونما إفراط يدخل في التوحيد ما ليس منه أو تفريط يخدش جناب التوحيد ويعرضه للخطر ، ( ب ) بيان توحيد الذات وما يحمله من معاني التقديس والتنزيه والتوحيد ونفي الشريك ، ونفي الند والكفء والشبيه والمثيل عن ذاته سبحانه ، (  ب  ) بيان توحيد الأسماء الحسنى وما يحمله من معاني الإيمان بالأسماء الحسنى وإفراد الله تعالى بها وعدم الإلحاد فيها ، (  ت  ) بيان توحيد الصفات وما يحمله من معاني التوحيد والتنزيه والتقديس والإيمان ، ( ث )  بيان توحيد الأفعال وما يحمله من معاني إفراد الله تعالى بالخلق والإيجاد والتصريف والتدبير ، ( ج )  بيان توحيد الربوبية وما يحمله من معاني إفراد الله تعالى بالخلق والإيجاد ، وإفراد الله تعالى بالرزق والإمداد ، وإفراد الله تعالى بالسيادة والحاكمية والتشريع ، وإفراد الله تعالى بالتصريف والتدبير ، ( ح ) بيان توحيد العبودية وما يحمله من معاني إفراد الله تعالى بالعبادة والطاعة والولاء ، ( خ ) بيان الأخطاء التي وقعت - بالإفراط أو التفريط - في باب توحيد الذات ، وتوحيد الأسماء ، وتوحيد الصفات ، وتوحيد الأفعال ، وتوحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، ( د ) بيان أنّ فقه هذه المسائل عن التوحيد والشرك وفقه حدودها من أعظم الفقه في دين الله تعالى لأنها تحقق وحدة الكلمة حول علم التوحيد ، وتعمل على تحقيق التوحيد وحماية جنابه ، إنّ فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة يجعلنا نفرق بين أصل العبادة الذي هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ولها ( للعبادة ) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر عند الفقهاء ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ، إنّ التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له ، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة ، فمن صرفها لله وحده فهو موحد ، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً ، والعبادة ( أي عبادة ) ، لها أصل وصورة ، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه ، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل ، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين ، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود ، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله ، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله ، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها ، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ،  لقد أخطأ أهل الغلو في باب التوحيد والشرك في تفسير العبادة ، ففسروها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع ، وذهلوا عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله  ، أو لمن يعتقده رباً له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله ، وكان من نتائج هذا الخلل أنّ جاءوا إلى آيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين ،  واتهموهم بالشرك الأكبر واستحلوا دماءهم وحرماتهم ، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريرهم للضابط الذي يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر ، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي ، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله ، وهذا لا يكون من مسلم أبدا ، [ ( رابعاً ) علم الإتباع وتجديد فقه مسائل وأحكام السنة والبدعة ] :  إن فقه مسائل الإتباع والإبتداع باب عظيم ومهم في حفظ الدين وحفظ حرمات المسلمين لأن التهاون في هذا الباب يؤدي إلى ضياع معالم الدين ولأن التنطع فيه يؤدي إلى إنتهاك حرمات المسلمين وتبديع من ليس بمبتدع ، وإذا كان الخوارج قديما قد سلوا سيف التكفير على أمة الإسلام فإن هناك طوائف عديدة ممن إبتلوا بهوس البدعة ولم يشموا رائحة الفقه في الدين وخلطوا بين أمور الإبتداع وأمور الخلاف في الإجتهادات الفقهية بسبب أصول ضيقة أصلوها بأفهامهم السقيمة ، حتى صار كل منهم يبدع الأخرين على أقل الخلاف وأيسره ، وفي المقابل أبتليت الأمة بطوائف عديدة من الجهلاء تساهلوا في أمر الإتباع والإبتداع حتى تقرب بعضهم إلى الله ببدع الضلالة والعياذ بالله ، ولهذا كان لزاما على الفقيه الحريص على أمة الأسلام أن يستخلص من أدلة الكتاب والسنة ومن جهود الفقهاء على مر العصور القواعد والضوابط التي تضبط مسائل الإتباع والإبتداع مراعيا الإعتدال والإنصاف بعيدا عن التنطع الممقوت والتساهل المفرط المرذول ، وأهم الثمرات المرجوة من دراسة هذا العلم : القضاء على فوضى التبديع والرمي بالبدعة بين طوائف أهل السنّة والجماعة ، فإن الغلو في مسائل التبديع قرين الغلو في مسائل التكفير ، وهو خطر عظيم على وحدة الأمة المسلمة ، وعلى دينها ، والمسرف في التبديع  كما المسرف في التكفير لن ينجو من حساب الله يوم القيامة ، وما أعظمه حساب لأنّه يتعلق بحق المسلم ، وقد يتعلق بحق طائفة من المسلمين ، وقد أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( لا يرمي رجل رجلاً بالفسـوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كـذلك )) [ أخرجه البخاري ] ، ( خامساً ) علم الانتساب إلى أصول الفرقة الناجية والبراءة من الفرق الضالة ] : يشمل هذا العلم على : ( أ ) بيان أنّ أهل السنة والجماعة هم أهل الحق وهم سواد أهل الإسلام الأعظم ، ( ب ) وبيان أهم مدارس أهل السنة في العقيدة والفقه والتزكية ، ( ت ) وبيان أهم طوائف أهل السنة والجماعة المعاصرة ، ( ج ) وبيان رؤوس الفرق الضالة عن منهاج أهل الحق وأصول الضلال عندها ، ( ح ) وسطية واعتدال أهل السنّة والجماعة في أصول الدين وفروعه بين الفرق الضالة ، ومن أهم ثمرات هذا العلم : جمع شتات المسلمين تحت راية واحدة ومنهاج صحيح واسع واحد ، هو منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية بغير افراط ولا تفريط ، وبيان إطار تلك الفرقة الناجية الصحيح الخالص الذي علية الخلص من أتباع السلف وإطارها الواسع الذي يحوى بداخله السواد الأعظم من أهل القبلة ممن لم ينتسب إلى فرقة ضالة أو إلى بدعه كلية مخرجه عن الإطار كله  ، وبيان أصول أهل السنة والجماعة العامة وقواعدهم الربانية التي تمثل الوسطية الصحيحة بين أهل الإسلام ، وإعادة ترتيب المكتبة العلمية لدى المسلمين ، وذلك ببيان أهمية مؤلفات مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة  ، وفي الفقه ، وفي التزكية ، والتي يُعد ما عداها حشو يضاد التخصص ويضر بالصرح العلمي الإسلامي الذي بناه الأئمة المتبعون المُقتدى بهم في علوم الدين ،

[  16 ]  العلوم المستنبطة من علوم الدين الأصلية ، وتشمل علم العقيدة ( أصول الدين ) وعلم الفقه ، وعلم التزكية والأخلاق : [ (  أولاً  ) علم العقيدة وأصول الدين ] :  إنّ الإصلاح والتجديد في علوم العقيدة يكون باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة ، وتوجيه طالب علم العقيدة إلى الطريق القويم نحو طلب علم العقيدة على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد ، وعلى أهله المتخصصين فيه ، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم العقيدة واحترفت تدريسها على أفضل الطرق التعليمية ، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب قد لا تؤدي إلى الرسوخ في علم العقيدة ، وفي الإحاطة بمباحثه ومسائله وقواعده وأحكامه ، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، و الثانية : ( المدرسة الأشعرية ) وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، و الثالثة : ( المدرسة الماتريدية ) وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي  حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ، [ ( ثانياً ) (  علم الفقه ) ] : يمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، إن مذاهب الفقهاء الأربعة هي المذاهب المتخصصة في علم الفقه الإسلامي ، والأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة جمعوا بحمد الله تعالى علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار ، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة ، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه ، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه ، ويملأ طباق الأرض علما وفقها ، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه ، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء ، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة ،  أضف إلى ذلك أن المتدبر لمسيرة تطور علوم الفقه وبناء المذاهب الفقهية ذلك البناء الشامخ ، يجد أنّ أقوال وآراء أكثر الأئمة المجتهدين على مر عصور الإسلام السابقة لعصر بناء المذاهب الفقهية الكبرى يجد أنّها جميعا قد دخلت في إطار أقوال المذاهب الأربعة ، نعم هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة : وهم كثيرون إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة ، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع ، وعلى ذلك : فأولى المجتهدين بالإتباع : من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب ، وصار له مذهب معروف ، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة ، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء ، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ، إنّ دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث ، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء ، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم ، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم ، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة ، بعدد كل ناعق مذهب ، وينفرط عقد الفقه ، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص ، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب ، ولا حسيب عليه ، لقد كان وراء الأئمة الأربعة ألف حسيب وحسيب ، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها ، واتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ليس واجبا شرعاً ، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن ، والمذاهب الأربعة متكافئة ، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة  فكلهم على خير ،  ولا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله ، والأدلة محتملة ، والأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ  بل يخطئون ويصيبون ، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم ، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم ، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة ، وكان اختلافهم رحمة ، وتجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل ، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام ، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ ، لأنه يضر بالميزة التي حبا الله تعالى بها الفقه ألا وهي ( السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان ) ، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا ، والذي نحتاجه في ميدان الفقه ، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة ، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان ،  [ (  ثالثاً ) : علم التزكية والأخلاق ] : عُرفت مدارس التزكية والإحسان بمدارس التصوف ، والتصوف يحمل في معانيه التزكية والتربية والأخلاق والسوك والإحسان ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، فقد عُرف المتخصصون في هذا الجانب باسم الصوفية منذ ما يزيد على ألف عام ، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وعلى ذلك ، وقد تعارف العلماء على ذلك منذ مئات السنين ، وجميعها مدارس علمية وسلوكية متخصصة ، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [ الْأَعلى : 14 ] ، وأيا كانت التسمية ، ( التزكية أو التصوف )  فإن المقصود هو ثلث الدين الأعلى ، ثلث ( الإحسان ) ، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، ومن أشهرها عند أهل السنة  الطريقة القادرية والطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية وغيرها من الطرق الفاضلة التي تدل على طريق الله تعالى ضمن إطار منهج الحق ، وبهذه المذاهب العقدية والفقهية والسلوكية المتخصصة يتضح الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة ، سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،

[  17  ]  علوم الوسائل لفهم الدين : وتشمل علوم القرآن ، وعلوم السنة ، وعلوم اللغة العربية  ، وعلوم أصول الفقه ، [ ( أولاً ) : علوم القرآن ] :  والمقصود بها علوم الوسائل التي تعين على تلاوة كتاب الله تعالى وفهمه فهماً صحيحاً ، ومن أهمها التجويد والتفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وقد أوصلها السيوطي إلى ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه الاتقان في علوم القرآن ، وأهم ذلك : ( 1 ) علم التجويد وآداب التلاوة : والمقصود من تعلم التجويد : أن يقرأ المسلم القرآن قراءة صحيحة كما كان يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما تلقاه عن جبريل عليه السلام عن الله تعالى ، وفائدة علم التجويد: صيانة كلام الله تعالى عن تطرّق التحريف والتغيير إليه ، والمقصود من تعلم آداب التلاوة بيان آداب قارئ القرآن وبيان آداب حملة القرآن  : وخير مؤلف في معرفتها كتاب ( التبيـان في آداب حملة القرآن ) للنووي ، ( 2 ) علوم القرآن عامة : ومن المؤلفات المعينة على معرفتها  : كتابان جامعان في علوم القرآن وهما ، كتاب ( الاتقـان في علـوم القــرآن) للحافظ السيوطي 911 هـ، وكتاب ( مناهــل العــرفان في علـوم القـرآن) للشيخ محمد عبدالعظيم الزرقاني ،  ( 3 ) علوم القرآن المتخصصة في أحد فروع علوم القرآن : مع أنّ هذه المسائل تذكرها كتب التفسير في مواضعها من سور القرآن، إلا أنّ هناك كتب أفردتها بالتأليف ،  ومنها : في علم أسباب النزول :  كتاب ( أسباب النزول) لأبي الحسن الواحدي النيسابوري ، وفي علم الناسخ والمنسوخ : الناسخ والمنسوخ لأبي بكر بن العربي ، وفي علم أحكام القرآن : كتاب البرهان في علوم القرآن ، للزركشي ، وكتاب أحكام القرآن لابن العربي ، وكتاب أحكام القرآن للسيوطي ، وكتاب أحكام القرآن للرازي الجصاص ، وكتاب روائع البيان تفسير آيات الأحكام لمحمد علي الصابوني ، ( 4 ) علم التفسير وأصوله : هو العلم الأساس من علوم القرآن اللازم لفهم القرآن ومعرفة معانيه والعمل بما يدعو إليه ، وقد برع علماء أهل السنّة والجماعة في تفسير القرآن ، وتركوا لنا تراثاً عظيما من تفسير القرآن سواءً أكان بالمأثور من التفسير أو بالاجتهاد والرأي ، وأعظم ما كتب في تفسير القرآن على طريقة التفسير بالمأثور تفسير الطبري ، والثاني تفسير ابن كثير ، وأعظم ما كتب في تفسير القرآن على طريقة التفسير بالرأي تفسير ( الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي ، [ ( ثانياً ) : علوم السنّة ] : وعلوم السنّة كثيرة جداً : أوصلها ابن الصلاح في ( مقدمته ) إلى خمسة وستين علماً من علوم الحديث ، وقال السيوطي في ( تدريب الراوي ) إنها يمكن أن تكثر كثيرا بالتفريعات ، ولكن أهم تلك العلوم ثلاثة : الأول : علم رواية الحديث وهو علم يختص بمعرفة متون الحديث من دواوين السنّة ، والثاني : علم الدراية بمصطلح الحديث بمعرفة درجة الحديث من حيث الصحة والضعف والقبول والرد ، والثالث : علم الدراية بإسناد الحديث من حيث معرفة الرواة ، ودرجة ضبطهم وحفظهم وصدقهم ، وهو ما يعرف بعلم الجرح والتعديل ، وعلم الحديث علم فريد اختص الله تعالى به أهل السنّة من المسلمين لحفظ سنّة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك كانت تسميتهم الموفقة : أهل السنّة والجماعة ، وما ذاك إلا لحرصهم على السنّة وحرصهم على الجماعة ،  وأهم دواوين أهل السنّة والجماعة في علم رواية الحديث :  وأهم ذلك : الكتب الستة : الصحيحان : صحيح البخاري وصحيح مسلم ، والسنن الأربعة : سنن الترمذي وسنن أبي داود ، وسنن النسائي ، وسنن ابن ماجه ، وموطأ الإمام مالك ، ومسند الإمام أحمد ابن حنبل ، وقد تقدم عند الحديث على العلوم الأصلية الإشارة إليها ،  وأهم دواوين أهل السنّة والجماعة في علم شرح الحديث : فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري ، لبدر الدين محمود بن أحمد العيني ، وإرشاد الساري شرح صحيح البخاري لأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني ، والمنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي وهو أهم شروح صحيح مسلم ، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي ، والمعلم بفوائد مسلم ، لمحمد بن علي بن عمر التميمي المازري ، وإكمال المعلم شرح صحيح مسلم  للقاضي عياض بن موسى بن عياض  ، وإكمال إكمال المعلم لفوائد كتاب مسلم  لمحمد بن خلفة بن عمر الآبي ، ومعالم السنن شرح سنن أبي داود لأبي سليمان حمد بن سليمان الخطابي ، وعارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي لأبي بكر ابن العربي ، وهو أعظم وأهم شروح سنن الترمذي ، وحاشية السندي على سنن النسائي ، وحاشية السندي على سن ابن ماجه ، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر ، [ ( ثالثاً ) : علوم اللغة العربية ] :  القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أفصح العرب ، وأفصح من نطق بلغة الضاد ، ولهذا كان الكتاب والسنّة هما مصدرا اللغة العربية الذي لا ينضب ، وطالب العلم الشرعي المسلم  مهما كانت لغته لا غنى له عن دراسة اللغة العربية لأنّها لغة القرآن والحديث ، وهي لغة دينه الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى من العباد جميعا دينا سواه ، واللغة العربية وسيلة لفهم النصوص الشرعية ، وتعلمها واجب على طالب العلوم الشرعية ، لأن الوسائل لها نفس أحكام المقاصد ، وعلوم العربية المشهورة كثيرة تشمل : النحو والصرف والعروض والقافية واللغة والقرض والإنشاء والخط والبيان والمعاني والمحاضرة والاشتقاق والآداب ، ولكن بعد إدخال بعضها في بعض ، أصبحت أهم علوم اللغة العربية ثلاثة علوم وهى : علم النحو  ، وعلم البلاغة ، وعلم الأدب ، الأول : علم النحو ويدخل فيه الصرف ، فالنحو يختص بأحوال الإعراب والبناء ، ينظر في إعراب الكلمة بما يؤدي إلى فهم الخطاب العربي بحسب إعرابه ، فيعرف الفاعل من المفعول، وغير ذلك مما يؤدي إهماله إلى قلب المعاني  ، والصرف ينظر في بنية الكلمة العربية وتصريفها ، والعلم الثاني : علم البلاغة : وينظر في بلاغة الكلام في إيصال المعاني ويشتمل على ثلاثة علوم هي : علم المعاني ، وعلم البيان ، وعلم البديع  ،  وعلم المعاني الذي ينظر في معنى الكلمة نفسها ، وعلم البيان الذي ينظر في معنى الكلام المركب من أكثر من كلمة ،  وعلم البديع ينظر في جهات تحسين الكلام ، أما العلم الثالث : هو علم الأدب ويتمثل في جمع الجيد من كلام العرب المنظوم ( الشعر ) والمنثور ( النثر ) والذي به تحصل ملكة الإجادة في أساليب العرب ومناحيهم في الحديث ، [ ( رابعاً ) علم أصول الفقه ] :  وهو العلــم بالقواعـد والأدلـة الإجماليـة التـي تستنبط منها الأحكـام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية ، والأدلة التفصيلية هي : أدلة الأحكام من نصوص الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وأول من تكلم في علم أصول الفقه الشافعي رحمه الله ، وأهم ما كتبه الشافعي في أصول الفقه كتابه : ( الرسالة) تكلم فيها في الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وحجية كل منها، وتكلم في الأوامر والنواهي والبيان والنسخ وخبر الآحاد وحكم قول الصحابي وغيرها من مسائل أصول الفقه ، وبعد الشافعي ظهرت طريقتان لتدوين هذا العلم : الأولى طريقة فقهاء الحنفية ، وهى تعتمد على تدوين أصول الفقه بالتبعية للفقه ،والثانية طريقة جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية والحنابلة ) ، وهى تعتمد على التدوين المستقل لأصول الفقه اعتماداً على الأدلة الشرعية والقواعد اللغوية والبراهين النظرية ،

[  18 ]  علوم العمل لدين الله تعالى : تتمثل في : علوم الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة ، وعلوم البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم الشرعي الراسخ ، وعلوم الحسبة على الدين بالأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر ، وعلوم الجهاد في سبيل الله من أجل نشر الدين وإظهار أمره وإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله ، والعمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ، [ ( أولاً ) : الدعوة إلى الله تعالى ] : هي اشرف رسالة وأعظم قربة إلى الله تعالى فهي عمل الأنبياء ومهمة المرسلين ، وهي أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولولا الدعوة إلى الله لما قام لله على الأرض دين ، ولا انتشر توحيد وإسلام ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغها  إلى الناس كاملة ، والدعـوة إلى الله فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها ، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين ، وذلك لقوله تعالى : { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران: 104] ، [ ( ثانيا ) : البناء على الدعوة ] : ويقصد به تربية المسلم على مبادئ الإسلام العقائدية والشرعية والأخلاقية ، وصبغه بمحتوى رسالة دين الإسلام حتى يتحقق فيه إسلام الوجه لله والمتابعة الحقة لرسول الله عز وجل صلى الله عليه وسلم ، والبناء على الدعوة هو المتمم لأثر الدعوة وهو يقوم على التربية الإسلامية الحقة والتزكية الإسلامية الخالصة والتعليم الشرعي الصحيح الراسخ ، وتكمن أهمية البناء على الدعوة : في انه السبيل إلى إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام (عقيدة وفقها وتزكية وعملا من أجل نصرته ) ، ولذلك فالبناء على الدعوة غاية في الأهمية والضرورة ، وقد كان هو غالب جهد النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى يأمره بالصبر عليه ، قال تعالى {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } ، [ ( ثالثا ) : الاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أوجب الواجبات وأعظم القربات وابرز صفات المؤمنين ، وفيه مصلحة الأمة ونجاتها وبه يحافظ على الدين نقيا ظاهرا بعقائده وأركانه وشرائعه وأخلاقه وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير حيث تضيع العقائد والأركان وتُهمل الشرائع وتنتهك المحرمات وتنتشر الفواحش والرذائل ، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على كافة الأمم ، والأمة التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستحق اللعن من الله تعالى ، [ ( رابعاً ) : الجهاد في سبيل الله تعالى ] :  والجهاد في سبيل الله تعالى أعلى الواجبات وذروة سنام الإسلام ، والجهاد في سبيل الله تعالى يكون بالنفس والمال واللسان ، والجهاد له مراتب عديدة : تبدأ جهاد النفس ، وجهاد الشيطان ، وتشمل جهاد الكفار، وجهاد المنافقين، وجهاد البغاة المعتدين ، وجهاد المبتدعة المارقين ، وجهاد الظالمين والعاصين ، أمرنا الله تعالى بجهادها جميعاً بقوله تعالى : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } [  الحج : 78 ] ، أما جهاد النفس فيكون على الإيمان والعمل الصالح ، وإتباع الحق ، والصبر على الطاعة ، وجهاد الشيطان على ما يلقي إليه من الشهوات والشبهات ، والمعاصي والذنوب ، وجهاد الكفار بالمال والنفس ، وجهاد المنافقين بالمال واللسان واليد ، وجهاد المبتدعة والظالمين والعاصين ، يكون بنشر العلم الصحيح والدعــوة إلى الله تعالى ، وبالأمر بالمعـروف، والنـهي عن المنـكر، فجميع ذلك أنواع من الجهاد ، وأكمل الخلق جهادا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كمّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده ،  [ ( خامساً ) : العمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ] ، قال الله تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد ، وقال الله تعالى : { وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[المائدة: 2] ، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة ، وما أحوج الدين إلى تعاون المسلمين على نصرته ، [ ( سادساً ) علم السيرة والغزوات ] : وهو ذلك العلم الذي يتناول الواقع العملي لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الدين ، وفي الحسبة عليه ، وفي الجهاد في سبيل الله تعالى من أجل نشره وحفظه وتحقيق رسالته العملية على أرض الله تعالى وبين عباده ، وهو كذلك العلم الذي يتناول حياته وشخصيته من جميع الجوانب الأخلاقية والتربوية والعبادية والقيادية والسياسية والدعوية والحسبية والجهادية والإعلامية وغيرها من جوانب حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أنّها تتناول صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وهديه ، ودلائل نبوته ، وخصائصه وحقوقه على الأمة الإسلامية وعلى سائر الأمم ،  والسيرة النبوية تعين على فهم  الأصلين ( الكتاب والسنّة ) ، وتعين على فهم كافة الجوانب المتعلقة بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتعين على فهم كافة جوانب الدين ، [ ( سابعاً ) : علم سير الصحابة خير الناس بعد الأنبياء ] : ولدراسة سيرة الصحابة أهمية كبيرة تتمثل في معرفة ما هم عليه من الفضل والعمل لدين الله تعالى ، وضرورة الاقتداء بهم ، لأن نهجهم رضي الله عنهم  واجب الاتباع ، كما تفيدنا في فهم الدين كما فهموه والعمل به كما عملوا وحمل أمانته كما حملوا ، والدعوة إليه والحسبة عليه والجهاد في سبيل الله من أجل رفع رايته ، كما تفيدنا في تهذيب الأخلاق والسلوكِ بالاقتداءِ بِهم , كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه  : ( من كان منكم متأسيًا فليتأسَّ بأصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبرَّ هذهِ الأمة قلوباً , و أعمقها علمًا , وأقلَّها تكلفًا , و أقومها هديًا , وأحسنها حالاً , اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم , وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ) [تفسير القرطبي 95/1 ] ،  ومن أهم المؤلفات في تاريخ الصحابة :  كتاب أسد الغابة لابن الأثير ( ت 630 هـ ) ، ،  وكتاب الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر أحمد بن علي العسقلانِي ( ت 852 هـ ) ،  ، وكتاب حياة الصحابة لمحمد يوسف الكاندهلوي ، [ ( ثامناً ) : علم سنن الله تعالى التي لا تتبدل ] : ومن أهم تلك السنن : سنن التغيير وسنن الفلاح والغلبة وسنن النصر والتمكين وسنة الابتلاء والتمحيص ، وتكمن أهمية تلك السنن: في أن التاريخ يتبدل والشعوب تتبدل والدول تتبدل ولا تدوم على حال ، إلا أن سنن الله عز وعلا في كونه وفي خلقه لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير ،  قال تعالى :{ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } [فاطر: 43] ،  ولذلك فمن أهم ما علوم العمل الإسلامي اللازمة اليوم هو دراسة تلك السنن حتى يتعامل معها المسلمون على بصيرة وعلى دراية وعلى علم تام بها ، والعارف لتلك السنن لا يعاندها لأنها غلابة لا تتحول ولا تتبدل فيكون عمله لدين الإسلام في تقدم مستمر وفي طريقه نحو تحقيق أهدافه ،  [ ( تاسعاً ) : علم التاريخ الإسلامي ] : تكمن دراسة التاريخ : في معرفة الحقائق والسنن الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير ، ولهذا دعا الله تعالى الناس إلى تدبره في العديد من آيات القرآن الكريم لأنّها سنن الله تعالى في الكون والتي لا تتحول ولا تتبدل ، منها قوله تعالى : { فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } [ فاطر : 43 ، 44 ] ، ودراسة التاريخ يفيد في معرفة وتتبع السنن والقوانين الربانية التي تحكم هذا الكون ، تلك السنن والقوانين التي أوجدها الله تعالى بحكمته ، وجعلها لا تجامل أحدا ، ولا تتبدل ولا تتغير لهوى أحد ، ولا تنحرف عن مسارها من أجل أحد ، وإلا فسد نظام الكون ، والذين يتقنون فقه هذه السنن وفقه الاستفادة منها وفقه تطبيقها هم الذين يستمرون في الحياة ويتفوقون في ميادينها ،  ودراسة التاريخ يفيد في الاتعاظ والاعتبار بأحداثه ، قال تعالى : {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ}[ يوسف : 111] ، وإذا كان التاريخ يعيد نفسه ويكرر أحداثه ، لأنّ أحداث التاريخ هي سنن الله الكونية القدرية الثابتة التي لا تتبدل ، فلذلك يتحتم علينا دراسة تاريخ أمة الإسلام  منذ نشأتها وظهورها في الأرض وانتشارها وسيطرتها على أكثر من نصف الكرة الأرضية ، وما هي العوامل التي أدت إلى قوتها وعزتها آنذاك ، وما هي العوامل التي أدت بعد ذلك إلى ضعفها وهوانها ، وهزيمتها ، فبدراسة التاريخ يمكننا أن نعرف أسباب النصر وأسباب الهزيمة في حياة المسلمين ، وذلك لأخذ العبرة والعظة، ودراسة عوامل النصر ومقوماته، ثم أسباب الهزيمة ونتائجها ، واستخراج الدروس والعبر من كل ذلك ،  [ ( عاشراً ) : علم فقه الواقع المعاصر ] : وهذا العلم يتكون من شقين ( فهم الواقع ) و ( كيفية إصلاح الواقع ) ، فالشق الأول : معرفة واقع الأمة الإسلامية المعاصر :  ويشمل المعرفة الدقيقة والفهم العميق للواقع الإسلامي المعاصر ، ومقارنته بغيره من واقع الأمم من حيث القوة والضعف ، ويتناول معرفة أعدائه الحقيقيين ، وما يكيدون له من مكائد وما يدبرون له من خطط ، ومعرفة أشد الناس له عداوة ، وأقربهم إليه مودة ، ومعرفة القوى الحقيقية المهيمنة على الوضع العالمي ، ومعرفة مخططاتها الخبيثة لحرب الإسلام والمسلمين ، ومعرفة ما عندها من إمكانات لتحقيق مخططاتها ، و ( الجانب الثاني ) : معرفة الطريق إلى تغيير الواقع الإسلامي من الاستضعاف إلى التمكين : ويتناول معرفة السبل المشروعة لحماية الأمة من أعدائها ، وإفشال مخططاتهم ، ومن ثم تفوقها عليهم والسير قدما نحو تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية العالمية على أرض الله تعالى وبين عباده ، لقد حدثت تطورات عالمية هامة وكبيرة في التاريخ الدولي الحديث غيرت مفاهيم القوي والحروب والصراعات ، وزادت الفجوة العسكرية بين أهل الكفر والشرك وبين المسلمين ، بما يستحيل معه دخول صراعات معها دون سابق إعداد هائل يكافئ موازين القوي والصراع ، وأي تغرير بالمسلمين اكبر من شد الامة الإسلامية نحو مواجهة غير متكافئة مع هؤلاء ، إنّ القوة هي الأساس الذي يحكم العلاقات بين الدول ، فإنّ القوي يفرض شروطه على الضعيف ، ولذلك وجدنا كل مقدرات وممتلكات الدول الإسلامية شبه مسروقة قسرا من أولئك إما بالتهديد المباشر أو بفرض شروط القوي على الضعيف ، أو بمجرد التلويح باستخدام القوة ، تعلم الغرب من الماضي ولم يتعلم المسلمون ، فإنهم لأجل الاحتفـاظ بالتفوق المادي والعسكري حرصوا على تفتييت الدول الإسلامية إلى دويلات ، ومنعوا المسلمين من امتلاك المعرفة العسكرية والقوة العسكرية والتقنية العسكرية حتى يظل المسلمون في ضعف وهوان وحاجة دائمة ذليلة للغرب ، إنّ هؤلاء  لا يزالون على مر العصور والأيام على مكرهم وكيدهم وعدائهم للإسلام وأهله ، قال تعالى : { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } ، ولهذا كان العلاج الرباني بقوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } [ الأنفال : 60 ] ،  فالإعداد أقصى استطاعة هو السبيل لتكافئ القوى ، وقد أوجب الله تعالى على أمة الإسلام الإعداد الدائم ، وبغير الإعداد تتفاوت الموازيين ، ويصعب مواجهة الاعداء ،  إن من أهم أسباب تخلف المسلمين في عصرها الحاضر هو الجهل بالواقع  ، وغفلتهم عن الحجم الرهيب من الكيد الذي  يكيده الأعداء ويخططون له ، والمسلمون - اليوم - لا بديل لهم عن فقه الواقع واستيعابه ، ودراسة مخططات الأعداء ضد الأمة ، ومن ثم بناء الخطط الملائمة للنهوض بذلك الواقع ،

[  19 ]  العلوم المتعلقة بأنظمة الدين : أنظمة الدين ربانية متكاملة تتناول كافة جوانب الحياة ، النظام السياسي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحرس الإسلام ويسوس الدنيا به ، والنظام الاجتماعي في الإسلام وهو نظام رباني يسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب الفضيلة ، ونِظامُ الحِسْبَة على المجتمع في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحرس الدين ويحفظه ، والنظام المالي الاقتصادي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحقق التكافل والعدالة ، والنظام التشريعي والجزائي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحقق العدل والأمن والأمان ، والنظام النظام التربوي والتعليمي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل ينشر الربانية والعلم النافع ، والنظام الجهادي افي الإسلام وهو نظام رباني متكامل له عقيدة جهادية ربانية واضحة ، والنظام الإعلامي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يبلغ رسالة الإسلام إلى الناس كافة ،

[  20  ]  الفهم الصحيح لجوانب الكمال والشمول والحسن في دين الإسلام  :  فمن جوانب الكمال في دين الإسلام : أنه إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة ، قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28] ، وأنه الدين الوحيد المقبول عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، وأنه كله من عند الله لا دخل للبشر في شيء من قواعده وأصوله ، قال تعالى : { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى  } [ النجم : 3 ، 4 ]  فإنّ كل ما فيه من عقائد وشرائع وقيم واخلاق مصدرها الخالص هو الله الحكيم العليم ، وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التلقي والحفظ { سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى } [ الأعلى : 6 ] ، ثم التبليغ والدعوة {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [ المائدة : 67 ] ،  ثم التفسير والبيان {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ النحل. : 44 ] ، ثم تولى الله تعالى حفظه على مر العصور ، قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] ،  ومن جوانب الشمول والتكامل في دين الإسلام أنه تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة ، على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة ، قال تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [ النحل : 89 ] ،  ففيه كافة الأنظمة التي يحتاج إليها الناس في مجالات الحياة الدنيا وأنشطتها بما يحقق العدل والأمن والفلاح ، قال تعالى : { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الملك : 14 ] ، ومن جوانب الحسن في دين الإسلام أنه دين اليسر والرحمة ورفع الحرج ، قال تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ  } [ البقرة : 185 ] وقال تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  } [ الحج : 78 ] ، وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] ، فهذه بعض جوانب ذلك الدين القيم بكل ما يحمله ذلك الوصف من معاني كريمة ومبادئ سامية وقيم عالية ، وأخلاق عظيمة ، قال تعالى : {  ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ الروم  : 30 ]  ،

[  خاتمة الحديث عن العلم الحادي عشر : علم الإحاطة بكافة جوانب الدين ] : إن كل ما سبق مما تيسر بيانه من لبنات علم الإحاطة بكافة جوانب الدين هو مما يحتاجه المسلمون في هذا الزمان ، وذلك للقضاء على جانب الخلل والقصور في فهم الدين ، والبلوغ بالمسلم إلى سنام الفهم الصحيح المحيط بكافة جوانب الدين الفكرية والعلمية والعملية ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

عدد الزيارات 5

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا