جديد الموقع

فقه المراد ب ( الوجه ) في آيات القرآن الكريم


الخميس, 08 آذار/مارس 2018 04:10 كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

فقه المراد ب ( الوجه ) في آيات القرآن الكريم : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذا مبحث وجيز عن فقه المراد ب ( الوجه ) في القرآن الكريم ، أقول وبالله التوفيق :

[ 1 ] تمهيد : يتناول مجاز الوجه في القرآن : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار وسبب ذلك أن أول ما يستقبلك من الإنسان وجهه فلذلك استعير لفظ الوجه للنهار للدلالة على أوله ، والعرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ، قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وقد اتفق المفسرون على أن المعنى المقصود من الآية هو  أن يؤدي الشهود الشهادة كما حملوها على حقيقتها من غير تغيير لها ولا تحريف ولا خيانة ،  قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، وقوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [ النساء  : 125] ، وقوله تعالى { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام  : 79] ، قلت : نفهم من الآيات الكريمات السابقات أن توجه الوجه إلى الله تعالى هو أول المأمور به ومعلوم أن توجه القلب إلى الله تعالى أعظم فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ولها توجه إلى الله ، وهذا يدلنا على أن التعبير بتوجه الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، قال الطبري : " وأما قوله من   أسلم وجهه لله   فإنه يعني بإسلام الوجه التذلل لطاعته والإذعان لأمره   وأصل الإسلام الاستسلام لأنه من استسلمت لأمره وهو الخضوع لأمره   وإنما سمي المسلم مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه   كما حدثني المثنى قال ثنا إسحاق قال ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع ( بلى من أسلم وجهه لله )  يقول : أخلص لله   وكما قال زيد بن عمرو بن نفيل وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا يعني بذلك استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته المزن وانقادت له .. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه ( بلى من أسلم وجهه لله )  إنما يعني بلى من أسلم لله بدنه فخضع له بالطاعة جسده وهو محسن في إسلامه له جسده فله أجره عند ربه   فاكتفى بذكر الوجه من ذكر جسده لدلالة الكلام على المعنى الذي أريد به بذكر الوجه " [ تفسير الطبري ج: 1 ص: 493] أهـ ، وقال ابن كثير : " أسلم وجهه لله   وهو محسن أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له كما قال تعالى فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن الآية وقال أبو العالية والربيع :بلى من   أسلم وجهه لله   يقول من أخلص لله وقال سعيد بن جبير بلى من أسلم أخلص وجهه قال دينه " [تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 155]أهـ ، وقال السيوطي " بلى من أسلم وجهه لله  يقول  أخلص لله  وأخرج ابن جرير عن مجاهد ( من أسلم وجهه لله )   قال  أخلص دينه " [ الدر المنثور ج: 1 ص: 263] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي " أسلم وجهه لله   أخلص له نفسه أو قصده " [تفسير البيضاوي ج: 1 ص: 384] أهـ ، وقال القرطبي : " أسلم وجهه لله   معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة " [تفسير البيضاوي ج: 1 ص: 384] أهـ ، وقال ابن الجوزي " قوله تعالى ومن أحسن دينا ممن   أسلم وجهه لله   قال ابن عباس خير الله بين الأديان بهذه الآية وأسلم بمعنى أخلص وفي الوجه قولان   أحدهما أنه الدين والثاني العمل "[زاد المسير ج: 2 ص: 211] أهـ ، وقال الثعالبي " أسلم وجهه لله   أي أخلص مقصده وتوجهه " [تفسير الثعالبي ج: 1 ص:417] أهـ ، وقال أبو السعود " ومن أحسن دينا ممن   أسلم وجهه لله   أي أخلص نفسه له تعالى لا يعرف له ربا سواه " [تفسير أبي السعود ج: 2 ص: 236] أهـ ، وقال الواحدي " أسلم وجهه لله   انقاد لأمره " [ تفسير الواحدي ج: 1 ص: 125] أهـ ، وقال البغوي : " أسلم وجهه لله   أي أخلص دينه لله وقبل أخلص عبادته لله وقيل خضع وتواضع لله وأصل الإسلام الاستسلام والخضوع وخص الوجه لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه " [تفسير البغوي ج: 1 ص: 106] أهـ ، وقال الشوكاني " أسلم وجهه لله   ومعنى أسلم استسلم وقيل أخلص وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الأنسان ولأنه موضع الحواس الظاهرة وفيه يظهر العز والذل وقيل إن العرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء وأن المعنى هنا الوجه وغيره وقيل المراد بالوجه هنا المقصد أي من أخلص مقصده " [فتح القدير ج: 1 ص: 130] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين " (من أسلم وجهه لله )  أي انقاد وجهه لأمره وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء فغيره أولى " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 24] أهـ ، وقال النسفي "(من أسلم وجهه لله ) من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره " [ تفسير النسفي ج: 1 ص: 65] أهـ   وقال : "  أسلم وجهه لله   أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا يعرف لها ربا ولا معبودا سواه " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 250] أهـ  ، وقال الألوسي : " من   أسلم وجهه لله   أي إنقاد لما قضى الله تعالى وقدر او أخلص له نفسه أو قصده فلم يشرك به تعالى غيره أو لم يقصد سواه فالوجه إما مستعار للذات وتخصيصه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء ومعدن الحواس وإما مجاز عن القصد لأن القاصد للشيء مواجه له " [ روح المعاني ج: 1 ص: 360] أهـ  ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك بأحسن تفصيل ،  قوله تعالى :( اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ) [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم وسلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها بعد ما كان كل ذلك  ليوسف عليه السلام . فكان ذكر الوجه مجازاً لتصوير معنى إقباله عليهم لأن الرجل إذا أقبل على الشئ أقبل بوجهه ، قال أبو السعود في تفسيره : " أي يخلص لكم وجه أبيكم فيقبل عليكم بكليته ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا يساهمكم في محبته أحد فذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم " [تفسير أبي السعود ج: 4 ص: 256 ] أهـ ، وعلى هذا المعنى اتفق قول المفسرين ،  قوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة  ، 

[ 2 ] الآيات التي ذكر فيها الوجه مضافاً إلى الله تعالى وبيان المعنى الذي سيقت لأجله  :

( أ ) قوله تعالى { وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ البقرة  : 115] ، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها : ( أ ) فثم قبلة الله يعني بذلك الوجهة والجهة التي وجههم إليها ومن معاني الوجه في اللغة القبلة لأننا نتوجه إليها بوجوهنا ، ( ب ) فثم الله تبارك وتعالى  يريد علمه معكم أينما كنتم ، فعبر بالوجه عن الذات كقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه ) وقوله تعالى (ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام ) ، ( ت ) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى كقوله تعالى (إنما نطعمكم لوجه الله) وقوله تعالى (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) أي لأجل رضا الله وابتغاء مرضاته ، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه ، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون ، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح ، ثم هؤلاء متناقضون لأنهم يثبتون الوجه على سبيل الجزء ، ثم يثبتون الفوقية الحسية على سبيل المسافة ويثبتون الاستواء على سبيل الحد والحيز والجهة ، والآية تهد عليهم مذهبهم في الجهة هدا ، وذلك لأن الآية تفيد نفي الجهة الواحدة إذ أينما تولوا وفي أي جهة تتوجهوا فثم وجه الله ، وإثبات الجهة الواحدة هو مذهبهم الذي بدعوا عموم علماء الأمة لأجله ، وعندما تنبه بعضهم لهذا قال : هذه الآية ليست من آيات الصفات وغيرها من آيات الصفات فتناقض وتلاعب بدينه وفرق بين الآيات بهواه نعوذ بالله من الهوى والزيغ ، وفي الحديث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : ( إن أحدكم إذا صلى فإن الله قبل وجهه ) وفي رواية أنس ( إن ربه بينه وبين القبلة ) وهذا الحديث دافع لمذهب الجهة فإن جهة فوق وقدام متضادان لا يجتمعان البتة فإن حملها على ظاهرهما محال على الله تعالى لا يجتمعان عقلا وعادة وشرعا وإن أول هذا دون ذلك فتحكم وإن أولهما فأهلا بالوفاق ،  تأويل الصحابة والتابعين للوجه في الآية : قال السيوطي في الدر المنثور : " وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس فأينما تولوا   فثم وجه الله   قال : قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا  وأخرج ابن ابي شيبة وعبد بن حميد والترمذي والبيهقي في سننه عن مجاهد   (فثم وجه الله)   قال : قبلة الله فأينما كنتم في شرق أو غرب فاستقبلوها " [الدر المنثور ج: 1 ص: 267] أهـ ، وقال الطبري في تفسيره : " واختلف في تأويل قوله   فثم وجه الله   فقال بعضهم تأويل ذلك فثم قبلة الله يعني بذلك وجهه الذي وجههم إليه عن مجاهد قال حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها   وقال آخرون معنى قول الله عز وجل   فثم وجه الله   فثم الله تبارك وتعالى   وقال آخرون معنى قوله   فثم وجه الله   فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم   وقال آخرون عنى بالوجه ذا الوجه وقال قائلوا هذه المقالة وجه الله صفة له " [ تفسير الطبري ج: 1 ص: 506] أهـ ، وقال البغوي في تفسيره : " فأينما تولوا   فثم وجه الله   يعني أينما تحولوا وجوهكم فثم أي هناك وجه الله قال الكلبي فثم الله يعلم ويرى وجه صلة كقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه ) أي إلا هو وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان فثم قبلة الله والوجه والوجهة والجهة القبلة وقيل رضا الله تعالى " [تفسير البغوي ج: 1 ص: 108] أهـ ، وقال بن كثير في تفسيره : "  وقال عكرمة عن ابن عباس فأينما تولوا   فثم وجه الله   قال قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا وقال مجاهد فأينما تولوا فثم وجه الله حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة " [تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 159] أهـ ، وقال ابن الجوزي في تفسيره : "  قوله تعالى فثم وجه الله فيه قولان أحدهما فثم الله يريد علمه معكم اين كنتم وهو قول ابن عباس و مقاتل والثاني فثم قبلة الله قاله عكرمة و مجاهد "[ زاد المسير ج: 1 ص: 134-135] أهـ  ، [ إتفاق أهل العلم على تأويل الوجه في الآية ] :  قال القرطبي في تفسيره : " اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله في القرآن والسنة فقال الحذاق  ذلك راجع إلى الوجود والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام إذ كان الوجه أظهر لأعضاء في الشاهد واجلها قدرا وقال ابن فورك  قد تذكر صفة الشيء والمراد بها الموصوف توسعا كما يقول القائل  رأيت علم فلان اليوم ونظرت إلى علمه وإنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى العالم كذلك إذا ذكر الوجه هنا والمراد من له الوجه أي الوجود وعلى هذا يتأول قوله تعالى  إنما نطعمكم لوجه الله لأن المراد به  لله الذي له الوجه وكذلك قوله  إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى أي الذي له الوجه قال ابن عباس :الوجه عبارة عنه عز وجل كما قال  ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وقال بعض الأئمة  تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى قال ابن عطية  وضعف أبو المعالي هذا القول وهو كذلك ضعيف وإنما المراد وجوده وقيل  المراد بالوجه هنا الجهة التي وجهنا إليها أي القبلة وقيل  الوجه القصد كما قال الشاعر  أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل وقيل  المعنى فثم رضا الله وثوابه كما قال  إنما نطعمكم لوجه الله أي لرضائه وطلب ثوابه " [ تفسير القرطبي ج: 2 ص: 83] أهـ ، وقال رحمه الله : " ويبقى وجه ربك أي ويبقى وجه الله فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه قال الشاعر :  ( قضى على خلقه المنايا *  فكل شيء سواه فاني ) ، وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا  ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم وقال ابن عباس  الوجه عبارة عنه كما قال  ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وقال أبو المعالي  وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى وهو الذي ارتضاه شيخنا ومن الدليل على ذلك قوله تعالى  ويبقى وجه ربك والموصف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى وقد مضى في البقرة القول في هذا عند قوله تعالى  فأينما تولوا   فثم وجه الله   وقد ذكرناه في الكتاب الأسني مستوفى قال القشيري  قام قوم هو صفة زائدة على الذات لا تكيف يحصل بها الإقبال على من أراد الرب تخصيصه بالإكرام والصحيح أن يقال  وجهه وجوده وذاته يقال  هذا وجه الأمر ووجه الصواب وعين الصواب "[ تفسير القرطبي ج: 17 ص: 165] أهـ  ،  وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط : " {فثمّ وجه الله}، هذا جواب الشرط، وهي جملة ابتدائية، فقيل: معناه فثمّ قبلة الله، فيكون الوجه بمعنى الجهة، وأضيف ذلك إلى الله تعالى حيث أمر باستقبالها، فهي الجهة التي فيها رضا الله تعالى، قاله الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل. وقيل: الوجه هنا صلة، والمعنى فثم الله أي علمه وحكمه. وروي عن ابن عباس ومقاتل: أو عبر عن الذات بالوجه، كقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك}، {كل شيء هالك إلا وجهه} وقيل: المعنى العمل لله، قاله الفراء، قال: ( أستغفر الله ذنباً لست محصيه  *  رب العباد إليه الوجه والعمل ) ، وقيل: يحتمل أن يراد بالوجه هنا: الجاه، كما يقال: فلان وجه القوم، أي موضع شرفهم، ولفلان وجه عند الناس: أي جاه وشرف. والتقدير: فثمّ جلال الله وعظمته ، قاله أبو منصور في المقنع. وحيث جاء الوجه مضافاً إلى الله تعالى، فله محمل في لسان العرب، إذ هو لفظ يطلق على معان، ويستحيل أن يحمل على العضو، وإن كان ذلك أشهر فيه. وقد ذهب بعض الناس إلى أن تلك صفة ثابتة لله بالسمع، زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى. وضعف أبو العالية وغيره هذا القول، لأن فيه الجزم بإثبات صفة لله تعالى بلفظ محتمل، وهي صفة لا يدرى ما هي، ولا يعقل معناها في اللسان العربي، فوجب إطراح هذا القول والإعتماد على ما له محمل في لسان العرب ، إذا كان للفظ دلالة على التجسيم فنحمله، إمّا على ما يسوغ فيه من الحقيقة التي يصح نسبتها إلى الله تعالى إن كان اللفظ مشتركاً، أو من المجاز إن كان اللفظ غير مشترك. والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين ، فالوقوف مع ظاهر اللفظ الدال على التجسيم غباوة وجهل بلسان العرب وأنحائها ومتصرّفاتها في كلامها، وحجج العقول التي مرجع حمل الألفاظ المشكلة إليها. ونعوذ بالله أن نكون كالكرامية، ومن سلك مسلكهم في إثبات التجسيم ونسبة الأعضاء لله، تعالى الله عما يقول المفترون علواً كبيراً. وفي قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ردّ على من يقول: إنه في حيز وجهة، لأنه لما خير في استقبال جميع الجهات دل على أنه ليس في جهة ولا حيز، ولو كان في حيز لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الأماكن. فحيث لم يخصص مكاناً، علمنا أنه لا في جهة ولا حيز، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه، فأي جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره. " [تفسير البحر المحيط [ البقرة  : 115]] أهـ ، وقال السيوطي في الإتقان : " ومن ذلك الوجه وهو مؤول بالذات   وقال ابن اللبان في قوله ( يريدون وجهه ) (إنما نطعمكم لوجه الله ) ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) المراد إخلاص النية  وقال غيره في قوله   فثم وجه الله   أي الجهة التي أمر بالتوجه إليها " [الإتقان ج: 2 ص: 17] أهـ ، وقال أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن : "   ( فثم وجه الله ) معناه فثم رضوان الله وهو الوجه الذي أمرتم بالتوجه إليه كقوله تعالى إنما نطعمكم لوجه الله يعني لرضوانه ولما أراده منا وقوله كل شيء هالك إلا وجهه يعني ما كان لرضاه وإرادته " [ أحكام القرآن 2 ج: 1 ص: 77] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره : " فثم وجه الله   أي فهناك جهته سبحانه التي أمرتم بها فأي جهة يتوجه المرء من الظاهر والباطن   فثم وجه الله   المتحلي بجميع الصفات المتجلي بما شاء منزها عن الجهات " [ روح المعاني ج: 1 ص: 365] أهـ ، وجاء في التعاريف : " قال الراغب : أصل الوجه الجارحة المعروفة ولما كان الوجه أول ما يستقبلك وأشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شيء وفي أشرفه ومبدئه   وجه الحق ما به الشيء حقا إذ لا حقيقة لشيء إلا به تعالى وهو المشار إليه بآية ( فأينما تولوا فثم وجه الله  ) وهو عين الحق المقيم لجميع الأشياء فمن رأى قيومية الحق للأشياء فهو الذي يرى وجه الحق في كل شيء  "[ التعاريف ج: 1 ص: 720] أهـ ، وقال الزركشي في البرهان : " وحكي الواحدي عن اكثر المفسرين في قوله تعالى فأينما تولوا   فثم وجه الله   أن الوجه صلة والمعنى فثم الله يعلم ويرى قال والوجه قد ورد صلة مع اسم الله كثيرا كقوله ويبقى وجه ربك إنما نطعمكم لوجه الله كل شيء هلك إلا وجهة   قلت والأشبه حمله على أن المراد به الذات كما في قوله تعالى بلى من اسلم وجهة الله "[ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 278] أهـ ،   

( ب ) وقوله تعالى { وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 272 ] ، وقوله تعالى {  وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ }‏[سورة الأنعام : 52 ] ، وقوله تعالى { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا }[ سورة الكهف : 28 ] ، وقوله تعالى { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } [سورة الروم : 39 ]  ، (( قلت )) : من تدبر ذكر الوجه في هذه الآيات (يريدون وجه الله ) و (تريدون وجه الله ) و (يريدون وجهه ) ، و (ابتغاء وجه ربهم ) و (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) و (إنما نطعمكم لوجه الله ) وجد أن المراد من سياق الآيات رضا الله تعالى ، وإليك نخبة من أقوال المفسرين في ذلك : قال القرطبي في تفسير قوله تعالى (يريدون وجهه ) : " يريدون وجهه   أي طاعته والإخلاص فيها أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره " [تفسير القرطبي ج: 6 ص: 432] أهـ ، وقال البيضاوي: " (يريدون وجهه) رضا الله وطاعته " [تفسير البيضاوي ج: 3 ص: 493] أهـ ، وقال أبو السعود: " وقوله تعالى   يريدون وجهه   حال من ضمير يدعون أي يدعونه تعالى مخلصين له فيه " [تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 139] أهـ ، وقال الواحدي: " يريدون وجهه   يطلبون ثواب الله " [تفسير الواحدي ج: 1 ص: 355]أهـ ، وقال البغوي : " يريدون وجهه   أي يريدون الله بطاعتهم قال ابن عباس رضي الله عنهما يطلبون ثواب الله " [ تفسير البغوي ج: 2 ص: 99] أهـ ، وقال رحمه الله : " يريدون وجهه   أي يريدون الله لا يريدون به عرضا من الدنيا " [تفسير البغوي ج: 3 ص: 159]أهـ ، وقال الشوكاني : " و   يريدون وجهه   في محل نصب على الحال والمعنى أنهم مخلصون في عبادتهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله تعالى أي يتوجهون  بذلك إليه لا إلى غيره "[ فتح القدير ج: 2 ص: 119] أهـ ، وقال رحمه الله : " ومعنى   يريدون وجهه   أنهم يريدون بدعائهم رضى الله سبحانه " [فتح القدير ج: 3 ص: 281]أهـ ، وقال ابن الجوزي : " قوله تعالى   يريدون وجهه   قال الزجاج أي يريدون الله فيشهد الله لهم بصحة النيات وأنهم مخلصون في ذلك " [زاد المسير ج: 3 ص: 47] أهـ ، وقال النسفي " ووسمهم بالإخلاص فى عبادتهم بقوله   يريدون وجهه   فالوجه يعبر به عن ذات الشئ وحقيقته " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 324] أهـ وقال : " يريدون وجهه   رضا الله " [ تفسير النسفي ج: 3 ص: 12] أهـ  ،  وقال الألوسي : " ( يريدون وجهه ) ..قيل وهو المشهور إنه الذات أي مريدين ذاته تعالى ومعنى إرادة الذات على ما قيل الإخلاص لها ..أي يدعون ربهم مخلصين له سبحانه فيه ..وقيل  المراد به الجهة والطريق والمعنى مريدين الطريق الذي أمرهم جل شأنه بإرادته وهو الذي يقتضيه كلام الزجاج وقيل  إنه كناية عن المحبة وطلب الرضا لأن من أحب ذاتا أحب أن يرى وجهه فرؤية الوجه من لوازم المحبة فلهذا جعل كناية عنها قاله الإمام وهو كما ترى   وجوز أيضا أن يكون ذكر الوجه للتعظيم كما يقال  هذا وجه الرأي وهذا وجهه الدليل والمعنى يريدونه " [روح المعاني ج: 7 ص: 160] أهـ ، وقال : " يريدون وجهه   أي يريدونه سبحانه بذاته وصفاته " [ روح المعاني ج: 7 ص: 166] أهـ ، وقال الطبري في تفسير قوله تعالى (يريدون وجه الله ) : " وقوله ذلك خير للذين   يريدون وجه الله   يقول تعالى ذكره إيتاء هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله عباده خير للذين يريدون الله بإتيانهم ذلك " [تفسير الطبري ج: 21 ص: 45] أهـ ، وقال البيضاوي : " يريدون وجه الله   ذاته أو جهته أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصا أو جهة التقرب إليه لا جهة أخرى " [تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 336]أهـ ، وقال أبو السعود " ذلك خير للذين   يريدون وجه الله   ذاته او جهته ويقصدون بمعروفهم إياه تعالى خالصا أو جهة التقرب إليه لا جهة أخرى " [تفسير أبي السعود ج: 7 ص: 62] أهـ ، وقال البغوي: " (يريدون وجه الله ) يطلبون ثواب الله بما يعملون " [تفسير البغوي ج: 3 ص: 484] أهـ ، وقال ابن الجوزي:"( يريدون وجه الله ) أي يطلبون بأعمالهم ثواب الله " [زاد المسير ج: 6 ص: 303] أهـ  ،  وجاء في الجلالين : " (يريدون وجه الله ) أي ثوابه بما يعملون "[ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 536] أهـ ، وقال النسفي : " ( يريدون وجه الله )  أي ذاته أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصا " [تفسير النسفي ج: 3 ص: 275] أهـ ، وقال الألوسي : " يريدون وجه الله   أي ذاته سبحانه أي يقصدونه عز وجل بمعروفهم خالصا أو جهته تعالى أي يقصدون جهة التقرب إليه سبحانه لا جهة أخرى والمعنيان كما في الكشف متقاربان ولكن الطريقة مختلفة "[ روح المعاني ج: 21 ص: 45] أهـ ، وقال الجصاص : " وما آتيتم من زكاة   تريدون وجه الله   فأولئك هم المضعفون أخبر الله تعالى في هذه الآيات أن الصدقات إذا لم تكن خالصة لله عارية من منٍ وأذى فليست بصدقة لأن إبطالها هو إحباط ثوابها فيكون فيها بمنزلة من لم يتصدق وكذلك سائر ما يكون سبيله وقوعه على وجه القربة إلى الله تعالى فغير جائز أن يشوبه رياء ولا وجه غير القربة فإن ذلك يبطله كما قال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وقال تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء فما لم يخلص لله تعالى من القرب فغير مثاب عليه فاعله " [ أحكام القرآن للجصاص ج: 2 ص: 173] أهـ ، وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) : " وجه ربه   الأعلى أي مرضاته وما يقرب منه " [ تفسير القرطبي ج: 20 ص: 89] أهـ ، وقال الطبري : " حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء   وجه ربه   الأعلى ولسوف يرضى يقول ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم إنما عطيته لله " [ تفسير الطبري ج: 30 ص: 228] أهـ ، وقال الواحدي: " ( إلا ابتغاء   وجه ربه   الأعلى ) أي طلب ثواب الله " [تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1209] أهـ ، وقال ابن الجوزي: "(إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) أي إلا طلبا لثواب ربه " [زاد المسير ج: 9 ص: 152] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى)أي طلب ثواب الله " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 811] أهـ ، وقال ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى ( إلا ابتغاء وجه الله ) " قوله تعالى وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله   قال الزجاج هذا خاص للمؤمنين أعلمهم الله أنه قد علم أن مرادهم ما عنده " [زاد المسير ج: 1 ص: 327] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين " وما تنفقون إلا   ابتغاء وجه الله   أي ثوابه لا غيره من أعراض الدنيا " [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 60] أهـ ، وفيه أيضا : "  (إبتغاء وجه ربهم ) يعني إبتغاء رضا ربهم " [ الدر المنثور ج: 4 ص: 637] أهـ ، وقال النسفي : " إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله ولطلب ما عنده " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 132]أهـ ، وقال القرطبي في تفسيره " (وجه ربه الأعلى) أي مرضاته وما يقرب منه " [تفسير القرطبي ج: 20 ص: 89] أهـ  ،  وقد أجمل القاضي بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل ما سبق بقوله : ( قوله تعالى ( يريدون وجهه) و ( ويبقى وجه ربك ) و ( كل شيء هالك إلا وجهه ) و (  يريدون وجه الله ) وما ورد فيه  ،   اعلم أنه أطلق الوجه في هذه الآيات والمراد به الذات المقدسة وعبر عنها بالوجه على عادة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يقول أحدهم فعلت لوجهك أي لك ، وإنما كنى عن الذات بالوجه لأنه هو المرئي الظاهر من الإنسان غالبا وبه يتميز الإنسان عن غيره ولأن الرأس والوجه موضع الفهم والعقل والحس المقصود من الذات ولأن الوجه مخصوص بمزيد الحسن والجمال ويظهر عليه ما في القلب من رضي وغضب فأطلق على الذات مجازا ، وقد يعبر بالوجه عن الرضا وسبب الكناية به عنه أن الإنسان إذا رضي بالشيء ومال إليه أقبل بوجهه عليه وإذا كرهه أعرض عنه فكنى بالوجه عن الرضا ،  إذا أثبت ذلك تعين صرف الوجه إلى الذات في قوله ( ويبقى وجه ربك ) و (كل شيء هالك إلا وجهه ) ولا يجوز إرادة ظاهره حقيقة لوجوه : ( الأول ) : أن الموصوف بالبقاء عند فناء الخلق إنما الذات المقدسة لا مجرد الوجه لأنه لو أريد ذلك لزم منه هلاك ما سوى الوجه تعالى الله عن ذلك وتقدس، ( الوجه الثاني ) : قوله ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) لو أريد الوجه نفسه لزم وجوده في جوانب الأرض ويلزم حصول ذات واحدة في أماكن كثيرة متفرقة متباعدة وهو محال اتفاقا ويأتي إن شاء الله تعالى في قسم الحديث أبسط من هذا ، ( الوجه الثالث ) : أنه وصف الوجه بذي الجلال والإكرام والموصوف بذلك هو الله تعالى بدليل قوله ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام )   فإنه صفة للرب وبدليل ما ورد في الدعاء يا ذا الجلال والإكرام فدل في تلك الآية على أنه وصف للذات لا للوجه خاصة لأن القرآن يفسر بعضه بعضا ، وقوله تعالى (  يريدون وجهه  ) و ( إنما نطعمكم لوجه الله  ) فالمراد بذلك والله أعلم تحصيل رضاه تعالى كما تقدم لأن الإرادة في قوله تعالى(يريدون وجهه) لا تتعلق بحصول نفس الذات بمجردها ولا نفس ظاهر الوجه بمجرده وإنما تتعلق بحصول مراد يحصل لهم دخوله في الوجود وذلك في الذات أو الوجه القديم الأزلي محال فدل على أن المراد حصول شيء منه وهو رضاه عنهم وعبر فيه بالوجه كما تقدم أن الراضي يقبل بوجه على من رضيه ، وقيل المراد بالوجه القصد ومنه قول الشاعر رب العباد إليه الوجه والعمل   ، وقيل في قوله تعالى( إنما نطعمكم لوجه الله  ) أي لرضاه كما تقدم أن المراد حصول رضاه ) [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 120-122] أهـ

( ت ) قوله تعالى { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، قلت : الآية تدعو إلى التوحيد وإخلاص الدعاء لله وتنهى عن الشرك ودعاء غير الله ، ومناسبة الآية أن تختم بأنه لا يبقى إلا العمل الصالح الخالص الذي أُريد به رضا الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فالمفهوم من سياق الآية أن المقصود بالوجه هو ما قصد به الله تعالى من التوحيد والعمل الصالح ، وعلى هذا التفسير تواترت أقوال العلماء والمفسرين وأهل اللسان العربي الفصيح  ،   جاء في لسان العرب : "  وقوله عز وجل  كل شيء   هالك إلا وجهه   قال الزجاج  أراد إلا إياه  " [لسان العرب ج: 13 ص: 555] أهـ ، وجاء في الدر المنثور : " وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما كل شيء   هالك إلا وجهه   إلا ما يريد به وجهه   وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه كل شيء   هالك إلا وجهه   قال  إلا ما أريد به وجهه   وأخرج البيهقي في شعب الايمان عن سفيان قال كل شيء   هالك إلا وجهه   قال  إلا ما أريد به وجهه من الاعمال الصالحة "[ الدر المنثور ج: 6 ص: 447] أهـ ، وقال الطبري : " واختلف في معنى قوله إلا وجهه فقال بعضهم معناه كل شيء هالك إلا هو   وقال آخرون معنى ذلك إلا ما أريد به وجهه " [ تفسير الطبري ج: 20 ص: 127] أهـ ، وقال رحمه الله : " لأنه كان ولا شيء موجود سواه وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها كما قال جل ثناؤه كل شيء   هالك إلا وجهه " [ تفسير الطبري ج: 27 ص: 215] أهـ ، وقال الواحدي : " (كل شيء هالك إلا وجهه)   أي إلا إياه "[ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 827] أهـ ، وقال البغوي : " (كل شيء هالك إلا وجهه)   أي إلا هو " [ تفسير البغوي ج: 1 ص: 108] أهـ ، وقال رحمه الله : " (كل شيء   هالك إلا وجهه )  أي هو وقيل إلا ملكه قال أبو العالية إلا ما أريد به وجهه  "[ تفسير البغوي ج: 3 ص: 459] أهـ ، وقال القرطبي : " (كل شيء هالك إلا وجهه)   قال مجاهد معناه إلا هو وقال الصادق  دينه وقال أبو العالية وسفيان  أي إلا ما أريد به وجهه أي ما يقصد إليه بالقربة قال  أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل وقال محمد بن يزيد  حدثني الثوري قال سألت أبا عبيدة عن قوله تعالى  كل شيء   هالك إلا وجهه   فقال  إلا جاهه كما تقول لفلان وجه في الناس أي جاه " [تفسير القرطبي ج: 13 ص: 322] أهـ ، وقال ابن كثير : " (كل شيء هالك إلا وجهه)كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله عز وجل كما قال كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " [ تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 594] أهـ ، وقال رحمه الله : " وقوله (كل شيء هالك إلا وجهه)   إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت كما قال تعالى كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فعبر بالوجه عن الذات وهكذا قوله هاهنا (كل شيء   هالك إلا وجهه )  أي إلا إياه وقد ثبت في الصحيح [تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 404] من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد إلا كل شيء ما خلا الله باطل وقال مجاهد والثورى: في قوله كل شيء   هالك إلا وجهه   أي إلا ما أريد به وجهه وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له " [تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 404] أهـ ، وقال البيضاوي : " هالك إلا وجهه   إلا ذاته فإن ما عداه ممكن هالك في حد ذاته معدوم له الحكم القضاء النافذ في الخلق " [تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 306] أهـ ، وقال الجصاص : " وقوله ( كل شيء هالك إلا وجهه)   يعني ما كان لرضاه وإرادته "[ أحكام القرآن للجصاص ج: 1 ص: 77] أهـ ، وقال رحمه الله : "كقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) يعني به ذاته " [ أحكام القرآن للجصاص ج: 3 ص: 362] أهـ  ،  وقال الشوكاني : " هالك إلا وجهه   أي إلا ذاته ..وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس :كل شيء   هالك إلا وجهه   قال إلا ما أريد به وجهه "[ فتح القدير ج: 4 ص: 189] أهـ ، وقال ابن الجوزي : " قولان أحدهما إلا ما أريد به وجهه رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الثوري والثاني إلا هو قاله الضحاك وأبو عبيدة " [زاد المسير ج: 6 ص: 252] أهـ ، وقال النسفي : " ( كل شيء هالك إلا وجهه ) أي إلا إياه فالوجه يعبر به عن الذات " [ تفسير النسفي ج: 3 ص: 249] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين : " (كل شيء هالك إلا وجهه )  إلا إياه  " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 520] أهـ ، وقال الألوسي : " وقيل  الوجه بمعنى الذات مثله في قوله تعالى( كل شيء هالك إلا وجهه) " [روح المعاني ج: 1 ص: 365] أهـ ، وقال رحمه الله : " ..وبقوله سبحانه  كل شيء   هالك إلا وجهه   حيث استثنى من كل شيء الوجه وهو بمعنى الذات.. "[ روح المعاني ج: 7 ص: 117] أهـ ، وقال القاسمي : " ( كل شيء هالك إلا وجهه) أي إلا إياه ، والوجه يعبر عن الذات ، كما قال : ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك)  " [ تفسير القاسمي [القصص :  88]] أهـ ، وقال الإمام الرازي رحمه الله : " {كل شيء هالك إلا وجهه}.. استدلت المجسمة بهذه الآية على أن الله تعالى جسم من وجهين الأول: قالوا الآية صريحة في إثبات الوجه وذلك يقتضي الجسمية والثاني: قوله: {وإليه ترجعون} وكلمة إلى لانتهاء الغاية وذلك لا يعقل إلا في الأجسام ، والجواب: لو صح هذا الكلام يلزم أن يفنى جميع أعضائه وأن لا يبقى منه إلا الوجه، وقد التزم ذلك بعض المشبهة من الرافضة. وهو بيان ابن سمعان وذلك لا يقول به عاقل، ثم من الناس من قال الوجه هو الوجود والحقيقة يقال وجه هذا الأمر كذا أي حقيقته، ومنهم من قال الوجه صلة، والمراد كل شيء هالك إلا هو، وأما كلمة إلى فالمعنى وإلى موضع حكمه وقضائه ترجعون."[ تفسير الرازى [ القصص  : 88 ]] أهـ

( ث ) قوله تعالى {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }  [ سورة الرحمن  : 26-27] ، قال القرطبي في تفسيره : ".. قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى ( ويبقى وجه ربك ) إنها عبارة عن الذات ، قيل العمل الذي يقصد به وجهه " [ تفسير القرطبي ج: 4 ص: 45] أهـ ، وقال رحمه الله : " يريدون وجهه أي طاعته والإخلاص فيها أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره " [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 432] أهـ ، وقال رحمه الله : " وأما ما كان منها لله فهو من الآخرة وهو الذي يبقى كما قال  ( ويبقى   وجه ربك   ذو الجلال والإكرام ) أي ما ابتغى به ثوابه ورضاه وإن الدارالآخرة لهي الحيوان أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها " [تفسير القرطبي ج: 13 ص: 362] أهـ ، وقال رحمه الله : " قوله تعالى  قال يا إبليس ما منعك أي صرفك وصدك أن تسجد أي عن أن تسجد لما خلقت بيدي أضاف خلقه إلى نفسه تكريما له وإن كان خالق كل شيء وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم فذكر اليد هنا بمعنى هذا قال مجاهد : اليد هاهنا بمعنى التأكد والصلة مجازه لما خلقت أنا كقوله  ( ويبقى وجه ربك )  أي يبقى ربك " [تفسير القرطبي ج: 15 ص: 228 ] أهـ ، وقال ابن كثير في تفسيره : " ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )فهو تعالى وحده الذي لا يموت والجن والإنس يموتون وكذلك الملائكة وحملة العرش وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخرا كما كان أولا "[ تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 435] أهـ ، وقال رحمه الله : " وقوله كل شيء هالك إلا وجهه إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت كما قال تعالى ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) فعبر بالوجه عن الذات وهكذا قوله هاهنا (كل شيء هالك إلا وجهه)  أي إلا إياه ..وقال مجاهد والثوري في قوله ( كل شيء هالك إلا وجهه ) أي إلا ما أريد به وجهه وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له قال ابن جرير : ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر  ( أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل ) وهذا القول لا ينافي القول الأول فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة للمطابقة للشريعة والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس فإنه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شئ " [ تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 404] أهـ ، وقال الزركشي في البرهان : " حكي الواحدي عن اكثر المفسرين في قوله تعالى فاينما تولوا فثم وجه الله ان الوجه صلة والمعنى فثم الله يعلم ويرى قال والوجه قد ورد صلة مع اسم الله كثيرا كقوله ( ويبقى وجه ربك )  إنما نطعمكم لوجه الله كل شيء هلك إلا وجهة   قلت والاشبه حمله على أن المراد به الذات كما في قوله تعالى بلى من اسلم وجهة الله وهو أولى من دعوى الزيادة " [ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 278] أهـ ، وجاء في معاني القرآن : " ومعنى أسلمت وجهي لله أسلمت نفسي لله كما قال تعالى ( ويبقى وجه ربك )  أي ويبقى ربك " [معاني القرآن ج: 1 ص: 373] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي في تفسيره : " ويبقى   وجه ربك   ذاته " [ تفسير البيضاوي ج: 5 ص: 276] أهـ ، وقال أبو السعود في تفسيره " ( ويبقى وجه ربك )  أي ذاته عز وجل " [ تفسير أبي السعود ج: 8 ص: 180] أهـ ، وقال الشوكاني في تفسيره : " قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أي ما صرفك وصدك عن السجود لما توليت خلقه من غير واسطة وأضاف خلقه إلى نفسه تكريما له وتشريفا مع أنه سبحانه خالق كل شيء كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد قال مجاهد : اليد هنا بمعنى التأكيد والصلة مجازا كقوله ( ويبقى وجه ربك )   وقيل أراد باليد القدرة يقال مالي بهذا الأمر يد ومالي به يدان أي قدرة ومنه قول الشاعر: تحملت من ذلفاء ما ليس لي يد * ولا للجبال الراسيات يدان " [فتح القدير ج: 4 ص: 445] أهـ ، وقال رحمه الله :  ويبقي   وجه ربك   ذو الجلال والإكرام الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده وقد نقدم في سورة البقرة بيان معنى هذا وقيل معنى ( يبقى وجه ربك ) تبقى حجته التي يتقرب بها إليه " [فتح القدير ج: 5 ص: 136] أهـ ، وقال بن الجوزي في تفسيره : " ( ويبقى وجه ربك )  أي ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام "[ زاد المسير ج: 8 ص: 114] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين:" ( ويبقى وجه ربك ) ذاته ذو الجلال العظمة والإكرام "[ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 710] أهـ ، وقال النسفي في تفسيره : " ( يخل لكم وجه أبيكم يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم لأن الرجل إذا أقبل على الشئ أقبل بوجهه وجاز أن يراد بالوجه الذات كما قال ( ويبقى وجه ربك ) " [تفسير النسفي ج: 2 ص: 180] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره : " ( ويبقى وجه ربك )  أي ذاته عز وجل والمراد هو سبحانه وتعالى فالإضافة بيانية وحقيقة الوجه في الشاهد الجارحة واستعماله في الذات مجاز مرسل كاستعمال الأيدي في الأنفس وهو مجاز شائع وقيل  أصله الجهة واستعماله في الذات من باب الكناية " [روح المعاني ج: 27 ص: 108] أهـ ، وجاء في تفسير التحرير والتنوير: " ..والوجه يعبر عن الجملة والذات وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي وهو الجزء الذي في الرأس ، واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه . وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى ، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجري  على قواعد علم المعاني ، فزال الخفاء واندفع الجفاء وكلا الفريقين خيرة الحنفاء " [التحرير والتنوير : ج 27ص253] أهـ ، وقال الرازي رحمه الله :  " ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ) ..الوجه يطلق على الذات والمجسم يحمل الوجه على العضو وهو خلاف العقل والنقل أعني القرآن لأن قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) يدل على أن لا يبقى إلا وجه الله تعالى، فعلى القول الحق لا إشكال فيه لأن المعنى لا يبقى غير حقيقة الله أو غير ذات الله شيء وهو كذلك، وعلى قول المجسم يلزم أن لا تبقى يده التي أثبتها ورجله التي قال بها.." [تفسير الرازى [ الرحمن : 27-28]] أهـ  ،  وقال ابن الجوزي رحمه الله : " قال الله تعالى " ويبقي وجه ربك ذي الجلال والإكرام " قال المفسرون : يبقي ربك ، وكذا قالوا في قوله " يريدون وجهه ". أي يريدونه ، وقال الضحاك و أبو عبيدة في قوله " كل شئ هالك إلا وجهه " أي إلا هو ، وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى أن الوجه صفة باسم زائد علي الذات ، قلت ( القائل ابن الجوزي رحمه الله )  : فمن أين قالوا هذا وليس لهم دليل إلا ما عرفوه من الحسيات .....؟ وذلك يوجب التبغيض ، ولو كان كما قالوا :كان المعنى : أن ذاته تهلك إلا وجهه . وقال بن حامد : أثبتنا لله وجها ولا نجوز إثبات الرأس . قلت : ولقد اقشعر بدني من جراءته علي ذكر هذا فما أعوزه في التشبيه غير الرأس ." [ الباز الأشهب ] أهـ ، وخلاصة القول في الوجه في القرآن لمن تدبره أنه دلالة على ذات الله ورضاه وضرورة إخلاص العمل ابتغاء مرضاة الله ،

عدد الزيارات 1545 آخر تعديل على السبت, 17 آذار/مارس 2018 16:54

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا