جديد الموقع

فقه المراد ب ( اليد ) في آيات القرآن الكريم


الخميس, 08 آذار/مارس 2018 04:46 كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

فقه المراد ب ( اليد ) في آيات القرآن الكريم : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذا مبحث وجيز عن فقه المراد ب ( اليد ) في القرآن الكريم ، أقول وبالله التوفيق :  ( اليد ) في اللغة جزء من ذات ، والله تعالى له الاحدية المطلقة التي تنفي الاجزاء والابعاض ، فصار لفظ ( اليد ) متشابها ، فلابد من رده إلى امهاته من المحكم وهو اسم الله تعالى ( الأحد ) فإما أن نقول صفة ( اليد ) منزه عن الجزء والبعض كما هو مستعمل على ظاهره في اللغة ، وإما ان نقول في المتشابهات : الله أعلم بمراده منه ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وإما أن نعود إلى سياق الآيات التي ورد فيها ذكر ( اليد ) ونفهم الآيات وفق السياق ، وكل آية فيها ذكر لها مفاتيحها التي يعلمها الأصوليون ،

فصل : ما جاء في ( اليد ) مضافاً إلى الله تعالى

( أ ) وذلك في ثمان آيات بلفظ الوحدان في أربعة مواضع والتثنية في موضعين والجمع في موضعين ، ففي سورة المائدة ( بل يداه مبسوطتان )   وفي سورة ص ( يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) وفي سورة الأعراف ( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها  ) عيرهم بعدم هذه الصفات وفي سورة  يس ( أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما ) وفي سورة الفتح ( يد الله فوق أيديهم ) وفي سورة الحديد ( وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) وفي سورة الملك ( تبارك الذي بيده الملك ) وفي سورة آل عمران ( بيدك الخير انك على كل شيء قدير )

( ب ) مجاز اليد في القرآن : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها ؟، قال الحافظ بن كثير : " الضمير عائد على القرية أي فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم نكالا أي عاقبناهم عقوبة فجعلناها عبرة ..قال ابن عباس يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى ..وكذا قال سعيد بن جبير لما بين يديها وما خلفها قال من بحضرتها من الناس يومئذ "[ تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 108] أهـ   ، وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ } ، وقوله تعالى ( وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } ، وقوله تعالى { وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ }  ، وقوله تعالى { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }  ، وقوله تعالى { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ }‏ ، وقوله تعالى : { وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } ، وقوله تعالى { قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } ، فهل للقرآن يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا } ، وقوله تعالى : { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، قال أبو السعود في تفسيره : " بين يدى رحمته   استعارة بديعة أي قدام المطر والإلتفات إلى نون العظمة في قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا لإبراز كمال العناية بالإنزال " [ تفسير أبي السعود ج: 6 ص: 224] أهـ  ، وقال النسفي في تفسيره : " بين يدى رحمته أى قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة مليحة " [تفسير النسفي ج: 3 ص: 171] أهـ ، وقوله تعالى  { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، قوله تعالى : { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، قوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  قوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا } ، وقوله تعالى : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ، وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم  ، قال النسفي في بيان ذلك : " ما منعك أن تسجد ما منعك عن السجود لما   خلقت بيدي   إي بلا واسطة امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي وقد مر أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيده فغلبت العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب هو ما عملت يداك ..وحتى لم يبق فرق بين قولك هذا مما عملته وهذا مما عملته يداك ومنه قوله مما عملت أيدينا ولما خلقت بيدي " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 45 ] أهـ ،  قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  قوله تعالى : { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، ثم هاهنا لطيفة أخرى وهي قوله تعالى (نسوا الله فنسيهم ) فهل يحمل مؤمن النسيان على ظاهره في حق الله تبارك وتعالى عن النسيان وعن كل نقص , أم أن المعنى المفهوم من الآية تركوا أمر الله وطاعته فترك الله هدايتهم جزاءً وفاقا وكني عن الترك مجازاً بالنسيان للدلالة على بعد هداية المنافقين لأنهم أشر من الكافرين ،  قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب الاستعارة التمثيلية ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، قال الشوكاني في تفسير الآية : " قوله  ( يد الله مغلولة ) ..وهذه الآية هى على طريق التمثيل كقوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك والعرب تطلق غل اليد على البخل وبسطها على الجود مجازا ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف " [فتح القدير ج: 2 ص: 57] أهـ ،  ومن أقوال المفسرين حول الآية : قال الواحدي : " وقالت اليهود يد الله مغلولة مقبوضة عن العطاء وإسباغ النعم علينا ..فقالوا لعنهم الله على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة وقوله غلت أيديهم أي جعلوا بخلاء وألزموا البخل فهم أبخل قوم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان قيل معناه الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام وقيل معناه نعمه مبسوطة ودلت التثنية على الكثرة كقولهم لبيك وسعديك وقيل نعمتاه أي نعمة الدنيا ونعمة الاخرة مبسوطتان ينفق كيف يشاء يرزق كما يريد إن شاء قتر وإن شاء وسع " [تفسير الواحدي ج: 1 ص: 327] أهـ  ، وقال أبو السعود "  فإن كلا من غل اليد وبسطها مجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد وغل أو بسط ..(يداه مبسوطتان ) عطف على مقدر يقتضيه المقام أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود وإليه أشير بتثنية اليد فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم وقيل التثنية للتنبيه على منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة " [تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 58] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي " ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) أي هو ممسك يقتر بالرزق وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولا قصد فيه إلى إثبات يد وغل وبسط ولذلك يستعمل حيث لا يتصور ذلك كقوله جاد الحمى بسط اليدين بوابل شكرت نداه تلاعه ووهاده ونظيره من المجازات المركبة شابت لمة الليل ..( بل يداه مبسوطتان )   ثنى اليد مبالغة في الرد ونفي البخل " [تفسير البيضاوي ج: 2 ص: 345] أهـ ، وقال الزركشي : "وقوله (بل يداه مبسوطتان )  كناية عن كرمه وثنى اليد وان أفردت في أول الآية ليكون ابلغ في السخاء والجود " [البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 308] أهـ ، وقال النسفي : " وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ولا يقصد المتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط حتى أنه يستعمل في ملك يعطى ويمنع بالإشارة من غير استعمال اليد ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزلا لقالوا ما أبسط يده بالنوال وقد استعمل حيث لا تصح اليد يقال بسط البأس كفيه في صدري فجعل للبأس الذي هو من المعاني كفان ومن لم ينظر في علم البيان يتحير في تأويل أمثال هذه الآية وقوله غلت أيديهم دعاء عليهم بالبخل ومن ثم كانوا أبخل خلق الله أو تغل في جهنم فهي كأنها غلت و إنما ثنيت اليد في بل يداه مبسوطتان وهى مفردة في يد الله مغلولة ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 291] أهـ ، وجاء تفسير الجلالين  " يد الله   مغلولة مقبوضة عن إدرار الرزق علينا كنوا به عن البخل تعالى الله عن ذلك قال تعالى غلت أمسكت أيديهم عن فعل الخيرات دعاء عليهم ولعنوا بما قالوا ( بل يداه مبسوطتان ) مبالغة في الوصف بالجود وثني اليد لإفادة الكثرة إذ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه ينفق كيف يشاء من توسيع وتضييق لا اعتراض عليه "  [تفسير الجلالين  ج: 1 ص: 149] أهـ ، وقال الألوسي : " فان كلا من غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود أو كناية  عن ذلك وقد استعمل حيث لا تصح يد ..ومنه قوله تعالى وقالت اليهود   يد الله   الآية عنوا الوصف بالبخل ورد عليهم بأنه جل جلاله جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط " [روح المعاني ج: 6 ص: 180] أهـ ، وقال الثعالبي "  وقوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان )  العقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله سبحانه وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يشبه لا يكيف ولا يتحيز ولا تحله الحوادث تعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا " [تفسير الثعالبي ج: 1 ص: 473] أهـ ، وقال ابن الجوزي : " والمراد بقوله بل يداه مبسوطتان أنه جواد ينفق كيف يشاء وإلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري قال ابن عباس إن شاء وسع في الرزق وإن شاء قتر " [زاد المسير ج: 2 ص: 393] أهـ ، وقال الطبري : " يقول تعالى ذكره وقالت اليهود من بين إسرائيل يد الله مغلولة يعنون أن خير الله ممسك وعطاءه محبوس عن الاتساع عليهم كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ، وإنما وصف تعالى ذكره اليد بذلك والمعنى العطاء لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضا إذا وصفوه بجود وكرم أو ببخل وشح وضيق بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه كما قال الأعشى في مدح رجل : ( يداك يدا مجد فكف مفيدة * وكف إذا ما ضن بالزاد تنفق ) فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يحصى   فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم .. يقول ( بل يداه مبسوطتان ) بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه غير مغلولتين ولا مقبوضتين "[ تفسير الطبري ج: 6 ص: 299] أهـ ،   وقال القرطبي :"قوله تعالى بل يداه مبسوطتان ابتداء وخبر أي بل نعمته مبسوطة فاليد بمعنى النعمة قال بعضهم  هذا غلط لقوله  بل يداه مبسوطتان فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد فيكون مثل قوله عليه السلام  مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين فأحد الجنسين نعمة الدنيا والثاني نعمة الآخرة وقيل  نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة كما قال وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه  النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك والباطنة ما ستر عليك من سيء عملك .. وقيل  إن النعمة للمبالغة كقول العرب : لبيك وسعديك وليس يريد الاقتصار على مرتين وقد يقول القائل :ما لي بهذا الأمر يد أي قوة قال السدي : معنى قوله يداه قوتاه بالثواب " [تفسير القرطبي ج: 6 ص: 239] أهـ  ، وقال رحمه الله :" لفظ التثنية يرد والمراد به الكثرة كقوله تعالى  بل   يداه مبسوطتان "[ تفسير القرطبي ج: 16 ص: 323] أهـ ، وقال رحمه الله :" فالاخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل والاصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله ولهذا قال الامام مالك بن أنس رضي الله عنه  من وصف شيئا من ذات الله عزوجل مثل قوله  وقالت اليهود ( يد الله   مغلولة فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه لأنه شبه الله تعالى بنفسه " [تفسير القرطبي ج: 11 ص: 256] أهـ ، وقال ابن كثير : " قال تعالى بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء أي بل هو الواسع الفضل الجزيل العطاء الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له " [تفسير ابن كثير ج: 2 ص: 76] أهـ ، وقال الجصاص في أحكام القرآن : " واليد في اللغة تنصرف على وجوه منها الجارحة وهي معروفة ومنها النعمة تقول لفلان عندي يد أشكره عليها أي نعمة ومنها القوة فقوله أولي الأيدي فسروه بأولي القوى ومنها الملك ومنه قوله الذي بيده عقدة النكاح يعني يملكها ومنها الاختصاص بالفعل كقوله تعالى خلقت بيدي أي توليت خلقه ومنها التصرف كقوله هذه الدار في يد فلان يعني التصرف فيها بالسكنى أو الإسكان ونحو ذلك وقيل أنه قال تعالى بل يداه على وجه التثنية لأنه أراد نعمتين أحدهما نعمة الدنيا والأخرى نعمة الدين والثاني قوتان بالثواب والعقاب على خلاف قول اليهود لأنه لا يقدر على عقابنا وقيل إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقولك لبيك وسعديك " [ أحكام القرآن 2 ج: 4 ص: 104-105 ] أهـ ،  وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ الفتح : 10 ]  ، قال الطبري : " وفي قوله   يد الله فوق أيديهم وجهان من التأويل أحدهما   يد الله   فوق أيديهم عند البيعة لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صلى الله عليه وسلم والآخر قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسوله صلى الله عليه وسلم لأنهم إنما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصرته على العدو " [تفسير الطبري ج: 26 ص: 76] أهـ ، وقال الواحدي:" يد الله فوق أيديهم نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة " [تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1008] أهـ ، وقال أبو السعود : "  وقوله تعالى يد الله فوق أيديهم حال أو استئناف مؤكد له على طريقة التخييل والمعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله وقرىء إنما يبايعون الله " [تفسير أبي السعود ج: 8 ص: 106] أهـ ، وقال رحمه الله : "وأما على طريقة المجاز العقلي بأن ينسب إليه تعالى ما حقه أن ينسب إلى الرسول أبانة لمكانته عنده تعالى كما ينبئ عنه قوله تعالى ( أن الذين يبايعونك أنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) " [ تفسير أبي السعود ج: 1 ص: 41] أهـ ، وقال الثعالبي : " وقوله تعالى يد الله قال جمهور المتأولين اليد بمعنى النعمة إذ نعمة الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها فوق أيديهم التي مدوها لبيعتك وقيل المعنى قوة الله فوق قواهم في نصرك ت وقال الثعلبي   يد الله   فوق أيديهم أي بالوفاء والعهد وقيل بالثواب وقيل   يد الله   في المنة عليهم فوق أيديهم في الطاعة عند المبايعة وهذا حسن قريب من الأول "[ تفسير الثعالبي ج: 4 ص: 174] أهـ ، وقال بن الجوزي : " يد الله   فوق أيديهم فيه أربعة أقوال   أحدها   يد الله   في الوفاء فوق أيديهم والثاني   يد الله   في الثواب فوق أيديهم والثالث   يد الله   عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة ..والرابع قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم "[ زاد المسير ج: 7 ص: 427] أهـ ، وقال القرطبي : " يد الله فوق أيديهم قيل  يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء ويده في المنة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة وقال الكلبي  معناه نعمة الله عليهم " [تفسير القرطبي ج: 16 ص: 267] أهـ ، وقال بن كثير : " ثم قال عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم تشريفا له وتعظيما وتكريما إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله كقوله جل وعلا من يطع الرسول فقد أطاع الله   يد الله   فوق أيديهم أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم " [ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 186] أهـ ، وقال الشوكاني : " يد الله   فوق أيديهم مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق التخييل " [ فتح القدير ج: 5 ص: 47] أهـ ، وقال السيوطي : " يد الله فوق أيديهم التي بايعوا بها النبي أي هو تعالى مطلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 680] أهـ ، وقال النسفي : " الله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام و إنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كقوله ( من يطع الرسول فقد اطاع الله )  "[ تفسير النسفي ج: 4 ص: 154] أهـ ، وقال الألوسي " يد الله  فوق أيديهم استئناف مؤكد لما قبله لأنه عبارة عن المبالغة قال في الكشاف لما قال سبحانه  إنما يبايعون الله أكده على طريقة التخييل فقال تعالى ( يد الله فوق أيديهم ) وأنه سبحانه منزه عن الجوارح وصفات الأجسام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما وفي المفتاح أما حسن الأستعارة التخييلية فبحسب حسن الأستعارة بالكناية متى كانت " [روح المعاني ج: 26 ص: 96] أهـ وقال رحمه الله : عند تفسير قوله تعالى { يد الله فوق أيديهم } ، " والسلف يمرون الآية كما جاءت مع   تنزيه الله   عز وجل عن الجوارح وصفات الأجسام وكذلك يفعلون في جميع المتشابهات ويقولون  إن معرفة حقيقة ذلك فرع  معرفة حقيقة الذات وأني ذلك وهيهات هيهات " [روح المعاني ج 26 ص97] أهـ ،  وقوله تعالى { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ آل عمران : 26 ] ، يفهم من سياق الآية أن بقدرة الله تعالى كل شي فلا يملك تقدير الأمور إلا هو سبحانه فلا يطلب الخير إلا منه لأنه سبحانه بيده الخير ، وحمل معنى سياق قوله تعالى ( بيدك الخير ) على القدرة لا على الجارحة هو ما اعتادته العرب من بلاغتها وهو الصحيح المحكم بقرينة ختم الآية بقوله (إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أي بعموم القدرة لله وحده ، قال أبو السعود في تفسير الآية " بيدك الخير   تعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر للتخصيص أي بقدرتك الخير كله لا بقدرة أحد غيرك "[ تفسير أبي السعود ج: 2 ص: 21] أهـ ، وقال الطبري " بيدك الخير   إنك على كل شيء قدير ..بيدك القدرة التي تفعل هذه الأشياء وتقدر بها على كل شيء " [تفسير الطبري ج: 3 ص: 227] أهـ ، وقال بن كثير " يقول تعالى منبها على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء كما قال قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء   بيدك الخير "[ تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 233] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي " بيدك الخير   إنك على كل شيء قدير ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات والشر مقضي بالعرض إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا أو لمراعاة الأدب في الخطاب " [تفسير البيضاوي ج: 2 ص: 24] أهـ  ،  وقوله تعالى { قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ آل عمران :73 ] ، وقوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  )[ سورة الملك : 1] ، وهاهنا التعبير القرآني (بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) كناية عن القدرة بقرينة ختم الآية بقوله تعالى { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  ولا يقصد بهذا الأسلوب العربي البليغ إثبات جارحة اليد وهذا لا يفهمه إلا شخص بعيد عن جمال اللغة وبديعها ، ولو كان المراد إثبات اليد على حقيقتها المعروفة لنا كجارحة لجاء التعبير المحكم بقوله إعلموا أن لله يد ، أو آمنوا بأن لله يد وهكذا كما جاءت الآيات المحكمات تترا بمثل قوله تعالى (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيد ٌ) و (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) و (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ، قال الزركشي :- وهو يتحدث عن مجاز القرآن – "  السادس عشر إطلاق اسم المحل على الحال   كقوله ( فليدع نادية)   وقوله تعالى ( وفرش مرفوعه ) اي نساؤه بدليل قوله ( إنا انشأناهن انشاء )  وكالتعبير باليد عن القدرة كقوله( بيده الملك ) "[ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 281] أهـ ، وقال السيوطي :- وهو يتحدث عن مجاز القرآن – " ومنه التعبير باليد عن القدرة نحو   بيده الملك " [ الإتقان ج: 2 ص: 101] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي في التفسير " ( تبارك الذي بيده الملك )   بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها " [تفسير البيضاوي ج: 5 ص: 360] أهـ ، وقال أبو السعود في تفسيره : " واليد مجاز عن القدرة التامة والاستيلاء الكامل أي تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما سواه ذاتا وصفة وفعلا الذي بقبضة قدرته التصرف الكلي في كل الأمور " أهـ ، وقال النسفي في تفسيره : "  تبارك تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين الذي   بيده الملك   أي بتصرفه الملك والاستيلاء عل كل موجود وهو مالك الملك يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء  " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 262] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره : " بيده الملك ..  استعارة تمثيلية لذلك ..أو إن الملك على حقيقته واليد مجاز عن الإحاطة والاستيلاء .. بيده الملك   البركة النماء والزيادة ..ومن الناس من حمل الملك على الموجودات وجعل اليد مجازا عن القدرة فيكون المعنى في قدرته الموجودة وتعقبه بعضهم بأن فيه ركاكة وأشار إلى أن الخلاص منها إما بجعل اليد مجازا عن التصرف أو بتفسير الملك بالتصرف وقيل المراد من كون الملك بيده تعالى أنه عز وجل مالكه فمعنى   بيده الملك   مالك الملك " [روح المعاني ج:29 ص: 3-4] أهـ ، وقال الطبري في تفسيره : " يعني بقوله تعالى ذكره تبارك تعاظم وتعالى الذي   بيده الملك   بيده ملك الدنيا والآخرة وسلطانهما نافذ فيهما أمره وقضاؤه " [تفسير الطبري ج: 29 ص: 1]أهـ ، وقال ابن كثير في تفسيره : " يمجد تعالى نفسه الكريمة ويخبر أنه   بيده الملك   أي هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله ولهذا قال تعالى وهو على كل شيء قدير " [تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 397] أهـ  ،  وقوله تعالى { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، وقوله تعالى { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } ، ( قلت ) : اليد تجمع على أيد قال تعالى { ألهم أيد يبطشون بها } وقال تعالى { والسماء بنيناها بأيد } و على أيدي قال تعالى { مما عملت أيدينا } ، فلا التفات إلى من زعم أن اليد لا تجمع على أيد لأن ذلك مما جاء في القرآن والقرآن نزل بلسان عربي مبين ، والمراد بالآية هاهنا  إثبات القوة والقدرة ، مثالها في ذلك تماما قوله تعالى { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } وقوله تعالى  { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ،  فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح مع أن جميع البشر بما فيهم الكفار والفجار لهم أيدي وأبصار ، أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو قوتهم في الطاعة وجدهم وتشميرهم للعبادة  ، واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل . فلا شك أن المعنى المقصود هو الثاني ،  وهاهنا في الآية { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } نفس المقصود إذ لم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه فصاحب اليد ( الجارحة ) يحتاج إلى يده لتناوله الأشياء وصاحب الرجل (الجارحة ) يحتاج إلى رجله ليتحرك بها وصاحب العين ( الجارحة ) يحتاج إلى عينه ليبصر بها وهكذا فالمتجزيء يحتاج إلى جزئه والمتبعض يحتاج إلى بعضه والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإثبات الجارحة ليس فيه أي معنى للكمال الإلهي المتصف بكمال الأحدية وكمال الصمدية وكمال القيومية وكمال الغنى ، بل هو نقص يتنزه الله تعالى عنه ويضاد جميع تلك الصفات العلا  ، ونعود إلى الآية فنقول : تأويل الأيد في الآية بالقوة ثابت عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما ، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد )  قال: بقوة   ، [تأويل التابعين للأيد في الآية بالقوة ] ،  فقد أخرج ابن جرير عن مجاهد و قتادة  والسدي وغيرهم من التابعين وأخرج البيهقي وغيره عن مجاهد في قولهم (والسماء بنيناها بأيد ) قالوا : يعني بقوة  ،  [وقد تواترت أقوال العلماء والمفسرين واللغويين على تأويل اليد بالقوة ] ، قال الطبري " ذا الأيد ويعني بقوله ذا الأيد ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته ..قال ابن زيد في قوله داود ذا الأيد قال ذا القوة في عبادة الله الأيد القوة وقرأ والسماء   بنيناها بأيد   قال بقوة " [تفسير الطبري ج: 23 ص: 136] أهـ ، وقال رحمه الله : " حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله والسماء   بنيناها بأيد   يقول بقوة   حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله بأيد قال بقوة   حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة " [تفسير الطبري ج: 27 ص: 7]أهـ ، وقال رحمه الله " ..عن ابن عباس قوله والسماء   بنيناها بأيد   يقول بقوة  ..عن مجاهد قوله بأيد قال بقوة   ..عن قتادة والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة " [ تفسير الطبري ج: 27 ص: 7] أهـ ، وقال القرطبي : " قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد )   ..ومعنى بأيد أي بقوة وقدرة " [تفسير القرطبي ج: 17 ص: 52] أهـ ، وقال البيضاوي :" والسماء   بنيناها بأيد   بقوة "[ تفسير البيضاوي ج: 5 ص: 241] أهـ ، وقال السيوطي في الدر المنثور "   وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله والسماء   بنيناها بأيد   قال  بقوة   وأخرج آدم بن أبي إياس والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله والسماء   بنيناها بأيد   قال  يعني بقوة " [ الدر المنثور ج: 7 ص: 623] أهـ ، وقال في التفسير : " والسماء   بنيناها بأيد   بقوة " [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 695] أهـ ، وقال بن كثير : "   كقوله تعالى والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة " [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 695] أهـ ، وقال رحمه الله : " يقول تعالى عن عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد والأيدي القوة في العلم والعمل عن ابن عباس رضي الله عنهما والسدي وابن زيد الأيدي القوة وقرأ ابن زيد والسماء   بنيناها بأيد   وإنا لموسعون وقال مجاهد الأيدي القوة في الطاعة "[ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 30] أهـ ، وقال أبو السعود : " والسماء   بنيناها بأيد   إي بقوة " [تفسير أبي السعود ج: 8 ص: 142]أهـ ، وقال البغوي : " والسماء   بنيناها بأيد   بقوة وقدرة " [تفسير البغوي ج: 4 ص: 234]أهـ ، وقال الشوكاني : "  والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة وقدرة ... وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبن عباس في قوله والسماء   بنيناها بأيد   قال بقوة " [ فتح القدير ج: 5 ص: 91] أهـ ، وقال بن الجوزي : "   والسماء بنيناها المعنى وبنينا السماء   بنيناها بأيد   أي بقوة وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر المفسرين واللغويين بأيد أي بقوة " [زاد المسير ج: 8 ص: 40] أهـ ، وقال الزركشي : " وقوله والسماء   بنيناها بأيد   أراد بالأيد القوة " [البرهان في علوم القرآن ج: 3 ص: 445]أهـ ، وقال النسفي : " بنيناها بأيد   بقوة والايد القوة " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 181] أهـ ، وقال الألوسي : " ويحتمل أنه جمع باعتبار كونه عظيم الشأن جليل القدر كجمع اليد بمعنى القدرة على قول في قوله تعالى  والسماء   بنيناها بأيد " [ روح المعاني ج: 23 ص: 35] أهـ ، وقال رحمه الله : " والسماء أي وبنينا السماء بنيناها بأييد أي بقوة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة "[ روح المعاني ج: 27 ص: 17] أهـ  ،  وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ( قلت ) : فصحاء العرب وأهل البلاغة فيه يعلمون من قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين .هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) وأيد جمع يد لقوله تعالى (ألهم أيد يبطشون بها ) فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، ولا عبرة لمن اعترض على ذلك بأن إبليس كان بوسعه أن يقول وأنا خلقتني بيدك لأن الأمر بالسجود لم يكن بعلة تميز آدم بالخلق باليدين ولكن لتمحيص المطيع بالأمر من المتكبر عنه ولذلك جاء في الآية الأخرى (.. أن تسجد إذ أمرتك ) ، ولا عبرة لمن قال : لو لم يكن لآدم مزية علي سائر الحيوانات باليد التي هي صفة لما عظمه بذكرها وأجله فقال ( بيدي ) ولو كانت القدرة لما كانت له مزية ، وقولهم : ميزه بذلك عن الحيوان فقد قال عز وجل : {خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ولم يدل هذا علي تمييز الأنعام علي بقية الحيوان وقال الله تعالي  { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون } أي بقوة ولم يدل ذلك على تميز السماء على بقية المخلوقات ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   فإن تواضعوا للعلم وقالوا فما معنى الآية ( لما خلقت بيدي ) قلنا : لا يليق بالخالق أن يحتاج إلى أن يفعل بواسطة ، لأن له الأحدية والغني المطلق بذاته منزه عن الأعضاء والاجزاء ، فلا ينبغي أن نتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه الباريء سبحانه من التعظيم بإثبات الأحدية { قل هو الله أحد } ونفي المثلية { ليس كمثله شيء } وذلك بنفي الأجزاء و الأبعاض والجوارح ، ونفي المماثلة في الأفعال بمس الطين ومعالجته حتى ظن بعض الجهلاء بما يجوز وما لا يجوز في حق الله تعالى  أن الله _تعالى_ مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته ، والمس قرين الاتحاد والحلول فما يقبل المس يقبلهما  ، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا ،  فسياق الآية يدل على أن المراد من قوله تعالى { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره { وعلم آدم الأسماء كلها } ، وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين .هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،  قال إمام الحرمين في العقيده النظامية : " وقد اختلف مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة 0 وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها  وإجراؤها على موجب ما تبتدره أفهام أرباب اللسان منها ، فرأى بعضهم تأويلها والتزام هذا المنهج في آي الكتاب ، وما يصح من سنن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل ، وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها الى الرب تعالى 0 والذي نرتضيه رأيا : وندين الله به عقلا : اتباع سلف الأمة 0 فالأولى الاتباع ، وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك : أن إجماع الأمة حجه متبعة ، وهو مستند معظم الشريعة ، وقد درج صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضى عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها ، وهم صفوة الإسلام ، والمستقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها ، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها 0 فلو كان تأويل هذه الآي والظواهر مسوغا ، ومحتوما ، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة 0واذا انصرم عصرهم ، وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع 0 فحق على ذي دين : أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ، ولا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى الرب تبارك وتعالى ، وعد إمام القراء وسيدهم : الوقوف على قوله تبارك وتعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله } من العزائم ، ثم الابتداء { والراسخون في العلم } [ آل عمران : 7 ]  ومما استحق من كلام امام دار الهجرة –رضى الله عنه – وهو مالك بن أنس رضى الله عنه 0 أنه سئل عن قوله تبارك وتعالى { الرحمن على العرش استوى } [ طه : 5 ] فقال ( الاستواء معلوم 0 والكيفية مجهولة 0 والسؤال عنه بدعه ) ، فلتجري آية الاستواء والمجيء وقوله ( لما خلقت بيدي ) [ص : 75] وقوله ( ويبقى وجه ربك )[الرحمن :  27] وقوله ( تجرى بأعيننا ) [ القمر  : 14] وما صح من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه فهذا ما يجب لله تبارك وتعالى ." [العقيده النظاميه ص 32] أهـ  ،  وإليك بعض أقوال العلماء في تفسير الآية :  قال الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسيره محاسن التأويل  " ( لما خلقت بيدي ) أي بنفسي من غير توسط كأب وأم " [محاسن التأويل : ج15 :  328] أهـ ، قلت : وذلك لأن إبليس من الجن فليس الأصل أما آدم فهو أصل الإنسان ، وقال النسفي في تفسيره : " ما منعك أن تسجد ما منعك عن السجود لما   خلقت بيدي   أي بلا واسطة امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي وقد مر أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيده فغلبت العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب هو ما عملت يداك وحتى قيل لمن لا يدين له يداك أو كنا وفوك نفخ وحتى لم يبق فرق بين قولك هذا مما عملته وهذا مما عملته يداك ومنه قوله مما عملت أيدينا ولما خلقت بيدي " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 45] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي : " قوله تعالى  ( لما خلقت بيدي ) اعلم أن اليد لغة حقيقة في الجارحة المعروفة وتستعمل مجازا في معان متعددة ..وإذا ثبت بالدليل العقلي تنزيه الله تعالى عن الجوارح لما فيه من التجزيء المؤدي إلى التركيب وجب حمل اللفظ على ما يليق بجلاله تعالى من المعاني المستعملة بين أهل اللسان وهي النعمة والقدرة والإحسان  " [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 122] أهـ    ، وجاء في تفسير البحر المحيط : " {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} معتقد أهل الحق أن الله تعالى ليس بجسم ولا جارحة له، ولا يشبه بشيء من خلقه، ولا يكيف، ولا يتحيز، ولا تحله الحوادث، وكل هذا مقرر في علم أصول الدين. والجمهور على أن هذا استعارة عن جوده وإنعامه السابغ، وأضاف ذلك إلى اليدين جارياً على طريقة العرب في قولهم: فلان ينفق بكلتا يديه. ومنه قوله:  ( يداك يدا مجد فكف مفيدة * وكفّ إذا ما ضنّ بالمال تنفق  ) ويؤيد أنّ اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق." [ البحر المحيط تفسير قوله تعالى (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)] أهــ ، وقال الكرماني في الكواكب الدراري: " والمقصود من الباب " لما خلقت بيدي " بيان ماورد في اليد مضافة إلى الله تعالى وهذا وأمثاله من الوجه والعين ونحوها من المتشابهات والأمة فيها طائفتان مفوضه ومؤولة فمن وقف على قوله تعالى : " إلا الله " ، وجعل " الراسخون " ابتداء كلام أخر فوض حكمها إلى الله تعالى ومن لم يقف وعطف أولها بما يليق به لأن البرهان قائم على امتناع حملها على حقائقها اللغوية فأولوا اليد بالقدرة فهو من صفات الذات ويقال هو في قبضتي أي في قدرتي ويقال أعمل مثل هذا بأصبعي إذا أراد القدرة عليه على سبيل استحقاره فإن قلت القدرة واحدة فما معنى بيدي ؟ قلت : هذا تمثيل إذ من اعتنى بشيء واهتم بإكماله باشره بيده ." [الكواكب الدراري ج12ص126] أهـ  ، قلت : أي والمراد فيستفاد من ذلك ان العناية بخلق آدم كانت أتم من العناية بخلق غيره ولا شك ،  وقال القرطبي في تفسيره : " واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى  وخذ بيدك ضغثا وهذا محال على الله تعالى وتكون للنعمة تقول العرب  كم يد لي عند فلان أي كم من نعمة لي قد أسديتها له وتكون للقوة قال الله عز وجل : { واذكر عبدنا داود ذا الأيد } أي ذا القوة وتكون للملك والقدرة قال الله تعالى : { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } وتكون بمعنى الصلة قال الله تعالى : { مما عملت أيدينا أنعاما } أي مما عملنا نحن وقال  أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح أي الذي له عقدة النكاح وتكون بمعنى التأييد والنصرة ومنه قوله عليه السلام (( يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم )) وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عنه تشريفا له وتكريما ، قال الله تعالى { يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } ،  فلا يجوز أن يحمل على الجارحة لأن الباري جل وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض " أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 238] ،  وقال الإمام ابن جماعة في كتابه إيضاح الدليل  : " الآية العاشرة قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) و ( يد الله فوق أيديهم ) و ( بل يداه مبسوطتان ) و ( بيده ملكوت كل شيء) و ( بيدك الخير ) : اعلم أن اليد لغة حقيقة في الجارحة المعروفة وتستعمل مجازا في معان متعددة كما سنذكره إن شاء الله تعالى , وإذا ثبت بالدليل العقلي تنزيه الله تعالى عن الجوارح لما فيه من التجزؤ المؤدي إلى التركيب وجب حمل اللفظ على ما يليق بجلاله تعالى من المعاني المستعملة بين أهل اللسان وهي النعمة والقدرة والإحسان  ، أما النعمة فكقولهم لفلان عندي يد لا أطيق شكرها ولفلان علي أياد يعجز عن شكرها والمراد نعم وإحسان يريدون التجوز واستعماله أن اليد آلة الإعطاء غالبا فأطلقت على النعمة بإطلاق السبب على المسبب ، وأما القدرة فكقولهم هذه البلدة في يد السلطان ويقال امري بيدك وفلان بيده الأمر والنهي ومنه قوله تعالى ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) والمراد في ذلك كله القدرة والتمكن من التصرف إذ ليس البلد والأمر والنهي وعقدة النكاح في حقيقة يد السلطان والولي التي هي عفو فتعين ان المراد قدرته وتصرفه  ، وقد تستعمل اليد مثله للتأكيد في التقدم كقوله تعالى ( بين يدي رحمته ) و ( قدموا بين يدي نجواكم صدقة ) ولا يد للرحمة والنجوى  ، إذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) فله ثلاثة أجوبة : ( أحدها ) : أن المراد مزيد العناية بنعمة عليه في خلقه وإيجاده وتكريمه كما يقال خذ هذا الأمر بكلتا يديك وأخذت وصيتك بكلتا يدي      ولا شك أن الاعتناء بخلق آدم حاصل بإيجاده وجعله خليفة في الأرض وتعليمه الأسماء وإسكانه الجنة وسجود الملائكة له فلذلك خصه بما يدل لغة على مزيد الاعتناء  ، (  الجواب الثاني ) : أن المراد بيدي القدرة لأن غالب قدرة الإنسان في تصرفاته بيده وثنيت اليد مبالغة في عظم القدرة فإنها باليدين أكثر منها بالواحدة  ،  الثالث : أن يكون ذكر اليدين صلة لقصد التخصيص به تعالى ومعناه لما خلقت أنا دون غيري ومنه قوله تعالى ( ذلك بما قدمت يداك ) أي بما قدمت أنت ومنه قولهم يداك أوكتا أي أنت فعلت ، وأما قوله تعالى  ( يد الله فوق أيديهم ) فقد قال الحسن وغيره أي منته وإحسانه ، وأما قوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان ) فلا يشك عاقل أن المراد بذلك الجود والإنعام لأنه ورد ردا على اليهود في قولهم ( يد الله مغلولة ) ولا يشك عاقل أنهم لم يقصدوا بذلك الفعل المعروف وإنما قصدوا إمساك نعمه عنهم وحبسها بإمساك المطر ونحو ذلك فرد عليهم بقوله ( بل يداه مبسوطتان ) أي بالخير وإفاضة النعم لمن شاء ولذلك قال ( ينفق كيف يشاء ) فبين المراد به  ، وأما إرادة بسط الجوارح المعروف حقيقة فلا يتوهمه عاقل فضلا عن اعتقاده ،  فإن قيل : إن كان المراد بخلقت بيدي القدرية لم يكن لآدم مزية لأن الخلق كلهم بقدرته ، قلنا المراد مزيته بالخلق في الإكرام بالأنواع التي ذكرناها ، وكذلك قوله تعالى (  مما عملت أيدينا ) فليس لها مزية على غيرها باعتبار الخلق وحده بل بإعتبار ما جعل في خلقها من المنافع المعدومة في غيرها ، فإن قيل فالقدرة شيء واحد لا يثنى ولا يجمع وقد ثنيت وجمعت ، قلنا هذا غير ممنوع فقد نطقت العرب بذلك بقولهم مالك بذلك يدان  ،    وفي الحديث عن يأجوج ومأجوج ما لأحد يدان بقتالهم  ،  فثنوا عند قصد المبالغة ومنه ،( بين يدي نجواكم صدقة ) و ( بين يدي رحمته ) وأيضا فقد جاء ( يد الله)  وجاء ( يداه مبسوطتان ) وجاء ( بأيدينا  )  فلو لم يحمل على القدرة وحمل على الظاهر لزم من تصوير ذلك ما يتعالى الله عنه  وقول بعضهم إن اليدين في قوله تعالى (خلقت بيدي)  صفتان قائمتان بذات الرب تعالى والمسلم يعقل معناها فقد تقدم الجواب عنه والرد عليه "[ ايضاح الدليل لابن جماعة] أهـــ    ،  وقال الإمام الحنبلي مرعي بن يوسف في كتابه أقاويل الثقات  : " ومن المتشابه اليد في قوله تعالى ( يد الله فوق أيديهم ) [ الفتح 10]  ( لما خلقت بيدي ) [ص 75]  ( بل يداه مبسوطتان ) [ المائدة 64] ) مما عملت أيدينا(  [ يس 71  ]  ( قل إن الفضل بيد الله  ) [ آل عمران 73  ]    وتأويله أن المراد باليد القدرة      وقال الأشعري اليد صفة ورد بها الشرع والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فإن في اليد تشريفا لازما ،  وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة قال الله ( يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي )    [ص : 75 ]  وقال   { بل يداه مبسوطتان  }  [ المائدة  : 64] وذكر الأحاديث الصحاح في ذلك كحديث يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده وحديث أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده وفي لفظ وكتب لك التوراة بيده وذكر أحاديث كثيرة مثل والخير بيديك ، وقال البيهقي قال بعض أهل النظر قد تكون اليد بمعنى القوة كقوله { داود ذا الأيد  }  [ ص : 17 ] ذا القوة وبمعنى الملك والقدرة كقوله  { إن الفضل بيد الله }[ آل عمران :  73 ]  وبمعنى النعمة كقولهم لي عند فلان يد وتكون صلة أي زائدة كقوله  { مما عملت أيدينا أنعاما } [  يس : 71 ] أي مما عملناه نحن وبمعنى الجارحة كقوله { وخذ بيدك ضغثا } [ ص : 44 ]  قال فأما قوله {  لما خلقت بيدي } فلا يحمل على الجارحة لأن البارئ واحد لا يتبعض ولا على القوة والقدرة والملك والنعمة والصلة لأن الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس ويبطل ما ذكره من تفضيله عليه لبطلان معنى التخصيص إذ الشياطين والأباليس وجماعة الكفرة خلقهم الله بقدرته ونعمه على آدم غير منحصرة فلم يبق إلا أن يحملا على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة وليس لذلك التخصيص وجه غير ما بينه الله تعالى في قوله     لما خلقت بيدي    انتهى ( أي كلام البيهقي )   تنبيه      من هذا النمط حديث الترمذي وابن ماجه ( إن الله تعالى لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي ) وفي حديث آخر ( إن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده )  وحديث أحمد ومسلم ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسييء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل )  قيل بسط اليد استعارة في قبول التوبة وإنما ورد لفظ اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بما يفهمونه وهو مجاز فإن يد الجارحة مستحيلة في حقه تعالى ، ومن المتشابه القبضة واليمين في وقوله تعالى ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه  ) [ الزمر 67 ]   وحديث البخاري ومسلم ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض )  وحديث مسلم ( يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ) الحديث     وحديث مسلم أيضا ( يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه فيقول أنا الله ويبسطها أنا الملك )   قال البيهقي المتقدمون من هذه الأمة لم يفسروا ما ورد من الآي والأخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله واحد لا يجوز عليه التبعيض  ، قال وذهب بعض أهل النظر إلى أن اليمين يراد به اليد واليد لله صفة بلا جارحة فكل موضع ذكرت فيه من الكتاب أو السنة فالمراد بذكرها تعلقها بالمكان المذكور معها من الطي والأخذ والقبض والبسط والقبول والإنفاق وغير ذلك تعلق الصفة الذاتية بمقتضاه من غير مباشرة ولا مماسة وليس في ذلك تشبيه بحال ، وهذا مذهب الحنابلة ، قال الخطابي وليس معنى اليد عندنا الجارحة وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى بها الكتاب والأخبار الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة     وقال بعض أهل التأويل كما في البيضاوي وغيره في الآية هو تنبيه على عظمته وكمال قدرته على الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين لا حقيقة ولا مجازا  ،  وقال بعضهم هو لبيان عظمة الله وجلاله وقدرته وأن المكونات كلها منقادة لإرادته ومسخرات بأمره ، وذهب آخرون إلى أن القبض قد يكون بمعنى الملك والقدرة كقولهم ما فلان إلا في قبضتي أي قدرتي ويقولون الأشياء في قبضة الله أي في ملكه وقدرته وعلى هذا التأويل مخرج الآية والحديث  ، ( تنبيه ) :  في حديث مسلم وغيره (( إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ))  قال النووي هو من أحاديث الصفات إما نؤمن بها ولا نتكلم بتأويل ونعتقد أن ظاهرها غير مراد وأن لها معنى يليق بالله تعالى أو تؤول على أن المراد بكونهم على اليمين الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة   وقوله (( وكلتا يديه يمين ))  فيه تنبيه على أنه ليس المراد باليمين الجارحة وأن يديه تعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال تنقص عن اليمين ، .. وقال الخطابي ليس فيما يضاف إلى الله سبحانه من صفة اليدين شمال لأن الشمال محل النقص والضعف والله أعلم " [ أقاويل الثقات ج: 1 ص: 149إلى 158] أهـــ

 

 

عدد الزيارات 190 آخر تعديل على السبت, 17 آذار/مارس 2018 16:56

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا