جديد الموقع

فهم المتخصصين في العقيدة لمعاني قوله تعالى : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء } مميز


الثلاثاء, 20 آذار/مارس 2018 00:40 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

فهم المتخصصين في العقيدة لمعاني قوله تعالى :  { ليسَ كَمِثلِهِ شيء }

الله تعالى : {  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء } ، في هذه الآية تنزيه جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، فالله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات في جناب ذاته ، ولا هو يشبه شيئاً منها ، لأنه لو أشبهه شيء منها لكان مثله قديماً ، ولو أشبه هو شيئاً منها لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ،  جناب الذات قديم ، ومن اخص خصائص القديم أنه لا يقبل الحدوث ولا الفناء ، كل المخلوقات تتصف بالنقص والعجز والحاجة لأنها مخلوقة محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 } ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ،  

قال تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، ويؤيد هذا النص نصوص عديدة منها قوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص/4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل  ،

(  ب  ) وعلى ذلك : فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ،

{ ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ، والثاني باطل ، لان الله تعالى يقول : {  ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، فدلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين  ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، وبالتالي تكون هذه الآية أقوى سوط على ظهور الحشوية ، لأنها تقضي على كل أوهام الحشو ، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها ، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات ، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لانها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات ، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا ، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات ، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كان جزءا من ذات ، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض ،  فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد ، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات ، وتكييف الذات ، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات ، وإلا زعموا اننا نعبد عدما ، قال تعالى : {  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع للمتشابهات : باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء ، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات ، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء ، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال ، الحركة والسكون ، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة ، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة ، قال العلماء : قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ ،  

وقد يأتي بعض من حرم نور التنزيه فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا } ، ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق صورة وشكل وحد ينتهي إليه ، وان يكون كذلك للخالق صورة وشكل وحد ينتهي إليه ولا يعلم ذلك كله إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة من عدة أوجه ، [ الوجه الاول ] : أن الله تعالى أحد والأحدية المطلقة تمنع من قبول الاجزاء والابعاض والحدود والنهايات ، لان هذه كلها لا تكون إلا بقبول الأجزاء وتركيب الأجزاء والأحدية المطلقة تمنع من ذلك ،  (( الأحدية المطلقة )) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  ، { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها عند المتخصصين أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من اخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، و [ الوجه الثاني ] أن الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ، والثاني باطل ، لان الله تعالى يقول : {  ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، فدلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين  ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، وبالتالي تكون هذه الآية أقوى آية تقضي على كل أوهام الحشو والتجسيم ،  [ الوجه الثالث ] : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، وهي عند المخلوق محدودة مقدرة أما عند الله تعالى فهي صفات مطلقة لا حد لها ولا نهاية ، وسع علمه جميع المعلومات فلا حد لعلمه وكذلك لا حد لسمعه وسع سمعه جميع المسموعات وكذلك لا حد لبصره وسع بصره جميع المبصرات ،  أما الحدود والصور والأشكال فهي صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق المقهور في ذاته بتلك الهيئات ، ولا يوصف ربنا بصفات النقص والعجز وإنما بصفات الكمال ، [ الوجه الرابع ] : قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } يتناول نفي المساواة المتعلقة بجناب الذات من جميع الوجوه بدليل صحة الاستثناء ، فإنه يحسن أن يقال ليس كمثله شيء إلا في الجلوس وإلا في المقدار وإلا في اللون وصحة الاستثناء تقتضي دخول نفي كل أوجه الشبه بين جناب الحق في ذاته وبين خلقه ، فلو كان يصح عليه الحركة او السكون لشابه مخلوقاته في ذلك ، ولو كانت تصح عليه الحدود والأشكال والصور والالوان لشابه خلقه في ذلك ولما صح الاستثناء المطلق في الآية ، فلو كان متحركا لحصل من يماثله في الحركة  فحينئذ يبطل معنى الآية ولا يصح الاستثناء ، فدل ذلك كله على ان نفي المثليه في قوله تعالى { ليس كمثله شيء } يتعلق بجناب الذات ،

{ ليس كمثله شيء } هو وحده ( واجب الوجود ) ، هو وحده ( الأزلي ) ، ( القديم ) ، ( الأبدي ) ، ( الباقي ) ، ( له وحده الكمال المطلق ) ،

( الكمال المطلق ) : لا يقبل الزيادة أو النقصان لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان لم يكن كاملا ، والكمال المطلق يعني الثبات على الكمال ،  لأن التغير من صفات النقص ، والله منزه عن التغير وعن الحدوث وعن الزيادة وعن النقصان ، لان الكمال المطلق لا يقبل شيئا من ذلك ،

هو وحده القديم بجناب ذاته وصفاته ، كل صفاته قديمة ، له كمال العلم ، فكل المعلومات من الازل حيث لا بداية وإلى  أبد الابد حيث لا نهاية منكشفة عليه ، كل العلم حاضر عنده ، لا يضل ربي ولا ينسى ،  كل المعلومات منكشفة عليه ولا يجري على علمه زمان ، كل العلم حاضر عنده ، لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ، يعلم السر وأخفى ، أحاط علمه بكل شيء ، يعلم ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ،  له كذلك كمال السمع ، يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات جملة واحدة ويميزها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد ، وكذلك له البصر المطلق الذي لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة وهو بكل شيء شهيد وهو كذلك له الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما ،

و صفات الكمال المطلق لله تعالى ، لا يحيط بها إلا من له الإطلاق وهو الله سبحانه وتعالى وحده ، ومن صفات الكمال المطلق لله تعالى : أنه هو الحي المطلق الذي له كمال الحياة ، وهو القيوم المطلق الذي قامت به الخلائق أجمعين ، وهو القادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [ يس :82 ] ، وهو الإله الذي بيده النفع والضر، فلو اجتمع الخلق على أن ينفعوا مخلوقًا لم ينفعوه إلا بما كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إذا لم يرد الله ذلك قال تعالى : {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[يونس : 107] ، 

( جناب الذات ) : واجب الوجود { ليس كمثله شيء } آخر بلا انتهاء ليس بعده بعد ، لأن إليه المنتهى ، وهو الأبدي الباقي ، كما أنه القديم الأزلي ، لا يأتي عليه الفناء لأن كل شيء هالك إلا وجه  ، قديم أزلي باقي أبدي يمتنع عليه الحد والغاية والبداية والنهاية لأن الحدود إنما تجري على مخلوقاته هو الذي حد الحدود  ، { ليس كمثله شيء }  واحد قهار قهر الوجود بقوانين تحكم الخلق ولكنها لا تجري على الخالق ، { ليس كمثله في جناب ذاته شيء } منزه عن كل ما يدل على الخلق والتصوير لأنه الخالق المصور ، منزه عن التغير والحدوث لأنه قديم ليس منه شيء محدث ولا تقبل ذاته التغير أو الحدوث ، لا تسعف الألفاظ ولا الجمل عند الحديث عن الله لأنه ليس كمثله شيء والألفاظ والجمل إنما هي وسائل للتعبير عن الإيمان بالله ولكنها لا تحيط بمعرفته لأنه المحيط بكل شيء (الذات)

( جناب الذات ) : ( القديم الأزلي )  { ليس كمثله شيء }  أول بلا ابتدأ ، لا أول لوجوده ، ومن خصائص القديم أنه مقدس عن التركيب لأن التركيب يفيد الحدوث ، وانه مقدس عن الحدود ، لان المحدود محدث ، أحدثه الذي خلقه وحده بهذا الحد والمقدار ،  وانه مقدس عن الصور والاشكال ، لان المصور محدث مركب ، وصاحب الشكل والصورة مخلوق ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } ، وأنه مقدس عن التغير ، لان المتغير محدث والمحدث ضد القدم ، والقديم ليس منه شيء حادث ، ولا يقبل الحادث ، ولو كان منه شيء حادث لكل حادثا ولو كان منه شيء حادث لقبل الفناء كما قبل الحدوث ، وانه مقدس عن الأجزاء والابعاض ، لأن ما له جزء مركب ، والمركب محدث ، والمحدث ليس بقديم ،

( جناب الذات ) : { ليس كمثله شيء } وجوده سبحانه لذاته ، فيستحيل عليه العدم أزلاً وأبداً ، والوجود نوعان : واجب ، وممكن ، فالأول : وجود الله تعالى ، والثاني : وجود كل مخلوق سوى الله تعالى ، لأن كل مخلوق مسبوق بالعدم ، ويجوز أن يلحقه فناء  ، والأشياء في حكم العقل ثلاثة : واجب وجائز وممتنع ، فالواجب ما لا يقبل الحدوث ولا العدم وهو الله ، والجائز : ما يقبل الوجود والعدم وهو كافة الخلق ، والممتنع : ما لا يقبل الوجود وهو الشريك لله ، و ( الله ) عز وجل هو واجب الوجود ، لأنه لولاه لما وُجدت الأكوان والخلائق ، كل الخلائق تعود إليه ، وكل الخلائق تحتاج إليه في وجودها وإمدادها ،

( جناب الذات ) : ( واجب الوجود بذاته ) هو وحده الموجود الذي تكون حقيقته غير قابلة للعدم البتة ولا يعني هذا الإطلاق أن ذلك اللفظ من أسمائه الحسنى ، بل المراد الإخبار عن حقيقة وجوده سبحانه ، وأنه غير متوقف على سبب ، ولا يجوز عليه العدم أزلاً وأبداً ، فالله عز وجل واجب الوجود لذاته ، قائم بنفسه ، غني عن خلقه ، لا ينفى ولا يبيد ، ولا يكون إلا ما يريد ، سبحانه ، وجوده أصلى ثابت لا يتغير  ، وجوده سبب لكل موجود سواه ، واجب الوجود بذاته : هو الموجود الذى وجوب وجوده من ذاته ولذاته ، لم يكتسب وجوده من أي شيء آخر ، واجب الوجود بذاته : هو الضروري الوجود الذى يترتب على عدم وجوده استحالة وجود أي شيء .. فهو الأزلي الأبدي ،

( جناب الذات ) : ( واجب الوجود بذاته ) : كمال محض ، وحق محض ، لا مثل ولا ند ولا ضد له ، لا ينقسم لا بالكم ولا بالكيف برئ من كل نقص ، مرتبته فى الوجود لذاته هي مرتبة لا يشاركه فيها غيره ،  وهي وجوب الوجود ،

( جناب الذات ) : ( واجب الوجود ) غنى بنفسه ، موجود بنفسه ، لا أول لوجوده ، كان موجوداً منذ الأزل، بلا كيف ، لأنّه هو الذي كيّف الكيف، وأيّن الأين , فالكيف والأين والمتى لا تجري عليه تعالى ، فهي تجري على خلقه ، لأنّها من جملة خلقه ،

( جناب الذات ) : { ليس كمثله شيء } ، فليس بمادة ولا بجسم ،  لأن كل جسم لا ينفك عن الأكوان الأربعة وهي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ، وهي حادثة لتغيرها وتبدلها، وما لا ينفك عن الحوادث يكون محدثا فيلزم حدوث الله وقد ثبت أنه واجب الوجود لذاته فلا يجوز أن يكون جسماً ، ولأن الجسم مركب وهو محتاج إلى أبعاضه وإلى فاعل يركبه فيكون واجب الوجود محتاجاً ومفعولاً ويكون ممكناً، وقد ثبت بالضرورة أنه واجب فلا يجوز أن يكون جسماً ، والله تعالى ليس في حيز ولا جهة ولا محل ، وإنه تعالى لا يحويه مكان ، لأنه لو كان في مكان لاحتاج إليه وكان مسبوقاً به وقد ثبت قدمه وغناه فلا يجوز أن يكون محتاجاً ومسبوقاً بغيره ، ولا يخلو منه مكان ، لأنه عالم بكل كائن محيط بكل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو بكل شيء محيط ، ولأن ذلك يقتضي حصره وتناهيه ويلزم أن يكون في حيز فيكون في جهة، ولا يكون في جهة إلا جسم أو بعض جسم أو عرض أو ما في حكم العرض، وقد ثبت أن الخالق ليس لجسم ولا عرض ولا في حكمها فلا يجوز أن يحل في مكان أو في غيره من مخلوقاته ،

( جناب الذات ) : له الإطلاق الوجودي :  ومعناه أن الله سبحانه له الكمال في مقام ذاته المطلقة الحاضرة عند كل شيء ، إذ لا يغيب عن أي شيء ،  وهو بكل شيء محيط ، وهو من كل خلقه قريب ليس احد منهم عنه ببعيد ، ولكن عقولنا قاصرة عن إدراك وجود الله ، { ليس كمثله شيء } في وجوده ولا في جناب ذاته ،

( جناب الذات ) : واجباً لذاته ، والواجب بالذات يمتنع عليه العدم ويستحيل عليه الفناء ، ويمتنع عليه الاحتياج لان له كمال الغني : { والله هو الغني الحميد } ،  ولا يجوز عليه التركيب ،  لأن المركب مفتقر إلى أجزائه المغايرة له ، فيكون ممكناً ، والممكن لا يكون واجباً لذاته ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الحد والمقدار ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الحدوث أو الفناء ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، وعن لوازم الجسمية كالصور والأشكال والجوارح والأجزاء والابعاض والأعضاء ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الوالد والولد والصاحبة ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الند والشبيه والكف والمثيل ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ،

( جناب الذات ) : غيب الغيوب { ليس كمثله شيء } ، معرفة جناب الذات تسمو على العقل والإدراك ،  وقد حجب الحق تعالى عن الخلق كنه ذاته ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، لا مجال لمخلوق أن يعرف حقيقة  ذات الله تعالى ولا أن يحيط به ( سبحانه وتعالى ) علما لأنه سبحانه نفى عن نفسه كل مثيل فقال جل شأنه ( ليس كمثله شيء ) وقال تعالى ( ولا يحيطون به علما ) وقال تعالى ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) ، وقال تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) فالإيمان بذات الله تعالى ، يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل أو ند أو شريك ، مع الاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن الاحاطة علما بجناب الذات ،

( جناب الذات ) : يسمو على العقل والإدراك ، فليس هو مادة لها حجم وكتلة ومقدار وصورة وأشكال والوان ، وليس هو طاقة لا علم لها ولا إدراك ، ( جناب الذات ) : غيب الغيوب ، وهو ( الغيب المطلق ) المنزه عن الحدود والغايات ، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه [ اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبى حنفية وأبي يوسف ومحمد بن حسن ] : ( تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات ) أهــ ، 

( جناب الذات ) : ذات حقيقي يتصف بكل صفات الكمال والجلال والجمال والإكرام ، ( جناب الذات ) : له الاسماء الحسنى الكاملة والصفات العلا القديمة ، الأسماء والصفات ترجع إلى جناب الذات ، والصفة لا تعمل بنفسها بل هي قائمة بالموصوف تابعة له ، وجناب الذات أزلي ابدي قديم باق أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء ، لا حد ولا غاية ولا أول ولا نهاية ، وهكذا الصفات تابعة لجناب الذات قديمة أزلية لا تدرج فيها ولا حدوث بل هي تامة كاملة الكمال المطلق ، محال أن تقبل الزيادة أو النقصان ، لأنها لو قبلت الزيادة كانت قبل الزيادة نقصا ، ولو قبلت النقص لم يكن الذات إلها له كمال الذات والصفات ،

( جناب الذات ) منزه عن الحد والوصف ، لا تدركه الحدود ولا الغايات لأنه ليس له ابتداء فيدرك وليس له انتهاء فيحاط به ، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ، 

( جناب الذات ) : له الوجود الحق المطلق ، وجود منزه عن إحاطة المكان ومنزه عن جريان الزمان ، لأنهما من مخلوقاته ، كان قبل المكان والزمان ، وهو على ما عليه كان ، لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، لان المكان محدود والله فوق الحدود ، ولان المكان محدث والمحدث لا يحيط بالقديم ، ولان المكان مخلوق والمخلوق لا يقهر الخالق ، المكان يحيط بمن فيه والله بكل شيء محيط ، والمكان يحيز من بداخله ويحويه ، والله تعالى وتنزه عن الحيز والحد ، والمكان اكبر من الذي بداخله والله أكبر من كل كبير ، و ( الله ) لا يجري عليه زمان ، لأن الزمان قاهر لمن يجري عليه بماض وحاضر ومستقبل لا يخرج المخلوق عن قهر الزمان ، والله هو القاهر فوق عباده وهو الواحد القهار ، الكل منكشف عليه منذ الازل ، جميع المعلومات منذ الازل وإلى الابد منكشفة على علمه الكامل القديم ، وجميع المبصرات منكشفة على بصره الكامل القديم ، وجميع المسموعات منكشفة على سمعه الكامل القديم ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو بكل شيء محيط ، لا يغيب عنه شيء ،

( جناب الذات ) : منزه عن المكان والزمان  ، و ( المكان والزمان ) مخلوقان ليس لهما وجود أزلي ، بل وجدا عندما اوجد الله الاكوان ، فوجود الاكوان أوجد المكان وحركة الاكوان أنتجت الزمان ، وقبل خلق الأكوان لم يكن هناك مكان ولا زمان ، و ( الله ) أسمى من أن يحده مكان أو يجري عليه زمان ، ليس له فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ، أحد مطلق لا كل ولا جزء ، لان الكل يوجد بأجزائه ويحتاج إليها ، والله هو الغني الحميد ، والجزء يكمل ببقية الأجزاء ، والله هو الفرد الصمد المنزه عن التركيب ، والأجزاء والابعاض سمة المخلوقات المحدثات ، وهو سبحانه من كماله لا يغيب عن شيء من مخلوقاته أقرب إلى خلقه من ذواتهم ، ليس أحد منهم عنه ببعيد ، وهو بكل شيء محيط ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو المبدئ المعيد وهو الغفور الودود ، فعال لما يريد ،

( جناب الذات ) : أزلي ليس مسبوقا بوجود ولا عدم وكان ولا شيء غيره ، أول بلا ابتداء ، فلا يقبل الحدوث ، و ( جناب الذات ) : أبدي ليس له نهاية ، فلا يقبل العدم ، قديم باقي ، هو الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  } وقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم]  ،

[ جناب الذات الإلهي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء ] : لا يشبه شيء من خلقه فلا يشبه الأجسام الكثيفة ولا الأجسام اللّطيفة ولا يوصف بصفات الأجسام فلا يوصف بالحركة والسّكون والجهة والمكان واللّون والتّغير والانفعال والاستقرار والجلوس ، أما رفع الأيدي إلى السّماء فلأنّها قبلة الدّعاء ومهبط الرَّحمات ، فالله موجود قبل السّماء والعرش وقبلَ جميع المخلوقات فلا يسكن السّماء ولا العرشَ ولَيسَ في كلّ مكان بل هو مَوْجُود بِلا كَيْف وَلا مَكَان ولا يجري عليه زمان ،

قال الشيخ فخر الدين بن عساكر : - في درة من درر التقديس : ( موجود قبل الخلقِ ، ليس له قبل ولا بعد ، ولا فوق ولا تحت  ، ولا يَمين ولا شمال ، ولا أمام ولا خلف ، ولا كلٌّ ، ولا بعض. ولا يقالُ متى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ ، كان ولا مكان ، كوَّنَ الَأكوانَ ودبَّر الزمانَ ، لا يتقيَّدُ بالزمانِ ولا يتخصَّصُ بالمكان ، ولا يشغلُه شأن عن شأن ، ولا يلحقُه وهم ، ولا يكتَنِفُه عقل ، ولا يتخصَّصُ بالذهنِ ، ولا يتمثلُ في النفسِ ، ولا يتصورُ في الوهمِ ، ولا يتكيَّفُ في العقلِ ، لا تَلحقُه الَأوهامُ والَأفكارُ ،   { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } انتهى كلامه ، وهو درة من درر التسبيح والتقديس

( جناب الذات ) : له الغنى المطلق ، مستغن عن كل ما سواه أزلا وأبداً ، هو الإله الحق الذي أوجد هذا العالم كلَّه  ، والعالم كلُّه بحاجَة إلى الله تعالى ليحفظ عليه وجودَه ، تنزَّه عن الكيفيّات ، موجود بلا كيف ولا مكان ، كَانَ وَلا مَكَانَ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ  ، خَلَقَ العَرْشَ إِظْهَارا لقُدْرَتِهِ وَلَم يَتَّخِذه مَكَانا لِذَاتِهِ ، يستحيل على جناب الحق : المكان لأن من له مكان يكون جسماً مخلوقا مصورا ، له حدود ومساحة وأبعاد ويحتاج إلى من يجعله بهذا الحجم وهذا المقدار والحد ، ، وكذلك يستحيل على الله تعالى : الحيز ، لان كل متحيز متناه ، وكل متناه محدث والباري قديم أزلي ليس بمحدث ولا يقبل الحدوث ، قال العارفون : ( فمَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلُهنا محدود فقَدْ جَهِلَ الخَالِقَ الْمَعْبُود ، تَعَالىَ عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ  وَالَأرْكَانِ وَالَأعْضَاءِ وَالَأدَوَاتِ وَلا تَحْوِيهِ الجِهَاتُ الستُّ كَسَائرِ المبُتَدَعَاتِ ) ، وكذلك يستحيل على الله تعالى : الصورة والهيئة والشكل والحجم والمقدار والحركة والسُّكون والألوان والطعوم والاجتماع والافتراق والاتصال والانفصال ،

( جناب الذات ) :  غيب الغيوب ، لا يدرك ، يستحيل على المخلوق المحدود ان يدرك المنزه عن الحدود ، فلا يمكن أن ندركه كما هو ، ومحال أن نحيط به علما ، لأنه فوق الحدود ،  ولأنه القديم الازلي الابدي فلاحد ولا غاية ، وإذا استحال معرفة الروح وهي معك لا تفارقك ، فأقصر عن طلب المحال ، لان ( جناب الذات ) :  غيب لا يدرك ، لأنه فوق إدراك المخلوق ،  وهناك فرق كبير بين الاحاطة بجناب الذات وبين العلم بها ، فالإحاطة مستحيلة ، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ، أم العلم بها وما به تقديسها وتنزيهها والعلم بأسمائها وصفاتها وأفعالها ، وكمالها المطلق ، فهذا أشرف العلوم ، وأحمد العلوم ، واحسن العلوم ، لأنه العلم المتعلق بالله ،

( المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة ) : الإنسان مهما أوتي من علم ، علمه محدود لأنه محدود ، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود ، ولا يستطيع الوقوف على كنهه ، لأن جناب الذات لا يحاط بها ولا يعرف كنهها ، لا في الذهن ولا في الخارج ، لأنه سبحانه مطلق ، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود ، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود ، قال تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ] ، والكلام في ذات الله تعالى لا يزيد إلا تحيراً ، والله تعالى لم يطلع العقول على جناب ذاته ، وفي نفس الوقت لم يحجبها عن واجب معرفته ، فإذا كانت عقولنا قاصرة عن كنه ذات الله فهناك مقدار واجب من المعرفة الممكنة لابد منه ، أما تصورنا لله المطلق فمحال ، لأننا محاطون بظواهر جسمانية وقيود زمانية ومكانية وأفكارنا محدودة محصورة بنوع من التفكير ، يستحيل علينا إدراك موجود مطلق قديم أزلي خال من أي قيد أو شرط ، فالمعرفة ممكنة ، والاحاطة محالة ، باب المعرفة مفتوح ، والوقوف على كنهه وحقيقته محال ،

( جناب الذات ) : لا تدركه الحدود ولا الغايات لأنه ليس له ابتداء فيدرك وليس له انتهاء فيحاط به ، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ، له الوجود الحق المطلق ، وجود منزه عن إحاطة المكان ومنزه عن جريان الزمان ، لأنهما من مخلوقاته ، كان قبل المكان والزمان ، وهو على ما عليه كان ، لا يحتاج في وجوده إلى مكان ،  ولا يجري عليه زمان ، لأن الزمان قاهر لمن يجري عليه بماض وحاضر ومستقبل لا يخرج المخلوق عن قهر الزمان ، والله هو هو الواحد القهار ، الكل منكشف عليه منذ الازل ، جميع المعلومات منذ الازل وإلى الابد منكشفة على علمه الكامل القديم ، وجميع المبصرات منكشفة على بصره الكامل القديم ، وجميع المسموعات منكشفة على سمعه الكامل القديم ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو بكل شيء محيط ، لا يغيب عنه شيء ،

( جناب الذات ) : أسمى من أن يحده مكان أو يجري عليه زمان ، ليس له فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ، أحد مطلق لا كل ولا جزء ، لان الكل يوجد بأجزائه ويحتاج إليها ، والله هو الغني الحميد ، والجزء يكمل ببقية الأجزاء ، والله هو الفرد الصمد المنزه عن التركيب ، والأجزاء والابعاض سمة المخلوقات المحدثات ، وهو سبحانه من كماله لا يغيب عن شيء من مخلوقاته أقرب إلى خلقه من ذواتهم ، ليس أحد منهم عنه ببعيد ، وهو بكل شيء محيط ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو المبدئ المعيد وهو الغفور الودود ، فعال لما يريد ،

( جناب الذات ) : أزلي ليس مسبوقا بوجود ولا عدم وكان ولا شيء غيره ، أول بلا ابتداء ، فلا يقبل الحدوث ، و ( جناب الذات ) : أبدي ليس له نهاية ، فلا يقبل العدم ، قديم باقي ، هو الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  } وقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم ]  ،   يجب الإيمان بالله على ما يليق به وأنّه مَوْجُود بِلا كَيْف وَلا مَكَان ولا يجري عليه زمان ، مستغن عن كل ما سواه أزلا وأبداً فلا يحتاج تعالى إلى جهة ولا إلى مكان يقوم به أو إلى شيء يَحلّ به ،

( جناب الذات ) :  غيب الغيوب ، لا يدرك ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ، وقال تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ] ، فالكلام عن جناب ذات الله تعالى لا يزيد إلا تحيراً ، والله تعالى لم يطلع العقول على جناب ذاته ، وفي نفس الوقت لم يحجبها عن واجب معرفته ، فإذا كانت عقولنا قاصرة عن كنه ذات الله فهناك مقدار واجب من المعرفة الممكنة لابد منه ، أما تصورنا لله المطلق فمحال ، فالمعرفة ممكنة ، والاحاطة محالة ، باب المعرفة مفتوح ، والوقوف على كنهه وحقيقته محال ،

مصادر العلم بـ ( جناب الذات ) : يكون بمعرفة أسمائه الحسنى الدالة على صفاته العلا ، له الأسماء الحسنى التي لا عد ولا حصر ، قال صلى الله عليه وسلم : (( أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ )) [ رواه أحمد في مسنده (3784) والحاكم في مستدركه ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (ح : 3528 ) ] ،  ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))  [متفق عليه ] ، والمصدر الثاني هو العلم بقواعد التقديس التي تمنع من بدعة الحشو عند الحديث عن جناب الحق سبحانه ،

[ 1 ]  ( شرح موجز لمعاني الأسماء الحسنى ) :

( الله ) : اسم دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها ، و ( الرحمن ) : واسع الرحمة لخلقه مؤمنهم وكافرهم في معاشهم ومعادهم ، و ( الرحيم ) : المعطي من الثواب أضعاف العمل ، ولا يضيع لعاملٍ عملاً ، و ( الملك ) : المتصرف في ملكه كما يشاء ، والمستغني بنفسه عما سواه ، و ( القدوس ) : المنزه عن كل وصف يدركه حس أو خيال الطاهر المطهر عن الآفات ، و ( السلام ) : السالم من العيوب والنقائص الناشر سلامته على خلقه ، و ( المؤمن ) : المصدق نفسه وكتبه ورسله فيما بلغوه عنه المؤمن عباده من الخوف ، و ( المهيمن ) : المسيطر على كل شئ بكمال قدرته ، القائم على خلقه ، و ( العزيز ) : الغالب الذي لا نضير له وتشتد الحاجة إليه ، و ( الجبار ) : المنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل أحد ، و ( المتكبر ) : المتفرد بصفات العظمة والكبرياء ، المتكبر عن النقص والحاجة ، و ( الخالق ) : المبدع لخلقه بإرادته على غير مثال سابق ، و ( البارئ ) : المميز لخلقه بالأشكال المختلفة بريئة من التفاوت وعدم التناسب. ، و ( المصور ) : الذي أعطى لكل خلقٍ صورةً خاصة وهيئةً منفردة ، و ( الغفار ) : الذي يستر القبيح في الدنيا ، ويتجاوز عنه في الآخرة ، و ( القهار ) : الذي يقهر الجبابرة بالإماتة والإذلال ، ولا مرد لحكمه ، و ( الوهاب ) : المتفضل بالعطايا ،المنعم بها دون استحقاق عليها  ، و ( الرزاق ) : خالق الأرزاق ، المتكفل بإيصالها إلى خلقه  ، و ( الفتاح ) : الذي يفتح خزائن رحمته لعباده ، ويعلي الحق ويخزي الباطل  ، و ( العليم ) : المحيط علمه بكل شئ ، ولا تخفي عليه خافيه  ، و ( القابض ) : قابض بِرّهُ عمن يشاء من عباده حسب إرادته ،  و ( الباسط ) : ناشر بِرّهُ على من يشاء من عباده حسب إرادته  ، و ( الخافض ) : الذي يخفض الكفار بالأشقياء ويخفضهم على دركات الجحيم  ، و ( الرافع ) : الرافع المُعلّي للأقدار ، يرفع أولياءهُ بالتقريب في الدنيا والآخرة ، و ( المعز ) : المعز المؤمنين بطاعته ، الغافر لهم برحمته المانح لهم دار كرامته ، و ( المذل ) : مذل الكافرين بعصيانهم ، مبوأ لهم دار عقوبته  ، و ( السميع ) : الذي لا يغيب عنه مسموع وإن خَفِيَ ، يعلم السر وأخفى  ، و ( البصير ) : الذي يشاهد جميع الموجودات ولا تخفى عليه خافيه  ، و ( الحكم ) : الذي إليه الحكم ولا مرد لقضائه ، ولا معقب لحكمه  ، و ( العدل ) : الذي ليس في قوله أو ملكه خلل ، الكامل في عدالته  ، و ( اللطيف ) : البَرُّ بعباده ، العالم بخفايا أُمورهم ، ولا تدركُهُ حواسهم ، و ( الخبير ) : العالم بكل شئ ظاهره وباطنه ، فلا يحدثُ شئٌ إلا بخبرته  ، و ( الحليم ) : الذي لا يعجل الانتقام عجلةً وطيشاً مع غاية الاقتدار  ، و ( العظيم ) : الذي لا تصل العقول إلى كُنْهِ ذاته وليس لعظمته بداية ولا نهاية  ، و ( الغفور ) : الذي لا يؤاخذ على ذنوب التائبين ، ويبدل السيئات حسنات  ،  و ( الشكور ) : المنعم على عباده بالثواب الجزيل على العمل القليل بلا حاجةٍ منه إليه. ،  و ( العليُّ ) : الذي علا بذاته وصفاته على مدارك الخلق وحواسهم  ، و ( الكبير ) : ذو الكبرياء والعظمة المتنزه عن أوهام خلقه ومداركهم  ، و ( الحفيظ ) : حافظ الكون من الخلل وحافظ أعمال عباده للجزاء وحافظ كتابه. ، و ( المقيت ) : خالق الأقوات موصلها للأبدان ، وإلى القلوب الحكمة المعرفة ، و ( الحسيب ) : الذي يكفي عباده حاجاتهم ويحاسبهم بأعمالهم يوم القيامة ، و ( الجليل ) : عظيم القدرة بجلاله وكماله في ذاته وجميع صفاته ، و ( الكريم ) : الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه وإذا وعد وفي  ، و ( الرقيب ) : الملاحظ لما يرعاه ملاحظة تامة دائمة ولا يغفل عنه أبدا ، و ( المجيب ) : الذي يجيب الداعي إذا دعاهُ ويتفضل قبل الدعاء ، و ( الواسع ) : الذي وسع كُرْسِيُّهُ ورحمتُهُ ورزقه جميع خلقه  ، و ( الحكيم ) : المنزه عن فعل مالا ينبغي ، ومالا يليق بجلاله وكماله  ، و ( الودود ) : المتحبب إلى خلقه بمعرفته وعفوه ورحمته ورزقه وكفايته  ، و ( المجيد ) : الشريف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه ونواله ، و ( الباعث ) : باعث الموتى للحساب والجزاء وباعث رسله إلى خلقه  ، و ( الشهيد ) : العالم بالأمور الظاهرة والباطنة المُبيِّن وحدانيته بالدلائل الواضحة . ، و ( الحق ) : حالق كل شئ بحكمة باعث من في القبور للجزاء والحساب ، و ( الوكيل ) : الموكولُ إليه الأمور والمصالح ، المعتمد عليه عباده في حاجاتهم . ، و ( القوي ) : ذو القدرة التامة الكاملة ، فلا يعجز عن شئ بحال ، و ( المتين ) : الثابت الذي لا يتزلزل ، والعزيز الذي لا يغلب ، فلا يعجز بحال . ، و ( الولي ) : المحب أولياءه الناصر لهم ، المذل أعداءهُ في الدنيا والآخرة ، و ( الحميد ) : المستحق للحمد والثناء لجلال ذاته وعلو صفاته وعظيم قدرته .، و ( المحصي ) : الذي لا يفُوتُهُ دقيق ولا يعجزهُ جليل ، ولا يشغله شئ عن شئ . ، و ( المبدئ ) : الذي بدأ الخلق وأوجده من العدم على غير مثال سابق ، و ( المعيد ) : الذي يعيد الخلق إلى الموت ثم يعيدهم للحياة للحساب ، و ( المحيي ) : الذي يحيي الأجسام بإجاد الروح فيها ، و ( المميت ) : الذي يميت الأجسام بنزع الرواح منها ، و ( الحي ) : المتصف بالحياة الأبدية ، فهو الباقي أزلاً وأبداً ، و ( القيوم ) : القَيِّمُ على كل شئٍ بالرعاية له وتقوم الأشياء وتدوم به  ، و ( الواجد ) : الذي يَجدُ كل ما يطلبه ويريده ، ولا يضل عنه شئ ، و ( الماجد ) : كثير الإحسان والأفضال، أو ذو المجد والشرف التام الكامل ، و ( الواحد ) : المتفرد ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً بالألوهية والربوبية ، و ( الصمد ) : السيد المقصود بالحوائج على الدوام ، العظيم القدرة ، و ( القادر ) : المتفرد باختراع الموجودات المستغني عن معونة غيره بلا عجز ، و ( المقتدر ) : الذي يقدر على ما يشاء ، ولا يمتنع عليه شئ ، و ( المقدم ) : مقدم أنبِياءَهُ وأولياءه بتقريبهم وهدايتهم معطيهم عوالي الرتب ، و ( المؤخر ) : مؤخر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينه وبينهم ، و ( الأول ) : السابق للأشياء كلها الموجود أولاً ولا شئ قبله  ، و ( الآخر ) : الباقي بعد فناء خلقه جميعهم ولا نهاية له  ، و ( الظاهر ) : الظاهر بآياته وعلامات قدرته ، المطلع على ما ظهر من خلقه  ، و ( الباطن ) : المحتجب عن أنظار الخلق المطلع على ما بطن من خلقه ، و ( الوالي ) : المتولي للأشياء المتصرف فيها بمشيئته وحكمته وينفذ فيها أمره ، و ( المتعالي ) : المتنزه عن صفات المخلوقين المرتفع عن صفات الناقصين ، و ( البَرُّ ) : الذي لا يصدر عنه القبيح العطوف على عباده المحسن إليهم ، و ( التواب ) : الذي يُيَسر للعصاه طريق التوبة ويقبلها منهم ويعفو عنهم  ، و ( المنتقم ) : معاقب العصاه على أعمالهم وأقوالهم على قدر استحقاقهم  ، و ( العفو ) : الذي يصفح عن الذنوب ، ويترك مجازاة المسيئين إذا تابوا  ، و ( الرءوف ) : المنعم على عباده بالتوبة والمغفرة ، العاطف عليهم برأفته ورحمته . ، و ( مالك الملك ) : القادر تام القدرة ، فلا مرد لقضائه ، ولا معقب لحكمه  ، و ( ذو الجلال والإكرام ) : صاحب الشرف والجلال والكمال في الصفات والأفعال . ، و ( المسقط ) : العادل في حكمه ، المنتصف للمظلومين من الظالم بلا حيف أو جور .، و ( الجامع ) : جامع الخلق يوم القيامة للحساب والجزاء ، و ( الغني ) : المستغني عن كل ما عداه ، المفتقر إليه من سواه ، و ( المُغني ) : يُغني بفضله من يشاء من عباده ، وكل غني يرجع إليه ، و ( المانع ) : الذي يمنع بفضله من استحق المنع ويمنع أولياءه من الكافرين ، و ( الضار ) : الذي يُنزل الضر على من يشاء من عباده بالعقاب وغيره ، و ( النافع ) : الذي يعم جميع خلقه بالخير ويزيد لمن يشاء ، و ( النور ) : المنزه عن كل عيب المُنوِّر ذا العماية ، المرشد الغاوين ، و ( الهادي ) : هادي القلوب إلى الحق وما فبه صلاحها ديناً ودُنيا  ، و ( البديع ) : خالق الأشياء بلا مثالٍ سابق ، ولا نظير له في ذاته وصفاته ، و ( الباقي ) : دائم الوجود بلا انتهاء ، ولا يقبل الفناء ، و ( الوارث ) : الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء المُلاَّك  ، و ( الرشيد ) : الذي أرشد الخلق وهداهم إلى مصالحهم ويُصَرَّفهم بحكمته ، و ( الصبور ) : الذي لا يُعاجل بالعقوبة ، فيمهل ولا يهمل

***

[ 2 ] قواعد التقديس المتعلقة بجناب الله

[  1  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس : أزلي لا ابتداء لوجوده ، وأبدي لا انتهاء لوجوده ، هو الأول بلا ابتداء ، فليس قبله شيء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فليس بعده شيء ، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، وأجراه ، ولو شاء أوقفه وأفناه ، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، سبحانه ، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته ، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق ، فكل المخلوقات مقهورة بقوانين الزمان ، لا فكاك لها عن الزمان ، فلابد وأن يجري عليها زمان ، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، كيف وهو الخالق للزمان ولقوانين الزمان ، وهو القاهر للزمان ولقوانين الزمان ، سبحانه هو القائل : {  قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وهو القائل : { سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ، سبحانه قاهر للزمان ، ولو شاء أوقفه وأفناه ،  سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق ، كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ،

[  2  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار : فلا انتهاء لجناب ذاته ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  والقاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،  ثم  كيف يصف المسلم ربه تعالى بالحد والمقدار ، وهو يقول (( الله أكبر )) عند تكبيرة الاحرام ، وعند  كل حركة وانتقال ، وفي جميع الاذكار ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  وكل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق المقدر لجميع المخلوقات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ، القاعدة عند الأصوليين : أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق ، ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال ، فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ،  وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، وقد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق ، وبين القديم وبين المحدث وبين الغني المنزه عن الحدود وبين الفقير المحدود ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر : 15 ] ،

[  3  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان : المكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، والمكان محدث مخلوق ، والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، خلق المكان ، وقهر جميع خلقه بالكون في المكان ، أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان ،  والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن ، والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ،  الله تعالى موجود بلا كيف ، والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، ليس كمثله شيء ، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، و كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان ، إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان ، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل : قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني : حادث، والحادث محدود ، والله تعالى منزه عن الحدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،   وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالكون في المكان متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو نرد المتشابه إلى محكمه كما هو فعل الراسخين في العلم ، فنحمله على المكانة ، وليس المكان ،  ومثاله : حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار ، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  فلا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات الصحيحة ، ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة التي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

[  4  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس : منزه عن أي مثيل أو كفء أو شبيه :   لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة  ، قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى : 11 ] ، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ النحل : 60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، وقال تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ النحل : 74 ] ، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [  مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقال تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام : 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقال تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ولا له كفء ولا شبيه ، وليس له مثال يقاس عليه ، ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ،

[  5  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس : منزه عن الحدوث أو الفناء ، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق : الله تعالى منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ، فإن الذي يقبل الحوادث حادث ، والله تعالى أول بلا ابتداء ، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء ، تنزه عن قبول الحوادث ، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، و كل ما يقوله أهل البدعة والضلالة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

[  6  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق : لانّ ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، والجسمية تناقض الأحدية ، والله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ] ،  الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، و ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  كما أنّ من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ،

[  7  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق :  أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً حميدا بإطلاق ، فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ،

[  8  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات : لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ،

[  9  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الاتحاد بشيء من خلقه ، وعن الحلول بشيء من خلقه ، وعن الاتصال أو الانفصال بشيء من خلقه ، لأنّ ذلك صفات المخلوق : وبيان ذلك  أنه ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والحلول في المواضع والأماكن عرض لا يقوم به إلا من يقبل الحوادث ، وقبول الحوادث لا يليق بقديم الذات الصفات ، كما أن الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا  ، وقد أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[  10  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق : الأعراض من الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح وغيرها من الأعراض ، والكيفيات الحسية كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والحركة والسكون والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، فإن الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،  وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء ، وغير ذلك مما يوحي بالتغير والحدوث إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[  11  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق : سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وعن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ،

[  12  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الوالد والولد والصاحبة :  تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فيستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 101 ] ، والنصارى ضالون من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، وند له ، ومثيل لذاته ، وشبيه بذاته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ]  ،

[  13  ]  حاجتنا إلى علم التقديس :  الموجودات ثلاثة :  ( الأول ) :  أزلي أبدي : وهو الله تعالى فقط ، لا بداية ولا نهاية لوجوده  ، لأنه الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء ، و ( الثاني ) أبدي لا أزلي : له بداية ولا نهاية له وهو الجنة والنار فهما مخلوقتان ، أي لهما بداية إلاّ أنه لا نهاية لهما أي أبديتان فلا يطرأ عليهما خراب أو فناء لمشيئة الله بقاءهما ، و ( الثالث ) لا أزلي ولا أبدي : محدث فان له بداية وله نهاية وهو كل ما في هذه الدنيا الفانية ،  كما أنّ أحكام العقل ثلاثة : ( الأول ) : الواجب العقلي: هو ما لا يتصور في العقل عدمه أو ما لا يقبل الانتفاء لذاته وهو وجود الله تعالى بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، و ( الثاني ) المستحيل العقلي : هو ما لا يتصور في العقل وجوده كوجود الشريك لله تعالى  ، و ( الثالث ) الجائز العقلي : وهو ما يقبل الوجود والعدم ، وهو سائر الخلق ،  والصفات الواجبة في حقه تعالى ثلاث عشرة صفة ، الوُجود ، والقِدَم ، والمخالفة للحوادث ، والبقاء ، وقيامه بنفسه ، والحياة ، والوحدانية ، والقدرة ، والعِلْم ، والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، والصفات المستحيلة في حق الله تعالى أضدادها ، واجب الوجود فيستحيل في حقه العدم ، قديم الذات والأسماء والصفات فيستحيل عليه الحدوث أو التغير أو الأفول أو قبول الحوادث ، ليس كمثله شيء فيستحيل في حقه مشابهة الحوادث ، هو الباقي فيستحيل في حقه الفناء  ، وهو القيوم ، قائم بذاته فيستحيل في حقه الاحتياج ، له كمال الحياة فيستحيل في حقه السنة والنوم والموت ، إله واحد لا شريك له فيستحيل في حقه الشريك ، وهو على كل شيء قدير فيستحيل في حقه العجز ، وهو بكل شيء عليم فيستحيل في حقه  الجهل والنسيان ، له سبحانه كمال الإرادة والمشيئة فيستحيل في حقه القهر والجبر ، سميع له كمال السمع فيستحيل في حقه الصمم أو اختلاط الأصوات ، بصير له كمال البصر فيستحيل في حقه العمى واختلاط المبصرات ، متكلم  له صفة الكلام ، وهي صفة ذاتية قديمة فيستحيل في حقه العي والبكم وانتهاء الكلمات ، سبحانه : { أحد } لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، لا جزء له ، ولا كل ، إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية المطلقة ، والله تعالى أحد : لا يمين له ولا يسار له ، ولا فوق له ، ولا تحت ، ولا أمام له ولا وراء ، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، { صمد } يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف بالصمدية ، ولا بكمال الغنى والقيومية ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، لا ينفصل منه شيء ، ولم ينفصل من شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه ، بائن من خلقه ، كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ، لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء  ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ، تقدس أن يكون له مثيل او شبيه ، هو الخالق ومن عداه مخلوق ، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق ، هو القديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، تقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث أو الفناء ، وتقدس عن قبول الحوادث ، ولو قبل الحوادث لم يكن قديما ، ولو قبل الحوادث لكان جزء منه حادث ، ولو قبل الحوادث لقبل الفناء ، وكيف يقبل شيء وهو الاحد المنزه عن الانقسام وقبول الاجزاء والأبعاض ، تعالى منزه عن الحدود ، وتقدس أن يقهره حد أو يحده مقدار ، وهو الذي قهر خلقه بالحدود والمقادير ، تقدس المحدد أن يكون محددا ، وتنزه المقدر أن يكون مقدرا ، وجل القاهر أن يكون مقهورا ، وهو القاهر لكل شيء ، ومن عداه مقهور لحكمه وقضائه ، ، تقدس أن يكون له مثيل ، ليس كمثله شيء ، من عداه متماثل في الخلق والحدوث والفناء ، ليس كمثل وجوده وجود ، موجود بلا كيف وبلا مكان ولا يجرى عليه زمان ، كيف وهو الموجود في الأزل قبل المكان والزمان ، كيف وهو القاهر للمكان والزمان ، كيف وهو الخالق لقوانين المكان والزمان ، والمكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، فهل يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، وهو سبحانه منزه عن الاتحاد والحلول ، إذ تقدس الخالق أن يحل في شيء من خلقه ، وأنى للقديم الباقي أن يحل في المحدث الفاني ، سبحانه رب العالمين ، ومن عداه عبد مربوب ، إله غني قادر قاهر ومن عداه عبد ضعيف فقير مقهور ، هو الخالق البارئ المصور ، ومن عداه مخلوق مصور ، تقدس المصور أن يكون مصورا  ، والصور لا تنشأ إلا بالتركيب ، { في أي صورة ما شاء ركبك }  ، والأحد منزه عن التركيب ، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الأجزاء والأبعاض والأشكال والألوان والتخاطيط ، والصور إنما تنشأ باجتماع الأجزاء والألوان ، والصور دليل على الخلق والحدوث ، لذا تقدس المصور ان يكون مصورا وتقدس المركب أن يكون مركبا ، وتقدس القاهر لخلقه بالصور والأشكال أن يكون مقهورا بها ،  يستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه السنة والنوم ، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ، ، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات ، ويستحيل عليه التغير والحدوث ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق ، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه ، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، ،  لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل اولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الاحياء وانه القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على انشاء ما انشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شىء اخر ولا بأصعب عليه منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضر ولا يناله السرور واللذات ولا يصل اليه الاذى والآلام ليس بذى غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء ، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو ،

[  14  ]  ما أشد حاجة المسلمين إلى التجديد في ( علم التقديس ) أو ( علم توحيد الذات ) أو ( علم التنزيه ) أو قل إن شئت ( علم التسبيح ) :  وذلك بجمع قواعد التقديس والتوحيد والتنزيه ، التي تمنع من الخلل في علم العقيدة ، والتي تمنع من الاعتزال والتجهم والتعطيل ، وفي نفس الوقت تمنع من الحشو والتشبيه والتجسيم ، قواعد رصينة مستنبطة من الكتاب والسنة تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يجب وبما يجوز وبما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله تعالى وتقدس ، فإن العامة بمعزل عن تصور هذا العلم يجهلونه الجهل البسيط ، وأهل الحشو أهل جهل مركب ، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس ، والعامة  يجهلونه الجهل البسيط ، لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه ، فإنه يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع جناب ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن جناب ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ،  إن المقصود الرئيس من علم التنزيه والتقديس هو قطع الطمع عن إدراك حقيقة جناب ذات الله تعالى وتصفية الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه ، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى - على لسان الملائكة - { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  }،  وأهل الحشو أهل جهل مركب ، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس ، ويتصدرون للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، ويتصدرون للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، 

[  15  ]  وجوب تدريس قواعد التنزيه والتقديس المستمدة من الكتاب والسنة : يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس  : لأنها  تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 103 ] ، وقوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ آية الكرسي ] ، وقوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقد أكرمني الله تعالى بجمع وشرح قواعد التقديس في  كتاب التجديد الأول ( التجديد في علم التقديس ) ، وأهم تلك القواعد : القاعدة الأولى : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ،  القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ،  القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، القاعدة الرابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، لقاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، القاعدة الثانية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ، القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكفء والمثيل ، القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، القاعدة الخامسة عشرة : رؤية المؤمنين لجناب ذات الله تعالى في الجنة ، وهذا الكتاب موجود على موقع : دار الإصلاح والتجديد على شبكة النت ،

[  16  ]  رؤية جناب ذات الله تعالى في الآخرة : اتفق أهل السنّة والجماعة على رؤية ذات الله تعالى في الآخرة ، وأنها رؤية بغير احاطة ، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة ، وقولهم هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح  ،  فمن الأدلة على رؤية الله سبحانه من كتاب الله تعالى : قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } [ القيامة : 22 ، 23 ] ، وقوله تعالى :  { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس : 26 ] ، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية ، كما أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم ، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ، ألم تدخلنا الجنة ، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ، ثم تلا هذه الآية : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ،  وقوله تعالى : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ ق: 35] والمزيد في هذه الآية هو النظر إلى الله تعالى ،  وقوله تعالى: {  كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [ المطففين : 15  ] ، لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين ،  وقوله تعالى: { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 143] ،  والدليل على جواز الرؤية أنّ نبي الله  موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل ، لأنّ الأنبياء أعلم الناس بما يجوز وما يمتنع على الله ، ولا شك أنّ نبي الله موسى عليه السلام أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل في حقه من المعتزلة والإمامية والأباضية الذين منعوا من رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة ، كما أن الله تعالى أجابه بقوله { لَن تَرَانِي } وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: ( لست بمرئي ) ، أو ( لا تجوز رؤيتي ) أو ( إن الرؤية تستحيل في حقي ) ولكان آنذاك تصحيحاً واجبا للعقيدة وللخطأ في طلب الرؤية التي لا تجوز في حق الإله ، وكل هذا لم يحدث ، فدل على جواز المبدأ ( إمكانية رؤية الله ) ، كما أنّ الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز ، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية جائزة ، وقد تواترت الأدلة من السنّة على رؤية الله تعالى في الآخرة منها :  ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: فإنكم ترونه كذلك )) [ أخرجه مسلم ]  ،  وأخرج البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنكم سترون ربكم عيانا )) [ أخرجه البخاري ] ،  وأخرج مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن )) [ متفق عليه ] ، كما أنّ رؤية الله تعالى غير ممتنعة عقلاً ، لأن الله تعالى موجود ، وكل موجود تصح رؤيته ، لأنّ المصحح للرؤية الوجود ، وكما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك للناس في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى ، كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعينهم يسمى ذلك الإدراك رؤية تتعلق به تعالى على ما يليق به ، فهذه لا يحيلها العقل وقد جاء الشرع بإثباتها ، فوجب اثباتها والايمان بها ، وقد اتفقت كلمة مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة ( المدرسة الأثرية والمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية ) على رؤية الله تعالى في الآخرة ، ومنع منها المعتزلة والإمامية والإباضية ، وحججهم في الباب واهية لا تقوى على معارضة الأدلة من الكتاب والسنة والعقل ، وأبرز أدلتهم : أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن المكان وسائر الأمكنة والجهات إليه سواء ، والرؤية لا تكون إلا في جهة ومكان ، والمكان مستحيل على الله لأنّ الله تعالى خالق المكان ، ولا يحل الخالق في المخلوق ، نقول نعم للتنزيه ، ولكن ما علاقة الرؤية بالمكان والجهة ، لأننا نقول رؤيته - سبحانه - لا في جهة ولا في مكان ، لأنّ جميع المؤمنين لا يضامون في رؤيته والمعنى لا يتزاحمون لرؤيته ، فالكل يراه لا في جهة ولا في مكان ، قال تعالى { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  } [ البقرة : 115 ] ، فالأماكن كلها عند الله تعالى سواء ،  كما أنهم يقولون : أنّ الرؤية لا تكون إلا بشعاع متصل بين العين والشيء المرئي ، وهذا محال على الله لأنّه منزه عن قوانين المادة والجسم ، ونقول : الرؤية ممكنة بغير تلك الأسباب ، والله تعالى خالق الأسباب والمسببات ، وعلى ذلك نؤمن بالرؤية بلا مقابلة ، ولا اتصال أشعة البصر ، ولا إحاطة بصر ،  و المانعون من الرؤية يستدلون بقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ  } [ الأنعام : 103 ] ، فقالوا ما لا تدركه الأبصار فليس بمرئي ، وهذا فهم خاطئ للآية لأنّه لو كان المقصود نفي الرؤية لجاءت الآية ( لا تراه الأبصار ) ، ولكن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية ،  { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ  } ونحن نقول بجواز الرؤية  ولكن بغير احاطة ، إذ كيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود ، ورؤية الله ناشئة عن تجلى الرب الرحمن ، وناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار ، لأنّ الحجب تحجب رؤيتنا للعلي الجبار ، وهي تحجب المخلوق عن رؤية خالقه ، و إلا فذات الله تعالى ظاهرة لا يحجبها شيء أبدا ، إذ لا يحجب الحجاب المخلوق خالقة المنزه عن الحدود ، وإنما هي حُجُب تحجب أبصار المخلوقين المحدودة عن رؤية الخالق الجليل الكبير المتعال ، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم ، كما تجلى للجبل في الدنيا فجعله دكا ، فيرونه وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ، ولا مسافة ، نراه بقدرته بلا كيف ، سبحانه ليس كمثله شيء ، نسأل الله الكريم أن يتفضل علينا برؤيته في دار النعيم ، اللهم آمين ،

 

عدد الزيارات 258 آخر تعديل على الأحد, 25 آذار/مارس 2018 21:33

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا