×

خطأ

COM_CWTRAFFIC_MSG_MISSING

تحقيق القول في مسائل متعلقة بكفر العمل - حكم تارك الحكم بما أنزل الله - حكم تارك الصلاة - حكم تولي الكافرين مميز


الجمعة, 11 أيار 2018 07:05 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تحقيق القول في مسائل مهمة متعلقة بكفر العمل - حكم تارك الحكم بما أنزل الله - حكم تارك الصلاة - حكم تولي الكافرين  

[  1  ] تحقيق القول في كفر تارك الحكم بما أنزل الله وبيان المناط الصحيح للكفر الأكبر في المسألة ، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل للحكم بغير ما أنزل الله ، الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد للحكم بما أنزل الله بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ،

[  2  ] تحقيق القول في كفر تارك الصلاة وبيان المناط الصحيح للكفر الأكبر في المسألة ، وبيان أن ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب ( جحد الصلاة ) وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد والعقد بالإقرار بوجوبها واقتصر الترك على عمل الجارحة تكاسلاً

[  3  ] تحقيق القول في كفر المتولي للكافرين وبيان المناط الصحيح للكفر الأكبر في المسألة ، وهو المستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، فلم يوالهم على أساس الدين ، وإنما الموالاة على أساس الدنيا ،

**** 

 

[ 1 ]  :  تحقيق القول في كفر تارك الحكم بما أنزل الله 

  وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان  ، 

وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط

 

قال تعالى { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ *  إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ سورة المائدة : 41 ـ 44 ] ، قلت  الصحيح في بيان سبب نزول هذه الآية هو ما أخرجه الأئمة البخاري ومسلم ومالك وأبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ماذا تجدون في التوراة في شأن الرجم )) فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، قال عبد الله بن سلام . كذبتم إن فيها الرجم . فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة ،  (( قلت )) هذا لفظ البخاري في صحيحة والإمام مالك في موطئه ، وأخرجه مسلم وأبو داود بألفاظ متقاربة وجميعهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهذا الحديث أخرجه كذلك مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب رضى الله عنه . وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضى الله عنه ، وأخرجه أبو داود وابن ماجة عن جابر رضى الله عنه . وعلى ذلك فالحديث رواه أربعة من الصحابة هم : عبد الله بن عمر ، والبراء بن عازب ، وجابر بن عبد الله ، وأبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين ، وأخرجه من الأئمة مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، وانظر له صحيح البخاري 4/251 ، 6/46 ـ 47  الموطــأ 2/891  صحيح مسلم 5/122  سنن أبي داود ح ( 4448 ) ، ( 4449 ) ، ( 4450 ) ، ( 4451 ) ، ( 4452 ) جـ4/154 وما بعده مسند الإمام أحمد جـ4/286 سنن ابن ماجة ح ( 2558 ) ،   وقال ابن كثير وهو يتحدث عن تفسير الآيات " والصحيح أنها نزلت في اليهوديين الذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيدهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين "[ تفسير بن كثير جـ2/66 ] أهــ ومن تدبر هذا السبب الصحيح في نزول الآيات وتدبر حالة اليهود الذين نزل فيهم قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون } الآيات . رأى أن حالهم هو الاستحلال للحكم بغير ما أنزل الله والزعم بأنه شـرع الله وحكـم الله . والشاهد لذلك من حديث البخاري (( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون )) فهم قاتلهم الله يزعمون أن حكم الله في التوراة هو الفضيحة والجلد وليس الرجم ويؤكد ذلك سياق الحديث وفيه (( قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على أية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها )) فاليهود بدلوا حكم الله عز وجل في الزنا ـ الرجم ـ وجعلوا مكانه الفضيحة والجلد وزعموا أنه حكم الله تعالى واستحلوا الحكم به اعتقاداً ، بدليل أنهم لما سئلوا عن حكم الله في الزنا أخبروا أنه الجلد والفضيحة وجحدوا حكم الله تعالى الحقيقي وهو الرجم ، وعلى ذلك فالفقه الصحيح لسبب النـزول والفهم والصواب للآية في إطار هذا السبب هو أن ترك الحكم بما أنزل الله والذي ابتلى به اليهود هو الترك الكلي متناولاً الاعتقاد والعمل وهو جحود حكم الله وإبداله بغيره من وضع البشر ثم نسبته إلى الله تعالى واستحلال الحكم به ، وهذا هو المناط الحقيقي للآية وفق سبب النزول ، وسيأتي أن ذلك هو قول الصحابة والسلف وعلماء أهل السنة والجماعة عامــة  ، ( فائدة ) : في ضرورة معرفة سبب نزول الآيات : العلماء متفقون على أن العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب  ، ومع ذلك فهم متفقون كذلك على أهمية معرفة سبب النزول البالغة حيث تعين على الفهم الصحيح لمعنى الآيات ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن صورة سبب النزول قطعية الدخول في حكم الآية ، بمعنى أن من أتى بنفس صنيع اليهود من جحود حكم الله واستحلال الحكم بغيره ونسبته إلى شرع الله فهو داخل في حكم الآية حتى وإن كان من أمة الإسلام . وفي بيان ذلك يقول السيوطي وهو يتكلم عن فوائد معرفة أسباب النـزول ( ومنها أن اللفظ قد يكون عاماً ويقوم الدليل على تخصيصه فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ماعدا صورته  ، فإنه دخول صورة السبب قطعي و إخراجها باجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب ) [ الإتقان في علوم القرآن جـ1/28 ] أهـ

[  أقوال الصحابة والتابعين حول الآية ، والتوفيـق الصحيـح بيـن هـذه الأقـوال جميعـاً  ]  :  بحمد الله تعالى وتحدثاً بنعمته ، لم أدع تفسيراً من التفاسير المطبوعة المقبولة عند علماء أهل السنة والجماعة تمكنت من الوصول إليه إلاً ورجعت إليه لاستيفاء الأقوال الواردة حول قوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، ومن تتبعي لهذه التفاسير وغيرها ، يمكنني القول بأن أقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حول هذه الآية يمكن أن تؤول إلى خمسة أقوال جميعها متوافقة لا اختلاف فيها ولا تعارض إلاّ عند من لم يفهم مقصود السلف ولم يحمل أقوال بعضهم على بعض :

[ القول الأول ] : أنها ليست في المسلمين وإنما هي في الكفار وقد ورد هذا القول عن بعض التابعين (( فقد أخرج الطبـري بسنـده عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }  ليس في أهل الإسلام منها شيء ، هي في الكفار [ تفسير الطبري جـ6/252 ط . مصطفى الحلبي ] أهــ

[ القـول الثانـي ] : أنهـا نزلـت في أهـل الكتـاب وفـي الكافريـن جميعــاً وقال بهذا القول من الصحابة رضي الله عنهم البراء بن عازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس ومن التابعين كثير منهم أبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبدالله وغيرهم . فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال (( مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود ، فدعاهم فقال : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقالوا : نعم ، فدعا رجلاً من علمائهم فقال : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقال : لا ، والله ، ولولا أنك ناشدتني بهذا لم أخبرك ؛ نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه . قال : فأمر به فرجم ، قال : فأنزل الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ..} [ المائدة : 41 ]  ، يقولون : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، إلى قوله : { و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  } [ المائدة : 44 ] ، قـال : في اليهـود إلى قوله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : في اليهود ،  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ المائدة : 47 ]  ، قال : في الكفار كلها [ صحيح مسلم ك الحدود جـ5/122 - 123 سند الإمام أحمد جـ4/286 ]. وقال ابن كثير في تفسيره :  " وقوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قـال الـبراء بن عـازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم نزلت في أهـل الكتـاب زاد الحسن البصـري وهي علينـا واجبـة " أهـ ، (( قلت )) والفارق بين هذا القول والقول السابق له أن القول الأول ينفى كون الآية تخص المسلمين كما نقلنا قول أبي صالح من التابعين ليس في أهل الإسلام منها شيء وإنما هي في الكفار ، والقول الثاني يتفق مع الأول في أنها في الكفار ولكنه لا ينبغي تعلقها بالمسلمين بدليل اجتهاد الحسن البصري بأنها في أهل الكتاب وهي علينا واجبة ، والحق الذي أراه أن القولين ليس بينهما تعارض لأن لكل قول منهما مغزى سيتضح أكثر عند عرض بقية الأقوال ،

[ القول الثالث ] : أنّ حكم الآية يتناول المسلمين ويقصد به الكفر في إطـار الملة {كفر دون كفر} وقد جاء هذا القول صحيحاً عن حبر الأمة وفقيهها ـ الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والفقه ـ عبدالله بن عباس رضى الله عنهما ، وبه قال عامة أصحابه كعطاء وطاوس . { أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس   { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسلـه [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاَ بسنده عن ابن طـاوس عـن أبيه قال : قال رجل لابن عباس في هذه الآيات { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } فمن فعل هذا فقد كفر ، قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر  وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا }[ تفسير الطبري ج6/256 ] وأخرج أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال : سُئل ابن عباس عن قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : هي به كفر ، قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن طاوس { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : ليس بكفر ينقل عن الملة [ تفسير الطبري ج6/256 ].هـ وأخرج أيضاَ عنه { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : كفر لا ينقل عن الملة . قال : وقال عطاء : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن عطاء قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون} قال كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم }[ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وقد نقل بعض هذه الآثار الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وهو يتحدث عن الكفر في إطار الملة فقال : (( وأما الفرقان الشاهد عليه ـ أي الكفر دون الكفر ـ في التنزيل فقول الله عز وجل  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] وقال ابن عباس " ليس بكفر ينقل عن الملة " وقال عطاء بن أبي رباح (كفر دون كفر)  فقد تبين لنا أنه كان  ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب ، فلا معنى له إلا خلاف الكفار الحكم بغير ما أنزل الله [ كتاب الإيمان لأبي عبيد ص45 ط . المكتب الإسلامي ] أهــ ،

[ القول الرابع ] : أن حكم الآية يتناول المسلمين وله تفصيل فمن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً للحكم فهو كافر الكفر الأكبر ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر به معتقد له فهو ظالم فاسق وكفره دون الكفر الأكبر ، وقد أخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بن عباس قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به فهو ظالم فاسق [ تفسير الطبري جـ6/257 ] ، (( قلت )) وما قاله فقيه الأمة ابن عباس أوضحه تلميذه عكرمة فقد ذكر ابن حبان في تفسيره (( وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية [ البحر المحيط لابن حبان جـ3/493 ط . دار إحياء التراث ] أهـ . ومن تدبر كلام عكرمة ـ رحمه الله ـ عرف التفسير الأوفى للآية فإن الله تعالى جعل الكفر من نصيب من لم يحكم بما أنزل الله ، وعكرمة رحمه الله أوضح أن من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله فهو حاكم بما أنزل الله بقلبه وإن لم يفعله بجوارحه فهو تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية  { ومن لم يحكم  } لأنه قد حكم بقلبه بما أنزل الله فليس هو تارك بالكلية لحكم الله فلا يكفر الكفر الأكبر بخلاف الجاحد لأنه ما حكم بما أنزل الله البتة ، ونقل القرطبي ـ رحمه الله ـ هكذا القول أيضاً عن مجاهد تلميذ ابن عباس رضى الله عنهما فقال : (( وقيل فيه إضمار أي  { ومن لم يحكم بما أنزل الله  } رداً للقرآن وجحودا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عبـاس ومجاهـد }[ تفسير القرطبي جـ6/190 ] أهــ ،

[ القـول الخامـس ] : أن حكـم الآية يتنـاول المسلميـن ويقصـد بـه الكفـر :  (( قلت )) تتبعت أقوال السلف التي دلت على أن حكم الآية يتناول المسلمين وأطلقت عليه لفظ الكفر دون تفصيل لكونهم جحدوا أو أقروا ، فوجدتها جميعها تحمل المعنيين فهي مطلقة لم تحدد المقصود هل هو كفر أكبر أو كفر دون كفر ، ولم أجد أحد من السلف ( الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ) يصرح أن مجرد الترك مع الإقرار كفر أكبر كما يقوله بعض المتهورين من المعاصرين ، وسأورد بحمد الله تعالى جميع الآثار التي قد توهم هذا الفهم السقيم وأحملها على محاملها الصحيحة التي تتعين على أهل الفقه والبصيرة في العلم والدين ، ويكون هذا الحمل الصحيح كمدخل لجمع كافة أقوال السلف في الآية حتى نرى أنها جميعاً متوافقة تخرج من مشكاة الكتاب والسنة فلا تعارض بينها أبداً وإنما لكل قول مغزاه ومقصده الذي يتناول بيان جانب من جوانب هذه الآية الكريمة الحكيمة ، أخرج ابن جرير الطبري عن سالم بن أبى الجعد قال ، قيل لعبد الله {أي ابن مسعود} ما السحت قال الرشوة ، قالوا في الحكم قال : ذاك الكفر [ تفسير الطبري جـ6/239 ] أهـ  وأخرج كذلك عن مسروق قال : قلنا لعبد الله : ما كنا نري السحت إلاّ الرشوة في الحكم ، قال عبد الله : ذاك الكفر [ تفسير الطبري ج6/239 ] أهـ وأخرج كذلك عن هاشم بن صبيح قال : شفع مسروق لرجل في حاجة ، فأهدى له جارية ، فغضـب غضبـاً شديداً ، وقال لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتـك ، ولا أكلـم فيما بقى من حاجتك ، سمعت ابن مسعود يقول : من شفع شفاعة ليرد بها حقاً أو يرفع بها ظلماً فأهدى له فقبل فهو سحت فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم ، قال : الأخذ على الحكم كفر [ تفسير الطبري جـ6/240 ] أهـ وأخرج الطبري كذلك بسنده عن مسروق قال سألت ابن مسعود عن السحت قال : الرشا ، فقلت في الحكم ؟ قال ذاك الكفر }[ تفسير الطبري جـ6/240 ] أهـ أخرج الطبري بسنده عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال من السحت ، قال فقالا أفي الحكم ؟ قال ذاك الكفر ثم تلا هذه الآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }[ تفسير الطبري جـ6/253 ] أهـ وأخرج كذلك بسنده عن الشعبي  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  } قال : هذا في المسلمين  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قال : النصارى }[ تفسير الطبرى جـ6/255 ] أهـ وأخرج عنه قال : في هؤلاء الآيات التي في المائدة   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  } قال فينا أهل الإسلام   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } قال : في اليهود  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قـال في النصـارى }[ تفسير الطبرى جـ2/255 ] أهـ وأخرج بسنده عن إبراهيم قال :نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي لهـذه الأمة بها }[ تفسير الطبري جـ6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن الحسن في قوله   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قـال : نزلت في اليهود وهي علينا واجبه }[ تفسير الطبري جـ6/257 ] أهـ وأخرج أيضاً عن السًدى { ومن لم يحكم بما أنزل الله  } يقول : ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا وجار وهو يعلم فهو من الكافرين }[ تفسير الطبري جـ6/256 ] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني (( وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال : قلت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي ؟ قال لا ولكن كفر ، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية . وأخرج عبد بن حميد عن على كرم الله وجهه أنه سأله عن السحت فقال : الرشا ، فقيل له في الحكم ، قال ذاك الكفر ، وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود نحو ذلك [ تفسير الألوسى جـ6/140 ط . دار إحياء التراث ] أهـ وقال القاسمي في تفسيره محاسن التأويل (( ونقل في الباب عن ابن مسعود والحسـن والنخعي : أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة ، فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق ،وإليه ذهب السدي لأنه ظاهر الخطاب. ثم قال وقيل : هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمداً وحكم بغيره ، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد .... انتهى )) [ تفسير القاسمى جـ6/1999 ط. عيسى الحلبي ] أهـ ، (( قلت )) فهذه جميع الآثار الواردة بخصوص هذا القول وهى كما ترى ليس في واحد منها تصريح بأنه الكفر الأكبر المخرج من الملة وإنما إطلاق لفظ الكفر . والقاعدة الرصينة عند أهل السنة والجماعة والتي دل عليها حديث النبي صلى الله عليه وسلم هي وجود الكفر الأكبر والكفر دون كفر ،

[ الجمع والتوفيق بين كافة الأقوال السابقة حتى نراها وكأنها نسيج واحد لا اختلا ف فيه ] : الجمع بين الأدلة والتوفيق بينها ـ عند التعارض ـ أولى من الترجيح ، فكيف إذا كانت الأدلة غير متعارضة ولكل منها مغزى خاص يدل على جانب من جوانب الحكم ، هاهنا يتعيـن حمل كل قول على ما يناسبه وإلاً خالفنا قواعد الأصول والفقه في الدين عامة . وقـد ذكرنا خمسـة أقوال في تفسير السلف للآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ، وهـذه الأقـوال جميعهـا متوافقـة لـو فهمنـا القصـد مـن كـل قـول :  فالقول الأول : يشير إلى أن الكفر الأكبر لا يتناول المسلمين بهذه الآية متى ما كان المسلم مقراً للحكم بقلبه معتذراً عن مخالفته بجـوارحه ، وأهـل هـذا القول يعلمون تمامـاً أن القاعدة الأصولية تقول بأن العبرة في نصوص الشرع [ الكتاب والسنة ]بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فمع العلم بهذه القاعدة ( العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب  والآية جاءت مصدرة بمن الشرطية { ومن لم يحكم } وهى من صيغ العموم ، بل من أبلغ صيغ العموم ، ومع الظن بأجلة التابعين الذين قالوا بأن الآية ليس في أهل الإسلام منها شيء أنهم يراعون هذه القاعدة ـ وهو الظن الجدير بهم ـ ، نعلم أنهم كانوا يقصدون شيئاً واحداً هو أن أحكام الكفر الأكبر المتعلقة بهذه الآية لا يخص المسلمين منها شيء متى ما أتوا بالإقرار والاعتقاد لحكم هذه الآية . وخلاصة القول الأول أن أحكام الكفر الأكبر في الآية لا تتناول المسلمين المقربين بالأحكام المعتقدين لها تصديقاً وانقياداً قلبياً ، أم الجحد فهو كفر بذاته لأي شرع جاء به الإسلام مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، فجحد الحكم بما أنزل الله كفر أكبر وصاحبه ليس بمسلم و على ذلك فليس في أهل الإسلام من الآية شيء إلا أن يكفروا الكفر الأكبر  بجحود ما أنزل الله ،  وأما القول الثاني : وقد قال به جمع من الصحابة والتابعين وصح عن البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيحي مسلم أنه قال عن الآيات   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ الظالمون }{ الفاسقون }  أنها في الكفار كلها ،  وهذا القول كسابقه تماماً فالمقصود به أن أحكام الكفر الأكبر لا تتنزل على أهل القبلة إلا أن يكفر أحد منهم بجحود ما أنزل الله ، وهذا القول من أوضح الدلالات على أن الترك المجرد للحكم مع وجود الاعتقاد به والإقرار لا يخرج صاحبه من الملة ولا تتنزل عليه أحكام الآية لأنه لا يزال من أهل القبلة بما أتى به من أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الكافرين ، وإذا كانت القاعدة الأصولية تقول بأن [ العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ] فإن هذه الآية من هذا الباب واجبة على المسلمين ولكنها في إطار الكفر داخل إطار الملة ، ولهذا فإن من قال بأنها في الكفر كلها وأنها في أهل الكتاب قد جاءت آثار عنهم تدل على أنها واجبة في حق المسلمين ، ويكون ذلك بكونه كفر ولكن كفر داخل إطار الملة ، كما جاء عن حذيفة في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  قـال : نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قدر الشراك } أ هـ ، وأخرج أيضاً بإسناده عن أبي البحتري قال سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون }  قال : فقيل ذلك في بني إسرائيل ؟ قال نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة ، كلاً والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك }[ تفسير الطبري جـ6/253 ] أهـ ، وحذيفة رضي الله عنه نقل عنه الأئمة أن الآيات في أهل الكتاب وفي الكافريـن جميعاً . والتوفيق الصحيح بين القولين أنه إذا كان القصد الكفر الأكبر فهو لا يتناول أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له ، وإذا كان القصد الكفر في إطار الملة فهو يتناول المسلمين ، وليس هذا اجتهاد في التوفيق بين القولين ولكنه الأمر الذي جاء صراحة عن البحر الحبر عبد الله بان عباس رضى الله عنهما ، قال ابن كثير (( وقال ابن أبي حاتم ، حدثنا سفيان بن عيينه عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  }قال ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه }[ تفسير ابن كثير جـ3/112 ط . دار قهرمان ] ، والشاهد من الأثر أن ابن عباس يقر بأنه كفر ولكنه ليس الكفر الأكبر الذي يذهب إليه الخوارج وإنما هو كفر في إطار الملة ويؤيد هذا الفهم ما قاله طاوس صاحب الحبر ابن عباس رضى الله عنهما قال ابن كثير :(( وقال عبد الرزاق ـ أيضاً ـ أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قولـه { ومن لم يحكم } الآية قال : هي به كفر ـ قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله }[ تفسير ابن كثير جـ3/111 ط. دار قهرمان ] أهـ ، والشاهد من الأثر هو قول ابن عباس رضي الله عنهما (( هي به كفر )) فابن عباس رضى الله عنهما لم ينف كونه كفر لأنه كفر بنص الكتاب { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وأوضح أعلم الناس بعلم ابن عباس طاوس أنه كفر في إطار الملة وليس كالكفر الأكبر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، (( قلت ))  فإذا كان عبد الله بن عباس يقر بكونه كفر ثم يبين أنه في إطار الملة فينبغي حمـل مـراد أهل القول الثاني : نزلت في أهل الكتاب والكافرين جميعاً . على أنه إن قصد به الكفر الأكبر فلا يدخل فيه أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له ، وإن قصد به كفر في إطار الملة فهذا واجب في حق أهل القبلة من التاركين للحكم بجوارحهم وهم على الإقرار والاعتقاد للحكم والإقرار بالذنب  ،  وأما القول الثالث : أن حكمها يتناول المسلمين وهو كفر دون كفر : فهذا القول أوضح من نهار ، وهو القول الذي به حقنت دماء أهل القبلة أن تعبث بهـا الخوارج ، وهو مصداق للقاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في أحاديث عديدة منها قوله صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) البخاري ومسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) البخاري ومسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( اثنتان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت )) أخرجه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلاً كفر )) أخرجه البخاري . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم )) أخرجه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) أخرجه الخمسة . وهو كذلك مصداق للفقه الذي حبى الله عز وجل به فقيه الأمة وعالمها عبد الله بن عباس فيما صح عنه من طرق عديدة متواترة لا سبيل لردها ولا تضعيفها ، (( قلت )) فهذه الآثار متواترة أوردها جميع من صنف في هذا العلم ، وهي في مجموعها صحيحة لا سبيل إلى تضعيفها جملة لأنها يقوى بعضها بعضا ، ويقويها من جهة أخرى ما تواتر عن أئمة التابعين عطاء وطاوس وغيرها من تلامذة حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ،  وهذا القول الثالث يوافق القولين قبله ولا تعارض بين الأقوال الثلاثة البتة لأن الأول نفى أن يكون في المسلمين من الآية شيء والمقصود نفى الكفر الأكبر عن المسلم المعتقد للحكم المقر به وإن لم يلتزم به معصية ، والثاني أنه نزل في أهل الكتاب لأنهم جحدوا حكم الله واستحلوا الحكم بغيره ونسبوه إلى الله ولا يفعل ذلك أحد من أهل القبلة إلا أن يكون حاله حالهم في الكفر سواء . والثالث أن هذا الحكم إن تناول المسلم المعتقد للحكم المقر به فهو من باب الكفر في إطار الملة وهو ما عبر عنه الحبر ابن عباس رضى الله عنهما بقوله { كفر دون كفر } وقوله { هي بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر } وقوله { كفر لا ينقل عن الملة } وقوله  { ليس بالكفر الذي يذهبون إليه } وقد أشرنا إلى هذه الآثار بما يغني عن الإفادة ها هنا ،  أما القول الرابع فهو غاية الجمع بين الأقوال جميعها وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها ، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله ، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين ، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى ، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة وهو القول الثالث كما بيناه . وفي بيان هذا القول الرابع سبق ونقلنا قول بن عباس رضى الله عنهما . [ من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به فهو ظالم فاسق ] وقول صاحبه عكرمة ـ من أجل التابعين علماً وفضلاً ـ [ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاد فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية ] ، وقول مجاهد [ وقيل فيه إضمار أي ،  ومن لم يحكم بما أنزل الله ] ردا للقرآن وجحداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر ، أما القول الخامس والذي ظن البعض أنه يخالف هذه الأقوال الأربعة ، فليس كما ظنوا وإنما هو موافق لها تماما ، وجميعها نسيج واحد لا ترى فيه أي اختلاف ، وقد نقلت بحمد الله كل ما يتعلق بهذا القول من التفاسير التي وقعت بين يدي وجميعها كما رأينا تطلق لفظ الكفر دون تعيين لكونه كفر أكبر أم كفر دون كفر ، وعلى ذلك وجب معاملتها وفق الأصول العامة للشريعة والتي لا يسعنا مخالفتها وإلاّ آل الحال بنا إلى مآل الخوارج من تكفير الأمة بمطلق المعاصي والآثام . هذه الأصول التي عاملنا بها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة كقوله صلى الله عيه وسلم [ وقتاله كفر ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) وقوله صلى الله عليه وسلم  (( اثنان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت ))  وحمل الجمهور من العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) . فأصول الشريعة حتمت علينا حمل هذه الأحاديث على الكفر دون الكفر وإلا وقع سيف التكفير بين أهل القبلة وكفر المسلمون بعضهم بعضاً بالمعاصي والآثام . وإذا قال قائل فما الداعي إلى أن جاء التعبير عنها بلفظ الكفر قلنا هذه قاعدة عظيمة أرساها النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمنا الفارق بين المعاصي وبين الذنوب التي هي من قبيل الكفر في إطار الملة ، فهذه الذنوب التي عبر عنها الحديث الشريف بلفظ الكفر دلالة على خطورتها على أصل الإيمان وأن صاحب هذه الأعمال التي هي من قبيل الكفر دون كفر ، هو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الكفر الأكبر وعلى شفا جرف هاو يكاد ينهار به إلى الخلود الأبدي في النار . وعلى ذلك فينبغي حمل كلام الصحابة والتابعين على نفس المحمل الذي حملنا عليه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل { الكفر دون كفر } لا سيما وأنه لم ينقل عن واحد منهم أن قصده الكفر الأكبر المخرج من الملة بل الكفر بإطلاق . ولو تدبرنا قول حبر الأمة ابن عباس وقد سئل عن الآية فقال { هي بهم كفر وليس كمن كفـر بالله …. } وقد سبق ذكره لعلمنا أنه رضي الله عنه لم ينف عنهم صفة الكفر بل أثبتها لهم ثم فصل بما حباه الله تعالى من الفقه في الدين والبصيرة في أصوله وضوابطه فقال (( وليس كمن كفر بالله (( فأثبت الكفر ثم وضح أنه غير الكفر الذي يذهب إليه الخوارج من كونه الكفر الأكبر وقد نقلنا عنه قوله { ليس بالكفر الذي يذهبون إليه } . وهذا المحمل هو المتحتم علينا جميعاً ، من جهة أنه المحمل الذي يجمع الأقوال الخمسة جميعاً في إطار واحد لا اختلاف فيه ،  

وكل هذه الأقوال منقولة عن كثير من الصحابة والتابعين والحمل متعين عند المقدرة كما قاله علماء الأصول ، والجمع أولى من ، دعوى النسخ أو الترجيح ، (( قلت )) وهذا ما دعا الأئمة العلماء أن يحملوا كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه والحسن البصري وإبراهيم النخعي والسدي رحمهم الله على تفصيله الصحيح وفق قواعد الشريعة العامة التي جاء بها الكتاب وتأصلت بالسنة وظهرت بهدي السلف الصالح ، فمن ذلك : 

( 1 ) نجد الجصاص رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على من حكم بغير ما أنزل الله مخبرا أنه من عند الله لأنها صورة سبب النـزول تماماً . فقال (( وقال ابن مسعود والحسن (( وهي عامة )) يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله وحكم بغيره مخبراً أنه حكم الله ومن فعل هذا فقد كفر )) [ أحكام القرآن للجصاص جـ2/533 ] أهـ ويقول في موضع آخر ((وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافركما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك ))[ أحكام القرآن  ج4 / 93 ] ،

( 2 ) ونجد الإمام القرطبي رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على الجحود والاستحلال  فقال " وقال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقداً ذلك مستحلاً له "[ الجامع لأحكام القرآن ج6/190 ] أهـ  ،

( 3 ) ونجد أبو حبان صاحب البحر المحيط يحمل كلام ابن مسعود وإبراهيم النخعي على الكفر دون الكفر ، فقال " وإلى أنها عامة في اليهود وغيرهم ذهب ابن مسعود وإبراهيم وعطاء وجماعة ولكن كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق يعني أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة " [ البحر المحيط جـ3/492 ] أهــ  ونجده كذلك يحمل كلام السدي على الجحود فيقول (( وقال السدي : من خالف حكم الله وتركه عامدا وتجاوزه وهو يعلم فهو من الكافرين حقاً ويحمل ذلك على الجحود فهو الكفر ضد الإيمان ))[ البحر المحيط جـ3/493 ] أهــ  ،

( 4 ) ونجد ابن عطية يحمل كلام من أطلق لفظ الكفر على التارك لحكم الله بأنه في هذه الأمة كفر في إطار الملة فيقول " وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم : الآية متناوله كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان ، وهذه بعض أمثلة لحمل الفقهاء القول الخامس على أنه كفر دون كفر أو كفر أكبر إن صاحبه جحود وكفر دون كفر إن كان مع إقرار واعتقاد ، أو كفر أكبر إن حدث تبديل لحكم الله مع نسبة الحكم الجديد إلى شرع الله وأنه من عند الله واستلال الحكم بين الناس به ، وهذا هو الحمل الواجب المتعين حتى تستقيم الأقوال جميعها وتتآلف ولا تختلف وهذا هو الظن بخيرة علماء الأمة علماء الصحابة والتابعين ، واليك في المبحث التالي أقوال أكثر من ثلاثين عالماً من علماء الأمة يؤيد ذلك ويؤكده ويدلنا على أنه مذهب أهل السنة والجماعة الذي صرح به الأئمة الأعلام الراسخون في العلم والفقه والدين .

***

 

[  أقوال الأئمة العلماء الراسخين في العلم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله  ]  :

 

أقوال الأئمة العلماء الراسخين في العلم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، والتي تؤيد ما رجحناه من أن الآية في حق المسلمين تتناول المسلمين وأنها في حق الجاحد كفر أكبر ، لأنه لم يحكم بما أنزل الله البتة ، وأنها في حق المقر المعتقد بقلبه كفر دون كفر ، لأنه حكم بقلبه بما أنزل الله فلم يترك الحكم بما أنزل الله بالكلية  فصار الكفر في حقه كفراً عملياً مجرداً لا يخرج من الملة وإن كان صاحبه على خطر عظيم وهو خطر الكفر في إطار الملة ، ومعلوم يقيناً أنه أشد على صاحبه وأخطر من أكبر الكبائر ، نسأل الله السلامة وحسن العاقبة :  

قال الطبري رحمه الله :  وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب ، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت ، وهم المعنيون بها ، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم ، فكونها خبراً عنهم أولى .   فإن قال قائل : فإن الله ـ تعالى ذكره ـ قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصاً ؟ . قيل : إن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين ، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون ، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به ، هو بالله كافر ، كما قال ابن عباس  [ تفسير الطبري ج10 / 358 ] ، ، 

وقال الواحدي رحمه الله في تفسيره : (( ومن لم يحكم   بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء (( [ تفسير الواحدي ج 1 / 321 ]  ، 

وقال الطحاوي رحمه الله في بيان الكفر دون الكفر الأكبر بالله حين شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم { قتاله كفر } (( ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} على ما تأوله فعن ابن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال هي كفره وليس كمن كفر بالله تعالى واليوم الآخر . و عن طاوس قال (( قلت لابن عباس : من لم يحكم  بما أنزل الله فهو كافر قال : هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر  )) [ مشكل الآثار ج2 / 317 ]  ، 

وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله : (( هم اليهود إن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا له كما غير اليهود فهو كافر ظالم فاسق )) [ الناسخ والمنسوخ للنحاس :ج1 / 402 ]  ،

وقال الثعالبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} " وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن " [ تفسيرالثعالبي ج1 / 465 ]  ، 

وقال ابن عبد البر رحمه الله " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل   ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس وهي عامة فينا قالوا ليس كفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء "  [ التمهيد لابن عبد البر ج5 / 74 : 75 ] ا هـ . وقال في حديثه عن الخوارج " وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . ‎ ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر " [ التمهيد لابن عبد البر ج17 / 16 ]  ، 

وقال الغزالي رحمه الله : قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له  [ المستصفى ج1 / 168 ]  ،

وقال ابن العربي رحمه الله : المسألة الحادية عشرة : قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} اختلف فيه المفسرون ; فمنهم من قال : الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود , ومنهم من قال : الكافرون للمشركين , والظالمون لليهود , والفاسقون للنصارى , وبه أقول ; لأنه ظاهر الآيات , وهو اختيار ابن عباس , وجابر بن زيد , وابن أبي زائدة , وابن شبرمة . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة , ولكنه كفر دون كفر . وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ; فهو تبديل له يوجب الكفر , وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين . [ أحكام القرآ لابن العربي ج2 / 127 ] ، 

وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله : قال أبو بكر قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة [ أحكام القرآن ج4 / 93 ]  ،

وقال الزمخشري رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله}   مستهيناً به  {فأولئك هـم الكافرون}و {الظالمون} و {الفاسقون} وصف لهم بالعتو في كفرهم (([ الكشاف : ج1/341 ] ))  ، وقال ابن الجوزيرحمه الله : "  وفصل الخطاب أن من لم يحكم بما أنزل الله  جاحداً له وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود ، فهو كافر ، ومن لم يحكم بما أنزل الله ميلاً إلى الهوى من غير جحود ، فهو ظالم وفاسق ، وقد روى على بن أبى طلحة عن ابن عباس أنه قال : (( من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق " [ زاد المسير : ج2/366 ]. أ هـ  ،

وقال فخر الدين الرازي رحمه الله : " قال عكرمة : قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله} إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم " [ التفسير الكبير ج6/6 ]  ،

وقال القرطبي رحمه الله :  قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } و { الظالمون } و{ الفاسقون } نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلىهذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيهإضمار أي ومنلم يحكم بماأنزل اللهردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا ، قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساقالمسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له [ تفسير القرطبي ج6 /190 ]  ،

وقال النسفي رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهينا به {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحدا فهو كافر و إن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم. . إلى أن قال : يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافرا ظالما فاسقا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله }فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله [ تفسير النسفي ج1 / 284 : 285 ] ، 

وقال البغوي رحمه الله : " وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات فقال إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات وقال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا " [ تفسير البغوي ج2 / 41 ] ،

وقال البيضاوي رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهيناً به منكراً له {فأولئك هم الكافرون}  لاستهانتهم به ، وتمردهم بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم بقولـه {الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}، فكفرهم لإنكاره ، وظلمهم بالحكم على خلاقه ، وفسقهم بالخروج عنه [ تفسير البيضاوي سورة المائدة – الآية 43 : 50 ] ، وقال  : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } عن حكمه أو عن الإيمان إن كان مستهينا به  [ تفسير البيضاوي ج2 /331 ] ،

وقال أبو السعود رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }كائنا من كان دون المخاطبين خاصة فانهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم يحكم بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاء بينا  {فأولئك} إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها  { هم الكافرون}لاستهانتهم به [ تفسير أبي السعود ج3 / 42 ]  ، 

وقال ابن كثير رحمه الله : (( {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً ، وقال هاهنا {فأولئك هم الظالمون} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخالفوا وظلموا وتعدوا(( [ تفسير القرآن العظيم ج2/61 ] ، وقال الشاطبي رحمه الله : ((  ومثله قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} مع أنها نزلت في اليهود والسياق يدل على ذلك ، ثم إن العلماء عمُّوا بها غير الكفار، وقالوا : كُفرٌ دون كفر )) [ الموافقات للشاطبي ج3 /ص147 ]  ، 

وقال أبو حيان رحمه الله : وقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ظاهر هذا العموم ، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم ، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود ، وإلى أنها عامة في اليهود غيرهم ذهب ابن مسعود، وابراهيم، وعطاء ، وجماعة ولكنْ كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق يعني : إنّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله : ابن عباس وطاووس . . .  واحتجت الخوارج بهذه الآية على أنّ كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا : هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافراً _ ثم ذكر أقوال المفسرين في تأويل الآية ثم اختار قول عكرمة فقال _ وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه ، أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله ، إلا أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ، لكنه تارك له ، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية . [ تفسير البحرالمحيط سورةالمائدة – 40 : 48 ]  ، 

وقال ابن حجر رحمه الله : واقتصر المصنف على تلاوة الآيتين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . . . الفاسقون . . الآيتان} لإمكان تناولهما المسلمين بخلاف الأولى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فإنها في حق من استحل الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى وأما الآخرتان فهما لأعم من ذلك [ فتح الباري ج13 / 299 ] ،

وقال صاحب كتاب ( تذكرة الأريب في تفسير الغريب ) رحمه الله :(( ومن لم يحكم   بما أنزل الله جاحدا فهو كافر فإن مال إلى الهوى من غير جحد فهو ظالم وفاسد)) [ تذكرة الأريب في تفسير الغريب ج1 / 141 ]  ،

وقال شارح الطحاوية رحمه الله : ((وهنا أمرُ يجب أن يتفطن له ، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة ، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة ويكون كفراً إما مجازياً وإما كفراً أصغر ، وذلك بحسب حال الحاكم . فإن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، واستهان به مع تيقنه أنه حكم الله ، فهذا كفر أكبر .  وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعلمه في هذه الواقعة ، وعدل عنه ، مع اعترافه بأنهمستحق للعقوبة ،فهذا عاص ، ويسمى كفراً مجازياً ، أو كفراً أصغر )) [ شرح العقيدة الطحاوية ج1 / 364 :363 ] ، وقال كذلك :(( الشارع قد سمى بعض الذنوب كفرا قال الله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وقال صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))[ متفق عليه ] ،والجواب ان أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج ". [ شرح العقيدة الطحاوية ج1 /359 :360 ]  ، 

وقال الشوكاني رحمه الله :  قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لفظ من من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة بل بكل من ولى الحكم وقيل إنها مختصة بأهل الكتاب وقيل بالكفار مطلقا لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة وقيل هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافا أو استحلالا أو جحدا [ فتح القدير ج2 / 42 ]  ،

***

 

[  لرد على من ترك المناط الذي اجتمعت عليه أقوال علماء أهل السنة  ، وهو مناط الجحد والإقرار للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر ، وابتكر مناطات جديدة غير منضبطة ]

 

بعض المعاصرين لم يرض بضابط أهل السنة والجماعة في المسألة وهو ضابط الجحد والإقرار ، وأراد أن يحتاط للشريعة بأكثر مما احتاطت هي لنفسها وظن أن هذا من باب الحرص على الشريعة وهو لا يدري أنه من باب الافتئات على الشرع والغلو في الدين ، وبهذا المدخل الذي ظنوه حسناً كفروا العديد من طوائف الأمة ممن أتى بالإقرار والاعتقاد بعلة هذا المناط الجديد للتكفير بالآية ،  وقصد هؤلاء المعاصرين هو التفريق بين من جعل الأصل هو النظر إلى أحكام الشرع يرجع إليها ولكنه يجوز في قضية معينة شهوة أو معصية فهذا لا يكفر إلا باستحلال ، أما من جعل الأصل في النظر هو القوانين الوضعية يحكم بها فهذا كفر أكبر بنفسه دون النظر إلى حالة كونه مقر بالشرع معتقد له أم لا  ،  وقد يبدو هذا التفريق لأول وهلة وجيهاً ، ولكن مع تدبره تجد أن به أخطاء ليست باليسيرة ، منها :  أنه تغيير للمناط الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جعل الجحد والإقرار هو الأصل المنضبط الذي ترد إليه الأحكام  ،  وأنه اعتبار لأصل جديد يرد إليه أمر التفريق بين نوعي الكفر في الآية دون الأصل العام الذي اعتبرته الشريعة وهو الإقرار بالإسلام على الجملة واعتقاد كافة شرائعه وعقائده على وجه الإجمال ،  أن هذا الأصل الجديد فيه تحكم ليس عليه دليل من الشرع بالإضافة إلى أن علته لا تنضبط بضابط محدد ، فما هو عدد الأقضيات التي يكفر بها صاحبها الكفر الأكبر ، وما هو حد الكفر الاكبر لمن جعل أحكام الشرع هي المرجع ثم لم يحكم بحكم واحد منها فهل آنذاك نعود إلى إقراره بالأصل أم نجعل له ضابط آخر أم نعود إلى الأصل الذي اعتبرته الشريعة من جعل الإقرار المجمل والجحد هو ميزان الحكم بالتفريق بين الكفرين الأكبر والأصغر ، إن ديننا دين الاتباع وهو مبني على الاتباع وليس فيه ابتكار ولا اختراع بل هذا من المحدثات التي نهانا عنها شرعنا الحنيف فكيف يجوز لنا إحداث مناطات جديدة لأحكام تواترت أقوال الصاحبة والتابعين على تحديد ضابطها الأصلي ، وعلى العموم  فبيان هذه الأخطاء سيأتي تباعاً مع معرفتنا بالشبهة الأساسية التي دخلت على هؤلاء فظنوها أصلاً يفرقون به بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة ، مع أن هذا أخطر الأمور وأهم مسائل الأسماء والأحكام الواجب التأني في حقها والتزام هدى السلف الصالح في بيانها وتفصيل أحكامها لا التهور والاندفاع وبناء أحكام تحكم على بعض المسلمين بالكفر وتخرجهم من الملة باجتهادات جديدة مسبوقة باتفاق السلف على تحديد مناط مغاير لما ذهب إليه هؤلاء  ،

والمدخل الأول لبيان خطأ هذا القول ودحض شبهته ، أن الأصل الذي نحكم به بالإسلام والكفر هو الإقرار بالشهادتين واعتقاد ما يدخل في إطار معناهما ولوازمهما من أقوال وأعمال واعتقادات ،  ومعنى ذلك أن الأصل هو الإقرار المجمل بدين الإسلام وكافة عقائده وشرائعه وأحكامه مع اعتقاد جميع ذلك على وجه الإجمال ، فمن جحد شيئاً ولو يسيراً من المعلوم من الدين بالضرورة فإن جحده كفر وهو يكفر الكفر الأكبر بعد استيفاء شروطه وانتفاء موانعه ، فمن جحد حرفاً من القرآن أو فريضة من الفرائض أو حكماً من أحكام الشرع فكأنما جحد الشريعة كلها فمتى قامت عليه الحجة الشرعية المعتبرة كفر بها الكفر الأكبر ، ومن أقر إجمالاً بالإسلام وتفصيلاً بما يتطلب ذلك مع اعتقاده فلا يكفر الكفر الأكبر وإن خالفت أعماله هذا الإقرار لشهوة أو معصية أو غيره من المعاصي والكبائر ، وهذا الأصل العام هو ما جعله ابن عباس رضي الله عنهما ضابط الحكم وعلى تفصيله سارت جماعة – أهل السنة والجماعة – فمن أقر بشرع الله تعالى وحكمه واعتقده فهو مسلم عنده أصل الإيمان وله اسمه وحكمه ولا يكفر الكفر الأكبر حتى ينقض هذا الأصل بنواقضه التي ذكرناها عند الحديث على فقه مسائل الكفر ،  وتمهيد الرسالة على طوله وغالب هذا الباب إنما هو لتأصيل هذه القاعدة الرصينة التي أرساها علماء أهل السنة والجماعة المقتدى بهم في الدين ، وبتطبيق هذا الأصل الرصين على مسائل ترك الحكم بما أنزل الله نعلم أنه الضابط الرصين المنضبط الذي لا نحتاج بعده لا إلى أصل آخر ولا إلى فرع ، وإنما يكون تجاوزه والبحث عن ضابط آخر هو من باب الافتئات على الشرع ، فمن جحد الحكم فهو كافر { أي الأكبر } ومن أقر فهو ظالم فاسق كفره دون الكفر الأكبر ،  أما الأصل الذي أتى به هؤلاء فليس له دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من قول صحابي ولا تابعي ولا حتى عالم من علماء الأمة المقتدى بهم في الدين ، قصاراه فهمهم الخاطئ لكلام ابن القيم و ابن أبي العز و أحمد شاكر ، وسيأتي بيان المعنى الصحيح الذي قصده هؤلاء الأئمة العلماء والفهم الخاطئ الذي فهمه أصحاب هذا المناط الجديد من كلامهم ،  والذي ينبغي الإشارة إليه أنه لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يتلاعب بمناطات الشريعة المنضبطة إلا بدليل من كتاب أو سنة أو هدى لأعلام الصحابة تلقته علماء الأمة بالإقرار والقبول ،  والآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] عامة ، والحكم يتناول قول القلب وعمله ( اعتقاد الحكم ) وقول اللسان( الإقرار بالحكم ) وعمل الجوارح ( القيام بالحكم )  ولله در ابن حزم حيث يقول : ( كل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء )[ الفصل : ج3 / 302 ] أهــ  ، ومن تتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بالحكم يجد فيها تعلق الحكم بالاعتقاد مثلما تعلقه بالعمل ومثاله قوله تعالى : { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ الصافات : 153 - 154 ] يقول الطبري رحمه الله :  وقوله } مالكم كيف تحكمون} يقول بئس الحكم تحكمون أيها القوم أن يكون لله البنات ولكم البنون وأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون له مالا ترضونه لأنفسكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل [ تفسير الطبري ج : 23 / 107 ] ويقول القرطبي رحمه الله : "  ألا ساء ما يحكمون أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم  "  [ تفسير القرطبي :ج 10 / 118 ] ويقول ابن كثير رحمه الله : " ثم قال تعالى منكرا عليهم أصطفى البنات على البنين أي أي شيء يحمله أن يختار البنات دون البنين ". . . ولهذا قال (تبارك وتعالى مالكم كيف تحكمون أيمالكم عقول تتدبرون بها ما تقولون [ تفسير ابن كثير :ج 4 / 24 ] ) ويقول البغوي رحمه الله : " ألا ساء ما يحكمون بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين " [ تفسير البغوي :ج 3 / 73 ]، وقوله تعالى :{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الأنعام : 136 ] يقول الواحدي رحمه الله : قوله " فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم "  ثم ذم فعلهم فقال ساء ما يحكمون  أي ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوه لله على جهة التبرز إلى الأوثان [ تفسير الواحدي : ج 1 / 377 ] ، وقوله تعالى { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } ، [ يونس : 35 ]  يقول الواحدي رحمه الله : {كيف تحكمون } "يعني كيف تقضون حين زعمتم أن مع الله شريكا" [ تفسير الواحدي :ج 1 / 497 ] ويقول النسفي رحمه الله :" { فما لكم كيف تحكمون }  بالباطل حيث تزعمون أنهم انداد الله [ تفسير النسفي :ج 2 / 128 ] ويقول البغوي رحمه الله : {ما لكم كيف تحكمون }  كيف تقضون حين زعمتم أن لله شريكا [ تفسير البغوي :ج 2 / 353 ] ، وقوله تعالى { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الجاثية : 21 ] يقول الطبري رحمه الله : ((  وقوله )) { ساء ما يحكمون  } يقول تعالى ذكره بئس الحكم الذي حسبوا أنا نجعل الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم [ تفسير الطبري :ج 25 / 149 ] وقوله تعالى { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ القلم : 35 - 36 ] يقول الطبري رحمه الله : ذلك وقوله{ مالكم كيف تحكمون } أتجعلون المطيع لله من عبيده والعاصي له منهم في كرامته سواء يقول جل ثناؤه لا تسووا بينهما فإنهما لا يستويان عند الله بل المطيع له الكرامة الدائمة والعاصي له الهوان الباقي [ تفسير الطبري :ج 25 / 149 ] ويقول البيضاوي رحمه الله في تفسيرها {  أفنجعل المسلمين كالمجرمين } إنكار لقول الكفرة فإنهم كانوا يقولون إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالا منهمكما نحن عليه في الدنيا { ما لكم كيف تحكمون } التفات فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي (( [ تفسير البيضاوي : ج 5 / 373 ] ، وقوله تعالى { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ العنكبوت : 4 ] يقول أبو السعود رحمه الله : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا أي يفوتونا فلا نقدر على مجازاتهم ... { ساء ما يحكمون }    أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك أو بئس حكما يحكمونه حكمهم ذلك [ تفسير أبي السعود :ج 7 / 30 ] ، فهذه الآيات جميعها عند تدبرها نجد أنها تتناول قضايا اعتقادية وتعبر عنها بلفظ الحكم . وبذلك يكون ترك الحكم في قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ( له تعلقان تعلق اعتقادي يوجب الكفر الأكبر المخرج من الملة ، وتعلق عملي محض يوجب الكفر في إطار الملة ، فمن ترك الحكم بجانبيه العملي والاعتقادي استحق الحكم الكلي للآية ) { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ومن تركه وهو معتقد له  أي مصدق به منقاد له مقر به فهذا كفره في إطار الملة وهذا ما تواترت عليه أقوال الأئمة وعلى رأسهم عبد الله بن عباس حبر الأمة وفقيهها ، والسنة دلتنا على أن هناك كفر أكبر وكفر دون كفر ، وقد ذكرنا أحاديث عديدة تؤكد هذه القاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر فقهها حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما. وعامة الصحابة ومنهم ابن عباس وعامة التابعين وعامة علماء أهل السنة على اعتبار الضابط الذي ذكرناه وقد نقلت أقوال ما يزيد على خمسين من العلماء الأئمة كلهم يقر بهذا الضابط ( ضابط الجحد والإقرار فمن جحد فهو كافر ومن أقر فهو ظالم فاسق وكفره في إطار الملة ) وبعضهم نقل الإجماع على ذلك كابن عبد البر في التمهيد وقد نقلناه عنه ،  فبالضابط الذي ذكرناه تتفق أدلة الكتاب والسنة وأقوال السلف والعلماء الأئمة فما الداعي إلى إحداث ضابط جديد ، مع أن ضابط علماء أهل السنّة هو في نفسه واضح منضبط والجحد لا يتجزأ فمن جحد بآية فقد جحد بالقرآن كله ومن جحد حكماً من الشرع فقد جحد الشرع كله  ، أما أصلهم الذي يقولون به لا ينضبط ولا يتصور تصوراً واحداً عند أفهام الناس فما المقصود باعتبار أحكام الشرع هل هو الاعتقاد بها وبهذا نرجع إلى أصلنا الذي ذكرناه عن السلف ، أم هو مجرد الإقرار بأن الشرع هو مصدر القانون ثم بعد ذلك لا تؤثر المخالفة لأن الأصل موجود ، وهذا داخل في الأصل الأول لأن ضابط ( الجحد والإقرار ) الذي قال به علماء أهل السنة يدخل فيه الإقرار المجمل بأحكام الشرع والإقرار المفصل متى تطلب ذلك ، وبهذا فلا حاجة للأصل الجديد ، أم هو مجرد النظر في كتب الشريعة وليس كتب القانون ثم الحكم بعد ذلك بما يشاء إذ لا يؤثر على الأصل وهذا مناط جديد لا نعلم أحداً من علماء الأمة قال به ومآل قول هؤلاء هو هذا المناط ومجرد النظر لا يفيد شيئاً في إطار الجحد والإقرار ، فمن أقر فقد أغناه إقراره عن مجرد النظر في كتب الشرع وإن جحد فقد أخرجه جحده من الملة بالكلية ،  أم هو ضرورة الحكم بأحكام الشرع بعمل الجارحة في كافة الأحكام ولا تضر في ذلك قضية أو قضيتان خالف فيهما بسبب المعصية والهوى والشهوة ، قلنا فما الضابط للعدد وما حده ومن أين استنبطوه ومن من العلماء قال به ، ومعلوم أن مناط الكفر لا يكون بالأعداد أبداً وإلا لكفرنا الزاني لإدمانه على الزنا أو شارب الخمر لإدمانه على شرب الخمر ، ومعلوم أن هذا مذهب الخوارج ، وعلى ذلك فالأصل الذي أصلوه لا ينضبط أولاً وفيه إحداث لحكم جديد مخالف لحكم السلف والعلماء الأئمة ثانياً ، وكلاهما لا يجوز في الشرع وهو افتئات عليه بما لا ينبغي ،

( تنبيه هام ) : أصحاب هذا القول دخل عليهم داخلة من عدم تصور الأصل العام الذي قال به السلف وهو الاعتقاد المجمل لدين الإسلام والمفصل لما يتطلب ذلك في حينه ، وظنوا أن الحكم إنما يتناول الفصل بين الخصومات أو حدود الشرع ولم يتصوروا أن الحكم أعم من ذلك وأوسع بالتالي فضابطه أعم وأوسع من مجرد النظر في أحكامه ثم لا تضر مخالفته بعد ذلك بهوى أو معصية . والقرآن الكريم دلنا على أن الحكم أوسع من مجرد النظر في الحدود والخصومات بل هو يتناول الاعتقاد وأمور العقيدة كما أسلفنا ، ومن ذلك قوله تعالى : { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ الصافات : 153 - 154 ] فهل الآية تتناول فصل خصومة بين الناس أو تطبيق حد على بعضهم ليس كذلك وإنما هي تتناول اعتقاد المشركين أن الملائكة بنات الله فردت الآية على مستوى فهمهم للحجة لأنها إنما تناقشهم فكيف تحكمون ، أنتم إذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، ثم تنسبون إلى الله أنه يتخذ بناتاً أيصطفي البنات لنفسه ويرزقكم أنتم بالبنين أيصح هذا في ميزان العقل والفهم . الشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذه العقيدة الفاسدة بلفظ { فما لكم كيف تحكمون } فهو حكم وإن كان في أمور العقيدة ، وآية ثانية وهي قوله تعالى :  { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [ القلم : 35 - 36 ] فالمشركون ينكرون البعث والنشور وهذه عقيدة كافرة وجحد للإيمان باليوم الآخر ، والشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذا الجحود باليوم الآخر والبعث والنشور بلفظ { كيف تحكمون } ،  فالحكم أوسع من أن نحصره في مجرد فصل خصومات أو إنفاذ حدود ولما كان عاماً فالأصل الضابط له لا بد وأن يكون عاماً عظيماً يحوي كافة جوانبه ومعانيه ،  فكان الأصح والأولى هو اعتبار الأصل العام الذي اعتبره علماء أهل السنة والجماعة أصلاً لا يرضون  له بديلاً وهو ضابط الجحد والإقرار فمن جحد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فكفره في إطار الملة ، وهو في الحالتين كافر لعموم الآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ولكن الجاحد لم يأت بأي شيء يدل على أنه حكم بما أنزل الله لانتفاء حكم القلب وإقراره بالحكم ، والمقر المعتقد قد أدى بعض الحكم فليس تاركاً بالكلية للحكم فكان كفره في إطار الملة لا يخرج منها إلا بجحد أو استحلال { جحد الحكم بما أنزل الله أو استحلال الحكم بغيره } ،

( تنبيه آخر ) : القصد منه فهم جوانب الجحد وبالتالي نحيط بمذهب السلف من كافة جوانبه ،  الجحد يتناول قول القلب وعمله : فالجحد المتعلق بقول القلب ( التصديق ) هو التكذيب وهذا نادر لأن قلوب العباد فطرت على معرفة الله والتصديق بوجوده ، والجحد المتعلق بعمل القلب ( الانقياد ) هو الإباء والاستكبار والعلو والعناد وهذا غالب كفر العباد ومنه جحد إبليس وكفره وجحد اليهود وكفرهم وجحد فرعون وأتباعه وكفرهم ، وعلى ذلك فجحد حكم الله له صور عديدة منها : تفضيل حكم غير الله على حكم الله  ، أو الاستهزاء بحكم الله كحال من وصف أحكام قطع اليد بالوحشية ، أو التنقص من حكم الله ، أو مساواة حكم الله تعالى بحكم غيره وهذا جحد لأفضلية حكم الله واعتقاد وجوب إفراده بالحكم والتشريع   ، أو إظهار النية والعزم على عدم تطبيق شرع الله وحكمه إن عاجلاً أو آجلاً لما فيه من الدلالة على عناد القلب واستكباره ، وبذا نعلم أن ضابط السلف وهو ضابط أهل السنة جميعاً ( من الجحد والإقرار ) هو الفقه والعلم وفيه الصيانة للشرع وأحكامه وفيه الغنية عن اجتهادات هؤلاء ،  وهذا الضابط لو تدبر فيه الجميع لعلموا أنه جامع شامل يدخل فيه كافة صور الكفر المطلقة من الانتساب إلى الرايات الاعتقادية والفكرية المخالفة جملة وتفصيلاً لحكم الإسلام وشرعه كالعلمانية وذلك لأن إعلان اعتقاد هذه الرايات وما تدعو إليه صورة من صور الجحد الذي جعله السلف والأئمة مناط الكفر في الآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ،

وأما المدخل الثاني لبيان خطأ هذا القول :فهو سؤالنا لهم ما الضابط لهذا المناط الذي جعلتموه أصلاً للحد الفاصل بين الكفر الأكبر المخرج من الملة والكفر في إطار الملة ، وأنتم تقولون إذا حكم في قضية معينة لهوى أو معصية لا يكفر وإذا جعله أصلاً يكفر  ، فهب أن رجلاً يرجع إلى الشرع في قضاياه ثم جار في واحدة اثنتين ثلاث ثم آل الأمر به إلى ترك الحكم بما أنزل الله في كافة القضايا مع أنه يجعل الأصل الرجوع إلى أحكام الشرع ، فهل يكفر عند الجور في الثانية أو عند الجور في بعضها أو عند الجور في جميعها ، فإن قلتم في الثانية لم تجدوا دليلاً على ذلك البتة وكذلك إن قلتم في بعضها دون بعض لأن الشرع لم يجعل العدد ضابطاً للكفر وعدمه وإن قلتم في جميعها قلنا لكم ناقضتم أصلكم الذي أصلتموه لأن الرجل يرجع إلى أحكام الشرع وهذا هو مناط الكفر الأكبر عندكم ، وإن قلتم لا يكفر رجعتم حتماً إلى الاعتقاد والجحد وهو ضابط أهل السنة ، وإلا فما ضابط الرجوع إلى الشرع وهو لا يحكم بشيء منه ، إن كان مجرد النظر في كتب الفقه فهذا لا يصلح ضابطاً ولا يقول به أحد من العقلاء فضلاً عن العلماء إذ لا يستطيع الجاحد أن يقول الشريعة مصدر القانون ويضع كتب الفقه على الرفوف ولا يحكم بشيء منها ، ويقول أنه الأصل الذي أقررتموه ، مع ما يبدو عليه من علامات الجحد والاستكبار ، لذا كان اعتبار ضابط أهل السنة هو الأصل العام لكافة أحكام الشريعة هو الصواب وهو النجاة من التعارض والاختلاف ، 

وأما المدخل الثالث لبيان خطأ هذا القول :فهو أن ضابطهم هذا فيه قصور ، بمعنى أنه إذا جاء من يقول لهم أنا أجعل الأصل في قانون الأحوال الشخصية هو الشرع لقالوا له حتماً لا يصح ذلك لأن الأصل عام يتناول أحكام المعاملات والحدود والعقوبات والفصل بين المنازعات ، نقول لهم آنذاك بل الأصل أعم من ذلك ، فإنكم أبيتم على من احتج لكم بالأصل في قانون الاحوال الشخصية إلا بالأصل الأعم ونحن كذلك نحتج عليكم بما هو أعم وأشمل فالحكم يتناول الأمور الاعتقادية والتشريعية والسلوكية والحكم بما أنزل الله يشمل ذلك كله وقد ذكرنا عند قوله تعالى { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون} وقوله تعالى { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ القلم : 35 - 36 ] وقول تعالى { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [ يونس : 35 ] وقوله تعالى { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ }  [ الأنعام : 136 ] أن الحكم هنا يتناول جوانب اعتقادية وقد سماه الله حكماً وبالتالي فالضابط الأعم والأشمل هو ضابط الصحابة والتابعين والعلماء كافة وهو ضابط الإقرار والجحد كما بيناه بضوابطه الحكيمة التي قال علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ،

وأما المدخل الرابع لبيان خطأ هذا القول : فهو أن ديننا مبني على الاتباع للكتاب والسنة والاقتداء بهدى السلف الصالح وجميع ذلك بين لنا الضابط العام الصحيح الذي لا ينخرم في شيء من جوانبه ، وقولكم محدث اجتهدتم في إحداثه احتياطاً للشريعة والشريعة لا تحتاج لمفتئت عليها بل تحتاج لفقهاء يفهمون ضوابطها الصحيحة ويعملون بها ، لو تركت الشريعة لمن شاء أن يحتاط لها لكان مذهب الخوارج والعياذ بالله أفضل المذاهب لأنهم يكفرون بمجرد المخالفة والمعصية والذنب ، 

وأما المدخل الخامس لبيان خطأ هذا القول :فهو أن أدلتهم على ذلك لا تخرج عن أقوال ثلاثة علماء لم يفهموا كلامهم الفهم الصحيح وهم ابن القيم وابن أبي العز وأحمد شاكر فإذا علمنا قصدهم الصحيح وعلمنا أن أقوالهم المحكمة هي اتباع ضابط السلف فلم يعد لهؤلاء حجة ولا دليل ، مع أن ذلك كله تنزلاً مع المخالف إذ أقوال العلماء لا سيما المتأخرين يستدل لها ولا يستدل بها وهذه قاعدة أصولية لا يجوز لطلبة العلم فضلاً عن أهل العلم إغفالها أو غض الطرف عنها ،  

وكأمثلة لبعض المعاصرين الذين يقولون بهذا القول : ( 1 ) الدكتور عبد الله أحمد القادري : قال  وهو يتحدث عن مناط الكفر دون كفر في الآية :(( النوع الرابع : أن يحكم بغير ما أنزل الله في جزئية من الجزئيات وهو يعتقد أنه عاص وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم وأن الواجب هو الحكم بما أنزل الله ولكنه غلبه هواه لمال أو جاه أو قرابة ففعل ما فعل . . فيجب حمل { كفر دون كفر } على النوع الرابع وهذا هو اللائق بعلماء السلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة )) [ الردة عن الإسلام ص57 - 58 ط. مكتبة طيبة 1405 هـ ] أهـ ، ومن الأخطاء الواضحة في النص جعل المناط هو المخالفة في جزئية من الجزئيات وهذه لا تنضبط إذ ما الفارق بين معصية واحدة ومعصيتين إذا اعتبرت الأولى معصية فالثانية والثالثة معصية ما لم تنال الاعتقاد . وكذلك قوله (( هذا هو اللائق بالسلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة )) فالمعلوم أن الإنكار من الجحد والجحد لا يتجزأ فجحد حكم من الشريعة كمن جحد الشريعة كلها ، وعلى ذلك فجحد وجوب الطهارة جحد لكافة عقائد وشرائع الإسلام لأنه تكذيب للشارع في إيجابه للطهارة  ، أما قوله فهذا هو اللائق بالسلف ، فالسلف يليق بهم كل فضل ولكن اللائق بنا نحن أن نفهم كلام السلف وأن نفقه ضوابطهم في أسماء الملة وأحكامها على وجه العموم ،  والسلف لم يجعلوا الجزئية والجزئيات ضابطا لأن الأعداد لا تنضبط وإلا لكفرنا مدمن الخمر لأن جزئيات شربه للخمر كثيرة وعامة ، ولكن السلف جعلوا الضابط هو الإقرار والجحد وهو الضابط المحكم الصالح لكافة شرائع الإسلام اللهم إلا الأعمال التي لا تكون إلا مع انتفاء عمل القلب وقد أكثرنا في بيانها من قبل  ،

( 2 ) الأستاذ عبد الله بن محمد القرني : قال في بيان الضابط للكفر الأكبر والأصغر : " وأما الكفر الأصغر فبنحو الحكم بغير الشريعة في قضية معينه لأجل الشهوة وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  أهـ [ ضوابط التكفير عند أهل السنة ص 256 ] ، ( قلت ) أما قوله قضية معينة وقضايا متعددة فسبق ووضحنا أن هذا الضابط في نفسه لا ينضبط  ، وأما قوله ( وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ) فليس هذا قول حبر الأمة ولا هو مراده ومع تتبعي لغالب التفاسير المطبوعة وأقوال عبد الله بن عباس فيها لم أجد موضعاً واحداً ذكر فيه ابن عباس رضي الله عنهما التفريق بين قضية وعدة قضايا ، فمن المجازفة العلمية أن ننسب هذا الفهم إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، بل الصحيح عن حبر الأمة أنه جعل المناط هو الجحد والإقرار فمن جحد فقد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فليس الكفر الذي يذهبون إليه وإنما هو كفر دون كفر وهو في إطار الظلم والفسق ، هذا تصريح ابن عباس بنفسه فمن الخطأ أن ننسب إليه قولاً لم يقله ولم يشر إليه البتة ، 

( 3 ) قول الدكتور صلاح الصاوي :قال – وهو يأتي بمناط جديد -  : ( يمكن تفصيل القول في قضية الحكم بغير ما أنزل الله ، ذلك أن تعبير الحكم بغير ما أنزل الله قد يقصد به عمل القضاة والمنفذين وقد يقصد به عمل الأصوليين الشرعيين … إن قصد به عمل القضاة والمنفذين نظر : فإن كان مرده إلى تكذيب الحكم الشرعي أورده فهو كفر أكبر يخرج من الملة وإن كان مرده إلى عارض من هوى أو شهوة أو نحوه مع بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنة أو ما حمل عليهما بطريق الاجتهاد فهو من جنس الذنوب والمعاصي  ، وإن قصد به المعنى الأصولي التشريعي فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا يبقى معه من الإيمان حبة خردل كما قال تعالى { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.. } [ الشورى : 21 ] والذي يخلص إليه من ذلك كله أن قول بعض السلف { كفر دون كفر } في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية  [ تحكيم الشريعة وصلته بأصل الدين ص 41 - 42 ] أهــ  ، ( قلت ) : إذا رجعنا إلى المنقول عنه نجده يأتي بقول جديد فهو يجعل مناط الحكم والتفريق بين حال الحاكمين هو النظر إلى اختصاصه فإن كان من القضاة والمنفذين فهذا عليه مناط حبر الأمة ابن عباس بالكفر الأكبر والأصغر وفق الجحد والإقرار  ، ولكنه لا ينسى أن يضع له ضابطاً إضافياً هو بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنة وهذا الضابط لا فائدة منه لأنه موجود عند كل مسلم يقر بالإسلام إجمالاً وبكافة عقائده وشرائعه . ولكنه لم يقصد منه ذلك إنما قصده للتفريق بين من يحكم بالقوانين الوضعية وبين من قال بأن الأصل الشرع حتى وإن حكم بالقوانين الوضعية بعد ذلك ، وهذا الضابط كما ذكرنا زائد عن ضوابط أهل السنة ولا قيمة له ، لأن مناط الحكم هو الإقرار والجحد فمن أقر بالشريعة كان إقراره بمثابة جعل الشريعة هي الأصل ومن جحدها كان جحوده بمثابة جعل القوانين الوضعية هي الأصل ، أما ما يقوله هو فلا ضابط له بل ولا معنى له إلا الإقرار والجحد وإلا فما هو مناط ضابط جعل الشريعة هي الأصل أو القوانين الوضعية هل الأصل إلا الإقرار بإحداهما والجحود بالأخرى ، الشاهد وإن كان هذا الحاكم من المشرعين للقوانين فليس لهذه الصورة عنده إلا الكفر الأكبر البواح وهذا أيضاً خلط لمناطات الحكم بمعنى أنه ما الفرق بين الزاني الذي يزني بموجب الشهوة والمعصية وبين الديوث الذي يرتب للفاحشة وينظم لها ويضع لها ما يشبه الأطر والضوابط التي يصنعها الأصولي التشريعي الذي تحدث عنه الدكتور صلاح الصاوي ، فهل يسوغ لنا ذلك أن نتهم الثاني بالكفر لأن معصيته لم تكن عن شهوة عارضة وإنما لكونه خطط لها ورتب لها ، وهل يسوغ لنا ذلك أن نكفر السارق الذي يضع الخطط قبل معصيته بأيام وشهور لأنها لم تكن ناشئة عن تنفيذ محض وإنما تخطيط وترتيب وتشريع ، وقد يعترض هو على وصفنا له بكلمة تشريع ، والحق أنه عند التدبر لا يفرق بين هذه وتلك شيء فالمشرع إن كان يشرع بجحد لشرع الله – بأي وجه من أوجه الجحد المتناولة لعمل القلب وقوله – فهذا كفر أكبر وإن كان يشرع على وجه المعصية المجردة فمثله مثل السارق الذي يخطط لمعصيته والديوث الذي يخطط للفاحشة وجميع ذلك في إطار الفواحش والمعاصي ما كان بعيداً عن اعتقاد القلب وجحوده ، وبذلك نكون رجعنا اضطرارا إلى الضابط الأساسي العام الذي صرح به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وسارت عليه الفرقة الناجية من بعده أهل السنة والجماعة ، وبهذا نعلم خطأه في قوله ( فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا تبقى معه من الإيمان حبة خردل ) وكلامه صواب متى ما كان التشريع ناشئاً من جحد لشرع الله – على المعنى الواسع للجحد كما ذكرناه ، وبالتالي فلا حاجة له إلى تشقيق القول بمناط جديد هو في حققته المناط الأصلي وأما إن كان يقصد مجرد العمل الخالي عن الاعتقاد فهذا قد علمنا باتفاق الأئمة والعلماء أنه مخالف لأصول أهل السنة وقواعدهم الغراء ، ثم ذهب يستدل لمذهبه الذي كما يقول – لا جدال فيه – بقوله تعالى { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } وقد ذكرت تفسيرها الصحيح في المطلب السابق فراجعه هناك بالضرورة فإنه يمنع الغلو في المسألة  ، وقوله : ( والذي نخلص إليه من ذلك أن قول بعض السلف { كفر دون كفر } في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية  ) أهــ به أخطاء ، ( الأول ) : قوله ( بعض السلف ) وكأنه يشير إلى الخلاف في المسألة وأن بعضاً فقط هو الذي قال بكفر دون كفر ،  ( قلت )  بل السلف مجموعون على قاعدة كفر دون كفر التي أرستها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأجمع عليها أهل السنة والجماعة في مقابل فرق الخوارج والمعتزلة ، وهم متفقون على حمل آية المائدة عليها وقد نقلت عن ابن القيم أنه قول عامة الصاحبة رضي الله عنهم ونقلت عن ابن عبد البر إجماع العلماء عليها ، فكيف يتسنى لأحد أن يقول بعض بصيغة توحي بالتمريض لمجرد أنه لا يرضى بما رضي به السلف ،  و ( الثاني ) : قوله ( لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية ) أقول فما علة ما يقول وما سببه وما المسوغ لهذا الرأي وعندن ضابط الأئمة الرصين ( الجحد والإقرار ) فلماذا إحداث مناطات جديدة والمناط الصحيح يستوفي المطلوب وعليه إجماع الأئمة ، فمن جحد الشرع بأي معاني الجحد التي أشرنا إليها فقد كفر ومن حافظ على أصل إقراره واعتقاده ولم يأت بجحد فهو مسلم ، ثم أود أن أنبه إلى أن ديننا دين اتباع واقتداء فما الداعي إلى إحداث أقوال جديدة واعتبار مناطات حديثة تخالف هدى الشرع وضوابطه ، كما ذكر صاحبنا من التفريق بين عمل القضاة والمنفذين وبين عمل الأصوليين التشريعين ونحن هنا وهناك وبالتالي اعتماده كمناط الحكم أولى من الاختراع والابتكار ،  

( 4 ) قول الأستاذ محمد شاكر الشريف : قال : " فصل في بيان متى يكون الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً لا يخرجه من الملة ؟ ثم جعل شروطاً ثلاثة لذلك هي : أن يكون ملزماً ومتقبلاً ظاهراً وباطناً لكل حكم أو تشريع جاء عن الله سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم ،  وأن يكون مقراً ومعترفاً بأنه ترك الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى في القضية أو الواقعة المعينة التي يحكم فيها صار آثماً وأن حكمه خطأ وأن حكم الله هو الصواب ، وأن يكون الحكم المخالف حكماً في وقائع الإيمان وليس في الأمور الكلية العامة وهذا الشرط الثالث مما غمض فهمه والتنبيه على كثير من المعاصرين [ إن الله هو الحكم ص 88 -  91 ] أهــ ،  ( قلت ) : حاصل كلامه هو أنه جعل هذه المناطات المتعلقة بمسألة الكفر دون كفر  ،  المناط الأول : الانقياد ظاهراً باللسان وباطناً بالاعتقاد للحكم وهذا لا غبار فيه لأنه مناط السلف ، المناط الثاني : الإقرار بالتقصير والإثم لمعصية ترك الحكم بما أنزل الله وهذا لازم للمناط الأول لا ينفك عنه فلا غبار عليه ، المناط الثالث : أن تكون المخالفة في قضية أو واقعة معينة وليس في أمر كلي عام ، فهذا الشرط الثالث قد غمض فهمه والتنبيه عليه ليس كما يقول على كثير من المعاصرين ، بل وعلى جميع السلف الكرام حتى لم يجعلوه مناطاً إضافياً يلازم مناط الجحد والإقرار واكتشفه هو بعد هذه القرون الطويلة في الإسلام ،  ولعل قائلاً لم يحدث على مر عصور الإسلام أن تنحت الشريعة في كافة جوانبها كما هو في زماننا المعاصر ولهذا وجب وضع المناط المناسب لهذا الزمان وهذه الحالة الشاذة التي لم تعهد لها الأمة مثيلاً من قبل ، ورغم وجاهة هذا القول إلا أنه عند التحقيق ليس وجيهاً وذلك لأن إجماع العلماء على أن ترك الحكم بما أنزل الله مع الإقرار والاعتقاد هو كفر دون كفر وإجماعهم على أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بشرع الله فهي كبيرة من الكبائر وقد حكى ذلك الإجماع إمام المغرب وحافظها ابن عبد البر ، وبالتالي فالمعصية لا تنضبط بعدد ولا بقدر وإلا كان الإصرار على الكبيرة كفر ، وكان هذا مدخلاً لتكفير العصاة وأصحاب الكبائر ، وبالتالي فمناط الكفر ليس عدد المعاصي ولا عدد الوقائع وإنما المناط هو كفر القلب وكفر القلب يكون بالجحد والجحد له صور عديدة منها الإقرار بتفضيل أحكام الجاهلية على حكم الله تعالى أو التنقص من شرع الله أو الاستهزاء به أو اعتقاد عدم أحقيته أو عدم صلاحيته أو مساواته بغيره فهذه كلها دلائل الجحد وهو مناط السلف للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر ، لا اجتهادات المعاصرين كل يدلو بدلوه في مسألة فيها السلف قديماً ووضعوا لها الضوابط التي لا تحتاج إلى افتئات أو تدخل ، وبهذا أكون قد أشرت إلى بعض أقوال المعاصرين المخالفين في هذه المسألة بوضع مناطات جديدة والتفريق بين واقعة ووقائع وبين وقائع أعيان وأمور كلية يتساوى فيها جميعاً عمل القلب وهم يفرقون على أساس عمل الجارحة مع أن مناط الكفر الأكبر هو كفر القلب والذي يدل عليه الجحد بأحد صوره التى وضحها العلماء ، ولعلني أثقلت في النقد على إخوان لي أرى أن الحماس والإخلاص قد دفعهم لوضع مناطات تحمس الشريعة ، والدافع لهذا النقد هو بيان أن الشريعة لا تحتاج إلى مناطات جديدة لأن الله تعالى قد جعل فيها مقوماتها الذاتية لحمايتها وحمى جنابها ، والمطلوب منا ليس الحماس والحمية الدافعة لإحداث مناطات جديدة ولكن المطلوب هو العلم والفقه الدافع لحفظ الشريعة على حالها الرباني وتطبيق أحكامها العقائدية والتشريعية على الناس كما أراد الشارع الحكيم والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ،

 

[  خاتمة تحوي على فائدتين ] :  ( الفائدة الأولى ) : صور الجحد متعددة أهمها :  جحد أحقية حكم الله ورسوله وهذا أعظم الكفر ، تفضيل غير شرع الله على شرع الله حتى وإن أقر بشرع الله ،  مساواة شرع غير شرع الله بشرع الله ، استحلال الحكم بغير شرع الله وتجويزه وتسويغ الأخذ به ، وكل صورة اعتقادية أخرى تدخل في إطار أحد هذه الصور الأربعة التي ذكرناها وهي جحد لحكم الله وكفر أكبر مخرج من الملة ، مع ملاحظة أن الجحد لا يتجزأ بمعنى أن من جحد شيئاً يسيراً من شرع الله كان بمثابة الجحد للشرع وأحكامه وهو في إطار الكفر المطلق حتى تجري عليه أحكام الشرع الخاصة بالتعيين ،   ( الفائدة الثانية ) : الانتساب إلى المذاهب العلمانية والشيوعية وغيرها من دعاوى الإلحاد المعاصرة جحد لحكم الله وشرعه وكفر أكبر على سبيل الكفر المطلق الذي يحتاج عند التعيين إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع ، فالعلمانية تعني عند أصحابها ومنظريها فصل الدين عن الدولة وإقامة الحياة على غير الدين ولا علاقة عندهم للدين لا من قريب ولا من بعيد بشئون السياسة ولا التشريع العام ولا تنظيم حياة الدول و المجتمعات ، وهذا يعني رفض لشرع الله واستبداله بحكم الجاهلية واستحلال الحكم بها وبأحكامها بل وتقديمها على شرع الله وتفضيلها عليه ، وهو يعني أيضاً اعتقاد حق التشريع والتحليل والتحريم لغير الله عز وجل من مشرعي العلمانية وهذا اتخاذهم أربابا من دون الله على صورة اعتقادية محضة ، وهو يعني أيضاً الكفر بأحكام الله المتعلقة بتنظيم حياة البشر واستحلال الحكم بغيره على وجه الاعتقاد ، وهو يعني استحلال تحريم ما أحل الله من الحدود والعقوبات والتشريعات واستحلال ما حرم الله على صورة اعتقادية محضة ، ومثلها الشيوعية وغيرها من دعاوى الإلحاد والكفر من النظريات الاعتقادية التي من آمن بها فقد آمن بالطاغوت وكفر بالله نسأل الله السلامة  ، وعلى ذلك : فالحذر الحذر من هذه المذاهب الإلحادية ومن الانتساب إليها لأنها مذاهب عقائدية ، الانتساب الحقيقي لها يعني الردة والمروق من ملة الإسلام  إلى ملل الكفر والإلحاد ، وكل ذلك على سبيل الإطلاق لأننا نعلم أن كثيرا من المسلمين مخدوعون بهذه المذاهب لا يعلمون بحقيقتها وليس لهم من العلم الشرعي ما يؤهلهم لمعرفة حقيقتها الكفرية الواضحة ، وهؤلاء معذرون بالجهل فلا يكفرون ولكنهم على شفا خطر عظيم لأن إمكان العلم بحقيقة هذه المذاهب موجود وعلى أهل العلم والدعاة يقع عاتق إبلاغ المسلمين بحقيقة هذه المذاهب حتى تنفضح تماماً في بلدان المسلمين فلا يبقى فيها إلا المنافقين معلومي النفاق والزنادقة معلومي الكفر والإلحاد .

 

***

 

[  2  ]  :  تحقيق القول في كفر تارك الصلاة

وبيان أن ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه

ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب { جحد الصلاة }  ،  وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة { تكاسلا }

 

في هذه القاعدة محاولة شرعية جادة لتأصيل مسألة كفر تارك الصلاة على ضوء الجمع بين نصوص الكتاب والسنّة وهدي السلف الصالح ومعتقد المحققين من أئمة أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والفقه ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ،

مقدمة عامة : كل ما قيل في مسألة ( ترك الحكم بما أنزل الله ) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر ، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة ، بل هو في مسألة ( تارك الصلاة ) أظهر وأولى ،  (( قلت )) وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة ، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني ( حـ2/157 ) والنووي في المجموع ( حـ3/14 )  والشوكاني في نيل الأوطار ( حـ1/291 ) وهذا ما دعا الشنقيطي رحمه الله إلى أن يجعل هذا القول أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث وأنه كما قال النووي القول المتعين الذي ينبغي القول به لأنه يجمع بين أصول الشرع وقواعده فقال رحمه الله { وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ، وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن ، وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه :( ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث ، وأما الجواب عمّا احتج به من كفره من حديث جابر وبُريدة ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها انتهى محل الغرض منه ) [ أضواء البيان حـ4/ص322 ] أهــ ، ( قلت ) وبعد هذه المقدمة لا مانع من تأصيل المسالة وبيان الراجح المتعين المصير إليه  ،  وفي البداية ينبغي أنّ نذكر أنه قد أجمع أهل السنّة والجماعة على أن تارك الصلاة جحوداً لها وانكاراً لفرضيتها أنه كافر الكفر الأكبر المخرج من الملة والموجب للخلود الأبدي في النار ، الاّ أن يكون جاهلاً لحكمها كأن يكون حديث عهد بإسلام أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة ،

 أما ترك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها فهي مسألة خلافية اختلف فيها علماء أهل السنّة والجماعة على قولين : 

القول الأول : أنه كفر أكبر موجب للخلود الأبدي في النار ، وأن تارك الصلاة تكاسلاً يُـقتل لكفره كالمرتد فلا يُـغّسل ولا يكفن ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يرثه أحد ولا  يرث هو أحداً ، وقد أشار ابن قدامة في كتابه المغني إلى أنه أحد الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل اختارها أبو اسحق بن شاقلا وابن حامد [ المغني حـ2/157 ط. دار الفكر ] ،

القول الثاني : أنه كفر في إطار الملة فلا تتعلق به أحكام الردّة الدنيوية والأخروية ، ( قلت ) ومعنى كونه كفر أنه أخطر وأعظم من مطلق الفسوق والمعصية ، لكونه طريق إلى الكفر الأكبر وصاحبه على شفا جرف هار يكاد يؤول به إلى الجحود والكفر البواح. ومعنى كونه في إطار الملة ، أنه في حقيقته لا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة حتى يصاحبه اعتقاد. وهذا القول هو القول الراجح الذي قال به جماهير السلف الصالح وجماهير الأئمة الفقهاء الأعلام كما سيأتي بيان ذلك .

 

أدلة الفقهاء على أنّ ترك الصلاة تكاسلاً كفر ولكن في إطار الملة : 

 

وهي أدلة كثيرة جداً منها ما هو بمثابة أدلة مستقلة على عدم خلود تارك الصلاة تكاسلاً في النار خلود الكافرين الجاحدين ، بل هو تحت المشيئة إن شاء عذبه الله بقدر ذنوبه وإن شاء غفر له وأدخله الجنـة ، ومنها ما هو أدلة عامة وفق قواعد الشرعيه وأصولها العامة التي قال بها وسار عليها علماء أهل السنّة والجماعة ، والسير على تلك القواعد يحتم حمل الكفر في تارك الصلاة على كفر دون الكفر الأكبر فمن الأدلة المستقله على أنّ ترك الصلاة تكاسلاً في إطار كفر دون كفر :

 

الدليل الأول  أ - ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ))  ، ( قلت ) : الحديث صحيح لا ريب في صحته ، قال عنه النووي رحمه الله " حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة [ المجموع شرح المهذب حـ3صـ17 ط.دار الفكر ] ، وقال عنه الشوكاني وهو يشير إلى صحته " الحديث أخرجه مالك في الموطأ وابن حبان وابن السكن قال ابن عبد البرّ وهو حديث صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه " [ نيل الأوطار حـ1/344 ط. مصطفى الحلبي ] أهـ ، وقد رجعت إلى كلام الحافظ ابن عبد البرّ في الحديث ووجدته درة ينبغي أنّ تكتب بماء الذهب وهو قليل عليها فبعد ذكره للحديث بنصه قال – لله درّه –(لم يختلف عن مالك في إسناده هذا الحديث فهو حديث صحيح ثابت وفيه أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير ... وفيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعلم ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته ، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع مـا كان به مسلماً وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلــم )[ التمهيـد لمـا في الموطـأ من المعـاني والأسانيــد حـ23 / 288 - 290 ط. مكتبــة الوادي ] ، ولله درّه وكلامه ينبغي أن يحفظ وينشر لدقته ورسوخه وقال أيضاً في درّة فاصلة من أقواله بعدما ذكر حديث عبادة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقـول (( من لقى الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة  ، وحديث عبادة رضي الله عنه سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول (( من لقى الله يشهد أن لا إله الاّ الله وأنّ محمداً رسول الله دخل الجنة )) ، وحديث عبادة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من شهد أنّ لا إله الاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الجنة حق وأنّ النار حق وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور وأنّ عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه أدخله الله الجنة على ما كان من عمل )) ، قال بعدها (( إنما ذكرنا أحاديث هذا الباب لأن المعتزلة أنكرت الحديث المروي في قوله (( ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )) وقالت : من لم يأت بهن فهو في النار مخلد ، فردت الحديث المأثور في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من نقل العدول الثقات وأنكـرت ما أشبهه من تلك الأحاديث ودفعت قول الله عز وجل  :{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ]  فضلت وأضلت فذكرنا في هذا الباب من الآثار ما يضارع هذه الآية حجة عليهم والحمد لله [ التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد حـ23/296 - 301 ] أهـ ، ( قلت ) وكلامه درة قليل عليها أن تشتري بأطنان الذهب لما فيها من التحقيق والفقه والبيان لمذهب أهل السنّة والجماعة في مسألة ترك الصلاة بعيداً عن شبهات المعتزلة ،  قال الحافظ الطحاوي  -  في كتاب مشكل الآثار -   (( باب بيان شكل ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة من المسلمين لا على الجحود لها أيكون بذلك مرتداً عن الإسلام أم لا ؟ ثم ذكر حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول : (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، فمن جاء بهن لم يضع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخل الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء أدخله الجنة وإن شاء عذبه )) ،  ثم قال عن الحديث : دلّ أنه لم يخرجه بذلك عن الإسلام فيجعله مرتداً مشركاً لأن الله تعالى لا يدخل الجنة من أشرك به لقوله تعالى { مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.. }[ المائدة : 72 ] ولا يغفر له لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }[ النساء : 48 ] . فقال قائل كيف تقبلون هذا الحديث عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأنتم تروون عنه خلافه ، ثم ذكر حديث (( بين العبد وبين الكفر أو قال وبين الشرك ترك الصلاة )) . فكان جوابنا له في ذلك : أنّ الكفر المذكور في هذا الحديث خلاف الكفر بالله عز وجل وإنما هو عند أهل اللغة أنه يغطي إيمان تارك الصلاة ويغنيه حتى يصير غالباً عليه مغطيا له ومن ذلك ما قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم   ((  سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ولم يكن ذلك الكفر بالله ولكنه على ما ركب إيمانه وغطاه من قبح فعلـه فمثـل ذلـك قولـه  (( ليس بين العبد وبين الكفر الاّ ترك الصلاة )) هو من هذا المعنى أيضاً والله أعلم حتى تصح هذه الأخبار ولا تختلف [ مشكل الآثار للإمام الحاوي حـ4/222 - 227 ط. دار صادر بيروت ] أهــ  ، وقال الحافظ السخاوي – وهو يستدل بالحديث على عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر ، فقال بعد سياقه لبعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة – ولكن كل هذا إنما يُحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجوبها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين لأنه يكون حينئذ كافراً مرتداً بإجماع المسلمين ، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه والاّ قتل ، أما من تركها بلا عذر بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه يُستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويُغسل ويُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب العمل جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضاً عنــه الحديـث   صلى الله عليه وسلم  أنـه قال (( خمس صلوات كتبهن الله –   وفيه إن شاء عذبه وإن شاء غفر لــه )) . ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورّث [ الفتاوي الحديثه حـ2/84 للحافظ السخاوي ] أهــ،  وقال الإمام القرطبي -   عن شرحه لحديث مسلم (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ))  وهو يستدل لكونه كفر دون كفر بحديث ( خمس صلوات ... ومن لم يأت بهن )  – (( والصحيح أنه ليـس بكافـر ، لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ، ولأن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قد قـال (( خمس صلوات افترضهن الله على العباد ، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ))  فهذا ينص على أن ترك الصلاة ليس بكفر ، وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] .[ المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم حـ1/271 - 272 ط.دار ابن كثير ] أهـ ،  ( قلت ) ولهذ الحديث (( حديث خمس صلوات افترضهن الله على العباد ... من أتى بهن ... ومن لم يأت بهن )) مبحث طيب في أضواء البيان للعلامة الشنقيطي. جاء فيه بعد ذكر الحديث (( رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محريز أن رجل من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام يكنى أبا محمد يقول إن الوتر واجب فقال المخدجي فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد فقال عبادة : كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خمس صلوات ... ثم ذكر الحديث ثم قال ... وفي سنن أبى داود حدثنا القعلبي عن مالك ... إلى آخر الإسناد والمتن كلفظ الموطأ الذي ذكرنا ، وفي سنن النسائي أخبرنا قتيبة عن يحيى بن سعيد ... إلى آخر الإسناد والمتن كالفظ المذكور وفي سنن ابن ماجة حدثنا محمد بن بشار ... عن المخدجي عن عبادة بن الصامت إلى آخر الحديث بمعناه قريباً من لفظه. ومعلوم أن رجال هذه الأسانيد ثقات معروفون إلاّ المخدجي المذكور ، وقد ذكره ابن حبان في الثقات وبتوثيقه تعلم صحة الحديث المذكور وله شواهد يعتضد بها ، قال أبو داود في سننه حدثنا محمد بن حرب الواسطي ... إلى قوله ... عن عبدالله الصنابحي قال زعم أبو محمد أنّ الوتر واجب فقال عبادة بن الصامت ... إلى آخر الحديث بمعناه وعبدالله الصنابحي المذكور صحابي مدنى وقيل هو عبدالرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبدالله الصنابحي وهو ثقة من كبار التابعين ... وعلى كلا التقديرين فرواية الصنابحي المذكور إما رواية صحابي أو تابعي ثقه وبها تعتضد رواية المخدجي المذكور ، ورجال سند أبي داود هذا غير عبدالله الصنابحي ثقات لا مطعن فيهم وبذلك تعلم صحة حديث عبادة بن الصامت المذكور ، وقال الزرقاني في شرح الموطأ : وفيه -  يعني حديث عبادة المذكور - "أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتحتم عذابه بل هو تحت المشيئه بنص الحديث" ، وقد أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طريق مالك وصححه ابن حبان والحاكم وابن عبدالبرّ ، وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود والنسائي والبيهقي ،    ولـه شاهـد عن محمد بن نصـر من حديـث عبد الله بـن عمـرو بن العـاص أهـ محل الغرض منه . وقال الشوكاني رحمه الله ( نيل الأوطار )  ولهذا الحديث شاهد من حديث أبى قتادة عند ابن ماجة ، ومن حديث كعب بن عجزة عن أحمد ورواه أبو داود عن الصنابحي أهـ محل الغرض منه. وقال النووي ( في شرح المهذب ) بعد أن ساق حديث عبادة بن الصامت المذكور : هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحه ، وقال ابن عبدالبرّ : هو حديث صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه فإن قيل كيف صححه ابن عبدالبرّ مع أنه قال المخدجي المذكور في سنده مجهول فالجواب من جهتين  الأولى : أنّ صحته من قبيل الشواهد التي ذكرنا فإنها تصيره صحيحاً والثانيه هي ما قدمنا من توثيق ابن حبان للمخدجي المذكور[ أضواء البيان حـ4 ص317 - 318 ] أهـ ،  قال النووي : " واحتجوا -  أي جماهير السلف والخلف ، على أنه -  أي تارك الصلاة ، لايكفر -  أي الكفر الأكبر ، لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه " [ المجموع حـ2ص17 ]  وقال ابن قدامة بعد ذكره للحديث " ولو كان كافراً (الكفر الأكبر)  لم يدخله في المشيئة"[ المغني حـ2ص158 ] أهــ  ، وقال الشوكاني " باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ، ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر ثم يذكر الحديث ... إلى أن قال : وهو يدل على عدم استحقاق كل تارك للصلاة للتخليد في النار " [ نيل الأوطار حـ1ص344 - 345 ] أهــ

 

الدليل الثاني : ما أخرجه الخمسة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إن أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإنّ أتمها وإلاّ قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك )) والحديث صحيح لا ريب في صحته ، قال الشوكاني " الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق. طريقتين متصلتين بأبي هريرة والطريقة الثالثة بتميم الداري وكلها لا مطعن فيها ... وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي وصححها ابن القطان ، وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال : هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجة بنحو حديث أبي هريرة قال العراقي وإسناده صحيح وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال إسناده صحيح على شرط مسلم "[ نيـل الأوطار حـ1ص345 ] أهــ ،  ( قلت ) الشاهد من الحديث للدلالة عل أنّ كفر تارك الصلاة هو دون الكفر الأكبر هو ما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره للحديث تحت باب وحُجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر  قال رحمه الله " والحديث يدل على أنّ ما لحق الفرائض من النقص كملته النوافل ، وأورده المصنف في حجج من قال بعدم الكفر ، لأن نقصان الفرائض أعم من أن يكون نقصاً في الذات وهو ترك بعضها ، أو في الصفه وهو عدم استيفاء أذكارها أو أركانها وجبرانها بالنوافل ، مشعر بأنها مقبولة مثاب عليها والكفـر ينافي ذلك "  أهــ وقصده من قول ( والكفر يُنافي الإيمان ) أي أن الكفر الأكبر يُنافي جبران النقص بالنوافل لأنه إذا كان ترك الصلاة كفراً أكبر مخرج من الملة فإنه لا يصح جبران الكفر الأكبر أبداً ، بل ينبغي أن يُنشئ المرء بعده إسلاما جديدا ، والحديث دلّ على جبران النقص ومنه ترك بعض الصلوات بالنوافل ، وهذا يدل على أنّ ترك الصلاة دون الكفر الأكبر المانع للجبر وتعويض النقص ،

الدليل الثالث : ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة والبزار عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال (( قام النبي  صلى الله عليه وسلم  ليلة من الليالي من صلاة العشاء فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون فلمّا رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله فلمّا رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى فجئـت خلفه فأومأ إلىّ بيمينه فقمت عن يمينه ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله فقمنا ثلاثتنا كل رجل منّا بنفسه ويتلو من القرآن ما شاء الله أن يتلوا فقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة فبعد أن أصبحنا أومأت إلى عبدالله بن مسعود أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة فقال ابن مسعود : لا أسأله عن شيء حتى يحدث إليّ فقلت بأبي أنت وأمي قمت بآية من القرآن ومعك القرآن ، لو فعل هذا بعضنا وجدنا عليه ، قال دعوت لأمتي ، قال فماذا أجبت ؟ قال : أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعةً تركوا الصلاة [ أخرجه الإمام أحمد في مسنده حـ5/170 والنسائي ك الافتتاح باب ترديد آية حـ2/138 وابن ماجة ح رقم (1350) وقال الهيثمي في المجمع " رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات " حـ2/273 ] قلت الحديث رجاله ثقات وسنده مما يُحتج به وهو نص في مسألتنا هذه ودليل واضح على أنّ ترك الصلاة كفر في إطار الملة وإلاّ لما نسبهم النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ومعلوم أنّ الكافر الكفر الأكبر لا ينتسب إلى أمة الإسلام ولا يجوز عليه رحمة الله ولا مغفرته . والحديث أورده ابن القيم في كتابه الصلاة وحكم تاركها في حجج مالك والشافعي ورواية أحمد التي اختارها أبو عبد الله بن بطة ص14 ، وهي حُجة واضحة بينة دامغة لو تدبرها المرء لكفته وأغنته ، ولكن لا مانع من ذكر غيرها ليطمئن القلب إلى سعة رحمة الله التي لو اطلع عليها الناس طلعة اطمئنوا إلى مغفرة الله وسعة رحمته ، لكل مسلم انقاد بقلبه ولسانه لله وحده حتى وإن قصّر به عمله .

 

الدليل الرابع : ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : الدواوين عند الله ثلاث ديواناً لا يعبأ الله به شيئاً وديوان لايترك الله منه شيئاً وديوان لا يغفره الله ، فأمّا الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك ، قال الله عز وجل إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة وأمّا الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء وأمّا الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالـة [ مسند الإمام أحمد حـ6/240 ، مستدرك الحاكم حـ4/575 ، وقال الحاكم صحيح الإسناد ] أهـ ، ( قلت ) والحديث يدل دلالة واضحة على عدم كفر تارك الصلاة لأنه إذا ترك صلاة وكان في إطار رحمة الله الواسعه دلّ ذلك على أن ترك الصلاة ليس كفراً لأنه لا عبرة في الشرع بالأعداد بمعنى أنه إذا ترك صلاة كان كمن ترك صلاتين في عدم الكفر بهذا يكون مناط الكفر شيئاً آخر لا محالـة ، وهو كما قال جمهور الأئمة الجحود ( جحود القلب واللسان ) عن فرضية الصلاة وقد أورد ابن القيم هذا الحديث في كتابه الصلاة وحكم تاركها في حجـج الأئمة مالك والشافعي وأحمد    [ رواية ابن بطه عنه ـ وهي صحيحة ] وغيرهم من الأئمة الفحول ،

 

الدليل الخامس : أحاديث الشفاعة بمجموعها وقد أوردناها في الباب الأول بما يُغني إعادتها هنا وقد علمنا من مجموعها أنّ هناك شفاعات متفاوتة شفاعة المؤمنين تطول المصلين وكذا شفاعة الملائكه ثم شفاعات الأنبياء ثم شفاعات ثلاثة للنبي   صلى الله عليه وسلم تنال الثالثة منها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ، ثم شفاعة الرحمن لمن قال لا إله إلاّ الله مجردة عن الأعمال والشاهد لها قوله صلى الله عليه وسلم (( فأقول يارب ائذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ البخاري :ح7510 ] . وقوله  صلى الله عليه وسلم (( فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلاّ أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً ... ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم ... )) الحديث [ مسلم :ح203 ] .

( قلت ) هذه الأحاديث من أعظم الأدلة على عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر لأنه صار معلوم يقيناً أن هناك أُناس غير المصلين يخرجون من النار بالشفاعة ولو كان المصلون يخرجون بشفاعة المؤمنين والملائكه فإن شفاعة النبي الثالثة ستنال من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ولعله على أحسن أحواله كان يصلي ويدع لأنه لو كان من المصلين لأخرجته شفاعة الملائكة والمؤمنين فإذا جاءت شفاعة الرحمن أخرجت من جاء بالتوحيد المجرد عن أعمال الجوارح فدل ذلك على أنّ هناك تاركون للصلاة بل ولجنس أعمال الجوارح بإطلاق تنالهم رحمة الله التي تنال كل موحّد وحكمة الله التي لا تساوي بين الجاحدين المكذبين والمقرين المعتقدين لشهادة التوحيد ولو كانت مجردة عن الأعمال فلا إله إلاّ الله تنفعه يوماً ما ولا شك ،

 

الدليل السادس : أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قـال رســول الله صلى الله عليه وسلم  (( إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا ، فوالذي نفسي بيده ما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار ، قال : يقولون : ربنا! إخواننا كان يصلون معنا ، ويصومون معنا ، ويحجون معنا ويجاهدون معنا فأدخلتهم النار . قال : فيقول اذهبوا ، فأخرجوا من عرفتم منهم . فيأتونهم ، فيعرفونهم بصورهم ، لا تأكل النار صورهم ... فيخرجون منها بشراً كثيراً ، فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا . قال : ثم يعودون فيتكلمون ، فيقول : أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا. ثم يقول : ارجعوا فمن كان في قلبه وزن نصف دينار ، فأخرجوه ، فيخرجون خلقاً كثيراً ، ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا حتى يقول : أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة ، فيخرجون خلقاً كثيراً . قال : فيقولون : ربنا قد أخرجنا من أمرتنا ، فلم يبق في النار أحد فيه خير ، قال ثم يقول الله : شفعت الملائكه ، وشفعت الأنبياء ، وشفع المؤمنون ، وبقي أرحم الراحمين. قال : فيقبض قبضة من النار ـ أو قال قبضتين ـ ناساً لم يعملوا لله خيراً قط ، قد احترقوا حتى صاروا حُمماً . قال : فيؤتى بهم إلى ماء يقال له : الحياة ، فيصب عليهم ... ـ إلى أن قال صلى الله عليه وسلم ـ : - فيقال لهم : ادخلوا الجنة ... )) [ مسند الإمام أحمد حـ3/94 ، سنن النسائي ( ح 998 ) ، سنن ابن ماجه ( ح 60 ) وصححه الألباني وقال اسناده صحيح على شرط الشيخين ( رسالته حكم تارك الصلاة ص32 ) ] الحديث. قال الألباني ـ بعد تصحيح الحديث ـ  " فالحديث دليل قاطع على أنّ تارك الصلاة إذا مات مسلماً يشهد أنّ لا إله الاّ الله أنه لا يخلد في النار مع المشركين ففيه دليل قوي جداً أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله {  إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] [ حكم تارك الصلاة للألباني ص35 ] .

 

الدليل السابع : (( حديث البطاقة )) :أخرج الترمذي وغيره من أهل السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( أن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً ، كل سجل مثل مد البصر ، ثم يقول من هذا شيئاً ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول لا يارب ، فيقول أفلك عذر فيقول لا يارب ، فيقول بلى إنّ لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم اليوم فتخرج بطاقه فيها أشهد أن لا إله الاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، فيقول أحضر وزنك ، فيقول يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال إنك لا تظلم ، قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقـة في كفـة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء )) [ أخرجه الترمذي ح(2639) وابن ماجه (4300) ،والإمام أحمد حـ2/213 وصححه الألباني ح(135) ] ، قال ابن القيم وهو يورده على لسان القائلين بكفر تارك الصلاة في إطار الملة وليس خارجهـا :   " لم يذكر في البطاقة غير الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم تخرج صحائف حسناته فتوزن بسيئاته ، ويكفينا في هذا قوله ( فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط ) ولو كان كافراً لكان مخلداً في النار غير خارج منها ، فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يُرجى لسائر أهل الكبائر ، قالوا ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد جحد ما جاء به الرسول ، وهذا يقر بالوحدانية شاهداً أنّ محمداً رسول الله مؤمناً بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره ؟ والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد [ الصلاة وحكم تاركها ص15 ط.دار الحديث ] أهــ

 

الدليل الثامن : أخرج الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح على شرط البخاري وصححه الألباني في الصحيحة  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (( إنّ للإسلام صدى ومناراً كمنار الطريق منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم وأن تسلم على قومك إذا مررت بهم ، فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهــماً من الإسلام ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره )) [ أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان ص3 وأخرجه الحاكم في المستدرك حـ1/27 وقـال حديث صحيح على شرط البخاري وصححه الألباني في الصحيحة ( 333 ) ] ، ( قلت ) والدليل الشاهد من الحديث لعدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر هو قوله  صلى الله عليه وسلم : (( وأقام الصلاة ... إلى أن قال فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام )) ،

 

الدليل التاسع : أخرج الحافظ الطحاوي في مشكل الآثار عن شقيق ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قـال : " أُمر بعبد من عباد الله أن يُضرب في قبره مائة جلدة ، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلـدة واحدة فجلد جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه ناراً فلما ارتفع عنه أفاق قال على ما جلدتموني قالوا إنك صليت صـلاة واحدة بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره  ثم عقّب عليه بقوله  فكان في هذا الحديث ما قد دلّ على أن تارك تلك الصلاة لم يكن بذلك كافراً لأنه لو كان كافراً لكـان دعـاؤه باطـلاً ولقـوله تعالى : { وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } [ الرعد : 14 ]  " [ مشكل الآثار حـ4/231 ط. دار صادر ] أهـ ، ثم أكد ما استفاده من الحديث السابق بقوله بعدما ذكر حديث من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ومالـه ( فكان معنى قوله صلى الله عليه وسلم فكأنما وتر أهله وماله بمعنى فكأنما نقص أهله وماله من قوله تعالى { وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } [ محمد : 35 ]  أي ينقصكم أعمالكم ، وفي ذلك ما قد دلّ على أنه لم يكن بذلك كافراً وإن كان ما قد نقصه من ذهاب إيمانه أكثر مما نقصه من ذهاب أهله وماله وكان القصد إلى ذكر ذلك لا إلى ذكر أهله وماله وبالله التوفيق  [ مشكل الآثار حـ4/232 - 233 ط.دار صادر ] أهــ

 

الدليل العاشر : أمّا الأدلة التي هي بمثابة قواعد عامة وأصول ضابطة لمنهج أهل السنّة والجماعة والتي ترجح قول الجمهور فهي كثيرة جداً تندرج تحت عدة قواعد عامة اعتقدها أهل السنّة والجماعة منها : ( قاعدة ) : - من مات على الشهادتين استوجب بها الجنة وإن دخل النار فإنه لا يخلد فيها خلود الكافرين بل مآله إلى الجنة لحرمة الشهادة وفضلها ، و ( قاعدة ) : - من أتى بالإقرار والاعتقاد فقد أتى بركني الإيمان ومطلقه الذي ينجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين ، و ( قاعدة ) : - كل ما هو دون الكفر الأكبر بالله ـ وهو كفر القلب ـ وكل ما دون الشرك الأكبر بالله ـ اتخاذ شريك مع الله ـ فهو تحت المشيئة وصاحبه إمّا أن يغفر الله له ابتداءً وإما يعذبه بذنوبه ولكنه لا يخلد في النار خلود الكافرين ، و ( قاعدة ) : - الكفر الأكبر هو كفر الاعتقاد ، وما كان من الأعمال المجردة وجعلها الشارع كفراً فهي دون الكفر الأكبر المخرج بالكلية من الملة ، وهذا الكفر العملي المجرد الخالي عن الاعتقاد لا يخلد صاحبه في النار ، ( قلت ) وهذه القواعد ـ وغيرها من قواعد أهل السنّة والجماعة الرصينة في مسائل الإيمان والكفر ـ قد أفردت لهـا الفصل الثالث من هذا الباب ، وهو التالي لهذا الفصل ومع مراجعتها نعلم يقيناً صحة قول جمهور الأئمة الفقهاء وأنه القول الراجح الذي به تتفق الأدلة جميعها دون استثناء ، وأن تارك الصلاة تكاسلاً هو من الكفـر في إطـار الملـة ،

***

 

[  الأدلة من أقوال العلماء على أن تارك الصلاة تكاسلاً هو من الكفـر في إطـار الملـة ]

 

أولاً : هو قول المدارس الفقهيه المتخصصه بعلمائها الأجلاء :تارك الصلاة كفر في إطار الملة هو قول المدارس الفقهية المعتمدة الحنفية والمالكية والشافعية والقول الصحيح المعتمد المختار عند فقهاء الحنابلة وهو القول الراجح عند أكثر مدارس أهل الحديث كما ذكر الشوكاني والصنعاني رحمهما الله تعالى . ويكمن أهمية هذا الدليل ، أن هؤلاء هم أهل التخصص في الفقه ، فكل مدرسة من هذه المدارس إضافة إلى مكانة مؤسسيها العلمية العالية والتي لم يتبوأها أحد في الأمة في زمانهم أو بعدهم ، إضافه إلى ذلك أنها مدارس تخصصية تحتوى كل مدرسة على مئات من العلماء الفقهاء بالكتاب والسنّة المجتهدين على الإطلاق أو في إطار المذهب أو في إطار أصوله ، إضافة إلى أنها المدارس التي انضبطت أقوال مؤسسيها ، فعرفت أقوالهم القديمة والجديدة والمعتمدة ، ومرت على عقول مئات العلماء المنتسبين لهذه المذاهب ، فحمل مطلقها على مقيدها ، وعامها على خاصها ، وهكذا انضبطت الأقوال داخلها ، بخلاف ما يُنقل عن الأئمة الباقين ، فالنقل عنهم عزيز ، والتمحيص لأقوالهم يكاد يكون مفقودا ، فلا نعلم متى قال بذلك وهل رجع عنه أم لا ، وهل قاله على وجه العموم أو لحالة مخصوصة وهل قوله مطلق أم مقيد وهكذا ، وهذا أهم ما ننبه عليه إخواننا لاسيما في زماننا هذا الذي عزف فيه كثير من طلبة العلم عن معرفة آراء هؤلاء الفقهاء وإعطائها حقها من الأهمية في المسائل الفقهية . فطلب الفقه من الكتاب والسنّة بفهم هؤلاء هو من باب طلب الشيء من المتخصصين فيه ، وهذا من الفقه في دين الله عز وجل بمكانة ، وفي ذلك إشارة إلى منهج أسأل الله عز وجل أن ييسر لي بيانه في رسالة مستقلة ، وإن في ذلك لذكرى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ،

ثانياً : هو قول الأئمة الذين نقلنا أقوالهم في الباب الأول : جميع نقول العلماء والتي حشدتها على إخراج جنس عمل الجوارح عن أصل الإيمان إلى الإيمان الواجب ، وهذه النقول من باب الأولى تدل يقيناً على أنّ كفر تارك الصلاة تكاسلاً هو كفر في إطار الملة وليس كفراً أكبر كما يظن البعض. وقد نقلت في الباب الأول نقولاً عن خمسة وعشرين عالماً كلامهم يدل على إخراج جنس عمل الجوارح عن أصل الإيمان ومن باب الأولى يقيناً اعتبار ترك الصلاة تكاسلاً  ـ لكونه في حالة التكاسل من أعمال الجوارح المجردة ـ كفرا في إطار الملة فراجعها في الباب الأول وفيها بحمد الله الفقه الواضح والعلم الراسخ.وكل ما سبق من الأدلة وأقوال الأئمة يدلنا على أنّ هذا هو القول الصحيح الراجح الذي يتعين المصير إليه ، وأنّ ما جاء من الأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة إنما تُحمل على كفر دون الكفر الأكبر جمعاً بين النصوص ومراعاة لقواعد الشريعه العامة. وهذا ما دعا النووي رحمه الله إلى أن يقول : " ولم يزل المسلمون يورثون عنه ، ولو كان كافراً ـ أي الكفر الأكبر ـ لم يغفر له ولم يرث ولم يورث . وأمّا الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها "[ المجموع شرح المهذب حـ3 ص17 ] أهـ ، ودعا ابن قدامة رحمه الله إلى أن يقول : (( ذلك إجماع المسلمين فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ، ولا منع ورثته ميراثه ولا منع هو ميراث مورثه ، ولا فرق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ، ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها ، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ، ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة وصيام. وأمّا الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ والتشبيه له بالكفار لا على الحقيقه كقوله عليه السلام (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ، وقوله (( كفر بالله تبرؤ من نسب وإن وجد )) وقوله (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) ، وقوله (( من أتى حائضاً أو أمرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد )) ، وقال (( ومن قال مطرنا بنوء  الكواكب فهو كافر بالله مؤمن بالكواكب )) ، وقوله (( من حلف بغير الله فقد أشرك )) ، وقوله (( شارب الخمر كعابد وثن ))  وأشباه هذا مما أُريد به التشدد في الوعيد وهو أصـوب القولـين والله أعلـم.[ المغنـــي حـ2/158 ] أهـ ، ( قلت ) وقد تقدم ذكر قول الشنقيطي رحمه الله في بداية ذكر المسألة وفيه ( وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ولأن إعمال الدليلين أولى من  إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث ...0 إلى أن نقل قول النووي وفيه وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها )[ انظر أضواء البيان حـ4/322 ] أهــويقول النووي  " وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور " [ المجموع حـ3/14 ] ، وقد علل رحمه الله لذلك بعلّة حرّي بنا أن نفهمها وأن نعض عليها بالنواجذ وهي قوله قبل أن يقطع بصحة عدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً الكفر الأكبر - " ولا يكفر بترك الصلاة لأن الكفر بالاعتقاد واعتقاده صحيح فلم يحكم بكفـره " [ المجموع حـ3/13 ] ، ويقول الشوكاني " ذهبت الكثرة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر "[ نيل الأوطار حـ1/291 ] أهــ وقوله (  لا يكفر )  أي الكفر الأكبر المخرج من الملة وإن كان كفراً في إطار الملة ، ورجحه أيضاً العلامة القرطبي بقوله " والصحيح أنه ليس بكافر لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قـد قــال (( خمس صلوات افترضهن الله على عباده فمن جاء بهن لم يضّيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء يغفر له وإن شاء عذبه ))  فهذا ينص على أنّ ترك الصلاة ليس بكفر وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفـر ما دون ذلـك لمن يشـاء  { النساء : 48 }[ المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم حـ1/271 ط. دار ابن كثير ] أهــ ن ورجحه أيضاً الحافظ السخاوي في فتاواه فكان من قوله " أما من تركها بلا عذر ، بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه يستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويغّسـل ويصلـى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائـر أحكـام المسلميـن عليه  أهـل الفتاوي الحديثه حـ2/84 "  ، ورجحه أيضاً ابن عبدالبرّ بقوله  –بعدما ذكر حديث (خمس صلوات .. من أتى بهن .. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ) – وهو حديث صحيح سيأتي بيانه ، (( وفيه دليل على أنّ من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمداً صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ، ألا ترى أنّ المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته ، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع ما كان مسلماً به وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلم  أهــ [ التمهيد حـ23/288 - 290 ] ، ورجحه أيضاً ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد حيث قال : ( تارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب الاّ أن يتركها معتقداً لتركها ، فنحن إذاً بين أحد أمرين : ( الأمر الأول ) إما أن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي يجب علينا أن نتأول أنه أراد  صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة معتقداً لتركها فقد كفر ، ( والأمر الثاني ) :  أن يحمل على اسم الكفر على غير موضعه الأول وذلك على أحد معنيين :إما على أن حكمه حكم الكافر أعني في القتل  ، وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ والردع له ...0 وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع حكامه مع أنه مؤمن فشيء مفارق للأصـول ...0 ولـذلك صار هذا القول مضاهياً لقول من يكفّر بالذنوب  [ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ]  ،  ( قلت ) : وهو القول الراجح من أقوال الإمام أحمد اختاره أبي عبدالله بن بطة وأنكر قول من قال : أنه يكفر وذكر أن المذهب – أي الحنبلي – على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه ، وهذا الذي رجحه كذلك ابن قدامة الحنبلي وهو ما رجحه أيضاً في إطار المذهب الحنبلي الشيخ علاء الدين المرداوي في كتاب " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل " ، وقد ذكرت بحمد الله تعالى بعضاً من دلائل الترجيح التي تُساعد على معرفة القول الراجح في المسألة ، والله المستعان ، ( تنبيـه ) : ليس المقصود من ذكر هذه الأدلة السابقة تسهيل ترك الصلاة على العامة ، حاش لله ، بل تركها هو الطريق العريض نحو الكفر الأكبر ونحو الهلاك والعياذ بالله ، ولكن المقصد من عرض الأدلة بيان دين الله عز وجل القيّم الذي لا يُسوي بين قائل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله والمقر بها والمصدق لها تصديقاً جازماً يلازمه الإذعان لحقوقها وبين الجاحد لها فإذا قلنا أن تركها تكاسلاً مع الإقرار بها كفر أكبر فقد ساوينا بين المقر والجاحد وبين قائل لا إله إلاّ الله وعابد الوثن لكونهما مخلدين في النار. وكذلك فإن هذا هو الفقه الذي من يرد الله تعالى به خيراً يرزقه إياه وكذلك فإنه الضابط العاصم من تكفير الموحدين الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وقد تواترت الأحاديث على أنّ من قال لا إله إلاّ الله دخل الجنة وإن لبث في النار أحقاباً

***

 

تارك الصلاة إن أصر على ترك الصلاة يُقتل على كل حال : في حالة الإقرار والاعتقاد يُقتل حداً ، وفي حالة الجحود يُقتل ردة

 

علمنا أنّ تارك الصلاة إمّا أن يكون جاحداً مرتداً وكفره كفر أكبر مخرج من الملة ، وإمّا أن يكون متكاسلاً مقصراً لا يظهر عليه أثر الاستكبار عن فعلها وهذا كفره في إطار الملة ، والأئمة العلماء المحققون على أنه يُقتل في الحالتين ، في الحالة الأولى ـ حالة الجحد ـ يُقتل ردة ويُعامل معاملة المرتد من عدم غسله وتكفينه وترك الصلاة عليه وغيرها من أحكام الردّة ، وفي الحالة الثانية ـ حالة الكسل المحض ـ يُقتل حداً ويعامل معاملة المسلم من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وغير ذلك من أحكام المسلمين. والخلاف في هذه المسألة ـ مسألة قتل تارك الصلاة ـ أضعف من الخلاف في المسألة السابقه وذلك لأن كل من قال بكفر تارك الصلاة الكفر الأكبر قال بقتله ، والجماهير من قالوا بعدم كفره الكفر الأكبر قالوا بأنه يُقتل حداً ولم يخالفهم إلا الإمام أبوحنيفه والإمام الثوري وجماعة من علماء الكوفة والمزني من أصحاب الشافعي فقالوا لا يُقتل بل يعزر ويحبس حتى يُصلي، ومن الأدلة على وجوب قتل تارك الصلاة على كل حال :

[  الدليل الأول ] : قوله تعالى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ التـوبة  : 5 ] ، قال ابن قدامة " فأباح قتلهم وشرط في تخلية سبيلهم التوبة وهي الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فمن ترك الصلاة متعمداً لم يأت بشرط تخليته فبقي على وجوب القتل " [ المغنـــي حـ2/156 ] أهــ ،

[  الدليل الثاني ] : قوله صلى الله عليه وسلم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل )) [ متفق عليه ] . قال الشوكاني "  الحديث يدل على أنّ من أخلّ بواحدة منها فهو حلال الدم والمال إذا لم يتب " [ نيل الأوطار حـ1/288 ] أهــ  ،

[  الدليل الثالث ] : ما أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال : لمّا توفى رسول الله  صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فقال عمر يا أبابكر كيف نقاتل العرب ؟ فقال أبوبكر إنما قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة )) . قال الشوكاني " الحديث أخرجه أيضاً البيهقي في السنن … ثم قال : والحديث يدل على ما دلّ عليه الذي  قبله من أنّ المخل بواحدة من هذه الخصال حلال الدم مباح المال " [ نيل الأوطار حـ1/288 - 289 ] أهــ ،

[  الدليل الرابع ] : ما أخرجه البخاري ومسلم ( عن أبي سعيد الخدري قال بعث عليٌّ عليه السلام وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة فقال رجل يا رسول الله اتق الله ، فقال ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ فقال لا لعله أن يكون يصلي ، فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ) .قال الشوكاني  قوله صلى الله عليه وسلم ( لعله أن يكون يصلي ) فيه أنّ الصلاة موجبة لحقن الدم ولكن مع بقية الأمور المذكورة في الأحاديث الآخرة [ نيل الأوطار حـ1/289 ] أهــ ،

[  الدليل الخامس ] : ما أخرجه مالك في الموطأ والشافعي في مسنده وأحمد في مسنده " عن عبيدالله بن عدي بن الخيار أن رجلاً من الأنصار حدثه : (( أنه أتى رسول الله   صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس يساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أليس يشهد أن لا إله إلاّ الله ؟ قال الأنصاري بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال أليس يشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال بلى ولا شهادة له ، قال أليس يُصلي ؟ قال بلى ولا صلاة له ، قال أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم )) ، (  قلت )  الحديث أورده صاحب الأخبار في باب قتل تارك الصلاة وقال شارحـه الشوكاني " فيه دلالة على أن الواجب المعاملة للناس بما يُعرف من ظواهر أحواهم من دون تفتيش وتنقيش فإن ذلك مما لم يتعبدنا الله به ولذلك قال إني لم أومر أن انقب عـن قلـوب النـاس" [ نيل الأوطار حـ1/291 ] أهــ ومنطوق الحديث النهي عن قتل المصلين ومفهومه أنّ المانع من قتله هو الصلاة ومفهوم المخالفة أنه لو كان تاركاً للصلاة لجاز قتله وإلاّ فما فائدة معنى قوله   صلى الله عليه وسلم (( أليس يصلى … أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم )) .وبعد : فالأدلة على قتل تارك الصلاة كثيرة قال جماهير السلف والأئمـة حتى قال الشوكـاني    (( ذهبت العترة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل يفسق فإن تاب وإلاّ قتلناه حداً كالزاني المحصن ولكنه يُقتل بالسيف )) أهــ [ نيل الأوطار حـ1/291 ] ، وقال وهو يؤيد هذا القول ـ في حكم تارك الصلاة تكاسلاً ـ ويُبين أنه القول الحق بشقيه ، الشق الأول أنه كفر دون كفر ، والشق الثاني أنه يُقتل ، والحق أنه كافر يقتل أما كفره فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمي تارك الصلاة بذلك الاسم وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة فتركها مقتض لجواز الإطلاق ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفراً فلا ملجأ إلى التأويلات التي وقع النـاس في مضيقها وأما أنه يقتل فلأن حديث (( أمرت أن أقاتل الناس )) يقضي بوجوب القتـل لاستلازام المقاتلة له وكذلك سائر الأدلة المذكورة في الباب الأول ولا أوضح من دلالتها على المطلوب وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال   { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ..} [ التوبة : 5 ]   فلا يخلى من لم يقم الصلاة . وفي صحيح مسلم (( سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ عنقه ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقالوا ألا نقاتلهم قال لا ماصلوا )) فجعل الصلاة هي المانعة من مقاتلة أمراء الجور وكذلك قوله لخالد في الحديث السابق [ لعله يصلي ] فجعل المانع من القتل نفس الصلاة . وحديث { لا يحل دم امرئ مسلم } لا يعارض مفهومه المنطوقات الصحيحة الصريحه [ نيل الأوطار حـ1/292 ] أهــ  ،  (قلت)  : وقوله ( لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة ) هو بعينه الكفر في إطار الملة ـ كفر دون كفر ـ كما عرّفه العلماء وبه يزول إشكال حكم تارك الصلاة . وقال النووي : " ومن وجبت عليه الصلاة وامتنع من فعلها فإن كان جاحداً لوجوبها فهو كافر ويجب قتله بالردة لأنه كذب الله تعالى في خبره وإن تركها وهو معتقد لوجوبها وجب عليه القتل وقال المزني يضرب ولا يقتل والدليل على أنه يقتل قوله  صلى الله عليه وسلم (( نهيت عن قتل المصلين )) ولأنه إحدى دعائم الإسلام لا تدخله النيابة بنفس ولا مال فقتل بتركها كالشهادتين " أهــ [ المجموع شرح المهذب حـ3/1 ] ،

***

 

[ تحقيق مذهب الإمام أحمد بن حنبل في مسألة ترك الصلاة تكاسلاً ]

 

المعلوم لكل أهل العلم أنّ للإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة تكاسلاً وهو مقر بها معتقد لوجوبها قولان :الأول : أنه كفر أكبر مخرج من الملة ، والثاني : أنه كفر دون كفر وفي إطار الملة ، وبعض الحنابلة المعاصرين يذكر عنه الرواية الأولى ويغض الطرف عن الرواية الثانية حتى إنك لتشعر من كلامهم أنه ليست له إلاّ هذه الرواية ، وهذا خطأ كبير في حق الإمام أحمد إذ أننى مع تتبعى لفتاواه علمت يقيناً أنّ الرواية الثانية الموافقة لدلالات النصوص وأقوال جمهور أهل الفقه والأئمة الثلاثة أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة هي الرواية الصحيحة في المذهب وهي الرواية المعتمدة في المذهب الحنبلي وعليها أكثر أصحابه المتقدمين وغالب الأئمة المحققين داخل المذهب. وإليك أخي الكريم الأدلة على ما ذهبت إليه : 

 

أولاً : عرض الخلاف داخل المذهب وقوة الروايتين فيه :  (1) قال ابن قدامة : " واختلفت الرواية ـ أي عن الإمام أحمد ـ هل يُقتل لكفره أو حداً فروى أنه يُقتل لكفره كالمرتد فلا يغسل ولا يكفن ولا يدفن بين المسلمين ولا يرثه أحد ولا يرث أحداً إختارها أبو إسحق بن شاقلا وابن حامد ،  والرواية الثانية يُقتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن ، وهذا اختيار أبى عبدالله بن بطة وأنكر قول من قال : أنه يكفر وذكر أنّ المذهب ـ أي الحنبلي ـ على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه .. وهو أصوب القولين والله أعلم " [ المغني حـ2/157 - 158 ] أهــ ، ( قلت ) ابن قدامة هو المقدم في المذهب الحنبلي وقد أعطاه الحنابلة حق الترجيح داخل الروايات ، وهو يذكر الروايتين وينقل عن ابن بطة أنّ كفر تارك الصلاة في إطار الملة وصاحبه يُقتل حداً ويعامل معاملة المسلم وأن هذا هو المذهب لا يجد في المذهب الحنبلي خلافاً فيه وهو بالتالي يلغي الرواية الأولى تماماً ، وأمّا ابن قدامة فهو يعتبر وجود الروايتين ويرجح الثانية التي أعتبرها ابن بطة الرواية الصحيحة الوحيدة في المذهب ،  (2) وهذا الذي رجحه ابن قدامة هو نفسه ما قاله الشيخ علاء الديـن المـرداوي في كتابـه ( الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجّل أحمد بن حنبـل ) قال المرداوي " ولو ترك صلوات كثيرة قبل الدُعاء [ الداعي له هو الإمام أو نائب الإمام يدعوه إلى الصلاة ويستتيبه من أجل أدائها ] لم يجب قتله ولا يكفر على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم " [ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد حـ1/402 ] أهــ ، ( قلت ) فالشيخ علاء الدين المرداوي يذكر أنّ عدم كفره الكفر الأكبر هو الصحيح من المذهب الحنبلي وأنّ عليه جماهير أصحاب الإمام أحمد وهو الذي  قطع به كثير منهم ، والقطع معناه أنه لا يوجد في المذهب رواية صحيحة معتمدة للفتوى غيرها  ،

 

ثانياً : أقوال الإمام أحمد الدالة على أنه يرى عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر المخرج من الملة :  ( 1 ) روى الخلاّل في كتابه السنّة :أخبرنـا محمد بن على قال حدثنا صالح قال سألت أبي [ أي الإمام أحمد ] مـا زيادته ونقصانه [ أي الإيمان ] قال { أي الإمام أحمد } زيادته العمل ونقصانه ترك العمل مثل ترك الصلاة والزكاة والحج وأداء الفرائض فهذا يزيد وينقص بالعمل  [ السنّة للخلاّل حـ3/588 ] أهــ  ،  (2) وجاء في طبقات الحنابلة : قال الإمام أحمد في وصيته لتلميذه الحافظ مُسدَّد بن مُسرهد  " ولا يخرج الرجل من الإسلام شيء إلاّ الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحداً بهـا فـإن تركهـا كسـلاً أو تهاونـاً كـان في مشيئـة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه "  [ طبقات الحنابلة حـ1/343 ] أهــ، ( قلت) تدبر هذه الرواية التي تساوى في قدرها أطنان من الذهب الخالص يكفي في معرفة رأي الإمام أحمد في المسألة ولا أزيد على كلامه شيئاً فهو واضح وضوحاً دونه الشمس في رابعة النهار ،  (3) الإمام أحمد يرى وجوب القضاء على تارك الصلاة تكاسلاً ولو كان كافراً مرتداً لم يكن عليه قضاء وهذه المسألة فريدة ولعل من أوائل من تنبه لها ابن قدامة المقدسي حيث قال " ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أنّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام " [ المغني لابن قدامة حـ2/158 ] أهــ ، وجـاء في فتاوى إبن تيمية ـ وقد سئـل عن تارك الصلاة تكاسلاً هل يجب عليه القضاء ـ قال رحمه الله " وأمّا من كان عالماً بوجوبها وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها فهذا يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة " [ مجموع الفتاوى حـ22/103 ] أهـ (قلت) : فالأئمة الأربعة متفقون على وجوب القضاء لتارك الصلاة تكاسلاً وهو مقر بها معتقد لها وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أنّ الأئمة الأربعة عند التحقيق يرون كفر تارك الصلاة في إطار الملة وليس خارجها حتى ينقض أصل إيمانه بجحود ما أدخله فيه ، (4) وقاصمة الظهر للمتعجلين في تكفير أهل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ـ كفر الردّة الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين ـ بمجرد ترك الأعمال وإلصاق ذلك بمذهب الإمام أحمد بن حنبل هي هذه المسألة من مسائل عبدالله بن أحمد لأبيه الإمام أحمـد وجواب الإمام أحمد عليها ، ثم تعليق الألباني على هذه المسألة ، [ أولاً ] : ما جاء في مسائل عبدالله بن الإمام أحمد قال عبدالله بن الإمام أحمد " سألت أبى عن رجل فرّط في صلوات شهرين ؟ فقال : يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات ، فلا يزال يُصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرّط فيها ، فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها ولا يضيّع مرتين ، ثم يعود فيصلي أيضاً حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها إلاّ إن كان كَثُرَ عليه ويكون ممن يطلب المعاش ولا يقوى أن يأتي بها ، فإنه يصلى حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يُقيمه من معاشه ثم يعود إلى الصلاة ، ولا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها فهو يُعيدها أيضاً إذا ذكرها وهو في صلاة " [ مسائل عبدالله بن الإمام أحمد بن حنبل ص56/195 نقلاً عن تارك الصلاة للألباني ] أهــ ، [ ثانياً ] : تعليق الألباني على هذه المسألة وهو تعليق قد امتلأ فقها قال ـ رحمه الله ـ فانظر أيها القارئ الكريم هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلاّ ما يدل على ماسبق تحقيقه أنّ المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك الصلاة ، بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش ، وهذا عندي يدل على شيئين : ( أحدهمـا ) : وهو ما سبق وهو أنه يبقى على إسلامه ولو لم تبرأ منه ذمته بقضاء كل ما غلب عليه من الفوائت ، ( والآخر ) : أن حكم القضاء دون حكم الأداء ، لأنني لا أعتقد أنّ الإمام أحمد ، بل ولا من هو دونه في العلم يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش. والله سبحانه وتعالى أعلم ، واعلم أخي المسلم أنّ هذه الرواية عن الإمام أحمد وما في معناها هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولاً ، ولخصوص الإمام أحمد ثانياً لقوله رحمه الله ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) وبخاصةً أنّ الأقوال الآخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جداً ، كما تراها في ( الإنصاف )[ 1/327 - 328 ] وغيره من الكتب المعتمدة. ومع اضطرابها فليس في شيء منها التصريح بأنّ المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة. وإذ الأمر كذلك فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيّدة والمبيّنة لمراده رحمه الله ، وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبدالله ولوّ فرضنا أنّ هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك وجب تركها والتمسـك بالروايـات الأخرى لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرّة ، وبهذا صرّح كثير من علماء الحنابلة المحققين كابن قدامة المقدسي ... ونص كلام ابن قدامة :    " وإن ترك شيئاً من العبادات الخمسه تهاوناً لم يكفر "  وكذا في كتابه ( المقن )ونحوه في ( المغني )[ 2/298 - 302 ] في بحث طويل له ذكر الخلاف فيه وأدلة كلٍ ثم انتهى إلى هذا الذي في ( المقنع ) وهو الحق الذي لا ريب فيه ، وعليه مؤلفا الشرح الكبير والإنصاف " أهــ  [ حكم تارك الصلاة للألبانى ص57 - 59 ط.دار الجلالين ] ،

( فائدة ) قد علمنا الراجح الصحيح من مذهب الإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة ، ولكن ما السبب في وجود الروايتين في المذهب ؟ ولعل سبب هذا هو ما أورده تاج الدين السبكى في كتابه طبقات الشافعية عن مناظرة حدثت بين الإمام الشافعي والإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة :قال السبكي " حُكى أنّ أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة ، فقال له الشافعي يا أحمد أتقول إنه يكفر ؟  قال : نعم قال : إن كان كافراً فبم يُسلم ؟  قال : يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله قال : فالرجل مستديم لهذا الرأي لم يتركه قال : يُسلم بأن يُصلي قال : صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع الإمام أحمد وسكت "[ طبقات الشافعية الكبرى حـ1/220 ] أهــ  ، ( قلت)  هذه الحكاية عن مناظرة الإمام الشافعي والإمام أحمد في حكم تارك الصلاة تكاسلاً ، لا يبعد عندي صحتها ، وذلك لأنه معلوم يقيناً لأهل العلم أنّ الإمام أحمد هو تلميذ الإمام الشافعي ، ولولا الشافعي لما عرف أحمد الفقه ، وهو يعترف بهذا الفضل للشافعي. فقد نقل ابن عبدالبرّ في كتابه الانتقاء عن : (1) عبدالله بن الإمام أحمد قال : " قلت لأبي أي رجل كان الشافعي فإني أسمعك تكثر الدعاء له فقال يابني : كان الشافعي رحمه الله كالشمس للدُنيا وكالعافية للناس فانظر هل لهذين من خلف أو عوض"  ،   (2) صالح بن الإمام أحمد قال : " لقيني يحيى بن معين فقال أما يستحي أبوك مما يفعــل ؟ فقلت : وما يفعل ؟ قال : رأيته مع الشافعي ، والشافعي راكب وهو راجل آخذ بزمام دابتــه ، فقلـت لأبي ذلـك ، فقــال : إن لقيتــه فقـل : يقـول لـك أبي : إذا أردت أن تتفقه فتعال فخذ بركابه من الجانب الآخر " أهــ [ الانتقاء لابن عبدالبرّ ص73 ] ،  فلعل هذه المناظرة جعلت الإمـام أحمد يرجح القول الصواب في المسألة وهو كفر تارك الصلاة ولكن كفر في إطار الملة ، فكان ما نقل عنه إنما هو نقل للمذهب القديم قبل اكتمال أداة الفقه وجمع الأدلة واكتمال الرأي في المسألة ، ولهذا نقلنا عن أئمة المذهب الحنبلي أن هذا هو القول الصحيح وهو الذي قال به عامة أصحاب الإمام أحمد وقطع به كثير منهم ورجحه أئمة المذهب العلماء الذين لهم حق الترجيح داخل المذهب كابن قدامة المقدسي رحمه الله . وعلى ذلك فالمترجح عندي أنّ رواية الإمام أحمد القائلة بكفر تارك الصلاة كفر ردّة كانت قبل مناظرة الشافعي وانتشرت عنه ، فلمّا ناظر الشافعي وتبين له أنّ الأصل هو الإقرار والاعتقاد وأنّ من أقر بالصلاة واعتقد وجوبها فقد أتى ببعض الواجب عليه فيها وهو اعتقادها والإقرار بها ولا يكون وهذه حالته تاركاً للصلاة بالكلية مثله مثل الجاحد التارك للصلاة بقلبه وجوارحه البتة ، وهذه الرواية هي التي رواها عنه ابن بطة وأنكر أن يكون في المذهب الحنبلي رواية غيرها ، وهي الرواية التي رجحها الأئمة الفحول في الفقه عامة وفي المذهب الحنبلي خاصة وعلى رأسهم ابن قدامة المقدسي ، وهي الرواية التي رجحها المرداوي في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وقال فيه : (( ولا يكفـر على الصحيـحمن المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم )) [ الإنصاف حـ1/402 ] أهــ فهي الرواية التي عليها جماهير أصحاب الإمام أحمد وقطع كثير منهم بصحتها واتباعها دون غيرها بل ولو رجعت إلى المقنع [ 1/385 ] والشرح الكبير عليه تجد أنه قول ابن قدامة المقدسي وشارح كتابه أبى الفرج المقدسي وكذلك المغني لابن قدامة [ 2/302 ] وقال في آخر المسألة وهو يرجح الرواية الموافقة لمذهب الأئمة الثلاثة { وهو أصوب القولين } وكذلك لو نظرت إلى منح الشفا الشافيات للبُهوتي ص103 تجد نفس الشيء ، فأئمة الحنابلة على ترجيح هذه الرواية ، وعلى ذلك فلك أن تعجب أشد العجب من بعض الحنابلة المعاصرين القائلين بتكفير تارك الصلاة دون تفصيل ، ومساواة الجاحد لها بالمقر والمعتقد لها ثم الطامة أنهم ينسبون ذلك إلى الإمام أحمد ويغضون الطرف عن الرواية الصحيحة عنه ، ولا أدرى لذلك علة سوى حرصهم الشديد على ترهيب الأمة من ترك الصلاة ، وهذا هو المحمل الحسن والظن الحسن الذي ينبغي أن نفهم سبب تمسكهم بهذه الرواية ، ولكن أحكام الفقه لا تؤخذ بهذه الطريقة لأن لها متعلق بحرمة الدم والعرض والمال ، والمرتد تُبنى على ردته أحكام جسيمة عظيمة لا يمكن أن يكون سببها بحـال الترهيـب من تـرك الصـلاة  بل الفقه هو الفقه وهو الإقرار بالأدلة والأحكام على حالها وتقريرها وفق أدلتها دون شطط ولا وكس ، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين . ومن هذا الباب نعلم لماذا رفعت الأمة ، بل ورفع الله عز وجل قبل الأمة مكانة الفقهاء الأربعة ، فهم الأئمة الأعلام أركان الفقه ، ولا يغني ذلك أن ننقص أحداً قدره ، فهل مثل البخاري أمير المؤمنين في الحديث ومثل مسلم في الحديث ، ولكن لكل عالم مجاله وتخصصه وتعجبنى في هذا المجال مقالة فقيه قال فيها { الفقهاء هم الأطباء والمحدثون هم الصيادلة } ومعلوم أنّ لكل واحد منهما تخصصه الذي لا ينبغي أن يُتخطى فيه ، ولكن يبقى الفضل الزائد لأهل الفقه لأنهم ما يتكلمون في الأحكام إلاّ عن أصول وقواعد تربط بين أحكام أدلة الكتاب والسنّة ولم يجعل الله عز وجل هذه المنة لكل أحد بل هي فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، فالفقه يحتم علينا أن نجمع بين الأدلة جميعها وأن لا نرجح دليلاً لمجرد الترهيب عن ترك الصلاة لأن هذا يفتح باباً من التكفير على الأمة قد لا تُسد أبوابه إلى يوم القيامة ويقع بين أهلها السيف والهرج والمرج بسبب فتنة تكفير يكفّر المسلم فيها أخاه. ولله در الغزالي حيث يقول " والذي ينبغي الاحتراز منه التكفير ما وجد إليه سبيلاً فإن استباحة دماء المسلمين المقّرين بالتوحيد خطأ ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد " [ نقله عن الحافظ في الفتح حـ12/300 ] أهـ ، وختاماً لهذا المبحث : فقد علمنا الرواية الصحيحة المعتمدة عن الإمام المبجّل أحمد بن حنبل في حكم تارك الصلاة . وهي الرواية التي عليها جماهير أصحابه وقطع كثير منهم بصحتها واتباعها دون غيرها ، وهي الرواية التي رجحها أعلام المذهب المحققون كابن قدامة المقدسي وغيره وهي الرواية الموافقة لأقوال الأئمة الثلاثه أبي حنيفة ومالك والشافعي فحول الفقه وأركان العلم ، وهي الرواية الموافقة لقول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء المحققين في مسائل العلم. وهي الرواية الصحيحة المتعين الأخذ بها لكونها تجمع بين كافة النصوص حتى لا تعارض بينها البتة. وهي الرواية الموافقة لأصول الاعتقاد بأن من أتى بالإقرار والاعتقاد وسلم عقده وقلبه من الجحد فهو مسلم له أصل الإيمان وحكمه وإن لم يعمل خيراً قط. وهي الرواية الموافقة لأصول الفقه وضوابطه وقواعده الربانية التي حبى الله عز وجل بها أئمة أهل السنّة الراسخين في العلم و الفقه والمقتدى بهم في دين الله عز وجل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالميــن ، وهـذا بحمد الله تعالى آخر مبحث القول الفصل في حكم تارك الصلاة على طريقة أهل الفقه وتفصيل الأحكام ، وفيه نصرة قول الجمهور الأعظم من المحدثين والفقهاء بأدلة الكتاب والسنّة ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

***

 

[  3  ]  :  تحقيق القول في مسألة كفر تولي الكافرين 

وبيان أنّه كفر أكبر للموالي على أساس الدين  ،  وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وكانت الموالاة على أساس الدنيا

 

( 1 ) شرع الإسلام شرع محكم يوافق بعضه بعضاً { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا }[ النساء : 82 ] ومن توافق هذا الشرع المحكم هو ما اتفق عليه الأئمة المحققون من علماء أهل السنّة والجماعة أنّ أصل الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه هو الإقرار والاعتقاد ، وأنّ عمل الجوارح خارج عن أصل الإيمان الفاصل بين الإيمان الأصل والكفر الأكبر داخل في الإيمان الواجب الفاصل بين الإيمان الواجب والكفر في إطار الملة . وعلى ذلك فمن أتى بالإقرار والاعتقاد للشرع وأحكامه ولم ينقضهما بناقض متعلق بهما فقد سلم عقده وقلبه وهو في منجى من الخلود الأبدي في النار مهما قصّر بـه عمله ، ومن أقر بالشرع واعتقده ثم قصّر به عمله فقد أخلّ بالإيمان الواجب الذي ضده الكفر في إطار الملة فلا يحكم بردته لأنه قد أتى بحسنة الاعتقاد والإقرار . ومع تطبيق هذه القاعدة الحكيمة التي حبى الله عز وجل بها فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسألة الموالاة والمعاداة نعلم يقيناً أنّ مناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة هو الموالاة الباطنة للكافرين على دينهم ، أمّا من وقع في موالاة ظاهرة وقلبه سليم وعقده سليم ولم يوال على الكفر ولا لأجله وإنما لحاجة أو شهوة أو هوى فاسد فهو كافر ولكنـه في إطـار الملـة . ومع عرض أدلة الموالاة من الكتاب والسنّة وأقوال الأئمة الفقهاء سنعلم يقيناً أنّه المناط الحكيم الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة ، وسار عليه الأئمة الأعلام أهل السنّة والجماعة المقتدى بهم في الدين ،

 

( 2 ) يطلق الولاء في الشرع على عدد من المعاني الشرعية : وجميعها يرجع إلى أصلها اللغوي وهو القرب والدُنّـو ، وأهم هذه المعاني ثلاثة هي النصـرة والمتابعـة بمعنى الطاعـة والمحبـة القلبيـة ومنهـا المـودة ، الأول : ولاء النصرة : وهو أظهر معاني الولاء في القرآن الكريم ومن ذلـك قوله تعالى { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ..} [ البقرة : 257 ] قال الخطابي : (( الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين )) [ لسان العرب لابن منظور حـ3/985 ]. وقوله تعالى{ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } [ التوبة : 51 ] قال القرطبي : (هو مولانا ) أي ناصرنا [ تفسير القرطبي حـ 8/161 ] وقوله تعالى{أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } [ يوسف : 101 ] قـال الطبـري : " أنت ولييّ " أي ناصـري [ مختصر تفسير الطبري ص273 ] وقوله تعالى{ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } [ الأعراف : 196 ] قـال الطبـري : "إنّ ولييّ الله " أي نصيـري وظهيري [ مختصر تفسير الطبري ص193 ] وعلى ذلك فأظهر معاني الولاء في القرآن هو النصرة ومن والى قومـاً فقـد تولاهـم ومنـه : قوله تعالى{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] فالنصـرة واجبـة بيـن المؤمنيـن والمؤمنات ، والمعنى الثاني : ولاء المتابعة والطاعة : ومنه وقوله تعالى{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ..} [ الأعراف :3 ]  والمعنى أنّ من اتبع ما أنزل الله فقد اتخذ الله تعالى ولياً ومنه قوله تعالى{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا } [ الأنعام : 14 ] . ومن اتبع غير الله فقد اتخذ من دونه أولياء ، والمعنى الثالث : ولاء المحبة والمودة : ومنه قوله تعالى{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  }  [ التوبة : 23 - 24 ] ومن تدبّر الآية يتضح تعلق الولاء بالمحبة وأنّ المحبة نوع من الولاء ، ويجب صرف ولاء المحبة إلى الله ورسوله والجهاد في سبيله ، ومن كان ولاؤه لشيء من أمور الدُنيا أشدّ من ولائه لله ورسوله ونصرة دينه فليتربص خذلانا من الله تعالى ، والله لا يهدي القوم الفاسقين . ومنه قوله تعالى{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  } الآية [ الممتحنة : 1 ] فالمودة ولاء وصرف ولاء المودة واجب لله ولرسوله والمؤمنين ومحرّم صرفه إلى الكافرين ، ( قلت ) وكل معنى شرعي للولاء يجب صرفها لله ورسوله ولدينه وللمؤمنين كما جاء في قوله تعالى{ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ }[ المائدة : 56 ] ، وكما أوجبها المولى سبحانه في حق الله ورسوله ودينه والمؤمنين فقد أوجب ضدها في حق الكافرين وتتمثل في عدائهم وجهادهم : ( أشداء على الكفار  (، {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً } [ التوبة : 123 ]، { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ }[ البقرة : 193 ]  ، { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التوبة : 29 ] .ويتمثل كذلك في بغضهم وإظهار الكراهية لكفرهم {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ .. } [ المجادلة : 22 ] ، قد جعل المولى سبحانه لنا القدوة في الأنبياء في إظهار العداء والبراء لهم ومنه قوله تعالى : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.. }[ الممتحنة : 4 ]. وقوله تعالى{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[ التحريم : 9 ] وحرّم المولى جل شأنه على المسلمين موالاة الكافرين وجعلها طريق عريض إلى الانسلاخ من ملة الإسلام إلى ملة الكفر . كما قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ المائدة : 51 ] . وقال تعالى { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ..} [ آل عمران : 28 ] . فالتحذير الرباني من موالاة الكافرين شديد تلحظه في قوله تعـالى { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ..} [ المائدة : 51 ] وقوله تعالى{ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ }[ أل عمران : 3 ] وقوله تعالى{ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } [ الممتحنة : 1 ]. ولهذا قال الشوكاني رحمه الله : "من يتولهم منكم فإنه منهم" أي فإنه من جملتهم وفي عدادهم وهذا وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي بلغت إلى الله غاية ليس وراءها غاية [ مختصر تفسير الطبري ص193 ] .

 

( 3 ) فقه أحكام الولاء والبراء : قد تقدم أنّ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات ، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة . ومع ذلك فالمفرّط فيهما مثله تماماً مثل تارك الحكم بما أنزل الله وتارك الصلاة وتسري عليه قواعد الشريعة الضابطة للمسألتين اللتين سبقتاه ، وينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة ، وهو الضابط الذي وضحناه وأصلناه في القواعد السابقة . فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة . وهذا هو الفقه الذي حبى به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن ، ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة : ( هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين ) ، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم . فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة . وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة وصاحب الكفر دون الكفر عموماً على خطر عظيم لقربه من هاوية الكفر الأكبر ، ومعاداة المؤمنين كذلك لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون معاداة قلبه متعلقة بإسلامهم وإيمانهم . فمن عادى المؤمنين على دُنيا أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فكفره في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر ومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر } . فالقتال هنا كفر ولكنه بإجمـاع أهل السنّة كفر في إطار الملة وإلاّ كفّر بعضنا بعضاً بالمعاصي والآثام ، وقد ثبت بنص القرآن أنّ المؤمنين يكون بينهم اقتتال وهم على اسم الإيمان وحكمه كما في قوله تعالى{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.. إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  } الآية [ الحجرات : 9 - 10 ] ، وعلى ذلك فمناط التكفير في مسألة الموالاة والمعاداة : هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمن ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام . فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست بالردّة ، وليس هذا تهويناً من شأن الموالاة والمعاداة ، فشأنها عظيم ويكفي أنّ ما كان منها ظاهراً فهو ( كفر ) في إطار الملة وليس بالأمر الهين لفظ الكفر ولا بالأمر السهل أن يوصف المرء بالكفر في إطار الملة فهو أشد وأخطر من الكبائر عامة ، والمحرمات كافة لأنه قريب من الكفر الأكبر وصاحبه على خطر عظيم إن لم تتداركه رحمة الله بالتثبيت ، وكما أنه ليس تهويناً من شأن الولاء والبراء ركن الدين الركيز ، فهو كذلك انضباط بضوابط أهل الحق  [ أهل السنّة والجماعة الناجية ] في مسائل الإيمان والكفر ، فلا يكفّرون إلاّ من يستحق الكفر بضوابطه الرصينة ، ولا يسوون بين الجاحد المنكر والمقر المعتقد فيكفّرون كليهما بالعمل الظاهر دون التثبت من سلامة العقد والقلب ، وهذه من حِكمَ الشريعة الباهرة التي خصّ الله تعالى بها أهل الفقه في الدين والإمامة فيه [ أهل السنّة والجماعة ] ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين على معتقد هؤلاء ومنهاجهم ، والحمد لله الذي بنعمته يرفع أهل العلم درجات وأهل الفقه في الدين هم سادة العلماء ، ( قلت ) ما سبق تقرير موجز لفقه أحكام أهل السنّة والجماعة في مسائل الـولاء والبراء وإليك الأدلة عليها بنوع من التفصيل والله المستعـان :  ( الدليل الأول ) : قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ الممتحنة : 1 - 3 ] ، ( قلت ) اتفق أهل العلم بالتفسير وبالحديث على أنّ سبب نزول هذه الآيات هو قصة الصحابي الجليل حاطب رضي الله عنه وما كان من موالاته للمشركين في مكة . وقد أخرج هذه القصة ورواياتها المتعددة أهل العلم بالحديث الأئمة البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه وأبي داود والترمذي والنسائي في سننهم والإمـام أحمـد في مسنـده ، ولا يختلـف أحد من أهل العلم أنّ هذه الآيات نزلت بسبب قصة حاطب رضي الله عنـه . والإلمام بهذه القصة ورواياتها المتعددة والتي تدلنا في مجموعها على أنّ الموالاة التي تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر هي الموالاة الظاهرة دون الباطنة ، فهي وإن كانت خطيرة وعظيمة وفي إطار الكفر إلاّ أنها كفر في إطار الملة ، ولا تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر المخرج من الملة ، وإلاّ لاستتاب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً من هذا الكفر بعدما أقسم له حاطب أنه مؤمن بالله ورسوله ، وأنه ما فعل ذلك ردة عن دينه ولكن مصانعة للمشركين لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد ، ولنـا هنــا وقفتــان : ( الأولى ) : أن النبي صلى الله عليه وسلم صدقه في قوله ولم يستتبه من الكفر ، فدلّ ذلك على أنّ الموالاة الظاهرة على الدُنيا ليست من قبيل الكفر الأكبر ، وإنما هي من باب الكفر في إطار الملة ، ومعلوم أنّ كل كفر أو ذنب في إطار الملة لا يحتاج إلى استتابة من الكفر ، إذ الاستتابة على الكفر إنما هي تتعلق بالكفر الأكبر دون الأصغر ، ( الثانية ) : وهي مؤكدة للأولى فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر لأهل بدر ، والله عز وجل لا يغفر أن يُشرك به ، ومن المعلوم أنّ الآية تتعلق بالكفر الأكبر ، وعليه أجمع العلماء ، وعلى ذلك فأهل بدر عصمهم الله عز وجل من الكفر الأكبر ، ولمّا كان حاطب بدريا فهو بعيد عن الكفر الأكبر ، ولمّا كان النبي  صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالتوبة من هذا الذنب ولم يوضح ما يدل على أنه ردّة مُخرج من الملة ويحتاج إلى تجديد إسلامه ، دلّ ذلك كله على أنّ ما فعله حاطب ليس من إطار الكفر الأكبر ، فالموالاة الظاهرة والتي وقع فيها حاطب رضي الله عنه ليست مخرجة من الملة بالكلية ، بل هي في إطار الملة ولهذا أقال النبي صلى الله عليه وسلم عثرته وأخبر بفضل أهل بدر وهو منهم ، ولو تدبرنا قول حاطب رضي الله عنه (( والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله ورسوله (( نعلم أنه يؤكد أنها موالاة ظاهرة لا تتعدى ذلك إلى القلب لأن القلب مؤمن بالله ورسوله وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وأمر المسلمين أن لا يقولوا له إلاّ خيراً ، بمعنى لا يتهموه بكفر ولا نفاق . فاعتذار حاطب لدرء الكفر الأكبر هو اقتصار الموالاة على الظاهر دون الباطن ، والرسول  صلى الله عليه وسلم يقبل بهذا الاعتذار لدرء الكفر الأكبر ويُبين لنا أن الرحمن بفضله ورحمته غفر لأهل بدر ذنوبهم فقد أعلمه الله تعالى أن الله غفر له ذلته العظيمة بما تقدم من صالح عمله عندما شهد بدراً ، ولعل قائل يقول لعلّ الموالاة الظاهرة كفر أكبر والله عز وجل غفر لأهل بدر جميع ذنوبهم ولو كانت في إطار الكفر الأكبر ، ( قلت ) هذا خرق لإجماع علماء أهل السنّة أن الكفر الأكبر والشرك الأكبر لا يدخل تحت المشيئة بنص القرآن{  إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] وبإجماع أهل السنّة على أنّ الكفر الأكبر لا يدخل في إطار الملة . وقد يقال لعلّ الموالاة الظاهرة كفر أكبر وحاطب قد تاب منهما فتاب الله عليه والله يقبل توبة الكافر والمشرك متى تاب ، ( قلت )لو كانت الموالاة الظاهرة دون الباطنة كفر أكبر بذاتها لوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لحاطب لمّا اعتذر له بثبات الإيمان في قلبه وأنها مجرد موالاة ظاهرة ، وبيّن له أن هذا العـذر لا يُفيد لأن الموالاة ظاهرها وباطنها سواء ، وبيّن له ضرورة التوبة من الكفر الأكبر الذي وقع فيه ، فهل لنا أنّ نظن في النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة لاسيما والدواعي كلها تطلب ذلك والبيان ليس في أمر هين وإنما هو في أهم مسائل الدين [ الإيمان والكفر ] وإلاّ لكتم النبي   صلى الله عليه وسلم بعض العلم ومن ادعى ذلك كفر ، ولم يأتنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجلّ ذلك البيان ثم ذكره في موضع آخر . مما يدل يقيناً على أنّ الولاء قسمان ظاهر لأجل الدُنيا ، وباطن لأجل الدين ، فما كان منها من قبل الأول فهو كفر في إطار الملة ، وما كان منها من قبيل الثاني وإن لم تصاحبه موالاة ظاهرة فهو كفر وردّة عن دين الله ، فكيف إذا جمع له القسمان فذاك الكافر الـذي فيـه قولـه تعالى { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } [ المائدة : 51 ]. ومن تمت له الموالاة الظاهرة بمفردها لمداراة أو تقية فذاك الذي نزل فيه قول الله تعالى { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً  } [ آل عمران : 28 ] ،

***

 

 

عدد الزيارات 54

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا