×

خطأ

COM_CWTRAFFIC_MSG_MISSING

البصيرة في الدين - فقه مسائل وأحكام السياسة الشرعية بغير إفراط ولا تفريط – لمنع الهرج والمرج وسفك دماء المسلمين مميز


الإثنين, 18 حزيران/يونيو 2018 04:20 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

البصيرة في الدين -  فقه مسائل وأحكام السياسة الشرعية بغير إفراط ولا تفريط – لمنع الهرج والمرج وسف دماء المسلمين 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : فقه مسائل وأحكام السياسة الشرعية بغير إفراط ولا تفريط   ،

ولاشك أن علم السياسة الشرعية  علم عظيم ومهم لا يتقنه إلا الراسخون في العلم الحريصون على امة النبي صلى الله عليه وسلم الرحماء بهم ، ذلك العلم الذي يضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الافتئات عليها ، فيتفرغ الحاكم والعالم كلٌ لأداء مهامه ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وهو علم يساهم مساهمة حقيقية في فتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة ، وعلى حكمة وموعظة حسنة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ،  

إنّ مسألة العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والرعية في بلاد المسلمين تحتاج إلى فقه عظيم بدين الله تعالى ، لذا لابد من الفقه السديد للآيات الكريمة التي تتناول العلاقة بين أولياء الأمور والرعية ، والفقه السديد للأحاديث النبوية الشريفة في بيان العلاقة بين الأنظمة الحاكمة والشعوب المسلمة ، وبيان الفقه السديد لحدود طاعة الحاكم المسلم ، وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، وفقه الدعوة في إنكار المنكر على ولاة الأمور ، ومعرفة ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام، وبيان القواعد الشرعية السديدة التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، وكذلك لابد من معرفة القواعد الشرعية التي تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام والمسلمين ، وكذلك لابد تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله ، وبيان أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله نوعان : ( كفر أكبر ) للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، و ( كفر دون كفر ) لمن لم يجحد حكم الله ولم يستحل الحكم بغير ما أنزل الله ، فلا ينبغي الافراط ولا التفريط في هذا الباب ، وكذلك لابد من معرفة قواعد الشريعة العامة اللازمة لضبط مسائل واحكام التكفير حتى لا ينفرط عقد التكفير بين المسلمين ، فهذا كله مما يتعلق بأبواب السياسة الشرعية الحكيمة التي تعصم دماء المسلمين ، وتمنع من استحلال بعضهم دماء بعض ، وسأحاول بيان لبنات هذا العلم الجليل من خلال تناول تلك النقاط

[ 1 ] قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } [ النساء : 59 ] ، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله ، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم ، { فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، أي إلى كتاب الله وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وقد جعلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم : طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ،  وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) ] ، وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم ، منها : ما أخرجه الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ، وما أخرجه مسلم أيضا عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، إذن ، ونحن نتناول فقه آيات من كتاب الله تعالى تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، نجد الأمر الرباني : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } [ النساء : 59 ] ، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في كل ما يأمرون به إلا أن يأمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة ، فعدم الطاعة مقصور على المعصية ،   

[ 2 ] قال تعالى - آمراً نبي الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام - : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ويؤيده قوله تعالى : { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى }[ النازعات : 17 إلى 19 ] ، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه فقد جعل أهل مصر شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم ، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون ، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى ، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم ، وذلك لأنّه الاقرب إلى استجابة الحاكم للنصيحة والعمل بها ، وليس مقصود النصيحة سوى ذلك ، والشدة والغلظة في القول مع الحاكم لا تؤتي ثمارها ، لأنّ السلطة بيده ، فالشدة لا تناسبه ، وقد تعني تهديده ووعيده ، وهذا يصرفه عن سماع النصيحة إلى البطش بالناصح أو على أقل تقدير عدم الاستفادة من نصيحته ،

[ 3 ] قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ البقرة : 258 ] ، فالقرآن الكريم يعلمنا كيف يكون الحوار مع الملوك ، والملك هبة يؤتيها الله تعالى من يشاء من عبادة ، لا ينبغي لآحاد المسلمين أن يتطلع إليها ، ولا أن يزاحم أهلها فيها ، وذلك حتى يستتب الأمر ويظهر الأمن ويتفرغ الحاكم والمحكوم كلٌ لأداء مهامه التي يحاسبه الله تعالى عليها ، وقد أخرج مسلم في صحيحه ، كتاب الإمارة ، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها ، عن أبي موسى رضي الله عنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : (( إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه )) ، الشاهد من الآية : أنّ نبي الله تعالى إبراهيم عليه السلام  يخاطب الملك الكافر بمنتهى الحكمة واللين ، وهو خليل الرحمن وأبو الأنبياء عليه السلام ولو دعا على الملك الكافر دعوة لأنهى ملكه وسلطانه ، ولكنها حكمة النبوة في معاملة الحكام والملوك ، إذن كيف ينبغي أن يكون الحال عندما ينصح من هو أقل شأنا من الخليل عليه السلام ينصح من هو يقينا أحسن شأنا من النمرود الكافر ، الصواب أنه لابد من الحكمة واللين والموعظة الحسنة في معاملة أولياء الأمور ،

[ 4 ]  قال تعالى : - حكاية على لسان نبي الله يوسف عليه السلام - : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [ يوسف : 101 ] ، فدل ذلك على أنّ الملك منّة ونعمة من الله تعالى ، يؤتيه من يشاء ، ويوسف عليه السلام ، دعا به ربه عز وجل ، لما تمت النعمة عليه ، بالنبوة والملك ، سأل ربه عز وجل كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة ، وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه ، وأن يلحقه بإخوانه من النبيين والمرسلين ،

[ 5 ] قال تعالى - في قصة طالوت وجالوت وإيتاء الله تعالى الملك لنبيه داود عليه السلام - : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [ البقرة : 251 ] ، فقد امتن الله تعالى على بني اسرائيل بأنّه سبحانه آتى دواد الملك والحكمة والعلم ، ثم قال سبحانه : { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } ، أشار المفسرون في تفسير هذه الآية إلى أهمية الملك ، وأنه لولاه ما استتب أمر العالم ، معناه : لولا أن الله تعالي أقام السلطان في الأرض لتواثب الناس بعضهم على بعض ، ثم أمتن الله تعالي على عباده بإقامة سلطان لهم بقوله { وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ } ، فوجود الحاكم منّة ونعمة من الله تعالى ، لأن في وجوده استتباب المصالح ، وفي غيابه فساد الأرض ، ولهذا قيل : ( ستون سنة في ظل حاكم ظالم أهون من ساعة في غيابه ) ،

[ 6 ] أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا : أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا ، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا  )) - إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية - ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (( وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ  )) ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، فهذا معنى البواح ، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط ، (( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ ))

[ 7 ] أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ، ما كانوا مسلمين ،

[ 8 ] أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ، قَالُوا : قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم ، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد ، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط ، (( قَالَ : لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ )) ، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد ، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة  (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) ،

[ 9 ] أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث السابق : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ،

[ 10 ] أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا : يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، وهذا الحديث يدلنا على فقه انكار المنكر المتعلق بالحكام المسلمين الجائرين ، فمن كره مناكرهم ولم يتابعهم عليها فقد برئت ذمته (( فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ )) ، ومن ناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقد سلم من غضب الله تعالى على مرتكبي المنكر (( وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ  )) ، ومن رضي بمنكرهم وتابعهم على ظلمهم وفسادهم فعليه ما عليهم من السخط والعذاب ((وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ  )) ، ثم وضح الحديث الشريف ضابط الخروج عليهم ومقاتلتهم ، ألا وهو ترك الصلاة ، لأنها صلة العبد المسلم بربه ، فمن تركها فقد كفر ، وترك الصلاة وإن كان عند جماهير الفقهاء كفر دون كفر ، إلا أنّ تركها يدل على مبلغ الفساد والفسوق والظلم الذي لا يصلح معه المرء أن يكون حاكما للمسلمين ، ولكن لا يكون الخروج إلا مع استيفاء شروط القدرة ووجود الإمام البديل الذي يجتمع عليه أهل الحل والعقد من المسلمين ، وإلا فالصبر مع الجهر بالحق وانكار المنكر أولى من المجازفة بالمسلمين وإيرادهم المهالك ،  

[ 11 ] أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ : سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية ، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية ، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم ، ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) ،

[ 12 ] أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري ( 7053 ) ، ومسلم (1851) ] ، وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم ، ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر  )) ، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية ، ((مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) ،

[ 13 ] أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) [أخرج مسلم (1836) ] ، يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم ، ((  وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) ،  [ الـحديث التاسع ] : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام  للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً ،

[ 14 ] أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ، وفيه دليل على أنّ طاعة أولى الأمر من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعصية أولى الأمر من معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الطاعة مقيدة بما إذا لم يأمروا بمعصية الله تعالي فإذا أمروا بمعصية فلا يطاعون في هذه المعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وقد شهدت السنة بهذا القيد في أحاديث عديدة يأتي إن شاء الله ذكرها ، 

[ 15 ] أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) كتاب الأحكام » باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ] ، وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة ، مبالغة في الأمر بالطاعة ، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة ، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش ، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا ،

[ 16 ] أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا ، 

[ 17 ] أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول : (( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) [ أخرجه البخاري ح  ( 6673 )، ومسلم ح  ( 1847 ) ] ، وفيه اولوية التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام ،

[ 18 ] أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )) [ أخرجه مسلم ح ( 1853 ) ] ، والحديث يدل على خطورة الأمر وأنّه لا هزل فيه ، وأنّ سفك دم الخارج على الحاكم أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج ، 

[ 19 ] أخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان )) [ أخرجه مسلم ح ( 1852 ) ] ، والحديث فيه الأمر بقتال من خرج على الحاكم المسلم ، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ، [ الحديث السادس عشر  ] : أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم )) [ أخرجه البخاري ح ( 3268 ) ، ومسلم ( 1842 ) ] ، والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان ، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم ، الله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم ،

[ 20 ] أخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا )) [ أخرجه مسلم ح ( 1298 ) ] ، والمراد هاهنا كما ذكر النووي في شرح الحديث : ( فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى ، يعني له اسم الاسلام وحكمه ، فله حق السمع والطاعة ، يقول النووي : قال العلماء : معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم ، ولا يشق عليهم العصا ، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا ) أهـ [ شرح النووي على مسلم ج 9 /47 ] ، وقال السندي رحمه الله: ( يقودكم بكتاب الله : فيه إشارة إلى أنه لا طاعة له فيما يخالف حكم الله تعالى والله تعالى أعلم ) [ حاشية السندي على النسائي ج 7/154 ] ، فمعنى الحديث إن قادكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا، وإن لم يقدكم بكتاب الله؛ أي: إن أمركم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة ، قلت : وقد فهم البعض خطأً أنّ المقصود من الحديث الخروج على الحكام إن لم يحكموا بكتاب الله ، وهذا خطأ لأنّ المقصود هو الالتزام المجمل بالإسلام وبكتاب الله تعالى واعتقادهما ، وإلا فكل جائر أو ظالم أو فاسق فإنه لم يحكم بكتاب الله ، فهل يجوز الخروج عليه بمجرد جوره ومخالفته لكتاب الله تعالى ، والتفصيل في الأمر : أنّ عدم الحكم بما أنزل الله قد يرجع إلى الكفر به ، والكافر قد سقطت ولايته بالكلية لقوله تعالى : { وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النساء : 59 ] ، ف ( منكم ) تدل على أنّه لا يكون إلا مسلما ، وإلا لم يعد ولياً للأمر ووجب الخروج عليه عند توافر القدرة ، وقد يرجع عدم الحكم بكتاب الله تعالى إلى جور أو ظلم أو فسوق ، والجائر والظالم والفاسق هم من المسلمين ما اعتقدوا كتاب الله تعالى بقلوبهم وحكموا بغيره ، وهنا لهم الطاعة في كل ما ليس بمعصية ، فإن خالف كتاب الله ، فلا سمع ولا طاعة له فيما خالف فيه كتاب الله تعالى ، ولا ننزع اليد من طاعته فيما سوى ذلك ، مع النصح والصدع بالحق وإنكار المنكر في اطار الاعتراف بولايته ،

[ 21 ] أخرج البخاري عن الزبير بن عدي قال : (( أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ ، فقال : اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم )) [ أخرجه البخاري : ح : 7068 ] ، وفيه الأمر بالصبر على جور الحكام ،

[ 22 ] أخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال : (( قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها ، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها ؟ قال قلتُ : فما تأمرني ؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها . فإن أدركتَها معهم فصلِّ  ، فإنها لكَ نافلةً )) [ أخرجه مسلم ح ( 648 ) ]، وفيه الحرص على ملازمة الحكام ، حتى في الهيئة والصورة العامة ((فإن أدركتَها معهم فصلِّ  )) ، وذلك حتى لا تختلف الكلمة عليهم ، 

[ 23 ] أخرج مسلم عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا : لمن ؟ قال : للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم )) [ أخرجه مسلم ح ( 55 ) ] ، وفيه الامر بإخلاص النصيحة للحكام والحرص على مصالحهم ،

(( تنبيه )) ليس الهدف من ذكر تلك الأحاديث مداهنة الحاكم ، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم ، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ،  فإن معاداة الحكام لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ،  

جميع ما سبق من الأدلة يتواتر على الأمر بالصبر على جور الحكام المسلمين ، وعدم الخروج عليهم ، وهناك أحاديث قد  يُفهم منها الإنكار على الحكام وعدم السكوت على أخطائهم  ، ولذا وجب بيان مفاتيح الفهم السديد لتلك الأحاديث :

[  الحديث الأول ] : قوله صلى الله عليه وسلم : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))  [ أخرجه الترمذي ، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1 / 886 ، ح رقم 491) ] ، والفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط : ( الضابط الأول ) : أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية ، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات ، ( الضابط الثاني ) : الهدي القرآني في معاملة الحكام ، قال تعالى - آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام - : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ( الضابط الثالث ) : منطوق الحديث وفيه ((كلمة عدل عند )) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان ، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب ، وتقويض دعائم الحكم وهيبته ، ( الضابط الرابع ) : أن تكون كلمة حق صادقة ، فكم من كلمة حق أريد بها باطل ، فكل من له طمع بالملك لا ينبغي له أن يأمر أو ينهى حتى يعلم الحاكم أن ليس له طمع في كرسي الملك وأنّ الآمر الناهي القائل بكلمة الحق لم يخلع يداً من طاعة ، وإنما قالها انتصاراً لدين الله تعالى ، خالصاً لله وحده ، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته ، ( الضابط الخامس ) : منطوق الحديث (( كلمة عدل )) أو في الرواية الثانية (( كلمة حق )) ، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه ، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة ، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله ، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته ،

[ الحديث الثاني ] : أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) [  صحيح مسلم ح ( 50 ) ] ،  قال ابن رجب في شرح الحديث : (  هذا يدل على جهاد الأمراء باليد وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود وقال هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة  ، [ قلت ] : يحتاج هذا الحديث إلى عدة توضيحات تبين المراد منه ، ( الأول ) : الحديث لم يذكر جهاد الأمراء صراحة ، فهو يتناول جهاد الفرق الضالة كالخوارج وغيرهم ، ويتناول الطوائف المنحرفة كالمنافقين والزنادقة ، ( الثاني ) الحديث يتناول الأمم السابقة كما يدل على ذلك نصه ، ولا يمنع دخول أمة الإسلام في الخطاب ، بخصوصية معاملة حكام المسلمين لأنّ الأحاديث الصحاح الكثيرة - وقد تقدم جزء منها - على ضرورة الصبر على جور الحكام وعدم الخروج عليهم بالسلاح ما أقاموا الصلاة وما لم نر منهم كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ، ( الثالث ) هذا الحديث بالرغم من وجوده في صحيح مسلم إلا أنّ الإمام أحمد ابن حنبل تكلم فيه ، ، فقد جاء في مسائل الإمام أحمد : أنّه سئل عن هذا الحديث فقال : ( الحارث بن فضيل - وهو من رواة الحديث - ليس بمحمود الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود , ابن مسعود يقول قال رسول الله : (( اصبروا حتى تلقوني )) ، [ مسائل الإمام أحمد  صـ 307 ] ، ( قلت ) : وقد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ( ج 1/ 346  ) ، ولم يخرجه في الصحيح ، ولعله لتلك العلة ترك تخريجه في الصحيح  ، قال ابن الصلاح : إن هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاري وقد أنكره أحمد بن حنبل فيما بلغنا عن أبي داود السجستاني في مسائله عن أحمد قال : الحارث بن فضيل ليس بمحفوظ الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وذكر أحمد قوله صلى الله عليه وسلم (( اصبروا حتى تلقوني )) [ صيانة صحيح مسلم (209) ] ،  ( الرابع ) : لابد من التفريق بين نوعين من الإنكار  ، فأما الإنكار بمعنى الخروج عليهم وخلع بيعتهم ؛ ففي هذه الحالة لا يجوز الإنكار عليهم إلا بشرطين : ( أولهما ) : أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل ، و ( الثاني ) : أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق ؛ لما يُفضي على الأمة من الشرور ، ولما يولد من المفاسد ، ولما ينتج عنه من محو لرسوم الدين، قال النووي : (  وأما الخروج عليهم، وقتالهم ؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين؛ فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 229 ) ] ، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالصبر ، وتنهى عن الخروج ، وقد تقدم ذكرها ، وأما الإنكار الثاني ، فهو الإنكار في ظل احترام البيعة له ، والتزام السمع والطاعة له في غير معصية ، ويتمثل في : الإنكار بصورة اسداء النصيحة له بإخلاص ، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، قال الحافظ أبو عَمْرو ابن الصلاح: "وما ورد في هذا الحديث مِن الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان : فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة. على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظه ذِكر هذه الأمة. والله أعلم" اهـ [  صيانة صحيح مسلم صـ 209 ] ، 

[ الحديث الثالث ] :  حديث أبي سعيد الخدري : قال صلى الله عليه وسلم : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) [ أخرجه مسلم ]  ، وهذا الحديث عام في بيان مراتب إنكار المنكر ، ولكن لفقهاء أهل السنّة والجماعة تفصيل في باب الإنكار على الأمراء ، وأنّه لا يجوز أن يتعدى الإنكار باللسان حتى لا يؤول إلى منكر أكبر ، ولا يكون بالتحزب وحمل السلاح ، وغير ذلك من الضوابط التي دلت عليها السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة ، ومن أهم ذلك ، أن يكون مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، كما أنّه  ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وضياع الأمن ومصالح المسلمين ، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين ، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين ،  وحديث (( من رأي منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )) ، فهذا حديث خطاب لجميع الأمة ، وعموم الحديث يقضي بمشروعية الإنكار باليد لمن قدر عليه ، ولكن هذا مشروط بشروط منها : ألا يفضي إنكاره هذا إلي منكر اشد منه ، وأن لا يكون الإنكار باليد مما اختص السلطان به شرعاً كإقامة حد ، أو شهر سيف ، ونحو ذلك ، وهذا كله فيما إذا كان صاحب المنكر غير السلطان ، فإن كان السلطان ، قال ابن النحاس في تنبيه الغافلين ( ص 46 ) : ( فليس لأحد منعه بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أواناً لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وغير ذلك مما لا يخفي )  ، وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله - : ( لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول ) [ الآداب الشرعية ( 1/ 197 ) ] ،  قال ابن مفلح في  الآداب الشرعية : (( ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك. ذكره القاضي، وغيره ، والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير وإلا سقط وكان حكم ذلك كغيره ، والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين : التعريف والوعظ فأما تخشين القول نحو : يا ظالم ، يا من لا يخاف الله ، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز ، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء ، قال : والذي أراه المنع من ذلك )) أهـ [ الآداب الشرعية ( 1/195-197 ) ] ، وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ص 64 ) ( ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها ) اهـ ، 

[  الحديث الرابع ] : حديث أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تقرؤون هَذِهِ الْآيَةَ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ  )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه والنسائي وابن حبان في صحيحه وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي وصحيح الجامع الصغير ] ( قلت ) : الحديث عام في كل ظالم ((  إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ  )) ، ولكنه مخصوص في الحاكم الظالم ، فيستثنى من عموم الحديث ، وسبب ذلك  هو عموم الأحاديث التي تأمر بالصبر على الحاكم الظالم وتنهى من الخروج عليه ، وما قيل في الأحاديث السابقة يُقال هنا : من أنّ انكار منكر الأمراء له أحكام تختلف عن عامة الرعية ، وله ضوابط عديدة لا ينبغي تجاوزها وإلا آل الامر إلى الفتنة ووقوع مناكر أشد من المنكر المراد تغييره ،  [ الحديث الخامس ]قوله  صلى الله عليه وسلم  : (( لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرًا ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم )) [ رواه أبو داود ، ح رقم (4336) و (4337) ، والترمذي وحسنه ، ح رقم (3050) ، وابن ماجه ، ح رقم (4006) ، وأحمد 1/391 ] ، ( قلت ) : الحديث عام في إنكار المنكر على كل ظالم ، وهذا على وجه العموم ، ولكن إن تعلق الأمر بولاة الأمور ، فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالكَف ، والصبر ، وتنهى عن الخروج ، وأنّه لا يجوز إلا بشرطين : ( أولهما ) : أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل ، و ( الثاني ) : أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق ؛ لما يُفضي على الأمة من الشرور ، قال النووي : (  وأما الخروج عليهم، وقتالهم ؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء : وسبب عدم انعزاله ، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين؛ فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 229 ) ]  ، وبعد هذه هي  السياسة الشرعية التي تعلمنا تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الأفراد ، وكل تلك الأحاديث النبوية التي تأمر بالصبر على جور الحكام وظلمهم ، قالها النبي صلى الله عليه وسلم لترسيخ مفهوم السياسة الشرعية التي تقدم مصلحة المجتمع عند التعارض  على مصلحة الأفراد ، والتي تقدم مصلحة الأمة على مصلحة بعض طوائفها  عند التعارض  بين تلك المصالح ، والمتدبر للسياسة الشرعية النبوية يعلم يقينا مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ابعاد الأمة عن كل ما يجلب الفتنة وسفك دماء المسلمين واستحلال محارمهم ، إذن ليس الهدف من ذكر هذه الضوابط في معاملة أولياء الأمور تبرير أخطاء الحكام ، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين  ، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والرعية وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، إذ لا بد للناس من حاكم ، وستون سنة في حكم حاكم ظلوم غشوم أهون من ساعة بلا ولي أمر فيؤول الأمر إلى الهرج والمرج وسفك الدماء واستحلال المحارم ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ،  وأهل العلم ورجال الدعوة مطالبون بالصدع بأمر الله ، قال تعالى :{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [ الحجر : 94 ، 95 ] ، ومطالبون بتبليغ شرع الله ، قال تعالى : { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أحدا إِلَّا اللَّهَ } [الأحزاب: 39] ، ولا يجوز لهم كتمان الشرع ولا العلم ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ  }[ البقرة : 174 ، 175 ]  ، وأهل العلم ورجال الدعوة نهاهم الله تعالى عن المداهنة ، والركون إلى الظالمين ، قال تعالى : {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [ القلم : 9 ] ، وانطلاقا من هذا : يلزم الجهر بالحق ، ولكن لكل مقام مقال ، وهل الحسبة على الأبناء تشبه الحسبة على الوالدين والأمراء ، شتان ما بين هذا وذاك ، ولكل درجاته التي لا يصح أن يتعداها المرء ، إذن فيما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمر الله تعالى العلماء والدعاة بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ،  بالرفق واللين وعدم نزع اليد من البيعة والطاعة ، وهذا حد الحسبة مع أولي الامر ، مع  مراعاة السمع والطاعة لهم في غير معصية ، ومع مراعاة توقيرهم واحترامهم ، وبذل الطاعة لهم في كل ما يأمرون به أو ينهون عنه إلا أن يكون معصية ، وبذل النصيحة لهم ، والدعاء لهم بصلاح الأحوال ، والهداية إلى سبيل الرشاد ، أمّا اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم ، فهذا ما نهت عنه الشريعة إلا بضوابطه السديدة : إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ،  فإن معاداة الحكام المسلمين لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ،

شبهات في الباب يتحتم بيان معانيها وحل مشكلاتها :  يستدل البعض على جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر أو المبتدع ، بعدة شبهات يظنونها ادلة وهي في الحقيقة شبهات لابد من ردها إلى امهاتها من المحكمات ، سوف أتناولها بالتفصيل والتعقيب ، 

[  الشبهة الأولى  ] : استدلالهم بقول ابن حزم في الفصل : ( إنّ سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك .. وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكل من معه من الصحابة ، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير ، وكل من كان معهم من الصحابة ، وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير ، وغيرهم ممن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم ، كأنس بن مالك ، وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين .. ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ، ومن بعدهم كعبدالله بن عبدالعزيز بن عبدالله بن عمر ، وكعبدالله بن عمر ، ومحمد بن عجلان ، ومن خرج مع محمد بن عبدالله بن الحسن ، وهاشم بن بشر ، ومطر الوراق ، ومن خرج مع إبراهيم بن عبدالله ، وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء ، كأبي حنيفة ، والحسن بن حي ، وشريك ، ومالك ، والشافعي ، وداود وأصحابهم ، فإن كل من ذكرنا من قديم أو حديث إما ناطق بذلك في فتواه ، وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا ) [ الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/171، 172 ] ، هذا النقل عن ابن حزم في مسألة الخروج على الحاكم يحتاج إلى تفصيل ، فإن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، كان هو الأمير ، فكيف يستدل بفعله على جواز الخروج على الأمير ، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير رضي الله عنهما لم يخرجا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقصد ابطال امامته ، وإنما كانوا يطالبون بدم عثمان رضي الله عنه ، ولم يبدؤا قتالا ، وكذلك كان حال معاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير ، فلا يصح الاستدلال بعمل هؤلاء الصحابة على جواز الخروج على الحاكم المسلم ، وهل كان أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه جائرا ، وحاشاه ، حتى يسوغ الخروج عليه ، بل يمكن الاستدلال بالعكس وهو أنّه يجوز للإمام الخروج بالجيش لتأديب الفئة الباغية المتحزبة على خلاف ما يأمر به ، وهذا ما فعله أمير المؤمنين على رضي الله عنه ، والحاصل أنّ  استدلال ابن حزم بفعل بعض الصحابة وتابعيهم على وجوب الخروج على الحكام بمجرد الجور والظلم  كل هذا من غرائب ابن حزم ومن سار على قوله ، ومعلوم عند أكثر الفقهاء أن مخالفات ابن حزم لا تخرق الإجماع في الفقه لأنّه - مع علمه الواسع - ظاهري لا يدرك القياس ولا الفقه ، هذا في الفقه فكيف في أمور السياسة الشرعية التي ينشأ عن أدنى خطأ فيها سفك الدماء واستحلال الحرمات مع الويلات والفوضى مما يغيظ القريب ويرضي العدو ، ثم استدلاله بخروج الحسين رضي الله عنه على يزيد ، وهل في الدنيا آنذاك وبعده مثل سيدنا الحسين سيد شباب أهل الجنّة حتى يخرج على الحاكم الجائر ، ثم نظرنا إلى نتيجة خروجه وما أعقبها من مآسي على آل البيت رضي الله عنهم والمسلمين جميعا ، وسيأتي تفصيل ذلك عند الحديث على الشبهة السادسة ، وهل خروج العباسيون على الأمويين كان خيرا مع ما كان فيه من سفك لدماء الكثير من المسلمين ، ونحن نعلم أنهم انقلبوا بعد ذلك على آل البيت بأشد مما فعل الأمويون ، إنّ التاريخ لهو خير عبرة على نتائج الخروج المسلح على حكام المسلمين على مر عصور التاريخ ، وقد مر بنا نهي الرسول صلى الله عليه وسلم الشديد من الخروج على ولاة أمر المسلمين ما أقاموا فيهم الصلاة وكانوا مسلمين لم يأتوا بكفر بواح لا يختلف عليه أحد من علماء أهل السنّة والجماعة كاستحلال ما حرّم الله ، أو جحد ما فرض الله من فرائض ، 

[ الشبهة الثانية ] : استدلالهم بقول الله تعالى : { فَقَاتِلوُا التّيِ تَبْغِي حَتىّ تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ } ، يقولون : قد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية ، وقد علق الحكم على وصف البغي ، وهو دليل بيـّن على أن السلطة إن تحقق فيها هذا الوصف يجــب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله ، وقالوا بأن عموم الآية يتناول سلطة البغي ، المنحاز إليها طائفة البغي ، الظالمة لبقية المسلمين ، فهي طائفة بلا ريب ، وهي باغية بلا شك ، فوجب الانقياد للأمر الإلهي بقتالها ، عملا بظاهر القـــــرآن ، وهذا تعسف في الاستدلال لأنّ الأمر موجه في الآية إلى أولي الامر بالأولوية ، وهم المكلفون بقتال الفئة الباغية ، كما أنهم المكلفون بإقامة الحدود والحكم بين المسلمين ، ثم كيف يستقيم لعامة المسلمين مقاتلة أولى الأمر  بغير إمام يقودهم ، وكيف يأتي هذا الإمام ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)) [ أخرجه مسلم : ح (1853) ] ، ومعلوم أنّ البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين ،  يبايعه أهل الحل والعقد ، فإذا بايعوه ثبتت ولايته ، وبعدها يجب على عامة الناس أن يلزموا طاعته في غير معصية الله تعالى ، فكيف يتسنى تنزيل الآية على قتال حكام المسلمين ما كانوا على الإسلام ،

[  الشبهة الثالثة ] : استدلالهم بالنصوص النبوية التي أمرت بالأخذ على يد الظالمين ، فمن ذلك : حديث : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))  ، وحديث : (( إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم  )) ، وحديث : (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) ، وحديث : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) ، وحديث : (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ  )) ، وحديث : (( لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرًا ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم )) ، ( قلت ) : وقد تقدم بيان فقه هذه الأحاديث ، وأنّها تُفهم في إطار إنكار المنكر العام ، ولكن إذا تعلق الأمر بالحكام وولاة الأمور ، فلابد من فهم الحديث في إطار أحكام إنكار المنكر على الولاة والتي قررها الفقهاء ، من خلال فهم قوله تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } [ النحل : 125 ] ، وقوله تعالى : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 44 ] ، ومن خلال الأحاديث الصحيحة المحكمة ، والتي تدعو إلى الصبر على جور الحكام ، مراعاة للمصالح العامة للمسلمين ، وقد نقل النووي إجماع أهل السنّة والجماعة على تحريم الخروج على الحكام ، وإن كانوا فسقة ظالمين ،

[ الشبهة الرابعة ] : استلالهم بأقوال بعض الفقهاء في وجوب خلع الحاكم إن طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة ، ومن ذلك قول القاضي عياض : ( فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229 ] ، ( قلت ) مفتاح فهم نصوص الفقهاء بداخلها ، فعند الكفر البواح تسقط الطاعة ويجب الخروج والخلع فإن تحقق العجز وجبت الهجرة والفرار بالدين ، وعند البدعة يجوز بشرط القدرة ، وإلا لا يجوز ، وهنا أذكر قول الفقهاء في بيان تلك الحالة ، فالفقهاء فصلوا في الأمر تمام التفصيل ، وفرقوا بين الحاكم الكافر والحاكم الجائر والحاكم الذي ازداد جوره وفساده بحيث عرّض الدين والبلاد والعباد لخطر لا يمكن السكوت عليه ، فالأول : وهو الحاكم الكافر أو الذي طرأ عليه الكفر البواح فأوجبوا الخروج عليه ، وجعلوه من باب الجهاد ، قال النووي :  ( قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل .. فلو طرأ عليه كفر .. خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر .. فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229 ] ، وقال ابن حجر: ( فإن أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه ) أهـ [ فتح الباري : 13/8 ] ،  وقال أيضاً : ( ينعزل بالكفر إجماعاً فيجب على كل مسلم القيام في ذلك؛ فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض ) أهـ [ فتح الباري: 13/123] ، والثاني : وهو الحاكم المسلم الجائر ، فأوجبوا في حقه النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن منعوا من الخروج عليه ، فأما النصيحة فلقوله صلى الله عليه وسلم : ((  ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ : إِخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ )) [ أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني] ،  فالأولى لعلماء المسلمين إذا رأوا في ولي أمرهم ما ينكَر عليه أن يبادروا إلى نصحه، وأن يكونوا عوناً له على سلوك الطريق المستقيم ولا يكونوا عوناً للشيطان عليه، ولا يسعوا في تأليب العامة عليه ولا ينزعوا يداً من طاعة ما لم يرَ المسلمون منه كفراً بواحاً  كما جاء في الحديث المتفق عليه عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال:  (( دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا : أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسـرنا ويسـرنا وأثرة علينـا، وأن لا ننازع الأمرَ أهلَه، إلا أن تروا كفراً بواحاً ، عندكم من الله فيه برهان )) [متفق عليه] ، ومعنى كفراً بواحاً: أي الكفر الظاهر الذي لا خفاء به. قال ابن حجر: ( قال الخطابي: معنى قوله: بواحاً، يريد ظاهراً بادياً؛ من قولهم: باح بالشيء يبوح به بوحاً وبواحاً إذا أذاعه وأظهره... قوله: عندكم من الله فيه برهان: أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل؛ ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل ) [ فتح الباري : 13/8] ، وقال ابن بطال: ( فيه ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم، والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلِّب طاعته لازمة، ما أقام الجُمُعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ) [ شرح صحيح البخاري لابن بطال: 10/8 ] ،  قال النووي في شرح حديث (( إلا أن تروا كفراً بواحاً ))  : ( ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [ شرح النووي : ج 12 : 229 ] ، وأمّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو واجب لا يسقطه وجوب الطاعة في المعروف ، فإذا ترك ولي الأمر بعض ما يجب عليه من حقوق الرعية ، أو قصر في تحصيلها، أو صدر منه ما منعت منه الشريعة، فإنه يؤمَر بالمعروف ويُنهَى عن المنكر حسبما دلت على ذلك نصوص الشريعة ، والثالث : وهو الحاكم الذي ازداد جوره وظلمه وفسقه بحيث يعرض الدين والبلاد والعباد في خطر لا يمكن السكوت عليه بحال ،  فهاهنا يجب الموازنة بين عزله والخروج عليه ، وبين بقائه وتحمل مصائبه ، من حيث المصالح والمفاسد قال إمام الحرمين الجويني: ( فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة ، ووضحت الخيانة ، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه ، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور ، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم فإنْ أمكنَ كفُّ يدِه , وتوليةِ غيرِه بالصفاتِ المعتبَرَةِ , فالبِدارَ البِدارَ , وإن لَم يُمكن ذلك لاستظهارِه بالشوكةِ إلا بإراقةِ الدماءِ , ومصادمةِ الأهوالِ , فالوجهُ أن يقاسَ ما الناسُ مندفعون إليه , مُبْتَلُونَ به بما يعرضُ وقوعُه , فإنْ كانَ الواقعُ الناجزُ أكثرَ مما يُتَوقَّعُ , فيجبُ احتمالُ المتوقَّعِ , وإلا فلا يَسُوغُ التشاغلُ بالدّفع , بل يتعيَّنُ الصبرُ والابتهالُ إلى الله تعالى  .. وإن علمنا أنه لا يتأتَّى نصب إمام دون اقتحامِ داهية وإراقةِ دماء، ومصادمةِ أحوال جمَّة الأهوال، وإهلاكِ أنفسٍ ونزفِ أموال، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلَون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدَّر وقوعه في روم الدفع، فيجب احتمال المتوَّقع له لدفع البلاء الناجز وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه، فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع ) أهـ [ غياث الأمم في التياث الظلَم، ص 106 - 110 ]  ، ولأنّ الأمر جد خطير ، والتعرض للحاكم شر مستطير ، استدرك الجويني على كلامه السابق بقوله : ( ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضحاته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة، وتبدُّد دعائم الإسلام، ولم نجد مَنْ ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة ، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا؛ فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاعٌ ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً؛ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فَلْيمضِ في ذلك قُدُماً. والله نصيره على الشرط المقدَّم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ويرتفع بما يتوقع  ) أهـ [ غياث الأمم في التياث الظلم، ص 115 - 116 ] ، ومنه نعلم خطورة ترك آحاد الناس يثورون على الحاكم " فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن " ، ولكن لابد من الاتفاق مسبقاً على أمير يناضلون تحت لوائه ، ولا يكون ذلك كله إلا عند القدرة والأمن من الفتنة والهرج والمرج ، لأنّ الدماء آنذاك كلها دماء المسلمين ، 

[  الشبهة الخامسة ] : استدلالهم بخروج سيدنا الحسينَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما ، وخروج  سيدنا عبد الله ابن الزبير رضي الله عنهما ومَن تابعهما من خيار المسلمين على يزيد ، وعلى بني أمية زمان الحجاج , والرد على هذه الشبهة يكون من عدة أوجه : الوجه الأول : أن الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تمنع من الخروج على الحكام بسبب الجور أو الظلم أو الفسوق أو العصيان ، ولم تستثنِ إلا الكفر البواح الذي لا خلاف عليه ، وقد تقدم ذكر ثلاثين حديثاً في هذا الباب تدعو إلى الصبر على جور الحكام ، والسمع والطاعة لهم فيما ليس من معصية الله ، وعدم مفارقة جماعتهم ، وعدم الخروج عليهم إلا في حالة الكفر البواح الذي لا يختلف عليه عالمان ، والوجه الثاني : أن الحسين وابن الزبير رضي الله عنهما ، قد خالفهم الصحابةُ في ذلك , فقد أخرج البخاري عن نافع , قال : لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال : إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة » , وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله , وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم ينصب لـه القتال , وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه )) [ أخر جه البخاري ح ( 7111 ) ] ، وقال العلامة ابن الأثير عن خروج الحسين رضي الله عنه : ( فأتاه كتب أهل الكوفة وهو بمكة , فتجهز للمسير , فنهاه جماعة , منهم : أخوه محمد ابن الحنفية وابن عمر وابن عباس وغيرهم ) أهـ [ أسد الغابة 2/28 ] ، وقال ابن كثير – عن خروج الحسين – رضي الله عنه –  : ( ولما استشعر الناس خروجه : أشفقوا عليه من ذلك , وحذروه منه , وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة لـه بعدم الخروج إلى العراق , وأمروه بالمقام بمكة , وذكروا ما جرى لأبيه وأخيه معهم ) أهـ [ البداية والنهاية 8/161 ] ، وذكر ابن كثير آثاراً عديدة تدل على نصيحة الصحابة للحسين رضي الله عنه بعدم الخروج ، منها ، قول عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما : ( استشارني الحسين بن علي – رضي الله عنهما – في الخروج فقلت : لولا أن يزري بي الناس وبك , لنشبت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب ) أهـ [ البداية والنهاية 8/178 ] ، وقول ابن عمر رضي الله عنهما له ولابن الزبير رضي الله عنهما : ( اتقيا الله ، ولا تفرقا بين جماعة المسلمين ) [ البداية والنهاية 8/158 ] ، وقال لـه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : ( اتق الله والزم بيتك ولا تخرج على إمامك ) أهـ [ البداية والنهاية 8/ 176 ] ، وقال أبو واقد الليثي رضي الله عنه : ( بلغني خروج الحسين بن علي رضي الله عنهما فأدركته بملل , فناشدته بالله ألاّ يخرج , فإنه يخرج في غير وجه خروج , إنما خرج يقتل نفسه , فقال : لا أرجع ) أهـ [ البداية والنهاية 8/ 176 ] ، و الوجه الثالث : أن الإجماع استقرّ بعد ذلك على منع الخروج على الحاكم ؛ إلا في حالة الكفر الصريح فقط ، قال النووي - بعد الكلام عن خروج الحسين وابن الزبير وخروج بعض التابعين - : (  قال القاضي : وقيل إن هذا الخلاف كان أولاً ؛ ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم : ج 11 ، ص 433 ، ح : ( 4748)  ] ، وقال ابن حجر في التهذيب عند ترجمة : الحسن بن صالح بن حي : ( وقولهم : ( وكان يرى السيف ) يعني أنه كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور , وهذا مذهبٌ للسلف قديم . لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه ؛ ففي وقعة الحرّة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظةٌ لمن تدبّر ) أهـ [التهذيب 1/399 ] ، والوجه الرابع : خروج الزبير والحسين رضي الله عنهما كان فتنة وابتلاء ، ولا يصح الاستدلال بالفتنة على توثيق حكم شرعي ، 

[ الشبهة السادسة ] : استدلالات عقلية تتمثل في ( قولهم ) : العجب ممن يحرمون خلع السلطة الجائرة ، فيكونون سببا لبقاء الظلم الذي كتب الله تعالى تعجيل عقوبته ، وتستفيد السلطة الظالمة المستبدة من توقيعاتهم على جورها ، ليبقى ويزداد كما وكيفا ، ويتخـذ أشكالا وألوانا ، ( وقولهم ) : ثم العجب منهم والله كل العجب ، أنهم يدندنون على دوران الشريعة على حفظ الضروريات الخمس ، حفظ الدين ، والعقل ، والعرض ، والمال ، والنفس ، ثم يٌقِرّون بقاء سلطة تنقض هذه الضروريات نقضا ، فيعطّلون أعظم مقاصد الشريعة العادلة التي ما أنزل الله تعالى إلا لبسط العدل على الناس ، وإزالة الظلم ، وحفظ الحياة من الفساد ، ( وقولهم ) : فأي تناقض تأتي به شريعة قـط ، أعظم من هذا التناقض ، أن لو كان إقرار السلطة الجائرة ، وتركها تنشر الظلم ،بلا نكير ، ولا تغيير ، من أصولها !! ( وقولهم ): وأيَّ معنى  لشريعة قط إن خلت من تحقيق العدل ، وإزالة الظلم ؟! وإنها لجناية على دين الإسلام أعظم جناية ، وتشويه يصدّ عن سبيله أيّ تشويه ، أن يقال في هذا الزمان الذي تثور فيه الشعوب مطالبة بحقوقها فتحصل عليها ، وتكف يد الظالمين عن الأموال ، والأعراض ، والدماء ، وعن العبث بمقدرات الأمة ، وأن يقال : إن شريعة الله تعالى تأمر المسلمين أن يكونوا عونا للظلم بسكوتهم عليه ، وإقرارهــم له ، قالوا : وكيف يحقّ لكم ـ أيها المحرمون خلع السلطات الجائرة بالقوة لــوم الشعوب أن تطلب الخَلاَصات السياسية ، في غير هذه الشريعة ، إن كنتم تقولون لهم إنّ فقهها السياسي قائم على إقرار الظلم ، بل تشريع أسباب بقاءه بتحريم تغييره ؟!! ، ( ثم قولهم ):  وإذا تبيّن أن القول بتحريم خلع السلطة الجائرة ، معارض لمقاصد الشريعة ، وهو ذريعة لصدّ الناس عن اتباعها فيما هو من أعظم حاجاتهم الحياتية ، علم بطلان هذا المذهب وفساده ، وتناقضه ، والحمد لله ، والرد على هذا الاستدلال العقلي من جانبين : الأول : شرعي يتمثل في أمر الشريعة الحكيمة بالصبر على جور الحكام المسلمين والنهي عن الخروج عليهم بالسلاح وغيره لغاية عظيمة هي حقن الدماء ومنع الفوضى واعانة الحكام على تولي مهامهم الجسام ، وحتى لا يكون الخروج عليهم عون للشيطان عليهم فيسفكون الدماء ، ويؤدي انكار المنكر عليهم إلى وقوع مناكر عظيمة ما أغنانا عنها لو التزمنا الشريعة الحكيمة ، والجانب الثاني : عقلي واقعي يتمثل في النظر على مر تاريخ الإسلام لم يؤد الخروج إلا إلى سفك الدماء واستحلال الحرمات والهرج والمرج والفشل الذريع في غالب الأحيان ، ومن استقرأ التاريخ بإنصاف علم ذلك يقيناً ، ثم إنّ من شروط الخروج القدرة ، وهل تتيسر القدرة اليوم في ظل اقتصار احتكار الأسلحة الثقيلة والفتاكة في أيدي الحكام وأنظمتهم ، وآنذاك فإنّ القول بجواز الخروج عليهم ما هو إلا تغرير بأهل الإسلام وأمة النبي صلى الله عليه وسلم ،

وبعد فهذا ما تيسر فيما يتعلق ببيان الهدي الإسلامي في علم السياسة الشرعية وقد أكرمني الله تعالى بزيادة تفصيل في كتاب التجديد في علم السياسة الشرعية ، وفي حلقات الإصلاح والتجديد في علم السياسة الشرعية لمن أراد الاستزادة ، والله من وراء القصد  وهو يهدي السبيل ، اللهم بصرنا بديننا يا رب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

عدد الزيارات 75 آخر تعديل على الأربعاء, 18 تموز/يوليو 2018 15:33

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا