جديد الموقع

كتاب السلفية المعاصرة مناقشات وردود للعلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المكي الهاشمي مميز


الخميس, 12 تموز/يوليو 2018 07:18 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

كتاب السلفية المعاصرة مناقشات وردود
للعلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المكي الهاشمي


هذا الكتاب من أحسن الكتب التي تناولت أخطاء الدعوة الوهابية بأسلوب رصين وعلم راسخ ، ولم يتناول في نقده لا تجريحاً ولا انتقاصاً ، وإنما جاءت نصيحته خالصة للإصلاح لطائفة من المسلمين ، نحسبه على خير ، والله حسيبه ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
بسم الله الرحمن الرحيم : قال رحمه الله :

[[ الاختلاف مع الوهابية إنما هو اختلاف في مفهوماتهم الخاطئة وليس على عقيدة كما يدّعون : ليس الخلاف – مع الوهابية – على عقيدة , بل هو نتيجة خطأ مفهومات شاذة في الشرك والعبادة والبدعة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فالسواد الأعظم من علماء المسلمين في كل قطر إسلامي وعلى توالي قرون طويلة جداً لا يرى في دعوة الأنبياء والصالحين مستغيثين أو مستشفعين أو متوسلين أنه عبادة لغير الله ، ويرون أن الوهابية لم تفقه معنى العبادة إذ توهموا أنّ إتيان الأعمال التي تصلح للعبادة لا تقع إلا عبادة , وهذا خطأ سيأتي بيانه عند تحرير معنى العبادة . وكذلك قصد المصطفي بالزيارة والاحتفال بالزيارة والاحتفاء بذكرى المولد النبوي ليس من بدع الضلالة في شيء كما سيأتي بيانه أيضاً عند تحرير معنى البدعة وما يدخل في بدعة الضلالة وما لا يدخل فيها ، وسواد العلماء يخطئون الذين يشركون الناس باستغاثتهم ودعائهم للأنبياء والصالحين ويخطئون من يمنع المولد وغيره , ويرون أنّ دعاويهم في ذلك لا تستند على أدلة ناهضة غير سردهم لآيات وأحاديث أخطأوا في فهم معناها ودلالاتها ، ولعلماء السواد الأعظم من المسلمين من الدراية والرواية ما يفوق علم الذين يكفرون بتلك الأمور أو يبدعون أو يضللون ،

ما هو محل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما ليس محلاً له : ينبغي أن ينتبه إلى أن المسائل التي اختلف فيها علماء المسلمين ما بين مانع ومجيز ، ليست مكاناً للإرغام بالقوة ولا للتشهير بها من على المنابر والإذاعات والصحف , ولا مكانا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكيف إذا كانت أكثرية العلماء في كل بلد إسلامي هي التي تجيزها ومن باب أولى إذا تبيّن من أبحاث هذه الرسالة أنه ليس للقلة المانعة إلا شبه توهموها أدلة على المنع ، وأسوق هنا نبذاً من رسالة للشيخ ابن تيمية نُشرت في مجلة التوعية الإسلامية التي تصدرها " إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد " وتوضح هذه النبذ كيف يخطئ البعض في طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال : " إنّ الرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفريق يريد أن يأمر وينهى من غير فقه ولا حلم ولا صبر ولا نظر فيما يصلح , وما يقدر عليه وما لا يقدر عليه , وهو معتقد أنه مطيع لله ورسوله وهو معتد في حدوده " ، وقال : " وقسم يأمر وينهى ويقاتل طلباً لإزالة الفتنة ويكون فعله ذلك أعظم فتنة " ، وقال "لا تَنْهَ عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه , بل يكون النهي حينئذٍ من باب الصدّ عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات " ، وقال : " لا بد في الأمر والنهي أن تكون المصلحة راجحة على المفسدة وحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به وإن كان قد ترك واجب وفعل محرم " ، وقال : " من الناس لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم فلا يرضون إلا بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه . فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه وصار الأمر الذي كان عنده منكراً ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب عليه وصار فاعلاً له شريكاً فيه ومعاوناً عليه لمن ينهى عنه وينكر عليه " ، وقال : " إذا أمر غيره بحسن إذا أحب موافقته له على ذلك أم نهى غيره عن شيء فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحساناً يحصل به مقصوده من حصول المحبوب واندفاع المكروه فإن لا تصبر على المر ِّ إلا بنوع من الحلو ولذا أمر الله بتأليف القلوب " ، وقال : " لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به فقيهاً فيما ينهى عنه " ، وهذا وإنَّ مراعاة هذه المبادئ علماً وعملاً ودعوة خاصة على من له وزن رسمي هي المحبة وتآلف القلوب ،

ميزان نبوي لمعرفة الخطأ والصواب لمن ليس عنده أهلية البحث : اعلم أن كثيراً من الناس ليس عندهم من المؤهلات ما يتمكنون به من التفرقة بين الصواب والخطأ , ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتركنا هملاً بل بين لنا أنه إذا أجمع العلماء على شيء كان ما خالفهم هوى وضلالاً ، كما بين أنهم إذا اختلفوا كان الصواب والرشاد مع رأي الكثرة من العلماء كما بين أن المخالفين لهؤلاء يكونون قلة فكان هذا ميزاناً نبوياً لإدراك الخطأ والصواب لمن يعجز عن البحث ، فروى أبو نعيم والحاكم وابن منده ومن طريقه الضياء المقدسي عن ابن عمر مرفوعاً : (( إنّ الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبداً وأن يد الله مع الجماعة , فاتبعوا السواد الأعظم فإنّ من شذ شذ في النار )) ، كذا في" كشف الخفاء للعجلوني" في حرف لا تجتمع أمتي على ضلالة صـ50 ، وقال في " كشف الخفاء" وكذا عند الترمذي : وكذلك روى عبد بن حميد وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه رفعه (( إنّ أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم )) كذا في " كنز العمال "ج 1 ص 180 و"كشف الخفاء " ص 350 ج2 وفي " كشف الخفاء " ص 391ج2 أنّ مثل ذلك روي عن ابن عباس مرفوعاً كما في "مستدرك الحاكم " وفي تخريج الحافظ ابن حجر لمسند الفردوس ، وروى الترمذي أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية فقال : (( عليكم بالجماعة وإياكم الفرقة , فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد )) ، وروى الطبراني عن عرفجه " يد الله مع الجماعة والشيطان مع من خالف الجماعة يركض " كنز العمال ص 206 ، وأحاديث التمسك بالجماعة في الصحيح أشهر من أن تذكر ، والمراد بالسواد الأعظم في الروايات السابقة سواد علماء أمته صلى الله عليه وسلم لأن العلماء هم أهل الحل والعقد والاستنباط والإفتاء … ورأيهم بموجب هذه الروايات هو مظنة الصواب ، والتشكيك في صواب الكثرة بسرد آيات وأحاديث " إنّ أكثر من في الأرض ضالون " فإنما مورد تلك النصوص هو كثرة الكفار في الأرض وقلة المؤمنون فيها . وما زعم أحد أن الصواب يكون في جانب الكثرة المطلقة من كفار ومؤمنين ، ولكن ندعي كما في أحاديث التمسك بالجماعة والتحذير من الشذوذ عنها بعمومها وأحاديث الدعوة إلى اتباع السواد الأعظم عند الاختلاف أن الصواب يكون في جانب السواد الأعظم من علماء الأمة المحمدية المؤمنة , وأنّ الباطل يكون فيمن شذ عنهم فحريُّ بالقلة بعد هذا أن تتهم نفسها بالخطأ بدلاً من اتهام الكثرة المؤمنة بالضلال ، وبعد هذا الميزان النبوي فإن المكابرات والمغالطات وسرد النصوص دون فهم لا تجدي أصحابها نفعاً ،

تصور الوهابيين لشرك الأمة شركاً أكبر مخالف لبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك : قد صح عن الصادق المصدوق أنّ أمته صلى الله عليه وسلم بعده لن تعبد الأوثان ولن تشرك الشرك الأكبر إلا بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين في آخر الزمان بعد انتهاء فتنة الدجال وأما قبل ذلك فلا ، وهذا مخالف لتصور الوهابيين أنّ الشرك الأكبر قد انتشر في بقاع العالم الإسلامي منذ مئات السنين ، فورد عن جابر وابن مسعود وعمرو بن الأحوص وابن عباس مرفوعاً : (( إن الشيطان قد يئس من أن تعبد الأصنام بأرض العرب )) ، والروايات في ذلك متعددة في صحيح مسلم , ومستدرك الحاكم وأبي يعلى والبيهقي وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وورد في حديث شداد بن أوس في ابن ماجه " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أتخوف على أمتي الشرك ، قلت يا رسول الله أتشرك أمتك بعدك ؟ قال : نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولكن يراؤون في أعمالهم )) ، وورد في حديث الشيخين عن عقبة بن عامر مرفوعاً : (( لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا )) ، وورد في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( لا يذهب الليل ولا النهار حتى تعبد اللات والعزى " فقلت يا رسول الله : إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } إنّ ذلك تام ، قال : إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله ريحاً طيبة فتوفي كل من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل كمن إيمان )) ، ومصداقاً لوقوع هذا في وقته المبين في حديث عائشة أنه بعد هبوب الريح الطيبة التي تقبض نفس جميع المؤمنين ما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوْس حول ذي الخلصة )) ، وما روى مسلم عن عبد الله بن عمرو من حديث الدجال ونزول عيسى عليه السلام وأن بعده هذه الريح وقبض أرواح المؤمنين وأنه يبقى شرار الناس فيقول : " ألا تستجيبون ؟ فيقولون : ماذا تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان " ، وفي كل هذه الأحاديث الصحيحة بلاغ على أنّ أمته صلى الله عليه وسلم لن تعبد الأوثان بعده , ولن تشرك الشرك الأكبر إلا بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين في آخر الدهر بعد أن تهب الريح الطيبة وقبض أرواح المؤمنين , وإن هبوبها يكون بعد نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال ومكثه في الأرض ما شاء ، فماذا يمكن أن يقول القائلون بعد أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم والفتاوي والتصرفات إذا انبعثت عن تصورات تخالف ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم تبقى محيرة جداً لما تنطوي عليه من مخالفة بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال وفيما أخبر ، والردة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه لم تكن فيها عبادة أوثان وإنما ادّعاء نبوات وشراكة في الرسالة وتمرد جماعي على الوجبات الإسلامية كمنع الزكوات والتهاون بالصلوات وبشعارها الأذان , يحقن الدم والمال وما بزغت حتى انتهت بفضل الله ثم بحزم الصديق . فالاستبدال بها على أن عبادة الأوثان كائنة بعده صلى الله عليه وسلم قبل الوقت الذي حدده صلى الله عليه وسلم لها هو استدلال على الشيء بما هو أجنبي عنه ، ...

غلط تصور الوهابيين للعبادة والشرك : لما رأى القوم أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ تخيَّلوا أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة , وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد , وإن وقعت لغيره فهي الشرك ، ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين خطأ هذا المفهوم , وأن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها كتأثير بقدرة كن أو استقلال بالنفع والضّر والإعطاء والمنع أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكته له في الربوبية ونحو ذلك ، وقد بينت آيات كثيرة أنّ هذا كان هو اعتقادهم في آلهتهم فحكى الله تعالى قول المشركين لهود عليه السلام : { إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ } ، وقال تعالى : { قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ } ، وقال تعالى : { أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ } ، وعجز الآية { إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ } ، يكشف أنّ اعتقادهم كان أنّ آلهتهم تنصرهم ثم انكشف يوم القيامة أنهم كانوا مغرورين ، وقال تعالى : { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } ، وقال تعالى : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } ، وغير ذلك آيات كثيرة لا يتسع لذكرها المجال مما يدل على إشراك المشركين معبوداتهم في بعض خصائصه تعالى , فلما اعتقدوا لآلهتهم تلك الخصائص زاولوا تلك الأعمال لهم بنية عبادتهم ، ومما يومئ إلى أنّ دعاء المشركين لآلهتهم كان مصحوباً باعتقاد صفات الربوبية فيهم من ضر ونفع استقلالاً قوله تعالى : { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا } ، ولو كان مجرد إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به - من دون اقتران نية العبادة لمن يعتقده رباً - هو الشرك إن وقع لغيره تعالى لما جاء بعض تلك الأعمال مأموراً به لغيره تعالى لأن الله تعالى لا يأمر عباده بالشرك ولا يرضى به ولا يأمر بالفحشاء ، فالسجود مثلاً " ، وهو أقرب إلى التذلل من سواه ، " لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما أمر الله به لآدم ولما حلّ في شريعة قط كالسجود ليوسف على وجه التحية والتكريم ، فلما جاء السجود صالحاً لأن يكون سجود عبادة وشرك , وأن لا يكون سجود عبادة وشرك تبين أن إتيان أي عمل ليس عبادة لذاته ولا شركاً في نفسه إلا أن يجتمع مع إتيانه نية العبادة به لمن يعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها ، والتعظيم مثلاً لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما فرَّق بين تعظيم وتعظيم . فمنه ما هو كفر ومنه ما هو حرام كسجود التحية في شريعتنا , ومنه ما هو مكروه كالتمثيل قياماً بين يدي السلطان , ومنه ما هو مأمور به كتعظيم النيي صلى الله عليه وسلم وتعظيم شعائر الله وتعظيم البيت بالطواف به والوقوف للدعاء عند الحجر وباب الكعبة والملتزم , وتعظيم الحجر الأسود بتقبيله ومس الركن اليماني والصلاة خلف المقام ، فما جاء التعظيم صالحاً لأن يكون تعظيم عبادة وشرك وأن لا يكون تعظيم عبادة وشرك تبين أنّ مجرد التعظيم لشيء ليس عبادة له شرعاً حتى يجتمع الإتيان به نية العبادة لمن تعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها ، وحين يؤمر به لغير الله من غير أن تقترن به نية العبادة لغيره تعالى خرج عن كونه شركاً لأن فقدان نية العبادة فيه صرفته عن اعتباره عبادة لغير الله , ونية الامتثال صرفته إلى أنه عبادة للآمر وقربى إليه فالنية على هذا هي الحد الفاصل بين الحكم على العمل بأنه عبادة أو لا يدخل في مسماها ، ولما رأى القوم أن من العمل أنّ القول لغير الله ما لا يعتبر شركاً , وأن ليس كل داع لأحد أو مستنجد به أو مستعين به يعتبر شركاً , فتشوا عن ضوابط لما يصل إلى درجة الشرك وما لا يصل إليه ، فأجازوا من ذلك مما كان لحي حاضر فيما يقدر عليه , ومنعوا من ذلك ما كان لغائب أو ميت ، ولا معنى لبناء الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنه لا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم , أما أهل السنة فحين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً , حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله ، وطلب سليمان من اتباعه عرش بلقيس هو مما لا يدخل عادة تحت قدرة العبد ومع ذلك طلبه ، ولا معنى كذلك لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم ، وفي كتاب "الروح" لابن القيم فصول فحواها "أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على التصّرف والترائي للأحياء " ، وإذ تبين فساد ضوابطهم في الجواز والمنع تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو أنه كان العمل أو القول لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء ، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف الله وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي ولا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ولا يوم القيامة ، وما خلا عن نية العبادة لا يقال أنه عبادة لغير الله إلا أن يكون الشارع قد جعل نفس العمل كفراً كالسجود للصنم يكفر فاعله ولولم تعرف نيته لأنّ ذلك إمارة على اعتقاد ربوبيته ومظنة للشرك ، وبهذا البيان تعلم أنّ مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شيء مما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما ، فعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة ، إذ قلوب المسلمين والحمد لله مستقرة على أن من يتوسل بهم من الأنبياء والصالحين هم مجرد أسباب لا استقلال لهم بنفع ولا ضر , وليس لهم من الربوبية شيء , ولكن الله جعلهم مفاتيح لخيره , ومن أعظم ما تتنزل به الرحمات من الواحد المنّان ، والاستعانة بالأسباب مأمور بها في صريح قوله تعالى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } ، وفي حثّ الرسول المؤمنين على إعانة المستعين بهم وعلى التيسير على المعسر والتفريج عن المكروب ، وإسناد الفعل إلى المعين والميسر والمفرج هو من إسناد الفعل للسبب لأنَّ الفاعل هو الله تعالى ولا يريد المسلمون إلا هذا المعنى ، فإذا قال المسلم : نفعني النبي أو الولي أو أخذ بيدي أو أغاثني أو أعانني فلا يعني إلا هذا الإسناد المجازي ولا يعتقد أن له شيئاً من الاستقلال بالنفع أو الضر كما هو شأن الرب المعبود ، وإذ قد علمت أنّ عبادة المشركين لأربابهم إنما هي بإتيانهم الأعمال والأقوال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم ربوبية أو خصائصها من تأثير بقدرة كن واستقلال بالنفع والضر والإعطاء والمنع والضر أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكتهم لله تعالى ، فكيف ينطبق قولهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي } على المسلمين ينووا بدعائهم للأنبياء والصالحين مستغيثين أو مستشفعين عبادة لهم ولا اعتقدوا فيهم ربوبية ولا تأثيراً بقدرة كن ولا اعتقدوا فيهم قدرة على النفع والضر استقلالاً ولا اعتقدوا أنّ شفاعتهم إنما هي بحكم شراكتهم لله في الربوبية كما يفعل المشركون وكما ينوون بأفعالهم وأقوالهم وكما يعتقدون سبحانك هذا بهتان عظيم وقياس غير مستقيم ، ومن آمن بالكتاب كله ولم يتسلط عليه الهوى لا يكتفي بسرد الآيات الدالة على اعتراف المشركين بانفراده تعالى بخلق الجواهر العظام من سماء وأرض وخلافها ومن رزق وإنزال الغيث والتدبير العام , ويهمل ذكر الآيات التي ذكرناها المثبتة لكفر المشركين بالربوبية في بعض خصالها حيث اعتقدوا التأثير والنفع والضر والنصر والإعطاء والمنع لأربابهم استقلالاً ونفوذ شفاعتهم عليه تعالى بحكم شراكتهم له في الربوبية ، وأين من يعتقد فيمن يدعونهم ويستغيثون بهم أنهم أرباب ومن يعتقد أنهم أسباب ، ولما اعتقد المشركون أنّ شفاعة أربابهم محتمة القبول عند الله بمقتضى شراكتهم له في الربوبية ردًّ الله عليهم بأنه لا شفاعة إلا بإذنه ورضاه ومشيئته ونفي شفاعة الأوثان وسائر المعبودين في عابديهم ، كما بين أنّ الشفاعة كلها لله , وأنه قد أعطاها للأنبياء وعباده الصالحين فيمن لقي ربه لا يشرك به شيئاً ، { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } مثلما أنّ المُلك كله لله أعطى منه ما شاء لمن شاء والعزة كلها لله أعطى منها ما شاء لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، واستشفاع المؤمنين لا يعني إلا طلب الدعاء ممن أعطاهم الله الشفاعة والمصحح للطلب هو حياة الشفيع سواء في الحياة أو يوم القيامة بخلاف استشفاع المشركين فإنه ينطوي على إشراك بحقوق الله باعتقاد أن شفاعتهم عنده تعالى إنما هي بمقتضى شراكتهم لله في الربوبية ، قالوا قصر الله الاستعانة به تعالى في سورة الفاتحة في قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، قلنا : تمهيد الله لذلك بذكره صفات الربوبية يدل على أن ما تعنيه سورة الفاتحة عن غيره تعالى هو استعانة مربوب بمن يعتقده رباً وإلا فأين أحاديث الحث على إعانة المستعين وعلى التفريج عن المكروبين ؟ قالوا : صح أن الدعاء هو العبادة أو مخها ، قلنا : صحّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تلا عقب هذا القول : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } ، وهذا يدل على أن المخاطبين في الحديث هم المؤمنون وأنّ دعاءهم كان مصحوباً بأقصى التذلل لمن لا ربّ سواه أي أنّ دعاءهم كان مقترناً باعتقاد أنه الرب دون سواه فصار الدعاء بهذه النية عبادة ، إذ دعاء العبادة هو ما أحدثه الداعي بنية العبادة لمن اعتقد فيه ربوبية أو صفاتها أو خصائصها ، ( قال ) في الحديث : للعهد الخارجي عند المخاطبين أي الدعاء المعهود عندهم وليست للاستغراق كما توهم الوهابية في استدلالهم بذلك على أنّ الدعاء لذاته هو العبادة ولو لم يقترن بنية العبادة لمن اعتقده رباً ، وبعد أن تبينت خطأ القوم وسوء تصورهم لما يدخل في مسمى العبادة وما لا يدخل فيها وضح لك أي إثم يقترف في الحكم على سواد المسلمين الأعظم بالشرك والكفر لدعائهم واستغاثتهم بالأنبياء والصالحين التي لا اعتقاد معها بأن لهم شيئاً من خصائص الربوبية وصفاتها . ونسأل الله السلامة في القول والعمل ،

من أسباب غلط الوهابيين في الحكم بالتكفير : قدمنا لك ما فيه الكفاية عن تحقيق معنى العبادة ، وأنّ غلط الوهابيين في مفهومها تسبب في تكفيرهم المسلمين بالدعاء للاستغاثة أو الاستشفاع حيث غلطوا فجعلوا كل أمر يؤتى مما يصلح للتعبد به هو العبادة لذاته , ولو لم ينو به الفاعل أو القاتل العبادة به , ولا اتخذ ممن وجه إليه الفعل أو القول رباً أو متصفاً بشيء من صفات الربوبية ، ونزيدك اليوم تبصرة في ذلك لكشف بعض ما قد يشتبه عليك أيها المسلم : إنّ الصحابة حيث كانوا يستغيثون برسول الله صلى الله عليه وسلم أو يستعينون أو يطلبون منه الشفاعة أو يشكون حالهم إليه من فقر ومرض وعاهة وبلاء ودين وعجز وجدب كانوا يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل ذلك بذاته أو بقوته , وإنما يفعله بإذن الله وأمره وقدرته وأنه عبد مأمور وله مقامه وجاهه وكرامته وأنّ الحقيقة هو مجرد سبب من أسباب الإجابة ولا فاعل إلا الله ، وكان موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السائلين تارة الاستجابة لطلبهم وتارة يخيرهم بين الصبر أو كشف البلاء كما خير الأعمى والمرأة التي تصرع وقتادة الذي أصيبت عيناه , وتارة يقول لهم : إنما يستغاث بالله ويقول لهم : إذا سألت فسأل الله و وإذا استعنت فاستعن بالله , وترة يقول : السيد هو الله , ومرة يقول : أنا سيد ولد آدم ، وواضح من اختلاف أجوبته صلى الله عليه وسلم للسائلين أنه كان يراعي حالة السائل حين يسأله فيجيبه بما يقضي فيه رسوخ الاعتقاد أو نقصه حسب ما يظهر له بالوحي أو بقرائن الحال ، والسائلون لا يعنون من الطلب منه صلى الله عليه وسلم إلا وساطته بالتوجه إلى الله ليدعو ويشفع ، ومع ذلك راعى صلى الله عليه وسلم حالة السائل في الجواب لمن يخشى على اعتقاده , وإرشاداً لغرس اليقين في الله وحده سداً لباب اتكال القلوب على سواه ، ولو لم يكن المقصود هو مراعاة حال اعتقاد السائل في الإجابة لما منع صلى الله عليه وسلم من قالوا : (( قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق )) ، ولما قال لهم : (( إنما يستغاث بالله ولا يستغاث بي )) لأنّ أحداً حتى الوهابيين لم يمنع الاستغاثة بالحي في مثل ما طلبوه منه صلى الله عليه وسلم وهو رد المنافق الذي تأذوا منه ، ومثل هذا من قال ما شاء الله وشئت فأجابه صلى الله عليه وسلم : (( أجعلتني لله نداً , بل ما شاء الله )) مرعاة لحال السائل في سد باب أن يسبق إلى الظن أن يتساوى مع الباري في مشيئته , وإلا فإنه صلى الله عليه وسلم يعلم الفرق بين المشيئتين حين تنسب إلى الخالق وإلى الخلق ولا يشتبه الأمر عليه حين ورد في القرآن العطف بالواو الذي استنكره على السائل في آيات كثيرة كقوله تعالى : { وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ } ، إذ لا يشتبه معنى أغنى حين ينسب إلى الله وحين ينسب إلى الرسول , وكقوله تعالى : { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } إذ لا يشتبه ولاية الله بولاية جبريل وصالح المؤمنين , وكقوله تعالى : { وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } إذ لا يشتبه الفضل حين ينسب إلى الله وحين ينسب إلى الرسول , وكقول الصحابة في كل ما لا يعلمونه : (( الله ورسوله أعلم )) إذ العلم لله هو غير العلم لرسوله ، وحسان رضي الله عنه حين يقول : ( يا ركن معتمد وعصمة لائذ * وملاذ منتجع وجار مجاور ) كان يعلم أنّ الله هو الفاعل لكل ذلك وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فقط سبب من أسباب ذلك من باب الإسناد المجازي على حد حثه صلى الله عليه وسلم على تفريج كربة المكروب حين يقول " من فرج عن مؤمن كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة " ومثله حثه على التيسير على المعسر وإعانة المستعين فهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن المعين والميسر والمفرج هو الله وليس العبد إلا سبب في ذلك ، وهكذا المسلمون ليس فيهم إطلاقاً من يعتقد لأحد مع الله فعل أوترك أو رزق أو نصر أو إحياء أو إماتة فإذا وجدت في كلامهم إسناد الأمر إلى السبب وليس معنى طلب شيء من الوسيلة عند المسلم إلا الطلب منه بأن يتوجه إلى الله ليطلب منه تعالى ويدعوه ويسأله ويشفع عنده ، فالمطلوب هو الاستشفاع إلى الله بالوسيلة والمقصود في حقيقة الأمر هو الله ، والقرينة الصارفة عن اعتقاد غير هذا اللفظ القائل هو أنه من الموحدين ، ولا يلتبس عليك الفرق بين قول المشركين : هؤلاء شفعاؤنا وبين قول المسلم : رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الشافع المشفع فينا ، إذ ليس الاستشفاع هنا كاستشفاع المشركين الذين كانوا يعتقدون أنّ شفاعة آلهتهم محتمة القبول عليه تعالى بحكم شراكتهم له في الربوبية كما قال تعالى : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } ، وأما المسلمون فاعتقادهم الراسخ أنه لا يجب على الله شيء بل كل ما يعطيه هو تفضل منه ورحمة لكرامة عبده عنده ، وقد سبق بيان أنه لا معنى لبناء الجواز والمنع في الأقوال والأفعال على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنّ غير الله لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله ، ولوكان لما يقدر عليه وما لا يقدر عليه دخل في ابتناء الجواز والمنع عليه في الحياة لما طلب سيدنا سليمان وهو نبي معصوم من أتباعه عرش بلقيس وهو شيء ليس في قدرة الخلق بحسب العادة . أما بفضل الله وقوته فهو ممكن والله أحضره , ومن باشر الأمر إنما هو سبب من الأسباب ، وكذلك بينا من قبل أنه لامعنى لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيز به الطلب من الأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء والاستغفار , وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم , فضلا عن سيد المرسلين ، وقد سبق بيان ذلك وسيأتي فصل خاص به تحت عنوان ما للموتى من إدراكات … الخ ، وبكل هذا يتبين كما وضحنا من قبل أنّ الضابط الصحيح للجواز والمنع هو أنه كان العمل أو القول لمن لا يعتقد ربوبيته فليس من العبادة في شيء . أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته أو شيئاً من خصائصها كاستقلاله بالنفع والضر بقدرة كن , وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يُعتبر عبادة إن صرف لله , وشركاً إن صرف لغيره , لا فرق بين حي ولا ميت ولا في الحياة الدنيا ولا يوم القيامة ، ولدخول الغلط في مفهوم العبادة عندهم تورطوا في التكفير متوهمين أنَّ العبادة هي إتيان العمل الصالح للتعبد به مطلقاً , ولو لم ينوي به العبادة لم يتخذه رباً أو يعتقد فيه شيئاً من خصائص الربوبية ، وما يطلق على الخالق والمخلوق من الصفات كالرأفة والرحمة والوجود والعلم والهداية والشفاعة في قوله تعالى : { قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } مع قوله صلى الله عليه وسلم : (( أوتيت الشفاعة )) لا يشتبه على المؤمن لأن مدلولات الألفاظ الدالة على ما للخالق تختلف عن مدلولاتها إذا أطلقت على الخلق من حيث الكمال والكيفية والخلق والتسبب اختلافاً كلياً , فتطلق على الإله بما يناسب مقام الحق , وإذا وصف المخلوق بشيء منها فيكون متصفاً بها بما يناسب البشرية محدودة ومخلوقة ومكتسبة بإذن الله وفضله وإرادته لا بقوة المخلوق ولا تدبيره ولا أمره وإنما من الله عليه بها قوة وضعفاً على ما شاء الله تعالى فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إلى المخلوق شركاً لله ، فأين وجود حادث قابل للزوال ووجود أزلي أبدي واجب لموصوفه لا مدخل للعدم إليه ، وأين علم قليل عارض مكتسب غير مملوك لصاحبه من علم ذاتي واجب أزلي دائم أبدي محيط بما لا يدخل تحت النهايات ، وقس على ذلك سائر الصفات , وحين خاطب حسّان رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته السابق بأنه ركن المعتمدين وعصمة اللائذين وملاذ القاصدين وجار المستجيرين لم يكن يقصد بذلك أنه صلى الله عليه وسلم يشارك الباري في تلك الصفات , بل هي لله بالأصالة ,وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمجرد سبب فيها من الإسناد المجازي كما تقدم ، ولهذا لا ينبغي أن يساء فهم المقصود من بعض الألفاظ التي تصدر من الناس كقولهم : ليس لي ملاذ سوى النبي ولا رجاء إلا هو وإليه يفزع في المصائب , وقولهم : إن توقفت فمن أسأله , فاعتقاد المسلم أنًّ الملجأ والملاذ والمفزع وتحقيق السؤال والمدد كلها إلى الله خلقاً وإيجاداً وأصالة وما نسبتها إلى المخلوق ممن أكرمه الله بحصولها على يده إلا أنه المتسبب فيها بدعائه لربه وشفاعته عنده ، وكذلك ليس مراد القائل لتلك الألفاظ هو مشاركة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفاته , بل المراد أنه ليس في الخلق من هو أولى برسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يلاذ به ويلجأ إليه ويفزع إليه عند الشدائد , ليقوم بالتوسل عند ربه في كشفها كما كان عليه الحال في يوم الهول العظيم على حد قول البوصيري : ( مالي من ألوذ به سواك * عند حلول الحادث العمم ) فإنّ الأنبياء والخلائق لم يجدوا ملجأ إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع لهم في كشف كربهم ففعل وشفع ، وهكذا أكثر الألفاظ التي جاءت في قصد المادحين كالبردة وغيرها ليس مقصود أصحابها ولا اعتقادهم مشاركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه في صفاته , بل أطلقوها عليه صلى الله عليه وسلم بما يناسب البشرية من كونها محدودة ومكتسبة , فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إلى المخلوق شركاً بالله كما توهم الوهابيون , فأين الخالق من السبب وأين صاحب العلم الذاتي المحيط من علم علمه الله لمن شاء من عباده وأطلعه عليه ، ومما تقدم تعلم : أن من تورط في تفكير المسلمين إنما تورط لأسباب كثيرة منها :

1- السبب الأول من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو الجهل بمعنى العبادة وعدم تحقيقها ووهمه أنها إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به ,ولكنها في الحقيقة هي إتيان العمل أو القول بنية العبادة لمن تعتقد له ربوبية أو خصائصها من تأثير بقدرة كن بالمنع والضر والإعطاء والنفع ,أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكته لله في ربوبيته . فلما جهل الوهابيون معنى العبادة أدخلوا في مسماها ما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة واستشفاع وغير ذلك , وكفروا بذلك من فعله ومن طلبه من الأموات منكرين ما أثبتته السنة والإجماع من إدراكات للأموات وقدرتهم على الدعاء والاستغفار , فكما جهلوا كل ذلك عمدوا إلى آيات نزلت في المشركين فحملوها على من هو ممتلئ بتوحيد الله في الربوبية وانفراده باستحقاق العبادة وما هو أهل لله من صفات كماله . وأين من يعتقد فيمن يدعونهم أنهم أرباب ومن يعتقد أنهم أسباب .

2- والسبب الثاني من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو عدم التفطن إلى الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق ولا اشتباه فيها لأنها تطلق على الخالق بما يناسب مقام الحق وتطلق على المخلوق بما يناسب مقام الخلق فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إليه شركاً بالله .

3- والسبب الثالث من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو الاستدلال بنهي الرسول عن الألفاظ مع تجاهل ما ورد عنه من إقرارها كما وضحناه , وإن إجابته للسائلين قد اختلفت مراعاة لحالهم مع رسوخ الاعتقاد في الله أو نقصه وقطعاً لباب الاتكال على غيره تعالى.

4- والسبب الرابع من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو التغليب لسوء الظن بالمسلمين فيما يرد على ألسنتهم من ألفاظ لا يقصدون بها إلا الإسناد المجازي . فحملها على حقائقها دون اعتبار القرينة الصارفة عن الحقيقة وهو أنّ القائل من الموحدين ظلم كبير ،

5- والسبب الخامس من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو أنهم أساؤوا فهم المقصود من بعض الألفاظ التي تصدر من الناس كقولهم "ليس لي ملاذ سوى النبي " ." وإليه يفزع في المصائب " . و" لا رجاء لي إلا هو " وأمثالها . فقد توهموا أنها صرف لما هو لله إلى سواه وما عقلوا أنها مقارنة بين الخلق , وأن المراد ليس في الخلق من هو أولى من رسول الله ( بأن يلاذ به ويلجأ إليه ويفزع إليه لا المقارنة بينه وبين الله , علاوة على أنّ المراد من هذه الألفاظ هو الإسناد المجازي من إسناد الشيء إلى سببه بالدعاء والتوسل والشفاعة عند الله ، هذا وإنه لا يغيب عن فهم الموفق أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يجيب السائلين فيما طلبوه منه من حاجات لم يقل لهم أنّ الأمر لا يحتاج إلى واسطة واشكوا حالكم إلى الله تعالى لأنه قريب مجيب لا حجاب بينه وبين خلقه فتوجهوا إليه بالطلب رأساً " كما يلبّس بذلك الوهابيون . فالمعلوم أنه وإن كان المدعو أقرب فإن العبرة في قبول الدعاء إنما هي بأقربية الداعي كما قال تعالى : { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } ،

عقيدة المؤمن في ربه وحقوق الخالق : عقيدة المؤمن أنه تعالى واحد لا شريك له ولا ند َّ لا في وجوب الوجود ولا في سائر الكمالات اللائقة به ولا في استحقاق العبادة ولا في خلق شيء من الأشياء ولا إحداث كائن من الكائنات ذاتاً كان أو صفة أو فعلاً ، له وحده الخلق والأمر والملك والسلطة الكاملة وكمال الاقتدار ونفوذ الإرادة وكما الإختيار وإحاطة علمه وكمال حكمته وشمول رحمته وبالغ عنايته , وله وحدة التدبير والتصرف والمنع والعطاء والنفع والضر استقلالاً بقدرة كن ولا يشفع عنده أحد إلا برضاه لا كما يعتقد المشركون أنًّ شفاعتهم عنده محتمة القبول بحكم شراكتهم له ، لا مثل له في ذاته ولا في صفة من صفاته ولا في أفعاله لا رب غير ولا إله سواه ، هو الحي حيلة أزلية أبدية , العليم بجميع المعلومات لا يخفي عليه شيء, النافذ الإرادة , الكامل القدرة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، سميع بصير متكلم ، وله الكمال الأتم في ذاته وأفعاله وأحكامه , ولا مشابهة بين ما للخالق من الصفات وبين ما هو للمخلوق , فأين وجود حادث قابل للزوال ووجود أزلي أبدي واجب لموصوفه لا مدخل للعدم إليه ، وأين علم قليل عارض مكتسب غير مملوك لصاحبه من علم ذاتي واجب أزلي دائم أبدي محيط بما لا يدخل تحت النهايات ، وقس على ذلك سائر الصفات ، هو فاعل لما شاء بمحض اختياره لا يجب عليه شيء ولا حاكم عليه إن شاء الله فعل وإن شاء لم يفعل , وهو في كلا الأمرين المحمود المنزه عن يحوم حماه , مستغن عمّا سواه , خلق كل شيء لا ليكتمل بخلقهم, بل ليتكرم عليهم بجودهم وبأرزاقهم وما يتبع ذلك مما لا يحصى من فضله , هو الجواد الكريم , الغني الحميد , لا يجوز عليه الظلم ولا يتصور في حقه , منفرد بخلق الكائنات فلا شريك له في التأثير بإيجاد أو إعدام , أبرزها على ما يراها عليه بقدرته وخصصها بالوجود التي عليها وإحاطة العلم بها تفصيلاً ، إن أثاب فبفضله وإن عاقب فبعدله , وإن عفا عن المذنب بشفاعة المرضين لديه أو بدونها فهو أهل للعفو والجود لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ،

حقوق رسول الله : أخرج الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( أنا أكرم الأولين والآخرين على ربي ولا فخر )) ، وقد ميزه الله على الأنبياء بخصائص أفردها العلماء بالتصنيف ،
1- محبته ، ومحبته صلى الله عليه وسلم فرض ولا يؤمن أحد حتى يكون صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين فيتخذه مقياساً فصلاً في خواطره وآرائه ورغباته وخلجات نفسه , وبالجملة يكون هواه تبعاً لما جاء به ، قال تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ، وقال تعالى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، ومن لازم محبته صلى الله عليه وسلم المذاكرة في مزاياه وخصائصه دائماً لتشبع القلوب بحبه , ولتسكن النفوس بفضل ما جاء به واعتناقه عقيدة وشريعة وسلوكاً ومنهاجاً ، روى مسلم والترمذي والنسائي واللفظ له عن معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال : (( ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا لدينه ومنَّ علينا بك )) وفي هذا الحديث دلالة على أنَّ الصحابة كانوا يتذاكرون في حلقاتهم مجتمعين منَّة الله على الأمة برسوله صلى الله عليه وسلم حمداً لله تعالى على ذلك وتذكراً لفضائله وهذا يصلح شاهداً الاجتماع للمذاكرة في مولده وشمائله صلى الله عليه وسلم لفعل الصحابة لذلك في حلقاتهم وعدم إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم ،
2- تعظيمه صلى الله عليه وسلم : وفي وجوب تعظيمه صلى الله عليه وسلم لابد من ملاحظة أمرين : ( أحدهما ) : وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ورفع مرتبته عن سائر الخلق , وإثبات انفراد الله بذاته وصفاته وأفعاله عن جميع خلقه وإفراده بالعبادة ,فمن اعتقد في مخلوق مشاركة الله في شيء من ذلك فقد أشرك ومن قصر بالرسول عن شيء من مرتبته فقد عصى وكفر , ومن بالغ في تعظيمه بأنواع التعظيم ولم يبلغ به ما يختص بالباري فقد أصاب الحق وحافظ على جانب الربوبية والرسالة معاً ، ولسنا ننهى عن شيء من التعظيم له إلا على ما نهانا الله عنه كالسجود تعظيماً له ، أما ما أمرنا به الله من تعظيمه فنتمثله كخفض الصوت عنده , وأن لا نتقدم بين يديه , وأن لا نناديه باسمه وغير ذلك ، ومالم يرد في خصوصه أمر ولا نهي فإنه فرد من أفراد تعظيمه المأمورين به على العموم ، وكل ما يرمز إلى تعظيمه صلى الله عليه وسلم , وإلى الفرح والسرور بولادته وبروزه إلى هذا العالم , وإلى شكر الحق بظهوره رحمة للعالمين فذلك متبع لكمال الإيمان وكمال التوحيد ووسيلة لزيادة الإيمان لا ذريعة إلى الشرك وعبادة الأوثان كما يتوهمه الوهابيون في كل أمر يرمز إلى تعظيمه صلوات الله وسلامه عليه مع سوء فهمهم لما يصل من مدحه إلى درجة الربوبية والألوهية وما لا يصل إلى ذلك ، والآمر بتعظيمه صلى الله عليه وسلم كان أعلم بما يؤدى إليه هذا التعظيم ،
3 _ توقيره صلى الله عليه وسلم : قال تعالى : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، وقد أنكر الله على المشركين نظرتهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والأنبياء بملاحظة البشرية المجردة فيهم دون ما يميزهم من الخصائص عن سائر البشر ، فحكى الله عن قوم نوح عليه السلام : { فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا } ، وكذلك قال فرعون وقومه : { فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } ، وكذلك قالت ثمود لصالح عليه السلام : { مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } وكذلك قول أصحاب الأيكة لشعيب : { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا } ، وكذلك قال المشركون لسيد الرسل صلى الله عليه وسلم حين نظروه بعين البشرية المجردة : { وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } ، وفي هذا بلاغ بأننا حين نصف النبي صلى الله عليه وسلم بالبشرية فإنه يجب أن يقترن بذلك ما يميزه عن عامة البشر من الخصائص التي حباه الله بها ، أما ملاحظة البشرية المجردة عن ذلك فهي نظرة جاهلية كما علمت ، ولما نظر القوم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعين البشرية المحضة استكثروا في حقه بعض ما وصف من الخصائص زاعمين أنها وصف له ببعض صفات الألوهية , بل ورددوا في بشريته نفس العبارة التي قالتها قريش في حقه حين أنكرت نبوته { مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } كما سيأتيك عن صاحب الحوار ،
4 _ بعض من خصائصه صلى الله عليه وسلم : ونذكر لك هنا بعضاً مما خصه الله تعالى به صلى الله عليه وسلم من مقامات الاصطفاء : فنحن نعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيد الأولين والآخرين والملائكة المقربين والخلائق أجمعين , وحبيب ربّ العالمين , والمفضَّل على الجميع بسائر خلال الخير ونعوت الكمال ، وجبت له النبوة من قبل وجود آدم عليه السلام كما في حديث أحمد عن العرباض بن سارية , وأخذ الله الميثاق على الأنبياء بأممهم ويكون شهيداً على الأنبياء وأممهم ويظهر في ذلك الوقت سيدهم وإمامهم وخطيبهم ومبشرهم كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة ، وقد اصطفي الله أمته على الأمم وجعلهم شهداء عليهم في الآخرة وجعلهم كما في حديث الشيخين شهداء لله في الأرض فمن أثنوا عليه خيراً وجبت له النار وحرمت الجنة على الأمم حتى تدخلها أمته صلى الله عليه وسلم ، وهم أكثر أهل الجنة كما في الترمذي عن بريدة أن أهل الجنة عشرون ومائة صنف ثمانون منها من هذه الأمة ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه تعالى سيفدي أمته صلى الله عليه وسلم بغيرها من الأمم , وهم أول من يجوزون الصراط معه صلى الله عليه وسلم كما في حديث الشيخين ، اصطفي الله نبيه من خير قرون بني آدم وجعله خياراً من خيار والآمنة به صلى الله عليه وسلم فأمِن به حتى الكافر في الدنيا من عذاب الاستئصال : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } وكما روى البراز بسند صحيح : (( حياته خير ومماته خير تعرض عليه أعمال أمته فإن رأى خيراً حمد الله وإن رأى شراً استغفر لهم )) ، ويُفصل يوم الهول بشفاعته التي لا يجرأ أحد عليها إلا هو فيقال له ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع ، ويلقي من التجلة والإكرام مالم يلقه مَلَك مصطفي ولا نبيُّ مرسل فهو بكل ما ذكر الشفيع يوم القيامة بل إنّ ذاته رحمة وإن لم يشفع فما كان ليعذبهم الله وهو فيهم ، فله الشفاعة العظمى وشفاعات غيرها وكما روى الطبراني والبيهقي (( لايزال يشفع حتى يعطي صكاكاً برجال دخلوا النار لإخراجهم منها )) ، وسيرضيه الله في أمته ولا يخزيه ، وفي رواية مسلم حين أنذر قومه وأهله حين أخبرهم أنه لا يملك لهم من الله شيئاً قال : (( غير أنّ لي رحماً سأبلها ببلالها )) ، فهو صلى الله عليه وسلم وإن كان لا يملك لأحد من الله شيئاً ولا ضراً ولا نفعاً فإنه قد أوتي من الله الشفاعة ، فإن ملكه الله نفع أقاربه وأمته كما سمعت بالشفاعة الخاصة والعامة فلا حجر على فضل الله ، وهو حين وعد فوعده صدق وقد وعده الله بالعطية حتى يرضى, وقد تعجل كل نبي دعوته المستجابة واختبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته المستجابة شفاعة لأمته كما في حديث الشيخين ، لاطفه ربه فلم يناده باسمه بل : { يأيها الرسول } ، { يأيها النبي } وتولى الإجابة عنه صلى الله عليه وسلم { وما صاحبكم بمجنون } ، { وما علَّمنَهُ الشعر وما ينبغي له} ، { فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنونٍ } ، أكرمه الله بالمنبر واللواء والحوض والكوثر والوسيلة والفضيلة والمقام المحمود والشفاعة العظمى وأول من يشفع من يمر على الصراط بأمته وأول من يدخل الجنة ، تكفل الله تعالى بحفظه ورعايته وحفظ دينه وكتابه وسلامته من التحريف شأن من كان خاتماً للرسل وباقياً دينه ، ولقد أعطاه الله تعالى المعجزات الكثيرة منها انشقاق القمر والإسراء والمعراج وإحياء الموتى وشفاء العاهات وتبديل الأخلاق والأعيان والصفات وتكليم الجمادات والبهائم . وشهادتها برسالته وطاعتها له وتكثير الطعام والشراب القليل ببركته ونبع الماء من بين أصابعه وتكثيره ببركته ونزول الغيث باستسقائه ودعائه واطلاعه على المغيبات كما أخبر بذلك في خطبة له طويلة رواها الشيخان ، ولأن دينه هو رسالة الله الأخيرة وحاجة البشرية كلها وجّه الله قلوب المسلمين إلى تتبع ما يصدر منه من حركة وسكون وأخذ ورد وعادة وعبادة وأقوال وأفعال ، وكما قال الشافعي في مقدمة رسالته "جزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلاً عمّن أرسل إليه فإنه أنقذنا به من الهلكة وجعلنا في خير أمة أخرجت للناس , فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظاً في دين ودنيا أو دفع بها مكروه فيهما وفي واحد منهما إلا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القائد إلى خيرها والهادي إلى رشدها ، قال ابن عباس : ما خلق الله نفساً أكرم عليه من محمد وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } ، فهذه منزلة ما نالها أحد من العالمين من الأزل إلى الأبد إلا سيد المرسلين ، لا يؤمن أحد حتى يكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين , ومهما كتب الأولون والآخرون في خصائصه صلى الله عليه وسلم وفضائله ومزاياه وجميل خلقه يعجزوا عن استقصاء ما حباه به ربه ، وحسبه صلى الله عليه وسلم تعظيم العلي الأعلى لقدره صلى الله عليه وسلم بما أثنى عليه في كتابه مما أفصح عن جميل ذكره وتعظيم أمره , وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم , وتحريم نكاح أزواجه من بعده , وحرم رفع الصوت فوق صوته , ونداءه من وراء الحجرات , وندائه باسمه , وأوجب إجابته في الصلاة على من دعاه , وأوجب تقديم الصدقة بين يدي نجواه , وجعله أحد ركني التوحيد , وقرن ذكره بذكره ومحبته بمحبته , وجعل طاعته منوطة بطاعته , وبيعته ببيعته صلى الله عليه وسلم { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } ، { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ، { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } ، { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ } ، ومما بلغ الذروة في تعظيم الله له صلى الله عليه وسلم شهادة الله وملائكته ، فقال الله تعالى : { لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا } ، وقال تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } فمن لم يوقره صلى الله عليه وسلم فإنه من الخاسرين الضالين ، وللدلالة على فضله صلى الله عليه وسلم , وأنه متبوع لا تابع وإن به يشرف الزمان والمكان وفاته بالمدينة ودفنه بها لينفرد بمحل مخصوص بعيد عن مكة فلا يكون قصد زيارته تابعاً لقصده , بل يكون قصده بالزيارة مستقلاً ، روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه أنه قال : (( لما كان اليوم الذي دخل فيه صلى الله عليه وسلم أضاء كل شيء فيها فلما كان اليوم الذي توفي فيه أظلم كل شيء فيها )) ، فنسأله تعالى أن يرزقنا الحب الكامل له تعالى ولنبيه صلى الله عليه وسلم وأن يقينا من الزلات والعثرات ،

تأديب من لم يوقره صلى الله عليه وسلم ومن ضرب به الأمثال : في هذا الباب أذكر لك إجمالاً مما جاء في رسالة للسيوطي سماها " تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغنياء " سبب وضعها أنه سئل عن رجلين تخاصما فنسب أحدهما الآخر إلى رعي المعزى فأكبر الخصم ذلك فقال والد القائل : " مامن نبي إلا ورعى المعزى" ، فبلغ الخبر قاضي القضاة المالكي فقال : لو رفع إليّ لضربته بالسياط . وقال السيوطي : هذا المستدل يعزر التعزيز البليغ لأنَّ مقام الأنبياء أجل من أن يضرب مثلاً ، فاعترض عليه بعضهم وقال : لا ملام على القائل في قوله : ما من نبي إلا ورعى المعزى ، قال السيوطي : فخشيت أن تتشرب قلوب العوام بهذا الكلام فيكثروا من استعماله في المجالات والخصام , فوضعت هذه الرسالة نصحاً للدين , وإرشاداً للمسلمين وقد ذكر في الرسالة نقولاً كثيرة ، فنقل عن القاضي عياض في "الشفاء" أنه قال : "من لم يقصد نقصاً ولا ذكر عيباً ولا سباً ولكنه ينزع إلى ذكر بعض أوصافه صلى الله عليه وسلم , أو يستشهد ببعض أحواله على طريقة ضرب المثل والحجة لنفسه أو لغيره أو على التشبيه به عند هضيمة نالته أو غضاضة لحقته ليس على سبيل التمثيل وعدم التوفير لنبيه صلى الله عليه وسلم , أو قصد الهزل والتنظير كقوله : "إن كذبت فقد كذب الأنبياء أو إن أذنبت فقد أذنبوا أو صبرت صبر أيوب ونحو ذلك " قال : فإن هذه كلها وإن لم تتضمن سباً ولا قصد قائلها ازدراء وغضباً فما وقر النبوة ولا عظم الرسالة ولا عزّر حرمة الاصطفاء وحظوة الكرامة حتى شبه من شبه في كرامة نالها أو معزة قصد الانتفاء منها أو ضرب مثلاً لتطبيب مجلسه أو إغلاء في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره وشرف قدره وألزم توقيره وبره ونهى عن جهر القول له ورفع الصوت عنده فحق هذا "إن درئ عن القتل " الأدب وقوة تعزيزه بحسب شنعة كلامه , ومقتضى قبح ما نطق به , ولم يزل المقتصدون ينكرون مثل هذا ممن جاء به . وقد أنكر الرشيد على أبي نواس قوله : ( فإن يك باق سحر فرعون فيكم * فإن عصا موسى بكف خصيب ) فقال له الرشيد : يا ابن اللخناء أنت المستهزئ بعصا موسى وأمر بإخراجه , ثم قال : وعلى هذا النهج جاءت فتيا مالك في رجل عير رجلاً بالفقر فقال : " تعيرني بالفقر وقد رعى رسول الله الغنم " فقال مالك : قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضعه أرى أن يؤدب ، قال عياض : ( ولا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوقبوا أن يقولوا قد أخطأت الأنبياء قبلنا , ونقل عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لرجل : انظر لنا كاتباً يكون أبوه مسلماً ، فقال : كاتب له : قد كان أبو رسول الله كافراً ، فقال عمر : جعلت هذا مثلاً فعزله ، ونقل عياض عن القابسي أنه لما سئل عن رجل قال لرجل قبيح : كأنه وجه نكير , ولرجل عبوس : كأنه مالك الغضبان قال : في الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء , وإن قصد ذم الملك قتل ونقل عن القابسي أيضاً في شاب معروف بالخير قال لرجل شيئاً فقال له الرجل : اسكت فإنك أُمي .فقال الشاب : أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمياً فشنع الناس عليه مقاله وكفروه وأشفق الشاب مما قال وأظهر الندم عليه فقال أبو الحسن القابسي : أما إطلاق الكفر عليه خطأ لكنه مخطئ في استشهاده بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكون النبي أمياً آية له , وكون هذا أمي نقيصة فيه وجهالة لكنه إذا استغفر وتاب فيترك لأن قوله لا ينتهي إلى حد القتل ولأن تطوعه بالندم يوجب الكف عنه ، قال عياض : وأفتى شيخنا القاضي أبو محمد ابن منصور في رجل تنقصه آخر بشيء ، فقال له : إنما تريد نقصي بقولك وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم فأفتى بإطالة سجنه وشدة أدبه لم يقصد السب , وكان بعض الفقهاء بالأندلس أفتى بقتله ) أهـ كلام القاضي عياض ، وأضاف السيوطي : عن ابن ماجه أنّ أبا هريرة قال لرجل : " يا ابن أخي إذا حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلا تضرب له الأمثال ، وكان الرجل قد عارضه بقياس من الرأي " ، وعن تاج ابن السبكي : فانظر إلى قول الشافعي فلانة , ولم يبح باسم فاطمة , تأدباً معها رضي الله عنها أن يذكرها في هذا المعرض , وإن كان أبوها صلى الله عليه وسلم قد ذكرها ، ونقل عن الحافظ ابن حجر فتوى عما يأتي به بعض الوعاظ في مجالسهم الحافلة ما يذكر من شأنه صلى الله عليه وسلم مما يثير في السامعين حزناً ورقة بحيث يبقى صلى الله عليه وسلم في حيز من يرحم لا في حيز من يعظم كقولهم مثلاً (إن المراضع حضرن ولم يأخذنه لعدم ماله إلا حليمة رغبت في رضاعه شفقة عليه " ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرعى غنماً وينشدون : ( بأغنامه سار الحبيب إلى المرعى * فيا حبذا راع فؤادي لم يرعَ ) ، وفيه " فما أحسن الأغنام وهو يسوقها " ، وكثير من هذا المعنى المخل بالتعظيم فأجاب الحافظ : ينبغي لمن كان فطناً أن يحذف من الخبر ما يوهم في المخبر عنه نقصاً ولا يضره بذلك ، قال وفي "الروض الأنف" للسهيلي بعد أن أورد حديث (( إنّ أبي وأباك في النار )) ما نصه : " ليس لنا أن نقول نحن هذا في أبويه صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات )) ، والله تعالى يقول : { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } ، قال وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت" عن مطرف قال : ليعظم جلال الله في صدوركم فلا تذكروه عند قول أحدكم للكلب : اللهم أخزه ، وقال السيوطي : الأدب أن لا تضرب أحوال الأنبياء مثلاً لحال غيرهم ، ثم ختم السيوطي كلامه بقوله : " ورعي الغنم لم يكن صفة نقص في الزمن الأول لكن حدث العرف بخلافه .. فربَّ حرفة هي نقص في زمان دون زمان ,وفي بلد دون بلد , ولمثل هذه المواطن لا يحتج فيها بأحوال الأنبياء خشية أن تخرج الكلمة فيها مخرج التنقيص " باختصار ،

ما لأموات المسلمين من إدراكات والقدرة على الدعاء والاستغفار : ثبت بنصوص السنة وإجماع الأمة الحياة ولوازمها لأهل القبور حتى من المشركين كما في نداء قليب بدر فضلاً عن المؤمنين , فضلاُ عن الأنبياء والصالحين والصديقين والشهداء , فضلاً عن سيد المرسلين .ودعوى الخصوصية لأهل قليب بدر بلا دليل , بل مع قيام الدليل على انتفائها غير مسموعة ، وبتلك الحياة يحس الميت بالنعيم والعذاب , وقد تواتر ذلك تواتراً معنوياً , واتفق أهل السنة عليه وعلى أنه بالروح والجسد ، وبتلك الحياة أيضاً يفعل الأموات ويسمعون ويبصرون ويتكلمون ويتزاورون فيما بينهم ويستبشرون بزيارتهم , ويعلم الميت من حمله ومن غسله , ومن دلاه من قبره كما في حديث أحمد , ويسمع قرع نعال المشيعين إذا انصرفوا ,كما في حديث البخاري : (( إنَّ الميت إذا دفن وتولى عنه أصحابه يسمع قرع نعالهم )) ، وروى الخطيب وابن عساكر والبيهقي وابن أبي الدنيا : (( أن الميت يسر بزيارة قبره والجلوس عنده ورد السلام عليه )) كما روى البيهقي : (( حسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم )) ، وروى الديلمي : (( إن الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته )) أى يؤذيه ما يبلغه عن الأحياء ، وفي الألفاظ الواردة في السلام على أهل القبور دلالة على ذلك نحو قول الزائر : " السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم , أنتم سلفنا ونحن بالأثر " أخرجه الترمذي وحسنه ، وما ورد في صحيح مسلم بلفظ : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين .." فلولا صحة سماع الميت لم يكن لهذا الخطاب معنى ، وبالإجمال يعلم الأموات بأعمال الأحياء وأحوالهم ويتأذون بما يبلغه عنهم من سوء , ويدعون لفاعل الخير بالثبات , ولفاعل الشر بالهداية والرجوع إلى الطاعة , وفي كتاب "الروح" لابن القيم فصول فحواها "أنه قد تواترت الرؤى والروايات بأن لأهل القبور قدرة على التصرف بأقوى مما كانوا في الحياة لتجرد الروح عن عوائق البدن ".وفي "إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء " و" اللمعة في الأجوبة السبعة" المتعلقة بالأرواح و" تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك " وكلها للسيوطي ما فحواه : "إنه مقطوع للأنبياء بأنّ لهم ولسائر الموتى جميع الإدراكات كالعلم والسماع والبصر والقدرة على التصرف والترائي للأحباء " ، وقد تواترت الأخبار بوقائع ترائية صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً لكثير من الخاصة وحضوره في المجتمعات التي يريد " ، ونقل السيوطي عن مؤلفات مختلفة نحو عشرين حالة استشهد بها لمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة أو صلى معه أو صافحه أو ردّ عليه السلام أو حظى منه بالدعاء , أو تشرف بالحديث معه , أو اقتبس منه فوائد أو كلفه بقضاء أمر , أو شاهده يتصرف أو يغيث من استغاث به أو حظي بغير ذلك من العنايات" ، وحياة الأنبياء كحياتهم في الدنيا بالجسد والروح بهيئتهم التي كانوا عليها قبل الوفاة ,ولا يلزم من ذلك تشابه الأبدان في نوع ما تحتاج إليه من طعام وشراب وخروج فضلات ، وقد ثبت في السنة حياتهم وأنهم طريون ,كما ثبت صلاتهم في قبورهم ,وكذلك حجهم ، فقد أخرج مسلم عن أمس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به مر بموسى عليه السلام وهو يصلي في قبره ، وأخرج أبو يعلى في مسنده والبيهقي في كتاب "حياة الأنبياء" عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون )) ، وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن سعيد بن المسيب أنه قال : لقد رأيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان من القبر ، وقال أبو بكر البيهقي في كتاب "الاعتقاد" : " الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء . وقد رأى نبينا صلى الله عليه وسلم جماعة منهم وأمهم في الصلاة وأخبر وخبره صدق أن صلاتنا معروضة عليه وأن سلامنا يبلغه , وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" ، وفي رواية البراز بسند صحيح مرفوعاً : " حياتي خير لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شراً استغفرت لكم " ، وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم طائفة شاهدهم بصفات تستدعي جسداً حياَ كمشاهدتهم قائمين مصلين , ومشاهدة إبراهيم أشبه الناس به ومسنداً ظهره إلى البيت المعمور , ومشاهدته موسى آدم طوالاً كأنه من رجال شنوءة , ومشاهدته عيسى فوق الربعة ودون الطول عريض الصدر ظاهر الدم جعد الشعر تعلوه صهبة كأنه عروة بن مسعود الثقفي يقطر رأسه كأنما أخرج من ديماس , وكمشاهدته الأنبياء حاجين ملبين في الطريق بين مكة والمدينة واضع موسى أصبعيه في أذنيه وله جؤار بالتلبية , ورأى يونس على ناقة حمراء وعليه جبة صوف ملبياً ، وإذا كان قدر الأنبياء والصالحين والشهداء والصديقين لم يسقط عند ربهم بانتقالهم من دار العمل والتكليف إلى دار الجزاء والتشريف , وثبت حياتهم بأكمل وجوهها بنصوص السنة وإجماع الأمة , ولهم قدرة على الدعاء والاستغفار والشفاعة عند مولاهم , فمن المكابرة إنكار ما تواتر من ظهورهم في صور متعددة لمن شاء الله أن يراهم أو يرونه ، وقد ثبت في حديث المعراج وحضورهم إلى بيت المقدس للصلاة خلفه صلى الله عليه وسلم واعلم أن عبادتهم في قبورهم لا يحصل بها ثواب لانقطاع ثواب عمل الميت بالموت , وإنما يتنعمون بذكر الله وطاعته وعبادته كما يتنعم بذلك الملائكة ، وما يهوش به الوهابيون من نفي السماع عن الموتى بقوله تعالى : { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } يكفي في بيان سوء فهمهم لمعنى الآية ما ذكره ابن القيم فيها في كتاب "الروح" ص 40 ، فإنه قال : " سياق الآية يدل على أنّ المراد منها أنّ الكافر الميت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعا ينتفع به كما أن من في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعا ينتفعون به ولم يرد سبحانه أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئا البته .. إلخ .كلامه ، وما قاله مطابق للسان العرب الذي نزل القرآن به فالمعنى ما أنت بمنقذ الكفار المعاندين لشبههم بأهل القبور من النجاة في قيام المانع من النجاة , فمانع من النجاة , فمانع نجاة الكفار هو الإصرار على الكفر ومانع أهل القبور هو فوات زمن التوبة .ومن جعل وجه الشبه هو السماع الحقيقي فقد استعجم لسانه لأن وجه الشبه لابد أن يتحقق في طرفي التشبيه وسماع الأحياء حساً ليس منفيا عنهم وجه الشبه فيهم لو كان المراد هو السماع الحقيقي ،

تكملة الكلام في عرض الأعمال عليه صلى الله عليه وسلم : الأحاديث النبوية تدل على أن أعمال أمته من المؤمنين تعرض عليه صلى الله عليه وسلم في البرزخ ، فقد أخرج البزار في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم , ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم ,فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم )) ، صححه العراقي في " طرح التثريب" , والهيثمي في "مجمع الزوائد" , والسيوطي في "الخصائص الكبرى " والقسطلاني في "شرحه على البخاري ", والخفاجي وعلي القاري في "شرح الشفاء" وقال الزرقاني على المواهب : إسناده جيد ، وكما روي الحديث عن ابن مسعود مرفوعاً كذلك , روي أيضاً عن أنس بن مالك في مسند الحارث بن أبي أسامة و"كامل" بن عدي من طريق خراش عنه ، قال العراقي في " المغني" : "وخراش وإن ضعف فللحديث عن أنس طريق آخر عن نافع أبو هرمز السجستاني ، وروي الحديث في "مسند الحارث بن أبي أسامة" مرسلاً عن بكر بن عبد الله المزني التابعي وهو وإن ضعف لضعف الحسن بن قتيبة فيه فقد خرجه أيضا إسماعيل القاضي المالكي من طريق القطان عن أبي بكر المزني التابعي , وهو إسناد صحيح صححه الحافظ ابن عبد الهادي , وخرجه من طريق صحيح أيضاً عن أبي بكر المزني ، فمن المجازفة نفي بعضهم لهذا الحديث وزعمهم أنه لا وجود له في جميع كتب السنة , وأن من رواه وقفه على بكر بن عبد الله المزني , وأن أحداً من رواة السنة لم يذكر الصحابي الذي روى عنه لا في صحيح الكتب ولا ضعيفها ، فقد تعرض لذكر الحديث من كتب السنة مسند البزار ,ومسند الحارث بن أبي أسامة , وبغية الحارث , ومجمع الزوائد كلاهما للحافظ الهيثمي , والجامع الصغير , والجامع الكبير والخصائص الكبرى : الثلاثة للسيوطي , وشرح البخاري للقسطلاني , وكنز العمال للمتقي الهندي ,وطرح التثريب والمغني كلاهما للعراقي , وشرح الخفاجي وشرح القاري على الشفاء , والزرقاني في شرحه على المواهب , وطبقات ابن سعد , وكامل ابن عدي , وتاريخ ابن النجار ، وقد صححه العراقي والهيثمي والسيوطي والقسطلاني والخفاجي والقاري والزرقاني ، وصحح المرسل إسماعيل القاضي المالكي وابن الهادي ، وكيف يصح زعم أنّ أحداً لم يذكر من روى عنه من الصحابة وقد روى الحديث من الصحابة ابن مسعود وأنس ورواه عداهما جمع من الصحابة أكثر من عشرة ، أما المرسل فعدا رواية أبي بكر المزني كذلك هو مروي عن جماعة من التابعين ، وورد عن أنس أيضاً حديث آخر أخرجه أبو نعيم في " الحلية" : (( إنّ أعمال أمتي تعرض علي كل يوم جمعة )) ، وروى الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول " : (( أنكم تعرضون علىّ بأسمائكم )) أخرجه عبد الرزاق .. روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب أنه قال : ليس من يوم إلاّ يعرض فيه على النبي صلى الله عليه وسلم عمل أمته غدوة وعشياً فلذلك يشهد عليهم ، قال تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } ، وذلك يقتضي أن تعرض أعمالهم ليشهد عن رأي وعلم ، فالقرآن يؤيد عرض الأعمال عليه ويؤيده ، وبالجملة فحديث الباب صححه جماعة من الحفاظ كما سبق وكلما وجد سند ضعيف وجد بجواره سند صحيح أو جاء الضعيف من طريق آخر يرفعه علاوة على أنه معتضد بما في بابه ومعناه , وبهذا ذهب ضعف الباب مرفوعاً ومرسلاً ومعتضداً ،

ما زعم الوهابية أنه تعلق منكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وشرك وإبطال ذلك : [ تمهيد ] : اعلم أن المحدثين قد عنوا بجمع خصائصه صلى الله عليه وسلم وألفوا فيها كالسيوطي وغيره , بل لا يخلو كتاب من كتب الفقه المبسطة في جميع المذاهب من عقد باب خاص للخصائص , ويجعلون ذكر ذلك غالباً في كتاب النكاح لأن جزءا منها يتعلق بذلك ، ومن الخصائص التي ذكرت ما صح سنده وما لم يصح ومنها ما اختلف فيه في الحكم بالصحة أو الضعف ، والعلماء عادة يتسامحون في نقل ذلك لعدم تعلقها بالحلال والحرام ما دام ليس موضوعاً ولا فيه شيء من إثبات صفات الربوبية والألوهية إليه صلى الله عليه وسلم ومن حكم بالصحة أو الضعف أو الرد بفرض خطئه في ذلك فإنه لا يوصف بأكثر من أنه أخطأ الحكم على الحديث صحة أو ضعفاً أورداً ولا علاقة لذلك للحكم بالكفر والضلال والشرك أو المبالغة في الإنكار والتهويش ، وفي " فتاوي ابن تيمية " أمور في الخصائص لم يصح خبرها عنده ومع ذلك أوردها ولم ينقدها أسوة بالعلماء من التسامح فيما ينتقل في هذا الباب . ففي كتابه "دلائل النبوة " أورد آثاراً عن كتابه اسم النبي صلى الله عليه وسلم على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق ، وكذلك ابن الجوزي أورد في كتابه " وفاء الوفاء" أنه تعالى كتب على ساق العرش محمد رسول الله ,وأنه تعالى خلق الجنة فكتب اسمه صلى الله عليه وسلم على العرش , وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق والخيام وآدم بين الروح والجسد , كما أورد أن آدم استشفع بعد الزلة برسول صلى الله عليه وسلم ولم ينقد شيئا من ذلك دليلاً على التسامح فيما ينقل في هذا الباب ، وهكذا الفقهاء ذكروا خصائص دون تشديد في النقد .و لعل الوهابيين ينقدونهم ويصفون كتبهم بأنها كتب أساءت إلى الإسلام في عقيدته وشريعته كما في صـ 18في كتاب الحوار نقلا عن هيئة كبار العلماء في المملكة كما لقبوا ، ومما ينبغي الإشارة إليه أنّ أدعياء السلف من المتطرفين يعتبرون كثيرا مما روي من خصائصه شركاً لما فيها من تعظيمه صلى الله عليه وسلم ,وذلك لغلطهم في معنى العبادة والشرك كما شرحناه سابقاً , ولأنهم ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين البشرية المحضة التي نعاها الله على المشركين حيث نظروا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بنظرية البشرية المجردة فيهم دون ما يميزهم من الخصائص عن سائر البشر فقال قوم نوح : { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا } وقال فرعون وقومه : { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} وقالت ثمود لصالح : { مآ أنت إلا بشر مثلنا } . وقال أصحاب الأيكة لشعيب : { قالوا إنما أنت من المسحرين * مآ أنت إلا بشر مثلنا } . وقال مشركو قريش في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم : { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ، ولنظرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين البشرية المحضة استكثروا في حقه بعض ما وصف به من الخصائص فهوشوا بوصفه بها لا سيما في الألفاظ التي يوصف بها الخالق لأنهم لم يميزوا بين مدلولات الألفاظ ومعانيها حيث تطلق على الخالق ومعانيها ومدلولاتها حيث تطلق على الخلق وقد وضحنا ذلك في مبحث "من أسباب غلط الوهابيين في الحكم بالتكفير " ، وقد سموا ذلك تعلقا برسول الله صلى الله عليه وسلم أطلقوا عليه أنه منكر وأنه شرك ووصفه صاحب الحوار ص14- 23- 29 أ نه شرك أعظم من شرك أقطاب المشركين ، وسنسرد لك أيها المسلم هذا التعليق في فقرات ونعلق على كل فقرة بما يكشف ما فيه :

1 - إيراد مؤلف الذخائر نقولاً نثرية وشعرية فيها الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم والاستجارة به ونداؤه لطلب الشفاعة منه وألفاظ تشعر بأن إليه الفزع والملاذ عند الكرب كما جعلوا من هذا القبيل إيراده قصيدة البكري ( فلذ به من كل ما تشتكي * ولذ به كل من ما ترتجي * وحط أحمال الرجاء عنده فإنه المرجع والموئل ) وكلمات من أمثال هذه الكلمات ، وأقول : أنه لا خلاف بين المسلمين أن التصرف والغوث وقضاء الحوائج وتفريج الكربات وما اشبه ذلك هو لله وحده خلقاً وإيجاداً استقلالاً بقدرة كن ، وما ينسب إلى العباد من تلك الألفاظ فهي نسبة مجازية ، كما تقول : فلان فرج كربي وقضي حاجتي ولا تعني به حتي عند اجهل جاهل أن فلاناً هو الفاعل ، بل هو سبب من الأسباب يدعو الله فيستجيب له ويفعل ما طلب وهذا عطاء من الله 0 وقد وضحنا فيما سبق أن الألفاظ المشتركة لا تشتبه 0 وفي الحديث الصحيح القدسي : (( لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها )) ، فإذا طلب المسلم الغوث من الولي أو نسب إليه تصرفاً فلا يعني أن له استقلالاً بالنفع والضر كما هو شأن الرب المعبود وإنما يعني أنه سبب في ذلك العطاء من الله ، ودعوى أن طلب الاستغاثة والاستعانة وأشباهها من غيره تعالى شرك فهي دعوى مبنية على غلط بينته في رقم (5) بعنوان غلط تصورهم لمعنى العبادة وأنها ليست اتيان العمل الذي يصلح للتعبد به كما توهموا بل العبادة إتيان العمل أو القول بنية العبادة لمن تتخذه ربا وهكذا كان مسلك المشركين ,إنهم كانوا يأتون الأعمال التي تصلح للتعبد بها بنية العبادة لمن اتخذوه ربا وما خلا من نية العبادة لا يقال : إنه عبادة لله ولا لغيره . وقد سبق بيان أنه لا علاقة لقول المشركين { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي } وقولهم : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } بما يطلبه المسلمون من الأنبياء والصالحين ، ففرق بين من اتخذ من وجه إليه القول ربا ومن اعتقد أنه سبب وفرق بين جعل الشفاعة محتمة القبول عليه تعالى بمقتضى شراكتهم له في الربوبية ومن اعتقد أن قبولها بمحض فضل الله لكرامة عبده عنده ، والغريب أن القوم يجيزون الاستغاثة والاستعانة بالأحياء بينما سبق بيان أن التفرقة بين الحي والميت وبين ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لامعنى لها لأن التوسل إنما يرجع إلى اعتقاد بقاء فضلهم ومقامهم عند الله حتى بعد موتهم , وكذلك قدرتهم على الدعاء حتى بعد الموت كما تقدم بيانه في فضل ما لأموات المسلمين من إدراكات وقدرة على الدعاء والاستغفار رقم (10) ، وأما ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه فهو إغراق في الخروج عن الجادة لأن أهل السنة يعتقدون أن غير الله لا يقدر على شيء استقلالا ولم يشذ عن ذلك إلا المعتزلة وأشباههم الذين قالوا بخلق العبد لأفعال نفسه الاختيارية . وسيدنا سليمان قد طلب من أتباعه إحضار عرش بلقيس من اليمن وهو أمر لا يقدر عليه عادة ولكنه بفضل الله ممكن ، فما يرد من ألفاظ في باب الاستغاثة فإن كان الفاعل يعتقد في المستغاث به حيا أو ميتا نفعا أو ضرا استقلالا وتأثيرا دون الله فذلك هو الشرك وإلا فإن الأشياء تنسب إلى فاعلها حقيقة وإلى المنتسب فيها مجازا وقرائن الحال والمقام تبين مقاصد الكلام .

2- ومما أنكروه على كتاب " الذخائر" : نقله الصلاة المعروفة اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب " ونقله كذلك لعبارة : " كل شيء به منوط إذ لولا الواسطة لهلك الموسوط " ونقله صلاة الفاتح لما جاء فيها من قوله : " الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق " ونقله كذلك صلاة ابن مشيش لما فيه من قوله : ( زج بي في بحار الأحدية وأنشلني من بحار التوحيد ) 0 وأقول : أما قوله : تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب 0 فقد بينا المراد بها في الفقرة الأولي من هذا الفصل ، وأن قضاء الحوائج وتفريج الكربات إنما هي بالله ، وأن نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم هي نسبة مجازية ولا تعني أنه الفاعل ، بل هو سبب من الأسباب فارجع إلى ما كتب في الفقرة الأولى عما يتعلق بذلك 0 وأما عبارة : ( كل شيء به منوط ) فإنكارها سوء فهم لأنه لا يراد بها ألا أن من لم يحكم المبلغ عن الله في كل أموره هلك لأنه الواسطة إلى الله في التبليغ لا يتم الوصول إليه ، وأما قول ابن مشيش : زج بي في بحار الأحدية وأنشلني من أوحال التوحيد ، فهل التوحيد إلا اعتقاد أنه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله ، واستحقاقه العبادة فهو يسأل الله أن يرزقه التحقيق بمعرفة الأحدية كما يسأل أن يحميه تعالى وينقذه ما يعتري الكثيرين من أغلاط في شهودهم الأحدية فشطح من شطح بالقول بالوحدة والاتحاد ، وأمثال ذلك مما يعتري طريق السالكين فيكشف الله لمن شاء حقيقة الأمر وينقذه مما خيل إليه أنه التوحيد ، وما كان لابن منيع وأمثاله أن يتكلم في هذا الأمر وهو يجهل معنى السلوك وطريقه : { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } ، وأنهم يحسنون فقط شتم أرباب الطرق , ولو سألوا كثيرا من الشعوب الإسلامية لعلموا أن الإسلام إنما دخل إلى بلادهم على يد هؤلاء ولأنهم بهذا الشتم بالتكفير والتشريك قد حولوا نيجريا بملايينها المسلمة إلى التحول عن الدولة وفتح ذراعها للخميني فمرحى للتنفير باقتحامهم ما لا يحسنون ، وأما صلاة الفاتح فنصها : " اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا الفاتح لما أغلق , والخاتم لما سبق ,والناصر الحق بالحق ,والهادي إلى صراطك المستقيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه حق قدره ومقداره العظيم " ، وقد نسبها النبهاني كما نقله عن " مسالك الحنفاء في الصلاة على النبي المصطفي " للشهاب القسطلاني إلى الشيخ محمد شمس الدين البكري ، وقد اعترض ابن منيع على ما جاء في الصيغة " الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق " وسماها صلاة الفاتح المغلق تهكما . والمعنى الذي جهله في هذه العبارة هو أن باب النبوة كان مغلقا قبل وجود الخلق ففتح بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم , إذ كان أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث ، وقد جاء في سنن الترمذي وغيره قيل : يا رسول متى وجبت لك النبوة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : (( كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد )) ، .. وصيغ الصلوات عليه صلى الله عليه وسلم كثيرة منها ما هو مأثور عنه صلى الله عليه وسلم , ومنها ما هو منقول عن الصحابة والتابعين , وكثير ممن نسبوا إلى الولاية وأجمع كتاب للصيغ الواردة والمأثور وهو كتاب " سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين " للشيخ العارف يوسف النبهاني رحمه الله .

3 _ ومما أنكروه على كتاب " الذخائر " : إيراده لألفاظ تشعر أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي مقاليد السموات والأرض , وأنه أوتي علم الغيب حتى الروح والخمس التي اختص الله بها ، وأقول اولا : مقاليد السموات والأرض للمفسرين في المراد بها روايات كثيرة وهي إن كانت بمعنى التصرف أو بمعنى مفاتيح خزائنها فكيف تصح دعوى أنه قد جعل صلى الله عليه وسلم بذلك شريكا لله مادام الأمر إيتاء وعطاء . وكل ذلك لله إيجادا وملكا وتصرفا .وقد جاء في حديث أحمد وابن حبان والضياء عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( أوتيت مقاليد الدنيا )) ، كما روى ابن مردويه عن ابن عمر كما في " الدر المنثور " أنه صلى الله عليه وسلم " قال : رأيت في غداتي هذه كأني أوتيت بالمقاليد والموازين ، فأي منازعة للربوبية فيما أعطى والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا حظر عليه . وهب أن الأحاديث لم تصح عندكم فقصاري الأمر أن يقال إن ذلك غير ثابت لا يعتبر شركا ومنازعة للربوبية ، إذ لم يدع أحد أن سواه تعالى يملك التصرف في شتى استقلالا بقدرة كن ، وحتى حين يعطي فاعتقاد المسلمين أن خالق ومالك ومتصرف والمخلوق سبب فلا تتهور بتكفير المسلمين ، ثانيا : علم الغيب : يجب التمييز فيه بين علم الله الذاتي وبين العلم بعد التعليم , فإذا أطلق على الخالق أنه يعلم الغيب وعلى المخلوق أنه يعلم _ وهناك فرق بين العلمين بما هو للخالق منه وما للمخلوق منه _ لم يشتبه عليه الأمر , فما كان غيبا عنا لا حجر على الله أن يعلمه لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن شاء . والقائل عز وجل : { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } هو القائل تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول } وهو القائل : { وإنه لذو علم لما علمنه } وهو القائل : { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } ، وأحاديث إ خباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات شهيرة وكثيرة ومنها ما ورد في أحاديث الشيخين وغيرهما عن عدد من الصحابة من خطبته صلى الله عليه وسلم التي أخبر فيها بما هو كائن إلى يوم القيامة , وأنه قد سمي قادة الفتن إلى انتهاء الدنيا ما من قائد فتنة يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لهم باسمه واسم أبيه واسم أبيه وقبيلته ، وفي حديث الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( فرأيته عز وجل وضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت )) صححه البخاري وكثير من الأئمة ، ومن حديث الترمذي أيضا عن ابن عباس : (( فعلمت ما في السموات والأرض )) , وفي رواية : (( فعلمت ما بين المشرق والمغرب )) وقال تعالى : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } ، فهل كل ذلك مدون في اللوح أم لا ، لتعلم أن ما أنكره ابن منيع على البوصيري في قوله : " ومن علومك علم اللوح والقلم " هو تهويش في غير محله مادام صلى الله عليه وسلم بنص الحديث السابق قد علم ما في السموات والأرض ، وعلم اللوح هو غير علم الله الأزلي يعلم ذلك من راجع كلام المفسرين عند قوله تعالى : { يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } وحينئذ يعلم أن علم اللوح هو القضاء المعلق القابل للتغيير والتبديل , بخلاف علم الله الأزلي , فلا تبديل ولا تغيير فيه فلا مانع أن يكشف الله من اللوح ما شاء من الملائكة والرسل بل ومن الصالحين أيضا ، ومهما أوتي الرسول صلى الله عليه وسلم أو سواه من علم الغيب فأين ذلك من علم لله ذاتي أزلي أبدي محيط غير مخلوق من علم للمخلوق حادث مكتسب بتعليم من الله محدود جائز الفناء أن يطرأ عليه التغير والتبديل ، ثالثا : الروح : وفيه قوله تعالى : { قل الروح من أمر ربي } ، وقد اختلف السلف في تفسير المراد بالروح إذ حكى ابن كثير في تفسيره أقوالاً في ذلك وحتى على تفسيرها بأن المسؤول عنه هو روح بني آدم وحقيقتها فليس في صيغة الجواب ما يمنع اطلاع الله نبيه على حقيقتها كما قاله الحافظ ابن حجر والحافظ في شرحيهما على البخاري في كتاب التفسير 0 وقال ابن كثير : ( قد تكلم الناس في ماهية الروح وصنفوا في ذلك كتباً ) اهـ 0 وممن ألف فيها ابن القيم 0 فهل العلماء الذين تكلموا وصنفوا فيها قد أتوا بما تستحيل معرفته على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يتهمهم إنسان بأنهم تكلموا عنها رجماً بالغيب وهذا الاتهام لا يصدر من حاظ بعلقه ، رابعاً : علم مفاتيح الغيب الخمس : وفيها قوله تعالى : { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غداً وما تدرى نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } ، وفي الحديث (( خمس لا يعلمهن إلا الله )) وذكر تلك الخمسة ، وليست المغيبات محصورة في هذه الخمس وإنما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها ولأنها كثيراً ما تشتاق النفوس إلى العلم بها كما قال الآلوسي في تفسيره ، فاستئثار الله بعلمهما لا يمنع أن يطلع الله بعض الخواص عليها فإن العلم غير الإعلام ولا سواء بين العلمين ، فعلم الله ذاتي محيط وعلم من علمه الله دون ذلك ومكتسب ، قال تعالى : { وبشروه بغلام عليم } وقد أخرج البخاري عن أنس أنه تعالى وكل بالرحم ملكا يقول : يارب نطفة ، يارب علقة , يارب مضغة , فإذا أراد الله أن يقضي خلقه قال أذكر أم أنثى , شقي أم سعيد في الرزق والأجل فكتب في بطن أمه فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء من خلقه ، وبشر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في بطن مارية غلاما ، قال وأمرني جبريل أن أسميه إبراهيم كما في الطبراني في الكبير وابن عساكر عن عبد الله بن عمر ، وكذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم الفضل بأنها حامل بغلام كما أخرجه الخطيب وأبو نعيم في الدلائل فلما ولدته سماه عبد الله وهو عبد الله بن عباس ، وكذلك أخبر أبو بكر عائشة الصديقة بأن ترد ما نحلها من ماله بالغابة , وقال : إنما هو أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله قالت عائشة : يا أبت إنما هي أسماء فمن الأخرى فقال ذو بطن بنت خارجة أراها جارية ، وكذلك أمر الغيث فإنه إذا أمر تعالى بالغيث وسوقه إلى ما يشاء من الأماكن علمه الملائكة الموكلون به ومن يشاء من خلقه ، أخرج البيهقي عن ابن عباس قال : أصابتنا سحابة فخرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ملكا موكلا بالسحاب اخبرني أن يسوق السحاب إلى واد باليمن يقال له : ضريخ . فجاءنا راكب بعد ذلك فسألناه عن السحابة فأخبروه أنهم مطروا في ذلك اليوم ، وللحديث شاهد مرسل عن بكر بن عبد الله المزني ، ويوسف الصديق رضي الله عنه أخبر أهل مصر بالخصب سبع سنوات . ثم بالجدب سبع سنوات , ثم بعام بعد ذلك فيه الغوث ، والمقصود من ذكر كل هذا أن استئثار الله بعلم الخمس وبالروح وبسائر المغيبات لا يتنافى مع إطلاع الله بعض خلقه على ما شاء من ذلك مثل ما اطلع .. ملك الرحم وملائكة الغيب وصفوة من عباده كما رويناه لك . ودلت الأحاديث على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن وفاته بالمدينة كما كان يعلم موضع مصرع كل من قتل في بدر من المشركين .

ومما أنكروه على كتاب " الذخائر " : أنه قد نقل من خصائصه صلى الله عليه وسلم وفضائله أنه يقطع أرض الجنة وأن الخلق ما خلقوا إلا لأجله ، وأقول : ( أولا ) : إقطاع أرض الجنة : منقول عن السيوطي والقسطلاني والزرقاني والسبكي ونقله القاضي ابن العربي عن الغزالي وأقره ، انظر المواهب اللدنية وشرحها للرزقاني ، والنبي صلى الله عليه وسلم بشر بعض الناس بدخول الجنة أو بشيء معين فيها وفي حديث أبي داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه } ، وفي " الترغيب والترهيب " للمنذري , و" رياض الصالحين " للنووي , وكتاب " الروح " لابن القيم , الكثير من هذه البشارات . وما بشارته صلى الله عليه وسلم في الحقيقة إلا تبليغ عن الله وعطاء منه تعالى , وبشارته صدق ووعده حق ولن يخزيه الله في وعد قطعه { يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا } ، { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ، و (( لن يخزيك الله في أمتك " كما في صحيح مسلم )) ، ومن الصريح في الإقطاع ما رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في الشعب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوضع للأنبياء منابر من يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه قائما بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي من بعدي فأقول : (( يارب أمتي أمتي , فيقول الله عز وجل : يا محمد ما تريد أن أصنع بأمتك فأقول : يارب عجل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون , فمنهم من يدخل الجنة بشفاعتي , فما أزال أشفع حتى أعطي صكا برجال قد بعث بهم إلى النار وحتى أن مالكا خازن النار يقول : يا محمد ما تركت لغضب ربك من أمتك من نقمة . وهل لا يعني إعطاءه صكا برجال لإخراجهم من النار إنهم قد أعطوا أمكنة في الجنة بسببه عليه الصلاة والسلام ، وفي هذه الحالة ألا يصح أن يقال أن رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقطعهم أرضا في الجنة باعتباره المتسبب في إعطائهم إياها من الله كرامة لرسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ( ثانيا ) : الخلق ما خلقوا إلا لأجله : فقد عد العلماء ذلك من جملة خصائصه صلى الله عليه وسلم كالحافظ السيوطي والقسطلاني والزرقاني وغيرهم ، أخرج الحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لما اقترف آدم الخطيئة قال : يارب بحق محمد لما غفرت لي , قال : كيف عرفت محمدا ؟ قال لأنك لما خلقتني بيديك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا : لا إله إلا الله : محمدا رسول الله , فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك قال : صدقت يا آدم ولولا محمد ما خلقتك )) ، وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (( أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب , فكتبت عليه لا إلا الله محمد رسول الله فسكن )) ، وروى ابن عساكر عن سلمان رضي الله عنه قال : (( هبط جبريل على النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن ربك يقول : إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا فقد اتخذت حبيبا , وما خلقت خلقا أكرم على منك ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي ولولاك ما خلقت الدنيا )) ، حديث الحاكم عن ابن عمر بن الخطاب قال فيه الحاكم : هذا الحديث صحيح الاسناد , وقال الذهبي : هو موضوع ، وأخرج الحديث البيهقي في " دلائله " الذي شرط ألا يخرج فيه الموضوعات , والذي قال فيه الذهبي " عليك به فإنه هدى ونور " وكذلك أخرج الحديث الطبراني في الصغير , وأبو نعيم في " دلائل النبوة " وابن عساكر وصحح الحديث السبكي في" شفاء السقام " . وذكره ابن تيمية في فتاويه وقال : " هذا الحديث يؤيد الذي قبله وهما كالتفسير للاحاديث الصحيحة ونقل ابن كثير في بدايته هذا الحديث ولم يعترض عليه ، أما حديث الحاكم عن ابن عباس فقال فيه الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد وقال الذهبي : اظنه موضوعا ، وروى هذا الحديث محمد بن يوسف الشامي في " سيرته " وقال : رواه أبو الفتح في طبقات الأصفهانيين " والحاكم وصححه وأقره السبكي والبلقيني في فتاويه , قال : ورواه الديملي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( أتاني جبريل فقال : يا محمد إن الله يقول : لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار )) ، ومن كل ما ذكر نرى أنه قد صحح أحاديث هذه الخصوصية على العموم الحاكم والسبكي والبلقيني والقسطلاني والزرقاني وأخرجهما البيهقي والطبراني وأبو نعيم وجعلهما ابن تيمية صالحة للاعتبار ورواها ابن كثير ولم يعترض عليها وكذلك نسبها الشامي في " سيرته " إلى أبي الشيخ والديملي ، فحكم الذهبي عليها بالوضع ليس بأولى من رأي هؤلاء الذين صححوها والذين رووها ، ثم بعد هذا كله لم الغضب وليس في الحديث انتزاع لحق من حقوق الربوبية أو الألوهية بل إنه تشهد شواهد كثيرة على أنه لا غرابة في خلق شيء لأجل البشر ، فقال تعالى : { خلق لكم ما في الأرض جميعا } ، { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار } ، فأثبت الله أن كل هذه قد خلقت لأجل البشر تكريما لهم ، وقد وقع من نوع هذا التكريم لأفراد هذه الامة وغيرهم فالله سبحانه يغفر لهذا من أجل هذا , ويدفع العذاب عن أهل أرض بالصالحين وجاء في الأحاديث أن من عباده من لأجله يرزق أهل الأرض وينصرون على أعدائهم ويصرف بهم البلاء والغرق ويحفظ بهم الأرض , وبهم تقوم وبهم يمطر الناس . وفي كتاب " الترغيب والترهيب " للمنذري و" مجمع الزوائد " الشيء الكثير من هذه الأحاديث وأمثالها مع اعتقادنا الكامل بأنهم أسباب فقط أما الحقيقة فكل هذه الأمور بيد الله وهو فاعلها ، وإزاء وجود هذه الأمور من أجل البعض فأي غرابة أن يقال : أن الكون خلق من أجل محمد , لا سيما وأنه قد قال بهذه الخصوصية له صلى الله عليه وسلم رجال من أئمة هذه وحفاظها ,وأخرجوا فيها أحاديث وصححها الكثير منهم وحاشا أن يقولوا ذلك عن هوى ، وهب أن هؤلاء كلهم قد غلطوا في التصحيح , وأصاب الذهبي في الحكم عليها بالوضع , فلمنكر الخصوصية أن يقول : إن الحديث لم يصح عليها بالوضع , فلمنكر الخصوصية أن يقول : إن الحديث لم يصح فيها ولكن لا يصل الحال إلى أن يقال عن التمسك بها بناء على تصحيح الحديث من أئمة حفاظ أنه أتى ضلالا , واعتقد شركا ومنكرا طالما أن هذه الخصوصية لا تدل على أي مشاركة لله في صفاته أو استحقاقه للعبادة ،

ومما أنكروه على كتاب " الذخائر " نقل مؤلفه عن طائفة من العلماء تفضيل ليلة مولده صلى الله عليه وسلم على ليله القدر وتفضيل موضع دفنه على الكعبة والعرش ، وأقول : تفضيل ليلة مولده على ليلة القدر : قال القسطلاني : المفاضلة هي بين ليلة القدر وبين ليلة المولد الحقيقة التي فيها لحظة ميلاده لا ليلة المولد المتكرره في كل عام ، والمفاضلة مبينة على أن ليلة القدر كانت بطلب منه صلى الله عليه وسلم لما رأى قصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار الأمم السابقة فأكرمه الله بليلة القدر ، قال القسطلاني : ليلة مولده أفضل لأنها ليلة ظهوره وليلة القدر معطاه له , وما شرف بظهور ذاته أشرف مما شرف بما أعطي , ولأن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها وليلة المولد شرفت بظهوره فيها , ولأن ليلة القدر وقع التفضل بها على أمة محمد وليلة المولد وقع التفضل بها على عمت النعمة به جميع الخلائق وسائر الموجودات ، وعلى كل الأحوال فهذا رأي معلل بحيثيات يحتمل الخطأ والصواب وذلك أمر لا يوجب تكفيرا ولا تضليلا إذ ليس فيه دعوى مشاركة الربوبية في شيء ، وأما تفضيل موضع دفنه على الكعبة ففي " بدائع الفوائد " لابن القيم "قال ابن عقيل : سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو الكعبة ؟ فقلت : إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل وإن أردت وهو فيها فلا والله ولا العرش وحملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة لأن بالحجرة جسدا لو وزن بالكونين لرجح " ولم يعلق ابن القيم على الفتوي بشيء ، وفي فتاوي ابن تيمية : " أما نفس محمد فما خلق الله خلقا أكرم عليه منه ,وأما نفس التراب فليس أفضل من الكعبة ولا يعرف أحدمن العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا عياض " ، قلت : توفي عياض سنة 544 , وتوفي ابن عقيل الحنبلي قبله في عام 513 وقد أقر عياض على أفضلية قبره صلى الله عليه وسلم الخفاجي شارح الشفا وقال : بل أفضل من السموات والعرش والكعبة , وقد حكى عياض والباجي وابن عساكر على أن أفضل البقاع الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة حتى من الكعبة لحلوله فيه , بل نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أنه أفضل من العرش وصرح الفاكهاني بتفضيله على السموات . بل قال البرماوي : " الحق أن مواضع أجساد الأنبياء وأرواحهم أشرف من كل ما سواها في الأرض والسماء " .. قال الزرقاني : أفضل تلك المواضع القبر الشريف بالإجماع وقال : واستشكله العز بن عبد السلام بأن معنى التفضل أن ثواب العمل في إحداهما أكثر من الآخر … وموضع القبر الشريف لا يمكن العمل فيه لأن العمل فيه محرم وفيه عقاب شديد , ورد عليه تلميذه الشهاب القرافي بأن التفضيل للمجاورة والحلول وليست أسباب التفضيل محصورة في الثواب بل أسباب التفضيل كثيرة بينتها في كتابي " الفروق " ، وقال التقي السبكي : قد يكون التفضيل بكثرة الثواب , وقد يكون لأمر آخر وإن لم يكن عمل فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر عنه العقول ,فكيف لا يكون أفضل الأمكنة وأيضا فباعتبار ما قيل كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه وقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار حياته صلى الله عليه وسلم به وأن أعماله مضاعفة فيه باعتبار حياته صلى الله عليه وسلم به وأن أعماله مضاعفة أكثر من كل أحد ، وقال السمهودي : والرحمات النازلة بذلك المحل يعم فيضها الأمة وهي غير متناهية لدوام ترقياته صلى الله عليه وسلم فهو منبع الخيرات ، قلت : تعليل عياض والباجي وابن عساكر لفضلها بحلوله صلى الله عليه وسلم فيها , وكذلك تعليل القرافي لفضلها بالمجاورة والحلول ,وكذلك تعليل السبكي لتفضيلها بما ينزل من الرحمة والرضوان على ساكن القبر ، كل ذلك يدل على أن التفضيل إنما وقع لهذه البقعة لأن جسده صلى الله عليه وسلم موجود فيها لا لنفس وعلى هذا فإنه لا خلاف بين هؤلاء وبين ما ذكره ابن عقيل وما ذكره ابن تيمية من تفضيل البقعة بوجوده صلى الله عليه وسلم فيها ,وأنها كما قال ابن عقيل بهذا الاعتبار لا يوازيها العرش ولا حملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة إلخ كلامه ، اما التراب المجرد بدون وجوده صلى الله عليه وسلم فيها فما أعتقد أن أحدا عناه . ولذا فإن الإنكار على هذا التفضيل مجرد تسرع بدون فهم المقصود لأن التفضيل باعتبار وجوده صلى الله عليه مسلم فيها يصبح إجماعا كما حكيناه عن الكل بما فيهم ابن عقيل وابن تيمية ،

ومما أنكروه على كتاب " الذخائر " نقله قول البوصيري في الهمزية : ( ليته خصني برؤية وجه ... زال عني كل من رآه العناء ) ، فقال ابن منيع : هذا كذب وباطل لأن قوما رأوه في حياته وما زال عنهم العناء ولا الكفر ، وأقول : روى الترمذي وصححه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تمس النار مسلما رآني أو رأى من رآني " ، و ياشيخ ابن منيع فرق بين من رآه صلى الله عليه وسلم بعين المماثلة والمشاكلة التي حجب الله بها أكثر الأولين والآخرين كما حكى الله عن الكافرين : { وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ، { ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } ، وبين من أشهد الله وجه الخصوصية فيه صلى الله عليه وسلم فيعتقده ويحبه أشد المحبة ويؤمن به ويرتاح إليه ويطمئن قلبه به ، ولقد أخبر الله عن الفريق المحجوب فقال : { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ، ثم لو تلا ابن منيع قوله تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } لعلم أي عناء زال عن المشركين من عذاب الاستئصال وسلامتهم من المسخ والقذف ،

ومما أنكره ابن منيع على مؤلف " الذخائر " قوله : " لا حرج في مدحه صلى الله عليه وسلم بما شاء المادح غير خصائص الربوبية والألوهية إليه ، قلت : أمرنا الله بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيره ونهانا عن اعتقاد ما اعتقده النصارى في عيسى وهو أنه إله كما نهانا مثلا عن السجود له صلى الله عليه وسلم . فمدحه صلى الله عليه وسلم وبغير ما نهينا عنه هو فرد من أفراد تعظيمه صلى الله عليه وسلم فالإنكار على مثل هذا لا وجه له إلا أن يكون الجفاء حفظنا الله تعالى منه ،

ومما أنكروه على كتاب " الذخائر " نقله الإشادة بنعله صلى الله عليه وسلم وآثاره والتبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم ووضوئه وسؤره وملابسه وبصاقه ، ولقد اعتنى العلماء بالبحث عن صفة نعاله صلى الله عليه وسلم ولونها وجنسها وعددها وحاملها ومدحها والثناء عليها شعرا ونثرا فحقق مثال نعله ابن ايوي وابن عساكر وابن مرزوق والسيوطي والسخاوي والنتائي والعراقي وغيرهم ، وممن مدحها أبو الحسن البلانسي , وإسماعيل بن سعد , والحافظ ابن الأبار القضاعي والبلنسي , والإمام أبو الخير محمد بن محمد الجزري وغيرهم كثيرون ، وفي اشعارهم التوسل والتبرك بمثال نعله شغفهم حب من لبس النعال وألف الشهاب أحمد المغربي كتاب " فتح المتعال في مدح النعال " جمع فيه بعض المدائح ، وحتى الفاكهاني الذي أشادوا بعلمه " لأنه غلط مثلهم في عد المولد بدعة " , فإنه في تر جمته في " الديباج المذهب " لابن فرحون : " أثناء رحلته إلى دمشق قصد زيارة نعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي بدار الحديث الأشرفية فلما رأى النعل المكرم حسر عن رأسه وجعل يقبله ويمرغ وجهه عليه ودموعه تسيل وأنشد : ( ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها * تريد أم الدنيا وما في طواياها * لقال غبار من تراب نعالها أحب * إلى نفسي وأشفي لبلواهــا ) ، .. وللفاكهاني رحمه الله وغفر له مواقف محمودة في إجلال رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلنا منها كلامه في مواضع متفرقة من هذه الرسالة في مناسباتها شكر الله صنيعه وجزاه خيرا ، ويحتار المرء في حملة ابن منيع الإشادة بالنعل الشريف , فلعله كان يستنكف مما عده الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود شرفا له من حمل نعله الشريف رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان صاحب النعال والمشط والمكحلة وأدوات وضوئه يوقظه إذا نام ويستره إذا اغتسل ويلبسه نعله إذا أراد الخروج ويخلعها من قدميه إذا هم بالدخول , ويحمل له عصاه وسواكه وهذا شأن المحبين حقا بقلوبهم لا شقشقة لسان كمن قال في ص 40 : من كتاب الحوار : " وكم نتمنى أن نكون حظينا بصحبته صلى الله عليه وسلم وبالاشتراك مع أصحابه والتزاحم معهم في تتبع آثاره والاستمتاع بأحاديثه ومجالسه ومخالطته " ،

ومما أنكروه على كتاب "الذخائر " نقله أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره يصلى ويحج ويصوم , وأن روحانيته حاضرة في كل مكان تشهد أماكن الخير , وأن أعمال أمته تعرض عليه بعد وفاته ، وأحيلك في كل هذه الأمور إلى الفصل رقم ( 10) التي جاءت جميعها تحت عنوان : " ما لأموات المسلمين من إدراكات والقدرة على الدعاء والاستغفار والخروج من قبورهم " فارجع إليه لتدقق في دوافع إنكارهم لها وهو ثابت .

10 – ومما أنكروه على كتاب "الذخائر" : نقله طهارة فضلاته , وأن ظله لا يقع على الأرض , ولا رؤي له ظل في شمس ولا قمر لأنه كان نورا , وأنه كان إذا ابتسم في الليل أضاء البيت , وأن الغسل والتطيب يستحب لقراءة حديثه ، قلت : طهارة فضلاته مذكور في " كشاف القناع " الذي عليه الحكم في محاكم المملكة . فقال : " النجس منا طاهر منه ويجوز أن يستشفي ببوله ودمه كما في الدار قطني وابن حبان وكانت الأرض تجتذب أثقاله " وما في السنة من شرب دمه وبوله مشهور ، وكذلك ذكر في " كشاف القناع " خصوصية أنه لا ظل له صلى الله عليه وسلم في شمس ولا قمر , وقد نقل عن ابن عقيل من كبار الحنابلة أن ذلك لأنه نوراني والظل نوع ظلمه ، وعد في " كشاف القناع " أيضا كثيرا من خصائصه ومما ذكر منها أنه صلى الله عليه وسلم عرض عليه الخلق كلهم من آدم إلى من بعده فعلم الأشياء كلها كما علم آدم أسماء كل شيء لحديث الديملي : " مثلث لي الدنيا بالماء والطين فعلمت الأشياء كلها كما علم آدم الأسماء كلها " ، وعرض عليه أمته بأسرهم حتى رآهم لحديث الطبراني : " عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها صوروا لي بالماء والطين حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه " وعرض عليه ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة " ، وأما إضاءته ففي " الشفاء " قال أبو هريرة : ما رأيت شيئا احسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه إذا ضحك يتلألأ في الجدر . وفي هذا المعنى عدة أحاديث ، وأما استحباب الغسل والتطيب لقراءة حديثه قال ابن فرحون في ترجمة مالك : " كان مالك إذا جلس للفقه كيف كان , وإذا الجلوس للحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا وتعمم وقعد بخشوع وخضوع ووقار ويبخر المجلس بالعود من أوله فلا يزال يتبخر إلى فراغه تعظيما للحديث ،

ومما انكروه على كتاب "الذخائر " : أنه عذر من قبل القبر أو تمسح به إذا غلبت عليه محبة صاحبه ، قلت : صاحب الحوار لم يراع الأمانة في النقل عن المالكي إذ اقتصر على هذا وحذف بقية كلام مؤلف " الذخائر " الذي أردف بذلك " أن الأمر على كل حال لا يخلو من كراهة " ، وبقية الكلام على هذا البحث ستأتي في الفصل رقم ( 14) " نماذج من التصرفات في حق من عظم الله قدره " إذ في هذا الفصل موضوعات متعددة منها بحث فيما يتعلق بالقبور وزيارتها , فارجع إلى ذلك .

جرأة مشايخ الوهابية على مقامه صلى الله عليه وسلم : تقدم لك ما قاله العلماء في تأديب من جعل أحواله صلى الله عليه وسلم مثلا ، واعتبروا ذلك عدم توقير للنبوة وعدم تعظيم للرسالة ومراعاة حرمة الاصطفاء وحظوة الكرامة لمن عظم الله قدره وألزم توقيره وبره فما بالك بمن ينتقصه صلى الله عليه وسلم في كلامه ويجرأ على مقامه بما لا يليق أن يوجه إلى ذي سلطان فضلا عن توجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تضافر القوم على عدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم بأقوالهم وتصرفاتهم واعتقدوا أن كل ما فيه إجلاله من قول أو فعل هو شرك وتأليه له صلى الله عليه وسلم ،

أ – فاسمع أيها المسلم الذي يعرف مكانة نبيه صلى الله عليه وسلم ويغار عليها إلى ما قاله شيخ منهم في حقه صلى الله عليه وسلم ، قال أبوبكر الجزائري المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمسجد النبوي في رسالة سماها " كمال الأمة في صلاح عقيدتها " : في ص (11) لما نقم على البكري قصيدته : ما أرسل الرحمن أو يرسل لما فيها من نداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كيف ينادي من لا يسمع ولا يراه ولا يقدر على إعطائه أو إنجائه " ، وفي ص (14) بعد ذكر قول أحد الصحابة : ليس لنا إلا إليك يا رسول الله فرارنا " قال : " ولو قال أحد هذه الجملة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان كاذبا وكان قوله شركا وكفرا .اما كونه كاذبا فإن الخائف أو العطشان أو الجوعان ويرى اضطراره ويعلم شدة حاجته فيطلب منه أن يؤمنه أو يسبقه أو يطعمه أو يقضي حاجته ، .. وصاحب "الذخائر " لو جاع اليوم أو عطش أو خاف لا يفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يفر إلى غني أو قوي من الناس ، وأما كونه شركا وكفرا فإن الفرار لا يكون إلا لمؤمن ان يقول : ليس لنا من نفر إليه إلا رسول الله ؟ والجواب : لا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم التحق بربه فلا يسمعنا ولا يرانا ولا يعرف عنا ولا يدعو الله لنا " أهـ ، بهذه الجفوة التي يوجهها الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكلمات طائشة يستبعد بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أثبتته السنة من إدراكات لعامة الموتى , فضلا عن الصالحين والرسل , فضلا عن سيد المرسلين كما هو موضح بفصل ما لأموات المسلمين من إدراكات لعامة الموتى , فضلا عن الصالحين والرسل , فضلا عن سيد المرسلين كما هو موضح بفصل ما لأموات المسلمين من إدراكات رقم (10) ، فتعسا لهذا الذي يرسل الكلمات جزافا إلى نبي الأمة فيثير المسلمين على أدعياء السلفية وأمثاله من المتطرفين وعلى المدرسين والمناهج والكتب التي تحمل مبادئ الجفاء هذه , والمسارعة في التكفير والإقدام على عدم توقيره صلى الله عليه وسلم بتوجيه مثل هذه الكلمات الكاذبة إلى مقامه صلى الله عليه وسلم ، ب - واستمع أيها المسلم إلى شيخ آخر من مشايخ المتطرفين , ففي ص ( 91) من كتاب " الحوار " لمؤلفه ابن منيع عضو هيئة تمييز الأحكام الشرعية والمنسوب إلى عضوية كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، قال : " إذا كان التعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم كما يزعم المالكي وأحزابه فهذا مما نبرأ إلى الله منه ونشهد على أنا نعتقد في من يتعلق برسوله الله صلى الله عليه وسلم هذا التعلق أنه مشرك بالله غيره وأن شركه أعظم من شرك أبي جهل وأبي لهب وأبي بن خلف " أهـ ، يريد بالتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعانة به ودعاؤه لطلب الشفاعة منه بعد موته وغير ذلك من أمور خصصنا لها في هذه الرسالة فصلا خاصا بعنوان " ما زعم الوهابية أنه تعلق منكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وإبطال ذلك " وقد سبق ذكره ، وفي كتاب " الحوار " بالصفحات 31- 70 – 106- 123 ، يستعظم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر مجالس الخير ويجعل ذلك من التخيلات والتوهمات والخرافات والإيمان بالأرواح الوهمية التي يزعم الدجاجلة أنها تغدو وتروح , وتأمر وتنهى وترضى وتغضب , ومن انسياق العواطف إلى متاهات وترهات وخرافات تندد بها العقول السليمة , واستنكر أن تعرض عليه أعمال أمته , ووصف القول بذلك أنه قول لم يقل به جهل وأبو لهب وأبي بن خلف وغيرهم من أئمة الكفر والشرك والطغيان ، ويكفي تعليقا على هذا ما أثبته الشيخ ابن القيم في كتاب " الروح " " بأنه قد تواترت الرؤى والروايات بأن لأهل القبور قدرة على التصرف بأقوى مما كانوا في الحياة لتجرد الروح من عوائق البدن " ، ولعل حضور الأنبياء والرسل والأموات إلى بيت المقدس للاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم والائتمام به ليلة الإسراء هو من الترهات والخرافات عند ابن منيع , أم لعلهم حين ظهروا في صورة أنس كما سيأتيك من كلامهم عند بحث زيارة القبور ، أما إن كان ظهورهم صحيحا عند ابن منيع وأمثاله فلماذا استكثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجه من قبره وحضوره مجالس الخير ؟ وفي الصفحات 75- 76 : من كتاب " الحوار " حين قال المالكي : " كم للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من فوائد نبوية وإمدادت محمدية " ، وحين قال : يسجد القلم في محراب البيان عاجزا عن مقدار آثارها ومظاهر أنوارها " ، فعلق ابن منيع على هذا الكلام بقوله : "لا ندري ما مقصود المالكي بالامدادات المحمدية , ولعلها نتيجة اعتقاده أن له مقاليد السموات والأرض , وأن له حق الإقطاع في الجنة , وأن من جوده الدنيا وضرتها ومن علومه علم اللوح والقلم , وأن الخلق خلقوا لأجله إلى غير ذلك من عبارات الغلو والإطراء والتنطع والتشدق والتفيهق . فهل يريد من صلواته عليه مددا محمدا لا مددا إلهيا . إننا لا نستطيع تصور الشرك بالله إذا لم يكن هذا الاتجاه من المالكي وأحزابه أبشع ألوانه وأظهر مثال له ، وعلق ابن منيع في ص ( 76)على سجود القلم عاجزا بقوله " وهذه أيضا من عبارات الغلو والإطراء والتنطع والإفراط فما هذه الأنوار التي يسجد لها القلم " ؟ قلت : لا نستغرب أن يتصور ابن منيع وأمثاله الشرك بمفهومه الخاطىء في التفرقة بين ما هو شرك وما ليس منه , ففي ذكره إمدادات محمدية وإمدادات إلهية ، وهو لم يفرق بين معاني الألفاظ ومدلولاتها حين تطلق على الخلق بما يناسب مقام المخلوق . حين تكون نسبتها إلى الخلق من باب المجاز العقلي كالمدد مثلا . فأي شرك ممن ادعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مددا محمدا وكأن المعترض نسي او تناسى ما في السنة من تأثيره صلى الله عليه وسلم بمجرد توجيه نظره إلى شخص كقصة فضالة بن عمير الذي تربص برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ليقتله فلما وضع يده على صدره سكن قلبه وتحول بغضه إلى حب , وكأنه نسي ما فعله صلى الله عليه وسلم بأبي هريرة حين شكى إليه نسيان ما يحفظه فحثى له في ردائه حثيات وأمره بضمه إليه ما نسي بعد ذلك شيئا وأمثال هذا في السنة كثير . وحتى الجهال يفرقون بين هذا المدد وبين المدد المنسوب إلى الله فالأول تسبب والثاني خلق وإيجاد ، أما عن مظاهر الأنوار في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فكأن المنتقد لذلك لم يتل قوله تعالى : { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور } ، وأن الله قد ضاعف ثواب من يصلي عليه صلى الله عليه وسلم فيصل الله بها عشرا عليه ، وعلى هذا فإن صلاة المسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إخراج له من الظلمات إلى النور بنص الآية .فلعلك بهذا قد علمت مظاهر الانوار في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولعل الذي حجبك عن وعي ذلك ما غلب على قلبك من استكثار لكل ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم دون روية أو تدبر .

حد التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي زعموا أنه لا يجوز تجاوزه : في ص ( 33) من كتاب "الحوار " قال ابن منيع : " أنه سيمهد لرده على المالكي ما يعتقده في رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يجب عدم تجاوزه لئلا نكون في مسار أهل الكتاب ممن غلوا في أنبيائهم ورسلهم حتى جعلوا آلهة يعبدون مع الله ، فلما تكلم في ص ( 38- 39 ) عما يجب له وما له من خصائص ومقامات أوجز فذكر فقط وجوب طاعته ومحبته والصلاة عليه والدعاء له بالوسيلة والفضيلة والمقام المحمود ، أما حين ذكر بشريته وما يصيب سائر البشر وأنه لا يغني عن نفسه ولاعن أحد شيئا بسط القول وساق في ذلك ما يروقه من آيات وأحاديث وردد حتى مانعاه الله تعالى على مشركي قريش : { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ، فقال في ص ( 35) " إن ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أنه لا يعلم الغيب , ولا يملك لنفسه نفعا ولا خيرا إلا ما شاء الله وأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق , وأنه لم يكن بدعا من الرسل , وأنه لا يدري ما يفعل به ولا ما يفعل بنا , وأنه بشر مثلنا أرسله الله إلينا .. وأنه عبد الله ورسوله يناله من الطباع البشرية ما ينال بني جنسه ، وفي ص ( 36 – 37 ) قال : أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف قدر نفسه تجاه ربه إذ قال (( اجعلتني لله ندا )) لمن قال : " ما شاء الله وشئت " , وأنه نزل عليه { ليس لك من الامر شيء } لما قال : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم , وانه لما نزل عليه { وأنذر عشيرتك الأقربين } قال : يا معشر قريش إني لا أغني عنكم من الله شيئا , يا عباس لا أغني عنك من الله شيئا , يا صفية لا أغني عنك من الله شيئا … يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا … يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا , وأنزل عليه في أبي طالب : _ {ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } وقوله : { إنك لا تهدي من أحببت } … ولما قال له أحدهم : " يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا " قال للناس : (( قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله , وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل )) ، ثم أورد ما في الصحيحين : (( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا : عبد الله ورسوله )) ، ثم في ص ( 38) : قال : إن رسول الله كان حريصا على حماية جناب التوحيد وعلى أن ننزله منزلته التي أنزله الله بها فلا غلو ولا تنطع ولا إطراء ولا إفراط " ، [ مناقشة ابن منيع ] : ونقول وبالله التوفيق : " إنا نؤمن بما جاء في كتاب ربنا وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، نؤمن بذلك كله وقد أجملنا لك في الفصل رقم (8) بعض ما خصه تعالى به صلى الله عليه وسلم من مقامات الاصطفاء , وما لاطفه به ربه وأوجب من تعظيمه وتوقيره من كل ما هو ثابت في الكتاب والسنة ، ونلفت نظرك ايها المسلم إلى تركيز ابن منيع على ما ورد من بشريته وما يصيبه مثل سائر البشر من أعراض وأنه لا يغني عن أحد شيئا , وأنه ليس له من الأمر شيء ,وأنه لا يدري ما يفعل به وبنا , وأنه لا يعلم الغيب , وأنه لا يملك لرحمه شيئا وإيهامه ان تجاوز تلك الأوصاف التي ذكرها هو سير في مسار أهل الكتاب ممن غلوا في انبيائهم ورسلهم جعلوهم آلهة تعبد مع الله كما عبر وختمه بعبارته بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن ننزله منزلته التي أنزله الله بها فلا غلو ولا تنطع وإطراء ولا إفراط ، وجعل من الأدلة على مدعاه في عدم التجاوز عن ذلك : (( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله )) ، رغم أنه من الواضح ان النهي وارد في الإطراء الذي اطرته النصارى بحق عيسى وهو نسبتهم للألوهية إليه ، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم امته إلى أنه ليس إلها وإنما عبد الله ورسوله , نعمت العبودية لله فأي علاقة للحديث في منع مدحه صلى الله عليه وسلم إذا لم يصل المدح إلى وصفه بصفات الربوبية ، وكذلك جعل ابن منيع من الأدلة على مدعاه في عدم تجاوز ما ذكره قوله صلى الله عليه وسلم : " لمن قال له يا خيرنا وابن خيرنا ويا سيدنا وابن سيدنا , : (( قولوا : بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان انا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي انزلني الله عز وجل )) ، وغاب على المستدل انه في قوله صلى الله عليه وسلم : (( قولوا بقولكم )) إقرار منه صلى الله عليه وسلم لما مدحوه به , ثم في الوقت نفسه حذرهم ان لا ينسوا عبوديته لله فلا يصلون في مدحه إلى رفعه عن منزلته باعتقاد أن له شيئا من صفات الربوبية ، ومهلا يا رجل حين سردت بدون روية : { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } ، { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب } ، { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } ، { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } ، فلماذا لم تسرد مع ذلك ما ورد من وعد الله لرسوله الكرامة ووعده بإرضائه في أمته ولا يخزيه فيها ، وقول رسول صلى الله عليه وسلم : (( إن لي رحماً سأبلها ببلالها )) ، وإخراج بعض من دخل النار بشفاعته فانتفع بكل ذلك أمته وذوو رحمه فإن ملكه ربه تعالى نفع أمته وأقاربه كما سمعت بالشفاعة الخاصة والعامة فهل تملك أنت الحجر على ربك ألا يعطيه ، ثم أليس هذا العطاء مما يشمله قوله تعالى : { إلا ما شاء الله } ، وما قولك في إخباره بالمغيبات الواردة في أحاديث كثيرة ، وهل يشتبه ذلك بعلم الله للغيب وإعلام الله لرسوله ببعض ذلك ، فإياك يا رجل من التمسك بعموميات الكتاب ، والإعراض عن صرائح السنة فذلك ليس من ديدن أهل السنة ، ,انه ليس بعد الحق إلا الضلال ، ومعذور هو لما شبه عليه حين استكثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما وصف به صلى الله عليه وسلم من الخصائص ، واستعظم ما حباه به ربه لأنه نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين البشرية المحضة ، لم يحقق حقيقة معانى الألفاظ التي جاءت في أشعار المادحين وزعم أنها وصف له ببعض صفات الألوهية والربوبية ، ورفع له عن مقامه بالنسبة إلى ربه لما جهل أن اللفظ يطلق على الله خلقاً وايجاداً ، وقد يطلق على سواه تسبباً بالدعاء والشفاعة كما سبق إيضاحه ، ولما خيل إليه أن كل تعظيم له صلى الله عليه وسلم وتوقير هو غلو وتنطع وإطراء وإفراط بوهم أن ذلك حماية لجناب التوحيد ، وما عقل أن الأمر بتعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره كان أدرى بما يؤدي إليه ذلك التعظيم فلا ضير في تعظيمه بما لم ننه عنه ، وعدا وصفه بصفات الربوبية والألوهية ، ومن فرق بين مدلولات الألفاظ حين تنسب إلى الخالق ، ومدلولاتها حين تنسب إلى المخلوق وأحسن الظن بالمسلمين عرف كيف يحسن الأدب معه صلى الله عليه وسلم ولم يسارع إلى تكفير المسلمين ، أما ادعاء أن الغيرة على التوحيد التي زعموا أنها دفعتهم إلى موقفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حكيناه فسبب الدعوى هو غلطهم في فهم العبادة والشرك كما وضحناه من قبل في أكثر من موضع ، وانسياقاً وراء الفهم الخاطئ ورغبة ملحة في تثبيت هذه المبادئ في قلوب الجهلة وتنفيراً لهم من تعظيمه صلى الله عليه وسلم بما يخيل إليهم أنه الشرك صور لهم ابن منيع في حواره ص ( 26 – 77 – 123 ) أن مما قيل في مدحه صلى الله عليه وسلم هو وصف له صلى الله عليه وسلم على حد تعبيره ( بالتفرد بكمال الجلال والتقديس والتفرد بالعبادة وجعله صمداً شريكاً له تعالى في الملكوت والخلق والملك والتدبير والسلطة الكاملة والهيمنة الشاملة والقدرة والعلم المحيط والنفع والضر والمنع والعطاء ، واعتباره صلى الله عليه وسلم ملجاً وملاذاً مما هو محض حق لا يصلح لأحد غيره تعالى وأن ذلك شرك لم يقل به أبو جهل وأبو لهب وأبي بن خلف وغيرهم من أئمة الكفر والشرك والطغيان 000 إلخ أوهامه وتخيلاته ) ، وقد وقع بهذا الكلام ما بين الاختلاف على المسلمين وبين سوء الفهم فليس في المسلمين بحمد الله من يزعم أن لرسول الله صلى عليه وسلم مقام الربوبية والألوهية ، والتفرد بكمال الجلال والتقديس ، والتفرد بالعبادة وجعله صمداً شريكاً له تعالى في الملكوت والخلق والملك والتدبير والسلطة الكاملة والهيمنة الشاملة والقدرة الذاتية والعلم الذاتي المحيط ، وكل ذلك اختلاقات على المسلمين وتنفير عن توقيره صلى الله عليه وسلم ، وأما المنع والعطاء والنفع والضر وعلى العموم التصرف وقضاء الحوائج فذلك كله لله استقلالاً بقدرة كن 0 وأما ما ظهر على يده صلى الله عليه وسلم كشفاء العاهات وتبديل الأخلاق بلمسة ، وتبديل الأعيان كانقلاب العود سيفاً ، وتبديل الصفات وتكليم الجمادات والبهائم وشهادتها برسالته وطاعتها له وتكثير الطعام والشراب القليل ونبع الماء من بين أصابعه وتكثيره وانشقاق القمر فإنه وإن بدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فاعل ذلك فالمسلمون بحمد الله يعتقدون أن فاعل ذلك فالمسلمون بحمد الله يعتقدون أن فاعل ذلك كله هو الله ، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم متسبب فيها ليس إلا وقعت ببركته كما قال تعالى : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ، ومثل ذلك من طلب منه صلى الله عليه وسلم قضاء الحوائج ، وطلب منه الشفاعة فالمقصد في قلوب المسلمين حتى العوام هو أن يتسبب في قضاء الله لحاجته بشفاعته ودعائه وما نسبتها إليه صلى الله عليه وسلم إلا من قبيل الإسناد المجازي كما وضحناه في أكثر من موضع ، ومثل ذلك ما يصدر من بعض الناس من كلمات الملجأ والملاذ والرجاء والمفزع وأشباه ذلك فقد بينا في مبحث ( أسباب غلط الوهابيين في الحكم بالتكفير ) أن اعتقاد المسلم أن الملجأ والملاذ والمفزع وتحقيق الطلب والمدد كلها إلى الله خلقاً وإيجاداً وأصالة وما نسبتها إلى مخلوق ممن أكرمه الله بحصول الحاجات على يده إلا أنه المتسبب في قضائها بدعائه لربه وشفاعته عنده 0 وهكذا أكثر الألفاظ التي جاءت في قصائد المادحين كالبردة فهي من هذا الباب وليس مقصود القائل لها مشاركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه في صفاته بل أطلقوها عليه صلى الله عليه وسلم بما يناسب البشرية من كونها محدودة ومكتسبة فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إلى الخلوق شركاً بالله كما توهم الوهابيين ، فأين الخالق من السبب ، وأين صاحب العلم الذاتي المحيط من علم من علمه الله ما شاء ، وقد علقنا على ذلك فيما مضى ( ما زعموا أنه تعلق منكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ) 0 ولذا كان الإطراء الممنوع عند علماء السواد الأعظم من المسلمين هو خلع صفات الربوبية والإلهية عليه صلى الله عليه وسلم باعتقاد أن له شيئاً من ذلك ، بل هو عبدالله المصطفي برسالته ، المحبوب من ربه وليس إلهاً كما اعتقده النصارى في عيسى ابن مريم عليهما السلام ، ومرة أخرى أوضح أن ( من ميز بين معاني الألفاظ ومدلولاتها حين تطلق على الله خلقاً وإيجاداً وبين معانيها ومدلولاتها حين تطلق على الخلق مجازاً عقلياً باعتبار أنهم سبب في حدوثها بدعائهم وشفاعتهم ) أراح وارتاح ، ولكن القوم لغلطهم في معنى العبادة حملوا كل تعظيم وتوقير يصدر من المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالأقوال والأفعال أنه شرك أو ذريعة إلى الشرك حتى قال أحد كبارهم : " من ارتكب شيئا من الأمور الشركية فهو مشرك وإن سمي ذلك توسلا وتشفعا " ص (103) من " الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية " ، يريد بالأمور الشركية إتيان الأعمال التي تصلح للتعبد بها كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة والتعظيم ، ولو عقل المفتي أن العبادة هي إتيان أو القول بنية العبادة لمن يعتقد له ربوبيتة , أو خصائصها من تأثير بقدرة كن بالمنع والضر والإعطاء والنفع , أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكته لله في ربوبيته لما أدخل في مسمى العبادة ما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة واستشفاع وتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم وأشباه ذلك , ولفرق بين من يعتقد فيمن يدعونهم أنهم أرباب ومن يعتقد أنهم أسباب ، ومن رسخ في قلبه أن كل تصرف يصدر من المسلمين بقصد إجلاله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه هو من الشرك أو ذريعة له , ونفر اتباعه الجهلة من تعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وسلم بما صور لهم أنه من الشرك أو ذريعة له .. فأنى يصح زعمه بصفحة ( 40) من كتاب الحوار "أنه مشرب بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأنه يتمنى أن يكون من قد حظي بصحبته وبالاشتراك مع أصحابه والتزاحم معهم في تتبع آثاره " ، وفي الفصل التالي إشارات إلى تصرفاتهم بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعباد الله الصالحين ,ونسأله تعالى أن يلهمنا تعظيم من عظمه الله .

نماذج من التصرفات الوهابية في حق من عظم الله قدره : نذكر في هذا الفصل نماذج من التصرفات الوهابية في حق من عظم الله قدره ، وستلمس فيها أن كل ما فيها أن كل ما فيها إجلاله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل هو شرك وعبادة له صلى الله عليه وسلم وتأليه أو بدعة شنيعة ,بل ستلمس أنهم يبغضون زيارته صلى الله عليه وسلم وزيارة القبور مطلقا ، ونسلسل بعض هذه التصرفات كما يلي :

أ – الخوض في مصير الأبوين ومصير أجداده وأقاربه : يكثر القوم من الخوض في عدم نجاة الأبوين وطبع ما ألف في ذلك كرسالة القاري عفا الله عنه الذي نسب عدم النجاة إلى كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة . وفي كتاب " النهضة الإصلاحية " لمؤلفه المرحوم مصطفي سيف الحمامي نفي لهذه النسبة وقال : إن هذه المسألة ليست موجوده في الفقه الأكبر ، ثم لماذا إكثارهم من الخوض في ذلك كأن المسألة من العقائد الواجب اعتقادها على المسلم بينما ليس على المسلم شيء لو مات جاهلا مصيرهما أو معتقدا نجاتهما بفرض أنه أخطأ ، وما ورد من حديث في ذلك لم يوجب ولم يندب الخوض في ذلك , فما بقي بعد هذا إلا أن اتخاذ القول فيه مضغة تلوكها الألسن ، لا يقدم عليه إلا من انطوى قلبه عن عدم المبالاة بأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوء الأدب معه ، وفي رسالة السيوطي " تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء " . ان الشافعي قال : " قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة تكلم فيها فقال : " لو سرقت فلانة " لامرأة شريفة لقطعت يدها ، قال تاج الدين السبكي : فانظر إلى قول الشافعي فلانة ولم يبح باسم فاطمة تأدبا معها رضي الله عنهما أن يذكرها في هذا المعرض وإن كان أبوها صلى الله عليه وسلم قد ذكرها " ، ونقل السيوطي في رسالته عن عياض أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل : انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا فقال كاتب له : قد كان أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا قال عمر : " وجعلت هذا مثلا " فعزله ، وفي " ذخائر العقبي " لمحب الدين الطبري عن ابي هريرة قال : جاءت سبيعة بنت أبي لهب رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله , إن الناس يقولون أنت بنت حطب النار فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغضب فقال : (( ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي , ومن آذى قرابتي فقد آذاني , ومن آذاني فقد آذى الله )) ، وفي " الروض الأنف " للسهيلي بعد أن أورد حديث : (( إن أبي وأباك في النار )) ، ما نصه : " ليس لنا أن نقول نحن هذا في أبوية صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات )) والله تعالى يقول : { إن الذين يؤذون الله ورسوله } ، وقد سئل القاضي ابن العربي عمن قال إنهما في النار فأجاب بأنه ملعون لقوله تعالى : { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة } ، وقد أكثر القوم في الخوض في مصير أجداده وأقاربه ففي " مجموعة التوحيد " ص 26 " باب قول الله تعالى "إنك لا تهدي من أحببت " ذكر حضوره صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب في مرض موته وأن القصة رد على من زعم إسلام عبد المطلب وإسلام أبي طالب " ، قلت : وقول أبي طالب أموت على ملة عبد المطلب ليس دليلا على مساواتهما في الحكم بعدم النجاة إذ الفرق واضح بين من أدرك البعثة ومن مات في الفترة ، ومجال القول ذو وسعة لو اتسع له المجال ،

ب – تذمرهم من اتخاذ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وردا وطعنهم في الكتب المؤلفة فيها : يضيق القوم ذرعا ممن يتخذون الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وردا ، ويظهر ذلك في فلتات السنتهم فانظر " الدرر السنية " ج1 ص 41 انكر قائل منهم حرق دلائل الخيرات ,او أنه ينهى عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأي لفظ كان ولكنه فقط ينصح اتباعه أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله وأن لا يظن القراءة فيه أفضل من قراءة القرآن " ، وحاشا للمسلمين أن يكون فيهم من يفضل كتب الصلوات على كتاب الله ، وانظر " الهدية السنية والتحفة الوهابية " ص 40 قال قائل منهم : ( ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك كروض الرياحين , أو ما يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق … وكالدلائل " ، وهكذا ناقض بعضهم بعضا في حرقها أو عدم حرقها ، .. وكتاب " الدلائل " الذي أحرقوه ومنعوا الناس من قراءته والمكتبات من توريده ووصفوه بتلك الأوصاف الشنيعة , .. هو كتاب يشتمل على صيغ من الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم من أجل وأجمع الكتب المشتملة على ذلك وأكثر الصيغ فيه مأثورة , وإذ وجدت روايات في بعضها ضعف فلا يضيره ذلك عملا بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ويجبرها أحاديث فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أجل وأجمع الكتب المشتملة على ذلك وأكثر الصيغ فيه مأثورة ,وإذ وجدت روايات في بعضها ضعف فلا يضره ذلك بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ويجبرها أحاديث فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد وضع لهذا الكتاب القبول لدى المسلمين شرقا وغربا عامة وعلماء منذ خمسمائة عام ونيف ، وأما مؤلفه الذي طعنوا فيه والذي قالوا لا يعرف فهو الشريف الحسين محمد بن سليمان الجزولي الفقيه الصالح المتوفي سنة 870 وهو مترجم له في " ذيل ديباج " ابن فرحون وغيره ، وفي حديث أحمد : (( يا معشر من آمن لسانه ولما يؤمن قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين ولا عثراتهم فإن من تتبع عثرات المسلمين تتبع الله عثرته , ومن تتبع الله عثرته يفضحه ولو في جوف بيته )) ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في الأنساب والنياحة على الميت )) ، وتكفير أهل القبلة هو شنشنة الخوارج ، وفي رسالة موجهة إلى أهل مكة في الفتح السعودي الأول قال صاحبها : " وأما التوسل وهو أن يقول القائل : اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك … فهذا من أقسام البدع المذمومة كرفع الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الآذان " ، وقد أبطل الإمام المحقق المرحوم الشيخ يوسف الدجوي المتوفي سنة 1376 في مجلة الأزهر ما زعموا من بدعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان ،

ج- كراهتهم لتسويده صلى الله عليه وسلم : حفظ الوهابية السيد الله فكرهوا تسويده صلى الله عليه وسلم وتجاهلوا أن قائل هذا هو القائل : (( أنا سيد ولد آدم )) ، (( أنا سيد الناس يوم القيامة )) ، (( سيد الشهداء حمزه ورجل قام عند إمام جائز فأمره ونهاه فقتله )) كما في " مستدرك الحاكم " : (( أن ابني هذا سيد )) ، (( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة )) , (( أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين النبين والمرسلين )) , (( قوموا لسيدكم )) , (( من سيدكم يا بني سلمة )) ، وفي المستدرك عن جابر قال : صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : من أنا ؟ فقلنا : رسول الله ,قال : نعم ولكن من أنا ؟قلنا : محمد بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف . قال : (( أنا سيد ولد آدم ولا فخر )) ، وفي مسند أحمد عن سهل بن حنيف يقول : مررنا بسيل فدخلت واغتسلت منه فخرجت محموما فنمى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( مروا أبا ثابت فليتعوذ . قلت : يا سيدي والرقى الصالحة فقال : لا رقية إلا من نفس أو حمة أو لدغة )) ، .. وقال الفاروق : " أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا " , وقال تعالى في سيدنا يحيي : { وسيدا وحصورا } ، وشبيه بقول السيد المولى والله سبحانه وتعالى يقول : { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير } ، فقد سمي الله كلا من جبريل وصالح المؤمنين مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان الصحابة ينادون بعضهم بالتكريم والإجلال فكان أبو هريرة يقول : إذا سلم على الحسن " السلام على سيدي " كما في مستدرك الحاكم ، وقد سبق في فصل (6) أن موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المخاطبين كان يرعى فيه حالة المخاطب بما يقضي به رسوخ الاعتقاد أو نقصه حسب حالة المخاطبين 0 فلا غرابة إن قال لمخاطب : (( السيد الله )) ، سداً لباب أن يسبق إلى الوهم أن أحداً يساوى الباري في سيادته ، وأن يقول لآخر : (( أنا سيد ولد آدم )) إلى آخر ما تقدم من أحاديث : حيث الأمن من ذلك ، ووظيفة العلماء هو الجمع بين المختلفات ، والمؤمن من آمن بالنصوص كلها متجنباً ما يهوى ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( قولوا اللهم صل على محمد )) لا يفيد منعنا لتسويده صلى الله عليه وسلم ، بل هو المناسب لتواضعه من أن يقول لأمته سودوني في الصلاة ما دام قد أرشدهم إلى أنه السيد فمن امتثل ظاهر الأمر فقد أحسن ومن سود فقد سلك مسلك الأدب كما هي القاعدة المعروفة ( أيهما أرجح امتثال الأمر أو سلوك الأدب ) ؟ ، وما روي من حديث : ( لا تسودوني في الصلاة ) فهو موضوع كما نص عليه الكثيرون من المحدثين والعلماء ، وأما الاحتجاج لعدم ذكر السيادة في التشهد بقوله : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) فلا حجة فيه لأن الراد بما ليس من أمره هو ما لم يشهد الشرع باعتباره ، أما ما شهد الشرع باعتباره فهو من أمره ولا شك أن توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه هو مما شهد الشرع باعتباره وسيأتيك مزيد من التحقيق عند تعرضنا في فصل خاص لبيان معنى البدعة والمحدث ، وحديث المستدرك السابق عن جابر في ترديده صلى الله عليه وسلم على المنبر : من أنا ؟ حتى قال أخيراً : (( أنا سيد ولد آدم ولا فخر )) هو إرشاد إلى تسويده صلى الله عليه وسلم ، وقد أفتى إمام الحرمين بذكر لفظ السيادة في التشهد ، وقال المحلي : هذا من التزام الأدب وهو الأرجح ، واسمع ما يقول أحد المتطرفين ، ففي ( الضياء الشارق ) ص ( 56) لابن سحمان ( يمنع من إطلاق لفظ السيد لمن يعتقد فيه فلا يقال مولانا ولا يا سيد فلان فمن قال هذا بهذا المعنى فهو كافر) اهـ ، وهكذا اتسع الخرق على الراقع ، والسيادة عندهم غلو في رسول الله صلى الله عليه ولكنها سائغة مقبولة عندهم إذا قيل في ابن تيمية وابن عبدالوهاب شيخ الإسلام ، وقدس الله روحه ، ونور ضريحه ، ولا باس أن يقال صاحب الجلالة ، وصاحب الفخامة ، وصاحب المقام الرفيع ، وصاحب المعالى ، وصاحب المعالى ، وصاحب الفضيلة ، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ممنوع ومنكر وكفر عند أمثال ابن سحمان ، ومما تجب ملاحظته أنه لا سواء بين انسان يترك التسويد في الصلاة بنية التمسك بالوارد وبين انسان يرى في اطلاق السيادة عليه صلى الله عليه وسلم كفراً وشركاً كما يؤخذ من كلام ابن سحمان 0 وأمثاله كثير ،

د – إنكارهم التبرك بالآثار : في صحاح الأحاديث والسير أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتبركون بماء وضوئه صلى الله عليه وسلم وبريقه وبشعره ملابسه وبردته وما له تعلق به ، ولم ينكر عليهم صلى الله عليه وسلم في حياته ولا أنكره الصحابة ولا التابعون بعد وفاته ، بل فعلوه بأنفسهم ، وكان من لم يصبه وضوئه صلى الله عليه وسلم أخذ من بلل صاحبه ودلك به ما استطاع من بدنه ، وصح عن عروة بن مسعود الثقفي في ما رواه البخاري وغيره أنه قال في نصيحته لقريش حين رجع من سفارته لقريش في صلح الحديبة ( أي قومي ، والله وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي ، وما رأيت أحداً ما يعظم أصحاب محمد محمداً أنه لا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم ولا توضأ وضوءً إلا اقتتلوا على وضوئه يتبركون به ) ، وصح عند البخاري وغيره أنهم ازدحموا على الحلاق عند حلق رأسه الشريف واقتسموا شعره ، وفي صحيح مسلم أنه لما حلق أعطى أبا طلحة شعره وقال اقسمه بين الناس ، وكان عند خالد بن الوليد شعرات من شعره صلى الله عليه وسلم وضعهن في قلنسوة له يلبسها إذا تعذر عليه الفتح فلا يلبث أن يسرع إليه الفرج ، وفي صحيح مسلم وشمائل الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يأتونه بإناء إلا غمس يده الشريفة فيه ولا يردهم خائبين ، وأخرج ابن ماجه والترمذي وحسنه عن امرأة من الأنصار يقال لها كبشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها قربة معلقة فشرب منها وهو قائم فقطعت فم القربة تبتغي بركة موضع فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان له صلى الله عليه وسلم إناء يبول فيه بالليل ، فكان إذا أصبح أراقه بيده الكريمة فأصبح ذات يوم فلم ير فيه شيئاً ، فسأل فقالت أم أيمن رضي الله عنها : عطشت من الليل يا نبي الله فشربته فقال : (( صحة يا أم أيمن )) ، وفي رواية أنه قال : (( لن يلج النار بطنك )) ، وكانوا يستشفون بغسالة ما ادخروه من ملابسه فيأتي الشفاء ، وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنها أخرجت لهم جبة لرسوا الله صلى الله عليه وسلم وقالت : هذه كانت عند عائشة ولما توفيت قبضتها فنحن نغسلها للمرضي يستشفي بها ، وفي( الجمع بين الصحيحين) للحميدي قال عبد الله بن وهب : أرسلني أهلي إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بقدح من ماء فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث بإناء إليها فخضخضت له فشرب منه ، وفي ( الشفاء ) للقاضي عياض أن ابن عمر رضي الله عنه كان يضع يده على مقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم يضعها على وجهه وفي( طبقات ابن سعد ) أيضاً رواية ذلك ، وهذا تبرك بمن مس ثيابه ، وكذلك روي عنه أنه كان يضع يده على رمانة المنبر مكان يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمسح بها وجهه ، وفي طبقات ابن سعد أيضاً : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد مسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم وفي مصنف ابن أبي شيبة 3 : 450 : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمانة المنبر القرعاء ( أي الملساء ) فمسحوها ودعوا ، ونقل الحافظ القرافي أن أحمد بن حنبل أجاز تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأن أحمد تبرك بالشرب من ماء غسل الإمام الشافعي بل روى ابن تيمية نفسه تبرك أحمد بآثار الشافعي ، وفي ( الحكايات المنثورة ) للإمام المحدث الحافظ الضياء المقدسي أن الحافظ عبد الغني الحنبلي أصيب بداء أعجزه علاجه فمسح به قبر الإمام أحمد بن حنبل تبركاً فبرئ ، وفي ( تاريخ الخطيب ) أن الإمام الشافعي كان يتبرك بغسالة قميص الإمام أحمد وكان يأخذ منها ما يمسح به وجهه وأعضاءه ، وفي( سيرة أعلام النبلاء ) للذهبي 11 : 212 : ( قال عبدالله بن أحمد : رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي فيضعها على فيه يقبلها 0 وأحسب رايته يضعها على عينه ، ويغمسها في الماء ، ويشربه يستشفي به 0 ورأيته أخذ مضقة النبي صلى اله عليه وسلم فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها قلت : أين المتنطع المنكر على أحمد ، وقد ثبت أن عبدالله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمس الحجرة النبوية 0 فقال : لا أرى بذلك بأساً ، أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع ) اهـ ،
وما حرص أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الدفن بجواره صلى الله عليه وسلم إلا للتبرك به ، ومرجع هذا كله طلب البركة وفيه توجه إلى الله بما له تعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر أحبابه ، وإذا صح استنزال الرحمة بما هو من الجمادات لتعلقه من قرب أو من بعد بذاته الشريفة وذوات أحباب الله يصح التوسل بالأول بذاته الشريفة وذوات سائر أحبابه تعالى ، قال الخافجي في شرحه للشفاء : إن هذا يدل على جواز التبرك بالأنبياء والصالحين وآثارهم وبما يتعلق بهم ولا عبرة بمن أنكر ذلك من جهلة عصرنا 0 وقطع عمر للشجرة التي وقعت عندها بيعة الحديبة إنما كان لقرب عهد كثير من الناس يومئذ بالجاهلية لا منعاً للتبرك إذ هو نفسه رصي الله عنه قد طلب أن يدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن تصيبه بركة ذلك ، وبعد أن روينا لك ما تقدم من آثار فلا يجوز بعد ذلك أن يتهم من يريد أن يتبرك بأي آثار من آثاره صلى الله عليه وسلم سواء في مسجده أو منبره أو محرابه أو شبك قبره أو خارج ذلك ،

هـ -محاولة استئصالهم للاعتقاد في الصالحين : رغم زعم الوهابيين أنهم يثبتون الولاية وكرامات الأولياء تراهم يخاطبون أتباعهم بكلمات لا يخفي أن هدفها هو أن يستأصلوا من قلوبهم أي اعتقاد في الولاية والأولياء ، واستمع إلى بعض ذلك مما اخترناه من كلمات مؤسس الدعوة الوهابية محمد بن عبدالوهاب ، "الدرر السنية ج1 ص 79 " : اعلم 000 أن الشرك هو الذي ملأ الأرض ، يسمونه الناس الاعتقاد في الصالحين ، " الدرر السنية ج 1 ص35 " : التوحيد الذي جحدوه ( أي المشركون السابقون ) هو توحيد العبادة الذي في زماننا الاعتقاد 0000 وإنما يعني المشركون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد ، " الدرر السنية ج 1 ص 28 –40" : وبالجملة فالذي أنكره الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره 00 وأنا أنصحكم لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنا والسرقة ، بل هو عبادة الأصنام من فعله كفر وتبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " الدرر السنية ج2 ص 59 " : اعلم أن الألوهية التي تسميها العامة في زماننا السر والولاية فالإله معناه الولي الذي فيه السر ، وهو الذي يسمونه الفقير والشيخ وتسميه العامة السيد وأشباه هذا 000 وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة ، ,ان الإنسان يلتجئ إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم ويجعلهم وساطة بينه وبين الله 0 فالذي يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم هم الذين يسميهم الأولون الإله والواسطة هو الإله فقول الرجل لا إله إلا الله إبطال الوسائط ) أهـ ، ولعل المسلم بعد هذه العبارات لا يستغرب من أين جاء لعامتهم الاستهتار بالأولياء وتوجيه ما لا يليق من الألفاظ إليهم لأنهم فهموا أن الاعتقاد فيهم هو الشرك ، وهو عبادة الأصنام وأن الولي الذي فيه السر والفقير والشيخ والسيد هو الذي كان يسميه المشركون الإله وهكذا ،

و- زعمهم أن المساجد عند قبور الصالحين هو من اتخاذ القبور مساجد : روى الشيخان واللفظ لمسلم : (( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون من قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك )) ، وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها حين ذكر له صلى الله عليه وسلم تصاوير في كنيسة بالحبشة فقال : (( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا تلك الصور أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ )) كل ذلك لا يدل على منع زيارته صلى الله عليه وسلم لوقوع القبر في المسجد ولا يدل كذلك على منع أن يتخذ مسجد في جوار رجل صالح قصد التبرك بالقرب منه ، بل المقصود من النهي في الحديثين هو أن يقصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما يقصد المسجد تعظيماً للقبر أو للمدفون فيه كما هو فعل اليهود والنصارى كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم وصالحيهم ، ولما صوره من صورهم كما يسجد للأوثان فهذا هو الذي يكون ذريعة للشرك ، ولذا فإن هجو الموسوسين للمساجد التي فيها قبر وتسميتها مساجد الشرك وزعم أن الصلاة فيها شرك وذريعة للشرك إنما هو تعمق في الجهل وإغراق لسوء الفهم للأحاديث ، فإن هذه المساجد لم تبن إلا لما بنيت له المساجد من التعبد وليس ذلك بمحرم ولا مكروه ، ولذا بنيت في القرون الأولى مساجد عند القبور من غير أن تكون صلاة إلى القبر أو عليه ولو كان المراد بالحديثين هو النهي من اتخاذ المساجد في جوار قبر رجل صالح بقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا التوجه نحوه أو هجر المساجد لأجل القبر فبها لوجب أن يهجر مسجده صلى الله عليه وسلم بعد إدخال القبر فيه ، ولما أصبح مما تشد إليه الرحل والصلاة فيه بألف صلاة مع علمه صلى الله عليه وسلم بأنه سيدفن في هذا الموضع لما جاء في رواية البزار بسند صحيح والطبراني (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ولأنكر الصحابة والتابعون على عمر بن عبد العزيز إدخاله حجر أمهات المؤمنين في المسجد لتوسيعه ولكنهم لم ينكروا ولم ينزل المسجد الشريف في أنظارهم باشتماله على القبور فيه بل ما زالوا ومن بعدهم يتوافدون لزيارته صلى الله عليه وسلم في مسجده ، ولوكان في الأمر ما هو منكر لغير ذلك عمر بن عبدالعزيز لما آلت إليه الخلافة وهو الذي أحيا سنة جده عمر بن الخطاب ولما أقر علماء التابعين فاطمة بنت الحسين على ضربها قبة على قبر الحسن بن على بن أبي طالب واقامت به سنة كما رواه البخاري معلقاً وهي لا محالة تقيم فيها عبادتها من صلاة وذكر وتلاوة وهي ومن معها ، والعصر كان عصر الفقه وإنكار المنكر فالمراد من النهي على ذلك هو قصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما بقصد المسجد تعظيماً للقبر أو ممن فيه ، قال الإمام البيضاوي في شرحه الطوالع ( لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثاناً لعنهم ومنع المسلمين من مثل ذلك ، فأما من اتخذ مسجداً في جوار رجل صالح وقصد التقرب بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد ) ، ونقل ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وأقره ، ومما يجب أن يعلم أنه لو وقع استقبال القبر في الصلاة من غير قصد إلى تعظيمه أو تعظيم صاحبه لم يكن على المصلي بأس وليس ذلك من جعل القبر مسجداً في شيء ، قال ابن القاسم : كان مالك لا يرى بأساً من الصلاة في المقابر بينما من يصلي في المقبرة تكون القبور بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله 0 قال مالك : وبلغني أن بعض الصحابة كانوا يصلون في المقبرة 0 ولذا فإن الدعوة المحمومة لإخراج القبر الشريف من المسجد والتي نشرت قبل حين في بعض الصحف لا يحمل عليها إلا جهل أو غيظ متأصل تنطوي عليه القلوب ، نساله تعالى السلامة والإخلاص وحسن الإيمان 0

زـ اعتبارهم البناء ونحوه على القبور يصيرها أوثاناً تعبد : علل الوهابية منع البناء على القبور بأن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله ، وقد سبق في مقدمة هذه الرسالة أن محمد بن عتيق ( قد جعل من اسباب كفر أهل مكة هو عدم هدمهم للقباب ) ، وجهلوا أن المؤدي إلى الشرك هو اتخاذ القبور مساجد بمعنى قصد القبر لعبادته أو عبادة من فيه كما يقصد المسجد وذلك بالعكوف عليها وتصوير الصور فيها ، والمسلمون بحمد الله ليس تعظيمهم للقبور ، وإنما تعظيم من فيها من الأنبياء والصالحين إذا لم يتجاوز التعظيم مراتبهم من العبودية ، ولا يوجد إن شاء الله من زوار الأنبياء والصالحين من هو عابد لهم ولا متخذهم مع الله آلهة ، ولا من يقصد الصلاة إلى قبورهم فالحمد الله على حفظ دينه ، وقد علمت أن التوسل والاستغاثة بهم ليس من العبادة في شيء ، وأن التشريك والتكفير بذلك هو نتيجة جهل بمعنى العبادة ، وللعلماء في الأبنية على القبور ثلاثة أقوال : فمنهم من كره البناء في الأرض سواء كانت مملوكة أو مسبلة ، ومنهم من كره البناء في المملوكة وحرمه في المسبلة ، ومنهم من أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين وجعل ذلك مستثنى من أحاديث النهي عن البناء ، واعلم أن من منع البناء من الأئمة والعلماء لم يجعل علة المنع أن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله كما زعم الوهابية ، بل عللوا المنع بخوف التضيق على الناس لئلا يحجر عليهم موضع القبر فلا يدفن أحد فيه فيضيق ذلك بالناس لا لأن البناء شرك أو ذريعة للشرك ،

أحاديث النهي عن البناء : من كره البناء استدل بحديث مسلم عن أبي الهياج الأسدي أن علياً رضي الله عنه قال له : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أن أدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته )) ، واستدلوا أيضاً على الكراهة بحديث مسلم وأبي داود عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر أو يبنى عليه وأن يكتب عليه ، زاد أبو داود أو يزاد عليه أي على ترابه ، والقائلون بالمنع قد اختلفوا : فمنهم من كره البناء سواء كانت مملوكة أو مسبلة ولكنه لا يقول بهدمه إذا بني مستنداً إلى وجود البناء على قبر الشيخين في الحجرة فإنها غير مملوكة حيث أن الأنبياء لا يورثون ولم يقل بهدمه أحد ن ومنهم من كره البناء في المملوكة ولم يهدمه إذا بني وحرمه في المسبلة وقال بهدمه فيها ، قال الشافعي في الأم : ( قد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني فيها فلم أر الفقهاء يعبون ذلك قال : فإن كانت القبور في الأرض يملكها الموتى في حياتهم أو ورثتهم بعدهم لم يهدم شيء منها ، وإنما يهدم إن هدم ما لا يملكه أحد فهدمه لئلا يحجر على الناس موضع القبر فلا يدفن فيه أحد فيضيق على الناس ) ا هـ ، فأنت تراه لا يحتم الهدم في غير المملوكة بل يقول : إن هدم ولا يقول بالهدم فيما بني على أرض مملوكة لأنه بني بحق ولا يذهب في تعليل منع البناء في غير المملوكة إلا إلى خوف التضيق به على الناس ولم يقل أن البناء على القبور شرك ولا ذريعة للشرك ، ولم يقل كذلك ولا أحد من أهل العلم الذي يقتدى بهم أن البناء على القبر يصيره طاغوتاً وصنماً يعبد من دون الله ، وأنه شرك وأن الذاهب لزيارة هذا القبر مشرك وعابد صنم حتى جاء ابن تيمية المتوفي في القرن الثامن فقال بهذا وتبعه على ذلك من تبعه من الوهابيين فكفروا الأمة الإسلامية كما رايته في فتوى ابن عتيق ، وقال ابن مفلح في كتاب الجنائز ص 681 – 682 ( القبة والحظيرة والتربة إن كانت في ملكه فعل ما شاء وإن كانت في مسبلة كره للتضيق ) 0

أدلة من قال أن أحاديث النهي عن البناء مخصصة بغير قبور الأنبياء والصالحين : ومن أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين ذهب إلى أحاديث النهي عن البناء على القبور ليست عامة في جميع القبور ، بل يستثني منها قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين ، فقالوا يجوز البناء عليها واستدلوا على تخصيص ذلك من أحاديث النهي بأن الصحابة قد دفنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة موضع ما قبض لما روي لهم من قوله صلى الله عليه وسلم : (( ما دفن نبي إلا في مكانه الذي توفي فيه )) ، ودفن في الحجرة بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وبنى عمر ابن الخطاب في حائطاً عليها وبنت عائشة رضي الله عنها كذلك القبور الثلاثة وكانت تسكنها وتصلي فيها قبل الحائط وبعده ، وبناها عبدالله بن الزبير أيام خلافته ثم سقط حائطها فبناها عمر بن عبدالعزيز ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بإدخال حجر أمهات المؤمنين فيه بني الحجرة التي فيها القبور الثلاثة وأزرها بالرخام ولم ينكر عليه من وجد من الصحابة ولا فقهاء التابعين ، واستحسان بعضهم إبقاء الحجرة على ما كانت دون هدمها هو لميلهم أن يبقى البناء القديم عظة لما كان عليه سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بساطة وبناء بالطين ويسقف من الجريد غير المرتفع ، وعمر بن عبد العزيز في خلافته مع حرصه على إبطال المنكرات أقر الحجرة على ما بنيت عليه فدل ذلك على أن البناء على القبر غير منكر ولم يزل الأمر على ذلك يتنافس في عمارتها أمراء المسلمين وتفصيل ذلك في (وفاء الوفاء ) ولو كان البناء على القبور شركاً لهدموا الحجرة قبل دفنه بها ولما أحدث عمر وعائشة وغيرهما فيها بناء ، ولما أعادوا بناءها بعد الانهدام أي من الصحابة الموجودين والتابعين ، ولذلك لم يهدم المسلمون بعد فتحهم بيت المقدس وبلاد الشام ما وجد من المباني على قبر الخليل وقبور أولاده إسحاق ويعقوب وغيرهما من صالحي أهل بيته ، ومما على قبر داود وغيره في بيت المقدس ولم يأمر عمر ولا الصحابة ولا التابعون بهدم ذلك 0 والمقصود أنه لذلك كله ذهبت طائفة من العلماء إلى جواز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين مستندين في ذلك إلى إبقاء حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم المحيطة بقبره وقبر صاحبيه وتجديد بنائها في العصور الفاضلة وعدم إنكار الأئمة على ذلك وإلى عدم هدم المسلمين بعد فتح الشام ما على قبور الأنبياء من المباني كما إنه قد بنيت مباني في القرون الأولى على قبور بعض علماء هذه الأمة كما يؤخذ من ( وفاء الوفاء ) ، فتخصيص أحاديث النهي عن البناء باستثناء قبور الأنبياء والصالحين والعلماء بالعمل المتوارث في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، وفي ترك الأبنية على القبور على حالتها بعد فتح الشام ، وعدم هدمها هو أمر له وجه قوي إذ استنباط معنى يعود على حكم العام أو المطلق بالتخصيص أو التقييد إذا قام الدليل على ذلك هو أمر شائع بين العلماء ولا مؤاخذة فيه ، علاوة على أن البناء على القبر هو بمثابة تعليمه بعلامة كما روى ابن ماجه وأبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قد علم قبر عثمان بن مظعون بصخرة وقال : أتعلم به قبر أخي 0 ولا يلزم تعيين هذه العلامة وإنما المراد هو ما يفيد معرفة القبر حيث علل رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم وضعها بأنها لمعرفة القبر ، ورأي من أجاز البناء على القبور أنه مما تشمله العلامة ، إذ لما وقعت حوائط الحجر لم يكتفوا بوضع حجر عند قبر الصديق والفاروق بل أدخلوهما في بنائها ورفعوا البناء وأحكموه حتى يكون علامة باقية ، قال التوربشتي : ( وقد أباح السلف البناء على قبور المشايخ والعلماء المشهورين ليزورهم الناس وليستروحوا بالجلوس فيه ) ، وفي حاشية ابن حمدون المالكي على شرح عبارة لمنظومة ابن عاشر وإذا جاز عند القصار ومن تبعه بناء البيت على مطلق القبور في الأرض المملوكة وفي المباحة إن لم يضر بأحد كان البناء بقصد تعظيم من يعظم شرعاً أجوز ) ، وقال عبدالقادر الفاسي ( لم يزل الناس يبنون على مقابر الصالحين وأئمة الإسلام شرقاً وغرباً كما هو معلوم ، وفي ذلك تعظيم حرمات الله واجتلاب مصلحة عباد الله وانتفاعهم بزيارة أوليائه ، وفي ذلك المحافظة على تعين قبورهم وعدم اندراسها ، وما اندرست قبور الأنبياء والأولياء من الأمم المتقدمة إلا من قلة العناية بأمرهم ) اهـ ، قلت : بل لذلك لم يبقي قبر مقطوع به من قبور الأنبياء إلا قبه صلى الله عليه وسلم ، وفي التحفة من باب الوصية ( إجازة الوصية بالبناء على قبر نحو عالم في المملوكة وكذلك تسوية قبره ) اهـ ، وفي النهاية في باب الجنائز الوصية بالتسوية وعمارة قبور الأنبياء والصالحين حتي في المسبلة ) اهـ ، قلت : والغاية من البناء حفظ قبورهم من الاندثار وأن تعرف فيزورهم الناس تبركاً بهم واستظلال الزائرين بها وتيسير مكثهم للذكر والتلاوة وحفظاً للقبر الذي ثبتت حرمته من دخول الدواب واكلاب ووقوع القاذورات ،

لا خلاف إذا كان البناء لغرض صحيح شرعي : واعلم أن الخلاف في منع البناء بالكراهة والتحريم والتفريق بين المسبلة والمملوكة ووجوب الهدم أو عدمه محله إذا لم يكن للبناء غرض صحيح شرعي 0 أما إذا وجد الغرض الشرعي فلا حرمة ولا كراهة ولا هدم يستوي في ذلك المسبلة والمملوكة ، كأن دعت حاجة إلى البناء خوف نبش سارق أو سبع أو خرق سيل للقبر ، وما كان هذا شأنه لا يجوز هدمه بعد بنائه لأنه قد بني بحق ، وعلى العموم من قال بحرمة البناء إلى قبور الصالحين فقد خصصه بالمسبلة وبعدم الحاجة إليه ، وعلل الحرمة بعدم التضييق على الناس نتيجة احتكار القبر فلا ينتفع المسلمون بموالاة الدفن فيه وليست العلة أن البناء يصير القبر طاغوتاً وصنماً كما قال الوهابيون ،

الكتابة على القبر وكسوته : وأما الكتابة على القبر : فقال الحاكم في مستدركه على حديث جابر بخصوص منع الكتابة ( ليس العمل عليها عن أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب يكتب على قبورهم أخذ به الخلف عن السلف ) اهـ ، وقال الذهبي في تخليصه للمستدرك : ( لا نعلم صحابياً فعل ذلك وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين من بعدهم ولم يبلغهم النهي ) اهـ ، قلت : عدم علمه بشيء لا ينفي العلم مطلقاً ، وعدم بلوغ النهي للتابعين من بعدهم وهم ألوف عديدة بعيد عادة ، وذكر المالكية في كتبهم أن أبا بكر بن العربي ضعف في ( عارضته ) رواية النهي عن الكتابة وقال : لما لم يكن النهي وارداً من طرق صحيحة تسامح الناس فيه ولا فائدة فيها إلا تعليم القبر ، وعند المالكية الكتابة على القبور مكروهة تنزيهاً وحرام إن كانت للمباهاة بها ، وجوزها بعضهم على قبور الصالحين ، وعند الشافعية جواز الكتابة بقدر الحاجة وللتعريف باسم الميت مستحبة ولا سيما على قبور الأولياء والصالحين فإنها لا تعرف إلا بذلك عند تطاول السنين ، ويحمل النهي فيها على ما قصد به الزينة والمباهاة والصفات الكاذبة ، وكتابة النظم والنثر عليها مكروه كراهة تنزيه وكتابة القرآن وكل أسم معظم عليه حرام ، وعند الحنابلة الكتابة على القبر مكروهة كراهة تنزيه ، وعند الحنفية لا بأس بالكتابة على القبر حتى لا يذهب الأثر ولا يمتهن ، وأما كسوة القبر : ففي (كشاف القناع ) أن تغشية قبور الأنبياء والصالحين بغاشية ليس مشروعاً في الدين ) اهـ ، وقال ابن عابدين في آخر تنقيح الحامدية ما نصه : ( وضع الستور والعمائم والثياب على قبور الصالحين والأولياء كرهه الفقهاء حتى قال في فتاوى الجة ( وتكره الستور على القبور ) ا هـ

التمسح بالقبور : لسنا نرى التمسح بالقبور وما أشبه ذلك أنه شرك أو ذريعة للشرك ، وإنما العلة أنه يجب التأدب مع المقبورين فيها ممن عظم الله قدرهم ، فحرمتهم أحياء كحرمتهم أمواتاً ، وللعلماء في التمسح بالقبور وتقبيلها ثلاثة أقوال : الكراهة والجواز بقصد التبرك والتفصيل بين نفي الكراهة لمن غلبه الشوق وترك ذلك لمن لم يغلبه ، ومستند القول الأخير : ما نقل عن السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بعد وفاة أبيها جاءت إلى القبر وأخذت من ترابه وشمته وأنشدت : ( ماذا على من شم تربة أحمد .... أن لا يشم مدى الدهور غواليا ) ، ما نقل عن بلال فقد روى ابن عساكر في ترجمته , وكذلك المقدسي في كتابه " الكمال " أنه رضي الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مناما وهو في دمشق يقول له : ما هذه الجفوة أما آن لك أن تزورني فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يبكي عنده , ويمرغ وجهه عليه إلى آخر القصة ، وما نقله نور الدين الهيثمي المتوفي في أواخر القرن التاسع في كتابه " مجمع الزوائد ومنبع الفوائد " ج 4 أنه قد روى عن أحمد والحاكم في المستدرك وصححه السيوطي وحسنه السمهودي أن أبا أيوب الأنصاري كان واضعا وجهه على القبر , وأنه لما جذبه مروان بن الحكم وهو أمير المدينة من قبل معاوية قال أبو أيوب : إني لم أقصد الحجر وإنما قصدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نقله أبو سعيد السمعاني عن علي رضي الله عنه قال : قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبره , وحثا من ترابه على رأسه وقال : يا رسول الله فسمعنا قولك , ووعيت عن الله سبحانه وتعالى ووعينا عنك , وكان فيما أنزل عليك : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك } الآية ، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي ، فنودي من القبر : أن قد غفر لك ، وقد نقل ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في ( مثير الغرام ) وابن النجار بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال : أتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته فجلست فجاء أعرابي إلخ ، قال الحافظ في الفتح في آخر باب ( من لم يستلم الركنين اليمانيين ) واستنبط بعضهم في مشروعية جواز تقبيل الأركان جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره فقد نقل عن أحمد أنه لم ير بأساً من تقبيل منبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل قبره ، قال ابن حجر : واستبعد صحة النقل عن أحمد بعض اتباعه قال ونقل عن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين ) اهـ ، ولعل من استبعد صحة النقل عن أحمد هو ابن تيمية أو أحد المتأثرين به ونقلهم فيما يوافق مشربهم لا يعول عليه لغلبة التعصب لآرائهم ، وليس غرضنا من ذكر كل هذه الأمور أن نشغل القارئ بتفاصيلها وإنما الذي يعنينا أن نعلن لكل من التبس عليه الأمر من طلبة الحق أن القول بأن ذلك شرك هو غلط من قائله أو مغالطة وأوهام حادت بصاحبها عن سواء الطريق ، وإذا كان الحكم مختلفاً بين العلماء اتسع الأمر على الأمة فإن اختلاف علمائها في الفروع رحمة لها ، والإنكار على فعل لم يجمع على تحريمه أو كراهته ممن قلد القائل بالجواز بمعزل عن الصواب ،

زيارة القبور : واعلم أن زيارة القبور مما أجمع عليه العلماء ودلت عليه صحاح السنة من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم 0 ففي صحيح مسلم وغيره حديث : (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجراً )) ن وأنه لقرب عهدهم بالجاهلية كانت عادتهم إظهار الجزع وتجديد النياحة والتعري فنهوا عن زيارتها فلما استقر الإسلام في النفوس نسخ هذا النهي إلى الأمر بها وبيان إنها ترقق القلب وتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة كما هو مصرح به في بعض الأحاديث الثابتة ، والأغراض من زيارتها تذكر الموت والآخرة والدعاء لأهلها والتبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الصلاح والخير ولأداء حق من له حق عليك براً به كزيارة الوالدين ، وهي مشروعة للرجال وللنساء وأما حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لعن الله زائرات القبور )) الذي أخرجه أصحاب السنن وأحمد والبزار والحاكم وابن حبان : فهو معارض بأقوى منه وذلك بما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : كيف أقول يا رسول الله ( يعني إذا زرت القبور ) قال : قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين ، وللحاكم أن السيدة فاطمة كانت تزور قبر سيدنا حمزة كل جمعة فتصلى وتبكي عنده ، علاوة على أن حديث : (( لعن الله زائرات القبور )) جاء من رواية أبي صالح عن ابن عباس ، وإن حسنه الترمذي فقد قيل : إن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس وتكلم فيه البخاري والنسائي وغيرهما كما في ( الترغيب ) للمنذري 0 والجمهور على أن أبا صالح هو مولى أم هانئ وهو ضعيف واسمه باذان أو باذام وقال ابن حبان : اسمه ميزان ،

ح ـ منعهم السفر لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم : جعل القوم السفر بقصد زيارة قبره صلى الله عليه وسلم بدعة بل وذريعة للشرك ، وأنه سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة ولا يباح الفطر فيه ، وفي حقيقة الأمر لا يحبذون الزيارة مطلقاً 0 ففي ( الدرر السنية ) ج 2 ص 3 –4 – 5- 6 من رسالة لمحمد عبد الوهاب قال فيها : لما كان اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها محرماً لم يكن من ذلك شيء على عهد الصحابة والتابعين ، وكان الخليل عليه السلام في المغارة التي دفن فيها وهي مسدودة لا أحد يدخلها ولا شد الصحابة الرحال إليه ولا إلى غيره من المقابر 000 وهذه البقاع وأمثلها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها ولا يزورونها فإنها محل الشرك 0 ولهذا توجد فيها الشياطين كثيراً وقد رآهم غير واحد على صورة الإنسان يتلون لهم رجال الغيب فيظنون أنهم رجال من الإنس غائبون عن أبصارهم وإنما هم جن ) اهـ ، وليس موضع شك أن إتيانه صلى الله عليه وسلم زائراً مستغفراً من أي مكان هو سبب للفوز بالغفران والرحمة قال تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما } ، وذلك يشمل إتيانه في الحياة وبعد الوفاة لأن الآية علقت الفوز على تحقق الزيارة والاستغفار ، واستغفاره صلى الله عليه وسلم لمن يأتيه وقدرته بعد الوفاة على الاستغفار متحقق لما روى البزار بسند صحيح قال صلى الله عليه وسلم : (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله وإن وجدت شراً استغفرت لكم )) ،

اتفاق العلماء على الزيارة بشد رحل وبدونه : واعلم أن زيارته صلى الله عليه وسلم من السنن المتوارثة الجمع عليها علماً وعملاً من قرب ومن بعد 0 بعد الحج وقبله وبدون الحج أيضاً من جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم سنيها ومبتدعيها عدا الطائفة التيمية والوهابية ، وفي إجماع الأمة ما يغني عن سرد الأدلة على المسألة دون حاجة إلى الدخول في مناقشة التمحك في رد أحاديث الزيارة ويكفي ما حكاه كل من أبي بكر الآجري المتوفي سنة 360 في كتابه ( الشريعة ) وأبي عبدالله بن بطة المتوفي سنة 387 في كتابه ( الإبانة من شريعة الفرقة الناجية ) : ( إنه من أحد من العلماء قديماً وحديثاً رسم كتاباً في المناسك إلا هو يأمر كل من قدم المدينة ممن يريد حجاً أو عمرة أو زيارة فقط كيف يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، والشيخين ) اهـ ، وكذلك كان الخليفة عمر بن عبد العزيز يرسل البريد من الشام إلى المدينة مع الزوار لرفع المقام الشريف ، فكل هذا يعني أن شد الرحل بقصد الزيارة من قرب ومن بعد قرناً بعد قرن من عهد الصحابة ومن لم يتسن له السفر يبعث بسلامه لحضرته مع الزوار ،

ابن تيمية هو أول من حرم شد الرحل للزيارة وادعى أن الزيارة مفضية للشرك : حتي إذا كان القرن الثامن ادعى ابن تيمية أن السفر للزيارة مفضية للشرك ليس لصاحبه رخص السفر وزعم أن أحاديث الزيارة كلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي موضوعة فأشبعه تقي الدين السبكي رداً على ذلك في ( شفاء السقام ) وتكلم على أحاديث الزيارة من طريق فن الرواية ، ثم زاد بأن تضافر الأحاديث عليها يزيدها قوة لا سيما حين يكون الطعن بالضعف ناشئاً من ضعف الحفظ لا من الاتهام بالكذب ، وزعم ابن تيمية أن الزيارة مفضية إلى الشرك لما فيها من تعظيم المزور الذي هو حق صلى الله عليه وسلم ، ولو كان الأمر كما زعم لم تشرع زيارة القبور ولم يفعلها رسول الله عليه وسلم ولا الصحابة في حق شهداء أحد والبقيع وغيرهم 0 وليس لأحد أن يحرم إلا ما حرمه الله ، وتخيل أن ذلك يفضي إلى محذور ومنعه بهذه الذريعة هو من باب معارضة الشارع فيما شرع وانتفاض ما ثبت للمزور من حق الزيارة ، ولما تخيل الرجل أن الناس بزيارتهم متعرضون للإشراك بالله حاول أن يدفع كل ما ينقص ذلك بتأويل كل دليل يرد عليه والاستدلال على رأيه بكل شبهة ، ولعله وأتباعه بما أشربوا في قلوبهم من دعاوى الشرك وذريعة الشرك أنهم قد أحسوا بذلك في أنفسهم حين تعظيم من عظم الله قدره ، وهكذا زعم ابن تيمية فيما هو سنة بالإجماع أنه حرام بلإجماع وفيما هو منبع لزيادة الإيمان أنه ذريعة للشرك ، وليقولوا ما شاء لهم الخيال ما دامت الشريعة قد فصلت ما يجب لله من التوحيد وما يجب لرسوله من التعظيم ، ومن دعاؤه صلى الله عليه وسلم : (( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد )) ودعاؤه لا شك مستجاب ، فما أعتقد أحد بحمد الله من زواره صلى الله عليه وسلم أنه شريك لله في شيء فضلاً عن أن يعبدوا قبره ويتخذوه وثناً ، وما القبر قصدوا ولكن تعظيم من في القبر وعلى رغم أنف من رضي أو سخط يتعقد المسلمون أنه صلى الله الله عليه وسلم الشفيع المشفع والسامع لسلامهم فيرد عليهم ،

استقبال القبر عند الدعاء : وفي إجابة مالك للمنصور في استقبال القبر بالدعاء بلاغ ، قال له مالك : ( أتصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة آدم إلى الله بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله ) وساق الآية : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } ، ويزعم ابن تيمية أن الحكايات كذب ، وأن الزيارة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا السلف ، وكذب زيارة بلال من الشام لرؤياه صلى الله عليه وسلم مناماً يحثه على زيارته ، ونقول : من ارتكب البهتان سقط الكلام معه ، ولقد جازاه الله بعدله فحكم عليه بما هو معروف ، والكلام على حكاية المنصور مع مالك في ( شرح الزرقاني على المواهب ) وقال : ( وكتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر مستقبلاً له مستدير القبلة ، وسمى طائفة من المالكية نصت على ذلك ، وقال : وإلى هذا ذهب الشافعي والجمهور ونقل عن أبي حنيفة ) اهـ ، وروى القاري في منسكه عن ابن المبارك قال : سمعت أبا حنيفة يقول ( قدم أيوب السختياني وأنا بالمدينة فجعل ظهره مما يلي القبلة ووجهه إلى القبر وبكى غير متباك فقام مقام فقيه ) اهـ ، وفي ( الشفاء ) قال مالك : في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف وجهه إلى القبر لا إلى القبلة ) اهـ ، قال السبكي : وحسبك ابن وهب فإن الناس بالمدينة كانوا يختلفون عن مالك فيسألون ابن وهب ، ونقل السبكي ما ينطبق على رواية ابن وهب عن أربعة من المالكية ابن حبيب وابن يونس واللخمي وابن بشير قال : وقال إبراهيم الحربي في ( مناسكه ) فيما ذكره عن الآجري : ( تولي ظهرك القبلة وتستقبل وسطه يعني القبر ، وذكر السلام والدعاء ، وفي كتاب ( المستوعب ) للسامري الحنبلي : يجعل القبر تلقاء وجهه والقبلة خلف ظهره ، قال السبكي وذكر كيفية الدعاء وظاهر ذلك أنه يستقبل القبر فيها جميعاً ) فكيف يحل لذي علم أن يدعي أن مذهب مالك بل مذهب جميع العلماء بخلاف الحكاية المذكورة ، وعندنا استقبال القبر أيضاً حسن ، لا سيما حالة الاستشفاع به ، وسفر بلال من الشام مروية في ترجمته عن ابن عساكر والكمال المقدسي وتهذيبه للمزي ، وتبع ابن تيمية على هذا الشذوذ من أصحابه ومن أغتر بهم من يروجها فصنف العلماء الكتب في بيان هذه المسألة وردد تلك البدعة من أهل المذاهب الأربعة المعاصرين له وغيرهم إلى عصرنا ، ومن أنفع هذه الكتب ( شفاء السقام في زيارة خير الأنام ) للتقي السبكي ، و (المقالة المرضية في الرد على منكري الزيارة النبوية ) للقاضي الأخنائي ، ويعلم العلماء أن رد ابن تيمية على هذه الرسالة مغالطات وشقشقة لسان ، ومن الردود ( التحفة المختارة في الرد على منكري الزيارة ) لعمر ابن اليمن التاج الفاكهاني ، وهؤلاء كلهم معاصرون لابن تيمية ، وكذلك من معاصريه ابن الحاج تعرض في مدخله لرد هذه البدعة دون أن يذكر ابن تيمية ، ومن أدق الردود ( الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم ) لابن حجر المكي 0

ليس في حديث ( لا تشد الرحال ) ما يمنع السفر للزيارة : وحديث : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا )) فإنه ما أختلف عن سائر المساجد بشد الرحال إليها لزيارتها إلا لأنها من مباني الأنبياء وأمكنة غالب عبادتهم فإذا طلبت زيارتها كانت زيارة أصحابها أولى بالطلب وأحق بشد الرحال إليها ، ومن فهم من هذا الحديث أن شد الرحال في الزيارة داخل في المنع فإنه قد جهل الاستثناء المفرغ يجب أن يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه فالمعنى لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيها إلا لهذه المساجد الثلاثة فلا فضيلة لشد الرحال إلى غيرها ، وقد ورد ذلك مصرحاً به في رواية أحمد ولفظه ( لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله لمسجد يبغي الصلاة فيه غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ) ، وإذا كان الحديث وارداً في قصد المساجد فإن قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان والتجارة والتنزه كلها وأمثالها غير داخل في الحديث ،

حديث : (( لا تجعلوا قبري عيداً )) إنما هو نهي عن سوء الأدب عند الزيارة : وحديث : (( لا تجعلوا قبري عيداً )) فالمراد منه النهي عن سوء الأدب عند زيارته عليه السلام باللهو واللعب والزينة كما يفعل في العيد ، وإنما يزار للسلام عليه والدعاء عنده ورجاء بركة نظره ودعائه ورد سلامه ، ومما يؤيد أن المقصود هو المنع من سوء الأدب إنكار علي بن الحسين رضي الله عنهما على رجل يأتي كل غداة إلى فرجة عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل فيها ويدعو كما رواه أبو يعلى فروى إنكار الحسين وفي آخر الحديث : (( صلوا علي وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم )) وذلك إزالة لجهلة وسوء أدبه إذ روى القاضي إسماعيل الحديث وقال فيه أن الرجل قد فعل ما انتهره عليه علي الحسين ،

حديث ما من أحد يسلم إلي إلا رد الله إلي روحي : وحديث أبي دواد وأحمد : (( ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي )) أحسن ما يفسر معناه رواية البيهقي : (( إلا وقد رد إلي روحي )) فتكون الجملة حالية ومعناها كما فسرها البيهقي ( أنه صلى الله عليه وسلم بعد ما مات ودفن رد الله عليه روحه لأجل رد سلام من يسلم عليه واستمرت في جسده صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه لو كان المراد هو تكرار مفارقة الروح لبدنه وتكرار رجوعها حين رد السلام لخالف ذلك القرآن إنه ليس إلا موتتان وحياتان ، قال الفاكهاني في كتابه ( الفجر المنير فيما فضل به البشير النذير ) حين أورد هذا الحديث قال : ( إن الحديث يدل أنه صلى الله عليه حي على الدوام لأنه محال أن يخلو الوجود كله من واحد مسلم عليه من ليل أو نهار ) اهـ 0

ط ـ منعهم التوسل به صلى الله عليه وسلم وبالصالحين ومنع سؤاله الشفاعة : ينكر القوم على من يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالصالحين ويستغيث بهم ويتشفع بهم ويكفرون المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بدعائم الأنبياء والصالحين مستغيثين أو مستشفعين أو متوسلين ، ويضيقون ذراعاً بمدحه صلى الله عليه وسلم بزعم أنها رفع لمنزلته إلى مقام الربوبية ، أما عند السواد الأعظم من علماء المسلمين فأن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالأنبياء والصالحين بأي صيغة جاءت سواء دعوت الوسيلة ليشفع ويدعو في قضاء الحوائج أو طلبت الحوائج من نفس الوسيلة . وبأي اسم سميت كل نوع من نهذه الأنواع فكلها في حقيقتها توسل بعضها أولى من بعض . والمقصد منها كلها في حقيقتها توسل بعضها أولى من بعض . والمقصد منها كلها في قلوب الأمة حتى في قلوب أجهل الجاهلين والجاهلات هو أن يتسبب الوسيلة في قضاء الحاجة بشفاعته ودعائه لربه ولا يعتقد أحد أنه يجب على الله شيء وإنما يعنون بالحق حرمتهم أو ما تفضل الله به عليهم من كرامة عنده . وكذلك لو سألت أجهل جاهل عن مراده من قوله : يا نبي الله أو يا ولي الله : اقضي حاجتي .لعلمت من جوابه على البديهة أنه إنما يريد بذلك أن يكون الوسيلة سببا في قضاء الحوائج من الله بشفاعته ودعائه من قبيل الإسناد المجازي في إقامة السبب وإرادة المسبب . وتوحيد المتوسل قرينه على إرادته هذا المجازي في إقامة السبب وإرادة المسبب . وتوحيد المتوسل قرينه على إرادته هذا المجاز وإن لم يعرفوا تسميته باسمه الاصطلاحي فهم بأي لفظ خرج منهم إنما يطلبون الشفاعة والدعاء والتسبب بأي نحو بما أعطاه الله مع اعتقادهم الجازم أن ذلك راجع إلى محض فضله تعالى , واعتقادهم كذلك أنه تعالى هو الرب وحده والإله المستحق للعبادة وحده , ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع , ولا يشاركه أحد في تأثير ولا في صفة من صفاته الخاصة به . . فأين في هذا عبادة غير الله بل إن ذلك عبادة لله وتذلل له تعالى ما دام هو الآمر بالوسيلة في كتاب الله وفي أحاديث رسوله مما ألف الناس فيه وقتلوا الأمر بحثا وإن كابر المكابرون وتنطعوا في رد الأحاديث وفي تأويل الآيات .وفي " الفتاوي الكبرى " لابن تيمية ج1 ص 105 وص 140 وج 3 ص 276 إجازته للتوسل ، وما جاء عنه خلاف ذلك وتفريق بين صيغة فذلك شأن شذوذه وتناقضه ،

كلام ابن الحاج في التوسل : قال ابن الحاج في مدخله في فضل زيارة القبور وهو معاصر لابن تيمية : " وأما عظيم جناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيأتي إليهم الزائر ويتعين عليه قصدهم من الأماكن البعيدة . فإذا جاء إليه فليتصف بالذل والانكسار … ويحضر قلبه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره … ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم … ثم يترحم على التابعين لهم … ثم يتوسل إلى الله تعالى في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم … فإنهم باب الله المفتوح وجرت سنته سبحانه وتعالى بقضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم ومن عجز عن الوصول إليه فليرسل بالسلام عليهم ويذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه فإنهم السادة الكرام لا يردون من يسألهم ولا من توسل بهم ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم ، قال : وأما في زيارة سيد الأولين والآخرين فكل ما ذكر يزيد أضعافه أعني في الانكسار والذل والمسكنة لأنه الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته ولا يخيب من قصده ولا من نزل بساحته ولا من استعان أو استغاث به …فمن توسل به أو استغاث به أو طلب حوائجه منه فلا يرد ولا يخيب لما شهدت به المعاينة والآثار . قال : وقال علماؤنا : إن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته إذ لا فرق بين موته وحياته أغنى في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم إلى أن قال : فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط كل أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا لأن بركته شفاعته صلى الله عليه وسلم وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب فليستبشر من زاره وليلجأ إلى الله تعالى بشفاعته من يزوره اللهم لا تحرمنا شفاعته بحرمته عندك آمين يا رب العالمين ومن اعتقد خلاف ظلك فهو المحروم ، ولعلك قد أدركت من هو المحروم الذي يشير إليه . ولعل مشايخ الوهابية الذين نقلوا كلام ابن الحاج في المولد سيصبح في نظرهم بعد أن نقلنا عنه هذه الكلمات في الزيارة والتوسل والاستغاثة وطلب الحوائج منه أشد كفرا من أبي جهل وأبي لهب وأبي بن خلف كما يردونه دائما في مخالفي مبادئهم كما سبق نقل عبارتهم في ذلك ، إنه لا منشأ لذلك إلا بغض كائن في قلوبهم لأولياء الله فإنهم لا يجدون غضاضة في نسب النفع للدواء ,والضرر للسم , فإذا سمعوا نسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو وليه اشمأزت قلوبهم وعبست وجوههم وادعوا أنهم يحمون بذلك جناب التوحيد ، والتوحيد عني عن حمايته بهذا السلاح الذي لا يسلونه إلا على الموحدين ولا يصلونه به إلا على خلص المقربين ، قال الإمام سلامة العزامي المتوفي سنة 1376 : ( إذا قلت : أشبعني الطعام وأرواني الماء وشفاني الدواء وقتل السم فلانا ولا يجدون حرجا ، فإذا قلت : أخذ سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي , أو نفعني الولي هاجوا عليك وما جوا وجن جنونهم ورموك بالخروج عن الملة ) أهـ ، قلت : وهم لا يكتفون بهذا بل يختلقون على المسلمين لترويج نحلتهم وتنقير الناس من توقيره صلى الله عليه وسلم

اختلاقهم على المسلمين أمورا لم يقولوها : فهذا شيخ من شيوخهم المدعو ابن منيع يتبرم في كتابه "الحوار " بالصفحات 36 و77 و123 وغيرها من إنشاد المدائح النبوية بزعم أن فيها ألفاظا ترفع منزلته صلى الله عليه وسلم إلى مقام الربوبية والألوهية والتفرد بكمال الجلال والتقديس والتفرد بالعبادة وجعله صمدا شريكا له تعالى في الملكوت والخلق والملك والتدبير والسلطة الكاملة والهيمنة الشاملة والقدرة والعلم المحيط والنفع والضر والمنع والعطاء , واعتباره ملجأ وملاذا مما هو محض حق لله لا يصلح لأحد غيره . وأن ذلك كله شرك لم يقل به أبو جهل وأبو لهب وأبي بن خلف وغيرهم من أئمة الكفر والشرك والطغيان والشرك إلخ هذيانه ، وليس في المسلمين حتى العامة من يزعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقام الربوبية والألوهية والتفرد بكمال الجلال والتقديس والتفرد بالعبادة وجعله صمدا شريكا له تعالى في الملكوت والخلق والملك والقدرة والعلم الذاتي المحيط فكل ذلك اختلافات على المسلمين , وتنفير عن توقيره صلى الله عليه وسلم , ووسوسة شيطان ، وأما التصرف وقضاء الحوائج فذلك لله استقلالا بقدره كن , وأما ما ظهر على يده صلى الله عليه وسلم كشفاء العاهات , وتبديل الأعيان كانقلاب العود سيفا , وتبديل الصفات ,وتكليم الجمادات والبهائم وشهادتها برسالته وطاعتها له , وتكثير الطعام والشراب القليل ونبع الماء من بين أصابعه وتكثيره فإنه وإن بدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فاعلها , فالمسلمون يعتقدون أن فاعلها هو الله , وأما الرسول فهو متسبب فيها ليس إلا وقعت بدعائه وبركته ، ومن طلب منه صلى الله عليه وسلم قضاء الحوائج أو طلب الشفاعة فالمقصد حتى في قلوب العوام أن يتسبب في قضاء الحاجة بشفاعته ودعائه وما نسبتها إليه صلى الله عليه وسلم إلا من قبيل الإسناد المجازي كما وضحناه ، والعالم حقا هو من يميز بين معاني الألفاظ ومدلولاتها حين تطلق على الله خلقا وإيجادا , ومعانيها ومدلولاتها حين تطلق على الخلق مجازا عقليا باعتبار تسببهم فيها .

اتفاق العلماء قبل ابن تيمية على جواز الاستغاثة : والعلماء قبل ابن تيمية على اتفاق بمشروعية زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين للتبرك بهم وندائهم والاستغاثة والتوسل بهم إلى الله ، وإن ذلك سبب لاجتلاب البركات واستنزال الرحمات واستجابة الدعوات وسرعة قضاء الحاجات ، فلما ظهر ابن تيمية منع ذلك وادعي أن ذلك شرك أو فيه شائبة شرك ، وزعم أن منع ذلك مجمع عليه من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة ، وكل ذلك مخترع للتهويل وترويج هذا الشذوذ 0 ولا أساس لذلك من الصحة وقد رد العلماء عليه وأزالوا غبار الشبه التي أثارها ، والمأثور عن العلماء قبله أن التوسل من سنن الدعاء كالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أول الدعاء وأثناءه وآخره فوضعوه في كتب السنن والكتب المؤلفة في عمل اليوم والليلة وغيرها وكلها متداولة بين أهل العلم فهل يجوز عاقل أن يروج دعاة الملة وفقهاء الأمة ما زعم ابن تيمية أنه شرك أو ذريعة له ؟ ، وسيد المرسلين الذي جاء لمحو الشرك ولما شكي إليه الضرير رفع ضره لم يقل له إن ذلك شرك بل علمه دعوة فيها التوسل وفيها النداء وتدل الرواية على أن ذلك النداء وقع في غيبته لما ورد في قول راوي الحديث : (( فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط )) ، وقد جاء في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم قال للأعمى : (( وإن كان لك حاجة فمثل ذلك )) وبذا اجتمع رسول الله صلى عليه وسلم بالتوسل به ونداءه في غيبته وعمل ذلك كلما عرضت حاجة فيشمل ذلك ما بعد الوفاة لإطلاق القول (( وإن لك حاجة فمثل ذلك )) كما فهمه راوي الحديث حيث أرشد صاحب الحاجة إلى عثمان رضى الله عنه أن يفعل ذلك حين دخوله عليه وذلك في خلافة عثمان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، وقد صحح القصة البيهقي والمنذري والهيثمي وقال الطبراني إنه حديث صحيح ، ولا مطعن لطاعن في صحة الحديث كما سيأتي في آخر هذا المبحث كما أنه يتبين بما قدمنا أنه لاشك في جواز التوسل بالحي والغائب والميت جميعا إذ المعنى الذي أجيز به التوسل بالحي هو مكانته عند ربه وقدرته على الدعاء , وذلك معنى لم يفارق المتوسل به لا غائبا ولا ميتا ، وبعد أن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة التي فيها التوسل والنداء وأوصى بفعلها عند الحاجات يكون رمي المسلمين بعد ذلك بالشرك - بزعم أن من نادى غير الله من غائب أو ميت كان معتقدا فيه علما محيطا وقدرة شاملة - مناهضة للحديث ، ولعل الزاعم لمس ذلك الاعتقاد في نفسه أو في أضغاث أحلامه ، أما إن ادعى أنه لمس ذلك في اعتقادات الناس , فإن لم يكن قد شق صدورهم فليوقن أنه مصاب بحمى التعصب وخيالاته , ومعاذ الله أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ما هو شرك أو ذريعة للشرك ، وأما جعلهم محور الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر على شيء وإنما هو سبب في قضاء الحاجة بالدعاء والتشفع ليقضيها الله ,وكلا الحي والميت لهم إدراكات وقدرة على الدعاء كما تقدم ، وكم طلب الصحابة منه صلى الله وسلم أمورا ليست في مقدور البشر عادة ولم يقل للطالب أشركت حين طلبت مني ما لا يقدر عليه إلا الله بل أجابهم إلى ما طلبوا بإذن الله , طلب قتاده رد عينه بعد أن سالت على خده في غزوة أحد فردها وكانت أحسن عينيه . وكما في البخاري شكا إليه ابو هريرة النسيان فأمره ببسط ردائه وقذف فيه بيده من الهواء ثم قال : ضمه , قال أبو هريرة : فما نسيت بعدها شيئا ، وكما في البخاري اشتكت امرأة إليه الصرع والتكشف فسألته أن لا تصرع ولا تتكشف فقال : (( إن شئت دعوت وإن شئت صبرت )) فطلبت منه الدعاء أن لا تتكشف فدعا لها بأن لا تتكشف ، وأخرج ابن عبد البر في " الاستيعاب " بسنده عن طاووس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتي بالمجانين فيضرب صدر أحدهم فيبرأ ، واستفاض في السنة مجيء الناس بمرضاهم إليه ليزيل أمراضهم عنهم بإذن الله فلا يرد أحدا خائبا بل مرة يدعو ويمسح على العلة فإذا الشفاء , ومرة يصب ماء وضوئه على العلة فيعود صحيحا بإذن الله ومرة يؤتي بالأرمد فيتفل في عينيه فإذا العافية ، وهكذا كان الصحابة إذا نزل بهم ما لا يطيقون فزعوا إليه وشكوا واستغاثوا واستشفعوا . وكان صلى الله عليه وسلم يستجيب لطلبات ما طلب منه من خوارق العادات كشفاء المرضى وإنزال المطر بلا سحاب , وقلب الأعيان والصفات ونبع الماء من بين الأصابع ,وتكثير الطعام وغير ذلك مما لا يدخل تحت قدرة البشر عادة , ولم يقل للطالبين إنكم أشركتم بطلبكم ما لا يقدر عليه إلا الله ، ؟ أفيكون الوهابيون أعلم بالتوحيد وما يخرج منه من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانوا يستغيثون به ويطلبون منه ما لا يقدر عليه إلا الله كان يعلم أنهم لا يعتقدون فيه ربوبيته أو استحقاق عبادة أو خلق شيء ,وإنما يريدون منه أن يتسبب في قضاء ذلك بما قدره الله عليه من دعاء وتشفع وما أعطاه الله من تصرف . وهكذا الناس حين يطلبون شيئا لا يقدر عليه إلا الله إنما مقصودهم التشفع إلى الله في ذلك ، فهم ما طلبوا منهم إلا ما أقدرهم الله عليه وملكهم إياه من التشفع ، فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على ما نطق به , وصدوره من الموحدين قرينة على مرادهم ،

طلب الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم : والشفاعة لا تعني إلا الدعاء 0 والدعاء مأذون فيه مقدور عليه ، وطلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في السنة كثير ، فيقول أنس رضى الله عنه كما في سنن الترمذي وحسنه : (( اشفع لي يوم القيامة )) فيقول صلى الله عليه وسلم (( أنا فاعل إن شاء الله )) ، وكذلك أخرج البيهقي في ( الدلائل ) وغيره قول سواد بن قارب : ( فكن لي شفيعاً يوم ذو شفاعة ... سواك بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب ) ، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لأنس ولا لسواد : أطلب الشفاعة من الله فإن طلبها مني شرك ، ولوكان طلب الشفاعة والاستغاثة والتوسل به فيما لا يقدر عليه عادة شركاً ولا كفراً كما توهموه لما جاز ذلك في حال من الأحوال لا في الحياة الدنيا ولا في الحياة الأحرى ولا يوم القيامة ولا قبلها فإن الشرك ممقوت عند الله في كل حال ، فإذا ثبت التوسل به صلى الله عليه وسلم والشكوى إليه والاستغاثة به في الملمات وطلب الشفاعة من في حياته الدينا ، دل ذلك على جوازه وطلقاً وعلى أنه لا كفر فيه ولا إشراك فيه 0 إذ ما هو كفر وشرك يختلف باختلاف الأزمان ولا الشرائع ولا الأحوال ، وسواء وقعت تلك الأمور في الأحياء أو الأموات فإن المقصود كما وضحنا هو التسبب في قضاء الحاجة بالدعاء والتشفع لا اعتقاد ربوبية أو خلق شيء 0 ولو كان في الأمر شيء من ذلك لما جاز في الحياة ولا بعد الموت 0 ولا يقول عاقل أنه جائز إذا كان حياً وأما بعد الحياة فشرك 0 فالشرك كما وضحناه مراراً هو اتخاذ الطلوب منه رباً أو اعتقاد صفاته فيه كما هو شأن عباد الأوثان مع أوثانهم 0 أما اتخاذ المعظم وسيلة إلى الله من غير ذلك الاعتقاد فلا يكون عبادة للوسيلة بل هو عبادة للأمر يجعله وسيلة ،

لا دليل في استسقاء عمر بالعباس بأنه لا يجوز الاستعانة بالميت : أما الاستناد في جواز ذلك بالحي ومنعه بالميت باستسقاء عمر بالعباس ، فذلك جهل بأنواع الاستسقاء التي لا بد فيها من وجود الحي ، فالحوار في الاستسقاء وفي رفع المطر حين يتأذون به كثيرة ، وحين يطلب من صلى الله عليه وسلم الاستسقاء ، كان تارة يدعو فيغاثون أو يرتفع الأذى ، استسقت به قريش لما أصابهم الجدب واستسقوا به في المدينة فوقع الغيث بدعائه ، وروى البيهقي في ( الدلائل ) عن أنس بسند ليس فيه متهم بالوضع أن اعرابياً قال له صلى الله عليه وسلم : ( أتيناك يا رسول الله وليس لنا بعير يئط ولا صبي يغط وأنشد : ( وليس لنا إلا إليك قرارنا ... وأين قرار الناس إلا إلى الرسل ) ، فقام صلى الله عليه وسلم إلى المنبر ودعا فما رد يديه حتي ألقت السماء بأرزاقها ، وفي البيهقي أيضاً أن وفداً زاره شكى الجدب إليه فأغاثهم بنحو ما سبق ، وإقراره صلى الله عليه وسلم لقول الأعرابي ليس لنا إلا إليك قرارنا ، وعدم عده لذلك شركاً أن المقصود هو أن القرار المرجو نفعه هو إليك لا إلى من دونك فهذه طريقة من الطرق التي كان يسلكها صلى الله عليه وسلم في إغاثتهم حين يطلبون السقي ، يدعو من غير خروج بهم ، وتارة يخرج بهم إلى المصلى في يوم مخصوص فيصلي بهم ركعتين بخطبتين كما في سنن أبي داود عن عائشة ، وهذا أتم أنواع الاستسقاء ، فطريقته إذا قحط الناس أن يخرج الإمام او نائبه بهم إلى المصلي في يوم مخصوص فيصلي بهم ركعتين ويخطب ويدعو .أي أن الاستسقاء بهذه الطريقة يتعلق بالأحياء .فكان عمر رضي الله عنه هو صاحب هذه المهمة بصفته إمام المسلمين ولكنه اختار أن يقوم في الدعاء قريبا من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كما في البخاري : (( إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا )) ، وأخرج الزبير بن بكار في "الأنساب " هذه القصة فذكر أن عمر قال للناس : اقتدوا أيها الناس برسول صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله ، ادع يا عباس ، وفي دعائه قال : قد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك … واحفظ نبيك في عمه , فأرخت السماء مثل وأقبل الناس على العباس يتمسحون به ويقولون له : هنيئا لك يا ساقي الحرمين ، وقال عمر حينذاك : هذا والله الوسيلة ، فقول عمر كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا إلخ يشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يخرج بهم إلى المصلى للاستسقاء لهم ، وهذا النوع من الاستسقاء إنما يكون حين وجوده صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم , ولما لم يكن هذا ممكنا بعد وفاته خرج عمر بالناس إلى المصلى فتأخر عن حقه , وقدم العباس للاستسقاء تعظيما لرسول الله وتوقيرا لقرابته وتقديما لعم رسول الله صلى الله وسلم على نفسه مبالغة في التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما استطاع ، فمن فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس ولم يتوسل بالنبي لأن العباس حي والنبي ميت فقد مات فهمه وغلب وهمه ، فإن عمر لم يتوسل بالعباس من حيث هو العباس ، بل من حيث هو قريب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالتوسل الذي أشار عمر بانقضائه بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : كنا نتوسل هو التوسل بخروجه بهم صلى الله عليه وسلم إلى المصلى ليباشر الاستسقاء بالصلاة والدعاء فإن ذلك لا يكون عادة إلا ممن هو حي بهذه الحياة الدنيوية ، وقول عمر رضي الله عنه في حق العباس : واتخذوه وسيلة إلى الله فيه أوضح البيان على أن الصحابة لم يكونوا يفهمون من الوسيلة التوسل بالأعمال فقط ، بل ذلك شامل للتوسل بالأنبياء والصالحين وما يتعلق بهم ، فالتوسل في الاستسقاء الذي انقضي بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو استسقاؤه صلى الله عليه وسلم بالخروج بهم إلى المصلى بالصلاة والدعاء أما الاستسقاء بغير خروج فالتوسل به صلى الله عليه وسلم لم ينقض بوفاته ، فقد أخرج ابن أبي شبيه بسند صحيح وكذلك البيهقي في "الدلائل " بسند صحيح أيضا ان بلال بن الحارث المزني حامل لواء مزينة في جيش الفتح : أن الناس قحطوا في عهد عمر فجاء بلال ووقف عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه بقوله : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا .فلم ينكر فعله أحد من الصحابة , ولم يقل أحد منهم أن هذا فعل القبوريين المشركين ، وأخرج الدارمي عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله التابعي قال : قحط أهل المدينة فشكوا إلى عائشة فقالت : انظروا قبر النبي صلى لله عليه وسلم فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا حتى تفتقت الإبل من الشحم فسمي عام الفتق ، والمقصود من ذكر كل هذا أن التوسل بالحي أو الميت فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لا يعني إلا طلب التسبب في قضاء الحاجة بالدعاء والتشفع , وذلك أمر مقدور عليه ويستوي فيه الأحياء والأموات لما لهم من إدراكات وقدرة على الدعاء ،

تكملة الكلام على حديث الأعمى : ومن حاول التشكيك في صحة حديث الأعمى بأن في سنده أبا جعفر لم يعرفه الترمذي , وذكر أنه غير الخطمي فإن سائر العلماء ، ومنهم ابن تيمية وابن عبد البر قالوا : هو أبو جعفر الخطمي الثقة وقال ابن حجر : إنه صدوق . قال ابن أبي خيثمة : أبو جعفر هذا الذي حدث عنه حماد بن سلمة اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة ، وهذا يعني أن جميع رجال السند معرفون لكبار أئمة الحديث على أن قولهم أن الترمذي ذكر أنه غير الخطمي فيه خطأ حيث جاء في بعض نسخ الترمذي قوله "هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخطمي وفي بعض النسخ وهو غير الخطمي وفي بعضها وليس هو الخطمي " ، وهذا من تصرفات الناسخين إذ ليس من عادة الترمذي أن يقول هو غير فلان ويتركه من غير بيان ، ويؤيد أنه الخطمي سند الحديث في الترمذي وغيره " عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف " لأن أبا جعفر الراوي عن عمارة الذي هو من شيوخ شعبه هو أبو جعفر عمير بن يزيد الخطمي المدني ثم البصري ولا يمكن أن يكون أبا جعفر الرازي المتوفي سنة 160 فإنه وإن كان من شيوخ شعبه أيضا إلا أنه لم يدرك عمارة المتوفي سنة 105 لأن رحلته إلى الحجاز كانت بعد وفاة عمارة بنحو تسع سنين . على أن طرقا أخرى للحديث عن الطبراني كما ساقه السبكي في " شفاء السقام " ينص في صلب السند على أن أبا جعفر الراوي للحديث عن عمارة هو الخطمي الثقة باتفاق . ورجال سند الترمذي كلهم ثقات وإنما أطلق عليه الترمذي أنه حسن صحيح غريب بموجب اصطلاحه . فلانفراد عثمان بن عمر عن شعبة وانفراد أبي جعفر عن عمارة سماه غريبا وهما ثقتان , وكم من حديث صحيح ينفرد به أحد الرواة كحديث (( إنما الأعمال بالنيات )) ، ولتعدد طرق الحديث بعد أبي جعفر وعثمان بن عمر سماه حسنا ولتكامل إثبات الصحة في رواته سماه صحيحا فقال عنه : حسن صحيح غريب , ثم إن الحاكم روى الحديث بسند على شرط الشيخين وأقره الذهبي ونص على صحة الحديث عدد كثير من الحفاظ فلم يبق مطعن لطاعن فيه ، وإرشاد عثمان بن حنيف لصاحب الحاجة إلى عثمان في خلافته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صححها البيهقي والمنذري والهيثمي وقال الطبراني : إنه حديث صحيح ، فلم يبق مطعن لطاعن في صحة الحديث ، ونص الدعاء الذي علمه صلى الله عليه وسلم للضرير من رواية الترمذي : (( اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي , اللهم فشفعه في )) ، فواضح من هذا الدعاء أنه كان توسلا بذاته صلى الله عليه وسلم وفي غيبته لما رواه النسائي في آخره : " فرجع وقد كشف الله عن بصره " ولما رواه الطبراني والبيهقي كذلك من طريقين : (( فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط )) ، وفيه النداء أيضا لما رواه ابن ماجه : (( يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي )) الحديث ، وادعاء ابن تيمية ومن تبعه أن توسل الضرير كان توسلا بدعائه لا بذاته ولا بجاهه وأن قوله : (( إني أتوجه إليك بنبيك )) وقوله (( إني توجهت بك إلى ربي )) هو على حذف مضاف أي بدعاء نبيك ، فذلك صرف لألفاظ الحديث عن ظاهر معناها وإبطال للسنة الصحيحة ، وادعاء أن الشفاء قد تم بدعاء الرسول للضرير لا بتوسل الضرير به فذلك غير مصرح به في الحديث , فذلك غير مصرح به في الحديث , ولكنه مع ذلك لا شأن لنا بأنه صلى الله عليه وسلم قد دعا أو لم يدع , ولا بأن الاستجابة قد وقعت بدعائه صلى الله عليه وسلم أو بدعاء الضرير الوارد في توسله ، بل الحجة هي نص الدعاء المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم حيث اشتمل صراحة على توسل بالذات وعلى نداء له صلى الله عليه وسلم في غيبته , ونداء الغائب عندهم كنداء الميت في عدم الجواز ، فادعاء منع التوسل بالميت تفريق لما أحلوه من استواء الميت والغائب في المنع . وتعليلهم للمنع بالميت بأن التوسل المشروع هو التوسل بدعاء الوسيلة , وأن الدعاء غير ممكن من الميت فذلك مناقض لما دلت عليه السنة الصحيحة من قدرة الأموات على الدعاء والاستغفار للأحياء كما سبق بيانه من حديث البزار وغيره : (( فإذا أنا مت فإن رأيت خيرا حمدت الله ,وإن رأيت شرا استغفرت لكم )) ، على أن طلب الدعاء من المتوسل به ليس مدلولا لغويا ولا شرعيا للتوسل فقد يدعو المتوسل به ويقضي الله الحاجة بمجرد التوسل . وحيث كان ظاهر ألفاظ الدعاء أنه توسل بالذات وأن الضرير قد قام به وهو غائب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دلت عليه رواية النسائي والطبراني والبيهقي ,وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أباح استعماله كلما دعت الحاجة إليه حيث جاء في بعض الروايات قوله : (( وإن كان لك حاجة فمثل ذلك )) ، وأن عثمان بن حنيف الصحابي قد أرشد شخصا إلى استعماله في زمن عثمان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقضى الله حاجته به , فكل ذلك ينقض قول ابن تيمية : " بأن التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم سواء في حضوره أو مغيبه او بعد موته " ليس مشروعا عند الصحابة وأن المتبادر إلى أذهانهم في معنى التوسل هو طلب الدعاء من المتوسل به , فكل هذا ادعاء محض ومحاولة للتخلص مما ورد عليهم من حديث الضرير وروايته ، وأما احتجاجهم على عدم جواز التوسل بفعل عمر في استسقائه بالعباس فقد وضحنا قبل ذلك بقليل لماذا فعل عمر ذلك , وأنه لا دليل فيه على عدم جواز الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ،

ى- استياء الوهابيين من إحياء ذكرى المولد وأشباهه : والوهابيون يستاؤون جدا من اجتماع الناس لإحياء ذكرى ميلاده صلى الله عليه وسلم واجتماعهم للاحتفالات التي يقوم بها المسلمون عند مناسبات معينة , كبدء العام الهجري , وذكرى فتح مكة , وغزوة بدر ونحو ذلك مما يتوخى منه تحقيق خير يعود إلى مصلحة الدين , فكل ذلك عندهم منكر عظيم , وكانوا يقيسونه كقياس المجتمعين على الفسق والفجور , واقتصر الأمر هذه الأيام على إصدار حولياتهم الموسمية في التشهير بتلك الاجتماعات , وتحريم المولد مستخدمين في ذلك كل وسائل الإعلام والمنابر في مهاجمته وإصدار المؤلفات في ذلك وتوزيعها مجانا على النحو الذي أشرنا إليه في مقدمة هذه الرسالة , ولا بأس عندهم من شن الغارة على إحياء هذه الذكرى بينما أباحوا إقامة أسبوع للاحتفال بذكرى محمد بن عبد الوهاب وآثاره ، ولا نطيل الآن القول في بحث مشروعيته المولد حيث خصصنا لذلك بحثا خاصا به ، ولعلك قد أيقنت بعد سماعك ما سردناه عليك من كلمات المتطرفين وتصرفاتهم " من خوض في مصير الأبوين ، وتذمر من جعل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وردا , وطعنهم في الكتب المؤلفة فيها وتضارب أقوالهم في إنكار حرقها والاعتراف به , وكراهتهم لتسويده صلى الله عليه وسلم الصالحين , وتهويشهم في البناء على القبور وجعل ذلك من دلائل الشرك , والتنفير من السفر لزيارته صلى الله عليه وسلم وغلق أبواب الأضرحة لمنع زيارة من فيها ومراقبة الزوار عند زيارتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وانتهارهم ومحاولة إخراج قبره من المسجد , ومحاولة محو ما يتعلق بآثاره صلى الله عليه وسلم ومنعهم التوسل به واستياؤهم من إحياء ذكرى مولده ومعراجه وما أشبه ذلك من المناسبات التي يتوخى منها تحقيق خير يوجه القلوب إلى الحماس للدين والإيمان وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل تلك التصرفات تشعر بأن الوهابيين قد طبعوا أتباعهم تحت ستار حماية جناب التوحيد على أن كل ما فيه إجلاله صلى الله عليه وسلم وتوقيره من قول أو فعل هو شرك وتأليه له صلى الله عليه وسلم وعبادة له , وأن كل من عظمه فهو عابد له أو مرتكب بدعة أو محظورا . وانظر في " الهدية السنية والتحفة الوهابية " رسالة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب التي وجهها إلى مكة بمناسبة فتحها لهم أول مرة وسترى فيها أن من قال يا رسول الله إني أتوسل بك أو اشفع لي فذلك شرك ,وإن قال اللهم إني أتوسل إليك بنبيك أو بجاهه فقد ارتكب بدعة شنيعة ، نسأل الله سلامة قلوبنا وهدايتها إلى الصراط المستقيم .

ما هو بدعة الضلالة وما ليس منها : [ موضوع البدعة خارج عن موضوعنا الذي نحن بصدد بيان قواعده ( تجديد علم التوحيد وفقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك ) ولكن لنفاسة الباب ، ومجمل الكتاب آثرت اتمام النقل عن الكتاب بتمامه لما فيه من التوسط والفقه في دين الله تعالى ، وأثره في ضبط أسماء وأحكام الملة ، بما فيها البدعة والسنّة ، وسيأتي بيان قواعد الاتباع والابتداع والسنّة والبدعة في كتاب التجديد الخامس : كتاب التجديد في الاتباع وتحقيق مسائل وأحكام السنّة والبدعة ]

1 - توسع العلماء في الاستنباط من النصوص : قبل البحث في البدعة نمهد لها بموجز في طريقة استنباط الأحكام فمن المعلوم أن هذه الشريعة خالدة شاملة 0 وسر الشمول فيها أن روعي في تعريف الأحكام فيها مجيئها في الكتاب والسنة على وجه كلى دون تعرض للتفاصيل والجزئيات إلا قليلاً ، فكانت نصوصها أحكاماً كلية وقواعد عامة وقضايا معنوية بوحدة تنظيم كثرة (( وهي العلة التي يدور معها الحكم حيثما وجدت )) وكذلك أشارت في كثير من نصوصها إلي مقاصد التشريع وأصوله العامة ولشمول النصوص بوجوهها الكلية ومقاصدها وعللها المتعدية اتسعت لبيان حكم الله في كل الحوادث ما وقع منها وما يجد مما لا يتناهى ولا ينحصر ولما كانت الحوادث التي يطلب فيها حكم الله لا تنتهي ولعدم مجيء كل الأحكام في النصوص بصريح العبارة لم يأل العلماء جهداً في توسيع النظر في النصوص لاستخراج الأحكام الشرعية منها ، 1 - فتارة ينظرون في ألفاظ النصوص بما تفيده أوضعها اللغوية والعرفية أو لوازمها من عبارة وإشارة وإيماء ودلالته واقتضاء وفحوى ومفهوم ، 2ويستنبطون كذلك مما تفيدها عللها المتعدية من نقل الحكم من الخصوص إلى العموم ، إما بأن تثبت علة الحكم في جزئية بنص أو إجماع فيعطى نفس الحكم للجزئيات الأخرى التي فيها نفس العلة وذلك يسمى عندهم تحقيق المناط والأخذ به متفق عليه ولا يعدونه قياساً ، وإما بأن يقوم المجتهد بتعدية الحكم من المنصوص إلى غير النصوص عليه قياساً بعد استنباط علة الحكم بما هو معروف عندهم بتنقيح المناط وتخريج المناط ، 3 - وقد يستنبط العلماء الحكم من القواعد الكلية وعمومات الشريعة أي مقاصدها ( المصالح والمفاسد ) المبثوثة في النصوص ، من ضروريات ترجع لحفظ الدين أو النفس أو العقل أو المال أو النسب أو النسل أو الأعراض وقد شرع الإسلام لذلك ما يلزم كالإيمان وتوابعه ، وأركان الإسلام والجهاد والحدود ، وأحكام الزواج والبيوع ونحوها ، ومن حاجيات ترجع إلى تيسير أنواع المعاملات والمبادلات وملاءمة التكليف لحالة الإنسان وقدرته : بالترخيص في حالات خاصة وظروف معنية بما يخفف التكليف العادي كالفطر في السفر ، وسقوط فرض الصلاة عن الحائض ، ومن تحسينات أو كماليات ترجع إلى ما لا بد منه لتحقيق المحاسن الفطرية والسير بالمجتمع نحو المثل الأعلى للحياة الطيبة 0 ومرجعها إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ورعاية الجمال والكمال كأحكام الطهارة وستر العورة ونحو ذلك ، وعلى العموم فالمصالح والمفاسد ترجع إلى إصلاح العقائد والآراء والأخلاق والعبادات والمعاملات ، أو بمعنى آخر : إصلاح كل مظاهر النشاط الإنساني سواء الفردي والجماعي ، أو النشاط النظري أو العملي ، والكلام على هذه المقاصد طويل لا مجال الآن لاستقصائه ، والمصالح المعتبرة هي التي لا تصادم نصاً ويشهد لها أصل شرعي بالاعتبار ، 4 - ومن باب اندراج الأمر في المصالح والمفاسد الأخذ بالمصلحة المناسبة عند عدم النص والإجماع 0 أي مناسبة العلة للحكم وكون الوصف من شأنه جلب نفع أو دفع ضرر والقول بالأخذ بها هو مذهب مالك ولكن أحداً من الفقهاء لم يستغن عن استعمالها عند استنباط الأحكام 0 فتراهم عند التفاريع يعللون بمطلق المصلحة ويعتمدون على مجرد المناسبة ، وهذا هو المصلحة المرسلة كما قال القرافي : والمسائل المولدة في الفقه التي حدثت بعد العهود الأولى التي لا نص فيها ولا إجماع كثيراً ما اعتمد الفقهاء في استنباط الأحكام لها على مجرد المصالح المناسبة والمفاسد لأن في تعطيل لأحكام كثير من الفروع الفقهية ، 5 - وقد يسلك الفقهاء طرقاً أخرى عند الاستنباط والتفاريع كالأخذ بالاستصحاب والاستحسان والتخريج والاقتران الشرطي وغير ذلك مما هو مدون في كتب الأصول ، وأختتم البحث بإيراد عدة أحاديث مكملة له إن شاء الله : 1 - فمن حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم )) ، 2 - ومن حديث البزار والطبراني بسنديهما عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ثم تلا : { وما كان ربك نسياً } )) ، 2 - ومن حديث الدارقطني بسنده عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وحرم أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها )) ، وهكذا الأمر دائماً فالحرام ما ورد نص بتحريمه أو دلت الشريعة على تحريمه باستعمال الأدلة الشريعة بلا تعسف ولا تكلف ، والفرض ما دلت الشريعة على فريضيته ، والمسكوت عنه على العفو إلا أن يرد حكم بشأنه من نص أو إجماع أو استنباط بأحد طرق الاستنباط المعتبرة عند الفقهاء ، ومعذرة (( إن لم أتوسع في الكلام عن طرق الاستنباط وضرب الأمثلة ) لضيق الرسالة عن الاستقصاء اعتمادا على أن المفترض في العلماء الذين لهم خبرة وممارسة بكتب الأصول واعتمادا كذلك على أن المقصود بيانه من ذلك هنا هو عدم التعصب بطلب النصوص الصريحة لحكم كل حادثة جوازا وتحريما , فإن ذلك يعطل أحكاما كثيرة أدلة لها منصوص عليها محدودة كل حادثة جوازا وتحريما فإن ذلك يعطل أحكاما كثيرة من وجود أدلة لها منصوص عليها إذ النصوص محدودة وحوداث البشر لا تنتهي , ومحال أن يتسع المتناهي لما لا يتناهى إلا بما سلكه الفقهاء من طرق الاستنباط من النصوص عبارة ودلالة وإشارة واقتضاء وإيماء ودرجا في العموم وقياسا واندراجا في باب المصالح والمفاسد والأخذ بالمصالح المرسلة عند عدم النص على الحادثة بخصوصها وعند عدم الإجماع عليها ،

2- تحرير البحث في المحدث والبدعة : اعلم أن السنة في مقابلة البدعة : تطلق على ما اندرج تحت النصوص الشرعية أو الأصول الشرعية من إجماع أو قياس أو اندراج تحت مصلحة ملائمة ولو لم يرد بذلك نص بشرط أن لا يصادم ذلك نصا أو أصلا شرعيا ، وينظم في سلك السنة عمل الخلفاء الراشدين والصحابة الأكرمين للثقة بأنهم لا يعملون إلا على بينة من أمر دينهم ولأن إتيانهم لأمر محدث (لم ينكره بعضهم )أمارة على أنه لا يصادم أصلاً من أصول الشريعة لمعرفتهم من طول عشرته صلى الله عليه وسلم بقوانين التشريع 0 ومثل ذلك ما حدث بعد عهد الصحابة في قرن التابعين وتابعيهم لما ورد من الثناء عليهم وللثقة بأنهم لا يعلمون إلا على بينة ، وأما البدعة فقد بالغ الوهابيين في إطلاق بدعة الضلالة على كل أمر جديد لم يكن في القرون الثلاثة ، وأنكروا على الفقهاء تقسيمهم للبدعة إلى مقبولة وإلى مردودة أو إلى حسنة وسيئة ، ولتحرير البحث ينبغي أن يعلم أن للمحدث والبدعة معنى خاصاً شرعياً ومعنى عاماً لغوياً ، فالبدعة : بالسان الشرع خاصة بكل محدث يخاف النصوص أو الأصول الشرعية إن لم يكن مستنداً إلى عمل القرون الثلاثة 0 فبهذه المخالفة يكون المحدث مخالفاً لشرعه صلى الله عليه وسلم وخارجاً عن أمره وطريقته وسنته ومنهج تشريعه ، وهذه هي بدعة الضلالة ولم يقسمها أحد بل كلها مذموم وهي المعنية في حديث : (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ، وفي حديث : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) ، وعمومها في الحديث إنما هو بحسب معناها الخاص الذي استعمله الشرع فيها ، وهو كل محدث بعد القرون الثلاثة يصادم النصوص أو الأصول الشرعية ، وأما المحدث والبدعة بمعناها اللغوي العام من الابتداع بمعنى الإحداث فتعني كل أمر مبتدأ من غير مثال سابق ، وهذه هي التي قسمها الفقهاء إلى مردودة وهي بدعة الضلالة السابقة ، وإلى مقبولة وهي الأمر المبتدأ الذي لا يصادم نصاً ولا أصلاً شرعاً وتتحقق بها مصلحة مناسبة للتشريع ، وهذه ليست من المحدث المذموم ، ولو وقعت بعد العهود الأولى ولا خارجة عن الشرع ولا عن أمره صلى الله عليه وسلم ، ولا عن طريقته وسنته ومنهج تشريعه فلا يشملها حديث : (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ولا حديث : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) ، بل إليها الإشارة بما رواه مسلم عن جرير وابن ماجه عن أبي جحيفة رصي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من سن في الإسلام سنة حسنة عمل بها بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )) ، فالحديث قد قسم الأمر المبتدأ من غير مثال أي المحدث بالاصطلاح اللغوي إلى مردود وإلى مقبول ، كما أن الحديث يشرع ابتداء الخير دون تقييد بعصر معين فيدل على أن عمل الخير ليس مقصوراً على أهل قرن بعينه ، ولا مقصوراً على ما أحدثه الصحابة والتابعون وتابعوهم كما يردد الوهابية ، ولأنهم يريدون صرف الأذهان عن الاستعمال الشرعي الخاص للمحدث والبدعة (ليندرج في بدعة الضلالة كل ما لم يفعله الصحابة ) فسروا هذا الحديث بما لا ينطبق على الفاظه فقالوا : المراد منه من احياء سنة مهجورة ، بينما الواضح من ألفاظ هذا الحديث أنه يحث على أنشاء سنن الخير 0 كما أن هناك أحاديث غيره تحث على إحياء السنن المهجورة وفرق بين إنشاء السنن وبين إحيائها ، واعلم أن من قال من العلماء أن البدعة لا تكون إلا سيئة أراد البدعة الشرعية ( أي الابتداع في الدين : بزيادة فيما تعبدنا الله به ، أو نقص منه أو اشتباه به ، أو نسبة شيء إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه من نصوص الشريعة أو قواعدها وأصولها ولو بالاندراج في باب المصالح والمفاسد عند عدم النص أو الإجماع على الحادثة بخصوصها ) ، وننقل لك من كلام العلماء ما يدل على تضافر أقوالهم على ما أوضحناه بخصوص البدعة الشرعية والبدعة اللغوية وضوابط المردود من ذلك والمقبول منه قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم " : المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه , وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه ببدعة وإن كان بدعة لغة " ، ثم قال : " من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلاله ، وأما ما وقع من كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية " ، قلت : البدعة الشرعية مذمومة كلها باتفاق إلا أنها قد أصبحت حقيقة شرعية في المحدث الذي يعارض النصوص والأصول . أما البدعة بالإطلاق اللغوي فالمراد منها هو بدعة الضلالة المعارضة للأصول والنصوص , والمقبول منها هو ما لا يعارض ذلك واندرج تحت مصلحة مناسبة عند عدم النص والإجماع ، وقال ابن حجر العسقلاني " البدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما " ، وقال مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي في رسالة له عن البدعة : " البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة . وأما البدعة التي قسمها العلماء إلى واجب وحرام إلخ . فهي البدعة اللغوية وهي أعم من الشرعية لأن الشرعية قسم منها ، وقال التفتازاني في شرحه على " المقاصد " : " من الجهلة من يجعل كل أمر لم يكن في عهد الصحابة بدعة مذمومة , وإن لم يقم دليل على قبحه تمسكا بقوله عليه السلام : إياكم ومحدثات الأمور " ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل من الدين ما ليس منه " ، وقال التفتازاني في شرحه على " المقاصد " : " من الجهلة من يجعل كل أمر لم يكن في عهد الصحابة بدعة مذمومة , وإن لم يقم دليل على قبحه تمسكا بقوله عليه السلام : (( إياكم ومحدثات الأمور )) ، ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل من الدين ما ليس منه " ، وروى البيهقي بإسناده في كتابه " مناقب الشافعي " أنه قال " المحدثات من الأمور ضربان : أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلالة , والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهذه محدثة غبر مذمومة " ، وقال ابن الأثير في " النهاية " : " البدعة بدعتان : بدعة هدى , وبدعة ضلالة فما كان في خلاف ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم , فهو في حيز الذم والإنكار , وما كان واقعا تحت عموم ما ندب إليه وحض عليه فهو في حيز المدح والبدعة الحسنة في الحقيقة سنة وعلى هذا التأويل : " يحمل حديث كل محدثة بدعة على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة " أهـ ، وقال الغزالي في الأحياء : " ليس كل ما أبدع منهيا عنه بل المنهي عنه بدعة على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة " أهـ ، وقال الغزالي في الأحياء ليس كل ما أبدع منهيا عنه بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابته وترفع أمرا من الشرع " ، وفي شرح الأربعين لابن حجر المكي : " البدعة لغة ما كان مخترعا , وشرعا ما أحدث على خلاف الشرع ودليلة الخاص والعام ، وفي شرح الأربعين لابن حجر المكي : " البدعة لغة ما كان مخترعا , وشرعا ما أحدث على خلاف الشرع ودليله الخاص والعام ، قلت : ويتبن من هذه النقول : أنه ليس العبرة في عدم قبول المحدث هو عدم سبق فعله , وإنما العبرة في رده هو أن يصادم أصلا من أصول الشريعة وقواعد الاستنباط وبهذه المعارضة يكون ليس من شرعة وعلى خلاف منهج تشريعه وهذا هو بدعة الضلالة وهي مذمومة كلها بحسب ما استعملت فيه شرعا ، وعلى هذا فإن من حمل الكلية على ما عارض النصوص وما لم يعارضها فقد غلط وخلط بين ما بنطق عليه الاستعمال الشرعي وبين ما لا ينطبق عليه من الاستعمال اللغوي من كل أمر مبتدأ على غير مثال مما لا يعارض نصا ولا أصلا , وكان مندرجا تحت مصلحة مناسبة عند عدم النص والإجماع فذلك مقبول وليس من المحدث المذموم ، حيث إن البدعة بالإطلاق اللغوي ما هو مقبول , ولو لم يحدث في العهود الأولى فإدراج هذا المقبول في بدعة الضلالة يعد خروجا عن الجادة وإهمالا لحديث : (( من سن سنة حسنة )) ، فمن أراد أن يدرج محدثا لم يفعله الصحابة والقرون الأولى في بدعة الضلالة عليه أن يكون متثبتا من النصوص والقرون الأولى في بدعة الضلالة عليه أن يكون متثبتا من النصوص الخاصة أو العامة أو الأصول الشرعية التي تصادم هذا المحدث وتقبحه ,وذلك لئلا يختلط ذلك بالمقبول من البدعة بالإطلاق اللغوي ولأن من أدرج شيئاً من ذلك في بدعة الضلالة فإنه يكون محرماً لذلك الشيء ، ومعلوم أن تحريم الشيء حكم شرعي لا بد فيه من دليل من كتاب أو سنة أو دليل معتبر ينطبق على المتنازع عليه وإلا كان تحريماً من عند أنفسنا ينطبق عليه ما ورد فيمن يحللون ويحرمون من عند أنفسهم ، وحسبنا احتياطاً في قبول الجديد بعد العهود الأولى أن لا يعارض نصوصاً ولا أصولاً ، ويندرج تحت مصلحة مناسبة لم يلغ الشارع مثلها وذلك عند عدم النص والإجماع ، وإننا نجد أموراً جدت على الأمة بعد العهود الأولى ولا تتعارض مع النصوص والأصول الشرعية تقبلها المسلمون ولم يجعلها أحد من بدع الضلالة ولم يقل أن حديث كل بدعة ضلالة يشملها ، من ذلك مثلاً : تشكيل آيات القرآن ونقط حروفه وتنظيم الأجزاء والأرباع والسجدات 0 ووضع العلامات على كل عشر آيات ، وعد سور القرآن وترقيم آياته ، وبيان المكي والمدني في رأس كل سورة ، ووضع العلامات التي تبين الوقف الجائز والممنوع ، وبعض أحكام التجويد كالإدغام والتنوين ونحوها ، وهذه كلها أمور وقعت بعد عهده صلى الله عليه وسلم على طول القرون بعد القرون الثلاثة ولم يقل أحد أن ذلك من محدثات البدع ، بل هي من المستحسنات لأنها لا تصادم نصاً ولا شيئاً من أسس التشريع ويتحقق بها مصلحة معتبرة وهي المحافظة على تيسير تلاوة القرآن وحفظه وحسن ترتيله ، وذلك من الضروريات التي ترجع إلى حفظ الدين ، فأصبحت مندرجة تحت تشريع عام يستحسنها ، وكل ما كان من هذا القبيل فإنه لا يشمله حديث : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) ، ولا حديث : (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ، وإطلاق المحدث والبدعة عليه هو إطلاق لغوي ، والاحتفاء بالمولد لا يخرج عن كونه لا يعارض نصاً ولا أصلاً شرعياً ويتحقق به مصلحة تشريعية معتبرة من الضروريات التي ترجع إلى حفظ الدين ، كغرس تعظيمه صلى الله عليه وسلم بالتذكير بفضائله ، وما وصل إلى الأمة على يده من الخير ، ومن المكابرة والمغالطة رد مثل هذا القول : ( إن التعظيم لا يكون بإتيان المحدثات المبتدعات ) لأن التسليم بأن المولد محدث ضلالة يتوقف على إثبات أن إقامته تصادم سنة حسنها الشرع أو تندرج تحت حكم قبحه الشرع ، وسيأتيك عند بحث المولد بيان حقيقته ، وأنه ليس في أفراده ما ينكر الشرع ، وبيان أهدافه وما يتحقق به من خير , فلا يشمله حديث : ((كل بدعة ضلالة )) الذي أوضحناه أن عمومه مقصود به المحدث بحسب الاستعمال الشرعي , وهو الذي يعارض النصوص والأصول , وذلك جمعا بينه وبين حديث : (( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة )) ، وبعد أن علمت الاتفاق على أن تقسيم البدعة والمحدث إلى حسن وسيىء هو تقسيم لذلك بالإطلاق اللغوي لا الشرعي فمن التكلف عناء الإنكار على التقسيم لتوهم أن المقسم هو البدعة والمحدث بالاصطلاح الشرعي أي المحدث الذى خالف نصاً أو صدم أصلاً شرعياً إن لم يكن مستنداً إلى عمل القرون الثلاثة ، بينما التقسيم وعدم التقسيم واردين على محلين مختلفين : التقسيم بالنسبة إلى الاستعمال اللغوى وعدم التقسيم بالنسبة إلى الاستعمال الشرعي ، وإلا فكيف يخطر ببال عاقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناقض فيقول : ((كل بدعة ضلالة )) ، ويقول في الوقت نفسه : (( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة )) ، وكيف يخطر ببال عاقل أن العلماء من أمثال الشافعي والبيهقي والغزالي والعز بن عبد السلام وابن الصلاح والقرافي والنووي وابن الأثير وعبدالحق الدهلوي وابن حجر المكي وملا على القاري وغيرهم أنهم يشاقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقسيم البدعة الشرعية التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ) بل هم أخذوا البدعة والمحدث بالمعنى اللغوي العام فقسموها إلى حسنة وسيئة مقتدين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة ) وأبقوا البدعة الشرعية على عمومها في كل ما يسميه الشرع محدثاً وبدعة باصطلاحه وعرفه وهو المخالف للنصوص والأصول الشرعية كما ضبطه الشافعي وغيره ، فتهويش صاحب (الحوار) بالكلية الواردة في حديث : (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ص 58 ، بقوله : التعبير بكل محدثة وكل بدعة ضلالة " هل يعني العموم أو التقسيم " , وبقوله ص 104 : " النصوص النبوية في رد البدعة نصوص عامة شاملة لا يمكن أن يخرج من أجزائها وأفرادها ما يعتبر حسنا لما في ذلك من اتهام الدين بالنقص والرسول بالتقصير " . وبقوله ص 104 : " النصوص النبوية في رد البدعة نصوص عامة شاملة لا يمكن أن يخرج من أجزائها وأفرادها ما يعتبر حسنا لما في ذلك من اتهام الدين بالنقص والرسول بالتقصير " . وبقوله ص 88 : " إن تلك الألفاظ صريحة واضحة جاءت بلفظ العموم والحصر فليس فيها تخصيص عموم ولا قيد إطلاق ولا استثناءات ولا تقسيمات " ، كل تلك تهويشات من باب تضليل الناس بصرف نظرهم عن الاستعمال الشرعي للمحدث والبدعة الذي يطلق شرعا على ما يصادم أصول التشريع . فالكلية سارية على كل محدث مما يسمى بلسان الشرع محدثا لا القسم المقبول بالإطلاق اللغوي العام من أمور تجد على الأمة بعد العهود الأولى ولا تتعارض مع النصوص والأصول الشرعية فإن هذا ليس مورد حديث " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " وإنما هو مورد حديث : " من سن سنة حسنة عمل بها بعده كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء " ، وكذلك تهويشات بجملته على الشافعي بقوله ص 20" فهل نترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من قول واضح ونص صريح ونقول : قال الشافعي , قال النووي , قال ابن الأثير , قال فلان , قال فلان حقا يوشك أن تنزل على أهل هذا الاتجاه حجارة من السماء مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد " ، بينما الشافعي ومن ذكرهم لم يأتوا برأي من عندهم في التقسيم وإنما قسموا الذي قسمه الرسول إلى حسن وسيء في حديث : " من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة " وغاية الأمر أن الشافعي قد وضح الضابط الذي يميز كل قسم عن الآخر ,فجعل السيء ما خالف النصوص والأصول والحسن ما لم يعارض شيئا من ذلك ، وإن وضع الضوابط والجمع بين المختلفات هو من مهمة العلماء الذين يعون ما يقولون ، وكذلك لمزة لجمهور العلماء وأكثريتهم لمجرد وهمه أن تقسيمهم كان للبدعة الشرعية فقال ص 69 بحقهم : " أنه قد أنكر عليهم من يقتدي بهم ويعترف لهم بالفضل والتقى والصلاح وسلامة الاتجاه وصحة المعتقد فضلا عما أتوه من بسطة العلم والفهم والإدراك من أمثال ابن تيمية والشاطبي وابن النحاس وابن رجب وابن حجر فهؤلاء لم يبدعوا كل محدثة " ، وبقوله في ص 57 " إن الثاني قد انحى بالملائمة على اتجاه الفريق الأول الذي فتح للبدع والمحدثات الأبواب على مصاريعها " أهـ ، وهكذا تخيل وجود معركة بين فريقين في البدعة الشرعية رغم أن الاتفاق تام على عدم تقسيمها , كما أن الاتفاق تام على عدم صحة معتقد الفريق المقسم الذي على رأسهم صلى الله عليه وسلم , والذي قال : (( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة )) ، وزعمه أن تقسيمهم قد فتح للبدع الأبواب على مصاريعها ، وليته تفطن إلى أن التقسيم منصب على البدعة بمعناها اللغوي لا الشرعي , فكان يغنيه ذلك عن إساءة الأدب مع الكبار وعن إدارة حرب في الهواء ، وأود أن نلفت نظرك أيها القارئ إلى مدحه ابن حجر هنا ببسطة العلم والفهم والإدراك لما تخيل أنه وافقه ثم في نقله في حقه ص 77 : " أنه حجة في النقل , ولكنه لم يؤت ما أوتي الأئمة المجتهدون من قوة الاستنباط " لما قال الحافظ عن المولد أنه بدعة حسنة ، وهكذا يتحكم الهوى عند هذا فثناء ببسطة العلم والفهم والإدراك عند تخيل الموافقة , وقدح يسلب قوة الاستنباط عند المخالفة ، ويتضح من كشف هذه التهويشات أن من سمى المقبول من البدعة بالإطلاق اللغوي أنها سنة حسنة فبرسول الله صلى الله عليه وسلم قد اقتدى في التسمية , وإن سماها بدعة حسنة فلم يجانب الإطلاق اللغوي للبدعة من الابتداع بمعنى الإحداث , أي كل أمر مبتدأ من غير مثال سابق , ومن تجنب تسميتها بدعة , فعلى رأي من لا يطلق البدعة إلا على طريق الشرعية ويسمى المقبول من البدعة بالاطلاق اللغوي سنة أو يسميها اتباعا وما أشبه ذلك ، ولو فحص كل ما قيل فيه أنه مستحدث , أوبدعة حسنة لوجد أنه مأذون فيه من الشارع إشارة أو مأذون من الشارع إشارة أو دلالة أو بتحقيق الشروط التي ذكرناها في المقبول من البدعة بالإطلاق اللغوي , أي لا تصادم نصوصا ولا أصولا شرعية مندرجة تحت مصلحة مناسبة عند عدم النص والإجماع ، وأختم القول في البدعة بكلمتين . إحداهما للمرحوم العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري المتوفي سنة 1371, والثانية للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ، قال الكوثري : " الشيء المبتكر النافع إذا لم يصادم سنة يكون بدعة حسنة كإنشاء المستشفياء والملاجئ والأربطة والمكتبات وتدوين الكتب في شتى العلوم النافعة للمجتمع عند جمهور أهل العلم لأنها داخلة أحاديث عمل الخير لصنوف الناس مع عدم مصادفة شيء منها لسنة متوارثة ، وأما الشيء المبتكر المصادم لسنة ثابتة فيحكم عليه في أول خطوة أنه سنة سيئة وإن تصور بعض العقول في ذلك النفع . وابتداع شيء من العبادات لا يكون إلا مصادما للمتوارث عن الشارع فلا يتصور أن يكون مثل هذا الابتداع بدعة حسنة أصلا ، فحسن البدعة يكون باندراجها تحت تشريع عام يستحسنها , وسيء البدعة يكون بمصادمتها لسنة حسنها الشرع أو باندراجها تحت حكم قبحه الشرع , وهذا ما عليه جمهور أهل الفقه في الدين على اختلاف مذاهبهم " ، قلت : وبدعة حسنة وبدعة سيئة إنما هو تقسيم للبدعة والمحدث بالإطلاق اللغوي العام لا المحدث والبدعة بالإطلاق الشرعي , فإنها لا تكون إلا سيئة , وقوله ابتداع شيء من العبادات لا يكون إلا بدعة سيئة يشير إلى المحدث يمارسه صاحبة على أنه داخل في بنية الدين وجزء منه . ويزيد هذا المعنى وضوحا بما كتبه البوطي في البدعة فقال ما مضمونه " ليس المراد بالبدعة معناها اللغوي في البدعة فقال ما مضمونه " ليس المراد بالبدعة معناها اللغوي الذي هو كل جديد طارئ على حياة المسلم مما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه , فالحياة ما تزال تتحول وربطها بسمار من الجمود وعلى حالة واحدة على مر الأزمنة والعصور غير ممكن " أهـ ، قلت : ولا يتناسب مع عموم الشريعة وعدم تناهي حوادث البشر التي لا بد لها من إحكام ، وقال البوطي : " فلا يعقل أن يكون المقصود بالبدعة معناها اللغوي بل ما رأينا واحدا علماء المسلمين وفقهائهم ذهب في تفسيرها وتعريفها هذا المذهب العجيب وإنما تنطوي الكلمة على معنى اصطلاحي خاص ، وبعد أن ذكر تعريف الشاطبي للبدعة " بأنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله عز وجل أو أنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية " ، " ويشير بتعريفه الأول إلى القول بحصر البدعة في العبادات وبتعريفه الثاني إلى القول بأنه قد يدخل في البدعة سائر أنواع السلوك والتصرفات دينية أو دنيوية" ، وقال البوطي : وعلى كلا التعرفين فلكي يأخذ السلوك معنى البدعة وحكمها يجب أن يمارسه صاحبه على أنه داخل في بنية الدين , وجزء منه فيكون حينئذ ليس من أمره صلى الله عليه وسلم أي ليس من دينه فمناط تسميته البدعة وإنكارها أن المبتدع يقحم في بنية الدين ما ليس منه ، ولما كان المشرع هو الله لم يبق مجال لأي تزيد أو تغيير على شرعه . والبدعة على هذا المفهوم لا تكون إلا ضلالة بضرورة أنها تعني التزيد على الدين والإضافة إليه وذلك لا يمكن أن يكون حسنا بحال من الأحوال ، أما سائر الأفعال والتصرفات الأخرى دون تصور أنها جزء من الدين وإنما يندفع إليها ابتغاء تحقيق هدف أو مصلحة دينية كانت أو دنيوية فهي أبعد ما تكون عن احتمال تسميتها بدعة ، وإن كانت مستحدثة في حياة المسلمين ، وإلحاق هذا بحديث : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) يؤدي إلى الدعوة إلى تجريد حياة المسلمين من كل ما يجد من الحوادث بعد عهده صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه فليجتنبوا كل ذلك إن كانوا يستطيعون " ثم قال : ( فإن كانت الأفعال والتصرفات التي تصدر من الإنسان مما لا يدخل في معنى البدعة التي تم بيانها تتعارض مع أوامر أو نواه ثابتة في الشرع فهي مخالفات ، وإن كانت غير معارضة ولا موافقة فهي تصنف من حيث أحكامها بلون الآثار والنتائج التي تحققها ، فما كان منها مودياً إلى تحقيق واحدة من المصالح الخمسة التي جاء الدين لرعايتها ( الدين والحياة والعقل والنسل والمال ) فهي من قبيل السنة الحسنة 0 وتتفاوت بين الندب والوجوب حسب شدة الحاجة لتحقيق تلك المصلحة ، وما كان منها متسبباً في هدم واحدة من تلك المصالح أو الإضرار بها فهي من نوع السنة السيئة ، وتتفاوت بين الكراهة والحرمة ، حسب مدى الضرر الذي تلحقه بتلك المصلحة 0 أما ما كان بعيداً عن أي تأثير ضار أو مفيد لتلك المصالح فهو من قبيل المباح أو من قبيل العفو كما جاء في الأحاديث التي سقناها في آخر بحث توسع العلماء في الاستنباط من النصوص ، وقال البوطي : ( ومن المفروغ منه أن ذلك كله مشروط بألا تستتبع هذه المحدثات آثاراً ضارة تؤدي بجدوي ما حققته من المصالح أو تلحق الضرر بمصلحة مقدمة عليها ، ثم قال : ( فاحتفالات المسلمين بذكرى مولده والمناسبات المشابهة لا تسمى بدعة قبل كل شيء لأن أحداً من القائمين عليها لا يعتقد أنها جزء من جوهر الدين أو أنها داخلة في قوامه وصلبه ، ولا يعتقدون فيمن تركها أنه يرتكب وزراً ، وإنما هي نشاطات اجتماعية يتوخى منها تحقيق خير ديني يعود إلى مصلحة دينية على مستوى الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات 0 وإذا رأينا من يخلطها بما يسىء إلى نتائجها فإن النبذ يجب أن يتجه إلى هذا الخلط لا إلى جوهر العمل في حد ذاته ، فكم من عبادة صحيحة مشروعة يؤديها اناس على غير وجهها فتؤدي إلى نقيض الثمرة المرجوة منها ، ولا يقول عاقل أن ذلك مبرر للتحذير من أدائها والقيام بها ، ثم قال البوطي : ( ولنفرض أننا مخطئون في معنى البدعة وأن ما يقولونه فيها بأنها كل ما استحدث بعد عهد النبي وأصحابه سواء أدخله الناس في جوهر الدين أم لم يدخلوه فإن المسالة تغدو من المسائل الخلافية المختلف في شأنها والخاضعة للاجتهاد حسب اختلاف المفهوم ، ومما هو معروف في آداب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن القائم بهذا الشأن ينبغي وقف في موقف عام أن ينهى عن المنكرات المجمع على أنها كذلك ولا ينصرف عنها إلى النهي عما اختلف فيه المسلمون من المسائل الاجتهادية ، فإن الإمعان في النهي عن هذه المسائل لا يؤدي إلا إلى شقاق وتصديع وحدة المسلمين وبث عوامل البغضاء بينهم ، وفي حياتنا من المنكرات والمفاسد التي لا خلاف فيها ما يكفي لأن يقضي الدعاة عمرهم في معالجتها , فلماذا التشاغل عن هذا الذي أجمعت الأمة على أنه من المنكر الذي لا عذر في السكوت عليه ثم نشتغل بالانتصار لاجتهاداتنا الشخصية ومحاربة ما يقابلها من الاجتهادات " ، قلت : ومجمل ما يتحصل مما نقلناه عن الكوثري والبوطي وغيرهما قديما وحديثا أنه لا ينكر من المستحدث بالإطلاق اللغوي ولا يرد إلا ما أثبتت الأدلة أنه يصادم سنة ثابتة حسنها الشرع , أو يندمج تحت حكم قبحه الشرع , وذلك هو المراد من المحدث والبدعة بالاصطلاح الشرعي ، وليس المراد من حديث : (( من أحدث في أمرنا ما ليس منه )) ، قصر المشروع على الحوادث التي كانت في عهدهم , بل المراد نبذ الحوادث التي لا توافق طريقهم في الاستنباط بمصادمة ذلك لما حسنه الشرع أو اندماجه تحت ما قبحه ، وما أظن عاقلا يخالف في هذا ولكن سبب الخلاف غلط من غلط في التطبيق بإدراجه المولد في بدعة الضلالة بزعم أنه من العبادات وأنه تزيد في الدين وتغير . أما حقيقته في الواقع وكذلك الاحتفالات الأخرى أنها نشاطات اجتماعية يتوخى منها تحقيق خير ديني يحقق مصلحة على مستوى الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات .فإن خالطه من ذلك ما هو سيء فالنقد متجه إلى ماخالطه لا إلى جوهر العمل وغايته . وستتكشف لك الأمور فيما يأتي من أبحاث حول المولد إن شاء الله تعالى ،

تكملة في إبطال تأويلات الوهابيين لحديث " من سن سنة حسنة " بما لا ينطبق على ألفاظه : روى مسلم عن جرير وابن ماجه عن أبي جحيفة رضي الله عنه عن سول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من سن في الإسلام سنة حسنة عمل بها بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص أجورهم شيء , ومن سن في الاسلام سنة حسنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )) ، ففي الحديث تقسيم للأمر المبتدأ من غير مثال " أي المحدث بالاصطلاح اللغوي " إلى مردود ومقبول ، والحديث كذلك يشرع ابتداء الخير دون تقيد بعصر مضى ، أي أن عمل الخير ليس مقصورا على ما أحدثه الصحابة والتابعون وتابعوهم كما يردد البعض ، وقد حاول بعضهم على ألفاظ الحديث واضحة في الحث على إنشاء سنن الخير . وكذلك هناك أحاديث غيرة تحث على إحياء السنن المجهورة ، وفرق بين إنشاء السنن وبين إحيائها ، وطلع علينا التويجري في كتابه " الرد القوي " ص 14- 36 : بمحامل للحديث تأباها ألفاظه ، فقال : " المراد بالنسبة فيه : ما سنه رسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون ، وأما ما سوى ذلك من محدثات الأمور التي لم تكن على عهده ولا على عهد الخلفاء الراشدين فقد حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أنها شر وضلالة " ، يريد بذلك حديث (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) وقد وضحنا أن المحدث الذي ذمة الشرع هو ما سماه محدثاً باصطلاحه ، وقد بينه الشافعي بأنه ما خالف نصاً أو أصلاً شرعياً كما تقدم وليس المراد به في الحديث : ( كل عمل مبتدأ ) كما نقلناه عن ابن تيمية ، وحديث : (( من سن سنة حسنة )) بشرع ابتداء الخير مطلقاً دون قصر على أهل قرن بعينه ، فقصره المحدث المقبول على محدث الخلفاء الراشدين تقييد للحديث بدون دليل ، فالشيء إن وقع في عهد الصحابة وقرون الخير فنعماً هو ، وإن حدث بعدهم وكان ذلك مما لا يصادم أصلاً شرعياً فهو مقبول في أي عصر وقع ، وفي ص 192 نقل التويجري عن رشيد رضا تفسيراً آخر للحديث بأن المراد بالسنة الحسنة ما يخترعه الناس من أمور الدنيا من طرق المنافع وبالسنة السيئة ما يخترعونه من طرق المضار والشرور ، ثم قال : ( وبدعة حسنة وبدعة سيئة يصح في البدعة اللغوية والدنيوية ومن قال من العلماء أن البدعة لا تكون إلا سيئة أراد البدعة الشرعية أي الابتداع في الدين ) اهـ ، وأقول : قصر المحدث المقبول على ما يتعلق بأمور الدنيا فقط هو من باب تخصيص الحديث بدون مخصص ، والبدعة اللغوية هو كل أمر مبتدأ من غير مثال سابق فكما تشمل أمور الدنيا كذلك تشمل أمور مبتدأ من غير مثال سابق , فكما تشمل أمور الدنيا كذلك تشمل أمور الدين وينافي تخصيصهم ذلك بأمور الدنيا قبول ما جدّ بعد العهود الثلاثة من تشكيل القرآن والاصطلاحات التي وضعت في المصاحف مما ذكرناه سابقا ,وكذلك ما ظهر مما هو متعلق بحفظ الدين كتدوين علوم اللغة وأصول الفقه وأصول الدين وسائر العلوم الخادمة للشريعة مما لم يجعله أحد من بدع الضلالة . فهل كل ذلك من أمور الدنيا كما زعموا ؟ فإن عللوا قبول ذلك لاندراجه تحت الأصول الشرعية فكذلك الجمهور إنما جعل القسم المقبول من البدعة اللغوية هو المندرج تحت أصل تشريعي وهو المصلحة المناسبة بشرط أن لا يصادم نصا ولا يصادم سنة حسنها الشرع , ولا تندرج تحت حكم قبحه الشرع ، وقد سبق بيان أن المولد قد توفرت في إقامته جميع هذه الشروط ولم يتمكن الخصم من إثبات خلاف ذلك .والأصول الشرعية عند جمهور العلماء ليست قاصرة على النصوص ، بل تشمل جميع الطرق والأصول التي استنبطها العلماء من نصوص الشارع وتصرفاته حسب ما ذكرناه كمقدم عند بحث البدعة ، وفي ص 189 نقل التويجري عن صاحب ( تحفة الأحوذي ) : (إن المراد السنة الحسنة هو الإتيان بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين ) اهـ ، وما نقله صاحب (التحفة) موافق لرأي الجمهور 0 ولعل التويجري قد أعتقد أن الأصل لا بد أن يكون نصاً بينما الأصل يشمل جميع الأصول التي اعتمدها جمهور العلماء في الاستنباط ، وقد وضحنا من قبل أن المولد يندرج تحت مصلحة مناسبة وتلك أصل من أصول الدين المعتمدة ، ولهذا فإن تعليق التويجري بقوله : ( إن الاحتفال بالمولد لا يشهد له شيء من أصول الدين بالجواز بل تشهد أصول الدين بعدم جوازه ) يدل على لم يحط علماً بأصول التشريع التي اعتمدها العلماء لاستنباط الأحكام وانها متنوعة وليست محصورة في النصوص ، وأغرب من تعليقه هذا قوله أن أصول الدين تشهد بعدم جواز المولد مكرراً أن المولد لم يكن من عمل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن من عمل الصحابة ، وأن عمله داخل في عموم حديث : (( من أحدث في أمرنا هذا فهو رد )) وحديث : (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) وتحت عموم حديث : (( من رغب عن سنتي فليس مني )) وحديث : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين )) إلخ .. ما كرره ، ولقد جهل أن ليس المراد بسنتهم ما وقع في عهدهم ليس إلا وإنما المخالف لسنتهم هو ما يأتي على خلاف منجهم في التشريع في أي عصر وقع وأن ما يخدم مصلحة تشريعية في أي عصر وقع لا يقال فيه أنه ليس من أمرهم أو ليس من سنتهم 0 كما تجاهل ما نبهنا إليه مراراً أن المحدث والبدعة في حديث : (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) مراد بها المحدث بلسان الشرع الذي أوضحه الشافعي بأنه الذي يصادم النصوص والأصول 0 وأما الحدث بمعني المبتدأ الذي لا يصادم نصاً أو أصلاً شرعياً فهو داخل في ذلك الحديث ومندرج تحت حديث : (( من سن سنة حسنة )) ولو وقع بعد العهود الأولى وهو ما يسمي محدثاً وبدعة بالإطلاق اللغوي الذي منه القبول ومنه المردود كما سبق ذكره ، فقول التويجري في ص 134 ( تقييد البدعة هو استدراك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هو من باب التخليط بين البدعة بالإطلاق الشرعي والبدعة بالإطلاق اللغوي ، وجهل منه بأن الأمر ليس استدراكاً ولا تقييداً لحديث : (( كل بدعة ضلالة )) بل الأمر في حقيقته إنما هو حمل للمحدث في هذا الحديث على كل ما يسميه الشرع محدثاً في عرفه بالإطلاق الشرعي الخاص كما أن المحدث المقبول في حديث : (( من سن سنة حسنة )) يراد به كل ما يسمي محدثاً بالإطلاق اللغوي العام ، وقد ضبط الأول بأنه الذي يصادم النصوص والأصول ، كما ضبط المقبول الثاني بأنه الذي لا يصادم نصاً ولا أصلاً فالكل حديث من الحديثين محمل بحيث لا يتنا قضان وكلاهما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

ما سماه الوهابيون توحيد الأسماء والصفات هو التشبيه والتجسيم عند جماهير العلماء : - هذا المبحث خارج عن موضوع الباب ، ولكنه ولا شك داخل في باب توحيد الصفات ، وقد تقدم بيانه في الباب الثاني ، ولابأس من تدبر كلامه في هذا المبحث لأنه متخصص ونفيس في بابه بما يهذب علم التوحيد بكافة جوانبه ويمنع من الغلو فيه - : ما كنت أود الحوض في هذا المبحث .. ولكن تجريح أدعياء السلفية للأشاعرة في الأيام الأخيرة دعا إلى بيان حقيقة المسألة ,وفضل الأشاعرة في إخماد فتنتها وإطفاء لهيبها وأقتصر فقط على إشارات عابرة فيها مرتبة كما يلي : ( 1 ) ظهور الأشعرية والماتريدية وتصديهم للفرق الخارجة عن الجادة ، ( 2 ) ما دونه علماء السنة في العقائد ، ( 3 ) عقيدة الهدى في تفسير ما يوهم تشبيها من صفاته تعالى ، ( 4 ) مغالطات للحشوية ، ( 5 ) والسلف يفوضون مع التنزيه ، ( 6 ) بعض من المشبهة ، ( 7 ) جهود الأشعرية والماتريدية في القضاء على بدعة الحشو ، ( 8 ) أمثلة من المتشابهات وردها إلى المحكم : الرحمن على العرش استوى ، ما قيل في العلو والفوقية المكانية ، حديث النزول ، ما ورد من نصوص في نحو الوجه واليد ، ما ورد في الكيفيات النفسانية ، ( 9 ) مقتطفات في رد بدعة التشبيه

( 1 ) ظهور الأشعرية والماتريدية وتصديهم للفرق الخارجة عن الجادة : سبق ظهور أبي الحسن الأشعري فرق منحرفة من شيعة وخوارج وكرامية ومجسمة ومشبهة ومرجئة وجهمية وقدرية ودهرية وحلولية وباطنية وإسماعيلية ومعتزلة وغيرها . وكان أول ظهور الفرق بمقتل عثمان رضي الله عنه وكان لكل فرقة عقائدها وطريقة دفاعها عنها ومناظرتها ومؤلفاتها معولين على الأدلة العقلية ,مستخدمين فيها ما اقتبسوه من منطق وفلسفة ,مؤولين النصوص التي لا توافق آراءهم ، فنهى السلف عما جاء به هؤلاء المبتدعة مما سموه علم الكلام وذموه ، ونبت أبو الحسن الأشعري في وسط المعتزلة , ثم أناب إلى أهل السنة فأظهر سنة 330 كتباً في علم التوحيد ونصر السلف على مخالفيهم ولكنه أثبت العقائد الواردة في الكتاب والسنة على قواعد النظر ونصرته طائفة وسموا رأيه "مذهب أهل السنة والجماعة " ، وعمت طريقته وطريقة معاصرة أبي منصور الماتريدي وتصدوا هم وأتباعهم من بعدهم للفرق الخارجة عن الجادة بالاستدلال العقلي والنقلي حتى تلاشي الجميع بعد حين أمامهم وانحصر فريق أهل السنة والجماعة في الأشعرية والماتريدية على توالي القرون إلى اليوم ، وقد أطلق على ما دونوه في تأليفهم علم الكلام . ولعلك قد استيقنت أن ما ورد من ذمه من علم الكلام على لسان السلف هو ما جاء به أولئك المبتدعة الذين كانوا يعاصرونهم لا ما جاء به الأشعرية والماتريدية من طريقة قصدوا بها نصر السنة وإخماد بدع المبتدعين وتأييد ما جاء في النصوص ولما تعرض الفلاسفة للمنازعات من أهل النظر في الدين , واحدثوا شبهاً وتشكيكات تصدى لهم علماء الأشعرية والماتريدية كالغزالي ومن بعده وأخذوا من كتبهم ما يظن أن له مساسا بالدين كالإلهيات وتركيب الجسم وحكم المادة والجوهر والعرض وغير ذلك ، ثم وجهوا عنايتهم إلى نقد ما أتوا به من شبهات والرد عليها ، وهذا هو سبب خلط الكلام بمذاهب الفلاسفة في كتب المتأخرين كالبيضاوي والعضد والسعد والإيجي وغيرهم ، ولكثرة ما تصدى أبو الحسن الأشعري للفرق الضالة افترى عليه خصومه فتصدى العلماء لرد مفترياتهم عليه . ومن أهم ما كتب في الدفاع عنه "تبيين كذب المفتري على أبو الحسن الأشعري " للحافظ ابن عساكر ، وفي طبقات السبكي تراجم رجال ذبوا عن أبي الحسن كأبي القاسم القشيري ، كما في "الطبقات" وأيضاً عند ترجمة أبي الحسن ذكر لبعض من تصدى للدفاع عنه مما نسب إليه ، وقد نبتت نابته ممن اعتنقت مذهب التشبيه في صفاته تعالى فزعمت أن الأشعري قد رجع إلى مذهبهم في كتابه "الإبانه" وزعموا أنها آخر مؤلفاته .وقد علق الإمام الكوثري على ذلك في تعليقه على نونية ابن القيم ص108 بقوله : " والأشعري إن كنتم تعتقدون فيه أنه قائل بالفوقية المكانية فما سبب طعن الحشوية كلهم فيه ، وإنما له رأيان ، أحدهما : عدم الخوض في الصفات مع إثبات ما ثبت في الكتاب والسنة بدون تشبيه ولا تمثيل , والآخر تأويله بما يوافق التنزيه عند الضرورة ، وليس في هذا ولا في ذاك القول بالفوقية المكانية ، قال : وتأليف "الإبانة " كان في أوائل رجوعه عن الاعتزال لتدريج البربهاري إلى معتقد أهل السنة ، ومن ظن أنها آخر مؤلفاته فقد ظن باطلاً ، وقد تلاحقت أقلام الحشوية بالتصرف فيها ولاسيما بعد فتن بغداد ، فلا تعويل على ما فيها مما يخالف نصوص أئمة المذهب من أصحابه وأصحاب أصحابه ,وابن درباس غير مأمون في روايتها لأنه أفسده شيخه في التصوف مع تأخر طبقته "

( 2 ) ما دونه علماء السنة في العقائد : وما دونه علماء السنة من أشعرية وماتريدية يسمى أصول الدين أو الفقه الأكبر أو علم التوحيد أو علم الكلام ، وإنما سمي علم الكلام لأن أشهر مسألة وقع فيها الخلاف هي أن كلام الله الذي يقرؤه القارئ حادث أو قديم ، أو لأن هذا العلم يدور على الدليل العقلي وأثر ذلك يظهر في كلام المتكلم ، وأما تسميته بالتوحيد فهي تسمية بأهم أجزائه وهو إثبات وحدانية الله , وذلك هو المقصد الأعظم من بعثة الرسل ، وأما تسميته بالفقه الأكبر فهي تسمية أبي حنيفة له ، وأما تسميته علم أصول الدين فلأنه علم يبحث فيه جميع أقسام العقائد من إلهيات ونبوات وسمعيات وروحانيات ، وقد عرفوا علم التوحيد بأنه علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية والاسلامية بالأدلة العقلية والرد على المنحرفين في الاعتقاد عن مذهب أهل السنة ، ومما عرفوا به علم العقائد تعلم أن علماء الإسلام ما كتبوا في العقائد ليثبتوا في أنفسهم العلم بالله أو صفاته أو رسالة الرسل أو إعادة الجسم بعد الموت أو نحو ذلك ، وأساس العقائد الإسلامية ككل الأحكام الشرعية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعقل يؤيدها والنظر الصحيح يثبتها . ولذا ندب الله سبحانه وتعالى الإنسان إلى البحث والنظر والتفكير , وذم الذين لا يتفكرون ولا ينظرون { قل انظروا ماذا في السموات والأرض ) , ( وكأين من ءاية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } ، ومما يجب أن يعلم أن للعقول حداً فعلمها قليل , ( ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا) فمن أخذ عقيدته من طريق الفكر والنظر والمحض ولم يعتضد بالشرع فإنه يوشك أن يخطئ في أحكام الدين ، والعوام على قواعد دين الإسلام لأن الله تعالى أبقاهم على صحة العقيدة .ولابأس من رد الشبهات والاستدلال على العقائد بالنظر لا على سبيل المزج والاختلاط ولكن على سبيل الاستئناس والاستنباط ، فإن العقائد لما صارت جدلا وكلاما وتشعبا في البحوث وإيراد والآراء والمذاهب والخوض في مصطلحات الفلاسفة والمناطقة والجدليين تسرب الإعراض عن هذه المباحث فجهل أكثر الناس ما هو ضروري من مباحثها لحفظ القلوب من شبهات المبتدعة والملحدين ، والعقائد الاسلامية تتشعب إلى أربعة أقسام تحت كل قسم فروع عديدة : القسم الأول : الإلهيات , وتبحث فيما يتعلق بالإله سبحانه وتعالى من حيث صفاته وأسماؤه وأفعله ,وما يلحق ذلك من الاعتقاد في الله ، القسم الثاني : النبوات ,وتبحث في كل ما يتعلق بالأنبياء من حيث صفاتهم وعصمتهم ومهمتهم والحاجة إلى رسالتهم ,ويلحق بهذا القسم ما يتعلق بالأولياء والمعجزة والكرامة والكتب السماوية ، القسم الثالث : الروحانيات وتبحث فيما يتعلق بالعالم غير المادي كالملائكة والروح والجن ، القسم الرابع : السمعيات وتبحث فيما يتعلق بالحياة البرزخية والحياة الآخروية ,كأحوال القبر وعلامات القيامة والبعث والموقف والحساب والميزان والجزاء والصراط والجنة والنار ونحو ذلك ، واعلم أن ذات الله سبحانه وتعالى أكبر من أن تحيط بها العقول لأنها مهما بلغت العقول فإنها محدودة القوة محصورة القدرة تعجز عن إدراك حقيقة نفسها وتجهل حقائق كثير مما يستخدمه وتنتفع به كالكهرباء والمغناطيس وغيرهما ,فما بالك بذات الله التي لا تحسها .وقد ضل أقوام تكلموا في ذات الله فاحصر همتك في إدراك عظمة ربك بالتفكر في مخلوقاته ، وفي حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لايزال الناس يتساءلون حتى يقال : خلق الله الخلق فمن خلق الله , فمن وجد من ذلك شيئا فليقل : آمنت بالله )) ، ويكفيك أن تعلم من طبائع المخلوقات وصفاتها أنها لا توجد بذاتها فعلمنا أن موجدها هو الله ، ولما كان كمال الألوهية يقتضي عدم احتياج الإله إلى غيره حيث إن من صفاته قيامه بنفسه فعلمنا أنه تعالى موجود بذاته وغير محتاج إلى من يوجده . والخالق وعلا تعرف إلى خلقه بأفعاله وصفات تليق بجلاله . فله تعالى من كل صفة كمال لائق بحضرته المثل الأعلى وأن يسلب عنه كل ما لا يليق به وما أوهم تشبيها مما ورد من عبارات نؤمن به كما جاء من غير أن يفسر أو يتوهم هكذا ، قال غير واحد من الأئمة منهم سفيان الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك أنها تروى ونؤمن بها ولا يقال كيف .

( 3 ) عقيدة الهدى في تفسير ما يوهم تشبيها من صفاته تعالى : بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بماهي عليه من قدر معين " في حجمه وأجزائه وشكله ومكانه وزمانه وصفاته وخفة وثقل ونور وظلمة وعلو وسفل وحركة وسكون وصعود ونزول وأمكنة وجهات وقرب وبعد , إلى سائر خصائص المادة " ، قال تعالى : " وخلق كل شيء فقدره تقديراً " وقال تعالى : " جعل الله لكل شيء قدرا " وقال تعالى : " وإن من شيء إلاّ عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " ، فهذه الآيات تعطيك أن كل مقدر بقدر محدود هو مخلوق ,وتجعل ذلك التقدير سمة من سمات حدوثه وبرهانا على كونه مخلوقا , وأن موجده ومخصصه بقدرة الذي هو عليه هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته أو أن يوصف تعالى بما هو من خصائص الأجسام ولوازمها كالتركيب والأجزاء والصورة والشكل والمكان والجهة والقرب والبعد والصعود والنزول والحركة والسكون . فاحتج الله على خلق الإنسان بتركيبه وصورته إذ قال : " في أي صورة ما شاء ركبك " . وإمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام الذي قال ربه : " وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه " احتج على قومه لإبطال ألوهية الكواكب بحركتها ونقلتها لدلالتها على حدوث المتحرك ومخلوقيته وخص هذا النوع من الحركة لأنه أظهر للمخاطبين في الاستدلال على المقصود ، فيتعالى عن الجسمية ولوازمها : كالتركيب والأجزاء والصورة والمكان والجهة والقرب والبعد والحركة والسكون ,من قال " سبحان ربك رب العزة عما يصفون " . ومن قال " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ". ومن جوز الحركة والنقلة أو الجسمية ولوازمها فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه من الصابئة والوثنيين ، ولما كان الوصف بذلك بمعزل عن قدسه الأعلى لدلالتها على الحدوث والافتقار أطبق الصحابة ومن بعدهم من محققي سلف الأمة وخلفها على أن ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة مما يوهم التشبيه بخلقه تعالى مصروف عن ظاهره الحسي المتعارف ، فلا يفسر الاستواء بالجلوس والاستقرار على العرش , ولا يفسر الوجه والعين والقدم واليد والساق وسواها من الجوارح والأعضاء . وحسبك أنهم سموها صفات ولم يسموها أعضاء .ولا يفسر العلو والنزول والانتقال على المعنى الظاهر الحسي الذي هو من لوازم الأجسام ، وبعد اتفاق سواد العلماء سلفهم وخلفهم على أن المعنى الظاهر الحسي الذي هو من لوازم الأجسام غير مراد فهذا يعني اتفاق السلف والخلف على التنزيه ,وعلى آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة التي توهم تشبيها مصروفات عن كل ما يخطر في أوهام الواهمين ,وما يرد على قلوب أولي التشبيه والتجسيم ، غير أن أغلب أحوال السلف بعد هذا التنزيه هو عدم تعيين المراد بل اكتفوا بقراءة ألفاظها كما وردت لا يبدلون لفظا بمقاربة ولا يتبعون ذلك بزيادة ولا تفسير . وذلك هو معنى قولهم : " أمروها كما جاءت" وبقولهم : " نؤمن بها بلا كيف وبلا تشبيه " فإن نفي الكيف ونفي التشبيه وتسميته بالوجه واليد ونحوهما صفات لا أجزاء ولا أعضاء مع ما أثر عنهم من قولهم : " قراءتها تفسيرها " صريح في براءة ساحة أئمة الدين مما ألصقه بهم أهل التشبيه والتجسيم ، وتوقفهم في بيان المعنى المراد منها لم يكن عن جهل منهم بما يصح أن يراد بها في المعاني اللائقة به تعالى , وإنما لأن باب اللغة فقد يكون للفظ معنيان صحيحان فكان الحذر عندهم من تعيين المراد أسلم ,على أنهم في كثير من الحالات قد أوضحوا فيها المعاني اللائقة به تعالى دفعاً في نحور المبتدعين الذين يدخلون في عقول الضعفاء أنه لامعاني لهذه المتشابهات إلا تفسيرها بظواهرها المحالة على الله من المعاني الحسية والجسمية التي هي من دلائل حدوث من قامت به كتفسير الاستواء بالاستقرار على العرش ,والوجه واليد بالأعضاء والجوارح , والنزول بالنزول الحسي المتعارف ، فأفصح أحمد لما سئل في محنته عن قوله تعالى : " وجآء ربك " بأن المراد مجيء أمره ، وأفصح مالك عن حديث نزول الرب تعالى فقال : هو نزول رحمته لا نزول نقله .وفي هذا دلالة على أن من تأول النصوص بالمعاني الظاهرة التي تخطر بأوهام العوام فليس هو من السلف ولا أتباعهم أما في عهد من بعد السلف ممن سموهم بالخلف فقد كثر المبتدعة ولج الجهلة في طلب تأويل هذه المتشابهات وبيان المراد منها ,ودفعاً في صدور الذين كانوا يفسرونها بظواهرها من المعاني الحسية الجسمية ويزعمون أن تفسيراتهم العامية هذه هو ما كان عليه الأنبياء والمرسلون وأئمة هذا الدين مما كذبوا في بعض ما نقلوه عنهم ومما أخطأوا في فهم الصواب والمراد مما صح نقله كما نقلناه عن السلف في قولهم أمروها كما جاءت وقولهم : نؤمن بها بلا كيف وبلا تشبيه وقولهم : قراءتها تفسيرها ، فلكل هذه الأسباب كانت طريقة أكثر الخلف هو تعيين المراد من تلك النصوص طبق ما تقتضيه اللغة العربية التي نزل بها القرآن ، وما دام تعيين المراد يسير وفق ما تقتضيه اللغة العربية في تصرفاتها ووجوه استعمالاتها فلا يخرج عن أساليب اللغة من تمثيل وتصوير ومجاز وكناية حسب ما تقتضيه القرائن اللفظية والحالية وجزالة المعنى وفحامته ، قال الإمام ابن دقيق العيد : " إن كان التأويل من المجاز البين الشائع فالحق سلوكه من غير توقف ,وإن كان من المجاز البعيد الشاذ فالحق تركه ,وإن استوى الأمران فالاختلاف في جوازه وعدم جوازه مسألة فقهية اجتهادية والأمر فيها ليس بالخطأ بالنسبة للفريقين " يريد المؤولين والمفوضين ، وأنت إذا استقريت ما جاء في الكتاب وصحاح الأحاديث من هذه المتشابهات وجدت جلها من القسم الأول في كلام ابن دقيق العيد وهو المجاز البين الشائع الذي قامت القرينة اللفظية والحالية على عدم إرادة الحقيقة اللغوية منه .وعل العموم فإنه إذا كان للآية أو الحديث معنيان وقد قامت القرائن ونطقت البراهين بأن أحد المعنيين غير مراد فلا يحمل لفظ الكتاب أو الحديث على الحقيقة غير اللائقة بقدسه تعالى عند قيام القرائن على المعنى المجازي أو الكنائي إلا من انسلخ عن العربية وما عقل عن الله تعالى معنى ما أراد ، قال الشريف الجرجاني في " شرحه على المواقف " : " من كان له رسوخ قدم في علم البيان حمل أكثر ما ذكر من الآيات والأحاديث المتشابهة على التمثيل والتصوير , وبعضها على الكناية ,وبعضها على المجاز مراعيا لجزالة المعنى وفخامته فعليك بالتأمل فيها وحملها على ما يليق بها " وقد علمت أن من أظهر دلائل حدوث الذات وأنها مخلوقة أن تكون ذات أجزاء فجزء وجه ,وآخر عين , وثالث يد , ورابع رجل وهكذا , وأن تكون ذات جهة ومكان وحركة وانتقال وتحول من حال إلى حال ، وقد علمت أن من قال أن التأويل هو طريقة الخلف وليس طريقة السلف إنما هو من ضيق اطلاعه ,بل إن التأويل قد سلكه كلا الفريقين وغلب على السلف تركه لعدم الحاجة إليه ,ومن سلكه منهم أو ممن بعدهم فإنما سلكوه لشدة الحاجة إليه كما نقلناه عن مالك في النزول ,وعن أحمد في قوله : { وجاء ربك } وقلته وكثرته إنما تكون لقلة الحاجة أو كثرتها حسب ما يفشو في المجتمع من بدع وانحرافات كما علمت أن من أول أو فوض قائل بالتنزيه أي أن المعنى الظاهر الحسي الذي هو من لوازم الأجسام غير مراد ، فمن قال بتركيب ذات الله من الأجزاء ,وحمل الوارد من ذلك على الأعضاء ,ونسب إليه تعالى الاستقرار على العرش أو الجلوس عليه ,أو حمل العلو الحسيّ والنزول على النزول الحسي, واعتقد فيه سبحانه الجهة والمكان وجوز عليه الحركة والانتقال الحسي والصورة أو اعتقد أن ما ورد بحقه تعالى من الرحمة واللذة والألم والفرح والحزن والحقد والغضب والتعجب والمكر ونحو ذلك من الكيفيات مراد بها المعنى المتعارف في الخلق الذي هو انفعالات ولم يفطن إلى أن المراد غاياتها فجرى التعبير عن إضافة الجود بالرحمة وعن الرضا والسخط باللذة والألم والفرح والحزن ونحو ذلك ، ومن ذهب إلى تلك المعاني الظاهرة الحسية والجسمية في كل ما ذكرناه فإنه ما فهم معنى ما ورد ولا تابع السلف كما يدعي لأن كتاب الله ينادي بأن كل مقدر حادث مخلوق فوجب عليه ذلك دليلا على الحدوث منزها عما هو من خصائص الأجسام ولوازمها ,ويتعالى عنها جميعا بموجب آيات التنزيه الكثيرة ، والله تعالى الذي يقول : " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " لو كانت ذاته مقدرة بقدر أو مركبة من أجزاء لكان له من خلقه أمثال لا تحصى , تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

( 4 ) الابتلاء بالتشبيه والتجسيم : والابتلاء بالتشبيه والتجسيم قديم ، إذ سبق به عباد العجل اليهود الذين جعلوا لله جزءا فقالوا : عزيز ابن الله .كما سبق إليه النصارى الذين قالوا : المسيح ابن الله ، وفي الاسلام بدأت فرقة المشبهة في عصر التابعين ومن بعدهم . وقد أطلق العلماء عليهم لقب ( الحشوية ) نسبة إلى الحشو , وهو اللغو تنبها من أهل الحق للأمة بأن ما أتى به هؤلاء إنما هو اللغو الذي لا يعول عليه ، قال السبكي في تعليقه على نونية ابن القيم : " وأما الحشوية فهي طائفة رذيلة جهال ينتسبون إلى أحمد ، وأحمد مبرأ منهم . وسبب نسبتهم إليه أنه قام في دفع المعتزلة وثبت في المحنة رضي الله عنه , ونقلت عنه كليمات ما فهمها هؤلاء الجهال فاعتقدوا هذا الاعتقاد السيئ ,وصار المتأخر منهم يتبع المتقدم إلا من عصمه الله ,وما زالوا من حين ظهور ليس لهم رأس ولا من يناظر ,وإنما كانت لهم في كل وقت ثورات ويتعلقون ببعض أتباع الدول ويكفي الله شرهم " ، وفتن الحشوية مشهورة مدونة في كتب التاريخ , كالكامل لابن الأثير , وتبين كذب المفتري لابن عساكر ,وذيل الروضتين لأبي شامة ، وطبقات السبكي ، من ذلك : فتن الكرامية منذ ظهورهم في القرن الثالث ، وفتنة مجسمة الحنابلة ببغداد بزعامة البربهاري في القرن الرابع ، ثم فتنتهم ببغداد أيضا في القرن الخامس في عهد أبي نصر القشيري , وفتنه ابن مرزوق ابن الكيزاني بالقاهرة في النصف الأخير من القرن السادس ، وأعقبتها فتنة عبد الغني المقدسي الحنبلي في الصوت بالشام ، وفتنة الصوتية بالشام أيضاً مع العز ابن عبد السلام في عهد الملك الأشرف ابن الملك العادل الأيوبي الذي كان يميل إليهم فمنع العز من الافتاء , ثم لما تبين له الحق أطلق الإفتاء للعز ومنع الصوتية من مزاعم الحرف والصوت ، وهكذا توالت فتن الحشوية على مدى العصور .وقد زعم الحشويون أن ما أضيف إلى الباري عز وجل من الألفاظ الواردة التي فيها ذكر نحو اليد والساق والاستواء والضحك والنزول مما هو من دلائل الحدوث والمخلوقية مراد به معناه المتعارف عند إطلاقه على الخلق فأثبتوا له تعالى ما يتقدس عنه من الجسمية ولوازمها من الكون في الجهة والاستقرار في المكان والنزول والصعود الحسي في الأمكنة وإليها والصورة والتركيب في الأجزاء والأعضاء .ونسبوا ذلك إلى مقتضى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وإلى أصحابه وسلف هذه الأمة ويحشرون في مصنفاتهم من النقول مالا يصح نسبته إليهم أو ما لم يفهموا ما أراده السلف منه ويحشرون كذلك من الحديث ما لا يصح أن يكون حجة في الفروع فضلا عن الأصول .
وقد زادوا من عند أنفسهم ألفاظا على النص الوارد فقالوا مثلا : استوى بذاته أو أستوى حقيقة ونحو ذلك من الألفاظ التي لم ترد في كتاب ولا سنة ، والأفظع جمعهم كل ما وردمن حديث في هذه الألفاظ الموهمة دون تمييز بين صحيح وسقيم وترتيبها في مصنفات على هيئة أعضاء الإنسان وحركاته مما يوقع في ورطة التشبيه بتوهم أن الباري مركب من أعضاء على صورة الانسان وأنه ذو جهة ومكان وحركة وانتقال ونحو ذلك مما جعله الله في كتابه دليلاً على الحدوث والمخلوقية فيستحيل أن يكون وصفا للخالق على المعنى الذي توهموه ، وهم يزعمون بعد هذا كله أنهم لا يشبهون ولا يجسمون وسموا ذلك التشبيه توحيد الأسماء والصفات ومن المضحكات أن المشبهة لنفي التشبيه عنهم يقولون مثلا : له يد حقيقة ,واستوى حقيقة ثم يضيفون عبارة : " من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف " أو يقولون : ينزل بلا كيف ويستقر بلا كيف ، وكأن المراد عندهم في الوارد هو العضو والجلوس وإنما المجهول كيفية ذلك ،
وقد فضحهم ابن الجوزي في كتابه "دفع الشبه والتشبيه" إذ قال قد وقع غلط من المصنفين "أي من الحنابلة " في سبعة أوجه عدها ثم قال : " السابع : أنهم حملوا الأحاديث على مقتضى الحس فقالوا : ينزل بذاته وينتقل ويتحول , ثم قالوا : لا كما يعقل .فغالطوا من يسمع وكابروا الحس والعقل فحملوا الأحاديث على الحسيات "
ولعلك تدرك أن إضافتهم لكلمتي التعطيل والتحريف في عبارتهم التقليدية "من غير تعطيل ولا تحريف " تنبئ بأنّ عدم مجاراتهم في تفسير اللفظ بالعضو وبالجلوس هو من تعطيل الصفات وتحريفها عن معانيها الحقيقية المتعارفة ، ولو استقاموا لعلموا أنّ نفي المثلية عنه تعالى لا يتم إلا بتنزيهه تعالى عن التركيب والأجزاء والجلوس والحركة والنقلة المتعارفة ,وأن الطريق المستقيم بعد التنزيه عن ذلك هو قراءة الوارد الموهم دون تفسيره أو تأويله بما لا يخرج عن أساليب اللغة ، ومن أوجب تفسير هذه الألفاظ بالمعنى الحقيقي المتعارف دون تفطن إلى استحالة إرادة ذلك في حقه تعالى فإنه ما عقل عن الله معنى ما أنزله ولا عرف معنى نفي المثلية في قوله تعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ، وأنى يصح تفسير ذلك بالمعنى المتعارف من أجزاء وأعضاء وحركة وانتقال واستقرار وجلوس ,وقد جعل الله ذلك في كتابه دليلا على الحدوث ،

( 5 ) مغالطات للحشوية والسلف يفوضون مع التنزيه : أ- قد علمت اتفاق السلف والخلف على أن ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة مما يوهم تشبيها مصروف عن ظاهره الحسي الموهم للتشبيه إلى معنى يليق به تعالى ,وإن غالب حال السلف بعد هذا التنزيه , يفوضون علم هذا المعنى اللائق إلى الله تعالى .والخلف خوفا من التشبيه يؤولون اللفظ الموهم إلى معنى لائق به تعالى طبق ما تقتضيه أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن ، وأما الحشوية فيفسرون تلك النصوص بالمعاني الظاهرة الحسية الجسمية التي يتعالى عنها الخالق لدلالتها على الحدوث والمخلوقية . ومن مغالطاتهم أنه لما قال الله تعالى في المتشابه : { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا } ذم الحشوية التأويل تارة ومدحوه أخرى تبعا لاختلاف تفسيراتهم له لمغالطة العامة ، فذموه وفسروه بأنه صرف الوارد المتشابه عن ظاهره الحسي ، ومدحوه وفسروه بأنه هو تفسير المتشابه بالمعاني الظاهرة المتعارفة وزعموا أن هذا التفسير هو المراد من قوله تعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم "لمن جعل الوقف على قوله تعالى : { والراسخون في العلم } ، وليت شعري هل التفسير بالظاهر المحسوس مما يحتاج إلى رسوخ في العلم ، ومن زعم أن التفسير هو التأويل وأنه يجب أن يكون بحقائق الألفاظ اللغوية فقد سقطت مرتبته عن درجة الجاهل لأنه إذا قامت القرائن المانعة حالية أو لفظية على عدم إرادة الحقيقة اللغوية كانت إرادة المعنى المجازي من اللفظ متعينة .كما هو الحال في اللفظ الوارد الموهم للتشبيه فإنه مصروف عن الظاهر الموهم إلى معنى لائق به تعالى ، ب - أهل السنة ينزهون الله تعالى عن الجهة , وأنه تعالى لا يقال فيه أنه داخل العالم أو خارجه لاستحالة أن يحل تعالى في الحوادث أو تمازجه الحوادث أو تحل فيه ، فقال الحشوية " تنزيهه تعالى عن الجهة أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه معناه أنه معدوم " وذلك تعطيل أي إنكار للباري بزعمهم ، ونقول : هؤلاء الواهمون لما لم يروا ولم يلمسوا ولم يحسوا بموجود إلا وهو جسم ومن لوازمه أن يكون في مكان وفي جهة , وأن يكون بينه وبين إخوانه من الأجسام الأخرى إحدى النسب الجسمانية " من دخول وخروج واتصال وانفصال وقرب وبعد حسي " حكموا بذلك على الموجود الحق بما حكموا به على ما عرفوا من تلك الموجودات المحصورة في قيود الحدوث والمخلوقية ,تعالى الله عن أن يحصره حاصر أو يقهره قاهر ، ج - نقل عن بعض السلف : " أنه تعالى مستو على عرشه بائن عن خلقه " فوهم الحشوية أن الكلمة تعني أنه تعالى بعيد عن خلقه بالمسافات ، ومن قال هذه الكلمة لا يعني أنه تعالى بائن عن خلقه بالمسافات , وإنما يريد بما قال : نفي الممازجة عنه تعالى , ردا على جهم ,وأنه تعالى ممتاز عن خلقه بالانفراد بصفات الجلال ، قال الكوثري في تعليقه على النونية : " مما يقصر المسافة في الرد على الحشوية التي تدعي التمسك بالظاهر أن قوله تعالى : " ثم استوى " صيغة فعل مقرونة بما يدل على التراخي وذلك يدل على أن الاستواء فعل له تعالى يتقيد بالزمن وبالتراخي شأن سائر الأفعال وعد ذلك صفة إخراج للكلام عن ظاهره " ، وقال : ولم يرد مرفوعا أنه تعالى فوق العرش إلا في بعض طرق حيث الأوعال [هذا المبحث خارج عن موضوع الباب ، ولكنه ولا شك داخل في باب توحيد الصفات ، وقد تقدم بيانه في الباب الثاني ، ولابأس من تدبر كلامه في هذا المبحث لأنه متخصص ونفيس في بابه بما يهذب علم التوحيد بكافة جوانبه ويمنع من الغلو فيه ، ] من رواية في "التوحيد" عبدالله بن عميرة مجهول الحال " ، وقال : " والمراد بالفوقية فوقية العزة والقهر والتنزه " ، د- ونقل الحشوية عن بعض السلف قولهم : " له وجه لا كالوجوه ويد لا كالأيدي " فحملوها على غير محملها ليشككوا العامة بأن مذهبهم هو مذهب السلف في أن ما ورد من هذه الأمور وأمثالها محمول على حقيقته الحسية الظاهرة المتعارفة بين البشر ، ونقول : " السلف لا يريدون أنها جارحة لا تشبه الجوارح أو أنها جزء منه تعالى لا تشبه أجزاء الآدمي فإن هذا لا يقول به إلا اليهود الذين قال الله فيهم : وجعلوا لله جزءا ، وإنما مراد السلف بذلك أن له تعالى صفات سميت بهذه الأسماء فنفوض علمها إلى الله جازمين بأنه ليس مرادا بها ما هو من أعضاء المخلوقين وأجزائهم ، وكذلك هم لا يعتقدون في الفوق الجهة المقابلة للتحت , ولا في النزول الحركة والانتقال ,وهكذا في سائر ما ورد من المتشابه الموهم ، روى البيهقي في "السنن الكبرى" بسنده عن أبي داود الطيالسي قال : كان سفيان وشعبه وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحددون . وفي نسخه "ولا يجسدون" ولا يشبهون ولا يمثلون ، يروون الحديث ولا يقولون كيف وإذا سئلوا أجابوا بالأثر ، وروى البيهقي أيضا في "السنن الكبرى " بسنده أنه قد سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في التشبيه فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية ، وقال الترمذي عند الكلام على حديث : " يمين الرحمن ملأى سحاء" ، وهذا حديث قد روته الأئمة نؤمن به كما جاء من غير أن يفسر أو يتوهم هكذا .قال غير واحد من الأئمة منهم الثوري ومالك بن أنس وابن عيينة وابن المبارك : " أنه تروى هذه الأشياء ونؤمن بها فلا يقال كيف " ، نعم قد وقع في كلام ابن تيمية وابن القيم ذكر الوجه والعين واليدين وغيرهما بأنها صفات لكن السياق والسباق في كلامهما يناديان أنهما أرادا بها أجزاء بالذات لا المعاني القائمة بالله سبحانه وتعالى كما يقول السلف .وإلا لما بقي وجه لتشددهما ضد أهل الحق ، وابن تيمية يقول في " الأجوبة المصرية " : "إن الله يقبض السموات والأرض باليدين اللتين هما اليدان " ، فماذا يجدي بعد هذا التصريح أن يسميها صفات ، وأهل العلم من الخلف يحملون القبض على أنه مجاز عن إخراج السموات من الإظلال والأرض من الإقلال وإيقافهما عن أن تكونا صالحتين كما بشير إلى ذلك البيضاوي في قوله : " وهو القابض الباسط " أي الموقف عن المسير متى شاء والمجري للأمور كما شاء ،
[ والسلف يفوضون مع التنزيه ] : وأما حمل القبض على القبض الحسي فقول بالتجسيم والجارحة تعالى الله عن ذلك وحاشا أن يكون قبض الله من قبيل احتواء الأنامل على شيء .قال تعالى : " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون " . وقوله تعالى : " والأرض جميعا قبضته يوم القيامة " أي تحت تصرف مالك يوم الدين لا يرى لأحد سواه حكم في ذلك اليوم ." والسموات مطويات بيمينه " أي بقدرته ، وصح أن حبرا من اليهود جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات على أصبع والأرض على أصبع وكذا على أصبع حتى عد خمس أصابع فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ,ثم قرأ : " وما قدروا الله حق قدره " ، وظن بعض الرواة أنه ضحك تصديقا لقول الحبر وهو ظن منه لا مبرر له بل إن تلاوته صلى الله عليه وسلم للآية : { وما قدروا الله حق قدره } ، يدل على الإنكار والاستهجان ,أي ما عرفوه حق معرفته . فضحكه كان تعجبا من جهلهم بصفات الله واعتقادهم فيه الجسمية والتركيب والأجزاء من الجوارح ، وفي ختم الآية التي تلاها صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : { سبحانه وتعالى عما يشركون } ، فصل الخطاب , وفيه عظة لغلاة المشبهة الذين يفسرون ما ورد من مثل الوجه واليد والأصابع وغيرها بالمعاني الحسية في الإنسان ، وقد ورد أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن الله كيف خلقه وكيف عضده وكيف ذراعه ؟ فغضب فجاءه جبريل بقول الله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره } ، روى القاضي ابن العربي في "العارضة" والقاضي عياض في " الشفاء " عن الإمام مالك بن أنس أنه كان يرى قطع يد أشار بيده إلى عضو من أعضائه عند ذكر شيء ورد في الله سبحانه حيث إن الإشارة إلى عضو عند ذلك تشبيه ، بل قال بعضهم : ما ذكر فيه اليد من آية أو حديث وأشار إلى يده عزر بقطعها , ومن قرأ ما به العين فأشار إلى عينه عزر بفقئ عينيه ، وما روي عن أبي داود من وضعه صلى الله عليه وسلم إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه حين تلا : " إن الله سميع بصير " فقال الخطابي في شرحه "المعالم" : " معنى ذلك إثبات صفة السمع والبصر له تعالى لا إثبات الأذن والعين لأنهما جارحتان ، والله سبحانه وتعالى موصوف بصفاته منفي عنه ما لا يليق به من صفات الآدميين ليس بذي جوارح ولا بذي أجزاء " ، وفي " الأجوبة المصرية " لابن تيمية : " ذكر أنه صلى الله عليه وسلم قبض كفيه فجعل يقبضها ويبسطها " ثم قال : "وهنا القبض والبسط بقبضه وبسطه " ، قال الكوثري : وهذا تشبيه صريح من ابن تيمية واللفظ المذكور لم يقع إلا في بعض الروايات . والاضطراب في الحديث سندا ومتنا زيادة ونقصا ظاهر جدا لمن اطلع على طرقه .بحيث لا يصح الاستدلال به , ولاسيما في هذا المطلب ، علاوة على أن ما يقع على المنبر أمام الجمهور تتوفر الدواعي إلى روايته فكيف ينفرد برواية مثله راو واحد ، وعلى فرض ثبوت أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض كفيه وبسطهما أثناء الخطبة لم ينسب إليه صلى الله عليه وسلم في حديث أنه قال : " هكذا يقبض ويبسط " حتى يصح كلام ابن تيمية .بل البسط غير موجود فيما يروي عما يفعله سبحانه عند قيام الساعة حتى يظن به صلى الله عليه وسلم إذا قبض كفيه وبسطهما أنه أراد تشبيها بقبض الله وبسطه ,على أن الخطيب كثيرا ما تصدر منه حركات وإشارات أثناء الخطبة ، وحملها على معان لم ينطق هو بها تقويل للخطيب مالم يقله " من تعليق الكوثري على النونية ،
ومن مغالطاتهم قولهم : " إنكم تثبتون لله الوجود والحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع البصر , وتقولون : "لا كوجودنا وحياتنا وسمعنا وأبصارنا الخ. فقولوا : يد لا كيدنا ,ووجه لا كوجوهنا قلنا قوله تعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } فيه السميع البصير تتميم لنفي المشابهة له عز وجل , فيكون ذلك بمنزلة الجواب عما يبدو من الصفات أنه مشترك بين الخلق والخالق ، فكما نفت الآية ما يدل على الحدوث والافتقار كالجسمية ولوازمها من الكون في الجهة والمكان والتركيب والأعضاء والأجزاء مما جعله الله دليلا على المخلوقية والحدوث ، فكذلك أثبتت الآية بقوله : { وهو السميع البصير } إن صفات الكمال له تعالى وحده بمعنى أن حقيقة تلك الصفات إنما هي لله وحده , وأما ما في الكائنات من تلك الصفات فليسوا في الحقيقة متصفين بها ,بل هي مشابهة اسمية ولذا قال تعالى : { وهو السميع البصير } ، بصيغة الحصر .وكذلك قال : " هو الحى" وقال : " وهو العليم القدير" .وأمثال هذه الآيات من كل ما دل على انحصار صفات الكمال فيه وحصرها عليه ونفيها عما سواه لبعد ما بين حقائق هذه الصفات في الخلق وحقيقتها في الواجب لأن ما للحق هو بالأصالة ,وقديمة بقدمه ,وأما ما للمخلوق فهو حادث فيه بإحداث الحق على درجة نازلة فلا مشابهة بينه وبين الخلق فيما يدور أنه مشترك من صفات الكمال ولا اشتراك إلا في اللفظ فقط .

( 6 ) بعض من المشبهة : وقد اشتهر بالتشبيه في القرن الثالث الهجري محمد بن كرام السجستاني فلقب المنتمون إلى طريقته " الكرامية" ، وتلاه أبو الحسن البربهاري الحنبلي في أوائل القرن الرابع الذي افتتن به العامة في بغداد وجد في الدعاية إلى الاعتقاد وعظمت المحنة بهذين وشيعتهما على أهل الحق .وقد تستروا ومن تبعهما بالزهد والتقشف وكثرة الصيام والقيام وتلاوة القرآن والتشاغل بجمع الحديث وروايته عملا بلا معرفة وحفظا بلا فقه ، وانخدع بزخرف أقوالهم بعض المحدثين الذين قلت معرفتهم بعلم أصول الدين ,ولم يتفقهوا في بيانات كتاب الله الفارقة بين صفات المخلوق وما يصح أن يوصف به الخالق وما يتنزه عنه ,ولم يتفطنوا لما في آيات التنزيه من قرائن واضحة على وجوب صرف الظواهر الموهمة عن هذه المعاني المتبادرة للعامة إلى معان تليق به عز وجل فدخلوا بذلك فيما لا يحسنون ، فلا يعبأ بقولهم ما زالوا فيه مهما كانت مكانتهم في الفنون التي يحسنونها من حديث وفروع ، قال الكوثري : " يرثي لحال من يميل إلى التشبيه مع جلالة مقداره في الحديث , ولا يعول على الرجل إلا في العلم الذي يتقنه دون سائر العلوم ، فكم بين أهل الحديث من هو أنزل منزلة من العامي في علم أصول الدين والفقه وكذلك سائر العلماء في غير علومهم " ، وكذلك انجرف في تيار التشبيه طائفة من أتباع الإمام أحمد وأفراد قلة من المنتسبين إلى مالك والشافعي مخدوعين ، ونسب مجسمة الحنابلة ما هم عليه من التجسيم إلى الإمام أحمد بن حنبل ، وقد أشبعهم الحافظ ابن الجوزي الحنبلي لوما وتجهيلا وتبرئة للإمام أحمد مما نسبوه إليه وذلك في كتابه القيم "دفع الشبه والتشبيه " ، وقد روى الإمام شيخ الحنابلة أبو الفضل التميمي عن الإمام أحمد أنه على ما عليه الجماعة من تنزه الحق عن الجسمية ولوازمها ، فروى البيهقي في " مناقب الإمام أحمد " عن أبي الفضل هذا أنه قال : " أنكر أحمد على من قال بالجسم ، وقال : إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة ، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف , والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمي جسما لخروجه عن معنى الجسمية , ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل " ، قال بعض الأفاضل : " رجلان من أئمة هذه الأمة ابتليا بقوم سوء فنسبوا إليهما ما هما براء منه : جعفر بن محمد الباقر وأحمد بن حنبل " ، وألف الحشوية كتباً سموها بأسماء مغرية كالتوحيد ,أو السنة ,أو الصفات , وما ماثل ذلك من الأسماء والألقاب الخادعة منها كتاب " السنة" لابن الإمام أحمد ,وكتاب عثمان بن سعيد الدرامي في " نقض كلام البشر" المعتزلي ، وقد أشبعه الجهابذة نقدا لما احتوى عليه نقضه من تشبيه مضحك ، وممن احتوى كتابه على التشبيه كتاب التوحيد لابن خزيمة مع اعتراف الناقدين له بإمامته في الفقه ومعرفة علل الحديث ورواته ، قال البيهقي : " وقد رجع ابن خزيمة إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال " ، وروى عنه البيهقي أيضا : أنه قال لأصحابه وهو يمشي معهم : " ما تنكرون على فقيه راوي حديث إنه لا يحسن الكلام ، وقد قال مؤدبي : يعني المزني غير مرة كان الشافعي ينهانا عن الكلام " ، ومن الكتب في الصفات التي بعد أصحابها عن الصواب كتاب "إبطال التأويلات" لأبي يعلى الشهير بابن الفراء الحنبلي ، حتى قال عنه أبو محمد رزق الله التميمي الحنبلي : " لقد بال أبو يعلى على الحنابلة بولة لا يغسلها ماء البحر " كما ذكره سبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان " ولفظ ابن الأثير في الكامل أفظع ، ومن الكتب في التشبيه كتاب " الجيوش الإسلامية في غزو المعطلة والجهمية " لابن القيم ,والنونية له وهي من أبشع كتبه وكتاب "العرش" لابن تيمية وكتاب "التأسيس " له الذي رد به على كتاب "أساس التقديس" للرازي وفي كتاب "التأسيس" طامات ، وكذلك لابن تيمية في هذا الباب "موافقة المعقول لصريح المنقول " جمع فيه ما دل بزعمه على أن الذات العلية ذات أجزاء وصورة وتعالى الله عما يتوهمون ، وقد سبق لك أن اليهود كانوا يعتقدون في الله عز وجل ذلك المذهب الباطل حتى قال قائلون منهم صف لنا ربك يا محمد كيف خلقه وكيف عضده وكيف ذراعه ؟ وقال آخرون منهم : " انسب لنا ربك وبين لنا ما هو ومم هو ؟ فأنزل الله تعالى في ذلك صورة الإخلاص وقوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره } ، أليس في ذلك التصريح بأن من اعتقد تركب الذات العلية فما قدر الله حق قدره وما آمن بأحديته ، والحاصل أن الباحثين من أهل الاسلام في هذه المسألة انقسموا إلى ثلاث فرق : فرقتان جانبتا محجة الصواب إحداهما أفرطت فبالغت في التوحيد حتى جعلته ينافي الاتصاف بصفات المعاني كالعلم والقدرة والأخرى فرطت فقالت بأن الوحدانية فيه تعالى لا تنافي تركبه من الأجزاء وقبوله للانقسام وتعالى الله عما قال الفريقان ، وتوسط الفريق الثالث وهم أهل السنة والجماعة ,فقالوا بما تقتضيه الأدلة الصحيحة من العقول والمنقول , وهو أن صفات الكمال في أعلى معانيها لا تنافي التوحيد , بل التوحيد يوجب اتصافه بها وأن صفات النقص كالحدوث وما يستلزم ذلك من الجسمية والتركيب وما إليها فإن أحديته تعالى توجب التنزيه عنها , وهذا هو الذي يقتضيه الفهم الصحيح لسورة الإخلاص ، فلا يغرنك ما ترى في كتب المشبهة من التهويل بأن القرآن صريح في كذا والسنة صريحة في كذا من الجهة والمكان وصفات الأجسام فإن هذه الأجسام فإن هذه الصراحة المزعومة ,إنما هي الأفهام القاصرة التي غفلت عن أدلة التنزيه المبثوثة في الآيات والأحاديث ، وفي "مقالات الكوثري" نماذج لما في كتاب " نقض الدارمي ", وكتاب "السنة " لابن الإمام أحمد ,و"توحيد" ابن خزيمة ,وكتاب "التأسيس " لابن تيمية فمن المفيد الرجوع إلى ما كتبه لتعلم حقيقة ما في هذه الكتب ، وفي "تهذيب التهذيب" لابن حجر عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال : " أتانا من المشرق رأيان خبيثان : جهم معطل ومقاتل مشبه ,أفرط جهم في النفي حتى قال : إن الله ليس بشيء ,وأفرط مقاتل في الإثبات حتى جعل الله تعالى مثل خلقه " ، وصدق أبو حنيفة فإن جهما بالغ في نفي ما يجب له تعالى من الصفات التي أثبتها العقل والنقل كالحياة والعلم والقدرة إلى بدع أخرى مكفرة كالقول بفناء الجنة والنار ومن فيهما وغير ذلك ، وبالغ مقاتل في الاثبات حتى فسر الاستواء بالاستقرار ، ولقد أخطأ وبعد عن التوفيق من جمع الأحاديث المتشابهة في تأليفه دون تفريق بين من تقبل روايته ومن لا تقبل من الضعفاء والمجهولين والوضاعين مع أنه لا يقبل في صفات الله من الأحاديث إلا ما تواتر أو ما هو مشهور ورتب كتابه على ترتيب صورة الإنسان فجعل لكل عضو بابا يجمع فيه الأحاديث التي فيها تلك الألفاظ ويفسرها لجهله بعلم أصول الدين بما يتنزه عنه الفهم الصحيح للكتاب والسنة فأوهم جمعها على مثال خلق الإنسان أن المراد ظاهرها ، وقد وضع حجة الإسلام الغزالي في هذا الموضوع كتابا سماه " إلجام العوام عن علم الكلام " ذكر فيه أن على من سمع هذه المتشابهات في الكتاب والسنة سبع وظائف عد منها أربعا ثم قال الخامسة : وهي الإمساك عن التصرف في الألفاظ الواردة من ستة أوجه : التفسير ,التأويل ,والتصريف ,والتفريغ ,والجمع ,والتفريق وشرح ذلك كله .ومما قاله في الجمع أن لا يجمع بين متفرق ولقد بعد عن التوفيق من صنف كتابا في جمع هذه الأخبار خاصة ورسم في كل عضو بابا ، وسماه كتاب "الصفات" فإن هذه كلمات متفرقة صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات متفرقة اعتمادا على قرائن مختلفة صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات متفرقة اعتمادا على قرائن مختلفة تفهم السامعين معاني صحيحة ,فإذا ذكرت مجموعة على مثال خلق الإنسان صار جمع تلك المتفرقات في السمع دفعة واحدة قرينة عظيمة في تأكيد الظاهر وإيهام التشبيه ، فإن الكلمة الواحدة يتطرق إليها الاحتمال , فإذا اتصل بها ثانية وثالثة ورابعة من جنس واحد صار تواليها يضعف الاحتمال بالإضافة إلى الجملة … ، ثم قال : والتصرف السادس التفريق بين المجتمعات فكما لا يجمع بين متفرقة فلا يفرق بين مجتمعه كقوله تعالى : " وهو القاهر فوق عباده " فليس للقائل أن يقول هو فوق لأن ذكر القاهر قبله فيه دلالة على الفوقية التي للقاهر مع المقهور وهي فوقية الرتبة ، ولا يجوز كذلك أن يقول وهو القاهر فوق غيره بل يحافظ على كلمة عباده لأن ذكر العبودية في وصفه تعالى بالفوقية يؤكد احتمال أن المراد هو فوقية السيادة إذ لا يحسن أن يقال : زيد فوق عمرو قبل أن يتبين تفاوتها في معنى السيادة والعبودية أو غلبة القهر أو نفوذ الأمر بالسلطة أو بالأبوة , فهذه الأمور يغفل عنها العلماء فضلا عن العوام " ، ورضي الله عن البيهقي فإنه لما رأى الخطر في تلك الكتب المسماة بالسنة أو الصفات أو التوحيد ألف كتابه "الأسماء والصفات" إصلاحا لما أفسدوا فوضع أبوابه على نظام كتبهم ولكنه أضاف في كل باب تفسير هذه الأحاديث بما هو المراد منها عند جمهور علماء أصول الدين ، ومن باب النبذ بالألقاب وصف الحشوية للمنزهين أنهم جهمية ومعطلة أي أنهم لا يثبتون الصفات ويعطلون الباري منها . وما أنكر أحد من أهل السنة الصفات , وإنما أنكروا تفسيرات الحشوية لتلك الألفاظ وحملها على مقتضى المحسوس ، قال الكوثري : " ليس بين المعتزلة فضلا عن الأشاعرة من ينفي أن الله سبحانه عالم قدير سميع بصير إلى آخر تلك الصفات الواردة في الكتاب والسنة المشهورة حتى يصح رميهم بجحد الصفات ، وجل الله سبحان عن أن يكون له مكان يحويه فلا يقال : أن السماء ظرف له ولا أن العرش مستقر ذاته , فأين في كتاب الله مثل ذلك ، وتفسير الاستواء بالاستقرار , إنما هو قول مقاتل بن سليمان شيخ المجسمة وقول الكلبي الزائغ " ،

( 7 ) جهود الأشعرية والماتريدية في القضاء على بدعة الحشو : وبفضل الله عز وجل أكرم الأمة بالإمامين الجليلين أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي وتلاميذهما وأتباعها من علماء أصول الدين الذين أماتوا بدعة الحشو ، حتى ظهر في أواخر القرن السابع ابن تيمية بدمشق فتجرد للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحشوية متظاهرا بالجمع بين العقل والنقل على حسب فهمه ,وحاشا العقل الناهض والنقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تخريف السفهاء ، وزاد ابن تيمية على من سبقه من الحشوية أن زعم أن الآيات والأحاديث التي فيها تلك الألفاظ الموهمة هي من المحكمات لا المتشابهات مخالفا بذلك السابقين واللاحقين بأن ذلك من المتشابه ، وكذلك أكثر من نسبة تلك المعاني والتفسيرات بالظاهر المتعارف إلى مقتضى الكتاب والسنة وإلى الصحابة والتابعين والأئمة وأكثر من الخوض في تلك الأمور بالتأليف , وبعث الفتاوي إلى كل مكان وتحريك قلوب العامة فيها من على المنابر لإشباع نفوسهم بأن ما يخطر بأوهامهم من المعاني والتفسيرات لتلك الألفاظ الموهمة هو ما جاء به سيد الأنبياء والمرسلين , وأن صرف الألفاظ عن تلك المعاني التي توهموها إنما هو رد لما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو يخالف في كل هذا ما كان عليه مسلك الصحابة وسلف الأمة في كراهة الخوض في ذلك وفي كل ما يشكل على العوام من الأمور المعضلة في العقائد وفي زجرهم من خاض في هذه الأمور ، ومن أثنى عليه من أهل العلم فإنما أثنى عليه لما رأوا فيه من سعة بيان في مسائل الشريعة في الكتب التي ألفها قبل أن يرفع الحجاب عن شذوذاته في هذا الباب وفي أمور أخرى عقائدية وأصولية وفروعية مما أوجب محاكمته وسجنه , وتكرار إعلان توبته ,فلعل من أثنى عليه لم يبلغه ما انتهى إليه أمره في العقائد أو بلغة إعلان توبته وظن أنه قام عليها ,ولم تكن كتبه التي فيها هذه المخالفات متداولة إلا بين أتباعه ، وكان ابن القيم يساير شيخه ابن تيمية في شواذه كلها حيا وميتا ويقلده ، ونونيته من أبشع كتبه إغراءً للحشوية ضد أهل السنة ، وبفضل جهود العلماء الموفقين من الأشعرية والماتريدية في عصرها وبعد عصرها خمدت أنفاس ما أحدثاه وخمد ذكر ما صنفاه إلى أن بدأت في هذا العصر آراءهما الشاذة للظهور من جديد ، وحاول البعض إلى أن ينفي نسبة التجسيم والتشبيه إلى ابن تيمية وذلك لعدم شيوع كتبه وتداولها ، ولكن في هذا الزمان , طُبع الكثير من هذه الكتب حتى لم تبق ريبة فيما نسب إليه بما استبعد الأكابر في الماضي نسبته إليه ,وذلك ككتاب "المنهاج" وكتاب "العرش" ,وموافقة المعقول لصريح المنقول " .ومن كتبه التي لم تطبع "التأسيس " الذي رد به على كتاب "أساس التقديس" للرازي الذي يرد به على الكرامية القائلين في الله بالجهة ولوازمها , والذي جمع فيه الوارد من المتشابهات , وأجاب عنها وفسرها بما ينطق على العلم الصحيح وهو مطبوع ، وممن رد على ابن تيمية تقي الدين الحصني الشافعي المتوفي سنة 829 في كتاب سماه : " دفع سبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد " ، وممن رد عليه أيضا فخر الدين القرشي الشافعي في كتابه "نجم المهتدي ورجم المعتدي " وفيه صيغ من مرات إعلان توبته ، وللإمام الكوثري عناية بالرد على ابن القيم وشيخه في تعليقه على نونية ابن القيم وغيرها من الكتب وقد نقل من كتاب "التأسيس " لابن تيمية نصوصا تدل على أنه لا يرى مانعا من نسبة الجسم والتركيب إليه تعالى ،

8_أمثلة من المتشابهات وردها إلى المحكم : قد ألفت كتب كثيرة لرد المتشابه إلى المحكم لأفاضل متقدمين ومتأخرين ومن أنفعها كتاب " أساس التقديس " لفخر الدين الرازي وهو مطبوع رد به على الكرامية القائلين في الله بالجهة ولوازمها وجمع الأدلة العقلية والنقلية على تنزهه عن ذلك ,كما جمع فيه الآيات والأحاديث المتشابهة وردها إلى المحكم .ولابن تيمية رد عليه سماه " التأسيس " لم يطبع ، قال الكوثري : " وهو موجود في ظاهرية دمشق ضمن مجلدات "الكواكب الدراري " ، ونقل منه نماذج تدل على أن ابن تيمية لا يرى بأسا في نسبة الجسمية والجهة والمكان والتركيب إليه تعالى ، ومن الكتب النافعة في الرد على المجسمة كتاب "دفع الشبه والتشبيه " لابن الجوزي الحنبلي ينكر فيه على مجسمة الحنابلة ، ومن الكتب النافعة أيضا كتاب " قانون التأويل " للإمام الغزالي ، ونورد هنا بعض ما ورد من المتشابهة ورده إلى المحكم مأخوذا من أقوال العلماء :

الرحمن على العرش استوى : قال العلامة الشيخ سلامة العزامي المتوفي سنة 1376في كتابه "البراهين الساطعة " ما مضمونه : أجاب مالك لما سئل عن الاستواء بقوله : " الاستواء معلوم والكيف غير معقول ". فأنت ترى أنه لو يفسر الاستواء بجلوس أو استقرار , بل أحاط السائل علما بأن الاستواء معلومة معانيه في لغة العرب , فنهج بذلك منهج السلف في عدم تعيين المراد من تلك المعاني ,واعتبار أن تفسيره هو قراءته كما ورد .وفي قوله : " والكيف غير معقول " إشارة إلى التنزيه عن توهم أن المراد معنى ينطبق على صفات المخلوقين ,وأن من عرف ما يراد بالاستواء في حق الله لا يجد محلا للكيف أو السؤال لا أن المراد أنه استقرار أو جلوس لا نعلم كيفيته ، ثم إنه لو قيل : استوى على العرش المملكة , فمعناه تولى ملكها أو قيل : تل عرشه فمعناه زال عنه الملك ,وفي الحالتين لا يخطر بالبال قعود على العرش أو قيام عنه , بل يسبق إلى الفهم المعنى المراد بهذا التركيب وهو أنه تولى الملك ولو لم يكن له عرش ، وإذا تقرر هذا في أساليب العرب ,فلا بدع أن خاطبهم القرآن بمثل أسلوبهم ,وكان مما شاع بين العرب الشرك على أنواع متنوعة ,فمنهم من يقول بخالقين أو أكثر ,ومنهم من يقول بأن له شركاء في ملك الأرض يتصرفون في الملك .فهدم الله تعالى ذلك الاعتقاد بقوله : " إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش " فبين بالجملة الأولى أنه الواحد في الخلق ثم بين في الثانية أنه المنفرد بالملك ,ثم أكد ذلك فختم الآية بقوله تعالى : " ألا له الخلق والأمر ". والمعنى أن الخلق له لا لسواه وأن الأمر له لا لغيره .والأمر من لوازم الملك فحاصل الكلام أن ربكم هو الخالق لا خالق سواه ,وهو الملك المنفرد بالملك لا ملك سواه ، ومن الواضح ان الملك الذي هو التصرف من الملك في الأشياء إنما هو بعد إيجادها على ما شاء لها من أقدار وأشكال وصفات ، وترى القرآن في كل المواضع التي ذكر فيها الاستواء على العرض ما ذكره إلا بعد ذكر خلقه للعوالم أو رفعه السموات بغير عمد ، والقرآن مع كونه كرر الاستواء في سبعة مواضع لم يأت بجلس ولا بعلا ولا نحوهما , وإنما اختار استوى , فإن في معنى الاستواء على العرش فوق إفادة الملك إشارة إلى أنه تصرف فيما أوجد بالقسط والعدل ، فمن أين لهم : "إن هذا الاستواء يراد به جلوس جسم على جسم , أو أنه يدل على أنه تعالى جهة الفوق جالس على عرشه ,أو أن أهل السماء أقرب إليه من أهل الأرض , بل قال عثمان الدارمي في كتابه " النقض " الذي طبع في مكة : أن من هو على ظهر الجبل أقرب إلى الله ممن هو في أسفله , وكيف يمكن أن ينسب ذلك إلى كتاب الله الذي يقول : { واسجد واقترب } ، والذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )) ، والله تعالى يقول : { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ويخاطب الله سبحانه وتعالى الحاضرين عند المحتضر : { ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون } ، فمن اعتقد في الله جهة الفوق أو الاستقرار على العرش أخذا من قوله تعالى : { ثم استوى على العرش } فقد أتى من قبل قلبه الأعمى وفهمه البليد ، وفي المصباح في مادة سوى : " واستوى على سرير الملك كناية عن الملك وإن لم يجلس عليه " ، قال : وآية الاستواء هي عمدة ما أثبتوا به الجهة لله والاستقرار في المكان , ونقلوا ما بين أهل العلم بالحديث أنه موضوع أو ضعيف ولا يحتج بمثله في الفروع فضلا على أن يحتج به في أصول الدين ، ويعتمد عليه في إثبات صفة الله لا تكون إلا لمخلوقاته , وأضافوا إلى هذا نقولا عن السلف كذبوا في بعضها ولم يفهموا المراد من البعض الآخر كما علمت ".مضمون ما في "البراهين الساطعة" ، وقال قامع البدعة الشيخ الكوثري في "مقالاته " ص 292 : ( قوله سبحانه وتعالى في سورة الحديد : { هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } ، فجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافي "المعية" وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون ) أهـ ،

ما قيل في العلو والفوقية المكانية : علو المكان إنما هو من صفات الحدوث ,وأهل السنة لا يعتقدون في الفوق الجهة المقابلة للتحت ، أ_ قال الطبري : زعمت أن تأويل قوله : " استوى" أقبل أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها ,فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير قيل إليها , فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير قيل له : فكذلك فقل علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال ، ب_ ( وهو العلى) ( إن الله كان عليا كبيرا ) قال الطبري : العلي هو ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته ، ج – ( وهو القاهر فوق عباده ) : توسيط كلمة فوق بين اسم القاهر وبين كلمة عباده تدل على أن المراد فوقية المكانة والعزة وعلو العظمة والكبرياء وهل يظن عاقل من قوله تعالى عن القهر : " وإنما فوقهم قاهرون " إن ذلك يعني الفوقية المكانية ، هـ – رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء : ليس في شيء من الدلالة على استقرار وجود ذاته في السماء ,وإنما ذلك لمجرد أن السماء قبلة الدعاء ومنزل الأنوار والأمطار والخيرات والبركات (وفي السماء رزقكم ) وهل يقول عاقل أن الله في الكعبة لأنها قبلة المصلي ، و- لم يكن معراج النبي صلى الله عليه وسلم ليغشي مكان الله سبحانه ,بل عرج به كما نص القرآن ليريه من آياته الكبرى .ومقام عيسى بينه حديث المعراج ,وليس كما زعم بعض النصارى بأنه رفع إلى السماء وجلس في جنب أبيه .تعالى الله عما يقول المجسمة والنصارى واليهود علوا كبيرا ، ز- صعود الأرواح إلى السماء : من الذي يراه صالحا لاتخاذه دليلا على إثبات أن مكانه تعالى في السماء ، ح- (إليه يصعد الكلم الطيب ) : صعود الكلمات والأعمال وهي أعراض هل يعني عند من ذاق مسكة من علم أن مكانه تعالى في السماء إلا أن ذلك مجاز في قبولها .وهل يخفي على لبيب أن ما يكون من الرعية إلى الملك هو رفع إليه ,وما يكون من الملك إلى الرعية فهو نزول ولو كانا في مكان واحد ، ط- نزول الملائكة من السماء وعروجهم إليها أي دليل فيه على أنه تعالى في السماء ، ى- حديث الجارية وهو أنه صلى الله عليه وسلم أتي بجارية ليتعرف أهي مؤمنة فقال : أين الله ؟ فقالت : في السماء .فقال : إنها مؤمنة .والحديث مروي عن معاوية بن الحكم وراوية عنه هو عطاء بن يسار ,وقد اختلفت ألفاظه فيه ففي لفظ له : "فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها اختلفت ألفاظه فيه ففي لفظ له : "فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهما : من في السماء ؟ (الحديث) فتكون المحادثة بالإشارة على أن اللفظ يكون ضائعا مع الخرساء الصماء .وعلى هذا يكون لفظ أين الله ؟ لفظ أحد الرواة على حسب فهمه لا لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، والحديث مضطرب سندا ومتنا رغم تصحيح الذهبي وتهويله وراجع طرقه في كتاب "العلو" للذهبي وشروح الموطأ وتوحيد ابن خزيمة حتى تعلم مبلغ الاضطراب فيه سندا ومتنا ، وقد روى الإمام مالك هذا الحديث أولا عن طريق هلال بن أسامة باللفظ المشكل ثم أتبع ذلك برواية ابن شهاب بلفظ : أن النبي صلى الله عليه وسلم : (( قال لها : أتشهدين أن لا إله إلا الله . فقالت نعم ,ثم قال أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ فقالت : نعم , فعند ذلك قال لمالكها : أعتقها فإنها مؤمنة )) ، وهذه الرواية الأخيرة هو المعروف في حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلقين الإيمان طول أداء رسالته السؤال بأين أو طلب اعتقاد أن الله في السماء في غير هذه القصة أجدر بأن يكون هو لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال ابن الجوزي : قد ثبت عند العلماء أن الله لا تحويه السماء ولا الأرض ولا تضمه الأقطار وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق جلاله عندها ، هذا وإن الحديث باللفظ المشكل من رواية أبي رزين ففي سنده حماد بن سلمة وكان ربيباه يدخلان في حديثه ما شاءوا ، ويعلى بن عطاء تفرد عن أبي رزين ,ولا شأن للمتفردات والوحدان في إثبات الصفات فضلا عن المجاهيل وعمن به اختلاط . مضمونه من تعليق الكوثري على النونية ،

حديث النزول : حديث نزول الرب إلى سماء الدنيا إذا مضى شطر الليل فيقول : ألا من سائل فأعطيه (الحديث) ، قال مالك : هو نزول رحمة لا نزول انتقال ، قال الكوثري : " لا يجهل أحد استمرار الثلث الأخير من الليل في البلاد باختلاف المطالع ,فلا يتصور أن يحمل النزول إلى السماء الدنيا على النزول الحسي , وصح ضرورة أنه يفعله ربنا في السماء الدنيا في ذلك الوقت لأهل كل أفق فهو صفة فعل لا ذات ,قال : وقد حمله حماد بن زيد وغيره على الإقبال , فالمراد من النزول في تلك الساعة فتحة لباب الإجابة لعباده , وقبول الدعاء فيها بالنسبة إلى كل افق .قال : وحمله على الانتقال من فوق إلى تحت جهل بما يجوز في الله وما لا يجوز ، وقال : وفي بعض طرق الحديث ما يعين أنه إسناد مجازي .ففي سنن النسائي : " أن الله يأمر ملكا ينادي أي ذلك النداء ؟ فيكون من قبيل الإسناد إلى السبب الآمر بذلك " ، قال الإمام العزامي : "وإسناد الفعل إلى الآمر به من المجازات الشهيرة في كتاب الله " , قال تعالى : " فإذا قرأناه فاتبع قرءانه " والمباشرة للبطشة هم أهل بدر والله تعالى هو الذي أمر بالقراءة وأمر بالبطش بأعدائه ".

ما ورد من نصوص في نحو الوجه واليد وغيرهما : من الألفاظ المتشابهة ما ورد من الوجه واليدين والعين واليمين والعضد والساعد والكف والأصابع والساق والقدم ونحو هذا مما هو موضوع في لغة العرب لأجزاء البدن وجوارحه , فانقسم الناس في فهم ذلك إلى ثلاثة أقسام : منهم : من حملها على حقائقها اللغوية واعتقد في الله الأجزاء والأعضاء وهم المجسمة ، ومن هؤلاء من يتستر في إعلانه فيسميها صفات , أو يقول على وجه لا يعقل وعين لا كعين المخلوقين كابن تيمية وابن القيم ومن تبعهما ، ولكنك إذا قرأت سياق كلامهما وسباقه جزمت بأنهما يريدان الأجزاء والأعضاء كما سبق نقله من كلام ابن تيمية ، ومن العلماء من جزم : بأن هذه الألفاظ مصروفة عن حقائقها اللغوية وظواهرها التي اعتقدها المجسمة ، ولكنه فوض المعنى المراد منها إلى الله , وقرر بأن المعاني المرادة هي من قبيل الصفات حقيقة لا من قبيل الأجزاء والأعضاء والأمور الحسية الظاهرة للعوام التي يدعيها المجسمة .وهذا هو أغلب أحوال السلف أي التفويض ، ومن العلماء من ألجأته الحاجة : إلى بيان المعنى اللائق المراد منها حين ابتلى بالمبتدعة فنظر بما أوتي من علم في تلك الألفاظ فرأى العرب تستعملها في حقائقها اللغوية عند عدم القرينة على خلافها كما تستعملها في مجازات شائعة عند قيام القرينة المانعة من إرادة الحقيقة ، يقول العربي : غسلت وجهي يريد العضو المخصوص , ويقول قصدت وجهك لتأخذ بيدي , وأعوذ بوجهك من فلان , ولا يريد بالوجه إلا المخاطب نفسه لا الجزء الخاص ، ويقول أيضا : غسلت قدمي يريد العضو , ويقول وضعت قدمي على فلان يريد أنه اذله وإن لم يضع عليه قدمه ,وهكذا في سائر الألفاظ ، ثم نظروا فيما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة في حق الله من ذلك فوجدوا الأدلة ناطقة والقرائن دالة على أن هذه الألفاظ مصروفة عن حقائقها اللغوية وظواهرها الحسية لدلالة هذه الظواهر على الحدوث والمخلوقية . فعلموا بذلك أنها مستعملة فيما شاع من المجازات وقد يكون منها ما بينه لشيوع استعمال اللفظ فيه , وبقرينة السياق والسباق ونحوهما من وجوه الدلالات الواضحة التي لا تحوج إلى سؤال ولذلك لا ترى القرون الاولى من الصحابة ومن يليهم قد سألوا عن هذه الألفاظ لوضوح معناها عندهم بسليقتهم العربية ، - إلى أن قال عند حديثه على صفة اليد - : وردت [ صفة اليد ] مفردة أيضا في حديث الشيخين من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة (( فيأتون آدم فيقولون يا آدم خلقك الله بيده ولم يثنها )) وكذلك جاءت مفردة في حديث الشيخين : (( يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ,أرأيتم ما أنفق منذ خلق الله السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يده وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع )) ، قال الطيبي : وهذا الكلام إذا أخذ بجملته من غير نظر إلى مفرداته أبان زيادة الغني وكمال السعة والنهاية في الجود والبسط في العطاء . وقوله : بيده الأخرى أشار إلى أن عادة المخاطبين تعاطي الأشياء باليدين معا فعبر عن قدرته على التصرف بذكر اليدين لتفهيم المعنى المراد بما اعتاده " ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ويطوي الأرضين ثم يأخذهن بشمالة )) الحديث ، قال المازري في شرح الحديث : إن إطلاق اليدين لله تعالى مؤولة على القدرة , وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما تفهمه ، وذكر اليمين والشمال حتى يتم التأويل لأننا نتناول باليمنى ما نكرمه وبالشمال ما دونه ,ولأن اليمين والأرضين إلى الشمال ليظهر التقريب في الاستعارة , وإن كان الله سبحانه وتعالى لا يوصف بأن شيئا في حقه أخف عليه من عليه من شيء ,ولا أثقل عليه من شيء " ، وأكثر الرواة لهذا الحديث لم يأتوا بلفظ الشمال في حقه عز وجل وإنما قالوا وبيده الأخرى . ولا إشكال عند التأمل لما عرفت من كلام المازي أن المقصود الاستعارة التمثيلة ، وقد ثبت من وجوه صحاح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين " وهذا ظاهر في أنه لا يقال في حقه تعالى ما يقابل الشمال فلا تكون العضو المتعارف في الناس الله عن ذلك ، وجاء لفظ اليمين في الكتاب والسنة بدون ذكر اليد الأخرى .قال تعالى : { ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ( 45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) } ، إذا حملت اليمين على يمينه عز وجل فقال ابن جرير في تفسيره : " ولو تقول علينا محمد بعض الأقاويل الباطلة وتكذب علينا لأخذنا منه باليمين . يقول : لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة ثم لقطعنا منه نياط القلب ,وإنما يعني بذلك أنه كان يعالجه بالعقوبة ولا يؤخره بها " ، وأخرج الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل )) قال أبو سليمان الخطابي في شرح الحديث : " ذكر اليمين في هذا الحديث معناه حسن القبول فإن العادة جرت من ذوي الأدب بأن تصان اليمنى عن الأشياء الدنية , وإنما تباشر بها الأشياء التي لها قدر ومزية ، وصح عنه صلى الله عليه وسلم في الذي يتصدق مخلصا من كسب طيب (( عن الصدقة تقع في كف الرحمن قبل أن تصل إلى يد المتصدق عليه )) ، قال أبو بكر بن العربي قوله صلى الله عليه وسلم : (( تقع في كف الرحمن )) كلام صحيح يشهد له القرآن والسنة فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز : { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } ، فعبر عن نفسه الكريمة بالمستقرض فمن دفع للمستقرض شيئا فقد دفع ما دفع في كف المستقرض كما أنه قال : " مرضت فلم تعدني " فكما أنه لا يكون المرض صفة لا يكون الكف كذلك " وعلى هذا المنوال كلام أهل الفهم في كتاب الله وسنة رسوله من أهل العلم بأصول الدين وأهل الفطنة بأسرار البلاغة العربية التي جاء عليها الكتاب والسنة ،

ما ورد في الكيفيات النفسانية : ومن أمثلة ما ورد في ذلك الرحمة والفرح والضحك والتبشبش والتعجب والرضا والغضب والمكر والاستهزاء والكيد وغير ذلك من الكيفيات النفسانية . فكل ما ورد من ذلك ليس المراد به الانفعالات المتعارفة في الخلق بل المراد غاياتها . فجرى التعبير عن إفاضة الجود بالرحمة ,وعن قبول الأعمال بالفرح والضحك والتبشيش والرضا , وعن ردها والعقاب عليها بالغضب , وأما التعجب فإنما هو تنزل للعقول يظهر منه شرف تلك الصفة التي وقع التعجب منها كما في الحديث (( يعجب ربنا من شاب ليس له صبوة أي لا يقع في الزنا )) ، وأما المكر والاستهزاء والكيد ,فالمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة الماكر المستهزئ والكايد ويجازيهم على ذلك ، قال تعالى : { يكيدون كيدا وأكيد كيداً } ، قال النسفي في تفسيرها : يعملون المكايد في إبطال أمر الله وإطفاء نور الحق . وأكيد كيدا أي أجازيهم جزاء كيدهم … فسمي جزاء الكيد كيدا كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة وإن لم يكن اعتداء وسيئة .ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله إلا على وجه الجزاء كقوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } وقوله : { يخادعون الله وهو خادعهم } وقوله : { الله يستهزئ بهم } ، وأما النسيان فإن المراد منه أنه لما كان عذاب الكفار لا ينقضي كانوا كالمنسيين عند الله لكون رحمته لا تنالهم ومجمل القول : أن ما ورد في كتاب الله والسنة الصحيحة هو نعت صحيح لربنا على حد ما يعلمه وعلى حد ما تقبله ذاته وما يليق بها . وما يوهم ظاهره التشبيه ليس هو على بابه وإنما ذلك تنزل لعقول العرب الذي جاء القرآن على لغتهم وذلك مثل قوله تعالى : { ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى } ، فإن ملوك العرب عندها الكريم المقرب يجلس فيهم على هذا الحد فعقلت العرب بذلك قرب محمد صلى الله عليه وسلم عند ربه ، ولا تبالي بما فهمت من ذلك سوى القرب ، وكذلك قوله تعالى : { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه } ، فالعربي إذا قال فلان تحت قبضة يدي فإنما يريد أنه تحت حكمي بينما ليس في جارحته منه شيء , وإنما أمره وحكمه ماض فيه مثل حكمه على ما ملكته يده حسا وقبضت عليه ، فكذلك المعنى في الآية يعني أن الوجود كله في قبضته تعالى أي أن العالم كله في قبضة تصريف الحق ,وأما قوله : { بيمينه } فإنما ذكرها لأن اليمين محل التصريف المطلق القوي إذ اليسار لا تقوى في العادة قوة اليمين فكنى باليمين عن التمكن من الطي . وقد تقدم قريبا الكلام على هذه الآية وعلى ما ورد فيها من أحاديث ، وكذلك ما جاء في الحديث : (( لما خلق الله الكرسي تدلت إليه القدمان )) ، فإنه لما خصص الاستواء على العرش بالاسم الرحمن , وكان الكرسي هو محل الأوامر والنواهي , جاء التعبير عنهما بتدلي القدمين من العرش إليه ، وكذلك ما جاء في الحديث : (( قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن )) فسروا معناه أنه يراد بذلك النعمة والأثر الحسن , والمراد : أن قلب المؤمن بين نعمتين من نعم الرحمن : وهما نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ، وكذلك ما جاء في الحديث : (( إني أجد نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن )) المراد التنفيس عنه صلى الله عليه وسلم فإن الله نفس عنه بالأنصار وهم من أهل اليمن ، أما الله فإنه يتنزه عن النفس إذ هو الغني عما خلق من هواء وغيره ، وكذلك ما روى الترمذي وحسنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر : (( أنه نعس حتى استثقل قال : فإذا أنا بربي في أحسن صورة فقال : يا محمد قلت : لبيك ربي ، قال : فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لا أدري ، قالها ثلاثا قال : ورأيته وضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي فتخيل لي كل شيء )) ، وفي لفظ آخر (( فتمثل لي كل شيء وعلمت ما في السموات وما في الأرض ,وما بين المشرق والمغرب )) ، فالله سبحانه وتعالى منزه عن الجوارح "الكف والأنامل " والبرد والصورة ولذا فسروا الكف بالعطاء الذي هو عادة من الكف بالعطاء الذي هو عادة من الكف ووجد أنه صلى الله عليه وسلم لبرد الأنامل هوما أحس به من سرور بالعطاءات التي وصلت إليه .وذكر الأنامل لأن بها تكون المناولة عادة والصورة مراد بها الصفة أي في احسن صفة ، وهكذا يقاس ما لم نذكره على ما ذكرناه وهو سبحانه الملهم الوهاب .

مقتطفات في رد بدعة التشبيه : للعلامة المرحوم الشيخ سلامة القضاعي العزامي المتوفي سنة 1376عناية برد بدعة التشبيه ، وجل ما قدمناه في ذلك هو تلخيص لما أورده من ذلك في كتابه "البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة "إلا نزرا يسيرا ، ونختتم البحث في هذا الباب بمقتطفات من كلام عالمين جليلين ، أما أولهما : فهو المرحوم قامع البدعة في هذا العصر العلامة المحدث الفقيه المتكلم النظار الشيخ محمد زاهد الكوثري المتوفي سنة 1371 ، أما الثاني : فهو المرحوم الشيخ يوسف الدجوي أحد أكابر علماء القرن الرابع عشر المتوفي سنة 1365والذي قال تأبينه الإمام الكوثري : " كان هو مفسر الأزهر ومحدثه وفيلسوفه وكاتبه وخطيبه بحق بين اهل طبقته العليا " ، وإليك هذه المقتطفات :

قال الإمام الدجوي رحمه الله : "السلف في آيات الصفات وأحاديثها يفوضون بعد التنزيه , أي ينزهونه عن الجارحة وما لا يليق ولا يعينون بعد ذلك شيئا خاصا من المعاني التنزيهية ، والخلف يؤولون خوفا من التشبيه ، فالكل أي السلف والخلف متفقون على التنزيه ، أما أولئك المتفيقهون الذين يشبهون ، فهم مجسمون يبرأ منهم السلف والخلف جميعا فهم كراميون لا سلفيون ولا خلفيون ، وليت شعري أيثبت هؤلاء الجاهلون كل ما ورد من تلك الظواهر , فيثبتون له تعالى يدا بمقتضى قوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } ، أم يدين بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم : (( كلتا يديه يمين )) أم أيادي عديدة بمقتضى قوله تعالى : { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ، أو عينا بمقتضى قوله تعالى : { ولتصنع على عيني } ، أو اعينا بمقتضى قوله تعالى { تجري بأعيننا } ، أو يقولون أن الله في السماء بمقتضى قوله تعالى : { ءأمنتم من في السماء } أم على العرش بمقتضى قوله : { الرحمن على العرش استوى } أم في الآفاق بمقتضى قوله : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } أم في أماكننا بمقتضى قوله : { وهو معكم أين ما كنتم } ، أم يثبتون له أصابع بمقتضى الحديث (( قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن )) , أم يثبتون له يمينا في الأرض من حجر بمقتضى الحديث : (( الحجر الأسود يمين الله في أرضه )) ، والخلاصة : أن أحاديث الصفات الموهمة ليست على ظاهرها ,وإن لها تأويلات تليق بجلال الله ولا نقطع بيقين تأويل شيء منها ,بل نكل ذلك إلى العليم الخبير , ولكن لابد من التنزيه على كل حال " ، وقال : " مراد مالك في الاستواء من قوله الاستواء معلوم أنه معلوم الثبوت والورود فإنه نطق به القرآن لا أنه معلوم الحقيقة والمعنى " ، وقال ما مضمونه : " قالوا : لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه حرف واحد يفيد صرف هذه الآيات والأحاديث عن ظاهرها ، نعم التشبيه غير مراد قطعا قلنا : وكذلك لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه حرف يفيد أنها باقية على حقيقتها كما تقولون , بل ترك ذلك للعقول وتصرفاتها وللنصوص المنزهة الكثيرة ,فضلا عن البراهين العقلية ولما تعرفه العرب من مجازاتها وكناياتها ، وقد عرفت أن السلف في آيات الصفات وأحاديثها يفوضون بعد التنزيه وأن الخلف يؤولون خوفا من التشبيه فكلهم متفقون على التنزيه ، وربما قالوا : " إن كل ما وصف الله به نفسه من الوجه والعين واليدين والاستواء على العرش , أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم كنزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة ,فهو عندهم حق على حقيقته التي تليق به تعالى من غير تشبيه ولا تكييف ، قلنا : ما معنى كون النزول حقا وعلى حقيقته ؟ هل هناك حقيقة للنزول غير الهبوط من أعلى إلى أسفل .وكذلك اليد لا معنى لها على سبيل الحقيقة عندهم إلا الجارحة المخصوصة ، وإن جاز استعمالها في غيرها فعلى سبيل المجاز وهكذا ، فما معنى كونها عندكم على سبيل الحقيقة ؟ وهل عرفتم لها معنى في حق الله حتى تحكموا بأنها حقيقة فيه ، فإن بينتم معنى تنزيهيا لا تشبيه فيه وافقتم الخلف في هذا وكانت حينئذ على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة ، وليت شعري أي شيء أثبتوا لله تعالى إذا كانت اليد في حقه ليست على ما نعرف , والاستواء والنزول بالنسبة إليه على غير ما نعهد ,وهل يمكن التصديق بثبوت شيء لا نفهمه ولا نعقل له معنى ؟ وهل بيننا وبينهم خلاف إذا كانوا سلفيين حقا كما يقولون ؟ فإن الاستواء عندهم وصف كمالي تنزيهي ثابت لله وكذلك اليد والعين الخ. ونحن نقول بثبوت كل كمال لله تعالى فما الذي أثبتوه زائدا على ذلك .وقولهم أنه تعالى عال على خلقه بائن منهم بلا حد ولا صفة الحسي الذي يستلزم الجهة أم هو شيء لا نعرفه نحن ولا هم ؟ وهل يظنون أنهم قد بينوا شيئا إذا قالوا فوق سمائه على عرشه ما دامت الفوقية غير معروفة " أهـ وقال الإمام الكوثري : " وصفه سبحانه بالصفات الواردة في الكتاب والسنة المشهورة لم ينفه أحد من أهل الحق " ، وروى أبو بكر بن العربي في "العارضة" والقاضي عياض في "الشفاء" عن مالك أنه كان يرى قطع يد من أشار بيده إلى عضو من أعضائه عند ذكر شيء ورد في الله سبحانه وتعالى حيث إن الإشارة إلى عضو عند ذلك تشبيه ، وقد أول أحمد : " { وجاء ربك } قال : أي أمره , وسئل عن أحاديث النزول في الرؤية ووضع القدم فقال : نؤمن بها ونصدق بها بلا كيف ولا معنى " ، وقال : " لا سبيل إلى استنكار ما كان عليه السلف من إجراء ما ورد في الكتاب والسنة المشهورة عن صفات الله على اللسان مع القول بتنزيه الله سبحانه تنزيها عاما بموجب قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } بدون خوض في المعنى ولا زيادة عن الوارد ولا إبدال ما ورد بما لم يرد وهذا تأويل إجمالي بصرف الوارد في ذات الله عن سمات الحدوث من غير تعيين المراد .وهم لم يخالفوا في أصل التنزيه ، ومن بعدهم يعينون معنى موافقا للتنزيه بما يرشدهم إليه استعمالات العرب وأدلة المقام وقرائن الحال على أن الخلف يفوضون علم مالم يظهر لهم وجهه كوضح الصبح إلى الله تعالى ، فالخلاف بين الفريقين هين يسير وكلاهما منزه ، وإنما السبيل على الذين يحملون تلك الألفاظ على المعاني المتعارفة بينهم عند إطلاقها على الخلق يستبدلون بها ألفاظا يظنون أنها مرادفة ,ويستبدلون بالمفاريد والمناكير والشواذ والموضوعات من الروايات ,ويزيدون في الكتاب والسنة أشياء من عند أنفسهم ,ويجعلون الفعل الوارد صفة إلى نحو ذلك ، فهؤلاء يلزمون بمقتضى كلامهم وهم الحشوية .فمن قال : إنه استقر بذاته على العرش , وينزل بذاته من العرش ,ويقعد الرسول معه على العرش ,وأن كلامه القائم بذاته صوت ,وأن نزوله بالحركة والنقلة وبالذات ,وأن له ثقلا يثقل على حملة العرش ,وأنه متمكن بالسماء والعرش ,وأن له جهة وحدا وغاية ومكانا , وأن الحوادث تقوم به ,وأنه يماس العرش أو أحدا من خلقه ونحو ذلك من المخازي فلا نشك في زيغه وخروجه وبعده عما يجوز في الله سبحانه وتعالى ، وهذا مكشوف جدا فلا يمكن ستر تلك المخازي بدعوى السلفية والذين يدينون بها هم الذين نستنكر عقائدهم ونستخف أحلامهم ونذكرهم بأنهم نوابت حشوية " ، وقال : " يزعمون أنهم متمسكون بالقرآن والسنة وهم يسندون إليهما ما لم يقله كتاب ولا سنة ، وأين قال الله في القرآن : أنه فوق السماء ؟ وأين قال : أنه فوق العرش بهذا اللفظ ؟ وأين قال : أنه بائن من خلقه ؟ وأين قال : إن القدمين فوق الكرسي ؟ ، بل الواجب على من يهاب مقام ربه ان لا يطلق عليه ما لم يرد بإطلاقه في الكتاب والسنة المشهورة مع الاقتصار على الوارد فعلا كان أو صفة أو مفردا أو مجموعا فلا يقال : عينان , ولا هو مستو , فإبدال الفعل صفة والمجموع مثنى , وإبدال اللفظ بما يظن مرادفا له مما يجب أن يتهيبه كل مسلم ، والذين يسلكون هذا ليخيلوا أن صفات الله من قبيل صفات العبد فلا مانع عندهم أن يكون الباري ينظر بعين ويسمع بأذن , إلى آخر تلك المخازي مع أن تلك الصفات في العبد بآلات وجوارح فهي في العبد مقرونة بالنقائص والاحتياج ,تعالى الله عن ذلك " ، قلت : هو تعالى لكل شيء سميع وبكل شيء بصير يتنزه سمعه عن الحاجة إلى العصب والأصمخة والآذان , ويتقدس بصره عن الحاجة إلى الأحداق والأجفان ,وهو المتكلم من غير احتياج إلى شفة ولسان , تنزه عن الجوارح والآلات وتعالت صفاته عن مشابهة صفات الكائنات ، وقال : " ليست حياة الله كحياة العباد ولا فعله كأفعالهم ,وهو تعالى منزه عن الجسمية ولوازم الجسميات لم يشك في ذلك سوى من عنده نزعة الوثنية ، ولا يقال : إنه مستقر على العرش لأن ذلك لم يرد في الكتاب والسنة ,ولأن ذلك شأن الأجسام ، ومن جوز في معبوده الدخول والخروج والاستقرار فهو عابد وثن ويؤيدهم البراهين الواردة في التنزيه ,ومثله من زعم أن لمعبوده صورة , وأن له حدا ونهاية أو أنه يجوز عليه الحركة والسكون " ، وقال : الوارد في الكتاب أنه تعالى كلم موسى بدون ذكر الصوت أصلا والتكلم لا يستلزم الصوت ، قال تعالى : { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا او من وراء حجاب أو يرسل رسولا } ، إذ لا صوت في الوحي إلى القلب ,والصوت في الثالث صوت الرسول دون المتكلم فليكن الكلام من وراء حجاب كذلك , وهو الذي حصل لموسى , فمهما كان النبي بسماعه صوت الرسول إليه يعد أن الله كلمه فلا يكون أي مانع من أن يعد موسى كلمه ربه إذا نودي من الشجرة ، فأي زائغ يتصور حلول الله في الشجرة حتى يقول : إن الذي سمعه صوت الله , تعالى الله أن يكون كلامه صوتا ، والآية قاضية على جميع الاوهام في هذا البحث لمن أحسن التدبر فيها " ، وقال : حديث : " يحشر العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعدكما يسمعه من قرب " هو حديث ضعيف علقه البخاري بقوله : ويذكر عن جابر دلالة على أنه ليس على شرطه ، وللحافظ ابي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف فيه وقال حديث أبي سعيد : " يقول الله يا آدم يقول : لبيك وسعديك فيُنادى بصوت : إن الله يأمرك " ، فلفظ يُنادى في الحديث على صيغة المفعول جزما بدليل قوله : (( إن الله يأمرك )) ولو كان على صيغة الفاعل لكان : " إني آمرك "

خاتمة الكتاب : صورت الدعوة الوهابية بأنها دعوة تجديد وإصلاح , ولكن استمع إلى هذه النصوص المعبرة من عبارات أساطينها واستنبط ما توحيه من دعوى مستورة بقناع لا يلبث أن ينقشع لمن تتبع ما يأتي من فقرات معززة بنصوص أصحاب الدعوى :
فقرة (1) ( الشركيات في العالم الإسلامي قد عمت الخاصة والعامة قبل ابن تيمية وبعده ,وإن كثيرا من العلماء قد وقعوا في أشياء من الشرك الأكبر , وأن منهم من مات وهو لا يعرف ما دين الإسلام ,وأن طوائف المتكلمين لا يعرفون معنى لا إله إلا الله ) ، ( حف الله أحمد بن حنبل بجهابذة فحول … كانوا للسنة ناصرين مع كثرة خصومهم في تلك الأمصار … واعتكار ليل الشرك والفساد وتلاطم أمواج البدع و… إلى أن أقام الله أحمد بن تيمية .. جدد الله به الدين بعد درسه وقام بعده تلامذة … وبعدهم انتقضت عرى الإسلام وعبدت الكواكب والنجوم وعظمت القبور … فبعث في القرن الثاني عشر …المجدد لما درس من أصل الملة والدين محمد بن عبدالوهاب ) ، ( وأما هذه الأمة فلما كثر الشرك فيهم … وقد ردوا على ابن تيمية بشبهات واهية وضلالات ,ورد هو على أهل البدع جميعهم من الفلاسفة والمتكلمين كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة وذكر أن هؤلاء وإن كثرت أبحاثهم ومصنفاتهم فما منهم من يعرف ما دلت عليه كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله " ولتلميذه ابن القيم في بيان أنواع التوحيد والرد على أهل البدع المصنفات الكثيرة المفيدة … فلما طال الأمد بعدهم … لم يلتفت إلى كتبهم ,فرجع الناس إلى ما كان عليه من قبلهم ممن مضى من المبتدعة ,وكثر الشرك في القري والأمصار وصاروا لا يعرفون من التوحيد إلا ما تدعيه الأشاعرة .. حتى نسي العلم وعم الشرك والبدع إلى منتصف القرن الثاني عشر …فشرح الله صدر شيخنا …فعرف من الحق ما عرف شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه فبين لهم التوحيد وما ينافيه ,فلما انتشرت دعوته في الأمصار فبين لهم التوحيد وما ينافيه ,فلما انتشرت دعوته في الأمصار قبلها القليل منهم …بخلاف من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله وهم كثيرون ) أهـ [ نصوص هذه الفقرة : الدرر السنية ج 1 ص7 –8-9 ، مجموعة التوحيد ص 163- 164 – 166- 167 – 168-170لعبد الرحمن حفيد محمد بن عبد الوهاب ] ،
فقرة (2) ( ومع ادعائهم أن الشركيات قبلهم قد عمت في العالم , فإنهم يعتبرونهم أصحاب فترة لم تقم عليهم الحجة فلا يكفرون , حتى ولو كانوا من العلماء لعدم وجود من يناضل عن ذلك في وقته بلسانه وسيفه وسنانه ,فلم تقم عليهم الحجة بخلاف الذين أدركوا الدعوة الوهابية فإن الحجة قد قامت عليهم بظهور محمد بن عبد الوهاب وبيانه وبيان أتباعه ,فإذا خالفوا ذلك يكفرون وتستحل دماؤهم وأموالهم وتعتبر بلادهم بلاد حرب ) [ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ج1 ص79 لعبد الله ابن صاحب الدعوة وخليفته ] ، ( سؤال الميت والاستغاثة به في قضاء الحاجات وتفريج الكربات من الشرك الأكبر ,ولكن في زمن الفترات وغلبة الجهل لا يكفر الشخص بذلك حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة … فإذا بلغته الحجة وتليت عليه الآيات والأحاديث ثم أصر على شركه فهو كافر ) ، ( نحن لا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق وأصر مستكبرا معاندا كغالب من نقاتلهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك , وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرة من هذه حاله ورضاه به ) [الدرر السنية ج 1 ص 113 – 116 –-117لعبد الله ابن صاحب الدعوة ] ، ( قال عن مكة : " إنها بلاد شرك وكفر لدعاء أهلها الأنبياء والصالحين ولعدم هدمهم القباب ولعدم انقيادهم للدين ) [ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ج1 ص742لمحمد بن عتيق ] ،
فقرة (3) ( كلمات التوحيد أو دين الله ورسوله اودين الرسول هي مفاهيم زعيم الوهابية في التوحيد والعبادة والشرك التي أظهرها للناس .ويرى هو وأتباعه أن حجة الرسالة قد قامت على الناس ببيانه في ذلك ,وأن عصيانه هو عصيان الرسول .فمن انقاد لهم فهم الموحدون وأهل التوحيد ,ومن لم يسلم بتلك المفاهيم أو يخالفهم في معانيها وتأويلها ومحملها ودلالتها : فهو معاند لا يخاطب إلا بالسيف والسنان .وأطلق على مخالفيه "مشركو الزمان " وأنهم أغلظ شركا من مشركي قريش والعرب .يعني بذلك من أدرك دعوته من السواد الأعظم من المسلمين الذين يجوزون دعاء الأنبياء والصالحين للتوسل والاستشفاع والاستغاثة ، ومن تليت عليه الآيات والأحاديث حسب مفاهيمهم فيها وتأويلاتهم لها فقد قامت عليه الحجة ,وأن قتالهم وتكفيرهم لمن تليت عليه الآيات هو الدليل على أن الحجة تقوم بمجرد التلاوة عليه لا بفهمها .ومن أورد عليهم آيات وأحاديث تدل على خلاف مفاهيمهم فيكفي في جوابه أن يقال أنها من المتشابه ) [ نصوص هذه الفقرة : الدرر السنية ج 1 ص 51 من رسالة لمحمد بن عبد الوهاب ] ، ( من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس …ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل فيه ولا ترك الشرك فهو كافر نقاتله ) [ الدرر السنية ج1 ص69لمحمد بن عبد الوهاب ] ، ( والذي قلب الناس علينا الذي قلبهم على سيد ولد آدم وقلبهم على الرسل من قبله {كل ما جاء أمة رسولها كذبوه } ، ومثل ما قال ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم : والله ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي … ) [ الدرر السنية ج1 ص 59- 60- 61لمحمد بن عبد الوهاب ] ، ( الواجب عليك ان تعرف خمس مسائل ، ... الثالثة : أن تخطر بقلبك أن الله سبحانه لم يرسل الرسول إلا ليصدق ويتبع ولم يرسله ليكذب ويعصي فإذا تأملت إقرار من يدعي أنه من العلماء بالتوحيد وأنه دين الله ورسوله لكن من دخل فيه فهو من الخوارج … ومن أبغضه وصد الناس عنه فهو الذي على الحق ) [ الدرر السنية ج1 ص 21 لمحمد بن عبدالوهاب من رسالة وجهها لشخص ] ، ( إني أحبك وأتمنى من قبل هذه المكاتيب أن يهديك الله لدينه القيم …وما أحسبك لو تكون في آخر هذا الزمان فارقا لدين الله كعمر رضي الله عنه في أوله ، ( وإذن هو يقوم بدور النبي صلى الله عليه وسلم ) [ الدرر السنية ج1 ص 146 لعبدالرحمن بن حسن ، وهو حفيد صاحب الدعوة ] ، ( لا يخفاكم أن شيخنا لما تبين بهذه الدعوة الاسلامية وجد العلماء في الأحساء وغيرها لا يعرفون التوحيد من الشرك , بل قد اتخذوا الشرك في العبادة دينا فأنكروا دعوته لجهلهم بالتوحيد ومعنى لا إله إلا الله ) [ الدرر السنية ج1 ص 139لعبد العزيز بن محمد بن مسعود ] ، ( نخبرك بصورة الحال أنا والناس فيما مضى على دين واحد ندعو الله وندعو غيره … وبين الله لنا التوحيد في آخر الزمان على يدي ابن عبد الوهاب ) وأنقل في آخر هذا الكتاب نبذتين إحداهما لصاحب الدعوة إرشادا لأتباعه لمن يعارضهم بآيات وأحاديث أن يقولوا : إنها من المتشابه ، والثانية لعبد الله بن عبد الرحمن بابطين انه تقوم الحجة على الشخص بمجرد تلاوة الآيات وأن القتل والتكفير ليس موقوفا على فهم الحجة بدليل أنهم قتلوا وكفروا من ليسوا من المعاندين على حد تعبيره ، [في مجموعة التوحيد النجدية ص78 ] يقول كبير الدعوة : " إذا قال بعض المشركين : ألا إن أولياء لا خوف عليهم ولاهم يحزنون أو إن الشفاعة حق ,أو إن الأنبياء لهم جاه عند الله ,أو الأنبياء لهم جاه عند الله ,أو ذكر كلاما للنبي يستدل به على شيء من باطله ,وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره فجاوبه بقولك : إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه ) ، فليعجب المسلمون من ضرب النصوص بعضها ببعض وجعل ما لا يروق متشابها .أما آيات الصفات الموهمة تشبيها التي اتفق المسلمون على أنها من المتشابه هي عندكم من المحكم ، وهكذا الأبيض أسود , والأسود أبيض بالنبوت ، وإليك نص آخر لعبد الله بن عبد الرحمن بابطين الذي قيل إنه كان المفتي للديار النجدية في وقته : [ ففي الرسائل والمسائل النجدية ج4 ص 515 ] أنه قال : " التكفير والقتل ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقا ,بل على بلوغها ..فلو كان الحكم موقوفا على فهم الحجة مطلقا ,لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة , وهذا بين البطلان ) ، فواعجباه لهذا المفتي الكبير عند قومه الذي يظن أن العبرة بالتلاوة دون فهم المعاني , والذي يستدل بما فعلته طائفته من تكفير وقتل , على أن عدم فهم الحجة لا ينجي الجاهل من التكفير والقتل .أما المعاندون عندهم فهم الذين لم يسلموا بمفاهيمهم من تلك النصوص ,ويخالفونهم في معانيها وتأويلها ومحملها ودلالتها ,وأولئك هم السواد الأعظم من علماء الأمة .( وهذا أساس التعصب والعنف والإرهاب ) ، ولعل القارئ لهذه الفقرات "أن الناس قبله أهل فترة وأن الدين هو ما أظهره للناس " والتلميحات والأخرى لا يلوم من وصف مؤسس الدعوة وأتباعه بتكفير المسلمين واستحلال دمائهم , وعليه وعلى أتباعه يقع اللوم في مجازفاتهم في تقدير أنفسهم وفي سوء تعبيراتهم .]] ، تم كتاب السلفية المعاصرة مناقشات وردود للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المكي الهاشمي بحمد الله تعالى ،

 

عدد الزيارات 443 آخر تعديل على الأربعاء, 18 تموز/يوليو 2018 15:31

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا