جديد الموقع

تحقيق القول في التوسل - وأنه من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد مميز


الخميس, 12 تموز/يوليو 2018 12:05 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تحقيق القول في التوسل - وأنه من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد

 

تشتمل على تلك المباحث : ( 1 ) معنى التوسل ، ( 2 ) درر ومعلومات عن التوسل جاءت في الموسوعة الفقهية ، ( 3 ) خطأ في فهم المقصود من التوسل ، ( 4 ) تحرير المعنى المقصود من التوسل ، ( 5 ) أنواع واقسام التوسل ، ( 6 ) أدلة التوسل وتقييمها شرعاً ، ( 7 ) هل هناك فرق بين التوسل بذوات الأنبياء والصالحين ، وبين التوسل بالعمل الصالح ، ( 8 ) هل هناك فرق في التوسل بالصالحين بين الحي والميت ، ( 9 ) لا يوجد في الشرع دليل واحد يمنع من التوسل الصحيح بكافة انواع التوسل ، ( 10 ) هل التوسل من أبواب العقيدة أم أبواب الفقه ، ( 11 ) التوسل في مذاهب الفقهاء الأربعة والعلماء ، ( 12 ) أخطاء الطوائف المعاصرة المنتسبة إلى أهل السنة في باب التوسل ، ( 13 ) مبحث جيد عن التوسل منقول من كتاب الدلالة النورانية للشيخ حسني الشريف ،

***

( 1 ) معنى التوسل

التوسل في اللغة : هو ما يتقرب به إلى الغير ، قال الجوهري في الصحاح مادة (( وسل )) ( 5 : 1841 ) : ( الوسيلة : ما يتقرب به إلى الغير ، والجمع : الوسيلة والوسائل ، والتوسيل والتوسل واحد يقال : وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل ) اهـ ، وجاء في لسان العرب الوسيلة : المنزلة عند الملك والدرجة والقربة ، ووسل فلان إلى الله وسيلة : إذا عمل عملاً تقرب به إليه ، والواسل كالراغب إلى الله.. اهـ ،  والتوسل في الشرع : هو ما يُتقرب به إلى الله تعالى ، قال الإمام القرطبي فى تفسيره    ( ص 2156 ، طبعة الشعب ) : قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } ، الوسيلة : هى القربة عن أبي وائل ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وعطاء ، والسُدِّي ، وابن زيد ، وعبد الله بن كثير ، وهى فعلية من توسلت إليه أى تقربت .. والوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها ) أهـ ، ابن كثير  في تفسيره ( 3 : 97 ) : ( الوسيلة هي ما يتوصل بها إلى تحصيل المطلوب ) اهـ ، وجاء تفسير أبو السعود ( {وَابْتَغُوا} أي اطلبوا لأنفسكم {إِلَيْهِ} أي إلى ثوابه والزلفى منه {الْوَسِيلَةَ} هي فعلية بمعنى ما يتوسل به ويتقرب به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا أو تقرب إليه بشيء.. وقبل الجملة الأولى يعني {اتَّقُوا اللَّهَ} أمر بترك المعاصي ، والثانية يعني {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أمر بفعل الطاعات ) أهـ [ تفسير أبو السعود ، ج1 ، ص371 ] ،

 

( 2 ) درر ومعلومات عن التوسل جاءت في الموسوعة الفقهية

( أ ) التوسل لغة : التقرب . يقال : توسلت إلى الله بالعمل : أي تقربت إليه , وتوسل إلى فلان بكذا : تقرب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه . والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود . قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } ووسل إلى الله تعالى توسيلا : عمل عملا تقرب به إليه كتوسل . والواسل : الراغب إلى الله تعالى . ولا يخرج التوسل في الاصطلاح عن معناه في اللغة , فيطلق على ما يتقرب به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المنهيات , وعليه حمل المفسرون قوله تعالى : { وابتغوا إليه الوسيلة } ،  ( ب ) ويطلق التوسل أيضا على التقرب إلى الله بطلب الدعاء من الغير , وعلى الدعاء المتقرب  به إلى الله تعالى باسم من أسمائه , أو صفة من صفاته , أو بخلقه كنبي , أو صالح , أو العرش , وغير ذلك . على خلاف وتفصيل بين الفقهاء كما سيتضح ،  ( ت ) من الألفاظ ذات الصلة بموضوع التوسل : ( الاستعانة ) ، والاستعانة لغة طلب العون , وفي الاصطلاح كذلك . وتكون الاستعانة بالله وبغيره , أما الاستعانة بالله فهي مطلوبة في كل خير , وأما الاستعانة بغير الله ففيها تفصيل يرجع إليه في مصطلح استعانة ، والتوسل والاستعانة لفظان متساويان لغة واصطلاحا ،  و ( الاستغاثة ) : وهي طلب الغوث والنصر , وفي الاصطلاح كذلك . والاستغاثة غير التوسل ; لأن الاستغاثة لا تكون إلا في حال الشدة , والتوسل يكون في حال الشدة وحال الرخاء ،  ( ث ) اتفق الفقهاء على أن التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته مستحب لأي شأن من أمور الدنيا والآخرة ، وأجمع الفقهاء على جواز التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان متقربا بها إلى الله تعالى ،  ( ج )  التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم : لا خلاف بين العلماء في جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في : طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا وطلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة والتوسل بالنبي على معنى الإيمان به ومحبته ، وذلك كأن يقول : أسألك بنبيك محمد ويريد : إني أسألك بإيماني به وبمحبته , وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته , ونحو ذلك , ( ح )  التوسل بالنبي بعد وفاته : اختلف العلماء في مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كقول القائل : اللهم إني أسألك بنبيك أو بجاه نبيك أو بحق نبيك , على أقوال : [ القول الأول ] : ذهب جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة ) إلى جواز هذا النوع من التوسل سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ،  [ القول الثاني ] : في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته : التوسل بمثل قول القائل : بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك , أو بحق البيت فقد ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى كراهته . قال الحصكفي : لأنه لا حق للخلق على الله تعالى وإنما يخص برحمته من يشاء من غير وجوب عليه . قال ابن عابدين : قد يقال : إنه لا حق لهم وجوبا على الله تعالى لكن الله سبحانه وتعالى جعل لهم حقا من فضله , أو يراد بالحق الحرمة والعظمة , فيكون من باب الوسيلة , وقد قال تعالى : { وابتغوا إليه الوسيلة } ، [ القول الثالث ] : في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته : ذهب تقي الدين بن تيمية وبعض الحنابلة من المتأخرين إلى أن التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز ،  ( خ ) لا يخرج حكم التوسل بالصالحين من غير النبي عما سبق من الخلاف في التوسل به صلى الله عليه وسلم ) أهـ [ الموسوعة الفقهية – وزارة الأوقاف – دولة الكويت – مادة وسل ]

 

( 3 ) خطأ في فهم المقصود من التوسل

ظن البعض أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل ، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك ، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد ، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله ، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا ،  وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل ، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا ، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل بين طوائف أهل السنة والجماعة ، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل ، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل ، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه ، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه ، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل ، قال الشوكاني رحمه الله – وهو يحاول تصحيح هذا الخطأ - : (وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ونحو قوله تعالى { فلا تدعوا مع الله أحداً } ونحو قوله تعالى { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء } ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النـزاع بما هو أجنبي عنه ، فإن قولهم { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } مصرح بأنهم عبدوهم لذلك ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك ، وكذلك قوله { ولا تدعوا مع الله أحداً } فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم وكذلك قوله { والذين يدعون من دونه } الاَية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه ، وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النـزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله } فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء ، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين ، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله { ليس لك من الأمر شيء } { قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً } فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره ، وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء ، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين } يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً ، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئا ً ، فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه ، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله ، وهذا معلوم لكل مسلم وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين )) أهـ [ رسالته الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ] ،  ويمكن القول بأن الذين يفسرون الشرك بالتعلق والتوسل بغير الله ، إنما يصح كلامهم هذا إذا اعتقد الانسان بتأثير الوسائل والاسباب على نحو الاستقلال والاصالة ، أما إذا اعتقد بأنها تؤثر بإذن الله فإنه لاشك لا علاقة له بالشرك ، لاسيما إذا اتخذ الوسائل المشروعة للقربى من الله ،

 

( 4 ) تحرير المعنى المقصود من التوسل

التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله ، ولا يرجو سوى الله ، ولا يدع إلا الله وحده ، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم - هو المالك القادر المهيمن ، وهو وحده المعطي والمانع ، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة - رجاء قبول مبتغاه عند الله ،  وليس التوسل - أبداً - اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، كما كان يفعل المشركون بقولهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ  } [ الزمر : 3 ] ، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله ، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله ، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله ، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان ، ويشهد بالشهادتين ( لا إله إلا الله  -  محمد رسول الله ) ، عن يقين واعتقاد ، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان ، ويزعم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ساحر كذاب ، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } [ ص : آية 4 إلى آية 8 ] ، فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان ، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم ، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية ، قال تعالى : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ  } [ الزمر : 3 ] ، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من ( التوسل ) إذا قاله المسلم ، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام ، وهنا إذ تحرر موضع النزاع في معنى التوسل ، بقي أن نعلم ما هي أنواع التوسل الجائزة شرعا ، فنقول لها سمعاً وطاعةً ، ولا نتقدم على الشرع الحكيم برأي أو هوى أو غلو أو تقصير ، أو إفراط او تفريط ،

 

أنواع واقسام التوسل

من جهة الاتفاق والاختلاف بين طوائف أهل السنة والجماعة ، فإن هناك قسمان ، [ القسم الاول ] : متفق عليه ، ويشمل التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، كقوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [ الأعراف : 180 ] ، والتوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة ، كحديث الغار المتفق على صحته ، وفيه توسل الثلاثة بالعمل الصالح ، والتوسل إلى الله تعالى بدعاء المسلم الحي لأخيه ، كما في الحديث الذي أخرجه أخرج أبو داود والترمذي في سننهما (( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قـال : استأذنت رسـول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة ، فأذن لي ، وقـال لي : لا تنسنا يا أخي من دعائك ، أو قـال : أشركنا يا أخي في دعائك ، قال عمر : فقال كلمة مـا يسرني أن لي بها الدنيا )) ، فهذا من التوسل المتفق عليه بين طوائف أهل السنة ، والتفصيل فيه لا داعي له لأنه تحصيل حاصل بحمد الله تعالى ، [ القسم الثاني ] : مختلف فيه ، ويشمل التوسل إلى الله تعالى بذات وشخص المتوسل بهم من الانبياء والصالحين ، والتوسل إلى الله تعالى بحق الأنبياء والصالحين ، أو جاههم ، أو حرمتهم ، وهذا القسم ينبغي فيه الرد إلى الكتاب والسنة ، كما أمرنا الله تعالى بقوله سبحانه : { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [ الشورى : 10 ] ، وقوله تعالى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] ،

 

( 5 ) أدلة التوسل وتقييمها شرعاً

( تنبيه ) : انظر لتفصيل هذا المبحث كتاب رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل و الزيارة للشيخ الفاضل محمود سعيد ممدوح فأكثره مستفاد منه جزاه الله خيرا ،

[ الدليل الأول ] : قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ المائدة : 35 ] ، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته ، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل ، 

[ الدليل الثاني ] : قال تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } [ الإسراء : 57 ] ، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته ، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل ،

[ الدليل الثالث ] : قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } [ النساء : 64 ] ، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي ، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية ، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فقط ، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة ، قال المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم ، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة ) [ الموسوعة الفقهية : مادة وسل ] : إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وسلم في قبره لحال أمته – سياتي بيان أدلتهم - ، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته ، ومن فرق بين حياته وموته صلى الله عليه وسلم فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريمة ،

[ الدليل الرابع ] : أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه : (( حدثنا عمرو بن علىّ ، قال : حدثنا أبو قتيبة ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال : سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي  طالب : ( وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال عصمة للأرامل ) ، وقال عمر بن حمزة : حدثنا سالم عن أبيه "ربما ذكرت قول الشاعر ، وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي ، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب : ( وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *  ثمال عصمة للأرامل ) وهو قول أبي طالب )) [ أخرجه البخاري : ح 963 ] ، وفي فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه جواز التوسل إلى الله تعالى بوجه الرسول صلى الله عليه وسلم في قضاء الحاجات ومنها نزول المطر ، ولكن قد ترد عليه شبهة أن المقصود هو التوسل بذات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حياته ووجوده وقيامه بالدعاء ، والامر محتمل ، ولكن إذا ثبت ان مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته لم تنقطع عنها بوفاته ، فلا فرق إذن عند التوسل به في حياته أو بعد انتقاله للرفيق الاعلى حديث الاستسقاء بالعباس ،

[ الدليل الخامس ] : أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه : (( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال : (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا )) . قال فيسقون )) [ أخرجه البخاري : ح 964 ] ، قال ابن حجر في الفتح : " ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة ) أهـ [ فتح الباري ج 2 : 494 ] ، والحديث صريح في التوسل بالصالحين ، لا سيما إذا كانوا من أهل البيت النبوي عليهم السلام ، ولكن قد يرد عليه اعتراض أن الصحابة كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، فلما انتقل إلى الرفيق الاعلى كان توسلهم بالعباس رضي الله تعالى عنه ، بمعنى أنه يدعو لهم الله تعالى وهم يؤمنون على دعائه ، ولكن قد يرد على الاعتراض اعتراض أنه ليس في الحديث  ما يدل على تحريم التوسل بذات العباس على المعنى الصحيح للتوسل ، ولا في الحديث ما يدل على تحريم التوسل به صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله للرفيق الأعلى سبحانه ،

[ الدليل السادس ] : أخرج الإمام أحمد في المسند (4 : 138 ) ، والترمذي في سننه (تحفة 10 : 132 ، 133) ،  : حدثنا عثمان بن عمر ، أخبرنا شعبة بن أبي جعفر ، عن عمارة بن خزيمة ابن ثابت عن عثمان بن حنيف : ((  أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (ص ) فقال : ادع الله أن يعافيني قال : إن شئت دعوت وإن شئت صبرت  فهو خير لك ، قال : فادعه ، قال : فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك  محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه  لتُقضى لِي اللهم فشفعه في )) [ أخرجه الإمام في المسند [4 : 138] ، والترمذي [4 : 281-282 بشرح التحفة] وابن ماجة [1 : 418] والنسائي في عمل اليوم والليلة [ص 417 ] ، والبخاري في التاريخ الكبير [ 6 : 210 ] والطبراني في الكبير [3 : 2 : 2] ، وفي الدعاء أيضاً [2  : 1289 ] والبيهقي في دلائل النبوة [ 6 : 166 ] ، والحاكم [1 : 313] كلهم من طريق عثمان بن عمر (شيخ أحمد فيه) : أنا شعبة عن أبي جعفر المدني قال : سمعت  عمرة بن خزيمة يحدث عن عثمان به ، وقال الترمذي : "حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي " ، وفي ابن ماجة " قال أبو إسحاق : حديث صحيح " ثم رواه أحمد : ثنا شعبة به وفيه الرواية الأخرى ، وتابعه محمد بن جعفر ثنا شعبة به. رواه الحاكم [1 : 519] وقال : " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي ،  وقد أعله بعضهم بأن في اسناده أبا جعفر ، قال الترمذي : " لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر ، وليس الخطمي " فقالوا : هو إذا الرازي ، وهو صدوق ولكنه سيء الحفظ ، ولكن هذا مدفوع بأن الصواب أنه الخطمي نفسه. وهكذا نسبه أحمد في رواية له [4 : 138]. وسماه في أخرى : " أبا جعفر المدني " وكذلك سماه الحاكم. والخطمي هذا لا الرازي هو المدني. وقد ورد هكذا في " المعجم الصغير " للطبراني ، وفي طبعة بولاق من سنن الترمذي أيضاً. ويؤكد ذلك بشكل قاطع أن الخطمي هذا هو الذي يروي عن عمارة بن خزيمة ويروي عنه شعبة كما في إسناده هنا ، وهو صدوق ، وعلى هذا فالإسناد جيد لا شبهة فيه ، وقد جاءت زيادة موقوفة عن المرفوع ، قال الطبراني في المعجم الصغير ( 1 : 184 ) : حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس المقري المصري التميمي ، حدثنا أصبغ بن الفرج ، حدثنا عبد الله بن وهب عن شعيب بن سعيد المكي ، عن روح بن القاسم ، عن أبي جعفر الخطمي المدني ، عن أبي أمامة ابن سهل ابن حنيف ، عن عمه عثمان بن حنيف : ((  أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له ، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه ، فقال له عثمان بن حنيف اءت الميضاة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك ، وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك (ربي) جل وعز فيقضي لي حاجتي ، وتذكر حاجتك. ورح إليّ حتى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قاله عثمان ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال : حاجتك ؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له : ما كرت حاجتك حتى كانت هه الساعة ، وقال : ما كانت لك من حاجة فأتنا ، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف ، فقال له : جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته في ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذلك ذهاب بصره ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (أفتبصر ؟) ، فقال : يا رسول الله إنه لي قائد وقد شق علي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ايت الميضأة فتوضأ ، ثم صل ركعتين ، ثم ادع بهذه الدعوات . قال عثمان ابن حنيف : (( فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط ))  [ أخرجه من هذا الوجه الطبراني في الكبير ( 9 : 17 ) ، وفي الدعاء     (2 : 1288) ، والبيهقي في دلائل النبوة ( 6  : 167 – 168 ) . ] ، وقد اختلف في صحة هذه الرواية الموقوفة لعدة أسباب تقبل الأخذ والرد والاجتهاد ، منها أن شيخ الطبراني (طاهر بن عيسى ) ، مجهول في زعم البعض ، ولكن يرده أن الطبراني صحح الحديث ، وتصحيحه يعني توثيق رجال إسناده ومنهم شيخه طاهر بن عيسى المصري وهو أعلم به من غيره ، ومنها أن شبيب بن سعيد الحبطي تفرد بالقصة ، وهو ضعيف الحفظ عند البعض ، ولكن  قد وثقه علي بن المديني ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، والدار قطني ، والطبراني ، وابن حبان والحاكم ، وقال أبو زرعة ، وأبو حاتم والنسائي : لا بأس به ،

[ الدليل السابع ] : قال الطبراني في المعجم الكبير (24 : 352 حديث) رقم (871) : حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة ، ثنا روح بن صلاح ، ثنا سفيان الثوري ، عن عاصم الأحول ، عن أنس بن مالك قال : لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عند رأسها فقال : ((رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي ، تجوعين وتشبعيني وتعرين وتكسيني وتمنعين نفسك طيباً وتطعميني ، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة )) ، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون ، فحفروا قبرها ، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأخرج ترابه بيده ، فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه ثم قال : (( الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت  أسد ولقنها حجتها ، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك  والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين )) ، وكبر عليها أربعاً وأدخلوها اللحد هو والعباس ، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما ، ورواه من هذا الوجه الطبراني في الأوسط ( 1 : 152) ، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ( 3 : 121 ) ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 9 : 257 ) : رواه  الطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه روح بن صلاح وثقة ابن حبان ، والحاكم ، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح . اهـ ، وروح بن صلاح قد اختلف فيه فوثقه قوم وضعفه آخرون فمثله يحتاج لإعمال النظر لبيان حاله ، فقال عنه الحاكم في سؤالات السجزي : ثقة مأمون ، وذكره ابن حبان في الثقات (8 : 244 ) ، وروى عنه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (3 : 406)    فهو ثقة عنده ، قال الفسوي (التهذيب : 11  : 378 ) : كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات . اهـ . أما من ضعفه فالدارقطني في المؤتلف والمختلف للدارقطني (3 : 1377 ) قال : روح بن صلاح  ابن سيابه يروي عن ابن لهيعة وعن الثوري وغيرهما كان ضعيفاً في الحديث سكن مصر . اهـ . ، ومثله لابن ماكولا في الإكمال (5 : 15) وابن عدي في الكامل (3 : 1005) ،

[ الدليل الثامن ] : أخرج الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (كشف الأستار : 1 : 397 ) : حدثنا يوسف بن موسى ، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شرٍ استغفرت لكم )) ، قال الحافظ العراقي في  (طرح التثريب ) ( 3 : 297) : إسناده جيد ، وقال الهيثمي في ( مجمع الزوائد) (9 : 24) : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح . اهـ ، وصححه السيوطي في الخصائص (2 : 281 ) ، وفي تخريج الشفا ، والحديث أيضاً فيه مقال من جهة عبد المجيد بن أبي رواد ، فقد ضعفه البعض ، قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (4 : 148 ) : (   أخرجه البزار من حديث عبد الله بن مسعود ، ورجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد ، وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين ، والنسائي ، فقد ضعفه كثيرون ، ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بنحوه بإسنادٍ ضعيف )  اهـ ،

[ الدليل التاسع ] : أخرج الإمام أحمد في المسند (3 : 21) ، وابن ماجه في سننه ( 1 : 256 ) ، وابن خزيمة في التوحيد (17 ، 18) ، والطبراني في الدعاء (2 : 990 ) ، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص40) ، وابن أبي شيبة في المصنف (10 : 211-212) ، والبيهقي في (الدعوات الكبير) (ص47) ، جميعهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله  : (( من خرج من بيته إلى الصلاة فقال : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ، وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمع وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك )) ، أخرجه ابن ماجه في سننه ( 1 : 256 ) : حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري ، ثنا الفضل بن الموفق أبو الجهم ، ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من خرج من بيته إلى الصلاة فقال : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ، وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة وخرجت  اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك ) ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (3 : 21) عن يزيد بن هارون ، وابن خزيمة في التوحيد (17 ، 18) عن ابن فضيل بن غزوان وأبي خالد الأحمر ، والطبراني في الدعاء (2 : 990 ) وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص40) كلاهما عن عبد الله بن صالح العجلي ، والبيهقي في (الدعوات الكبير) (ص47) عن يحيى بن أبي كبير ، كلهم عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه به مرفوعاً ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (10 : 211-212) عن وكيع وأبى نعيم الفضل بن دكين كما في (أمالي الأذكار) (1 : 273) ،   كلاهما عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري موقوفاً عليه ، وقد حسن الحديث جمع من الحفاظ منهم الحافظ الدمياطي في المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح (ص471_472) ، والحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ الحافظ المنذري كما في التريب والترهيب (3 : 273) ، والحافظ العراقي في تخريج أحاديث الحياء (1 : 291) ، والحافظ بن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار (1 : 272) ، وقال الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة (1 : 99) : لكن رواه  ابن خزيمة في صحيحه ، من طريق فضيل بن مرزوق ، فهو صحيح عنده . اهـ ، ومع قبول هؤلاء الحفاظ للحديث إلا أن الحديث به ثلاث علل ، تتمثل في  الكلام في فضيل بن مرزوق ، والكلام في عطية العوفي ، والاختلاف بين وقف الحديث ورفعه ، أما فضيل بن مرزوق فهو من رجال مسلم في صحيحه ، ووثقه جماعة من الأئمة منهم : العجلي في ثقاته (ص384) فقال : جائز الحديث ، ثقة ، ووثقه السفيانان : ابن عيينة ، والثوري ، وقال ابن عدي في الكامل (6 : 2045) : ولفضيل أحاديث حسان ، وأرجو أنه لا بأس به ،  وقال أحمد بن حنبل كما في الجرح (7 : 75) : لا أعلم إلا خيراً ، ووثقه ابن شاهين بإدخاله في الثقات (ص185) ، وكذا ابن حبان فذكره في الثقات ( 7  : 316 ) ، والإمام مسلم أدخله في صحيحه ، واحتج به ، أما من تكلموا فيه ، فقد قال الحاكم في (سؤلات مسعود السجزي) له : فضيل بن مرزوق ليس من شروط الصحيح فعيب على مسلم بإخرجه في الصحيح ، وقال الذهبي في سير النبلاء (7 : 342) : إنما يروي له مسلم في المتابعات ، وقال أبو حاتم  الرازي (7 : 75 الجرح) : صدوق صالح الحديث يهم كثيراً يكتب حديثه ، قال ابن أبي حاتم : يحتج به ؟ قال : لا. اهـ. ، أما عن العلة الثانية وهي الكلام في عطية بن سعد العوفي ، بسبب تدليسه وتشيعه وروايته شيئاً أنكر عليه ، وقد جرحه بعض علماء الجرح والتعديل  كما جاء في العلل ومعرفة الرجال (1 : 122) ، والجرح والتعديل (6 : 383 ) وضعفاء العقيلي (3 : 359) ، والكامل لابن عدي (5 : 2007) عطية العوفي بسبب روايتهم تدليسه تدليس الشيوخ ، قال ابن حبان في المجروحين (2 : 176) : سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث فلما مات أبو سعيد جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه ، فإذا قال الكلبي : قال رسول الله كذا فيحفظه وكناه أبا سعيد ويروي عنه ، فإذا قيل له من حدثك بهذا ؟ فيقول : حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري وإنما أراد الكلبي . اهـ ، وعلى ذلك فعطية العوفي مختلف في مدى الاحتجاج به ، فمن المحدثين من قبل حديثه ومنهم من لا يحتج به ، قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (6 : 304) : ( وكان ثقة إن شاء الله ، وله أحاديث صالحة ، ومن الناس من لا يحتج به)  اهـ ، والعلة الثالثة اختلاف المحدثين بين وقف الحديث ورفعه ، فقد قال ابن أبي حاتم في "العلل" (2 : 184) : سألت أبي عن حديث رواه عبد الله بن صالح بن مسلم ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا خرج الرجل من بيته فقال : اللهم بحق السائلين عليك وبحق ممشاي" وذكر الحديث ، رواه أبو نعيم ، عن فضيل ، عن عطية ، عن أبي سعيد موقوفاً قال أبي : موقوف أشبه . اهـ ، وأيده الذهبي في "الميزان" ، فإن الحديث قد اختلف فيه عن فضيل بن مرزوق فروى مرفوعاً وموقوفاً ،

[ الدليل العاشر ] : قال الحاكم في المستدرك (2 : 615) : حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل ، ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري ، ثنا إسماعيل ابن مسلمة ، أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لما اقترف آدم الخطيئة قال : يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي  فقال الله : يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه ، قال : يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى إسمك إلا أحب الخلق إليك ، فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك )) ، قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ، ولكن تعقبه الحافظ بقوله - في النكت على ابن الصلاح (1 : 328) -  : ( ومن عجيب ما وقع للحاكم  أنه أخرج لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال _ بعد روايته : هذا صحيح الإسناد ، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء : عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ) ، وأخرج الحديث كذلك البيهقي عن الحاكم في دلائل النبوة (5 : 489) وقال  : تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه ، وهو ضعيف ،   وقال الذهبي في تلخيص المستدرك (2 : 615) : موضوع ، وعبد الرحمن واهٍ ، رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا عن إسماعيل بن مسلمة عنه ، وقال في ترجمة عبد الله بن مسلم من الميزان (2 : 504) : روى عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه : يا آدم لولا محمد ما خلقتك ،

[ الدليل الحادي عشر ] : أخرج الحافظ الدارمي في سننه (1 : 43 – 44) : باب ما أكرم الله  تعالى نبيه بعد موته : حدثنا أبو النعمان ، ثنا سعيد بن زيد ، ثنا عمرو بن مالك النكري ، حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال : (( قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت : انظروا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كواً لى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف قال : ففعلوا ، فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق )) ، وفي اسناده أبو نعمان وهو محمد بن الفضل السدوسي الملقب بعارم ، ثقة مشهور ، وإن كان قد اختلط بآخره ، قال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته (ص426 ) : عارم محمد  ابن الفضل اختلط بأخرةٍ ، فما رواه عنه البخاري ، ومحمد بن يحيى  الذهلي ، وغيرهما من الحفاظ ينبغي أن يكون مأخواً عنه قبل اختلاطه . اهـ . ، وعقب عليه الحافظ العراقي في التقييد والإيضاح (ص462) ، فقال : وكذلك ينبغي أن يكون من حدث عنه من شيوخ البخاري ومسلم.اهـ ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي من شيوخ مسلم والبخاري فيكون الدارمي ممن حدثوا عن محمد بن الفضل السدوسي قبل اختلاطه ولا بد ، وفيه : سعيد بن زيد متكلم فيه ، لكن وثقه ابن معين ، وابن سعد ، والعجلي ، وسليمان بن حرب ، وغيرهم ، وقد احتج به مسلم في صحيحه ، وقد كفانا الحافظ الذهبي مؤنة تفصيل القول في قبول حديثه بإيراده إياه في جزء "من تكلم فيه وهو موثق" (ص85) ، وحديثهم لا ينزل عن درجة الحسن عنده ، كما صرح بلك في مقدمة الجزء المذكور (ص27) ، وفيه عمرو بن مالك النكري وثقه ابن حبان ( الثقات 7 : 228) ، وقال الحافظ في التقريب ص426) : صدوق له أوهام . اهـ ، وفيه أبو الجوزاء وهو أوس بن عبد الله البصري : ثقة احتج به الجماعة ، وقد تُكلم في سماعه من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، إلا أن حديث أبي الجوزاء عن عائشة رضي الله عنها أخرجه مسلم في صحيحه ، وكفى بهذا حجة ، كما قال البخاري في (التاريخ الكبير) (2 : 17) : قال لنا مسدد عن جعفر بن سليمان ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء قال : أقمت مع ابن العباس ، وعائشة اثنتي عشرة سنة ليس من القرآن آية وإلا سألتهم عنها ، 

[ الدليل الثاني عشر ] : أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (12 : 31-32) : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن مالك الدار ، قال : وكان خازن عمر على الطعام ، قال : (أصاب الناس قحط في زمن عمر ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتى الرجل في المنام فقيل له : ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنكم مسقيون ، وقل له : عليك الكيس ، عليك الكيس ، فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال : يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه )) ، وأخرجه من هذا الوجه ابن أبي خيثمة كما في "الإصابة"    (3 : 484) ، والبيهقي في "الدلائل" (7 : 47)) والخليلي في "الإرشاد" (1 : 313-314) ، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (2 : 464) ن وقال الحافظ في "الفتح" (2 : 459) : وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة. اهـ ، وقد صحح إسناده الحافظ ابن كثير في "البداية" (7 : 101) ، والحافظ ابن حجر في "الفتح " (2 : 495) وقال ابن كثير في جامع المسانيد – مسند عمر – (1 : 223) : إسناده جيد قوي  . اهـ ، وفي الأثر الأعمش وهو مدلس ، ولم يصرح بالسماع ، ومالك الدار : مجهول ، أما الأعمش فإن كان مدلساً إلا أنه في المرتبة الثانية من المدلسين ، وهم من احتمل الأئمة حديثهم وأخرجوا لهم في الصحيح لإمامتهم ، وقلة تدليسهم في جنب ما رووا ، فالأعمش حديثه مقبول صرح بالسماع أو لم يصرح ، والمشكلة الثانية : جهالة مالك الدار ، ومالك الدار ووثقه ابن حبان في " الثقات " (5 : 384) ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في الإرشاد (1 : 313) : مالك الدار مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تابعي قديم ، متفق عليه ، أثنى عليه التابعون . اهـ ، اما من تشدد ولم يقبل توثيق ابن حبان ، ولم يرض بكلام الخليلي ، فغاية ما في الرجل أنه تابعي مستور الحال من مستوري التابعين وقد قبل الأئمة حديثهم ، قال ابن الصلاح في مقدمته (ص145) : ( ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي (وهو قبول رواية المستور) في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بحالهم . والله أعلم ،  وبعد فتلك أهم الأدلة الواردة في باب التوسل ، ومنها يتبين أمران : ( الأول ) : أن هناك أدلة تدل على جواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم ، وبجاهه عند الله تعالى ، وحق الأنبياء والصالحين وجاههم عند الله تعالى ، ولكن هذه الادلة على كثرتها لا ترقى لان تكون أدلة قطعية الثبوت والدلالة على جواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وجاههم وحقهم على الله تعالى ، بحيث يبدع المخالف فيها ، ولكنها أدلة قوية محتملة عليها جمهور أهل العلم ، ولا يمكن إهمالها بحال من الأحوال إلا بنوع من الجفاء والتعصب البغيض ، وفي نفس الوقت لا يمكنها إلزام الخصم بقبول هذا النوع من التوسل إلا  بنوع من التعنت ، و ( الثاني ) : أن الخلاف في باب التوسل مسألة خلافية من باب الفقه وليس من باب العقيدة ، وهو خلاف يدخل فيه الاجتهاد بين صواب وخطأ ، وليس - أبداً -  خلاف عقدي بين توحيد وشرك ، أو بين إيمان وكفر ، أو بين هدى وضلال ،

 

( 6 ) هل هناك فرق بين التوسل بذوات الأنبياء والصالحين

وبين التوسل بالعمل الصالح

قال العلامة الشوكاني في رسالته الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد : (وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين : (  الأول ) ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، و ( الثاني ) : أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله ، فإذا قال القائل : ( اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني ) فهو باعتبار ما قام به من العلم ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة ) أهـ 

 

( 7 ) هل هناك فرق في التوسل بالصالحين بين الحي والميت

( أ ) هناك خلاف - اليوم -  بين السلفية والصوفية حول جواز التوسل بالصالح الميت ، وهذا الخلاف منشؤه التفريق بين الحي والميت ، فالطائفة السلفية تزعم أنه بموت الإنسان ينقطع عن الدنيا ، ولا علاقة له بها ، ولا ينتفع منها إلا من ثلاث : عمل صالح ينتفع به ، وولد صالح يدعو له ، وصدقة جارية ، وبعد ذلك فلا علاقة له باهل الدنيا ولا بأحوالهم وبالتالي فلا يجوز اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى لأنه ليس لديهم علم بمن طلب منهم التوسل واتخذهم وسيلة إلى الله تعالى ، وليست لديهم قدرة على التوسل ، بينما تزعم الطائفة الصوفية أن الأنبياء والاولياء الصالحين أحياء في قبورهم حياة برزخية كاملة ، حياتهم أكثر كمالاً  من الحياة الدنيا ، وأنهم يسمعون من يطلب منهم الإعانة ، وأنهم يتوسلون إلى الله تعالى لمن يطلب منهم التوسل ، وأنهم أقدر من الأحياء على نجدة من طلبهم ، وعلى ذلك فليس في باب التوسل فرق بين الحي والميت ، في اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى ما داموا أنبياءً أو أولياءَ صالحين ، ولذا فلابد أن نبحث أولاً في تحقيق أدلة الطرفين ، ومن ثم الرد إلى الكتاب والسنة للوصول إلى الصواب في المسالة

( ب ) تستدل الطائفة التي تُجيز التوسل بالصالح الميت على مذهبها بعدة أدلة تتمثل في  : 

[ الدليل الاول ] : قوله تعالى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 169 إلى 171 ] ، و قوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ  } [ البقرة : 154 ] ، ووجه الاستدلال في الآيتين أنه إذا كان الشهيد حياً وهو أقل منزلة من النبي والولي والصديق ، فمن باب الاولى ان يكون النبي والولي الصديق أحياءً لأنهم أعلى منزلة من الشهيد ،

[ الدليل الثاني ] : أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : ((  وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال  : هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال : أنهم الآن يسمعون ما أقول )) ،  وفي رواية في صحيح البخاري : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : يا فلان بن فلان ، ويا فلان بن فلان ، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فأنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقال عمر : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم )) ، 

[ الدليل الثالث ] : أخرج الحاكم في المستدرك  عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام )) [ أخرجه الحاكم في المستدرك ( 2 421) ،  وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الحافظ الذهبي ، وفي فيض القدير ( 2 : 479) : رواه أحمد في المسند والنسائي وابن حبان والحاكم ، قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح ، وقال الحافظ العراقي : الحديث متفق عليه دون قوله سياحين ] ، 

[ الدليل الرابع ] : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام )) [ أخرجه أبو داود وغيره وصححه النووي في رياض الصالحين وفي الأذكار ] ،

[ الدليل الخامس ] : أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر : (( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، أسال الله لنا ولكم العافية )) يقول ابن القيم في كتابه الروح : ( فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال ، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا : سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، نسأل الله لنا ولكم العافية ، وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع ، ويخاطب ، ويعقل ، ويرد ، وإن لم يسمع المسلم الرد ، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه ، وعلموا صلاته ، وغبطوه على ذلك ) أهـ ، 

[  الدليل السادس ] : قال الحافظ السيوطي (الحاوي 2 : 421) : روى الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار و التمهيد من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله : (( ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلِّم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام )) [ صححه الحافظ أبو محمد بن عبد الحق الأشبيلي. (وهو إمام في العلل ومعرفة الحديث كما في تذكرة الحفاظ للذهبي )(و أشار إلى صحة الحديث صاحب "عون المعبود " (3 : 370) ] ، 

[ الدليل السابع ] : قوله صلى الله عليه وسلم (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت لكم )) [قال الحافظ العراقي في  (طرح التثريب ) ( 3 : 297) : إسناده جيد ، وقال الهيثمي في ( مجمع الزوائد) (9 : 24) : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح . اهـ .وصححه السيوطي في الخصائص (2 : 281 ) ، وفي تخريج الشفا ] ،

[  الدليل الثامن ] : أخرج النسائي وأبو دواد وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في إثبات عذاب القبر : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر خروج الروح وقال في روح المؤمن (( فيؤتى به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألون ما فعل فلان ؟وما فعل فلان ؟فيقولون دعوه فإنه كان في غم الدنيا .فإذا قال  : أما أتاكم ؟!!قالوا ذُهب به إلى أمه الهاوية )) [ أخرجه النسائي في المجتبى [4 : 8 ] والكبرى [ 1959 ] وأبو دواد [2389 ] ، وابن حبان في صحيحه [ 3014 ] والحاكم في مستدركه [ 1 : 504 ] والحديث قال عنه الحاكم : إسناده صحيح ، وقال الحافظ العراقي إسناده جيد وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب [ 4 : 370 ] إسناده صحيح ، والحديث دليل على أن المؤمن حي حياة الأرواح وأنها تتزاور وتكلم بعضها وتحس بغيرها ،

ومن أقوال علماء المسلمين التي تدل على إدراك الأموات وسماعهم  : ما قاله ابن القيم  في كتابه "الروح" : ( المسألة الأولى : وهي هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا ؟ ، قال ابن عبد البر : ثبت عن النبي أنه قال ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام فهذا نص في أنه يعرفه بعينه ويرد عليه السلام وفي الصحيحين عنه من وجوه متعددة أنه أمر بقتلى بدر فألقوا في قليب ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم يا فلان ابن فلان و يافلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربى حقا فقال له عمر يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا فقال والذي بعثنى بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابا .وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه وقد شرع النبي لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به.. إلى أن قال : ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرا ، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرا فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال زاره هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم وكذلك السلام عليهم أيضا فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال وقد علم النبي أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية ، وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويردو إن لم يسمع المسلم الرد وإذا صلى الرجل قريبا منهم شاهدوه وعلموا صلاته وغبطوه على ذلك ) أهـ [ كتاب الروح : ص 5 وما بعدها ] ، وقال الإمام ابن مفلح في الفروع : (2 : 235) : ( ويسمع الميت الكلام ولأحمد من حديث سفيان عمن سمع أنسا عنه مرفوعا إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا وروا أبو داود الطيالسي في مسنده عن جابر مرفوعا وهو ضعيف قال أحمد يعرف زائره يوم الجمعة بعد الفجر قبل طلوع الشمس وفي الغنية يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد وأطلق أبو محمد البربهاري من متقدمي أصحابنا أنه يعرفه ، إلى أن قال  : ...قال شيخنا - أي الإمام ابن تيمية- استفاضت الآثار بمعرفته بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وأن ذلك يعرض عليه وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا وبأنه يدري بما يفعل عنده ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا وكان أبو الدرداء يقول اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبدالله بن رواحة وهو ابن عمه ولما دفن عمر عند عائشة كانت تستتر منه وتقول إنما كان أبي وزوجي وأما عمر فأجنبي تعني أنه يراها ) أهـ [الفروع : (2 : 235) ] ، وقال البهوتي في كتابه : "كشاف القناع عن متن الإقناع" (2 : 165 ( : ( ويسمع الميت الكلام بدليل حديث السلام على أهل المقابر قال الشيخ تقي الدين واستفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وإن ذلك يعرض عليه وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا وبأنه يدري بما فعل عنده ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا وكان أبو الدرداء يقول اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أجزى به عند عبد الرحمن بن رواحة وكان ابن عمه ولما دفن عمر عند عائشة كانت تستتر منه وتقول إنما كان أبي وزوجي فأما عمر فأجنبي .ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس قاله أحمد وفي الغنية يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد وينتفع بالخير ويتأذى بالمنكر عنده ) أهـ [كشاف القناع عن متن الإقناع" (2 : 165 ( ] ،  ومن الأدلة السابقة - وغيرها - استدلت الطائفة الصوفية على أن أموات المسلمين أحياء في قبورهم حياة الأرواح وأنهم يتزاورون ويكلم بعضهم بعضاً ، وإذا كان ذلك عاما في حق أموات المسلمين ، فمن باب الاولى أنه آكد في حق الانبياء والأولياء والصالحين ، وأن لهؤلاء الاكرمين ادراك بمن يزورهم ويسلم عليهم ويتوسل بهم إلى الله ، وأنهم يدعون الله تعالى - ودعاؤهم أقرب للإجابة بما لهم من منزلة عند الله تعالى -  أن يقضي حاجة من توسل بهم إلى الله ، 

( ت ) وتستدل الطائفة التي لا تُجيز التوسل بالصالح الميت على مذهبها بعدة أدلة تتمثل في  :

[ الدليل الاول ] : قوله تعالى : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } [ فاطر : 22 ] ، فالآية تدل على أنه لا يستوي الحي والميت ، وأن أهل القبور لا يسمعون ، ولكن قد يرد اعتراض بأن الآية  محمولة على حياة القلوب وموتها ، فإن القلب الحي ( وهو قلب المؤمن ) هو الذي يسمع القرآن ويتأثر به ، والقلب الميت ( وهو قلب الكافر ) لا يسمع القرآن ولا يتأثر به ، قال ابن جرير في تفسيره : ( يقول تعالى ذكره : ( وما يستوي الأعمى ) عن دين الله الذي ابتعث به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ( والبصير ) الذي قد أبصر فيه رشده؛ فاتبع محمداً وصدقه وقبل عن الله ما ابتعثه به ( ولا الظلمات ) يقول : وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان ( ولا الظل ) قيل : ولا الجنة ، ( ولا الحرور ) قيل : النار ، ... وقوله ( وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) يقول : وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله ، ومعرفة تنزيل الله ، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها ، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه ، ولا تعرف الهدى من الضلال ، وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان ، والكافر والكفر ، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ) أهـ ،  ويؤيده كذلك قول ابن جرير : في تفسير قوله تعالى { أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس }  قال : الهدى الذي هداه الله به ونور له ، هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه ، وهذا الكافر الأعمى فجعل المؤمن حيا وجعل الكافر ميتا ميت القلب( أومن كان ميتا فأحييناه ) قال : هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب وهو في الظلمات ، أهذا وهذا سواء ) أهـ  ،  وقال ابن كثير : ( وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين وهم الأحياء ، وللكافرين وهم الأموات ، كقوله تعالى : { أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها }أهـ ،  وقال : وقوله : {إن الله يسمع من يشاء } أي : يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها { وما أنت بمسمع من في القبور } أي : كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم ، وهم كفار بالهداية والدعوة إليها ، كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ، ولا تستطيع هدايتهم ) أهـ  ،  ومنه نعلم أن المقصود هو سمع الهداية لا السمع الحسي ، ولذلك فليس وجه الشبه بين من في القبور وبين الكفار هو السمع الحسي بل هو سمع الاستجابة والهداية فقط ، فكما أن الميت لا يستجيب لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام لأنه انتقل من دار التكليف إلى دار الجزاء فكذلك الكفّار لا يستجيبون ولا يهتدون إلى الإسلام ، فإذا تبين أن الآية التي استدلوا بها قد تحمل على السماع المؤدي إلى الإيمان ( سماع الهداية ) فلا حجة فيها على عدم سماع الأموات لاسيما وأن هناك أدلة عديدة تدل على سماع الأموات للأحياء ،

[ الدليل الثاني ] : أن جميع الأدلة التي ساقها الصوفية على ادراك الاموات من المسلمين هي أدلة خاصة لأنها تعارض الآية السابقة : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } [ فاطر : 22 ] ، وهذا الدليل بعيد لان المفسرين حملوا المقصود بالأحياء والاموات على معنى حياة القلوب بالإيمان ، وموت القلوب بالكفر ، وان القلب الحي قلب المؤمن يسمع كلام الله تعالى سماع قبول واتعاظ ، وان القلب الميت قلب الكافر لا يسمع كلام الله تعالى سماع قبول وهداية ، وبالتالي فلا تعارض بينها ، وأن الآية ليس لها علاقة بالمسألة ، والأدلة على عمومها في الدلالة على سماع الأموات للأحياء لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والأصل هو بقاء العام على عمومه حتى يرد ما يخصصه ولا يوجد له مخصص يخصصه ،

[  الدليل الثالث ] : أن الميت في دار جزاء لا دار تكليف فلا يمكن أن يعاون الحي في شيء لأنه لا تكليف عليه في البرزخ ، ولكن السادة الصوفية يردون بأن ذلك من باب النعيم والثواب لا من باب التكليف ، كما أن أصحاب الجنة يسبحون لله تعالى من باب التنعم لا من باب التكليف ، وكما أن الأنبياء يصلون في قبورهم كما في قصة الإسراء وكما أنهم نفعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بما أشاروا عليه في قصة موسى عليه السلام في تخفيف الصلاة ، فإذن ليس معاونتهم للحي من باب التكليف ، بل هم يفعلونه كما يفعلون سائر الخير من باب التنعم لا التكليف ،  وبعد ، فإنه مما سبق يتبين أن الخلاف في مسألة التفريق بين الحي والميت في مبحث التوسل خلاف فقهي يخضع للاجتهاد ، وأنه يجوز التسوية في التوسل بين الحي والميت ، لان لكلٍ منهما حياة تتعلق به يستطيع من خلالها الادراك ، كما أنه لا يجوز بحال تبديع الفريق المخالف والاعتراض عليه ، لاسيما وانه خلاف فقهي لا يجوز فيه الأمر أو النهي ، إذ لكل فقيه فيه ما يرى ، كما هو مقرر  في قواعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر - عند أهل السنة والجماعة - أنه لا أمر ولا نهي في المسائل المختلف على صحتها ، 

 

( 8 ) لا يوجد في الشرع دليل واحد يمنع من التوسل الصحيح بكافة انواع التوسل

( أ ) سبق ان ذكرنا أن ( التوسل ) معناه في الشرع : هو ما يُتقرب به إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وذكرنا أن هناك خطأ في فهم المقصود من التوسل ، أدى إلى الغلو في الحكم على التوسل وخلطه بما يتعلق بالتوحيد والشرك ، ويتمثل ذلك الخطأ في ظن البعض أنَّ التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، مع ان المتوسِّل المسلم الموحد لا يعبد إلا الله ، ولا يرجو سوى الله ، ولا يدع إلا الله وحده ، لان ( الله ) تعالى وحده – في عقيدة كل مسلم - هو المالك القادر المهيمن ، وهو وحده المعطي والمانع ، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة - رجاء قبول مبتغاه عند الله ، وليس التوسل - أبداً – من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، كما كان يفعل المشركون بقولهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) } [ الزمر : 3 ] ، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله ، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله ، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله ، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان ، ويشهد بالشهادتين ( لا إله إلا الله  -  محمد رسول الله ) ، عن يقين واعتقاد ، لا يستويان مثلا عند الله تعالى ، وعند المؤمنين ، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من ( التوسل ) إذا قاله المسلم ، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام ،  ( ب ) ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح - بذوات الانبياء والاولياء والصالحين ، وكل مسلم يعلم أن حب ذواتهم ليس حباً للأجساد ، إذ كل بنى آدم – حتى الكفار منهم – أجسادهم من طين ، ولكنه حب لما حوته تلك الذوات من الإيمان بالله والطاعة لله وتعظيم أمر الله تعالى ، ولذلك حرّم الله تعالى على الارض أن تأكل أجساد الانبياء ، إن ذوات هؤلاء معظمة في قلب كل مسلم لما حوته من تعظيم لأمر الله تعالى ، ثم أليس اعتقاد حرمة ذوات الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين هو ناشئ عن الإيمان بهم والإيمان بالرسل ، أليس هو ركن من أركان الإيمان ، لا يصح الإيمان إلا به ، وأليس جائز في دين الله تعالى ، ولا خلاف فيه بين المسلمين ، أنه يجوز التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة ، فإن حب ذواتهم واعتقاد حُرمتها ومكانتها عند الله والتقرب بذلك الحب والاعتقاد إلى الله تعالى ، أليس هذا من أعظم الإيمان والعمل الصالح ، فلم لا نحمل التوسل بذوات الانبياء واتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى بانه توسل بالأعمال الصالحة المتمثلة في اعتقاد حرمة تلك الذوات ومنزلتها العظيمة عند الله تعالى ،  ( ت ) ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح – بجاه الصالحين ، لأن الاعتراف بجاه هؤلاء هو من الإيمان والعمل الصالح ، ولولا الإيمان لما اعترف المسلم بجاه هؤلاء الصالحين عند الله تعالى ، وكل مسلم يعلم ان للأنبياء والأولياء والصالحين وجاهة عند الله ، أم يقل الله تعالى في حق موسى عليه السلام : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } [ الأحزاب : 69 ] ، وألم يصف الله تعالى عيسى عليه السلام بالوجاهة عند الله تعالى ، بقوله تعالى : { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) } [ آل عمران : 45 ] ، وألسنا نتفق أن الرسول صلى الله عليه وسلم مقدم في الوجاهة على غيره من الانبياء والمرسلين ، فأي مخالفة للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بجاه هؤلاء الوجهاء عند الله تعالى ، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بجاه الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى ، ( تنبيه ) : يظن البعض أن مجرد اعتقاد قرب الصالحين ووجاهتهم عند الله تعالى هو من الشرك ، ويظنون أن نبي الله تعالى نوح عليه السلام إنما أرسل إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً ، وهذا خطأ لأنه أرسل إليهم عندما تبدل اعتقاد صلاحهم ووجاهتهم عند الله تعالى ، باعتقاد ألوهيتهم وأنهم شركاء لله تعالى في ربوبيته ، وعبدوهم من دون الله تعالى ، بدليل قولهم كما حكاه القرآن الكريم عنهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] ، فقد أقروا بعبادتهم لهم من دون الله واتخاذهم آلهة مع الله تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم ، كما قال تعالى : { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } [ نوح : 23 ] ، وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى : { وقالوا لا تذرُنَّ آلهتكم ولا تذرُنَّ وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً  } ، قال : ( هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ، ولم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم ، عبدت ) ، والمسلم مهما بلغ اعتقاده في الصالحين ، فلن يعبدهم من دون الله ، ولن يعتقد ألوهيتهم وشراكتهم لله في استحقاق العبودية ، فشتان بين اعتقاد الوجاهة في الصالحين عند الله تعالى وهو حق وإيمان ، وبين اعتقاد استحقاقهم للعبادة من دون الله وهو باطل وشرك ،    ( ث ) ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح – بحق الانبياء والصالحين على الله تعالى ، وهو ليس بالحق الواجب على الله تعالى ، بل هو حق التفضل والرحمة والوعد الذي كتبه الله تعالى - تفضلاً - على نفسه لعباده المرسلين والصالحين والمؤمنين ، كما في قوله تعالى : { ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَ‍قًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) } [يونس : 103 ] ، وقوله تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  } [ الروم : 47 ] ، ووعد الله تعالى حق وصدق ، كما قال تعالى : { وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَ‍قًّا  } [ الكهف : 98 ] ، وقوله تعالى : { وَعْدًا عَلَيْهِ حَ‍قًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ } [ التوبة : 111 ] ، فأي مخالفة بعد ذلك للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بحق ذوي الحرمة والحقوق على الله تعالى – وهو كما أسلفنا ليس حقاً ذاتياً لهم ، بل هو الحق الذي قطعه الله تعالى على نفسه تفضلاً ورحمة - ، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بحق الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى ، ثم أليس الإيمان بان لهؤلاء المكرمين حق على الله تعالى ، هو من باب الإيمان بهم ، وهو جزء كما تقدم من الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ، وألا يصلح ذلك الإيمان أن يكون بمثابة العمل الصالح الذي نتوسل به إلى الله تعالى

 

( 9 ) هل التوسل من أبواب العقيدة أم أبواب الفقه

التوسل ليس من مباحث الاعتقاد ، ولا يوجد - في حد علمي - في السابقين من علماء السلف من جعل التوسل من أبواب العقيدة ، وإنما كانت البداية في القرن السابع عندما حدث الخلاف بين الإمام ابن تيمية وبين جماهير العلماء في عصره ، وإنما كان التوسل من موضوعات الفقه ، وهذا هو الصواب لأسباب عديدة أهمها :  ( أ )  أن حقيقته اتخاذ قربة إلى الله تعالى ، والقربة من الطاعات ، والطاعات مجالها الفقه وليس العقيدة ، إذ لا يوجد بين المسلمين من يعتقد أن لغير الله تعالى قدرة مستقلة على تصريف أو تدبير أي شيء ، بل جميع طوائف أهل السنة بمن فيهم الصوفية يعتقدون أن الأمر كله لله وحده بيده مقادير كل شيء ، ويعتقدون أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف ، لا في حياتهم ولا مماتهم ، وأن الأمر كله أولاً وآخراً لله ، وإنما التوسل بهم وطلب الدعاء منهم هو لأن دعاءهم مستجاب وهم أهل ومحل رضا الله تعالى ، فلا يوجد أي وجه لإدخال التوسل في أبواب العقيدة إلا إذا اتهمنا سواد المسلمين الأعظم بالشرك وأخرجناهم من ملة الإسلام ، ( ب )   إن أصل التوسل مشروع لا خلاف فيه ، وإنما الخلاف في بعض أنواع التوسل ، وجميعها أستدل لها مؤيدوها بأدلة مقبولة في الجملة ، وعليها جمهور علماء أهل السنة على مر عصور الإسلام ، وعلى ذلك فالخلاف فيها فقهي محض ، يدور على الاجتهاد ، ولا يجوز في أبواب الاجتهاد إلزام وأمر ونهي ، وهذا من أهم قواعد الحسبة على الدين : أن الأمر المختلف فيه لا يجوز فيه إلزام المخالف ولا أمره أو نهيه ما كان الخلاف في أمر فقهي يخضع للإجتهاد ، ولكل فريق أدلته الشرعية التي يستدل بها ، ( ت ) كما أن التوسل على أنواعٍ وأمره يدور بين الجواز والندب ، والحرمة ، وما كان أمره كذلك فهو من الأحكام الشرعية التي موضوعها علم الفقه ، وإقحام موضوعات الفقه في التوحيد والعقائد خطأ يجب مجانبته ،  ( ث ) السادة الفقهاء يذكرون استحباب التوسل أو جوازه ، في باب الاستسقاء في كتاب الصلاة وعند زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الحج ، وهذا يدل على أن بحث التوسل يخص الفقه ولا يخص العقيدة ،  ( ج ) من أمثلة ذلك الغلو في جعل التوسل من باب العقيدة وليس الفقه ، قول أحدهم : ( التوسل في الدعاء بذوات الصالحين أو حقهم أو جاههم يعتبر أمرأً مبتدعاً ، ووسيلة من وسائل الشرك ، والخلاف فيه يعتبر خلافاً في مسائل العقيدة لا في مسائل الفروع ، لأن الدعاء فيه أعظم أنواع العبادة ولا يجوز فيه إلا ما ورد في الكتاب والسنَّة ) أهـ ، والجواب على ذلك الغلو يتمثل في أن هذا الكلام به مغالطات قد لا يدركها قائل الكلام ، منها أن الدعاء من أعظم أنواع العبادة ، ولكن هل المتوسل يدعو غير الله ، إن التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله ، ولا يرجو سوى الله ، ولا يدع إلا الله وحده ، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم - هو المالك القادر المهيمن ، وهو وحده المعطي والمانع ، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة - رجاء قبول مبتغاه عند الله ، وهو في توسله إنما يتوسل اتباعاً لقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } ، وقصارى الامر أن بعض أنواع التوسل مختلف في جوازها ، ولكل فريق أدلته ، فأين هذا من علم العقيدة والخلاف في العقيدة ، إ ، محل هذا الخلاف موضوع علم الفقه ، أما علم العقيدة أو التوحيد فيتكلم في الإلهيات والنبويات والسمعيات ، فلا معنى لإدخال بحث التوسل في العقيدة ، ( ح ) ومن أمثلة ذلك الغلو في جعل التوسل من باب العقيدة وليس الفقه ، استدلالهم في تحريم بعض اقسام التوسل بقول الله تعالى  : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } ، وقوله تعالى : { فادعوا الله مخلصين } ، وهذا أيضا خلط بين أبواب العلم ، فالآية الأولى فيها طلب دعاء الله تعالى ، والثانية فيها حث على الدعاء مع الإخلاص ، أما التوسل فهو اتخاذ قربة لله رغبة في إجابة الدعاء ، وهذه القربة على أنواع كما هو معلوم فلا تنافي بأي وجه للتوسل مع الدعاء وإخلاصه لله ، بل التوسل يوفقهما من حيث أن المسلم يدعوا الله تعالى ولا يدعو غيره ، ولكن المتوسل يتوسل بما يراه أقرب عند الله رجاء قبول مبتغاه عند الله ورجاء استجابة دعائه من الله ، وأصل التوسل جائز شرعا ، واقسامه منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف عليه ، والجمهور من علماء أهل السنة والجماعة المقبولين عند المسلمين على جواز المختلف فيه ، فأي دخلٍ للعقيدة في باب التوسل بعد ذلك ،  ( خ ) ومن أمثلة ذلك الغلو في جعل التوسل من باب العقيدة وليس الفقه ، زعمهم أن التوسل المختلف فيه يجر إلى الشرك ، فإذا كان التوسل يجر إلى الشرك ، فهل جماهير علماء اهل السنة والجماعة الذين أجازوا التوسل المختلف فيه ، وتوسلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم كالإمام احمد بن حنبل وغيره من العلماء وما أكثرهم ، هل يعقل أنهم انجروا إلى الشرك ، و أليست الشريعة الغراء تحوي على أدلة تجيز هذا النوع من التوسل ، وقد تقدم كثير من تلك الأدلة ، فإما إن تكون الشريعة تجر إلى ذلك - وحاشاها من ذلك -  وإما أن هناك خلل وغلو ينبغي علاجه ، وهذا أهون من سب المسلمين وفيهم الكثير من العلماء بمسبة الشرك ، وحاشاهم من ذلك ، إن جعل بحث التوسل في العقائد ، وجعله وسيلة من وسائل الشرك ، فمسلك خطير يؤدي إلى الغلو في الدين ، وتغيير حقائق الإسلام وتوازناته الربانية ،  وتلاعب بباب التوحيد ، وفتح لباب التشريك واتهام المسلمين بالشرك على أمور فقهية خلافية لا يجوز أصلاً فيها احتساب وامر ونهي ما كان لكل فريق دليله المعتبر ، ( د ) إذا كان في المسألة وجهان أو قولان محتملان شرعاً ، فلا بأس لكل مسلم أن ياخذ بأحد القولين ، ولكن التحجر على قول واحد وتبديع الطرف المخالف أو اتهامه بالشرك ، مع أن له من الأدلة ما له وجه مقبول في الشريعة هذا ليس من باب التدين والورع ، لان الله تعالى حذرنا أشد التحذير من تحريم ما أحل الله ، { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } [ النحل : 116 ] ، لان الشرع لله والدين لله يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ، ولحكمة يعلمها الحكيم الخبير ، وقد لا نعلمها نحن ، جعل الشرع واسعا ، بتوازنات ربانية إلهية لا يمكن أن نتدخل فيها لتضييق واسع من دين الله أو توسيع ضيق ، فالدين دينه والشرع شرعه لا معقب لحكمه ، وتضييق واسعاً من دين الله وتحريم ما أحل الله تعالى بحجة الخوف على التوحيد ،  أخشى أن يكون من باب الهوى والتعصب ، وإلا فهل الخوف على التوحيد مبرر لاتهام سواد الامة الأعظم بالشرك وما يترتب على ذلك من استحلال دماء المسلمين وحرماتهم ، فهل نحن بهذا الصنيع نضرب مثلاً في الحفاظ على الدين وأهله ،  أم نمثل نكبة وعقدة في طريق الحفاظ على الدين ووحدة أهله ،

 

( 10 ) التوسل في مذاهب الفقهاء الأربعة والعلماء

( أ ) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الأحناف : المذهب الحنفي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة ، وقد جاء في الموسوعة الفقهية مادة وسل : ( اختلف العلماء في مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كقول القائل : اللهم إني أسألك بنبيك أو بجاه نبيك أو بحق نبيك , على أقوال : القول الأول : ذهب جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة ) إلى جواز هذا النوع من التوسل سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ، والقول الثاني : التوسل بمثل قول القائل : بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك , أو بحق البيت فقد ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى كراهته . قال الحصكفي : لأنه لا حق للخلق على الله تعالى وإنما يخص برحمته من يشاء من غير وجوب عليه . قال ابن عابدين : قد يقال : إنه لا حق لهم وجوبا على الله تعالى لكن الله سبحانه وتعالى جعل لهم حقا من فضله , أو يراد بالحق الحرمة والعظمة , فيكون من باب الوسيلة , وقد قال تعالى : { وابتغوا إليه الوسيلة } ، والقول الثالث : في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته : ذهب تقي الدين بن تيمية وبعض الحنابلة من المتأخرين إلى أن التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز )  [ الموسوعة الفقهية ] ، والشاهد من النقل السابق ((  ذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة إلى جواز هذا النوع من التوسل سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته  )) ، وقد استقرت فتوى المذهب الحنفي على جواز التوسل إلى الله تعالى بذات الرسول ، وحملوا قول المتقدمين على الكراهة في باب الإقسام على الله تعالى ، وليس في باب التوسل ، وممن أجاز ذلك النوع من التوسل - على سبيل المثال لا الحصر - الائمة العلماء : الكلاباذي البخاري الحنفي (ت : 380 هـ) ،  والقدوري الحنفي ، و ابن العديم الحنفي (ت : 660 هـ) ، ومجد الدين الموصلي الحنفي (ت : 683 هـ) صاحب الاختيار فيما يقال عند زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، والزيلعي (ت : 743هـ) ، وابن أبي الوفاء القرشي الحنفي(ت : 775 وابن نجيم الحنفي (ت 710 هـ) ، والسيد الشريف الجرجاني الحنفي (ت : 816 هـ) ن وابن حجة الحموي الحنفي (ت : 837 هـ ) ، والإمام العيني (ت : 855 هـ ) والإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي (ت : 861هـ ) ، وأبو العباس أحمد الزبيدي الحنفي(ت : 893 ه) ، والصالحي الشامي الحنفي (ت : 942 هـ ) ، وطاش كبري زاده الحنفي (ت : 968 هـ ) والشيخ علي القاري المكي الحنفي (ت : 1014ه ) وحاجي خليفة الحنفي (ت : 1067 هـ ) والشرنبلالي الحنفي (ت : 1069 هـ ) وعبد الرحمن أفندي داماد المدعو بشيخي زاده (ت : 1078هـ) ، وعلاء الدين الحصكفي (ت : 1088هـ) ، وخاتمة اللغويين الحافظ مرتضى الزبيدي الحنفي (ت : 1089هـ ) ، وعبد القادر البغدادي الحنفي (ت : 1093هـ ) ، والعلامة محمد الخادمي ت ( 1176ه ) وإسماعيل حقي (ت : 1137هـ ) والمرادي الحنفي (ت : 1206 هـ ) والشيخ أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي المصري شيخ الحنفية بالديار المصرية (ت 1231 هـ ) ، والجبرتي الحنفي (ت : 1237 هـ ) ، وخاتمة المحققين الشيخ ابن عابدين الحنفي (ت : 1252 هـ ) ، والمحدث محمد عابد السندي الحنفي (ت 1257 هـ ) ، وشهاب الدين الألوسي (ت : 1270هـ ) ، وأحمد عارف الحسيني الحنفي (ت : 1275هـ ) والعلامة الفقيه عبد الغني الغنيمي الحنفي(ت : 1298هـ) ، والعدوي الحمزاوي (ت : 1303 هـ ) ، والشيخ محمد علاء الدين ابن الشيخ ابن عابدين (ت : 1306 هـ ) ، والشيخ عبد الرزاق البيطار (ت : 1335هـ ) ، وخليل أحمد سهارنبوري ( ت  : 1349 هـ ) ومحمد بخيت المطيعي الحنفي ، ومحمد زاهد الكوثري ، والحافظ أبي الحسنات محمد عبد الحي بن الحافظ محمد عبد الحليم اللكنوى الانصاري الايوبي الحنفي ( ت : 1304 ه ) ،  ومن أقوال علماء المذهب الحنفي في جواز التوسل : قال الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي في كتاب الحج ، باب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم : ( ويسأل الله حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه ثم قال يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة فيقول يا رسول الله أسألك الشفاعة يا رسول الله أتوسل بك إلى الله.) [ فتح القدير ، ج2 ، ص332 ] ، وذكر الشرنبلالي الحنفي (ت : 1069 هـ) في مراقي الفلاح في آداب الزيارة : ( يقف عند رأسه الشريف ويقول : اللهم انك قلت وقولك الحق : { ولو انهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه توابا رحيما } ،  وقد جئناك سامعين قولك ، طائعين أمرك ، مستشفعين ‏بنبيك ، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا انك رؤوف ‏رحيم ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد للّه رب العالمين ، ويدعو بما يحضره من الدعاء ) أهـ  ،  وقال الشيخ أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي شيخ الحنفية بالديار المصرية (ت 1231 هـ) : ( قوله فيتوسل إليه بصاحبيه ذكر بعض العارفين أن الأدب في التوسل أن يتوسل بالصاحبين إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ثم به إلى حضرة الحق جل جلاله وتعاظمت أسماؤه فإن مراعاة لواسطة عليها مدار قضاء الحاجات ) أهـ [حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 360 ] ، وقال العلامة شهاب الدين الألوسي (ت : 1270هـ) : ( وبعد هذا كله أنا لا أرى بأساً في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً ، ويراد من الجاه معنى يرجع إلي صفة من صفاته تعالى ، مثل أن يراد به المحبة العامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته ، فيكون معنى قول القائل أتوسل إليك بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضي لي حاجتي يعني إلهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي ) أهـ [ تفسير روح المعاني : ج 2 ص 299 ] ، وقال أيضاً : ( بل لا أرى بأساً بالإقسام على الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى والكلام في الحرمة كالكلام في الجاه- يعني بحرمة كذا- قال ملتمساً ومجيباً عن الصحابة في عدم توسلهم بالأموات ولعل ذلك كان تحاشياً منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس إذ ذاك وهم قريبوا عهد التوسل بالأصنام شيء ثم اقـتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهد بكفر كما ثبت ذلك في الصحيح وكذا التوسل بجاه غير النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس به أيضاً إن كان التوسل بجاهه مما علم أن له جاهاً عند الله تعالى كالمقطوع بصلاحه وولايته.) [ تفسير روح المعاني : ج 2 ص 300 ] ، وقال العدوي الحمزاوي (ت : 1303 هـ) في كنز المطالب (ص‏216) : ( ومن أحسن ما يقول بعد تجديد التوبة في ذلك الموقف ‏الشريف ، وتلاوة { ولو انهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول} الآية : نحن وفدك ‏يا رسول ‏اللّه وزوارك ، جئناك ‏لقضاء حقك وللتبرك بزيارتك والاستشفاع بك مما اثقل ظهورنا واظلم ‏قلوبنا ) أهـ ، ويقول (ص‏230) : ويتوسل بهم إلى اللّه في بلوغ آماله ، لان هذا المكان محل مهبط ‏الرحمات الربانية ، وقد قال خير البرية عليه الصلاة وأزكى التحية : إن لربكم في دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لنفحات ربكم. ولا شك ولا ريب أن هذا المكان محل هبوط الرحمات الإلهية ، فينبغي للزائر أن ‏يتعرض لهاتيك النفحات الاحسانية ، كيف لا ؟ وهم الأحبة والوسيلة العظمى إلى اللّه ورسوله ، فجدير لمن ‏توسل بهم أن يبلغ المنى وينال بهم الدرجات العلى ، فانهم الكرام لا يخيب قاصدهم وهم الأحياء ، ولا يرد من غير إكرام زائرهم ) أهـ ، في كتاب الفتاوى الهندية (ج1 : 266) وقد قام بتأليفه جماعة من علماء الهند برئاسة الشيخ نظام الدين البلخي بأمر من سلطان الهند أبي المظفر محيى الدين محمد أورنك زيب في كتاب المناسك : (باب : خاتمة في زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بعد أن ذكر كيفية وآداب زيارة قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ذكر الأدعية التي يقولها الزائر فقال : "ثم يقف (أي الزائر) عند رأسه صلى اللّه عليه وسلم كالأوّل ويقول : اللهم إنك قلت وقولك الحق : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ ..}  الآية ، وقد جئناك سامعين قولك طائعين أمرك ، مستشفعين بنبيك إليك" ) أهـ ، وقال خليل أحمد سهارنبوري (المتوفي 1349 هـ) في كتابه المهند على المفند(ص 86-87) وهو من كبار علماء أحناف ديوبند بالهند ، في جواب هذا السؤال : هل للرجل أن يتوسل في دعوته بالنبي والصالحين والصديقين والشهداء والأولياء؟ ( عندنا وعند مشايخنا يجوز التوسل بهم في حياتهم وبعد وفاتهم بأن يقول : " اللّهم إني أتوسل إليك بفلان أن تجيب دعوتي وتقضي حاجتي ". كما صرح به الشاه محمد إسحاق الدهلوي والمهاجر المكي ورشيد أحمد الكنكومي ) أهـ [ وأيد ووافق على هذا الكتاب حوالي 75 نفراً من علماء الأحناف الكبار في باكستان ] ، وقال الإمام محمد زاهد الكوثري في كتاب " مقالات الكوثري " ( صـ 410 ) ( وعلى التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتا جرت الأمة طبقة فطبقة . ) أهـ

 

( ب ) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند المالكية : المذهب المالكي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة ، وهو مذهب غني عن التعريف ، إذ إمامه الإمام مالك ابن أنس عالم المدينة الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، بلغ الغاية في علم الحديث والسنة وعلم الفقه والورع ، ويكاد المذهب يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى ، لاسيما وفي المذهب نصوص واضحة جلية لإمام المذهب بذلك ، وممن نص على ذلك من علماء المذهب ،  الإمام مالك رحمه الله ، والائمة ابن خويز منداد ، والقاضي عياض (ت : 544 هـ) ، وعبد الحق الإشبيلي (ت : 582 هـ) ، وأبو عبد الله محمد بن موسى المراكشي المالكي ( ت : 683) ، صاحب كتاب "مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام عليه السلام في اليقظة والمنام" ،  وابن جبير المالكي (ت : 614 هـ) : وأبو عبد الله القضاعي المالكي المعروف بابن الأبار (ت : 658 هـ) ، والإمام القرطبي (ت : 671 هـ) ، والقرافي المالكي (ت : 682 هـ) ، وابن عطاء الله السكندري المالكي (ت : 709 هـ) ، وابن أبى جمرة المالكي ( ت : 699 ه ) والإمام الفكهاني  ( ت : 734 ) ، ومحمد بن محمد العبدري المالكي الشهير بابن الحاج ( ت : 737 هـ ) ، وابن جزي الكلبي المالكي ( ت : 757 ه ) ، والبلوي المالكي (ت : 767ه ) ، وابن خلدون (ت : 808 هـ) ، وابن الخطيب المالكي (أو ابن قنفد) (ت : 810 هـ) ، وأبو الطيب المكي الفاسي المالكي (ت : 832 هـ) ، ومحمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل أبو عبد لاله المغربي الأندلسي ثم القاهري المالكي والمعروف بالراعي (ت : 853هـ) ، ومحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشمس بن الشمس المسوفي الأصل المدني المالكي (ت : 885هـ) ، والشيخ أحمد زروق المالكي (ت : 899 هـ) ، وأبو الحسن المالكي (ت : 939 هـ) ، والقسطلاني (ت 923 هـ) ، وابن عاشر المالكي (ت : 1040 هـ) ، وإبراهيم اللقاني المالكي (صاحب جوهرة التوحيد) (ت : 1041 هـ) ، والمقري التلمساني المالكي (ت : 1041 هـ) ، وميارة المالكي (ت : 1072 هـ) ، والإمام الزرقاني اليوسي المالكي (ت : 1102هـ) ، وأحمد بن غنيم بن سالم النفراوي (المتوفى : 1126هـ) ، والعدوي المالكي (ت : 1189هـ) ، والإمام الصاوي المالكي ، والشيخ عليش (ت : 1299هـ) ، وأبو العباس الناصري السلاوي المالكي (ت : 1315هـ) ، وخلق غيرهم من علماء المالكية كثير  ، 

 

ومن أقوال علماء المذهب المالكي في جواز التوسل : أخرج أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بسنده : ( أن مالكا رضي الله عنه لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي - ثاني خلفاء بن العباس- يا أبا عبد الله : أأستقبل رسول الله صلى الله عليه سلم أم استقبل القبلة وأدعو؟ فقال الإمام مالك : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك أدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفع فيك) أهـ ، وقد أخرج هذه القصة القاضي عياض في [ الشفا 2 : 41 ] بسنده الذي قال فيه الخفاجي في [ شرحه 3 : 398 ] ( ولله دره حيث أوردها بسند صحيح وذكر أنه تلقاها عن عدة من ثقات مشايخه ) أهـ ، وذكرها القسطلاني في المواهب : ( 4  : 580 ) ، والزرقاني شارح المواهب في شرحه ( 8  : 304 ) وقال في معرض رده على من أنكرها ( وهذا تهور عجيب فإن الحكاية رواها أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بإسناد حسن, وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن عده من ثقات مشائخه, فمن أين أنها كذب؟ وليس في لسنادها وضاع ولا كذاب) ، وكذا نقلها السمهودي في وفاء الوفا [ ج 2 ص 422 ] عن القاضي عياض ، وقال ابن حجر في الجوهر المنظم قد روي هذا بسند صحيح ، وجاء ذكرها في اكثر كتب المذهب كالمدخل [1 : 248 ، 252] ، والفواكه الدواني [ 2 : 466 ] ، وشرح أبي الحسن على رسالة القيرواني [ 2 : 478 ] ، والقوانين الفقهية [ ص  148 ] ، وقال العلامة ابن الحاج المالكي(توفى737 هـ) – في آداب زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم : (  ويحضر قلبه وخاطره إليهم ، وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره ؛ لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون ، ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله ، ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم ، ثم يترحم على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ذلك فإنهم باب الله المفتوح ، وجرت سنته سبحانه وتعالى في قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم ، ومن عجز عن الوصول إليهم فليرسل بالسلام عليهم ، وذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه إلى غير ذلك ، فإنهم السادة الكرام ، والكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم ، ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم هذا الكلام في زيارة الأنبياء ، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام عموما ) ، وقال ابن جزي الكلبي المالكي في القوانين الفقهية : ( ينبغي لمن حج أن يقصد المدينة فيدخل مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيصلي فيه ويسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى ضجيعيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويتشفع به إلى الله ويصلي بين القبر والمنبر ويودع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من المدينة ، وقال ابن خلدون (ت : 808 هـ)في تاريخه (6 : 43) : (نسأله سبحانه و تعالى من فيض فضله العميم ، و نتوسل إليه بجاه نبيه الكريم ، أن يرزقنا إيمانا دائما ، و قلبا خاشعا ، وعلما نافعا ....) أهـ ، وقال القسطلاني (ت 923 هـ) في المواهب اللدنية : ( وينبغي للزائر له صلي الله عليه وسلم ان يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة‏ والتشفع والتوسل به صلي الله عليه وسلم ، فجدير بمن استشفع به ان يشفعه اللّه فيه .. إلى أن قال : وان الاستغاثة هي طلب الغوث‏ فالمستغيث يطلب من المستغاث به اغاثته ان يحصل له الغوث ، فلا فرق بين ان يعبر بلفظ الاستغاثة ، اوالتوسل ، او التشفع ، او التوجه او التجوه لانهما من الجاه والوجاهة ، ومعناهما علو القدر والمنزلة وقد يتوسل بصاحب الجاه الى من هو اعلى منه. قال : ثم ان كلا من الاستغاثة ، والتوسل والتشفع ، والتوجه ‏بالنبي صلى الله عليه وسلم واقع في كل حال : النصرة قبل خلقه وبعد خلقه ، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته فيالبرزخ ، وبعد البعث في عرصات القيامة. ) [ المواهب اللدنية : 4 : 593 ] ، وقال الإمام الزرقاني في شرح المواهب : ( ونحو هذا في منسك العلا مة خليل ، وزاد : وليتوسل به صلى الله عليه وسلم ، ويسال اللّه تعالى بجاهه في التوسل به ، اذ هو محط جبال الاوزار واثقال الذنوب ، لان بركة شفاعته وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب ، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو المحروم الذي طمس اللّه بصيرته واضل سريرته ، الم‏ يسمع قوله تعالى : { ولو انهم ‏اذ ظلموا انفسهم جاؤوك فاستغفروا اللّه } الاية ) [ شرح المواهب (8 : 317) ] ، وقال الإمام الصاوي المالكي في حاشية الصاوي على الشرح الصغير ( والأفضل في الزيارة القرب من القبر الشريف ، بحيث يكون النبي يسمع قوله على حسب العادة ، ويلزم في تلك الحضرة الأدب الظاهري والباطني ليظفر بالمنى .. وحين يدخل المسجد الشريف يأتي الروضة فيصلي بها ركعتين تحية المسجد ، ثم يأتي قبالة القبر الشريف ويقول : " السلام عليك يا سيدي يا رسول الله ..ثم يتوسل به في جميع مطلوباته ) أهـ .

 

( ت ) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الشافعية  : المذهب الشافعي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة ، وهو مذهب غني عن التعريف ، إذ إمامه الإمام الشافعي القرشي الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم يملأ طباق الارض علماً ، بلغ الغاية في علم الحديث والسنة وعلم الفقه وملأ طباق الأرض علماً ، ويكاد المذهب الشافعي يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى ، لاسيما وفي المذهب نصوص واضحة جلية لإمام المذهب بذلك ، وممن نص على ذلك من علماء المذهب  :   الإمام الشافعي ، والإمام البيهقي الشافعي ( 384 هـ ) ، والقاضي أبو الطيب الشافعي (450هـ) ، والحافظ ابن عساكر الشافعي (ت : 571 هـ) ، والعماد الأصبهاني (ت : 597هـ ) ، والإمام الرافعى القزويني الشافعي (623هـ ) ، والحافظ ابن الصلاح  الشافعي (ت : 643 هـ) ، والإمام النووي (ت : 676 هـ) ، وابن خلكان الشافعي (ت : 681 هـ ) ، والمحب الطبري الشافعي (ت : 694 هـ ) ، وعماد الدين بن العطار(ت : 724 هـ ) ، وتقي الدين بن دقيق العيد الشافعي (ت : 702هـ ) ، وابن الزملكاني الشافعي (ت : 727 هـ) ، وتقي الدين أبو الفتح السبكي (ت : 744 هـ) ، والإمام السبكي (ت : 756 هـ) ، والصفدي (ت : 764هـ) ، والحافظ الحسيني الدمشقي الشافعي ( ت : 765 هـ ) ، والعفيف اليافعي الشافعي (ت : 768 هـ ) ، وابن الرفعة الشافعى ، وابن الزملكانى الشافعى ، والعلامة الفيومي الشافعي (ت : 770 هـ) ، وسعد الدين التفتازاني الشافعي (ت : 791 هـ ) ، وتقي الدين الحصني الشافعي (ت : 829هـ ) ، والحافظ ابن الجزري الشافعي (ت : 833 هـ ) ، والقلقشندي الشافعي (ت : 821 هـ) ، والإمام السمهودي  (ت  : 911 هـ ) ، والأبشيهي الشافعي ( ت  : 850 هـ) ، وشمس الدين الرملي (ت : 894 هـ) ، والحافظ السخاوي (ت : 902 هـ) ، وشمس الدين محمد بن أبي بكر الأنصاري الشافعي ( ت : 903 ) ، والإمام السيوطي (ت : 911 هـ) ، وأبو الحسن البلبيسي المكي الشافعي (ت : بعد 916هـ) ، والإمام زكريا الأنصاري ( ت : 919 هـ) ، والشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي (ت : 973 هـ) ، والخطيب الشربيني (ت : 977 هـ) ، والإمام الرملي (ت : 1004هـ) ، ومحمد بن محمد شمس الدين القدسي الشافعي الدمشقي المعروف بالسيد الصادي (ت : 1008 هـ) ، وعبد الرؤوف المناوي (ت : 1030 هـ) ، وأبو المواهب بن محمد بن علي البكري الصديقي المصري الشافعي (ت : 1037هـ) ، وابن علان المكي الشافعي (ت : في حدود 1057 هـ) ، والغزي الشافعي (ت : 1098 هـ) ، والمحدث إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي الشافعي (ت : 1162 هـ) ، والبجيرمي (ت : 1221 هـ) ، والهوريني الشافعي (ت : 1291هـ) ، والشرواني (ت : 1301هـ) ، والجاوي الشافعي (ت : 1315 هـ) ، 

 

ومن أقوال علماء المذهب الشافعي في جواز التوسل : جاء تاريخ دمشق لابن عساكر [5 : 312] و طبقات الشافعية الكبرى للسبكي في [2  : 35] و البداية و النهاية لابن كثير [10 : 331 ] ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي[ ص 610] : أن الإمام الشافعي توسل وتبرك بقميص الإمام أحمد ابن حنبل ،  وروى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي  في التاريخ [ ج1 ، ص 123] ، والعلامة ابن حجر في كتابه الخيرات الحسان ، [ ص69 ] ، والخوارزمي في مناقب أبي حنيفة [ ج 2 ص 199] ،  والكردري في مناقبه [ 2 ص 112 ] ، وطاش كبرى زادة في مفتاح السعادة[ 2 ص 82 ] عن علي بن ميمون قال : سمعت الشافعي يقول : ( إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجئ إلى قبره في كل يوم ـ زائرا ـ فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عند ـ فما تبعد حتى تقضى ) ، وقال الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين ، باب زيارة المدينة وآدابها [1 : 360 ] : (يقول الزائر ، اللهم قصدنا نبيك مستشفعين به إليك في ذنوبنا وقال في آخره ونسألك بمنزلته عندك وحقه إليك). قال الإمام النووي في المجموع [ج8 : 274] كتاب صفة الحج ، باب زيارة قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم : ( ثم يرجع إلى موقفه الأول قُبالة وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه ) ، وقال الإمام السبكي في كتابه شفاء السقام : ( اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحُسْنُه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار ) اهـ. ، وقال الإمام تقي الدين الحصني في كتابه دفع شبه من شبه وتمرد [ ص89 ] : (والمراد أن الاستغاثة بالنبي واللواذ بقبره مع الاستغاثة به كثير على اختلاف الحاجات ، وقد عقد الأئمة لذلك باباً ، وقالوا : إن استغاثة من لاذ بقبره وشكى إليه فقره وضره توجب كشف ذلك الضر بإذن الله تعالى ) أهـ  ،  وفي فتاوى شمس الدين الرملي (فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي(4 : 382) ما نصه  : " سئل عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد : يا شيخ فلان ، يا رسول الله ، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين فهل ذلك جائز أم لا؟ وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثة بعد موتهم ؟ وماذا يرجح ذلك؟ فأجاب : بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة ، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم ، لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم ، أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم ، وأما الأولياء فهي كرامة لهم فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم"ا.هـ ، وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء (1 : 452) : (وأسأل الله تعالى أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المائة التاسعة ! ! بجاه محمد صلى الله عليه و سلم و صحبه أجمعين ، آمين) ، وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي  في خاتمة كتابه "تحفة الزوار إلى قبر المختار" داعياً : ( ختم الله لنا ولمن رأى في هذا الكتاب بالسعادة والخير ورفعنا وإياهم في الجنة إلى المقام الأسنى ( بجاه سيد الأولين والآخرين ) أهـ ، وقال الإمام الرملي في كتابه نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج داعيا للإمام النووي : (تغمده الله برحمته ، ونفعنا والمسلمين ببركته بجاه محمد وآله وعترته) ، ويقول : (ومن خطه نقلت المعروض على المسامع الكريمة حرسها الله تعالى من كل سوء بجاه محمد صلى الله عليه وسلم) ، ويقول في منتصفه : (وأسأله الإعانة على الإتمام بجاه محمد سيد الأنام ومصباح الظلام) ، وفي آخره : (والله أسأل ، وبرسوله أتوسل ، أن ينفع به كما نفع بأصله) ، وجاء في إعانة الطالبين [ 1 : 171] ، في ذاكرة القصد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : ) بل يقصد أنه مفتقر له عليه الصلاة والسلام وأنه يتوسل به إلى ربه في نيل مطلوبه لأنه الواسطة العظمى في إيصال النعم إلينا )

 

( ث ) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الحنابلة : المذهب الحنبلي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة ، وهو مذهب غني عن التعريف ، إذ إمامه الإمام أحمد ابن حنبل الذي بلغ الغاية في علم الحديث والسنة وعلم الفقه ورفع الله تعالى له علمه إلى يوم القيامة ، الإمام احمد بن حنبل ، والشيخ عبد القادر الجيلاني (ت ٥٦١ هـ) ، والإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي ، والإمام ابن عقيل الحنبلي ( ت 503 ) ، وابن الجوزي ( ت 597 هـ) ، وأبو عبد الله محمد بن الحسين السامري الحنبلي (ت : 616 هـ) ، والشيخ العلامة أبو زكريا الصرصري البغدادي الحنبلي (ت : 656 هـ) ، والإمَامُ المرْدَاوي (ت 885هـ) ، وابن مفلح الحنبلى ، والبهوتى الحنبلي ت (1051هـ) ، وابن كنان الحنبلي (ت : 1153هـ)  ، 

 

ومن أقوال علماء المذهب الحنبلي في جواز التوسل : قال الإمام احمد بن حنبل في منسكه الذي رواه عنه المروزي ما نصه : (وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه(صلى الله عليه وسلم) تُقْضَ من الله عز وجل) ، هكذا ذكره ابن تيمية في الرد على الأخنائي (ص 168) , وذكر معناه برهان الدين بن مفلح في المبدع (2 : 204) وقريب منه ما في الإقناع للعلامة الحجاوي ( 1 : 208 ) والفروع لشمس الدين ابن مفلح(ت : 763 هـ) ( 2 : 159 ) وغيرهم ،  وفي كتاب العلل ومعرفة الرجال ما نصه  : (سألته عن الرجل يمس منبر النبي (صلّى الله عليه و سلّم) و يتبرك بمسّه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد التقرب إلى الله جل وعز فقال : لا بأس بذلك ) أهـ [ العلل لأحمد بن حنبل (2 : 492).] ، وقال الشيخ أبو الفرج بن قدامة إمام الحنابلة صاحب الشرح الكبير وهو الشيخ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة الحنبلي : ( [ مسألة ] : فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه رضي الله عنهما ، ثم ذكر الشيخ ابن قدامة صيغة تقال عند السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها أن يقول : (اللهم إنك قلت وقولك الحق : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم اجعله أول الشافعين ثم قال : ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تقبيله ، قال أحمد رحمه الله : ما أعرف هذا ، قال الأثرم : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يقومون من ناحية فيسلمون ، قال أبو عبد الله : وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ، قال : أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم ابن عبد الله بن عبد القارئ إنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من المنبر ثم يضعها على وجهه . اهـ [ (الشرح الكبير ج3 ص495) ] ، وقال الإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي في وصيته (ص 92 )  : ( وإذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى تريد طلبها منه فتوضأ ، فأحسن وضوءك ، واركع ركعتين ، وأثن على الله عز وجل ، وصلَ على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قل : لا إِلَهَ إِلاَّ الله الحَلِيمُ الكَريمُ ، سُبحَانَ رَبِّ العَرشِ العَظيمِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينِ ، أَسأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحمَتِكَ وَعَزَائمَ مَغفِرَتِكَ وَالغَنيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ ، لا تَدَعْ لي ذَنباً إِلاَّ غَفَرْتَهْ وَلا هَمَّاً إِلاَّ فَرَّجْتَهْ ، وَلا حَاجةً هِيَ لَكَ رِضاً إِلاَّ قَضَيتَهَا يَا أَرحَمَ الرَّاحمين ، وإن قلت : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي ، وتذكر حاجتك ، وروي عن السلف أنهم كانوا يستنجحون حوائجهم بركعتين يصليهما ثم يقول : اللهم بك أستفتح وبك أستنجح ، وإليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم أتوجه ، اللهم ذلل لي صعوبة أمري ، وسهل من الخير أكثر مما أرجو ، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف ) أهـ ، وقال ابن عقيل الحنبلي ( ت 503 ) : فى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ( يا محمد إني أتوجه بك إلى ربى ) [ التذكرة : 87 ] ، وفال ابن الجوزي ( ت  : 597 هـ) في المدهش [ ج١ : ص١٤١] (لم يزل ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم منشورا وهو في طي العدم توسل به آدم وأخذ له ميثاق الأنبياء على تصديقه) ، وقال أبو عبد الله محمد بن الحسين السامري الحنبلي (ت : 616 هـ) في المستوعب (3 : 88 ) " باب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) " وذكر آداب الزيارة ، وقال : (ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته ويجعل القبر تلقاء وجهه ، والقبلة خلف ظهره ، والمنبر عن يساره ، وذكر كيفية السلام والدعاء ومنه : (اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك مستغفرا ، فأسألك أن توجب لي المغفرة كم أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك (صلى الله عليه وسلم ) ، وقال الإمَامُ المرْدَاوي (ت 885هـ)  في "الإنْصاف" [ 2 : 456 ]  ( يَجُوز التوسُّل بالرجل الصالح ، على الصحيح من المَذْهَب . وقيل يُسْتَحب قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ : يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ ) ، وقال البهوتى الحنبلي ت (1051هـ) في كتاب كشاف القناع  الجزء الثاني : ( وقال السامري وصاحب التلخيص : لا بأس بالتوسل للاستقاء بالشيوخ والعلماء المتقين . وقال في المذهب : يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح وقيل للمروذي : إنه يتوسل بالنبي في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره ، ثم قال : قال إبراهيم الحربي : الدعاء عند قبر معروف الكرخي الترياق المجرب ، وذكر أبو عبد الله الأردبيلي : سمعت أبا بكر بن أبي الخصيب يقول : ذُكر صفوان بن سليم عند أحمد بن حنبل فقال : هذا رجل يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره ) أهـ [ تهذيب الكمال للحافظ المزي [ 13 : 186 برقم 2882 ] ، قال عبد الله ابن أحمد ابن حنبل في " المسائل " ( 217 ) : " سمعت أبي يقول : حججت خمس حجج منها ثنتين [ راكبا ] و ثلاثة ماشيا ، أو ثنتين ماشيا و ثلاثة راكبا ، فضللت الطريق في حجة و كنت ماشيا ، فجعلت أقول : ( يا عباد الله دلونا على الطريق ! ) فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق . أو كما قال أبي ) أهـ ، وذكر القصة البيهقي في " الشعب " ( 2 : 455 : 2 ) وابن عساكر ( 3 : 72 : 1 ) من طريق عبد الله ، وذكرها ابن مفلح في الاداب الشرعية ،  وقال الإمَامُ السَّامُري في "المُسْتوعِب" (3 : 88 ) : ( ولا بَأسَ بالتوسُّل إلى اللهِ تعالى في الإستسقاء بالشيوخ والزهَّاد وأهلِ العلم والفضل والدين من المسلمين. ) وقال الإمَامُ تقيُّ الدين الأدَمي في "المُنوّر" [ص : 190 ] : (ويُبَاحُ التوسُّلُ بالصُلَحَاء ) أهـ ، وقال الإمامُ ابنُ مُفْلح في "الفروع" [3 : 229 ] : (ويَجُوزُ التوسُّلُ بصالحٍ ، وقيْلَ يُسْتحبُّ) أهـ ، وقال الإمام المرداوي (ت 885ه)  _يرحمه الله_ في "الإنصاف" [2 : 456 ] : ( يجوز التوسل بالرجل الصالح ، على الصحيح من المذهب . وقيل يستحب قال الإمام أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي : يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره ) ، وقال الإمام الحجاوي في "الإقناع" مع شرحِهِ للإمام البُهوتي [1 : 546 ] : ( ولابأس بالتوسل بالصالحين ) أهـ ، وقال الإمامُ ابنُ النجّار في "منتهى الإرادات" مع شَرْحِهِ للإمَام الُبهوتي [2 : 58 ] : ( وأُبيْحَ التوسُّلُ بالصَالحيْن) ، وقال الإمُامُ مرْعيُّ الكرْمي في "غاية المُنْتَهى" مع شرْحه للإمَام الرحيْبَاني [2 : 316 ] : (وكذا أبيْحَ توسلٌ بصالحيْن ) أهـ ، وقال الإمام منصور بن يونس البيهوتي الحنبلي المتوفى سنه 1051هـ في كتاب كشاف القناع الجزء الثاني : ( وقال السامري وصاحب التلخيص : لا بأس بالتوسل للاستقاء بالشيوخ والعلماء المتقين . وقال في المذهب : يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح وقيل للمروذي : إنه يتوسل بالنبي في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره ، ثم قال : قال إبراهيم الحربي : الدعاء عند قبر معروف الكرخي الترياق المجرب ) أهـ ، وقال الإمام ابن الجوزي الحنبلي في كتاب مناقب الإمام أحمد ص 297 : ( عن عبد الله بن موسى أنه قال : خرجت أنا وأبي في ليلة مظلمة نزور « أحمد » فاشتدت الظلمة ، فقال أبي  : يا بني تعال حتى نتوسل إلى الله تعالى بهذا العبد الصالح حتى يضاء لنا الطريق ، فمنذ ثلاثين سنة ما توسلت به إلا قضيت حاجتي ، فدعا أبي وأمنت على دعائه ، فأضاءت السماء كأنها ليلة مقمرة حتى وصلنا إليه )اهــ ، وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي المتوفى سنه 620 هـ في كتابه المغني [ج2 : ص439] (  فصل : ويستحب أن يستسقى بمن ظهر صلاحه ; لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء ، فإن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن عمر : استسقى عمر عام الرمادة بالعباس ، فقال : اللهم إن هذا عم نبيك صلى الله عليه وسلم نتوجه إليك به فاسقنا . فما برحوا حتى سقاهم الله عز وجل ، وبعد فتلك اقوال الفقهاء من مختلف المذاهب والتي تدل على جواز هذا النوع من التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاهه عند الله تعالى ،

 

قول الشوكاني في التوسل  : للشوكاني كلام قوي جدا في نصرة التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاهه عند الله تعالى ، وألحق به جواز التوسل بالصالحين عموماً ، كما اعتبر ذلك التوسل بمثابة التوسل غلى الله تعالى بالعمل الصالح ، وهو اعتقاد فضلهم والإيمان بمنازلهم عند الله تعالى ، كما أنه رد على الغالين في هذا الباب ممن ألحق التوسل بباب التوحيد والشرك وليس باب الفقه والاجتهاد ، ومن ذلك :  قوله رحمه الله في تحفة الذاكرين – عند شرح حديث الضرير : ( وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى وأنه المعطي المانع ، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ) أهـ  ،  وقوله فيها في شرح قول صاحب العمدة : ( ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين ) ما لفظه : ( ومن التوسل بالأنبياء ء ما أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ثم قال : وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال عمر رضي الله عنه اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا الخ ) أهـ  ،  وقوله في رسالته ( الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ( : ( وأما التوسل إلى الله سبحانه بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث فيه اهـ . ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه وابن ماجه وغيرهم أن أعمى أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أصبت في بصري فادع الله لي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( توضأ وصل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ، يا محمد إني أستشفع بك في رد بصري اللهم شفع النبي فيّ )) وقال : (( فإن كان لك حاجة فمثل ذلك )) فرد الله بصره ، وللناس في معنى هذا قولان  : ( أحدهما ) : أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال : كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا وهو في صحيح البخاري وغيره فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته في الاستسقاء ، ثم توسل بعمه العباس بعد موته ، وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه ، فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذا شافعاً وداعياً لهم ، و ( القول الثاني ) : أن التوسل به صلى الله عليه وسلم يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه ، ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به صلى الله عليه وسلم في حياته وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعاً سكوتياً لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في التوسل بالعباس رضي الله عنه ، وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين  : الأول : ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، والثاني : أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله ، فإذا قال القائل : ( اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني ) فهو باعتبار ما قام به من العلم ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة ،  فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركا كما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة لهم ولا سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم ،  وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ونحو قوله تعالى { فلا تدعوا مع الله أحداً } ونحو قوله تعالى { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء } ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النـزاع بما هو أجنبي عنه ، فإن قولهم { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } مصرح بأنهم عبدوهم لذلك ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك ، وكذلك قوله { ولا تدعوا مع الله أحداً } فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم وكذلك قوله { والذين يدعون من دونه } الاَية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه ،  وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النـزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله } فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء ، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين ، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله { ليس لك من الأمر شيء } { قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً } فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره ، وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء ، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين } يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً ، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئا ً ، فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه ، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله ، وهذا معلوم لكل مسلم وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين )) أهـ

 

(11 ) أخطاء الطوائف المنتسبة إلى أهل السنة في باب التوسل

( أ ) الغلو في باب التوسل : هناك غلو شاب بعض أتباع الدعوة السلفية المعاصرة تجاه مسائل التوسل تمثل في ما يلي :  ( أ ) جعلوا مسألة التوسل من مسائل العقيدة وبهذا يترتب على المتوسل الكفر والشرك والابتداع والخروج من الملة ، وهذا غلو كبير ،  فمسألة التوسل من مسائل الفقه وليست من مسائل العقيدة ، ، والخلاف في العقيدة خلاف بين توحيد وشرك ، وبين ايمان وكفر ، وبين حق وباطل ، أما الخلاف في الفقه فهو خلاف بين صواب وخطأ ، واين هذا من ذاك ، وقد اتفق الفقهاء على أن الخلاف في مباحث التوسل خلاف فقهي لاسيما وان جميع المسلمين ، لا يعبدون إلا الله ، ولا يدعون إلا إياه ، ولا يطلبون قضاء الحاجات إلا من الله تعالى ،  ( ب ) جعلوا التوسل المختلف فيه من باب الشرك ، وساووا بين المتوسلين من الموحدين وبين مشركي العرب ، بل أضل على زعمهم لان مشركي العرب كانوا يشركون في الشدة فقط والمتوسلين يشركون في الشدة والرخاء – هذا على زعمهم ، والبون شاسع ، والفرق كبير بين المتوسلين من أهل الإسلام والتوحيد وبين مشركي العرب ، إذ مشركي العرب بجميع فرقهم كانوا يتخذون من يدعونه إلهاً من دون الله كما صرح به القرآن ، فالتوسل غير الشرك؛ فدعاء المشركين دعاء ألوهية وتعبد ، ودعاء المسلمين توسل واستشفاع ، وفرقٌ كبير بين مَنْ يقول : يا رب أعطني كذا بحق فلان ، وبين من يقول : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } ، إنّ الإشراك الذي حصل من المشركين الذين ذمهم القرآن هو عبادتهم للأنبياء والملائكة والأولياء بناءً على اعتقادهم فيهم أنهم شاركوا الله في الألوهية وأن لهم تأثيراً في الأشياء ، وهم كانوا يعبدون آلهتهم ويعتقدون أنها تستطيع أن تقربهم إلى الله ، وهذا بنص القرآن ، فاعترفوا على أنفسهم بأمرين عظيمين : أنهم يعبدون آلهتهم التي يعتقدون أنها تؤثر في الكون مع الله تعالى ، وهذا كفر ، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم "لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك" ، وقد علم في علم التوحيد أنه لا فعل إلا لله ، وأنه من أثبت لغير الله فعلاً كفعله ولو لم يرد الله فإنه كافر بالله تعالى ، وإن زعم أنه مؤمن  ،  ( ت ) ظنهم أنَّ التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، مع ان المتوسِّل المسلم الموحد لا يعبد إلا الله ، ولا يرجو سوى الله ، ولا يدع إلا الله وحده ، لان ( الله ) تعالى وحده – في عقيدة كل مسلم - هو المالك القادر المهيمن ، وهو وحده المعطي والمانع ، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة - رجاء قبول مبتغاه عند الله ، وليس التوسل - أبداً – من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، كما كان يفعل المشركون بقولهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ  } [ الزمر : 3 ] ، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله ، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله ، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله ، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان ، ويشهد بالشهادتين ( لا إله إلا الله  -  محمد رسول الله ) ، عن يقين واعتقاد ، لا يستويان مثلا عند الله تعالى ، وعند المؤمنين ، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من ( التوسل ) إذا قاله المسلم ، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام ،  ( ث ) الجفاء في فهم مباحث التوسل لأن غاية ما في التوسل هو الاستعانة بالأسباب المعينة على تحقيق المطالب ، كما ان ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح - بذوات الانبياء والاولياء والصالحين ، وكل مسلم يعلم أن حب ذواتهم ليس حباً للأجساد ، إذ كل بنى آدم – حتى الكفار منهم – أجسادهم من طين ، ولكنه حبها لما حوته تلك الذوات من الإيمان بالله والطاعة لله وتعظيم أمر الله تعالى ، ولذلك حرّم الله تعالى على الارض أن تأكل أجساد الانبياء ، إن ذوات هؤلاء معظمة في قلب كل مسلم لما حوته من تعظيم لأمر الله تعالى ، ثم أليس اعتقاد حرمة ذوات الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين هو ناشئ عن الإيمان بهم والإيمان بالرسل ، أليس هو ركن من أركان الإيمان ، لا يصح الإيمان إلا به ، وأليس جائز في دين الله تعالى ، ولا خلاف فيه بين المسلمين ، أنه يجوز التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة ، فإن حب ذواتهم واعتقاد حُرمتها ومكانتها عند الله والتقرب بذلك الحب والاعتقاد إلى الله تعالى ، أليس هذا من أعظم الإيمان والعمل الصالح ، فلم لا نحمل التوسل بذوات الانبياء واتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى بانه توسل بالأعمال الصالحة المتمثلة في اعتقاد حرمة تلك الذوات ومنزلتها العظيمة عند الله تعالى ،  ( ج ) زعمهم أنه لا يجوز التوسل بالموتى – ولو كانوا من الانبياء او الاولياء والعباد الصالحين – بزعم أنه خطاب لمعدوم ، وانّ ذلك قبيح عقلا ، لعدم قدرة الميت على الإجابة ، وهذا جفاء لان للميت من الإدراك والشعور والالتفات والسماع ما دل عليه الشرع الحكيم ، وقد تقدمت الادلة عليه ، حتى قال الغزالي : ( ظن بعضهم أن الموت هو العدم ، وهذا رأي الملحدين ، وكل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، وهذا معنى ما يقال : الناس نيام وإذا ماتوا انتبهوا ، فإن أول ما ينكشف له ما يضره وما ينفعه من حسناته وسيئاته ، فلا ينظر إلى سيئة إلا ويتحسر عليها ) أهـ  ،  ( ت ) كما أنه ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح – بجاه الصالحين ، لأن الاعتراف بجاه هؤلاء هو من الإيمان والعمل الصالح ، ولولا الإيمان لما اعترف المسلم بجاه هؤلاء الصالحين عند الله تعالى ، وكل مسلم يعلم ان للأنبياء والأولياء والصالحين وجاهة عند الله ، فأي مخالفة للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بجاه هؤلاء الوجهاء عند الله تعالى ، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بجاه الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى ، كما أنه ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح – بحق الانبياء والصالحين على الله تعالى ، وهو ليس بالحق الواجب على الله تعالى ، بل هو حق التفضل والرحمة والوعد الذي كتبه الله تعالى - تفضلاً - على نفسه لعباده المرسلين والصالحين والمؤمنين ، كما في قوله تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  } [ الروم : 47 ] ، فأي مخالفة بعد ذلك للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بحق ذوي الحرمة والحقوق على الله تعالى – وهو كما أسلفنا ليس حقاً ذاتياً لهم ، بل هو الحق الذي قطعه الله تعالى على نفسه تفضلاً ورحمة - ، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بحق الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى ، ثم أليس الإيمان بان لهؤلاء المكرمين حق على الله تعالى ، هو من باب الإيمان بهم ، وهو جزء كما تقدم من الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ، وألا يصلح ذلك الإيمان أن يكون بمثابة العمل الصالح الذي نتوسل به إلى الله تعالى ،

( ب ) التفريط والتساهل في باب التوسل : هناك تساهل شاب بعض الطائفة الصوفية تجاه مسائل التوسل يتمثل في طلب قضاء الحاجات منهم ، في رهبة ورغبة تُشعر بأنّهم متصرفون وقادرون ، فإن كان الزائر يعتقد  أن أهل القبور متصرفون ومستبدون وقادرون من غير توجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليه  فهذا هو الضلال المبين ، وإن كان يعتقد أنّهم وسيلة إلى الله ، فلا ينبغي التوجه إليهم بالقلب والدعاء ، وإنما التوجه والدعاء إنما يكون إلى الله مع اتخاذهم وسائل إلى الله تعالى ، وقد جرّ هذا التساهل إلى ما يفعله العوام الغافلون الجاهلون ، من الطواف حول الأضرحة وتقبيل القبور  والسجود والصلاة إليها مما وقع عنه النهي والتحذير ، واستوجب اللعن والعقوية ، وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين انه يعتقد ذلك أو يفعله ،

 

( 12 ) مبحث جيد عن التوسل

منقول من كتاب الدلالة النورانية للشيخ حسني الشريف

يقول الله تعالى : {يا أيها الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} (35 المائدة). يقول الشيخ أحمد الصاوي المالكي في حاشيته على تفسير الجلالين في تفسير هذه الآيات : "لما ذكر سبحانه وتعالى أن التوبة من الذنوب نافعة ، وكانت التوبة من جملة التقوى ، حث على طلبها هنا. وقوله (إليه) متعلقا بـ (ابتغوا) أي ما يقربكم  ويوصلكم إليه ، والتقوى هنا في الآية ترك المخالفات ، وابتغاء الوسيلة فعل المأمورات ، ويصح أن المراد بالتقوى امتثال المأمورات الواجبة ، وترك المنهيات المحرمة ، وابتغاء الوسيلة هو ما يقربه إليه مطلقا… ومن جملة ذلك محبة أنبياء الله وأوليائه والصدقات وزيارة أحباب الله وكثرة الدعاء وصلة الرحم وكثرة الذكر وغير ذلك. فالمعنى كل ما يقربكم إلى الله فالزموه واتركوا ما يبعدكم عنه. وإذا علمت ذلك فمن الضلال البيِّن والخسران الظاهر تكفير المسلمين بزيارة أولياء الله زاعمين أن زيارتهم من عبادة غير الله ، كلا بل هي من جملة المحبة في الله التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ألا لا إيمان لمن لا محبة له) والوسيلة له هي التي قال الله تعالى فيها : {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } " وقد فسر بعضهم الوسيلة بمنزلة في الجنة ، وكونها بهذا المعنى غير ظاهر ، لاختصاصها بالأنبياء عليهم السلام بناءً على ما رواه الإمام أحمد وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إذا صليتم فاسألوا الله لي الوسيلة ، قيل يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال : إنها أعلى منزلة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو الله أن أكون هو) ، ويقول الله تعالى أيضا : {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} (64 النساء) قال الزمخشري في الكشاف : "ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت ، جاءوك تائبين من النفاق ، متنصلين عما ارتكبوا ، فاستغفروا الله من ذلك بالإخلاص ، وبالغوا بالاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك ، حتى انتصبت شفيعاً لهم إلى الله تعالى ومستغفراً ، لوجدوا الله تواباً رحيماً أي لتاب عليهم". وهذه الآية وان كانت نزلت بسبب المنافقين والمتحاكمين إلى الطاغوت ، فهي عامة تشمل كل عاصٍ ومقصرٍ ومذنبٍ ، لأن ظلم النفس المذكور فيها ، يشمل كل معصية ، ثم إن الآية تدل على الإستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم في حالتي حياته ووفاته ، لأن كلاً من فعلي المجيء والاستغفار ، وقع في سياق الشرط ، أو الفعل في سياق يدل على العموم ، والإستشفاع في حالة الحياة ظاهر وليس فيه خلاف ، وأما في حالة الوفاة فينكره بعض الأدعياء ، متوهمين أن الموت يحول دون تحققه ، وفي ذلك خطأ ظاهر لسببين نذكرهما الآن مختصرين ، على أن نشرحهما فيما بعد : ( الأول ) : أن الأنبياء أحياء في قبورهم يرزقون ، ( الثاني ) : أننا نعتقد أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف ، لا في حياتهم ولا مماتهم ، وأن الأمر كله لله ، وإنما التوسل بهم وطلب الدعاء منهم هو لأنهم محل نظر ورعاية وولاية الله تعالى ، فيستوي بذلك الأمر في حياتهم الدنيوية والبرزخية ، بل البرزخية من باب أولى ، إن أصل التوسل مشروع لا خلاف فيه ، وإن من أنكره ، قدح - والعياذ بالله - في كثير من الآيات والأحاديث والأقوال التي سنتعرض لها إن شاء الله ، ولم يتعرض للإنكار أحدٌ من العلماء والصالحين طيلة التاريخ الإسلامي ، إلا مِن بعض المتأخرين ، ولا عبرة بقولهم ، وقد رد العلماء عليهم قولهم وأوضحوا بطلان آرائهم التي ابتليت بها الأمة ، 

[ أنواع التوسل ] : التوسل ستة أنواع ، ثلاثة منها لا خلاف فيها بين المسلمين جميعاً ،

النوع الأول : التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم : وهو أساس التوسل بالصالح الحي إلى الله تعالى. ومن أدلته : ( الحديث الأول ) : ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أنـس بن مالك رضي الله عنه (أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من بابٍ كان نحو دار القضاء ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ثم قال : يا رسول الله هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ، فادع الله يغيثنا. قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال : اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا. قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحابٍ ولا قزعةٍ ، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار ، قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت ، قال فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً ، قال : ثم دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال : يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا ، قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال : اللهم حَوْلَنا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ، فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس. قال شريك فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول؟ قال : لا أدري). وفي الحديث دليل واضح على جواز التوسل بالحي الصالح ، وإلا لأُمر ذلك الرجل بالدعاء من بيته أو أي مكان آخر دون الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ( الحديث الثاني ) : أخرجه البخاري في التاريخ الكبير وابن ماجة في السنن ونص على صحته النسائي وأبو نعيم والبيهقي والمنذري والهيثمي والطبراني وابن خزيمة وهو ما رواه الترمذي بسنده عن عثمان بن حنيف (أن رجلاً أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أُصبت ببصري ، فادع الله لي ، فقال صلى الله عليه وسلم : اذهب فتوضأ وصل ركعتين ، ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بحق نبيك محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني استشفع بك على ربي في رد بصري -وفي رواية "في حاجتي لتقضى لي اللهم شفعه فيَّ" - ثم قال صلى الله عليه وسلم وان كانت حاجة فافعل مثل ذلك). وهذا الحديث حجة قوية في صحة التوسل بالحي ، ومفهومه حجة لصحة التوسل بالميت. وسيأتي ذكره في مكان آخر ، وروى أبو داود في سننه وغيره : (أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله هلك الزرع وجف الضرع وإنّا نستشفع بك إلى الله تعالى ونستشفع بالله عليك. فسبّح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه فقال : ويحك أتدري ما الله تعالى! إن الله تعالى لا يُشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك). فيلاحظ هنا إنكاره صلى الله عليه وسلم قول الرجل (إنا نستشفع بالله تعالى عليك). ولم ينكر قوله (إنا نستشفع بك إلى الله تعالى). وفي الصحاح مجموعة عطرة من هذه الأحاديث ، لا يتسع لها المجال هنا في إثبات صحة التوسل بالحي الصالح ،

[ النوع الثاني : التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته ] : وهو التوسل إلى الله بذاته تعالى وبأسمائه وصفاته ونحوها. وهذه الأنواع متفق على مشروعيتها ، قال تعالى : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (186 البقرة) ، وقال تعالى : {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (180 الأعراف) ، وقال تعالى : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (60 غافر) ، والأدلة على هذا النوع أكثر من أن تحصى ، 

[ النوع الثالث : التوسل بالعمل الصالح ] : وهو توسل الحي بالعمل الصالح إلى الله تعالى : أخرج البخاري في صحيحه ومسلم في كتاب الذكر عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى آووا المبيت إلى غار فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الجبل ، فسدت عليهم الغار ، فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم ، فقال رجل منهم ، اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا ، فنأى بي في طلب شيء يوما ، فلم أرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غُبوقهما ، فوجدتهما نائمين ، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا ، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا ، فشربا غبوقهما ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة ، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج. قال النبي صلى الله عليه وسلم : وقال الآخر : اللهم إنه كانت لي بنت عم ، كانت أحب الناس إلي ، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني ، حتى ألمّت بها سنة من السنين ، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلتْ ، حتى إذا قدرت عليها قالت : لا أُحِلَ لك أن تفض الخاتم إلا بحقه ، وفي رواية : أسألك بالله أن لا تفض الخاتم إلا بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها ، وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة ، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي صلى الله عليه وسلم : وقال الثالث : اللهم إني استأجرت أجراء ، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب ، فثمّرت أجره حتى كثرت منه الأموال ، فجاءني بعد حين ، فقال يا عبد الله : أدِّ إليّ أجري. فقلت له : كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت : إني لا استهزئ بك ، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة ، فخرجوا يمشون) ، وروى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة قوله : (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً ، ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة). وهذا الحديث أيضا توسل بالعمل الصالح والرجل الصالح "بحق السائلين عليك" "وبحق ممشاي هذا" ، 

[ النوع الرابع : التوسل بالميت الصالح ] : وهو الأمر الذي اشتد الخلاف فيه في  هذا الزمن ولم يكن مطروقا في الماضي. علماً بأن جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعة قد أجازوه بالدليل الشرعي. وفي الشرع من الأدلة النقلية الصحيحة ما يؤكد هذا النوع من التوسل. ولقد أوردنا في النوع الأول من أنواع التوسل حديث الأعمى لأنه المحور الأساسي في إثبات شرعية هذا النوع الرابع من التوسل. ونص الحديث حجة صحيحه للتوسل الأول ، ومفهومه حجة لصحة التوسل بالميت. فقد بينا في التمهيد عقيدتنا في التوسل في أننا لا نتوسل بالجسم ولا بالحياة ولا بالموت ، ولكن بالمعنى الحسن والجاه الرفيع المقبول عند الله للصالح حيا كان أو ميتا ، إذ الفعل لله ، ولا فرق بين حياة المتوسَّل به أو مماته. وقوله في الحديث (يا محمد إني استشفع بك) نداء للغائب يستوي فيه الحي والميت ، ورغم ذلك فهناك أثر طيب أخرجه الطبري في معجمه الصغير عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف : وهذه الرواية هي امتداد للمفهوم والمعنى الذي ورد في حديث الأعمى (أن رجلا كان يختلف إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه في حاجة له ، فكان عثمان لا يتلفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك (وهذه الحادثة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد خلافة أبي بكر وعمر) فقال له عثمان بن حنيف [وهو الصحابي المحدث العالم بدين الله] إيت الميضأة ، فتوضأ ، ثم إيت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة ، يا محمد : إني أتوجه بك إلى ربي ، فيقضي حاجتي قال : وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك ، فانطلق الرجل يصنع ما قاله له ، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة   (الوسادة) فقال ما حاجتك ، فذكر حاجته وقضاها له ، ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة ، وقال ما كانت لك من حاجة فاذكرها. ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له : جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلمتَه (يظن أن ابن حنيف كلمه ، وتوسط له عند أمير المؤمنين عثمان) فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمتُه ، ولكني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير ، فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أوَ تصبر؟ فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي ، فقال صلى الله عليه وسلم إيت الميضأه ، فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات. قال ابن حنيف فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل (الأعمى) كأن لم يكن به ضر قط). والحديث محقق مع الحديث الأول ، ( سؤال ) : يقر البعض بجواز التوسل بالصالح الحي والعمل الصالح وبعدم جوازه بالصالح الميت. ويستشهدون على ذلك بتوسل الصحابة بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ، أين الحقيقة في ذلك؟  ( جواب ) : حديث التوسل بالعبـاس حديث صحيح رواه البخاري والطبراني وابن ماجة (أن الأرض أجدبت في زمن سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه وكادت الريح تذر ترابا كالرماد لشدة الجدب فسمي (بعام الرمادة) ولذلك خرج سيدنا عمر يستسقي ، فقال للناس : هل فيكم من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : نعم العباس بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأخذ سيدنا عمر بيده وأوقفه أمامه وقال (اللهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيك فأنت تقول وقولك الحق {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} (82 الكهف) فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم نبيك في عمه ، فقد دنونا به إليك مستغفرين ، ثم أقبل على الناس وقال : استغفروا ربكم انه كان غفارا ، والعباس عيناه تنضحان وهو يقول (اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة ولا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الكبير والصغير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى ، اللهم أغثنا بغيثك فقد تقرب القوم بي إليك لمكانتي من نبيك عليه الصلاة السلام). فنشأ طرير من سحاب وقال الناس : أترون أترون! ثم تراكمت الغيوم وماست فيها ريح ثم هرت ودرت حتى قلعوا الحذاء وقلعوا المآزر ، وعاد الناس يتمسحون بردائه ويتبركون به ، ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين) ، جملة القول في موضوع التوسل بالصالح الميت ينحصر في الآتي : ( أولا ) : جاء في كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البر : "سبب توسل الصحابة بالعباس أن هذا لا يتنافى مع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره لأن سبب توسلهم به رضي الله عنه هو قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم فكأنهم توسلوا بالرسول وبعمه في وقت واحد". وكانت طائفة في العام نفسه وللسبب نفسه تتوسل إلى الله مستسقين بالرسول صلى الله عليه وسلم في قبره ، كما أخرج ابن أبي شيبة عن مالك الدار بسند صحيح كما في فتح الباري وأخرجه البخاري في التاريخ وابن أبي خثيمة والبيهقي في الدلائل (أن بلال بن الحارث المزني الصحابي ، أتى إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الرماد في عهد عمر بن الخطاب وقال : (يا رسول الله استسق لأمتك فانهم قد هلكوا.)..الخ). وهو نص لم ينكر على الصحابي فأخذ قوة الاجماع ، وقد أخرج ابن عساكر وابن الجوزي وابن النجار بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال : (أتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته فجلست بحذائه ، فجاء أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبره وحثى من ترابه على رأسه وقال : يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله تعالى ووعينا عنك وكان فيما انزل عليك {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ} وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر أنه قد غفر لك). وفي هذا جواز التوسل واستمداد المغفرة والمدد من الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم ،  ( ثانياً ) : إن الأمر بالنسبة للأنبياء والشهداء يستوي في الحياة والممات لأنهم أحياء في قبورهم وأن الأرض لا تأكل أجسادهم لما روى النسائي عن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) وروى البيهقي في كتاب الأنبياء وصححه من حديث أنس رضي الله عنه ‎أنـه صلى الله عليه وسـلم قال (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون). وروى مسلم في باب فضائل موسى من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (مررت على موسى ليلة اسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره) ، وروى الحافظ الهيثمي عن عبد الله بن مسعود وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح أن النبي صـلى الله عليه وسـلم قال (حياتي خير لكم تحدثون ويُحدّث لكم ، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تُعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله وان رأيت شراً استغفرت لكم). وهذا العرض كل يوم ، وقد عُد من خصائصه صلى الله علية وسلم. وكثرة الأحاديث بهذا المعنى تدل دلالة لا شك فيها على أن حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من باب أولى ، لأن هذا هو حال الشهداء أيضاً وان كانت حياتهم دون حياة الأنبياء. قال تعالى { وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } (154 البقرة) ،  ( ثالثاً ) : هذه الوسيلة كانت قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ذكر القرآن الكريم قصة بني إسرائيل في قوله تعالى {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} (89 البقرة) يقول صاحب الكشاف ما نصُّهُ "وكانوا يعني اليهود من قبل : أي من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. يستفتحون : أي يستنصرون به. على الذين كفروا : يعني مشركي العرب ، وذلك انهم كانوا إذا حزبهم أمر أو دهمهم عدو يقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة وكانوا ينـتصرون. وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أطل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد و‏‏‏‏إرم. فلما جاءهم ما عرفوا : أي الرسول صلى الله عليه وسلم عرفوا نعته وصفته. كفروا به : أي جحدوه وأنكروه بغيا وحسدا وكفراً" ،  ( رابعاً ) : يستفاد من حديث التوسل بالعباس درسٌ لقننا إياه أمير المؤمنين عُمر للتبرك والمحبة لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى {قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [ الشورى : 23 ] ،

[ النوع الخامس : التوسل بالصالح الحي ] : وقياسا على حديث العباس والاستسقاء به أجاز العلماء التوسل بالصالح الحي الذي عُلم صلاحه من غير النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أجازوا التوسل بالصالح الميت قياساً على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. وهذا عمر بن الخطاب يتوسل إلى الله بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرج بن عبد الحكم عن زيد بن أسلم قال : (لما أبطأ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح مصر كتب إلى عَمرو بن العاص رضي الله عنه : أما بعد فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر ، تقاتلونهم منذ سنين وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم ، وإن الله تعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم ، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على القتال وقدِّم أولئك الأربعة في صدور الناس وأمر الناس أن يكونوا لهم صدمة رجل واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة فإنها ساعة تنـزل فيها الرحمة). وهذا خالد بن الوليد يتوسل ويستنصر بشَعر النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج الطبراني عن جعفر بن عبد الله بن الحكم أن خالد بن الوليد رضي الله عنه ، فقد قلنسوة له يوم اليرموك فقال : اطلبوها فلم يجدوها ، فقال اطلبوها فوجدوها ، فإذا هي قلنسوة خَلقة (بالية) فقال خالد (اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره ، فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصرة) ، وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري (أنه نظر إلى ابن عمر رضي الله عنهما وضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه). و عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال (رأيت ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون) ،  والعقيدة الصحيحة التي نحن عليها أن الأنبياء والأولياء والصالحين لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف لا الآن ولا حين كانوا أحياء في دار الدنيا لأن صفتهم الفناء والاستهلاك. وهو ما أكده الشيخ يوسف الرفاعي في كتابه «أدلة أهل السنة والجماعة» بقوله : "لو كان هذا التوسل شركاً وتوجهاً إلى غير الله كما يزعم المنكرون ، فينبغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من الصالحين من عباد الله وأوليائه في حال الحياة أيضا. وليس ذلك مما يُمنع فانه مستحبٌ ومستحسن شائع في الدين ، ولو زعم أنهم عزلوا واخرجوا من الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة الدنيا فما الدليل عليه. ومن اشتغل من الموتى عن ذلك بما عرض له من الآفات فليس ذلك كافياً ولا دليلاً على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة"  ، ويقول أيضاً "نعم إن كان الزائر يعتقد  أن أهل القبور متصرفون ومستبدون وقادرون من غير توجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليه كما يعتقده العوام الغافلون الجاهلون ، وكما يفعل أولئك من تقبيل القبر والسجود والصلاة إليه مما وقع عنه النهي والتحذير ، فذلك مما يمنع ويحذر منه وفعل العوام لا يعتبر قط ، وهو خارج عن البحث وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين انه يعتقد ذلك ويفعل هذا". وإلى هذا التوسل أشار الإمام مالك رحمه الله تعالى للخليفة الثاني من بني العباس وهو المنصور جد الخلفاء العباسيين في المناظرة التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال له الإمام مالك : (يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد ، فإن الله تعالى أدب قوما فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (2 الحجرات). وقد مدح قوما فقال {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} (3 الحجرات) وذم قوما فقال {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ} (4 الحجرات). وإن حرمته ميتاً كحرمته حيا ، فاستكان لها أبو جعفر فقال : يا أبا عبد الله (يعني الإمام مالك) أستقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الإمام مالك : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة. بل استقبله واستشفع به فيشفِّعه الله ، قـال اللـه تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُم}(64 النساء). وهذه القصة رواها القاضي عياض بإسناد صحيح. وقد صرح كثير من العلماء بهذا ،  والحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة ينص على (صحة التوسل وجوازه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته ، وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين ، كما دلت الأحاديث السابقة). فإننا إذن وبناءاً على ما تقدم لا نعتقد تأثيرا ولا خلقاً ولا إيجاداً ولا إعداماً ولا نفعاً ولا خيراً إلا لله وحده لا شريك له ، فلا نعتقد تأثيراً ولا نفعاً ولا خيراً للنبي صلى الله عليه وسلم باعتبار الخلق والإيجاد والتأثير ، ولا لغيره من الأحياء والأموات. فلا فرق في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء ، وكذا بالأولياء والصالحين ، ولا فرق بين كونهم أحياءً أو أمواتاً ، لأنهم لا  يخلقون شيئاً وليس لهم من دون الله تأثير في شيء. وإنما يتبرك بهم لكونهم أحبّاء الله تعالى ، والخلق والإيجاد والتأثير لله وحده لا شريك له ، ولأنه تسري بركة المكان على الداعي ، كما ذكر الإمام الشوكاني. أما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات حيث جوّزوا بعض التوسلات بالأحياء دون الأموات فهم القريبون من الزلل والخلل لأنهم اعتبروا أن الأحياء لهم تأثير دون الأموات مع أنه لا تأثير إيجاداً لغير الله تعالى على الإطلاق ،  وأما الإفادة وفيض البركات والاستفادة من أرواحهم استفادة اعتيادية ، وتوجه أرواحهم إلى الله تعالى طالبين فيض الرحمة على ذلك المتوسل فهو شيء جائز وواقع وخال عن كل خلل دون الفرق بين الأحياء والأموات ،  فشبهة المانعين إن كانت من جهة أن الأموات أجساد هامدة جامدة ولا روح ولا إدراك ولا مجال للخطاب معهم ، فتلك ساقطة من الاعتبار لأن أجساد الأنبياء لا تبلى ، وان الله حرّم على الأرض أن تأكل لحومهم ، وأن أرواحهم باقية ثابتة ولها إدراك بإذن الله تعالى ، وهو تعالى يعلمها بصلاة المسلمين وبتوسلات المتوسلين ، وحسبك في الموضوع خطابك النبي صلى الله عليه وسـلم في كـل صلاة عند التشـهد بقولك (السلام عليك أيها النبي ورحمـة اللـه وبركاته) وليس (السلام على النبي). فإذا توسلنا به صلى الله عليه وسلم على معنى طلب الدعاء منه فطلب الدعاء مشروع وإذا توسلنا بذاته الشريفة أو بجاهه العظيم أو بحقه الجسيم فكل ذلك واقع في الروايات الصحيحة. وإذا كان القصد الاستشفاع بـه صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه الشفيع وشفاعته ثابتة شرعا. وما توهم الناس به من انه شرك فالشرك أن يجعل العبد أحداً سوى الله تعالى شريكاً له في الألوهية والربوية والخلق ، وأين ذلك من التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم بصفة أنه عبد الله ونبيه ورسوله أكرمه بفضله وجعل له الشفاعة والوسيلة والمقام المحمود ، وقياس المسلمين المتوسلين على عُبَّاد الأصنام فيما حكاه الله تعالى عنهم من قولهم {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (3 الزمر) ونحوه ، ناشئ عن إغماضٍ عن الحق وانحرافٍ عن الواقع وتسوية بين الأمة الوثنية الجاهلة الضالة وبين الأمة المسلمة المؤمنة بالله وحده لا شريك له ، الناشئة عن الملة الإسلامية الحنيفة التي تمرنت على الاعتقاد بالله والتي رضيت بالله تعالى رباً وبالإسلام دينا وبالقرآن كتابا وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  عبدا ورسولا و نبياً. وآمنت بأن البعث حق والجنة حق والنار حق والموت حق والحساب حق. وكيف يتصور بمن أسلم وقرأ القرآن وفهم تعاليمه وأحب النبي العدنان أن يظن تلك الظنون الفاسدة التي ظنها عُبَّاد الأصنام الجاهليون. وكيف يتصور ذلك من العارفين بالله الدارسين لمعنى {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (110 الكهف) ولإنذارات الرسول صلى الله عليه وسلم لعشيرته بعد نزول قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (214 الشعراء) ،

[  النوع السادس : التوسل بالجاه ] : يقول العلامة الألوسي البغدادي في تفسيره «روح المعاني» بعد بحث طويل في التوسل يقول ما نصه : "أنا لا أرى بأساً في التوسل إلى الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً. ويراد من الجاه معنىً يرجع إلى صفة من صفاته مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته. فيكون معنى قول القائل : إلهي أتوسل إليك بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضي حاجتي إلهي اجعل محبتك له وسيلةً في قضاء حاجتي. ولا فرق بين هذا وقولك إلهي أتوسل إليك برحمتك أن تفعل كذا ، إذ معناه أيضا (الهي اجعل رحمتك وسيلة في كذا) ، بل لا أرى بأساً أيضا بالإقسام على الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى. نعم لم يُعهد التوسـل بالجاه والحرمة على أحـد من الصحابة  - الكلام  للألوسي - ولعل ذلك كان تحاشيا منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس إذ ذاك وهم قريبو عهدٍ بالتوسل بالأصنام. ثم يقول إن التوسل بجاه غير النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس به أيضا إن كان المتوسل بجاهه ممن عُلم أن له جاهاً عند الله تعالى ، كالمقطوع بصلاحه وولايته" انتهى مبحث التوسل من كتاب الدلالة النورانية للشيخ حسني الشريف

 

عدد الزيارات 305 آخر تعديل على الأربعاء, 18 تموز/يوليو 2018 15:31

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا