تحقيق القول في التبرك وأنه من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد مميز


الخميس, 12 تموز/يوليو 2018 13:45 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تحقيق القول في التبرك وأنه من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد

 

(  1  )  درر ومعلومات عن التبرك جاءت في الموسوعة الفقهية

( أولاً ) التعريف : التبرك : لغة : طلب البركة , والبركة  هي : النماء والزيادة , والتبريك : الدعاء للإنسان بالبركة . وبارك الله الشيء وبارك فيه وعليه : وضع فيه البركة , وفي التنزيل : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } وتبركت به تيمنت به ، قال الراغب الأصفهاني : البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء . قال تعالى : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } { وهذا ذكر مبارك أنزلناه } تنبيها على ما يفيض به من الخيرات الإلهية . وعلى هذا فالمعنى الاصطلاحي للتبرك هو : طلب ثبوت الخير الإلهي في الشيء . ( ثانياً )  الحكم التكليفي  : التبرك مشروع في الجملة على التفصيل التالي : ( 1 ) التبرك بالبسملة والحمدلة : ذهب بعض أهل العلم إلى سنية ابتداء كل أمر ذي بال يهتم به شرعا - بحيث لا يكون محرما لذاته , ولا مكروها لذاته , ولا من سفاسف الأمور ومحقراتها - بالبسملة والحمدلة , كل في موضعه على سبيل التبرك . وجرى العلماء في افتتاح كلماتهم وخطبهم ومؤلفاتهم وكل أعمالهم المهمة بالبسملة عملا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : { كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر أو أقطع أو أجذم } وفي رواية أخرى : { كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر أو أقطع أو أجذم } ومن هذا الباب الإتيان بالبسملة عند الأكل , والشرب , والجماع , والاغتسال , والوضوء , والتلاوة , والتيمم , والركوب والنزول ، وما إلى ذلك ،  ( 2 ) التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم : اتفق العلماء على مشروعية التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وأورد علماء السيرة والشمائل والحديث أخبارا كثيرة تمثل تبرك الصحابة الكرام رضي الله عنهم بأنواع متعددة من آثاره صلى الله عليه وسلم نجملها فيما يأتي : ( أ ) في وضوئه صلى الله عليه وسلم : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه )) , لفرط حرصهم على التبرك بما مسه  صلى الله عليه وسلم ببدنه الشريف , وكان من لم يصب من وضوئه يأخذ من بلل يد صاحبه ، ( ب ) في ريقه ونخامته صلى الله عليه وسلم  (( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يبصق بصاقا ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها , وأخذوها من الهواء , ووقعت في كف رجل منهم , فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم , ومسحوا بها جلودهم وأعضاءهم تبركا بها )) ، (( وكان يتفل في أفواه الأطفال , ويمج ريقه في الأيادي , وكان يمضغ الطعام فيمجه في فم الشخص )) , (( وكان الصحابة يأتون بأطفالهم ليحنكهم النبي صلى الله عليه وسلم رجاء البركة )) ، ( ج ) في دمه صلى الله عليه وسلم : ثبت أن بعض الصحابة شربوا دمه صلى الله عليه وسلم على سبيل التبرك , فعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه : (( أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم , فلما فرغ قال : يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فشربه , فلما رجع , قال : يا عبد الله ما صنعت ؟ قال : جعلته في أخفى مكان علمت أنه مخفي عن الناس , قال : لعلك شربته ؟ قلت : نعم . قال : ويل للناس منك , , وويل لك من الناس , , )) ،  فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم . وفي رواية (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : من خالط دمه دمي لم تمسه النار )) ، ( د )  في شعره صلى الله عليه وسلم : ((  كان النبي صلى الله عليه وسلم يوزع شعره بين الصحابة عندما يحلق رأسه الشريف )) , وكان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على أن يحصلوا شيئا من شعره صلى الله عليه وسلم ويحافظون على ما يصل إلى أيديهم منه للتبرك به . فعن أنس رضي الله عنه : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر , ثم قال : للحلاق : خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر , ثم جعل  يعطيه الناس ))  وفي رواية : (( لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن , فحلقه , ثم دعا أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه فأعطاه إياه , ثم ناوله الشق الأيسر فقال : احلق , فحلقه , فأعطاه أبا طلحة , فقال : اقسمه بين الناس )) ،  وفي رواية : (( فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس , ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك )) ،  وروي أن خالد بن الوليد رضي الله عنه : فقد قلنسوة له يوم اليرموك , فطلبها حتى وجدها , وقال : اعتمر رسول الله فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة , فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر ،  وعن أنس رضي الله عنه قال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه , فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل ، ( هـ ) في سؤره وطعامه صلى الله عليه وسلم : ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتنافسون في سؤره صلى الله عليه وسلم ليحوز كل واحد منهم البركة التي حلت في الطعام أو الشراب من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه : (( أن رسول الله أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام , وعن يساره الأشياخ فقال للغلام : أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟ فقال الغلام : - وهو ابن عباس رضي الله عنهما - : والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا , فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده )) ، (( وعن عميرة بنت مسعود رضي الله عنها : أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم هي وأخواتها يبايعنه , وهن خمس , فوجدته يأكل قديده , فمضغ لهن قديدة , ثم ناولني القديدة , فمضغتها كل واحدة قطعة قطعة , فلقين الله وما وجد لأفواههن خلوف )) ،  وفي حديث خنس بن عقيل : (( سقاني  رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها , فما برحت أجد شبعها إذا جعت , وريها إذا عطشت , وبردها إذا ظمئت )) ، (  و ) في أظافره صلى الله عليه وسلم : ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قلم أظافره , وقسمها بين الناس للتبرك بها , فقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله , من حديث محمد بن زيد أن أباه حدثه : (( أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم على المنحر ورجلا من قريش , وهو يقسم أضاحي , فلم يصبه منها شيء ولا صاحبه , فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في ثوبه , فأعطاه فقسم منه على رجال , وقلم أظافره فأعطاه صاحبه )) ،  وفي رواية (( ثم قلم أظافره وقسمها بين الناس )) ( ز ) في لباسه صلى الله عليه وسلم وأوانيه : ثبت كذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحرصون على اقتناء ملابسه وأوانيه للتبرك بها والاستشفاء ، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما : (( أنها أخرجت جبة طيالسة وقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها )) ،  وفي رواية : (( فنحن نغسلها نستشفي بها )) ، ( ح ) في ما لمسه صلى الله عليه وسلم ومصلاه : كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون فيما تلمس يده الشريفة صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك (( بركة يده فيما لمسه وغرسه لسلمان رضي الله عنه حين كاتبه مواليه على ثلثمائة ودية وهو صغار النخل يغرسها لهم كلها , تعلق وتطعم , وعلى أربعين أوقية من ذهب , فقام صلى الله عليه وسلم وغرسها له بيده , إلا واحدة غرسها غيره , فأخذت كلها إلا تلك الواحدة , فقلعها النبي صلى الله عليه وسلم وردها فأخذت )) وفي رواية : (( فأطعم النخل من عامه إلا الواحدة , فقلعها رسول الله  صلى الله عليه وسلم وغرسها فأطعمت من عامها , وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب , بعد أن أدارها على لسانه , فوزن منها لمواليه أربعين أوقية , وبقي عنده مثل ما أعطاهم )) ، (( ووضع يده الشريفة صلى الله عليه وسلم على رأس حنظلة بن حذيم وبرك عليه , فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه , والشاة قد ورم ضرعها , فيوضع على موضع كف النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب الورم )) ، وكان يؤتى إليه صلى الله عليه وسلم بالمرضى وأصحاب العاهات والمجانين فيمسح عليهم بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم فيزول ما بهم من مرض وجنون وعاهة ، وكذلك كانوا يحرصون على أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم في مكان من بيوتهم , ليتخذوه مصلى لهم بعد ذلك , وتحصل لهم بركة النبي صلى الله عليه وسلم . فعن عتبان بن مالك رضي الله عنه - وهو ممن شهد بدرا - قال : (( كنت أصلي لقومي بني سالم , وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار , فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم , فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : إني أنكرت بصري , وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه , فوددت أنك تأتي فتصلي في بيتي مكانا أتخذه مصلى , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأفعل إن شاء الله فغدا علي رسول الله وأبو بكر رضي الله عنه بعدما اشتد النهار , واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له , فلم يجلس حتى قال : أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه , فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر وصففنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم , وسلمنا حين سلم )) ،  ( 3 ) التبرك بماء زمزم : ذهب العلماء إلى سنية شرب ماء زمزم لمطلوبه في الدنيا والآخرة , لأنها مباركة , لقوله صلى الله عليه وسلم : (( ماء زمزم لما شرب له )) ، ( 4 ) التبرك ببعض الأزمنة والأماكن في النكاح : ذهب جمهور العلماء إلى استحباب مباشرة عقد النكاح في المسجد , وفي يوم الجمعة للتبرك بهما , فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أعلنوا هذا  النكاح , واجعلوه في المساجد , واضربوا عليه بالدفوف )) أهـ [ الموسوعة الفقهية ، تبرك ]

***

(  2  ) مبحث كلمة هادئة في التبرك للدكتور عمر كامل

[  1  ] : مفهوم التبرك : ( أ ) معنى التبرك : طلب البركة ، والبركة هي : النماء والزيادة ، والتبريك : الدعاء للإنسان بالبركة. وبارك الله الشيء وبارك فيه وعليه : وضع فيه البركة ، وفي التنزيل : {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ} وتبركت به تيمنت به ، ( ب ) والمعنى الاصطلاحي للتبرك هو : طلب ثبوت الخير الإلهي في الشيء ، ( ت ) وقد يراد من التبرك التعظيم : فقد قبّل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  الحجر الأسود ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يطوف بالبيت ويستلم الركن (أي الحجر الأسود) بمحجن معه ويقبل المحجن (وهو عصا محنية الرأس) [ أخرجه مسلم : ح 1275 ] ، وقال نافع : رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ، ثم قبل يده وقال : «ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يفعله » [ أخرجه مسلم : ح 1268 ] ، فاستنبط العلماء من ذلك جواز تقبيل كل ما هو معظم ، وكل من يستحق التعظيم ، وكل ماله صلة بالمعظم ، ومن التعظيم : تقبيل الحجر الأسود ، أو أي شيء له علاقة به كالمحجن عندما يشار به إلى الحجر الأسود ، أو اليد إذا أشير بها إلى الحجر الأسود ، ومن التعظيم : تقبيل يد النبي صلى الله عليه وسلم  أو أي جزء منه كشعره الشريف الطاهر ، ومن التعظيم : التبرك به صلى الله عليه وسلم  أو بأي جزء منه ، أو بأي أثر من آثاره. وكذلك الحال في السادة الصالحين نفعنا الله بهم ، ففعل هذا كله يدل على التعظيم ، والتعظيم يصدر من المسلم امتثالا لأمر الله في تعظيم حرمات الله ، وطلباً لرضاه والثواب منه تعالى ، فالتقرب إلى الله تعالى حاصل بالتبرك ، لأنه تعظيم ولأنه طلب للخير من الموارد المشروعة ، فالتبرك والتعظيم يترادفان ، ( ث ) إذن فالتبرك هو طلب الخير الكثير ، كطلب الشفاء من الله تعالى عن طريق إنسان مسلم صالح مبارك لمكانته الرفيعة عند الله ، فالذي يتبرك بالأشياء أو بالصالحين أو بآثارهم إنما يطلب الخير الكثير من الله تعالى عن طريق هذا النبي أو هذا الإنسان المسلم الصالح ، أو عن طريق أثر من آثارهم كما كان الصحابة يفعلون بالنبي صلى الله عليه وسلم  وبآثاره ، يتقربون إلى الله بالتبرك به وبآثاره ، ( ج ) وكذلك يكون التبرك عن طريق أي وسيلة مشروعة كالحجر الأسود ، والبقاع المباركة التي خصها الله تعالى بمزيد فضل على غيرها ، ثم إن أخذ الدواء طلبا للشفاء مشروع ، والتبرك بالأنبياء والأولياء وآثارهم ، طلبا للشفاء أو طلبا للأجر : مشروع ، وكما أن الذي يأخذ الدواء يجب عليه أن يعتقد أن الشافي هو الله تعالى ، كذلك من يتبرك بالأنبياء والأولياء يجب عليه أن يعتقد أن الضار والنافع والمعطي والمانع هو الله تعالى ، فمن يحرم التبرك يلزم عليه أن يحرم أخذ الدواء سدا للذريعة ، أي لئلا يعتقد الناس بفعالية الدواء دون اعتقاد أن الله هو وحده الشافي ، وأئمة الإسلام يقولون بجواز التبرك ، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ،

[  2  ] : مشروعية التبرك من القرآن الكريم وأقوال المفسرين : (  أولاً  ) البركة في الأشخاص : ( أ ) قال الله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام لإخوته : {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} ، ثم قال تعالى {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} ، فنبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام كان قد ابيضت عيناه حزناً على فقدان ابنه يوسف ، وأصابتهما غشاوة ولم يعد يرى ، فببركة القميص الذي مس جسد سيدنا يوسف عليه السلام رد الله تعالى بصر أبيه يعقوب ، وهما يعلمان جيدا أن الضار والنافع والشافي هو الله تعالى وحده ، وكان بوسع سيدنا يوسف أن يرفع يديه ويدعو الله تعالى لأبيه بالشفاء فيستجيب الله له ، ولكن لما كان التبرك بآثار الأنبياء والصالحين والاستشفاء بهما : مشروعا مثل الدعاء : لجأ سيدنا يوسف إليه ، فأرسل إلى أبيه قميصه وأمر أن يلقى على وجهه ، ونفذ أمره ، وارتد بإذن الله بصر سيدنا يعقوب ببركة القميص الذي مس جسد سيدنا يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ( ب ) وقال تعالى : {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} ، الزكاة التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير والبر أي جعلناه مباركا  للناس يهديهم وقيل المعنى زكيناه بحسن الثناء عليه كما تزكى الشهود إنسانا وقيل زكاة صدقة به على أبويه ، وجعلني مباركا  أي ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلما له [ تفسير القرطبي (11 : 103) ] ، وفي تفسير الطبري : « قوله : {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم معناه جعلني نفاعا ، فعن مجاهد : {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} قال نفاعًا [ تفسير الطبري : (16  : 80) ] ، وفي تفسير ابن كثير : «قوله : {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ} ، قال مجاهد وعمرو بن قيس والثوري وجعلني معلما للخير وفي رواية عن مجاهد نفاعا »  [ تفسير ابن كثير (3 : 121) ] ، (  ت  ) وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك في عموم قوله تعالى  {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} ، وعموم قوله تعالى : {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} ، يقول الإمام القرطبي في تفسيره للآية الأولى : «والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج المشار إليها في قوله : {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} ، ويدخل في ذلك تعظيم المواضع ، قاله ابن زيد وغيره ، ويجمع ذلك أن نقول : الحرمات امتثال الأمر من فرائضه وسننه. وقوله {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها...» أهـ ، ويقول العلامة الألوسي في تفسيره : « "{وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ} جمع حرمة وهو ما يحترم شرعا والمراد بها جميع التكليفات من مناسك الحج وغيرها ، وتعظيمها بوجوب مراعاتها والعمل بموجبه..» أ.هـ ، ويقول الإمام القرطبي في تفسيره للآية الثانية : «  {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} الشعائر جمع شعيرة وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم….» إلى أن قال : «فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك » أ.هـ ، ويقول العلامة  الألوسي : « {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} أي البدن الهدايا كما روي عن ابن عباس ومجاهد وجماعة ، وهي جمع شعيرة أو شعارة بمعنى العلامة كالشعار ، وأطلقت على البدن الهدايا لأنها من معالم الحج أو علامات طاعته تعالى وهدايته..» ، إلى أن قال : «وقال زيد بن أسلم : الشعائر ست : الصفا ، والمروة ، والبدن ، والجمار ، والمسجد الحرام ، وعرفة ، والركن ، وتعظيمها إتمام ما يفعل بها ، وقال ابن عمر والحسن ومالك وابن زيد : الشعائر مواضع الحج كلها من منى وعرفة والمزدلفة والصفا والمروة والبيت وغير ذلك وهو نحو قول زيد. وقيل : هي شرائع دينه تعالى وتعظيمها التزامها ، والجمهور على الأول وهو أو فق لما بعد » أ.هـ. ، يقول العلامة عبدالغني النابلسي : « وشعائر الله هي الأشياء التي تشعر -  أي تعلم - به تعالى ، كالعلماء والصالحين أحياء وأمواتا ونحوهم »أ.هـ ، قلت : والآية الكريمة دالة على ذلك بمفهوم الموافقة ، فلما كانت الأنبياء والعلماء والصالحون أكثر إشعارا وإعلاما به تعالى ، صار فحوى خطاب الآية أنهم أولى بالتعظيم من البدن والجمار وباقي المناسك ، فثبت بذلك أن التبرك المستتبع والمرادف للتعظيم مأمور به بنص الآية الكريمة ، ( ثانياً ) البركة في الأزمنة : قال الله تعالى : {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} ، ( ثالثاً ) البركة في الأمكنة : ( أ ) قال تعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} ، قال في تفسير الطبري (4  : 10) : {مُبَارَكاً}  جعله مباركا  لتضاعف العمل فيه فالبركة كثرة الخير. وقيل مباركا  لأن الطواف به مغفرة للذنوب ، وفي تفسير القرطبي (10 : 313) : قوله تعالى : {أَنـزلْنِي مُنـزلاً مُبَارَكاً} أي إنـزالا لا أرى فيه ما أكره. فعلى هذا يكون قوله : {مُبَارَكاً} يعني بالسلامة والنجاة ، قلت : وبالجملة فالآية تعليم من الله عز وجل لعباده إذا ركبوا وإذا نـزلوا أن يقولوا هذا بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلموا قالوا مثل هذا ، وروي عن علي رضي الله عنه  أنه كان إذا دخل المسجد قال : «اللهم أنزلني منزلا مباركًا وأنت خير المنزلين» ، وفيه (12 : 120) : قوله تعالى : {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ} ، قال ابن عمر المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم  والزجاجة قلبه والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ} أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته فأوقد الله تعالى في قلب محمد صلى الله عليه وسلم  النور كما جعله في قلب إبراهيم عليه السلام ،

[  3  ] : نماذج للتبرك من السنة المطهرة : اتفق العلماء على مشروعية التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم  وأورد علماء السيرة والشمائل والحديث أخبارا كثيرة تمثل تبرك الصحابة الكرام رضي الله عنهم بأنواع متعددة من آثاره صلى الله عليه وسلم   وسنذكر في هذه الرسالة أنواعا متعددة مما ورد في السنة في هذا الموضوع ، ( أ ) التبرك بالأماكن التي صلى فيها صلى الله عليه وسلم ، حدثنا موسى بن عقبة قال : رأيت سالم بن عبدالله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم  يصلي في تلك الأمكنة ، وحدثني نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي في تلك الأمكنة ، وسألت سالما فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء ، وحدثنا موسى بن عقبة عن نافع أن عبدالله بن عمر أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم    كان ينـزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة ، وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط من بطن واد فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية فعرّس ثَمَّ حتى يصبح ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد كان ثَم خليج يصلي عبدالله عنده في بطنه كثب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يصلي فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبدالله يصلي فيه [ رواهما البخاري في كتاب الصلاة ، باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، رقم (469 ، 470) ] ، هذان النصان في صحيح البخاري يثبتان كيف أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  كانوا يتتبعون آثاره التي مر بها والمساجد التي صلى فيها فيصلون فيها تيمنًا وتبركًا وتأسيًا بنبيهم صلى الله عليه وسلم ؛ فهل يكون المتبع لهم وثنيا؟! وعن ابن عمر قال : «دخل النبي صلى الله عليه وسلم   البيت فجئت فإذا قد خرج وإذا بلال قائم عند باب الكعبة ، قال : قلت : يا بلال أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : هاهنا ، قال : ثم خرج فصلى ركعتين بين الحجر والباب ، قال : فكان مجاهد يصفها بين الأسطوانتين اللتين من قبل باب بني مخزوم. قال أبو بكر (الراوي عن مجاهد) : فكان مجاهد يصفها أي صلاته في الكعبة أنه صلى بين الأسطوانتين اللتين من قبل باب بني مخزوم [ صحيح ابن خزيمة رقم (3016) ] ، وقال عثمان بن أبي شيبة أخبرنا أبو أسامة عن زكريا عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال : قال عمر : قلت : يا رسول الله هذا مقام خليل ربنا؟ قال : نعم. قال : أفلا نتخذه مصلى؟ فنـزلت : {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، ويقول الحافظ في الفتح : وفي الترمذي من حديث عمرو بن عوف أنه صلى الله عليه وسلم   صلى في وادي الروحاء وقال : لقد صلى في هذا المسجد سبعون نبيا ، وعرف من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم  والتبرك بها ، وقد قال البغوي من الشافعية : إن المساجد التي ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم  صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها تعين كما تتعين المساجد الثلاثة ، وذكر البخاري المساجد التي في طرق المدينة ، ولم يذكر المساجد التي كانت بالمدينة؛ لأنه لم يقع له إسناد في ذلك على شرطه ، وقد ذكر عمر بن شبة في (أخبار المدينة) المساجد والأماكن التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مستوعبا ،  وروى عن أبي غسان عن غير واحد من أهل العلم أن كل مسجد بالمدينة ونواحيها مبنى بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم   وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد المدينة سأل الناس وهم يومئذ متوافرون عن ذلك ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة أهـ ،  وقد عين عمر بن شبة منها شيئا كثيرًا لكن أكثره في هذا الوقت قد اندثر وبقي من المشهورة الآن مسجد قباء ، ومسجد الفضيخ ، وهو شرق مسجد قباء ، ومسجد بني قريظة ، ومشربة أم إبراهيم ، وهي شمالي مسجد بني قريظة ، ومسجد بني ظفر شرق البقيع ويعرف بمسجد البغلة ، ومسجد بني معاوية ، ويعرف بمسجد الإجابة ، ومسجد الفتح قريب من جبل سلع ، ومسجد القبلتين في بني سلمة. هكذا أثبته بعض شيوخنا وفائدة معرفة ذلك ما تقدم عن البغوي ، والله أعلم [ فتح الباري 1 : 571 ] ، وحدثنا المكي بن إبراهيم قال حدثنا يزيد بن أبي عبيد قال كنت آتي مع سلمة بن الأكوع  فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة قال : فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم  يتحرى الصلاة عندها [صحيح البخاري : كتاب الصلاة ، باب الصلاة إلى الأسطوانة ، رقم (480) ] ، يقول الحافظ : والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة المكرمة وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين ،  قال : وروى عن عائشة أنها كانت تقول : لو عرفها الناس لاضطربوا عليها بالسهام ، وأنها أسرتها إلى ابن الزبير؛ فكان يكثر الصلاة عندها. ثم وجدت ذلك في تاريخ المدينة لابن النجار ، وزاد : أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها. وذكره قبله محمد بن الحسن في أخبار المدينة. قوله : يا أبا مسلم ، هي كنية سلمة. ويتحرى : أي يقصد [ فتح الباري 1 : 577 ] ، وعن ابن شهاب قال أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ممن شهد بدرا من الأنصار « أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال : يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي ، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم ، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأفعل إن شاء الله. قال عتبان فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم   وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت ، ثم قال : أين تحب أن أصلي من بيتك؟ قال : فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم   فكبر فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم )) [ صحيح البخاري : كتاب الصلاة ، باب المساجد في البيوت ، رقم (415) ] ، يقول الحافظ : وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم  أو وطئها. ويستفاد منه أن من دعي من الصالحين ليتبرك به أنه يجيب إذا أمن الفتنة ويحتمل أن يكون عتبان إنما طلب بذلك الوقوف على جهة القبلة بالقطع [فتح الباري 1 : 522 ] ، فانظر إلى حرص هذا الصحابي على أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم  في بيته فيتخذه مصلى تبركًا بموضع سجوده. ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  ذلك ، بل قال له سأفعل ، وفعل برفقة أبي بكر رضي الله عنه واتخذه الرجل مصلى ، ألا يدل ذلك على حرص الصحابة على التبرك بمواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومواضعه ومواطئ أقدامه؟! وبعد ذلك يعقد البخاري بابًا آخر بعنوان : (باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ) ويعرض فيه تتبع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - لا سيما عبدالله بن عمر - لتلك المواضع [صحيح البخاري : كتاب الصلاة ، باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم  1 : 183 ، رقم (469 ، 470) ] ، أليست دعوة من البخاري للتبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم ؟! وقال سيدنا عمر رضي الله عنه : لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق ضربنا إليه أكباد المطي ، رواه عبدالرزاق في المصنف وإسناده قوي. وله طريق آخر رواه ابن شبة في تاريخ المدينة المنورة فصار صحيحا [ مصنف عبدالرزاق (5 : 133) وتاريخ المدينة المنورة (1 : 49) ] ، وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين ، ولو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد المطي ، ومن ذلك تتبع جابر لآثار النبي صلى الله عليه وسلم  : عن جابر بن عبدالله « أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الوقوف فعرف البشر في وجهه ». قال جابر : فلم ينـزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة [ رواه أحمد 3 : 332 ، رقم (14603). قال في مجمع الزوائد (4 : 12) : رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات ] ، ولم يقتصر تبرك الصحابة بأماكن صلاته صلى الله عليه وسلم ، وإنما تعداها إلى منقولاته صلى الله عليه وسلم ، ( ب ) التبرك بما شرب فيه أو مسه صلى الله عليه وسلم  : أخرج البخاري في باب الشرب من قدح النبي صلى الله عليه وسلم  وآنيته ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : (( ... فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم  يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه ، ثم قال : اسقنا يا سهل ، فخرجت لهم بهذا القدح فأسقيتهم فيه. فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه. قال : ثم استوهبه عمر بن عبدالعزيز بعد ذلك فوهبه له )) [صحيح البخاري : كتاب الأشربة ، باب الشرب من قدح النبي صلى الله عليه وسلم وآنيته ، رقم (5314). ورواه مسلم في كتاب الأشربة ، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرا ، رقم (2007) ] ، يقول الإمام النووي : «هذا فيه التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم  وما مسه أو لبسه أو كان منه فيه سبب ، وهذا نحو ما أجمعوا عليه وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الروضة الكريمة ودخول الغار الذي دخله صلى الله عليه وسلم  وغير ذلك. من هذا إعطاؤه صلى الله عليه وسلم  أبا طلحة شعره ليقسمه بين الناس ، وإعطاؤه صلى الله عليه وسلم  حقوه لتكفن فيه بنته رضي الله عنها ، وجعله الجريدتين على القبرين ، وجمعت بنت ملحان عرقه صلى الله عليه وسلم ، وتمسحوا بوضوئه صلى الله عليه وسلم ، ودلكوا وجوههم بنخامته صلى الله عليه وسلم ، وأشباه هذه كثيرة مشهورة في الصحيح ، وكل ذلك واضح لا شك فيه» [ شرح النووي على صحيح مسلم 13 : 178- 179 ] ، وعن السيدة كبشة الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  دخل عليها وعندها قربة معلقة ، فشرب منها وهو قائم ، فقطعت فم القربة تبتغي بركة موضع في (أي فم) رسول الله صلى الله عليه وسلم [رواه الترمذي (1892) وابن ماجه (3423) وإسناده صحيح ] ، وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم  دخل على أم سليم وفي البيت قربة معلقة فتناولها فشرب من فيها وهو قائم قال : فقطعت أم سليم فم القربة فهي عندنا [ رواه أحمد (6 : 431) والترمذي في الشمائل (216) والضياء في المختارة (7 : 295) ] ، قال الإمام النووي في رياض الصالحين : «وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول صلى الله عليه وسلم ، وتتبرك به : وتصونه عن الابتذال » انتهى [ رياض الصالحين ص339 ] ، ( ت ) التبرك بعرقه وجبته وبردته صلى الله عليه وسلم : عن أنس بن مالك قال : «دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم  فقال عندنا فعرق ، وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أم سليم! ما هذا الذي تصنعين؟ قالت : هذا عرقك نجعله في طيبنا ، وهو من أطيب الطيب» [رواه مسلم في كتاب الفضائل ، باب طيب عرق النبي والتبرك به ، رقم (2331) ] ، قال الذهبي (2 : 308) : قال ابن سعد : عن البراء بن زيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال ت من القيلولة - في بيت أم سليم على نطع ، فعرق ، فاستيقظ ، وهي تمسح العرق ، فقال : «ما تصنعين»؟ قالت : آخذ هذه البركة التي تخرج منك. أخرجه ابن سعد في الطبقات وأخرجه مسلم من طريق آخر وأحمد [الطبقات لابن سعد (8 : 428) ومسلم (2331 مكررا) وأحمد (3 : 226 ، 221) ] ، وفي رواية عند مسلم : فقال صلى الله عليه وسلم : «ما تصنعين يا أم سليم» ؟. فقالت : يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا. قال : «أصبت». انتهى ، وقال الذهبي (2 : 308) : عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم  لما أراد أن يحلق رأسه بمنى ، أخذ أبو طلحة شق شعره ، فجاء به إلى أم سليم ، فكانت تجعله في سُكها (أي طيبها). قالت : وكان يقيل عندي على نطع (بساط من جلد) وكان معراقا (كثير العرق) صلى الله عليه وسلم ، فجعلت أسلت العرق في قارورة. فاستيقظ ، فقال : «ما تفعلين »؟ قلت : أريد أن أدوف (أخلط) بعرقك طيبي. أخرجه ابن سعد في الطبقات وأحمد في المسند وإسناده صحيح انتهى [ أخرجه ابن سعد في الطبقات (8 : 428-429) وأحمد في المسند (3 : 287) ] ، وعن عبدالله مولى أسماء بنت أبي بكر قال : أرسلتني أسماء إلى عبدالله بن عمر فقالت : هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأخرجت إلي جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج ، فقالت : هذه كانت عند عائشة حتى قبضت ، فلما قبضت قبضتها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها [ رواه مسلم في كتاب اللباس والزينة ، (باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال ، رقم (2069) ] ، قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم : «وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم » انتهى [ شرح النووي على مسلم (14 : 44) ] ، وعن سهل بن سعد قال : «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم  ببردة فقالت : يا رسول الله أكسوك هذه؛ فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم  محتاجا إليها فلبسها فرآها عليه رجل من الصحابة فقال : يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها؟ فقال : نعم ، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم  لامه أصحابه ، قالوا : ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم  أخذها محتاجا إليها ، ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه ، فقال : رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم  لعلي أكفن فيها » [ رواه البخاري في كتاب الأدب ، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل ، رقم (5689) ، وفي مواضع أخرى من صحيحه ، منها : في كتاب الجنائز ، باب من استعد الكفن في زمن النبي فلم ينكر عليه ، رقم (1218). وانظر أيضا : سير أعلام النبلاء 4 : 42- 43 ] ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح [ فتح الباري (3 : 144) ] : « فيه التبرك بآثار الصالحين»   أهـ ، وقال بعض الشافعية : ينبغي لمن استعد شيئا من ذلك (أي من لمن جهز قبره وكفنه قبل موته) أن يجتهد في تحصيلها من جهة يثق بحلها أو من أثر من يعتقد فيه الصلاح والبركة. انتهى ، ( ث ) التبرك بشعره وظفره ونعله صلى الله عليه وسلم : حدثنا عبدالحميد بن جعفر عن أبيه أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك ، فقال : اطلبوها؛ فلم يجدوها فوجدوها وإذا هي قلنسوة خلقة ، فقال خالد : «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  حلق رأسه وابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر» [رواه الحاكم في المستدرك 3 : 338 ، رقم (5299). قال في مجمع الزوائد (9 : 349) : رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ، ورجالهما رجال الصحيح ، وجعفر سمع من جماعة من الصحابة فلا أدري سمع من خالد أم لا ] ، فأخرج البخاري في صحيحه قصة صلح الحديبية وفيه مجيء عروة بن مسعود رسول قريش : « … قال : ثم إن عروة جعل يرمق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم   بعينه فوالله ما يتنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم  نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم انقادوا لأمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له» [جزء من حديث طويل رواه البخاري في كتاب الشروط ، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط ، رقم (2581) ، وابن حبان في صحيحه 11 : 216- 227 ، رقم (4872) ] ،  وأخرج أبو عوانة في صحيحه : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمر الحلاق فحلق رأسه ودفع إلى أبي طلحة الشق الأيمن ثم حلق الشق الآخر فأمره أن يقسمه بين الناس» [فتح الباري 1 : 274 ] ، ورواه مسلم من طريق ابن عيينة عن هشام بن حسان عن ابن سيرين بلفظ : «لما رمى الجمرة ونحر نسكه ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه ، ثم دعا أبا طلحة فأعطاه إياه ، ثم ناوله الشق الأيسر فحلقه فأعطاه أبا طلحة ، فقال : اقسمه بين الناس»  [فتح الباري 1 : 274 ، وهو في صحيح مسلم : كتاب الحج ، باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق ، رقم (1305) ] ، قال النووي : وفيه التبرك بشعره صلى الله عليه وسلم  وجواز اقتنائه [فتح الباري 1 : 274 ] ، وقال الذهبي [(3 : 158-160) ] عن ابن عباس ، قال : لما احتضر معاوية ، قال : إني كنت مع رسول صلى الله عليه وسلم  على الصفا ، وإني دعوت بمشقص ، فأخذت من شعره ، وهو في موضع كذا وكذا ، فإذا أنا مت ، فخذوا ذلك الشعر ، فاحشوا به فمي ومنخري ، وروي بإسناد عن ميمون بن مهران نحوه أن معاوية أوصى فقال : كنت أوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم  فنـزع قميصه وكسائيه فرفعته ، وخبأت قلامة أظفاره ، فإذا مت ، فألبسوني القميص على جلدي ، واجعلوا القلامة مسحوقة في عيني ، فعسى [الله أن يرحمني ببركتها] ، إسناده صحيح. ويزداد صحة بالطرق الأخرى ، وما بين المعقوفتين من تاريخ الطبري. والحديث أخرجه الطبري في تاريخه. وأخرجه البلاذري في أنساب الأشراف وأخرجه ابن سعد في الطبقات ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه [ تاريخ الطبري (6 : 182). وأنساب الأشراف للبلاذري في (5 : 160) والطبقات لابن سعد وابن عساكر في تاريخه (مخطوط ج 16 : ورقة 379) ] ،  وقال الذهبي (4 : 42-43) في ترجمة الإمام العلم الفقيه الثقة المتقن التابعي الجليل عبيدة بن ناجية السلماني رحمه الله : «وروى البخاري في صحيحه عن محمد بن سيرين قال : قلت لعبيدة : عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم  أصبناه من قبل أنس أو من قبل أهل أنس. فقال : لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها» اهـ ، وقال أنس : لما حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم  رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره [ رواه البخاري ] ، أبو طلحة هو زوج أم سليم والدة أنس ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1 : 274) : «فيه التبرك بشعره صلى الله عليه وسلم  وجواز اقتنائه» انتهى ، يقول الذهبي في السير (4 : 43) : «فنقول نحن إذ فاتنا ذلك : حجر معظم بمنـزلة يمين الله في الأرض مسته شفتا نبينا صلى الله عليه وسلم  لاثماً له ، فإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد ، فالتزم الحاج وقبل فمه وقل : فم مسه بالتقبيل حجراً قبله خليلي صلى الله عليه وسلم » ،  وقال الذهبي في السير (11 : 337) : قال الخلال : أخبرني عصمة بن عصام ، حدثنا حنبل قال : أعطى بعد ولد الفضل بن الربيع أبا عبدالله (أحمد بن حنبل) وهو في الحبس ثلاث شعرات فقال : هذه من شعر النبي صلى الله عليه وسلم  فأوصى أبو عبدالله عند موته أن يجعل على كل عين شعرة ، وشعرة على لسانه ففعل ذلك عند موته ، وقال ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (186-187) : (الباب الرابع والعشرون في ذكر تبركه واستشفائه بالقرآن وماء زمزم وشعر الرسول صلى الله عليه وسلم  وقصعته) ، ثم روى ابن الجوزي عن صالح ابن الإمام أحمد قال : كنت ربما اعتللت فيأخذ أبي قدحاً فيه ماء فيقرأ فيه ثم يقول : اشرب منه واغسل وجهك ويديك ، وروى ابن الجوزي عن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال : رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر صلى الله عليه وسلم  فيضعها على فيه ويقبلها ، وأحسب أني رأيته يضعها على عينيه ، ويغمسها في الماء ، ثم يشربه يستشفي به ، ورأيته قد أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم  فغسلها في حب الماء – أي الجرة – ثم شرب فيها ، ورأيته غير مرة يشرب ماء زمزم يستشفي به ، ويمسح به بدنه ووجهه اهـ ، وقال الذهبي رحمه الله (12 : 453) في ترجمة الإمام الحافظ الرباني الزاهد العابد القدوة محمد بن اسماعيل البخاري رضي الله عنه : قال محمد الوراق : دخل أبو عبدالله (البخاري) بفربر الحمّامَ وكنتُ أنا في مشلح الحمّام أتعاهد عليه ثيابه ، فلما خرج ناولته ثيابه فلبسها ثم ناولته الخف فقال : مسست شيئاً فيه شعر النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : في أي موضع هو من الخف؟ فلم يخبرني فتوهمت أنه في ساقه بين الظهارة والبطانة ، وقال الذهبي (16 : 484 و 487) : ابن حنـزابة الإمام الحافظ الثقة الوزير الأكمل أبو الفضل جعفر ابن الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر ، قال المسبحي : لما غُسل ابن حنـزابة جعل فيه ثلاث شعراتٍ من شعر النبي صلى الله عليه وسلم  كان أخذها بمالٍ عظيم ، وقال ابن طاهر : ولم يزل ينفق في البر والمعروف الأموال ، وأنفق كثيراً على أهل الحرمين الى أن اشترى داراً أقرب شيء إلى الحجرة النبوية ، وأوصى أن يدفن فيها ، وأرضى الأشراف بالذهب. فلما حمل تابوته من مصر تلقوه ودفن في تلك الدار. توفي سنة 391 ، قال الحافظ الذهبي (2 : 463) في ترجمة الصحابي الجليل شداد بن أوس الأنصاري رضي الله عنه : وكانت النعل [أي نعل سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ] زوجاً ، خلفها شداد [بن أوس] عند ولده ، فصارت إلى [ابنه] محمد بن شداد ، فلما أن رأت أخته خزرج مانـزل به وبأهله. جاءت ، فأخذت فرد النعلين وقالت : يا أخي ، ليس لك نسل ، وقد رزقت ولداً وهذه مكرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم  أحب أن تشرك فيها ولدي فأخذتها منه ، ( ج ) تبركه صلى الله عليه وسلم  بتربة المدينة ومواضع الأنبياء : عن عائشة رضي الله عنها : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه ، أو كانت به قرحة أو جرح ، قال النبي صلى الله عليه وسلم  بإصبعه هكذا ووضع سبابته بالأرض ثم رفعها : باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى بها سقيمنا بإذن ربنا ». متفق عليه ، واللفظ لمسلم [رواه البخاري في كتاب الطب ، باب رقية النبي ، رقم (5413) ، ومسلم في السلام ، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ، رقم (2194) ] ، قال ابن القيم : «وإذا كان هذا في التربات؛ فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها ، وقد خالطت ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقارنت رقيته باسم ربه ، وتفويض الأمر إليه » [ زاد المعاد (4 : 187) ،  الطب النبوي  145وما بعدها ] ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه  قال : «لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم  من تبوك ، تلقاه رجال من المتخلفين من المؤمنين ، فأثاروا غبارًا ، فخمّر بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم  أنفه ، فأزال رسول الله صلى الله عليه وسلم  اللثام عن وجهه وقال : والذي نفسي بيده إن في غبارها شفاء من كل داء» [ رواه رزين ، جامع الأصول (9 : 334). وانظر : الترغيب والترهيب (2 : 149) ] ، وأبرك تراب في المدينة ما كان في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ هو روضة من رياض الجنة ، فمن عاب تربتها فقد طعن في نفسه ، لأن تربة المدينة هي تربة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذا أفتى الإمام مالك رحمه الله فيمن قال : تربة المدينة رديئة ، بأن يضرب ثلاثين درة وأمر بحبسه ، وقال : ما أحوجه إلى ضرب عنقه؛ تربة دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم  يزعم أنها غير طيبة !! [ وفاء الوفا (1 : 82) ، وسبل الهدى والرشاد (3 : 463) ] وعن محمد بن عمران الأنصاري عن أبيه أنه قال : عدل إليّ عبد الله بن عمر وأنا نازل تحت سرحة بطريق مكة فقال : ما أنـزلك تحت هذه السرحة؟ فقلت : أردت ظلها ، فقال : هل غير ذلك؟ فقلت : لا ، ما أنـزلني إلا ذلك ، فقال عبد الله بن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا كنت بين   الأخشبين من منى ونفخ بيده نحو المشرق فإن هناك واديا يقال له : السرر ، به شجرة سر تحتها سبعون نبيا»   [ موطأ مالك : كتاب الحج ، باب جامع الحج ، رقم (949) ،  النسائي : كتاب مناسك الحج ، باب ما ذكر في منى ، رقم (2995) ،  وفي الكبرى رقم (3986) ،  البيهقي في السنن الكبرى رقم (9392) ،  ابن حبان في صحيحه رقم (6244)  ] (حديث صحيح) يقول الزرقاني : وفيه التبرك بمواضع النبيين [ شرح الزرقاني 2 : 530 ]  ويقول ابن عبدالبر : وفي هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم ، وإلى هذا قصد عبد الله بن عمر بحديثه هذا ، والله أعلم [ التمهيد 13 : 66-67 ] ،   ولقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم  في رحلة الإسراء والمعراج قد صلى في بعض الأماكن تبركاً بأصحابها : فروى النسائي في (المجتبى) حديث الإسراء والمعراج بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه  في كتاب الصلاة باب فرض الصلاة وفيه : « …فسرت فقال : انـزل فصل فصليت ، فقال : أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجرة  ثم قال انـزل فصل فصليت ، فقال : أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى ، ثم قال : انـزل فصل فصليت فقال : أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام …» إلى آخر الحديث ، يقول الإمام السندي في الحاشية [(1 : 222) برقم (450) ] : « صليت بطور سيناء وهذا أصل كبير في تتبع آثار الصالحين والتبرك بها والعبادة فيها» أ.هـ ، وروى الحافظ الثقة محمد بن اسماعيل الترمذي حديث الإسراء عن شداد بن أوس رضي الله عنه  وذكر فيه نـزول النبي صلى الله عليه وسلم  للصلاة في المواضع الثلاثة ورواه عنه الإمام البيهقي بطريقين وقال إن إسناده صحيح وذكر له شواهد كثيرة تؤيده انظر دلائل النبوة للبيهقي [ (2 : 356) ] ، وفي هذا الحديث نرى النبي صلى الله عليه وسلم  صلى بطور سيناء وببيت لحم مولد عيسى عليه السلام فسن لنا بذلك سنة الصلاة لله في الأماكن المباركة ، وما مكان مولد عيسى عليه السلام بأفضل من مكان مولد محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذا الحديث أصل كبير في تتبع المواطن المباركة والصلاة فيها لله ، ( ح ) التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته  : قال الذهبي (2 : 630) في ترجمة السيد الحافظ الفقيه الصحابي الجليل أبي هريرة عبدالرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه : «مزود أبي هريرة (والمزود هو وعاء الزاد) ، قال حماد بن زيد : حدثنا المهاجر مولى آل أبي بكرة ، عن أبي العالية ، عن أبي هريرة ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  بتمرات ، فقلت : ادع لي فيهن يا رسول الله بالبركة. فقبضهن ، ثم دعا فيهن بالبركة ، ثم قال : «خذهن فاجعلهن في مزود ، فإذا أردت أن تأخذ منهن ، فأدخل يدك ، فخذ ولا تنثرهن نثرا» ، فقال : فحملتُ من ذلك التمر كذا وكذا وسقا في سبيل الله ، وكنا نأكل ونطعم ، وكان المزود معلقا بحقوي ، (أي خصري) لا يفارق حقوي ، فلما قتل عثمان انقطع » والحديث أخرجه أحمد (2 : 352) والترمذي (3739) وقال الترمذي : حسن غريب [ أحمد (2 : 352) والترمذي (3739)  ] ،  وقال الحافظ الذهبي في معجم شيوخه : عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يكره مسّ قبر النبي صلى الله عليه وسلم . قلت (القائل الذهبي) : كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب. وقد سئل أحمد بن حنبل عن مسّ القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأساً. رواه عنه ولده عبدالله بن أحمد [ معجم الشيوخ (1 : 73) ]  فإن قيل : فهلا فعل ذلك الصحابة؟ قلنا نعم : وهنا أحاديث : ( الحديث الأول ) : أخرج أبو الحسين يحيى بن الحسين بن جعفر في (أخبار المدينة) عن المطلب بن عبدالله بن حنطب قال : أقبل مروان بن الحكم فإذا رجل ملتزم القبر فأخذ مروان برقبته ثم قال : هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فقال : نعم إني لم آت الحجر ولم آت اللبن إنما جئت رسول صلى الله عليه وسلم ، لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله ، قال المطلب : وذلك الرجل : أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، قلت : وهو مروي في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم وللطبراني في الكبير ، وفي أحد رواياته (واضعا وجهه على القبر) وهو صحيح بمجموع طرقه وصححه الحاكم والذهبي والسيوطي وغيرهم ، ( الحديث الثاني ) : عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال : « رأيت أسامة يصلي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج مروان بن الحكم فقال : تصلي عند قبره؟ قال إني أحبه فقال له قولا قبيحا…» الحديث ، رواه ابن حبان في صحيحه والطبراني وأحمد في مسنده حديث صحيح ، ( الحديث الثالث ) : أخرج الحاكم في مستدركه عن علي بن الحسين عن أبيه : «أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم  كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده » قال الحاكم : (هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات). فهو حديث صحيح ، وهو تبرك بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالحاصل أن الصلاة والدعاء عند القبر تبركا بصاحبه وتوسلا إلى الله به ليس فيها مخالفة ، بل هي سنة صحابية مع أنهم عاينوه حياً ، وقبلوا يده ، وكادوا يقتتلون على وضوئه ، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر ، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه ، يقول الذهبي : « … ونحن لما لم يصح (أي لم يقع) لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل. ألا ترى كيف فعل ثابت البناني؟ كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول : يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرطُ حبه للنبي صلى الله عليه وسلم  إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه وولده والناس أجمعين ، ومن أمواله ومن الجنة وحورها ، بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر وعمر أكثر من حب أنفسهم ، ألا ترى الصحابة في فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم  قالوا : ألا نسجد لك؟ فقال : لا ، فلو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير ، لا سجود عبادة ، كما قد سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف ، وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم  على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلاً ، بل يكون عاصياً ، فليعرف أن هذا منهي عنه ، وكذلك الصلاة الى القبر». انتهى كلام الحافظ الذهبي ، وقال الذهبي (5 : 358-359) : قال مصعب بن عبدالله : حدثني إسماعيل بن يعقوب التيمي قال : كان ابن المنكدر يجلس مع أصحابه ، فكان يصيبه صمات (أي إغلاق واعتقال في اللسان) فكان يقوم كما هو حتى يضع خده على قبر النبي صلى الله عليه وسلم  ثم يرجع ، فعوتب في ذلك! فقال : إنه يصيبني خطر فإذا وجدت ذلك استعنت بقبر النبي صلى الله عليه وسلم . وكان يأتي موضعا من المسجد (مسجد صلى الله عليه وسلم ) يتمرغ فيه ويضطجع ، فقيل له في ذلك؟ فقال : إني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم  في هذا الموضع ، وجاء نصه في تاريخ الاسلام للذهبي (حوادث سنة 121 – 140) : إنه تصيبني خطرة ، فإذا وجدت ذلك استغثت بقبر النبي صلى الله عليه وسلم . انتهى [ تاريخ الإسلام (8 : 256) ] ، وهذه الرؤيا إما أن تكون مناماً ، وإما أن تكون يقظة ، فإن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم  يقظة غير ممتنعة عقلا ولا شرعاً ، والأدلة على ذلك كثيرة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة » [حديث صحيح ، رواه أحمد (1 : 400) وابن ماجه (2 : 1284) والبزار (7 : 201) والطيالسي (1 : 317) والطبراني في الأوسط (مجمع 7 : 181) والكبير (مجمع 7 : 181 و182) من طرق عنه صلى الله عليه وسلم ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة » [رواه البخاري (6993).وانظر للفائدة : في فتح الباري (12 : 385) ] ، وأحب أن أعرّف على وجه السرعة ، بهذا الإمام الجليل الثقة محمد بن المنكدر ، قال الحافظ الذهبي في السير (5 : 353) الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام. قال ابن حبان : كان من سادات القراء ، لايتمالك البكاء إذا قرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال مالك : كان ابن المنكدر سيد القراء. انتهى ، فمثل هذا الإمام العظيم يصدر منه ما تقدم ، ويتبرك بقبر سيد الأكوان صلى الله عليه وسلم ، وقال الذهبي [ السير ( 12 : 400 و 404) ] : الإمام الحافظ الرباني الزاهد العابد القدوة محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه : [قال البخاري : ] وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الليالي المقمرة ، وقَلَّ اسم في التاريخ إلا وله قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب ، وقال ابن عدي ، سمعت عبدالقدوس بن همام يقول : سمعت عدة من المشايخ يقولون : حول محمد بن إسماعيل تراجم جامعة بين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومنبره ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين ، وقد صنفه عند القبر الشريف ليستمد البركة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فإنه حي في قبره صلى الله عليه وسلم . وليت البخاري ذكر هذه القصص التي ذكرها الحافظ الذهبي ، فإنها تحتوي العجائب. وقول البخاري المذكور رواه الخطيب في التاريخ [ تاريخ بغداد (2 : 325)  ] ، قال الحافظ العراقي : أخبرني الحافظ أبو سعيد العلائي قال : رأيت في كلام ولد أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم  وتقبيل غيره؟ فقال : لا بأس بذلك. فأريناه ابن تيمية فصار يتعجب من ذلك ويقول : عندي أحمد جليل !! يقول هذا؟! قال : وأي عجب في ذلك؟!!.

[  4  ] : التبرك بالصالحين : النصوص في إثبات التبرك كثيرة جداً وفهم منها السادة الفقهاء الحفاظ الأعلام جواز التبرك بالسادة الصالحين قدس الله سرهم ، وقد ذهب قوم لا تقوم بمذهبهم الحجة إلى أن التبرك خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم   وخاص بحياته !. وهذا التخصيص بنوعيه : باطل بدعة ، لم يقل به أحد من السلف ، ولا المعتبرون من الخلف ، وذلك لأن نصوص التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم  عامة ولا يجوز تخصيصها إلا بدليل من الكتاب أو السنة ، ومن زعم أنها مخصوصة ولم يأت بدليل مخصص فقد أخطأ. وإلى هؤلاء وغيرهم نهدي هذا الحديث الذي رواه البيهقي في (شعب الإيمان) والطبراني في (الأوسط) من حديث ابن عمر رضي الله عنه بإسناد حسن قال : «قلت يا رسول الله أتوضأ من جرّ حديد مخمر أحب إليك أم من المطاهر؟ قال : لا بل من المطاهر ، إن دين الله يسر الحنيفية السمحة» ، قال : « وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين» ، قال الهيثمي : رجاله موثقون [شعب الإيمان (20) باب في الطهارات ح (2791) ج3 ص30 ، مجمع الزوائد ج1 ص14 ] ، فمن منع التبرك بالصالحين بعد أن تبرك بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقد تنكب عن صلى الله عليه وسلم  وخالف هديه ، أما من منع التبرك به صلى الله عليه وسلم  بعد وفاته فقد خالف ما أجمعت عليه الأمة من صحابته والتابعين من التبرك بآثاره المختلفة ومرّ نماذج لذلك ، وإليك بعض ما جاء عن العلماء في هذه المسألة : قال الإمام الحافظ ضياء الدين المقدسي الدمشقي الحنبلي : سمعت الحافظ أبا موسى ابن الحافظ عبدالغني يحدث عن رجل بدمياط قال : كنت يوما عند الحافظ (عبدالغني المقدسي) فقلت في نفسي : كنت أشتهي لو أن الحافظ يعطيني الثوب الذي يلي جسده حتى أكفن فيه فلما أردت القيام قال : لا تبرح. فلما انصرف الجماعة خلع ثوبه الذي يلي جسده وأعطانيه ، قال : فبقي الثوب عندنا ، وكل من مرض أو وجع رأسه تركوه عليه حتى يبرأ بإذن الله تعالى. انتهى ، وقال الحافظ أبوبكر الخطيب في تاريخ بغداد وابن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة وابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد وابن الجوزي في المنتظم والعليمي الحنبلي في المنهج الأحمد في ترجمة علي بن محمد بن بشار الزاهد العارف الولي الصالح شيخ الحنابلة المتوفى سنة 313هـ : دفن بالعقبة وقبره إلى الآن ظاهر معروف يتبرك الناس بزيارته انتهى [ الخطيب في تاريخ بغداد (13 : 534)دار الغرب ، بشار وابن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة (2 : 63) وابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد (2 : 254) وابن الجوزي في المنتظم (13 : 252) والعليمي الحنبلي في المنهج الأحمد (2 : 213)  ] ، وقال ابن أبي يعلى في الطبقات (2 : 255) أبو بكر أحمد بن علي بن أحمد العلثي أحد المشهورين بالصلاح والزهد ، صحب الوالد السعيد سنين يسمع درسه والحديث منه ، فعادت بركته عليه فصار عالما زاهدا عابدا فظهر له في الناس القبول والمحبة وإجابة الدعاء. انتهى ،  وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة : أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالرحمن البغدادي ، أحد الفقهاء العقلاء والمناظرين والأذكياء ، مات بآمد سنة سبع أو ثمان وستين وأربع مائة ، وقبره هناك يقصد ويتبرك به انتهى [طبقات الحنابلة (2 : 234) ] ، وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد والعلامة العليمي الحنبلي في المنهج الأحمد في ترجمة علي بن محمد المذكور : وقبره هناك مقصود بالزيارة. انتهى [المقصد الأرشد (2 : 253) المنهج الأحمد (2 : 382)  ] ، وقال الإمام النووي في التبرك بآثار الصالحين : ومنها التبرك بالصالحين وآثارهم والصلاة في المواضع التي صلوا بها وطلب التبريك منهم [شرح النووي على صحيح مسلم 5 : 161 ] ،  وفي الفروع للعلامة ابن مفلح [ الفروع 3 : 125 ، ] : " ونقل ابن القاسم وشندي أن أحمد سئل عن الرجل يأتي المشاهد ويذهب إليها ترى ذلك؟ قال : أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم   أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى وعلى نحو ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم  وأثره فليس بذلك بأس ، إلا أن الناس أفرطوا في هذا جدا وأكثروا. قال ابن القاسم : فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده" أهـ ، ( قلت ) : فلم ينه إمام أهل السنة إلا عن الإفراط ، ومثل بما يصنع عند قبر الحسين رضي الله عنه ولا يخفى ما تصنعه الشيعة عند قبر الحسين من الفظائع من ضرب أنفسهم ونحو ذلك ،

[  5  ] : كلام السادة الحنابلة حول التبرك : جاء في دليل الطالب : وسن أن يحمد الله إذا فرغ ، ويقول الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ، ويدعو لصاحب الطعام ، ويفضل منه شيئا لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته [ دليل الطالب 1 : 248 ] ، وفي الإنصاف : قال ابن الزاغوني وغيره : وليأت المنبر فيتبرك به تبركا بمن كان يرتقي عليه ، [ الإنصاف للمرداوي 4 : 54 ] ، وفيه أيضا : ويستحب للضيف أن يفضل شيئا لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته أو كان ثم حاجة [ الإنصاف للمرداوي 8 : 333 ] ، وفي منار السبيل : ويفضل منه –أي الضيف- شيئا ولاسيما إن كان ممن يتبرك بفضلته ، أو كان ثم حاجة. قال أبو أيوب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا أتى بطعام أكل وبعث بفضله إلي فيسأل أبو أيوب عن موضع أصابعه فيتبع موضع أصابعه [منار السبيل 2 : 192 ] ، وفي كشاف القناع : ويستحب للضيف أن يفضل شيئا من الطعام لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته أو كان ثم حاجة إلى إبقاء شيء منه [كشاف القناع 5 : 181 ] ، وفي المغني : ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم ، وكذلك في البقاع الشريفة ، وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما أن موسى عليه السلام لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر» [المغني 2 : 193 ، والحديث رواه البخاري في الجنائز ، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها ، رقم (1274) ، وفي أحاديث الأنبياء ، باب وفاة موسى وذكره بعد ، رقم (3226) ، مسلم في الفضائل ، باب من فضائل موسى ، رقم (2372) ] ، وفي الفروع : ويجوز لمس القبر باليد ، وعنه - أي الإمام أحمد - : يكره؛ لأن القرب متلقى من التوقيف ولم يرد به سنة؛ ولأنه عادة أهل الكتاب ، وعن الشافعية كهذا ، وعن الحنفية مثله والذي قبله ، وعنه : يستحب ، صححها أبو الحسين في التمام ، لأنه يشبه مصافحة الحي ، لا سيما ممن ترجى بركته [ الفروع 2 : 233-234 ] ، وفي الإنصاف : يجوز لمس القبر من غير كراهة... وعنه : يكره. وأطلقهما في الحاويين ، والفائق ، وابن تميم. وعنه : يستحب. قال  أبو الحسين في تمامه : وهي أصح [الإنصاف 2 : 562-563 ] ، وفي غاية المنتهى : ولا بأس بلمس قبر بيد لا سيما من ترجى بركته [ غاية المنتهى مع مطالب أولي النهى 1 : 934 ] ، وفي المغني : مسألة : قال وإذا غدا من طريق رجع من غيره وجملته أن الرجوع في غير الطريق التي غدا منها سنة ، وبهذا قال مالك والشافعي ، والأصل فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يفعله قال أبو هريرة : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره» [الترمذي : كتاب الجمعة عن رسول الله ، باب ما جاء في خروج النبي إلى العيد في طريق ورجوعه من طريق آخر ، رقم (541) ] ، قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وقال بعض أهل العلم : كان يحب المساواة بين أهل الطريقين في التبرك بمروره بهم وسرورهم برؤيته وينتفعون بمسألته ، وقيل : لتبرك الطريقين بوطئه عليهما.. [المغني 2 : 124 ] ، والشاهد قوله : وقيل لتبرك الطريقين بوطئه عليهما ، أسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ، [ تم مبحث كلمة هادئة في التبرك للدكتور عمر كامل ] ،

 

عدد الزيارات 42 آخر تعديل على الأربعاء, 18 تموز/يوليو 2018 15:30

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا