جديد الموقع

تحقيق القول في مسألة اتخاذ القبور مساجد وأنها من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد مميز


الخميس, 12 تموز/يوليو 2018 13:50 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تحقيق القول في مسألة اتخاذ القبور مساجد  وأنها من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد

 

( 1 ) الأحاديث الواردة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد

لقد وردت أحاديث صحيحة تنهى عن اتخاذ القبور مساجد : منها : ( الحديث الاول )  : أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه : (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ))  قالت : فلولا ذاك أُبرِز قبره  ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً ، [ البخاري ح : 1390 ، ومسلم : ح 529 ] ، و ( الحديث الثاني ) : أخرج البخاري ومسلم عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه ، وهو يقول : (( لعنة الله على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائِهم مساجِد يحذر ما صنعوا )) [ البخاري : 435 ، ومسلم : ح 531 ] ، و ( الحديث الثالث ) : أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( قاتلَ اللهُ اليهودَ ؛ اتخذوا قُبُورَ أنبيائِهِمْ مَسَاجِد )) [ البخاري ح 437 ، ومسلم : ح 530 ] ، و ( الحديث الرابع ) : أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأَيْنَهَا بالحبشةِ فيها تصاويرُ ، فذكرتا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقال : إن أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات ، بَنَوْا على قَبرِهِ مَسجِدًا ، وصَوَّرُوا فيه تيك الصورَ ، أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ )) [ البخاري ح : 3873 ] ، وأخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها بلفظ : ((أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأينها بالحبشةِ ، فيها تصاويرُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : " إن أولئك ، إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ ، فمات بنوْا على قبرِه مسجدًا ، وصوروا فيه تلك الصورَ . أولئك شرارُ الخلقِ عند اللهِ يومَ القيامةِ )) [ مسلم : ح 528 ] ، و ( الحديث الخامس ) : أخرج مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ؛ أنه قال : ((سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قبلَ أن يموتَ بخمسٍ ، وهو يقولُ : إني أبرأُ إلى اللهِ أن يكونَ لي منكم خليلٌ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاُ ، كما اتخذ إبراهيمَ خليلاً ,ولو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلاً , ألا وإن من كان قبلَكم كانوا يتخذون قبورَ أنبيائِهم وصالحيهم مساجدَ, ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ, إني أنهاكم عن ذلك )) [ مسلم : ح 532 ] ،

 

( 2 ) المعنى المقصود من اتخاذ القبور مساجد

لها ثلاث احتمالات ( الأول ) : الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها ، و ( الثاني ) : السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء ، و ( الثالث ) : بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها ، وهنا يأتي دور الفقيه لتحديد المعنى المقصود من النهي في الأحاديث ، ( قلت ) : اتفق الفقهاء على المعنى الاول والثاني ، واختلفوا في المعنى الثالث هل يتناوله النهي أم لا ، وسبب ذلك ما جاء في الكتاب والسنّة وعمل المسلمين على مر العصور بما يُخالف ذلك ، فمما جاء في كتاب الله تعالى مما يُخالف المعنى الثالث ، قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } [ الكهف : 21 ] ، قال الفقهاء فقد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبورهم ، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا كما يظن البعض لما سكت عنه القرآن ، ولو كان كبيرة  لنوه إلى ذلك القرآن الكريم لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار فقط عن حالهم ، وهذا أمر يتنزه القرآن عنه أن يسرد واقعة فيها شرك او كبيرة من الكبائر ثم لا يُشير إليها ولا يعقب عليها ، ولهذا حمل الفقهاء الذم في حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأَيْنَهَا بالحبشةِ فيها تصاويرُ ، فذكرتا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقال : إن أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات ، بَنَوْا على قَبرِهِ مَسجِدًا ، وصَوَّرُوا فيه تيك الصورَ ، أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ )) [ البخاري ح : 3873 ] ، على التصاوير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن وضع التصاوير في أماكن عبادتهم من قبيح فعلهم ، مع أن التصاوير منهي عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة ؟ فالذم في الحديث منصب على التصاوير لا على بناء المسجد ، لأنه يوافق القرآن في قول الله تعالى { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } ، وأمّا الأدلة الأخرى على كون المعنى الثالث غير مراد أو أنّه مختلف فيه ، فمن ذلك : كون قبر النبي صلى الله عليه و سلم في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه صلى الله عليه و سلم في مسجده ، ومنه أيضاً : صلاة النبي صلى الله عليه و سلم في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ، ومنه أيضا ما ذكر في بعض الآثار أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه ، ومنه أيضا ما ورد في السيرة أنّ أول من بُنى عليه مسجد في الإسلام كان بناء أبي جندل رضي الله عنه مسجدا على قبر أبي بصير رضي الله عنه في عهد النبي صلى الله عليه و سلم كما جاء في « الاستيعاب » لابن عبد البر ، وأنّه على مر عصور الإسلام كان المسلمون إذا مات العالم أو الصالح دفنوه في المسجد ، ( قلت ) وهي ما عدا الدليل الاول والثاني ادلة ضعيفة لا ترقى إلى درجة الاستدلال بها بهدف الحسم في القضية ، وعلى تقدير عدم ثبوتها فإنّ أقصى ما وصل إليه الفقهاء في المسألة هو كراهة بناء المساجد على المقابر ، عدا المذهب المالكي فإنّه لا يرى الكراهة ولكن يرى الجواز بلا كراهة ، ورواية عن الإمام أحمد بحرمة ذلك ، وهذه المسألة إذا بُني المسجد على القبر ، ولكن إن دُفن الصالح في المسجد فلم يقل أحد من الفقهاء المعتبرين ببطلان الصلاة في تلك المساجد ، والأمر كما ترى خلاف فقهي في مسائل لا تبلغ حد التحريم ، فمن الخلل الجسيم ادراجها ضمن مباحث التوحيد ، ومن أوردها فإنه أوردها بسبب الحديث المرسل عن عطاء بن يسار : (( اللهمَّ لا تجعلْ قبري وَثَنًا يُعبدُ ، اشتدَّ غضَبُ اللهِ على قومٍ اتخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ )) فقد أخرج الإمام مالك في " الموطأ " عن عطاء بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال  : ((  اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ  )) ، ولكن ورد الحديث مسندا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( اللهم لا تجعل قبري وثنا ، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) ، هكذا من دون كلمة ( يعبد ) ، قال الحافظ ابن رجب في " فتح الباري " (2 : 441) عن حديث أبي هريرة : " بإسناد فيه نظر ". ، قال ابن عبد البر رحمه الله : ( الوثن : الصنم ، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة ، أو غير ذلك من التمثال ، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن ، صنما كان أو غير صنم ؛ وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها ، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم : كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم ، فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه ، ويسجد نحوه ويعبد فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله ، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم ، واتخذوها قبلة ومسجدا ، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها ، وذلك الشرك الأكبر ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه ، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم  ) أهـ [ التمهيد " (5 : 45 ) ] ، وقال أيضا : ( وليس فيه حكم أكثر من التحذير أن يُصلَّى إلى قبره ، وأن يتخذ مسجدا ، وفي ذلك أمر بأن لا يعبد إلا الله وحده ، وإذا صنع من ذلك في قبره ، فسائر آثاره أحرى بذلك ، وقد كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان ، وذلك والله أعلم مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك  ) أهـ [ الاستذكار " (2 : 360 ) ] ، وقد نقل هذا الكلام الحافظ ابن رجب رحمه الله ، وأكده ، ثم قال : (  وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى  : قال الشافعي رحمه الله : وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا ، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده ، وقال صاحب " التنبيه " من أصحابه : أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله متوجها إليه فحرام ، قال القرطبي : بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فأعلوا حيطان تربته ، وسدوا الداخل إليها ، وجعلوها محدقة بقبره ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين ، فتتصور إليه الصلاة بصورة العبادة ، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين ، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال ، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره . ولهذا المعنى قالت عائشة : ( ولولا ذلك لأبرز قبره  ) أهـ [  فتح الباري لابن رجب (2 : 442-443 ) ] ، وقد ذكر القاضي عياض رحمه الله أن هذا الحديث كان دليل الإمام مالك رحمه الله على كراهة أن يقول المسلم : زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم . خشية أن يكون هذا الكلام من اتخاذ القبر وثنا يعبد ، يقول القاضي عياض رحمه الله  : ( الأَوْلى عندي أن منعَه وكراهة مالك له – قول : زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم - لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لو قال : زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدى ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ))  ) [  الشفا : (2 : 84 ) ] ، ومن أقوال الفقهاء حوله يتبين أنّه خارج اطار علم التوحيد وداخل في إطار علم الفقه ، وللحديث بيان في مباحث الفصل ، 

قال الألباني في رسالته : " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد : (معنى اتخاذ القبور مساجد : لقد تبين من الأحاديث السابقة خطر اتخاذ القبور مساجد ، وما على من فعل ذلك من الوعيد الشديد عند الله عز وجل ، فعلينا أن نفقه معنى الاتخاذ المذكور حتى نحذره ، فأقول : الذي يمكن أن يفهم من هذا الاتخاذ إنما هو ثلاث معان : الأول : الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها ، الثاني : السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء ، الثالث : بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها ، وبكل واحد من هذه المعاني قال طائفة من العلماء ، وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم ، أما الأول ، فقال ابن حجر الهيتمي في " الزواجر " ( 1 : 121 ) : « واتخاذ القبر مسجدا معناه الصلاة عليه أو إليه » ، فهذا نص منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملا لمعنيين أحدهما الصلاة على القبر ، وقال الصنعاني في « سبل السلام » ( 1 : 214 ) : « واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها » ، .. ويشهد للمعنى الأول أحاديث : ( الأول ) : عن أبي سعيد الخدري : (( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها )) [ رواه أبو يعلى في « مسنده » ( ق 66 : 2 ) وإسناده صحيح وقال الهيثمي ( 3 : 61 ) : " ورجاله ثقات ] ، و ( الثاني ) : قوله صلى الله عليه و سلم : (( لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر )) [ رواه الطبراني في « المعجم الكبير » ( 3 : 145 : 2 ) وعنه الضياء المقدسي في « المختارة » عن عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا وقال المقدسي : " وعبد الله بن كيسان قال فيه البخاري : منكر الحديث قال أبو حاتم الرازي ضعيف وقال النسائي : ليس بالقوي إلا أني لما رأيت ابن خزيمة والبستي أخرجا له أخرجناه " قلت : لكن الحديث صحيح ، فإن له عند الطبراني ( 3 : 150 : 1 ) طريقا آخر خيراً من هذه عن ابن عباس علقه البخاري في « التاريخ الصغير » ( ص 163 ) ، وشطره الأول له شاهد من حديث أبي مرثد ] ، و ( الثالث ) : عن أنس : أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن الصلاة إلى القبور [ رواه ابن حبان ( 343 ) ] ، و ( الرابع ) : عن عمرو بن دينار – وسئل عن الصلاة وسط القبور – قال : ذكر لي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فعلنهم الله تعالى )) [ رواه عبد الرزاق ( 1591 ) وهو مرسل صحيح الإسناد ، وموضع الشاهد منه أن عمرا استشهد بالحديث على النهي عن الصلاة بين القبور ، فد على أنه يعني المعنى المذكور ] ،  وأما المعنى الثاني : فقال المناوي في « فيض القدير » حيث شرح الحديث الثالث المتقدم : " أي اتخذوها جهة قبلتهم مع اعتقادهم الباطل ، وإن اتخاذها مساجد لازم لاتخاذ المساجد عليها كعكسه ، وهذا بين به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم . قال القاضي ( يعني البيضاوي ) : لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم ، ويجعلونها قبلة ، ويتوجهون في الصلاة نحوها ، فاتخذوها أوثاناً لعنهم الله ، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه ... " ، قلت : وهذا معنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال صلى الله عليه و سلم : « لا تجلسوا على القبور و لا تصلوا إليها )) [ رواه مسلم ( 3 : 62 ) وأبو داود ( 1 : 71 ) والنسائي ( 1 : 124 ) والترمذي ( 2 : 154 ) ] ، قال الشيخ علي القاري في « المرقاة » ( 2 : 372 ) معللا النهي : " لما فيه من التعظيم البالغ كأنه من مرتبة المعبود ، ولو كان هذا التعظيمُ حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم ، فالتشبه به مكروه ، وينبغي أن تكون كراهة تحريم . وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة ( يعني قبلة المصلين ) وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها " ، .. ونحو الحديث السابق ما روى ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال : ( كنت أصلي قريباً من قبر ، فرآني عمر بن الخطاب فقال : القبر القبر . فرفعت بصري إلى السماء ، وأنا أحسبه يقول : القمر! )) [ رواه أبو الحسن الدينوري في « جزء فيه مجالس من أمالي أبي الحسن القزويني » ( ق 3 : 1 ) بإسناد صحيح ، وعلقه البخاري ( 1 : 437 _ فتح ) ، ووصله عبد الرزاق أيضا في « مصنفه » ( 1 : 404 : : 1581 ) وزاد : « إنما أقول القبر : لا تصل إليه » ] ، وأما المعنى الثالث : فقد قال به الإمام البخاريُّ ، فإنه ترجم للحديث الأول بقوله « باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور » ، فقد أشار بذلك إلى أن النهي عن اتخاذ القبور مسجداً يلزمُ منه النهي عن بناء المساجد عليه ، وهذا أمر واضح ، وقد صرح به المناوي آنفا وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث : " قال الكرماني : مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجداً ، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر ومفهومها متغاير ، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم " [ تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني ] ، ( قلت ) : لعلنا نلحظ فقه الإمام البخاري حيث ترجم للحديث بقوله « باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور » ، فجعله من باب الكراهة وليس التحريم وشتان بين الكراهة وبين التحريم وشتان ما بين التحريم وما بين الشرك

 

( 3 ) أقوال الفقهاء حول المعنى الثالث المختلف فيه

 

[  1  ] : قال الحافظ عبد الله بن محمد الصديق الغماري في رسالته : " إعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد " ( معنى الحديث اتخاذ القبور مساجد : السجود لها على وجه تعظيمها وعبادتها ، كما يسجد المشركون للأصنام والأوثان وهو شرك صريح ، وهذا المعنى ، منطوق اللفظ وحقيقته ، وثبتت أحاديثه مبينة له ومؤيدة منها : حديث عائشة عن الشيخين قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مرضه الذي لم يقم منه (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) ، قالت : فلولا ذلك ، أبرزوا قبره ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً أي يسجد له ، قال القاضي عياض : شدد في النهي عن ذلك ، خوف أن يتناهى في تعظيمه ، ويخرج عن حد المبرة إلى حد النكير فيعبد من دون الله عز وجل ، ولذا قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد )) لأن هذا الفعل كان أصل عبادة الأوثان ولذا لما كثر المسلمون في عهد عثمان واحتيج إلى الزيادة في المسجد وامتدت الزيادة حتى أدخلت فيه بيوت أزواجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أدير على القبر المشرف حائط مرتفع ، كي لا يظهر القبر في المسجد ، فيصلى إليه العوام ، فيقعوا في اتخاذ قبره مسجداً ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من جهة الشمال ، حتى لا يمكن استقبال القبر في الصلاة ، ولذا قالت : لولا ذلك لبرز قبره اهـ ، وهذا يبين أن اتخاذ القبر مسجداً ، هو السجود له ، ومنها : ما رواه ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( اللهم لا تجعل قبري وثناً لعن الله قوماً اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد ))  جملة لعن الله قوماً ، بيان لمعنى جعل القبر وثناً ، ومعنى الحديث : اللهم لا تجعل قبري وثناً يسجد له ويعبد كما سجد قوماً لقبور أنبيائهم ، ومنها : ما رواه البزار عن أبي سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( اللهم إني أعوذ بك من أن يتخذ قبري وثناً فإن الله تبارك وتعالى اشتد غضبه على قوم اتخذوا  قبور أنبيائهم مساجد )) إسناده ضعيف ، لكن حديث أبي هريرة شاهد له ، ومنها : ما رواه ابن سعد في الطبقات قال : أخبرنا معن ابن عيسى ، أخبرنا مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد . اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ))  ، مرسل صحيح الإسناد ، ومنها : ما رواه ابن أبي شيبة ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلى له ، اشتد غضب الله على قوم ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) ، ورواه عبد الرازق ، عن معمر ، عن زيد به وإسناده صحيح . تقرر في علم المعاني : أن الجملتين إذا كانتا بمعنى واحد فإنهما يجردان عن العاطف ، كما في هذه الأحاديث ، لإفادة اتحادهما في المعنى ، هل للحديث معنى آخر ؟ : ذكر كثير من شراح الحديث : أن اتخاذ القبور مساجد يحتمل معنيين : السجود لها وعبادتها ، كما سبق . وبناء المساجد عليها ، وهذا المعنى خطأ لا يصح ، وبيان ذلك من وجوه : ( الأول ) : أنه مجاز ، والمجاز لا يجتمع مع الحقيقة في كلمة ، كما تقرر في علم البيان وهو الراجح عند جمهور الأصوليين ، ( الثاني ) : وعلى القول الضعيف بجواز اجتماعهما ، فإنما يمكن ذلك إذا كان في سياق نفي ، فيصح نفي الحقيقة ، والمجاز معاً في كلمة ، كأن يقال : ما رأيت أسداً ، ويراد الحيوان المفترس والرجل الشجاع ، والنفي أوسع دائرة من الإثبات . والفعل في الحديث مثبت ، وهو اتخذوا ، والفعل المثبت لا يعم ، فلا يراد به إلا الحقيقة ، ( الثالث ) : أن بناء المساجد على القبور ، ثبت فيه حديث بخصوصه وهذا يبين أنهما معنيان مختلفان بالحقيقة والمجاز ، 

[  بناء المساجد على القبور ] : روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأيناها بالحبشة ، فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { أن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فما بنوا على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة } ؟ فهذا الحديث وراد في بناء المسجد على القبر ، ومن ضمه إلى حديث اتخاذ القبور مساجد ، وجعل معناهما واحد فقد أخطأ ووهم وهماً كثبيراً ، يظهر ذلك بكلام على معنى الحديث وشرحه ، فقوله { أولئك شرار الخلق } قال الأبي : الأظهر في الإشارة أنها لمن نحت وعبد وأن كانت لمن نحت فقط فيحتمل كونهم شرار بتصويرهم ، لحديث وعيد المصورين ، فذم أولئك ليس لبنائهم المسجد ولكن لنحتهم التصاوير يؤيد هذا أن البخاري قال في الصحيح : باب الصلاة في البيعة وقال عمر رضي الله عنه : أنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور ، وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل ، قال الحافظ : أثر عمر وصله عبد الرازق من طريق أسلم مولى عمر قال : لما قدم الشام صنع له رجل من النصارى طعاماً وكان من عظمائهم وقال : أحب أن تجيبني وتكرمني ، فقال له عمر : أنا لا ندخل كنائسكم إلخ ، وأثر بن عباس وصله البغوي في الجعديات ، وزاد : فإن كان فيها تماثيل ، خرج فصلى في المطر ، أي في محل بارز للمطر ، فصح أن الذكم في الحديث لنحت التصاوير والتماثيل ، لا لبناء المسجد ، لأنه مكان للعبادة لا ذم يلحق فاعله ، أما قول ابن عباس : لعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج فهو وأن حسنه الترمذي حديث ضعيف ، في سنده أبو صالح اسمه باذان ويقال باذام ضعيف مدلس وكيف يلعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زائرات القبور مع أنه أباح لهن زيارتها ؟  وأخرج ابن سعد في الطبقات : أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء أخبرنا عوف عن الحسن ، قال : ائتمروا أن يدفنوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد فقالت عائشة : كان واضعاً رأسه في حجري إذ قال { قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } فأجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة ، قلت : عزم الصحابة على دفنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد ، إذ لم يروا في ذلك حرجاً ، لكن منعهم حديث عائشة وخاف أن يتخذ قبره مسجداً يسجد له ، وقال البيضاوي : لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها ، واتخذوها أوثاناً ، لعنهم ومنع المسلمين على مثل ذلك ، فأما من اتخذا مسجداً في جوار صالح ، وقصد التبرك بالقرب منه ، لا للتعظيم له ، ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد  اهـ ، وقال التوربشتي في شرح المصابيح في حديث  ( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مسجد ) هو مخرج على وجهين : ( أحدهما ) : كانوا يسجدون لقبور الأنبياء ، تعظيماً لهم وقصد العبادة في ذلك ، و ( ثانيهما ) : أنهم كانوا يرون الصلاة في مدافن الأنبياء وأتوجه إلى قبورهم في حالى الصلاة والعبادة لله نظراً منهم أن ذلك الصنيع أعظم موقعاً عند الله ، لاشتماله على الأمرين : عبادة ومبالغة في تعظيم الأنبياء ،  وكلا الطريقين غير مرضيه . أما الأولى فشرك جلي ، وأما الثانية فلما فيها من معنى الإشراك بالله عز وجل ، وإن كان خفياً ، والدليل على ذم الوجهين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { اللهم لا تجعل قبري وثناً ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } والوجه الأول أظهر وأشبه اهـ ، 

[ الصلاة إلى القبر ] : روى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها } قال العلماء : النهي في الحديث للكراهة ، قال البخاري : رأى عمر ، أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال : القبر ، القبر ولم يأمره بالإعادة ، قال الحافظ : استنبطه من تمادي أنس على الصلاة ، ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف ، قال : واثر عمر ، رويناه موصلاً في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري ولفظه بينما أنس يصلي إلى قبر ، ناداه عمر : القبر ، القبر . فظن أنه يعني القمر ، فلما رأى أنه يعني القبر ، جاز القبر وصلى . وعلى الكراهة التشبه بعباد القبور ،

[ هل بناء المسجد على القبر كبيرة ] : عده الفقيه ابن حجر الهيثمي في الزواجر من الكبائر ، وعد معه إيقاد السرج على القبر وزيارة النساء لها ، واستدل بحديث ابن عباس الذي مر بيان ضعفه ، ثم قال : ولم أر من عد شيئاً من ذلك ، بل كلام أصحابنا مصرح بالكراهة ، دون حرمتها فضلاً عن كونها كبيرة ، فليحمل كون هذه كبائر ، على ما إذا عظمت  مفاسدها ، ذكر هذا في آخر كتاب الجنائز ، وعد في صلاة الجماعة ست كبائر أخرى ، وهي اتخاذ القبور مساجد ، وإيقاد السرج عليها ، واتخاذها أوثاناً ، والطواف بها واستلامها ، والصلاة إليها ، ثم قال : عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية وذكر مأخذه في ذلك ، وقال : واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة إليه أو عليه وحينئذ فقوله : والصلاة إليها ، مكرر ، إلا أن يراد باتخاذها مسجداً الصلاة عليها فقط ، الخلاصة : أن اتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة إليه أو عليه ، كما سبق بيانه ، وأكده كلام ابن حجر الفقيه ، وأن بناء المسجد على القبر ، ليس في تحريمه حديث صحيح صريح ، وحديث أولئك شرار الخلق ، الإشارة فيه إلى من نحت التماثيل وعبدها أو نحتها ، لا إلى بناء المسجد ، بل هو جائز على الأصل والله أعلم ، ...  ( الخلاصة ) : يتلخص مما مر أمور : ( أحداها ) : أن حديث لعن الله اليهود موقوف عن العمل به حتى يوجد وجه للجمع بينه وبين ما سبق من الوجوه المذكورة ، لأنه لا يجوز العمل بدليل مع وجود ما يعارضه ، ( ثانيها ) : أن السجود للقبور وعبادتها ، شرك صريح معلوم من الدين بالضرورة ، كعبادة الأوثان والأصنام ، ( ثالثها ) : أن بناء المسجد على القبر غير اتخاذه مسجداً ، وغير دفن الميت في مسجد مبني ، أما الأول : فقد بيناه فيما سبق بدليله ، وأما الآخر : فقال ابن سعد في الطبقات : أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، قالا : قال : أبو بكر أبين يدفن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ قال قائل منهم عند المنبر وقال قائل منهم : حيث كان يصلي يؤم الناس ، وقال أيضاً : أخبرنا معن بن عيسى أخبرنا مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما توفى قال ناس يدفن عند المنبر ، فهؤلاء الناس لم يشيروا بدفنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند المنبر أو حيث يؤم الناس ، إلا لعلمهم بأن هذا لا يدخل في بناء مسجد على القبر وهؤلاء كانوا صحابة ، وهنا ينتهي ما أردته من الكلام على معنى اتخاذ القبور مساجد ، هاهنا مسائل يجب أن ننبه عليها :

[  المسألة الأولى ] : تقرر في علم الأصول أن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة ، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( لا يجمع الله أمتي على الضلالة ) وله طرق كثيرة ذكرتها في تخريج أحاديث منهاج البيضاوي ، وهو متواتر ، فالأمة معصومة في إجماعها عن الخطأ والضلال ، وهذا مقرر في علم الأصول بأدلته ، 

[  المسألة الثانية ] : ضاق المسجد النبوي عن المصلين ، فلم يعد يستوعبهم بعد الزيادة التي زادها عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ، فأمر الوليد بن عبد الملك ، عامله على المدينة المنورة عمر بن عبد العزيز بهدم بيوت أمهات المؤمنين وإدخالها في المسجد  توسعة له ، فدخل فيه بيت عائشة رضي الله عنها وفيه القبور الثلاثة فبكى يومئذ كثير من الناس على هدم البيوت ، لا على دخول القبور في المسجد ، وكان لا بد من الهدم ، لأن المصلحة اقتضته والذي قام بذلك ونفذ عمر بن عبد العزيز العالم الصالح ، ولم ير هو ولا غيره من العلماء أن إدخال القبور في المسجد مخالف للدين وللحديث ، ومباين لمقاصد الشريعة ، ثم تولى الخلافة بعد ذلك – وكان خليفة راشداً – فلم يبن جدار يحجز بين القبر الشريف والمسجد ، ولم يقترح عليه ذلك أحد من العلماء في عصره ، ثم جاء أئمة المسلمين لزيارة المسجد النبوي وفيه القبور ، فلم ينكروا ذلك ، وكان الإمام مالك مسموع الكلمة عند أبي جعفر المنصور ، الخليفة العباسي ، ولو أشار عليه بعمل حاجز بين الروضة والمسجد لنفذه في الحال ، لكنه لم يشر عليه بذلك ، وتوالت القرون ، والمسجد النبوي يزار من طبقات الأمة على اختلاف أنواعها ، والروضة الشريفة داخلة ، يزورنها ويتبركون بها ، واهدوا لها الهدايا المختلفة ، وهذا إجماع قطعي ، يفيد أن وجود القبر في المسجد لا شيء فيه ، يضاف إلى هذا الإجماع القطعي حديث (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) وهذا الحديث ترجم له البخاري بقوله : باب فضل ما بين القبر والمنبر ، وإن كان قد رواه بلفظ بيتي فالإشارة إلى أن قبره في بيته ، وجاء في صحيح البخاري بلفظ قبري في رواية ابن عساكر ، ورواه جماعة بلفظ قبري أيضاً ، قال البزار : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا عبيدة بنت نابل عنعائشة بنت سعد عن أبيها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (( ما بين قبري ومنبري أو قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ، قال الحافظ والهيثمي : رجاله ثقات ، قلت : سعد هو ابن أبي وقاص ، ومحمد بن إسحاق روى له البخاري ، وهو ضعيف في روايته عن مالك ، وقال البزار أيضاً حدثنا عبد الصمد ابن سليمان المروزي ثنا أبو نباته ثنا سلمة بن وردان عن أبي سعيد بن المعلى عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ، وقال الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق : أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي ثنا الحسن بن المثنى ثنا عفان ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا إسحق بن شرفي مولى ابن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن ابن  عمر قال : حدثني أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ، وقال الخطيب في الموضح أيضاً ص 431 ج 1 : أخبرني الأزهري حدثنا علي بن عمر الحافظ حدثني محمد ابن محمد بن داود السجستاني ثنا مكي بن عبدان ثنا يحيى بن محمد بن يحي الذهلي حدثنا أحمد بن المنذر القرشي ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ، ورواه أبو النعيم في الحلية من طريق عبد الله بن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وإن منبري لعلى حوضي )) ، وللحديث طرق عن ابن سعيد الخدري وأم سلمة وعبد الله بن زيد وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب وأبي هريرة ، وأسانيد أحاديثهم مذكورة في كتاب إحياء المقبور وهو حديث صحيح جداً ، ويؤخذ منه أمران : ( احداهما ) : استحباب زيارة القبر الشريف ، والصلاة في الروضة الشريفة ، و ( الآخر ) : الإشارة إلى إدخال القبر في المسجد ، لأنه لا يتيسر أن يكون ما بين القبر والمنر روضة إلا بكونهما داخل المسجد ، لا خارجه ، وهذا مدرك بالضرورة الحسية ، فاقتراح بعض المتزمتين في هذا العصر : أن يبني جدار يحجز الروضة الشريفة عن المسجد ، خروج عن إجماع الأمة ، وغفلة عما يفيده الحديث ، وتنطع يأبه الدين ،

[  المسألة الثالثة ] : أول ما بني المسجد على القبر ، في العهد النبوي وبيان ذلك : أن أبا بصير الثقفي رضي الله عنه انفلت من المشركين بعد صلح الحديبية ، وذهب إلى سيف البحر ، ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو ، انفلت من المشركين أيضاً ، ولحق بهم أناس من المسلمين حتى بلغوا ثلاثمائة وكان يصلي بهم أو بصير وكان يقول : " الله العلي الأكبر ... من ينصر الله فسوف ينصر " وهذا رجز ، فلما لحق به أبو جندل ، كان هو يؤمهم وكان لا يمر بهم عير لقريش ، إلا أخذوها وقتلوا أصحابها ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تناشده الله ، والرحم ألا أرسل إليهم ، فمن أتاك منهم فهو آمن ، وكتب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ، ومن معهم من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم ، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أبي جندل ، وأبو بصير يموت ، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيده يقرأه ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وبنى على قبره مسجداً ، رواه موسى بن عقبة في المغازي ، وابن إسحاق في السيرة عن الزهيري عن عروة عن المسور ومروان ، وكان الإمام مالك يقول : عليكم بمغازى الرجل الصالح موسى بن عقبة ، فأنها أصح المغازي ، وكان يحيى بن معين يقول : كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب ، قال أخي في كتاب إحياء المقبور : وبلا شك يدري كل ذي حس سليم يعرف سيرة الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لا يمكن إحداث أمر عظيم مثل هذا ولا يذكرونه له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكذلك يستحيل أن يحدث مثل هذا من أصحابه ، ويكون  حراماً يجر إلى كفر وضلال ، ثم لا يعلمه الله تعالى به ، كما أعلمه بمسجد الضرار وبقصد أصحابه من بنائه ، وأمر بهدمه ، فإذن لا شك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم ببناء المسجد على قبر أبي بصير ولم يأمر بهدمه ، إذ لو أمر بذلك لنقل في الخبر نفسه أو في غيره لأنه شرع لا يجوز أن يضيع اهـ ، ويؤيد هذا أن أبا جندل رجع إلى المدينة بأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بد أنه حكى له جميع أعمالهم في سيف البحر – وسيف بكسر السين – ساحل البحر  ،

[  المسألة الرابعة ] : لا يوجد دليل على حرمة الصلاة في مسجد فيه قبور ، ولم يقل أحدمن الأئمة بذلك ، بل هم مجمعون على وجود القبور في المسجد النبوي ، وحديث {{ لعن الله اليهود اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد }} لا يجوز الاستدلال به من جهة معارضة القرآن له ، ولا يوجد وجه للجمع بينهما ، وحديث {{ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصورا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة }} سبب وروده أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهما رأتا بالحبشة كنيسة يقال لها مارية ، فيها تماثيل وتصاوير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن وضع التصاوير في أماكن عبادتهم من قبيح فعلهم ، مع أن التصاوير منهي عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة ؟ فالذم في الحديث منصب على التصاوير لا على بناء المسجد ، لأنه يوافق القرآن في قول الله تعالى { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } ويؤيد هذا أن عمر رضي الله عنه لما ذهب إلى بيت المقدس وعزمه راهب أن يتغدى عنده في الكنيسة قال له عمر : إنا لا ندخل كنيستكم لما فيها من التصاوير ، وتغدى معه خارجها ، فالتصاوير هي مصدر الذم ومبعثه ، ومن استدل بالحديث على حرمة بناء المسجد على القبر ، لم يفهم معناه لغفلته عن سبب وروده ، 

[  المسألة الخامسة ] : اعترض الألباني ، على أخي في استدلاله لبناء المسجد على قبر بآية الكهف ، لأن الله تعالى أقرهم على ما قالوا ، وبنى اعتراضه على أمرين : ( الأول ) : لا يصح اعتبار عدم الرد عليهم إقرار لهم ، إلا إذا ثبت أنهم كانوا مسلمين صالحين ، وليس في الآية إشارة إلى ذلك ، بل يحتمل أنهم كانوا كفار وفجار وهو الأقرب ، ( الثاني  ) : أن الله رد صنيعهم على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر حديث { لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } ثم قال : فأي رد أوضح من هذا ؟ وذكرا ، من يستدل بهذه الآية على خلاف الأحاديث الصحيحة كمثل من يستدل على جواز صنع التماثيل والأصنام ، بقوله تعالى في الجن المذللين لسليمان عليه السلام { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات } ، وما أبداه خطأ محض لا نصيب له من الصواب وبيان ذلك : أن احتمال أن يكون مقترحو بناء المسجد كفار بعيد جداً يأباه السياق ، وإن قال به بعض المفسرين ، والصواب : ما ذكره ابن عباس والسدى وغيرهما أن أهل البلد كان فيهم مشركون ينكرون البعث ، وملكها ومن معه مسلمون ، فلما عثروا على أهل الكهف ، وعلم أهل البلد أنهم قاموا بعد قرون ، انتصر الملك على منكري البعث بدليل مادي محسوس ، ولما رجع  الفتية إلى كهفهم ، تنازع أهل البلد في شأنهم ، فقال المشركون { ابنوا عليهم بنيانا } وقال الذين غلبوا على أمرهم - هم الملك وأصحابه - { لنتخذن عليهم مسجدا } ، من المعقول جدا أن يبنى المسلمون على فتية مؤمنين ، وليس من المعقول أبدأ أن يقترح المشركون بناء مسجد ولا يوافقون عليه ، ولم يقع ولا يجوز أن يقع أن يحكى الله تعالى عملا أو قولا لكافر ثم يقره عليه ، وإليك أمثلة من ذلك : نبه الله على مسجد الضرار وفساد نية بانييه وقال لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم { لا تقم فيه أبدا } وقال اليهود والنصارى { نحن أبناء الله وأحباؤه } ، فرد عليهم بقوله { قل فلم يعذبكم بذنوبكم * بل أنتم بشر ممن خلق } (2) وقال اليهود { يد الله مغلولة } ، فرد عليهم { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } (3) وقال اليهود { إن الله فقير ونحن أغنياء } ، فرد عليهم { سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق } ، وقال المشركين { اتخذ الله ولدا } ، فرد عليهم { بل عباد منكرون } ، وهكذا لا نجد قولاً لكافر أو مشرك يحكيه الله تعالى إلا أعقبه برده ، وهذا ما يرجح أن مقترح بناء المسجد على أهل الكهف مسلمون ، ..

[ المسألة السادسة ] : حديث الصحيحين { لا تشد الحال إلا إلى ثلاث مساجد ، المسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى } أخذ بظاهره بعض العلماء فمنع السفر إلى غير هذه المساجد المذكورة في الحديث ، وهذا ضعيف ، لأنه يقتضي منع السفر للتجارة وطلب العلم وصلة الرحم وغير ذلك ، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : قال بعض المحققين { إلا إلى ثلاث مساجد } المستثنى منه محذوف ، فأما أن يقدر عاماً فيصير : لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى ثلاثة مساجد ، أو أخص من ذلك ، لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها فتعين الثاني ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاث ، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف ، وغيره من قبور الصالحين اهـ ، وقال تقي الدين السبكي : ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها غير البلاد الثلاثة ، ومرادي بالفضل ما شهد الشرع باعتباره ، ورتب عليه حكما وشرعياً ، وأما غيرها من البلاد فلا تشد الرحال إليها لذاتها ، بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات ، قال : وقد التبس ذلك على بعضهم ، فزعم أن شد الرحال لمن في غير الثلاثة داخل في المنع ، وهو خطأ ، لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه ، فمعنى الحديث : لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد ، أو إلى مكان من الأمكنة ، لأجل ذلك المكان إلا إلى الثلاثة المذكورة ، وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان ، بل من في ذلك المكان اهـ ، ويؤيده ما رواه أحمد من طريق شهر بن حوشب قال : سمعت أبا سعيد – وذكر عنده الصلاة في الطور – فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلا إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي )) ، قال الحافظ : وشهر حسن الحديث ، وإن كان فيه بعض الضعف اهـ ، وروى البزار عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء ، أحق المساجد أن يزار ، ويشد إليه الرواحل ، المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي } في سنده عن موسى ابن عبيدة الربذي وثقه ابن سعد ووكيع ، والجمهور ضعفوه لكنهم وصفوه بالصلاح ، وقال زيد بن الحباب : كنا عند موسى بن عبيدة بالربذة فأقمنا عنده ومرض ومات فأتيت قبره ومعي رفيق لي ، فجعل ريح المسك يفوح من قبره ، فجعلت أقول لرفيقي : أما تشم ؟ أما تشم ؟ وليس بالربذة يومئذ مسك ولا عنبر ، قال البزار : موسى بن عبيدة رجل مفيد وليس بالحافظ وأحسب إنما  قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة ، وهذا الحديث مؤيد بحديث شهر ، وهما يفيدان ترك شد الرحلة إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ، فلو نذر شخص صلاة ركعتين أو أكثر ، بجامع القرويين أو الأزهر ، لم يلزمه أن يشد الرحلة إليه ويفي بنذره بالصلاة في أي مسجد ببلده ، ولو نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة ، لزمه الرحلة إليها عند الجمهور ، لأنها مساجد الأنبياء ، وروى أبو الفتح الأزدي وأبو الحسن العسكري وأبو موسى المديني من طريق يقية عن عمرو بن عتبة عن أبيه عن زيادة ابن سمية سمعت زكرة بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول (( لو أعرف موضع قبر يحيى لزرته )) قال أبو حاتم : زيادة بن سمية ليس هو الأمير المشهور الذي استخلفه معاوية ، وقال ابن عبد البر : ليس إسناده بقوي ، ومن المعلوم أن قبر يحيى عليه السلام بالشام ، فالحديث يفيد جواز الرحلة لزيارة القبور ، والقرآن يؤيده في ذلك لأن الله تعالى رخص في كتابه الكريم للمسافر أن يتيمم ويقصر الصلاة ، ويفطر في رمضان ، وبم يقيد السفر بأن يكون للمساجد الثلاثة ، بل جعله سفراً عاماً يشمل السفر للتجارة وطلب العلم وصلة الرحم وزيارة الأخوان والصالحين أحياء وأمواتاً ، وزيارة الفسحة والنزهة وكل سفر واجب أو مندوب أو مباح ، وهذا هو اليسر الذي أراده الله لنا في قوله تعالى { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }  ،

[  المسألة السابعة ] : تواتر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال { جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهورة } وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بإجماع العلماء ، والخصائص لا تنسخ ولا يستثنى منها ولهذا حمل العلماء الحديث الوارد عن الصلاة في المقبرة على الكراهة ولم يحملوه على البطلان ، بل حتى من حمل النهي عن التحريم قال أن الصلاة صحيحة ، ونص الحافظ البيهقي والحافظ ابن عبد البر ، والحافظ بن حجر على أن الحديث { لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها } محمول على الكراهة فقط ، بل رجح حافظ المغرب ابن عبد البر عدم الكراهة واعتمادهم في ذلك كله على الحديث السابق ذكره ،

فتاوي الديار المصرية ] : وأما نص الفتوى لمفتي الديار المصرية على المذاهب الأربعة :   1- قال فقهاء مذهب أبي حنيفة : تكره الصلاة في المقبرة إذا كان القبر بين يدي المصلي بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه فإذا كان القبر خلف المصلي وهو مستقبل القبلة فلا كراهة  ،  2- وقال فقهاء مذهب مالك : الصلاة في المقبرة جائزة بلا كراهة إذا خلت عن النجاسة ،  3- وقال فقهاء مذهب الشافعي : تكره الصلاة في المقبرة غير المنبوشة ، سواء كانت القبور أمامه أو خلفه ، أو على يمينه أو على شماله ، أما الصلاة في المقبرة المنبوشة بلا حائل فباطلة لوجود النجاسة بها  ،  4- وقال فقهاء مذهب أحمد بن حنبل : أن الصلاة في المقبرة التي تحتوي على  أقل من ثلاث قبور صحيحة بلا كراهة إذا لم يستقبل المصلي القبر ، وأن استقبله كانت الصلاة مكروهة ، لذا كانت الصلاة في المصلى المسؤول عنها صحيحة بلا كراهة في فقه الأئمة أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد ، ومكروهة في فقه الإمام  الشافعي رحمهم الله اهـ ،  ومن هنا يعلم أن من قال أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبور باطلة ، فهو كاذب ، يدخل في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( أجراؤكم على الفتيا أجراؤكم على النار )) وحديث (( من حدث بحديث يظن أنه كاذب فهو أحد الكذابين ))  والله سبحانه وتعالى أعلم [ انتهى من كتاب إعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد للشيخ الحافظ عبد الله بن محمد الصديق الغماري ]

 

[  2  ] : وقال الشيخ عبدالله بن الصديق الغماري في كتاب اتقان الصنعة : استدل الذين قالوا بكراهة بناء المساجد على القبر بحديث : (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) [ أخرجه البخاري (437) ومسلم (530) وأبو داود (3227) وأحمد (2 : 284) والبيهقي (4 : 80) وابن حبان ( 2326) ] ، والحديث صحيح ولكن الاستدلال به غير صحيح لأمور : ( 1 ) أن معنى اتخاذ القبور مساجد : الصلاة اليها تعبدا أو السجود لها ، ( 2 ) أنّ عائشة لما روت قوله صلى الله عليه وآله وسلم أعقبته بقولها : ( ولولا ذلك لأبرزوا قبره ، غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا ) ، ( 3 ) قال الحافظ في الفتح : قولها لأبرزوا أي لكشف قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتخذ عليه الحائل والمراد الدفن خارج بيته ، ( 4 ) بقي أمر لابد أن ننبه عليه وهو : إذا كان مسجد مبنيا ثم دفن فيه ميت أو أدخل فيه قبر فلا يدخله الخلاف في بناء المسجد على القبر لأنه لم يبن عليه والدليل على ذلك أمور : ( أ ) استشارة سيدنا أبي بكر للصحابة الكرام في اختيار موضع دفنه عليه الصلاة والسلام فقال بعضهم : عند المنبر وقال بعضهم حيث كان يصلي يؤم الناس ، فهؤلاء الصحابة لم يشيروا بدفنه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأماكن إلا لعلمهم بأن هذا لا يشمله بناء مسجد على قبره وهؤلاء هم أصحابه الكرام ، ( ب ) أن القبر الشريف أدخل في المسجد النبوي في عهد الوليد بن عبدالملك على يد عمر بن عبدالعزيز ولم يغير ذلك خلفاء بني العباس ولا أرشدهم أحد إليه مع كثرة من زار المسجد النبوي من الأئمة والحفاظ والفقهاء والزهاد وغيرهم وكان الإمام مالك زار المسجد النبوي من الأئمة والحفاظ والفقهاء والزهاد وغيرهم وكان الإمام مالك مسموع الكلمة عند المنصور ولو أشار عليه بإقامته حاجز بين القبر والمسجد لفعله وما  ذاك إلا لأن إدخال قبر في مسجد ليس كبناء المسجد عليه وهو في المسجد النبوي إجماع من الأمة بجميع طبقاتها وامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تجتمع على ضلالة ، ومما يستأنس به في هذا الباب حكاية الله عز وجل لقول الذين اكتشفوا أهل الكهف وقالوا : { لنتخذن عليهم مسجدا } وهم مسلمون كما قال ابن عباس فذكر الله جل جلاله قولهم ولم ينكر عليهم ، والآن وبعد جميع ما ذكر من صور إحداث الصحابة رضي الله عنهم لأمور في زمن النبوة وبعدها لم تكن موجودة في عهد النبوة وأنها من باب قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها  )) ، نستطيع أن نصل إلى قاعدة نجعلها أساسا لنا خلال مسيرتنا في هذه الحياة لنكون دعاة إلى جمع شتات المسلمين ألا وهي (ليس كل جديد بدعة) لأن الحياة ما تزال تتحول بأصحابها من حال إلى حال ومن طور إلى طور وهذه سنة الله تعالى في الكون فلا مطمع في إمكان التغلب عليها وربطها بمسمار من الثبات والجمود على حالة واحدة على مر الأزمنة والعصور وكانت هذه التطورات موجودة في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكان يرحب بسنة الحياة إذا لم تكن مخالفة لقواعد الشريعة ، فالبدعة بمعناها الشرعي هي التي يجب الابتعاد عنها والتحذير من الوقوع فيها ، وأصل ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) وليس المقصود منها معناها اللغوي وهو ما تعارف عليه الناس بأنه كل جديد طارئ على حياة المسلم مما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه الكرام ولم يكن معروفا لديهم ، إذ لو كان المقصود من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) ، المعنى اللغوي إذا لكان المسلمون اليوم كلهم يعانون من ضلالات لا مفر لهم منها ويتقلبون في بحار من البدع أينما حلوا وأينما سكنوا أبنية بيوتهم وموائدهم وطراز ثيابهم والأساليب التي تنهض عليها أنشطتهم الثقافية والعلمية والاجتماعية طامات متراكمة بدأت بعد عصر الصحابة إلى يومنا هذا ولا مطمع في إمكانية التغلب عليها!! فلا يعقل إذا أن يكون المقصود من البدعة هو المعنى اللغوي ، على أننا بعد هذا كله لابد لنا أن نتذكر قول إبراهيم النخعي التابعي : ( كانوا يكرهون اشياء لا يحرمونها) وكذلك كان مالك والشافعي وأحمد كانوا يتوقون إطلاق لفظ الحرام على ما لم يتيقن تحريمه لنوع شبهة فيه أو اختلاف أو نحو ذلك بل كان أحدهم يقول ( أكره كذا ) لا يزيد على ذلك ويقول الإمام الشافعي تارة : أخشى أن يكون حراما ولا يجزم بالتحريم ، يخاف أحدهم إذا جزم بالتحريم أن يشمله قول الله تعالى  { لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب } فمن نحن أمام الإمام الشافعي والإمام أحمد وأئمة السلف الصالح ؟!! هل بلغنا من العلم القدر الذي فقناهم فيه حتى يجوز لنا أن نسارع بالتحريم والتحليل من ذات أنفسنا؟!! اللهم اهدنا سواء السبيل والحمد لله رب العالمين " أهـ [من كتاب اتقان الصنعة للشيخ عبدالله الغماري ]

 

[  3  ] : قال الشيخ عبد الرحمن المكي الهاشمي في كتابه السلفية المعاصرة شبهات وردود - وهو يصف تشدد البعض وفهمهم الخاطئ في مسألة اتخاذ القبور مساجد :

( أ ) زعمهم أن المساجد عند قبور الصالحين هو من اتخاذ القبور مساجد : روى الشيخان واللفظ لمسلم : (( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون من قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك )) ، وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها حين ذكر له صلى الله عليه وسلم تصاوير في كنيسة بالحبشة فقال : (( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا تلك الصور أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ )) كل ذلك لا يدل على منع زيارته صلى الله عليه وسلم  لوقوع القبر في المسجد ولا يدل كذلك على منع أن يتخذ مسجد في جوار رجل صالح قصد التبرك بالقرب منه ، بل المقصود من النهي في الحديثين هو أن يقصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما يقصد المسجد تعظيماً للقبر أو للمدفون فيه كما هو فعل اليهود والنصارى كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم وصالحيهم ، ولما صوره من صورهم كما يسجد للأوثان فهذا هو الذي يكون ذريعة للشرك ، ولذا فإن هجو الموسوسين للمساجد التي فيها قبر وتسميتها مساجد الشرك وزعم أن الصلاة فيها شرك وذريعة للشرك إنما هو تعمق في الجهل وإغراق لسوء الفهم للأحاديث ، فإن هذه المساجد لم تبن إلا لما بنيت له المساجد من التعبد وليس ذلك بمحرم ولا مكروه ، ولذا بنيت في القرون الأولى مساجد عند القبور من غير أن تكون صلاة إلى القبر أو عليه ولو كان المراد بالحديثين هو النهي من اتخاذ المساجد في جوار قبر رجل صالح بقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا التوجه نحوه أو هجر المساجد لأجل القبر فبها لوجب أن يهجر مسجده صلى الله عليه وسلم بعد إدخال القبر فيه ، ولما أصبح مما تشد إليه الرحل والصلاة فيه بألف صلاة مع علمه صلى الله عليه وسلم بأنه سيدفن في هذا الموضع لما جاء في رواية البزار بسند صحيح والطبراني (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ولأنكر الصحابة والتابعون على عمر بن عبد العزيز إدخاله حجر أمهات المؤمنين في المسجد لتوسيعه ولكنهم لم ينكروا ولم ينزل المسجد الشريف في أنظارهم باشتماله على القبور فيه بل ما زالوا ومن بعدهم يتوافدون لزيارته صلى الله عليه وسلم في مسجده ، ولوكان في الأمر ما هو منكر لغير ذلك عمر بن عبدالعزيز لما آلت إليه الخلافة وهو الذي أحيا سنة جده عمر بن الخطاب ولما أقر علماء التابعين فاطمة بنت الحسين على ضربها قبة على قبر الحسن بن على بن أبي طالب واقامت به سنة كما رواه البخاري معلقاً وهي لا محالة تقيم فيها عبادتها من صلاة وذكر وتلاوة وهي ومن معها ، والعصر كان عصر الفقه وإنكار المنكر فالمراد من النهي على ذلك هو قصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما بقصد المسجد تعظيماً للقبر أو ممن فيه ، قال الإمام البيضاوي في شرحه الطوالع ( لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثاناً لعنهم ومنع المسلمين من مثل ذلك ، فأما من اتخذ مسجداً في جوار رجل صالح وقصد التقرب بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد ) ، ونقل ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وأقره ، ومما يجب أن يعلم أنه لو وقع استقبال القبر في الصلاة من غير قصد إلى تعظيمه أو تعظيم صاحبه لم يكن على المصلي بأس وليس ذلك من جعل القبر مسجداً في شيء ، قال ابن القاسم : كان مالك لا يرى بأساً من الصلاة في المقابر بينما من يصلي في المقبرة تكون القبور بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله 0 قال مالك : وبلغني أن بعض الصحابة كانوا يصلون في المقبرة 0 ولذا فإن الدعوة المحمومة لإخراج القبر الشريف من المسجد والتي نشرت قبل حين في بعض الصحف لا يحمل عليها إلا جهل أو غيظ متأصل تنطوي عليه القلوب ، نساله تعالى السلامة والإخلاص وحسن الإيمان ،

( ب ) اعتبارهم البناء ونحوه على القبور يصيرها أوثاناً تعبد : علل الوهابية منع البناء على القبور بأن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله ،  وقد سبق في مقدمة هذه الرسالة أن محمد بن عتيق ( قد جعل من اسباب كفر أهل مكة هو عدم هدمهم  للقباب ) ، وجهلوا أن المؤدي إلى الشرك هو اتخاذ القبور مساجد بمعنى قصد القبر لعبادته أو عبادة من فيه كما يقصد المسجد وذلك بالعكوف عليها وتصوير الصور فيها ، والمسلمون بحمد الله ليس تعظيمهم للقبور ، وإنما تعظيم من فيها من الأنبياء والصالحين إذا لم يتجاوز التعظيم مراتبهم من العبودية ، ولا يوجد إن شاء الله من زوار الأنبياء والصالحين من هو عابد لهم ولا متخذهم مع الله آلهة ، ولا من يقصد الصلاة إلى قبورهم فالحمد الله على حفظ دينه ، وقد علمت أن التوسل والاستغاثة بهم ليس من العبادة في شيء ، وأن التشريك والتكفير بذلك هو نتيجة جهل بمعنى العبادة ،  وللعلماء في الأبنية على القبور ثلاثة أقوال : فمنهم من كره البناء في الأرض سواء كانت مملوكة أو مسبلة ، ومنهم من كره البناء في المملوكة وحرمه في المسبلة ، ومنهم من أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين وجعل ذلك مستثنى من أحاديث النهي عن البناء ، واعلم أن من منع البناء من الأئمة والعلماء لم يجعل علة المنع أن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله كما زعم الوهابية ، بل عللوا المنع بخوف التضيق على الناس لئلا يحجر عليهم موضع القبر فلا يدفن أحد فيه فيضيق ذلك بالناس لا لأن البناء شرك أو ذريعة للشرك ،

( أحاديث النهي عن البناء ) : من كره البناء استدل بحديث مسلم عن أبي الهياج الأسدي أن علياً رضي الله عنه قال له : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أن أدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته )) ، واستدلوا أيضاً على الكراهة بحديث مسلم وأبي داود عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر أو يبنى عليه وأن يكتب عليه ، زاد أبو داود أو يزاد عليه أي على ترابه ، والقائلون بالمنع قد اختلفوا : فمنهم من كره البناء سواء كانت مملوكة أو مسبلة ولكنه لا يقول بهدمه إذا بني مستنداً إلى وجود البناء على قبر الشيخين في الحجرة فإنها غير مملوكة حيث أن الأنبياء لا يورثون ولم يقل بهدمه أحد ن ومنهم من كره البناء في المملوكة ولم يهدمه إذا بني وحرمه في المسبلة وقال بهدمه فيها ، قال الشافعي في الأم : ( قد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني فيها فلم أر الفقهاء يعبون ذلك قال : فإن كانت القبور في الأرض يملكها الموتى في حياتهم أو ورثتهم بعدهم لم يهدم شيء منها ، وإنما يهدم إن هدم ما لا يملكه أحد فهدمه لئلا يحجر على الناس موضع القبر فلا يدفن فيه أحد فيضيق على الناس ) ا هـ ، فأنت تراه لا يحتم الهدم في غير المملوكة بل يقول : إن هدم ولا يقول بالهدم فيما بني على أرض مملوكة لأنه بني بحق ولا يذهب في تعليل منع البناء في غير المملوكة إلا إلى خوف التضيق به على الناس ولم يقل أن البناء على القبور شرك ولا ذريعة للشرك ، ولم يقل كذلك ولا أحد من أهل العلم الذي يقتدى بهم أن البناء على القبر يصيره طاغوتاً وصنماً يعبد من دون الله ، وأنه شرك وأن الذاهب لزيارة هذا القبر مشرك وعابد صنم حتى جاء ابن تيمية المتوفي في القرن الثامن فقال بهذا وتبعه على ذلك من تبعه من الوهابيين فكفروا الأمة الإسلامية كما رايته في فتوى ابن عتيق ، وقال ابن مفلح في كتاب الجنائز ص 681 – 682 ( القبة والحظيرة والتربة إن كانت في ملكه فعل ما شاء وإن كانت في مسبلة كره للتضيق )  ، 

(  أدلة من قال أن أحاديث النهي عن البناء مخصصة بغير قبور الأنبياء والصالحين ) : ومن أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين ذهب إلى أحاديث النهي عن البناء على القبور ليست عامة في جميع القبور ، بل يستثني منها قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين ، فقالوا يجوز البناء عليها واستدلوا على تخصيص ذلك من أحاديث النهي بأن الصحابة قد دفنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة موضع ما قبض لما روي لهم من قوله صلى الله عليه وسلم : (( ما دفن نبي إلا في مكانه الذي توفي فيه )) ، ودفن في الحجرة بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وبنى عمر ابن الخطاب في حائطاً عليها وبنت عائشة رضي الله عنها كذلك القبور الثلاثة وكانت تسكنها وتصلي فيها قبل الحائط وبعده ، وبناها عبدالله بن الزبير أيام خلافته ثم سقط حائطها فبناها عمر بن عبدالعزيز ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بإدخال حجر أمهات المؤمنين فيه بني الحجرة التي فيها القبور الثلاثة وأزرها بالرخام ولم ينكر عليه من وجد من الصحابة ولا فقهاء التابعين ، واستحسان بعضهم إبقاء الحجرة على ما كانت دون هدمها هو لميلهم أن يبقى البناء القديم عظة لما كان عليه سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بساطة وبناء بالطين ويسقف من الجريد غير المرتفع ، وعمر بن عبد العزيز في خلافته مع حرصه على إبطال المنكرات أقر الحجرة على ما بنيت عليه فدل ذلك على أن البناء  على القبر غير منكر ولم يزل الأمر على ذلك يتنافس في عمارتها أمراء المسلمين وتفصيل ذلك في (وفاء الوفاء ) ولو كان البناء على القبور شركاً لهدموا الحجرة قبل دفنه بها ولما أحدث عمر وعائشة وغيرهما فيها بناء ، ولما أعادوا بناءها بعد الانهدام أي من الصحابة الموجودين والتابعين ، ولذلك لم يهدم المسلمون بعد فتحهم بيت المقدس وبلاد الشام ما وجد من المباني على قبر الخليل وقبور أولاده إسحاق ويعقوب وغيرهما من صالحي أهل بيته ، ومما على قبر داود وغيره في بيت المقدس ولم يأمر عمر ولا الصحابة ولا التابعون بهدم ذلك 0 والمقصود أنه لذلك كله ذهبت طائفة من العلماء إلى جواز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين مستندين في ذلك إلى إبقاء حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم المحيطة بقبره وقبر صاحبيه وتجديد بنائها في العصور الفاضلة وعدم إنكار الأئمة على ذلك وإلى عدم هدم المسلمين بعد فتح الشام ما على قبور الأنبياء من المباني كما إنه قد بنيت مباني في القرون الأولى على قبور بعض علماء هذه الأمة كما يؤخذ من ( وفاء الوفاء ) ، فتخصيص أحاديث النهي عن البناء باستثناء قبور الأنبياء والصالحين والعلماء بالعمل المتوارث في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، وفي ترك الأبنية على القبور على حالتها بعد فتح الشام ، وعدم هدمها هو أمر له وجه قوي إذ استنباط معنى يعود على حكم العام أو المطلق بالتخصيص أو التقييد إذا قام الدليل على ذلك هو أمر شائع بين العلماء ولا مؤاخذة فيه ، علاوة على أن البناء على القبر هو بمثابة تعليمه بعلامة كما روى ابن ماجه وأبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قد علم قبر عثمان بن مظعون بصخرة وقال : أتعلم به قبر أخي ، ولا يلزم تعيين هذه العلامة وإنما المراد هو ما يفيد معرفة القبر حيث علل رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم وضعها بأنها لمعرفة القبر ،  ورأي من أجاز البناء على القبور أنه مما تشمله العلامة ، إذ لما وقعت حوائط الحجر لم يكتفوا بوضع حجر عند قبر الصديق والفاروق بل أدخلوهما في بنائها ورفعوا البناء وأحكموه حتى يكون علامة باقية ، قال التوربشتي : ( وقد أباح السلف البناء على قبور المشايخ والعلماء المشهورين ليزورهم الناس وليستروحوا بالجلوس فيه ) ، وفي حاشية ابن حمدون المالكي على شرح عبارة لمنظومة ابن عاشر وإذا جاز عند القصار ومن تبعه بناء البيت على مطلق القبور في الأرض المملوكة وفي المباحة إن لم يضر بأحد كان البناء بقصد تعظيم من يعظم شرعاً أجوز ) ، وقال عبدالقادر الفاسي ( لم يزل الناس يبنون على مقابر الصالحين وأئمة الإسلام شرقاً وغرباً كما هو معلوم ، وفي ذلك تعظيم حرمات الله واجتلاب مصلحة عباد الله وانتفاعهم بزيارة أوليائه ، وفي ذلك المحافظة على تعين قبورهم وعدم اندراسها ، وما اندرست قبور الأنبياء والأولياء من الأمم المتقدمة إلا من قلة العناية بأمرهم ) اهـ ، قلت : بل لذلك لم يبقي قبر مقطوع به من قبور الأنبياء إلا قبه صلى الله عليه وسلم ، وفي التحفة من باب الوصية ( إجازة الوصية بالبناء على قبر نحو عالم في المملوكة وكذلك تسوية قبره ) اهـ ، وفي النهاية في باب الجنائز الوصية بالتسوية وعمارة قبور الأنبياء والصالحين حتي في المسبلة ) اهـ ، قلت : والغاية من البناء حفظ قبورهم من الاندثار وأن تعرف فيزورهم الناس تبركاً بهم واستظلال الزائرين بها وتيسير مكثهم للذكر والتلاوة وحفظاً للقبر الذي ثبتت حرمته من دخول الدواب واكلاب ووقوع القاذورات ، لا خلاف إذا كان البناء لغرض صحيح شرعي : واعلم أن الخلاف في منع البناء بالكراهة والتحريم والتفريق بين المسبلة والمملوكة ووجوب الهدم أو عدمه محله إذا لم يكن للبناء غرض صحيح شرعي 0 أما إذا وجد الغرض الشرعي فلا حرمة ولا كراهة ولا هدم يستوي في ذلك المسبلة والمملوكة ، كأن دعت حاجة إلى البناء خوف نبش سارق أو سبع أو خرق سيل للقبر ، وما كان هذا شأنه لا يجوز هدمه بعد بنائه لأنه قد بني بحق ، وعلى العموم من قال بحرمة البناء إلى قبور الصالحين فقد خصصه بالمسبلة وبعدم الحاجة إليه ، وعلل الحرمة بعدم التضييق على الناس نتيجة احتكار القبر فلا ينتفع المسلمون بموالاة الدفن فيه وليست العلة أن البناء يصير القبر طاغوتاً وصنماً كما قال الوهابيون " أهـ   [ السلفية المعاصرة شبهات وردود للشيخ عبد الرحمن المكي الهاشمي ]

 

( 4 ) حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر

أنقل هنا مبحث حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الفقهية الأربعة لليافعي حفظه الله تعالى ، يقول : ( فهذا بحث موجز في حكم الصلاة في مسجد فيه قبر وقد جعلته في مبحثين : ( المبحث الأول ) : حالات الصلاة في مسجد فيه قبر وحكم كل حالة ، و ( المبحث الثاني ) : في أدلة أهل العلم في المسألة ،

 

المبحث الأول : حالات الصلاة في مسجد فيه قبر وحكم كل حالة :   الصلاة بالنسبة للقبور لها ثلاثة أحوال : 1- أن تكون على القبور ، 2- أن تكون إلى القبور ، 3- أن تكون عند القبور ، ولكل من ذلك حالتان : الحالة الأولى : أن توجد في موضع الصلاة نجاسة من صديد الموتى فلا خلاف بين أهل العلم في حرمة الصلاة في ذلك الموضع والصلاة عندئذ باطلة ، والحالة الثانية : ألا توجد في الموضع نجاسة وقد اختلف أهل العلم في هذه الحالة على ثلاثة أقوال : ( القول الأول ) : أن ذلك مكروه والصلاة صحيحة وهو مذهب الجمهور وعليه الشافعية وهو رواية عند الحنابلة وعليه الحنفية في حالة الصلاة إلى القبور , وكذا في حالة الصلاة على القبور مالم يكن قبر نبي ، و ( القول الثاني ) : أن ذلك جائز وهو مذهب المالكية, وهو أيضا مذهب الحنفية في حالة الصلاة عند القبور ، و ( القول الثالث ) : أن ذلك حرام وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة وعليها المذهب , وفي صحة الصلاة عندهم روايتان والأصح عدم الصحة, ثم الكلام السابق عند الحنابلة إنما هو إذا كانت الصلاة في مقبرة أما القبر والقبران فلا يمنعون من الصلاة عندها وخالف في ذلك بعضهم كما سيأتي إن شاء الله ، والآن إليك بعض أقوال أهل العلم من المذاهب الأربعة في المسألة ضمن الفروع التالية :

 

الفرع الأول من أقوال الحنفية : في بدائع الصنائع [ 1 : 301 ] : ( وأما المقبرة فقيل : إنما نهى عن ذلك لما فيه من التشبيه باليهود كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلا تتخذوا قبري بعدي مسجد ، وروي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يصلي بالليل إلى قبر فناداه : القبر القبر, فظن الرجل أنه يقول القمر القمر فجعل ينظر إلى السماء فما زال به حتى تنبه ، فعلى هذا تجوز الصلاة وتكره ، وقيل : معنى النهي أن المقابر لا تخلو عن النجاسات لأن الجهال يستترون بما شرف من القبور فيبولون ويتغوطون خلفه ، فعلى هذا لا تجوز الصلاة لو كان في موضع يفعلون ذلك لانعدام طهارة المكان ) اهـ ، وفي البحر الرائق : [ 5 : 217 ] : ( ويكره أن يكون محراب المسجد نحو المقبرة أو الميضأة أو الحمام ) اهـ ، وفي حاشية ابن عابدين [ 1 : 38 ] : ( قوله : ( ومقبرة ) مثلث الباء , واختلف في علته : فقيل : لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس وفيه نظر ، وقيل : لأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد ، وقيل : لأنه تشبه باليهود وعليه مشى في الخانية ، ولا بأس بالصلاة فيها [يعني المقبرة] إذا كان فيها موضع أعد للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة كما في الخانية ولا قبلته إلى قبر حلية ) اهـ ، وفي حاشية الطحطاوي [ 2 : 351 ] : ( قوله : وفي المقبرة بتثليث الباء لأنه تشبه باليهود والنصارى قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) وسواء كانت فوقه أو خلفه ، أو تحت ما هو واقف عليه ، ويستثنى مقابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا تكره الصلاة فيها مطلقا منبوشة أو لا, بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة, لأنهم أحياء في قبورهم ألا ترى أن مرقد إسماعيل عليه السلام في الحجر تحت الميزاب وأن بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى للصلاة بخلاف مقابر غيرهم أفاده في شرح المشكاة ، وفي زاد الفقير : وتكره الصلاة في المقبرة إلا أن يكون فيها موضع أعد للصلاة لا نجاسة فيه ، ولا قذر فيه اهـ ، قال الحلبي : لأن الكراهة معللة بالتشبه وهو منتف حينئذ ، وفي القهستاني عن جنائز المضمرات : لا تكره الصلاة إلى جهة القبر إلا إذا كان بين يديه بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه ) اهـ

 

الفرع الثاني من أقوال المالكية : في المدونة الفقهية [ 1 : 90 ] : (قلت لابن القاسم : هل كان مالك يوسع أن يصلي الرجل وبين يديه قبر يكون سترة له؟ قال : كان مالك لا يرى بأسا بالصلاة في المقابر وهو إذا صلى في المقبرة كانت القبور أمامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره ، قال : وقال مالك : لا بأس بالصلاة في المقابر, قال : وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يصلون في المقبرة)اهـ ، وفي الذخيرة للقرافي [ 2 : 95 ] : ( وثالثها المقبرة  : قال في الكتاب : لا بأس بالصلاة إلى القبر وفي المقبرة وبلغني أن أصحاب رسول الله كانوا يفعلون ذلك, قال صاحب الطراز : ومنع ابن حنبل من الصلاة إلى القبر وفي المقبرة ، والمقبرة تنقسم إلى مقبرة الكفار والمسلمين وعلى التقديرين فإما أن يتيقن نبشها أو عدمه أو يشك في ذلك فهذه ستة أقسام منع أحمد والشافعي جميع ذلك, واختلف قول أحمد في صحة الصلاة فمرة حمل النهي على التعبد لا على النجاسة فحكم بالصحة ، وفرق ابن حبيب بين قبور المسلمين والمشركين فمنع من قبور المشركين لأنه حفرة من حفر النار وقال : يعيد في العامرة أبدا في العمد والجهل لبقاء نبشها النجس ولا يعيد في الداثرة لذهاب نبشها وبين قبور المسلمين فلم يمنع كانت داثرة أو عامرة ، قال صاحب الطراز : ويحمل قوله في الكتاب على أن المقبرة لم تنبش أما المنبوشة التي يخرج منها صديد الأموات وما في أمعائهم فلم يتكلم عليه مالك ، حجتنا : أن مسجده عليه السلام كان مقبرة للمشركين فنبشها عليه السلام وجعل مسجده موضعها ولأنه عليه السلام صلى على قبور الشهداء, وهذه المسألة مبنية على تعارض الأصل والغالب فرجح مالك الأصل وغيره الغالب ، حجة المخالف : ما في الترمذي نهى عليه السلام أن يصلى في سبعة مواضع في المزيلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق ومعاطن الإبل وفي الحمام وفوق ظهر بيت الله عز وجل وقال عليه السلام لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) اهـ ، وفي مواهب الجليل [ 1 : 135 ] : ( ومن صلى وبين يديه جدار مرحاض أو قبر فلا بأس به إذا كان موضعه طاهرا, قال ابن ناجي : ظاهره وإن ظهر على الجدار نجاسة وهو كذلك لأن المعتبر محل قيام المصلي وقعوده وسجوده وموضع كفيه لا أمامه أو يمينه أو شماله انتهى) اهـ ، وفي حاشية الدسوقي [ 1 : 188 ] : (قوله : وجازت بمربض بقر أو غنم ولو على القبر) أي هذا إذا صلى بين القبور بل ولو صلى فوق القبر فإن قلتَ : سيأتي أن القبر حبس لا يمشى عليه ولا ينبش والصلاة تستلزم المشي, قلتُ : يحمل كلامه على ما إذا كان القبر غير مسنم والطريق دونه فإنه يجوز المشي عليه حينئذ ، (قوله : منبوشة أو لا) فيه أن المقبرة إذا نبشت صار التراب الذي نزل عليه الدم والقيح من الموتى ظاهرا على وجه الأرض فيكون قد صلى على تراب نجس فكيف يحكم بجواز الصلاة ؟  وحاصل الجواب  : أنه سيأتي في كلام المصنف تقييد الجواز بالأمن من النجاسة بأن يعتقد أو يظن طهارة المحل الذي يصلي عليه والمقبرة إذا نبشت يمكن أن يعتقد أو يظن طهارة ما صلى عليه وأنه من غير المنبوش أو أن الدم والصديد النازل من الموتى لم يعم التراب, أو يقال إن جواز الصلاة في المقبرة المنبوشة مبني على ما قاله مالك من ترجيح الأصل وهو الطهارة على الغالب وهو النجاسة عند تعارضهما فتأمل ، (قوله : خلافا لمن قال بعدم الجواز في مقبرتهم ) الذي في المواق ترجيح هذا القول فانظره  اهـ  ... (قوله : إن أمنت من النجس ) أي بأن تحقق أو ظن طهارة الموضع الذي صلى فيه منها ... (قوله : كموضع منها ) أي كأن يصلي في موضع من هذه الأمور الأربعة المقبرة والزبلة والمحجة والمجزرة منقطع عن النجاسة أي بعيد عنها) اهـ

 

الفرع الثالث من أقوال الشافعية : في الأم [ 1 : 92 ] : روى حديث (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) ثم ( قال الشافعي ) : وبهذا نقول ومعقول أنه كما جاء في الحديث ولو لم يبينه لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة لأن المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم وذلك ميتة وإن الحمام ما كان مدخولا يجري عليه البول والدم والأنجاس
( قال الشافعي ) والمقبرة الموضع الذي يقبر فيها العامة وذلك كما وصفت مختلطة التراب بالموتى وأما صحراء لم يقبر فيها قط قبر فيها قوم مات لهم ميت ثم لم يحرك القبر فلو صلى رجل إلي جنب ذلك القبر أو فوقه كرهته له ولم آمره يعيد لأن العلم يحيط بأن التراب طاهر لم يختلط فيه شيء وكذلك لو قبر فيه ميتان أو موتى ) اهـ ، وقال الإمام البيهقي [ 2 : 435 ] : ( عن أنس قال : قمت يوما أصلى وبين يدي قبر لا أشعر به فنادانى عمر القبر القبر فظننت أنه يعني القمر فقال لي بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه وروينا عن أبي ظبيان عن بن عباس أنه كره أن يصلى إلى حش أو حمام أو قبر وكل ذلك على وجه الكراهية إذا لم يعلم في الموضع الذي تصيبه ببدنه وثيابه نجاسة لما روينا في هذا الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعلت لي الأرض طيبه طهورا ومسجدا ) اهـ ، وقال النووي في المجموع [ 3 : 164 ] : (حكم المسألة : إن تحقق أن المقبرة منبوشة لم تصح صلاته فيها بلا خلاف إذا لم يبسط تحته شيء, وإن تحقق عدم نبشها صحت بلا خلاف وهي مكروهة كراهة تنزيه ، وإن شك في نبشها فقولان  : أصحهما تصح الصلاة مع الكراهة, والثاني لا تصح , هكذا ذكر الجمهور الخلاف في المسألة الأخيرة قولين كما ذكره المصنف هنا , ممن ذكرهما قولين الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي والشيخ أبو علي البندنيجي وصاحب الشامل وخلائق من العراقيين , ومعظم الخراسانيين ونقلهما جماعة وجهين منهم المصنف في التنبيه وصاحب الحاوي قال في الحاوي : القول بالصحة هو قول ابن أبي هريرة وبالبطلان قول أبي إسحاق والصواب طريقة من قال : قولان, قال صاحب الشامل : قال في الأم : لا تصح , وقال في الإملاء : تصح واتفق الأصحاب على أن الأصح الصحة وبه قطع الجرجاني في التحرير ، قال أصحابنا : ويكره أن يصلي إلى القبر هكذا قالوا يكره , ولو قيل : يحرم لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد, قال صاحب التتمة : وأما الصلاة عند رأس قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوجها إليه فحرام ، وقال النووي في المجموع [ 3 : 166 ] ( فرع ) في مذاهب العلماء في الصلاة في المقبرة : قد ذكرنا مذهبنا فيها , وأنها ثلاثة أقسام , قال ابن المنذر روينا عن علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة ولم يكرها أبو هريرة وواثلة بن الأسقع والحسن البصري وعن مالك روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يعلم نجاستها ، وقال أحمد : الصلاة فيها حرام , وفي صحتها روايتان وإن تحقق طهارتها ، ونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال : تصح الصلاة وإن تحقق نبشها) اهـ ، وفي المجموع أيضا [ 5 : 280 ] : ( اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره , لعموم الأحاديث ، قال الشافعي والأصحاب : وتكره الصلاة إلى القبور , سواء كان الميت صالحا أو غيره قال الحافظ أبو موسى : قال الإمام أبو الحسن الزعفراني رحمه الله : ولا يصلى إلى قبره , ولا عنده تبركا به وإعظاما له للأحاديث والله أعلم ) اهـ ، وفي فتح المعين للمليباري [ 2 : 360 ] في شروط صحة النذر : ( وخرج بالقربة المعصية كصوم أيام التشريق وصلاة لا سبب لها في وقت مكروه فلا ينعقدان, وكالمعصية المكروه كالصلاة عند القبر والنذر لأحد أبويه أو أولاده فقط ) اه ونحوه في حاشية الشرواني على التحفة 10 : 79 ، وقال الحافظ في الفتح [ 1 : 524 ] : ( قوله : (وما يكره من الصلاة في القبور) يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر أو إلى القبر أو بين القبرين وفي ذلك حديث رواه مسلم من طريق أبي مرثد الغنوي مرفوعا : (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها أو عليها) قلت : وليس هو على شرط البخاري فأشار إليه في الترجمة وأورد معه اثر عمر الدال على أن النهي عن ذلك لا يقتضي فساد الصلاة ) اهـ ، وقال الحافظ أيضا 1 : 529 : ( استنبط من قوله في الحديث ولا تتخذوها قبورا أن القبور ليست بمحل للعبادة فتكون الصلاة فيها مكروهة … قال بن التين : تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون كأنه قال لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور, قال : فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك) اهـ

 

الفرع الرابع من أقوال الحنابلة : في المغني لابن قدامة [ 1 : 403 ] : ( اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الصلاة في هذه المواضع, فروي أن الصلاة لا تصح فيها بحال .وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر ، وعن أحمد رواية أخرى أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة . وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي; لقوله عليه السلام (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) وفي لفظ (فحيثما أدركتك الصلاة فصل , فإنه مسجد) . وفي لفظ (أينما أدركتك الصلاة فصل , فإنه مسجد) متفق عليها ولأنه موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء ، وقال بعض أصحابنا  : إن كان المصلي عالما بالنهي في هذه المواضع , لم تصح صلاته فيها ; لأنه عاص بصلاته فيها , والمعصية لا تكون قربة ولا طاعة, وإن لم يكن عالما فهل تصح صلاته ؟ على روايتين  : إحداهما : لا تصح لأنه صلى فيما لا تصح الصلاة فيه مع العلم , فلا تصح مع الجهل , كالصلاة في محل نجس ، والثانية : تصح لأنه معذور ) اهـ ، وفي المغني لابن قدامة [ 1 : 405 ] : (فصل : قال القاضي  : المنع من هذه المواضع تعبد لا لعلة معقولة , فعلى هذا يتناول النهي كل ما وقع عليه الاسم فلا فرق في المقبرة بين القديمة والحديثة , وما تقلبت أتربتها أو لم تتقلب ; لتناول الاسم لها ، فإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها لأنها لا يتناولها اسم المقبرة, وإن نقلت القبور منها , جازت الصلاة فيها; لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت فيه قبور المشركين , فنبشت متفق عليه ، ويحتمل أن المنع في هذه المواضع معلل بأنها مظان للنجاسات, فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه صديد الموتى ودماؤهم ولحومهم, ومعاطن الإبل يبال فيها ... فنهي عن الصلاة فيها لذلك وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة فيها , ومتى أمكن تعليل الحكم تعين تعليله , وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكم )اهـ ، وفي المغني لابن قدامة [ 1 : 406 ] : (فصل : ويكره أن يصلي إلى هذه المواضع فإن فعل صحت صلاته نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة إلى المقبرة والحمام والحش ؟ قال : لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر , ولا حش ولا حمام , فإن كان يجزئه ، وقال أبو بكر : يتوجه في الإعادة قولان ; أحدهما : يعيد ; لموضع النهي , وبه أقول والثاني : يصح ; لأنه لم يصل في شيء من المواضع المنهي عنها ، وقال أبو عبد الله بن حامد : إن صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلي فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل ; لما روى أبو مرثد الغنوي , أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (( لا تصلوا إلى القبور , ولا تجلسوا إليها )) [ متفق عليه ] ، وقال الأثرم : ذكر أحمد حديث أبي مرثد , ثم قال : إسناده جيد ، وقال أنس : رآني عمر , وأنا أصلي إلى قبر , فجعل يشير إلي : القبر , القبر .قال القاضي : وفي هذا تنبيه على نظائره من المواضع التي نهي عن الصلاة فيها ، والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة ; لأن قوله عليه الصلاة والسلام (( جعلت الأرض مسجدا )) يتناول الموضع الذي يصلي فيه من هي في قبلته , وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح لأن النهي إن كان تعبدا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه , وإن كان لمعنى مختص بها , وهو اتخاذ القبور مسجدا , والتشبه بمن يعظمها ويصلي إليها , فلا يتعداها الحكم ; لعدم وجود المعنى في غيرها... فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها, ويصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي فيه , والله أعلم )اهـ ، وفي الفروع لابن مفلح [ 2 : 214 ] : ( ويحرم إسراجها واتخاذ المسجد عليها, وبنيها ذكره بعضهم, وقال شيخنا : يتعين إزالتها لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين قال : ولا تصح الصلاة فيها على ظاهر المذهب للنهي واللعن وليس فيها خلاف لكون المدفون فيها واحدا وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل حدها ثلاثة أقبر أو ينهي عن الصلاة عند القبر الفذ على وجهين) اهـ ، وفي الإنصاف للمرداوي [ 1 : 493 ] : (الثانية : إن بنى المسجد بمقبرة : فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة وإن حدثت القبور بعده حوله أو في قبلته ، فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة على ما يأتي قريبا. هذا هو الصحيح من المذهب قال في الفروع : ويتوجه تصح يعنى مطلقا ، وهو ظاهر كلام جماعة, قلت : وهو الصواب ، وقال الآمدي : لا فرق بين المسجد القديم والحديث ، وقال في الهدى : لو وضع القبر والمسجد معا لم يجز ، ولم يصح الوقف ولا صلاة, وقال ابن عقيل في الفصول : إن بنى فيها مسجد بعد أن انقلبت أرضها بالدفن : لم تجز الصلاة فيه . لأنه بنى في أرض الظاهر نجاستها . كالبقعة النجسة وإن بنى في ساحة طاهرة ، وجعلت الساحة مقبرة جازت لأنه في جوار مقبرة ) اهـ ، وفي الإنصاف للمرداوي [ 1 : 493 ] : (قوله : (وتصح الصلاة إليها) هذا المذهب مطلقا مع الكراهة ، نص عليه في رواية أبي طالب وغيره . وعليه الجمهور . وجزم به في الوجيز ، والإفادات ، وقدمه في الهداية ، والمستوعب ، والخلاصة ، والتلخيص ، والفروع ، وابن تميم ، والحاويين ، والفائق ، وإدراك الغاية ، وغيرهم ، وقيل : لا تصح إليها مطلقا . وقيل : لا تصح الصلاة إلى المقبرة فقط . واختاره المصنف ، والمجد وصاحب النظم ، والفائق . وقال في الفروع : وهو أظهر . وعنه لا تصح إلى المقبرة والحش . اختاره ابن حامد ، والشيخ تقي الدين . وجزم به في المنور . وقيل : لا تصح إلى المقبرة ، والحش ، والحمام . وعنه لا يصلى إلى قبر أو حش أو حمام أو طريق . قاله ابن تميم . قال أبو بكر : فإن فعل ففي الإعادة قولان . قال القاضي : ويقاس على ذلك سائر موضع النهى إذا صلى إليها إلا الكعبة ، ( تنبيه ) : محل الخلاف إذا لم يكن حائل فإن كان بين المصلى وبين ذلك حائل ، ولو كمؤخرة الرحل صحت الصلاة على الصحيح من المذهب . وقدمه في الفروع وغيره . وجزم به في الفائق وغيره ، قال في الفروع : وظاهره أنه ليس كسترة صلاة ، حتى يكفي الخط . بل كسترة المتخلى. قال : ويتوجه أن مرادهم لا يضر بعدٌ كثير عرفا ، كما لا أثر له في مار أمام المصلى ، وعنه لا يكفي حائط المسجد ، نص عليه . وجزم به المجد ، وابن تميم ، والناظم ، وغيرهم . وقدمه في الرعايتين ، والحاويين ، وغيرهم ، لكراهة السلف الصلاة في مسجد قبلته حش وتأول ابن عقيل النص على سراية النجاسة تحت مقام المصلى ، واستحسنه صاحب التلخيص ، وعن أحمد نحوه ، قال ابن عقيل : يبين صحة تأويلي لو كان الحائل كآخرة الرحل : لم تبطل الصلاة بمرور الكلب . ولو كانت النجاسة في القبلة كهي تحت القدم لبطلت . لأن نجاسة الكلب آكد من نجاسة الخلاء ، لغسلها بالتراب قال في الفروع : فيلزمه أن يقول بالخط هنا . ولا وجه له وعدمه يدل على الفرق ، ( فائدة ) : لو غيرت مواضع النهى بما يزيل اسمها كجعل الحمام دارا ونبش المقبرة ونحو ذلك : صحت الصلاة فيها ، على الصحيح من المذهب. وحكى قولا : لا تصح الصلاة . قلت : وهو بعيد جدا )اهـ ، وفي الفتاوي الكبرى لابن تيمية [ 5 : 326 ] : (ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها ، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك ، وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة ، لأنه لا يتناول اسم المقبرة ، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا . وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق ، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور ، وهو الصواب ، والمقبرة كل ما قبر فيه . لا أنه جمع قبر ، وقال أصحابنا : وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه, فهذا يعين أن المنع يكون متناولاً لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه ، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه ، أي المسجد الذي قبلته إلى القبر ، حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر ) اهـ ، وفي شرح العمدة لابن تيمية [ 4 : 438 ] : (وعن ابن عمر و ابن عباس كراهة الصلاة في المقبرة وهذا أولى أن يكون صحيحا مما ذكره الخطابي عن ابن عمر أنه رخص في الصلاة في المقابر فلعل ذلك إن صح أراد به صلاة الجنازة وعن علي رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا قال من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد رواه عبد الرزاق ... وعن عبد الله بن عمرو قال : تكره الصلاة إلى حش وفي حمام وفي مقبرة, وقال إبراهيم : كانوا لا يصلون التطوع فإذا كانوا في جنازة فان حضرت صلاة مكتوبة تنحوا عن القبور فصلوا رواهما سعيد ... وهذه مقالات انتشرت ولم يعرف لها مخالف إلا ما روى عن يزيد ابن أبي مالك قال كان واثلة بن الأسقع يصلي بنا صلاة الفريضة في المقبرة غير أنه لا يستتر بقبر رواه سعيد وهذا محمول على أنه تنحى عنها بعض التنحي ولذلك قال : لا يستتر بقبر أو لم يبلغه نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة فيها فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن الصلاة إليها تنحى عنها لأنه هو راوي هذا الحديث ولم يبلغه النهي عن الصلاة فيها عمل بما بلغه دون ما يبلغه ، وأما الأحاديث المشهورة في جعل الأرض مسجدا فهي عامة وهذه الأحاديث خاصة وهي تفسر تلك الأحاديث وتبين أن هذه الأمكنة لم تقصد بذلك القول العام ) اهـ ، وفي شرح العمدة أيضا [ 4 : 479 ] : ( وأما الصلاة إلى هذه المواضع فقد نص احمد في مواضع على كراهة الصلاة إلى المقبرة والحش والحمام قال في رواية الاثرم : إذا كان المسجد بين القبور لا تصلى فيه الفريضة وإن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخص أن يصلى فيه على الجنائز ولا يصلى فيه على غير الجنائز وذكر حديث أبي مرثد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا تصلوا إلى القبور وقال إسناده جيد ، وقال في رواية الميموني وقد سئل عن الصلاة إلى المقابر والحش فكرهه, وقال في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة في المقبرة والحمام والحش وكرهه وقال : لا يعجبني أن يكون في القبلة قبر ولا حش ولا حمام وإن كان يجزيه ولكن لا ينبغي ، قال أبو بكر في الشافي : يتوجه من الإعادة قولان : أحدهما لا يعيد بل يكره وهذا هو المنصوص في رواية أبي طالب وهو اختيار القاضي, والثاني : يعيد لموضع النهي قال أبو بكر : وبه أقول, قال ابن عقيل : نص احمد على حش في قبلة مسجد لا تصح الصلاة فيه وكذلك قال ابن حامد : لا تصح الصلاة في المقبرة والحش ولم يذكر الحمام ، وقال كثير من أصحابنا منهم الآمدي : لا تجوز الصلاة إلى القبر وصرح جماعة منهم بان التحريم والابطال مختص بالقبر ، وذهبت طائفة من أصحابنا إلى جواز الصلاة إلى هذه المواضع مطلقا من غير كراهة وهو قول ضعيف جدا لا يليق بالمذهب, ومنهم من لم يكره ذلك إلا في القبر خاصة .. فأما المقبرة إذا كانت قدام حائط المسجد فقال الآمدي و غيره : لا تجوز الصلاة إلى المسجد الذي قبلته إلى المقبرة حتى يكون بين حائطه وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم أن هذا منصوص احمد لقوله المتقدم في رواية الاثرم ، وقال القاضي : إذا لم يكن يعني المصلي في ارض المقبرة بل كانت المقبرة أمامه فقال شيخنا : إن كان بينه وبينها حاجز جازت الصلاة لأنه ليس يصلي فيها ولا إليها وإن لم يكن بينه وبينها حاجز لم تجز الصلاة كما لو كان في أرضها فان كان بينه وبين هذه الأشياء عدة اذرع لم تكره الصلاة على ما نص عليه في رواية المروذي ) اهـ

 

المبحث الثاني : الأدلة : ( أولا ) : أدلة الجمهور ، أدلة الجمهور هي : 

 

1- حديث جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا : وهو الصحيحين عن جابر رضي الله عنه وله شواهد كثيرة قالوا : فهو عام وقد جاء على سبيل الامتنان فلا يصح تخصيصه, وقالوا إن النهي عن الصلاة في المقبرة الوارد في بعض الأحاديث - إن صحت - فهو للكراهة لا التحريم بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على كثير من الأموات على قبورهم وكذا صلى عند قبر أمه ركعتين كما في صحيح ابن حبان 12 : 212 حيث قال : (أخبرنا الحسين بن محمد بن أبي معشر قال حدثنا عبد الرحمن بن عمرو البجلي قال حدثنا زهير بن معاوية عن زبيد الإيامي عن محارب بن دثار عن بن بريدة عن أبيه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب فصلى بنا ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر ففداه بالأب والأم وقال : مالك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إني استأذنت في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيني رحمة لها من النار) اه ورواه أحمد 5 : 355 والبيهقي 4 : 76 قال الالباني في الإرواء : 3 : 224  : وإسناده صحيح على شرط مسلم) اهـ ، وقال ابن حبان 3 : 261 : ( أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع قال حدثنا أحمد بن عيسى المصري قال حدثنا بن وهب قال حدثنا بن جريج عن أيوب بن هانئ عن مسروق بن الأجدع عن بن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما فخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه فناجاه طويلا ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باكيا فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أقبل علينا فتلقاه عمر رضوان الله عليه وقال : ما الذي أبكاك يا رسول الله؟ فقد أبكيتنا وأفزعتنا فأخذ بيد عمر ثم أقبل علينا فقال : أفزعكم بكائي؟ قلنا : نعم فقال : إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني سألت ربي الاستغفار لها فلم يأذن لي فنزل علي ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) فأخذني ما يأخذ الولد للوالد من الرقة فذلك الذي أبكاني ألا وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة ) اهـ ، كما حكى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة بعض الناس عند القبور مستحسنا ففي منتخب عبد بن حميد 1 : 349  : (حدثني بن أبي شيبة ثنا وكيع عن الربيع بن سعد عن بن سابط عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب, ثم أنشأ يحدث قال : خرجت طائفة منهم فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين فدعونا الله عز وجل يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت ، قال ففعلوا فبينا هم كذلك إذ طلع رجل رأسه من قبر بن عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلي فوالله لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى كان الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت ) اه وذكره الديلمي في فردوسه 2 : 193 ،

 

2- أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون عند القبور : كما ورد عن فاطمة رضي الله عنها ففي المستدرك 3 : 30 : ( عن جعفر بن محمد عن أبيه أن أباه علي بن الحسين حدثه عن أبيه  : أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة بن عبد المطلب في الأيام فتصلي وتبكي عنده ) اهـ ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه, لكن قال الذهبي في التلخيص : سليمان بن داود مدني تكلم فيه ، وفي موارد الضمآن 1 : 485 : ( أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال : رأيت أسامة بن زيد يصلي عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج مروان بن الحكم فقال تصلي إلى قبره فقال إني أحبه, فقال له قولا قبيحا, ثم أدبر فانصرف أسامة بن زيد فقال له : يا مروان إنك آذيتني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله يبغض الفاحش المتفحش وإنك فاحش متفحش ) اهـ  وقال المحقق اسناده صحيح ، ورواه المقدسي في الأحاديث المختارة 4 : 105 : ( أخبرنا عبد الله بن محمد اللفتواني بأصبهان أن الحسن بن عبد الملك الأديب أخبرهم قراءة عليه أنا عبد الرحمن بن أحمد المقرئ أنا جعفر بن عبد الله أنا محمد بن هارون نا محمد بن بشار وابن المثنى قالا نا وهب بن جرير نا أبي قال سمعت مع محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرة عائشة رافعا عقيرته يتغنى ورأيته يصلي عند قبر النبي... ) اهـ  وقال المحقق : اسناده حسن ، وفي تاريخ الطبري 5 : 583 : ( قال أبو مخنف : حدثنا الأعمش ، قال : حدثنا سلمة بن كهيل ، عن أبي صادق ، قال : لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحة واحدة : يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا ، فاغفر لنا ما مضى منا ، وتب علينا أنت التواب الرحيم ، وارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين ، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه ، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، قال : فأقاموا عنده يوما وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون ، فما أنفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى أصحابه ، حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره . وزادهم حنقا ، ثم ركبوا ، فأمر سليمان الناس بالمسير ، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه ، فيترحم عليه ، ويستغفر له قال : فو الله لرأيهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر )اهـ ، وفي صحيح البخاري 1 : 165  : ( باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد, وما يكره من الصلاة في القبور ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال القبر القبر ولم يأمره بالإعادة) اهـ ، قال الحافظ في الفتح : 1 : 524  : (وقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادي أنس على الصلاة ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف) اهـ ، وقال في الفتح أيضا 1 : 533  : ( وإيراده له هنا يحتمل أن يكون أراد أن الكراهة في الأبواب المتقدمة ليست للتحريم لعموم قوله : جعلت لي الأرض مسجدا أي كل جزء منها يصلح أن يكون مكانا للسجود أو يصلح أن يبني فيه مكان للصلاة, ويحتمل أن يكون أراد أن الكراهة فيها للتحريم وعموم حديث جابر مخصوص بها والأول أولى لأن الحديث سيق في مقام الامتنان فلا ينبغي تخصيصه ، ولا يرد عليه أن الصلاة في الأرض المتنجسة لا تصح لأن التنجس وصف طارئ والاعتبار بما قبل ذلك ) اهـ ، والصحابة رضوان الله عليهم هم أدرى بمراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الشيخ عليش في فتح العلي المالك 1 : 52 : (نقل صاحب المدخل عن ابن بطال : أن العلماء قالوا : الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة كيف تلقوها من صاحب الشريعة صلى الله عليه و سلم فإنهم أعرف بالمقال وأقعد بالحال) اهـ

 

3- أن السلف كان يحصل ذلك منهم بلا نكير : ففي الروح لابن القيم ص 11  : ( قال يزيد بن هارون : أخبرنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، أن ابن ساس خرج في جنازة في يوم وعليه ثياب خفاف ، فانتهى إلى قبر ، قال فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه ، فوالله إن قلبي ليقظان إذ سمعت صوتا من القبر : إليك عني لا تؤذني فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون ونحن قوم نعلم ولا نعمل ، ولأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا ، فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر وبصلاته ، وقال ابن أبي الدنيا : حدثني الحسين بن علي العجلي ، حدثنا محمد بن الصلت ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ثابت بن سليم ، حدثنا أبو قلابة قال : أقبلت من الشام إلى البصرة ، فنزلت منزلا ، فتطهرت ، وصليت ركعتين بليل ، ثم وضعت رأسي على قبر ، فنمت ، ثم انتبهت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول : قد آذيتني منذ الليلة ، ثم قال : إنكم تعملون ولا تعلمون ، ونحن نعلم ولا نقدر على العمل ، ثم قال : الركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ، ثم قال : جزى الله أهل الدنيا خيرا ، أقرئهم منا السلام ، فإنه يدخل علينا من دعائهم نور أمثال الجبال) اهـ ، وفي شعب البيهقي 7 : 19  : ( أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو أنا أبو عبد الله الصفار نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني الحسين بن علي العجلي نا عبد الله بن نمير نا مالك بن مغول عن ابن منصور عن زيد بن وهب قال : : خرجت إلى الجبانة فجلست فيها فإذا رجل قد جاء إلى قبر فسواه ثم تحول إلى مجلس فقلت له ما هذا القبر ؟ قال : أخ لي مات . فقلت : أخ لك ؟ فقال : أخ لي في الله رأيته فيما يرى النائم فقلت فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال : قد قلتها لأن أقدر على أن أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال : ألم تر حيث كانوا يدفنوني فإن فلانا قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها ) اه وهو في حلية الأولياء 4 : 171 ، وفي شعب البيهقي أيضا 7 : 298  : ( أخبرنا أبو سعيد بن عمرو أنا أبو عبد الله الصفار نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني أبو بكر التيمي نا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني حميد الطويل عن مطرف بن عبد الله الجرشي قال : شهدت جنازة ثم اعتزلت من ناحية قريبا من قبر فركعت ركعتين خففتهما لم أرض إنفاقهما قال : فنعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال : ركعت ركعتين لم ترض إنفاقهما . فقلت : قد كان ذلك . قال : تعلمون ولا تعلمون ولا تستطيع أن تعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها . فقلت : من هاهنا ؟ فقال : كلهم مسلم وكلهم قد أصاب خيرا . فقلت : من هاهنا أفضل ؟ فأشار إلى القبر فقلت في نفسي : اللهم ربنا أخرجه إلي فأكلمه قال : فخرج من قبره فتى شاب . فقلت : أنت أفضل من هاهنا ؟ قال : قد قالوا ذلك . قلت : فبأي شيء نلت ذلك فوالله ما أرى لك تلك السن فأقول نلت ذلك بطول الحج والعمرة والجهاد في سبيل الله عز وجل والعمل . قال : ابتليت بالمصائب فرزقت الصبر عليها فبذلك فضلتهم ) اهـ .وهو في تاريخ ابن عساكر 58 : 330 ،

 

ثانيا : أدلة المالكية : وأما أدلة المالكية فهي  :   1 - حديث ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) : وضعفوا الأحاديث التي تمنع من ذلك أو قالوا هي منسوخة قال ابن عبد البر في التمهيد 1 : 168 عن حديث جعلت لي الأرض  : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اولئك قوم اذا مات الرجل الصالح عندهم بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله ، قال أبو عمر : هذا يحرم على المسلمين ان يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد وقد احتج من لم ير الصلاة في المقبرة ولم يجزها بهذا الحديث وبقوله : ان شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا في بيوتكم ولا تجعلها قبورا وهذا الاثار قد عارضها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : جعلت لي الارض مسجدا وطهورا ، وتلك فضيلة خص بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يجوز عند أهل العلم في فضائله النسخ ولا الخصوص ولا الاستثناء وذلك في غير فضائله ، إذا كان أمرا أو نهيا ، أو في معنى الأمر والنهي, وبهذا يستبين أن الناسخ منها هو قوله صلى الله عليه و سلم جعلت لي الأرض مسجدا طهورا ) اهـ ، وقال في التمهيد 5 : 221 عن حديث إلا المقبرة والحمام  : (فلو صح لكان معناه أن يكون متقدما لقوله : جعلت لي الأرض كلها مسجدا طهورا ويكون هذا القول متأخرا عنه ، فيكون زيادة فيما فضله الله به صلى الله عليه وآله وسلم ) اهـ ، ومما يقوي القول بالنسخ أن حديث جعلت لي الأرض... كان في غزوة تبوك ففي فتح الباري 1 : 436  : ( قوله : (أعطيت خمسا..) بين في رواية عمرو بن شعيب أن ذلك كان في غزوة تبوك وهي آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) اهـ ،  2- أن موضع مسجد النبي صلى الله عليه وآله سلم كان مقبرة للمشركين فنبشها وبنى المسجد عليها ،

 

ثالثا : أدلة الحنابلة : أدلة الحنابلة هي  :  1 - حديث إلا المقبرة والحمام : ففي سنن الترمذي 2 : 131  : ( عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) ، لكن هذا الحديث فيه كلام قال أبو عيسى الترمذي بعد روايته  : (وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وجابر وبن عباس وحذيفة وأنس وأبي أمامة وأبي ذر قالوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا قال أبو عيسى : حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين منهم من ذكره عن أبي سعيد ومنهم من لم يذكره وهذا حديث فيه اضطراب ) اهـ ، وفي سنن الدارمي 1 : 375  : (عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام, قيل لأبي محمد [ الدارمي ] : تجزئ الصلاة في المقبرة ؟ قال : إذا لم تكن على القبر فنعم وقال : الحديث كلهم أرسلوه) اهـ ، وقد ذكر الحافظ في التلخيص 1 : 277 طائفة ممن تكلموا في الحديث وهم : الدارقطني في العلل فقال : المرسل المحفوظ ، وقال الشافعي : وجدته عندي عن بن عيينة موصولا ومرسلا ، ورجح البيهقي المرسل أيضا ، وقال النووي في الخلاصة : هو ضعيف ، وأفحش بن دحية فقال في كتاب التنوير له : هذا لا يصح من طريق من الطرق ، وقال ابن عبد البر في التمهيد 5 : 220 : وفي إسناد هذا الخبر من الضعف ما يمنع الاحتجاج به ، 2- حديث نهى عن الصلاة في سبعة مواطن : عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يصلي في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله ) رواه الترمذي 2 : 177 وابن ماجه 1 : 246 ، وقال الترمذي بعد إخراجه  : حديث ابن عمر ليس بذلك القوي ، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه , وقال الزيلعي في نصب الراية 2 : 323 : اتفق الناس على ضعفه, وقال ابن عبد البر في التمهيد 5 : 226  : ( الحديث منكر ، لا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله ) اهـ ،  3- حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( نهاني حبّي صلى الله عليه و سلم أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة ) رواه أبو داود 1 : 132 والبيهقي 2 : 451 ، قال ابن عبد البر : هذا إسناد ضعيف مجمع على ضعفه ، وهو مع هذا منقطع غير متصل بعلي رضي الله عنه, وقال العيني : قال ابن القطان : هو حديث واه وقال البيهقي في المعرفة : إسناده غير قوي, وقال الخطابي رحمه الله : في إسناد هذا الحديث مقال ... وقد عارضه ما هو أصح منه ، وهو قوله صلى الله عليه و سلم : (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) اه انظر عون المعبود 1 : 183 ، 4- أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد فمنها : عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : في مرضه الذي مات فيه لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا قالت ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مساجد ) رواه البخاري 1 : 446 ومسلم 1 : 376 ،  5- حديث ولا تصلوا إليها : فعن أبي مرثد الغنوي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) رواه مسلم 2 : 668 ،  6- حديث لا تجعلوا بويتكم قبورا : فعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) رواه أبو داود 2 : 218 ، هذا هو آخر المطاف والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين [حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الفقهية الأربعة للشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي ] ،

 

( 5 ) خاتمة المبحث

ليس المقصد من المبحث الترجيح بين من رأى جواز الصلاة دونما كراهة في المساجد التي بها قبور بعض الصالحين كالمالكية ، أو الكراهة كالشافعية والأحناف ورواية عن الحنابلة أو التحريم كرواية أخرى عند الحنابلة ، وإنما المقصد هو اثبات أنّ هذا المبحث يتعلق بعلم الفقه والاختلاف في الفروع لا علم العقيدة والتوحيد ، وقد ذكرنا في مقدمة المبحث أن المعنى المقصود من اتخاذ القبور مساجد له ثلاث احتمالات ( الأول ) : الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها ، و ( الثاني ) : السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء ، و ( الثالث ) : بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها ، وأنّه ها هنا يأتي دور الفقيه لتحديد المعنى المقصود من النهي في الأحاديث ، وقد اتفق الفقهاء على المعنى الاول والثاني ، واختلفوا في المعنى الثالث هل يتناوله النهي أم لا ، وأنّ سبب ذلك ما جاء في الكتاب والسنّة وعمل المسلمين على مر العصور بما يُخالف ذلك ، فمما جاء في كتاب الله تعالى مما يُخالف المعنى الثالث ، قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } [ الكهف : 21 ] ، قال الفقهاء فقد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبورهم ، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا كما يظن البعض لما سكت عنه القرآن ، ولو كان كبيرة  لنوه إلى ذلك القرآن الكريم لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار فقط عن حالهم ، وهذا أمر يتنزه القرآن عنه أن يسرد واقعة فيها شرك او كبيرة من الكبائر ثم لا يُشير إليها ولا يعقب عليها ، ولهذا حمل الفقهاء الذم في حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأَيْنَهَا بالحبشةِ فيها تصاويرُ ، فذكرتا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقال : إن أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات ، بَنَوْا على قَبرِهِ مَسجِدًا ، وصَوَّرُوا فيه تيك الصورَ ، أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ )) [ البخاري ح : 3873 ] ، على التصاوير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن وضع التصاوير في أماكن عبادتهم من قبيح فعلهم ، مع أن التصاوير منهي عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة ؟ فالذم في الحديث منصب على التصاوير لا على بناء المسجد ، لأنه يوافق القرآن في قول الله تعالى { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } ، والله تعالى أعلم ،

 

عدد الزيارات 87 آخر تعديل على الأربعاء, 18 تموز/يوليو 2018 15:29

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا