جديد الموقع

تحقيق القول في مسألة الزيارة وشد الرحال وأنها من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد مميز


الخميس, 12 تموز/يوليو 2018 14:02 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تحقيق القول في مسألة الزيارة وشد الرحال وأنها من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد

 

( 1 ) مقدمة عن بيان منزلة البقعة الطاهرة التي حوت قبر الرسول صلى الله عليه وسلم في قلوب العلماء

( 2 ) الادلة على استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة ، 

( 3 ) كلام الأئمة الفقهاء في استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة ، 

( 4 ) تفرد الإمام ابن تيمية في القرن السابع بمسألة تحريم شد الرحال للزيارة وبيان سبب اللبس في فتواه

( 5 ) التجديد في باب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ومسألة شد الرحال إليه 

( 6 ) كلمة هادئة في الزيارة وشد الرحال للدكتور عمر كامل

***

 

( 1 ) مقدمة عن بيان منزلة البقعة الطاهرة التي حوت قبر الرسول صلى الله عليه وسلم  في قلوب العلماء

( أ ) ( تنبيه في بيان حرص المسلمين على زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ) : الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بألف صلاة ، ومع ذلك نجد سواد المسلمين الاعظم ، وعلى مر عصور الإسلام ، يتوجهون إلى المدينة المنورة وقد تركوا ثواب صلاة بمائة ألف صلاة في مكة المكرمة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله )) ، وشدوا رحالهم إلى المدينة المنورة ، والتي الصلاة بها بألف صلاة ، وما ذاك إلا لزيارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهذه أجرها على الله الكريم الوهاب ، لأنها دليل على تعلق المسلم بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء في الحديث : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) [ متفق عليه ]

( ب ) ( تنبيه في فضل البقعة الشريفة التي حوت ذات النبي صلى الله عليه وسلم ) : الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق أجمعين ، قال الإمام النووي رحمه الله في حديث مسلم (( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ )) قال رحمه الله : ( وهذا الحديث دليل لتفضيله صلى الله عليه وسلم على الخلق كلهم ، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين - يعني المؤمنين منهم -  أفضل من الملائكة ، وهو صلى الله عليه وسلم أفضل الآدميين وغيرهم ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم  كتاب الفضائل ، باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق ] ، وبذلك شرفت البقعة الطاهرة ( القبر ) الذي به جسده الطاهر ، وقد نقل القاضي عياض رحمه الله تعالى أجماع الجمهور أن البقعة التي دفن فيها المصطفى أفضل بقاع الأرض ، قال القاضي عياض (2 : 91الشفا) (ولا خلاف أن موضع قبره أفضل البقاع) ،  وقال الشيخ الخفَّاجي ( قال القاضي عياض اليحصبي في كتابه الشفا : ولا خلاف أن موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض ، بل أفضل من السموات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمة الله ) .اهـ [ نسيم الرياض ج 3 ص 531 ] ،  وقال الإمام النفراوي في الفواكه الدواني (4 : 37) ( قال ابن عبد السلام : والتفضيل مبني على كثرة الثواب المترتب على العمل فيهما ، والخلاف المذكور بين الأئمة في غير قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم لقيام الإجماع على أفضليته على سائر بقاع الأرض والسموات وعلى الكعبة وعلى العرش كما نقله السبكي لضمه أجزاء المصطفى الذي هو أفضل الخلق على الإطلاق ، ولعل معنى فضل القبر على غيره أنه أعظم حرمة من غيره ، لا لما قاله ابن عبد السلام في تفضيل المساجد على بعضها فافهم ). أهـ ، وقال المناوي في شرحه المسمَّى فيض القدير ( والخلاف فيما عدا الكعبة فهي أفضل من المدينة اتفاقا خلا البقعة التي ضمت أعضاء الرسول صلى الله عليه وسلم فهي أفضل حتى من الكعبة كما حكى عياض الإجماع عليه ) اهـ [ فيض القدير ج 6 ص 343 ] ، وقال الإمام الحصفكي الحنفي في الدر المختار ، وهذا الكتاب من أشهر كتب الحنفية يقول صاحبه ( لا حرم للمدينة عندنا ومكة أفضل منها على الراجح إلا ما ضم أعضاءه عليه الصلاة والسلام فإنه أفضل مطلقا حتى من الكعبة والعرش والكرسي. وزيارة قبره مندوبة ، بل قيل واجبة لمن له سعة ) [ الدر المختار ج 2 ص 689 ] ، وقال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي في شرحه على مختصر الخليل ( ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضمه صلى الله عليه وسلم فإنه أفضل من الكعبة والسماء والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت المعمور )  [ منح الجليل شرح مختصر الخليل ج5 ص 481 ] ، وقال الإمام السخاوي في التحفة اللطيفة : ( مع الإجماع على أفضلية البقعة التي ضمته صلى الله عليه وسلم ، حتى على الكعبة المفضلة على أصل المدينة ، بل على العرش ، فيما صرح به ابن عقيل من الحنابلة ، ولا شك أن مواضع الأنبياء وأرواحهم أشرف مما سواها من الأرض والسماء ، والقبر الشريف أفضلها ، لما تتنزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة ، التي لا يعملها إلا مانحها ، ولساكنه عند الله من المحبة والاصطفاء ما تقصر العقول عن إدراكه)  اهـ [ التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة السخاوي الصفحة 12] ، وقال ملا علي القاري الحنفي في المسلك المتقسط في المنسك المتوسط ( قال الجمهور : فما ضمّ أعضاءه الشريفة فهو أفضل بقاع الأرض بالإجماع حتى من الكعبة ومن العرش ) أهـ [ المسلك المتقسط في المنسك المتوسط ص351 - ص352 ] ، وقال الإمام البهوتي : ( الكعبة أفضل من مجرد الحجرة فأما والنبي صلى الله عليه وسلم فيها فلا والله ولا العرش وحملته والجنة ، لأن بالحجرة جسدا لو وزن به لرجح ) [منتهى الإرادات : 2 : 525 ] ، وقال الإمام ابن عابدين الحَنَفِي في رد المحتار علي الدر المختار : ( الكعبة أفضل من المدينة ما عدا الضريح الأقدس وكذا الضريح أفضل من المسجد الحرام. وقد نقل القاضي عياض وغيره الإجماع على تفضيله حتى على الكعبة ، وأن الخلاف فيما عداه. ونقل عن ابن عقيل الحنبلي أن تلك البقعة أفضل من العرش ، وقد وافقه السادة البكريون على ذلك. وقد صرح التاج الفاكهي بتفضيل الأرض على السموات لحلوله صلى الله عليه وسلم بها ، وحكاه بعضهم على الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها وقال النووي : الجمهور على تفضيل السماء على الأرض ، فينبغي أن يستثنى منها مواضع ضم أعضاء الأنبياء للجمع بين أقوال العلماء ) اهـ [ ج 2 ص 688 ] ، وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج (5 : 167) ( إلا التربة التي ضمت أعضاءه الكريمة صلى الله عليه وسلم فهي أفضل إجماعا حتى من العرش)  اهـ ، وفي حاشية البجيرمي على الخطيب (1 : 122) [قال الرملي في شرحه : التربة التي ضمت أعضاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع ما مر حتى من العرش] أهـ ، فيستفاد من أقوال العلماء السابقة أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق كلهم ، وبذلك شرفت البقعة الطاهرة التي بها جسده الطاهر و التربة التي ضمت أعضاءه

 

( ت ) ( تنبيه في بيان أنه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ) : حديث (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى  )) [ متفق عليه ] حديث صحيح كثر اللغط حوله بسبب سوء الفهم في المقصود من النهي ، وما هو المعنى الصحيح المراد منه ، أما المعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه : لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضلها فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد ، وهي المذكورة  في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى ،  أما سوء الفهم في بيان المراد من الحديث هو ظن البعض أن المراد من الحديث هو النهي عن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، بحجة أنه شد للرحال لذلك ، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف ، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط ، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها ، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم ، لا شيء فيها ، بل جميع اهل العلم على مر عصور الإسلام ، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد ،  كما أن شد الرحال للتجارة جائز كما قال تعالى : { وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [ المزمل : 20 ] ، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز ، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز ، فهل كل ذلك جائز ، وشد الرحال لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم غير جائز ، 

***

 

( 2 ) الادلة على استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة

جاء في كتاب رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة للشيخ المدقق ممدوح سعيد محمود : ( أولاً ) الدليل من الكتاب  : قال الله تبارك وتعالى : { وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً } ، هذه الآية تشمل حالتيْ الحياة وبعد الإنتقال ، ومن أراد تخصيصها بحال الحياة ، فما أصاب لأن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم ، وأعلى صيغ العموم ما وقع في سياق الشرط ، كما في ارشاد الفحول (ص122) وغيره ، قال شيخنا العلاّمة المحقق السيد عبد الله بن الصديق الغُماري رحمه الله تعالى  : فهذه الآية عامة تشمل حالة الحياة وحالة الوفاة وتخصيصها بأحدهما يحتاج إلى دليل ، وهو مفقود هنا ، فإن قيل : من أين أتى العموم حتى يكون تخصيصها بحالة الحياة دعوى تحتاج إلى دليل ؟ قلنا : من وقوع الفعل في سياق الشرط ، والقاعدة المقررة في الأصول أن الفعل إذا وقع في سياق الشرط كان عاماً ، لأن الفعل في معنى النكرة لتضمنه مصدراً   منكراً ، والنكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط تكون للعموم وضعاً . انتهى من الردِّ المحكم المتين ( ص44 ) ، فالآية الشريفة طالبة للمجئ إليه صلى الله عليه وسلم في جميع الحالات لوقوع   "جاءوك" فيها حيز الشرط الذي يدل على العموم ، وقد فهم المفسرون من الآية العموم ، ولذلك تراهم يذكرون معها حكاية العتبي الذي جاء للقبر الشريف مستشفعاً بالنبي (ص ) ، فقال ابن كثير في تفسيره ( 2 : 306 ) : وقد ذكر جماعةُ منهم الشيخ أبو النصر الصَّباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العُتْبي قال : كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول : { وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جَاءُوك فاسْتغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسول لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً } ، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول : (  يا خير من دفنت بالقاع أعظمه  ... فطاب من طيبهن القاع والأكم ... نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه  ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم  )  ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال : يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له ، وهى حكاية غير صحيحة الإسناد لكنَّ الشاهد من ذكرها هو بيان أن العلماء ذكروها استئناساً لبيان أن الآية تفيد العموم ، وحديث عرض الأعمال يؤيد  الاستدلال بهذه الآية وهو قوله  صلى الله عليه وسلم  : (( حياتى خير لكم ، ومماتي خير لكم تُحدثون ويُحدث  لكم وتعرض علىَّ أعمالكم فما وجدت من خير حمدت الله وما وجدت من غير ذلك استغفرت لكم )) ، وهو حديث صحيح ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ، ومع عموم الآية المتقدمة الذي لا يررتاب فيه مرتابُ ، أغرب ابن عبد الهادي فقال : (( ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجئ إليه في حياته ليستغفر لهم )) . اهـ ( ص425  من الصارم المنكي ) ، ( قلت ) : عجبت ولا ينقضي عجبي من ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى ، فهو يشهد شهادة نفي على السلف والخلف ، فلم يكفه السلف بل تعدى إلى الخلف ، ونظرة إلى كتاب التفاسير والمناسك والفقه التي بين أيدينا تجدهم يذكرون هذه الآية عند الكلام على الزيارة ، ولو استحضر ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى كتب مذهبه واستدلال فقهاء السادة الحنابلة بالآية على استحباب الزيارة لما صرح بقوله المذكور ، ولكن حبك للشئ يعمي ويصم ، وما زال الحجاج على قرون عديدة يأتون للزيارة قبل أو بعد المناسك ، متشرفين بالوقوف بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم يسلمون عليه فيرد عليهم السلام ، ويدعون ويستفرون ، وهذا يكفي لردَّ دعواه ، ثم الواجب على المسلم أن يعمل بالدليل الذي صحَّ ولا ينظر هل عُمل به أم لا ؟ وتوقفه عن العمل بسبب هذه الشائبة فيه افتئات على الشرع ، وتوقف عن العمل بالدليل لعارض متوهَّم ، وقد قال الله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } ، ولم يتقرر بعد توقف العمل بالدليل إلا بعد حصر من عمل به ولم يعمل ، ولا تجد هذا إلا في مخيلة من يدفع بالصدر فقط ، والحاصل أن التخصيص لا يكون إلا بحجة ، ولا حجة هنا في عرف الشرع ، وأجاد العلامة أبو بكر المراغي فقال رحمه الله تعالى في عموم هذه الآية : (( وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته صلى الله عليه وسلم قربة   للأحاديث الواردة في ذلك ولقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً} ، لأن تعظيمه صلى الله عليه وسلم لا ينقطع بموته ولا يقال : إن استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو في حال حياته فقط ، وليست الزيارة كذلك لما أجاب بعض العلماء المحققين أن الآية دلت على تعليق وجدان الله تواباً رحيماً بثلاثة أمور : المجئ واستغفارهم واستغفار الرسول لهم ، وقد حصل استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لجميع المؤمنين لأنه صلى الله عليه وسلم قد استغفر للجميع . قال الله تعالى : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } [ آية 19 سورة سيدنا محمد ] فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته ، وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور كما حكاه النووي ، وأوجبها الظاهرية ، فزيارته صلى الله عليه وسلم مطلوبة بالعموم والخصوص لما سبق. اهـ (ص102 _ 203 ) ، ذو أصل الكلام في " شفاء السِّقام في زيارة خير الأنام " للتقي السُّبكي ،

[ اعتراض العثيمين والجواب عليه ] : وقد اعترض ( محمد بن صالح العثيمين ) على الاستدلال بالآية المذكورة فقال في فتاويه ( 1 : 89 ) ما نصُّه : (("إذ" هذه ظرف لما مضى وليس ظرفاً للمستقبل لم يقل الله : ولو أنهم  إذا ظلموا بل قال : "إذ ظلموا"  فالآية تتحدث عن إمر وقع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مماته أمر متعذر ، لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث كما قال الرسولصلى الله عليه وسلم : "صدقة جارية لأو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له " فلا يمكن للإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد بل ولا يستغفر لنفسه أيضاً ، لأن العمل انقطع )) . انتهى ،  ( قلت ) : هذا إقدام جرئ من العثيمين نسأل الله العافية ، وإليك تفنيده بالآتي : أما قصره "إذ"  على الزمن الماضي فقط ففيه نظر لأن " إذ" كما تستعمل في الماضي فتستعمل في المستقبل أيضاً ، ولها معان أخرى ذكرها ابن هشام في مغني اللبيب ( 1 : 80 _ 83 ) ، وقد نص على أنَّ "إذ" تستعمل للمستقبل : الأزهري فقال في تهذيب اللغة ( 15 : 47 ) : العرب تضع "إذ" للمستقبل و "إذا" للماضي قال الله عز وجل : { وَلَوَ تَرَى إِذْ فزعوا } ( سورة سبأ آية رقم 51 ) ، ( قلت ) : ومن استعمال إذ للمستقبل قوله تعالى : {ولو ترى إذ وُقِفُوا عَلَى النَّار } ( الأنعام الآية 27 ) ، { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ( الأنعام الآية 30 ) ، { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات } ( الأنعام الآية 93 ) ، {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم} (السجدة الآية 12 ) ، وأما قوله : واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم أمر متعذر لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث  اهـ ، فخطأ : واستغفار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متعذر لأمور : ( الأول ) : قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ) أخرجه البيهقي في حياة الأنبياء (ص15). وأبو يعلى في مسنده (6 : 147) ، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2 : 44) ، وابن عدي في الكامل ( 2 : 739 ) ، وقال الهيثمي في المجمع (8  : 211) : (( ورجال أبي يعلى ثقات)). اهـ والحديث له طرق ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره ) أخرجه مسلم (4 : 1845) ، وأحمد (3  : 120 ) والبغوي في شرح السنة ( 13 : 351 ) وغيرهم ، وقال ابن القيم فبي نونيته عند الكلام على حياة الرسول بعد مماتهم  [ النونية مع شرح ابن عيسى 2 : 160 ] ، (  والرسل أكمل حالة منه بلا  ... شك وهذا ظاهر التبيان ... فذلك كانوا بالحياة أحق من ... شهدائنا بالعقل والبرهان ... وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ ... فنساؤه في عصمة وصيان ... ولأجل هذا لم يحل لغـيره ... منهن واحدة مدى الأزمان  ... أفليس في هذا دليل أنــه  ... حــي لمن كانت له أذنان ) ، (  الثاني ) : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى إماماً بالأنبياء عليهم السلام في الإسراء ، وهذا متواتر ، وكانوا قد ماتوا جميعاً ، وراجعه موسى عليه السلام في الصلوات ورأى غيره في السماوات ، فمن كان هذا حاله فكيف يتعذر عليه الاستغفار ؟ والصلاة دعاءٌ ، واستغفارٌ ، وتضرعٌ ، ( الثالث ) : قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (حياتى خير لكم  تُحدثون ويُحْدَثُ لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض علىَّ أعمالكم فما رأيت  من خير حمدت الله عليه وما وجدت من غير شرٍ استغفرت لكم )) ، وهو حديث صحيح وقال عنه الحافظ العراقي في طرح التثريب   (3 : 297) : إسناده جيد ، وقال الهيثمي (المجمع 9 : 24) : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ، وصححه السيوطي في الخصائص ( 2 : 281 ) ، وكلام العراقي والهيثمي بالنسبة لإسناد البزار فقط ، وإلا فالحديث صحيح كما قال الحافظ السيوطي ، وغيره ، وسيأتي الكلام عن الحديث بتوسع إن شاء الله تعالى ، ( الرابع ) : استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم حاصل لجميع المؤمنين سواء من أدرك حياته أو من لم يدركها قال الله تعالى : (( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات )) وهذه منة من الله تعالى ، وخصوصية من خصوصيات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  وقد علم مما سبق أن الأمور الثلاثة المذكورة في الآية وهي : (2) المجئ إليه صلى الله عليه وسلم ، (2) والاستغفار ، (3) واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ، هذه الثلاثة حاصلة في حياته وبعد انتقاله ، ولا يقال : إنَّ الآية وردت في أقوام معينين لا يقال ذلك لأنه كما هو معروف "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " ، ولذلك فهم المفسرون وغيرهم من الآية العموم واستحبوا لمن جاء إلى القبر الشريف أن يقرأ هذه الآية : { وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً} ، ويستغفر الله تعالى ، وهذه التفاسير بين أيدينا والمناسك التي صنفها علماء المذاهب كذلك وكلها تظهر صدق دعوى الاستدلال بالآية ، ولماذا نذهب بعيداً فهذا العلامة أبو محمد ابن قدامة الحنبلي صاحب المغني ، الذي يقول فيه ابن تيمية : ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من ابن قدامة. يذكر هذه الآية في المغني (3 : 590) في صفة زيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد تقدم نحو ذلك في ( ص 65 ) فقد قال في صفة الزيارة ما نصُّه : ثم تأتي القبر فتولِّ ظهرك وتستقبل وسطه وتقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه … إلى أن قال بعد الثناء والصلاة على النبي    صلى الله عليه وسلم : اللهم إنك قلت وقولك الحق : {وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً }} وقد اتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربِّي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم اجعله أول الشافعين ، وأنجح السائلين ، وأكرم الآخرين والأولين ، برحمتك يا أرحم الراحمين . ثم يدعو لوالديه ولإخوانه  المسلمين أجمعين . انتهى باختصار ، بقى الكلام على قول العثيمين : لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث … إلخ ، ( قلت ) : سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم له من الكمالات والخصوصيات ما لم يصح لأحد ، وهذا قرره ابن تيمية في كتابه ( الصارم المسلول على شاتم الرسول ) وهو أحسن كتبه وهو صلى الله عليه وسلم في ترقٍ وارتفاع إلى يوم الدين ، وهذا أمرٌ معلوم من الدين بالضرورة ومقرر في كتب الخصائص ، ودلائل النبوة والشفا وشروحه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً )) . أخرجه مسلم وغيره ، فجميع الأعمال التي تصدر عن الأمة المحمدية راجعة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فثوابها راجع إليه ، وينتفع به قطعاً من  غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ، وفي هذا الصواب قال ابن تيمية في الفتاوي (1 : 191) : ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال : من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شئ ، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الداعي إلى ما تفعله أمته من الخيرات ، فما يفعلون له فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شئ)) . انتهى كلام ابن تيمية ، والحاصل أنَّ ابن عثيمين زلَّ فيما قال ، نعوذ بالله من الكلام في كتاب الله بغير علم ، والتعدي على مقام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

 

( ثانياً ) الدليل من السُنَّة : وهو ينقسم إلى قسمين : 

( القسم الأول ) : الأحاديث الدالة على مطلق الأمر بزيارة القبور : ولها ألفاظ متعددة بلغت حد التواتر كما في نظم المتناثر ( ص 80 _ 81 ) ، وإتحاف ذوي الفضائل المشتهرة ( ص 97 ) ، ومن أشهر ألفاظه قوله صلى الله عليه وسلم : (( كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإنها تذكرة الآخرة ) ، ومن ألفاظه : (فمن أراد أن يزور القبور فليزر ولا تقولوا هجراً) . أخرجه بهذذا اللفظ النسائي في سننه ( 4 : 73 ) ، والفعل في سياق الشرط يفيد العموم ولا تجد مخصصاً للحديث ، وقبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد القبور مطلقاً وأولاها بالزيارة ، وهنا إشكال حاصله أنه قد حصل الاتفاق على جواز السفر لطلب العلم وصلة الأرحام وزيارة الإخوة في الله والتجارة ، فما الذي خصَّ أحاديث زيارة القبور وجعل جوازها مقروناً بعدم السفر ؟! ولا شك أن من قيد الأحاديث التي فيها مطلق زيارة القبور يكون قد أبعد ، وردَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتدبر ، ( إيقاظ ) لفظ "الزيارة" يلزم منه الانتقال من مكان لآخر ، فالشارع يحضُّ على الانتقال من مكان لآخر من أجل زيارة القبور ، فإن قيل : قد قال ابن تيمية في الردِّ على العلامة الأحنائي (ص77) : قوله "فزوروا القبور "  فالأمر بمطلق الزيارة أو استحبابها أو اباحتها لا يستلزم السفر إلى ذلك لا استحبابه ولا اباحته اهـ ، قلت : الحديث عام لا يخصصه شيء ، وقد تقرر : أنَّ الأمر إذا ثبت ثبتت لوازمه ، وعليه فإذا تعلقت الزيارة بانتقال سفرفلا يوجد نصٌ يمنع من هذا السفر ، ثم المرجع عند الاختلاف هو الشرع قال الله تعالى : { فإن تنازعتُم في شيء فرُدُّوه إلى الله والرَسول إنْ كنْتُمْ تُؤمنونَ باللهِ واليومِ الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ( النساء الآية 59 ) ، وقد سمى الشارع السفر زيارة وهو نصٌ لا يحتمل التأويل ، فقد أخرج مسلم في صحيحه (4 : 1988) " أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فأرصد الله على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخاً لي في تلك القرية قال : هل لك عليه من نعمة ترُبُّها ؟ قال : لا ، غير أنني أحببته في الله عز وجل . فقال  : إني رسول الله إليك ، بأنَّ الله أحبك كما أحببته " ، فالشارع قد سمى السفر وهو الانتقال من قرية لأخرى زيارة ، وعليه فلفظ الزيارة يحتمل السفر وعدمه ، فقصر لفظ الزيارة على أحد نوعيها ، وهو الزيارة التي بدون سفر تحكم في النصِّ ومخالفة الشرع ، والله أعلم ،

( القسم الثاني ) : الأحاديث الدالة على زيارة قبره صلى الله عليه وسلم بخصوصه : ومنها ما هو حسن بل صححه أو حسنه بعض الأئمة كابن السكن ، والسبكي ، والسيوطي وإلى الحُسن تكاد تصرح عبارة الذهبي ، ومن أحسنها ما روي من طريق موسى بن هلال العبدي عن عبد الله   ابن عمر العمري وعبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) ، والصواب : إثبات رواية العبدي للحديث عن العمري المكبر والمصغر ، والمكبر وإن كان فيه كلام لكنه حسن الحديث . وقال ابن معين في حديثه عن نافع : صالح ثقة ، ومما يجب أن نلفت نظر القارئ الكريم إليه أنَّ ابن عبد الهادي الذي حشد نصوص الجرح في العمري المكبر قد حسَّن حديث العمري هذا في تنقيح التحقيق ( 1 : 122) ، والحجة في قول يحيى ابن معين إمام الجرح والتعديل وغيره من الأئمة الذين قبلوا حديث العمري ، وموسى بن هلال العبدي روى عنه أئمة حفاظ وهو من شيوخ أحمد ، وقد قال عنه الذهبي في الميزان (4 : 226) : صالح الحديث ، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، ومن أحاديث الزيارة ما هو صالح للإحتجاج على طريقة أبي داود السجستاني في سننه كما ستجده في مكانه إن شاء الله تعالى ،        وصفوة القول أنَّ أحاديث زيارة القبر الشريف تصلح لإقامة صلب الدعوى ومن الجرأة الحكم عليها بالوضع كما زعم بعضهم ،

 

( ثالثاً ) : الإجماع : وقد نقله جماعة منهم القاضي عياض ، فقال في الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم ( 2 : 74 ) : (( زيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنَّة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها )) . اهـ ، وقال الشوكاني في نيل الأوطار ( 5  : 110 ) : (( واحتج أيضاً من قال بالمشروعية بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان على تباين الديار ، واختلاف المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته ، ويعدون ذلك من أفضل الأعمال فكان إجماعاً )) . اهـ ، وقال العلامة المحقق أبو الحسنات محمد عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي في " إبراز الغي الواقع في شفاء العيّ " : (( وأما نفس زيارة القبر النبوي فلم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات ، واختلفوا في ندبها ووجوبها ، فقال كثير منهم بأنها مندوبة ، وقال بعض المالكية والظاهرية : إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب ، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب ، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشئ لم يسبق إليه عالم قبله هو ابن تيمية )) اهـ ، وقد أتى المعارض هنا بتمحلات ، وليس عنده ما يشفي ومن جملة تمحلاته أنه يعترف بالإجماع المذكور ، ولكنه حرف الكلم عن مواضعه وقال : مقصودهم زيارة القبر الشريف بدون شد الرحل أو زيارة المسجد إن اقترن بشد الرحال ، وهذا التمحل باطل ويبطله النصوص المتقدمة عن السادة الفقهاء رضي الله عنهم وعمل الأمة ، فمن ذا الذي يتحمل مشقة السفر والتعرض للمخاطر حتى يحصل أجر ألف صلاة في حين أنه يتمكن من تحصيل أجر مائة ألف في مكة المكرمة ، لا شك أن الأمة  ما شدت الرحل وما سمحت بهذه التفدية العظيمة إلا لزيارة تلك البقعة المقدسة التي ثوى فيها حبيب رب العالمين  وإمام المرسلبن وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وسلم وبارك عليه ، وزاده فضلاً وشرفاً لديه ، ولا يظن ظان أننا ننكر فضل المسجد النبوي ، كلا وإنما مع وجود فضيلة المسجد النبوي فهي تقل عن فضيلة المسجد الحرام كما جاء النصُّ بذلك ، فلوكان شد الرحل لتحصيل الأجر فقط لكان المسجد الحرم  أولى وأولى ، وانظر رحمني الله وإياك هل تشد الرحال لزيارة المسجد الأقصى كما تشد لللمسجد النبوي ؟! فذلك أدل دليل وأقوى برهان على أن الذي يحث العزائم والركائب هو زيارة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليتنبه القارئ إلى أنه لم يقل أحد من فقهاء الأمة بنية شد الرحل لزيارة مسجده صلى الله عليه وسلم فقط قبل ابن تيمية ، والحاصل أن الإجماع القولي والعلمي على مشروعية شد الرحل لزيارة القبر الشريف قد ثبت ثبوت الجبال الرواسي ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وثمَّ ألفاظ وردت عن الإمام مالك رحمه الله تعالى لا تقدح في هذا الإجماع أجاب أصحابه عليها كما هو معلوم في محله ، ومثله ما يروى عن أبي محمد الجويني في مسألة النذر ، فإنه لا تعلق له بزيارة القبر الشريف ، كما حققه التقي السبكي في شفاء السِّقام ( ص 121 _ 123 ) ،

 

حديث  (( لا تشدُّ الرحال … الحديث )) يدل بمفهومه على استحباب الزيارة : من المعروف أن ابن تيمية انفرد في القرن السابع بمنع إنشاء السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أكثر تلميه ابن عبد الهادي من نقل فتاوي شيخه ابن تيمية المصرحة بتحريم شد الرحل لمجرد الزيارة ، وأعقب فتيا ابن تيمية مناظرات ومصنفات وفتن ، وأكثر العلماء من رَدّ مقالته [ ومحاولة تصوير الرادين على ابن تيمية أنهم من علماء السوء تهافت وبعد عن البحث وركوب لمقام الإفساد الذي يرده الواقع ، ولا بد من المبالغة في رد أمثال هذه الوساوس] ،  قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (5 : 66) بعد الإشارة لهذه الفتنة : ( والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شدِّ الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال الحافظ : وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية [قال الشيخ عبد العزيز بن باز معلقاً على عبارة الحافظ المذكورة أعلاه ( الفتح : 3 : 66 ) : وهذا اللازم لا بأس به ، وقد التزمه الشيخ وليس في ذلك بشاعة بحمد الله عند من عرف السنة مواردها ومصادرها ، والأحاديث المروية في فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلها ضعيفة بل موضوعة ،  كما حقق ذلك أبو العباس في منسكه وغيره ، ولو صحت لم يكن فيها حجة على جواز شد الرحال إلى زيارة قبره عليه اللاة والسلام من دون قصد المسجد ، بل تكون عامة مطلقة ، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخها ويقيدها )) . اهـ ، ( قلت ) : إذا كان كلام الشيخ ابن تيمية فيه بشاعة شدد بسببها العلماء النكير عليه فالأبشع منه  قولك : ولو صحت … إلخ ، فلازم كلامك تحريم السفر لطلب العلم وصلة الرحم وزيارة أخ في الله وللتجارة … إلخ ، لأن الأحاديث التي وردت في مثل هذه الأنواع عامة مطلقة ، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخها ويقيدها حسب عبارتك وهذل لم يقل  به أحد من الأمة ولا يعقل وكان أولى بالكاتب أن يتقيد بمذهبه الحنبلي بله مذاهب الأئمة قاطبة وقد تقدمت بعض نوهم ، ولا يخفي على القاريء اللبيب أن الحديث المذكور في شد الرحال لا يفيد العموم ، ودونك فهم الصحابة له مثل عمر بن الخطاب ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة وسيأتي إن شاء الله تعالى والله المستعان] ) أهـ ، وقال الحافظ أبو زرعة العراقي في بعض أجوبته المسماة ( الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية ص96–98) ، وهو بصدد الكلام على المسائل التي انفرد ابن تيمية بها : " وما أبشع مسألتي ابن تيمية  في الطلاق والزيارة ، [ وكأن ابن تيمية يمنع من الزيارة مطلقاً كما يفهم من كلامه فقال في الرد على الأخنائي  ( ص 102 ) : والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد ، وإذا سمى هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى له إنما هو تيان إلى مسجده . اهـ .وقلده ابن عبد الهادي فقال : ولأن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم لا يتمكن منها  أحد كما يتمكن من الزيارة المعروفة عند قبر غيره . اهـ ، ( قلت ) : مشيا رحمهما الله على اشتراط مشاهدة القبر في الزيارة وهو أمر لم يصرح به أحد من المسلمين ، على أنه قد استفاض لفظ القبر الشريف مع الزيارة والسلام والدعاء وطلب الاستسقاء والله المستعان ] ، وقد رد عليه فيهما معاً الشيخ تقي الدين السبكي وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد  وأحسن " اهـ ، وقال أيضاً في طرح التثريب ( 6 : 43 ) : وللشيخ تقي الدين ابن تيمية هنا كلام بشع عجيب يتضمن منع شد الرحل للزيارة ، وأنه ليس من القرب ، بل بضد ذلك ، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في شفاء السِّقام فشفى صدور قوم مؤمنين اهـ ، وذكر الحافظ العلائي المسائل التي انفرد بها ابن تيمية فقال : (( ومنها … أنَّ إنشاء السفر لزيارة نبينا صلى الله عليه وسلم معصية لا تقصر فيها الصلاة ، وبالغ في ذلك ولم يقل به أحد من المسلمين قبله )) ، انظر تكملة الردِّ على النونية (ص 143) وبمقولة ابن تيمية فُتِح في الأمة باب فتنة ، وقضى الله ولا راد لقضائه ، وعمدة ابن تيمية على هذا المنع حديث : لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد . المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ، والجواب على هذا من وجوه  : ( الوجه الأول ) : هذا الاستثناء المذكور في الحديث استثناء مفرغٌ ، ولا بدَّ من تقدير المستثنى منه ، وهو إما أن يُحمَل على عمومه فيقدر له أعمَّ العام لأن الاستثناء معيار العموم ، فيكون التقدير لا تشدُ الرحالُ إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة ، وهذا باطل بداهة لأنه يستلزم تعطيل السفر مطلقاً إلا للمساجد الثلاثة ولكن لا بد أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، قال ابن النجار الحنبلي في" شرح الكوكب المنير" (3 : 286) : ولا يصح الإستثناء أيضاً من غير الجنس نحو جاء القوم إلا حماراً ، لأن الحمار لم يدخل في القوم ، وكذا : له عندي مائة درهم إلا ديناراً ونحوه ، وهذا هو الصحيح من الروايتين عن الإمام أحمد رضي الله عنه واختيار الأكثر من أصحابنا وغيرهم . اهـ ، واختاره الإمام الغزالي في المنخول ( ص 159 ) ، ومن قال بجواز الاستثناء من غير الجنس قال : إنه مجاز ، وعليه فلا يصح أن يقال : قام القوم إلا حماراً مع إرادة الحقيقة. فإن أراد المجاز صح هنا بأن يجعل الحمار كناية عن البليد ، كذا في المدخل لابن بدران الحنبلي ( ص117 ) ، وفيه أيضاً قول الخرقي في مختصره : ومن أقر بشئ واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلاً . اهـ ، واستظهر أبو إسحق الشيرازي كونَ الاستثناء من غير الجنس من باب المجاز ، كذا في نزهة المشتاق شرح لمع أبي إسحاق ( ص230 _ 231 ) لشيخ مشايخنا الشيخ يحيى أمان المكي رحمه الله تعالى ، وصفوة القول أن كون المستثنى لا بد أن يكون من جنس المستثنى منه هو مذهب الحنابلة ، وأن من جوزه جعله من باب المجاز ، فرجع خلافهم إلى وفاق ، وعلى ما سبق تقريره ينبغي أن يقدر مستثنى منه يوافق المستثنى    ( المساجد ) المذكور في الحديث . فيكون نظم الحديث كالآتي : لا تشد الرحال إلى ( مسجد ) إلا إلى ثلاثة ( مساجد ) ، ورواية شهر بن حوشب في تعيين المستثنى منه مشهورة وقد أخرجها أحمد في المسند (3 : 64 ، 93) ، وأبو يعلى في مسنده (2 : 489) ، وقال الحافظ في الفتح (3 : 65) : وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف . اهـ ، وذكره الذهبي فيمن تكلم فيه وهو موثق (ص100) ، فهو ممن يحسن حديثه عند الذهبي أيضاً ، فهذان حافظان جبلان في الحفظ ومعرفة الرجال ذهبا إلى تحسين حديث شهر بن حوشب ، فلا تنظر بعد لتشغيب الألباني وقد رددت عليه بما سيأتي في مكانه إن شاء الله تعالى ، وقد تتابع على تقدير المستثنى بالمساجد شراح الحديث . وقال الكرماني في شرحه على البخاري  (7 : 12) عند قوله " لا إلى ثلاثة مساجد " : والاستثناء مفرغ ، فإن قلت : فتقدير لكلام لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان ، فيلزم أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل عليه السلام ونحوه ، لأن المستثنى منه في المفرغ لا بد أن يقدر أعم العام ، قلت : المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعاً ووصفاً كما إذا قلت : ما رأيت إلا زيداً كان تقديره : ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً ، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً ، فهاهنا تقديره : لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة . وقد وقع في هذه المسألة في عصرنا مناظرات كثيرة في البلاد الشامية ، وصنف فيها رسائل من الطرفين لسنا الآن لبيانها . اهـ ، وقال العلامة البدر العينى الحنفي ( 6 : 276 ) : وشد الرحال كناية عن لسفر لأنه لازم للسفر ، والاستثناء مفرغ ، فتقدير لكلام : لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان ، فإن قيل : فعلى هذا يلزم أن لا يجوز السفر إلى ما كان غير المستثنى حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل صلوات الله تعالى وسلامه عليه ونحوه ، لأن المستثنى منه في المفرغ لا بد أن يقدر أعم العام . وأجيب بن المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعاً ووصفً كما إذا قلت : ما رأيت إلا زيداً كان تقديره : ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً ، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً ، فها هنا تقديره لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة . اهـ ، وفي فتح الباري ( 3  : 66 ) : قال بعض المحققين : قوله : " إلا إلى ثلاثة مساجد " المستثنى منه محذوف ، فإما إن يقدر عاماً فيصير : لا تشد الرحل إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة أو أخص من ذلك ، لا سبيل إلى الأول لإفاضه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم ويرها فتعين الثاني ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو : لا تشد الرحال إلى مسجد لللاة إلا إلى الثلاثة ، فيبطل بلك قول من منع شدَّ الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين والله أعلم ، أهـ ( إيقاظ ) كون المستثنى منه (مسجد) هو ما وافق عليه بن تيمية فقال في الفتاوي ( 27 : 12 ) : " والتقدير في أحد أمرين " : أما أن يقال : "لاتشد الرحال" إلى مسجد" إلا إلى المساجد الثلاثة" فيكون نهياً عنها باللفظ . اهـ. ، وياليته اقتصر على لك ولكنه قال : "فيكون نهياً عنها باللفظ ، ونهياً عن سائر البقاع التي يعتقد فضيلتها بالتنبيه والفحوى وطريق الأولى … ثم قال : فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه فالسفر إلى المفضولة أولى وأحرى " . اهـ ، ( قلت ) : العكس هو الصواب تماماً وما قاله ابن تيمية ملزم له ، فإن هذه المساجد اختصت بزيادة فضل ، واستحب السفر لها ، فبدلالة النص ، وطريق الأولى ، فإن السفر لهذه البقعة الشريفة أولى من السفر للمساجد الثلاثة ، لأن البقعة التي ضمت جسده الشريف أفضل من المساجد الثلاثة ، ولا يقارن مسلم عاقل بين الجص والحجارة وبين بقعة ضمت جسد النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الإمام مالك : "إن البقعة التي فيها جسد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من كل شئ حتي الكرسي والعرش ثم الكعبه ثم المسجد النبوي ثم المسجد الحرام  ثم مكة " ، وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أنها أفضل بقاع الأرض كما في الشفا ، وحكاه قبله أبو الوليد الباجي وغيره وبعده القررافي وغيره من المالكية ويطلب تفصيل ذلك من معارف السنن شرح سنن الترمذي للسيد العلاَّمة المحقق محمد يوسف البنوري الحنفي ( 3 : 323 ) ، وعليه فقول ابن تيمية المتقدم : "فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه فالسفر إلى المفضولة أولى وأحرى". اهـ ، ينبغي أن يزاد عليه : والسفر إلى المكان الأفضل بالإجماع ( وهو القبر النبوي الشريف ) أولى وأحرى أيضاً بدلالة النص ، الله الموفق ، والهادي للصواب ،  الوجه الثاني : قال شيخ الإسلام التقي السبكي في شفاء السقام ( ص 118 ) : اعلم أن هذا الاستثناء مفرغ تقديره لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى المساجد الثلاثة ، أو لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة ولا بد من أحد هذين التقديرين ليكون المستثنى مندرجاً تحت المستثنى منه والتقدير الأول أولى لأنه جنس قريب . اهـ ، وعلى اعتبار عموم الحديث أي لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة ، أي العموم الذي يذهب إليه ابن تيمية ، قال التقي السبكي في شفاء السقام : ما ملخصه (ص119 _ 121) : (( السفر فيه أمران ، الأول : باعث عليه كطلب لعلم وزيارة الوالدين وما أشبه ذلك ، وهو مشروع بالتفاق ، لثاني : المكان الذي هو نهاية السفر كالسفر إلى مكة أو المدينة أو بيت المقدس ويشمله الحديث والمسفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل في الحديث لأنه لم يسافر لتعظيم البقعة ، وإنما سافر لزيارة من فيها فإنه لم يدخل في الحديث قطعاً ، وإنما يدخل في النوع الأول المشروع . فالنهى عن السفر مشروط بأمرين : أحدهما : أن يكون غايته المساجد الثلاثة ، والثاني : أن تكون علته تعظيم البقعة ، والسفر لزيارة النبي (ص ) ايته أحد المساجد الثلاثة وعلته تعظيم ساكن البقعة لا البقعة ، فكيف يقال بالنهي عنه ؟ بل أقول : إن للسفر المطلوب سببين أحدهما : ما يكون غايته أحد المساجد الثلاثة ، والثاني : ما يكون لعبادة وإن كان إلى غيرها والسفر لزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم اجتمع فيه الأمران ، فهو في الدرجة العليا من الطلب ودونه ما وجد في أحد أمرين ، ون كان السفر الذي غايته أحد الأماكن الثلاثة لا بد في كونه قربة من قصد صالح ، وأما السفر لمكان غير الأماكن الثلاثة لتعظيم ذلك المكان ، فهو الذي ورد فيه الحديث ، ولهذا جاء عن بعض التابعين أنه قال : قلت لابن عمر إني أريد أن آتي الطور  قال : إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام  ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى ، ودع الطور فلا تأته " أهـ ، والحاصل أن الحديث إن حُمِلَ على عمومه وفق مراد ابن تيمية فهو لا يَردُ على الزيارة مطلقاً ، لأن المسافر للزيارة مسافر لساكن البقعة كالعالم والقريب وهذه جائز إجماعاً ، أما الحديث فوارد في الأماكن فقط ، فتدبر تستفد ، ولله در التقيِّ السبكي ،  ( إيقاظ ) : تقرير  التقي السبكي يصرح بأن الحديث خاص بالنهي عن السفر للأماكن فقط ، وهو يتفق مع ما صرح به ابن تيمية فقد قال (الفتاي27 : 21) : "قوله صلى الله عليه وسلم (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) يتناول المنع من السفر إلى كل بقعة مقصودة ، بخلاف السفر للتجارة وطلب العلم ونحو ذلك فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت ، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود حيث كان " اهـ ، قلت : وعليه فالحديث خاص بالنهى عن السفر إلى تلك الأمكنة ، إذا علم ذلك فزيارة النبي صلى الله عليه وسلم لا تدخل في الحديث البتة لأنها زيارة وسفر لساكن البقعة وليس للبقعة ، فتدبر ، وبعد فلعل اللبيب يدرك ن الاستدلال بحديث "لا تشد الرحل " _ بعد ذلك _ على منع السفر للزيارة هو استدلال بأجنبي ، الوجه الثالث : إن النهي هنا ليس على وجه واحد ، وهو التحريم ، فقد اختلفوا على أي وجه هو ؟ قال ابن بطال : هذا الحديث ، إنم هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير المساجد الثلاثة . اهـ ، وقال الإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن : هذا "أي حديث لا تشد الرحال …" في النذر ، ينذر الإنسن أن يصلي في بعض المساجد فإن شاء وفَّى به ، وإن شاء صلى في غيره إلا أن يكون نذر اللاة في واحد من هذه المساجد ، فإن الوفاء يلزمه بما نذره فيها . وإنما خصَ هذه المساجد بذلك لأنها مساجد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وقد أمرنا بالاقتداء بهم أهـ . (معالم السنن 2 : 443) ، ومن المقرر أن النذر لا يجب إلا في طاعة ، فمعنى الحديث يجب الوفاء لمن نذر إتيان أحد المساجد الثلاثة للصلاة فيها ، فمن نذر إتيان غير هذه المساجد لا يجب عليه الوفاء بالنذر ، قال الإمام النووي : لا خلاف في ذلك إلا ما روي عن الليث أنه قال : يجب الوفاء به ، وعن الحنابلة رواية : يلزمه كفارة يمين ، ولا ينعقد نذره ، وعن المالكية رواية : إذا تعلقت به عبادة تختص به كرباط لزمه ، وإلا فلا ، وذكر عن نحند بن مسلمة المالكي في مسجد قباء لأن النبيصلى الله عليه وسلم كان يأتيه كل سبت . اهـ المجموع ( 8 : 377 ) ، قال ابن بطال : وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعً بلك فمباح إن قصدها بإعمال المطي ويره ولا يتوجه إليه الذي  في هذا الحديث . اهـ ، وقال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم : والصحيح عند أصحابنا وهو الذى اختاره مام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره . قالوا : والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة والله أعلم . ( 9 : 106 ) ، وقال الشيخ الإمام أبو محمد ابن قدامة المقدسي الحنبلي : فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد ، فقال ابن عقيل : لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها. قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا  تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) متفق عليه والصحيح إباحته وجواز القصر فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكباً وماشياً وكان يزور القبور وقال : ( زوروها تذكركم الآخرة ) ، وأما قوله عليه السلام (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )) فيحمل على نفي التفضيل لا على التخريم وليست الفضيلة شرطاً في إباحة   القصر ، فلا يضر انتفاؤها ، (( النغني 2 : 103 _ 104 )) ، ومثله لأبي الفرج ابن قدامة في الشرح الكبير (2 : 93 ) ، وقال إمام الحرمين : (( والظاهر أنه ليس فيه تحريم ، ولا كراهة ، وبه قال الشيخ أبو علي : ومقصود الحديث تخيص القربة بقصد المساجد الثلاثة ). اهـ (الروضة : 3 : 324) ، و (المجموع : 8 : 375) ، وصفوة ما سبق : أن الصلاة في هذه المساجد تخت بصطاعة زائدة على ما سواها من المساجد ، ولما كان الأمر كذلك فلا يصح الوفاء بالنذر إلا إليها ، أما غيرها من المساجد فيستوي ثواب الصلاة فيها ، والسفر إليها سفر مباح يجوز قصر الصلاة فيه ، فإن قيل : هلاَّ كشفت لنا ما يؤيد ما ذكرته ؟ قلت : وبالله استعنت : ويؤيد من ذهب إلى أن الحديث خا بالنذر الآتي : 1) ما صح بإسناد رجاله رجال مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم  قال : ( إن خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق ) ، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى ، والحديث يصرح بأنه يجوز ركوب الرواحل إلى غيرهما من المساجد والبقاع ، 2) فهم الصحابة وهاك بعض الأمثلة : أ) فقد روى عن عمر بن شبه في "تاريخ المدينة " (1 : 42) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا صخر بن جويرية ، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت : سمعت أبي يقول : (( لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين ، أحب إلىَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين ، ولو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل )) ، قال الحافظ ابن حجر : إسناده صحيح (( الفتح : 3  : 69 ) ، ب) وروى ابن أبي شيبة نحوه في المصنف (2 : 373) ، ج) وروى عبد الرازق في المصنف (5 : 133 ) عن الثوري ، عن يعقوب بن مجمع بن جارية ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب أنه قال : "لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق ، ضربنا إليه أكباد المطي" إسناده حسن فإن يعقوب بن مجمع وثقة ابن حبان وروى عنه إمام كالثوري ، وقال الحافظ الذهبي في الكاشف(2 : 395) : وثق ومجمع بن جارية  صحابي ولهذا الأثر طريق آخر أخرجه عمر بن شبه في أخبار المدينة (1 : 49 ) فيه أسامة بن زيد بن أسلم وهو وإن ضعف من قبل حفظه ، فهو يلح في المتابعات والشواهد ، وعمر رضي الله عنه من رواة حديث "لا تشد الرحال" فلو علم أن النهي في الحديث للتحريم لما قال مقولته في مسجد قباء ، فتدبر تستفد ، د) وأخرج الفاكهي في تاريخ مكة (رقم 2596) بإسناد لا بأس به حدثنا أحمد بن صالح قال : ثنا محمد بن عبد الله ، عن صخر بن جويرية ، عن عائشة بنت سعد قالت : كان سعد رضي الله عنه يقول : لو كنت من أهل مكة ما أحطأني جمعة لا أصلي فيه _ يعني مسجد الخيف _ ولو يعلم الناس ما فيه لضربوا إليه أكباد الإبل ، لأن أصلي في مسجد الخيف ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين فأصلي فيه ، وغير خفي أن سعد بن أبي وقاص كان من أكابر الصحابة ، ولو علم أن النهي في الحديث للتحريم لعلم أن كلامه فيه ردٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هـ) وروى أحمد في المسند (6 : 397) ، الطبراني في المعجم الكبير ( 2 : 310 ) من حديث مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري قالت : لقيت أبا هريرة وهو يسير إلى مسجد الطور ليصلي فيه قال : فقلت له : لو أدركتك قبل أن ترتحل ما ارتحلت قال : فقال ولم ؟ قال : فقلت : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، المسجد الأقصى ، ومسجدي )) ، فأبو هريرة لقى أبا بصرة رضي الله عنهما : وكان أبو هريرة يسير إلى مسجد الطور ، ولما أعلمه أبو بصرة بنص الحديث لم يرجع أبو هريرة ، ولو كان أبو هريرة قد فهم من الحديث التحريم لرجع ولكنه لم يفعل ، بل ولم يخرج أصلاً لأنه من رواة هذا الحديث ، فدل فعله على أن النهي الذي في الحديث لا يفيد التحريم عند أبي هريرة رضي الله عنه ، فأي حجةٍ ، وأي برهان ، وأي دليلٍ ، يطلب بعد فهم أكابر الصحابة رضي الله عنهم للحديث ؟ ومما سبق يعلم أنه ليس من منطوق أو مفهوه حديث " لا تشد الرحال … الحديث "  نهي عن شد الرحال لزيارة القبر النبوي الشريف ، والله أعلم ، وتعجبني كلمة الفقيه اللغوي مجد الدين الفيروز آبادي إذ قال في كتابه الصلات والبشر (ص 127) : أما حديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فلا دلالة فيه على النهي عن الزيارة بل هو حجة في ذلك ومن جعله دليلاً على حرمة  الزيارة فقد أعظم الجراءة على الله ورسوله وفيه برهان قاطع على غباوة قائله ، وقصوره عن نيل درجة كيفية الاستنباط والاستدلال . اهـ ، فلا تنظر بعد لمن يردد صدى كلام لا يفقه ، ونما هو مؤيد فقط لرأي غيره بدون تأمل أو من يلخص ويتعصب !! ) [ انتهى بتمامه من كتاب رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل و الزيارة للشيخ محمود سعيد ممدوح : ص 67 إلى ص 109 ]

***

 

( 3 ) كلام الأئمة الفقهاء في استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم

وقال الشيخ محمود سعيد ممدوح  - أيضاً - في كتابه رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل و الزيارة  : (  قال الإمام - المجمع على علمه وفضله - أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى : ( واعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهم القربات ، وأنجح المساعي ، فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحباباً متأكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه  وسلم ، وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه ) اهـ [ المجموع : 8 : 204 ] ، وقال أيضاً في الإيضاح في مناسك الحج : ( إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيارة تربته صلى الله عليه وسلم فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي ، وقد روى البزَّار والدار قطني بإسنادهما عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) اهـ [ الإيضاح في مناسك الحج  ص214 ] ، وقال الإمام ابنُ حجر الهيثمي في حاشية الإيضاح : ( الحديث يشمل زيارته صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً ، ويشمل الذكر والأنثى ، الآتي من قرب ومن بعد ، فيستدل به على فضيلة شد الرحال لذلك ، وندب السفر للزيارة إذ للوسائل حكم  المقاصد ) . اهـ [ ص 214 حاشية الإيضاح ] ، وقال الإمام المحقق الكمال ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير : ( المقصد الثالث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم : قال مشايخنا رحمهم الله تعالى : من أفضل المندوبات ، وفي مناسك الفارس وشرح المختار : إنها قريبة من الوجوب لمن له سعة ) اهـ [شرح فتح القدير  3 : 179 _ 180 ] ، وفي رد المختار على الدر المختار : ( "قوله مندوبة" : أي بإجماع المسلمين كما في اللباب ، قوله : ((بل قيل واجبة )) ذكره في شرح اللباب ، وقال كما بينته في " الدرة النبوية في الزيارة المصطفوية " ، وذكره أيضاً الخير الرملي في حاشية المنح عن ابن حجر قال : وانتصر له ، نعم عبارة اللباب والفتح وشرح المختار إنها قريبة من الوجوب لمن له سعة ، وقد ذكر في الفتح ما ورد في فضل الزيارة وذكر كيفيتها وآدابها وأطال في ذلك وكذا شرح المختار واللباب ، قوله : "ويبدأ …. إلخ". قال في شرح اللباب : وقد روي الحسن عن أبي حنيفة إنه إذا كان الحج فرضاً ، فالأحسن للحاج أن يبدأ بالحج ثم يثني بالزيارة وإن بدأ بالزيارة جاز )  اهـ [ رد المختار على الدر المختار : 2 : 257 ] ، وقال علي القارى : (  وقد فرَّط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرّم السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم كما أفرط غيره حيث قال : كون الزيارة قربة معلومة من الدين بالضرورة وجاحدة محكوم عليها بالكفر ، ولعلَّ الثاني أقرب للصواب لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفراً ، لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب. اهـ [ شرح الشفا بهامش نسيم الرياض 2  : 514 ] ، وقال القاضي عياض في الشفا ( 2 : 74 ) : ( فصل في حكم زيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفضيلة من زاره وسلَّم عليه ، وكيف يسلم ويدعو وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنَّة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلةً مرغب فيها. اهـ ، وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي : ( ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني  في حياتي )). وفي رواية ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) رواه باللفظ الأول سعيد سنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر ، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قُسَيْط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما من أحد يسلم علىَّ عند قبري إلا رد الله علىَّ روحي حتي أرد عليه السلام). وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطرق ولا يتشاغل بغيره ، ويروى عن العتبي قال : كنت جالساً عند قبر النبيصلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً } ، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول  : ( يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهنَّ القاع والأكم ... نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه  ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم )  ،  ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ، فقال : يا عتبى ألحَقْ الأعرابيَّ فبشره أنَّ الله غفر له. اهـ [ المغني : 3  : 588- 589 ] ، وقال أبو الفرج ابن قدامة الحنبلي في الشرح الكبير  : ( (مسألة) : " إذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما".تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي ) ، وفي رواية : (من زار قبري وجبت له شفاعتي ) رواه باللفظ الأول سعيد ، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قُسيط عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال : (ما من أحد يسلم على عند قبري إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام ) . اهـ ، ثم ذكر قصة العتبي التي تقدمت (الشرح الكبير : 3 : 494) ، وقال الشيخ منصور البهوتي في كشَّاف القناع  : ( ( فصل ) : وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لحديث الدارقطني عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي ). وفي رواية : (من زار قبري وجبت له شفاعتي ) رواه باللفظ الأول سعيد ، ( تنبيه ) : قال بن نصر الله : لازم استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم استحباب شد الرحال إليها لأنَّ زيارته للحاج بعد حجة لا تمكن بدون شد الرحال ، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وسلم )) . اهـ [ 2 : 514  - 515] ، وفي متن المقنع : ( إذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة قبر صاحبيه رضي الله عنهما  ) أهـ [المبدع شرح المقنع 2 : 258 ] ، وقال أبو الحسن المرداوي في الإنصاف  (4 : 53 ) : (  قوله إذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه".هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة ً متقدمهم ومتأخرهم ) . اهـ ، وفي زاد المستقنع مختصر المقنع : (ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر صاحبيه رضي الله عنهما)). اهـ [ الروض المربع  ص 152 ] ، هذا حاصل ما للسادة فقهاء المذاهب الأربعة في مسألة الزيارة ، وقد علمت مما سبق اتفاقهم على طلب الزيارة وجوباً وندباً ، وتسابقوا في ذكر تأكيدهما وجريان عمل المسلمين على ذلك ، وفيما ذكر كفاية لمن كان من أهل العناية ، وسلَّم لأولي الفقه وعرف قدره ووقف عنده ) انتهى من [ كتاب رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل و الزيارة للشيخ محمود سعيد ممدوح : ص 60 إلى ص 66 ]

***

 

( 4 ) مبحث كلمة هادئة في الزيارة وشد الرحال للدكتور عمر كامل  :

المبحث الأول : الدليل من الكتاب : قال تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا } ، هذه الآية تشمل حالتيْ الحياة وبعد الانتقال ، ومن أراد تخصيصها بحال الحياة ، فما أصاب ، لأن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم ، وأعلى صيغ العموم ما وقع في سياق الشرط [كما في إرشاد الفحول (ص122) وغيره] ، فالآية الشريفة تطلب المجيء إليه صلى الله عليه وسلم  في جميع الحالات لوقوع الفعل {جاءوك} فيها في حيز الشرط الذي يدل على العموم ، قال ابن كثير في تفسيره [ (2 : 306) ] : « وقوله : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا } الآية. يرشد الله تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال : { لوجدوا الله توابا رحيما} وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال : كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا } وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول : ( يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهنَّ القاع والأكم ... نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه  ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم )  ، وذكر النسفي والثعالبي مثل ذلك في تفسيرهما للآية ، وكذلك ذكر القرطبي في تفسيره نحواً من ذلك وفيه « وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك » ، واستشهاد هؤلاء المفسرين بهذه الحكاية (حكاية العتبي) دليل على أنهم فهموا الآية بالعموم ، ومن ادعى أن إذ في قوله تعالى { إذ ظلموا } تأتي للماضي فقد وهم. فهي كما تستعمل في الماضي تستعمل أيضا في المستقبل ، ولها معان أخرى ذكرها ابن هشام في (مغني اللبيب : 1 : 80-83 ) ، وقد نص العلامة الأزهري على أن (إذ) تستعمل للمستقبل ، فقال في تهذيب اللغة (15 : 47) « العرب تضع (إذ) للمستقبل و (إذا) للماضي ، قال الله عز وجل : { ولو ترى إذ فزعوا } » ، قلت : ومن استعمال (إذ) للمستقبل : قوله تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا على النار } ، { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ، { ولو ترى إذ الظلمون في غمرات الموت } ، { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم } ، ولا يقال : إن ذلك إنما يكون في حال حياته ، فوجه الاستدلال بهذه الآية على مشروعية المجيء والاستغفار عند قبره الشريف أنها علقت وجدان الله توابا رحيما على ثلاثة أمور هي : المجيء ، والاستغفار ، واستغفار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والمجيء بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم  هو مجيء إلى قبره الشريف ، فالآية تشير إلى استحباب المجيء عند القبر والدعاء وطلب الاستغفار عنده ، وقد ثبت أن عددا من الصحابة رضي الله عنهم كان إذا حزبهم أمر أو نزلت بهم نازلة اتجهوا للقبر النبوي الشريف يدعون الله تبارك وتعالى ويستشفعون بالنبي صلى الله عليه وسلم : فمن ذلك ما أخرجه أحمد في المسند : ثنا عبدالملك بن عمرو ، ثنا كثير بن زيد ، عن داود ابن أبي صالح قال : أقبل مروان يومًا فوجد رجلًا واضعا وجهه على القبر فقال : أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب ، فقال نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولم آت الحجر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (( لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله )) [مسند أحمد (5 : 422) ] ، ومنها ما أخرجه الحافظ الدارمي في سننه : باب ما أكرم الله تعالى نبيه بعد موته : حدثنا أبو النعمان ، ثنا سعيد بن زيد ، ثنا عمرو بن مالك النكري ، ثنا أبو الجوزاء أوس بن عبدالله قال : (( قحط أهل المدينة قحطاً شديدا فشكوا إلى عائشة فقالت : انظروا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم  فاجعلوا منه كوا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، قال ففعلوا ، فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق )) [سنن الدارمي (1 : 43-44) ] ، ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن مالك الدار ، قال : وكان خازن عمر على العام ، قال : « أصاب الناس قحط في زمن عمر ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم  فقال : يا رسول الله ، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأُتِيَ الرجل في المنام فقيل له : ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنكم مسقيون وقل له : عليك الكيس عليك الكيس ، فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال : يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه )) [مصنف ابن أبي شيبة (12 : 31-32) ، وهذا حديث صحيح صححه الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري ، باب سؤال الناس في الاستسقاءإذا قحطوا ] ، وقد ثبت أن عددا من الصحابة فمن بعدهم كانوا يدعون عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر ابن تيمية آثارا عنهم في كتابه الرد على الأخنائي (ص 167-168) : فإذا وُجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته ، واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم  ليس متعذرا بعد وفاته ، فقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «حياتي خير لكم تُحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت لكم )) [وهو حديث صحيح ، وقال عنه الحافظ العراقي في (طرح التثريب) (3 : 297) (إسناده جيد) ، وقال الهيثمي في المجمع (9 : 24) : (رواه البزار ورجاله رجال الصحيح) وصححه الحافظ السيوطي في الخصائص (2 : 281) ] ، وهذه منة من الله تعالى ، وخصوصية من خصوصيات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يقال : إن الآية وردت في أقوام معينين ، لأنه كما هو معروف « العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب » .

المبحث الثاني : الدليل من السُنَّة : وهو ينقسم إلى قسمين :  القسم الأول : الأحاديث الدالة على مطلق الأمر بزيارة القبور : ولها ألفاظ متعددة بلغت حد التواتر كما في نظم المتناثر (ص 80 ، 81) ، وإتحاف ذوي الفضائل المشتهرة  (ص 97) ، ومن أشهر ألفاظه قوله صلى الله عليه وسلم : (( كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإنها تذكر الآخرة )) [روى هذا الحديث الجمع الغفير منهم : مسلم 2 : 672 ، 1563 ، الترمذي 3 : 370 ، أبو داوود 3 : 332 ، النسائي 4 : 89 ، 7 : 234 ، 8 : 310-311 ، وابن ماجة 1 : 501 ، وعبدالرزاق 3 : 569 ، 573 ] ، ومن ألفاظه : (( فمن أراد أن يزور القبور فليزر ولا تقولوا هجراً )) [أخرجه بهذا اللفظ النسائي في سننه (4 : 73) ] ، والفعل في سياق الشرط يفيد العموم ولا تجد مخصصاً للحديث ، وقبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  سيد القبور مطلقاً وأولاها بالزيارة ، وهنا إشكال ، حاصله أنه قد حصل الاتفاق على جواز السفر لطلب العلم وصلة الأرحام وزيارة الأخوة في الله والتجارة ، فما الذي خصَّ أحاديث زيارة القبور وجعل جوازها مقروناً بعدم السفر؟! ولفظ « الزيارة » يلزم منه الانتقال من مكان لآخر ، فالشارع يحضُّ على الانتقال من مكان لآخر من أجل زيارة القبور ، وعليه فإذا تعلقت الزيارة بانتقال سفر فلا يوجد نصٌ يمنع من هذا السفر ، وقد سمى الشارع السفر زيارة وهو نصٌ لا يحتمل التأويل ، فقد أخرج مسلم في صحيحه : (( أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فأرصد الله على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال : أين تريد؟ قال : أريد أخاً لي في تلك القرية قال : هل لك عليه من نعمة ترُبُّها؟ قال : لا ، غير أنني أحببته في الله عز وجل. فقال : إني رسول الله إليك ، بأنَّ الله أحبك كما أحببته )) [مسلم (4 : 1988) ] ، فالشارع قد سمى السفر وهو الانتقال من قرية لأخرى زيارة ، وعليه فلفظ الزيارة يحتمل السفر وعدمه ، قال الحافظ أبو زُرْعة العراقي في طرح التثريب : «وكان والدي (أي الحافظ الكبير ولي الله العراقي) رحمه الله تعالى يحكي أنه كان معادلاً للشيخ زين الدين عبد الرحيم ابن رجب الحنبلي في التوجه إلى بلد الخليل عليه السلام ، فلما دنا من البلد قال : نويت الصلاة في مسجد الخليل ليحتزر عن شدِّ الرحال لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية قال : قلت : نويت زيارة قبر الخليل عليه السلام ثم قلت له : أما أنت فقد خالفت النبي صلى الله عليه وسلم  لأنه قال : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع ، وأما أنا فاتبعت صلى الله عليه وسلم  لأنه قال : (زوروا القبور) أفقال إلا قبور الأنبياء؟ قال : فبهت )) [طرح التثريب (6 : 43) ] وأبو الفضل العراقي الكبير كان حافظاً ، فقيهاً ، أصولياً ، فأسكت ابن رجب ، رحمة الله على الجميع ،

القسم الثاني : الأحاديث الدالة على زيارة قبره صلى الله عليه وسلم  بخصوصه : [ الحديث الأول ] : « من زار قبري وجبت له شفاعتي » [ أخرجه الدارقطني في سننه (2 : 278) ، والدولابي في الكنى والأسماء (2 : 64) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 3 : 490) ، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (1 : 581) ، وابن الدبيثي في الذيل على التاريخ (2 : 170) ، وابن النجار في تاريخ المدينة (ص142) ، وكذا ابن عدي في الكامل (6 : 235) ، والسبكي في شفاء السقام (ص2-14) ] ، وقد أعل هذا الحديث بعلل لا يصح منها شيء ، فمن ذلك : أن  موسى بن هلال مجهول ، واضطرب في هذا الحديث ، وأنه يرويه عن عبد الله بن عمر العمري ، ولا تصح روايته عن عبيد الله بن عمر الثقة الحافظ ، و أن عبد الله بن عمر العمري ضعيف ، وهذه العلل لا تصح : لأن موسى بن هلال حسن الحديث ، وقد قال عنه ابن عدي : أرجو أنه لابأس به ، وقال الذهبي : صالح الحديث ، وروى عنه عدد من الأئمة الحفاظ من أجلهم أحمد بن حنبل ، كما أن دعوى الاضطراب لا تصح إلا مع تعذر الجمع  بين الروايات ، وقد أمكن الجمع من الجهتين ،

الحديث الثاني : (( من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي ، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له شهيداً يوم القيامة )) ، وأعل هذا الحديث بفضالة بن سعيد بن زميل المأربي ، وبشيخه محمد بن يحيى بن قيس المأربي ، وخلاصة ما قيل في محمد بن يحيى المأربي هو قول الحافظ في التقريب (ص513) : «لين الحديث»اهـ. والترمذي : « يحسن لمن قيل فيه مثل ذلك » ، فالحاصل مما تقدم أن هذا الإسناد فيه راوٍ غاية ما فيه أنه مجهول وتفرد بهذا الحديث ، وآخر اختلف فيه : وثقه الدارقطني وصحح له ابن حبان ، ووثقه وأخرج له أصحاب السنن : النسائي ، وأبو داود ، والترمذي ، وقال عنه الحافظ : لين الحديث. وقال الذهبي : وثق ،

[ الحديث الثالث ] : (( من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة )) ، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3 : 488) ، وحمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان (ص434) ومن طريقه السبكي في شفاء السقام (ص35) ، وابن أبي الدنيا في كتاب القبور كلهم من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن سليمان بن يزيد الكعبي أبي المثنى عن أنس بن مالك ، وله طريق آخر عن أنس : قال إسحاق بن راهويه في مسنده : أخبرنا عيسى بن يونس ، ثنا ثور ابن يزيد ، حدثني شيخ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم . (المداوي لعلل المناوي : (6 : 232) ، فلولا الشيخ المبهم الذي لم يسم لكان السند في أعلى درجات الصحة ، لكن هذا الطريق إذا ضم لسابقه استفاد الحديث قوة ،

[ الحديث الرابع ] : (من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة ) أخرجه الدارقطني في سننه (2 : 278) ، حدثنا أبو عبيد والقاضي أبو عبد الله وابن مخلد قالوا : حدثنا محمد بن الوليد البسري ، حدثنا وكيع ، حدثنا خالد بن أبي خالد وأبو عون عن الشعبي والأسود بن ميمون عن هارون بن أبي قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب ، وقد قال الحافظ الذهبي : أجودها (أي أحاديث الزيارة ) إسناداً حديث حاطب ، وأقره السخاوي في (المقاصد الحسنة) (ص413) ، والسيوطي في (الدرر المنتثرة) (173) فهؤلاء ثلاثة من الحفاظ اتفقوا على مقولة تدحض قول المخالف ،

[ الحديث الخامس ] : ((من صلى علي عند قبري سمعته ، ومن صلى علي نائياً أبلغته ))  قال الحافظ السخاوي في القول البديع (ص154) : «وسنده جيد كما أفاده شيخنا (أي الحافظ بن حجر)» اهـ ، فإسناد الحديث رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ أبي الشيخ الأصبهاني ، وهو عبد الرحمن بن أحمد بن أبي  يحيى الزهري أبو صالح الأعرج المتوفي سنة 300 ترجم له أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان ( 3 : 541 ) ، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ( 2 : 113 ) ، ولم يذكرا فيه جرحاً أو تعديلاً ، فغاية ما في الرجل إنه مستور ، فالحديث بهذا الإسناد مقبول ، وقد قال الحافظ أحمد بن الصديق الغماري في المداوي لعلل المناوي (6 : 277 : 1) إسناده نظيف أهـ ، وللحديث طريق آخر عن الأعمش : أخرجه العقيلي في الضعفاء (4 : 137) ، والبيهقي في حياة الأنبياء (ص15) ، وفي شعب الإيمان ( 2 : 218 ) والخطيب في التاريخ ( 3 : 291 ، 292 ) ، وحاصل ما ذكر أن الحديث جيد الإسناد ، ومن حكم على هذا الحديث بالوضع فلعدم وقوفه على رواية أبي الشيخ ،

[ الحديث السادس ] : (ما من أحد يسلم علي ، إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه) أخرجه أحمد (2 : 527) ، وأبو داود (2 : 293) ، والبيهقي في السنن الكبرى (5 : 245) ، وفي حياة الأنبياء  (ص11) ، وفي الشعب (2 : 217) ،  وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2 : 353) جميعهم من طريق أبي صخر حميد بن زياد ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : «ما من أحدٍ يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام » ، أبو صخر حميد بن زياد قال عنه أحمد وابن معين : لا بأس به ، ووثقه الدارقطني ، وابن حبان ، وقال البغوي : مدني صالح الحديث ، وقال ابن عدي : وهو عندي صالح الحديث ، ووثقه ابن شاهين ، وذكره الذهبي في جزء (من تكلم فيه ، وهو موثق (ص73) ) ، و أخرج له مسلم في صحيحه ،

 

المبحث الثالث : مناقشة دلالة حديث (( لا تشد الرحال )) ، ومحل النزاع هو الاستثناء الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم  : (( لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد .. .)) ، ومن المعلوم والمقرر في أبسط كتب النحو ، أنه إذا وجدت أداة استثناء فيقتضي ذلك وجود مستثنى ومستثنى منه ، والمستثنى هو ما كان بعد أداة الاستثناء ، والمستثنى منه هو ما كان قبلها ، ولا بد من الأمرين فيه ، إما وجوداً أو تقديراً ، وإذا نظرنا إلى هذا الحديث وجدنا أنه قد جاء فيه التصريح بذكر المستثنى وهو قوله : (إلى ثلاثة مساجد) وهو ما بعد (إلا) ولم يأت ذكر المستثنى منه وهو ما قبل (إلا) فلا بد إذن من تقديره حتى يستقيم معناه ، وهو ما يسميه أهل اللغة بالمفرغ ، قال صاحب تلخيص المفتاح [2  : 230-231 ] : «إن النفي في الاستثناء المفرغ يتوجه إلى مقدر هو مستثنى منه  عام مناسب للمستثنى في جنسه» ، قال السعد التفتازاني في شرحه على التلخيص : «قوله : (إن النفي في الاستثناء المفرغ) الذي حذف فيه المستثنى منه وأعرب ما بعد إلاّ بحسب العوامل (إلى مقدر هو مستثنى منه) لأن إلاّ للإخراج ، والإخراج يقتضي مُخرجاً منه (عام) ليتناول المستثنى وغيره فيتحقق الإخراج (مناسب للمستثنى في جنسه) بأن يقدر في نحو ما ضرب إلاّ زيد ، ما ضرب أحد ، وفي نحو ما كسوته إلاّ جبة ، ما كسوته لباساً ، وفي نحو ما جاء إلاّ راكباً ، كائناً على حال من الأحوال ، وفي نحو ما سرت إلاّ يوم الجمعة. ما سرت وقتاً من الأوقات. وعلى هذا فالتقدير على هذا يكون عاماً كما هو مذكور في عبارة صاحب التلخيص ، إلا أنه قيده بكونه مناسباً للمستثنى في جنسه ، فإن قدرناه بأعم العام كان هكذا : (لا تشد الرحال إلى مكان إلاّ ثلاثة مساجد..» ، وهذا التقدير ظاهر البطلان بمجرد النظر فيه ، لأنه يمنع من شد الرحل إلى مكان ، ما عدا المساجد الثلاثة. كطلب العلم والرزق والسفر للتجارة ولزيارة الوالدين إلى غير ذلك من الأمور التي حث عليها الشارع ، فلزم من ذلك أن يقدر بأخص من العام حتى يتناسب مع المستثنى على ما نص عليه علماء البلاغة كما تقدم ، فيصبح التقدير السليم إذاً : لا تشد الرحال إلى مسجد إلاّ ثلاثة مساجد ، أي أنه لا تشد الرحال إلى مسجد لأجل تعظيمه والتقرب إلى الله تعالى بمجرد الصلاة فيه. لأن المساجد في الأرض كلها سواء من حيثية أنها بيوت الله تعالى إلاّ هذه المساجد الثلاثة ، فإن شد الرحل إليها لتعظيمها بالصلاة فيها قربة من القربات ، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح [ 3 : 85 ] : وقال بعض المحققين : قوله : (إلاّ إلى  ثلاثة مساجد) المستثنى منه محذوف فإما أن يقدر عاماً ، فيصير : (لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلاّ إلى ثلاثة) ،  أو أخص من ذلك إذ لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة ، وصلة الرحم ، وطلب العلم ، وغيرها ، فتعين ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو : لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلاّ إلى الثلاثة ، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين والله أعلم ، هذا هو فهم علماء الإسلام لحديث لا تشد الرحال ، فالحديث يمنع شد الرحال للوفاء بنذر صلاة أو اعتكاف كما سيأتي بيانه في مبحث أقوال أئمة المسلمين ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شد الرحال لمسجد رابع هو مسجد قباء ، ففي البخاري [ ح (1193) ] عن ابن عمر قال : (( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا ، وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنه يفعله )) ، ولذلك قال الحافظ في الفتح [ (3 : 69) ] : « فيه أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم » ، وهكذا فهم الصحابة رضي الله عنهم حديث شد الرحال : فقد روى عمر بن شبه في [تاريخ المدينة (1 : 42) ] من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا صخر بن جويرية عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت : سمعت أبي يقول « لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين ، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل » قال الحافظ ابن حجر [ الفتح (3 : 69) ] : «إسناده صحيح» ، وروى ابن أبي شيبة نحوه في المصنف وروى عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن يعقوب بن مجمع بن جارية عن أبيه عن عمر بن الخطاب أنه قال : «لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق ضربنا إليه أكباد المطي» [مصنف ابن أبي شيبة (2 : 373) ومصنف عبدالرزاق (5 : 133) ] ، إسناده حسن فإن يعقوب بن مجمع وثقه ابن حبان وروى عنه سفيان الثوري وابن أخيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وقال الحافظ الذهبي في الكاشف [ (2 : 395) ] وثق ومجمع بن جارية صحابي ، ولهذا الأثر طريق آخر أخرجه عمر بن شبه في أخبار المدينة [(1 : 49) ] فيه أسامة بن زيد بن أسلم وهو وإن ضعف من قبل حفظه فهو يصلح في المتابعات والشواهد ، وعمر رضي الله عنه من رواة حديث (لا تشد الرحال) فلو علم أن النهي في الحديث للتحريم لما قال مقولته في مسجد قباء ، فتدبر تستفد ، وروى أحمد في المسند والطبراني في المعجم الكبير من حديث مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري قال : لقيت أبا هريرة وهو يسير إلى مسجد الطور ليصلي فيه قال : فقلت : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي )) [مسند الإمام أحمد (6 : 397) والمعجم الكبير للطبراني (2 : 310) ] ، فأبو هريرة لقي أبا بصرة رضي الله عنهما وكان أبو هريرة يسير إلى مسجد الطور ولما أعلمه أبو بصرة بنص الحديث لم يرجع أبو هريرة ، ولو كان أبو هريرة قد فهم من الحديث التحريم لرجع ، بل ولم يشد الرحال ابتداء لزيارة مسجد الطور لأنه من رواة حديث : (لا تشدوا الرحال) فأفهم ،

 

المبحث الرابع : موقف الفقهاء من الزيارة : وقد اتفق جمهور العلماء والفقهاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم على استحباب زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام وفي مقدمتهم الحنابلة ، وسنبين هنا توجهات فقهاء الأمة في هذا الشأن من المذاهب الأربعة ،

[ أولا : الحنابلة ] : نقل المرداوي الحنبلي في الإنصاف اتفاق الحنابلة على الاستحباب فقال[الإنصاف للماوردي (4  : 53)] : «قوله فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  وقبر صاحبيه هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة متقدمهم ومتأخرهم » ، وقال ابن قدامة في المغني : « (فصل) ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» وفي رواية : «من زار قبري وجبت له شفاعتي» رواه باللفظ الأول سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : «ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام»[ المغني لاين قدامة (3  : 297)] اهـ ثم ذكر قصة العتبي مستشهدا بها ، وكتب الفقهاء الحنابلة كلها تنص على استحباب الزيارة لقبره الشريف صلى الله عليه وسلم  انظر : عمدة الفقه لابن قدامة أيضا ج1 ص45 ، أخصر المختصرات لمحمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي ج1 ص157 ، الروض المربع لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي ج1 ص522 ، شرح منتهى الإرادات ج1 593 له أيضا ، مطالب أولي النهى لمصطفى السيوطي الرحيباني ج2 ص440 ، منار السبيل لإبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان ج1 ص256 ، الفروع لمحمد بن مفلح المقدسي أبو عبد الله ج3 ص385 ، المبدع لإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الحنبلي أبو إسحاق ج2 ص284 ، دليل الطالب لمرعي بن يوسف الحنبلي ج1 ص94 ، زاد المستقنع لموسى بن أحمد بن سالم المقدسي الحنبلي أبو النجا ج1 ص94 ، كشف المخدرات لعبد الرحمن بن عبد الله البعلي الحنبلي ج1 ص330. وغيرها ، وحتى من يرى كراهة زيارة المرأة للقبور من الحنابلة فإنه استثنى من ذلك زيارتها لقبر النبي صلى الله عليه وسلم  وصاحبيه قال صاحب كتاب المبدع بعد أن ذكر الخلاف في زيارة المرأة للقبور ( ويستثنى منه زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  وقبر صاحبيه رضي الله عنهما) ، وهذا متفق عليه عند الفقهاء الحنابلة فارجع إلى كتبهم التي بينا مواضع هذه المسألة فيها سلفا  ،  وأما فهمهم لحديث (لا تشد الرحال) فهو يتبين في النقولات التالية : قال الشيخ الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني : «وأما قوله عليه السلام (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ، فيحمل على نفي التفضيل لا على التحريم ، وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر ، فلا يضر انتفاؤها » [ المغني : (2 : 103)]. ومثله لأبي الفرج ابن قدامة في الشرح الكبير ( 2 : 93 ) ، وفي المغني لابن قدامة : «(فصل) فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها قال النبي صلى الله عليه وسلم  لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد متفق عليه والصحيح إباحته وجواز القصر فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم  كان يأتي قباء راكبا وماشيا وكان يزور القبور وقال زوروها فإنها تذكركم الآخرة وأما قوله صلى الله عليه وسلم  «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فيحمل على نفي التفضيل لا على التحريم» [ المغني (2  : 52)] ، وفي المغني : «ولا يتعين شيء من المساجد بنذره الاعتكاف فيه إلا المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم  والمسجد الأقصى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي» هذا متفق عليه »[ المغني ( 3  : 82 ) ] ،

 

[  ثانيا الشافعية ] : قال الإمام النووي في المجموع : «واعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم  من أهم القربات وأنجح المساعي فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحبابا متأكدا أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه وسلم  وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه » [ المجموع(8 : 201)] ، وفي مغني المحتاج : «( و ) تسن ( زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لقوله صلى الله عليه وسلم  من زار قبري وجبت له شفاعتي رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ومفهومه أنها جائزة لغير زائره »[ مغني المحتاج (1 : 512) ] ،  وفي أسنى المطالب في شرح روض الطالب : «ومن نذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  لزمه الوفاء به لأن زيارة قبره من القرب المطلوبة» [ أسنى المطالب (1 : 587)] ، واتفاق فقهاء الشافعية على سنية زيارة القبر الشريف أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى  طول شرح وتبيين ، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال) ، ففي الوسيط «إذا نذر إتيان مسجد سوى المسجد الحرام والمدينة وبيت المقدس لم يلزمه شيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد إيلياء) أي المسجد الأقصى وهذا لا يوجب تحريما وكراهية في شد الرحال إلى غيره على الصحيح بل بين أن القربة في هذا فقط»[ الوسيط (7 : 277)] ،

 

[  ثالثا : المالكية ] : قال الإمام في الخلاصة الفقهية للقروي : «تُندب زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم  وهي من أعظم القربات»[ الخلاصة ص266] ، وفي الذخيرة للقرافي : «وزيارة النبي من السنة المتأكدة » [ الذخيرة للقرافي (3 : 375)] ، واتفاق فقهاء المالكية على سنية زيارة القبر الشريف المؤكدة أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى  طول شرح وتبيين ، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال) ، ففي منح الجليل : «وحديث لا تعمل المطي مخصوص بالصلاة قاله ابن عبد البر وكذا خبر لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد لا دليل فيه على منع الزيارة إذ المستثنى منه محذوف أي المسجد بدليل أن المستثنى مساجد والأصل فيه الاتصال » [ منح الجليل (3 : 100) ]  ،

 

[ رابعا : الأحناف ] : قال الإمام كمال الدين محمد بن عبدالواحد في شرح فتح القدير : «المقصد الثالث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  قال مشايخنا رحمهم الله تعالى من أفضل المندوبات وفي مناسك الفارسي وشرح المختار أنها قريبة من الوجوب لمن له سعة»[ شرح فنح القدير (3 : 179)] ، وفي نور الإيضاح لحسن الوفائي الشرنبلالي : «لما كانت زيارة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم  من أفضل القرب وأحسن المستحبات بل تقرب من درجة ما لزم من الواجبات فإنه صلى الله عليه وسلم  حرض عليها وبالغ في الندب اليها فقال من وجد سعة ولم يزرني فقد جفاني»[ نور الإيضاح (1 : 153)] ، وفي مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر للكليبولي : «ومن أحسن المندوبات بل يقرب من درجة الواجبات زيارة قبر نبينا وسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد حرض عليه السلام على زيارته وبالغ في الندب إليها»[ مجمع الأنهر (1 : 462)] ، واتفاق فقهاء الأحناف على سنية زيارة القبر الشريف أو وجوبها أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى  طول شرح وتبيين ، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال) ، ففي حاشية ابن عابدين : «وفي الحديث المتفق عليه : «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» والمعنى كما أفاده في الإحياء أنه لا تشد الرحال لمسجد من المساجد إلا لهذه الثلاثة لما فيها من المضاعفة بخلاف بقية المساجد فإنها متساوية في ذلك فلا يرد أنه قد تشد الرحال لغير ذلك كصلة رحم وتعلم علم وزيارة المشاهد كقبر النبي وقبر الخليل عليه السلام وسائر الأئمة» [ حاشية ابن عابدين (2 : 627)] ،

 

[  خاتمة ] : ولازم استحباب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم  استحباب شد الرحال إليها ، لأن زيارته للحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحل ، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وسلم ، وقد درج علماء الإسلام (وفي مقدمتهم الحنابلة) على هذا الفهم واتفقوا على جواز شد الرحال واستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى أن جاء ابن تيمية  في القرن الثامن وخالف عامة المسلمين ، وقال لا تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولنوكل مهمة الرد على ابن تيمية إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي قال في الفتح عند الكلام على حديث (لاتشد الرحال) : «والحاصل أنهم الزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأنكرنا صورة ذلك ، وفي شرح ذلك من الطرفين طول ، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية!» [فتح الباري شرح صحيح البخاري : (3 : 66)] ، والحاصل أن الحديث إن حمل على عمومه وفق مراد ابن تيمية ، فهو لا يرِد على الزيارة مطلقاً ، لأن المسافر للزيارة مسافر لساكن البقعة كالعالم والقريب وهذا جائز إجماعاً ، وقد نقلنا إجماع المسلمين على مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  في مختلف الأزمنة ، وأنه لم يخالف في ذلك غير ابن تيمية ومن تبعه ،  فهل من الحكمة أن نأخذ بقوله وفهمه للمسألة ، وندع إجماع أئمة المسلمين في عصور ما قبل ابن تيمية؟ مع أن إجماعهم في عصر واحد حجة ملزمة!! فضلا عن أقوال أكثر أئمة المسلمين بعد عصر ابن تيمية ، ومقتضى الحمل على الأحسن أن نقول : إن المسألة اجتهادية فلابن تيمية ومن تبعه في اجتهاده أن يعملوا بما يرونه من عدم استحباب الزيارة وحرمة شد الرحال ، ولغيرهم أن يعمل بما هو خلاف ذلك ، فليكن الأمر على الأقل محل خلاف فقهي يدع كل ذي رأي فيه لصاحب الرأي الآخر قوله ولكل مجتهد نصيب ، والله الهادي إلى الصراط المستقيم ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين

 

عدد الزيارات 79 آخر تعديل على الأربعاء, 18 تموز/يوليو 2018 15:28

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا