جديد الموقع

إلى متى لا يتعلم الإسلاميون من أخطائهم في باب السياسة الشرعية – مجدي محمد علي مميز


الإثنين, 19 تشرين2/نوفمبر 2018 03:48 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

إلى متى يلدغ الإسلاميون من جحر واحد مرات ومرات  ،  وهذا الجحر هو الخلل في فهم السياسة الشرعية الإسلامية كما وضحها لنا النبي صلى الله عليه وسلم ،  لقد رسم لنا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام صورة للسياسة الشرعية الحكيمة التي إن  التزمنا بها لن تسيل قطرة دم ذكية بشبهة تتعلق  بهذا الباب   أخرج البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه  : ((  بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ  وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ  وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا  وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ  وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا  لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ   )) [ متفق عليه ] ،

لقد رسم لنا الحديث منهاجا متكاملا يمكن أن يسير عليه الإسلاميون فيكون أحسن المناهج في معاملة اولياء الامور بما يحقق الاستقرار والأمان وهذا المنهج يتمثل في

( أولا ) : السمع والطاعة في كل الاحوال : فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ  وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ  يعني في الشدة والرخاء وفي حال المحبة والكره  ولكنها ليست طاعة مطلقة بل مقيدة بما ليس فيه معصية لله  قال صلى الله عليه وسلم  : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ  )) [ متفق عليه ]

( ثانيا ) : منطوق الحديث : (( وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا )) : أي السمع والطاعة حتى إن استأثروا علينا في الدنيا واستحوذوا عليها  وظلمونا فيها  ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم  : ((  يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ قَالَ  قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ   )) [ أخرجه مسلم  ] ، والحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا  ما كانوا مسلمين  نرجح مصالح الأمة العامة على مصالحنا الدنيوية الخاصة فنسمع لهم  ونطيع وإن ضربوا ظهورنا ظلما وإن أخذوا اموالنا سحتا ،

( ثالثا ) : عدم منازعة أولياء الامور صلاحياتهم : لمنطوق الحديث  : (( وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ   )) ، والمعنى أن لا ننازعهم ما آتاهم الله من الملك والمستقر عند علماء أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز الخروج على السلطان إلا إن وقع منه كفر بواح  لقوله صلى الله عليه وسلم  : (( وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [  متفق عليه  ] ،  والكفر البواح هو الكفر الظاهر الواضح المجمع عليه والذي لا خفاء فيه ولا خلاف عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح لا يحتاج إلى قياس أو استنباط  ،

القاعدة العامة في امور الدنيا أن نسمع ونطيع وإن ضربوا ظهورنا ظلما وإن سلبوا اموالنا ظلما ما كانوا على الإسلام  أما أمور الدين فيبينها تتمة الحديث  : { وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا  لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ  } ،  أي نصدع بالحق في أي مكان وفي كل مكان لا نخاف في الله لومة لائم نبلغ رسالات الله وهذا ليس فيه خروج ولا افتئات على صلاحيات الحكام لأنه يتعلق بالدين وليس بدنيا الحكام فلابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متى ما وقع تقصير في حق الدين  فإذا وقع منهم خطأ أو تقصير فإنه لابد من مناصحتهم  وتذكيرهم بالله تبارك وتعالى  ولكن باللين والرفق وعدم نزع اليد من الطاعة  ،   ( الرفق واللين ) :  لقوله تعالى آمراً نبي الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام   { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون  ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى  وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم ،  و ( عدم نزع اليد من الطاعة )  لقوله صلى الله عليه وسلم  : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله  وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة  )) [ أخرجه مسلم  ] ، 

هذا الحديث الشريف بمنطوقه ومفهومه : ((  بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ  وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ  وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا  وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ  وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا  لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ   )) [ متفق عليه ]  ،  يرسم لنا الصورة الكاملة التامة لمعاملة اولياء الامور وفق السياسة الشرعية الحكيمة الرصينة التي رسمها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  والتي إن سرنا عليها كانت نبراسا يضيء لنا طريق العمل لدين الله بعيدا عن مواطن الشبهة والغلو أو التقصير وتتلخص في تلك الأطر :

1  السمع والطاعة لولاة امورنا المسلمين في كل الأحوال إلا في معصية الله بشرط عدم نزع اليد من البيعة والولاء

2  هناك مواقف تتعلق بالدنيا وأخرى تتعلق بالدين فما يتعلق بالدنيا نسمع ونطيع في غير معصية الله وإن جلدوا ظهورنا ظلما واخذوا اموالنا سحتا ونعطيهم حقوقهم كاملة ونسال الله أن يعوضنا حقنا للحديث إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ   متفق عليه   وإن كان الأمر يتعلق بالدين  فلابد وأن نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا  لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ  

3  النصيحة للحكام لها شروط من اهمها الرفق واللين وأشبه حال لها هو نصح الولد لأبيه فهو لن يتعدى الرفق واللين والقول الحسن بغير إغلاظ ولا تخشين ولا تهديد ولا وعيد

من أهم قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة التي توفر للامة سياجا من الأمان والاستقرار توقير الأمراء واحترامهم والامتناع عن سبهم وانتقاصهم والتأليب عليهم لأنّ ذلك يعود على الجميع باستتباب الامن واستقرار الحكم   وقد ذكر الحافظ ابن أبي عاصم في كتابه السنة بسنده عن أبي بكرة رضي الله عنه قال  سمعت رسول الله ً يقول   السلطان ظل الله في الأرض  فمن أكرمه أكرم الله ومن أهانه أهانه الله  وأخرج الإمام أحمد في المسند قوله صلى الله عليه وسلم   من أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة ومن أهان سلطان الله في الدنيا أهانه الله يوم القيامة 

ومن أهم قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة أن يكون إنكار مناكر الحاكم مشوبا بالنصح والرفق  بعيدا عن التشهير والتأليب  وليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد  ولا أن يشهر عليه سلاحاً  أو يجمع عليه أعواناً  

ومن أهم قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعني متواترة  ولكن الطاعة مقيدة بالمعروف  فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

ومن الفقه السديد في إنكار المنكر على ولاة الأمور   أن يقتصر الإنكار على اللسان وان يكون باللين والرفق وبالحكمة والموعظة الحسنة  وأن تكون النصيحة في إطار إظهار البيعة وإظهار الحرص على مصلحة الحاكم والرعية  مع ضرورة ترك النصيحة قدر المستطاع في الملأ   ولابد وأن تكون بألين عبارة  وأوجز خطاب وأحسن أسلوب  فإن الواعظ لن يكون خيرا من موسى وهارون  والموعوظ لن يكون شرا من فرعون 

قد يطمع الداعية في أجر حديث   أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ    أخرجه الترمذي  والنسائي وأبو داود ولكن إن تأملنا الحديث لوجدنا مفاتيح الفهم الصحيح بداخله والمفتاح الأول يتمثل في فهم الحديث في إطار تطبيق أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والصبر على جورهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية  مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات  والمفتاح الثاني معرفة الهدي القرآني في معاملة الحكام  قال تعالى  اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى  فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى والمفتاح الثالث أن منطوق الحديث  كلمة عدل  أو في الرواية الثانية  كلمة حق   فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه  الكلمة فقط فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو إلى جمع أعوان أو إلى إعلان العصيان والمخالفة  أو إلى نزع يد الطاعة فكل هذه الامور تشغر قلوب الحكام ومآلها غالبا إلى الفوضى والهرج والمرج وسفك الدماء ولا يستفيد منها سوى أعداء الإسلام

ووفي ختام المقال يحق لي ان أتساءل هل وعي الإسلاميون هذه القواعد وعملوا بها  ،  ومن ثم ينازعون الامر أهله  فإن أصابهم من السلطان ما أصابهم ألقوا باللائمة عليه وهم يجهلون أن ذلك بما كسبت أيديهم فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض حتى وإن كان ظالما ، أهانه الله ، ولا ينبغي ان يلدغ مؤمن من جحر واحد مرتين فكيف بمن يلدغ من ذات الجحر نفسه  مرات ومرات ، اللهم اهدنا فيمن هديت وتولنا فيمن توليت ، وأختم بقوله تعالى : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } ،  اللهم آمين ، اللهم آمين ،

عدد الزيارات 131 آخر تعديل على الإثنين, 19 تشرين2/نوفمبر 2018 05:30

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا