جديد الموقع

محاضرات في علم الإلهيات ( 27 ) توحيد جناب الذات أهم أقسام التوحيد - مجدي محمد علي مميز


السبت, 16 شباط/فبراير 2019 08:30 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

محاضرات في علم الإلهيات ( 27 )  توحيد جناب الذات أهم أقسام التوحيد - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  توحيد جناب الذات الإلهي هو أهم أقسام التوحيد ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ]  المنتسبون إلى السلفية المعاصرة أكثر الناس كلاما عن التوحيد وهم أبعد الناس عن أهم أقسام التوحيد ، إذا سألتهم عن أقسام التوحيد قالوا : توحيد الأسماء والصفات والربوبية  والإلهية يقصدون بها العبودية ، وذهلوا أن اهم الأقسام ، ذلك القسم الذي ترجع إليه بقية الأقسام ، إنه توحيد جناب الذات أصل التوحيد وأهم أقسام التوحيد ،

[ ]  توحيد جناب الذات هو أساس التوحيد وهو أهم قسم من أقسام التوحيد ، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه ، فتوحيد الأسماء الحسنى يعود لجناب الذات ، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات جناب الذات ، كما أنّ توحيد الأفعال يعود بالضرورة إلى أفعال الذات ، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد جناب الذات الإلهي المستحق للربوبية على العالمين ، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق جناب الذات الإلهي للعبادة وحده ، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد ، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات ، وإذا كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود ، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم معرفة جناب الذات الإلهي وتوحيده وتقديسه ، ومن هنا كان توحيد جناب الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد ،

[ ]  الذهول عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد ، سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد وإلى خلل في الإحاطة بكل جوانبه ، والذهول عن هذا القسم ( قسم توحيد الذات ) يؤدي ولا شك إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، ويؤدي ولا شك إلى الوقوع في بدع الحشو على حساب التقديس ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) : يسمو على العقل والإدراك ، هو ( الغيب المطلق ) المنزه عن الحدود والغايات ، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته : ( تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات ) أهــ ،  ليس له كيف ولا حد ولا وصف ولا بداية ولا نهاية ولا غاية ، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه ، لأن الخاطر مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) : له الوجود الحق المطلق ، وجود منزه عن إحاطة المكان ومنزه عن جريان الزمان ، لأنهما من مخلوقاته ، كان قبل المكان والزمان ، وهو على ما عليه كان ، لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، لان المكان محدود والله فوق الحدود ، ولان المكان محدث والمحدث لا يحيط بالقديم ، ولان المكان مخلوق والمخلوق لا يقهر الخالق ، ولان المكان يقهر من بداخله بحده وإحاطته ، والله هو القاهر فوق عباده وهو الواحد القهار ،  المكان يحيط بمن فيه والله بكل شيء محيط ، والمكان يحيز من بداخله ويحويه ، والله تعالى وتنزه عن الحيز والحد ، والمكان اكبر من الذي بداخله والله أكبر من كل كبير ، 

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) هو الإله الحق ، ومن خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق ، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته ، ( الكمال المطلق ) يمنع من وجود الند والشريك والمثيل والمعين ، الكمال المطلق يوجب لجناب الذات القدم الأزلي الذي يمنع من الحدوث وقبول الحوادث ،  ويوجب له العلم المطلق فلا يغيب عنه معلوم ، والسمع المطلق فلا يغيب عنه مسموع ، وله البصر المطلق فلا يغيب عنه شيء ، وله المشيئة المطلقة والإرادة النافذة ، والقدرة التامة فلا يعجزه شيء ،  ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية ، لا رب سواه ولا معبود غيره ، هو المتفرد بالإلهية لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ ، (  الكمال المطلق ) لا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الحوادث ، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث ، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء ، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا ، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق ، لأنه قبل التغير من حال إلى حال ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية ،  لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، الحد معناه التناهي ، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ،  ( الكمال المطلق )  أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لجناب ذاته ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته ، ( الكمال المطلق ) يضاد الحد والتناهي ، لان كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لكماله المطلق ، منزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية ،

[ ] ( جناب الذات الإلهي ) : تعالى وتقدس  :   { ليس كمثله شيء } ، لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث الحقيقة ، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء ، فهو الأول بلا ابتداء ، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء ، وليس بعده شيء ، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، على العرش استوى ، وهو قريب من كل خلقه ، ومحيط بكل شيء ، وقاهر لكل شيء  ، لا يعيب عن شيء ، ولا يغيب عنه شيء ، وهو العلي العظيم ، العلي بربوبيته وإلهيته لخلقه وهو العظيم الذي بلغ الكمال المطلق في عظمة جناب ذاته وصفاته وأفعاله ، وهو الكبير المتعال عن التقيد بالمكان والزمان وهو الكبير المتعال عن الحد والمقدار ،  وهو الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، تقدس عن أن تدركه البصائر والأبصار ، وعظم عن أن تتوهمه الظنون أو الأفكار ، قال تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام: 103]  ،

[ ]  ( الحواس) عاجزة عن معرفة كنه جناب الذات الإلهي ، لأنها مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط ، عاجزة عن معرفة ما عداها ، ولهذا فهي لا تدرك حتى الروح التي لا تفارق جسد الإنسان ، كما قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 85 ] ،

[ ]  الله تعالى منزه عن المادة وكل ما يتعلق بالمادة ، لأنه خالق المادة ، وهو القائل سبحانه { ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، وفي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، فلا يشبه وجوده وجود شيء من خلقه ، وقال تعالى :{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقال الله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام: 103]  ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك ، وقال الله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ،

[ ] ( العقل ) أيضا عاجز عن معرفة كنه جناب الذات الإلهي ، لأنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها ، والله تعالى منزّه عن الحدّود ، إذ هو الذي حدّ الحدود ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ، كما أنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء ، والله تعالى لا يقاس بأحد ، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه ، وليس كمثله شيء ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ،

[ ]  ورد النهي الشرعي عن التفكير في ذات الله تعالى ، فلا يجوز للمسلم أن يتخيل شكلاً لذات الله سبحانه وتعالى، لأن كل شكل يتخيله العقل أو يخطر بالبال ، فإن الله تعالى بخلافه ، والله تعالى منزه عن الأشكال والصور لأنّه سبحانه هو خالقها ،  جل المصور ان يكون مصورا ، وكل من يتوهم شيئا في مخيلته أو يرسم شكلا يتوهمه لله عز وجل ، فإنه مشبه ، والمشبه لا يعبد الله تعالى ، وإنما يعبد ما رسمه له خياله ووهمه ، ولهذا اتفق العلماء على المنع من التفكر في ذات الله تعالى بمعنى تخيل شكلها ، لأنه منزه عن الصور والأشكال ، قال أبو جعفر الطحاوي : ( لا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأفهام ، ولا يشبه الأنام ) ، وقد ورد النهى عن التفكر في ذات الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : (( تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله )) [ رواه الطبراني في الأوسط ح ( 6456 ) ]

[ ]  كل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما ، جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن أي مثيل أو كفء أو شبيه ، لأنه لو أشبهه شيء من خلقه لكان مثله قديماً ، ولا قديم أزلي إلا هو بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، ولو أشبه هو شيئاً من مخلوقاته لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ،

[ ]  أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس  هي قوله سبحانه : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ،  هذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس ، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ،  { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات ،  أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح ، لان الله تعالى يقول : {  ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، هو السميع البصير ، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى : {  إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان : 2 ] ، فدلت الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين  ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الحد والنهاية والصور والأشكال ، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال ، الحركة والسكون ، قال العلماء : قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ ،  تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان ، ومن التقيد بالصور والأشكال ،  تقدس عن كل ماهيات الوجود ، وكل ما يخطر في البال فالله بخلاف ذلك ، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان ، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ،

[ ]  من أعظم الأدلة على التقديس لله سورة الإخلاص ، ولهذا عدلت ثلث القرآن ،  { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  } : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات ، ( الاحدية )  تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ، (  الأحدية المطلقة ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء ،  { اللَّهُ أَحَدٌ } معناه أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام  ،  { اللَّهُ الصَّمَدُ  } : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الكمال المطلق والغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ، ولا يكون إلها  ، (  الصمدية المطلقة ) : تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور    ،  { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء  { وَلَمْ يُولَدْ   } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث ،  { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } : تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  ،

[ ]  مما يدل على التقديس المطلق لجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس : قوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام: 103]  ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك ،  وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) غيب الغيوب ، الغيب المطلق ، انقطع العلم دونه ، لا يطيق أحد من خلقه بلوغ الإحاطة به سبحانه ، لان المخلوق لا يحيط بالخالق والمحدث لا يحيط بالقديم والمحدود لا يحيط علما بالمنزه عن الحدود والناقص لا يحيط علما بالذي له الكمال ، وقد حجب الله تعالى عن الخلق كنه ذاته لانهم لا يطيقون الإحاطة به ، قال جل شأنه { ليس كمثله شيء } ، وقال تعالى { ولا يحيطون به علما } ، وقال تعالى : { سبحانه وتعالى عما يصفون } ،  وقال تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ،  يستحيل على المخلوق المحدود ان يدرك المنزه عن الحدود ، ولا أن يحيط به علما ، لأنه فوق الحدود ،  هو القديم الازلي الابدي ( الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء } ، فلاحد ولا غاية ، ولا بداية ولا نهاية ، وجود سرمدي لا أول له ولا آخر ، وإذا استحال على الإنسان معرفة الروح وهي معه لا تفارقه ، فالأولى به أن يقصر عن طلب المحال ، لان ( جناب الذات ) :  غيب لا يدرك ، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ،

[ ] الله تعالى هو القديم الأزلي : قال تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] ، تلازم الاسمين ( الأول والآخر ) يدل على القدم الأزلي لله تعالى ،  وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((  أعوز بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم )) [ أخرجه أبو داود ح ( 466) ] ، وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه ، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته وأسماءه وصفاته ، و ( القِدمُ )  معناهُ الأزلية ، لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ، أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث ، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء ، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء ،

[ ]  ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث ، ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، 

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) منزه عن التغير والحدوث ، ومنزه عن قبول الحوادث ، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق ، قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات  ،  أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، ولو قبل الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء ، لأنّ الحادث يقبل الفناء ، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ،

[ ]  ( قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات ) : القول في الصفات كالقول في الذات ، فكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن الحد والغاية والنهاية ، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه ، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات ، فعلمه لا حد له ، ولا نهاية لمعلوماته ، ولو كان لعلمه حد ، لما اتصف بالكمال ، لانّ ما له حد فإنه يقبل الزيادة والنقصان ، فإن قبل الزيادة ، فقد كان قبل الزيادة ناقصاً ، وإن قبل النقصان فليس بالكمال ، وهكذا القول في جميع الصفات ، تابعة للذات ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) : لا يجري عليه زمان ، هو القاهر فوق عباده ، الكل منكشف عليه منذ الازل ، جميع المعلومات منذ الازل وإلى الابد منكشفة على علمه الكامل القديم ، وجميع المبصرات منكشفة على بصره الكامل القديم ، وجميع المسموعات منكشفة على سمعه الكامل القديم ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو بكل شيء محيط ، لا يغيب عنه شيء ،   تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) : لا يسري عليه قوانين الطاقة والمادة والأجسام ، لأنّ المادة والجسم مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وتغير وحدوث وظهور وأفول وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا يحده حد ولا يقدره مقدار ، ولا يقهره مكان فيحيط به ، ولا يقهره زمان فيجري عليه ، ولا يعتريه أفول ، ولا تغير وحدوث ، ولا يخضع لقوانين الحركة والسكون ، ولا تسري عليه مفاهيم الألوان والأشكال ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ،

[ ]  هناك فرق كبير بين المعرفة الممكنة والإحاطة المستحيلة : جناب الذات الإلهي ) :  الله تعالى وتقدس : موجود بلا كيف : تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف ، فلا كيف ولا مكان ولا زمان ، والأحدية المطلقة تنفي الكيف ، وتنفي المثلية ، ونفي المثلية يمنع من التصور ، والحاصل هو العجز عن درك الادراك ،  وهذا هو التوحيد الممكن ، وهو غاية التقديس والتسبيح أن نصل إلى معنى قوله تعالى : { سبحان الله عما يصفون } تسبيح الله عن كل وصف ، فلا يعلم حقيقة الوجود المطلق لله إلا الله ، لابد من التفريق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة ، ( المعرفة الممكنة لجناب الذات الإلهي) هي المعرفة التي تتأتى من معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من التكييف عند الحديث عن جناب الذات ، هذا هو القدر الراسخ من العلم ، أما التصور المطلق للحق فمحال ، يستحيل علينا وعلى جميع الخلق إدراك موجود مطلق قديم أزلي خال من أي قيد أو شرط ، فالمعرفة ممكنة ، والاحاطة محالة ، باب المعرفة مفتوح ، والوقوف على كنهه وحقيقته محال ، ( المعرفة الممكنة ) : تتأتى كذلك من معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلا ، أما الإحاطة علما بالحق ، وحقائق وجوده المطلق وكمالاته المطلقة ، فهذه مستحيلة على المخلوقين ، والإنسان مهما أوتي من علم ، علمه محدود لأنه محدود ، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة جناب الذات الإلهي المنزه عن الحدود ، لأن جناب الذات لا يحاط بها ولا يعرف كنهها ، لا في الذهن ولا في الخارج ، لأنه سبحانه مطلق ، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود ، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود ، قال تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ] ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) : أسمى من أن يحده مكان أو يجري عليه زمان ، أحد مطلق له الاحدية المطلقة ، ليس له فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ، أحد مطلق لا كل ولا جزء ، لان الكل يوجد بأجزائه ويحتاج إليها ، والله هو الغني الحميد ، والجزء يكمل ببقية الأجزاء ، والله هو الفرد الصمد المنزه عن التركيب ، والأجزاء والابعاض سمة المخلوقات المحدثات ، وهو سبحانه من كماله لا يغيب عن شيء من مخلوقاته أقرب إلى خلقه من ذواتهم ، ليس أحد منهم عنه ببعيد ، وهو بكل شيء محيط ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو المبدئ المعيد وهو الغفور الودود ، فعال لما يريد ، أزلي ليس لوجوده ابتداء ، وكان ولا شيء غيره ، ولا شيء معه ، ولا شيء قبله ، أول بلا ابتداء ، قديم فلا يقبل الحدوث ، أبدي ليس لبقائه انتهاء ، ولا يقبل العدم ، قديم باقي ، هو { الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  } ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم]  ،

[ ]  ( جناب الذات ) : له القدم المطلق أول بلا ابتداء ، والقدم المطلق ينفي الحدوث وكل معاني الحدوث ، وقد كانت تلك حجة الخليل إبراهيم عليه السلام في نفي الإلهية عن الشمس والقمر والكواكب : { قال لا أحب الآفلين } أي الآلهة المتغيرة من حال إلى حال ، فجناب الذات له القدم المطلق ، والقدم المطلق يمنع من الحد والنهاية لان ما له نهاية فهو محدث حده القديم بحده ، والقدم المطلق يمنع من الكون في الاماكن ، لان الأماكن محدثة مخلوقة ، والقدم المطلق يمنع من جريان الزمان على الحق ، لان الزمان محدث مخلوق ، أما الحق فالماضي والحاضر والمستقبل كل الزمان منكشف عليه ، لا يغيب عنه شيء لا في الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل ، والقدم المطلق يمنع من الصور والأشكال على جناب الذات لان الصور والأشكال محدثات لا تكون إلا على المحدث المخلوق ، جل المصور أن يكون مصورا كما جل الخالق ان يكون مخلوقا ،

[ ]  ( جناب الذات ) : له الغنى المطلق ، قال الله سبحانه وتعالى :  { إِنَّ اللَّه لَغَنِّيٌ عَنِ الْعَالَمِيَن } ]سورة العنكبوت آية6 ] ، أي أنّ الله تعالى مستغن عن كل ما سواه أزلا وأبداً ، هو الإله الحق الذي أوجد هذا العالم كلَّه  ، والعالم كلُّه بحاجَة إلى الله تعالى ليحفظ عليه وجودَه ، تنزَّه عن الكيفيّات ، موجود بلا كيف ولا مكان ، كَانَ وَلا مَكَانَ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ  ، خَلَقَ العَرْشَ إِظْهَارا لقُدْرَتِهِ وَلَم يَتَّخِذه مَكَانا لِذَاتِهِ ، فالله تعالى هو خالق المخلوقات كلّها ،

[ ]  غيب الغيوب لا يدرك ، استواؤه على العرش استواء صفات لا استواء ذات ، وقربه من الخلق قرب صفات لا قرب ذات ، وإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات ، أما جناب الذات غيب لا يدرك ، موجود بلا كيف ، ولا مكان ولا زمان ، ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال ، ولا يقال أن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون ، ولا يقال انه متصل به ولا منفصل عنه لأن الدخول والخروج والاتصال والانفصال من صفات الاجسام ، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك ادراك ،  { ليس كمثله شيء } ، { ولم يكن له كفوا احد } ،

[ ]  خالق المخلوقات يَستحيل عليه في العقل أن يشبهَها فيستحيل على الله تعالى : المكان والجهة لأن من له مكان يكون جسماً مخلوقا مصورا ، له حدود ومساحة وأبعاد ويحتاج إلى من يجعله بهذا الحجم وهذا المقدار والحد ، ، وكذلك يستحيل على الله تعالى : الحيز ، لان كل متحيز متناه ، وكل متناه محدث والباري قديم أزلي ليس بمحدث ولا يقبل الحدوث ،  فمَنْ زَعَمَ أَنَّ جناب الحق محدود فقَدْ جَهِلَ الخَالِقَ الْمَعْبُود ، تَعَالىَ عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ  وَالَأرْكَانِ وَالَأعْضَاءِ وَالَأدَوَاتِ وَلا تَحْوِيهِ الجِهَاتُ الستُّ كَسَائرِ المبُتَدَعَاتِ ،

[ ]  خالق المخلوقات المصور ، خالق الصور يَستحيل عليه : الصور والأشكال والكيفيات  ،  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات ،  لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى , صاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور { ليس كمثله شيء } ، ( الصورة ) تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، 

[ ]  من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال وعن الجوارح والاجزاء والابعاض ، قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ،  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما كان له صورة أو جارحة ، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال ، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء  ، ( الأحدية المطلقة ) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء  ، الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات ، لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، والتركيب يستحيل على الله الأحد الصمد ، ( الأحدية المطلقة ) تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   ( لفظ الأحد ) مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض  فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى : { اللَّهُ الصَّمَدُ } ، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا ، كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء ) : لا يوصف بالحركة والسّكون والجهة والمكان واللّون والتّغير والانفعال والاستقرار والجلوس ، أما رفع الأيدي إلى السّماء فلأنّها قبلة الدّعاء ومهبط الرَّحمات ، فالله موجود قبل السّماء والعرش وقبلَ جميع المخلوقات فلا يسكن السّماء ولا العرشَ ولَيسَ في كلّ مكان بل هو مَوْجُود بِلا كَيْف وَلا مَكَان ولا يجري عليه زمان ،  {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، وخلق لهم المكان وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر فوق جميع خلقه ، وهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً ، وعليه حاكما ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه الواحد القهار ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ، له تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ،

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس أزلي لا ابتداء لوجوده ، وأبدي لا انتهاء لوجوده ، لا يغيب عنه شيء ولا يغيب هو عن شيء ، الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، سبحانه هو القائل : {  قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ،   ( الأول الآخر ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ،

[ ]  الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي : معناه الأولية بلا ابتداء والأخروية بلا انتهاء ، والظهور المطلق الذي ليس فوقه شيء ، ولا يغيب عن شيء ، والقرب المطلق الذي ليس دونه شيء ، { وهو معكم أينما كنتم } ، أقرب إلي كل شيء من ذاته { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ،  أقرب إلينا من أنفسنا وذواتنا ، والشهود المطلق ، { وهو على كل شيء شهيد } ، فلا يغيب عن شيء ، ولا يغيب عنه شيء ، حاضر عند كل شيء ، ولا يخرج عن احاطته شيء ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

عدد الزيارات 77

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا