جديد الموقع

محاضرات في علم الإلهيات ( 30 ) جناب الذات الإلهي وأفعال الله في الكون - مجدي محمد علي مميز


السبت, 16 شباط/فبراير 2019 08:42 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

محاضرات في علم الإلهيات ( 30 ) جناب الذات الإلهي وأفعال الله في الكون - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  جناب الذات الإلهي وأفعال الله في الكون ،  أقول وبالله التوفيق : 

[ ]  الكون كله خلق الله ،  وكل ما في الوجود خلق الحق ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون ، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه ، فهو مسبب الاسباب  ، حتي الافعال التي تصدر منا هي في الأساس من خلق الله تعالى  ، كما قال سبحانه :{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ]   ،  وقال تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ  } [ التكوير : 29 ] ، 

[ ]  أفعال الحق سبحانه لها الكمال المطلق والحكمة البالغة ، لذا لها تعلقان تعلق بالله وتعلق بالمخلوق  ، فما تعلق منها بالقديم قديم ، وما تعلق بالمحدثات محدث ، وبيان ذلك ، أن أفعال الله تعالى تابعة لأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، وأسماؤه وصفاته قديمة قائمة بجناب ذاته ، فهو الخلاق منذ الازل ، والخلق نتيجة لصفة الخلق عنده ، لم يستفد من خلقهم اسم الخلاق ، جميع الخلق قدماء في علمه القديم الأزلي ، وسمعه القديم الأزلي ، وبصره القديم الأزلي ، وهم محدثون بإرادته القديمة ،  فما تعلق بالقديم الأزلي قديم أزلي ، وما تعلق بالمحدثات محدث ،  لهذا قال العارفون : كل محدث وكل مخلوق هو في حقيقة الامر : قديم الثبوت في علم الله القديم ، حادث الوجود في الكون المخلوق ، سبحانه هو الخلاق منذ الأزل لثبوت صفة الخلق لديه ، وكل مخلوق فهو قديم الثبوت في علم الله ، حادث الوجود بقدرة الله القديمة الأزلية ، وهو سبحانه الرزاق منذ الازل ، كل الأرزاق قديمة الثبوت في علمه القديم ، حادثة الوجود بفيض كرم الرزاق ، لم يستفد من رزقهم اسم الرزاق ،  فالأرزاق نتيجة لاسمه الرزاق وهو الرزاق منذ الازل ، فكل ما تعلق به قديم وكل ما تعلق بخلقه محدث ، منزه سبحانه عن التغير والحدوث ، لا يقبل ذاته الحوادث ، ومحال أن يعود عليه من خلقه شيء ، بل هو الخلاق أبدا والرزاق سرمدا ، كل الخلق قدماء في علمه محدثون في وجودهم ،  قال الطحاوي رحمه الله - معبراً عن عقيدة أهل الإسلام -  : ( ما زال بصفاته قديما قبل خلقه ، لم يزدد بكونهم شيئا ، لم يكن قبلهم من صفته ، وكما كان بصفاته أزليا ، كذلك لا يزال عليها أبديا ، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري ، له معنى الربوبية ولا مربوب ، ومعنى الخالق ولا مخلوق ) أهـ [ العقيدة الطحاوية ]  ،  ( إذن ) صفات الله أزلية قديمة لها الكمال المطلق منذ الازل ، وكل ما تنعم به الاكوان من نعم الايجاد والامداد إنما هي محض فضل من الله الكريم الوهاب منذ القدم حيث الأزل حيث الإرادة القديمة والمشيئة القديمة والعلم القديم والقدرة القديمة ، وكل صفات الله تعالى قديمة وعاملة منذ الازل لها الكمال المطلق منذ الازل ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث ، ولا يقبل زيادة ولا نقصان ، فهو الخلاق منذ الازل حيث اقتضت الارادة القديمة وجود الخلائق ، ولا تناقض بين قدم الارادة وحدوث الأكوان في زمان دون زمان ، لأن الإرادة حددت الزمان في الازل حيث كان الزمان معدما ، ثم حدث الزمان بحدوث الحركة بين الأكوان ، فكان على ما شاء الرحمن  في علمه الأزلي القديم ، الحاصل : أنّ  كل مخلوق وكل حادث في الكون المنظور والغير منظور ، له تعلقان تعلق بجناب الحق قديم ، وتعلق بالمخلوق محدث ، وكل موجود هو قديم الثبوت في علم الله ، حادث في الكون بمشيئة الله ، وقد أخطأ في هذا الأمر صنفان ، من قال أنّ أفعال الله حادثة بإطلاق ، ومن قال أن أفعال الله قديمة باطلاق ،  والصواب إن شاء الله تعالى ان نقول : أنّ لها تعلقان ، فما تعلق منها بالحق قديم أزلي ، وما تعلق بالمخلوقات محدث مخلوق ،

[ ]  أهل الحشو يظنون بقبول جناب ذات الله تعالى للحوادث وهذا جهل بالله عظيم ،   نص ابن تيمية  وأتباعه على قيام الحوادث بجناب ذات الله ، ولم يوافق في قوله هذا أحدًا إلا الكرامية المجسمة ، ومن العجب أن يقول هذا معرضا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام { لا أحب الآفلين } أي لا يصلح المتغير ان يكون إلها ،  وهؤلاء خالفوا إجماع الأمة ، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله ، ويقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أو خلق مخلوق أوجد في ذاته  ، كافًا ونونًا ( كن ) وإرادة حادثة ، وعن ذلك تصدر المخلوقات ، وهم يقولون : أنّ الحوادث التي  تحدث في جناب ذاته هي أقواله وإراداته وتجدد معلوماته وتجدد إدراكه للمسموعات والمبصرات ، ويزعمون ان علم الله يتجدد عندما يقوم عباده بما قدر عليهم من أعمال ، وان السمع والبصر يتجددان كذلك برؤيته لعباده وسمعه لكلامهم ، وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء ، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود ، وأن خلق الله يتوالى على الدوام وأن أرزاقه تتوالى على خلقه وأنه كل يوم في شأن بغني هذا ويشفي هذا ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، وكلها شبه زائفة ،

[ ]  القدم الأزلي لجناب الذات الإلهي يمنع من قبول الحوادث ، لا سبيل للحدوث إليه ، فليس في جناب ذاته شيء حادث ولا في صفاته شيء حادث ، (  شرط القديم ) أن يكون منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ،   وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ،  ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك تنبيها لقومه على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح شيء منها للإلهية ، 

[ ]  الكمال المطلق لله يمنع من التغير والحدوث ، لأن التغير اما إلى زيادة وإما إلى نقصان ، لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، لله تعالى قدم الصفات ، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير ، له كمال العلم ، بلا غاية ولا نهاية ،  علم الله تعالى محيط بكل ذلك ، ولا يقبل التغير ولا يقبل الزيادة او النقصان ، وله كمال السمع يسمع كل مسموع منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل ، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة لا يجري على بصره زمان وهو بكل شيء شهيد ،  لا يتجدد له علم ولا سمع ولا بصر ، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك ، لو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته ، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وكقدم صفاته من العلم والسمع والبصر فإن إرادته قديمة ، الإرادة عند الإنسان حادثة ، لان الإنسان كله حادث مخلوق ، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

[ ] وكقدم صفاته من العلم والسمع والبصر فإن كلامه قديم ، الكلام عند الإنسان حادث ، لان الإنسان كله حادث مخلوق ،مشكلة أهل الحشو أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ، كلام الله قديم ، صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله ، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق ، 

[ ]  مشكلة اهل الحشو أنهم دائما يقيسون الغائب على الحاضر مع انه ممتنع في حق الله تعالى لانه ليس كمثله شيء فلا يصح القياس ، قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات : له قدم العلم ، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء ، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، يقيسون الله على خلقه ، ( إذن ) : صفات الله أزلية قديمة لها الكمال المطلق منذ الازل ، وكل ما تنعم به الاكوان من نعم الايجاد والامداد إنما هي محض فضل من الله الكريم الوهاب منذ القدم في الأزل حيث الإرادة القديمة والمشيئة القديمة والعلم القديم والقدرة القديمة ، وكل صفات الله تعالى قديمة وعاملة منذ الازل لها الكمال المطلق منذ الازل ،

[ ]  أفعال الله تعالى تابعة لجناب الذات القديم الأزلي بأسمائه وصفاته ، فهو الخلاق منذ الازل ، والخلق نتيجة لصفة الخلق عنده ، لم يستفد من خلقهم اسم الخلاق ، جميع الخلق قدماء في علمه ، وكل محدث وكل مخلوق هو في حقيقة الامر : قديم الثبوت في علم الله القديم ، حادث الوجود في الكون المخلوق ، سبحانه هو الخلاق منذ الأزل لثبوت صفة الخلق لديه ، وكل مخلوق فهو قديم الثبوت في علم الله ، حادث الوجود بقدرة الله ، وهو سبحانه الرزاق منذ الازل ، كل الأرزاق قديمة الثبوت في علمه القديم ، حادثة الوجود بفيض كرم الرزاق ، والرزق إنما هو نتيجة لصفة الرزق عنده ، لم يستفد من رزقهم اسم الرزاق ، فكل ما تعلق به قديم وكل ما تعلق بخلقه محدث ، منزه سبحانه عن التغير والحدوث ، لا يقبل ذاته الحوادث ، ومحال أن يعود عليه من خلقه شيء ، بل هو الخلاق أبدا والرزاق سرمدا ، كل الخلق قدماء في علمه محدثون في وجودهم ،

[ ]  الاكوان والخلائق والأعمال ظهرت كنتيجة لتجليات جناب الذات بأسمائه وصفاته ، والأكوان ظهرت نتيجة لعمل الاسماء والصفات ، هو العالم قبل أن توجد المعلومات ، وهو الخالق قبل أن يخلق الخلق ، وهو الرازق قبل أن يرزق الخلق ، لان أسماءه قديمة والخلق محدثون ، ويستحيل أن يستفيد القديم من المحدث ، وإلا لم يكن قديما ،   وكذلك فإن وجود الاكوان والمخلوقات ليس أمرا حتميا على الله لان هذا يُبطل كمال الإرادة والمشيئة ، فإن الله تعالى له المشيئة المطلقة والارادة النافذة ، قال تعالى : { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } ، وقال تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } ، 

و ( مثال ذلك ) : علم الله قديم ، يعلم ما كان وما سيكون ، وليس معنى ذلك : أنّ علم الله القديم بالمحدثات والمخلوقات يوجب وجودها أمرا حتميا يؤثر على مطلق الإرادة والمشيئة ، لأن صفات الحق  كلها قديمة ، أولية بلا ابتداء ، وكلها عاملة منذ الأزل ، كانت قبل أن يجري الزمان ، كل صفة تَعَلق بها ما اختصت به ، فالمعلومات تعلقت بالعلم ، والمقدورات تعلقت بالقدرة ،  والممكنات تعلقت بالمشيئة ، والمسموعات تعلقت بالسمع ، والمبصرات تعلقت بالبصر ،  وجميع صفاته قديمة لم تتدرج وفق زمان ، بل كانت منذ الازل – قبل جريان الزمان - تامة كاملة لها الكمال المطلق فلا تزيد ولا تنقص عما هي عليه ، لأنها لو قبلت الزيادة لم تك قبل الزيادة  كاملة ولو قبلت النقصان فليست بقديمة لها الكمال ، فكل معلوم يتعلق بالعلم القديم وكل ممكن موجود يتعلق بالمشيئة القديمة والارادة الأزلية والقدرة النافذة ، وعلى ذلك فكل الافعال لها تعلقان تعلق بالله قديم وتعلق بالخلق محدث ، ما تعلق بالله قديم لأنه القديم وما تعلق بالمخلوق محدث لأنه محدث ،  ووجود الاكوان والمخلوقات لم يكن وجودها حتما على الله ، لأنها صدرت بمحض إرادة الإله الحق ووفق مشيئته ،  ومن لوازم المشيئة نفي الاضطرار ، وإنما الكون كله بما فيه من مخلوقات وأعمال إنما كان نتيجة لعمل الاسماء والصفات ،

[ ]  زعم البعض ان الله تعالى خلق العالم ليظهر ذاته وصفاته ويُعمل أسماءه ، فصار حاصل كلامه أن الحق استفاد من خلقه ، ومعاذ الله من ذلك ، لأنه يحمل معاني استكمال النقص بالغير ، والإله تعالى له كمال الغنى عن الخلق ، وإنما الخلق نتيجة لتجليات الأسماء والصفات ، فالكون كله بما فيه نتيجة لعمل الاسماء والصفات ، هو العالم قبل أن توجد المعلومات ، وهو الخالق قبل أن يخلق الخلق ، وهو الرازق قبل أن يرزق الخلق ، أسماؤه قديمة والخلق محدثون ، ويستحيل أن يستفيد القديم من المحدث ، وإلا لم يكن قديما ،   وليس الهدف من خلق الخلق إظهار جناب الذات الإلهي والأسماء الحسنى والصفات العلا ، وإلا كان المعنى انه لولا الخلق لما ظهرت الذات والاسماء والصفات ، وكان للخلق منة – والعياذ بالله - على الرحمن ، معاذ الله ، بل هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الظاهر في الأزل والأبد ، وليس خلق الخلق وسيلة إلى إظهار الذات والاسماء والصفات ، بل كان الخلق نتيجة لتجليات الأسماء والصفات ، وصارت المنة للرحمن على خلقه ، أن خلقهم من عدم وتكرم عليهم بالإيجاد والامداد تفضلا منه ورحمة ، وهو الغني عنهم أزلا وأبدا وهم الفقراء إليه ، والله هو الغني الحميد ،

[ ]  حدوث الاكوان لا يغير شيئا ولا يضيف شيئا إلى جناب الذات الإلهي لأن له الكمال المطلق قبل خلق الخلق وبعد خلقهم ، فلم يستفد الرحمن من مخلوقاته شيء ، وحدوث الاكوان لا يزيد شيئا لا في الأسماء ولا في الصفات ، لأن لها الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة أو النقصان لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ، وإن قبل النقصان لم يكن كاملا ، وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ،  ( إذن  ) العالَم موجود نتيجة للكمال الإلهي وليس سببا في الكمال الإلهي ،  وفرق هائل بين الامرين ، خلق الاكوان منة من الرحمن على الخلائق وتفضل منه عليهم والله ذو الفضل العظيم ،

[ ]  الأكوان والخلائق بما فيها من عظمة وإبداع كانت نتيجة للكمال ، الصفات تامة كاملة قديمة عاملة بكمال الذات ، فتجلى أثرها في خلق الأكوان ، فكان الكون كله ومنه ( الإنسان ) نتيجة للكمال الإلهي وظهرت الخلائق كتجليات وآثار لعمل الأسماء الحسنى والصفات العلا ، فظهرت آثار الأسماء والصفات في كل شيء من الوجود ،   كل ما في الكون من خلق وإبداع إنما نتيجة للكمال وليس سعيا من أجل الكمال ، والعظمة ،  لو كان خلق الاكوان والانسان من اجل إضافة مجد أو بيان عظمة ، لكان من باب العبث واللهو واللعب ، وهذا كله محال على الله العليم الحكيم ، قال تعالى  : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [ سورة الدخان : 38 ، 39 ] ، ويقول : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } [ الدخان : 16 إلى 18 ] ، الكون وما فيه ظهر نتيجة للكمال وليس سعيا إلى الكمال ، فاستلزم ذلك شكر نعمة الرب الديان ،   ( الله ) جل جلاله لم يخلق العالَم لعلة ولا لسبب ، بل ظهر العالَم كنتيجة لتجليات أسمائه وصفاته ،   تجلى على الأكوان بأسمائه وصفاته ، كان الله تعالى في الأزل حيث لا مكان ولا زمان ولا خلق ، ولا أكوان ، فتجلت أسماؤه الحسنى بتجليات كان من أثرها خلق الاكوان والعوالم والمحدثات ، وأعظم التجليات كانت في خلق جنس الإنسان ، خلق الله تعالى آدم عليه السلام ، وأورثه الله العلم والحكمة وجعله نبيا ، وأورث ذريته جميع الأسماء والصفات ، فكان هو الجامع لكل التجليات ، خلقه الله تعالى في أحسن تقويم ، وصوره في أحسن صورة ، وأسجد له أطهر خلقه (( الملائكة )) ، وسخر له الكون بما فيه ،  واصطفى من ذريته الرسل والأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء والصالحين ، والمقدم من بني آدم ، على الإطلاق هو من بلغ رتبة الكمال الإنساني ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، ليس لأحد من الانبياء ما له من الفضل والأخلاق ، والباقون من الرسل والأنبياء عليهم السلام ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل ، صلي الله وسلم وبارك عليه وآله وصحبه أجمعين ،

( توحيد الافعال ) :  المقصود منه الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله  ، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته ، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة ، هو الخالق ولا خالق غيره ، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء  قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ،  وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون ، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه ، فهو مسبب الاسباب  ، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى  ، كما قال سبحانه :{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ]   ،  وأهل العلم بالأصول متفقون في توحيد الأفعال على أنّ كل ما يكون في الكون ، وكل ما يقع في الكون ، إنما هو من خلق الله تعالى ،

[ ]  هناك مسلكان في الأسباب والمسببات ، أحدهما أصح من الآخر ، وكلاهما لاهل السنة والجماعة ، القول الاول قال به السادة الماتريدية  : أنّ الله تعالى خلق المسببات وجعل فيها القدرة الذاتية ، ثم هي لا تفعل إلا بإذن الله ، ومثال ذلك أنّ الله تعالى أودع في النار القوة على الإحراق ، فهي تحرق بقوة ذاتية اودعها الله تعالى فيها ، ثم هي لا تحرق إلا بمشيئة الله ، والقول الثاني - وهو الاقرب إلى التوحيد المطلق لله في أفعاله وقال به السادة الأشاعرة : أنّ الله تعالى خلق الأشياء كلها ، وهو خالق الآثار التي تظهر عندها ، فلا يكون شيء في الكون إلا بخلق الله تعالى وقدره ، ومثال ذلك ، أنّ الله تعالى خلق النار ، وخلق الإحراق عند ملامسة النار للشيء ، وأنّه ليس للنار قوة ذاتية على الإحراق لأنه لا يوجد في الوجود كله من يملك القوة الذاتية على الفعل إلا الله ، وإنما الجميع خلق الله ، والإحراق الذي يحدث عند ملامسة النار ليس من النار ، وإنما بما خلقه الله تعالى من الإحراق عند لمس النار ، وكما هو واضح أنّ كلا القولين يلتقي عند مبدأ أصيل واحد يتمثل في توحيد الأفعال لله وحده ، وأنه لا يكون في الكون إلا ما شاء الله ، وليس في الكون شيء يخرج عن خلق الله تعالى ، وقدره الذي قدره للجميع ، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاء الله ، 

[ ]  ما دام كل شيء هو بمشيئة الله ، فما هو مدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله : والاجابة لها شقان : ( الشق الأول ) : الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله ، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى ، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله ،  ولكن الله تعالى جعل للثقلين ( الجن والإنس ) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله ، له حرية الاختيار ،  وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار ، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال ، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار ، ولكن ليس معنى ذلك ، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء ، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه ، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره ، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره ، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد ، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان ، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده ، كما قال تعالى :  { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله ، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه ، وما أحسن ما قاله الطحاوي وهو يعبر عن عقيدة المسلمين في القضاء والقدر : ( وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه ، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل ، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان ، وسلم الحرمان ، ودرجة الطغيان ، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة ، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ، ونهاهم عن مرامه ، كما قال الله تعالى في كتابه ‏:‏ ‏{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }‏ فمن سأل ‏:‏ لِمَ فعل ‏؟‏ فقد رد حكم الكتاب ، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين ) أهـ [ العقيدة الطحاوية ] ، فالخير والشر مقدران على العباد ، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله ، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله ، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره ، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة ، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح ، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه ، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً ، ولكن الناس أنفسهم يظلمون ،

[ ]  و ( الشق الثاني للإجابة  ) نظرية الكسب التي وردت في القرآن هي الحل الامثل لمتشابهات القضاء والقدر وتمثل التوسط ما بين بدعتي الجبر والقدر  ، وقد ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية ، جميعها يشير إلى كسب الإنسان ، وأنّه مسؤول عن كسبه ، منها قوله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ البقرة : 141 ] ، وقوله تعالى : { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [ البقرة : 225  ] ، وقوله تعالى : { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [ البقرة : 281  ] ، وقوله تعالى : { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [ غافر : 17 ] ،  عند التوفيق بين آيات الكسب ، وآيات توحيد الأفعال ، والتي منها : قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ  } [ التكوير : 29 ] ، نجد أنّ توحيد الأفعال يستلزم اعتقاد أنّ كل حركة وكل سكون ، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه ، فهو مسبب الاسباب  ، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى  ،  و ( الكسب ) يستلزم مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله بدليل ترتب الثواب والعقاب على تلك الأعمال  ، إذن الكسب هو الاختيار ، وهذه هي حدود قدرة الإنسان ، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى ، وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع أفعال الإنسان التي سيحاسب عليها إنما هي مخلوقة من الله مكسوبة من العبد ، للعبد فيها الاختيار فإن شاء الله كانت لأنها خلقه ، وإن لم يشأ لم تكن ، فمن اختار طريق الهداية وسار فيه ، فبفضل الله تعالى وتوفيقه ، ومن اختار طريق الضلال وسار فيه فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه ، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد ، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان ، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده ، كما قال تعالى :  { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله ، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه ، قال تعالى ‏:‏ ‏{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }‏ ،  هذا هو الكسب وتلك هي حدوده ، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها ، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه ، وحاسبه الله تعالى على  ما كسبت نفسه ، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله ، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه ، وتفسير الكسب على هذا النحو  هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية ، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله ، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته ، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق ، وبذلك ستصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة المسلمين في القضاء والقدر  ،   كان هذا ما تيسر في بيان أفعال الله في الكون ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

عدد الزيارات 194

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا