جديد الموقع

محاضرات في علم الإلهيات ( 31 ) جناب الذات الإلهي والربوبية والإلهية واستحقاق العبودية - مجدي محمد علي مميز


السبت, 16 شباط/فبراير 2019 08:46 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

محاضرات في علم الإلهيات ( 31 ) جناب الذات الإلهي والربوبية والإلهية واستحقاق العبودية - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  جناب الذات الإلهي والربوبية والإلهية واستحقاق العبودية  ،  أقول وبالله التوفيق : 

[ ]  ( الإله ) : هو الرب المعبود الذي له صفات الكمال ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال المطلق والتقديس المطلق ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا لا يصلح لشهادة التوحيد ولا يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله ) ،  لأنّ قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، فتوحيد الألوهية يدخل في معناه : توحيد جناب الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ،    ( لا إله إلا الله ) : نفي وإثبات : نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله ، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله ، واعتقاد أنه لا معبود بحق إلا هو ،

[ ]  معنى شهادة أن لا إله إلا الله  : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله ، وأنّه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، فإذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، وليس له شريك ، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، أو تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، 

[ ]  الشهادتان  ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) :  هما باب الإسلام الأوحد ، فلا دخول إلى دين الله تعالى إلا بهما ، والشهادتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى ، لأنه إذا كانت شهادة ( لا إله إلا الله ) تعني توحيد الله تعالى في إلهيته ، فإن شهادة ( محمد رسول الله ) تعني بيان ذلك التوحيد والطريق إليه ، ومعنى شهادة : ( أنّ محمداً رسول الله ) : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ، فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الأوحد إلى عبادة الله ،

[ ]  جناب الحق هو الإله الواحد لا إله إلا هو ، وهو الرب الواحد لا رب سواه ، وهو المستحق وحده للعبودية لا معبود بحق سواه وهو وحده الإله الحق لا إله إلا هو ،

[ ]  ( الربوبية ) : مصطلح واسع من أوسع مصطلحات الإلهيات ، يحمل معاني الخلق والإيجاد والامداد لكافة الوجود بمن فيه وما فيه ، والله تعالى هو رب العالمين ، و ( الربوبية ) تحمل كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والاستصلاح ثم كل معاني الملك  والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والحكم والأمر ثم كل معاني الهيمنة من العز والذل والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ معاني الربوبية ، ولا تصح الربوبية إلا بإفراد الله تعالى بها ،

[ ]  ( توحيد الربوبية ) مصطلح شامل يحمل اعتقاد افراد الرب تعالى بكل معاني الربوبية ، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا ،

[ ]  يدخل في توحيد الربوبية :   اعتقاد أنه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا رازق على الحقيقة في الكون كله إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا مالك لا متصرف بيده ملكوت كل شيء ولا مدبر للكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا شريك للرب الواحد الأحد الله رب العالمين في شيء من تلك المعاني التي يشملها توحيد الربوبية ، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا بحصر معاني الربوبية في اللّهِ وحده ، ولا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا لله رب العالمين وحده لا شريك له ،

[ ]  هناك تلازم بين الربوبية والعبودية لا محالة ، فلا يوجد عاقل يتعنى بصرف العبودية لإله ليست له صفات ربوبية من الإعزاز لعابديه ورزقهم ، كما في قوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم : 81 ]  ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، هناك تلازم بين الربوبية والعبودية لا محالة ، لذا جاء القرآن الكريم يذكر العباد بربهم وخالقهم وانه يجب عليهم ان يفردوه بالعبادة لأنه الرب الخالق ،  - : { إنَّ رَبَّكمُ اللّهُ الّذي خلقَ السَّمواتِ وَالارضَ في ستَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استوى على العَرشِ يُدَبِّرُ الامرَ ما مِن شَفيعٍ إلاّ مِن بَعدِ إذنِهِ ذلِكم اللّهُ رَبُّكم فاعبدوهُ أَفلا تَذَكّرون} [ يونس : 3 ] ،  وقال تعالى : {  ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الْأَنعام : 102 ] ، 

[ ]  أشار القرآن الكريم إلى توحيد الربوبية في مواضع عديدة من الآيات منها : قوله تعالى : { لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 38 ] ، وقوله تعالى { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }[ يوسف : 39 ، 40 ] ،  وقوله تعالى { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }[ الأنعام : 164 ]  ، وقوله تعالى { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 79 ، 80 ] ، وقوله تعالى – مخاطبا اهل الكتاب - { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [آل عمران : 64 ] ،  وقوله تعالى { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ  }[  التوبة : 30 ، 31 ] ،

[ ]  هناك أسس وركائز تمنع من الفهم الخاطئ لتوحيد الربوبية ، وذلك لان بعض اهل الحشو يظنون ان البشرية كلها على توحيد الربوبية وان المشكلة تكمن في توحيد العبودية وهذا من الخلل ومن المفاهيم المغلوطة في باب التوحيد ،  ( أ ) المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية : فقد كان المشركون على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق ، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور ، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها  تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الإلهية والربوبية في اعتقادهم ، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله ، كما لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الإلهية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة ،  ( ب ) المشركون في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية : وذلك لأنهم ظنوا في آلهتهم التي عبدوها من دون الله النفع والضر والعز من دون الله واعتقدوا لها الشراكة مع الله في بعض أمر الكون واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله بما لها من شراكة جزئية في تدبير الكون ، وبالتالي فهم قد صرفوا أكثر مفردات الربوبية لآلهتهم من دون الله ، قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم : 81 ]  ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، ( إذن ) المشركون كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون ،   ونستفيد منه أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً ، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك ،

[ ]  أنواع الشرك في الربوبية كثيرة منها : من اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من الخلق والرزق ، ومن اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من تدبير الكون والتصريف ، ومن اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من النصر والتأييد والإعزاز والإذلال والنفع والضر والهداية  والإضلال ، ومن اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من الحكم والأمر والتشريع والتحليل والتحريم ، ومن اعتقد أن أحدا يستطيع الشفاعة عند الله على سبيل الاستقلال أو الحق الجبري على الله ، [ توحيد الربوبية ] مصطلح عظيم لا يكون عليه إلا الموحدون الذين تبرؤا من كل شرك في الربوبية وتمثلوا قول الله تعالى { أفغير الله ابتغي ربا وهو رب كل شيء } ،

[ ]  لا يكفي في الربوبية الاعتراف بالخالق : قال تعالى – في حق المشركين - { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ العنْكبوت ] و قال تعالى – في حق المشركين -  {  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } [الزخرف] وقوله تعالى { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ } [ يونس ]  ، عند تدبر هذه الآيات التي تتحدث عن حال الكفار والمشركين نجد فيها إقرار بخالقية الله وتدبيره للكون ولكنه  ليس بتوحيد الربوبية ،  لأنهم يعتقدون بوجود آلهة صغيرة تشارك الله في تدبير شئون الكون فالمشركون يقرون بأن الله هو الخالق والمدبر لكن لا على أنه الأوحد في ذلك بل هو الخالق والمدبر الأكبر باعتبار أن الله كبير الأرباب والآلهة في عقيدتهم ، ولكن معه أرباب وآلهة آخرون لهم دخل في بعض شئون الخلق والتدبير ، ولهم قدرة على النصر والاعزاز لمتبعيهم  ،  كما قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  } [ مريم : 81 ] ، ولذلك كثيرا ما يعترض القرآن عليهم الحاجة لاختلاق أرباب متفرقين { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ يوسف ] ،

[  ثانيا  ]   ( توحيد الإلهية ) :    أهل الحشو خلطو بين مصطلحي الإلهية والعبودية ، ولذلك نجدهم يفسرون شهادة التوحيد { لا إله إلا الله } بمعنى لا معبود بحق سواه ، ولكن : من الفقه في الدين ملاحظة الفرق في الاصطلاح بين الألوهية وبين العبودية ، وذلك لأنّ توحيد الألوهية  يشمل جميع معاني التوحيد ويدخل فيه توحيد جناب الذات بالتقديس اللازم لله تعالى من اتصافه بالكمال المطلق والقدم الأزلي والأحدية المطلقة والصمدية المطلقة والمخالفة للمحدثات وحاصل هذا التوحيد نفي المثلية عن الله وتقديس الله عن مشابهة خلقه ، والعجز عن الادراك لمطلق الوجود ومطلق جناب الذات والصفات ، ثم يأتي  بعد ذلك توحيد الأسماء والصفات والأفعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية ، وليس في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود المعبود الحق المستحق لإفراد العبودية له ، والاعتراف بوجود الرب الخالق القادر المدبر المتصرف المهيمن ، والاعتراف بوجود الإله الذي له الكمال في كل شيء والذي له الجلال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، والمنزه عن المثيل والند والشريك ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح لجميع معاني الكمال في الذات والكمال في الصفات والكمال في الأفعال والكمال في الربوبية بشتى خصائصها والكمال في استحقاق العبودية والتأله ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله ) ، وما ذاك إلا لأنّ ، قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، فتوحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً توحيد جناب الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد الصفات العلى ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ،   من ( الإله ) اشتق العلماء التاله ، ومعنى ( التأله ) : هو التعبد وصرف العبادة لمن يُعتقد ربا مدبراً له صفات الربوبية من كونه خالقا ورازقا ومدبرا وقادرا على أن يقضي حاجته فيتجه الإنسان إلى عبادته رجاء نفعه ،  ولا يتصور أبدا أن عاقلا يصرف العبودية لمن لا يرجو منه نفعا أو دفع مضرة أو يعتقد فيه نوعا من الربوبية عليه ، ومعنى ( والتأله ) التحير في جناب ذات الإله وصفاته وأفعاله ، بمعنى العجز عن الإدراك والاحاطة ، قال تعالى : {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ } [ الأنعام : 103 ] ، وقال تعالى { ولا يحيطون به علما } ، ( الحاصل ) : جاء ( التأله ) في القرآن الكريم على معنى ( المعبود ) الذي يعتقد فيه صفات الربوبية ، وعلى معنى ( الرب ) الذي تصرف إليه معاني العبودية كالذل والخضوع والمحبة والولاء والطاعة والنسك والشعائر ،  وعلى معنى ( الإله الأحد ) الذي تعجز العقول عن إدراك كمالات جناب ذات الإله المعبود ،

[ ]  من الآيات الدالة على معنى (  المعبود ) في ( الإله ) : قوله تعالى  :  { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [ الْأَنْبياء : 25 ] ، وقوله تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [ النحل : 36 ] ، وقوله تعالى { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }[ الْأَعراف : 59 ] ،   [ ]  وقوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، وقوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، 

[ ]  ومن الآيات الدالة على دخول معنى ( الرب ) في ( الإله ) : بمعنى الرب المتصرف المدبر الذي يعتقد استحقاقه للعبادة ، قوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنبياء  : 22 ] : البرهان على نفي تعدد الآلهة لا يتم إلا ّإذا جعلنا «الإله» في الآية بمعنى المتصرف المدبر الذي بيده الأمر ، إذ لو جعلنا الإله في الآية بمعنى المعبود لانتقض البرهان لتعدد المعبود في هذا العالم ، مع عدم الفساد في النظام الكوني ،  { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنبياء  : 22 ] ، البرهان على نفي تعدد الآلهة لا يتم إلا ّإذا جعلنا «الإله» في الآية بمعنى المتصرف المدبر الذي بيده الأمر ، وقوله تعالى : {  مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ المؤمنون : 91 ] ، ولا يصح ها هنا حمل معنى الإله على المعبود فحسب ، بل على معنى الرب الخالق المدبر القادر المتصرف ولو جعلناه بمعنى المعبود لم يصح الاستدلال ، لأنه لا يلزم من تعدد المعبود أي اختلال في الكون ، وأدلّ دليل على ذلك أن ّفي العالم آلهة متعددة ولم يقع أيّ فساد و اختلال في الكون ، {  مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } يجب حمل معنى الإله في الآية على معنى الرب الخالق المدبر القادر المتصرف ، وقوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ } [ الأنبياء : 98 ، 99 ] ، والآية تستدل بورود الأصنام في النار على أنّها ليست آلهة إذ لو كانوا آلهة ما وردوا النار ، والاستدلال إنّما يتم لو فسرنا الإله بالرب القادر المتصرف ، {  لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ } ، ولا يصح حمل معنى الإله على المعبود إذ لا ملازمة بين كونها معبودات وعدم كونها حصبُ جهنم ، الاستدلال يتم لو فسرنا الإله بالرب القادر المتصرف ، لو كانوا أربابا لهم تصريف وتدبير ما وردوها ، وقوله تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا  } [ الإسراء : 42 ، 43 ] ، فان ّابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدد الأرباب المدبّرون المتصرفون ، وأمّا تعدد المعبود فلا يلزم ذلك ،

[ ]  الآيات الدالة على التلازم بين معاني الربوبية ومعاني الألوهية في القرآن الكريم : كثيرة جدا لان الرب هو الإله ، والإله هو الرب ، والرب هو المعبود والمعبود هو الرب ، فمن أقر بأن الرب سبحانه لا يوجد معه رب سواه فلن يعبد غيره ، ولن يتخذ إلها سواه ،  ومن أمثلة هذا التلازم : قوله تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 64 ] ، فالكلمة السواء كلمة التوحيد تشمل توحيد الألوهية ( ألا نعبد إلا الله ) وتوحيد الربوبية ( ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ) الرب هو الإله والإله هو الرب ،   وفي قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام ، قال تعالى : { قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } [ الأنبياء : 53 إلى 56 ] ، فالرب هو المعبود والمعبود هو الرب لا انفكاك في ذلك ،  وفي ذكر محاجة سيدنا موسى لفرعون قال الله تعالى : { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ } [ الشعراء : 26 إلى 29 ] ، فالرب هو الإله ولا فرق في ذلك ،

[ ]  إذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، ليس له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، والله أكبر من كل تصور ، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، أو تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ( إذن ) : توحيد الألوهية عام يشمل ضمن أقسامه العديدة توحيد العبودية ، فإن ذكرنا توحيد الألوهية ، وجب الحديث عن أقسامه جميعها ، من توحيد الذات وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الربوبية والعبودية ،

[ ثالثا ] : توحيد العبودية ]  :  العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية ، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية ، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق ، أو المعبودات الباطلة من دون الله ،  إنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة  : ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة ، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى { وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } [الاِسراء  : 24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة ، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم ، الهيئة واحدة هي هيئة السجود ( وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع ) ، الفعل واحد هو السجود ، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم ، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام ، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة  ، ( إذن ) لابد من القول بأنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة : فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر ، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة ،  ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى )) [ أخرجه مسلم ] ، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل ، ألا وهو النية ، والنية هي الاعتقاد القلبي ،

[ ]  خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة ( اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود ) : من الفقه في فهم معنى العبادة : أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ولها ( للعبادة ) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر عند الفقهاء ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ،

[ ]  هناك أسس وركائز تُعين على فهم توحيد العبودية لأن هناك من لا يفرق بين أصل العبادة وهو اعتقاد الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية لمن تصرف له العبادة وبين صور العبادة من السجود والدعاء وغيره ،

( أ ) الاعتقاد هو ضابط الحكم في مسائل العبادة : فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر  ، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الحكم في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة ،  ودليلهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى )) [ أخرجه مسلم ] ، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل ، ألا وهو النية  ، والنية هي الاعتقاد القلبي ،

[ ]  الاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة ،  العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقادي لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر ، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ،

[ ]  لكل مفردة من هذه العبادات ركنان  : الركن الأول : الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة ، والركن الثاني : العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد ، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر ، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ،

( ت ) امثلة للفقه في هذا الباب : الفقه في مفهوم ( السجود ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له - كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة ، وقد مر بنا سجود الملائكة لآدم عليه السلام ، ولو كان شركاً لما أمر الله تعالى به فإنّ الله تعالى لا يأمر بما هو شرك ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [ النساء : 48 ] ، ومر بنا أنّ إخوة نبي الله يوسف عليه السلام خروا له سجدا ، وكان ذلك جائز في شريعتهم ولو كان شركاً لما جاز في أي شريعة ربانية ،

( ذ ) التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة : هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية وحده ، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح ، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين ، وقد مر بنا مثال السجود لآدم عليه السلام ، وأنّه لم يكن عبادة لأنّه خلا منه الاعتقاد بربوبية وألوهية المسجود له ، والمقصود أن ليس كل ما صرف لغير الله تعالى مما يشبه العبادة يكون شركاً بالله تعالى حتى يصاحبه اعتقاد ربوبية وألوهية من يصرف إليه العبادة ، فإن خلا من الاعتقاد كان شيئاً آخر غير الشرك بالله ،

[ ]  وعليه فيكون تعريف (  الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية ) : هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية ، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله ، أو شفاعة ملزمة على الله ، أو استحقاق أن يعبد من دون الله ، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى ، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه ،

[ الخلاصة : توحيد الإلهية ]  :  توحيد الألوهية  يشمل جميع معاني التوحيد ويدخل فيه توحيد جناب الذات وهو علم التقديس ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال وهو علم أصول الدين ، وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية ، وهما الغاية من خلق الإنسان ،  ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، توحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد الصفات العلى ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ، وقد جاء الإسلام بتوحيد الإلهية بكافة أقسامها ، ولذلك كان هو الدين الحق الذي لا يقبل الله تعالى دينا سواه ، قال الله تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } [  آل عمران : 19 ]  ، وقال الله تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، ومفتاح الإسلام وبابة الاوحد وشعاره الاظهر : (( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) هي باب الإسلام وشعاره نسال الله تعالى ان نحيا عليها وان نموت عليها وان نلقاه بها ، قال صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد، غيرَ شاكٍّ فيهما، إلا دخل الجنة )) [ اخرجه البخاري ]  ،  كان هذا ما تيسر في بيان جناب الذات الإلهي والربوبية والإلهية واستحقاق العبودية  ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

عدد الزيارات 9

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا