جديد الموقع

محاضرات مهمة في مقدمات الإلهيات - مجدي محمد علي محمد مميز


الثلاثاء, 14 كانون2/يناير 2020 06:04 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

محاضرات مهمة في مقدمات الإلهيات

على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية

جمــع وإعـداد مجــدي محمــد علـي

حاصل على الشهادة العالمية في العلوم الشرعية الإسلامية

والمشرف العام على دار الإصلاح  www.dar-eslah.com

***

بسم الله الرحمن الرحيم

[ مقدمة ]

إنِّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[ آل عمران: 102 ]، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }  [ النساء: 1 ]، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [ الأحزاب:70، 71 ]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد، فإنّ الكثير من المتصدرين للحديث  عن عقائد اهل الإسلام – اليوم - ليسوا مؤهلين للحديث عنها بسبب الجهل بهذه المقدمات، وهم لجهلهم بتلك المقدمات يُلحقون بطائفة مبتدعة تسمى الحشوية حذر منها علماء اهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، هؤلاء الحشوية أهل جهل مركب في باب العقيدة ينسبون إلى الله تعالى الحد والمكان والصور والاشكال والتغير والحدوث، ومذهب هؤلاء أالحشوية المبتدعة: تحديد الوجود الإلهي المطلق وتكييفه، مع انهم يقولون بلا كيف، ولكنهم يكيفون الوجود، ويحدونه بجهة واحدة من جهات الكون المخلوق، وعلى ذلك جعلوا المكان أكبر من ذات الرحمن، وهم يقولون في كل صلاة الله أكبر، وقالوا بسبب هذا التكييف الذي وقر في قلوبهم: أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وأنّ العالم المخلوق تحته، وانه موجود ( بذاته ) على عرشه، فكيفوا جناب الذات وحدوه بالمكان وحدوه بالعرش المحدود، مع أن قولهم: ( استوى بذاته )  لم يأت بها دليل من الشرع، وإنما هي من افرازات بدعة الحشو والتكييف التي ترسخت في أذهانهم، بل الآية { ثم استوى على العرش يدبر الامر }، فدل على انه استواء تدبير وربوبية لا استواء ذات، كما يقولون، وهؤلاء يعتقدون أنه تعالى متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يقابل العرش بظنهم، وأشنع بدعهم قولهم بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث، وذهلوا عن دليل الخليل إبراهيم عليه السلام { لا أحب الآفلين }، أي ان علة عدم الصلاحية للإلهية هي التغير وقبول الحوادث، ويقولون: بأنه  ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وانه إن كان من لوازم النزول الحقيقي الحركة والسكون فلا بأس بالتزم ذلك، ويعتقدون أنه يذهب ويجيئ بجناب ذاته، وديدنهم الحديث حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ويدندون حول وصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث والتغير وقبول الحوادث، ولا يبقى لنا بعد تلك العقائد الفاسدة شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة الإسلام ( امة التسبيح والتنزيه )، والمصيبة: أنّ هؤلاء يتدثرون بلباس أهل السنة وهم منها عراء، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء، أهل الحشو أهل جهل مركب، يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بها على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، ولذلك فهم قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم دائما بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه الحقيقي كما هو في اللغة لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، قال تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ }، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع لهذه للمتشابهات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، هذا هو حال أدعياء السلفية، الحشوية بالمصطلح القديم، لأجل هؤلاء أهدي تلك المقدمات لعلها تجد آذانا صاغية وقلوبا واعية، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اجتنابه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه،

***

المحاضرة الأولى 

مدخل إلى علم الإلهيات

[ ] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: أتناول في هذه المحاضرات مقدمات لفهم الإلهيات على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية سواد المسلمين الأعظم، ويمكن تقسيم العقيدة إلى ثلاثة اقسام أساسية: ( القسم الاول ) ( الإلهيات )، ويشمل الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وهذا القسم هو أهم أقسام العقيدة، و ( القسم الثاني )  ( النبوات ) ويشمل الواجب والجائز والمحال في حق انبياء الله عليهم الصلاة والسلام، و ( القسم الثالث ) ( السمعيات ) وهي كل ما ثبت في الدين بطريق الشرع من اخبار الغيب مثل الإيمان بالملائكة، والجن، ومما يتعلق باليوم الآخر، ومشاهد يوم القيامة والجنة ونعيمها والنار وعذابها، ثم أضيف إلي عقيدة اهل السنة والجماعة: قضايا أخرى ظهرت على مر عصور الإسلام وفرقت بين الجماعة الناجية وفرق الضلال فلزم بيان قول أهل اهل السنة والجماعة فيها: مثل الإمامة والصحابة وآل البيت، وقضايا الإيمان والكفر وقضايا التوحيد والشرك وقضايا السنة والبدعة، وبيان إطار النجاة ومدارسه المتخصصة في علوم الدين، وبيان الفرق الضالة في العقيدة وأصولها الشاذة، ( الشاهد ) قضايا ومسائل العقيدة متعددة، لكن أهم تلك الأقسام هو ( القسم الاول ): ( قسم الإلهيات ) ومقدماته تتعلق بالواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى،

[ ] مقدمات قسم الإلهيات مهمة جدا، حتى قال المتخصصون في علم العقيدة: حرام على من يجهل هذه المقدمات أن يؤلف في عقائد المسلمين، أو يتكلم في فرق الإسلام، لأنه بذلك يتقول على الله بغير علم فيضل ويضل، وهو يحسب انه من المهتدين، إنّ اهل العلم لا يجوز لهم كتمانه، وقد قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }، وقال صلى الله عليه وسلم: (( من كتم علما يَعلمه جاء يوم القيامة مُلْجَمًا بِلِجَام من نار )) [ الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم ]، واحقاقا للحق، وعدم كتمان العلم، فإن  هذه المقدمات هي النقاط التي لم يستطع الإمام ابن تيمية وأتباعه أن يهضموها، فسببت لهم خللا كبيرا في العقيدة، وآل بهم هذا الخلل إلى الوقوع في بدع الحشو التجسيم، على حساب التقديس، وإلى الغلو في التكفير والتبديع فيما يتعلق بأمة الإسلام، وللأسف فإنّ من أبعد المسلمين عن تلك القواعد الربانية المستمدة من الكتاب السنة، أولئك المنتسبون إلى السلفية، والسلفية الحقة المباركة بريئة مما هم فيه من الجهل بالله تعالى وما يجب له من التقديس والتنزيه،

[ ] بسبب الجهل بتلك المقدمات تسربت إليهم مفردات بدعة الحشو والتكييف، كيفوا الوجود الإلهي وحدوه بالمكان والزمان ونسبوا إلى جناب ذاته الاقدس الحد والتناهي ونسبوا إليه صفات الاجسام المخلوقة من الصورة والشكل والحركة والسكون والتغير والحدوث، وصاروا أقرب إلى المجسمة المبتدعة منهم إلى اهل السنة والجماعة الحقيقيين، لذلك فهذه المقدمات بالأساس لهم، وأحتسب الأجر في ذلك، وهي ضرورية كذلك لكل طالب علم يريد التخصص في عقائد المسلمين، لان من يجهل هذه المقدمات حتما سيكون لديه قصور واضح وخلل كبير في العقيدة وبالتالي لا يجوز له أن يتكلم في عقائد المسلمين بالتأليف أو التصنيف أو التقييم أو التبديع أو التكفير، أسأل الله تعالى القبول والسداد، وأسال الله تعالى ان يفتح لها أعينا مبصرة وقلوبا واعية وآذانا سامعة، وسأضرب امثلة مختصرة لاهم تلك المقدمات:

[ ] من أهم تلك المقدمات: معرفة معاني ( الأحدية  ) { قل هو الله احد }، معاني الاحدية المطلقة التي تمنع من من التكييف وتبلغ بالعبد أعلى معاني التقديس والتسييح والتنزيه والعجز عن الادراك { ولا يحيطون به علما }، الاحدية محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، هناك فرق كبير في المعني بين اسم الله ( الأحد ) واسمه ( الواحد )، الله واحد لا شريك له، قال تعالى: { وهو الواحد القهار }، الله احد لا جزء له لا يقبل الكثرة والانقسام، قال تعالى: { قل هو الله أحد }، ( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا، وكل من كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، ( الأحدية ) لها معنى و ( الاحدية المطلقة ) لها معنى أوسع ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والانسان قدرته محدودة، (  الأحدية المطلقة  )  توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، هناك آيات تفيد اثبات الوجه واليد والعين لله وهذه في اللغة أجزاء من ذات، فكيف نفهمها في اطار الاحدية، نقول الله تعالى { ليس كمثله شيء }، وهذه نفهمها على انها صفات مجردة عن الجزئية والبعضية، وقد ذكر في القرآن { وجه النهار } وليس للنهار وجه، و ذكر في القرآن { بين يدي رحمته } وليس للرحمة يدين، و ذكر في القرآن { بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ } وليس للنجوى يدين، و ذكر في القرآن { بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } وليس للعذاب يدين، و ذكر في القرآن { فإنك بأعيننا }، والمقصود أنك بحفظنا وعنايتنا، ( الأحدية ) محكمة لأنها تعدل ثلث القرآن وما خالفها وجب رده إلى معانيها حتى لا نقع في الزيغ الذي حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران: 7 ]، وفي هذه الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والضلال، وطريقة أهل العلم في ذلك  رد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتستقر العقيدة المحكمة الصحيحة وتتآلف القلوب عليها، ولا يكون بينها أدنى تعارض أو اختلاف، قال تعالى: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء: 82 ]، فالتدبر يصحح العقيدة ويمنع من الفرقة والاختلاف

[ ] ومن أهم تلك المقدمات: معرفة معاني ( الصمدية المطلقة ) ومعاني الكمال المطلق لله تعالى في جناب الذات وأسمائه وصفاته، { اللَّهُ الصَّمَدُ }: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، (  الصمدية المطلقة ): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء، جل المصور أن يكون مضورا، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق، {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، ( الصمد ) هو الإله الرب الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله، من خصائص الصمدية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الكمال المطلق لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، الكمال المطلق دائم لا يزول، لا يفنى ولا يبيد، الكمال المطلق لا يقبل تغير ولا حدوث، لأنه إن تغير: تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن من صفات الإله الذي له الكمال المطلق،

[ ] ومن أهم تلك المقدمات: تقديس الله تعالى عن كل مثيل: { ليس مثله شيء }، او كفء أو شريك، الآية: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، هذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه، { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير، قال تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان: 2 ]، فدلت الآية: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، يمكن أن تكون هناك مثلية في بعض معاني الصفات، ولكن النفي المطلق للمثلية إنما هو في جناب الذات، هذه الآية { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كانت أجزاء من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: { ثم استوى على العرش يدبر الأمر }، كما أن القرب في قوله تعالى { فإني قريب } قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن المعية في قوله تعالى { وهو معكم أسنما كنتم } معية صفات ( صفات العلم والسمع والبصر }، كما أن الاحاطة في قوله تعالى { وهو بكل شيء محيط } إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى { احاط بكل شيء علما }، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى { ولا يحيطون به علما }،

[ ] ومن تلك المقدمات: تقديس الله تعالى عن عن الحدوث وقبول الحوادث، ( الله جل جلاله ) له القدم الأزلي: ( أول بلا ابتداء )، ( القـدم ) هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء )) [ أخرجه مسلم ]، ( أول ) لا أول لوجوده تعالى لا يسبقه عدم، ( القِدمُ )  معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، أظهر صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }، فالعلة في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب هي الأفول، قال المفسرون: ذكر إبراهيم الخليل عليه السلام لقومه ( علة الأفول ) للاستدلال على أن الكواكب والشمس والقمر  لتغير حالها لا تصلح للإلهية، وتنبيها لهم أن التغير والحدوث نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، إذن كل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث فهي متشابهات  يجب رده إلى محكماتها، وكل ما اوهم الحركة او السكون أو التغير والحدوث فهي متشابهات  يجب رده إلى محكماتها من القدم الازلي، ومن ذلك المجيء في قوله تعالى { وجاء ربك والملك صفا صفا } فالمجيء المعهود هو الانتقال من مكان إلى مكان، وهذا يستلزم كبر المكان الاول والثاني عن المتحرك فيهما، والله اكبر من كل شيء، وهو يستلزم التغير والله تعالى قديم بجناب ذاته وصفاته، إذن كل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي وسيأتي بيان ذلك العلم بالتفصيل في موضعه إن شاء الله،

[ ] ومن تلك المقدمات: تقديس الله تعالى عن الحدود والغايات وعن الكون في المكان، وعن جريان الزمان عليه، الله تعالى له الوجود المطلق، المقدس عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات، والمقدس عن الكون في المكان، وعن جريان الزمان، هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان، تحكمه قوانين المكان، من الكون في المكان والتحيز في جهة من جهات المكان، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه، هذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل، هذا الوجود المقيد هو صفة المخلوق مهما كبر أو صغر من الفرش إلى العرش ومن الأرض إلى السماوات كل الخلائق محكومة بهذا الوجود الزماني والمكاني مقهورة به لا انفكاك لها عنه، لا تخرج عن قوانين المكان فهي إن كانت في مكان فهي تخضع لقرب وبعد المسافات، قريبة من مكان وبعيدة عن الآخر، ويجري عليها الزمان قهرا، لا يمكنها التصرف في الزمان فلا توقف الحاضر ولا تعيد المستقبل، أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود المطلق الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، فالله تعالى له الوجود المطلق، هذا ( الوجود المطلق ) لا يتقيد بالمكان، ولا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد: 3 ]، الخلائق عاجزة عن معرفة كنه الوجود الإلهي، لأنها مخلوقة محدودة محدثة، والمخلوق لا يدرك الخالق، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود، والمحدث لا يدرك كنه القديم، و ( نحن ) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق جسد الإنسان، إلا بآثار تلك الروح، كما قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء: 85 ]، و ( العقل ) لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها، والله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود، تعالى الله على الحدود والبدايات والنهايات والغايات، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأهل الحشو شفاهم الله بالعلم يكيفون الوجود مع ان الكيف ممتنع لانه مخلوق والمخلوق لا يحيط بالخالق، شعار المسلمين الله له الوجود المطلق موجود بلا كيف موجود بلا حد، موجود لا يحتاج في وجوده إلى مكان، لا يحتاج لمكان يدير منه المملكة، ولا يجري عليه في ملكه زمان،

[ ]  ومن تلك المقدمات: تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية من الأجزاء والأبعاض والصور والأشكال، ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم }، و الجسمية تناقض الأحدية، الله تعالى [ أحد ] لا جزء له، و ( الأحدية المطلقة )، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض، والله تعالى: [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء، الجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، والجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها،

[ ] الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث، فليس بمركب

[ ] أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1)، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال

[ ]  يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم، والإشكالية أن هذه الألفاظ تعني أجزاء من ذات وهذا استعمالها في اللغة أنها اجزاء من ذات وليست صفات، فالعلم والقدرة والسمع والبصر صفات ومعاني، أما الوجه واليد والعين فهي في حقيقة اللغة أجزاء من ذات والله تعالى هو الاحد الصمد المتصف بالأحدية  المطلقة، وأخص خصائص الاحدية عدم قبول الكثرة والاجزاء والابعاض، ولهذا صارت ألفاظ الوجه واليد والعين من المتشابهات لابد من فهم مجازاتها في اللغة العربية، وفي القرآن الكريم، لأنه أُنزل بلسان عربي مبين، وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال،

[ ] جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات، لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار: 8 ]، والتركيب يستحيل على الله تعالى ,

[ ]  صاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة،

[ ]  الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة،

[ ]  كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )

[ ] ( الحاصل ): التقديس المطلق، الله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا شكل ولا مكان ولا يجري عليه زمان، ويجب العلم بانّ  القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، ويجب العلم بانّ  الإحاطة بالكون احاطة صفات لا إحاطة ذات، ويجب العلم بانّ  الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، ويجب العلم بانّ  جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود،

[ ]  القاعدة العامة في الإلهيات أنّ كل ما عارض المحكم فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات من الصور والاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، كل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، الله موجود بلا كيف، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، والعجز عن الإدراك إدراك، ولا يحيطون به علما، هذا هو ثمرة دراسة المقدمات الاعتراف بالعجز عن الادراك { لا تدركه الأبصار }، وبلوغ التقديس المطلوب { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك }، وتصفية الاعتقاد من شوائب الحشو والتكييف والتجسيم، الله موجود بلا كيف، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، والعجز عن الإدراك إدراك،

[ ] حال المعاصرين من تلك المقدمات: الكثير من المتصدرين – اليوم - للحديث عن عقائد اهل الإسلام ليسوا مؤهلين للحديث عنها بسبب الجهل بهذه المقدمات، ومن هؤلاء الذين يجهلون تلك القواعد أو لم يستطيعوا فهمها، أو لم يستطيعوا هضمها: الشيخ ابن تيمية واتباعه، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، ورموز السلفية المعاصرة: الشيخ الألباني والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الفوزان والشيخ ربيع المدخلي، والشيخ الحويني والشيخ محمد العدوي، والمشايخ محمد حسان وبرهاني ورسلان، والرضواني، وغالب رموز السلفية المعاصرة، على اختلافاتهم الفكرية، كلهم يجهلون تلك المقدمات، وهؤلاء لجهلهم بتلك المقدمات يُلحقون بطائفة مبتدعة تسمى الحشوية حذر منها علماء اهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، هؤلاء الحشوية أهل جهل مركب في باب العقيدة ينسبون إلى الله تعالى الحد والمكان والصور والاشكال والتغير والحدوث، ومذهب هؤلاء الجهلاء في باب العقيدة: تحديد الوجود الإلهي المطلق وتكييفه، مع انهم يقولون بلا كيف، ولكنهم يكيفون الوجود، ويحدونه بجهة واحدة من جهات الكون المخلوق، وعلى ذلك جعلوا المكان أكبر من ذات الرحمن، وهم يقولون في كل صلاة الله أكبر، وقالوا بسبب هذا التكييف الذي وقر في قلوبهم: أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وأنّ العالم المخلوق تحته، وانه موجود ( بذاته ) على عرشه، فكيفوا جناب الذات وحدوه بالمكان وحدوه بالعرش المحدود، مع أن الله عز وجل اسواؤه استواء ربوبية وتدبير وتسخير، استوى أمره ألا له الخلق والامر، وقولهم: ( استوى بذاته )  لم يأت به دليل من الشرع، وإنما هي من افرازات بدعة الحشو والتكييف التي ترسخت في أذهانهم، بل الآية { ثم استوى على العرش يدبر الامر }، فدل على انه استواء تدبير وربوبية لا استواء ذات، كما يقولون، وهؤلاء يعتقدون أنه تعالى متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يقابل العرش بظنهم، وأشنع بدعهم قولهم بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث، وذهلوا عن دليل الخليل إبراهيم عليه السلام { لا أحب الآفلين }، أي ان علة عدم الصلاحية للإلهية هي التغير وقبول الحوادث، ويقولون: بأنه  ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وانه يتحرك في المكان، ويعتقدون أنه يذهب ويجيئ بجناب ذاته، وديدنهم الحديث حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ويدندون حول وصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث والتغير وقبول الحوادث، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه، و ( المعضلة ) أن أكثر هؤلاء يتدثرون بلباس أهل السنة وهم منها عراء، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء، أهل الحشو أهل جهل مركب، يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بها على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، ولذلك فهم قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين، إنهم يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم دائما بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه على الحقيقة لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، فضح الله تعالى ما في قلوبهم من الزيغ والضلال بقوله تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ }، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع لهذه للمتشابهات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، هذا هو حال السلفية المعاصرة، الحشوية بالمصطلح القديم، وهم يتصدرون للحديث عن جناب الذات وهم يجهلون علم التقديس، مع أنه حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به، والذهول عنه يؤدي إلى قصور واضح في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اجتنابه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، كان هذا ما تيسر في بيان مقدمة مقدمات  العقيدة، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الثانية 

معاني الأحدية المطلقة لله تعالى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فهذه هي المقدمة الأولى من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة، وهي تتناول الأحدية المطلقة لله تعالى، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ): ثبت في الصحيحين أن قراءتها تعدل قراءة ثلث القرآن لذا وجب أن تكون من المحكمات وأن تشتمل على أعظم أصول الاعتقاد والتقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، واهم تلك الاصول أربعة: ( الأصل الأول ): وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض، فالاحدية المطلقة: تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، و (  الأصل الثاني ): وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه، له سبحانه تمام الغنى والحمد، والصمدية المطلقة تنفي التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والصمدية المطلقة تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس الصور والاشكل، لان الصمدية تعني نفي التركيب ونفي التركيب يعني نفي الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، و و ( الأصل الثالث ): وصف الله تعالى بالقدم أول بلا ابتداء  وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث  { لَمْ يَلِدْ }  لا ينفصل منه شيء، ولا يكون منه شيء حادث، { وَلَمْ يُولَدْ } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته التغير والحدوث، و (  الأصل الرابع ): نفي المثلية عن جناب الحق: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  تقدس أن يكون له مثيل او شبيه،

[ ] { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }: الاحدية تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، ( الأحدية ) لها معنى و ( الاحدية المطلقة ) لها معنى أوسع ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والانسان قدرته محدودة وهكذا السمع والبصر سمع الإنسان محدود وبصره محدود فلا يسمع ولا يبصر إلا ما تقوى أجهزته السمعية والبصرية على استيعابه أما سمع الله تعالى فهو مطلق يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع هذا هو السمع المطلق وكذلك له البصر المطلق الذي لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة وهو بكل شيء شهيد وهو كذلك له الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء والأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء، وكل ما ورد في الشرع مما يوحي بالصورة أو الجارحة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، ومثال ذلك ( الوجه ) فنحمله على جناب الذات أو رضا الرب، إذ العرب يقولون نريد وجهك ويقصدون ذاتك أو يقصدون رضاك، وقوله تعالى: { بلى من أسلم وجهه لله }، واسلام القلب اهم فالمراد ولا شك اسلام الذات كله لله، وعلى ذلك يحمل ( الوجه ) في قوله تعالى: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } [ القصص: 88 ]، وقوله تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن: 26 ‘ 27 ]، فلا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، والمعنى كل شيء هالك إلا جناب الحق أو ما أريد به رضا الحق،

[ ]  { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، { اللَّهُ الصَّمَدُ }: له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، و  (  الصمدية المطلقة ): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }: وصف الله تعالى بالقدم أول بلا ابتداء  وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث  { لَمْ يَلِدْ }  لا ينفصل منه شيء، ولا يكون منه شيء حادث، { وَلَمْ يُولَدْ } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  تقدس أن يكون له مثيل او شبيه، هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول، ( الأصل الأول ): وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام، منزه عن الأجزاء والابعاض، ولا كل ولا بعض، ولا يمين له ولا يسار، ولا فوق له ولا تحت، ولا أمام له ولا وراء، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء، و ( الأصل الثاني ): وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة ( الله الصمد )، ومعناها كمال الحياة والقيومية، وتمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، ( صمد ) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، لا يوصف بالصمدية المطلقة، و ( الأصل الثالث ) تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث ( لم يلد ولم يولد )، و ( الأصل الرابع ): تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد )، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن

[ ]  [ قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص ]: لقد استنبط العلماء من سورة الإخلاص حزمة من قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه  التي جعلتها تعدل ثلث القرآن ومن أهم هذه القواعد:

[ القاعدة الأولى ]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والحد ينافي الأحدية لأن الحد يعني النهاية في جهة من الجهات  وهذا يوجب الكثرة والانقسام  والأحد منزه عن الكثرة والانقسام  فلزم التنزيه عن الحد كما أنّ التناهي في جناب ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف الله تعالى به، والقاعدة تقول  كل ما يقبل الحد  فهو محدود  والمحدود متناهي الذات  وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لجناب ذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والغاية والنهاية

[ القاعدة الثانية  ]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان وذلك لان المكان محدود  والله منزه عن الحدود  والمكان محدث مخلوق  والله تعالى قديم، والكون في المكان ينافي الأحدية لأن الكائن في مكان يمينه غير شماله وأعلاه غير أسفله  وهذا يوجب الكثرة والانقسام  والأحد منزه عن الكثرة والانقسام  فلزم التنزيه عن  المكان  والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن  والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء  وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط   الله تعالى موجود بلا كيف لا يحتاج في وجوده إلى مكان  ليس كمثله شيء  له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان،

[ القاعدة الثالثة ]: تقديس الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، قال سبحانه  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ومعنى الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه، والأحدية تمنع من المماثلة لأنه لا يتصف بالأحدية المطلقة إلا الله

[ القاعدة الرابعة  ]: تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق  لان الجسم  هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء  وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره  قال تعالى  وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ   ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها  والجسم يمينه غير يساره وأعلاه غير أسفله، والجسمية تعارض الأحدية المطلقة  التي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام  منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأن ذلك كله من  صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام،

[ القاعدة الخامسة ]: تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا  لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، والتركيب يستحيل على الله تعالى لأنه احد صمد وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص  والمخصص هو الله تعالى المصور  وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه خالق الصور  والصورة تقتضي الكيفية  وهي عن جناب الذات منفية  لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة  وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط التي تدل على الخلق والحدوث،

[ القاعدة السادسة ]: تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، قال تعالى { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }، ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض  فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى: { اللَّهُ الصَّمَدُ }، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا،

[ القاعدة السابعة  ]: تنزيه الله تعالى عن الوالد والولد  تقدس سبحانه عن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، سبحانه أحد صمد  لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء  أحد لا نظير له  صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء  سبحانه  ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، فهذه بعض قواعد التقديس المستفادة من سورة الإخلاص، أما تفسيرها التفسير الوافي بما يلائم قواعد التتوحيد والتقديس فلا يكفيه المجلدات والأسفار، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم قراءتها تعدل قراءة ثلث القرآن، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الثالثة 

معاني نفي المثلية عن الله تعالى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فهذه هي المقدمة الثانية من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة، وهي تتناول معاني نفي المثلية عن الله، وشرح الآية { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه: لأنه لو أشبهه شيء من خلقه لكان مثله قديماً، ولا قديم أزلي إلا هو بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، ولو أشبه هو شيئاً من مخلوقاته لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال،

[ ]  ذات المخلوق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت، وهي إلى الفناء سائرة، قال تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن: 26، 27 ]، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي، ولا المخلوق للخالق الباري،

[ ]  أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس  هي قوله سبحانه: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، هذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه،

[ ]  { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان: 2 ]، فدلت الآية: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي جناب ذات الله تعالى في الذاتية،

[ ]  هذه الآية أقوى سوط على ظهور الحشوية، لأنها تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، وإلا زعموا اننا نعبد عدما، قال تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ }، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع للمتشابهات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، الحركة والسكون، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة، قال العلماء: قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ،

[ ]  قد يأتي بعض من يجهل مقدمات التقديس والتنزيه فيقول: إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }، ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا }، فما المانع أن يكون للمخلوق صورة وشكل وحد ينتهي إليه، وان يكون كذلك للخالق صورة وشكل وحد ينتهي إليه ولا يعلم ذلك كله إلا هو، والجواب عن تلك الشبهة من عدة أوجه، باختصار شديد

[ الوجه الاول ]: أن الله تعالى أحد والأحدية المطلقة تمنع من قبول الاجزاء والابعاض والحدود والنهايات، لان هذه كلها لا تكون إلا بقبول الأجزاء وتركيب الأجزاء والأحدية المطلقة تمنع من ذلك، (( الأحدية المطلقة )) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى، { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها عند المتخصصين أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من اخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام،

و [ الوجه الثاني ] أن الآية: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهيات الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، والله الله تعالى يقول: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، فدلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، وبالتالي فإن كل ما يوهم شكل جناب الذات فهو متشابه لابد من رده إلى محكمه، من قوله تعالى { ليس كمثله شيء }، وقوله تعالى: { قل هو الله احد }،

و [ الوجه الثالث ]: أن السمع والبصر والعلم صفات كمال ومدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه، وهي عند المخلوق محدودة مقدرة أما عند الله تعالى فهي صفات مطلقة لا حد لها ولا نهاية، وسع علمه جميع المعلومات فلا حد لعلمه وكذلك لا حد لسمعه وسع سمعه جميع المسموعات وكذلك لا حد لبصره وسع بصره جميع المبصرات، أما الحدود والصور والأشكال فهي صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق المقهور في ذاته بتلك الهيئات، ولا يوصف ربنا بصفات النقص والعجز وإنما بصفات الكمال،

و[ الوجه الرابع ]: قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } يتناول نفي المساواة المتعلقة بجناب الذات من جميع الوجوه، وصحة الاستثناء تقتضي دخول نفي كل أوجه الشبه بين جناب الحق في ذاته وبين خلقه، فلو كان يصح عليه الحركة او السكون لشابه مخلوقاته في ذلك، ولو كانت تصح عليه الحدود والأشكال والصور والالوان لشابه خلقه في ذلك ولما صح الاستثناء المطلق في الآية، فلو كان متحركا لحصل من يماثله في الحركة  فحينئذ يبطل معنى الآية ولا يصح الاستثناء، فدل ذلك كله على ان نفي المثليه في قوله تعالى { ليس كمثله شيء } يتعلق بجناب الذات،

إذن: من صفات الكمال الواجبة لله تعالى: صفة المخالفة للحوادث ): فليس جناب ذاته من جنس أي شيء نراه في الكون، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأجسام والأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات،

من أعظم الأدلة على نفي المثلية سورة الإخلاص، { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، ( الاحدية )  تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، (  الأحدية المطلقة ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، { اللَّهُ أَحَدٌ } معناه أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، { اللَّهُ الصَّمَدُ }: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، ولا يكون إلها، (  الصمدية المطلقة ): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، { لَمْ يَلِدْ }  لا ينفصل منه شيء  { وَلَمْ يُولَدْ } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال،

[ ]  كما ذكرت من أعظم الأدلة على نفي المثلية: قوله تعالى: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } دلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، وبالتالي تكون هذه الآية أقوى سوط على ظهور المشبهة والمجسمة والحشوية، لانهم إنما  يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد،

[ ]  اهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، ويجبروننا على أن نكون مثلهم اهل تكييف وتشبيه وتجسيم، وإلا اتهمونا بالإلحاد زعموا اننا نعبد عدما،

[ ]  أهل الجهل بتلك بمقدمات التقديس يكيفون الوجود الإلهي، أرض ثم سموات ثم الكرسي ثم العرش ثم الله بذاته فوق العرش، كيفوا الوجود الإلهي، ولنا ان نتساءل: من أين أتوا من الشرع بكلمة ذاته، هذا هو التكييف الذي وقر في زيغ قلوبهم ولذا قال الذهبي من أين اتوا يذاته، ولم يات بها الشرع، وإنما جاؤا بها من كيسهم أي من عند انفسهم، ولما لا يكون استواء ربوبية وتدبير كما قال تعالى { ثم استوى على العرش يدبر الأمر }، إذا قلت لهم فما معنى القرب في قوله تعالى { وهو أقرب اليه منكم } { ونحن اقرب إليه من حبل الوريد } قال قرب علم وسمع وبصر، وإذا قلت له ما معنى الاحاطة في قوله تعالى { وهو بكل شيء محيط } قال احاطة علم لقوله تعالى { أحاط بكل شيء علما } فكلمة علما هي المفتاح، فنقول له فما المانع كما ان القرب قرب صفات والاحاطة احاطة صفات ان يكون الاستواء استواء صفات الربوبية والتدبير لقوله تعالى { ثم استوى على العرش يدبر الامر }، القرب قرب صفات والاستواء استواء صفات لا يرضى لما وقر في قلبه من الزيغ، إنّ الكثير من المتصدرين للحديث  عن عقائد اهل الإسلام ليسوا مؤهلين للحديث عنها بسبب الجهل بهذه المقدمات،

[ ]  أهل الحشو اهل زيغ يتتبعون المتشابهات، قال تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ }، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع لهذه للمتشابهات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، قال العلماء: قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ { شيء } في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء، ومن أعظم الأدلة على نفي المثلية قوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ النحل: 60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين، وقوله تعالى: { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ النحل: 74 ]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [  مريم: 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام: 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وقوله تعالى: { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه: 110 ]، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، ولا له كفء ولا شبيه، وليس له مثال يقاس عليه، ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الرابعة 

معاني القدم الأزلي ونفي الحدوث عن الله تعالى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فهذه هي المقدمة الأولى من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة، وهي تتناول الأحدية المطلقة لله تعالى، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  القدم الأزلي ( قدم جناب الذات الإلهي ) ( أول بلا ابتداء )، ( القـدم ) هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى:{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء )) [ أخرجه مسلم ]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله )) [البخارى ومسلم ]، ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم،

[ ]  من الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: ((  أعوز بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم )) [ أخرجه أبو داود ح ( 466) ]، وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته وأسماءه وصفاته، و ( القِدمُ )  معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما،

[ ]  أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء،

[ ]  ( القديم الذاتي ) يمنع من الحد والبداية والنهاية، لان ما له حد فهو محدث لقبوله الحد، وما له بداية فهو محدث لقبوله البداية، وما له نهاية فهو محدث لقبوله النهاية، و ( القديم الذاتي ) يمنع من الصور والأشكال لان ما له صورة فهو محدث لقبوله التركيب لان الصور لا تنشأ إلا من التركيب، قال تعالى: { في أي صورة ما شاء ركبك }، و  ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً،

[ ]  وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام: 76]، قال المفسرون:قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام: 78، 79 ]، ومعناه  إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث،

[ ]  الأفول معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث،

[ ]  ( قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات ): القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن الحد والغاية والنهاية، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات، فعلمه لا حد له، ولا نهاية لمعلوماته، ولو كان لعلمه حد، لما اتصف بالكمال، لانّ ما له حد فإنه يقبل الزيادة والنقصان، فإن قبل الزيادة، فقد كان قبل الزيادة ناقصاً، وإن قبل النقصان فليس بالكمال، وهكذا القول في جميع الصفات، تابعة للذات،

[ ]  كما أنّ ذات الله تعالى له الكمال المطلق منزه عن الكف والمثيل، فكذلك الصفات تابعة للذات، ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، لا ندرك من معانيها إلا ما تحتمله عقولنا، وأنى للعقول المحدودة والأفهام المخلوقة أن تحيط علماً بالصفات المنزهة عن التناهي والحدود، ولهذا كانت القاعدة التنزيهية أنّ الله تعالى أجلّ من أن تدرك صفاته، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته، قال تعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [ الزمر: 66 ]، ومثال ذلك: أننا نصف الله تعالى بكمال العلم، وننزهه سبحانه عن الجهل، ولكن يستحيل على الإنسان مهما بلغ علمه أن يعرف كنه وحقيقة معنى ( علم الله ) إذ لا سبيل إلى إدراك كيفية علم الله تعالى القديم التام الكامل الذي لا أول له ولا آخر، والذي يحيط بكل شيء علماً في الماضي والحاضر والمستقبل إلى أبد الأبد حيث خلود أهل الجنّة وخلود أهل النار، بلا غاية ولا نهاية خلودا أبديا لا انقطاع له، وعلم الله تعالى محيط بكل ذلك، ولا يقبل الزيادة او النقصان، إذ لو قبل الزيادة لم يكن قبل الزيادة كاملاً بل كان به بعض الجهل بمقدار تلك الزيادة، ولو قبل النقصان لم يكن لينسب إلى عالم الغيب والشهادة الذي بكل شيء عليم،

[ ]  مثال ذلك أيضا: سمع الله تعالى قديم يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل لأنه لا يجري على سمعه زمان،

[ ] ومثال ذلك أيضا: بصر الله تعالى قديم: له قدم صفة البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة لا يجري على بصره زمان وهو بكل شيء شهيد وكمال السمع والبصر يستلزم أن لا يتجدد له سمع ولا بصر، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك والقدم الأزلي يمنع من ذلك، ولو تجدد له سمع او بصر لكان سمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما،

[ ]  من الأدلة على بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث، أنّ الحوادث هي ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، فلهذا يستحيل علي القديم الأزلي أن يكون محلاًّ للحوادث،

[ ]  كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها،

[ ]  القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم،

[ ]  من ذلك أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه متعلق بمشيئة الله وان الله سبحانه تكلم به متى شاء ولم يكن قديما من الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق  بأفعال الله ولا بإرادة الله،، وهم جعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم  محدثا مخلوقا، فانظر هداك الله الفرق بين المذهبين، مذهب التنزيه والفقه في دين الله، ومذهب التكييف والجهل في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [ آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ )

[ الخلاصة ] ( القـدم ) هو الأولية بلا ابتداء، و ( القِدمُ )  معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، الله تعالى له: ( القديم الذاتي ) لا يقبل الحدوث، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، والله تعالى هو الحي الباقي الذي لا يزول، ولا يقبل الفناء، و ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام: 76]، { قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }   أي المتغيرين من حال إلى حال، الذي يقبل التغير والحدوث لتغير حاله لا يصلح للإلهية، ومن قبل التغير، كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، الأفول معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة،

[ ]  اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، وقدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه سبحانك هذا بهتان عظيم، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الخامسة

 تقديس الله تعالى عن الحد والنهاية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فهذه هي المقدمة الرابعة من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة، وهي تتناول تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  الحد معناه التناهي، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه،

[ ]  الله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها،

[ ]  كل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته،

[ ]  من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الحد والنهاية والمقدار: قوله تعالى: { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد: 16 ]، فالله تعالى هو الواحد القهار، قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود، لأنّه مقهور عليها، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير، تنزه عن الحد والمقدار،

[ ]  كل مخلوق مهما كبر حجمه أو جل مقداره، إلا أنّه محدود متناهي مقدر بمقدار، مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، أما الله تعالى الواحد القهار فإنه لما  كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، فهو الواحد القهار لا يشوبه نقص، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار،

[ ]  بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بما هي عليه من قدر معين قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً }، وقال تعالى:{ جعل الله لكل شيء قدرا }، وقال تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر }، وقال تعالى: { قد جعل الله لكل شيء قدرا }، وقال تعالى: { وكل شيء عنده بمقدار }، ومعنى هذه الآيات  أن الله عز وجل خص كل مخلوق ( بحد ومقدار ) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما،

[ ]  الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث، وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته فلا حد لذات الله تعالى وتقدس ولا حد لصفات الله عز وجل .

[ ]  القاعدة تقول:كل ما يقبل الحد  فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق،

[ ]  كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (( الله أكبر )) ومعناها: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار،

[ ]  المخلوقات جميعها محدودة وإن اختلفت حدودها  فمنها ما هو ضخم بالغ الضخامة كالعرش ومنها ما هو ضئيل بالغ الضآلة كالبعوضة إلا أنها جميعا تشترك في صفة الحد  والمحدودية لأنها جميعا مخلوقة والمخلوق محدود الذات والصفات  والله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته فليس له فيها حد وإلا شابه المخلوق وليس كمثله شيء في صفاته فليس له فيها حد

[ ]  كل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص، وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص، لأنه الخالق، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده، قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء

[ ]  الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه والقاعدة عند الرياضيين أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان، والله تعالى له الكمال المطلق _ ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال _ فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته، كما تصور البعض بأذهانهم السقيمة أن العرش أكبر من ذات الله ويفضله بأربعة أصابع وهم يقولون عند كل صلاة ( الله أكبر ) فكيف جاز لهم أن يجعلوا ذات العرش اكبر من ذات الله سبحانه تعالى الله عما يصفون، ( تنبيه ): ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق،

[ ]  الحدود مخلوقة والله عز وجل هو خالق الحدود فلا تجري الحدود على ذاته، والنهايات علامات المخلوقات أنهاها الخالق بعلمه الذي ليس له حد {وسع كل شيء علما} وبقدرته التي ليس لها فيها حد {وكان الله على كل شيء مقتدرا }، لا انتهاء لقدرته ولا حد لعلمه فكذلك ذاته المقدسة تنزهت عن الحد والحصر والمقدار، لأن الحد نقص والحصر عجز والمقدار خلق و ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال) على كل نهاية ومقدار، حد الحدود وقدر المقادير على خلقه لا على ذاته سبحانه هو الواحد القهار .

[ ]  ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين، كمالات الذات لا تتناهى، فلا حد حسي ولا معنوي لذاته تنتهي إليه، ولا مقدار لها يحدد قدرها، لأنّ الحد مهما اتسع، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر، أو اعظم منه، لأنّ من أسمائه الحسنى: الكبير  المتعال، والعلي العظيم، ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود، فالله تعالى أكبر من كل تصور، وأعظم من أن نحيط به علما، { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه: 110 ]،

[ ]  جناب الذات لا يُدرك، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح، فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود، من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود، ولا كمثل ذاته ذات، ولا كمثل صفاته صفات، تنزهت ذاته وصفاته عن كل حد ومقدار، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام وجميع المخلوقات المحدودة المقدرة، فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس،

[ ]  لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات،

[ ]  قد يأتي بعض أهل الحشو: فيقول: إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا }، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو، والجواب: أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة للمخلوق المحدود الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال، وشتان بين الخالق والمخلوق وبين الغني عن الخلق والفقير إلى الله ( أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد )

[ ]  وليس المقصود من قولنا تنزيه الله عن الحد إثبات مقدار إلى ما لا نهاية فالله تعالى منزه عن الحد والمقدار وهذا التنزيه ضروري لتصفية القلب عن كل شوائب التكييف والتشبيه ويعلم أن الجنس البشري عاجز عن إدراك كنه ذات الله، والعجز عن درك الإدراك إدراك،

[ ]  الكون جميعه من العرش إلى الفرش مهما اتسع محدود، أما الخالق الذي له الكمال المطلق في ذاته المقدسة وأسمائه الحسنى وصفاته العلى فهو المنزه عن كل نهاية وحدود ( والله اكبر ) عن كل تصور محدود جل عن الإحاطة، إذ كيف يحيط المخلوق المحدود علما بالخالق المنزه عن الحدود ( ولا يحيطون به علما ) و ( ليس كمثله شيء ) و ( لم يكن له كفوا احد ) ف ( لا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .

[ ]  نسبة الغير محدود إلى المحدود هي نفسها نسبة الخالق إلى المخلوق ونسبة الإله الرب إلى العبد المربوب، ومنه نعلم بعض الحكمة من قولنا عند كل صلاة وقيام وركوع وسجود ( الله أكبر ) أي عن كل تصور وحدود وعن كل عجز وعيب ونقص وقصور

[ ]  الله تعالى منزه عن الحد والمقدار وكل ما يفيد الحصر والنهاية لأن ذلك سمة المخلوق الذي حده خالقه على كمية ومقدار معين، وعلى تنزيه الله تعالى عن الحد والمقدار إجماع أهل الأصول من هذه الأمة،

[ ]  الذي نقل عن بعض السلف بإثبات الحد فإنما يقصد بالحد الحاجز بين الخالق والمخلوق لا أكثر ( أي الحد الذي يمنع الاتحاد والحلول ) وإلا فلا يصح أبداً إثبات الحد لله بمعنى المقدار الذي تنتهي إليه ذاته سبحانه فإن ذات الله ليس لها نهاية، منزه سبحانه عن الحصر لأن الحصر والنهاية نقص يضاد الكمال الذي اتصف به ذات الله، فإن الحد في اللغة على معنيين: الأول: الحد بمعنى الحاجز بين الشيئين وهذا لو أضيف إلى الله فالمقصود به حد الإلهية الذي يفصل بين المعبود سبحانه والعباد أو المقصود به حد الربوبية الذي يفصل بين الرب والمربوب فلا اتحاد ولا حلول بينهما ولا مماسة ولا اتصال بينهما بحال فالحد بهذا المعنى صحيح، والثاني: الحد بمعنى الحصر والنهاية وحد الشيء منتهاه الذي ينتهي إليه ونهايته وهذا الحد هو صفة المخلوق التي يتنزه ويتقدس الخالق عنها [ انظر مختار الصحاح ج: 1 ص: 53 ]،

[ ] اتفق المسلمون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى { وهو رب العرش العظيم }  كما أنه رب العالمين جميعا، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه: { ِإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [ فاطر: 41 ]، هل يحتاج إلى شيء يحمله، أو شيء يحيط به ويحويه، مهما بلغ اتساعه وحجمه، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش، وهو الغني عنها، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها، سبحانك هذا بهتان عظيم

[ ]  تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود، تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات، تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه،

[ ]  يقول علماء الحساب والرياضيات أنه لا نسبة بين المحدود واللامحدود، ولا تصح المقارنة بين المحدود مهما كان كبيرا أو عظيما وبين اللامحدود، إذ نسبة المحدود مهما كان كبيرا إلى اللامحدود هي نفسها نسبة الصفر الذي لا يساوي شيئا إلى الذي لا يتناهى من الأشياء، ولله المثل الاعلى، إذ كيف تصح المقارنة بين الكون المخلوق المقدر المحدود – مهما بلغ اتساعه وهو عظيم كما قال تعالى: { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } –  وبين الخالق الواحد القهار المنزه عن الحد والمقدار،

[ ] من فوائد هذا التنزيه عن الحد والحصر والمقدار على المسلم أن يعظم الله تعالى بقلبه ويفهم العظمة والجلال في جميع الآيات التي تدل على هيمنة الله تعالى على أرجاء الكون كقوله تعالى { الرحمن على العرش استوى }، مع قوله تعالى { فإني قريب }، مع قوله تعالى { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }، مع قوله تعالى { والله بكل شيء محيط }، وقوله تعالى { وكان الله بكل شيء محيطا }، لأننا نعبد المنزه عن الحد والحصر والمقدار، فلا نقول كما قالت الحلولية والجهمية: إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا نقول كما قالت الحشوية الجهوية: إن الله في مكان دون مكان ألا وهو العرش العظيم، بل نقول إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان وأنه هو رب العرش العظيم، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته، بل نقول تعالى الله عن الحدود والغايات، ليس كمثله شيء، لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية أكبر من كل تصور، قال الطحاوي: تعالى الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة السادسة

 تقديس الله تعالى عن المكان والزمان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فهذه هي المقدمة الخامسة من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة، وهي تتناول معاني التقديس لله تعالى عن أن يحيط به المكان، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  المكان دائما أكبر من المتكون فيه، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والمكان اعلاه الظاهر وأدناه الباطن، وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان، والكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، ولهذا جل الإله الواحد القهار الأحد الصمد الحي القيوم عن الكون في المكان،

[ ]  المكان دائما أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء وهو اكبر من المكان، فلا يصح أن يحويه مكان،

[ ]  المكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله منزه عن الحد والحيز،

[ ]  المكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط،

[ ]  المكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن  والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء  وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان،

[ ]  الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و ( الاحدية المطلقة ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام،

[ ] كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى  في مكان

[ ]  عند تدبر قوله تعالى: { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد: 16 ]، و عند تدبر قوله صلى الله عليه وسلم: (( كان الله ولم يكن شيء غيره ))  [ البخاري ( 3020 ) ]، نعلم يقينا انه لا قديم أزلي مع الله، وكل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور، والمكان والزمان، كل ذلك من خلق الله تعالى،

[ ]  { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ }، الله تعالى هو الواحد القهار، هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان، وهو القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً، وعليه حاكما، وهو سبحانه القاهر على الزمان، فلا يجري عليه زمان، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا، وعليه حاكما، ولكنه سبحانه الواحد القهار، فلا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان،

[ ]  عند تدبر قول الله تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد: 3 }، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم]، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود جناب ذاته سبحانه، كمال منزه عن التقيد بالزمان، وكمال منزه عن التقيد بالمكان، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود، هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، فوجوده قبل الزمان، إذ هو خالق الزمان، أزلي أبدي فلا يجري عليه زمان، وله كمال الوجود المطلق المنزه من المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، له تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان،

[ ]  المكان محدود  والله منزه عن الحدود  والمكان محدث مخلوق  والله تعالى قديم، والكون في المكان ينافي الأحدية لأن الكائن في مكان يمينه غير شماله وأعلاه غير أسفله  وهذا يوجب الكثرة والانقسام  والأحد منزه عن الكثرة والانقسام  فلزم التنزيه عن  المكان  والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن  والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء  وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط   الله تعالى موجود بلا كيف لا يحتاج في وجوده إلى مكان  ليس كمثله شيء  له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان،

[ ]  قوله تعالى { قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله } مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى: { وله ما سكن في الليل والنهار } يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان .

[ ]  من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط، وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط، سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،

[ ]  جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة، والله تعالى خالق مقدِر، تنزه سبحانه عن الحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص،

[ ]  كل ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود،

[ ]  حاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ

[ ]  عدم تقديس الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء

[ ]  عدم تقديس الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد

[ ]  عدم تقديس الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، والله تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان،

[ ]  قوله تعالى ( قل هو الله أحد ) تقديس عن المكان، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض، ( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان،

[ ]  (  الأحدية )  معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء، ومن كان كذلك كان منزها عن المكان، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام والحد والمقدار والكون في المكان،

[ ] قوله تعالى ( الله الصمد  ) تقديس عن المكان، لان الصمدية المطلقة تعني كمال الغنى والحمد، والكائن في المكان محتاج إليه في وجوده، لأنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالمكان لكان مفتقراً في الوجود إليه، فلا يكون صمداً على الإطلاق

[ ] قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق

[ ] قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق .

[ ] قوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره.

[ ] أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود، فهو واجب الوجود، ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود،

[ ] وأخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً: عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا - بفهم سقيم بعيد عن التقديس  - هل هو  ( سبحانه ) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون

[ ] هؤلاء يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار، ويصرحون بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث، ولا يعلمون أن من قبل الحوادث فهو حادث، ولا يعلمون أن من قبل الحوادث لا يكون قديما، ولا يعلمون أن من قبل الحوادث لا يكون احدا لان الاحدية تمنع من قبول الاجزاء، ولا يعلمون أن الكمال المطلق صفته سبحانه، والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمعه وبصره وهو بكل شيء شهيد، أما هؤلاء يجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان، ولو نظروا إلى الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، لما كانوا على هذا التجسيم، قال في حق الكوكب: { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ }،، ثم قال في حق الشمس: { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام: { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام: 78، 79 ]، فإن الذي يقبل الحوادث حادث، والله تعالى أول بلا ابتداء، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء، تنزه عن قبول الحوادث، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و كل ما يقوله أهل البدعة والضلالة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، هؤلاء لو تواضعوا للعلم ودرسوا  مقدمات ( علم العقيدة ) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين،

[ ]  وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم )،

[ ]  تنزيه الخالق سبحانه عن المكان ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود، والإحاطة في قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، ولا نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه،

[ ] علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في علم العقيدة متفقون على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان، فلا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان، ومن أقوالهم في ذلك، ( 1 ) قول الإمام الطحاوي: ( تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)  أهــ   [ متن العقيدة الطحاوية ]، ( 2 ) وقال الإمام عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني: (  وأجمعوا- أي أهل السنة- على أنه -  أي الله تعالى - لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان  ) أهـ [ الفرق بين الفرق صـ 333 ]، ( 4 ) وقال الشهرستاني: ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شىء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ سورة الشورى: 11 ]، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ) أهــ [ الملل والنحل للشهرستاني ]، ( 5 ) وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: ( انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ) أهــ [ تفسير الرازي 29:216 ]، ( 6 ) وقال الباقلاني المالكي: ( ولا نقول إن العرش له مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان )  اهـ.[ الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص: 65).]، ( 7 ) وقال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: (( من اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ) أهـ [ العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 34 - 36 ]

[ ]  كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالكون في المكان متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، أو نرد المتشابه إلى محكمه كما هو فعل الراسخين في العلم، فنحمله على المكانة، وليس المكان، ومثاله: حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، فلا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات الصحيحة، ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة التي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم،

[ ] واجمع علماء الاصول من المسلمين على تقديس الله تعالى عن الزمان، الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء، ومن جملة خلقه المكان والزمان، تنزه سبحانه أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان

[ ] من الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون،

[ ]  تلازم الاسمين ( الأول الآخر ): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان،

[ ] قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له تمهل فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير، والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء

[ ] الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري

[ ]  الله تعالى له ( الوجود المطلق ) الذي لا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد: 3 ]، أزلي لا ابتداء لوجوده، وأبدي لا انتهاء لوجوده، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، لا يجري عليه زمان، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، وأجراه، ولو شاء أوقفه وأفناه، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، سبحانه، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق، فكل المخلوقات لا فكاك لها عن الزمان، لابد وأن يجري عليها زمان، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا، كيف وهو الخالق للزمان ولقوانين الزمان، وهو القاهر للزمان ولقوانين الزمان، سبحانه هو القائل: { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد: 16 ]، سبحانه كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، كان هذا ما تيسر في بيان القاعدة الخامسة تقديس الله عن المكان والزمان، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة السابعة

 تقديس الله تعالى عن الجسمية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فهذه هي المقدمة السادسة من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة، وهي تتناول معاني التقديس لله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية، أقول وبالله التوفيق:

 [ ]  ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم }،

[ ]  الجسمية تناقض الأحدية، الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ]، الله تعالى [ أحد ] لا جزء له، و ( الأحدية المطلقة )، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض، والله تعالى: [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة،

[ ]  من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه،

[ ]  الجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة،

[ ]  الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام،

[ ]  الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها،

[ ]  ( الجسمية ) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها: الحد والمقدار، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص، ومنها التحيز والكون في المكان، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله، والله تعالى لا يحيط به شيء، ألا إنه بكل شيء محيط .

[ ]  الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث .

[ ] الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة،

[ ] الجسم مادة، وذات الله تعالى لا تسري عليه قوانين المادة، لأنّ المادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه

[ ] الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى}  [سورة النحل:60]  قال المفسرون  أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية، وقوله تعالى { فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } [سورة البقرة: 22]، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل،

[ ] قوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } من أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجسمية فقوله تعالى ( أحد) يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله { أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله { أحد } منافي للجسمية، لان سمة الجسم الانقسام، وقوله تعالى { الله الصمد }، الصمدية تنافي الجسمية لأن كل جسم مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها،

[ ]  قوله تعالى { ولم يكن له كفواً أحد } فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة فلو كان تعالى جسما لكان مثلاُ لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية،

[ ]  من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { والله الغنى وأنتم الفقراء }دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه،

[ ]  وقوله تعالى { لا إله إلا هو الحى القيوم ؤ والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه، وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق، وقوله تعالى { القدوس السلام } والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه القدوس سبحانه، ( الجسمية ) ضد الكمال الذي يتصف به ذات القدوس، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه،

[ ]  السلام عز وجل هو الذي سلم من جميع النقائص والعيوب والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه السلام سبحانه،والسلام عز وجل هو الذي سلم ذاته عن المثل والسمي والشبيه، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والسلام  هو الذي سلم ذاته عن أن يكون له مثيل أو شبيه،

[ ]  من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مقدَراً متناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى عما يشركون، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: قوله تعالى { هو الأول والأخر والظاهر والباطن }، ( هو الأول والأخر ) فهو يقتضى أن يكون منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون الجسم أولا أبدا، (والظاهر والباطن ) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: قوله تعالى: { ولا يحيطون به علماً }، وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان العلم محيطاً به، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار }  وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان الإدراك بالأبصار محيطاً به حتى لو كان جسما كبيرا، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب } ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده، وقوله تعالى  { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [سورة ق: 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول،

[ ]  الخلاصة: ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم }، والجسمية تناقض الأحدية، ( الأحدية )، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض، والجسمية تناقض الصمدية والله تعالى: [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة،

[ ]  من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه،

[ ]  الجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث، و ( الجسمية )تعني الاحتياج لأن الجسم يتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، و ( الجسمية )تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، و ( الجسمية )دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها، ( الجسمية ) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها: الحد والمقدار، لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص، ومنها التحيز والكون في المكان، لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله، والله تعالى لا يحيط به شيء، ألا إنه بكل شيء محيط، و ( الجسمية )تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه، و ( الجسمية )تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، و ( الجسمية )تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الثامنة 

تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فهذه مقدمة مهمة من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة، وهي تتناول معاني التقديس لله تعالى عن الصور والأشكال،أقول وبالله التوفيق:

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات، لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار: 8 ]، والتركيب يستحيل على الله تعالى ,

[ ]  صاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة،

[ ]  الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة،

[ ]  كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب،

[ ]  جناب الذات الإلهي سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )

[ ]  من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال وعن الجوارح والاجزاء والابعاض، قوله تعالى: { قل هو الله أحد }، ( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان له صورة أو جارحة، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء 

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء،

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات، لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، والتركيب يستحيل على الله الأحد الصمد،

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   ( لفظ الأحد ) مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض  فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى: { اللَّهُ الصَّمَدُ }، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا،

[ ]  قوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح،

[ ]  قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه

[ ]  كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب،

[ ]  كل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار: 8 ]، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )،

[ ]  حل اشكالية الصورة في حديث: ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث ]: ( المفتاح الأول ): قوله صلى الله عليه وسلم: ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم، و ( المفتاح الثاني ): قوله صلى الله عليه وسلم: ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول الحافظين: ابن حجر وابن خزيمة، و ( المفتاح الثالث ): لفظ ((  لا تقبحوا الوجه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )) مع ضعفه البين [[ رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال، ولذلك ذكرها الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ح ( 1176 )، وأعلها بأربعة علل جعلتها لا تصلح للاستدلال، فإن له - إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه - مخرجاً صحيحا يُحمل عليه، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص: 71، 72 ]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من روحه المخلوقة، فليست الصورة صورة الرحمن، ولا الروح روح الرب الديان، فقوله صلى الله عليه وسلم: ((خلق آدم على صورته)) يعني: صورة من الصور التي خلقها الله وصورها، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ } [الأعراف: 11 ]   فآدم على صورة الله، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، كما قال تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين: 4 ]، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج الصحيح هو قول الحافظ ابن خزيمة، و ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ): وهو حمل المتشابه على المحكم، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران: 7، 8 ]، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وطريقة أهل السنة في ذلك  رد المتشابه إلى أمه وأصله،

[ ]  المحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )، كما أنّ ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، ولأنّ الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة،

[ ]  من الآيات المحكمة التي هي أم الكتاب وأصله، والتي يُرد إليها المتشابه قوله تعالى: { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فإذا كانت المخلوقات جميعا لها صور وأشكال وهي علامة خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عنها لأنّه ليس كمثله شيء، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه فلا يشبه ابن آدم، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق،

[ ]  حل اشكالية الصورة في حديث القيامة الطويل في صحيح البخاري في جمع الله الناس إلى قوله: (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله: (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث، والملاحظ أنهم لا يعرفون صورة مسبقة، و  الأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان، ويؤيد ذلك، قوله تعالى: { يوم يكشف عن ساق }  فيكشف عن شدة وبطش، ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له، إلا المنافقون، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون، فالقرآن يصدق بعضه بعض، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، كان هذا ما تيسر في بيان تلك المقدمة: معاني التقديس لله تعالى عن الصور والأشكال، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة التاسعة

 تقديس الله تعالى عن الجوارح والأجزاء

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فهذه هي المقدمة الأولى من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة، وهي تتناول: معاني التقديس لله تعالى عن الأجزاء والأبعاض، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث، فليس بمركب

[ ]  أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1)، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال

[ ]  من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال وعن الجوارح والاجزاء والابعاض، قوله تعالى: { قل هو الله أحد }، ( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان له صورة أو جارحة، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء 

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء،

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات، لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، والتركيب يستحيل على الله الأحد الصمد،

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   ( لفظ الأحد ) مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض  فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى: { اللَّهُ الصَّمَدُ }، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا،

[ ]  ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج،

[ ]  قوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وقوله تعالى ( لا إله إلا هو الحي القيوم ) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء  لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً، وقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح

[ ]  يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم، والإشكالية أن هذه الألفاظ تعني أجزاء من ذات وهذا استعمالها في اللغة أنها اجزاء من ذات وليست صفات، فالعلم والقدرة والسمع والبصر صفات ومعاني، أما الوجه واليد والعين فهي في حقيقة اللغة أجزاء من ذات والله تعالى هو الاحد الصمد المتصف بالأحدية  المطلقة، وأخص خصائص الاحدية عدم قبول الكثرة والاجزاء والابعاض، ولهذا صارت ألفاظ الوجه واليد والعين من المتشابهات لابد من فهم مجازاتها في اللغة العربية، وفي القرآن الكريم، لأنه أُنزل بلسان عربي مبين، وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال،

[ مجاز الوجه في القرآن الكريم ]: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها:

[ ]  قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران: 72]، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين،

[ ]  قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة: 108]، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه،

[ ]  قوله تعالى: { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف: 9]، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم،

[ ]  قوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج: 11]، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة،

[ ]  قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة: 112]‏، فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله،

[ ]  لذلك تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة،

[ ]  المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها،

[ ]  قوله تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها 

[ ]  قوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ }، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟،

[ ]  قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏، هل للرحمة يدين ؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه،

[ ]  قوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }، هل للعذاب يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب،

[ ]  قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً }، هل للنجوى يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم،

[ ]  قوله تعالى: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ }، وقوله تعالى: { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ }، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل،

[ ]  قوله تعالى: { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }، وقوله تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }، وقوله تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏، هذه الآيات الكريمات توضح أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )،

[ ]  قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين،

[ ]  قوله تعالى: { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر، فهذا لا يقوله عاقل، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى،

[ ]  قوله تعالى: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين،

[ ]  قوله تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت: ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا،

[ ]  قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح: 10 ]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله،

[ ]  قوله تعالى: { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد )، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه، فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة { ثم قال له كن فيكون }، وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه

[ ]  بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها، وهذا الوجه مقبول ضمناً، ولكن استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم }، وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل،

[ ]  وكذلك ( العين ) تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين، والأحدية تمنع من قبول الأجزاء والابعاض، لذا وجب رد المتشابه إلى أمهاته من المحكم، فتفهم على معاني الحفظ والحراسة والرعاية،

[ ]  تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني }، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته،

[ ]  كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد،

[ ]  كان هذا ما تيسر في بيان المقدمة التاسعة: معاني التقديس لله تعالى عن الأجزاء والأبعاض، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

 

***


المحاضرة العاشرة 

تقديس لله تعالى عن قبول الحوادث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة تقديس الله تعالى عن قبول الحوادث، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  دين الله عز وجل احب إلينا من الأشخاص وليس من معصوم في الأمة سوى النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرب الناس صوابا هم المتخصصون كل في علمه، وقد اجمع اهل العلم بالأصول على ان الله تعالى له القدم الذاتي الازلي ( الاول بلا ابتداء ) فيمتنع عليه قبول الحوادث، له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، هذا اجماع اهل الأصول، ولكن جاء ابن تيمية فعارض هذا الاجماع بشبهات لها حلولها عند أهل التخصص، ولما لم يكن متخصصا وتكلم فيما لا يحسن اخطأ، ومن أقبح أخطائه: قوله بقيام الحوادث بذات الله تعالى، قال في المنهاج: "  فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض ) أهــ  [  أنظر المنهاج  ( 1: 210 )  ]، وقال في المنهاج: ( فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحرادث بالرب، قلنا لكم: نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع العقل ) أهــ [  أنظر الكتاب  ( 1: 224 ) ]، وله در ابن السبكي حيث قال في الدرة المضية في الرد على ابن تيمية: أن ابن تيمية  نص على قيام الحوادث بجناب ذات الله، ولم يوافق في قوله هذا أحدًا إلا المجسمة، ( يقول ): ومن العجب أن يقول هذا معرضا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام من احتجاجه بقيام دلائل الحوادث بالقمر والكوكب والشمس وهو التحول من حال إلى حال، وان ذلك دليل على عدم ألوهيتها،

[ ]  لقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر، و ( الكرامية ) خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، تعالى عن قولهم، ويقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أوجد في ذاته كافًا ونونًا ( كن ) وإرادة حادثة، وعن ذلك تصدر سائر المخلوقات المباينة لذاته، ويقولون تعالى الله عن قولهم: أنّ الحوادث تحدث في جناب ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وليس لابن تيمية سلف إلا الكرامية ونحوهم، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح، بل سلفه في هذه المسألة ( الكرامية المجسمة )، فإن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلاً للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل منها كان محدثًا مثلها، ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام: ( لاَ أُحِبُّ الآَفِلينَ )، أي لا يصلح المتغير أن يكون إلها، فيكون بهذا القول خارجا عن  معتقد أهل السنة والجماعة، أهل الحق، إلى قول الكرامية المجسمة، وحجج ابن تيمية في تبنيه لهذه البدعة: أن العلم بالشيء يتجدد عند الله، فمثلا يزعم ان علم الله بعمل العبد يتجدد عندما يقوم العبد بهذا العمل، وان السمع والبصر يتجددان كذلك وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وكلها شبه زائفة أساسها الأول: ذهوله عن حجة الخليل وإبراهيم عليه السلام في سورة الأنعام، وأساسها الثاني قياس الله على البشر وهو ممتنع لأن الله ليس كمثله شيء متصف بالقدم الأزلي في جناب ذاته وصفاته، والانسان مخلوق محدث، فما تعلق بالقديم الأزلي قديم أزلي وما تعلق بالمخلوق المحدث مخلوق محدث،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) ( أول بلا ابتداء )، هذه الاولية التي لا ابتداء لها ولا انتهاء هي ( القـدم الأزلي ) قال تعالى: { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ]، وقال صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء )) [ أخرجه مسلم ]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله )) [البخاري ومسلم ]، ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم،

[ ]  الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً،

[ ]  تنزيه الله تعالى عن ( الافول ) أي عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ }،، ثم قال في حق الشمس: { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام: { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام: 78، 79 ]،

[ ]  الذي يقبل الحوادث حادث، والله تعالى أول بلا ابتداء، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء، تنزه عن قبول الحوادث، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي الكمال المطلق لله في جناب ذاته وصفاته،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، و

[ ]  كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات،

[ ]  كل ما يقوله أهل الجهل والبدعة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها،

[ ] القول بقبول جناب الذات الإلهي ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون،

[ ] القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم،

[ ]  جناب ذات الله تعالى القديم الأزلي الباقي الأبدي لا يقبل الحدوث أو التغير والأفول أو قبول المحدثات، لأنه في علم الأصول: القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات،

[ ]  الله عز وجل هو الأول فليس قبله شيء، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث وحلول الحوادث نقص يتنزه عنه كمال الذات،

[ ]  قوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ومنها أنه يستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق، وقوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل:60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث، وقوله تعالى: { فلا تضربوا للهِ الأمثال }  [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ، ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق، وقوله تعالى: { هل تعلمُ لهُ سميًّا }  [سورة مريم: 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث،

[ ] أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وقد نقل الإجماع في ذلك، الإمام النووي، والغزالي، والرازي، ومن السادة الحنابلة الإمام ابن الجوزي والامام عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: " فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر ) أهـ [ العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 34 - 36 ]، وكل متون العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وتذكر أن: القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، وانه لو قبل الحدوث لم يكن قديما، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، وتذكر أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، وتذكر أن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي الكمال المطلق لله في جناب ذاته وصفاته، لان الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له زيادة أو نقصًا، و الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان،، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات،

[ ]  المدرسة السلفية المعاصرة للأسف تسير على كلام ابن تيمية وكانه معصوم، وهذا أضر بهم ضررا بالغا، وهم يتبعونه في أخطائه كما يتبعونه في صوابه، أخطا عندما  قال في المنهاج: "  فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض ) أهــ  [  أنظر المنهاج  ( 1: 210 )  ]، وقال في المنهاج: ( فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحرادث بالرب، قلنا لكم: نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع العقل ) أهــ [  أنظر الكتاب  ( 1: 224 ) ]، ومن العجب أن يقول هذا ذاهلا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام من احتجاجه بقيام دلائل الحوادث بالقمر والكوكب والشمس وهو التحول من حال إلى حال، وان ذلك دليل على عدم ألوهيتها، لقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر، و ( الكرامية ) خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، تعالى عن قولهم، ويقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أوجد في ذاته إرادة حادثة، وعن ذلك تصدر سائر المخلوقات المباينة لذاته، ويقولون – كما يقول ابن تيمية - تعالى الله عن قولهم: أنّ الحوادث تحدث في جناب ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح، بل سلفه في هذه المسألة ( الكرامية المجسمة )، فإن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلاً للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل منها كان محدثًا مثلها، ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام: ( لاَ أُحِبُّ الآَفِلينَ )، أي لا يصلح المتغير أن يكون إلها، فيكون بهذا القول خارجا عن  معتقد أهل السنة والجماعة، أهل الحق، إلى قول الكرامية المجسمة،

[ ]  حجج ابن تيمية في تبنيه لهذه البدعة: أن العلم بالشيء يتجدد عند الله، فمثلا يزعم ان علم الله بعمل العبد يتجدد عندما يقوم العبد بهذا العمل، وان السمع والبصر يتجددان كذلك وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وكلها شبه زائفة والرد عليها يسير،

[ ]  أما شبهة العلم والسمع والبصر: فإن الله تعالى له سبحانه الكمال المطلق، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، وكما أنّ جناب ذات الله تعالى له الكمال المطلق، فكذلك الصفات تابعة للذات، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير، له كمال العلم، بلا غاية ولا نهاية، علم الله تعالى محيط بكل ذلك، ولا يقبل الزيادة او النقصان، إذ لو قبل الزيادة لم يكن قبل الزيادة كاملاً بل كان به بعض الجهل بمقدار تلك الزيادة، ولو قبل النقصان لم يكن لينسب إلى عالم الغيب والشهادة الذي بكل شيء عليم، وله كمال السمع يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة لا يجري على بصره زمان وهو بكل شيء شهيد، لا يتجدد له سبحانه لا علم ولا سمع ولا بصر، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما،

[ ]  أما شبهة الإرادة، فإن  الإرادة عند الإنسان حادثة، لان الإنسان كله حادث مخلوق، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم،

[ ]  أما شبهة الكلام، فالمشكلة أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه متعلق بمشيئة الله وان الله سبحانه تكلم به متى شاء ولم يكن قديما من الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق  بالإرادة، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق،

[ ] أهل الحشو جعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم  محدثا مخلوقا، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [ آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ )

[ ]  مشكلة اهل الحشو أنهم دائما يقيسون الغائب على الحاضر مع انه ممتنع في حق الله تعالى لانه ليس كمثله شيء فلا يصح القياس، ومشكلة اخرى انهم لا يفهمون معنى ( القـدم الأزلي ) الأولية بلا ابتداء، ( القديم الذاتي ) لا يقبل الحدوث، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، والله تعالى هو الحي الباقي الذي لا يزول، ولا يقبل الفناء، و ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن التغير والحدوث، والمتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام: 76]، الذي يقبل التغير والحدوث لتغير حاله لا يصلح للإلهية، وقد أجمع العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق،

[ ]  قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، وقدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه سبحانك هذا بهتان عظيم، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الحادية عشرة  

معاني الوجود المطلق لله عز وجل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة معاني الوجود المطلق لله تعالى، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان، تحكمه قوانين المكان، من الكون في المكان والتحيز في جهة من جهات المكان، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه، هذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل، هذا الوجود المقيد هو صفة المخلوق مهما كبر أو صغر من الفرش إلى العرش ومن الأرض إلى السماوات كل الخلائق محكومة بهذا الوجود الزماني والمكاني مقهورة به لا انفكاك لها عنه، لا تخرج عن قوانين المكان فهي إن كانت في مكان فهي تخضع لقرب وبعد المسافات، قريبة من مكان وبعيدة عن الآخر، ويجري عليها الزمان قهرا، لا يمكنها التصرف في الزمان فلا توقف الحاضر ولا تعيد المستقبل، أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود المطلق الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، فالله تعالى له الوجود المطلق،

[ ]  ( الوجود المطلق ) لا يتقيد بالمكان، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، و ( الوجود المطلق ) لا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد: 3 ]،

[ ]  عند تدبر قوله تعالى { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد: 3 ]، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء ))  [ أخرجه مسلم ]، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمال الوجود المطلق الذي لا يتقيد بالزمان، وكمال الوجود المطلق الذي لا يتقيد بالمكان،

[ ]  ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود، هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، فوجوده قبل الزمان، إذ هو خالق الزمان، أزلي أبدي فلا يجري عليه زمان، له كمال الوجود المطلق المنزه من المكان، المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، وهو خالق المكان، فكيف يحويه المكان، المكان يحيط بمن فيه، والله بكل شيء محيط، وله كمال الوجود المطلق المنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كان قبل أن يخلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان

[ ]  الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي: معناه الأولية بلا ابتداء والأخروية بلا انتهاء، لا قبل له ولا بعد، والظهور المطلق الذي ليس فوقه شيء، ولا يغيب عن شيء، والقرب المطلق الذي ليس دونه شيء، { وهو معكم أينما كنتم }، أقرب إلي كل شيء من ذاته { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }، { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }، أقرب إلينا من أنفسنا وذواتنا، والوجود المطلق لجناب الذات الإلهي: معناه الإحاطة المطلقة بكل شيء { وهو بكل شيء محيط }، والشهود المطلق، { وهو على كل شيء شهيد }، فلا يغيب عن شيء، ولا يغيب عنه شيء، حاضر عند كل شيء، ولا يخرج عن احاطته شيء،

[ ]  الموجودات ثلاثة أقسام: واجب الوجود الذي لولاه لما وجد الوجود، وهو الله تعالى، وجوده أزلي أبدي سرمدي دائم، وهو وجود مطلق لا يحويه مكان لان المكان مخلوق محدود، والله مطلق منزه عن الحدود، ولا يتقيد بزمان، لأن الزمان متغير محدث، والخالق منزه عن الحدوث، هذا القسم الأول، والقسم الثاني: جائز الوجود وهو وجود خلق الله، والقسم الثالث مستحيل الوجود، وهو الشريك لله، وقيل – أيضاً -: الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ: القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله عز وجل، والقسمُ الثاني: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء التام، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا، لان القديم الأزلي لا يقبل الفناء،

[ ]  الخلائق عاجزة عن معرفة كنه الوجود الإلهي، لأنها مخلوقة محدودة محدثة، والمخلوق لا يدرك الخالق، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود، والمحدث لا يدرك كنه القديم، و ( نحن ) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق جسد الإنسان، إلا بآثار تلك الروح، كما قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء: 85 ]، و ( العقل ) لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها، والله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود، تعالى على الحدود والبدايات والنهايات، والغايات، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير،

[ ]  ( الوجود المطلق أزلي أبدي لا يغيب عن شيء وهو محيط بكل شيء وقريب من كل شيء، الله تعالى هو الأول بلا ابتداء له الازلية، وهو الآخر بلا انتهاء له الأبدية، وليس ذلك إلا لجناب الحق، وجوده وجود ذاتي واجب مطلق لا يقبل الحدوث ولا الفناء، لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء،

[ ]  ( الله تعالى ) واجب الوجود، وجوده ذاتي،، لولاه لما وجد أي موجود، أما وجود المخلوقات فهو جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود، وجودنا ممكن يسبقه عدم ويعقبه فناء وهو متعلق بإرادة الله يخلق ويعدم ويحي ويميت ويوجد ويفني أما وجوده سبحانه فهو وجود ذاتي واجب مطلق لا يقبل الحدوث ولا الفناء، هو الأول بلا ابتداء، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء، وليس بعده شيء، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، على العرش استوى، وهو قريب من كل شيء، ومحيط بكل شيء، وقاهر لكل شيء، له الوجود الأزلي الابدي المطلق، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد،

[ ]  الله تعالى له الوجود الأزلي والابدي، الوجود الأزلي معناه: ( الأولية بلا ابتداء )، والله تبارك وتعالى لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، والوجود الأبدي: معناه: أنّ الله تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد، قال تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ } [ الرحمن: 25 ]، ( وجود الله تعالى وتقدس ) ذاتي لا يجوز عليه العدم أو الفناء، ولا يجوز عليه أن يغيب عن شيء ولا ان يغيب عنه شيء،

[ ]  كل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وأن يجري عليه زمان، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس مخلوق إلا ويجري عليه زمان، كل مخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما، أما الله عز وجل فهو الواحد القهار، لا يقهره شيء، هو الخالق لكل شيء، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان، هو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان،

[ ]  ( الوجود المطلق ) لا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء، أزلي لا ابتداء لوجوده، وأبدي لا انتهاء لوجوده، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، لا يجري عليه زمان، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، وأجراه، ولو شاء أوقفه وأفناه، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، سبحانه، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق، فكل المخلوقات لا فكاك لها عن الزمان، لابد وأن يجري عليها زمان، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان، سبحانه كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان،

[ ]  الوجود المطلق لله يعني ( الوحدانية ) واحد لا شريكَ لَه، ولا ند له، والوجود المطلق لله يعني ( الحياة المطلقة )، له سبحانه كمال الحياة، هو الحي الذي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، الوجود المطلق لله يعني ( القيومية )، الله تعالى قيوم  مستغن عن كل ما سواه فلا يحتاج إلى أَحَد من خَلقه، وكلُّ شيء سوى الله مَحتاج إلى الله لا يَستغني عن الله طرفَة عَين، قالَ تعالى: { فَإِنَّ اللهَ غَنِي عَنِ العَالَمِيَن } [ سورة آل عمران آية 98 ]، وقال تعالى: {والله الغنيُّ وأنتم الفقراء } [سورة محمد]،سبحانه هو الغنيُ الغنى المطلق، والحي القيوم، فلا يحتاج إلى أحد والكل محتاج إليه، فقير إلى فضله وغناه، ومن كمال غناه وقيوميته  غناه تعالى عن المكان، يستحيل أن يحتاج إلى مكان يؤويه أو زمان يحويه  أو عرش يحمله، كان الله ولا شيء غيره أو قبله أو معه، فهو الواحد القهار،

[ ]  الوجود المطلق لله يعني ( كمال العلم ) يعلم بعلمه الأزلي كلَّ شيء، يَعلَم ما كانَ وما يكون وما لا يكون، كل المعلومات من الازل حيث لا بداية وإلى  أبد الابد حيث لا نهاية منكشفة عليه، كل العلم حاضر عنده، لا يضل ربي ولا ينسى، لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، يعلم السر وأخفى، أحاط علمه بكل شيء، ( علم ذاتي ) لا يستفاد من المعلومات، بل هو قديم كامل حاضر، لا يغيب عنه شيء،

[ ]  الوجود المطلق لله يعني ( السمع المطلق )، يسمع بسمع أزلي كلَّ المسموعات، سمع الله تعالى مطلق قديم، له كمال السمع، يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات من الازل وإلى أبد الأبد جملة واحدة ولا تختلط عليه الأصوات، وكل المسموعات عبر الزمان منكشفة على سمع الله القديم المطلق،

[ ]  الوجود المطلق لله يعني ( البصر المطلق )، الله تبارك وتعالى يرى الحادثات برؤيته الأزلية، من غير حاجة إلى حَدَقة ولا إلى ضوء، لا حد لبصره ولا يجري على بصره زمان، له سبحانه كمال البصر المطلق والحاضر، لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة، لا يجري عليه في بصره زمان، وكل المرئيات عبر الزمان منكشفة على بصر الله، وهو بكل شيء شهيد، وهو السميع البصير،

[ ]  الوجود المطلق لله يعني ابداء الراي في كل امر وفي كل فعل، وهو المتمثل في صفة الكلام، والله تبارك وتعالى متكلم  بكلام  أزلي لا يشبه كلامَ المخلوقيَن ليس لكلامه ابتداء، وليس له انتهاء، قال تعالى: { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما }، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم، أزال الله المانعَ عن سُمع موسى، فسَمعَ كلامَ الله القديم من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود، وصفة الكلام مطلقة لا حد لها، قـال تعالى:{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف: 1.9 ]، وقال تعالى: { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } [لقمان: 27]، كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث، وهناك فرق بين صفة العلم وصفة الكلام، ( علم الله ) صفة انكشاف لكل معلوم، و ( كلام الله ) صفة دلالة على الأمر والنهي والرأي والخبر وعلى ما يحبه الله ويرضاه، وما يبغضه وينهى عنه، كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث، وعن الابتداء وعن الانتهاء لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية وليس كمثل كلامه كلام، ومشكلة أهل الخلل انهم يقيسون كلام الله على كلام البشر فينسبون إلى الله الكلام والسكوت، وهذا حد لصفة الكلام لو كانوا يعلمون،

[ ]  ( الله موجود بلا كيف ): تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، والأحدية المطلقة تنفي الكيف ونفي المثلية يمنع من التصور، والحاصل هو العجز عن درك الادراك، الله موجود بلا كيف ولا حد ولا صورة ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، وأنّه يجب العلم بانّ  الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، وأنّه يجب العلم بانّ  القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، وأنّه يجب العلم بانّ  الإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات،،

[ ]  يجب العلم بانّ الله تعالى وتقدس موجود بلا كيف، تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، فلا يقال أن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون، لأن الدخول والخروج من صفات الاجسام، و ( الاجسام ) من صفاتها انها مخلوقة تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون، والدخول والخروج، والاتصال والانفصال والحد والمقدار، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك، { ليس كمثله شيء }، { ولم يكن له كفوا احد }،

[ ]  الله تعالى موجود بجناب ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ليس كمثل وجودنه وجود، فلا يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه، لأنّه لا وجه للتماثل بين الخالق والمخلوق، ( وقد يقول قائل ): هذا من التناقض، لابد للموجود أن يكون إما داخلا أو خارجا، ( أقول ) يصح ان يكون من التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال " لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل " لعدم التماثل بين العلم والحجر، ولله المثل الأعلى، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق فالله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود، فلا تناقض أبدا، يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق،

[ ]  الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمال منزه عن الوجود الزماني، وكمال منزه عن الوجود المكاني، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود، وجوده قبل الزمان، إذ هو خالق الزمان، فكيف يجري عليه زمان، وهو القديم الأزلي فلا يقبل التغير والحدوث، وله كمال الوجود المنزه عن المكان، وجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ،

[ ]  الله تعالى لا يجري عليه زمان، الزمان مخلوق وهو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون،

[ ]  ( قد يقول البعض ): لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له: هذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن أو متحرك لهما أمثال كثيرة، أو منزه عن السكون والحركة لا تماثل بينه وبينها ليس كمثله شيء ألا وهو الله تعالى وتقدس، إنّ الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان،

[ ]  أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود،

[ ]  ( جناب الذات ) تعالى وتقدس: { ليس كمثله شيء }، غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، قال تعالى: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا }،

[ ]  هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات، وهذه المعرفة من اعظم العلم، أما ( المعرفة المستحيلة ): هي الإحاطة علما بالحق، والإنسان مهما أوتي من علم، علمه محدود لأنه محدود، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود، ولا يستطيع الوقوف على كنهه، لأن جناب الذات لا يحاط به ولا يعرف كنهه، لا في الذهن ولا في الخارج، لأنه سبحانه مطلق، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود، قال تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ]،

[ ]  ( جناب الذات ): { ليس كمثله شيء }، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية، له الوجود الحق المطلق، والعقول المحدودة لا تحيط بالمطلق المنزه عن الحدود،

الله تعالى لم يطلع العقول على حقائق جناب ذاته لانها لا تستطيع ذلك، وفي نفس الوقت لم يحجبها عن واجب معرفته، فإذا كانت عقولنا قاصرة عن كنه ذات الله فهناك مقدار واجب من المعرفة الممكنة لابد منه، أما تصورنا لله المطلق فمحال، فالمعرفة ممكنة، والاحاطة محالة، باب المعرفة مفتوح، والوقوف على كنهه وحقيقته محال، والطريق إلى معرفة جناب الذات الإلهي: هو معرفة قواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تمنع من التمثيل والتشبيه، ثم العلم الواسع بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا لأنه العلم الراسخ نحو المعرفة بالله ومن ثم توحيده في ذاته وصفاته وأفعاله وربوبيته وإلهيته لجميع خلقه، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الثانية عشرة

معاني الكمال المطلق لله عز وجل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة معاني الكمال المطلق لله تعالى، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، قال تعالى: { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ): الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وصفاته،

[ ]  الكمال المطلق يمنع من وجود الند والشريك والمثيل والمعين، الكمال المطلق يوجب لجناب الذات القدم الأزلي الذي يمنع من الحدوث وقبول الحوادث، ويوجب له العلم المطلق فلا يغيب عنه معلوم، والسمع المطلق فلا يغيب عنه مسموع، وله البصر المطلق فلا يغيب عنه شيء، وله المشيئة المطلقة والإرادة النافذة، والقدرة التامة فلا يعجزه شيء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الصمد المطلق هو الغني الذي كمل في غناه، وهو السيد الذي لا ملجأ عند الشدائد والحاجات إلا إليه، وهو الذي تنزه وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين، لا يأكل و لا يشرب، لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد، ( الصمد ) هو الإله الرب الذي له الكمال المطلق في كل شيء، هو الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية، لا رب سواه ولا معبود غيره، هو المتفرد بالإلهية: {اللَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }[ البقرة: 255]، فهو الحي الذي لا يموت، وهو القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع خلقه، لا تأخذه سنة ولا نوم، وجميع ما في السَّماوات والأرض عبيده، وتحت قهره وسلطانه، أحاط علمه بكل شيء، ووَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل الحوادث، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، لأنه قبل التغير من حال إلى حال، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، الحد معناه التناهي، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه،

[ ]  الكمال المطلق أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته،

[ ]  الكمال المطلق يضاد الحد والتناهي، لان كل ما يقبل الحد  فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لكماله المطلق، منزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية،

[ ]  قولنا ( الله أكبر ) في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء يفيد الكمال المطلق، ومعناه: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار، فدل ذلك على الكمال المطلق، لأن ما له نهاية فإن النهاية علامة نقصه، وكل ما له نهاية يمكن أن يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه

[ ]  القاعدة عند الأصوليين: أن كل ما يقبل النهاية يمكن ان يتصور ما هو أكبر منه، ويمكن أن يقبل الزيادة والنقصان، والله تعالى له الكمال المطلق، والكمال المطلق لله في جناب ذاته وفي صفاته يجعل قولنا ( الله اكبر ) كمالا مطلقا، ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال) على كل نهاية ومقدار، له الكمال المطلق الذي لا يقبل ابتداء ولا انتهاء،

[ ]  قوله تعالى: { ولا يحيطون به علما }: يدل على الكمال المطلق، لان ما دون الكمال المطلق يمكن الاحاطة به، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يُحاط به، لأنه فوق الحدود والغايات،

[ ]  قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } يدل على الكمال المطلق، لان ما دون الكمال المطلق يمكن إدراكه، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يدرك، لأنه فوق الحدود والغايات،

[ ]  الأسماء الحسنى تدل على الكمال المطلق لله، فإن الله تعالى قد سمى نفسه بأسماء الكمال، ومن أسمائه الحسنى: (  القدوس  ) أي الطاهر المنزه عن العيوب والآفات ومظاهر النقص التي تنافي الكمال المطلق، ومن أسمائه: ( السّلام  ) أي السالم من كل آفة وعيب وذم ونقص ينافي الكمال، فإن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وكماله من لوازم ذاته، فلا يكون إلا كذلك، والسلام يتضمن وسلامة ذاته من كل نقص وعيب، وسلامة أسمائه من كل ذم، وسلامة صفاته من مشابهة صفات المخلوقين، وسلامة أفعاله من العبث والظلم وخلاف الحكمة، ومما يدل على كماله المطلق اسمه ( الغني ) و اسمه ( الحميد  ) لذا اقترنا في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }، هو الغني الذي كمل في غناه، فلا يحتاج إلى أحد، وهو الحميد الذي استحق الحمد بجناب ذاته وعلو صفاته وكريم فعاله، هو المحمود في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، لأنه الحكيم لا يجري على أفعاله الغلط، ولانه الكريم الذي بيده الخير والخير كله بين يديه والشر ليس إليه، ومن أسمائه: ( الصمد ) أي السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، والْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، والْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته،

[ ]  الله تعالى له الأسماء الحسنى، التي لها الكمال المطلق في الحسن والجلال والإكرام، تقدست أسماؤه، وتعالت صفاته، قال تعالى: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } [ سورة طه: 8 ]، كل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة كاملة لها الكمال المطلق يتصف بها الله عز وجل فالرحيم سبحانه متصف بكمال الرحمة التي يرحم بها عباده ورحمته وسعت كل شيء، والقدير جل شأنه متصف بكمال القدرة التي يدبر بها ملكه فلا يعجزه شيء، العليم الذي كمال العلم فلا يغيب عنه شيء، والعزيز الذي له العزة التي لا تضام، والعظيم الذي له العظمة التي لا ترام، تعجز الكلمات عن حمد ذاته وعن عد أسمائه، وعن الاحاطة بصفاته لأنها لها الكمال المطلق الذي هو فوق الحد والحصر

[ ]  من كماله المطلق في أسمائه الحسنى: انه تقدست أسماؤه الحسنى عن العد والحصر، ولهذا جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (( أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ )) [ أخرجه أحمد ]، أسماؤه الحسنى سبحانه لا حد ولا غاية ولا نهاية، لأنها أسماء الثناء على الله، ولا يحصي الثناء على الله إلا الله . وقد جاء في الحديث (( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) [ أخرجه أبو داود  ]، له كمال الرحمة لان من أسمائه الحسنى: الرَّحمنُ الرَّحيمُ، وله كمال القدرة لان من أسمائه الحسنى: القادر والمقتدر والقدير، وله كمال الملك لان من أسمائه الحسنى: الملك والمالك ومالك الملك، وله كمال العلم لان من أسمائه الحسنى: العليم وعلام الغيوب، وعالم السر وأخفى، وله كمال العظمة لان من أسمائه الحسنى: العظيم والجليل والكبير والعلي والمجيد، وله كمال الهيمنة والجلال لان من أسمائه الحسنى: المُهَيمِنُ والعَزِيزُ والجَبَّارُ والمُتَكَبِّر والقاهر والقهار، وله كمال التدبير والتصريف  لان من أسمائه الحسنى: القَابِضُ البَاسِطُ والخافضُ الرَّافِعُ والمعزُّ المذِل، والمُبْدِيءُ المُعِيدُ والمُحْيِي المُمِيتُ وله كمال الإكرام لان من أسمائه الحسنى: الكريم والصبور والشكور والغفار والغفور والحليم والمجيب والودود والحيي والستير، وله كمال الوجود المطلق لان من أسمائه الحسنى: الأوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ): يدل على كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ): يدل على كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، وله الكمال المطلق في مشيئته وإرادته لأنه فعال لما يريد ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وله الكمال المطلق في شهوده وإحاطته بخلقه لأنه  الشهيد ولأنه السميع ولأنه البصير ولأنه القريب ولأنه المجيب، وله الكمال المطلق في أحديته وصمديته هو الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد،

[ ]  { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، ( الاحدية )  تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، { اللَّهُ الصَّمَدُ }: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق والكمال المطلق، وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، ولا يكون إلها، { لَمْ يَلِدْ }  لا ينفصل منه شيء  { وَلَمْ يُولَدْ } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه، ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال،

[ ] الله تعالى له الكمال المطلق في غناه لأنه الغني الحميد ولأنه الحي القيوم، وله الكمال المطلق في تفرده لأنه ليس كمثله شيء، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ لفظَ { شيء } في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء، وله الكمال المطلق في ربوبيته، لأنه الخالق البارئ المصور ولأنه الرزاق والفتاح ولأنه، وله الكمال المطلق في إلهيته لا إله إلا هو ولا ند له ولا شريك له، { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }، له الأسماء الحسنى التي تدل على الكمال المطلق في كل صفاته، قال تعالى: { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }، وله سبحانه صفات الكمال الدلة على كماله المطلق، وهي الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي، وهي الصفات التي يستحيل نسبة أضدادها إلى الله تعالى، ولهذا قال علماء الاصول أن: الصفات الواجبة لله تعالى عقلا هي: الوجود والبقاء والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام، لأن أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى، ضد ( الوجود ) العدم، وضد ( البقاء ) الفناء، وضد ( الوحدانية ) وجود الشريك، وضد ( الحياة ) الموت، وضد ( القيام بالنفس ) الاحتياج، وضد ( القدرة ) العجز، وضد ( الإرادة ) الاضطرار، وضد ( العلم ) الجهل، وضد ( السمع ) الصمم، وضد ( البصر ) العمى، وضد ( الكلام ) البكم،

[ ]  هناك فرق في الاصطلاح بين الحكم العقلي والحكم السمعي، الحكم السمعي هو ما كان إثباته عن طريق الشرع، ولا يلزم من اثباته استحالة ضده وانتفائه في حق الله تعالى، إذ أنّ الشرع دل على ثبوت صفة الرحمة لله وثبوت ضدها وهو شدة العقاب، قال تعالى: { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [  المائدة: 98 ]، ومن هذا نعرف خطأ غير المتخصص عندما يخلط بين الواجب العقلي والواجب السمعي، ويتهم السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة بأنّهم أثبتوا ثلاث عشرة صفة، وألغوا بقيتها، وحاشاهم من ذلك، فإنّهم يتكلمون على الواجب العقلي الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وأما عند حديثهم على الواجب السمعي فإنّهم يجعلون جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله تعالى،

[ ]   الصفات الواجبة لله تعالى عقلا هي: الوجود والقدم والبقاء والحياة والمخالفة للحوادث والوحدانية والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام،

[ ]  ( الصفة الأولى من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الوجود ): فواجبٌ له تعالى (الوجود) الذاتي، قال تعالى { أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي أن وجود السماوات والأرض بما فيهما من عجيب صنع الله لا يدع مجالا للشك في وجود الله، وقديماً سُئل الأعرابي كيف عرفت ربك قال: البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير، وجود الله ذاتي واجب لولاه لما وجد أي موجود ووجود جميع المخلوقات جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود، وجود الله ذاتي ليس له ابتداء ولا انتهاء، فهو الأول ليس قبله شيء وهو الأخر فليس بعده شيء، ليس وجوده في مكان لأنه خالق المكان وليس وجوده في زمان لأنه خالق الزمان , فهو سبحانه قبل الزمان والمكان , الله موجود والخلائق موجودة ولكن وجودنا يسبقه عدم ويعقبه فناء وهو متعلق بإرادة الله يخلق ويعدم ويحي ويميت ويوجد ويفني أما وجوه سبحانه فهو ذاتي لا يقبل الحدوث ولا الفناء، أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء،

[ ]  (  الصفة الثانية من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة القدم ): والقـدم هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله )) [البخارى ومسلم ]، ( هو الأول بلا ابتداء )، ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((  أعوز بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم )) [ أخرجه أبو داود ح ( 466) ]، وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم ذاته وأسماءه وصفاته، والقِدمُ معناهُ الأزلية فإذا قيل الله قديمٌ معناه لا ابتداءَ لوجودِهِ، هذا في حق الله أما في حق غيره إذا قيل قديم فمعناه مضى عليه زمانٌ طويلٌ، الله تعالى قديم أزلي لا بداية لوجوده، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، قال أهلُ العلم: الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ: القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا، والقسمُ الثاني من الموجودِ: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا والله تعالى – وحده سبحانه – هو الأزليٌّ الأبديٌّ بذاته وأسمائه وصفاته، (والقِدم) صفة سَلْبِيَّة تَسلِب عن الله تعالى نقيصة الحدوث، و ( القِدم ) قد يطلق على ما طالت مدّته وتعاقب عليه الليل والنهار، والقِدم بهذا المعنى مستحيل على الله جل وعز، إذ يتعالى ربنا أن يكون وجوده زمانيا، إذ الزمان والمكان من صفات الحوادث المحبوسين في سجن العالم، وأيضا الزمان والمكان حادثان مخلوقان فلا يتصف الباري بهما، إذ يستحيل على مولانا أن يتصف بالحوادث، أما ( القِدم ) المقصود عند علماء العقيدة هو عدمُ الأوَّلِيَّة للوجود، ونفي سبْقِ العدمِ على الوجود، والقِدم بهذا المعنى هو الذي يجب لله تعالى، ودليل وجوب القِدم لله تعالى، فإنه لمّا ثبت وجوب الوجود لمولانا تعالى بوجوب افتقار جميع الكائنات إليه وجب أن يكون قديماً، إذ لو لم يكن قديما لكان حادثا، ولو كان حادثا لافتقر إلى محدِث , لوجوب افتقارِ كلّ حادثٍ إلى محدِث , وهلمّ جرا، وحوادث لا أوّل لها محال،

[ ]  ( الصفة الثالثة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة البقاء ): يجب وصف البقاء لله تعالى ومعناه أنه تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد، قال تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ } [ الرحمن: 25 ]، ومعنى البقاء في حقه تعالى: نفي الآخرويّة ونفي العدم اللاحق، كما أن معنى القِدم: نفي الأولية ونفي العدم السابق كما تقدم؛ قال الله تعالى:{ هو الأوَّلُ والآخِرُ والظاهِر والباطِن } [الحديد: 3]؛  فـ "الأوّل": القديم من غير بداية، و"الآخر": الباقي من غير نهاية، و"الظاهر": المعروف بالأدلة، أي الذي أظهر أدلة معرفته بما أبدع من صنعته، و"الباطن": الذي لا يُحَدُّ ولا يُكَيَّفُ، يجب له سبحانه بقاء لا يشوبه عدم، بل لا نهاية له , إذ كل من ثبت قدمه استحال عدمه، وبرهان وجوب البقاء لله تعالى: أنه تعالى لو لم يجب له البقاء لكان يقبَل الوجودَ والعدمَ، وكل من يقبل الوجود والعدم وجوده جائزٌ لا واجب، وكل من وجوده جائز فهو حادِث فيفتقر إلى من يُرَجِّح وجودَهُ على عدمه، فلو لم يكن تعالى باقيا لكان حادثا، وكل من ثبت قدمه استحال عدمه ووجب بقاؤه،

[ ]  ( الصفة الرابعة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة المخالفة للحوادث ): ومعناها نفي المشابهة بين الله تعالى وبين خلقه  بأي وجه من الوجوه، قال الله تعالى:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء }  ]سورة الشورى آية  11 ]، كل ما يخطر في البال فالله بخلاف ذلك، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان، منزه عن الحد والمقدار تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، قال تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }، { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، ( الاحدية )  تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، { اللَّهُ الصَّمَدُ }: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الكمال المطلق، والغنى المطلق، وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، ولا يكون إلها، (  الصمدية المطلقة ): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }: وصف الله تعالى بالقدم أول بلا ابتداء  وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث  { لَمْ يَلِدْ }  لا ينفصل منه شيء  { وَلَمْ يُولَدْ } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، ومن الادلة على ( صفة المخالفة للحوادث ): قوله تعالى: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهيات الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، والثاني باطل، لان الله تعالى يقول: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، فدلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ { شيء } في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء، الله تعالى مخالِفٌ لجميع الحوادث، ومعني المخالَفة للحوادث, نفي الجِرْمِيَّة والعَرَضِيَّة عنه تعالى؛ أي ليس هو تعالى جِرْماً ولا عَرَضًا قائماً بالجرم، ولا يوصف تعالى بحركة ولا سكون، ولا بمكان ولا بزمان، منزه عن الكيف، وعن القرب والبعد بالمسافة، أقرب إلينا من ذواتنا، { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }، قربه قرب صفاته من السمع والبصر والعلم والقدرة، واستواؤه استواء صفاته { ثم استوى على العرش يدبر الامر }، من التدبير والتصريف، وبرهان وجوب مخالَفته تعالى للحوادث أنه لو ماثل شيئا منها لكان حادثا مثلها، والحدوث عليه تعالى محال،

[ ]  ( الصفة الخامسة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الحياة ): الله تعالى موصوف  بحياة أزلية أبدية، وهى صفة قديمـة قائمـة بجناب ذات الله تعالى، تصحح الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر، وجميع صفات الكمال والجلال والجمال الواجبة له تعالى، و( الحي ) اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى: {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، وقال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت} [الفرقان: 58]، وحياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت، كما في قوله تعالى: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } [ البقرة: 255 ]، له سبحانه كمال الحياة، سبحانه ( الاول فليس قبله شيء ))، و ( الآخر فليس بعده شيء ))، وهو الحي الذي لا يموت، وبرهان اتصافه تعالى بالحياة: اتصافه تعالى بالصفات التي لا يمكن أن تقوم إلا بالحي؛ من العلم، والقدرة، والإرادة وغيرها، وأنه لو لم يكن حيا لم يوجد شيء من الحوادث، وهو خلاف المشاهَد،

[ ]  ( الصفة السادسة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة القيام بالنفس ): فالله تعالى قيوم  مستغن عن كل ما سواه فلا يحتاج إلى أَحَد من خَلقه إذ الاحتياج للغير علامة الحدوث والله منزَّه عن ذلك وكلُّ شيء سوى الله مَحتاج إلى الله لا يَستغني عن الله طرفَة عَين، قالَ تعالى: { فَإِنَّ اللهَ غَنِي عَنِ العَالَمِيَن } [ سورة آل عمران آية 98 ]، الله سبحانه قائم بنفسه مستغنٍ عمّن سواه، له كمال الغنى والقيومية، فهو سبحانه الغنيُ الغنى المطلق، والحي القيوم، فلا يحتاج إلى أحد والكل محتاج إليه، فقير إلى فضله وغناه، يجب له تعالى قيامه بالنفس، والمراد بالقيام بالنفس عدم افتقاره تعالى إلى المحل والمخصص والمكان، فأما عدم افتقاره إلى المحل فيراد به عدم افتقاره لذات يقوم بها، لأنه لو افتقر إلى ذات لكان صفة ولو كان صفة لما اتصف بصفات المعاني، وهي واجبة القيام به تعالى، وإذا بطل كونه صفة بطل افتقاره إلى محل، وثبت عدم الافتقار، ودليل عدم الافتقار إلى المخصص أنه لو افتقر إليه لكان حادثاً، وقد ثبت وجوب وجوده، وقدمه، وبقائه ذاتاً وصفاتاً، ودليل عدم الافتقار إلى المكان، أنه قديم والمكان محدث، كان ولا مكان ثم خلق المكان، وهو على ما عليه كان، منزه عن الحاجة، لذلك يستحيل أن يحتاج إلى مكان يؤويه أو زمان يحويه  أو عرش يحمله، كان الله ولا شيء غيره أو قبله أو معه، فهو الواحد القهار، مستغنٍ عن كل شيء، وكلُّ شيء سوى الله محتاجٌ إلى الله لا يستغني عن الله طرفةَ عينٍ، قال تعالى: {والله الغنيُّ وأنتم الفقراء } [سورة محمد]،

[ ]  ( الصفة السابعة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الوحدانية ): الله تعالى واحد لا شريكَ لَه أي ليس له ثان، واحد لا شريك له ولا ند له أحد لا جزء له، يستحيل ان يكون بينه وبين احد من خلقه مشابهة، لأن المخلوق مركب مؤلف مصور من أجزاء، والله أحد مطلق لا نظير له تعالى في جناب ذاته ولا في حقائق صفاته ولا في حقائق أفعاله، فيجب اعتقاد وحدانية جناب الذات من جهة نفي الشريك في الخارج ونفي الكثرة في جناب الذات، فذاته تعالي له الأحدية المطلقة منزه عن الكثرة والانقسام والأبعاض والأجزاء، منزه عن التركيب، ولذلك قال الله تعالي عن نفسه: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص: 1 ]، فالشيء قد يكون واحدا ومع ذلك يكون مركبا من أجزاء أما الله تعالي فهو سبحانه واحد لا شريك له، أحد لا جزء له، الوحدانية واجبة لله تعالى في الذات والصفات والأفعال، فأمّا وحدانية الذات, فهي عبارة عن نفي الكمِّ المتَّصِل والكم المنْفَصِل، ومعنى الكم المتصل: أن تكون ذاته مركَّبة من أجزاء تعالى الله عن ذلك، والكم المنفصل: عبارة عن وجود نظيرٍ له تعالى في ذاته أو صفاته أو في أفعاله، فالوحدة في حقه تعالى عبارة عن نفي الكثرة في الذات والصفات والأفعال، فنفي الكثرة في الذات يستلزم أن لا يكون جسماً يقبل الانقسام، ويستلزم نفي نظير له في الألوهية، ونفي الكثرة في الصفات يستلزم نفي النظير فيها، أي نفي أن يكون أحدٌ متصفا بمثل القدرة والإرادة ونحوهما من صفات الألوهية، ونفي الكثرة في الأفعال يستلزم انفراده تعالى بها، فلا شريك له فيها، فلا تأثير لشيء من العاديَّات ممّا جرت عادة الإله وسُنَّتُه أن يخلق عندها الشيء مقترِنا بها؛ كإيجاده تعالى الرّي عند الشرب، والشبع عند الأكل، والقطع عند اقتران السكين بالمقطوع أو المذبوح، واحتراق الشيء عند ملاقاة النار له، فهذه الأشياء وما ماثلها لا تأثير لها فيما قارنَته البتة بدليل انفراده تعالى بالفعل؛ { ألا له الخلق والأمر}  [ الأعراف: 54 ]، وبصحة تخلُّفِه كما وقع وشوهد، شاهدٌ على ذلك: { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62]، أما برهان وحدانيته بمعنى نفي التركيب – وهو المراد بالكم المتصل–، فلأنه لو كانت ذاته العلية مركَّبة للزم أن يكون جسماً – تعالى عن ذلك –، ولو كان جسما لكان حادثا، وقد تقدم وجوب القِدم له تعالى، فلا يكون حادثاً لئلا يجتمع الضدان، وأما برهان وحدانيته تعالى بمعنى نفي النظير في ذاته وصفاته وأفعاله – وهو المراد بالكم المنفصل– فلأنه تعالى لو كان معه ثان في الألوهية لما وُجِد شيء من الحوادث؛ إذ قادران على مقدور غير جلي، فلا يدخل المقدور الواحد تحت قدرتين؛ وذلك أنه لو فرض شريك له – سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا – فلا يخلو إما أن يتَّفِقا أو يختلفا: فإن اختلفا لزم العجز لاستحالة نفوذ قدرتهما؛ لأنّه إذا كان أحدهما يقول بإيجاد شيء والآخر يقول بإعدامه، فلا يمكن أن تنفذ إرادة كل منهما، وهو واضح، وأمّا إن اتفقا فيلزم العجز أيضا؛ أمّا الذي لم تنفذ إرادته فعجزه واضح لأنه ترَك الفعلَ لمثله، وأمّا الذي نَفذَت إرادته فعاجز أيضا لأنهما فُرِضا مثلين، فحيث وجب العجزُ لأحدهما وجب للآخر. فتبين وجوب الوحدانية له تعالى والله تعالى أعلم،

[ ]  ( الصفة الثامنة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة القدرة  ): الله تعالى موصوف بقدرة قديمة أزلية أبدية يؤثر بها في الممكنات أي في كل ما يَجوز في العقل وجوده وعدمه، قال تعالى: { وَهُوَ عَلَى كل شَيء ء قَدِير }  ]سورة المائدة آية 120 ]، فالله تعالى لا يعجزه شيء، ولو كان عاجزًا لَما وجدَ هذا العالم على هذا الاتساع وذلك الاتقان، و ( القدرة ) عامة لا يجوز تخصيصها، قال تعالى: { إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة: 20]، لكن القدرة مطلقة في مجالها المتعلق بجميع الممكنات وجميع المخلوقات، فإن الله تعالى لو شاء أن يجعل العالم كله في حجم البيضة وأقل من ذلك لفعل لأنه على كل شيء قدير، ولكن قدرة الله تعالى صفة من صفات الله تعالى الواجبة له، فلا تعلق لها ببقية صفاته الواجبة له سبحانه كالعلم والسمع والبصر، لا تتعلق بالواجب في حق الله تعالى لأنه موجود لا يقبل الفناء، وكذلك فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى لأنه معدوم لا يقبل الوجود، (  قدرة الله ): لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى، كمثل شخص يقول: هل يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق مثل نفسه ؟، وهذا السؤال كفر والجواب عليه: لا نقول هو قادر ولا نقول غير قادر فالجوابان كفر والجواب الصحيح هو أن نقول أن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد المستحيل في حق الله تعالى، والشيء المستحيل في حق الله تعالى لا يمكن أن يوجد، لأنه لو خلقه كان مخلوقاً، فلا يكون إلهاً، ولا خالقاً، ومثل ذلك تماماً، زعم النصارى أن لله تعالى الولد، وهذا مستحيل، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل، لأنه لا يُعرف بالحس، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ الزخرف: 81، 82 ]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى: { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى، قال تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم: 88 إلى 95 ]، قال المصنف: (وقدرة) أي واجب له تعالى قدرة عظيمة, عامة التعلق بجميع الممكنات, إيجادا وإعداما وتأثيرا فيها، قديمة أزلية قائمة بالذات العلية، منزَّهة عن الكيفية، وبرهان وجوب اتصافه تعالى بالقدرة, أنه لو لم يتصف بها لاتصف بالعجز، وهو محال لما يلزم عليه من عدم وجود الحوادث، وهو خلاف المشاهد،

[ ]  ( الصفة التاسعة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الإرادة ): الله تعالى موصوف بالإرادة وهي تعني (  المشيئة   ) يخصّص الله بها الممكن العقلي بصفة دون صفة، وهي واجبة له تعالى وشاملة لجميع أعمال العباد الخير منها والشر، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لْم  يَشَأْ لْمَ يَكُنْ، و ( الإرادة ) تتعلّق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق، ولا تتعلّق بالواجب في حق الله تعالى أو المستحيل في حقة سبحانه، ومثال ذلك تعلق إرادة الله تعالى بعلم الله تعالى، فلا يجوز، ولا يصح أن يقال: أن الله متى شاء أن يعلم فإنه يعلم، ومتى شاء أن يجهل فإنه يجهل، لأن العلم صفة واجبة لله تعالى، لا تعلق للإرادة بها، لأنه بكل شيء عليم، والجهل صفة مستحيلة في حق الله تعالى،، وبالتالي فإن المشيئة تتعلق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لْم  يَشَأْ لْمَ يَكُنْ، ( الإرادة ) تتعلق بالممكنات تعلُّق تخصيص، وهي صفة يتأتّى بها تخصيص الممكن  بأحد الأمرين الجائزين عليه. ويرادف الإرادة المشيئة، وهناك فرق بين الإرادة والرضا، بمعنى أنه لا تلازم بين الأمر والإرادة, إذ قد يأمر تعالى ولا يريد، فلا يقع، كأمره تعالى أبا جهل وأبا لهب بالإيمان مع عدم إرادته له، ويريد ولا يأمر، ككفر الكافر وعصيان العاصي، ويريد ويأمر, كإيمان أبي بكر رضي الله عنه ونحوه من المؤمنين، ولا يريد ولا يأمر، كالذي علم الله أنه لا يوجد في كونه وملكه، إذن الإرادة مغايرة للعلم ومغايرة للرضا، لأنّ معنى الإرادة أعمّ من معنى الرضا والمحبة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وبرهان وجوب اتصافه تعالى بالإرادة, أنه لو انتفى عنه القصد إلى تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه – الذي هو معنى الإرادة – لم توجد الحوادث وبقيت على عدمها، والمشاهَدةُ شاهِدةٌ بمنْع عدم وجود الحوادث، وإرادته تعالى عامة التعلق بجميع الممكنات، فلا يقع شيء إلا بإرادته تعالى،

[ ]  (  الصفة العاشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة العلم ): الله تعالى يعلم بعلمه الأزلي كلَّ شيء، يَعلَم ما كانَ وما يكون وما لا يكون، قال تعالى: { وَهُوَ بِكُل شيء عَلِيم }، فعلم الغيب المطلق جميعه خاص بالله تعالى، له كمال العلم، فكل المعلومات من الازل حيث لا بداية وإلى  أبد الابد حيث لا نهاية منكشفة عليه، كل العلم حاضر عنده، لا يضل ربي ولا ينسى، كل المعلومات منكشفة عليه ولا يجري على علمه زمان، كل العلم حاضر عنده، لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، يعلم السر وأخفى، أحاط علمه بكل شيء، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، أحاط علمه بالواجبات والممكنات والمستحيلات، وعلم الله تعالى ذاتي لا يستفاد من المعلومات، بل هو قديم كامل حاضر، لا يغيب عنه شيء، ولهذا وجدت المخلوقات على هذه الدقة المتناهية التي لا خلل فيها ولا فطور، ووجد الكون على هذا الصنع البديع، لا يغيب عنه سبحانه أي معلوم، وهو بكل شيء عليم، (وعلمه) تعالى القديم الأزلي متعلِّق بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات، قال تعالى: {أحاط بكل شيء علما } [الطلاق: 12] { وأحصى كل شيء عدداً } [الجنّ: 28] { وهو بكل شيء عليم } [ الحديد: 3 ]، وإنما تعلَّق بالواجبات والمستحيلات لأن العلم ليس من صفات التأثير، إذ الصفة يجب لها عموم التعلق بكل ما صلحت له، وبرهان العلم: أنه تعالى لو لم يتصف بالعلم لاتصف بضده، وهو محال لما يلزم عليه من عدم وجود الحوادث؛ إذ لو انتفى العلم لانتفت الإرادة، ولو انتفت الإرادة لانتفت القدرة فلا يوجد شيء من الحوادث. كيف وهو الذي خلق السموات والأرض؟ { ألا يعلم من خلق } [الملك: 14]، و ( العلم ): صفة أزلية قديمة, لها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة به, على ما هو عليه دون سبق خفاء، ( ولا يقال مكتسَب )، لما يلزم منه سبق الجهل المستحيل عليه تعالى، إذ المكتسب هو الحاصل بعد النظر،

 [ ]  ( الصفة الحادية عشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الكلام ): الله تبارك وتعالى متكلم  بكلام  أزلي لا يشبه كلامَ المخلوقيَن ليس لكلامه ابتداء، وليس له انتهاء، لا يطرأ عليه سكوت أو تَقطّع، ليس بحرف ولا بصوت، ولا بآلة، قال تعالى: { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما }، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم، أزال الله المانعَ عن سُمع موسى، فسَمعَ كلامَ الله من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود، وصفة الكلام مطلقة لا حد لها، قـال تعالى:{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف: 1.9 ]، وقال تعالى: { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } [لقمان: 27]، وكلام الله تعالى ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى أزلي أبدي ليس بمخلوق ولا يقال عنه أنه من صفات الفعل ولا يقال عنه أنه يتعلق بالمشيئة لأن هذا تكييف قياسا على كلام البشر والله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه ولا يعلم الله على حقيقته إلا الله، ولأنّ صفة الكلام قديمة وكل ما تعلق بالمشيئة محدث مخلوق، فمن قال يتكلم متى شاء كيفما شاء فقد جعل الكلام مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان، وهذا كله عجز ونقص يتنزه الله تعالى عنه، ونحن لا نملك إلا أن نقول: العجز عن دَرَك الإدراك إدراكُ والكيف مخلوق، والكيف يستحيل على الله، والله تعالى له كمال صفة الكلام، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق، والقرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم لا يوصف بالحدوث والخلق، صفة قائمة بذات الله تعالى، لا تقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق، كما لا يقبل العدم ولا ما فى معناه من السكوت ولا التجديد ولا البعض ولا الكل ولا التقديم ولا التأخير ولا اللحن ولا الأعراب ولا سائر التغيرات، ليس كمثل كلامه كلام، لقد أخطأ أهل الحشو المشغبين على علماء العقيدة السادة الأشاعرة عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، فقالوا: صفة الكلام من صفات الفعل، وهي صفة تابعة عندهم للمشيئة والقدرة، بمعنى أنه يتكلم متى شاء بما شاء، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالقدرة والمشيئة، يتكلم متى شاء ويسكت - سبحانه عما يقولون - متى شاء، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية، بل محدثة، وبالتالي فالقرآن الكريم - على لازم قولهم - مخلوق لأنه كان بعد أن لم يكن، والصواب ان صفة القدرة لا تعلق لها بصفة الكلام، تماماً مثل عدم تعلق القدرة بصفة العلم، وكما أنه لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يعلم، كذلك لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يتكلم، فينفون عنه صفة الكلام في حال السكوت على ظنهم، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف: 109 ]، إذن من صفات المعاني الواجبة لله تعالى: (الكلام) النفسي الأزلي القائم بذاته العلية، المنزَّه عن الحروف، والأصوات، واللحن، والإعراب، والتقديم، والتأخير، والسكوت, وكلّ آفة ممّا هو من خواص الحوادث الذين كلامهم على حسب ما يساعد آلة اللسان من الترتيب. بل كلام الله تعالى صفةٌ من صفات ذاته دائمة لا تنقطع أبد الآباد، وإنّما لم نسمعه لما ضرب علينا من الحجاب، وإذا أراد تعالى إسماع كلامه لأحد من أولياءه في الآخرة, أو لبعض خواص أنبيائه في الدنيا أزال عنه الحجاب حتى يسمع كلاماً ليس له نظير ولا شبيه ولا يكيَّف، ويتعلق ( الكلام ) بكل ما يتعلق به العلم من الواجبات والمستحيلات والجائزات، إلا أن تعلُّقَ العلم تعلّق انكشافٍ، وتعلق الكلام تعلق دلالة، قال تعالى: { وكلم الله موسى تكليما } [النساء: 164]، وقال تعالى: { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأعراف: 144]، – ولو لم يتصف تعالى بالكلام لاتصف بضده، وهو نقص، والنقص على المتصِف بصفات الجلال والكمال محال،

[ ]  ( الصفة الثانية عشرة والثالثة عشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفتا السمع والبصر ): الله تعالى سميع له السمع المطلق، يسمع بسمع أزلي كلَّ المسموعات، سمع الله تعالى مطلق قديم، له كمال السمع، يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات من الازل وإلى أبد الأبد جملة واحدة ولا تختلط عليه الأصوات، يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء، قال تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11 ]، صفة السمع صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي مسموع مهما كان، لا يجري عليه في سمعه زمان، وكل المسموعات عبر الزمان منكشفة على سمع الله، والصفة الرابعة عشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة البصر ): الله تبارك وتعالى يرى الحادثات برؤيته الأزلية، وبصره لا يشبه بَصرَ المخلوقات، لأنه سبحانه يرى كلَّ المبصَرَات من غير حاجة إلى حَدَقة ولا إلى ضوء، قال تعالى: { وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير } [ سورة الشورى: آية: 11 ]، لا حد لبصره ولا يجري على بصره زمان، له سبحانه كمال البصر المطلق والحاضر، لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة، لا يجري عليه في بصره زمان، وكل المرئيات عبر الزمان منكشفة على بصر الله، وهو بكل شيء شهيد، وهو السميع البصير، والله تعالى ليس كمثله شيء في بصره ورؤيته، يرى سبحانه من غير واسطة، ورؤيته أزلية وأبدية لا يطرأ عليها ضعف ولا انقطاع، لا يغيب عنه أي مرئي مهما كان، { إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً }، والرؤية والبصر معنى واحد يشمله صفةٌ البصر: قال تعالى: { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه: 46]، وقال تعالى: { أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى } [العلق: 14]،

 

[ ]  ( الخلاصة ): من خصائص جناب الذات الإلهي: الكمال المطلق من جميع الوجوه، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ): أي الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، وقوله تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق، هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، قولنا ( الله أكبر ) في كل صلاة، معناه: الكمال المطلق  لان ( الله أكبر ) تعني الله اكبر من كل تصور، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل نهاية، فدل ذلك على الكمال المطلق، لأن كل ما له نهاية يمكن أن يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه، وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما }: يدل على الكمال المطلق، لان ما دون الكمال المطلق يمكن الاحاطة به، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يُحاط به، لانه فوق الحدود والغايات، وقوله تعالى: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } يدل على الكمال المطلق، لان ما دون الكمال المطلق يمكن إدراكه، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يدرك، لأنه فوق الحدود والغايات، والأسماء الحسنى تدل على الكمال المطلق لله، فإن الله تعالى قد سمى نفسه بأسماء الكمال، ومن أسمائه الحسنى: (  القدوس  ) أي الطاهر المنزه عن العيوب والآفات ومظاهر النقص التي تنافي الكمال المطلق، ومن أسمائه: ( السّلام  ) أي السالم من كل آفة وعيب وذم ونقص ينافي الكمال، فإن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وكماله من لوازم ذاته، فلا يكون إلا كذلك، والسلام يتضمن وسلامة ذاته من كل نقص وعيب، وسلامة أسمائه من كل ذم، وسلامة صفاته من مشابهة صفات المخلوقين، وسلامة أفعاله من العبث والظلم وخلاف الحكمة، ومما يدل على كماله المطلق اسمه ( الغني ) و اسمه ( الحميد  ) لذا اقترنا في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }، هو الغني الذي كمل في غناه، فلا يحتاج إلى أحد، وهو الحميد الذي استحق الحمد بجناب ذاته وعلو صفاته وكريم فعاله، هو المحمود في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، لأنه الحكيم لا يجري على أفعاله الغلط، ولانه الكريم الذي بيده الخير والخير كله بين يديه والشر ليس إليه، والكمال المطلق يمنع من وجود الند والشريك والمثيل لله، الكمال المطلق يوجب لجناب الذات القدم الأزلي الذي يمنع من الحدوث وقبول الحوادث، ويوجب له العلم المطلق فلا يغيب عنه معلوم، والسمع المطلق فلا يغيب عنه مسموع، ويوجب له البصر المطلق فلا يغيب عنه شيء، والكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية، والكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، والكمال المطلق لا يقبل الحوادث، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، لأنه قبل التغير من حال إلى حال، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا، ولو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، والكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الثالثة عشرة  

معاني التقديس المطلق لله تعالى وتقدس

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة معاني التقديس المطلق لله تعالى عن الشبيه  والمثيل، وعن سمات النقص، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  تقديس الله تعالى هو حال الملائكة الكرام حيث قالوا كما ذكر القرآن الكريم عنهم: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك }، ومن أسمائه الحسنى: (  القدوس  ) أي الطاهر المنزه المقدس عن كل معاني النقص والحاجة وعن العيوب والآفات، ومن أسمائه الحسنى: ( السّلام  ) أي السالم المنزه المقدس عن كل آفة وعيب وذم ونقص ينافي الكمال، جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ليس كمثله شيء، غيب الغيوب، الغيب المطلق الذي انقطع علم الخلق دونه، قال تعالى: { ولا يحيطون به علما }، وقال تعالى: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، قريب من كل شيء، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده، لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب هو عن شيء، وهو بكل شيء محيط، وهو بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير،

[ ]  سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، منزه عن كل مثيل أو كفء أو شبيه، غيب الغيوب، منزه عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات، لأن الحدود نقص عن الكمال، له الكمال المطلق، أحد منزه عن الانقسام، صمد منزه عن التركيب والاحتياج، غني حميد، أحديته المطلقة تمنع من الانقسام، وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }،

[ ]  { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام،

[ ]  { اللَّهُ الصَّمَدُ }: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق والكمال المطلق، وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، ولا يكون إلها،

[ ]  { لَمْ يَلِدْ }  لا ينفصل منه شيء لأحديته وصمديته، { وَلَمْ يُولَدْ } لقدمه الأزلي، منزه عن الحدوث، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث

[ ]  { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه، ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، سبوح قدوس نعجز عن إدراك كنه جناب ذاته وحقائق صفاته،

[ ]  ومن أسمائه الحسنى: ( الغني ) و اسمه ( الحميد  ) لذا اقترنا في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }، هو الغني الذي كمل في غناه، فلا يحتاج إلى أحد، تقدس عن الحاجة والاحتياج، وهو ( الحميد ) الذي استحق الحمد بجناب ذاته وعلو صفاته وكريم فعاله،

[ ]  ومن أسمائه الحسنى: الأوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ، وتلازم الاسمين ( الأول الآخر ): يدل على كمال الوجود القاهر للزمان، تقدس وتنزه عن جريان الزمان، فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ): يدل على كمال الوجود القاهر للمكان، تقدس وتنزه عن الحاجة إلى المكان،فلا يحويه مكان،

[ ]  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ لفظَ { شيء } في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء،

[ ]  تنزه في وجوده عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، والأحدية المطلقة تنفي الكيف ونفي المثلية يمنع من التصور، والحاصل هو العجز عن درك الادراك، { ليس كمثله شيء }، غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود،

[ ]  ( جناب الذات ): { ليس كمثله شيء }، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية، له الوجود الحق المطلق، والعقول المحدودة لا تحيط بالمطلق المنزه عن الحدود،

[ ]  الاحاطة به محال { ولا يحيطون به علما }، لا منتهى لجناب ذاته ولا لعظيم صفاته، سبحانه تقدس عن المكان، فلا يتقيد بالمكان، ولا يحويه مكان، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وتقدس عن جريان الزمان، فلا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، فلا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، لا يقبل التغير ولا الحدوث، سبحانه كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس أزلي لا ابتداء لوجوده، وأبدي لا انتهاء لوجوده، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، وأجراه، ولو شاء أوقفه وأفناه، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق، كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار، فلا انتهاء لجناب ذاته، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، هو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه: لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى: 11 ]، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ النحل: 60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين، وقال تعالى: { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ النحل: 74 ]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقال تعالى: { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [  مريم: 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقال تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص: 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه،، وقال تعالى: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام: 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقال تعالى: { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه: 110 ]، سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر بالبال فهو باطل لأنه مخلوق في العقل والخاطر، والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون

[ ]  الله تعالى له الكمال المطلق، منزه عن كل ما ينافي الكمال المطلق لجناب الذات الإلهي، كالحد والتناهي وكالكون في مكان والتقيد بالزمان، سبحانه منزه عن كل ما ينافي القدم الازلي من التغير والحدوث وقبول الحدث، سبحانه منزه عن كل ما ينافي الأحدية المطلقة من قبول الأجزاء والابعاض والجوارح، سبحانه منزه عن كل ما ينافي الصمدية المطلقة من قبول الصور والأشكال

[ ]  سبحانه منزه عن الوالد والولد، { لَمْ يَلِدْ }  لا ينفصل منه شيء، ولا يكون منه شيء حادث، { وَلَمْ يُولَدْ } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، تقدس سبحانه عن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فيستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق، أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولا ينفصل منه شيء

{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه، لا يشبه شيئا من خلقه، ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال،

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات الأجسام المخلوقة المقدرة، فلا يصح نسبة الاتحاد بين الخالق القديم الأزلي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني، ولا يصح نسبة الحلول للخالق الذي تنزه وتقدس عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المخلوق،

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق، الأعراض كالألوان والأحجام والأشكال، والكيفيات الحسية كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والحركة والسكون والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، فإن الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، تقدس عن كل ما خطر بالبال، وتقدس عن كل تغير وحدوث،

[ ]  سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك، سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان وتجدد العلم، سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة، سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد،

[ ]  سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات، سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار، سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد،

[ ]  أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، وذلك لما اشتملت عليه من معاني التوحيد والتقديس والتنزيه، ونفي النقائص عن الله، { اللَّهُ لا إله إلا هو }: ( الله ) عَلَمٌ على جناب الذات، وهو الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا، { لَا إِلَهَ إِلَّا هو }: معناها أنّ الله تعالى واحدٌ في إلهيته، لا إله إلا هو، ولا شريك له، { الْحَيُّ الْقَيُّومُ }: { الحي } سبحانه، له كمال الحياة، حياةً أزليةً أبديةً، لم يسبقها عدم وليس بعدها فناء، فالحي الكامل المطلق هو الله، له كمال الحياة، و { القيوم } هو الذي قامت به السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات، يحتاجون إليه وهو الغني عنهم، غنيٌ عن كل ما سواه، قيوم لغيره، { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } قدوس منزه عن كل نقص أو عجز أو عيب، { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } أصل في التقديس والتنزيه، فكما أنّنا بها ننفي عن الله النوم والنعاس، يجب علينا أن ننفي عنه سائر صفات النقص والعجز والعيب والحاجة، فإذا كان الحد نقص نزهنا الله تعالى عنه لأنّه فوق الحدود والمقادير وهو الذي قدرها وحدها وجعلها علامة على نقص المخلوق وعجزه، لأنّ كل مقدر يمكن افتراض ما هو أكبر منه في المقدار، وكل محدود يمكن افتراض أكبر منه، والله أكبر من كل تصور ومتعال على المحدودية، فتنزيهه عن الحد يجعل نسبة المحدود إليه نسبة العدم إلى الوجود، لأنّ ما لا حد له لا يُقارن بالمحدود، كما لا تُقارن المخلوق بالخلاق، ولا المربوب برب السموات والأرض ورب العالمين، وإذا كان الكون في المكان نقص لأنّ ذلك معناه أن المكان أكبر من شاغله، وأنّ المكان محيط بمن فيه، وأن المكان سابق لمن بداخله، وأنّ المكان مستغن عن الذي فيه، وان من فيه محتاج إليه لوجود ذاته فيه، وان المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان، والله تعالى هو الكبير المتعال وهو بكل شيء محيط، وهو خالق المكان، وهو القيوم عليه وعلى من فيه، فوجب تنزيه الله تعالى عن الكون في المكان، وإذا كانت الجسمية صفة نقص لأنها تعني الحد والمقدار - إذ كل جسم محدود مقدر -، وتعني الكون في المكان وتعني تجمع الأبعاض وتألف الأجزاء، وتعني الحاجة إلى جميع أجزائه، فوجب تنزيه الله تعالى عن الجسمية لأنّه خالق المكان المنزه عن الكون فيه، ولأنّه الأحد المنزه عن الأبعاض والأجزاء، ولأنّه القيوم المنزه عن الحاجة إلى شيء غيره، والجسم محتاج إلى أجزائه وأبعاضه، وإذا كان التقيد بالزمان عجز ونقص، لأنّ الزمان يصير حاكما على من تقيد به، فإن التنزيه عن الزمان لازم للملك القدوس خالق الزمان فلا يجري عليه مخلوقه وهو الزمان، والعوام لا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان، لأنّهم اعتادوا بحواسهم على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان، ولكن أهل الأصول لا تتملكهم الحواس ولا تنطلق تصوراتهم في الإلهيات بالحواس لأنّ ذات الله تعالى لا تسري عليه سبحانه قوانين المحسوسات والمواد والاجسام، لأنّها جميعها مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، ومن فقه العلم بالآية: { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ }: نستفيد أنه يستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو الحاجة أو المشابهة للمخلوقات، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، ويستحيل عليه الحد والمقدار، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء، ويستحيل عليه الجهل والنسيان، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم، ويستحيل عليه العجز والضعف، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد، ويستحيل عليه التغير والحدوث لأنها صفات نقص وعجز تضاد القدم والبقاء وتناقض معاني الأولية بلا ابتداء والأخروية بلا انتهاء، وكذلك فإن المتغير إن تغير إلى كمال كان قبل الكمال ناقصاً، وهذا تنزه الله تعالى عنه، وإن تغير إلى نقص كان عجزاً يتنزه الله تعالى عنه، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق الدالة على نقصه وعجزه، لأنّه إن حل به كمال كان قبل الكمال ناقصا وإن حل به نقص كان عاجزا عن دفع النقص، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه الفناء والله تعالى هو الحي الباقي كل شيء هالك إلا وجهه، ومن ذلك التقديس نفي الجوارح والابعاض ونفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية والصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها، ليس كمثله شيء لا تحيط بكنه ذاته الأفهام ولا تبلغه الأوهام، { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ }: الكل خلقه والكل ملكه والكل مربوب بتدبيره وتصريفه وحفظه ورعايته، لا يشذ عن ذلك شيء، هو الملك المالك لكلِّ شيء، { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ }: له كمال الربوبية والإلهية، لا يشفع أحد عنده أحدٌ إلا بإذنه، حتى الملائكة الأطهار َلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ }: العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى، وهي صفة أزلية يعلم بها جميع الأشياء، الواجبات والممكنات والمستحيلات، له كمال العلم المطلق، عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه أي معلوم، علمه يحيط بجميع الاشياء، أحاط بكل شيء علما، { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ }: فلا تُحيط الخلائق بشيء من علمه إلا بما شاء، ولا يحيطون به علماً لأنّه الذي لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ }: هذا اشارة إلى سعة ملك الله وعظيم كونه، فإن الكرسيُّ خلق كبير عظيم خلقه الله تعالى يسع السماوات والأرض، وقد جاء في الحديث: (( ما السمواتُ السبعُ في الكرسيِّ إلا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ )) [ السلسلة الصحيحة للألباني: ح: 109 ]، وقد نقل المفسرون عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّ المراد بالكرسي في الآية هو (( العلم ))، وممن رجح ذلك التفسير الطبري والقرطبي وغيرهما، وسع علمه السموات والأرض، { وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا }: أي لا يصعب عليه حفظ السموات والأرض ولا ما فيهما ولا ما بينهما، لأنّ الله عز وجل له القدرة التامة، لا شيء صعب عليه، لا يعجزه شيء، { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }: له صفات العلو والعظمة، وله صفات القَهْر والغَلَبة، هو العلي عن صفات العجز والنقص، وهو العلي عن المثيل والند والشريك، علي بصفات الكمال والجلال، متعال عن صفات النَّقْص والعيب والعجز سبحانه، { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } (  العظيم ) ذو العظمة، عظم الشان وجلال القدر، سبحانه العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول المحدودة في تصور عظمته،

[ ]  ( الخلاصة ): من أهم معاني التقديس المطلق لله: تقديس الله تعالى عن الكيف، لأن العجز عن الإدراك إدراك، قال تعالى { ولا يحيطون به علما }، وقال تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير }، والأحدية المطلقة تنفي الكيف، وقوله تعالى: { ليس كمثله شيء } نفي المثلية التي يمنع من التصور، والحاصل هو العجز عن درك الادراك،، غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله: تقديس الله تعالى عن المكان، فلا يتقيد بالمكان، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وتقديس الله تعالى عن جريان الزمان، فلا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، فلا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، لا يقبل التغير ولا الحدوث، سبحانه كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله: تقديس الله تعالى عن الحد والمقدار، فلا انتهاء لجناب ذاته، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، هو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله: تقديس الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى: 11 ]، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص: 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه،، وقال تعالى: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام: 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله: تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية، فالجسم: هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم }، والجسمية تناقض الأحدية والصمدية، الله تعالى [ أحد ] لا جزء له، [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله: تقديس الله تعالى عن الجوارح والأبعاض، ( الأحدية المطلقة ) تعني تقديس الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات، والصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله: تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال، ومن أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال قوله تعالى: { قل هو الله أحد }، ( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان له صورة أو جارحة، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال، ( الأحدية المطلقة ) تعني تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات، لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، والتركيب يستحيل على الله الأحد الصمد، الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة التي تدل على الخلق والحدوث والتركيب { في أي صورة ما شاء ركبك }، كل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار: 8 ]، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )،

[ ]  كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الأجزاء والابعاض لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم التغير والحدوث وقبول الحوادث فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه، وكل ما أوهم الفوقية الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الحد فهو مؤول بحد الربوبية والإلهية، وكل ما تعلق بالاستواء فهو مؤول بالربوبية والتدبير والتسخير، لقوله تعالى: { ثم استوى على العرش يدبر الامر }، وكل ما أوهم الحركة والانتقال كقوله تعالى: { وجاء ربك }، فهو مؤول بمجيء امره ومجيء حسابه وثوابه وعقابه، لأن الحركة والانتقال لا تكون إلا لمحدود يتحرك فيما هو أكبر منه منه، والله أكبر من كل شيء، والله واسع عليم، والحركة والانتقال لا تكون إلا في مكان محيط، والله بكل شيء محيط، و كل ما اوهم الاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه من الأحدية المطلقة، الوجه والعين واليد في لغة العرب التي نزل بها القرآن: أجزاء من ذات وليست صفات لذا وجب فهمها في إطار التقديس، واعتبارها متشابهات ترد إلى محكمها من الأحدية المطلقة والصمدية المطلقة والتقديس عن الجسمية ولوازم الجسمية، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي، الحد يوجب الحدوث، والتغير يوجب الحدوث، والحركة والسكون يوجبان الحدوث، والاتحاد والحلول والاتصال والانفصال صفات الأجسام المحدودة المقدرة المخلوقة المحدثة، قال الطحاوي: ( تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات ) أهــ، وقال الحافظ ابن عساكر: (  موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان ) اهـ [ طبقات الشافعية 8: 186 ]،

[ ]  الحاصل من معاني التقديس لله أنه سبحانه غيب الغيوب لا يدرك، ليس له كيف ولا حد ولا صورة ولا بداية ولا نهاية ولا غاية، ولا يكون في مكان ولا يجري عليه زمان، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه، لأن الخاطر مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية، غيب الغيوب لا يدرك، استواؤه على العرش استواء صفات لا استواء ذات، وقربه من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، وإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات، أما جناب الذات غيب لا يدرك، موجود بلا كيف، ولا مكان ولا زمان، ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ولا يقال أن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون، ولا يقال انه متصل به ولا منفصل عنه لأن الدخول والخروج والاتصال والانفصال من صفات الاجسام، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك ادراك، { ليس كمثله شيء }، { ولم يكن له كفوا احد }، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الرابعة عشرة 

فهم بلاغة القرآن فتح عظيم لفهم التقديس

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة: مجاز اللغة وبلاغة القرآن وان فهم هذه البلاغة فتح عظيم لعلم العقيدة لاسيما قسم ( الإلهيات ) وعلم التقديس، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى: { لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } [ النحل: 103 ]، وقال تعالى: { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء: 192 إلى  195]، وقال تعالى: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ يوسف: 2 ]، وقال تعالى: { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ فصلت: 3 ]، وقال تعالى: { قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ الزمر: 28 ]،

[ ]  ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول: ( ومن قدح في المجاز، فقد خبط خبطا عظيما ) أهـ [ أسرار البلاغة: صـ ٣٦١ ]، وقال السيوطي: ( ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن ) أهـ [الإتقان ج: 2 ص: 97 ]

[ ]  لقد اعتاد أهل اللغة على سرد أدلة المجاز من القرآن الكريم: فتراهم يذكرون قول الله عزَّ وجل: { واشْتَعَلَ الرأْسُ شيباً } والاشتعال لا يكون إلا للنار، وقولَه تعالى: { وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِم العِجْلَ } أي حب العجل، وقولَه عز و جل: { وآيةٌ لَهُمْ اللّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار}، والسلخ يكون لجلد الحيوان عن الحيوان، وقوله عز و جل: { حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا } والحرب لا تضع شيئا، وقولَه تعالى: { فَما رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ }، والتجارة لا ربح لها وإنا يقع الربح والخسارة على أصحابها، ولم يخطر ببال أحدهم ان يأتي احد فينكر المجاز

[ ]  لقد أنكر الامام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم المجاز في القرآن، وقد جاء هذا الانكار بحجة أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزّه عنه، وهذا من الجهل باللغة، فإنّ المجاز هو علم البيان بأجمعه، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي، لقد وقف العرب عاجزين أمام حسّ القرآن المجازي، ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن الإضافات البيانية الاصيلة، كالكناية والتشبيه والاستعارات وأنواع المجاز وهذه الأبواب هي اصل البلاغة، التي كانت من عوامل اعجاز القرآن، وأما ما استدل به من أن المجاز كذب لأنه يُنفي فيصدق نفيه، فهذا مغالطة، لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة، فلا ينافي صدق إثبات المجاز، فلا علاقة للمجاز بنفي الصدق، إن وضوح المجاز أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار، وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام،

[ ]  نتأتي الآن لبيان بعض المجاز في القرآن والسنة، ثم نعرج على ذكر بواعث ابن تيمية لانكار المجاز، [  أولا ] القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها، ومن ذلك:

[ ]  التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة: 257 ]، وقوله تعالى: { الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ ابراهيم: 1 ]، وقوله تعالى: { رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [ الطلاق: 11 ]،

[ ]  التعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران: 103 ]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى: 52 ]، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } [ النساء: 174 ]،

 [ ]  التعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما، وهذا كما في قوله تعالى: { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [ النمل: 80، 81 ]، فسياق الآية يتناول الكفار الذين لا يهتدون، وقوله تعالى: { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [ الإسراء: 72 ]، ومعلوم أنّ المقصود بالعمى هو عمى القلب عن سماع الحق ورؤية الحقيقة، وإلا فإنّ الآية لو أخذت على الحقيقة لا المجاز - كما ينكره من به عمى عن رؤية بلاغة اللغة العربية ومجازها - فإنّ كل أعمى البصر في الدنيا فإنه سيكون أعمى في الآخرة وأضل سبيلا، وهذا لا يقول به عاقل، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال،

[ ]  التعبير عن الكفر الموجب لدخول النار بشفا الحفرة، كما في قوله تعالى: { وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا } [ آل عمران: 103 ]، وشفا الجرف الهار، كما في قوله تعالى: { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ التوبة: 109 ]،

[ ]  التعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء: 24 ]، وقوله تعالى: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء: 215 ]، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران: 159 ]،

[ ]  التعبير بالأخذ تارة عن الهلاك، وتارة عن القبول والرضا، وتارة عن الجد والاجتهاد في التمسك، فمن التعبير عن الأخذ بالهلاك  كما في قوله تعالى: { فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً } [ الحاقة: 10 ]، وقوله تعالى: { فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ آل عمران: 11 ]،، وقوله تعالى: { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } [ غافر: 5 ]، ومن التعبير بالأخذ عن الجد والاجتهاد في التمسك، قوله تعالى: { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } [ مريم: 12 ]، وقوله تعالى: { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة: 63 ]، ومن التعبير بالأخذ عن القبول والرضا قوله تعالى: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [ التوبة: 104 ]، وقوله تعالى: { فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [ الأعراف: 144 ]،

[ ]  التعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  ( 67 } [ التوبة: 67 ]، والتعبير بالبسط تارة عن العدوان، كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ } [ المائدة: 11 ]، وتارة عن الغنى كما في قوله تعالى: { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } [ الرعد: 26 ]، كما يعبر بالقبض والبسط عن الغنى والفقر، كما في قوله تعالى: { وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ( 245 } [ البقرة: 245 ]، وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى: { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [ الإسراء: 29 ]،

[ ]  التعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة: 64 ]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي غاية السخاء والكرم { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ }،

[ ]  التعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } [ هود: 37 ]، وقوله تعالى: { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [ المؤمنون: 27 ]، وقوله تعالى: { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر: 13، 14 ]، والسفينة لا تجري في أعين الله، تعالى الله، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة، وقوله تعالى: { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه: 39 ]، وقوله تعالى: { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور: 48 ]، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى، { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي }، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا }، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة،

[ ]  التعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد، كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى } [ الأنفال: 70 ]، أي في قهركم واستيلائكم، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم، وقوله تعالى: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ المؤمنون: 5، 6 ]، ومعلوم أنّ ملكة اليمين ليسن في اليمين ولكنه تعبير مجازي عن ما يملكه الإنسان، ومنه قوله تعالى: { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الملك: 1 ]، أي له القدرة التامة والقهر على عباده وخلقه،

[ ]  التعبير عن الذات باليد، كما في قوله تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الروم: 41 ]، وقوله تعالى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [ الشورى: 30 ]، والمقصود به مطلق ذنوب الناس لا ذنوب اليدين فقط، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ الحج: 10 ]،

[ ]  التعبير عن الذات بالوجه، كما في قوله تعالى: { إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص: 88 ]، وقوله تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن: 26 ‘ 27 ]، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، سبحان الله وتعالى عما يصفون، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد،

[ ]  ومن المجاز في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: كحديث أحمد ومسلم ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل )  قيل بسط اليد استعارة في قبول التوبة وإنما ورد لفظ اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بما يفهمونه وهو مجاز معروف في لغة العرب، فإن يد الجارحة مستحيلة في حقه تعالى، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الجارحة وعن اليد بمعنى الجارحة والجزء من الذات، تعالى الله عما يتوهمه المجسمون،

[ ]  أنكر الامام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم المجاز في القرآن، وقد جاء هذا الانكار بحجة أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزّه عنه، وهذا من الجهل باللغة، فإنّ المجاز هو علم البيان بأجمعه، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي، وقد وقف العرب عاجزين أمام حسّه المجازي، ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الاصيلة، وأما ما استدل به من أن المجاز كذب لأنه يُنفي فيصدق نفيه، فهذا مغالطة، لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة، فلا ينافي صدق إثبات المجاز، فلا علاقة للمجاز بنفي الصدق، إن وضوح المجاز أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار، وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام،

[ ]  لقد ادعى ابن تيمية أنه لم يقل به احد من السلف، وقد نسي أن الأمام أحمد يقول به وقد اكد ذلك من الحنابلة أبو يعلى وابن عقيل وأبو الخطاب، وهم قائلون بالمجاز تبعا لإمامهم، ودعوى بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة، فلقد ثبت أن التأليف في مجاز اللغة كان في قرون السلف، وممن لهم رسالة في المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية، كما أن لفظ ( المجاز ) مجرد مصطلح والمصطلحات غالبا ما تتأخر في الظهور عن موضوع العلم نفسه، وهذا في كل العلوم، وليس في علوم اللغة فحسب، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أشرف من استعمل المجاز هو  عندما قال عن مآثر الجاهلية ( ( إنها موضوعة تحت قدميه الشريفتين صلى الله عليه وسلم ) )، وعندما تاول عليه الصلاة والسلام الخيطين الابيض والأسود بالليل والنهار، وقوله صلى الله عليه وسلم (( كل ربا الجاهلية موضوع، وأول ما أضع ربا العباس ))، وما أكثر تطبيقات علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة - على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم - والتابعون وتابعو التابعين بعدهم، وعلماء الامة على ذلك، حتى قال الشوكاني انكار المجاز مكابرة،

[ ]  مما ورد عن ابن عباس الحبر البحر، في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا )، وشرحه رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة )، وشرحه رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي وتفسيره رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)،

[ ]  من استعمال التابعين للمجاز: قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقوله تعالى { يوم يكشف عن ساق }  قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد بن جبير: شدة الأمر، و قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) قال مجاهد ( قبلة الله )، وقوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) قال الضحاك وأبو عبيدة: ( إلا هو )، وقوله تعالى: ( وجاء ربك ) قال الحسن البصري ( مجيء أمره وقضائه )، وقوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال الحسن: في طاعة الله،

[ ]  من استعمال تابعي التابعين للمجاز: قول الإمام مالك بن أنس في شرح حديث النزول،: ( ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو ) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 10 5، وقول الإمام أحمد في { وجاء ربك }، قال جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه، وقول الإمام البخاري في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر ]، وقول الإمام الطبري في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة،

[ ]  ما هي بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز ؟   ( الباعث الاول ) مناصرته لعقيدة التجسيم تعالى الله عما يقول: فهو بإنكاره المجاز يريد أن يقول: إنه لا يقصد التجسيم ولا يريده ولكن ما حيلته والنصوص تفيد ذلك ؟ فنصوص القرآن والسنة ذكرت الوجه واليدين والعينين والقدم والساق وهي على الحقيقة، والنول وهو على حقيقته ولف فيه مجلد يهرف فيه بذكر الخلاف هل عند النزول يخلو العرش ام لا يخلو، و ( الباعث الثاني ): زعمه قيام الحوادث بالذات الإلهي تعالى وتقدس عما يقول، لان النصوص ذكرت ما يدل على تجدد الارادة والعلم والسمع والبصر، ونفي المجاز يقوي بدعته، و ( الباعث الثالث ) ثم يخرج من ذلك بمحصلة هي: أن جمهور الأمة السادة الأشاعرة المنزهين لله سبحانه مبتدعة ضالون معطلون للنصوص التي تدل على الوجه واليد والعين والساق، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه،

[ ]  ( الباعث الاول ) مناصرته لعقيدة التجسيم تعالى الله عما يقول: فهو بإنكاره المجاز يريد أن يقول: إنه لا يقصد التجسيم ولا يريده ولكن ما حيلته والنصوص تفيد ذلك ؟ فنصوص القرآن والسنة ذكرت الوجه واليدين والعينين والقدم والساق وهي على الحقيقة، والنول وهو على حقيقته ولف فيه مجلد يهرف فيه بذكر الخلاف هل عند النزول يخلو العرش ام لا يخلو،

[ ]  الرد على الباعث الأول: قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران: 72]، فهل للنهار وجه على الحقيقة، وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار، وقوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة: 108]، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه، وقوله تعالى: { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف: 9]، هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج: 11]، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة، وقوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة: 112]‏، فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله، لذلك تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة،

[ ]  والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها، قوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ }، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟، وقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏، هل للرحمة يدين ؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }، هل للعذاب يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً }، هل للنجوى يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ }، وقوله تعالى: { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ }، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، وقوله تعالى: { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }، وقوله تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏، هذه الآيات الكريمات توضح أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى }، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم، وقوله تعالى: { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر، فهذا لا يقوله عاقل، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى، وقوله تعالى: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين، وقوله تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً  النبي صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط،

[ ]  قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح: 10 ]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقوله تعالى: { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات، فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة { كن فيكون }، إذن المعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه،

[ ]  ( الباعث الثاني في انكاره للمجاز ): زعمه قيام الحوادث بالذات الإلهي تعالى وتقدس عما يقول، لان النصوص ذكرت ما يدل على تجدد الارادة والعلم والسمع والبصر، ونفي المجاز يقوي بدعته، أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام: 76]، قال المفسرون:قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، الأفول معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، ( جناب الذات الإلهي ) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث،

[ ]  ( الباعث الثالث ) ثم يخرج من ذلك بمحصلة هي: أن جمهور الأمة السادة الأشاعرة المنزهين لله سبحانه مبتدعة ضالون معطلون للنصوص التي تدل على الوجه واليد والعين والساق، والذي ينبغي عليّ قوله، وانا على قناعة تامة بما أقول: لقد اكرم الله تعالى الامة بالإمامين: ( أبي الحسن الأشعري وأبي  منصور الماتريدي ) تخصصا في علوم العقيدة وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة، وصار المذهبان هما جناحا أهل السنة والجماعة في العقيدة، وعلماء المذهبين هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهذه المدارس هي: ( المدرسة الأثرية ) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، وهذه المدرسة لا تخوض في المتشابهات وإنما تكل العلم بمعانيها إلى الله، ولكن ابتليت هذه المدرسة بالأدعياء من اهل الحشو والتجسيم والزيغ فنازعوا منبرها وشغبوا على صفاء منهاجها فينبغي الحذر من مناهج هؤلاء ومنهم الشيخ ابن تيمية وأتباعه، ومذهب هؤلاء هو الحشو والتجسيم، مهما أنكروا ذلك، ومذهبهم ( تكييف وجود الله ) وهذا التكييف مفاده: هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وأن العالم المخلوق تحته، وانه موجود بذاته في مكان وفي جهة من جهات الكون، وأنه بذاته على عرشه حقيقة، وانه ينزل إلى السماء على الحقيقة، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يحده العرش من تحته، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن هؤلاء واكثروا حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، مع انها متشابهات تعارض الأحدية المطلقة التي تعدل ثلث القرآن، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة التي تمنع من الأبعاض والأجزاء والجوارح، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، فالله تعالى ليس كمثله شيء، ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  تقدس أن يكون له مثيل او شبيه  هو سبحانه  الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، إن آفة هؤلاء الحشوية أنهم لم يدرسوا قواعد التقديس ولم يطلبوا علم العقيدة على يد المتخصصين، فالحذر الحذر أن يسير أحد من المسلمين خلف هؤلاء لانهم ليسوا من ذوي التخصص في العقيدة، لقد اكرم الله تعالى الامة الإسلامية بالتخصص العقدي، متنثلا في المذهبين الأشعري والماتريدي، وصار ( المذهبان ) المذهب الأشعري والمذهب الماتريدي هما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج اهل الحق، وصارا جناحا أهل السنة والجماعة في علوم العقيدة، هم الذين ضبطوا مسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وردوا على جميع المخالفين من اهل البدع الضالة المضلة، الأشاعرة والماتريدية علماء متخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية ( أهل السنّة والجماعة ) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء لولاهم لمال البعض إلى الحشو والتجسيم كحال ابن تيمية واتباعة، ولمال الآخرون إلى الاعتزال والتعطيل ولولاهم لما استطاع المسلمون إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع، ولولاهم لما عرف المسلمون الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المتخصصة، وبيان نظرتها إلى الطوائف المخالفة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء، هم اهل الذكر في العقيدة، والله تعالى يقول: { فاسالوا أهل الذكر غن كنتم لا تعلمون }، تلك هي في الحقيقة بواعث ابن تيمية الثلاثة لإنكار المجاز،

[ ] الخلاصة: القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى: { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء: 192 إلى  195]، فما  كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول: ( ومن قدح في المجاز، فقد خبط خبطا عظيما ) أهـ [ أسرار البلاغة: صـ ٣٦١ ]، وقال السيوطي: ( ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن ) أهـ [الإتقان ج: 2 ص: 97 ]، لقد أنكر الامام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم المجاز في القرآن، وقد جاء هذا الانكار بحجة أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزّه عنه، وهذا من الجهل باللغة، فإنّ المجاز هو علم البيان بأجمعه، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي، أما  بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز ؟   ( الباعث الاول ) مناصرته لعقيدة التجسيم تعالى الله عما يقول: فهو بإنكاره المجاز يريد أن يقول: إنه لا يقصد التجسيم ولا يريده ولكن ما حيلته والنصوص تفيد ذلك ؟ فنصوص القرآن والسنة ذكرت الوجه واليدين والعينين والقدم والساق وهي على الحقيقة، والنول وهو على حقيقته ولف فيه مجلد يهرف فيه بذكر الخلاف هل عند النزول يخلو العرش ام لا يخلو، و ( الباعث الثاني ): زعمه قيام الحوادث بالذات الإلهي تعالى وتقدس عما يقول، لان النصوص ذكرت ما يدل على تجدد الارادة والعلم والسمع والبصر، ونفي المجاز يقوي بدعته، و ( الباعث الثالث ) ثم يخرج من ذلك بمحصلة هي: أن جمهور الأمة السادة الأشاعرة المنزهين لله سبحانه مبتدعة ضالون معطلون للنصوص التي تدل على الوجه واليد والعين والساق، وقد رددنا على ذلك كلة والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، كان هذا ما تيسر في بيان مجاز اللغة وبلاغة القرآن وان فهم هذه البلاغة فتح عظيم لعلم العقيدة لاسيما قسم ( الإلهيات ) وعلم التقديس، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

 

***

 

المحاضرة الخامسة عشرة 

الله موجود بلا كيف ولا حد ولا مكان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة: بيان: الله موجود بلا كيف ولا حد ولا مكان، والعجز عن الادراك هو غاية الإدراك، لأنه لا تدركه الأبصار ولأنه لا يحيطون به علما، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  الله تعالى موجود بلا كيف، الكيف مخلوق، والكيف يستحيل على الله، ( الأحدية المطلقة ): تمنع من الكيف، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف، الكمال المطلق يمنع من الكيف، نفي المثلية يمنع من الكيف، القدم الأزلي يمنع من الكيف، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف، نفي الحد يمنع من الكيف، نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان، يمنع من الكيف، نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف، الأولية بلا ابتداء، والأخروية بلا انتهاء، كلاهما يمنع من الكيف، قوله تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد: 3 ]، يمنع من الكيف، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء ))  [  أخرجه مسلم ]، يمنع من الكيف، تقدس في وجوده المطلق عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، لا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ولا يقال في وجوده أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون، والدخول والخروج، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار،، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك، { ليس كمثله شيء }، { ولم يكن له كفوا احد }، له الكمال المطلق، أحد منزه عن الانقسام، صمد منزه عن التركيب والاحتياج، غني حميد، أحديته المطلقة تمنع من الانقسام، وما سواه اجسام محدودة منقسمة يمينها غير شمالها، وفوقها غير تحتها، وامامها غير خلفها، أما هو سبحانه ليس كمثله شيء، فليس له يمين ولا يسار، ولا فوق ولا تحت ولا أمام ولا خلف، إذ هذه صفات الأجسام المنقسمة إلى أجزاء وأبعاض، وصمديته المطلقة، تمنع من التركيب من الأجزاء والابعاض، ومن الجوارح والصور والأشكال، له الصمدية المطلقة التي تمنع من الحاجة، والمركب محتاج في وجوده إلى اجزائه، وينشأ عن تركبه ظهور الصور والأشكال، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار: 8 ]، والتركيب يستحيل على جناب الذات , وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، تقدس وتنزه عن الصور  الأشكال، سبوح قدوس نعجز عن إدراك كنه جناب ذاته، وهذا العجز هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي، فالمقصود بالتسبيح هو التنزيه والتقديس لله، والاعتراف بالعجز عن الادراك، { لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير }،

[ ]  الأحدية المطلقة تمنع من الكيف، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف: ( الله تعالى ) هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ): ثبت في الصحيحين أن قراءتها تعدل قراءة ثلث القرآن لذا وجب أن تكون من المحكمات وأن تشتمل على أعظم أصول الاعتقاد والتقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، واهم تلك الاصول أربعة: ( الأصل الأول ): وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض، فالاحدية المطلقة: تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، و (  الأصل الثاني ): وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه، له سبحانه تمام الغنى والحمد، والصمدية المطلقة تنفي التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والصمدية المطلقة تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس الصور والاشكل، لان الصمدية تعني نفي التركيب ونفي التركيب يعني نفي الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، و ( الأصل الثالث ): وصف الله تعالى بالقدم أول بلا ابتداء  وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث  { لَمْ يَلِدْ }  لا ينفصل منه شيء، ولا يكون منه شيء حادث، { وَلَمْ يُولَدْ } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته التغير والحدوث، و (  الأصل الرابع ): نفي المثلية عن جناب الحق: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  تقدس أن يكون له مثيل او شبيه،

[ ] { اللَّهُ أَحَدٌ }: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض، ( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، ( الأحدية ) لها معنى و ( الاحدية المطلقة ) لها معنى أوسع ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والانسان قدرته محدودة وهكذا السمع والبصر سمع الإنسان محدود وبصره محدود فلا يسمع ولا يبصر إلا ما تقوى أجهزته السمعية والبصرية على استيعابه أما سمع الله تعالى فهو مطلق يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع هذا هو السمع المطلق وكذلك له البصر المطلق الذي لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة وهو بكل شيء شهيد وهو كذلك له الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، الأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء، { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، { اللَّهُ الصَّمَدُ }: له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، (  الصمدية المطلقة ): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }: تقديس الله تعالى عن الحدوث، { لَمْ يَلِدْ }  لا ينفصل منه شيء، ولا يكون منه شيء حادث، { وَلَمْ يُولَدْ } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه،

[ ]  الكمال المطلق يمنع من الكيف، من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، قال تعالى: { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ): الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، الكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية، لا رب سواه ولا معبود غيره، الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، الكمال المطلق لا يقبل الحوادث، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، لأنه قبل التغير من حال إلى حال، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو، الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، الحد معناه التناهي، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، الكمال المطلق أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته، الكمال المطلق يضاد الحد والتناهي، لان كل ما يقبل الحد  فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لكماله المطلق، منزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية،

[ ]  نفي المثلية يمنع من الكيف، أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس  هي قوله سبحانه: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، هذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه، { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهيات الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، والله الله تعالى يقول: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، فدلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، وبالتالي فإن كل ما يوهم شكل جناب الذات فهو متشابه لابد من رده إلى محكمه، من قوله تعالى { ليس كمثله شيء }، وقوله تعالى: { قل هو الله احد }، { ليس كمثله شيء } يتناول نفي المساواة المتعلقة بجناب الذات من جميع الوجوه، وصحة الاستثناء تقتضي دخول نفي كل أوجه الشبه بين جناب الحق في ذاته وبين خلقه، فلو كان يصح عليه الحركة او السكون لشابه مخلوقاته في ذلك، ولو كانت تصح عليه الحدود والأشكال والصور والالوان لشابه خلقه في ذلك ولما صح الاستثناء المطلق في الآية، فلو كان متحركا لحصل من يماثله في الحركة  فحينئذ يبطل معنى الآية ولا يصح الاستثناء، فدل ذلك كله على ان نفي المثليه في قوله تعالى { ليس كمثله شيء } يتعلق بجناب الذات،

[ ]  القدم الأزلي يمنع من الكيف، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف، نفي الحد يمنع من الكيف، ( القـدم ) هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى:{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء )) [ أخرجه مسلم ]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله )) [البخارى ومسلم ]، ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، ( القديم الذاتي ) يمنع من الحد والبداية والنهاية، لان ما له حد فهو محدث لقبوله الحد، وما له بداية فهو محدث لقبوله البداية، وما له نهاية فهو محدث لقبوله النهاية، ( القديم الذاتي ) يمنع من الصور والأشكال لان ما له صورة فهو محدث لقبوله التركيب لان الصور لا تنشأ إلا من التركيب، قال تعالى: { في أي صورة ما شاء ركبك }، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام: 76]، قال المفسرون:قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }، لا معنى للأفول إلا التغير والتبدل، و ( جناب الذات الإلهي ) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث،

[ ]  نفي الحد يمنع من الكيف: الحد معناه التناهي، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، الله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، الله متعالي عن الحد والنهاية، لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لذاته، الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث، وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته فلا حد لذات الله تعالى وتقدس ولا حد لصفات الله عز وجل، (( الله أكبر )) ومعناها: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار، الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه، ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق، لحدود مخلوقة والله عز وجل هو خالق الحدود فلا تجري الحدود على ذاته، والنهايات علامات المخلوقات أنهاها الخالق بعلمه الذي ليس له حد {وسع كل شيء علما} وبقدرته التي ليس لها فيها حد {وكان الله على كل شيء مقتدرا }، لا انتهاء لقدرته ولا حد لعلمه فكذلك ذاته المقدسة تنزهت عن الحد والحصر والمقدار، لأن الحد نقص والحصر عجز والمقدار خلق و ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال) على كل نهاية ومقدار، حد الحدود وقدر المقادير على خلقه لا على ذاته سبحانه هو الواحد القهار، ( تنبيه ): ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين، كمالات الذات لا تتناهى، فلا حد حسي ولا معنوي لذاته تنتهي إليه، ولا مقدار لها يحدد قدرها، لأنّ الحد مهما اتسع، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر، أو اعظم منه، لأنّ من أسمائه الحسنى: الكبير  المتعال، والعلي العظيم، منزه عن الحدود، أكبر من كل تصور، وأعظم من أن نحيط به علما، { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه: 110 ]،

[ ]  نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان، يمنع من الكيف، المكان دائما أكبر من المتكون فيه، والله أكبر من كل كبير، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله لا حد ولا غاية، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط، والمكان اعلاه الظاهر وأدناه الباطن، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء، مقدس عن المكان، الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والأحدية المطلقة تمنع من التجزؤ والانقسام، ولهذا جل الإله الواحد القهار الأحد الصمد عن الكون في المكان، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، الله تعالى هو الواحد القهار، هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان، وهو القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، وهو سبحانه القاهر على الزمان، فلا يجري عليه زمان، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة، والله تعالى خالق مقدِر، تنزه سبحانه عن الحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص، لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ

[ ]  نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف، ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم }، والجسمية تناقض الأحدية، ( الأحدية المطلقة )، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض، والله تعالى: [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، ( الجسمية )  تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، ( الجسمية ) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها: الحد والمقدار، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص، ومنها التحيز والكون في المكان، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله، والله تعالى لا يحيط به شيء، ألا إنه بكل شيء محيط .

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات، لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار: 8 ]، والتركيب يستحيل على الله تعالى ,   الأحدية المطلقة تعني تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   والصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا،

[ ]  [ الخلاصة ]: الله تعالى موجود بلا كيف، الأحدية المطلقة تمنع من الكيف، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف، الكمال المطلق يمنع من الكيف، نفي المثلية يمنع من الكيف، القدم الأزلي يمنع من الكيف، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف، نفي الحد يمنع من الكيف، نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان، يمنع من الكيف، نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف، الأولية بلا ابتداء، والأخروية بلا انتهاء، يمنع من الكيف، قوله تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد: 3 ]، يمنع من الكيف، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء ))  [  أخرجه مسلم ]، يمنع من الكيف، ( الله موجود بلا كيف ): تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، بلا كيف، ولا مكان ولا زمان، ولا حد ولا مقدار، لا يحده مكان ولا يجري عليه زمان، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، استواؤه على العرش استواء صفات الربوبية والدبير، لا استواء ذات وقربه من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، وإحاطته بالخلق احاطة صفات لا احاطة جناب الذات،

[ ]  كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و  كل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض القدم الازلي لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الأجزاء والابعاض لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم التغير والحدوث وقبول الحوادث فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه، وكل ما أوهم الفوقية الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة السادسة عشرة

 استواء الله على العرش استواء صفات لا استواء ذات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة بيان ان الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون استواء الله استواء ذات لا استواء صفات،

[ ]  أقول وبالله التوفيق: الله تعالى غيب الغيوب لا يدرك، موجود بلا كيف، لا يجوز تكييف الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي، لا يغيب عنه شيء، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه وذاته، مقدس عن الغايات والحدود، وعن الكون في المكان المحدود، استواؤه استواء صفات، وقربه قرب صفات، وإحاطته إحاطة صفات،

[ ]  أهل التكييف متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم )،

[ ]  الاستواء ذكر في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف ولا حد ولا صورة ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد،

[ ]  تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، ولا صورة ولا شكل ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ولا يقال أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون، والدخول والخروج، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك، { ليس كمثله شيء }، { ولم يكن له كفوا احد }، جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف ولا حد، ولا أين، ولا متى، لانه خالق المكان والزمان، من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود، ولا كمثل جناب ذاته ذات، ولا كمثل صفاته صفات، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الإلهيات: تصفية الذهن عن المحسوسات والمرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ( جناب الذات ) تعالى وتقدس: { ليس كمثله شيء }، غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، قال تعالى: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا }،

[ ]  هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات، وهذه المعرفة من اعظم العلم، أما ( المعرفة المستحيلة ): هي الإحاطة علما بالحق، والإنسان مهما أوتي من علم، علمه محدود لأنه محدود، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود، ولا يستطيع الوقوف على كنهه، لأن جناب الذات لا يحاط بها ولا يعرف كنهها، لا في الذهن ولا في الخارج، لأنه سبحانه مطلق، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود، قال تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ]،

[ ]  التصور المطلق للحق محال، لأننا محاطون بظواهر جسمانية وقيود زمانية ومكانية وأفكارنا محدودة محصورة بنوع من التفكير، يستحيل علينا إدراك موجود مطلق قديم أزلي خال من أي قيد أو شرط، فالمعرفة ممكنة، والاحاطة محالة، باب المعرفة مفتوح، والوقوف على كنهه وحقيقته محال، و ( المقصود من علم التقديس ): هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص والتسبيح الدائم، { ليسَ كَمِثلِهِ شيء } غيب الغيوب لا يدرك،

[ ]  نبدأ في حل اشكالية الاستواء: ( أ ) أهل التنزيه في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة، وهو جل شأنه القريب منا ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ولكنة قرب منزه عن الحلول والإتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير ) كما أن الإستواء إستواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والإستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله، وكما أنه منزه عن الحلول والإتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد،

[ ]  عند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها  كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعم به اهل الحشو من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن،

[ ]  عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة ومنزه عن الوهم والخيال، جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة: 186 ]، وقوله تعالى: { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } [هود: 61 ]، وقوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق: 16 ]، وقوله تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) } [ الواقعة: 85 ]، وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات،

[ ]  جاء في الإحاطة: قوله تعالى: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء: 126 ]، وقوله تعالى: { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت: 54 ]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه،

[ ]  الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }،

[ ]  ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته،

[ ]  ( الآية الاولى ): قال تعالى: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ الأعراف 54-55]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية،

[ ]  ( الآية الثانية ): قال تعالى: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس 3 ]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير،

[ ]  ( الآية الثالثة ): قال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } [ الرعد 2 ]، المفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى يدبر الأمر وقوله تعالى بلقاء ربكم، واضحة: الاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت،

[ ]  ( الآية الرابعة ): قوله تعالى: { طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } [ طه 4،5، 6]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء رحمة وملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الاستواء مقرونا باسم الله تعالى وتقدس ( الرحمن )، وهو استواء ربوبية وخلق وتدبير، بقرينة قوله تعالى: { تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى }، وقوله تعالى { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى }، للدلالة على استواء الملك والهيمنة والتدبير، فإن قال أهل الحشو والبدعة والضلالة: إن حمل قوله تعالى: ( ثم استوى على العرش ) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير  وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً استواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض، قلنا: إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها، وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل والمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض، ثم لا ننسى قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [الحاقة: 17 ] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق  أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله، والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير،

[ ]  ( الآية الخامسة ): قال تعالى: { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان 59 ]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية ورحمة بدلالة قوله { خلق السموات والأرض وما بينهما }، ودلالة ارتباط الاستواء باسمه الأقدس ( الرحمن ) { مَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا }، فهو الخالق للكون بما فيه وهو ربه ومدبره، وسعت رحمته كل شيء،

[ ]  ( الآية السادسة ): وقال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ } [ السجدة 4 إلى 7]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله ( ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع )،

[ ]  ( الآية السابعة ): قوله تعالى: { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد: 2 إلى 5 ]، والمفتاح: الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون، ( أولا ): فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، (  ثانيا ): قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن الظاهر يدل على العلو والباطن يدل على السفل والله تعالى خالق المكان بعلوه وسفله وهو منزه عن المكان وعن الاتحاد بالمخلوق أو الحلول فيه . وهذا يدل على بطلان قول الحشوية أنه في العلو على سبيل الحس دون السفل ونحن نقول أنه منزه عن العلو المحسوس والسفل المحسوس الذي يقاس بالمسافة ومع ذلك فهو أقرب إلى أحدنا من حبل وريده سبحانه ليس كوجوده وجود وليس كقربه قرب  ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، ( ثالثا ): قوله تعالى { وهو معكم أينما كنتم } دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شي ء، ( رابعاً ): جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية )، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، إنّ المنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء، لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد، الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }،

[ ملاحظات مهمة ] ( ملاحظة أولى ): استدلت الجهمية من هذه الآيات على أن الله موجود بذاته في كل مكان  لأنه الظاهر والباطن وأنه معنا حيث كنا فأنتصب العلماء للرد على هذه البدعة وأوضحوا أن كلمة  بذاته زيادة شنيعة زادتها الجهمية في دين الله وأن الله تعالى قريب لا يغيب عنه مكان ولا يبعد عنه مخلوق ولكنه منزه عن الحلول بذاته في أي مكان، ثم ظهرت الحشوية وقالوا أن الله موجود في مكان دون مكان ومكانه العرش وقال الأغبياء منهم أن العرش مكانه وأنه أكبر من ذات الرحمن بمقدار أربعة أصابع استدلوا له بحديث لا يصح ولا يجوز أن نأخذ من مثله حكما في الوضوء والطهارة فضلاً عن حكم يتعلق بذات الرحمن، فانتصب الأصوليون من هذه الأمة لهذه البدعة وفندوا أخطاءها وأظهروا عوارها وبينوا أن الأماكن كله محدودة والله لا حد له وأن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان تنزه عن الحاجة إلى العرش وما دونه من المخلوقات حي قيوم قائم بنفسه قائم على حاجات خلقه ليس كمثله شيء له كمال الغنى سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو سبحانه كما أثنى على نفسه، ( ملاحظة ثانية ): نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء كون الذات العلية مستوية مكاناً على العرش قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال: (( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له )) رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يمارى فيه إلا جهول مأفون، ( ملاحظة ثالثة ): و نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء إلى السماء أنه الإنتقال من الأرض إلى السماء وذلك في قوله تعالى ((هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم )[ البقرة 29] أن  تصورهم الاستواء بهذه الصورة محض باطل وجهل عظيم ومشابهة لليهود في التجسيم والنصارى في الإتحاد والحلول لأنه يدل على حدوث العلو بعد السفل تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا والمعنى الصحيح الذي عليه الأئمة المفسرين أنه سبحانه قصد إلى خلق السماء  وليس صعد من الأرض إلى السماء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا،

[ ]  كان هذا ما تيسر في بيان: أن: الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون استواء الله استواء ذات لا استواء صفات، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة السابعة عشرة  

فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة بيان أن فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  المكان محال على الله، المكان دائما أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء وهو اكبر من المكان، فلا يصح أن يحويه مكان، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله منزه عن الحد والحيز، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن  والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء  وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان، المكان محدث مخلوق والله تعالى له القدم الأزلي كان قبل المكان وهو على ما عليه كان،

[ ]  الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و ( الاحدية المطلقة ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى  في مكان،

[ ]  يستند الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بمتشابهات من الكتاب والسنّة، وقد اخبرنا الله أن الذين يتتبعون المتشابه في قلوبهم زيغ، أما اهل التخصص فهم الراسخون في العلم يردون تلك المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم القطعي من تقديس الله تعالى عن المكان وعن الزمان وعن الحد وعن التغير والحدوث، قال الطحاوي رحمه الله: ((   تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ

[ ]  إنّ عدم تقديس الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، وإنّ عدم تقديس الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد، وإنّ عدم تقديس الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، والله تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان،

[ ]  قوله تعالى ( قل هو الله أحد ) يعدل ثلث القرآن، ومعناه تقديس عن المكان، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض، ( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا لأنه متبعض بعضه يكون بيمين المكان، وبعضه يكون بيسار المكان، ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان،

[ ]  قام ابن القيم بجمع شبهات أهل الحشو على نسبة الجهة والمكان إلى الله، وأنا إن شاء الله أذكر الشبهة وأذكر مفتاحها، وإلا فابن القيم لأنه لم يدرس مقدمات العقيدة وأصول التقديس، فهو يظن أن نفي المكان نفي لوجود الرحمن وهذا بسبب الحشو الذي تسرب إلى معتقده، وإلا فالله موجود بلا كيف ولا مكان ولا زمان ولا حد ولا مقدار، وهذا ما لا يهضمه ابن القيم،

[ ]  يستدل ابن القيم   بقوله تعالى: { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل: 50 ]، ( الفوقية ) ترد لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به إلا المجسمة، وثانيهما: بمعنى المرتبة كما في قوله تعالى: { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات }، إذن في الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف: 127 ]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل،

[ ]  يستدل ابن القيم    بقوله تعالى: { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [ الأنعام: 18 ]، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير، لا فوقية مكان كما يقول أهل اللغة: السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة،

يستدل ابن القيم  بقوله تعالى: { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [ المعارج: 3، 4 ]، عروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده، لأنها مكان لا يعصى فيه الله تعالى، فهو مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله

[ ]  يستدل ابن القيم   بقوله تعالى: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } [ فاطر: 10 ]، { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم،

[ ]  يستدل ابن القيم   بقوله تعالى: { بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ } [ النساء: 158 ]  , وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران: 55 ]، والمعنى في الآيتين: أي إلى مكان كرامته في السماء، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله، ولنا أن نقول: من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية، ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في جهة العلو في الجهة، وهذا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية،

[ ]  يستدل ابن القيم  بقوله تعالى: { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة: 255 ] , وقوله تعالى: { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ: 23 ]  , المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: { قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى }، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي، وأنّه أعلى مسافة منه، وكذلك قوله تعالى: { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ آل عمران: 139 ]، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع، وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها: ((  ونادَى أبو سفيان فقال ( اعْلُ هُبَل ) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم ( الله أعلَى وأَجَلُّ ) ))، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض، والله تعالى قريب، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده،: { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا } [ المجادلة: 7 ]، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة، والمسلم حين يقول وهو ساجد . { سبحان رَبِّيَ الأعلَى }، معناه: سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً،

[ ]  يستدل ابن القيم بقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [ غافر: 2  ]، على أن الله تعالى في مكان مرتفع، وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله، تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،

[ ]  يستدل ابن القيم      بقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف: 206 ] , على اختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده بالمسافة وأن بعضها أقرب إليه من بعض، المراد من العندية: هي عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان،

[ ]  يستدل ابن القيم      بقوله تعالى: { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك: 16 ]، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في علو الرتبة والمقام، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، كما يستحيل على القديم أن يقبل المحدث، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي، وقد أجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن التقيد بالمكان، إذن المحكم من المعاني هو: { أأمنتم من في السماء }: أي من في العلو مكانته وقدرته وسلطانه، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى، وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها نمن صفات العجز والنقص، قال القاضي عياض: (  لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله ( ءأمنتم في السماء ) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم ) أهـ [ إكمال المعلم: ج2ص465]، وقال القرطبي: (  ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة،

[ ]  يستدل ابن القيم      بحديث الترمذي: (( إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين )) [ صحيح الترمذي للألباني: ح ( 3556 ) ]، على أن الله في جهة العلو، والرد هو أنّ: السماء قبلة الدعاء، كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة، فترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، وقال الحافظ ابن حجر: ( السماء قِبْلة الدعاء كما أن الكعبة قِبْلة الصلاة ) أهـ  [فتح الباري (2: 233)]، ونقول له لو كان الله على العرش بذاته، فلم قال المولى تبارك وتعالى: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا }  والإيمان هو اعتقاد الغيب، فحملة العرش يؤمنون بالله والمسلمون يؤمنون بالله لان نسبة العرش إلى الله كنسبة الأرض إلى الله نسبة الخلق إلى الخالق، لا نسبة إلا الطاعة، وأقول لهم: إن الله خلق العرش إظهارا لعظمته لا مكانا لذاته لانه تقدس عن المكان،

[ ]  يستدل ابن القيم : بحديث: (( أين الله )) في حديث مسلم: (( قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم: ح  (537) ]، [  أقول ]: حديث الجارية له روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) بقولها ( نعم ) و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) بقولها ( في السماء ) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم: الامام الحافظ البيهقي، والامام الحافظ البزار، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، وخلاصة الأمر: أن الحديث جاء صحيحا بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح بلفظ: (( أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت نعم، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ قالت نعم، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها ))  [ أخرجه الإمام في الموطأ [ 2: 777 ح (1469) ]، وجاء بلفظ ( من ربك ) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان بلفظ: (( من ربك ؟ قالت الله، قال: من أنا ؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة ))، والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة، ولعل هذا السبب ما حدا بأكثر النحويين إلى ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث، إذن قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، ( ثم ) من قال بصحة حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه يحمل لفظ ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، فحديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم،

[ ]  يستدل ابن القيم      بحديث البخاري ومسلم: (( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له ))، أقول: للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } [ سورة الزمر ]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وقوله تعالى: { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } [ سورة الحديد ]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، وللنزول الحقيقي لوازم فاسدة: من تلك اللوازم: ( أ ) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، ( ب ) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، ( ت ) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم ( أربعة وعشرون ساعة نازل صاعد ) وهل يقول بهذا إلا أحمق مجنون، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك، القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال، كما أنّ النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت، أمّا حل إشكالية حديث النزول فتتمثل فيما أخرجه النسائي لحديث النزول بلفظ: (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى ))، وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [ طه: 14 ]، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى: ((  مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) ومعلوم أنّ العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر،

[ ]  يستدل ابن القيم    بالاستواء على انه استواء مكان بدليل قوله عن الذين قالوا أنه استواء تدبير بأنهم أخلوا العرش من الرحمن ويقولون ليس فوق العرش رب، وأهل التكييف ومنهم ابن القيم متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم )، وقد قال تعالى: { ثم استوى على العرش يدبر الأمر } فكان التدبير بمثابة المفتاح لفهم الاستواء، الاستواء ذكر في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف ولا حد، ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد،

[ ]  تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ولا يقال أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون، والدخول والخروج، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك، { ليس كمثله شيء }، { ولم يكن له كفوا احد }، جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف ولا حد، ولا أين، ولا متى، لانه خالق المكان والزمان، من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود، ولا كمثل جناب ذاته ذات، ولا كمثل صفاته صفات، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الإلهيات: تصفية الذهن عن المحسوسات والمرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ( جناب الذات ) تعالى وتقدس: { ليس كمثله شيء }، غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، قال تعالى: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا }،

[ ]  أهل التنزيه في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة، وهو جل شأنه القريب منا ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ولكنة قرب منزه عن الحلول والإتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير ) كما أن الإستواء إستواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين، القرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والإستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله، وكما أنه منزه عن الحلول والإتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في الأرض أو السماء أو العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد،

[ ]  عند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها  كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأمّا ما يزعم به اهل الحشو من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، قال تعالى: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } [ يونس 3 ]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير، كان هذا ما تيسر في بيان أن فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان، ورحم الله الطحاوي حيث قال: ((   تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الثامنة عشرة 

 الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة: الوجه واليد والعين إذا اضيفت إلى جناب الذات الإلهي فهي صفات وليست اجزاء من ذات، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  الوجه واليد والعين في اللغة اجزاء من ذات وليست صفات، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو ( الجزئية والبعضية ) لان الله تعالى ليس كمثله شيء، له الأحدية المطلقة، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، إذن: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات،

[ ]  في المدرسة السلفية المعاصرة اوهموا الناس بان الوجه واليد والعين صفات محكمة لله تعالى مثلها مثل صفات العلم والقدرة والسمع والبصر، ثم أوهموا الناس أن من فرق بينهما فهو معطل، وأنه من شر الفرق، ثم كانت الطامة عندما زعموا أنها صفات أعيان، ولا معنى للاعيان في اللغة إلا الأجزاء، فكأنها دعوة إلى التجسيم، وفي هذه الحلقة إن شاء الله تعالى بيان مدي المغالطات في هذا الامر، نسأل  الله تعالى ان يهدينا للحق والصواب،

[ ]  ابن تيمية دائما كان يلهج لسانه بذكر الصفات الخبرية (الوجه واليد والعين )، وارتكب أربع مغالطات، الأولى: زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات، وإنما أجزاء من ذات، والأحدية المطلقة لله تمنع من قبول الأجزاء، وهذه اخف المغالطات، لأننا يمكن ان نحملها على صفات الله أعلم بمراده منها، والمغالطة الثانية أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام، بل هي متشابهة لأسباب عديدة سياتي بيانها، والمغالطة الثالثة: أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم، والمغالطة الرابعة: أنه اتهم من أولها وردها إلى محكماتها من الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة بالتعطيل وهذا تعدي على اهل العلم المتخصصين في العقيدة، وهذا ظلم لاهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، وسيأتي بإذن الله تعالى كشف تلك المغالطات الواحدة تلو الأخرى، ولا يصح إلا الصحيح، وهو قول اهل التخصص وقد قال تعالى: { ولا ينبئك مثل خبير }،

[ ] المغالطة الأولى: زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات، لان هناك فرق بين الصفات وبين اجزاء الذات التي ترسم شكل الذات، الصفات كالعلم والقدرة والسمع والبصر، هذه صفات لا خلاف في ذلك، ولكن الوجه واليد والعين ( في اللغة ) أجزاء من ذات وأبعاض من الذات ترسم شكل الذات، وليست صفات، فكان هذا من التدليس الذي لا يصح، لأن من أظهر صفات الأحدية المطلقة منع الأجزاء والابعاض، ومن أظهر صفات الصمدية المطلقة منع التركيب من الأجزاء والابعاض،

[ ] المغالطة الثانية: أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام، بل هي متشابهة لأسباب عديدة، من تلك الاسباب: ( أ ) أن معانيها في اللغة هي الأجزاء والابعاض، وليس الصفات ( ب ) هذه الألفاظ لا تعود إلى أسماء حسنى، فالقدير يعود إلى صفة القدرة، ولكن (الوجه ( ث ) لم يأت نص في القرآن يشير إلى كونها محكمة، فالمحكم نعلمه من مثل قوله تعالى { فاعلموا ان الله سميع عليم }، و من مثل قوله تعالى { إن الله على كل شيء قدير }، بالتأكيد على صفة القدرة، وكل ما جاء في آيات الوجه واليد والعين أخبار لا تحمل معنى التأكيد، كما أن استعمالها له مجاز معلوم في لغة العرب وهي دائما مصحوبة بقرائن تحتم حملها على المعنى المجازي وسيأتي بيان ذلك، واليد والعين ) لا تعود إلى أي اسماء حسنى، ( ت ) استعمالها في اللغة على أنها أبعاض من ذات، والأحدية المطلقة تمنع من قبولا الأجزاء والابعاض، والاحدية محكمة لانها تعدل ثلث القرآن، فما عارض الاحدية متشابه لا مناص من ذلك،

[ ] المغالطة الثالثة: أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم، قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل صفات عينية،: (( كلام الصحابة في إثبات الصفات العينية الخبرية التي تسميها نفاة الصفات تجسيما أكثر من أن يمكن سطره هنا ))، ومعنى كلامه: أنّ الصفات الخبرية ((اليد , العين , الوجه, الأصابع , الساق , الحقو هي عبارة عن صفات عينية أي ليست معنوية وإنما أعيان، ولا معنى للأعيان إلا أن تكون أجزاء من جناب الذات، وليس لها معنى غير ذلك، لأن اليد غير العين والعين غير الساق والساق غير الحقو وكل من هذه أعيان، فوجود أكثر من عين يدل على التركيب لا محالة، والتركيب تجسيم لا محالة،

[ ] المغالطة الرابعة: أنه اتهم من أولها بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم، أربع مغالطات لابد من التفطن إليها وحل مشكلاتها،

[[ أولا ]] لماذا التدليس وتسميتها صفات مع انها في اللغة اجزاء من ذوات، فليس الوجه واليد والعين سوى أجزاء ترسم شكل الذات، والله تعالى له الاحدية المطلقة التي تمنع من الكثرة وقبول الانقسام، فتسميتها ( صفات ) هو من باب المجاز، وقد سماها بعض السلف صفات احترازا من الظن بانها أبعاض من الذات، ولكن عاد ابن تيمية فسمها صفات اعيان، فعادت لا معنى لها سوى الأبعاض،

[[ ثانيا ]]  من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الجوارح والاجزاء والابعاض وعن الصور والأشكال، قوله تعالى: { قل هو الله أحد }، ( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان له صورة أو جارحة، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال،، الأحدية تمنع من تصور الكثرة في جناب الذات أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء  هناك فرق في المعني بين اسم الله الأحد واسمه الواحد، الله واحد لا شريك له، قال تعالى: { وهو الواحد القهار }، الله احد لا جزء له، قال تعالى: { قل هو الله أحد }،

( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }،

( الأحدية ) لها معنى و ( الاحدية المطلقة ) لها معنى أوسع ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والانسان قدرته محدودة، وهو كذلك له الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء

الأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء،

[ ] كل ما ورد في الشرع مما يوحي الجارحة أو الصورة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن،

[ ] ومثال ذلك ( الوجه ) فنحمله على جناب الذات أو رضا الرب، إذ العرب يقولون نريد وجهك ويقصدون ذاتك أو يقصدون رضاك، وقوله تعالى: { بلى من أسلم وجهه لله }، اسلام القلب هو الاهم، وعلى ذلك يحمل ( الوجه ) في قوله تعالى: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } [ القصص: 88 ]، وقوله تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن: 26 ‘ 27 ]، فلا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، والمعنى كل شيء هالك إلا جناب الحق أو ما أريد به رضا الحق،

[ ] { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام

[ ] { اللَّهُ الصَّمَدُ }: له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب من جوارح على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة،

[ ] (  الصمدية المطلقة ): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب من الجوارح، ونفي التركيب تنزيه عن الصور لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور،

{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }: وصف الله تعالى بالقدم الأزلي وتقديسه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث  { لَمْ يَلِدْ }  لا ينفصل منه شيء، ولا يكون منه شيء حادث، { وَلَمْ يُولَدْ } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث

{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته ليس بجوهر ولا جسم لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  تقدس أن يكون له مثيل او شبيه،

[ ] سورة الإخلاص يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول:

[ ] ( الأول ): وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة ( الله أحد )، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام، منزه عن الأجزاء والابعاض، [ ] ( الثاني ): وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة ( الله الصمد )، ومعناها كمال الحياة والقيومية، وتمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، ( صمد ) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، [ ] و ( الثالث ) تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث ( لم يلد ولم يولد )، [ ] و ( الرابع ): تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد )، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن،

[ ]  أهل الحشو تعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم، والإشكالية أن هذه الألفاظ تعني أجزاء من ذات وهذا استعمالها في اللغة أنها اجزاء من ذات وليست صفات، فالعلم والقدرة والسمع والبصر صفات ومعاني، أما الوجه واليد والعين فهي في حقيقة اللغة أجزاء من ذات والله تعالى هو الاحد الصمد المتصف بالأحدية  المطلقة، من أخص خصائص الاحدية عدم قبول الكثرة والاجزاء والابعاض، ولهذا صارت ألفاظ الوجه واليد والعين من المتشابهات لابد من فهم مجازاتها في اللغة العربية، وفي القرآن الكريم، لأنه أُنزل بلسان عربي مبين،

أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال،

[ ] [ مجاز الوجه في القرآن الكريم ]: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها:

[ ]  قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران: 72]، ليس للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ والآية لا تفيد إثبات الوجه للنهار، ولكنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار،

[ ]  العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين

[ ]  قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة: 108]، ليس للشهادة وجه والآية لا تفيد إثبات الوجه للشهادة، ولكنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه،

[ ]  قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة: 112]‏، فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله،

[ ]  لذلك تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة،

[ ]  المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها،

[ ]  قوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ }، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟،

[ ]  قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏، هل للرحمة يدين ؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه،

[ ]  قوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }، هل للعذاب يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب،

[ ]  قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً }، هل للنجوى يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم،

[ ]  قوله تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏، هذه الآية الكريمة  توضح أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )،

[ ]  قوله تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط،

[ ]  معنى الآيات: أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت: ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا،

[ ]  قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح: 10 ]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله،

[ ]  قوله تعالى: { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى،

[ ]  سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد )، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد،

[ ] فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال { بيدي } قلنا: يقول العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه، فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بصفة القدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون }، فهذا هو صريح القرآن،

[ ]  على ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه

[ ]  بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها، وهذا الوجه مقبول ضمناً،

[ ]  استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتكييف والتجسيم، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم }، وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل،

[ ]  وكذلك ( العين ) تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين، والأحدية تمنع من قبول الأجزاء والابعاض، لذا وجب رد المتشابه إلى أمهاته من المحكم، فتفهم على معاني الحفظ والحراسة والرعاية،

[ ]  أول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني }، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته،

[ ]  الساق في مجاز اللغة يحمل على الشدة و الكرب: تقول العرب: قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها، والملاحظ أنّ الآية: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } بصيغة المبني للمجهول، وحديث مسلم: ((فيُكْشَفُ عن ساقٍ )) بنفس صيغة المبني للمجهول، وحديث البخاري: ((فيكشف عن ساقه )) بصيغة المعلوم، وقد نص الحافظ ابن حجر في الفتح ( 8: 664 ) نقلا عن الحافظ الاسماعيلي وأقره: ( وأما لفظة " ساقه " بإثبات الهاء فهي لفظة غير محفوظة ) ثم قال الحافظ ابن حجر: (  عن ساق ) نكرة أصح لموافقتها لفظ القرآن, حتى لا يُظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين , تعالى الله عن ذلك ليس كمثله شيء ) أهـ [ فتح الباري: ج 8، صـ 664 ]،

إذن: المعنى المراد من قوله تعالى: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ }، أي يُكشف عن شدة يوم القيامة وكربها ويدعى المنافقون إلى السجود لله فلا يستطيعون، وبهذا قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وجمع غفير من التابعين، وسار على ذلك العلماء والفقهاء والمتخصصون في العقيدة، حتى من أثبت بها صفة الساق فقد نزه الله تعالى عن جارحة الساق وإلا صار مجسماً مشبهاً خارجاً عن أهل السنّة والجماعة الناجية ولا كرامة، قال شيخ المفسرين الطبري في تفسيره: قوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق ): قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل يبدو عن أمر شديد

[ ]  كل ما يوحي بالجوارح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  كالساق والقدم واليمين والأصابع، لم يقل أحدٌ من أهل السنة والجماعة أنها جوارح لله، حاش لله تعالى من هذا الظن والوصف سبحانه، وإنما صفات على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست جوارح، ومن جعلها من باب الأجزاء والجوارح، فهو مجسم خارج عن إطار أهل السنة والجماعة إلى الفرق الضالة التي تستحق الوعيد بالنار، ومن جعلها على معناها الظاهر المستعمل في اللغة، وفوض كيفيتها إلى الله تعالى، فهو حشوي لا يدري شيئا عن قانون المتشابه في القرآن ووجوب تفويض علمه إلى الله تعالى، أو رده إلى المحكم من الكتاب والسنة،

[ ] كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب الذات الإلهي تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد،

[ ] بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها، وهذا الوجه مقبول ضمناً، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم }، وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل،

[ ] هناك ثلاث مسالك معتمدة عند أهل السنة والجماعة في معاملة المتشابهات، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو، (  المسلك الاول ): طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم،

و المسلك ( الثاني ): اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما، ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة،

والمسلك ( الثالث ): حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها، ومثاله حمل الوجه على الذات، وحمل اليد على مقتضي الآية، ففي قوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان } تحمل على الكرم والجود والعطاء، وفي قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم وهكذا،

[[ المغالطة الرابعة لابن تيمية في الباب ]] أنه اتهم من أول تلك المتشابهات بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم،

لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وهو من الفقه في الدين ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه التأويل، وهناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل وانه من باب الرسوخ في العلم، وتكاد ترجع إلى خمسة ادلة: هي:

[ الدليل الأول ]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم  كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ }، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة فقال (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )) [ الحديث أصله في الصحيحين، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد وصححه العراقي ]،

[ الدليل الثاني ]: أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام، وهو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات،

التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام وفق ضوابط حكيمة، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا، وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: كتأويله للساق في قول الله تعالى { يوم يُكشف عن ساق } بالكرب شديـد [  الطبري ]، وتأويله للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري ]، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2: 322 ]، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17: 52 ]، و تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري (18: 135) ]، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)،

[  الدليل الثالث  ]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل، هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الأزلية الكاملة، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة: 67 ]،

[ ]  هناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن: 31 ]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم: 27 ]،

[ ]  هناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، اعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [ النساء: 126 ]، وقوله تعالى: { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) } [ فصلت: 54 ]  وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ الطلاق: 12 ]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم،

[ ]  هناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر باطل، ومن هذه الآيات قوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة: ]، وقوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق: 16 ]، وقوله تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة: 85 ]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات،

[ ]  هناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال وحشو وتجسيم، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء بل هو تكييف وتجسيم وحشو وضلالة , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن،

[ ]  وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس -  يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له،

[ ]  فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم،

[ ]  قوله تعالى ( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة /115]، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها: ( أ ) فثم قبلة الله، ( ب ) فثم علم الله، ( ت ) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح،

[ ]  التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: ولذلك يضطر منكروا  التأويل أنفسهم إلى التأويل، يؤولون عند التعارض، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل،

ومن ذلك اضطرار ابن تيمية لتأويل المعية في قوله تعالى: { وهو معكم أين ما كنتم } بالعلم، بقوله: ( مطلع عليكم، عالم بكم )، وقال في شرح قوله  صلى الله عليه وسلم ) لصاحبه في الغار: (لا تحزن إن الله معنا)[ التوبة: 40]  )  فقد تاوله بالنصر والتأييد، زاعما أن هذا هو التفسير، والنتيجة واحدة وهي التأويل، ( تأويل المعية )، فيكون ابن تيمية هنا قد اختار في الحقيقة مسلك التأويل،

ومن الأمثلة على تأويل ابن تيمية قوله في الآية الكريمة: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }، قال: هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله ” انتهى.، وهذا تأويل لأن ظاهر اللفظ يدل على إسناد القرب إلى الله عز وجل وتفسيره بقرب الملائكة صرف للفظ عن ظاهره، فلماذا يمنعون أهل السنة مما يقومون هم به؟ ولم لا يقال في هذا الصرف إنه تعطيل لم وصف الله تعالى به نفسه كما يتهمون أهل السنة إن أولوا نصا مشابها؟ وما الفرق بين هذا وبين تأويل أهل السنة لقوله تعالى: { جاء ربك } أي جاء أمره ؟

ومن تأويل ابن تيمية أيضا ما ذكره عند قول الله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }، قال: واليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل ! فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل وأخبر أن يديه مبسوطتان،

[  الدليل الرابع  ]: يلجأ علماء الأصول إلى التأويل: لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والمشبهة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات،

[  الدليل الخامس  ]: التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه: المقصود بالتأويل عند الأشاعرة والماتريدية هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في:

( أ ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية، ( ب ) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين، ( ت ) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا، ( ث ) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر، ( ج ) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ، ( ح ) أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم، و الله عز و جل يقول: { ولا تقف ما ليس لك به علم } [ الإسراء: 36 ]، فتلك ضوابط التأويل عندهم، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء  في نفوسهم كمجرى الدم في العروق،

لقد كان ابن تيمية دائما كان يلهج لسانه بذكر الصفات الخبرية (الوجه واليد والعين )، وارتكب أربع مغالطات، الأولى: زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات، وإنما أجزاء من ذات، والأحدية المطلقة لله تمنع من قبول الأجزاء، والمغالطة الثانية أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام، بل هي متشابهة لمخالفتها الأحدية من جهة وعدم استمدادها من الأسماء الحسنى من جهة ثانية وعدم الأمر باعتقادها من جهة أخرى، بل بفهم من السياق غير ذلك، والمغالطة الثالثة: أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم، والمغالطة الرابعة: أنه اتهم من أولها وردها إلى محكماتها من الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة بالتعطيل وهذا تعدي على اهل العلم المتخصصين في العقيدة،

[ ]  لقد أراد ابن تيمية أن ينصر مذهب السلف ولكنه لم يدرس الإلهيات على متخصص، ووثق بنفسه، وهجم على هذا العلم بغير مدرس فآل به الحال إلى اعتناق مذاهب الحشوية الاوائل، وهؤلاء ( الحشوية )  أهل جهل مركب في باب العقيدة ينسبون إلى الله تعالى الحد والمكان والصور والاشكال والتغير والحدوث، ومذهب هؤلاء الحشوية المبتدعة: تحديد الوجود الإلهي المطلق وتكييفه، مع انهم يقولون بلا كيف، ولكنهم يكيفون الوجود، ويحدونه بجهة واحدة من جهات الكون المخلوق، وقالوا بسبب هذا التكييف الذي وقر في قلوبهم: أنّ الله تعالى موجود ( بذاته ) على عرشه، فكيفوا جناب الذات وحدوه بالمكان وحدوه بالعرش المحدود، مع أن قولهم: ( استوى بذاته )  لم يأت بها دليل من الشرع، وإنما هي من افرازات بدعة الحشو والتكييف التي ترسخت في أذهانهم، وهؤلاء يعتقدون أنه تعالى متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يقابل العرش بظنهم، وأشنع بدعهم قولهم بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث، وذهلوا عن دليل الخليل إبراهيم عليه السلام { لا أحب الآفلين }، أي ان علة عدم الصلاحية للإلهية هي التغير وقبول الحوادث، وديدنهم الحديث حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ولا  يبقى لنا بعد تلك العقائد الزائغة شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتقديس،

و ( المصيبة ) أنهم يتدثرون بلباس أهل السنة وهم منها عراء، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء،

أهل الحشو أهل جهل مركب، يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بها على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، ولذلك فهم قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم دائما بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، قال تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ }، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع لهذه للمتشابهات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، قال العلماء: قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ { شيء } في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء،

لقد تسربت إلى (   السلفية المعاصرة  ) مفردات الحشو القديمة، حتى لا تكاد ترى سلفيا معاصرا إلا وهو متأثر ببدعة الحشو والتجسيم، وان أنصحهم في الله، وأقول لهم: لقد كنا على ما انتم عليه من الجهل حتى من الله تعالى علينا بالعلم، ولا يجوز كتمان العلم، وأقولها لكم: حرام على من يجهل مقدمات  هذا العلم ( علم الإلهيات ) وقواعد علم التقديس: أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به، والذهول عنه يؤدي إلى قصور واضح في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اجتنابه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، اللهم أحيينا مسلمين وامتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة التاسعة عشرة 

كلام الله تعالى صفة قديمة لا تشبه صفات المخلوقين

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة: بيان أنّ كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان، والرد على من زعم أن الله يتكلم بحرفٍ وصوتٍ وأنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، وان كلامة قديم النوع حادث الآحاد، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  الله تعالى له القدم الأزلي والقدم الأزلي يمنع من قبول الحوادث، وصفات الله تعالى تابعة لجناب ذاته لها القدم الأزلي والكمال المطلق فلا تقبل التغير ولا الحدوث ولا تقبل الزيادة ولا النقصان، وعلى ذلك معتقد أهل السنة والجماعة أن: كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا تقبل التغير ولا الحدوث، وهي تامة كاملة، لها الكمال المطلق فلا تقبل التغير ولا الحدوث ولا تقبل الزيادة ولا النقصان،

[ ]  من أخطاء ابن تيمية في العقيدة: - وهي أخطاء جسيمة – لأنه غير متخصص فيها، قياسه كلام الله تعالى على كلام البشر، وجعله من الحوادث التي تحدث في ذات الله تعالى، فذكر من تلك الحوادث تجدد المعلومات والمسموعات والمبصرات وتعاقب الكلمات، قال في منهاج السنّة: " قولُنا بقيام الحوادث بالرَّبِّ إنما هو قولٌ له دليلُه من الشَّرْعِ والعقل " [ منهاج السُّـنَّةِ النبويَّة: ج1: ص24]، وقال أيضاً في موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول: ( والقولُ الحقُّ الصَّحِيحُ أنَّ الله لم يزلْ مُتَكَلِّمًا بحروفٍ متعاقبةٍ لا مجتمعة ) أهــ [ موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول: ج2: ص151]، هذا في نظره وإلا فهو قول خطأ باطل، وقال في مجموع الفتاوى: (  الله يتكلَّم إذا شاء ويسكتُ إذا شاء )   [ مجموع الفتاوى: ج1: ص255: 256]، وهذا كله جهل وضلال منشؤه من قياس كلام الله تعالى الذي ليس كمثله شيء بكلام المخلوق الذي يتكلم ثم يسكت، نسي أنّ كلام الله تعالى من صفاته القديمة، وأنّ صفات الله تعالى الذاتية لا تعلق للمشيئة والإرادة بها، ومثال ذلك " صفة العلم " فإنّ الله تعالى بكل شيء عليم، ولا يُقال أنّه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، وكذلك الكلام مثله في ذلك مثل العلم تماماً، لذلك قال أهل السنّة: كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية، مطلقة لا حد ولا بداية ولا نهاية، ولا يشبه كلام البشر، كلامٍ مُبَعَّض يَسْـبِـقُ بعضُه بعضًا ويتَأَخَّرُ بعضُه عن بعض، ولا يُوصَفُ كلام الله تعالى بأنه يتعاقبُ أو يَتَقَطَّعُ،

[ ]  ما قاله ابن تيمية تكييف لكلام الله على كلام البشر، لأنَّ الذي يَتَكَلَّمُ ثمَّ يسكتُ يستحيلُ في العقلِ أنْ يكونَ إلـٰـهًا، أليسَ السُّكُوتُ بعدَ الكلامِ علامةُ التغيُّر  ؟ وكَيْفَ يكونُ مَنْ يطرأ عليه تَغَـيُّـرٌ إلـٰـهًا، اعتقادُ أهل السنّة -: أنَّ موسى سمعَ كلامَ الله الذَّاتيَّ الأزليَّ القائمَ بذاتهِ الْمُقَدَّسِ الْمُنَـزَّهَ عن الحُلُولِ في الآذان،

[ ]  كلام الله ليس كمثله كلام، فهو أزلي أبدي قديم منزه عن الحدوث، ليس له بداية لأنّه متعلق بالأول الذي ليس قبله شيء، وليس له نهاية لأنّه متعلق بالآخر الذي ليس بعده شيء، لا يطرأ عليه سكوت، ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى أزلي أبدي ليس بمخلوق

[ ]  ولا يقال عنه أنه من صفات الفعل ولا يقال عنه أنه يتعلق بالمشيئة لأن هذا تكييف قياسا على كلام البشر والله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه ولا يعلم الله على حقيقته إلا الله، ولأنّ صفة الكلام قديمة وكل ما تعلق بالمشيئة محدث مخلوق، فمن قال يتكلم متى شاء كيفما شاء فقد جعل الكلام مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان، وهذا كله نقص عن الكمال يتقدس الله تعالى عنه

[ ]  الكيف يستحيل على الله، والله تعالى ليس كمثل كلامه كلام، له الكمال المطلق، والكمال المطلق لا يقبل النقصان وإلا انعدم الكمال، ولا يقبل الزيادة وإلا كان قبل قبول الزيادة ناقصا عن تلك الزيادة، وكمال كلام الله تعالى كمال مطلق ككمال جناب ذاته وصفاته، منزه عن أي نقص، كمال يستحيل عليه الزيادة ولا النقصان، فلا يقبل زيادة كلمة من كلمات الله  ولا نقصانها، لأنه لو قبل زيادة شيء كان قبلها ناقصا عنها ويتقدس كلام الله تعالى عن قبول النقص، ولو قبل النقص لما يكن كلاما أزليا له الكمال المطلق، ومن صعب عليه تصور هذا التقديس فليعتزل التخصص في العقيدة ويدعها لأهلها المتخصصين فيها، قال تعالى: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف: 109 ]، كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث، وعن الزيادة والنقصان،

[ ]  ليس كلام الله تعالى وتقدس من جنس كلام البشر بحرف وصوت، لأنّها أعراض حادثة يستحيل عليها القدم، ولا يوصف كلام الله تعالى بجهر ولا سر ولا تقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكوت ولا وصل ولا فصل، لأن هـذا كله من صفات الحوادث، وهى محالة عليه تعالى، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق،

[ ]  القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله الأزلي القديم، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم، يسره الله تعالى لنا، قال تعالى: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [ سورة القمر ]،

[ ]  لقد أخطأ ابن تيمية واتباعة، وأخطأ أهل الحشو والتكييف خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات، لان الإلهيات مبنية على نفي المماثلة، لقد أخطؤا عندما قالوا: صفة الكلام من صفات الفعل، وهي صفة تابعة للمشيئة والقدرة، بمعنى أنه يتكلم متى شاء بما شاء،

[ ]  الحشوية لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالقدرة والمشيئة، يتكلم متى شاء ويسكت - سبحانه عما يقولون - متى شاء، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية، بل محدثة، وبالتالي فالقرآن الكريم - على لازم قولهم – مخلوق محدث  كان بعد أن لم يكن،

[ ]  الصواب أن صفة القدرة لا تعلق لها بصفة الكلام، تماماً مثل عدم تعلق القدرة بصفة العلم، وكما أنه لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يعلم، كذلك لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يتكلم، فينفون عنه صفة الكلام في حال السكوت على ظنهم، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف: 109 ]، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث، والقرآن كلام الله تعالى غير محدث ولا مخلوق، تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا،

[ ]  من فوائد علم التقديس وقواعد التنزيه تصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله وعن ذات الله وعن صفات الله، ولو في دقائق الصفات، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التقديس العقلي والقلبي مع التقديس اللساني، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور جناب الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات، وتصور حقائق الصفات لأنّ ليس كمثل صفاته صفات،

[ ]  ومن فوائد دراسة علم التقديس والتنزيه، والفهم الصحيح  ولأمثل للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء لله تعالى، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله تعالى، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة،

[ ]  من فوائد دراسة علم التقديس تصفية الاعتقاد من أدران التشبيه والتجسيم والتمثيل والتكييف، ووضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم،

[ ]  كما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن علم التقديس والتنزيه  - على صعوبة هضمه وفهمه - يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم، يصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان، ( العامة ) لا يتصورون ذاتا إلا له حد ينتهي إليه، ولا يتصورون ذاتاً لا حد له، لأنّهم لم يروا مثل ذلك، فينفونه، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ، ولعل هذا من اهم اسباب اقتناع العامة بمذهب الحشو والتجسيم، لنا ان نتعجب كيف ان الشيعة والاباضية والمعتزلة أكثر تقديسا من الحشوية مع ان الجميع أهل بدعة، ولكن بدعة الحشو والتجسيم تنطلي على العامة أكثر، لغلبة الحس عليهم، لاسيما إذا اخذا في الحسبان تترس الحشوية والمجسمة بنسبة انفسهم إلى الكتاب والسنة وإلى السلف الصالح حتى لو كانت النسبة زائفة والتترس بالكتاب والسنة لا أساس لها،

[ ]  العامة لا يتصورون كلاماً إلا يسبقه سكوت ويعقبه سكوت، وهو في نفسه حادث له بداية وله نهاية، وأنّه متعلق بالقدرة والمشيئة، كما هو حال الإنسان يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء، ولا يتصورون كلاما إلا بحرف وصوت، كما هو جنس كلام البشر بحروف تقبل التقديم والتأخير واللحن والأعراب، وأصوات قد تكون عذبة، وقد تكون مستقبحة، تعالى الله تعالى عن تلك الأضداد والأعراض

[ ]  العامي والجاهل بعلم التقديس لا يتصور كلاما إلا بصوت قد يكون خافتا أو جهورا، هكذا لأنّه لم ير غير ذلك، ولا يتصور غير ذلك، وعقله الباطن يقيس كل ما غاب عنه بما يُشاهده، فيحكم باستحالة أن يكون الكلام بغير صوت،

[ ]  اهل الحشو يتشدقون بانه لا أساس للكلام النفسي الذي قال به أهل التخصص، لانه لا مخرج لقدم صفة الكلام إلا بتبني ( الكلام النفسي ) الذي جاء ذكره في القرىن الكريم،

[ ]  لو تدبر أهل الحشو قوله تعالى: { وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ المجادلة: 8 ]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: { وَيَقُولُونَ }، ولم يكن بصوت، { فِي أَنْفُسِهِمْ }، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، ولكن سمعهم الله السميع العليم، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر،

[ ]  لو تدبر أهل الحشو قوله تعالى: { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ الملك: 13 ]، لعلم أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ }، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: { أَوِ اجْهَرُوا بِهِ }، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا، وهذا القرآن ينطق بذلك،

[ ]  لو تدبر أهل الحشو قوله تعالى: { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } [ يوسف: 77 ]، لعلم أنّ من القول قول السر: { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ }، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقد، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: { قَالَ }، ومثله تماماً قوله تعالى: { يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا } [ آل عمران: 154 ]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت،

[ ]  لو تدبر أهل الحشو قوله تعالى: { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } [ الزخرف: 80 ]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص، قال بعض الحشوية: ( نحن نستدل في الحرف والصوت بقوله تعالى { كهيعص }[مريم:1]، وخصومنا يستدلون بقول الأخطل النصراني  ( إن الكلام  لفي الفؤاد ) وهذا جهل لان الأدلة من القرآن على الكلام النفسي أبين من الشمس في رابعة النهار،

[ ]  من جملة أخطاء ابن تيمية نسبته إلى أئمة الحديث وأهل السُّنة والجماعة مذهب الكرامية في مسألة الكلام، ينقل عن أهل الستة أنهم يقولون: أن الله متكلم بصوت يحدث في ذات الله شيئا بعد شيء، وانه يتكلم بمشيئته وقدرته، وان هناك فرق بين النوع، قديم النوع حادث الآحاد، وانه بحرف وصوت،

يستدل ابن تيمية على الصوت بأحاديث لا يصح الاحتجاج بها في العقيدة، أحاديث الصوت ليس فيها ما يصلح للاحتجاج به في العقائد،

قال البيهقي في الأسماء والصفات  [  ص: 273 ]: " فليس في أحاديث الصوت - ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات " أهــ،

للحافظ أبي الحسن المقدسي جزء مفصل في تبيين وجوه الضعف في أحاديث الصوت،

الحاصل: أحاديث الصوت ليس فيها ما يصلح للاحتجاج به في العقائد، ولكن من باب العلم أقول

[ ]  روى البخاري  في الأدب المفرد بصيغة التمريض، قال: ويُذكر، وفيه: ( فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، أنا الملك أنا الديّان )، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض من أجل راويه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في ضبطه وحفظه، وأخرجه البخاري في صحيحه عند ذكر الصوت معلقا، ولا يكفي في مسائل الاعتقاد المعلق، وذكره البخاري في كتاب العلم  بصيغة الجزم من غير ذكر الصوت،

[ ]  وقد رجح ابن حجر صنيع البخاري لأنه عندما اشتمل على نسبة الحدث والعرض إلى الله تعالى وهو الصوت جعله معلقا لأنه لا تثبت الصفات إلا بأدلة لا اختلاف فيها، قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، وعندما  لم يذكر الصوت وصل الحديث

[ ]  ثم اختلف الرواة ( فينادي بصوت بكسر الياء، أم فينادى بصوت بفتح الياء )، وكلاهما يحمل على المَلَك، ( فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، أنا الملك أنا الديّان )  

[ ]  قال بعض الأغبياء: لا وجه لحمل الحديث على ذلك لإن فيه: " أنا الديّان"، وليس يصدر هذا الكلام حقًّا وصدقًا إلا من رب العالمين ؟ قيل له: إن الملَكَ إذا كان يقول عن الله تعالى فالحكم يرجع إلى الله رب العالمين، والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى: ( إنًّنِي أَنَا الله )  ( سورة طه: 14 )، فليس يرجع إلى القارئ وإنما القارئ ذاكر لكلام الله تعالى ودالُّ عليه بأصواته وهذا بَيّنٌ )

[ ]  وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي  ( صلّى الله عليه وسلّم ): " يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيّك وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار"، هذا اللفظ رواه رواة البخاري على وجهين، بعضهم رواه بكسر الدال وبعضهم رواه بفتح الدال، ولا محذور في رواية الجمهور، لإن قرينة قوله: إن الله يأمرك، تدل ظاهرًا على أن المنادي ملك يأمره الله بأن ينادي،

[ ]  أخرج الدارقطني الحديث بلفظ: ( يبعث الله يوم القيامة مناديًا بصوت )   وهذا بمثابة المحكم الذي يجب أن نرد إليه المتشابه، وبالتالي تُحل المشكلة، ونكون من الراسخين في العلم الذين يردون المتشابهات إلى امهاتها من المحكم، في قوله تعالى: { هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات .............. الآية }

[ ]  لعدم تمرس ابن تيمية بعلم أصول الدين، وعدم فهمه للمحالات أجاز: أن اللفظ الإلهي يكون حادثا شخصًا ويكون في نفس الوقت قديما نوعًا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع، وكلامه بعيد أشد البعد عن تدقيق المتخصصين،

[ ]  وكلامه مما يضحك الثكلى في المتناقضات فإن الذي يقبل حدوث آحاده لا يكون قديما أبدا وكيف يكون قديما وهو يقبل المحدثات، ولكن إذا لم يكن لديك تخصص فقل ماشئت، على وزن إذا لم تستح فاصنع ما شئت، وأعلم سياتي بعض أهل الحشو يغار على ابن تيمية في معرض بيان اخطائه ولا يغار على الله القديم الأزلي أن ننسب إليه الحدوث، تعالى الله عن قبول الحوادث، والأزل والقدم لصفة الكلام ينافي كونه محدثا، وكذلك محال وجود النوع إلا في ضمن أفراده، فادعاء قدم النوع مع الاعتراف بحدوث الأفراد ظاهر البطلان،

[ ]  هناك حديث ءاخر: ( إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفوان"، وهذا قد يحتج به المشبهة، وليس لهم فيه حجة لأن الصوت خارجٌ من السماء، فالحديث فسر الحديث بأن الصوت للسماء، ورحم الله أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر عندما قال: إن إسناد الصوت إلى الله ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة فيه نظر،

[ ]  من استدلالات ابن تيمية العجيبة قوله: ( النداء لا يكون إلا بالصوت، وذلك عند قوله تعالى: { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }،

قلنا ليس شرط النداء ان يكون بصوت، قصاراه أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت، وقد قال تعالى: { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا }، نداء خفيا، فيكون تعارض بين زعمه أنه بصوت وبين قوله نداء خفيا أي لا يسمع له صوت، كثير من اهل اللغة  قالوا: النداء طلب الإقبالِ،

وله مخرج لحسم مادة المتشابهات: ان يُحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره، ومثل ذلك سائغ في الكلام غير مستنكر، كما قال تعالى: ( وَنَادَى فِرْعَونُ فِي قَوْمِهِ )  ( سورة الزخرف: 51 )، وإنما المراد نادى المنادي عن أمره، وأصدر نداءه عن إذنه،

[ ]  اتبع ابن تيمية الكرامية في زعمه: (( إن الله تعالى تقوم به كلمات تحدث في ذاته وقتا بعد وقت )) وفي زعمه أنّ كلام الله تعالى قديم النوع حادث الأفراد، وينسب هذا المذهب الرديء الذي أخذه من الكرامية إلى أئمة أهل الحديث،

وأئمة أهل الحديث على خلاف ما يدعيه وما يقول، فإن معتقدهم أن ذات الله تعالى لا تحدث فيه صفة تتجدد من وقت إلى وقت، تتجدد في مرور الأوقات،

[ ]  زعم ابن تيمية وأتباعه من اهل الحشو أن كلام الله بحرف وصوت، وقد ذكرت قول البيهقي وابن حجر العسقلاني: فليس في أحاديث الصوت - ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات " أهــ، الحاصل: أحاديث الصوت ليس فيها ما يصلح للاحتجاج به في العقائد، ولكن من باب العلم أقول

[ ]  أما الحرف، فيكفي أهل السنة دليلأ على أن الله تعالى لا يتكلم بالحرف ما أنزله الله في القرءان وهو قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ )  ( سورة التكوير: 19 )، يعني أن القرءان الذي هو اللفظ المنزل مقروء جبريل ليس مقروء الله، هؤلاء قاسوا كلام الله الأزلي على كلام العباد، وقاسوا صفاته بصفات خلقه فجعلوها حادثة، مع انه يقول سبحانه   ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )،

[ ]  الحروف مسبوق بعضها ببعض، والمسبوق لا يتقرر في العقول أنه قديم، فإن القديم لا ابتداء لوجوده وما من حرف وصوت إلا وله ابتداء، وصفات البارىء جلّ جلاله قديمة لا ابتداء لوجودها، ومن تكلم بالحروف يترتب كلامه ومن ترتب كلامه يشغله كلام عن كلام، والله تبارك وتعالى لا يشغله كلام عن كلام،

الحاصل أنه ليس في إثبات الصوت لله تعالى حديث مع الصحة المعتبرة في أحاديث الصفات، لأن أمر الصفات يُحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره، و الحاصل أنه ليس في إثبات الحرف لكلام الله تعالى دليل، بل قرآءة القرآن بالحرف والصوت هي قرأءة المخلوق لقوله تعالى: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ }، يعني أن القرءان الذي هو اللفظ المنزل مقروء جبريل ليس مقروء الله،

الحروف مسبوق بعضها ببعض، والمسبوق لا يصلح ان يكون قديما، فإن القديم لا ابتداء لوجوده، ولا انتهاء لوجوده، والحروف والاصوات لها ابتداء ولها انتهاء، وصفات البارىء جلّ جلاله قديمة لا ابتداء لوجودها، ومن تكلم بالحروف يترتب كلامه ومن ترتب كلامه يشغله كلام عن كلام، والله تبارك وتعالى لا يشغله كلام عن كلام، كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل التغير ولا الحدوث وبالتالي لا تقبل الزيادة ولا النقصان،

الكمال المطلق يمنع التغير والحدوث: أهل الحشو يعتقدون قيام الحوادث بجناب ذات الله، ومن العجب أنهم أعرضوا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام { لا أحب الآفلين } أي لا يصلح المتغير ان يكون إلها،

هؤلاء خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، ويقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أو خلق مخلوق أوجد في ذاته، كافًا ونونًا ( كن ) وإرادة حادثة، وعن ذلك تصدر المخلوقات،

وهم يقولون: أنّ الحوادث التي  تحدث في جناب ذاته هي أقواله وإراداته وتجدد معلوماته وتجدد إدراكه للمسموعات والمبصرات، ويزعمون ان علم الله يتجدد عندما يقوم عباده بما قدر عليهم من أعمال، وان السمع والبصر يتجددان كذلك برؤيته لعباده وسمعه لكلامهم، وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود،

[ ]  القدم الأزلي لجناب الذات الإلهي يمنع من قبول الحوادث، لا سبيل للحدوث إليه، فليس في جناب ذاته شيء حادث ولا في صفاته شيء حادث، (  شرط القديم ) أن يكون منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ }، ثم قال في حق الشمس: { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }، قال ذلك تنبيها لقومه على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح شيء منها للإلهية،

[ ]  الكمال المطلق لله يمنع من التغير والحدوث، لأن التغير اما إلى زيادة وإما إلى نقصان، لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات،

[ ]  لله تعالى قدم الصفات، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير، له كمال العلم، بلا غاية ولا نهاية، علم الله تعالى محيط بكل ذلك، ولا يقبل التغير ولا يقبل الزيادة او النقصان، وله كمال السمع يسمع كل مسموع منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة لا يجري على بصره زمان وهو بكل شيء شهيد، لا يتجدد له علم ولا سمع ولا بصر، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما،

[ ] وكقدم صفاته من العلم والسمع والبصر فإن إرادته قديمة، الإرادة عند الإنسان حادثة، لان الإنسان كله حادث مخلوق، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم،

[ ] وكقدم صفاته من العلم والسمع والبصر فإن كلامه قديم، الكلام عند الإنسان حادث، لان الإنسان كله حادث مخلوق،مشكلة أهل الحشو أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء، كلام الله قديم، صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق،

[ ]  مشكلة اهل الحشو أنهم دائما يقيسون الغائب على الحاضر مع انه ممتنع في حق الله تعالى لانه ليس كمثله شيء فلا يصح القياس، ومشكلة اخرى انهم لا يفهمون معنى ( القـدم الأزلي ) الأولية بلا ابتداء، ( القديم الذاتي ) لا يقبل الحدوث، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، والله تعالى هو الحي الباقي الذي لا يزول، ولا يقبل الفناء، و ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن التغير والحدوث،

وقد أجمع العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث، قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه،

( الخلاصة )   الله عز وجل متكلم بكلام قديم أزلي أبدي غير مخلوق ولا محدث ولا مخترع، وصفة الكلام صفة كمال وضدها يستحيل على الله كالخرس والسكوت لأنه حد لصفة الكلام، صفة الكلام لها الكمال المطلق، والكمال لا يقبل زيادة ولا نقصان ولا يقبل التغير والحدوث،

الكلام القائم بنفسه قديم وكذا جميع صفاته إذ يستحيل أن يكون محلا للحوادث داخلا تحت التغير بل يجب للصفات من نعوت القدم ما يجب للذات فلا تعتريه التغيرات ولا تحله الحادثات بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزها عن تغير الحالات، لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، صفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة،

لا مخرج للكلام الأزلي المنزه الحدوث والبدايات والنهايات سوى ما قاله أهل التخصص ( الكلام النفسي ) القائم بجناب الذات والتابع لقدمه الازلي وكماله المطلق، وقد دل القرآن على وجوده بغير حرف ولا صوت،

قال تعالى: { وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ المجادلة: 8 ]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: { وَيَقُولُونَ }، ولم يكن بصوت، { فِي أَنْفُسِهِمْ }، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد،

قال تعالى: { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ الملك: 13 ]، القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ }، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: { أَوِ اجْهَرُوا بِهِ }، فلماذا المكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا، وهذا القرآن ينطق بذلك،

قال تعالى: { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } [ يوسف: 77 ]، من القول قول السر: { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ }، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقد، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: { قَالَ }،

قال تعالى: { يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا } [ آل عمران: 154 ]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت،

قال تعالى: { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } [ الزخرف: 80 ]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت،

لا مخرج للتقديس إلا بالقول ( بالكلام النفسي ) وقد اثبته القرآن، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص، ولماذا يقول ابن القيم: خصومنا يستدلون بقول الأخطل النصراني  ( إن الكلام  لفي الفؤاد )، لماذا يقول ذلك والأدلة من القرآن على الكلام النفسي أبين من الشمس في رابعة النهار،

والقرآن كلام الله تعالى فهو قديم لا كلامهم وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى كما في قوله تعالى    { وكلم الله موسى تكليما }، وقد كان الله تعالى متكلما ولم يكن كلم موسى عليه السلام وقد كان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق ، فلما كلم الله موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل وصفاته كلها بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا ويسمع لا كسمعنا ونحن نتكلم بالآلات والحروف و الله تعالى يتكلم بلا آلة ولا حروف والحروف مخلوقة وكلام الله تعالى غير مخلوق، كان هذا ما تيسر في بيان أنّ كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان، والرد على من زعم أن الله يتكلم بحرفٍ وصوتٍ وأنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، وان كلامة قديم النوع حادث الآحاد، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

 

***

 

المحاضرة العشرون 

 المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام

فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة: المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  الله تعالى هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، لقوله تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد: 3 }، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم]، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، له تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان،

[ ]  الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) منزه عن كل ما ينافي الأحدية من الأجزاء والأبعاض والجوارح والأركان، ( الأحدية ) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته، وهو توحيد في نفس الذات، لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا، ولا حتى تصورها والفكر فيها، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد، و ( الصمدية  ) تعني كمال الغنى والحمد والتنزه عن الحاجة، وهي تنفي عن جناب الله تعالى التركيب، فلا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق {لَمْ يَلِدْ }، منزه عن التغير والحدوث { وَلَمْ يُولَدْ }، لا نظير له بوجه من الوجوه، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }، وهذه السورة يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول، ( الأول ): وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة ( الله أحد )، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام، منزه عن الأجزاء والابعاض، ولا كل ولا بعض، ولا يمين له ولا يسار، ولا فوق له ولا تحت، ولا أمام له ولا وراء، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، و ( الثاني ): وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة ( الله الصمد )، ومعناها كمال الحياة والقيومية، وتمام الغنى والحمد، له الحياة والقيومية على الدوام، وله الغنى التام والحمد على الدوام، منزه عن الحاجة، ( صمد ) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، و ( الثالث ) تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث ( لم يلد ولم يولد )، و ( الرابع ): تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد )، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن،

[ ]  الله تعالى خالق كل شيء هو الواحد القهار، خلق الخلق أجمعين، ثم قهرهم بالحد والمقدار، والكون في المكان وأن يجري عليهم زمان، قال تعالى: { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد: 16 ]، وقال تعالى: {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر: 4 ]، قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار، قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً }، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار، لا تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه، وهو خالق الحدود والمقادير، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، لا يشوبه نقص، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان، وهو القاهر فوق جميع خلقه، وهو القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً، وعليه حاكما، وهو سبحانه القاهر على الزمان، فلا يجري عليه زمان، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا، وعليه حاكما، ولكنه سبحانه الواحد القهار، فلا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان،

[ ]  الله تعالى له الكمال المطلق، من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، قال تعالى: { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ): الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية، لا رب سواه ولا معبود غيره، الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل الحوادث، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، لأنه قبل التغير من حال إلى حال، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، الحد معناه التناهي، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه،

[ ]  كل ما يقبل النهاية يمكن ان يتصور ما هو أكبر منه، ويمكن أن يقبل الزيادة والنقصان، والله تعالى له الكمال المطلق، والكمال المطلق لله في جناب ذاته وفي صفاته يجعل قولنا ( الله اكبر ) كمالا مطلقا، ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال) على كل نهاية ومقدار، له الكمال المطلق الذي لا يقبل ابتداء ولا انتهاء،

[ ]  قوله تعالى: { ولا يحيطون به علما }: يدل على الكمال المطلق، لان ما دون الكمال المطلق يمكن الاحاطة به، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يُحاط به، لانه فوق الحدود والغايات، وقوله تعالى: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } يدل على الكمال المطلق، لان ما دون الكمال المطلق يمكن إدراكه، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يدرك، لأنه فوق الحدود والغايات،

[ ]  أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، وذلك لما اشتملت عليه من معاني التوحيد والتقديس والتنزيه، ونفي النقائص عن الله، { اللَّهُ لا إله إلا هو }: الله تعالى واحدٌ في إلهيته، لا إله إلا هو، ولا شريك له، { الْحَيُّ الْقَيُّومُ }: { الحي } سبحانه، له كمال الحياة، حياةً أزليةً أبديةً، لم يسبقها عدم وليس بعدها فناء، فالحي الكامل المطلق هو الله، له كمال الحياة، و { القيوم } هو الذي قامت به السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات، يحتاجون إليه وهو الغني عنهم، غنيٌ عن كل ما سواه، قيوم لغيره، ومن كمال قيوميته استغناؤه عن المحل فلا يحتاج في وجوده إلى مكان، { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } قدوس منزه عن كل نقص أو عجز أو عيب، { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ }: الكل خلقه والكل ملكه والكل مربوب بتدبيره وتصريفه وحفظه ورعايته، لا يشذ عن ذلك شيء، هو الملك المالك لكلِّ شيء،

{ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ }: له كمال الربوبية والإلهية، لا يشفع أحد عنده أحدٌ إلا بإذنه، حتى الملائكة الأطهار َلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ

{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ }: العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى، وهي صفة أزلية يعلم بها جميع الأشياء، الواجبات والممكنات والمستحيلات، له كمال العلم المطلق، عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه أي معلوم، علمه يحيط بجميع الاشياء، أحاط بكل شيء علما،

{ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ }: فلا تُحيط الخلائق بشيء من علمه إلا بما شاء، ولا يحيطون به علماً لأنّه الذي لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام،

{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ }: هذا اشارة إلى سعة ملك الله وعظيم كونه، فإن الكرسيُّ خلق كبير عظيم خلقه الله تعالى يسع السماوات والأرض، وقد جاء في الحديث: (( ما السمواتُ السبعُ في الكرسيِّ إلا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ )) [ السلسلة الصحيحة للألباني: ح: 109 ]، وقد نقل المفسرون عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّ المراد بالكرسي في الآية هو (( العلم ))، وهذا موجود عند الطبري ورجح هذا التفسير ( وسع علمه السموات والأرض، وممن رجح ذلك التفسير القرطبي أيضا وهما من شيوخ التفسير وأعلامه،

{ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا }: أي لا يصعب عليه حفظ السموات والأرض ولا ما فيهما ولا ما بينهما، لأنّ الله عز وجل له القدرة التامة، لا شيء صعب عليه، لا يعجزه شيء،

{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }: له صفات العلو والعظمة، وله صفات القَهْر والغَلَبة، هو العلي بإلهيته وربوبيته عن صفات العجز والنقص، وهو العلي عن المثيل والند والشريك، علي بصفات الكمال والجلال، متعال عن صفات النَّقْص والعيب والعجز سبحانه، { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } (  العظيم ) ذو العظمة، عظم الشان وجلال القدر، سبحانه العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول المحدودة في تصور عظمته،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس أزلي لا ابتداء لوجوده، وأبدي لا انتهاء لوجوده، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، وأجراه، ولو شاء أوقفه وأفناه، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، سبحانه، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق، فكل المخلوقات مقهورة بقوانين الزمان، لا فكاك لها عن الزمان، فلابد وأن يجري عليها زمان، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا، كيف وهو الخالق للزمان ولقوانين الزمان، وهو القاهر للزمان ولقوانين الزمان، سبحانه هو القائل: { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد: 16 ]، وهو القائل: { سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر: 4 ]، سبحانه قاهر للزمان، ولو شاء أوقفه وأفناه، سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق، كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار، فلا انتهاء لجناب ذاته، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، والقاعدة تقول: كل ما يقبل الحد  فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق، ثم  كيف يصف المسلم ربه تعالى بالحد والمقدار، وهو يقول (( الله أكبر )) عند تكبيرة الاحرام، وعند  كل حركة وانتقال، وفي جميع الاذكار ومعناها: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار، وكل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص، وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص، لأنه الخالق المقدر لجميع المخلوقات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء، القاعدة عند الأصوليين: أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان، والله تعالى له الكمال المطلق، ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال، فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته، وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود، فالله تعالى أكبر من كل تصور، وأعظم من أن نحيط به علما، { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه: 110 ]، فالذات لا يُدرك، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح، فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود، وقد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول: إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا }، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو، والجواب عن تلك الشبهة: أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال، وشتان بين الخالق والمخلوق، وبين القديم وبين المحدث وبين الغني المنزه عن الحدود وبين الفقير المحدود، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر: 15 ]،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان، المكان محدود، والله منزه عن الحدود، والمكان محدث مخلوق، والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، خلق المكان، وقهر جميع خلقه بالكون في المكان، أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن، والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، الله تعالى موجود بلا كيف، والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان، ليس كمثله شيء، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، و كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود ومن جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان، إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، والله تعالى منزه عن الحدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالكون في المكان متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، أو نرد المتشابه إلى محكمه كما هو فعل الراسخين في العلم، فنحمله على المكانة، وليس المكان، ومثاله: حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، فلا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات الصحيحة، ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة التي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه: لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت، وهي إلى الفناء سائرة، قال تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن: 26، 27 ]، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي، ولا المخلوق للخالق الباري، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى: 11 ]، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ النحل: 60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين، وقال تعالى: { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ النحل: 74 ]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقال تعالى: { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [  مريم: 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقال تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص: 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه،، وقال تعالى: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام: 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقال تعالى: { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه: 110 ]، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، ولا له كفء ولا شبيه، وليس له مثال يقاس عليه، ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحدوث أو الفناء، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق: الله تعالى منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء، له سبحانه كمال الحياة، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء ))، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء ))، وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ }،، ثم قال في حق الشمس: { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام: { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام: 78، 79 ]، فإن الذي يقبل الحوادث حادث، والله تعالى أول بلا ابتداء، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء، تنزه عن قبول الحوادث، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و كل ما يقوله أهل البدعة والضلالة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق، لانّ ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم }، والجسمية تناقض الأحدية، والله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ]، الله تعالى [ أحد ] لا جزء له، و ( الأحدية المطلقة )، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض، والله تعالى: [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، كما أنّ من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق: لله تبارك وتعالى مقدس عن الأجزاء والأبعاض، قوله تعالى ( قل هو الله أحد ) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، وقوله تعالى ( الله الصمد )      الصمدية تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً حميدا بإطلاق، فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات، لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار: 8 ]، والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق، الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، وقد أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق، الأعراض من الألوان والأحجام والأشكال، والكيفيات الحسية كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والحركة والسكون والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، فإن الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه، وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء، وغير ذلك مما يوحي بالتغير والحدوث إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق: سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك، وعن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الوالد والولد والصاحبة: تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فيستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق، أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، قال تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ]، وقال تعالى: { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام: 101 ]، والنصارى ضالون من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى، فزعموا له الولد سبحانه، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، وند له، ومثيل لذاته، وشبيه بذاته، والله تعالى ليس كمثله شيء، أحد صمد منزه عن الجزء والكل، لأنه لا يُعرف بالحس، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ الزخرف: 81، 82 ]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى: { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس، قال تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم: 88 إلى 95 ]،

وبعد فهذا كله من المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه،، كان هذا ما تيسر في بيان المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الحادية والعشرون   

كل ما عارض المحكم القطعي فهو متشابه يجب رده إلى محكمه

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة: بيان ان كل ما عارض المحكم القطعي من عقائد السلمين فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، أقول وبالله التوفيق: ذكرت في المحاضرة السابقة المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، واتكلم في هذه الحلقة عن بيان ان كل ما عارض المحكم القطعي فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وذكرت من المحكمات ما يلي:

[ ]  الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد )، هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول، ( الأول ): وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة ( الله أحد )، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام، منزه عن الأجزاء والابعاض، ولا كل ولا بعض، ولا يمين له ولا يسار، ولا فوق له ولا تحت، ولا أمام له ولا وراء، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، و ( الثاني ): وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة ( الله الصمد )، ومعناها كمال الحياة والقيومية، وتمام الغنى والحمد، له الحياة والقيومية على الدوام، وله الغنى التام والحمد على الدوام، منزه عن الحاجة، ( صمد ) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، و ( الثالث ) تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث ( لم يلد ولم يولد )، {لَمْ يَلِدْ } لا ينفصل من شيء، { وَلَمْ يُولَدْ }  ولم ينفصل منه شيء، القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق، منزه عن التغير والحدوث، و ( الأصل الرابع ): { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }  لا نظير له بوجه من الوجوه،، تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق،

[ ]  الله تعالى خالق كل شيء وهو الواحد القهار، خلق الخلق أجمعين، ثم قهرهم بالحد والمقدار، والكون في المكان وأجرى عليهم الزمان، قال تعالى: { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد: 16 ]، وقال تعالى: {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر: 4 ]، قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار، قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً }، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار، لا تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه، وهو خالق الحدود والمقادير، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار

[ ]  الله تعالى له الكمال المطلق، من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، قال تعالى: { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ): الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، الحد معناه التناهي، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه،

[ ]  الله تعالى هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، أزلي لا ابتداء لوجوده، وأبدي لا انتهاء لوجوده، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، وأجراه، ولو شاء أوقفه وأفناه، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، سبحانه، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق، فكل المخلوقات مقهورة بقوانين الزمان، لا فكاك لها عن الزمان، فلابد وأن يجري عليها زمان، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان، و ( الله ) تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، له تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان، المكان محدود، والله منزه عن الحدود، والمكان محدث مخلوق، والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، خلق المكان، وقهر جميع خلقه بالكون في المكان، أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن، والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، الله تعالى موجود بلا كيف، والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان، ليس كمثله شيء، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، موجود قبل الخلق، كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس له الوجود المطلق منزه عن الحد والمقدار، التناهي نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال، كل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته، فلا حد لجناب ذاته

ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، لان هذه صفات الأجسام المخلوقة، والله موجود بلا كيف، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود، فالله تعالى أكبر من كل تصور، وأعظم من أن نحيط به علما، { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه: 110 ]،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى: 11 ]، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص: 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحدوث أو الفناء، وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ }،، ثم قال في حق الشمس: { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق، لانّ ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، والجسمية تناقض الأحدية، والله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ]، الله تعالى [ أحد ] لا جزء له، و ( الأحدية المطلقة )، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض، والله تعالى: [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، من خصائص الجسم أن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، الأجسام محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس مقدس عن لوازم الجسمية من الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، ( قل هو الله أحد ) ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، وقوله تعالى ( الله الصمد )      الصمدية تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله لان الصمدية كمال مطلق وغنى مطلق ينفي الحاجة، وكل جسم مركب، وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، فلا يكن صمداً مطلقاً 

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس مقدس عن لوازم الجسمية من الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات، لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة، والله تقدس عن الحد والتناهي، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار: 8 ]، والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، خالق الصور ( ليس كمثله شيء )، لذلك فإن الذي يجب على كل مسلم أن يعلمه أن ربنا تعالى وتقدس ليس بذي صورة ولا هيئة، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك، وعن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار، له الكمال المطلق في كل صفاته،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الوالد والولد والصاحبة: أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء، {لَمْ يَلِدْ } لا ينفصل من شيء، { وَلَمْ يُولَدْ }  ولم ينفصل منه شيء، القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق، منزه عن التغير والحدوث، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }  لا نظير له بوجه من الوجوه،،

[ ]  وبعد فهذا كله من المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، وكل ما عارض المحكم القطعي من عقائد السلمين فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات من الصور والاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، كل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا مكان ولا زمان، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف،

[ ]  من الخطأ الجسيم اعتماد ظواهر المتشابهات في فهم الإلهيات لان مبناها على نفي المثلية: قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران: 7 }، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين،

[ ]  من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الحشوية من جهة التجسيم، حتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والكون في المكان والصور والأشكال والتغير والحدوث إلى جناب ذات الله،

[ ]  لا يمكن اعتماد ظواهر النصوص المتشابهات لبناء العقيدة، وذلك لأن هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، لأنّ علم الله تعالى قديم،

وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن: 31 ]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، والمعنى: { سنفرغ لكم } أي سنحاسبكم،

[ ]  وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم: 27 ]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء والمعنى: أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء،

[ ]  وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر ضلال، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومنزه عن القرب الحسي بالذات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة: ]، وقوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق: 16 ]، وقوله تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة: 85 ]، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، كل هذا من اجل التقديس وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات،

[ ]  وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، الجميع متفق على حمل القرب على قرب الصفات من العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل المعية على معية الصفات من العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها أهل الحشو والتجسيم على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته، ولم لا يكون استواء صفات من الربوبية والقهر  والتدبير والتصريف كما أن القرب قرب صفاته من علم وسمع وبصر وقدرة، وقد قال تعالى مرشدا عباده أن الأماكن كلها ملك لله: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }،

[ ]  ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته،

[ ]  من الآيات المتشابهة ما يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، ومنها ما يوحي ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها: ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن الجارحة والجزء،

[ ]  المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها، ومثالها: قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران: 72]، وليس للنهار وجه على الحقيقة، والآية لا تفيد إثبات الوجه للنهار، الصواب انه مجاز بلاغي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار، وكذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة: 108]، وليس للشهادة وجه على الحقيقة ولكنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة، وكذلك قوله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ } [ النساء: 125]، ومعلوم أن توجه القلب إلى الله تعالى أعظم من توجه الوجه، وكذلك فإن بقية الجوارح عليها تكاليف وعبادات ولها توجه إلى الله، وهذا يدلنا على أن التعبير بتوجه الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله،

[ ]  هكذا نحمل الوجه في قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم،

[ ]  والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: { نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ }، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟

[ ]  وقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏، هل للرحمة يدين ؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه، [ ]  وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }، هل للعذاب يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب، [ ]  وقوله تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏، كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كالأرجل والأعين والآذان، كسب يسبب العذاب، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم ) 

[ ]  وقوله تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }، المقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه: بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام،

[ ]  وقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح: 10 ]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله،

[ ]  وقوله تعالى: { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى،

[ ]  سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات،

[ ]  ما الفارق بين قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد )، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد،

[ ]  فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال { بيدي } قلنا العربي يقول: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة، ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه، وقد قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون }، فهذا هو صريح القرآن،

[ ]  وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه،

[ ]  والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، تجري مجرى المجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني }، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته،

[ ]  قوله تعالى: { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ: 23 ]: أهل الحشو نسبوا إلى الله علو المكان، الله تعالى له العلو المطلق المنزه عن التقيد بالمكان، فلا يحصره مكان، وهو المنزه عن الحد والتناهي، ولا يحيط به مكان،

العلو المطلق لا يتقيد بالمكان لقوله تعالى: { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ آل عمران: 139 ]، والمقصود هو علو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع، ومثله قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: { قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى }، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي، والله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته،

[ ]  قوله تعالى:{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل: 50 ]، والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف: 127 ]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل،

[ ]  الفوقية ترد لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا حشو وتجسيم، وثانيهما: بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير والأمير فوق الوزير وهكذا،

[ ]  قوله تعالى: { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام: 18 ]، فهي فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم بالربوبية، بقرائن ذكر القهر والعبودية،

[ ]  قوله تعالى: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر: 10 ]، والمعنى المراد: مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم،

[ ]  قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران: 55 ]، والمعنى الصحيح: أي إلى مكان كرامته في السماء، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله،

[ ]  قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف: 206 ] , والمراد من العندية، هي عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان،

[ ]  قوله تعالى: { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك: 16 ]، والآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في العلو إشارة إلى علو الرتبة والعظمة والقدرة , لأنّ السماء تأتي في اللغة على معنى الرتبة، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي من في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه،

[ ]  لو كان المراد اثبات المكان لجاءت الآية بلفظ أأمنتم من على السماء لأن حرف ( على ) أقوي في اثبات المكان من حرف ( في ) فدل على أن المقصود من في العلو العظمة بصفات ذاته تعالى وتقدس،

[ ]  حل اشكالية المكان في حديث: ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث 

( المفتاح الأول ): اضطراب روايات حديث الجارية، فقد جاءت بثلاثة ألفاظ مختلفة، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، والثانية جاء بلفظ ( من ربك ) أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان، وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، والرواية الثالثة بلفظ ( أين الله )، أخرجها الإمام مسلم، الروايات تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في، فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم،

( المفتاح الثاني )  أنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن الكون في المكان،

و ( المفتاح الثالث ) يحمل السؤال: ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، الحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم،

[ ]  حل اشكالية الصورة في حديث: ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا ))،

و ( المفتاح الأول ): قوله صلى الله عليه وسلم: ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المتخلفة كما يحدث لبني آدم

و ( المفتاح الثاني ): قوله صلى الله عليه وسلم: ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول الحافظين: ابن حجر وابن خزيمة،

و ( المفتاح الثالث ): إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص: 72 ]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف،

و ( المفتاح الرابع ): وهو حمل المتشابه على المحكم، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة، لذلك فإن كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة، كما يقول العربي ما صورة الأمر ويقصد صفته،

[ ]  حل اشكالية الصورة في حديث القيامة الطويل في صحيح البخاري في جمع الله الناس إلى قوله: (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله: (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث، هم لا يعرفون صورة مسبقة، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة، وتكون الصفة التي أنكروها أولا شدة البطش والبأس، والصفة التي قبلوا بها هي صفة الرحمة والرفق،

[ ]  حل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث: ((  ينزل ربنا كل ليلة )) [ متفق عليه ]، للنزول الحقيقي لوازم فاسدة: منها أنه يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها، ومنها الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ويلزم منه وصف الله تعالى بالسفل  وهو كفر وضلال، وللحديث مفاتيح:

( المفتاح الاول ) أن الحديث أخرجه النسائي بلفظ: (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى ))، وهذا اللفظ هو المحكم، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله

( المفتاح الثاني ): أنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن التغير والحدوث وعن الحد والتناهي وعن الكون في المكان،

و ( المفتاح الثالث ): أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر، وبعد فهذه امثلة لبيان الرسوخ في علم العقيدة والتقديس، وحل إشكالية تتبع المتشابهات، مما يؤول إلى الزيغ والبدعة والضلالة، و بيان ان كل ما عارض المحكم القطعي من عقائد السلمين فهو متشابه يجب رده إلى محكمه،

سبحانه: { أحد } لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح، لا جزء له، ولا كل، إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية المطلقة، والله تعالى أحد: لا يمين له ولا يسار له، ولا فوق له، ولا تحت، ولا أمام له ولا وراء، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام،

سبحانه { صمد } له الغنى المطلق والكمال المطلق يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، لا يوصف بالصمدية، ولا بكمال الغنى والقيومية،

{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }، لا ينفصل منه شيء، ولم ينفصل من شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ }، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ }، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء،

{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، هو الخالق ومن عداه مخلوق، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق، هو القديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، تقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث أو الفناء، وتقدس عن قبول الحوادث، ولو قبل الحوادث لم يكن قديما، ولو قبل الحوادث لكان جزء منه حادث، ولو قبل الحوادث لقبل الفناء، وكيف يقبل شيء وهو الاحد المنزه عن الانقسام وقبول الاجزاء والأبعاض

( الخلاصة ): كل ما عارض المحكم فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات من الصور والاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، كل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا مكان ولا زمان، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، كان هذا ما تيسر في بيان ان كل ما عارض المحكم القطعي من عقائد السلمين فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

 

***

 

المحاضرة الثانية والعشرون  

بيان الزيغ الذي وصل إليه أهل الحشو بسبب تتبع المتشابهات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة: بيان حال الحشوية وزيغهم وضلالهم بسبب اتباعهم للمتشابهات، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  القرآن الكريم به المحكم وبه المتشابه، اختبارا من الله تعالى لنا، وقد امرنا أن نتمسك بالمحكم ولا نتتبع المتشابه، لان تتبعه زيغ وضلال، قال تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران: 7 ]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ }، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ متفق عليه ]

[ ]  وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وفي الحديث حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم،

[ ]  لقد حذرنا الله تعالى من تتبع المتشابه، لذا وجب ان نعلم حدود المتشابه وان نعلم من الذي يعلم المتشابه، وما هي طريقة الصحابة الكرام في معاملة المتشابهات، وما هي طريقة المذاهب المتخصصة في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة والتي هي امتداد للصحابة في معاملة المتشابهات، وما هو حال الذين يتتبعون المتشابهات،

[ ]  [ أولا: ما هي حدود المتشابه ]: الأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى،

[ ]  هناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته، فمن المحكم - على سبيل المثال - ( صفة العلم ) وهي صفة كمال من كل وجه، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى، و ( صفة القدرة ) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها  ( العجز )، وهو مستحيل على جناب الله تعالى، أما المتشابهات فهي ( الأخبار ) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى، ومن تلك المتشابهات: متشابهات توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى جناب ذات الله تعالى  كالوجه والعين واليد، وهي تعارض الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الاجزاء والأبعاض، وهناك متشابهات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء، وهي معارضة بالقدم الأزلي والكمال المطلق لله، ونسبة حقائق تلك الألفاظ كما هي في اللغة محال على جناب الله الأحد الصمد الذي له الكمال المطلق، والقدم الأزلي، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه،

[ ]  للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ،

[ ]  [ المذهب الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ]: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ولا تفسر ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل،

[ ]  [ المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ]، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه  أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا )، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة )، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)،

[ ]  مناهج أهل السنة والجماعة في معاملة المتشابهات: لأهل السنة فيها مذاهب صحيحة تتمثل في ثلاث مسالك معتمدة، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو، المسلك ( الاول ): إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير التعرض لمعناه، و المسلك ( الثاني ): اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة، والمسلك ( الثالث ): حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها، ومثاله حمل الوجه على الذات، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة، جميع تلك المسالك صحيح وبها قالت مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة وهي مدارس الاثرية والأشعرية والماتريدبة، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه،

[ ]  مثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها: ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات، وحمل اليد على مقتضي الآية، ففي قوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان } تحمل على الكرم والجود والعطاء، وفي قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم، و فإنك بأعيننا } أي بحراستنا وحفظنا، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن الجارحة والجزء،

[ ]  مثال الصفات الخبرية أيضا ( الاستواء ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية لذات الله، وهذا وصف لذات الله تعالى بالنقص، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن النهاية لأنها سمة المخلوق المحدود، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وهو أكبر من الحدود، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود، كما أنّه الواحد القهار الذي قهر الحدود، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات، فإثبات الاستواء على معناه الظاهر ( الجلوس )، قد يوحي بالمقابلة أو المحايثة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها، إما اثبات الاستواء على سبيل الصفة لا سبيل الجلوس والاستقرار، وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو علو الهيمنة والربوبية والتدبير، وإما تفويض علمه إلى الله، ( استواء على مراد الله ومراد رسول الله ) مع المنع من تفسيره على ظاهره ( الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص المتمثل في الحد والنهاية والتكييف كجلوس الملك على كرسي عرشه، مع الحذر من اثبات الاستواء على أته الجلوس، فهذا تشبيه، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة، ومع الحذر من نفي ( الاستواء ) كأن يقول: ليس للرحمن صفة الاستواء على العرش، فهذا خروج عن إطار أهل السنّة إلى الاعتزال،

[ ]  حاصل مذهب الحشوية  التجسيم والتكييف: يقولون نثبت لله يدين حقيقيتين , وعينين حقيقيتين , ووجها حقيقيا , وساقًا حقيقية وأصابع حقيقية , صفات عينية، ولا معنى للعينية إلا الجزئية، ويقولون: نثبت له استواء حقيقيا على العرش فوق السماوات بذاته , وهو مستوٍ على العرش استواء استقرار , وواضع قدميه على الكرسي , والكرسي غير العرش , وأن الله تعالى متصف بجهة حقيقية هي جهة فوق , وأنه ينزل بذاته نزولا حقيقيا , ويجيء بذاته مجيئا حقيقيا , ويعجب ويضحك على الحقيقة , وإذا كان النزول الحقيقي والمجيء الحقيقي يستلزم الحركة فلا مانع من التزام هذا اللازم الظاهر، وإذا كان التعجب والضحك يوجب التغير والحدوث فلا مانع من التزام هذا اللازم الظاهر،

[ ]  نبذة مختصرة عن تاريخ تسلسل ظهور الحشوية والإشارة إلى بعض أعلام ومصنفات الحشوية: لقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، في أقوال المحدثين ورواياتهم، حتى ظهر مقاتل بن سليمان (  المتوفي سنة 150 ه‍ )  فملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه، أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار  من أئمة المحدثين قال: ( مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه )  [ تاريخ بغداد 13: 162]، وقال ابن حبان: ( كان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب في الحديث )  [ المجروحون 2: 15 ]، للأسف بعد هذا المفسر الضال المبتدع أصبح التجسيم والتشبيه مدرسة متكاملة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده  من جهلاء المفسرين والمحدثين، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية،

[ ]  ثم ظهر محمد بن كرام السجزي (  ت 255 هـ  )، وأتباعه هم الكرامية، تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية، يقول ابن السبكي: (   مجسم باح بالتجسيم )  [ طبقات الشافعية لابن السبكي 2: 35 ]، وأهم مقالاته تجسيم معبوده إذ زعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته وهي الجهة التي يلاقي منها العرش [ انظر الفرق بين الفرق للبغدادي 203 و الملل والنحل للشهرستاني 108 واعتقادات فرق المسلمين للرازي 17 ]،، وزعم أن الله تعالى مماس لعرشه من الصفحة العليا [ انظر الفرق بين الفرق للبغدادي 204 و الملل والنحل للشهرستاني 108 ]، ومن الكرامية من قال إنه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم إن العرش قد امتلأ به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه بجهة فوق وأنه محاذ للعرش [ انظر الملل والنحل للشهرستاني 108 ]،

[ ]  تسرب مقالات التجسيم والحشو إلى بعض المصنفات الحديثية: أهل الحديث ليس لهم مذهب مستقل لا في الفقه ولا في الاعتقاد، وكتب الرجال تشهد بأن في رواة الحديث بعض اهل البدع من الحشوية والرافضة والخوارج، ولم تخرجهم هذه ابدع من دائرة المحدثين، وإن حُكم عليهم بالبدعة ومخالفة السنة،

[ ]  كان هناك من جهلة المحدثين بالأصول من يثبت بعض الأخبار الواهية المنكرة التي لا تكاد تحتمل التأويل، ومن هذا الفريق من ألف وجمع من هذه الأحاديث والأخبار التي يسمونها أخبار الصفات، وعلى هؤلاء العمدة في تقرير ما يسمونه اليوم بعقيدة السلف، والسلف منها براء بل هي عقيدة الكرامية وأتباعهم من اهل الحشو والتجسيم، وأذكر عشرة امثلة من أبرز رواد الحشوية الاوائل واهم مصنفاتهم:

[ ]  ( أولاً ): عثمان بن سعيد الدارمي: له كتابان في رد بدعة الاعتزال بالحشو والتجسيم، ( الكتاب الاول ) كتاب الرد على الجهمية و ( الكتاب الثاني ) كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد: أما كتاب الجهمية فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل بذاته في الليل إلى جنة عدن وانها مسكنه، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، أما كتابه الآخر  [ نقض عثمان بن سعيد على المريسي  ]  أثبت فيه الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وهذان الكتابان لهما منزلة عظيمة عند ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وقد أكثرا النقل عن هذين الكتابين،

[ ]  ( ثانياً  ): كتاب السنة لابن أبي عاصم: هذا الكتاب لمؤلفه أبي بكر بن أبي عاصم ( 287هـ )  وكان مذهبه القول بالظاهر، وأثبت في كتابه من الأخبار المنكرة: أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة،

[ ]  ( ثالثاً ): كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ( 290هـ  ):، واشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك مما تشيب له رؤوس المقدسين،

[ ]  ( رابعاً ): كتاب السنة للخلال: ( 311هـ ): أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام،

[ ]  ( خامساً ): كتاب التوحيد لا بن خزيمة: وفيه أبواب  بعناوين: إثبات الأصابع لله عز وجل، وباب في إثبات القدم، ونحو ذلك، وأخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة،

[ ]  ( سادساً ): كتاب الصفات المنسوب للدارقطني: ولا تصح نسبته إلى الدارقطني لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش قال الذهبي في ترجمته: ( أقر بوضع حديث وتاب وأناب )  [ ميزان الإعتدال 1: 259 ]، ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي العشاري قال الذهبي في ترجمته: ( أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي )  [ ميزان الإعتدال6: 267وانظر ترجمته في لسان الميزان 5: 302 ]، وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن ونحو ذلك،

[ ]  ( سابعاً  ): كتاب التوحيد لابن مندة: ( 395هـ )   وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه،

[ ]  ( ثامنا ): كتاب العرش وما روي فيه: لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة ( 297هـ )، وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى الله عز وجل في روضة خضراء،

[ ]  ( تاسعا ) كتاب الأربعين في دلائل التوحيد للهروي الجاهل بعلم التقديس والتنزيه، وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة،

[ ]  ( عاشرا ) كتاب إبطال التأويلات لأبي يعلى الفراء، وفيه طامات: أهونها أنه أثبت ( قعود النبي صلى الله عليه وسلم على العرش مع الله ) !! وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه، وأن من لم يؤمن بذلك فهو من الفرق الهالكة، وذكر في ذلك روايات كلها موضوعة، ثم قال أبو يعلى الفراء  في 2/485 معتمدا على الروايات الموضوعة: (( من ردها فهو من الفرق الهالكة )) ونقل عن بعضهم تكفير منكر ذلك !!، ج1/ص72 و ج2/ص476، وأثبت ( الاستلقاء والاتكاء والقعود، ورفع إحدى الرجلين على الأخرى ) !!  وذكر في  ذلك رواية موضوعة: (( إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر )) [  1/73، وفي 1/187 ]،

وذكر ص188 عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا: (( هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى )) اهـ !!، ثم قال ص190: (( اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء: منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه، وأن له رجلين كما له يدان، وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها )) اهـ !!! .،

ثم لم يهدأ حتى وصف الله تعالى بأنه في صورة ( شاب، أمرد، أجعد، في حلة حمراء، عليه تاج، ونعلان من ذهب، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب ) !!  وكتب في ذلك صفحات كثيرة من الكتاب 1/133 ليثبت هذه الأوصاف لله ـ تعالى وتقدس عن إفكه ـ وكلها روايات موضوعة، ونقل في 1/144 أن من لم  يؤمن بهذه الصفات العظيمة !! فهو: ( زنديق )، ( معتزلي )، ( جهمي )، ( لا تقبل شهادته )، ( لا يسلم عليه )، ( لا يعاد )، هذه بعض مخازي أبي يعلى الفراء،

ولأن أبو يعلى حشوي جلد، فإنه مغرم بنسبة كل شيء إلى الذات ! لا يتردد أبدا في ذلك فتراه يذكر في 1/227 رواية ( إن الله يدني العبد يوم القيامة ) فيقول: (( المراد من دنوه الدنو من الذات )) !!، وفي 1/265 يذكر: (( نزول ذاته )) !! تعالى وتقدس، يستدل لذلك بخبر موضوع: (( إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته )) !! وفي 1/266 يذكر: (( هبوط الذات )) !!، وفي 2/297: (( الدنو والقرب من الذات )) !!

 ثم أثبت الذراعين والصدر ) !! [  1/221 ] برواية مكذوبة باطلة، نصها: (( خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر )) !! ( 2 ) ثم قال: (( الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره )) اهـ !! فأثبت الذراعين والصدر والنور صفات، وأثبت ( الفخذ والأمام والخلف لله تعالى سبحانه عن حشو المجسمة  ) !!!!   برواية باطلة: (( إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن   خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له خذ بقدمي )) اهـ، [  1/206  ] ورواية باطلة أخرى: (( إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول: ادن منا أزلفت لدينا )) اهـ، ثم قال: ((  غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة، ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة … )) اهـ !!!،

إذا لم تستح فاصنع ما شئت، جعل الفخذ صفة لله تعالى وتقدس، والفخذ من العورة في شريعة الإسلام، حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم أثبت ( الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها ) !! بروايات لا يثبت بها شيء حتى في الوضوء، فأثبت الإبهام صفة لله [ 1/210 ]، مستدلا برواية منكرة باطلة: (( أوحى الله إلى داود: ارفع رأسك فقد غفرت لك .. ومحوت خطيئتك بإبهام يميني )) اهـ !!، ثم قال أبو يعلى متحذلقا: (( وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام .. )) اهـ، وقال في خبر تالف باطل [  2/316 ]: (( الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها )) اهـ، ويقول في 2/335: (( .. الخنصر وهو على ظاهره، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته )) اهـ، ثم أثبت ( اللهوات والأضراس ) !! صفاتا لله، ففي [ 1/214 ] يذكر أبو يعلى خبرا باطلا نصه: (( يضحك الله .. حتى بدت لهواته وأضراسه )) اهـ !!، ثم يقول: (( لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناها )) اهـ،

ولم يكتف بذلك حتى أثبت ( الملل ) !! صفة لله، [ 2/369 ] برواية: (( إن الله لا يمل حتى تملوا )) فأثبت الملل له تعالى صفة، لا على معنى السآمة والاستثقال .. )) اهـ !!! .  وأثبت ( الفم ) !!  بأثر باطل [  2/387 ] (( كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك )) اهـ ثم قال: (( اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه )) اهـ !! وأنه: (( صفة قد ورد الخبر بها )) اهـ !!، وأثبت ( الجنب ) !!  صفة لله فقال [  2/427 ]: (( وأما قوله تعالى: ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) فحكى شيخنا أبو عبدالله رحمه الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله سبحانه )) اهـ !!! .

وعند إثبات الساق أورد روايات موضوعة مآلها كلها إلى التجسيم والعياذ بالله، أورد أبو يعلى في كتابه 1/161 من طريق مقاتل بن سليمان قال: ((  ( يوم يكشف عن ساق ) يعني ساقه اليمين، فيضيء من  نور ساقه الأرض، فذلك قوله: ( وأشرقت الأرض بنور ربها )، يعني نور ساقه  اليمين )) اهـ !!، قال محقق الكتاب وهو حشوي مثله: (( إسناده ضعيف جدا، ومقاتل بن سليمان متهم ورمي بالتجسيم )) اهـ،

ثم لم يتورع حتى أسند رواية إلى الجن بأن الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض كان مستقرا على الحوت  فقد أورد [  1/237 ]، قال ابن الأثير في أحداث سنة ( 459هـ ) حيث كانت وفاة أبي يعلى: (( وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة .. وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك .. )) اهـ، وقد قال فيه معاصره أبو محمد رزق الله الحنبلي شيخ الحنابلة ورئيسهم في بغداد، ما لفظه: (( لقد شان المذهب شينا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة )) اهـ  كما في ( دفع شبه التشبيه ) لابن الجوزي ص10،

وقال الحافظ أبي الفرج عبدالرحمن بن الجوزي الحنبلي في مقدمة كتابه ( دفع شبه التشبيه بأكف التنـزيه )  (( ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبدالله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى، وابن الزاغوني، فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب، سمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات، وعينين، وفما ولهوات وأضراسا، وأضواء لوجهه هي السبحات، ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين، إلى ان لعنهم في آخر الكتاب )) اهـ من ص67،

[ ]  اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل ( ت241هـ )، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر، ومن أكبر أئمّة الاسلام، لكن قد انتسب إليه هؤلاء هو منهم بريء، وهذا الإمام ابن الجوزي، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله، يُخاطب ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي وهم من كُبراء الحنابلة، بقوله: " ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضيوابن الزاغوني فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، ويقولون: نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: لا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم ..  )  [ دفع شبه التشبيه لابن الجوزي 30-33 ]،

[ ]  تسرب الأفكار الحشوية إلى ابن تيمية: ابن تيمية  أسوا حالا من أبي يعلى الفراء، كانت تنقصه دقة المتخصصين في العلم، تفرغ لإحلال مذهب الحشو مكان مذهب أهل السنة والجماعة، وأفنى عمره من اجل ذلك، فهو المجدد لمذاهب الحشو والتجسيم، مذاهب الحشوية والمجسمة كان لها وجود ضعيف قبل ظهور ابن تيمية، ولم يكن لها ضوابط تجمعها , حتى رتب أصولها وهذب شواردها ابن تيمية، فكان بحق إمام الحشوية الابرز، والحشوية في عصرنا هذا تبع لما صنفاه  , وعلى كتب هما مدار الدراسة عند الحشوية أدعياء السلفية،

[ ]  في مجال علوم العقيدة، وقع في أخطاء أبرزها: (  أ  )  أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين،

[ ]  (  ب  )  كذب على السلف ونسب إليهم مذهب الحشو، وهو اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات، وقد كان مذهبهم الصحيح: تفويض المعنى، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك، ولو كان له معنى لما كان متشابها، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض - وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي - من شر مذاهب الفرق الضالة

[ ]  (  ت  )  شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض، (  ج  )  بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء، (  خ  )  تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة،

[ ]  (  د  )  نسب علم (  التقديس وقواعد التنزيه  المستمدة من الكتاب والسنّة  )  إلى علوم اليونان وفلسفتهم، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، قال تعالى: { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }  [  النساء: 84  ]، ولأنهم متخصصون علموه، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين،

[ ]  (  ذ  )  شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، وقطع طريق العلم عليهم، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة،

[ ]  (  ر  )   لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير،

[ ]  (  ز  )   لم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك، (  س  )  لم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في التبديع،

[ ]  (  ش  )  انفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة، ومن ذلك: إنكاره المجاز في القرآن واللغة مع أنّه معلوم من اللغة بالضرورة، ولا يمن انكاره لا من اللغة ولا من القرآن بحال من الأحوال، ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين، وليس يفيده بحال، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر - وهذا في السنّة كثير -، ومع هذا الاحتمال، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين، لاشك أنّه يوجب العمل، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد،

[ ]  وفي مجال الفقه: كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، واتباع الكتاب والسنّة، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية - على مر عصور الإسلام -  كل ما يتعلق بالفقه ومسائله،

[ ]  وفي مجال التزكية والتصوف: أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها، وتجريح أكابرها، وفي مجال تعلق المسلمين بالرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيت الرسول: أفتى بحرمة شد الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم، مع أنّه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وزيارة المقابر كلها مسنونة، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم،

[ ]  وفي مجال الموقف من آل البيت  رضوان الله تعالى عليهم، أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف عن آل البيت، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير  المؤمنين خليفة المسلمين الرابع علي رضي الله عنه، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة، وحكم على أخرى بالوضع، ولا تبلغ هذا الحد، وخانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد، وفي مجال المعاملة مع أكابر علماء عصره، هاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم، وصال عليهم وجال، واحتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه حتى يحفظونه من شر نفسه، ويحفظون الناس من غرائبه وتشدداته، فهل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات: أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن السلفية والسلف،

[ ]  لا ينبغي الاغترار برده على الأكابر في علم التقديس والتنزيه كالرازي وفحول الأشاعرة، فردوده خواء عن معرفة مقصود تنزيههم لأنّه ولج علما لا يتقن أصوله، فأخذ يحشو في الردود حشواً، وما أسوأ ردّه على كتاب تقديس الرازي، يرد الصواب بالخطأ ويجول ويصول ويجادل في اثبات خطأ الصواب وصواب الخطأ،

[ ]  ولا ينبغي الاغترار بمحاولته اثباته عدم التعارض بين النقل والعقل، بجر المعقول الذي عقله إلى فهمه الذي فهمه من المنقول، فلا هو - يرحمه الله - يدرك المعقول على وجهه لأنّه غير متخصص فيه وهل أقل المعقول إلا معرفة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الخالق سبحانه، وهل أقل المعقول إلا التفريق الأصولي بين القديم والمحدث وهو لا يدركه، وهل أقل المعقول إلا معرفة قواعد التنزيه التي تمنع التمثيل والتشبيه والتجسيم والحشو عند الحديث عن ما يتعلق بالله تعالى، وهو يرحمه الله لا يدرك ذلك البته،

[ ]  مذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من جهة تحت، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الذي لا ينقطع عن الارض لحظه كما دلت الدراسات اليقينية المعاصرة، والمصيبة أنّ نزول الله تعالى - عنده - نزول حقيقي بذاته، فقد قال ( وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته  )، ودندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ودندن حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم  وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد،

[ ]  رؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام لجمهور علماء المسلمين، ولأجلها اعتقل مرات عديدة ونفي إلى مصر وسجن ومات بسجنه: أهم تلك المسائل: (  أ  )  وجوب وصفه سبحانه بالصفات الخبرية المتشابهة كالوجه واليد والعين والمجيء والنزول والاستواء بنفس المعاني اللغوية من دون تصرّف، وقد علمنا أنّها أمور متشابهة لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم، وقد قام بذلك علماء الأصول مفاخر الإسلام ومعاقد الإيمان، فضبطوا علمها وابن تيمية لا يعلم عن هذا العلم شيئاً،

(  ب  )  تحريم  التوسّل بالأولياء والصالحين، وتحريم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم لأنّها شرك بالله، وقد علمنا أنّ الشرك ضد التوحيد، والتوحيد هو افراد الله تعالى بالعبادة، وأنّ للعبادة جانب أهم وهو اعتقاد الإلهية والربوبية في المعبود، وجانب آخر هو العمل العبادي كالسجود والدعاء وغيرهما من مفردات العبادة، فمن صرفها باعتقادها كان عابدا، ومن صرفها بغير اعتقاد، فهي أبعد ما تكون عن العبادة ومنه سجود الملائكة لآدم، فأين كل هذا من التوسل بالصالحين إلى الله تعالى لنيل الشفاعة عند الله، ومع ذلك وعلى سبيل التنزل فقصاراها مسائل خلافية لا يجوز الاحتساب فيها، ولا الأمر والنهي فيما ومع ذلك أفنى ابن تيمية حياته في نصرتها في أوقات كانت الأمة تنزف دماءها بسبب ضعفها أمام الأعداء، فهل كان صوابا أن يشغب على الأمة بمفردات حشوية لا تمت إلى الأصول بنسب ولا صلة،

(  ت  )  تحريم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك، وهذا أطم الطامات، حيث انفرد به عن علماء الإسلام، وحمل حديث ((  لا تشد الرحال  ))  على غير محامله، فقد سيق في بيان فضل المساجد الثلاث على غيرها، فادخل فيها زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة للزيارة بالحديث، بل علاقته أقرب إلى زيارة القبور، وهي جائزة باتفاق، وأولاها قبر سيد الأولين والآخرين الذي به صلى الله عليه وسلم أخرجنا الله تعالى من الظلمات إلى النور، وما المانع أن يأتي بعده من يحرم شد الرحال للعمل أو طلب العلم، لأنّ مآخذها ومآخذ الزيارة سواء، وجميعها أجنبي عن فتوى تحريم شد الرحال، إنّ المسلمين - على مر عصور الإسلام -  كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه، ولم تك الزيارة في تلك العصور أبداً ذريعة إلى الشرك، بل كان الهدف منها توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره، وهو مطلب قرآني، قال تعالى: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } الآية، ولكن ابن تيمية، يُخالف ذلك كله، ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم  تمسكاً بحديث غير دال على ما ذهب إليه، فما ذنب الإسلام إن كانت بعض الأفكار الحشوية والخاطئة قد تسربت إلى عقل ابن تيمية ومن ثم إلى أتباعه،

[ ]  اهل العلم لا يجوز لهم كتمانه، وقد قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }، وقال صلى الله عليه وسلم: (( من كتم علما يَعلمه جاء يوم القيامة مُلْجَمًا بِلِجَام من نار )) [ الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم ]،

[ ]  احقاقا للحق، وعدم كتمان العلم، فلابد من القول بان ابن تيمية وأتباعه أهل حشو، وآل بهم تتبع المتشابهات والجهل بمقدمات الإلهيات وقواعد التقديس إلى الوقوع في بدع الحشو التجسيم، على حساب التقديس، وإلى الغلو في التكفير والتبديع فيما يتعلق بأمة الإسلام،

[ ]  وللأسف السلفية المعاصرة إلا ما رحم الله، هم أقرب إلى بدعة الحشوية منهم إلى أهل السنة والجماعة، هم ادعياء سلفية، والسلفية الحقة المباركة بريئة مما هم فيه من الجهل بالله تعالى وما يجب له من التقديس والتنزيه، تسربت إليهم مفردات بدعة الحشو والتكييف، كيفوا الوجود الإلهي وحدوه بالمكان والزمان ونسبوا إلى جناب ذاته الاقدس الحد والتناهي ونسبوا إليه صفات الاجسام المخلوقة من الصورة والشكل والحركة والسكون والتغير والحدوث، وصاروا أقرب إلى المجسمة المبتدعة منهم إلى اهل السنة والجماعة الحقيقيين،

[ ]  [ أهل السنّة والجماعة ] لهم في باب العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، لقد أُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منها فهو لا محالة متهم على عقله أو علمه أو دينه، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الثالثة والعشرون

جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة: جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  يظهر جهل الإنسان عندما يتعدى طوره ويحاول تكييف  ما لا يمكن له الوصول إليه، ما أعظم جهل الإنسان عندما يحاول تكييف الوجود الإلهي المطلق، وعندما يحاول الاحاطة بالكمال المطلق لجناب الذات الإلهي، وعندما يحاول الإحاطة بالتقديس المطلق لجناب الذات الإلهي، مع انه محدود العلم، عاجز عن إدراك حقائق الروح التي لا تفارق جسده، قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء: 85 ]،

[ ]  ( العقل ) لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها، والله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود، تعالى على الحدود والبدايات والنهايات، والغايات، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، كل الخلائق عاجزة عن معرفة كنه الوجود الإلهي، لأنها مخلوقة محدودة محدثة، والمخلوق لا يدرك الخالق، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود، والمحدث لا يدرك كنه القديم،

[ ]  قصة تصف حالي عندما كنت في بداية طلب العلم الشرعي، مفاد هذه القصة، كما جاءت في [ طبقات الشافعية الكبرى للغمام السبكي  ج: 9 ص: 42 ]: يقول (  قال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي أني أسلمت جديدا  ) أهـ، هذه القصة تصف حالي تماما عندما بدأت في طلب العلم الشرعي، وكان الرواج في الساحة لمذهب اهل الحشو والتجسيم، وكان الصوت الاعلى علميا للمنتسبين للسلفية، والمسمى عظيم، والكل يتمنى الانتساب للسلف، ولا ندري أبعاد الامر، وأن المفردات المعروضة هي مفردات حشو وتجسيم ولا تمت للسلفية بصلة، في هذه الايام كان النهم الاعلى لقراءة كتب ابن تيمية وابن القيم، وخرجت بعقيدة مفادها: أن الله تعالى له مكان، وأن مكانه هو العرش وأنه من هناك يدير الملك والملكوت، وان من انكر المكان لله فمداره على التعطيل وانه يعبد عدما لا وجود له إلا في ذهنه، وان له حد يفصله عن العالم، وانه فوق العالم والعالم كله تحته، وأنه خلق الإنسان على صورته، وان له الوجه والعينين واليدين والأصابع والأنامل والساق والرجل، وانها صفات اعيان كما قال ابن تيمية، وان له الاستواء المكاني بذاته على العرش، وأنه ينزل حقيقة بذاته في الثلث الاخير من الليل إلى السماء الدنيا، وانه لا مانع من اثبات لوازم النزول الحقيقي من الحركة والسكون وتغير المكان، وانه يجيء ويذهب، وأنه كما قال ابن تيمية يقبل الحوادث لتتجدد معلوماته باعمال العباد، وتجدد مبصراته كل لحظة بالصور الحديثة وتجدد مسموعاته بالأصوات الحديثة، وتجدد كلماته في الكون بقوله كن فيكون، مليارات الاوامر تلقى إلى الكون بصورة لحظية والكون في حالة انصياع لتلك الأوامر المتجددة، كان هذا هو التكييف الذي وصلت إليه، وكنت أظن انه الرسوخ في العلم، وان ما عدا ذلك تعطيل وزندقة وجهل بالله،

[ ]  وكنت أظن ان الوجه واليد والعين صفات محكمة من اقترب منها اشتم منه رائحة الإلحاد والزندقة، وكنت أظن كما قال ابن تيمية أن اهل تفويض معاني هذه الأخبار إلى الله هو عين التجهيل وهو شر من التعطيل، وان من تأولها فهو معطل وان التأويل هو كما كان يقول ابن تيمية: (  استحدثه الطوائف الضالة  )، وكما كان يقول: ( التحريف بالتأويل أقبح من التعطيل والتكييف والتمثيل، وكما كان يقول: ( هو من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه )، وكما كان يقول تلميذه ابن القيم: َأَصْلُ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ )،

[ ]  كانت تلك هي العقيدة عندما كنا لا نستطيع ان نخرج عن حيز الحس والموهوم، فلا نثبت إلا ما ثبت في اذهاننا بالحس، كل موجود لابد له من مكان يكون فيه وإلا فهو العدم، كل موجود لابد لذاته من حد ينتهي إليه، وإلا اختلط ببقية الذوات، كل موجود لابد له من صورة وشكل، وإلا كان وهما وعدما،

[ ]  كانت تلك هي العقيدة قبل أن يهدينا الله تعالى لتعلم العقيدة على أيدي المتخصصين، وقبل ان نعلم معاني القدم الازلي لجناب الذات الإلهي وانه يمتنع عليه قبول المحدثات، وقبل أن نعلم معاني الوجود الإلهي المطلق، وانه يمتنع عليه الكون في المكان والحد والمقدار، وقبل أن نعلم معاني الكمال المطلق لجناب الذات الإلهي، وانه يمتنع عليه التغير والحدوث وقبول الزيادة أو النقصان، وقبل أن نعلم معاني الأحدية المطلقة وتقديس الله تعالى عن الأجزاء والابعاض، وقبل أن نعلم معاني الصمدية المطلقة وتقديس الله تعالى عن الصور والأشكال، وقبل ان نعلم قواعد التقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي وانه مقدس عن الحد والمقدار وعن الكون في المكان وعن جريان الزمان وأنه مقدس عن الاجزاء والأبعاض والصور والاشكال والتغير والحدوث وكل معاني النقص والعيب والحاجة، وأنه سبحانه غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك، وان كل ما كنت فيه كان تكييف وتجسيم لجناب الذات الإلهي، مع انني كنت اكثر الناس قولا بلا تكييف ولا تجسيم، وفعلا المرء عدو ما يجهل،

[ ]  أعود للقصة: يقول أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي أني أسلمت جديدا  ) كان يطن ان الله تعالى يحويه مكان بل جهة واحدة من جهات المكان، وجود مقيد، فلما من الله تعالى عليه بمعرفة قواعد التقديس وان لله تعالى الوجود المطلق المقدس عن المكان أحس بالإسلام النقي السليم اسلام التقديس والتنزيه، فكتب إلى أصحابه اني قد اسلمت جديدا، فعلا معرفة قواعد التقديس اسلام جديد، فعلا فهم مقدمات الإلهيات اسلام جديد، اسلام التقديس والتنزيه لا اسلام الحشو والتجسيم والتبديع والتضليل لأهل التخصص العلمي وصدق الله تعالى حيث يقول: { ولا ينبئك مثل خبير }،

[ ]  جناب الذات الإلهي غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك، هناك عوامل تبلغ بالعبد هذا التقديس منها فهم معاني الآية { ليس كمثله شيء } فهما صحيحا، وفهم معاني الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فهما صحيحا، وفهم معاني القدم الازلي فهما صحيحا، وفهم معاني الكمال المطلق فهما صحيحا، وفهم معاني الوجود المطلق فهما صحيحا، وفهم قواعد التقديس فهما صحيحا، كل ذلك يسهم في بلوغ التقديس وبلوغ مرتبة: جناب الذات الإلهي: غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك 

[[ أولا ]] فهم معاني الآية { ليس كمثله شيء } فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس: الآية: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، هذه الآية، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير، قال تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان: 2 ]، فدلت الآية: { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، يمكن أن تكون هناك مثلية في بعض معاني الصفات، ولكن النفي المطلق للمثلية إنما هو في جناب الذات،

[ ]  هذه الآية تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كانت أجزاء من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: { ثم استوى على العرش يدبر الأمر }، كما أن القرب في قوله تعالى { فإني قريب } قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن المعية في قوله تعالى { وهو معكم أسنما كنتم } معية صفات ( صفات العلم والسمع والبصر }، كما أن الاحاطة في قوله تعالى { وهو بكل شيء محيط } إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى { احاط بكل شيء علما }، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى { ولا يحيطون به علما }،

[[ ثانيا ]] فهم معاني الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس: الاحدية محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، هناك فرق كبير في المعني بين اسم الله ( الأحد ) واسمه ( الواحد )، الله واحد لا شريك له، قال تعالى: { وهو الواحد القهار }، الله احد لا جزء له لا يقبل الكثرة والانقسام، قال تعالى: { قل هو الله أحد }،

[ ]  ( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا، وكل من كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }،

[ ]  { اللَّهُ أَحَدٌ } معنى الآية: أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس، وهنا يقول أهل الحشو عندما يسمعون هذا التقديس: قف: أنت تعبد العدم، لا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق ولا تحت  ولا أمام ولا وراء، عدم، انتم تعبدون العدم، نقول لهم: ((  الكل والبعض واليمين واليسار  والفوق والتحت  والأمام والوراء  صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء، وليست صفات الأحد المقدس عن الجزئية، أنتم تقيسون الله على الأجسام المنقسمة المحدودة المصورة، التي تقبل الصور والأشكال والكون في المكان، فإما الحشو والتكييف وإما أن تتهموننا بأننا نعبد العدم، هل العدم يخلق هل العدم يرزق، هل العدم له الكمال المطلق والوجود المطلق والتقديس المطلق، هل العدم له القدم الازلي، هل العدم له الأسماء الحسنى والصفات العلا، العدم عدم، وأنتم تعبدون جسما مجسما يقبل الكون في المكان ويقبل الصور والاجسام، واذا استوى على العرش ياخذ حيزا على العرش كما تأخذ الاجسام، أنتم اهل تكييف وتجسيم، ونحن لسنا ملاحدة نعبد العدم وانتم تعرفون ذلك بل نعبد الله على التقديس والتنزية، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، { قل هو الله أحد }: الله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام،

[ ]  { اللَّهُ الصَّمَدُ }: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، الصمدية المطلقة تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء، جل المصور أن يكون مضورا، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، ( الصمد ) هو الإله الرب الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله، من خصائص الصمدية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الكمال المطلق لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، الكمال المطلق دائم لا يزول، لا يفنى ولا يبيد، الكمال المطلق لا يقبل تغير ولا حدوث، لأنه إن تغير: تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن من صفات الإله الذي له الكمال المطلق،

[[ ثالثا ]]  وفهم معاني القدم الازلي فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس: ( الله جل جلاله ) له القدم الأزلي: ( أول بلا ابتداء )، ( أول ) لا أول لوجوده تعالى لا يسبقه عدم، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، أظهر صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }، فالعلة في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب هي الأفول، ( الآفلين ) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية،

[[ رابعا ]]  فهم معاني الكمال المطلق فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس: من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، قال تعالى: { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ): الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق، ( الكمال المطلق ) لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الحوادث، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، لأنه قبل التغير من حال إلى حال، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، الحد معناه التناهي، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، (  الكمال المطلق ) أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، والله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته،

[[ خامسا ]] وفهم معاني الوجود المطلق فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس: الله تعالى له الوجود المطلق، المقدس عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات، والمقدس عن الكون في المكان، وعن جريان الزمان، هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان، تحكمه قوانين المكان، من الكون في المكان والتحيز في جهة من جهات المكان، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه، هذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل، أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود المطلق الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، فالله تعالى له الوجود المطلق، هذا ( الوجود المطلق ) لا يتقيد بالمكان، ولا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد: 3 ]، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان،

[[ سادسا ]] وفهم قواعد التقديس فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس، ومن تلك القواعد: تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية من الأجزاء والأبعاض والصور والأشكال، ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم }، و ( الجسمية ) تناقض الأحدية، الله تعالى [ أحد ] لا جزء له، و ( الأحدية المطلقة )، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض، والله تعالى: [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، ( الجسمية ) تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وهو سبحانه مقدس  عن لوازم الجسمية من الاجزاء والابعاض والصور والأشكال،

[ ] جلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار: 8 ]، والتركيب يستحيل على الله تعالى ,  كل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة،

[ ]  من محصلة: فهم معاني الآية { ليس كمثله شيء }، وفهم معاني الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة، وفهم معاني القدم الازلي، وفهم معاني الكمال المطلق، وفهم معاني الوجود المطلق، وفهم قواعد التقديس، تكون المحصلة: الله موجود بلا كيف، الله موجود بلا حد، الله موجود بلا مكان، الله موجود لا يجرى على وجوده زمان، جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك، ( الحاصل ): هو التقديس المطلق، الله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا شكل ولا مكان ولا يجري عليه زمان، ليس كمثله شيء وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه،

[ ]  جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، والإحاطة بالكون احاطة صفات لا إحاطة ذات، والاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، ليس كمثله شيء، غيب مطلق انقطع علم الخلق دونه، قال تعالى: { ولا يحيطون به علما }، وقال تعالى: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، قريب من كل شيء، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده، لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب هو عن شيء، وهو بكل شيء محيط، وهو بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير،

[ ]  سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أحد منزه عن الانقسام، صمد منزه عن التركيب والاحتياج، غني حميد، أحديته المطلقة تمنع من الانقسام، وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }،

[ ]  ( جناب الذات ): { ليس كمثله شيء }، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية، له الوجود الحق المطلق، والعقول المحدودة لا تحيط بالمطلق المنزه عن الحدود،

[ ]  الاحاطة به محال { ولا يحيطون به علما }، لا منتهى لجناب ذاته ولا لعظيم صفاته، سبحانه تقدس عن المكان، فلا يتقيد بالمكان، ولا يحويه مكان، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وتقدس عن جريان الزمان، فلا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، فلا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، لا يقبل التغير ولا الحدوث، سبحانه كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان،

[ ]  هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، وأجراه، ولو شاء أوقفه وأفناه، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق، كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والتناهي، فلا انتهاء لجناب ذاته، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه: لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى: 11 ]، وقال تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص: 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه،، وقال تعالى: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام: 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقال تعالى: { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه: 110 ]، سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر، وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والاكرام،

[ ]  الله تعالى له الكمال المطلق، منزه عن كل ما ينافي الكمال المطلق لجناب الذات الإلهي، كالحد والتناهي وكالكون في مكان والتقيد بالزمان، سبحانه منزه عن كل ما ينافي القدم الازلي من التغير والحدوث وقبول الحدث، سبحانه منزه عن كل ما ينافي الأحدية المطلقة من قبول الأجزاء والابعاض والجوارح، سبحانه منزه عن كل ما ينافي الصمدية المطلقة من قبول الصور والأشكال

[ ]  الله تعالى موجود بلا كيف، الكيف مخلوق، والكيف يستحيل على الله، الأحدية المطلقة تمنع من الكيف، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف، الكمال المطلق يمنع من الكيف، نفي المثلية يمنع من الكيف، القدم الأزلي يمنع من الكيف، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف، نفي الحد يمنع من الكيف، نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان، يمنع من الكيف، نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف،

[ ]  تقدس في وجوده المطلق عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، لا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ولا يقال في وجوده أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون، والدخول والخروج، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار،، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك، { ليس كمثله شيء }، { ولم يكن له كفوا احد }،

[ ]  جناب الذات لا يُدرك: كل مسلم مقدس لله منزه له يفهم المراد من التسبيح يجب عليه الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح، فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود،

[ ]  كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان،

[ ]  تلازم الاسمين ( الأول الآخر ): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان،

[ ]  جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة، والله تعالى خالق مقدِر، تنزه سبحانه عن الحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص، لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ

[ ]  [ الخلاصة ]: الله تعالى موجود بلا كيف، الأحدية المطلقة تمنع من الكيف، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف، الكمال المطلق يمنع من الكيف، نفي المثلية يمنع من الكيف، القدم الأزلي يمنع من الكيف، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف، نفي الحد يمنع من الكيف، نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان، يمنع من الكيف، نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف، ( الله موجود بلا كيف ): تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، بلا كيف، ولا مكان ولا زمان، ولا حد ولا مقدار، لا يحده مكان ولا يجري عليه زمان، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، استواؤه على العرش استواء صفات الربوبية والدبير، لا استواء ذات وقربه من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، وإحاطته بالخلق احاطة صفات لا احاطة جناب الذات،

[ ]  كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و  كل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض القدم الازلي لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الأجزاء والابعاض لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم التغير والحدوث وقبول الحوادث فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه، وكل ما أوهم الفوقية الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، الله موجود بلا كيف، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، والعجز عن الإدراك إدراك، ولا يحيطون به علما، هذا هو ثمرة دراسة المقدمات الاعتراف بالعجز عن الادراك { لا تدركه الأبصار }، وبلوغ التقديس المطلوب { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك }، وتصفية الاعتقاد من شوائب الحشو والتكييف والتجسيم، الله موجود بلا كيف، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، والعجز عن الإدراك إدراك، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

 

***

 

المحاضرة الرابعة والعشرون 

لا مناص من التأويل لتعارض الأدلة

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة بيان أنه لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وانه من الفقه في الدين، والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون بان التأويل شر من التعطيل، وان المؤولة أشر من الجهمية المعطلة، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وهو من الفقه في الدين ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه التأويل، وهناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل وانه من باب الرسوخ في العلم، وتكاد ترجع إلى خمسة ادلة: هي: [ الدليل الأول ]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم  كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، [ الدليل الثاني ]: أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام، وهو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات، [  الدليل الثالث  ]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل، [  الدليل الرابع  ]: ما يدل على جواز التأويل المقبول أنّه تأويل ناشئ عن ضرورة، [  الدليل الخامس  ]: ما يدل على جواز التأويل المقبول أنّه ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه،

[ ]  أهل محاربة التخصص العقدي يحاربون التأويل، ويعتبرونه أشد ضلالا من التعطيل، قال ابن تيمية: في معرض ذمه للتاويل،: (  التأويل: هو الذي استخدمه المعطلة في تحريف الكلم عن مواضعه، وصرفوا معاني القرآن عن ظاهره بغير دليل، وقال ايضا: ( وهذا التأويل استحدثه الطوائف الضالة، وهو أن يصرفوا اللفظ الذي أراده رب العزة والجلال وأراد أن يفهم منه المخَاطَب شيئاً معيناً إلى معنىً آخر، يقول صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" فيقولون: المراد نزول الرحمة )، فدل على انه يقصد السادة الأشاعرة، وليس تأويلات الباطنية والزنادقة، وقال عنه: هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته، وقال أيضا: التحريف بالتأويل أقبح من التعطيل والتكييف والتمثيل، لأنه ما حرَّف إلا لأنه عطَّل، وما عطَّل إلا لأنه كيَّف ومثَّل"، وقال ايضا: وهو من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه، وقال تلميذه ابن القيم: َأَصْلُ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ، وقال ابن أبي العز الحشوي في شرحه للطحاوية: التأويل هو  الذي أفسد الدنيا والدين،

[ ]  ما هي مشكلة اهل الحشو ولماذا انكروا التاويل: المشكلة الاولى: يجهلون قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، وهي كثيرة وقد أفردت لها مقدمات عديدة، ومفادها: تقديس جناب ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء، و تقديس جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق، و تقديس جناب ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره،

[ ]  المشكلة الثانية: تسربت إليهم بدع التجسيم، وخلاصتها أن الله تعالى له مكان وهو العرش وله حد وحده التحتي العرش وكأن جناب الذات له سفل يحازي العرش، وانه ينزل حقيقة ولا مانع من الحركة والسكون لانه حي والحركة والسكون من لوازم الحي، وان له صفات أعيان بمعنى اجزاء من الذات كالوجه والعين واليد والساق على صورة الانسان، وها هنا لنا ملاحظة: كل ما تكلموا به متشابهات لاسباب عديدة: الوجه والعين واليد أجزاء من ذات في اللغة وهم يسمونها صفات أعيان اي أجزاء من ذات وذهلوا عن الأحدية والصمدية، وما فيهما من تقديس عن الاجزاء والابعاض، ( الاستواء ): لم لا يكون استواء تدبير كما قالوا في القرب والاحاطة، ( النزول ): لم لا يكون نزول رحمة ونزول صفات، ( العلو ) لم لا يكون علو مكانة لا مكان لان نسبة المكان إلى الله محال، [ ]  المكان دائما أكبر من المتكون فيه، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والمكان اعلاه الظاهر وأدناه الباطن، وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان، والكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، ولهذا جل الإله الواحد القهار الأحد الصمد الحي القيوم عن الكون في المكان، [ ]  المكان دائما أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء وهو اكبر من المكان، فلا يصح أن يحويه مكان، [ ]  المكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله منزه عن الحد والحيز، [ ]  المكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط، [ ]  المكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن  والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء  وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان، [ ]  الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و ( الاحدية المطلقة ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى  في مكان، إذن أنكر أهل الحشو التأويل ووصفوه بأشنع العبارات، ولكن هل من نظرة منصفة إلى التأويل أقول وبالله التوفيق:

[ الدليل الأول ]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم: قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ }، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة فقال (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )) [ الحديث أصله في الصحيحين، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد وصححه العراقي ]، هذا هو التأويل الصحيح، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته اثنان من علماء أهل السنة والجماعة، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه )، فهذا ما دعا به الرسول للحبر البحر، ورد عن السلف الكرام، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا، لقد حذرنا الله تعالى من تتبع المتشابه، لذا وجب ان نعلم حدود المتشابه وان نعلم من الذي يعلم المتشابه، وما هي طريقة الصحابة الكرام في معاملة المتشابهات، وما هي طريقة المذاهب المتخصصة في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة والتي هي امتداد للصحابة في معاملة المتشابهات، إن الأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال،

[ ]   ( فائدة ): من الذي يعلم المتشابه ]: جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه في قوله تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ }، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ }، قال: لا يعلم المتشابه إلا الله وحده، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ]، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على: لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على: ( الراسخون في العلم )، ولهذا صار للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، [ المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ]: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن يوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وهؤلاء كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بالواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس، و [ المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ]، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وهذا قد ورد عن الحبر البحر ابن عباس رضي الله عنهما كما سيأتي في الدليل الثاني،

[ ]  [ الدليل الثاني ]: أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام وفق ضوابط حكيمة، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا، وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: كتأويله للساق في قول الله تعالى { يوم يُكشف عن ساق } بالكرب شديـد [  الطبري ]، وتأويله للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري ]، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2: 322 ]، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17: 52 ]، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري (18: 135) ]، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)، وهو ثابت كذلك عن التابعين: تأويل مجاهد للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله[ تفسير الطبري (24: 19) ]، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير وهم من أئمة التابعين للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر.[ تفسير الطبري (29: 38 – 39) ]، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله [  (الطبري 1: 402 ]، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ): أي إلا هو [ دفع شبه التشبيه ص: 113]، وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ): بمجيء أمره وقضاؤه [ تفسير البغوي 4: 454 ]، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله. [ روح المعاني تفسير الآية 56 من سورة الزمر ]، وهو ثابت كذلك عن تابعي التابعين، تأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ [ التمهيد 7: 143، سير أعلام النبلاء 8: 105، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، شرح النووي على صحيح مسلم 6: 37، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82]، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [البداية والنهاية لابن كثير 10: 361  ]، ونقل الحافظ ابن الجوزي عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى ( أو يأتى أمر ربك ) ومثل هذا في القرآن ( وجاء ربك )  قال: إنما هو قدرته. [ دفع شبه التشبيه ص: 141 ]، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر سـورة القصص، فتح البـاري 8: 364]، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة [ تفسير الطبري (16: 123) ]، وتأول ( العلو ) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته....علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) [ تفسير الطبري: (1: 192) ]،

[ ]  [  الدليل الثالث  ]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: إذ هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة: 67 ]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن: 31 ]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم: 27 ]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [ النساء: 126 ]، وقوله تعالى: { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) } [ فصلت: 54 ]، وهذه الادلة ظاهرها يفيد إحاطة الله تعالى الذاتية بكل شيء، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ الطلاق: 12 ]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومن هذه الآيات قوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة: ]، وقوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق: 16 ]، وقوله تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة: 85 ]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال وحشو وتجسيم، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء بل هو تكييف وتجسيم وحشو وضلالة , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس -  يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة، وقوله تعالى ( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة /115]، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها: ( أ ) فثم قبلة الله، ( ب ) فثم علم الله، ( ت ) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح، وكذلك جاءت الآيات في العين مضافاً إلى الله تعالى: والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، والوجه في حسن هذا المجاز: أن من عظمت عنايته بشيء وميله إليه، ورغبته فيه، كان كثير النظر إليه، فجعل لفظ العين ـ التي هي آلة لذلك النظر ـ كناية عن شدة العناية، فإذا جمعت العين دلت على كمال الحفظ والمبالغة فيه، ولما اتفقت الأمة على تنزيه الله تعالى عن العين الجارحة لأنها تحمل معنى التجزؤ والتبعض والتصور وغير ذلك من سمات المخلوقين المحتاجين في النظر إلى جارحة العين والله تعالى له الأحدية والصمدية وكمال القيومية والغنى، فهو منزه في إبصاره للخلق ونظره إليهم من جارحة العين وغيرها بل هو السميع البصير بلا جارحة أذن أو عين، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني ) معناه أي بمرأى منى كناية عن الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية والمراقبة، وقوله تعالى ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، وكذلك جاءت الآيات في اليد مضافاً إلى الله تعالى: قوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }، بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، واليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت: ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب الاستعارة التمثيلية ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا، وقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ الفتح: 10  ]، فإن سياق الآية يدل على الرضا ببيعتهم، والآية لم ترد للإخبار عن الله بأن له يداً، وأن يده هذه فوق الصحابة المبايعين، وقوله تعالى: { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ سورة الملك/1] وهاهنا التعبير القرآني (بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) كناية عن القدرة بقرينة ختم الآية بقوله تعالى { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  ولا يقصد بهذا الأسلوب العربي البليغ إثبات جارحة اليد وهذا لا يفهمه إلا شخص بعيد عن جمال اللغة وبديعها، ولو كان المراد إثبات اليد على حقيقتها المعروفة لنا كجارحة لجاء التعبير المحكم بقوله إعلموا أن لله يد، أو آمنوا بأن لله يد وهكذا كما جاءت الآيات المحكمات تترا بمثل قوله تعالى (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) و (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )، وقوله تعالى: { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }، والمراد بالآية هاهنا  إثبات القوة والقدرة، مثالها في ذلك تماما قوله تعالى { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } وقوله تعالى  { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ }، هل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح مع أن جميع البشر بما فيهم الكفار والفجار لهم أيدي وأبصار، أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو قوتهم في الطاعة وجدهم وتشميرهم للعبادة، واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، فلا شك أن المعنى المقصود هو الثاني، وقوله تعالى ( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }، كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد )، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، ما هذا الجمود والله تعالى يقول في كتابه: {بين يدي رحمته} إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه، ولم نذهب بعيدا وقد قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون }، إذن المتشابه كاليد والوجه والعين ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل،

[ ]  أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: ولذلك يضطر منكروا  التأويل أنفسهم إلى التأويل، يؤولون عند التعارض، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل، ومن ذلك اضطرار ابن تيمية لتأويل المعية في قوله تعالى: { وهو معكم أين ما كنتم } بالعلم، بقوله: ( حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم، عالم بكم )، وقال في شرح قوله  صلى الله عليه وسلم ) لصاحبه في الغار: (لا تحزن إن الله معنا)[ التوبة: 40]  )  فقد تاوله بالنصر والتأييد، زاعما أن هذا هو التفسير، والنتيجة واحدة وهي التأويل، ( تأويل المعية )، فيكون ابن تيمية هنا قد اختار في الحقيقة مسلك التأويل، ومن الأمثلة على تأويل ابن تيمية قوله في الآية الكريمة: ( { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ) [ق: 16 ][6]: “هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله ” انتهى.، وهذا تأويل أيضا لأن ظاهر اللفظ يدل على إسناد القرب إلى الله عز وجل وتفسيره بقرب الملائكة صرف للفظ عن ظاهره، فلماذا يمنعون أهل السنة مما يقومون هم به؟ ولم لا يقال في هذا الصرف إنه تعطيل لم وصف الله تعالى به نفسه كما يتهمون أهل السنة إن أولوا نصا مشابها؟ وما الفرق بين هذا وبين تأويل أهل السنة لقوله تعالى: (وجاء ربك) [الفجر: 22] أي أمره ؟  ومن تأويل ابن تيمية أيضا ما ذكره عند قول الله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } ) [المائدة: 64] قال: واليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل ! فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل وأخبر أن يديه مبسوطتان،

[ ]  إنّ الدعوة إلى التمسك بظاهر النصوص متعذر، ولا يمكن الثبات على التمسك بجميع الظواهر، كما أننا مجبرون على التأويل في مواضع عديدة وإلا أصبحنا في تهافتٍ وتناقضٍ واضطرابٍ عجيب، وذلك كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88 ]، وظاهر الآية هلاك الذات إلا الوجه، ولا مناص من تأويل الوجه بالذات لأنّه يستحيل أن يهلك الذات إلا الوجه، وقوله تعالى: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [الطور: 48 ]، والمعنى بمرأى منا ولا تغيب عنا وليس المراد أنك بداخل أعيننا، ولكن ظاهر الآية يدل على وجود النبي داخل العيون،، وقوله تعالى: { فإني قريب }[ البقرة: 186 ]، وقوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق: 16 ]، وقوله تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة: 85 ]، وظاهر  الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته، والمراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة، وقوله تعالى: { وهو معكم أينما كنتم } [الحديد: 4 ]، وقوله تعالى: { لا تحزن إن الله معنا } [ التوبة: 4، ]، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى معنا بذاته، والمراد معيته بالعلم والسمع والبصر والقدرة، وقوله تعالى: { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت: 54 ]، وقوله تعالى: { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } [ البروج: 2، ]، وقوله تعالى: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء: 126 ]، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى محيط بذاته بكل شيء، والمراد احاطته بالعلم والسمع والبصر والقدرة،، وقوله تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه: 5 ]، وقوله تعالى: { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان: 59 ]، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى على العرش بذاته، وليس تأويل آيات القرب والمعية والإحاطة بأولى من تأويل الاستواء، لا سيما وآيات القرب والمعية والإحاطة أكثر عددا، والمراد استواؤه بالقدرة والربوبية والهيمنة، إذ التمدح لا يكون بالجلوس، وإنما بالهيمنة والقدرة،

[ ]  [  الدليل الرابع  ]: ما يدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: أنّه تأويل ناشئ عن ضرورة: الأصل في مذهب ( الأشاعرة والماتريدية ) هو مذهب السلف الحقيقي الصحيح، والمتمثل في الإيمان بما ورد به الكتاب والسنة من المتشابه على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، دون التعرض لتأويله مع اعتقاد التقديس وأن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وأن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ، ولكن قد يلجأ علماء الأصول إلى التأويل: لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والمشبهة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات، قال الحافظ بن حجر: " أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها – آيات الصفات – إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته، وأكثر الخلف يؤولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس، لاضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم) اهـ.،

[ ]   [  الدليل الخامس  ]: ما يدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: أنّه ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه: المقصود بالتأويل عند الأشاعرة والماتريدية هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في: ( أ ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية، ( ب ) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين، ( ت ) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا، ( ث ) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر، ( ج ) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ، ( ح ) أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم، و الله عز و جل يقول: { ولا تقف ما ليس لك به علم } [ الإسراء: 36 ]، فتلك ضوابط التأويل عندهم، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء  في نفوسهم كمجرى الدم في العروق، كان هذا ما تيسر في بيان أنه لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وانه من الفقه في الدين، والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون بان التأويل شر من التعطيل، وان المؤولة أشر من الجهمية المعطلة،، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

***

 

المحاضرة الخامسة والعشرون  

مناهج السلف والخلف في المتشابهات

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، أتناول في هذه المقدمة بيان مناهج السلف الصالح والخلف العدول في التعامل مع المتشابهات، أقول وبالله التوفيق:

[ ]  القرآن به المحكم وبه المتشابه، اختبارا من الله تعالى لنا، وقد امرنا أن نتمسك بالمحكم ولا نتتبع المتشابه، لان تتبعه زيغ وضلال، قال تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران: 7 ]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ }، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ متفق عليه ]

[ ]  وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وفي الحديث حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، لقد حذرنا الله تعالى من تتبع المتشابه، لذا وجب ان نعلم حدود المتشابه وان نعلم من الذي يعلم المتشابه، وما هي طريقة الصحابة الكرام في معاملة المتشابهات، وما هي طريقة المذاهب المتخصصة في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة والتي هي امتداد للصحابة في معاملة المتشابهات،

[ ]  الأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشاب