×

خطأ

COM_CWTRAFFIC_MSG_MISSING

تحقيق القول في مسائل مهمة متعلقة بكفر العمل - حكم تارك الحكم بما أنزل الله - حكم تارك الصلاة - حكم تولي الكافرين  

[  1  ] تحقيق القول في كفر تارك الحكم بما أنزل الله وبيان المناط الصحيح للكفر الأكبر في المسألة ، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل للحكم بغير ما أنزل الله ، الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد للحكم بما أنزل الله بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ،

[  2  ] تحقيق القول في كفر تارك الصلاة وبيان المناط الصحيح للكفر الأكبر في المسألة ، وبيان أن ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب ( جحد الصلاة ) وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد والعقد بالإقرار بوجوبها واقتصر الترك على عمل الجارحة تكاسلاً

[  3  ] تحقيق القول في كفر المتولي للكافرين وبيان المناط الصحيح للكفر الأكبر في المسألة ، وهو المستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، فلم يوالهم على أساس الدين ، وإنما الموالاة على أساس الدنيا ،

**** 

 

[ 1 ]  :  تحقيق القول في كفر تارك الحكم بما أنزل الله 

  وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان  ، 

وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط

 

قال تعالى { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ *  إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ سورة المائدة : 41 ـ 44 ] ، قلت  الصحيح في بيان سبب نزول هذه الآية هو ما أخرجه الأئمة البخاري ومسلم ومالك وأبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ماذا تجدون في التوراة في شأن الرجم )) فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، قال عبد الله بن سلام . كذبتم إن فيها الرجم . فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة ،  (( قلت )) هذا لفظ البخاري في صحيحة والإمام مالك في موطئه ، وأخرجه مسلم وأبو داود بألفاظ متقاربة وجميعهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهذا الحديث أخرجه كذلك مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب رضى الله عنه . وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضى الله عنه ، وأخرجه أبو داود وابن ماجة عن جابر رضى الله عنه . وعلى ذلك فالحديث رواه أربعة من الصحابة هم : عبد الله بن عمر ، والبراء بن عازب ، وجابر بن عبد الله ، وأبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين ، وأخرجه من الأئمة مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، وانظر له صحيح البخاري 4/251 ، 6/46 ـ 47  الموطــأ 2/891  صحيح مسلم 5/122  سنن أبي داود ح ( 4448 ) ، ( 4449 ) ، ( 4450 ) ، ( 4451 ) ، ( 4452 ) جـ4/154 وما بعده مسند الإمام أحمد جـ4/286 سنن ابن ماجة ح ( 2558 ) ،   وقال ابن كثير وهو يتحدث عن تفسير الآيات " والصحيح أنها نزلت في اليهوديين الذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيدهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين "[ تفسير بن كثير جـ2/66 ] أهــ ومن تدبر هذا السبب الصحيح في نزول الآيات وتدبر حالة اليهود الذين نزل فيهم قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون } الآيات . رأى أن حالهم هو الاستحلال للحكم بغير ما أنزل الله والزعم بأنه شـرع الله وحكـم الله . والشاهد لذلك من حديث البخاري (( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون )) فهم قاتلهم الله يزعمون أن حكم الله في التوراة هو الفضيحة والجلد وليس الرجم ويؤكد ذلك سياق الحديث وفيه (( قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على أية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها )) فاليهود بدلوا حكم الله عز وجل في الزنا ـ الرجم ـ وجعلوا مكانه الفضيحة والجلد وزعموا أنه حكم الله تعالى واستحلوا الحكم به اعتقاداً ، بدليل أنهم لما سئلوا عن حكم الله في الزنا أخبروا أنه الجلد والفضيحة وجحدوا حكم الله تعالى الحقيقي وهو الرجم ، وعلى ذلك فالفقه الصحيح لسبب النـزول والفهم والصواب للآية في إطار هذا السبب هو أن ترك الحكم بما أنزل الله والذي ابتلى به اليهود هو الترك الكلي متناولاً الاعتقاد والعمل وهو جحود حكم الله وإبداله بغيره من وضع البشر ثم نسبته إلى الله تعالى واستحلال الحكم به ، وهذا هو المناط الحقيقي للآية وفق سبب النزول ، وسيأتي أن ذلك هو قول الصحابة والسلف وعلماء أهل السنة والجماعة عامــة  ، ( فائدة ) : في ضرورة معرفة سبب نزول الآيات : العلماء متفقون على أن العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب  ، ومع ذلك فهم متفقون كذلك على أهمية معرفة سبب النزول البالغة حيث تعين على الفهم الصحيح لمعنى الآيات ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن صورة سبب النزول قطعية الدخول في حكم الآية ، بمعنى أن من أتى بنفس صنيع اليهود من جحود حكم الله واستحلال الحكم بغيره ونسبته إلى شرع الله فهو داخل في حكم الآية حتى وإن كان من أمة الإسلام . وفي بيان ذلك يقول السيوطي وهو يتكلم عن فوائد معرفة أسباب النـزول ( ومنها أن اللفظ قد يكون عاماً ويقوم الدليل على تخصيصه فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ماعدا صورته  ، فإنه دخول صورة السبب قطعي و إخراجها باجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب ) [ الإتقان في علوم القرآن جـ1/28 ] أهـ

[  أقوال الصحابة والتابعين حول الآية ، والتوفيـق الصحيـح بيـن هـذه الأقـوال جميعـاً  ]  :  بحمد الله تعالى وتحدثاً بنعمته ، لم أدع تفسيراً من التفاسير المطبوعة المقبولة عند علماء أهل السنة والجماعة تمكنت من الوصول إليه إلاً ورجعت إليه لاستيفاء الأقوال الواردة حول قوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، ومن تتبعي لهذه التفاسير وغيرها ، يمكنني القول بأن أقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حول هذه الآية يمكن أن تؤول إلى خمسة أقوال جميعها متوافقة لا اختلاف فيها ولا تعارض إلاّ عند من لم يفهم مقصود السلف ولم يحمل أقوال بعضهم على بعض :

[ القول الأول ] : أنها ليست في المسلمين وإنما هي في الكفار وقد ورد هذا القول عن بعض التابعين (( فقد أخرج الطبـري بسنـده عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }  ليس في أهل الإسلام منها شيء ، هي في الكفار [ تفسير الطبري جـ6/252 ط . مصطفى الحلبي ] أهــ

[ القـول الثانـي ] : أنهـا نزلـت في أهـل الكتـاب وفـي الكافريـن جميعــاً وقال بهذا القول من الصحابة رضي الله عنهم البراء بن عازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس ومن التابعين كثير منهم أبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبدالله وغيرهم . فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال (( مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود ، فدعاهم فقال : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقالوا : نعم ، فدعا رجلاً من علمائهم فقال : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقال : لا ، والله ، ولولا أنك ناشدتني بهذا لم أخبرك ؛ نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه . قال : فأمر به فرجم ، قال : فأنزل الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ..} [ المائدة : 41 ]  ، يقولون : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، إلى قوله : { و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  } [ المائدة : 44 ] ، قـال : في اليهـود إلى قوله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : في اليهود ،  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ المائدة : 47 ]  ، قال : في الكفار كلها [ صحيح مسلم ك الحدود جـ5/122 - 123 سند الإمام أحمد جـ4/286 ]. وقال ابن كثير في تفسيره :  " وقوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قـال الـبراء بن عـازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم نزلت في أهـل الكتـاب زاد الحسن البصـري وهي علينـا واجبـة " أهـ ، (( قلت )) والفارق بين هذا القول والقول السابق له أن القول الأول ينفى كون الآية تخص المسلمين كما نقلنا قول أبي صالح من التابعين ليس في أهل الإسلام منها شيء وإنما هي في الكفار ، والقول الثاني يتفق مع الأول في أنها في الكفار ولكنه لا ينبغي تعلقها بالمسلمين بدليل اجتهاد الحسن البصري بأنها في أهل الكتاب وهي علينا واجبة ، والحق الذي أراه أن القولين ليس بينهما تعارض لأن لكل قول منهما مغزى سيتضح أكثر عند عرض بقية الأقوال ،

[ القول الثالث ] : أنّ حكم الآية يتناول المسلمين ويقصد به الكفر في إطـار الملة {كفر دون كفر} وقد جاء هذا القول صحيحاً عن حبر الأمة وفقيهها ـ الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والفقه ـ عبدالله بن عباس رضى الله عنهما ، وبه قال عامة أصحابه كعطاء وطاوس . { أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس   { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسلـه [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاَ بسنده عن ابن طـاوس عـن أبيه قال : قال رجل لابن عباس في هذه الآيات { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } فمن فعل هذا فقد كفر ، قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر  وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا }[ تفسير الطبري ج6/256 ] وأخرج أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال : سُئل ابن عباس عن قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : هي به كفر ، قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن طاوس { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : ليس بكفر ينقل عن الملة [ تفسير الطبري ج6/256 ].هـ وأخرج أيضاَ عنه { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : كفر لا ينقل عن الملة . قال : وقال عطاء : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن عطاء قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون} قال كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم }[ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وقد نقل بعض هذه الآثار الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وهو يتحدث عن الكفر في إطار الملة فقال : (( وأما الفرقان الشاهد عليه ـ أي الكفر دون الكفر ـ في التنزيل فقول الله عز وجل  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] وقال ابن عباس " ليس بكفر ينقل عن الملة " وقال عطاء بن أبي رباح (كفر دون كفر)  فقد تبين لنا أنه كان  ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب ، فلا معنى له إلا خلاف الكفار الحكم بغير ما أنزل الله [ كتاب الإيمان لأبي عبيد ص45 ط . المكتب الإسلامي ] أهــ ،

[ القول الرابع ] : أن حكم الآية يتناول المسلمين وله تفصيل فمن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً للحكم فهو كافر الكفر الأكبر ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر به معتقد له فهو ظالم فاسق وكفره دون الكفر الأكبر ، وقد أخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بن عباس قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به فهو ظالم فاسق [ تفسير الطبري جـ6/257 ] ، (( قلت )) وما قاله فقيه الأمة ابن عباس أوضحه تلميذه عكرمة فقد ذكر ابن حبان في تفسيره (( وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية [ البحر المحيط لابن حبان جـ3/493 ط . دار إحياء التراث ] أهـ . ومن تدبر كلام عكرمة ـ رحمه الله ـ عرف التفسير الأوفى للآية فإن الله تعالى جعل الكفر من نصيب من لم يحكم بما أنزل الله ، وعكرمة رحمه الله أوضح أن من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله فهو حاكم بما أنزل الله بقلبه وإن لم يفعله بجوارحه فهو تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية  { ومن لم يحكم  } لأنه قد حكم بقلبه بما أنزل الله فليس هو تارك بالكلية لحكم الله فلا يكفر الكفر الأكبر بخلاف الجاحد لأنه ما حكم بما أنزل الله البتة ، ونقل القرطبي ـ رحمه الله ـ هكذا القول أيضاً عن مجاهد تلميذ ابن عباس رضى الله عنهما فقال : (( وقيل فيه إضمار أي  { ومن لم يحكم بما أنزل الله  } رداً للقرآن وجحودا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عبـاس ومجاهـد }[ تفسير القرطبي جـ6/190 ] أهــ ،

[ القـول الخامـس ] : أن حكـم الآية يتنـاول المسلميـن ويقصـد بـه الكفـر :  (( قلت )) تتبعت أقوال السلف التي دلت على أن حكم الآية يتناول المسلمين وأطلقت عليه لفظ الكفر دون تفصيل لكونهم جحدوا أو أقروا ، فوجدتها جميعها تحمل المعنيين فهي مطلقة لم تحدد المقصود هل هو كفر أكبر أو كفر دون كفر ، ولم أجد أحد من السلف ( الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ) يصرح أن مجرد الترك مع الإقرار كفر أكبر كما يقوله بعض المتهورين من المعاصرين ، وسأورد بحمد الله تعالى جميع الآثار التي قد توهم هذا الفهم السقيم وأحملها على محاملها الصحيحة التي تتعين على أهل الفقه والبصيرة في العلم والدين ، ويكون هذا الحمل الصحيح كمدخل لجمع كافة أقوال السلف في الآية حتى نرى أنها جميعاً متوافقة تخرج من مشكاة الكتاب والسنة فلا تعارض بينها أبداً وإنما لكل قول مغزاه ومقصده الذي يتناول بيان جانب من جوانب هذه الآية الكريمة الحكيمة ، أخرج ابن جرير الطبري عن سالم بن أبى الجعد قال ، قيل لعبد الله {أي ابن مسعود} ما السحت قال الرشوة ، قالوا في الحكم قال : ذاك الكفر [ تفسير الطبري جـ6/239 ] أهـ  وأخرج كذلك عن مسروق قال : قلنا لعبد الله : ما كنا نري السحت إلاّ الرشوة في الحكم ، قال عبد الله : ذاك الكفر [ تفسير الطبري ج6/239 ] أهـ وأخرج كذلك عن هاشم بن صبيح قال : شفع مسروق لرجل في حاجة ، فأهدى له جارية ، فغضـب غضبـاً شديداً ، وقال لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتـك ، ولا أكلـم فيما بقى من حاجتك ، سمعت ابن مسعود يقول : من شفع شفاعة ليرد بها حقاً أو يرفع بها ظلماً فأهدى له فقبل فهو سحت فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم ، قال : الأخذ على الحكم كفر [ تفسير الطبري جـ6/240 ] أهـ وأخرج الطبري كذلك بسنده عن مسروق قال سألت ابن مسعود عن السحت قال : الرشا ، فقلت في الحكم ؟ قال ذاك الكفر }[ تفسير الطبري جـ6/240 ] أهـ أخرج الطبري بسنده عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال من السحت ، قال فقالا أفي الحكم ؟ قال ذاك الكفر ثم تلا هذه الآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }[ تفسير الطبري جـ6/253 ] أهـ وأخرج كذلك بسنده عن الشعبي  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  } قال : هذا في المسلمين  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قال : النصارى }[ تفسير الطبرى جـ6/255 ] أهـ وأخرج عنه قال : في هؤلاء الآيات التي في المائدة   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  } قال فينا أهل الإسلام   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } قال : في اليهود  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قـال في النصـارى }[ تفسير الطبرى جـ2/255 ] أهـ وأخرج بسنده عن إبراهيم قال :نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي لهـذه الأمة بها }[ تفسير الطبري جـ6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن الحسن في قوله   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قـال : نزلت في اليهود وهي علينا واجبه }[ تفسير الطبري جـ6/257 ] أهـ وأخرج أيضاً عن السًدى { ومن لم يحكم بما أنزل الله  } يقول : ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا وجار وهو يعلم فهو من الكافرين }[ تفسير الطبري جـ6/256 ] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني (( وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال : قلت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي ؟ قال لا ولكن كفر ، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية . وأخرج عبد بن حميد عن على كرم الله وجهه أنه سأله عن السحت فقال : الرشا ، فقيل له في الحكم ، قال ذاك الكفر ، وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود نحو ذلك [ تفسير الألوسى جـ6/140 ط . دار إحياء التراث ] أهـ وقال القاسمي في تفسيره محاسن التأويل (( ونقل في الباب عن ابن مسعود والحسـن والنخعي : أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة ، فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق ،وإليه ذهب السدي لأنه ظاهر الخطاب. ثم قال وقيل : هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمداً وحكم بغيره ، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد .... انتهى )) [ تفسير القاسمى جـ6/1999 ط. عيسى الحلبي ] أهـ ، (( قلت )) فهذه جميع الآثار الواردة بخصوص هذا القول وهى كما ترى ليس في واحد منها تصريح بأنه الكفر الأكبر المخرج من الملة وإنما إطلاق لفظ الكفر . والقاعدة الرصينة عند أهل السنة والجماعة والتي دل عليها حديث النبي صلى الله عليه وسلم هي وجود الكفر الأكبر والكفر دون كفر ،

[ الجمع والتوفيق بين كافة الأقوال السابقة حتى نراها وكأنها نسيج واحد لا اختلا ف فيه ] : الجمع بين الأدلة والتوفيق بينها ـ عند التعارض ـ أولى من الترجيح ، فكيف إذا كانت الأدلة غير متعارضة ولكل منها مغزى خاص يدل على جانب من جوانب الحكم ، هاهنا يتعيـن حمل كل قول على ما يناسبه وإلاً خالفنا قواعد الأصول والفقه في الدين عامة . وقـد ذكرنا خمسـة أقوال في تفسير السلف للآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ، وهـذه الأقـوال جميعهـا متوافقـة لـو فهمنـا القصـد مـن كـل قـول :  فالقول الأول : يشير إلى أن الكفر الأكبر لا يتناول المسلمين بهذه الآية متى ما كان المسلم مقراً للحكم بقلبه معتذراً عن مخالفته بجـوارحه ، وأهـل هـذا القول يعلمون تمامـاً أن القاعدة الأصولية تقول بأن العبرة في نصوص الشرع [ الكتاب والسنة ]بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فمع العلم بهذه القاعدة ( العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب  والآية جاءت مصدرة بمن الشرطية { ومن لم يحكم } وهى من صيغ العموم ، بل من أبلغ صيغ العموم ، ومع الظن بأجلة التابعين الذين قالوا بأن الآية ليس في أهل الإسلام منها شيء أنهم يراعون هذه القاعدة ـ وهو الظن الجدير بهم ـ ، نعلم أنهم كانوا يقصدون شيئاً واحداً هو أن أحكام الكفر الأكبر المتعلقة بهذه الآية لا يخص المسلمين منها شيء متى ما أتوا بالإقرار والاعتقاد لحكم هذه الآية . وخلاصة القول الأول أن أحكام الكفر الأكبر في الآية لا تتناول المسلمين المقربين بالأحكام المعتقدين لها تصديقاً وانقياداً قلبياً ، أم الجحد فهو كفر بذاته لأي شرع جاء به الإسلام مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، فجحد الحكم بما أنزل الله كفر أكبر وصاحبه ليس بمسلم و على ذلك فليس في أهل الإسلام من الآية شيء إلا أن يكفروا الكفر الأكبر  بجحود ما أنزل الله ،  وأما القول الثاني : وقد قال به جمع من الصحابة والتابعين وصح عن البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيحي مسلم أنه قال عن الآيات   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ الظالمون }{ الفاسقون }  أنها في الكفار كلها ،  وهذا القول كسابقه تماماً فالمقصود به أن أحكام الكفر الأكبر لا تتنزل على أهل القبلة إلا أن يكفر أحد منهم بجحود ما أنزل الله ، وهذا القول من أوضح الدلالات على أن الترك المجرد للحكم مع وجود الاعتقاد به والإقرار لا يخرج صاحبه من الملة ولا تتنزل عليه أحكام الآية لأنه لا يزال من أهل القبلة بما أتى به من أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الكافرين ، وإذا كانت القاعدة الأصولية تقول بأن [ العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ] فإن هذه الآية من هذا الباب واجبة على المسلمين ولكنها في إطار الكفر داخل إطار الملة ، ولهذا فإن من قال بأنها في الكفر كلها وأنها في أهل الكتاب قد جاءت آثار عنهم تدل على أنها واجبة في حق المسلمين ، ويكون ذلك بكونه كفر ولكن كفر داخل إطار الملة ، كما جاء عن حذيفة في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  قـال : نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قدر الشراك } أ هـ ، وأخرج أيضاً بإسناده عن أبي البحتري قال سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون }  قال : فقيل ذلك في بني إسرائيل ؟ قال نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة ، كلاً والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك }[ تفسير الطبري جـ6/253 ] أهـ ، وحذيفة رضي الله عنه نقل عنه الأئمة أن الآيات في أهل الكتاب وفي الكافريـن جميعاً . والتوفيق الصحيح بين القولين أنه إذا كان القصد الكفر الأكبر فهو لا يتناول أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له ، وإذا كان القصد الكفر في إطار الملة فهو يتناول المسلمين ، وليس هذا اجتهاد في التوفيق بين القولين ولكنه الأمر الذي جاء صراحة عن البحر الحبر عبد الله بان عباس رضى الله عنهما ، قال ابن كثير (( وقال ابن أبي حاتم ، حدثنا سفيان بن عيينه عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  }قال ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه }[ تفسير ابن كثير جـ3/112 ط . دار قهرمان ] ، والشاهد من الأثر أن ابن عباس يقر بأنه كفر ولكنه ليس الكفر الأكبر الذي يذهب إليه الخوارج وإنما هو كفر في إطار الملة ويؤيد هذا الفهم ما قاله طاوس صاحب الحبر ابن عباس رضى الله عنهما قال ابن كثير :(( وقال عبد الرزاق ـ أيضاً ـ أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قولـه { ومن لم يحكم } الآية قال : هي به كفر ـ قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله }[ تفسير ابن كثير جـ3/111 ط. دار قهرمان ] أهـ ، والشاهد من الأثر هو قول ابن عباس رضي الله عنهما (( هي به كفر )) فابن عباس رضى الله عنهما لم ينف كونه كفر لأنه كفر بنص الكتاب { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وأوضح أعلم الناس بعلم ابن عباس طاوس أنه كفر في إطار الملة وليس كالكفر الأكبر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، (( قلت ))  فإذا كان عبد الله بن عباس يقر بكونه كفر ثم يبين أنه في إطار الملة فينبغي حمـل مـراد أهل القول الثاني : نزلت في أهل الكتاب والكافرين جميعاً . على أنه إن قصد به الكفر الأكبر فلا يدخل فيه أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له ، وإن قصد به كفر في إطار الملة فهذا واجب في حق أهل القبلة من التاركين للحكم بجوارحهم وهم على الإقرار والاعتقاد للحكم والإقرار بالذنب  ،  وأما القول الثالث : أن حكمها يتناول المسلمين وهو كفر دون كفر : فهذا القول أوضح من نهار ، وهو القول الذي به حقنت دماء أهل القبلة أن تعبث بهـا الخوارج ، وهو مصداق للقاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في أحاديث عديدة منها قوله صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) البخاري ومسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) البخاري ومسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( اثنتان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت )) أخرجه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلاً كفر )) أخرجه البخاري . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم )) أخرجه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) أخرجه الخمسة . وهو كذلك مصداق للفقه الذي حبى الله عز وجل به فقيه الأمة وعالمها عبد الله بن عباس فيما صح عنه من طرق عديدة متواترة لا سبيل لردها ولا تضعيفها ، (( قلت )) فهذه الآثار متواترة أوردها جميع من صنف في هذا العلم ، وهي في مجموعها صحيحة لا سبيل إلى تضعيفها جملة لأنها يقوى بعضها بعضا ، ويقويها من جهة أخرى ما تواتر عن أئمة التابعين عطاء وطاوس وغيرها من تلامذة حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ،  وهذا القول الثالث يوافق القولين قبله ولا تعارض بين الأقوال الثلاثة البتة لأن الأول نفى أن يكون في المسلمين من الآية شيء والمقصود نفى الكفر الأكبر عن المسلم المعتقد للحكم المقر به وإن لم يلتزم به معصية ، والثاني أنه نزل في أهل الكتاب لأنهم جحدوا حكم الله واستحلوا الحكم بغيره ونسبوه إلى الله ولا يفعل ذلك أحد من أهل القبلة إلا أن يكون حاله حالهم في الكفر سواء . والثالث أن هذا الحكم إن تناول المسلم المعتقد للحكم المقر به فهو من باب الكفر في إطار الملة وهو ما عبر عنه الحبر ابن عباس رضى الله عنهما بقوله { كفر دون كفر } وقوله { هي بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر } وقوله { كفر لا ينقل عن الملة } وقوله  { ليس بالكفر الذي يذهبون إليه } وقد أشرنا إلى هذه الآثار بما يغني عن الإفادة ها هنا ،  أما القول الرابع فهو غاية الجمع بين الأقوال جميعها وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها ، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله ، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين ، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى ، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة وهو القول الثالث كما بيناه . وفي بيان هذا القول الرابع سبق ونقلنا قول بن عباس رضى الله عنهما . [ من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به فهو ظالم فاسق ] وقول صاحبه عكرمة ـ من أجل التابعين علماً وفضلاً ـ [ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاد فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية ] ، وقول مجاهد [ وقيل فيه إضمار أي ،  ومن لم يحكم بما أنزل الله ] ردا للقرآن وجحداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر ، أما القول الخامس والذي ظن البعض أنه يخالف هذه الأقوال الأربعة ، فليس كما ظنوا وإنما هو موافق لها تماما ، وجميعها نسيج واحد لا ترى فيه أي اختلاف ، وقد نقلت بحمد الله كل ما يتعلق بهذا القول من التفاسير التي وقعت بين يدي وجميعها كما رأينا تطلق لفظ الكفر دون تعيين لكونه كفر أكبر أم كفر دون كفر ، وعلى ذلك وجب معاملتها وفق الأصول العامة للشريعة والتي لا يسعنا مخالفتها وإلاّ آل الحال بنا إلى مآل الخوارج من تكفير الأمة بمطلق المعاصي والآثام . هذه الأصول التي عاملنا بها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة كقوله صلى الله عيه وسلم [ وقتاله كفر ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) وقوله صلى الله عليه وسلم  (( اثنان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت ))  وحمل الجمهور من العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) . فأصول الشريعة حتمت علينا حمل هذه الأحاديث على الكفر دون الكفر وإلا وقع سيف التكفير بين أهل القبلة وكفر المسلمون بعضهم بعضاً بالمعاصي والآثام . وإذا قال قائل فما الداعي إلى أن جاء التعبير عنها بلفظ الكفر قلنا هذه قاعدة عظيمة أرساها النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمنا الفارق بين المعاصي وبين الذنوب التي هي من قبيل الكفر في إطار الملة ، فهذه الذنوب التي عبر عنها الحديث الشريف بلفظ الكفر دلالة على خطورتها على أصل الإيمان وأن صاحب هذه الأعمال التي هي من قبيل الكفر دون كفر ، هو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الكفر الأكبر وعلى شفا جرف هاو يكاد ينهار به إلى الخلود الأبدي في النار . وعلى ذلك فينبغي حمل كلام الصحابة والتابعين على نفس المحمل الذي حملنا عليه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل { الكفر دون كفر } لا سيما وأنه لم ينقل عن واحد منهم أن قصده الكفر الأكبر المخرج من الملة بل الكفر بإطلاق . ولو تدبرنا قول حبر الأمة ابن عباس وقد سئل عن الآية فقال { هي بهم كفر وليس كمن كفـر بالله …. } وقد سبق ذكره لعلمنا أنه رضي الله عنه لم ينف عنهم صفة الكفر بل أثبتها لهم ثم فصل بما حباه الله تعالى من الفقه في الدين والبصيرة في أصوله وضوابطه فقال (( وليس كمن كفر بالله (( فأثبت الكفر ثم وضح أنه غير الكفر الذي يذهب إليه الخوارج من كونه الكفر الأكبر وقد نقلنا عنه قوله { ليس بالكفر الذي يذهبون إليه } . وهذا المحمل هو المتحتم علينا جميعاً ، من جهة أنه المحمل الذي يجمع الأقوال الخمسة جميعاً في إطار واحد لا اختلاف فيه ،  

وكل هذه الأقوال منقولة عن كثير من الصحابة والتابعين والحمل متعين عند المقدرة كما قاله علماء الأصول ، والجمع أولى من ، دعوى النسخ أو الترجيح ، (( قلت )) وهذا ما دعا الأئمة العلماء أن يحملوا كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه والحسن البصري وإبراهيم النخعي والسدي رحمهم الله على تفصيله الصحيح وفق قواعد الشريعة العامة التي جاء بها الكتاب وتأصلت بالسنة وظهرت بهدي السلف الصالح ، فمن ذلك : 

( 1 ) نجد الجصاص رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على من حكم بغير ما أنزل الله مخبرا أنه من عند الله لأنها صورة سبب النـزول تماماً . فقال (( وقال ابن مسعود والحسن (( وهي عامة )) يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله وحكم بغيره مخبراً أنه حكم الله ومن فعل هذا فقد كفر )) [ أحكام القرآن للجصاص جـ2/533 ] أهـ ويقول في موضع آخر ((وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافركما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك ))[ أحكام القرآن  ج4 / 93 ] ،

( 2 ) ونجد الإمام القرطبي رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على الجحود والاستحلال  فقال " وقال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقداً ذلك مستحلاً له "[ الجامع لأحكام القرآن ج6/190 ] أهـ  ،

( 3 ) ونجد أبو حبان صاحب البحر المحيط يحمل كلام ابن مسعود وإبراهيم النخعي على الكفر دون الكفر ، فقال " وإلى أنها عامة في اليهود وغيرهم ذهب ابن مسعود وإبراهيم وعطاء وجماعة ولكن كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق يعني أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة " [ البحر المحيط جـ3/492 ] أهــ  ونجده كذلك يحمل كلام السدي على الجحود فيقول (( وقال السدي : من خالف حكم الله وتركه عامدا وتجاوزه وهو يعلم فهو من الكافرين حقاً ويحمل ذلك على الجحود فهو الكفر ضد الإيمان ))[ البحر المحيط جـ3/493 ] أهــ  ،

( 4 ) ونجد ابن عطية يحمل كلام من أطلق لفظ الكفر على التارك لحكم الله بأنه في هذه الأمة كفر في إطار الملة فيقول " وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم : الآية متناوله كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان ، وهذه بعض أمثلة لحمل الفقهاء القول الخامس على أنه كفر دون كفر أو كفر أكبر إن صاحبه جحود وكفر دون كفر إن كان مع إقرار واعتقاد ، أو كفر أكبر إن حدث تبديل لحكم الله مع نسبة الحكم الجديد إلى شرع الله وأنه من عند الله واستلال الحكم بين الناس به ، وهذا هو الحمل الواجب المتعين حتى تستقيم الأقوال جميعها وتتآلف ولا تختلف وهذا هو الظن بخيرة علماء الأمة علماء الصحابة والتابعين ، واليك في المبحث التالي أقوال أكثر من ثلاثين عالماً من علماء الأمة يؤيد ذلك ويؤكده ويدلنا على أنه مذهب أهل السنة والجماعة الذي صرح به الأئمة الأعلام الراسخون في العلم والفقه والدين .

***

 

[  أقوال الأئمة العلماء الراسخين في العلم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله  ]  :

 

أقوال الأئمة العلماء الراسخين في العلم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، والتي تؤيد ما رجحناه من أن الآية في حق المسلمين تتناول المسلمين وأنها في حق الجاحد كفر أكبر ، لأنه لم يحكم بما أنزل الله البتة ، وأنها في حق المقر المعتقد بقلبه كفر دون كفر ، لأنه حكم بقلبه بما أنزل الله فلم يترك الحكم بما أنزل الله بالكلية  فصار الكفر في حقه كفراً عملياً مجرداً لا يخرج من الملة وإن كان صاحبه على خطر عظيم وهو خطر الكفر في إطار الملة ، ومعلوم يقيناً أنه أشد على صاحبه وأخطر من أكبر الكبائر ، نسأل الله السلامة وحسن العاقبة :  

قال الطبري رحمه الله :  وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب ، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت ، وهم المعنيون بها ، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم ، فكونها خبراً عنهم أولى .   فإن قال قائل : فإن الله ـ تعالى ذكره ـ قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصاً ؟ . قيل : إن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين ، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون ، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به ، هو بالله كافر ، كما قال ابن عباس  [ تفسير الطبري ج10 / 358 ] ، ، 

وقال الواحدي رحمه الله في تفسيره : (( ومن لم يحكم   بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء (( [ تفسير الواحدي ج 1 / 321 ]  ، 

وقال الطحاوي رحمه الله في بيان الكفر دون الكفر الأكبر بالله حين شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم { قتاله كفر } (( ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} على ما تأوله فعن ابن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال هي كفره وليس كمن كفر بالله تعالى واليوم الآخر . و عن طاوس قال (( قلت لابن عباس : من لم يحكم  بما أنزل الله فهو كافر قال : هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر  )) [ مشكل الآثار ج2 / 317 ]  ، 

وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله : (( هم اليهود إن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا له كما غير اليهود فهو كافر ظالم فاسق )) [ الناسخ والمنسوخ للنحاس :ج1 / 402 ]  ،

وقال الثعالبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} " وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن " [ تفسيرالثعالبي ج1 / 465 ]  ، 

وقال ابن عبد البر رحمه الله " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل   ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس وهي عامة فينا قالوا ليس كفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء "  [ التمهيد لابن عبد البر ج5 / 74 : 75 ] ا هـ . وقال في حديثه عن الخوارج " وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . ‎ ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر " [ التمهيد لابن عبد البر ج17 / 16 ]  ، 

وقال الغزالي رحمه الله : قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له  [ المستصفى ج1 / 168 ]  ،

وقال ابن العربي رحمه الله : المسألة الحادية عشرة : قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} اختلف فيه المفسرون ; فمنهم من قال : الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود , ومنهم من قال : الكافرون للمشركين , والظالمون لليهود , والفاسقون للنصارى , وبه أقول ; لأنه ظاهر الآيات , وهو اختيار ابن عباس , وجابر بن زيد , وابن أبي زائدة , وابن شبرمة . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة , ولكنه كفر دون كفر . وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ; فهو تبديل له يوجب الكفر , وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين . [ أحكام القرآ لابن العربي ج2 / 127 ] ، 

وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله : قال أبو بكر قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة [ أحكام القرآن ج4 / 93 ]  ،

وقال الزمخشري رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله}   مستهيناً به  {فأولئك هـم الكافرون}و {الظالمون} و {الفاسقون} وصف لهم بالعتو في كفرهم (([ الكشاف : ج1/341 ] ))  ، وقال ابن الجوزيرحمه الله : "  وفصل الخطاب أن من لم يحكم بما أنزل الله  جاحداً له وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود ، فهو كافر ، ومن لم يحكم بما أنزل الله ميلاً إلى الهوى من غير جحود ، فهو ظالم وفاسق ، وقد روى على بن أبى طلحة عن ابن عباس أنه قال : (( من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق " [ زاد المسير : ج2/366 ]. أ هـ  ،

وقال فخر الدين الرازي رحمه الله : " قال عكرمة : قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله} إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم " [ التفسير الكبير ج6/6 ]  ،

وقال القرطبي رحمه الله :  قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } و { الظالمون } و{ الفاسقون } نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلىهذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيهإضمار أي ومنلم يحكم بماأنزل اللهردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا ، قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساقالمسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له [ تفسير القرطبي ج6 /190 ]  ،

وقال النسفي رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهينا به {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحدا فهو كافر و إن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم. . إلى أن قال : يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافرا ظالما فاسقا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله }فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله [ تفسير النسفي ج1 / 284 : 285 ] ، 

وقال البغوي رحمه الله : " وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات فقال إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات وقال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا " [ تفسير البغوي ج2 / 41 ] ،

وقال البيضاوي رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهيناً به منكراً له {فأولئك هم الكافرون}  لاستهانتهم به ، وتمردهم بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم بقولـه {الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}، فكفرهم لإنكاره ، وظلمهم بالحكم على خلاقه ، وفسقهم بالخروج عنه [ تفسير البيضاوي سورة المائدة – الآية 43 : 50 ] ، وقال  : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } عن حكمه أو عن الإيمان إن كان مستهينا به  [ تفسير البيضاوي ج2 /331 ] ،

وقال أبو السعود رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }كائنا من كان دون المخاطبين خاصة فانهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم يحكم بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاء بينا  {فأولئك} إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها  { هم الكافرون}لاستهانتهم به [ تفسير أبي السعود ج3 / 42 ]  ، 

وقال ابن كثير رحمه الله : (( {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً ، وقال هاهنا {فأولئك هم الظالمون} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخالفوا وظلموا وتعدوا(( [ تفسير القرآن العظيم ج2/61 ] ، وقال الشاطبي رحمه الله : ((  ومثله قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} مع أنها نزلت في اليهود والسياق يدل على ذلك ، ثم إن العلماء عمُّوا بها غير الكفار، وقالوا : كُفرٌ دون كفر )) [ الموافقات للشاطبي ج3 /ص147 ]  ، 

وقال أبو حيان رحمه الله : وقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ظاهر هذا العموم ، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم ، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود ، وإلى أنها عامة في اليهود غيرهم ذهب ابن مسعود، وابراهيم، وعطاء ، وجماعة ولكنْ كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق يعني : إنّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله : ابن عباس وطاووس . . .  واحتجت الخوارج بهذه الآية على أنّ كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا : هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافراً _ ثم ذكر أقوال المفسرين في تأويل الآية ثم اختار قول عكرمة فقال _ وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه ، أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله ، إلا أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ، لكنه تارك له ، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية . [ تفسير البحرالمحيط سورةالمائدة – 40 : 48 ]  ، 

وقال ابن حجر رحمه الله : واقتصر المصنف على تلاوة الآيتين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . . . الفاسقون . . الآيتان} لإمكان تناولهما المسلمين بخلاف الأولى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فإنها في حق من استحل الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى وأما الآخرتان فهما لأعم من ذلك [ فتح الباري ج13 / 299 ] ،

وقال صاحب كتاب ( تذكرة الأريب في تفسير الغريب ) رحمه الله :(( ومن لم يحكم   بما أنزل الله جاحدا فهو كافر فإن مال إلى الهوى من غير جحد فهو ظالم وفاسد)) [ تذكرة الأريب في تفسير الغريب ج1 / 141 ]  ،

وقال شارح الطحاوية رحمه الله : ((وهنا أمرُ يجب أن يتفطن له ، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة ، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة ويكون كفراً إما مجازياً وإما كفراً أصغر ، وذلك بحسب حال الحاكم . فإن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، واستهان به مع تيقنه أنه حكم الله ، فهذا كفر أكبر .  وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعلمه في هذه الواقعة ، وعدل عنه ، مع اعترافه بأنهمستحق للعقوبة ،فهذا عاص ، ويسمى كفراً مجازياً ، أو كفراً أصغر )) [ شرح العقيدة الطحاوية ج1 / 364 :363 ] ، وقال كذلك :(( الشارع قد سمى بعض الذنوب كفرا قال الله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وقال صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))[ متفق عليه ] ،والجواب ان أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج ". [ شرح العقيدة الطحاوية ج1 /359 :360 ]  ، 

وقال الشوكاني رحمه الله :  قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لفظ من من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة بل بكل من ولى الحكم وقيل إنها مختصة بأهل الكتاب وقيل بالكفار مطلقا لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة وقيل هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافا أو استحلالا أو جحدا [ فتح القدير ج2 / 42 ]  ،

***

 

[  لرد على من ترك المناط الذي اجتمعت عليه أقوال علماء أهل السنة  ، وهو مناط الجحد والإقرار للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر ، وابتكر مناطات جديدة غير منضبطة ]

 

بعض المعاصرين لم يرض بضابط أهل السنة والجماعة في المسألة وهو ضابط الجحد والإقرار ، وأراد أن يحتاط للشريعة بأكثر مما احتاطت هي لنفسها وظن أن هذا من باب الحرص على الشريعة وهو لا يدري أنه من باب الافتئات على الشرع والغلو في الدين ، وبهذا المدخل الذي ظنوه حسناً كفروا العديد من طوائف الأمة ممن أتى بالإقرار والاعتقاد بعلة هذا المناط الجديد للتكفير بالآية ،  وقصد هؤلاء المعاصرين هو التفريق بين من جعل الأصل هو النظر إلى أحكام الشرع يرجع إليها ولكنه يجوز في قضية معينة شهوة أو معصية فهذا لا يكفر إلا باستحلال ، أما من جعل الأصل في النظر هو القوانين الوضعية يحكم بها فهذا كفر أكبر بنفسه دون النظر إلى حالة كونه مقر بالشرع معتقد له أم لا  ،  وقد يبدو هذا التفريق لأول وهلة وجيهاً ، ولكن مع تدبره تجد أن به أخطاء ليست باليسيرة ، منها :  أنه تغيير للمناط الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جعل الجحد والإقرار هو الأصل المنضبط الذي ترد إليه الأحكام  ،  وأنه اعتبار لأصل جديد يرد إليه أمر التفريق بين نوعي الكفر في الآية دون الأصل العام الذي اعتبرته الشريعة وهو الإقرار بالإسلام على الجملة واعتقاد كافة شرائعه وعقائده على وجه الإجمال ،  أن هذا الأصل الجديد فيه تحكم ليس عليه دليل من الشرع بالإضافة إلى أن علته لا تنضبط بضابط محدد ، فما هو عدد الأقضيات التي يكفر بها صاحبها الكفر الأكبر ، وما هو حد الكفر الاكبر لمن جعل أحكام الشرع هي المرجع ثم لم يحكم بحكم واحد منها فهل آنذاك نعود إلى إقراره بالأصل أم نجعل له ضابط آخر أم نعود إلى الأصل الذي اعتبرته الشريعة من جعل الإقرار المجمل والجحد هو ميزان الحكم بالتفريق بين الكفرين الأكبر والأصغر ، إن ديننا دين الاتباع وهو مبني على الاتباع وليس فيه ابتكار ولا اختراع بل هذا من المحدثات التي نهانا عنها شرعنا الحنيف فكيف يجوز لنا إحداث مناطات جديدة لأحكام تواترت أقوال الصاحبة والتابعين على تحديد ضابطها الأصلي ، وعلى العموم  فبيان هذه الأخطاء سيأتي تباعاً مع معرفتنا بالشبهة الأساسية التي دخلت على هؤلاء فظنوها أصلاً يفرقون به بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة ، مع أن هذا أخطر الأمور وأهم مسائل الأسماء والأحكام الواجب التأني في حقها والتزام هدى السلف الصالح في بيانها وتفصيل أحكامها لا التهور والاندفاع وبناء أحكام تحكم على بعض المسلمين بالكفر وتخرجهم من الملة باجتهادات جديدة مسبوقة باتفاق السلف على تحديد مناط مغاير لما ذهب إليه هؤلاء  ،

والمدخل الأول لبيان خطأ هذا القول ودحض شبهته ، أن الأصل الذي نحكم به بالإسلام والكفر هو الإقرار بالشهادتين واعتقاد ما يدخل في إطار معناهما ولوازمهما من أقوال وأعمال واعتقادات ،  ومعنى ذلك أن الأصل هو الإقرار المجمل بدين الإسلام وكافة عقائده وشرائعه وأحكامه مع اعتقاد جميع ذلك على وجه الإجمال ، فمن جحد شيئاً ولو يسيراً من المعلوم من الدين بالضرورة فإن جحده كفر وهو يكفر الكفر الأكبر بعد استيفاء شروطه وانتفاء موانعه ، فمن جحد حرفاً من القرآن أو فريضة من الفرائض أو حكماً من أحكام الشرع فكأنما جحد الشريعة كلها فمتى قامت عليه الحجة الشرعية المعتبرة كفر بها الكفر الأكبر ، ومن أقر إجمالاً بالإسلام وتفصيلاً بما يتطلب ذلك مع اعتقاده فلا يكفر الكفر الأكبر وإن خالفت أعماله هذا الإقرار لشهوة أو معصية أو غيره من المعاصي والكبائر ، وهذا الأصل العام هو ما جعله ابن عباس رضي الله عنهما ضابط الحكم وعلى تفصيله سارت جماعة – أهل السنة والجماعة – فمن أقر بشرع الله تعالى وحكمه واعتقده فهو مسلم عنده أصل الإيمان وله اسمه وحكمه ولا يكفر الكفر الأكبر حتى ينقض هذا الأصل بنواقضه التي ذكرناها عند الحديث على فقه مسائل الكفر ،  وتمهيد الرسالة على طوله وغالب هذا الباب إنما هو لتأصيل هذه القاعدة الرصينة التي أرساها علماء أهل السنة والجماعة المقتدى بهم في الدين ، وبتطبيق هذا الأصل الرصين على مسائل ترك الحكم بما أنزل الله نعلم أنه الضابط الرصين المنضبط الذي لا نحتاج بعده لا إلى أصل آخر ولا إلى فرع ، وإنما يكون تجاوزه والبحث عن ضابط آخر هو من باب الافتئات على الشرع ، فمن جحد الحكم فهو كافر { أي الأكبر } ومن أقر فهو ظالم فاسق كفره دون الكفر الأكبر ،  أما الأصل الذي أتى به هؤلاء فليس له دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من قول صحابي ولا تابعي ولا حتى عالم من علماء الأمة المقتدى بهم في الدين ، قصاراه فهمهم الخاطئ لكلام ابن القيم و ابن أبي العز و أحمد شاكر ، وسيأتي بيان المعنى الصحيح الذي قصده هؤلاء الأئمة العلماء والفهم الخاطئ الذي فهمه أصحاب هذا المناط الجديد من كلامهم ،  والذي ينبغي الإشارة إليه أنه لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يتلاعب بمناطات الشريعة المنضبطة إلا بدليل من كتاب أو سنة أو هدى لأعلام الصحابة تلقته علماء الأمة بالإقرار والقبول ،  والآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] عامة ، والحكم يتناول قول القلب وعمله ( اعتقاد الحكم ) وقول اللسان( الإقرار بالحكم ) وعمل الجوارح ( القيام بالحكم )  ولله در ابن حزم حيث يقول : ( كل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء )[ الفصل : ج3 / 302 ] أهــ  ، ومن تتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بالحكم يجد فيها تعلق الحكم بالاعتقاد مثلما تعلقه بالعمل ومثاله قوله تعالى : { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ الصافات : 153 - 154 ] يقول الطبري رحمه الله :  وقوله } مالكم كيف تحكمون} يقول بئس الحكم تحكمون أيها القوم أن يكون لله البنات ولكم البنون وأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون له مالا ترضونه لأنفسكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل [ تفسير الطبري ج : 23 / 107 ] ويقول القرطبي رحمه الله : "  ألا ساء ما يحكمون أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم  "  [ تفسير القرطبي :ج 10 / 118 ] ويقول ابن كثير رحمه الله : " ثم قال تعالى منكرا عليهم أصطفى البنات على البنين أي أي شيء يحمله أن يختار البنات دون البنين ". . . ولهذا قال (تبارك وتعالى مالكم كيف تحكمون أيمالكم عقول تتدبرون بها ما تقولون [ تفسير ابن كثير :ج 4 / 24 ] ) ويقول البغوي رحمه الله : " ألا ساء ما يحكمون بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين " [ تفسير البغوي :ج 3 / 73 ]، وقوله تعالى :{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الأنعام : 136 ] يقول الواحدي رحمه الله : قوله " فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم "  ثم ذم فعلهم فقال ساء ما يحكمون  أي ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوه لله على جهة التبرز إلى الأوثان [ تفسير الواحدي : ج 1 / 377 ] ، وقوله تعالى { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } ، [ يونس : 35 ]  يقول الواحدي رحمه الله : {كيف تحكمون } "يعني كيف تقضون حين زعمتم أن مع الله شريكا" [ تفسير الواحدي :ج 1 / 497 ] ويقول النسفي رحمه الله :" { فما لكم كيف تحكمون }  بالباطل حيث تزعمون أنهم انداد الله [ تفسير النسفي :ج 2 / 128 ] ويقول البغوي رحمه الله : {ما لكم كيف تحكمون }  كيف تقضون حين زعمتم أن لله شريكا [ تفسير البغوي :ج 2 / 353 ] ، وقوله تعالى { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الجاثية : 21 ] يقول الطبري رحمه الله : ((  وقوله )) { ساء ما يحكمون  } يقول تعالى ذكره بئس الحكم الذي حسبوا أنا نجعل الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم [ تفسير الطبري :ج 25 / 149 ] وقوله تعالى { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ القلم : 35 - 36 ] يقول الطبري رحمه الله : ذلك وقوله{ مالكم كيف تحكمون } أتجعلون المطيع لله من عبيده والعاصي له منهم في كرامته سواء يقول جل ثناؤه لا تسووا بينهما فإنهما لا يستويان عند الله بل المطيع له الكرامة الدائمة والعاصي له الهوان الباقي [ تفسير الطبري :ج 25 / 149 ] ويقول البيضاوي رحمه الله في تفسيرها {  أفنجعل المسلمين كالمجرمين } إنكار لقول الكفرة فإنهم كانوا يقولون إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالا منهمكما نحن عليه في الدنيا { ما لكم كيف تحكمون } التفات فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي (( [ تفسير البيضاوي : ج 5 / 373 ] ، وقوله تعالى { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ العنكبوت : 4 ] يقول أبو السعود رحمه الله : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا أي يفوتونا فلا نقدر على مجازاتهم ... { ساء ما يحكمون }    أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك أو بئس حكما يحكمونه حكمهم ذلك [ تفسير أبي السعود :ج 7 / 30 ] ، فهذه الآيات جميعها عند تدبرها نجد أنها تتناول قضايا اعتقادية وتعبر عنها بلفظ الحكم . وبذلك يكون ترك الحكم في قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ( له تعلقان تعلق اعتقادي يوجب الكفر الأكبر المخرج من الملة ، وتعلق عملي محض يوجب الكفر في إطار الملة ، فمن ترك الحكم بجانبيه العملي والاعتقادي استحق الحكم الكلي للآية ) { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ومن تركه وهو معتقد له  أي مصدق به منقاد له مقر به فهذا كفره في إطار الملة وهذا ما تواترت عليه أقوال الأئمة وعلى رأسهم عبد الله بن عباس حبر الأمة وفقيهها ، والسنة دلتنا على أن هناك كفر أكبر وكفر دون كفر ، وقد ذكرنا أحاديث عديدة تؤكد هذه القاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر فقهها حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما. وعامة الصحابة ومنهم ابن عباس وعامة التابعين وعامة علماء أهل السنة على اعتبار الضابط الذي ذكرناه وقد نقلت أقوال ما يزيد على خمسين من العلماء الأئمة كلهم يقر بهذا الضابط ( ضابط الجحد والإقرار فمن جحد فهو كافر ومن أقر فهو ظالم فاسق وكفره في إطار الملة ) وبعضهم نقل الإجماع على ذلك كابن عبد البر في التمهيد وقد نقلناه عنه ،  فبالضابط الذي ذكرناه تتفق أدلة الكتاب والسنة وأقوال السلف والعلماء الأئمة فما الداعي إلى إحداث ضابط جديد ، مع أن ضابط علماء أهل السنّة هو في نفسه واضح منضبط والجحد لا يتجزأ فمن جحد بآية فقد جحد بالقرآن كله ومن جحد حكماً من الشرع فقد جحد الشرع كله  ، أما أصلهم الذي يقولون به لا ينضبط ولا يتصور تصوراً واحداً عند أفهام الناس فما المقصود باعتبار أحكام الشرع هل هو الاعتقاد بها وبهذا نرجع إلى أصلنا الذي ذكرناه عن السلف ، أم هو مجرد الإقرار بأن الشرع هو مصدر القانون ثم بعد ذلك لا تؤثر المخالفة لأن الأصل موجود ، وهذا داخل في الأصل الأول لأن ضابط ( الجحد والإقرار ) الذي قال به علماء أهل السنة يدخل فيه الإقرار المجمل بأحكام الشرع والإقرار المفصل متى تطلب ذلك ، وبهذا فلا حاجة للأصل الجديد ، أم هو مجرد النظر في كتب الشريعة وليس كتب القانون ثم الحكم بعد ذلك بما يشاء إذ لا يؤثر على الأصل وهذا مناط جديد لا نعلم أحداً من علماء الأمة قال به ومآل قول هؤلاء هو هذا المناط ومجرد النظر لا يفيد شيئاً في إطار الجحد والإقرار ، فمن أقر فقد أغناه إقراره عن مجرد النظر في كتب الشرع وإن جحد فقد أخرجه جحده من الملة بالكلية ،  أم هو ضرورة الحكم بأحكام الشرع بعمل الجارحة في كافة الأحكام ولا تضر في ذلك قضية أو قضيتان خالف فيهما بسبب المعصية والهوى والشهوة ، قلنا فما الضابط للعدد وما حده ومن أين استنبطوه ومن من العلماء قال به ، ومعلوم أن مناط الكفر لا يكون بالأعداد أبداً وإلا لكفرنا الزاني لإدمانه على الزنا أو شارب الخمر لإدمانه على شرب الخمر ، ومعلوم أن هذا مذهب الخوارج ، وعلى ذلك فالأصل الذي أصلوه لا ينضبط أولاً وفيه إحداث لحكم جديد مخالف لحكم السلف والعلماء الأئمة ثانياً ، وكلاهما لا يجوز في الشرع وهو افتئات عليه بما لا ينبغي ،

( تنبيه هام ) : أصحاب هذا القول دخل عليهم داخلة من عدم تصور الأصل العام الذي قال به السلف وهو الاعتقاد المجمل لدين الإسلام والمفصل لما يتطلب ذلك في حينه ، وظنوا أن الحكم إنما يتناول الفصل بين الخصومات أو حدود الشرع ولم يتصوروا أن الحكم أعم من ذلك وأوسع بالتالي فضابطه أعم وأوسع من مجرد النظر في أحكامه ثم لا تضر مخالفته بعد ذلك بهوى أو معصية . والقرآن الكريم دلنا على أن الحكم أوسع من مجرد النظر في الحدود والخصومات بل هو يتناول الاعتقاد وأمور العقيدة كما أسلفنا ، ومن ذلك قوله تعالى : { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ الصافات : 153 - 154 ] فهل الآية تتناول فصل خصومة بين الناس أو تطبيق حد على بعضهم ليس كذلك وإنما هي تتناول اعتقاد المشركين أن الملائكة بنات الله فردت الآية على مستوى فهمهم للحجة لأنها إنما تناقشهم فكيف تحكمون ، أنتم إذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، ثم تنسبون إلى الله أنه يتخذ بناتاً أيصطفي البنات لنفسه ويرزقكم أنتم بالبنين أيصح هذا في ميزان العقل والفهم . الشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذه العقيدة الفاسدة بلفظ { فما لكم كيف تحكمون } فهو حكم وإن كان في أمور العقيدة ، وآية ثانية وهي قوله تعالى :  { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [ القلم : 35 - 36 ] فالمشركون ينكرون البعث والنشور وهذه عقيدة كافرة وجحد للإيمان باليوم الآخر ، والشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذا الجحود باليوم الآخر والبعث والنشور بلفظ { كيف تحكمون } ،  فالحكم أوسع من أن نحصره في مجرد فصل خصومات أو إنفاذ حدود ولما كان عاماً فالأصل الضابط له لا بد وأن يكون عاماً عظيماً يحوي كافة جوانبه ومعانيه ،  فكان الأصح والأولى هو اعتبار الأصل العام الذي اعتبره علماء أهل السنة والجماعة أصلاً لا يرضون  له بديلاً وهو ضابط الجحد والإقرار فمن جحد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فكفره في إطار الملة ، وهو في الحالتين كافر لعموم الآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ولكن الجاحد لم يأت بأي شيء يدل على أنه حكم بما أنزل الله لانتفاء حكم القلب وإقراره بالحكم ، والمقر المعتقد قد أدى بعض الحكم فليس تاركاً بالكلية للحكم فكان كفره في إطار الملة لا يخرج منها إلا بجحد أو استحلال { جحد الحكم بما أنزل الله أو استحلال الحكم بغيره } ،

( تنبيه آخر ) : القصد منه فهم جوانب الجحد وبالتالي نحيط بمذهب السلف من كافة جوانبه ،  الجحد يتناول قول القلب وعمله : فالجحد المتعلق بقول القلب ( التصديق ) هو التكذيب وهذا نادر لأن قلوب العباد فطرت على معرفة الله والتصديق بوجوده ، والجحد المتعلق بعمل القلب ( الانقياد ) هو الإباء والاستكبار والعلو والعناد وهذا غالب كفر العباد ومنه جحد إبليس وكفره وجحد اليهود وكفرهم وجحد فرعون وأتباعه وكفرهم ، وعلى ذلك فجحد حكم الله له صور عديدة منها : تفضيل حكم غير الله على حكم الله  ، أو الاستهزاء بحكم الله كحال من وصف أحكام قطع اليد بالوحشية ، أو التنقص من حكم الله ، أو مساواة حكم الله تعالى بحكم غيره وهذا جحد لأفضلية حكم الله واعتقاد وجوب إفراده بالحكم والتشريع   ، أو إظهار النية والعزم على عدم تطبيق شرع الله وحكمه إن عاجلاً أو آجلاً لما فيه من الدلالة على عناد القلب واستكباره ، وبذا نعلم أن ضابط السلف وهو ضابط أهل السنة جميعاً ( من الجحد والإقرار ) هو الفقه والعلم وفيه الصيانة للشرع وأحكامه وفيه الغنية عن اجتهادات هؤلاء ،  وهذا الضابط لو تدبر فيه الجميع لعلموا أنه جامع شامل يدخل فيه كافة صور الكفر المطلقة من الانتساب إلى الرايات الاعتقادية والفكرية المخالفة جملة وتفصيلاً لحكم الإسلام وشرعه كالعلمانية وذلك لأن إعلان اعتقاد هذه الرايات وما تدعو إليه صورة من صور الجحد الذي جعله السلف والأئمة مناط الكفر في الآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ،

وأما المدخل الثاني لبيان خطأ هذا القول :فهو سؤالنا لهم ما الضابط لهذا المناط الذي جعلتموه أصلاً للحد الفاصل بين الكفر الأكبر المخرج من الملة والكفر في إطار الملة ، وأنتم تقولون إذا حكم في قضية معينة لهوى أو معصية لا يكفر وإذا جعله أصلاً يكفر  ، فهب أن رجلاً يرجع إلى الشرع في قضاياه ثم جار في واحدة اثنتين ثلاث ثم آل الأمر به إلى ترك الحكم بما أنزل الله في كافة القضايا مع أنه يجعل الأصل الرجوع إلى أحكام الشرع ، فهل يكفر عند الجور في الثانية أو عند الجور في بعضها أو عند الجور في جميعها ، فإن قلتم في الثانية لم تجدوا دليلاً على ذلك البتة وكذلك إن قلتم في بعضها دون بعض لأن الشرع لم يجعل العدد ضابطاً للكفر وعدمه وإن قلتم في جميعها قلنا لكم ناقضتم أصلكم الذي أصلتموه لأن الرجل يرجع إلى أحكام الشرع وهذا هو مناط الكفر الأكبر عندكم ، وإن قلتم لا يكفر رجعتم حتماً إلى الاعتقاد والجحد وهو ضابط أهل السنة ، وإلا فما ضابط الرجوع إلى الشرع وهو لا يحكم بشيء منه ، إن كان مجرد النظر في كتب الفقه فهذا لا يصلح ضابطاً ولا يقول به أحد من العقلاء فضلاً عن العلماء إذ لا يستطيع الجاحد أن يقول الشريعة مصدر القانون ويضع كتب الفقه على الرفوف ولا يحكم بشيء منها ، ويقول أنه الأصل الذي أقررتموه ، مع ما يبدو عليه من علامات الجحد والاستكبار ، لذا كان اعتبار ضابط أهل السنة هو الأصل العام لكافة أحكام الشريعة هو الصواب وهو النجاة من التعارض والاختلاف ، 

وأما المدخل الثالث لبيان خطأ هذا القول :فهو أن ضابطهم هذا فيه قصور ، بمعنى أنه إذا جاء من يقول لهم أنا أجعل الأصل في قانون الأحوال الشخصية هو الشرع لقالوا له حتماً لا يصح ذلك لأن الأصل عام يتناول أحكام المعاملات والحدود والعقوبات والفصل بين المنازعات ، نقول لهم آنذاك بل الأصل أعم من ذلك ، فإنكم أبيتم على من احتج لكم بالأصل في قانون الاحوال الشخصية إلا بالأصل الأعم ونحن كذلك نحتج عليكم بما هو أعم وأشمل فالحكم يتناول الأمور الاعتقادية والتشريعية والسلوكية والحكم بما أنزل الله يشمل ذلك كله وقد ذكرنا عند قوله تعالى { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون} وقوله تعالى { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ القلم : 35 - 36 ] وقول تعالى { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [ يونس : 35 ] وقوله تعالى { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ }  [ الأنعام : 136 ] أن الحكم هنا يتناول جوانب اعتقادية وقد سماه الله حكماً وبالتالي فالضابط الأعم والأشمل هو ضابط الصحابة والتابعين والعلماء كافة وهو ضابط الإقرار والجحد كما بيناه بضوابطه الحكيمة التي قال علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ،

وأما المدخل الرابع لبيان خطأ هذا القول : فهو أن ديننا مبني على الاتباع للكتاب والسنة والاقتداء بهدى السلف الصالح وجميع ذلك بين لنا الضابط العام الصحيح الذي لا ينخرم في شيء من جوانبه ، وقولكم محدث اجتهدتم في إحداثه احتياطاً للشريعة والشريعة لا تحتاج لمفتئت عليها بل تحتاج لفقهاء يفهمون ضوابطها الصحيحة ويعملون بها ، لو تركت الشريعة لمن شاء أن يحتاط لها لكان مذهب الخوارج والعياذ بالله أفضل المذاهب لأنهم يكفرون بمجرد المخالفة والمعصية والذنب ، 

وأما المدخل الخامس لبيان خطأ هذا القول :فهو أن أدلتهم على ذلك لا تخرج عن أقوال ثلاثة علماء لم يفهموا كلامهم الفهم الصحيح وهم ابن القيم وابن أبي العز وأحمد شاكر فإذا علمنا قصدهم الصحيح وعلمنا أن أقوالهم المحكمة هي اتباع ضابط السلف فلم يعد لهؤلاء حجة ولا دليل ، مع أن ذلك كله تنزلاً مع المخالف إذ أقوال العلماء لا سيما المتأخرين يستدل لها ولا يستدل بها وهذه قاعدة أصولية لا يجوز لطلبة العلم فضلاً عن أهل العلم إغفالها أو غض الطرف عنها ،  

وكأمثلة لبعض المعاصرين الذين يقولون بهذا القول : ( 1 ) الدكتور عبد الله أحمد القادري : قال  وهو يتحدث عن مناط الكفر دون كفر في الآية :(( النوع الرابع : أن يحكم بغير ما أنزل الله في جزئية من الجزئيات وهو يعتقد أنه عاص وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم وأن الواجب هو الحكم بما أنزل الله ولكنه غلبه هواه لمال أو جاه أو قرابة ففعل ما فعل . . فيجب حمل { كفر دون كفر } على النوع الرابع وهذا هو اللائق بعلماء السلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة )) [ الردة عن الإسلام ص57 - 58 ط. مكتبة طيبة 1405 هـ ] أهـ ، ومن الأخطاء الواضحة في النص جعل المناط هو المخالفة في جزئية من الجزئيات وهذه لا تنضبط إذ ما الفارق بين معصية واحدة ومعصيتين إذا اعتبرت الأولى معصية فالثانية والثالثة معصية ما لم تنال الاعتقاد . وكذلك قوله (( هذا هو اللائق بالسلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة )) فالمعلوم أن الإنكار من الجحد والجحد لا يتجزأ فجحد حكم من الشريعة كمن جحد الشريعة كلها ، وعلى ذلك فجحد وجوب الطهارة جحد لكافة عقائد وشرائع الإسلام لأنه تكذيب للشارع في إيجابه للطهارة  ، أما قوله فهذا هو اللائق بالسلف ، فالسلف يليق بهم كل فضل ولكن اللائق بنا نحن أن نفهم كلام السلف وأن نفقه ضوابطهم في أسماء الملة وأحكامها على وجه العموم ،  والسلف لم يجعلوا الجزئية والجزئيات ضابطا لأن الأعداد لا تنضبط وإلا لكفرنا مدمن الخمر لأن جزئيات شربه للخمر كثيرة وعامة ، ولكن السلف جعلوا الضابط هو الإقرار والجحد وهو الضابط المحكم الصالح لكافة شرائع الإسلام اللهم إلا الأعمال التي لا تكون إلا مع انتفاء عمل القلب وقد أكثرنا في بيانها من قبل  ،

( 2 ) الأستاذ عبد الله بن محمد القرني : قال في بيان الضابط للكفر الأكبر والأصغر : " وأما الكفر الأصغر فبنحو الحكم بغير الشريعة في قضية معينه لأجل الشهوة وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  أهـ [ ضوابط التكفير عند أهل السنة ص 256 ] ، ( قلت ) أما قوله قضية معينة وقضايا متعددة فسبق ووضحنا أن هذا الضابط في نفسه لا ينضبط  ، وأما قوله ( وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ) فليس هذا قول حبر الأمة ولا هو مراده ومع تتبعي لغالب التفاسير المطبوعة وأقوال عبد الله بن عباس فيها لم أجد موضعاً واحداً ذكر فيه ابن عباس رضي الله عنهما التفريق بين قضية وعدة قضايا ، فمن المجازفة العلمية أن ننسب هذا الفهم إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، بل الصحيح عن حبر الأمة أنه جعل المناط هو الجحد والإقرار فمن جحد فقد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فليس الكفر الذي يذهبون إليه وإنما هو كفر دون كفر وهو في إطار الظلم والفسق ، هذا تصريح ابن عباس بنفسه فمن الخطأ أن ننسب إليه قولاً لم يقله ولم يشر إليه البتة ، 

( 3 ) قول الدكتور صلاح الصاوي :قال – وهو يأتي بمناط جديد -  : ( يمكن تفصيل القول في قضية الحكم بغير ما أنزل الله ، ذلك أن تعبير الحكم بغير ما أنزل الله قد يقصد به عمل القضاة والمنفذين وقد يقصد به عمل الأصوليين الشرعيين … إن قصد به عمل القضاة والمنفذين نظر : فإن كان مرده إلى تكذيب الحكم الشرعي أورده فهو كفر أكبر يخرج من الملة وإن كان مرده إلى عارض من هوى أو شهوة أو نحوه مع بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنة أو ما حمل عليهما بطريق الاجتهاد فهو من جنس الذنوب والمعاصي  ، وإن قصد به المعنى الأصولي التشريعي فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا يبقى معه من الإيمان حبة خردل كما قال تعالى { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.. } [ الشورى : 21 ] والذي يخلص إليه من ذلك كله أن قول بعض السلف { كفر دون كفر } في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية  [ تحكيم الشريعة وصلته بأصل الدين ص 41 - 42 ] أهــ  ، ( قلت ) : إذا رجعنا إلى المنقول عنه نجده يأتي بقول جديد فهو يجعل مناط الحكم والتفريق بين حال الحاكمين هو النظر إلى اختصاصه فإن كان من القضاة والمنفذين فهذا عليه مناط حبر الأمة ابن عباس بالكفر الأكبر والأصغر وفق الجحد والإقرار  ، ولكنه لا ينسى أن يضع له ضابطاً إضافياً هو بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنة وهذا الضابط لا فائدة منه لأنه موجود عند كل مسلم يقر بالإسلام إجمالاً وبكافة عقائده وشرائعه . ولكنه لم يقصد منه ذلك إنما قصده للتفريق بين من يحكم بالقوانين الوضعية وبين من قال بأن الأصل الشرع حتى وإن حكم بالقوانين الوضعية بعد ذلك ، وهذا الضابط كما ذكرنا زائد عن ضوابط أهل السنة ولا قيمة له ، لأن مناط الحكم هو الإقرار والجحد فمن أقر بالشريعة كان إقراره بمثابة جعل الشريعة هي الأصل ومن جحدها كان جحوده بمثابة جعل القوانين الوضعية هي الأصل ، أما ما يقوله هو فلا ضابط له بل ولا معنى له إلا الإقرار والجحد وإلا فما هو مناط ضابط جعل الشريعة هي الأصل أو القوانين الوضعية هل الأصل إلا الإقرار بإحداهما والجحود بالأخرى ، الشاهد وإن كان هذا الحاكم من المشرعين للقوانين فليس لهذه الصورة عنده إلا الكفر الأكبر البواح وهذا أيضاً خلط لمناطات الحكم بمعنى أنه ما الفرق بين الزاني الذي يزني بموجب الشهوة والمعصية وبين الديوث الذي يرتب للفاحشة وينظم لها ويضع لها ما يشبه الأطر والضوابط التي يصنعها الأصولي التشريعي الذي تحدث عنه الدكتور صلاح الصاوي ، فهل يسوغ لنا ذلك أن نتهم الثاني بالكفر لأن معصيته لم تكن عن شهوة عارضة وإنما لكونه خطط لها ورتب لها ، وهل يسوغ لنا ذلك أن نكفر السارق الذي يضع الخطط قبل معصيته بأيام وشهور لأنها لم تكن ناشئة عن تنفيذ محض وإنما تخطيط وترتيب وتشريع ، وقد يعترض هو على وصفنا له بكلمة تشريع ، والحق أنه عند التدبر لا يفرق بين هذه وتلك شيء فالمشرع إن كان يشرع بجحد لشرع الله – بأي وجه من أوجه الجحد المتناولة لعمل القلب وقوله – فهذا كفر أكبر وإن كان يشرع على وجه المعصية المجردة فمثله مثل السارق الذي يخطط لمعصيته والديوث الذي يخطط للفاحشة وجميع ذلك في إطار الفواحش والمعاصي ما كان بعيداً عن اعتقاد القلب وجحوده ، وبذلك نكون رجعنا اضطرارا إلى الضابط الأساسي العام الذي صرح به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وسارت عليه الفرقة الناجية من بعده أهل السنة والجماعة ، وبهذا نعلم خطأه في قوله ( فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا تبقى معه من الإيمان حبة خردل ) وكلامه صواب متى ما كان التشريع ناشئاً من جحد لشرع الله – على المعنى الواسع للجحد كما ذكرناه ، وبالتالي فلا حاجة له إلى تشقيق القول بمناط جديد هو في حققته المناط الأصلي وأما إن كان يقصد مجرد العمل الخالي عن الاعتقاد فهذا قد علمنا باتفاق الأئمة والعلماء أنه مخالف لأصول أهل السنة وقواعدهم الغراء ، ثم ذهب يستدل لمذهبه الذي كما يقول – لا جدال فيه – بقوله تعالى { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } وقد ذكرت تفسيرها الصحيح في المطلب السابق فراجعه هناك بالضرورة فإنه يمنع الغلو في المسألة  ، وقوله : ( والذي نخلص إليه من ذلك أن قول بعض السلف { كفر دون كفر } في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية  ) أهــ به أخطاء ، ( الأول ) : قوله ( بعض السلف ) وكأنه يشير إلى الخلاف في المسألة وأن بعضاً فقط هو الذي قال بكفر دون كفر ،  ( قلت )  بل السلف مجموعون على قاعدة كفر دون كفر التي أرستها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأجمع عليها أهل السنة والجماعة في مقابل فرق الخوارج والمعتزلة ، وهم متفقون على حمل آية المائدة عليها وقد نقلت عن ابن القيم أنه قول عامة الصاحبة رضي الله عنهم ونقلت عن ابن عبد البر إجماع العلماء عليها ، فكيف يتسنى لأحد أن يقول بعض بصيغة توحي بالتمريض لمجرد أنه لا يرضى بما رضي به السلف ،  و ( الثاني ) : قوله ( لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية ) أقول فما علة ما يقول وما سببه وما المسوغ لهذا الرأي وعندن ضابط الأئمة الرصين ( الجحد والإقرار ) فلماذا إحداث مناطات جديدة والمناط الصحيح يستوفي المطلوب وعليه إجماع الأئمة ، فمن جحد الشرع بأي معاني الجحد التي أشرنا إليها فقد كفر ومن حافظ على أصل إقراره واعتقاده ولم يأت بجحد فهو مسلم ، ثم أود أن أنبه إلى أن ديننا دين اتباع واقتداء فما الداعي إلى إحداث أقوال جديدة واعتبار مناطات حديثة تخالف هدى الشرع وضوابطه ، كما ذكر صاحبنا من التفريق بين عمل القضاة والمنفذين وبين عمل الأصوليين التشريعين ونحن هنا وهناك وبالتالي اعتماده كمناط الحكم أولى من الاختراع والابتكار ،  

( 4 ) قول الأستاذ محمد شاكر الشريف : قال : " فصل في بيان متى يكون الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً لا يخرجه من الملة ؟ ثم جعل شروطاً ثلاثة لذلك هي : أن يكون ملزماً ومتقبلاً ظاهراً وباطناً لكل حكم أو تشريع جاء عن الله سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم ،  وأن يكون مقراً ومعترفاً بأنه ترك الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى في القضية أو الواقعة المعينة التي يحكم فيها صار آثماً وأن حكمه خطأ وأن حكم الله هو الصواب ، وأن يكون الحكم المخالف حكماً في وقائع الإيمان وليس في الأمور الكلية العامة وهذا الشرط الثالث مما غمض فهمه والتنبيه على كثير من المعاصرين [ إن الله هو الحكم ص 88 -  91 ] أهــ ،  ( قلت ) : حاصل كلامه هو أنه جعل هذه المناطات المتعلقة بمسألة الكفر دون كفر  ،  المناط الأول : الانقياد ظاهراً باللسان وباطناً بالاعتقاد للحكم وهذا لا غبار فيه لأنه مناط السلف ، المناط الثاني : الإقرار بالتقصير والإثم لمعصية ترك الحكم بما أنزل الله وهذا لازم للمناط الأول لا ينفك عنه فلا غبار عليه ، المناط الثالث : أن تكون المخالفة في قضية أو واقعة معينة وليس في أمر كلي عام ، فهذا الشرط الثالث قد غمض فهمه والتنبيه عليه ليس كما يقول على كثير من المعاصرين ، بل وعلى جميع السلف الكرام حتى لم يجعلوه مناطاً إضافياً يلازم مناط الجحد والإقرار واكتشفه هو بعد هذه القرون الطويلة في الإسلام ،  ولعل قائلاً لم يحدث على مر عصور الإسلام أن تنحت الشريعة في كافة جوانبها كما هو في زماننا المعاصر ولهذا وجب وضع المناط المناسب لهذا الزمان وهذه الحالة الشاذة التي لم تعهد لها الأمة مثيلاً من قبل ، ورغم وجاهة هذا القول إلا أنه عند التحقيق ليس وجيهاً وذلك لأن إجماع العلماء على أن ترك الحكم بما أنزل الله مع الإقرار والاعتقاد هو كفر دون كفر وإجماعهم على أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بشرع الله فهي كبيرة من الكبائر وقد حكى ذلك الإجماع إمام المغرب وحافظها ابن عبد البر ، وبالتالي فالمعصية لا تنضبط بعدد ولا بقدر وإلا كان الإصرار على الكبيرة كفر ، وكان هذا مدخلاً لتكفير العصاة وأصحاب الكبائر ، وبالتالي فمناط الكفر ليس عدد المعاصي ولا عدد الوقائع وإنما المناط هو كفر القلب وكفر القلب يكون بالجحد والجحد له صور عديدة منها الإقرار بتفضيل أحكام الجاهلية على حكم الله تعالى أو التنقص من شرع الله أو الاستهزاء به أو اعتقاد عدم أحقيته أو عدم صلاحيته أو مساواته بغيره فهذه كلها دلائل الجحد وهو مناط السلف للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر ، لا اجتهادات المعاصرين كل يدلو بدلوه في مسألة فيها السلف قديماً ووضعوا لها الضوابط التي لا تحتاج إلى افتئات أو تدخل ، وبهذا أكون قد أشرت إلى بعض أقوال المعاصرين المخالفين في هذه المسألة بوضع مناطات جديدة والتفريق بين واقعة ووقائع وبين وقائع أعيان وأمور كلية يتساوى فيها جميعاً عمل القلب وهم يفرقون على أساس عمل الجارحة مع أن مناط الكفر الأكبر هو كفر القلب والذي يدل عليه الجحد بأحد صوره التى وضحها العلماء ، ولعلني أثقلت في النقد على إخوان لي أرى أن الحماس والإخلاص قد دفعهم لوضع مناطات تحمس الشريعة ، والدافع لهذا النقد هو بيان أن الشريعة لا تحتاج إلى مناطات جديدة لأن الله تعالى قد جعل فيها مقوماتها الذاتية لحمايتها وحمى جنابها ، والمطلوب منا ليس الحماس والحمية الدافعة لإحداث مناطات جديدة ولكن المطلوب هو العلم والفقه الدافع لحفظ الشريعة على حالها الرباني وتطبيق أحكامها العقائدية والتشريعية على الناس كما أراد الشارع الحكيم والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ،

 

[  خاتمة تحوي على فائدتين ] :  ( الفائدة الأولى ) : صور الجحد متعددة أهمها :  جحد أحقية حكم الله ورسوله وهذا أعظم الكفر ، تفضيل غير شرع الله على شرع الله حتى وإن أقر بشرع الله ،  مساواة شرع غير شرع الله بشرع الله ، استحلال الحكم بغير شرع الله وتجويزه وتسويغ الأخذ به ، وكل صورة اعتقادية أخرى تدخل في إطار أحد هذه الصور الأربعة التي ذكرناها وهي جحد لحكم الله وكفر أكبر مخرج من الملة ، مع ملاحظة أن الجحد لا يتجزأ بمعنى أن من جحد شيئاً يسيراً من شرع الله كان بمثابة الجحد للشرع وأحكامه وهو في إطار الكفر المطلق حتى تجري عليه أحكام الشرع الخاصة بالتعيين ،   ( الفائدة الثانية ) : الانتساب إلى المذاهب العلمانية والشيوعية وغيرها من دعاوى الإلحاد المعاصرة جحد لحكم الله وشرعه وكفر أكبر على سبيل الكفر المطلق الذي يحتاج عند التعيين إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع ، فالعلمانية تعني عند أصحابها ومنظريها فصل الدين عن الدولة وإقامة الحياة على غير الدين ولا علاقة عندهم للدين لا من قريب ولا من بعيد بشئون السياسة ولا التشريع العام ولا تنظيم حياة الدول و المجتمعات ، وهذا يعني رفض لشرع الله واستبداله بحكم الجاهلية واستحلال الحكم بها وبأحكامها بل وتقديمها على شرع الله وتفضيلها عليه ، وهو يعني أيضاً اعتقاد حق التشريع والتحليل والتحريم لغير الله عز وجل من مشرعي العلمانية وهذا اتخاذهم أربابا من دون الله على صورة اعتقادية محضة ، وهو يعني أيضاً الكفر بأحكام الله المتعلقة بتنظيم حياة البشر واستحلال الحكم بغيره على وجه الاعتقاد ، وهو يعني استحلال تحريم ما أحل الله من الحدود والعقوبات والتشريعات واستحلال ما حرم الله على صورة اعتقادية محضة ، ومثلها الشيوعية وغيرها من دعاوى الإلحاد والكفر من النظريات الاعتقادية التي من آمن بها فقد آمن بالطاغوت وكفر بالله نسأل الله السلامة  ، وعلى ذلك : فالحذر الحذر من هذه المذاهب الإلحادية ومن الانتساب إليها لأنها مذاهب عقائدية ، الانتساب الحقيقي لها يعني الردة والمروق من ملة الإسلام  إلى ملل الكفر والإلحاد ، وكل ذلك على سبيل الإطلاق لأننا نعلم أن كثيرا من المسلمين مخدوعون بهذه المذاهب لا يعلمون بحقيقتها وليس لهم من العلم الشرعي ما يؤهلهم لمعرفة حقيقتها الكفرية الواضحة ، وهؤلاء معذرون بالجهل فلا يكفرون ولكنهم على شفا خطر عظيم لأن إمكان العلم بحقيقة هذه المذاهب موجود وعلى أهل العلم والدعاة يقع عاتق إبلاغ المسلمين بحقيقة هذه المذاهب حتى تنفضح تماماً في بلدان المسلمين فلا يبقى فيها إلا المنافقين معلومي النفاق والزنادقة معلومي الكفر والإلحاد .

 

***

 

[  2  ]  :  تحقيق القول في كفر تارك الصلاة

وبيان أن ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه

ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب { جحد الصلاة }  ،  وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة { تكاسلا }

 

في هذه القاعدة محاولة شرعية جادة لتأصيل مسألة كفر تارك الصلاة على ضوء الجمع بين نصوص الكتاب والسنّة وهدي السلف الصالح ومعتقد المحققين من أئمة أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والفقه ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ،

مقدمة عامة : كل ما قيل في مسألة ( ترك الحكم بما أنزل الله ) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر ، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة ، بل هو في مسألة ( تارك الصلاة ) أظهر وأولى ،  (( قلت )) وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة ، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني ( حـ2/157 ) والنووي في المجموع ( حـ3/14 )  والشوكاني في نيل الأوطار ( حـ1/291 ) وهذا ما دعا الشنقيطي رحمه الله إلى أن يجعل هذا القول أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث وأنه كما قال النووي القول المتعين الذي ينبغي القول به لأنه يجمع بين أصول الشرع وقواعده فقال رحمه الله { وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ، وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن ، وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه :( ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث ، وأما الجواب عمّا احتج به من كفره من حديث جابر وبُريدة ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها انتهى محل الغرض منه ) [ أضواء البيان حـ4/ص322 ] أهــ ، ( قلت ) وبعد هذه المقدمة لا مانع من تأصيل المسالة وبيان الراجح المتعين المصير إليه  ،  وفي البداية ينبغي أنّ نذكر أنه قد أجمع أهل السنّة والجماعة على أن تارك الصلاة جحوداً لها وانكاراً لفرضيتها أنه كافر الكفر الأكبر المخرج من الملة والموجب للخلود الأبدي في النار ، الاّ أن يكون جاهلاً لحكمها كأن يكون حديث عهد بإسلام أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة ،

 أما ترك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها فهي مسألة خلافية اختلف فيها علماء أهل السنّة والجماعة على قولين : 

القول الأول : أنه كفر أكبر موجب للخلود الأبدي في النار ، وأن تارك الصلاة تكاسلاً يُـقتل لكفره كالمرتد فلا يُـغّسل ولا يكفن ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يرثه أحد ولا  يرث هو أحداً ، وقد أشار ابن قدامة في كتابه المغني إلى أنه أحد الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل اختارها أبو اسحق بن شاقلا وابن حامد [ المغني حـ2/157 ط. دار الفكر ] ،

القول الثاني : أنه كفر في إطار الملة فلا تتعلق به أحكام الردّة الدنيوية والأخروية ، ( قلت ) ومعنى كونه كفر أنه أخطر وأعظم من مطلق الفسوق والمعصية ، لكونه طريق إلى الكفر الأكبر وصاحبه على شفا جرف هار يكاد يؤول به إلى الجحود والكفر البواح. ومعنى كونه في إطار الملة ، أنه في حقيقته لا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة حتى يصاحبه اعتقاد. وهذا القول هو القول الراجح الذي قال به جماهير السلف الصالح وجماهير الأئمة الفقهاء الأعلام كما سيأتي بيان ذلك .

 

أدلة الفقهاء على أنّ ترك الصلاة تكاسلاً كفر ولكن في إطار الملة : 

 

وهي أدلة كثيرة جداً منها ما هو بمثابة أدلة مستقلة على عدم خلود تارك الصلاة تكاسلاً في النار خلود الكافرين الجاحدين ، بل هو تحت المشيئة إن شاء عذبه الله بقدر ذنوبه وإن شاء غفر له وأدخله الجنـة ، ومنها ما هو أدلة عامة وفق قواعد الشرعيه وأصولها العامة التي قال بها وسار عليها علماء أهل السنّة والجماعة ، والسير على تلك القواعد يحتم حمل الكفر في تارك الصلاة على كفر دون الكفر الأكبر فمن الأدلة المستقله على أنّ ترك الصلاة تكاسلاً في إطار كفر دون كفر :

 

الدليل الأول  أ - ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ))  ، ( قلت ) : الحديث صحيح لا ريب في صحته ، قال عنه النووي رحمه الله " حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة [ المجموع شرح المهذب حـ3صـ17 ط.دار الفكر ] ، وقال عنه الشوكاني وهو يشير إلى صحته " الحديث أخرجه مالك في الموطأ وابن حبان وابن السكن قال ابن عبد البرّ وهو حديث صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه " [ نيل الأوطار حـ1/344 ط. مصطفى الحلبي ] أهـ ، وقد رجعت إلى كلام الحافظ ابن عبد البرّ في الحديث ووجدته درة ينبغي أنّ تكتب بماء الذهب وهو قليل عليها فبعد ذكره للحديث بنصه قال – لله درّه –(لم يختلف عن مالك في إسناده هذا الحديث فهو حديث صحيح ثابت وفيه أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير ... وفيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعلم ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته ، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع مـا كان به مسلماً وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلــم )[ التمهيـد لمـا في الموطـأ من المعـاني والأسانيــد حـ23 / 288 - 290 ط. مكتبــة الوادي ] ، ولله درّه وكلامه ينبغي أن يحفظ وينشر لدقته ورسوخه وقال أيضاً في درّة فاصلة من أقواله بعدما ذكر حديث عبادة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقـول (( من لقى الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة  ، وحديث عبادة رضي الله عنه سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول (( من لقى الله يشهد أن لا إله الاّ الله وأنّ محمداً رسول الله دخل الجنة )) ، وحديث عبادة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من شهد أنّ لا إله الاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الجنة حق وأنّ النار حق وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور وأنّ عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه أدخله الله الجنة على ما كان من عمل )) ، قال بعدها (( إنما ذكرنا أحاديث هذا الباب لأن المعتزلة أنكرت الحديث المروي في قوله (( ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )) وقالت : من لم يأت بهن فهو في النار مخلد ، فردت الحديث المأثور في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من نقل العدول الثقات وأنكـرت ما أشبهه من تلك الأحاديث ودفعت قول الله عز وجل  :{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ]  فضلت وأضلت فذكرنا في هذا الباب من الآثار ما يضارع هذه الآية حجة عليهم والحمد لله [ التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد حـ23/296 - 301 ] أهـ ، ( قلت ) وكلامه درة قليل عليها أن تشتري بأطنان الذهب لما فيها من التحقيق والفقه والبيان لمذهب أهل السنّة والجماعة في مسألة ترك الصلاة بعيداً عن شبهات المعتزلة ،  قال الحافظ الطحاوي  -  في كتاب مشكل الآثار -   (( باب بيان شكل ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة من المسلمين لا على الجحود لها أيكون بذلك مرتداً عن الإسلام أم لا ؟ ثم ذكر حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول : (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، فمن جاء بهن لم يضع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخل الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء أدخله الجنة وإن شاء عذبه )) ،  ثم قال عن الحديث : دلّ أنه لم يخرجه بذلك عن الإسلام فيجعله مرتداً مشركاً لأن الله تعالى لا يدخل الجنة من أشرك به لقوله تعالى { مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.. }[ المائدة : 72 ] ولا يغفر له لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }[ النساء : 48 ] . فقال قائل كيف تقبلون هذا الحديث عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأنتم تروون عنه خلافه ، ثم ذكر حديث (( بين العبد وبين الكفر أو قال وبين الشرك ترك الصلاة )) . فكان جوابنا له في ذلك : أنّ الكفر المذكور في هذا الحديث خلاف الكفر بالله عز وجل وإنما هو عند أهل اللغة أنه يغطي إيمان تارك الصلاة ويغنيه حتى يصير غالباً عليه مغطيا له ومن ذلك ما قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم   ((  سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ولم يكن ذلك الكفر بالله ولكنه على ما ركب إيمانه وغطاه من قبح فعلـه فمثـل ذلـك قولـه  (( ليس بين العبد وبين الكفر الاّ ترك الصلاة )) هو من هذا المعنى أيضاً والله أعلم حتى تصح هذه الأخبار ولا تختلف [ مشكل الآثار للإمام الحاوي حـ4/222 - 227 ط. دار صادر بيروت ] أهــ  ، وقال الحافظ السخاوي – وهو يستدل بالحديث على عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر ، فقال بعد سياقه لبعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة – ولكن كل هذا إنما يُحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجوبها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين لأنه يكون حينئذ كافراً مرتداً بإجماع المسلمين ، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه والاّ قتل ، أما من تركها بلا عذر بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه يُستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويُغسل ويُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب العمل جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضاً عنــه الحديـث   صلى الله عليه وسلم  أنـه قال (( خمس صلوات كتبهن الله –   وفيه إن شاء عذبه وإن شاء غفر لــه )) . ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورّث [ الفتاوي الحديثه حـ2/84 للحافظ السخاوي ] أهــ،  وقال الإمام القرطبي -   عن شرحه لحديث مسلم (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ))  وهو يستدل لكونه كفر دون كفر بحديث ( خمس صلوات ... ومن لم يأت بهن )  – (( والصحيح أنه ليـس بكافـر ، لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ، ولأن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قد قـال (( خمس صلوات افترضهن الله على العباد ، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ))  فهذا ينص على أن ترك الصلاة ليس بكفر ، وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] .[ المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم حـ1/271 - 272 ط.دار ابن كثير ] أهـ ،  ( قلت ) ولهذ الحديث (( حديث خمس صلوات افترضهن الله على العباد ... من أتى بهن ... ومن لم يأت بهن )) مبحث طيب في أضواء البيان للعلامة الشنقيطي. جاء فيه بعد ذكر الحديث (( رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محريز أن رجل من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام يكنى أبا محمد يقول إن الوتر واجب فقال المخدجي فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد فقال عبادة : كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خمس صلوات ... ثم ذكر الحديث ثم قال ... وفي سنن أبى داود حدثنا القعلبي عن مالك ... إلى آخر الإسناد والمتن كلفظ الموطأ الذي ذكرنا ، وفي سنن النسائي أخبرنا قتيبة عن يحيى بن سعيد ... إلى آخر الإسناد والمتن كالفظ المذكور وفي سنن ابن ماجة حدثنا محمد بن بشار ... عن المخدجي عن عبادة بن الصامت إلى آخر الحديث بمعناه قريباً من لفظه. ومعلوم أن رجال هذه الأسانيد ثقات معروفون إلاّ المخدجي المذكور ، وقد ذكره ابن حبان في الثقات وبتوثيقه تعلم صحة الحديث المذكور وله شواهد يعتضد بها ، قال أبو داود في سننه حدثنا محمد بن حرب الواسطي ... إلى قوله ... عن عبدالله الصنابحي قال زعم أبو محمد أنّ الوتر واجب فقال عبادة بن الصامت ... إلى آخر الحديث بمعناه وعبدالله الصنابحي المذكور صحابي مدنى وقيل هو عبدالرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبدالله الصنابحي وهو ثقة من كبار التابعين ... وعلى كلا التقديرين فرواية الصنابحي المذكور إما رواية صحابي أو تابعي ثقه وبها تعتضد رواية المخدجي المذكور ، ورجال سند أبي داود هذا غير عبدالله الصنابحي ثقات لا مطعن فيهم وبذلك تعلم صحة حديث عبادة بن الصامت المذكور ، وقال الزرقاني في شرح الموطأ : وفيه -  يعني حديث عبادة المذكور - "أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتحتم عذابه بل هو تحت المشيئه بنص الحديث" ، وقد أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طريق مالك وصححه ابن حبان والحاكم وابن عبدالبرّ ، وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود والنسائي والبيهقي ،    ولـه شاهـد عن محمد بن نصـر من حديـث عبد الله بـن عمـرو بن العـاص أهـ محل الغرض منه . وقال الشوكاني رحمه الله ( نيل الأوطار )  ولهذا الحديث شاهد من حديث أبى قتادة عند ابن ماجة ، ومن حديث كعب بن عجزة عن أحمد ورواه أبو داود عن الصنابحي أهـ محل الغرض منه. وقال النووي ( في شرح المهذب ) بعد أن ساق حديث عبادة بن الصامت المذكور : هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحه ، وقال ابن عبدالبرّ : هو حديث صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه فإن قيل كيف صححه ابن عبدالبرّ مع أنه قال المخدجي المذكور في سنده مجهول فالجواب من جهتين  الأولى : أنّ صحته من قبيل الشواهد التي ذكرنا فإنها تصيره صحيحاً والثانيه هي ما قدمنا من توثيق ابن حبان للمخدجي المذكور[ أضواء البيان حـ4 ص317 - 318 ] أهـ ،  قال النووي : " واحتجوا -  أي جماهير السلف والخلف ، على أنه -  أي تارك الصلاة ، لايكفر -  أي الكفر الأكبر ، لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه " [ المجموع حـ2ص17 ]  وقال ابن قدامة بعد ذكره للحديث " ولو كان كافراً (الكفر الأكبر)  لم يدخله في المشيئة"[ المغني حـ2ص158 ] أهــ  ، وقال الشوكاني " باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ، ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر ثم يذكر الحديث ... إلى أن قال : وهو يدل على عدم استحقاق كل تارك للصلاة للتخليد في النار " [ نيل الأوطار حـ1ص344 - 345 ] أهــ

 

الدليل الثاني : ما أخرجه الخمسة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إن أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإنّ أتمها وإلاّ قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك )) والحديث صحيح لا ريب في صحته ، قال الشوكاني " الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق. طريقتين متصلتين بأبي هريرة والطريقة الثالثة بتميم الداري وكلها لا مطعن فيها ... وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي وصححها ابن القطان ، وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال : هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجة بنحو حديث أبي هريرة قال العراقي وإسناده صحيح وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال إسناده صحيح على شرط مسلم "[ نيـل الأوطار حـ1ص345 ] أهــ ،  ( قلت ) الشاهد من الحديث للدلالة عل أنّ كفر تارك الصلاة هو دون الكفر الأكبر هو ما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره للحديث تحت باب وحُجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر  قال رحمه الله " والحديث يدل على أنّ ما لحق الفرائض من النقص كملته النوافل ، وأورده المصنف في حجج من قال بعدم الكفر ، لأن نقصان الفرائض أعم من أن يكون نقصاً في الذات وهو ترك بعضها ، أو في الصفه وهو عدم استيفاء أذكارها أو أركانها وجبرانها بالنوافل ، مشعر بأنها مقبولة مثاب عليها والكفـر ينافي ذلك "  أهــ وقصده من قول ( والكفر يُنافي الإيمان ) أي أن الكفر الأكبر يُنافي جبران النقص بالنوافل لأنه إذا كان ترك الصلاة كفراً أكبر مخرج من الملة فإنه لا يصح جبران الكفر الأكبر أبداً ، بل ينبغي أن يُنشئ المرء بعده إسلاما جديدا ، والحديث دلّ على جبران النقص ومنه ترك بعض الصلوات بالنوافل ، وهذا يدل على أنّ ترك الصلاة دون الكفر الأكبر المانع للجبر وتعويض النقص ،

الدليل الثالث : ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة والبزار عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال (( قام النبي  صلى الله عليه وسلم  ليلة من الليالي من صلاة العشاء فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون فلمّا رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله فلمّا رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى فجئـت خلفه فأومأ إلىّ بيمينه فقمت عن يمينه ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله فقمنا ثلاثتنا كل رجل منّا بنفسه ويتلو من القرآن ما شاء الله أن يتلوا فقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة فبعد أن أصبحنا أومأت إلى عبدالله بن مسعود أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة فقال ابن مسعود : لا أسأله عن شيء حتى يحدث إليّ فقلت بأبي أنت وأمي قمت بآية من القرآن ومعك القرآن ، لو فعل هذا بعضنا وجدنا عليه ، قال دعوت لأمتي ، قال فماذا أجبت ؟ قال : أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعةً تركوا الصلاة [ أخرجه الإمام أحمد في مسنده حـ5/170 والنسائي ك الافتتاح باب ترديد آية حـ2/138 وابن ماجة ح رقم (1350) وقال الهيثمي في المجمع " رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات " حـ2/273 ] قلت الحديث رجاله ثقات وسنده مما يُحتج به وهو نص في مسألتنا هذه ودليل واضح على أنّ ترك الصلاة كفر في إطار الملة وإلاّ لما نسبهم النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ومعلوم أنّ الكافر الكفر الأكبر لا ينتسب إلى أمة الإسلام ولا يجوز عليه رحمة الله ولا مغفرته . والحديث أورده ابن القيم في كتابه الصلاة وحكم تاركها في حجج مالك والشافعي ورواية أحمد التي اختارها أبو عبد الله بن بطة ص14 ، وهي حُجة واضحة بينة دامغة لو تدبرها المرء لكفته وأغنته ، ولكن لا مانع من ذكر غيرها ليطمئن القلب إلى سعة رحمة الله التي لو اطلع عليها الناس طلعة اطمئنوا إلى مغفرة الله وسعة رحمته ، لكل مسلم انقاد بقلبه ولسانه لله وحده حتى وإن قصّر به عمله .

 

الدليل الرابع : ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : الدواوين عند الله ثلاث ديواناً لا يعبأ الله به شيئاً وديوان لايترك الله منه شيئاً وديوان لا يغفره الله ، فأمّا الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك ، قال الله عز وجل إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة وأمّا الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء وأمّا الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالـة [ مسند الإمام أحمد حـ6/240 ، مستدرك الحاكم حـ4/575 ، وقال الحاكم صحيح الإسناد ] أهـ ، ( قلت ) والحديث يدل دلالة واضحة على عدم كفر تارك الصلاة لأنه إذا ترك صلاة وكان في إطار رحمة الله الواسعه دلّ ذلك على أن ترك الصلاة ليس كفراً لأنه لا عبرة في الشرع بالأعداد بمعنى أنه إذا ترك صلاة كان كمن ترك صلاتين في عدم الكفر بهذا يكون مناط الكفر شيئاً آخر لا محالـة ، وهو كما قال جمهور الأئمة الجحود ( جحود القلب واللسان ) عن فرضية الصلاة وقد أورد ابن القيم هذا الحديث في كتابه الصلاة وحكم تاركها في حجـج الأئمة مالك والشافعي وأحمد    [ رواية ابن بطه عنه ـ وهي صحيحة ] وغيرهم من الأئمة الفحول ،

 

الدليل الخامس : أحاديث الشفاعة بمجموعها وقد أوردناها في الباب الأول بما يُغني إعادتها هنا وقد علمنا من مجموعها أنّ هناك شفاعات متفاوتة شفاعة المؤمنين تطول المصلين وكذا شفاعة الملائكه ثم شفاعات الأنبياء ثم شفاعات ثلاثة للنبي   صلى الله عليه وسلم تنال الثالثة منها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ، ثم شفاعة الرحمن لمن قال لا إله إلاّ الله مجردة عن الأعمال والشاهد لها قوله صلى الله عليه وسلم (( فأقول يارب ائذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ البخاري :ح7510 ] . وقوله  صلى الله عليه وسلم (( فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلاّ أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً ... ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم ... )) الحديث [ مسلم :ح203 ] .

( قلت ) هذه الأحاديث من أعظم الأدلة على عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر لأنه صار معلوم يقيناً أن هناك أُناس غير المصلين يخرجون من النار بالشفاعة ولو كان المصلون يخرجون بشفاعة المؤمنين والملائكه فإن شفاعة النبي الثالثة ستنال من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ولعله على أحسن أحواله كان يصلي ويدع لأنه لو كان من المصلين لأخرجته شفاعة الملائكة والمؤمنين فإذا جاءت شفاعة الرحمن أخرجت من جاء بالتوحيد المجرد عن أعمال الجوارح فدل ذلك على أنّ هناك تاركون للصلاة بل ولجنس أعمال الجوارح بإطلاق تنالهم رحمة الله التي تنال كل موحّد وحكمة الله التي لا تساوي بين الجاحدين المكذبين والمقرين المعتقدين لشهادة التوحيد ولو كانت مجردة عن الأعمال فلا إله إلاّ الله تنفعه يوماً ما ولا شك ،

 

الدليل السادس : أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قـال رســول الله صلى الله عليه وسلم  (( إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا ، فوالذي نفسي بيده ما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار ، قال : يقولون : ربنا! إخواننا كان يصلون معنا ، ويصومون معنا ، ويحجون معنا ويجاهدون معنا فأدخلتهم النار . قال : فيقول اذهبوا ، فأخرجوا من عرفتم منهم . فيأتونهم ، فيعرفونهم بصورهم ، لا تأكل النار صورهم ... فيخرجون منها بشراً كثيراً ، فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا . قال : ثم يعودون فيتكلمون ، فيقول : أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا. ثم يقول : ارجعوا فمن كان في قلبه وزن نصف دينار ، فأخرجوه ، فيخرجون خلقاً كثيراً ، ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا حتى يقول : أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة ، فيخرجون خلقاً كثيراً . قال : فيقولون : ربنا قد أخرجنا من أمرتنا ، فلم يبق في النار أحد فيه خير ، قال ثم يقول الله : شفعت الملائكه ، وشفعت الأنبياء ، وشفع المؤمنون ، وبقي أرحم الراحمين. قال : فيقبض قبضة من النار ـ أو قال قبضتين ـ ناساً لم يعملوا لله خيراً قط ، قد احترقوا حتى صاروا حُمماً . قال : فيؤتى بهم إلى ماء يقال له : الحياة ، فيصب عليهم ... ـ إلى أن قال صلى الله عليه وسلم ـ : - فيقال لهم : ادخلوا الجنة ... )) [ مسند الإمام أحمد حـ3/94 ، سنن النسائي ( ح 998 ) ، سنن ابن ماجه ( ح 60 ) وصححه الألباني وقال اسناده صحيح على شرط الشيخين ( رسالته حكم تارك الصلاة ص32 ) ] الحديث. قال الألباني ـ بعد تصحيح الحديث ـ  " فالحديث دليل قاطع على أنّ تارك الصلاة إذا مات مسلماً يشهد أنّ لا إله الاّ الله أنه لا يخلد في النار مع المشركين ففيه دليل قوي جداً أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله {  إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] [ حكم تارك الصلاة للألباني ص35 ] .

 

الدليل السابع : (( حديث البطاقة )) :أخرج الترمذي وغيره من أهل السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( أن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً ، كل سجل مثل مد البصر ، ثم يقول من هذا شيئاً ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول لا يارب ، فيقول أفلك عذر فيقول لا يارب ، فيقول بلى إنّ لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم اليوم فتخرج بطاقه فيها أشهد أن لا إله الاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، فيقول أحضر وزنك ، فيقول يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال إنك لا تظلم ، قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقـة في كفـة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء )) [ أخرجه الترمذي ح(2639) وابن ماجه (4300) ،والإمام أحمد حـ2/213 وصححه الألباني ح(135) ] ، قال ابن القيم وهو يورده على لسان القائلين بكفر تارك الصلاة في إطار الملة وليس خارجهـا :   " لم يذكر في البطاقة غير الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم تخرج صحائف حسناته فتوزن بسيئاته ، ويكفينا في هذا قوله ( فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط ) ولو كان كافراً لكان مخلداً في النار غير خارج منها ، فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يُرجى لسائر أهل الكبائر ، قالوا ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد جحد ما جاء به الرسول ، وهذا يقر بالوحدانية شاهداً أنّ محمداً رسول الله مؤمناً بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره ؟ والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد [ الصلاة وحكم تاركها ص15 ط.دار الحديث ] أهــ

 

الدليل الثامن : أخرج الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح على شرط البخاري وصححه الألباني في الصحيحة  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (( إنّ للإسلام صدى ومناراً كمنار الطريق منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم وأن تسلم على قومك إذا مررت بهم ، فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهــماً من الإسلام ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره )) [ أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان ص3 وأخرجه الحاكم في المستدرك حـ1/27 وقـال حديث صحيح على شرط البخاري وصححه الألباني في الصحيحة ( 333 ) ] ، ( قلت ) والدليل الشاهد من الحديث لعدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر هو قوله  صلى الله عليه وسلم : (( وأقام الصلاة ... إلى أن قال فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام )) ،

 

الدليل التاسع : أخرج الحافظ الطحاوي في مشكل الآثار عن شقيق ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قـال : " أُمر بعبد من عباد الله أن يُضرب في قبره مائة جلدة ، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلـدة واحدة فجلد جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه ناراً فلما ارتفع عنه أفاق قال على ما جلدتموني قالوا إنك صليت صـلاة واحدة بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره  ثم عقّب عليه بقوله  فكان في هذا الحديث ما قد دلّ على أن تارك تلك الصلاة لم يكن بذلك كافراً لأنه لو كان كافراً لكـان دعـاؤه باطـلاً ولقـوله تعالى : { وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } [ الرعد : 14 ]  " [ مشكل الآثار حـ4/231 ط. دار صادر ] أهـ ، ثم أكد ما استفاده من الحديث السابق بقوله بعدما ذكر حديث من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ومالـه ( فكان معنى قوله صلى الله عليه وسلم فكأنما وتر أهله وماله بمعنى فكأنما نقص أهله وماله من قوله تعالى { وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } [ محمد : 35 ]  أي ينقصكم أعمالكم ، وفي ذلك ما قد دلّ على أنه لم يكن بذلك كافراً وإن كان ما قد نقصه من ذهاب إيمانه أكثر مما نقصه من ذهاب أهله وماله وكان القصد إلى ذكر ذلك لا إلى ذكر أهله وماله وبالله التوفيق  [ مشكل الآثار حـ4/232 - 233 ط.دار صادر ] أهــ

 

الدليل العاشر : أمّا الأدلة التي هي بمثابة قواعد عامة وأصول ضابطة لمنهج أهل السنّة والجماعة والتي ترجح قول الجمهور فهي كثيرة جداً تندرج تحت عدة قواعد عامة اعتقدها أهل السنّة والجماعة منها : ( قاعدة ) : - من مات على الشهادتين استوجب بها الجنة وإن دخل النار فإنه لا يخلد فيها خلود الكافرين بل مآله إلى الجنة لحرمة الشهادة وفضلها ، و ( قاعدة ) : - من أتى بالإقرار والاعتقاد فقد أتى بركني الإيمان ومطلقه الذي ينجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين ، و ( قاعدة ) : - كل ما هو دون الكفر الأكبر بالله ـ وهو كفر القلب ـ وكل ما دون الشرك الأكبر بالله ـ اتخاذ شريك مع الله ـ فهو تحت المشيئة وصاحبه إمّا أن يغفر الله له ابتداءً وإما يعذبه بذنوبه ولكنه لا يخلد في النار خلود الكافرين ، و ( قاعدة ) : - الكفر الأكبر هو كفر الاعتقاد ، وما كان من الأعمال المجردة وجعلها الشارع كفراً فهي دون الكفر الأكبر المخرج بالكلية من الملة ، وهذا الكفر العملي المجرد الخالي عن الاعتقاد لا يخلد صاحبه في النار ، ( قلت ) وهذه القواعد ـ وغيرها من قواعد أهل السنّة والجماعة الرصينة في مسائل الإيمان والكفر ـ قد أفردت لهـا الفصل الثالث من هذا الباب ، وهو التالي لهذا الفصل ومع مراجعتها نعلم يقيناً صحة قول جمهور الأئمة الفقهاء وأنه القول الراجح الذي به تتفق الأدلة جميعها دون استثناء ، وأن تارك الصلاة تكاسلاً هو من الكفـر في إطـار الملـة ،

***

 

[  الأدلة من أقوال العلماء على أن تارك الصلاة تكاسلاً هو من الكفـر في إطـار الملـة ]

 

أولاً : هو قول المدارس الفقهيه المتخصصه بعلمائها الأجلاء :تارك الصلاة كفر في إطار الملة هو قول المدارس الفقهية المعتمدة الحنفية والمالكية والشافعية والقول الصحيح المعتمد المختار عند فقهاء الحنابلة وهو القول الراجح عند أكثر مدارس أهل الحديث كما ذكر الشوكاني والصنعاني رحمهما الله تعالى . ويكمن أهمية هذا الدليل ، أن هؤلاء هم أهل التخصص في الفقه ، فكل مدرسة من هذه المدارس إضافة إلى مكانة مؤسسيها العلمية العالية والتي لم يتبوأها أحد في الأمة في زمانهم أو بعدهم ، إضافه إلى ذلك أنها مدارس تخصصية تحتوى كل مدرسة على مئات من العلماء الفقهاء بالكتاب والسنّة المجتهدين على الإطلاق أو في إطار المذهب أو في إطار أصوله ، إضافة إلى أنها المدارس التي انضبطت أقوال مؤسسيها ، فعرفت أقوالهم القديمة والجديدة والمعتمدة ، ومرت على عقول مئات العلماء المنتسبين لهذه المذاهب ، فحمل مطلقها على مقيدها ، وعامها على خاصها ، وهكذا انضبطت الأقوال داخلها ، بخلاف ما يُنقل عن الأئمة الباقين ، فالنقل عنهم عزيز ، والتمحيص لأقوالهم يكاد يكون مفقودا ، فلا نعلم متى قال بذلك وهل رجع عنه أم لا ، وهل قاله على وجه العموم أو لحالة مخصوصة وهل قوله مطلق أم مقيد وهكذا ، وهذا أهم ما ننبه عليه إخواننا لاسيما في زماننا هذا الذي عزف فيه كثير من طلبة العلم عن معرفة آراء هؤلاء الفقهاء وإعطائها حقها من الأهمية في المسائل الفقهية . فطلب الفقه من الكتاب والسنّة بفهم هؤلاء هو من باب طلب الشيء من المتخصصين فيه ، وهذا من الفقه في دين الله عز وجل بمكانة ، وفي ذلك إشارة إلى منهج أسأل الله عز وجل أن ييسر لي بيانه في رسالة مستقلة ، وإن في ذلك لذكرى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ،

ثانياً : هو قول الأئمة الذين نقلنا أقوالهم في الباب الأول : جميع نقول العلماء والتي حشدتها على إخراج جنس عمل الجوارح عن أصل الإيمان إلى الإيمان الواجب ، وهذه النقول من باب الأولى تدل يقيناً على أنّ كفر تارك الصلاة تكاسلاً هو كفر في إطار الملة وليس كفراً أكبر كما يظن البعض. وقد نقلت في الباب الأول نقولاً عن خمسة وعشرين عالماً كلامهم يدل على إخراج جنس عمل الجوارح عن أصل الإيمان ومن باب الأولى يقيناً اعتبار ترك الصلاة تكاسلاً  ـ لكونه في حالة التكاسل من أعمال الجوارح المجردة ـ كفرا في إطار الملة فراجعها في الباب الأول وفيها بحمد الله الفقه الواضح والعلم الراسخ.وكل ما سبق من الأدلة وأقوال الأئمة يدلنا على أنّ هذا هو القول الصحيح الراجح الذي يتعين المصير إليه ، وأنّ ما جاء من الأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة إنما تُحمل على كفر دون الكفر الأكبر جمعاً بين النصوص ومراعاة لقواعد الشريعه العامة. وهذا ما دعا النووي رحمه الله إلى أن يقول : " ولم يزل المسلمون يورثون عنه ، ولو كان كافراً ـ أي الكفر الأكبر ـ لم يغفر له ولم يرث ولم يورث . وأمّا الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها "[ المجموع شرح المهذب حـ3 ص17 ] أهـ ، ودعا ابن قدامة رحمه الله إلى أن يقول : (( ذلك إجماع المسلمين فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ، ولا منع ورثته ميراثه ولا منع هو ميراث مورثه ، ولا فرق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ، ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها ، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ، ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة وصيام. وأمّا الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ والتشبيه له بالكفار لا على الحقيقه كقوله عليه السلام (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ، وقوله (( كفر بالله تبرؤ من نسب وإن وجد )) وقوله (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) ، وقوله (( من أتى حائضاً أو أمرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد )) ، وقال (( ومن قال مطرنا بنوء  الكواكب فهو كافر بالله مؤمن بالكواكب )) ، وقوله (( من حلف بغير الله فقد أشرك )) ، وقوله (( شارب الخمر كعابد وثن ))  وأشباه هذا مما أُريد به التشدد في الوعيد وهو أصـوب القولـين والله أعلـم.[ المغنـــي حـ2/158 ] أهـ ، ( قلت ) وقد تقدم ذكر قول الشنقيطي رحمه الله في بداية ذكر المسألة وفيه ( وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ولأن إعمال الدليلين أولى من  إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث ...0 إلى أن نقل قول النووي وفيه وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها )[ انظر أضواء البيان حـ4/322 ] أهــويقول النووي  " وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور " [ المجموع حـ3/14 ] ، وقد علل رحمه الله لذلك بعلّة حرّي بنا أن نفهمها وأن نعض عليها بالنواجذ وهي قوله قبل أن يقطع بصحة عدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً الكفر الأكبر - " ولا يكفر بترك الصلاة لأن الكفر بالاعتقاد واعتقاده صحيح فلم يحكم بكفـره " [ المجموع حـ3/13 ] ، ويقول الشوكاني " ذهبت الكثرة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر "[ نيل الأوطار حـ1/291 ] أهــ وقوله (  لا يكفر )  أي الكفر الأكبر المخرج من الملة وإن كان كفراً في إطار الملة ، ورجحه أيضاً العلامة القرطبي بقوله " والصحيح أنه ليس بكافر لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قـد قــال (( خمس صلوات افترضهن الله على عباده فمن جاء بهن لم يضّيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء يغفر له وإن شاء عذبه ))  فهذا ينص على أنّ ترك الصلاة ليس بكفر وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفـر ما دون ذلـك لمن يشـاء  { النساء : 48 }[ المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم حـ1/271 ط. دار ابن كثير ] أهــ ن ورجحه أيضاً الحافظ السخاوي في فتاواه فكان من قوله " أما من تركها بلا عذر ، بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه يستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويغّسـل ويصلـى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائـر أحكـام المسلميـن عليه  أهـل الفتاوي الحديثه حـ2/84 "  ، ورجحه أيضاً ابن عبدالبرّ بقوله  –بعدما ذكر حديث (خمس صلوات .. من أتى بهن .. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ) – وهو حديث صحيح سيأتي بيانه ، (( وفيه دليل على أنّ من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمداً صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ، ألا ترى أنّ المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته ، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع ما كان مسلماً به وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلم  أهــ [ التمهيد حـ23/288 - 290 ] ، ورجحه أيضاً ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد حيث قال : ( تارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب الاّ أن يتركها معتقداً لتركها ، فنحن إذاً بين أحد أمرين : ( الأمر الأول ) إما أن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي يجب علينا أن نتأول أنه أراد  صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة معتقداً لتركها فقد كفر ، ( والأمر الثاني ) :  أن يحمل على اسم الكفر على غير موضعه الأول وذلك على أحد معنيين :إما على أن حكمه حكم الكافر أعني في القتل  ، وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ والردع له ...0 وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع حكامه مع أنه مؤمن فشيء مفارق للأصـول ...0 ولـذلك صار هذا القول مضاهياً لقول من يكفّر بالذنوب  [ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ]  ،  ( قلت ) : وهو القول الراجح من أقوال الإمام أحمد اختاره أبي عبدالله بن بطة وأنكر قول من قال : أنه يكفر وذكر أن المذهب – أي الحنبلي – على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه ، وهذا الذي رجحه كذلك ابن قدامة الحنبلي وهو ما رجحه أيضاً في إطار المذهب الحنبلي الشيخ علاء الدين المرداوي في كتاب " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل " ، وقد ذكرت بحمد الله تعالى بعضاً من دلائل الترجيح التي تُساعد على معرفة القول الراجح في المسألة ، والله المستعان ، ( تنبيـه ) : ليس المقصود من ذكر هذه الأدلة السابقة تسهيل ترك الصلاة على العامة ، حاش لله ، بل تركها هو الطريق العريض نحو الكفر الأكبر ونحو الهلاك والعياذ بالله ، ولكن المقصد من عرض الأدلة بيان دين الله عز وجل القيّم الذي لا يُسوي بين قائل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله والمقر بها والمصدق لها تصديقاً جازماً يلازمه الإذعان لحقوقها وبين الجاحد لها فإذا قلنا أن تركها تكاسلاً مع الإقرار بها كفر أكبر فقد ساوينا بين المقر والجاحد وبين قائل لا إله إلاّ الله وعابد الوثن لكونهما مخلدين في النار. وكذلك فإن هذا هو الفقه الذي من يرد الله تعالى به خيراً يرزقه إياه وكذلك فإنه الضابط العاصم من تكفير الموحدين الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وقد تواترت الأحاديث على أنّ من قال لا إله إلاّ الله دخل الجنة وإن لبث في النار أحقاباً

***

 

تارك الصلاة إن أصر على ترك الصلاة يُقتل على كل حال : في حالة الإقرار والاعتقاد يُقتل حداً ، وفي حالة الجحود يُقتل ردة

 

علمنا أنّ تارك الصلاة إمّا أن يكون جاحداً مرتداً وكفره كفر أكبر مخرج من الملة ، وإمّا أن يكون متكاسلاً مقصراً لا يظهر عليه أثر الاستكبار عن فعلها وهذا كفره في إطار الملة ، والأئمة العلماء المحققون على أنه يُقتل في الحالتين ، في الحالة الأولى ـ حالة الجحد ـ يُقتل ردة ويُعامل معاملة المرتد من عدم غسله وتكفينه وترك الصلاة عليه وغيرها من أحكام الردّة ، وفي الحالة الثانية ـ حالة الكسل المحض ـ يُقتل حداً ويعامل معاملة المسلم من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وغير ذلك من أحكام المسلمين. والخلاف في هذه المسألة ـ مسألة قتل تارك الصلاة ـ أضعف من الخلاف في المسألة السابقه وذلك لأن كل من قال بكفر تارك الصلاة الكفر الأكبر قال بقتله ، والجماهير من قالوا بعدم كفره الكفر الأكبر قالوا بأنه يُقتل حداً ولم يخالفهم إلا الإمام أبوحنيفه والإمام الثوري وجماعة من علماء الكوفة والمزني من أصحاب الشافعي فقالوا لا يُقتل بل يعزر ويحبس حتى يُصلي، ومن الأدلة على وجوب قتل تارك الصلاة على كل حال :

[  الدليل الأول ] : قوله تعالى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ التـوبة  : 5 ] ، قال ابن قدامة " فأباح قتلهم وشرط في تخلية سبيلهم التوبة وهي الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فمن ترك الصلاة متعمداً لم يأت بشرط تخليته فبقي على وجوب القتل " [ المغنـــي حـ2/156 ] أهــ ،

[  الدليل الثاني ] : قوله صلى الله عليه وسلم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل )) [ متفق عليه ] . قال الشوكاني "  الحديث يدل على أنّ من أخلّ بواحدة منها فهو حلال الدم والمال إذا لم يتب " [ نيل الأوطار حـ1/288 ] أهــ  ،

[  الدليل الثالث ] : ما أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال : لمّا توفى رسول الله  صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فقال عمر يا أبابكر كيف نقاتل العرب ؟ فقال أبوبكر إنما قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة )) . قال الشوكاني " الحديث أخرجه أيضاً البيهقي في السنن … ثم قال : والحديث يدل على ما دلّ عليه الذي  قبله من أنّ المخل بواحدة من هذه الخصال حلال الدم مباح المال " [ نيل الأوطار حـ1/288 - 289 ] أهــ ،

[  الدليل الرابع ] : ما أخرجه البخاري ومسلم ( عن أبي سعيد الخدري قال بعث عليٌّ عليه السلام وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة فقال رجل يا رسول الله اتق الله ، فقال ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ فقال لا لعله أن يكون يصلي ، فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ) .قال الشوكاني  قوله صلى الله عليه وسلم ( لعله أن يكون يصلي ) فيه أنّ الصلاة موجبة لحقن الدم ولكن مع بقية الأمور المذكورة في الأحاديث الآخرة [ نيل الأوطار حـ1/289 ] أهــ ،

[  الدليل الخامس ] : ما أخرجه مالك في الموطأ والشافعي في مسنده وأحمد في مسنده " عن عبيدالله بن عدي بن الخيار أن رجلاً من الأنصار حدثه : (( أنه أتى رسول الله   صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس يساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أليس يشهد أن لا إله إلاّ الله ؟ قال الأنصاري بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال أليس يشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال بلى ولا شهادة له ، قال أليس يُصلي ؟ قال بلى ولا صلاة له ، قال أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم )) ، (  قلت )  الحديث أورده صاحب الأخبار في باب قتل تارك الصلاة وقال شارحـه الشوكاني " فيه دلالة على أن الواجب المعاملة للناس بما يُعرف من ظواهر أحواهم من دون تفتيش وتنقيش فإن ذلك مما لم يتعبدنا الله به ولذلك قال إني لم أومر أن انقب عـن قلـوب النـاس" [ نيل الأوطار حـ1/291 ] أهــ ومنطوق الحديث النهي عن قتل المصلين ومفهومه أنّ المانع من قتله هو الصلاة ومفهوم المخالفة أنه لو كان تاركاً للصلاة لجاز قتله وإلاّ فما فائدة معنى قوله   صلى الله عليه وسلم (( أليس يصلى … أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم )) .وبعد : فالأدلة على قتل تارك الصلاة كثيرة قال جماهير السلف والأئمـة حتى قال الشوكـاني    (( ذهبت العترة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل يفسق فإن تاب وإلاّ قتلناه حداً كالزاني المحصن ولكنه يُقتل بالسيف )) أهــ [ نيل الأوطار حـ1/291 ] ، وقال وهو يؤيد هذا القول ـ في حكم تارك الصلاة تكاسلاً ـ ويُبين أنه القول الحق بشقيه ، الشق الأول أنه كفر دون كفر ، والشق الثاني أنه يُقتل ، والحق أنه كافر يقتل أما كفره فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمي تارك الصلاة بذلك الاسم وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة فتركها مقتض لجواز الإطلاق ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفراً فلا ملجأ إلى التأويلات التي وقع النـاس في مضيقها وأما أنه يقتل فلأن حديث (( أمرت أن أقاتل الناس )) يقضي بوجوب القتـل لاستلازام المقاتلة له وكذلك سائر الأدلة المذكورة في الباب الأول ولا أوضح من دلالتها على المطلوب وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال   { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ..} [ التوبة : 5 ]   فلا يخلى من لم يقم الصلاة . وفي صحيح مسلم (( سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ عنقه ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقالوا ألا نقاتلهم قال لا ماصلوا )) فجعل الصلاة هي المانعة من مقاتلة أمراء الجور وكذلك قوله لخالد في الحديث السابق [ لعله يصلي ] فجعل المانع من القتل نفس الصلاة . وحديث { لا يحل دم امرئ مسلم } لا يعارض مفهومه المنطوقات الصحيحة الصريحه [ نيل الأوطار حـ1/292 ] أهــ  ،  (قلت)  : وقوله ( لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة ) هو بعينه الكفر في إطار الملة ـ كفر دون كفر ـ كما عرّفه العلماء وبه يزول إشكال حكم تارك الصلاة . وقال النووي : " ومن وجبت عليه الصلاة وامتنع من فعلها فإن كان جاحداً لوجوبها فهو كافر ويجب قتله بالردة لأنه كذب الله تعالى في خبره وإن تركها وهو معتقد لوجوبها وجب عليه القتل وقال المزني يضرب ولا يقتل والدليل على أنه يقتل قوله  صلى الله عليه وسلم (( نهيت عن قتل المصلين )) ولأنه إحدى دعائم الإسلام لا تدخله النيابة بنفس ولا مال فقتل بتركها كالشهادتين " أهــ [ المجموع شرح المهذب حـ3/1 ] ،

***

 

[ تحقيق مذهب الإمام أحمد بن حنبل في مسألة ترك الصلاة تكاسلاً ]

 

المعلوم لكل أهل العلم أنّ للإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة تكاسلاً وهو مقر بها معتقد لوجوبها قولان :الأول : أنه كفر أكبر مخرج من الملة ، والثاني : أنه كفر دون كفر وفي إطار الملة ، وبعض الحنابلة المعاصرين يذكر عنه الرواية الأولى ويغض الطرف عن الرواية الثانية حتى إنك لتشعر من كلامهم أنه ليست له إلاّ هذه الرواية ، وهذا خطأ كبير في حق الإمام أحمد إذ أننى مع تتبعى لفتاواه علمت يقيناً أنّ الرواية الثانية الموافقة لدلالات النصوص وأقوال جمهور أهل الفقه والأئمة الثلاثة أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة هي الرواية الصحيحة في المذهب وهي الرواية المعتمدة في المذهب الحنبلي وعليها أكثر أصحابه المتقدمين وغالب الأئمة المحققين داخل المذهب. وإليك أخي الكريم الأدلة على ما ذهبت إليه : 

 

أولاً : عرض الخلاف داخل المذهب وقوة الروايتين فيه :  (1) قال ابن قدامة : " واختلفت الرواية ـ أي عن الإمام أحمد ـ هل يُقتل لكفره أو حداً فروى أنه يُقتل لكفره كالمرتد فلا يغسل ولا يكفن ولا يدفن بين المسلمين ولا يرثه أحد ولا يرث أحداً إختارها أبو إسحق بن شاقلا وابن حامد ،  والرواية الثانية يُقتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن ، وهذا اختيار أبى عبدالله بن بطة وأنكر قول من قال : أنه يكفر وذكر أنّ المذهب ـ أي الحنبلي ـ على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه .. وهو أصوب القولين والله أعلم " [ المغني حـ2/157 - 158 ] أهــ ، ( قلت ) ابن قدامة هو المقدم في المذهب الحنبلي وقد أعطاه الحنابلة حق الترجيح داخل الروايات ، وهو يذكر الروايتين وينقل عن ابن بطة أنّ كفر تارك الصلاة في إطار الملة وصاحبه يُقتل حداً ويعامل معاملة المسلم وأن هذا هو المذهب لا يجد في المذهب الحنبلي خلافاً فيه وهو بالتالي يلغي الرواية الأولى تماماً ، وأمّا ابن قدامة فهو يعتبر وجود الروايتين ويرجح الثانية التي أعتبرها ابن بطة الرواية الصحيحة الوحيدة في المذهب ،  (2) وهذا الذي رجحه ابن قدامة هو نفسه ما قاله الشيخ علاء الديـن المـرداوي في كتابـه ( الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجّل أحمد بن حنبـل ) قال المرداوي " ولو ترك صلوات كثيرة قبل الدُعاء [ الداعي له هو الإمام أو نائب الإمام يدعوه إلى الصلاة ويستتيبه من أجل أدائها ] لم يجب قتله ولا يكفر على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم " [ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد حـ1/402 ] أهــ ، ( قلت ) فالشيخ علاء الدين المرداوي يذكر أنّ عدم كفره الكفر الأكبر هو الصحيح من المذهب الحنبلي وأنّ عليه جماهير أصحاب الإمام أحمد وهو الذي  قطع به كثير منهم ، والقطع معناه أنه لا يوجد في المذهب رواية صحيحة معتمدة للفتوى غيرها  ،

 

ثانياً : أقوال الإمام أحمد الدالة على أنه يرى عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر المخرج من الملة :  ( 1 ) روى الخلاّل في كتابه السنّة :أخبرنـا محمد بن على قال حدثنا صالح قال سألت أبي [ أي الإمام أحمد ] مـا زيادته ونقصانه [ أي الإيمان ] قال { أي الإمام أحمد } زيادته العمل ونقصانه ترك العمل مثل ترك الصلاة والزكاة والحج وأداء الفرائض فهذا يزيد وينقص بالعمل  [ السنّة للخلاّل حـ3/588 ] أهــ  ،  (2) وجاء في طبقات الحنابلة : قال الإمام أحمد في وصيته لتلميذه الحافظ مُسدَّد بن مُسرهد  " ولا يخرج الرجل من الإسلام شيء إلاّ الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحداً بهـا فـإن تركهـا كسـلاً أو تهاونـاً كـان في مشيئـة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه "  [ طبقات الحنابلة حـ1/343 ] أهــ، ( قلت) تدبر هذه الرواية التي تساوى في قدرها أطنان من الذهب الخالص يكفي في معرفة رأي الإمام أحمد في المسألة ولا أزيد على كلامه شيئاً فهو واضح وضوحاً دونه الشمس في رابعة النهار ،  (3) الإمام أحمد يرى وجوب القضاء على تارك الصلاة تكاسلاً ولو كان كافراً مرتداً لم يكن عليه قضاء وهذه المسألة فريدة ولعل من أوائل من تنبه لها ابن قدامة المقدسي حيث قال " ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أنّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام " [ المغني لابن قدامة حـ2/158 ] أهــ ، وجـاء في فتاوى إبن تيمية ـ وقد سئـل عن تارك الصلاة تكاسلاً هل يجب عليه القضاء ـ قال رحمه الله " وأمّا من كان عالماً بوجوبها وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها فهذا يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة " [ مجموع الفتاوى حـ22/103 ] أهـ (قلت) : فالأئمة الأربعة متفقون على وجوب القضاء لتارك الصلاة تكاسلاً وهو مقر بها معتقد لها وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أنّ الأئمة الأربعة عند التحقيق يرون كفر تارك الصلاة في إطار الملة وليس خارجها حتى ينقض أصل إيمانه بجحود ما أدخله فيه ، (4) وقاصمة الظهر للمتعجلين في تكفير أهل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ـ كفر الردّة الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين ـ بمجرد ترك الأعمال وإلصاق ذلك بمذهب الإمام أحمد بن حنبل هي هذه المسألة من مسائل عبدالله بن أحمد لأبيه الإمام أحمـد وجواب الإمام أحمد عليها ، ثم تعليق الألباني على هذه المسألة ، [ أولاً ] : ما جاء في مسائل عبدالله بن الإمام أحمد قال عبدالله بن الإمام أحمد " سألت أبى عن رجل فرّط في صلوات شهرين ؟ فقال : يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات ، فلا يزال يُصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرّط فيها ، فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها ولا يضيّع مرتين ، ثم يعود فيصلي أيضاً حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها إلاّ إن كان كَثُرَ عليه ويكون ممن يطلب المعاش ولا يقوى أن يأتي بها ، فإنه يصلى حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يُقيمه من معاشه ثم يعود إلى الصلاة ، ولا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها فهو يُعيدها أيضاً إذا ذكرها وهو في صلاة " [ مسائل عبدالله بن الإمام أحمد بن حنبل ص56/195 نقلاً عن تارك الصلاة للألباني ] أهــ ، [ ثانياً ] : تعليق الألباني على هذه المسألة وهو تعليق قد امتلأ فقها قال ـ رحمه الله ـ فانظر أيها القارئ الكريم هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلاّ ما يدل على ماسبق تحقيقه أنّ المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك الصلاة ، بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش ، وهذا عندي يدل على شيئين : ( أحدهمـا ) : وهو ما سبق وهو أنه يبقى على إسلامه ولو لم تبرأ منه ذمته بقضاء كل ما غلب عليه من الفوائت ، ( والآخر ) : أن حكم القضاء دون حكم الأداء ، لأنني لا أعتقد أنّ الإمام أحمد ، بل ولا من هو دونه في العلم يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش. والله سبحانه وتعالى أعلم ، واعلم أخي المسلم أنّ هذه الرواية عن الإمام أحمد وما في معناها هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولاً ، ولخصوص الإمام أحمد ثانياً لقوله رحمه الله ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) وبخاصةً أنّ الأقوال الآخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جداً ، كما تراها في ( الإنصاف )[ 1/327 - 328 ] وغيره من الكتب المعتمدة. ومع اضطرابها فليس في شيء منها التصريح بأنّ المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة. وإذ الأمر كذلك فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيّدة والمبيّنة لمراده رحمه الله ، وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبدالله ولوّ فرضنا أنّ هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك وجب تركها والتمسـك بالروايـات الأخرى لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرّة ، وبهذا صرّح كثير من علماء الحنابلة المحققين كابن قدامة المقدسي ... ونص كلام ابن قدامة :    " وإن ترك شيئاً من العبادات الخمسه تهاوناً لم يكفر "  وكذا في كتابه ( المقن )ونحوه في ( المغني )[ 2/298 - 302 ] في بحث طويل له ذكر الخلاف فيه وأدلة كلٍ ثم انتهى إلى هذا الذي في ( المقنع ) وهو الحق الذي لا ريب فيه ، وعليه مؤلفا الشرح الكبير والإنصاف " أهــ  [ حكم تارك الصلاة للألبانى ص57 - 59 ط.دار الجلالين ] ،

( فائدة ) قد علمنا الراجح الصحيح من مذهب الإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة ، ولكن ما السبب في وجود الروايتين في المذهب ؟ ولعل سبب هذا هو ما أورده تاج الدين السبكى في كتابه طبقات الشافعية عن مناظرة حدثت بين الإمام الشافعي والإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة :قال السبكي " حُكى أنّ أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة ، فقال له الشافعي يا أحمد أتقول إنه يكفر ؟  قال : نعم قال : إن كان كافراً فبم يُسلم ؟  قال : يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله قال : فالرجل مستديم لهذا الرأي لم يتركه قال : يُسلم بأن يُصلي قال : صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع الإمام أحمد وسكت "[ طبقات الشافعية الكبرى حـ1/220 ] أهــ  ، ( قلت)  هذه الحكاية عن مناظرة الإمام الشافعي والإمام أحمد في حكم تارك الصلاة تكاسلاً ، لا يبعد عندي صحتها ، وذلك لأنه معلوم يقيناً لأهل العلم أنّ الإمام أحمد هو تلميذ الإمام الشافعي ، ولولا الشافعي لما عرف أحمد الفقه ، وهو يعترف بهذا الفضل للشافعي. فقد نقل ابن عبدالبرّ في كتابه الانتقاء عن : (1) عبدالله بن الإمام أحمد قال : " قلت لأبي أي رجل كان الشافعي فإني أسمعك تكثر الدعاء له فقال يابني : كان الشافعي رحمه الله كالشمس للدُنيا وكالعافية للناس فانظر هل لهذين من خلف أو عوض"  ،   (2) صالح بن الإمام أحمد قال : " لقيني يحيى بن معين فقال أما يستحي أبوك مما يفعــل ؟ فقلت : وما يفعل ؟ قال : رأيته مع الشافعي ، والشافعي راكب وهو راجل آخذ بزمام دابتــه ، فقلـت لأبي ذلـك ، فقــال : إن لقيتــه فقـل : يقـول لـك أبي : إذا أردت أن تتفقه فتعال فخذ بركابه من الجانب الآخر " أهــ [ الانتقاء لابن عبدالبرّ ص73 ] ،  فلعل هذه المناظرة جعلت الإمـام أحمد يرجح القول الصواب في المسألة وهو كفر تارك الصلاة ولكن كفر في إطار الملة ، فكان ما نقل عنه إنما هو نقل للمذهب القديم قبل اكتمال أداة الفقه وجمع الأدلة واكتمال الرأي في المسألة ، ولهذا نقلنا عن أئمة المذهب الحنبلي أن هذا هو القول الصحيح وهو الذي قال به عامة أصحاب الإمام أحمد وقطع به كثير منهم ورجحه أئمة المذهب العلماء الذين لهم حق الترجيح داخل المذهب كابن قدامة المقدسي رحمه الله . وعلى ذلك فالمترجح عندي أنّ رواية الإمام أحمد القائلة بكفر تارك الصلاة كفر ردّة كانت قبل مناظرة الشافعي وانتشرت عنه ، فلمّا ناظر الشافعي وتبين له أنّ الأصل هو الإقرار والاعتقاد وأنّ من أقر بالصلاة واعتقد وجوبها فقد أتى ببعض الواجب عليه فيها وهو اعتقادها والإقرار بها ولا يكون وهذه حالته تاركاً للصلاة بالكلية مثله مثل الجاحد التارك للصلاة بقلبه وجوارحه البتة ، وهذه الرواية هي التي رواها عنه ابن بطة وأنكر أن يكون في المذهب الحنبلي رواية غيرها ، وهي الرواية التي رجحها الأئمة الفحول في الفقه عامة وفي المذهب الحنبلي خاصة وعلى رأسهم ابن قدامة المقدسي ، وهي الرواية التي رجحها المرداوي في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وقال فيه : (( ولا يكفـر على الصحيـحمن المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم )) [ الإنصاف حـ1/402 ] أهــ فهي الرواية التي عليها جماهير أصحاب الإمام أحمد وقطع كثير منهم بصحتها واتباعها دون غيرها بل ولو رجعت إلى المقنع [ 1/385 ] والشرح الكبير عليه تجد أنه قول ابن قدامة المقدسي وشارح كتابه أبى الفرج المقدسي وكذلك المغني لابن قدامة [ 2/302 ] وقال في آخر المسألة وهو يرجح الرواية الموافقة لمذهب الأئمة الثلاثة { وهو أصوب القولين } وكذلك لو نظرت إلى منح الشفا الشافيات للبُهوتي ص103 تجد نفس الشيء ، فأئمة الحنابلة على ترجيح هذه الرواية ، وعلى ذلك فلك أن تعجب أشد العجب من بعض الحنابلة المعاصرين القائلين بتكفير تارك الصلاة دون تفصيل ، ومساواة الجاحد لها بالمقر والمعتقد لها ثم الطامة أنهم ينسبون ذلك إلى الإمام أحمد ويغضون الطرف عن الرواية الصحيحة عنه ، ولا أدرى لذلك علة سوى حرصهم الشديد على ترهيب الأمة من ترك الصلاة ، وهذا هو المحمل الحسن والظن الحسن الذي ينبغي أن نفهم سبب تمسكهم بهذه الرواية ، ولكن أحكام الفقه لا تؤخذ بهذه الطريقة لأن لها متعلق بحرمة الدم والعرض والمال ، والمرتد تُبنى على ردته أحكام جسيمة عظيمة لا يمكن أن يكون سببها بحـال الترهيـب من تـرك الصـلاة  بل الفقه هو الفقه وهو الإقرار بالأدلة والأحكام على حالها وتقريرها وفق أدلتها دون شطط ولا وكس ، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين . ومن هذا الباب نعلم لماذا رفعت الأمة ، بل ورفع الله عز وجل قبل الأمة مكانة الفقهاء الأربعة ، فهم الأئمة الأعلام أركان الفقه ، ولا يغني ذلك أن ننقص أحداً قدره ، فهل مثل البخاري أمير المؤمنين في الحديث ومثل مسلم في الحديث ، ولكن لكل عالم مجاله وتخصصه وتعجبنى في هذا المجال مقالة فقيه قال فيها { الفقهاء هم الأطباء والمحدثون هم الصيادلة } ومعلوم أنّ لكل واحد منهما تخصصه الذي لا ينبغي أن يُتخطى فيه ، ولكن يبقى الفضل الزائد لأهل الفقه لأنهم ما يتكلمون في الأحكام إلاّ عن أصول وقواعد تربط بين أحكام أدلة الكتاب والسنّة ولم يجعل الله عز وجل هذه المنة لكل أحد بل هي فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، فالفقه يحتم علينا أن نجمع بين الأدلة جميعها وأن لا نرجح دليلاً لمجرد الترهيب عن ترك الصلاة لأن هذا يفتح باباً من التكفير على الأمة قد لا تُسد أبوابه إلى يوم القيامة ويقع بين أهلها السيف والهرج والمرج بسبب فتنة تكفير يكفّر المسلم فيها أخاه. ولله در الغزالي حيث يقول " والذي ينبغي الاحتراز منه التكفير ما وجد إليه سبيلاً فإن استباحة دماء المسلمين المقّرين بالتوحيد خطأ ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد " [ نقله عن الحافظ في الفتح حـ12/300 ] أهـ ، وختاماً لهذا المبحث : فقد علمنا الرواية الصحيحة المعتمدة عن الإمام المبجّل أحمد بن حنبل في حكم تارك الصلاة . وهي الرواية التي عليها جماهير أصحابه وقطع كثير منهم بصحتها واتباعها دون غيرها ، وهي الرواية التي رجحها أعلام المذهب المحققون كابن قدامة المقدسي وغيره وهي الرواية الموافقة لأقوال الأئمة الثلاثه أبي حنيفة ومالك والشافعي فحول الفقه وأركان العلم ، وهي الرواية الموافقة لقول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء المحققين في مسائل العلم. وهي الرواية الصحيحة المتعين الأخذ بها لكونها تجمع بين كافة النصوص حتى لا تعارض بينها البتة. وهي الرواية الموافقة لأصول الاعتقاد بأن من أتى بالإقرار والاعتقاد وسلم عقده وقلبه من الجحد فهو مسلم له أصل الإيمان وحكمه وإن لم يعمل خيراً قط. وهي الرواية الموافقة لأصول الفقه وضوابطه وقواعده الربانية التي حبى الله عز وجل بها أئمة أهل السنّة الراسخين في العلم و الفقه والمقتدى بهم في دين الله عز وجل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالميــن ، وهـذا بحمد الله تعالى آخر مبحث القول الفصل في حكم تارك الصلاة على طريقة أهل الفقه وتفصيل الأحكام ، وفيه نصرة قول الجمهور الأعظم من المحدثين والفقهاء بأدلة الكتاب والسنّة ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

***

 

[  3  ]  :  تحقيق القول في مسألة كفر تولي الكافرين 

وبيان أنّه كفر أكبر للموالي على أساس الدين  ،  وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وكانت الموالاة على أساس الدنيا

 

( 1 ) شرع الإسلام شرع محكم يوافق بعضه بعضاً { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا }[ النساء : 82 ] ومن توافق هذا الشرع المحكم هو ما اتفق عليه الأئمة المحققون من علماء أهل السنّة والجماعة أنّ أصل الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه هو الإقرار والاعتقاد ، وأنّ عمل الجوارح خارج عن أصل الإيمان الفاصل بين الإيمان الأصل والكفر الأكبر داخل في الإيمان الواجب الفاصل بين الإيمان الواجب والكفر في إطار الملة . وعلى ذلك فمن أتى بالإقرار والاعتقاد للشرع وأحكامه ولم ينقضهما بناقض متعلق بهما فقد سلم عقده وقلبه وهو في منجى من الخلود الأبدي في النار مهما قصّر بـه عمله ، ومن أقر بالشرع واعتقده ثم قصّر به عمله فقد أخلّ بالإيمان الواجب الذي ضده الكفر في إطار الملة فلا يحكم بردته لأنه قد أتى بحسنة الاعتقاد والإقرار . ومع تطبيق هذه القاعدة الحكيمة التي حبى الله عز وجل بها فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسألة الموالاة والمعاداة نعلم يقيناً أنّ مناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة هو الموالاة الباطنة للكافرين على دينهم ، أمّا من وقع في موالاة ظاهرة وقلبه سليم وعقده سليم ولم يوال على الكفر ولا لأجله وإنما لحاجة أو شهوة أو هوى فاسد فهو كافر ولكنـه في إطـار الملـة . ومع عرض أدلة الموالاة من الكتاب والسنّة وأقوال الأئمة الفقهاء سنعلم يقيناً أنّه المناط الحكيم الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة ، وسار عليه الأئمة الأعلام أهل السنّة والجماعة المقتدى بهم في الدين ،

 

( 2 ) يطلق الولاء في الشرع على عدد من المعاني الشرعية : وجميعها يرجع إلى أصلها اللغوي وهو القرب والدُنّـو ، وأهم هذه المعاني ثلاثة هي النصـرة والمتابعـة بمعنى الطاعـة والمحبـة القلبيـة ومنهـا المـودة ، الأول : ولاء النصرة : وهو أظهر معاني الولاء في القرآن الكريم ومن ذلـك قوله تعالى { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ..} [ البقرة : 257 ] قال الخطابي : (( الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين )) [ لسان العرب لابن منظور حـ3/985 ]. وقوله تعالى{ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } [ التوبة : 51 ] قال القرطبي : (هو مولانا ) أي ناصرنا [ تفسير القرطبي حـ 8/161 ] وقوله تعالى{أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } [ يوسف : 101 ] قـال الطبـري : " أنت ولييّ " أي ناصـري [ مختصر تفسير الطبري ص273 ] وقوله تعالى{ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } [ الأعراف : 196 ] قـال الطبـري : "إنّ ولييّ الله " أي نصيـري وظهيري [ مختصر تفسير الطبري ص193 ] وعلى ذلك فأظهر معاني الولاء في القرآن هو النصرة ومن والى قومـاً فقـد تولاهـم ومنـه : قوله تعالى{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] فالنصـرة واجبـة بيـن المؤمنيـن والمؤمنات ، والمعنى الثاني : ولاء المتابعة والطاعة : ومنه وقوله تعالى{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ..} [ الأعراف :3 ]  والمعنى أنّ من اتبع ما أنزل الله فقد اتخذ الله تعالى ولياً ومنه قوله تعالى{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا } [ الأنعام : 14 ] . ومن اتبع غير الله فقد اتخذ من دونه أولياء ، والمعنى الثالث : ولاء المحبة والمودة : ومنه قوله تعالى{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  }  [ التوبة : 23 - 24 ] ومن تدبّر الآية يتضح تعلق الولاء بالمحبة وأنّ المحبة نوع من الولاء ، ويجب صرف ولاء المحبة إلى الله ورسوله والجهاد في سبيله ، ومن كان ولاؤه لشيء من أمور الدُنيا أشدّ من ولائه لله ورسوله ونصرة دينه فليتربص خذلانا من الله تعالى ، والله لا يهدي القوم الفاسقين . ومنه قوله تعالى{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  } الآية [ الممتحنة : 1 ] فالمودة ولاء وصرف ولاء المودة واجب لله ولرسوله والمؤمنين ومحرّم صرفه إلى الكافرين ، ( قلت ) وكل معنى شرعي للولاء يجب صرفها لله ورسوله ولدينه وللمؤمنين كما جاء في قوله تعالى{ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ }[ المائدة : 56 ] ، وكما أوجبها المولى سبحانه في حق الله ورسوله ودينه والمؤمنين فقد أوجب ضدها في حق الكافرين وتتمثل في عدائهم وجهادهم : ( أشداء على الكفار  (، {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً } [ التوبة : 123 ]، { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ }[ البقرة : 193 ]  ، { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التوبة : 29 ] .ويتمثل كذلك في بغضهم وإظهار الكراهية لكفرهم {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ .. } [ المجادلة : 22 ] ، قد جعل المولى سبحانه لنا القدوة في الأنبياء في إظهار العداء والبراء لهم ومنه قوله تعالى : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.. }[ الممتحنة : 4 ]. وقوله تعالى{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[ التحريم : 9 ] وحرّم المولى جل شأنه على المسلمين موالاة الكافرين وجعلها طريق عريض إلى الانسلاخ من ملة الإسلام إلى ملة الكفر . كما قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ المائدة : 51 ] . وقال تعالى { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ..} [ آل عمران : 28 ] . فالتحذير الرباني من موالاة الكافرين شديد تلحظه في قوله تعـالى { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ..} [ المائدة : 51 ] وقوله تعالى{ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ }[ أل عمران : 3 ] وقوله تعالى{ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } [ الممتحنة : 1 ]. ولهذا قال الشوكاني رحمه الله : "من يتولهم منكم فإنه منهم" أي فإنه من جملتهم وفي عدادهم وهذا وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي بلغت إلى الله غاية ليس وراءها غاية [ مختصر تفسير الطبري ص193 ] .

 

( 3 ) فقه أحكام الولاء والبراء : قد تقدم أنّ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات ، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة . ومع ذلك فالمفرّط فيهما مثله تماماً مثل تارك الحكم بما أنزل الله وتارك الصلاة وتسري عليه قواعد الشريعة الضابطة للمسألتين اللتين سبقتاه ، وينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة ، وهو الضابط الذي وضحناه وأصلناه في القواعد السابقة . فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة . وهذا هو الفقه الذي حبى به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن ، ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة : ( هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين ) ، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم . فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة . وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة وصاحب الكفر دون الكفر عموماً على خطر عظيم لقربه من هاوية الكفر الأكبر ، ومعاداة المؤمنين كذلك لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون معاداة قلبه متعلقة بإسلامهم وإيمانهم . فمن عادى المؤمنين على دُنيا أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فكفره في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر ومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر } . فالقتال هنا كفر ولكنه بإجمـاع أهل السنّة كفر في إطار الملة وإلاّ كفّر بعضنا بعضاً بالمعاصي والآثام ، وقد ثبت بنص القرآن أنّ المؤمنين يكون بينهم اقتتال وهم على اسم الإيمان وحكمه كما في قوله تعالى{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.. إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  } الآية [ الحجرات : 9 - 10 ] ، وعلى ذلك فمناط التكفير في مسألة الموالاة والمعاداة : هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمن ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام . فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست بالردّة ، وليس هذا تهويناً من شأن الموالاة والمعاداة ، فشأنها عظيم ويكفي أنّ ما كان منها ظاهراً فهو ( كفر ) في إطار الملة وليس بالأمر الهين لفظ الكفر ولا بالأمر السهل أن يوصف المرء بالكفر في إطار الملة فهو أشد وأخطر من الكبائر عامة ، والمحرمات كافة لأنه قريب من الكفر الأكبر وصاحبه على خطر عظيم إن لم تتداركه رحمة الله بالتثبيت ، وكما أنه ليس تهويناً من شأن الولاء والبراء ركن الدين الركيز ، فهو كذلك انضباط بضوابط أهل الحق  [ أهل السنّة والجماعة الناجية ] في مسائل الإيمان والكفر ، فلا يكفّرون إلاّ من يستحق الكفر بضوابطه الرصينة ، ولا يسوون بين الجاحد المنكر والمقر المعتقد فيكفّرون كليهما بالعمل الظاهر دون التثبت من سلامة العقد والقلب ، وهذه من حِكمَ الشريعة الباهرة التي خصّ الله تعالى بها أهل الفقه في الدين والإمامة فيه [ أهل السنّة والجماعة ] ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين على معتقد هؤلاء ومنهاجهم ، والحمد لله الذي بنعمته يرفع أهل العلم درجات وأهل الفقه في الدين هم سادة العلماء ، ( قلت ) ما سبق تقرير موجز لفقه أحكام أهل السنّة والجماعة في مسائل الـولاء والبراء وإليك الأدلة عليها بنوع من التفصيل والله المستعـان :  ( الدليل الأول ) : قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ الممتحنة : 1 - 3 ] ، ( قلت ) اتفق أهل العلم بالتفسير وبالحديث على أنّ سبب نزول هذه الآيات هو قصة الصحابي الجليل حاطب رضي الله عنه وما كان من موالاته للمشركين في مكة . وقد أخرج هذه القصة ورواياتها المتعددة أهل العلم بالحديث الأئمة البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه وأبي داود والترمذي والنسائي في سننهم والإمـام أحمـد في مسنـده ، ولا يختلـف أحد من أهل العلم أنّ هذه الآيات نزلت بسبب قصة حاطب رضي الله عنـه . والإلمام بهذه القصة ورواياتها المتعددة والتي تدلنا في مجموعها على أنّ الموالاة التي تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر هي الموالاة الظاهرة دون الباطنة ، فهي وإن كانت خطيرة وعظيمة وفي إطار الكفر إلاّ أنها كفر في إطار الملة ، ولا تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر المخرج من الملة ، وإلاّ لاستتاب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً من هذا الكفر بعدما أقسم له حاطب أنه مؤمن بالله ورسوله ، وأنه ما فعل ذلك ردة عن دينه ولكن مصانعة للمشركين لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد ، ولنـا هنــا وقفتــان : ( الأولى ) : أن النبي صلى الله عليه وسلم صدقه في قوله ولم يستتبه من الكفر ، فدلّ ذلك على أنّ الموالاة الظاهرة على الدُنيا ليست من قبيل الكفر الأكبر ، وإنما هي من باب الكفر في إطار الملة ، ومعلوم أنّ كل كفر أو ذنب في إطار الملة لا يحتاج إلى استتابة من الكفر ، إذ الاستتابة على الكفر إنما هي تتعلق بالكفر الأكبر دون الأصغر ، ( الثانية ) : وهي مؤكدة للأولى فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر لأهل بدر ، والله عز وجل لا يغفر أن يُشرك به ، ومن المعلوم أنّ الآية تتعلق بالكفر الأكبر ، وعليه أجمع العلماء ، وعلى ذلك فأهل بدر عصمهم الله عز وجل من الكفر الأكبر ، ولمّا كان حاطب بدريا فهو بعيد عن الكفر الأكبر ، ولمّا كان النبي  صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالتوبة من هذا الذنب ولم يوضح ما يدل على أنه ردّة مُخرج من الملة ويحتاج إلى تجديد إسلامه ، دلّ ذلك كله على أنّ ما فعله حاطب ليس من إطار الكفر الأكبر ، فالموالاة الظاهرة والتي وقع فيها حاطب رضي الله عنه ليست مخرجة من الملة بالكلية ، بل هي في إطار الملة ولهذا أقال النبي صلى الله عليه وسلم عثرته وأخبر بفضل أهل بدر وهو منهم ، ولو تدبرنا قول حاطب رضي الله عنه (( والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله ورسوله (( نعلم أنه يؤكد أنها موالاة ظاهرة لا تتعدى ذلك إلى القلب لأن القلب مؤمن بالله ورسوله وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وأمر المسلمين أن لا يقولوا له إلاّ خيراً ، بمعنى لا يتهموه بكفر ولا نفاق . فاعتذار حاطب لدرء الكفر الأكبر هو اقتصار الموالاة على الظاهر دون الباطن ، والرسول  صلى الله عليه وسلم يقبل بهذا الاعتذار لدرء الكفر الأكبر ويُبين لنا أن الرحمن بفضله ورحمته غفر لأهل بدر ذنوبهم فقد أعلمه الله تعالى أن الله غفر له ذلته العظيمة بما تقدم من صالح عمله عندما شهد بدراً ، ولعل قائل يقول لعلّ الموالاة الظاهرة كفر أكبر والله عز وجل غفر لأهل بدر جميع ذنوبهم ولو كانت في إطار الكفر الأكبر ، ( قلت ) هذا خرق لإجماع علماء أهل السنّة أن الكفر الأكبر والشرك الأكبر لا يدخل تحت المشيئة بنص القرآن{  إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] وبإجماع أهل السنّة على أنّ الكفر الأكبر لا يدخل في إطار الملة . وقد يقال لعلّ الموالاة الظاهرة كفر أكبر وحاطب قد تاب منهما فتاب الله عليه والله يقبل توبة الكافر والمشرك متى تاب ، ( قلت )لو كانت الموالاة الظاهرة دون الباطنة كفر أكبر بذاتها لوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لحاطب لمّا اعتذر له بثبات الإيمان في قلبه وأنها مجرد موالاة ظاهرة ، وبيّن له أن هذا العـذر لا يُفيد لأن الموالاة ظاهرها وباطنها سواء ، وبيّن له ضرورة التوبة من الكفر الأكبر الذي وقع فيه ، فهل لنا أنّ نظن في النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة لاسيما والدواعي كلها تطلب ذلك والبيان ليس في أمر هين وإنما هو في أهم مسائل الدين [ الإيمان والكفر ] وإلاّ لكتم النبي   صلى الله عليه وسلم بعض العلم ومن ادعى ذلك كفر ، ولم يأتنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجلّ ذلك البيان ثم ذكره في موضع آخر . مما يدل يقيناً على أنّ الولاء قسمان ظاهر لأجل الدُنيا ، وباطن لأجل الدين ، فما كان منها من قبل الأول فهو كفر في إطار الملة ، وما كان منها من قبيل الثاني وإن لم تصاحبه موالاة ظاهرة فهو كفر وردّة عن دين الله ، فكيف إذا جمع له القسمان فذاك الكافر الـذي فيـه قولـه تعالى { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } [ المائدة : 51 ]. ومن تمت له الموالاة الظاهرة بمفردها لمداراة أو تقية فذاك الذي نزل فيه قول الله تعالى { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً  } [ آل عمران : 28 ] ،

***

 

 

قواعد الشريعة العامة اللازمة لفقه مسائـل وأحكـام الإيمـان والكفر وضبط أحكامهما - مجدي محمد علي

 

يحتوي هذا الباب على أربع عشرة قاعدة من قواعد الشريعة العامة اللازمة والضابطة لمسائل الإيمان والكفر ، وهذه القواعد ضرورية ، بل لا غنى عنها لكل طالب علم يطلب الأصول ويبغي فقه الإيمان وفقه مسائله وأحكامه ، ولعلي توسعت في تأصيل تلك القواعد ـ والتي نص على صحتها علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الراسخون في العلم والفقه ـ وذلك لأني على يقين بأن من لم يعلم هذه القواعد ويعلم حدودها الشرعية الصحيحة ويراعيها ـ تمام المراعاة ـ عند تطبيق أحكام الإيمان والكفر فليس بفقيه وفي الحديث المتفق عليه (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) ، وهذه القواعد هي :  

( القاعدة الأولى ) : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر ،

( القاعدة الثانية ) : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ،

( القاعدة الثالثة ) : بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ، كل من لم يشهد بالشهادتين فهو كافر ، فإن كان لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر جاهل ، وإن كان سمع به ولم يؤمن برسالته فهو كافر معانـد ،

( القاعدة الرابعة ) : عـدم مؤاخـذة الكافريـن على كفرهـم قبـل بلـوغ النـذارة إليهـم ،

( القاعدة الخامسة ) : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ،

( القاعدة السادسة ) : العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ،

( القاعدة السابعة ) : العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ،

( القاعدة الثامنة ) : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ،

( القاعدة التاسعة ) :  وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفيــر المعيـن ،

( القاعدة العاشرة ) : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، 

( القاعدة الحادية عشر ) : اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليــة ،

( القاعدة الثانية عشر ) : لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه ،

( القاعدة الثالثة عشر ) : قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر ( الكفر دون كفر ) أو الشرك ( الشرك الأصغر ) أو النفـاق ( النفاق العملي ) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه ،

( القاعدة الرابعة عشر ) : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة عن منهاج أهل السنّة والجماعة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ،

وبعد فهذه هي أهم قواعد الشريعة العامة اللازمة لفقه الإيمان والكفر على أكمل وجه مستطاع ، وإليك تأصيلها بأدلة الكتاب والسنّة وهدى السلف الصالح وفهم الأئمة الأعلام الراسخين في العلم والفقه والدين ، 

***

 

[  القاعدة الأولى  ]  : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر

 

الشهادتان : باب الإسلام الأول الذي من دخله دخل الإسلام وحكم له بالإسلام الظاهر وصار له اسم الإسلام وحكمه والله يتولى السرائر وهذا الأمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ، قال النووي : " واتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنّ المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ونطق بالشهادتين " أهـ [ شرح مسلم حـ1/149 ] ، وقال  ابن حجر : " أمّا بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدُنيا ولم يُحكم عليه بكفر إلاّ إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود لصنم " [ فتـح الباري حـ1/94 ] أهـ ، فالإقرار بالشهادتين لازم للحكم بالإسلام الظاهر أما اعتقادهما فهو دليل على صحة الإيمان الباطن وباعتقادهما والنطق بهما يكون المرء من أهل القبلة على الحقيقة ولا يخلد في النار خلود الجاحديـن ، والأدلة على هذه القاعدة كثيرة مستفيضة منها : ما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه. " أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلنى فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) " [ صحيح مسلم ح(155) ] ، وفي رواية معمر " فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله " [ صحيح مسلم ح(156) ] ، ومن تدبر الحديث علم يقيناً أنّ الحكم بإسلام المرء يكون بمجرد نطقه بالشهادتين أو ما يحل محلهما في القبول المجمل بدين الإسلام ، مع أنّ الصورة المفترضة تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قالها إلاّ تقية وهرباً من القتل ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وما أخرجه مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم . ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم . فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً .قال، فقال (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم " [ صحيح مسلم ح(159) ] ، وأخرج مسلم عن جندب بن عبدالله البجلي رضي الله عنه أنه :  " بعث إلى عسعس بن سلامة ، زمن فتنة ابن الزبير فقال : اجمع لي نفراً من إخوانك حتى أحدثهم. فبعث رسولاً إليهم . فلمّا اجتمعوا جاء جندب وعليه برنس أصفر. فقال : تحثوا بما كنتم تحدثون به حتى دار الحديث. فلمّا دار الحديث إليه حسر البرنس عن رأسه فقال : إنى أتيتكم ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم . إنّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين. وإنهم التقوا فكان رجل من الشركين إذا شاء أنّ يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله. وإنّ رجلاً من المسلمين قصد غفلته . قال وكنّا نحدّث أنه أسامة بن زيد . فلمّا رفع عليه السيف قال : لا إله إلاّ الله ، فقتله . فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فسأله فأخبره حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع . فدعاه . فسأله . فقال : ( لم أقتله ؟ ) قال : يا رسول الله أوجع في المسلمين. وقتل فلاناً وفلاناً . وسمّى له نفراً . وإني حملت عليه. فلمّا رأى السيف قال : لا إله إلاّ الله . قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم ( أقتلته ؟ ) قال : نعم قال ( فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) قال : يا رسول الله ! استغفر لي . قال ( وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) قال : فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ح(160) ] ، ففي هذا الحديث برواياته المتعددة أوضح الدلالة بالحكم للمرء بالإسلام بمجرد قوله لا إله إلاّ الله وتلفظه بالشهادة. ولو تدبرنا نص الحديث لوجدنا أن جميع القرائن تدل على أنّ هذا الرجل ما قال الشهادة إلاّ تقيه وخوفاً من القتل ، ومع ذلك حكم له النبي   صلى الله عليه وسلم  بالإسلام وعنّف أسامه أشد التعنيف مع أنه معذور بجهله لهذا الحكم وقد اجتهد فأخطأ بخلاف المقدام فإنه كان يستفتى الرسول صلى الله عليه وسلم عن واقعة لم تحدث فأعلمه بالحكم وأنه إن استحل قتله كفر ، ومع تعنيفه لأسامه لم يرض أن يستغفر له وكان من قوله صلى الله عليه وسلم له ( أقال لا إله إلاّ الله وقتلته ) و ( فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ) و ( أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله ) حتى تمنى أسامه رضي الله عنه أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم لما أقدم عليه من سفك دم رجل قال لا إله إلاّ الله فحكم له بالإسلام الظاهر والله يتولى سريرته ولم يأمرنا أن نشق عن قلبه حتى نعلم أقالها معتقداً لها أم قالها نفاقاً وتقية فهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله ولم يكلفنا سبل معرفته لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله ، وما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله    صلى الله عليه وسلم قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فمن قال لا إله إلاّ الله عصم منى ماله ونفسه إلاّ بحقه وحسابه على الله )) [ صحيح مسلم ح(33) ] ، وما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ صحيح مسلم ح(34) ] ، وما أخرجه مسلم عن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول " من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله " [ صحيح مسلم ح(37). ] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،

[ فوائد متعلقة بالقاعدة ]  : ( الفائدة الأولى ) :  ليس معنى قولنا أنّ كل من نطق بالشهادتين حكمنا باسلامه أنه في مأمن من الردّة بعد ذلك مهما قال أو فعل بعد النطق بهما ، بل قد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ، يُعامل معاملة المرتد من الاستتابة وأحكامها كما قررها الفقهاء . وفي مبحث نواقض الإيمان بيان لكثير من هذه الاعتقادات والأقوال والأفعال المخرجة من الملة بعد دخولها ، ( الفائدة الثانية ) : أنه ليس المعنى من تقرير هذه القاعدة هو تقليل قيمة العمل وأهميه وإنما المعنى من تقرير هذه القاعدة هو ما دلّ عليه الشرع من كون الإقرار بالشهادتين أو ما يحل محلهما في بيان الإقرار المجمل بالإسلام كاف في الحكم على المرء بالإسلام ثم يُعامل بعد ذلك معاملة المسلمين فإن أتى بناقض أقيمت عليه الحُجة الشرعية المعتبرة به عُومل معاملة المرتدين.

***

 

[  القاعدة الثانية  ]  : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة ،  وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ،  ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد

 

المقصود من هذه القاعدة العامة من قواعد الشريعة الغراء أنّ من مات وهو مقر بشهادة التوحيد ( لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ) معتقد لها استوجب بفضل الله ورحمته الجنة ، وهو يوم القيامة تحت مشيئة الرحمن إن شاء أدخله الجنة ابتداء وإن شاء أدخله النار بذنوبه ومعاصيه ، إلاّ أنه لا يخلد في النار أبداً خلود الكافرين ، ولكن مآله إلى الجنة لما أتى من توحيد الله عز وجل وقد دلّ على تلك القاعدة : أحاديث كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها :

(1) ما أخرجه البخاري رحمه الله عن النبي   صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من خير )) وفي رواية ( من إيمان ) مكان (من خير). [ صحيح البخاري ح(44) ] ففي هذا الحديث دليل على أن من أتى بالإقرار ( قال لا إله إلاّ الله ) والاعتقاد ( وفي قلبه وزن شعيره من إيمان ) ( وفي قلبه وزن بره من إيمان ) ( وفي قلبه وزن ذره من إيمان ) فإنه لا يخلد في النار خلود الكافرين بل يخرج من النار إلى الجنة ،

(2) حديث الشفاعة اخرجه البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وفيه : (( فأقول يارب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ... فأقول يا رب أمتى أمتى فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذره أو خردله من إيمان …. فأقول يارب أمتى أمتى فيقال انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل ... ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لى فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ البخـاري ح(7510) ]  ، ففي هذا الحديث كذلك دلاله على أن من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه اعتقادها فإنه في مأمن من الخلود في النار خلود الكافرين ولكنه يخرج منها برحمة الله إلى الجنة ،

(3) ما أخرجه مسلم رحمه الله عن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة ))[ صحيح مسلم ح(44) ] ، ففي هذا الحديث دلاله على أن الشهادتين مع الاعتقاد لهما ( غير شاك فيهما ) سبب لدخول الجنة وإن طال زمان التعذيب في النار ،

(4) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [ صحيح مسلم ح (47) ] ، ومعنى الحديث أنّ من أقرّ يالشهادتين واعتقدهما حرّم الله عليه الخلود في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ عليه مذهب أهل السنّة الذين يقولون بأن أصحاب الكبائر تحت المشيئة وقد دلت الأخبار بيقين أنّ بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن أصحاب قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط ، ( قلت ) : ولهذا قال القرطبي في شرح حديث مسلم (( أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عنه الجنة )) " وظاهر هذا الحديث أنّ من لقى الله وهو يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده دخل الجنة ولا يدخل النار ، وهذا صحيح فيمن لقي الله تعالى بريئاً من الكبائر فأمّا من لقى الله تعالى مرتكب كبيره ولم يتب منها فهو في مشيئة الله تعالى التي دلّ عليها قوله تعالى  {  إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..}  [ النساء : 48 ] ، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي أنّ طائفة من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضل المعبّر عنه بالقبضة في الحديث الصحيح أو بما شاء الله تعالى فدلّ ذلك على أنّ الحديث المتقدم ليس على ظاهره فتعين تأويله ، ولأهل العلم فيه تأويـلان الأول : أن هذا العموم يُراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من أهل الكبائر ممن يشاء الله أن يغفر له ابتداء ... وثانيهما : أنهم لا يحجبون عن الجنة بعد الخروج من النار وتكون فائدته الاخبار بخلود كل من دخل الجنة فيها وأنه لا يُحجب عنها ولا عن شيء من نعيمها والله تعالى أعلم " [ المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم  حـ1/199 - 200 ] أهـ ، 

(5) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  قال (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة )) قلت ( أي راوي الحديث أبو ذر رضي الله عنه ) وإن زنى وإن سرق ؟ قال ( وإن زنى وإن سرق ) قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال ( وإن زنى وإن سـرق ) ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبى ذر )) [ صحيح مسلم ح(154) ] ، وبعد فهذه بعض الأحاديث الصحيحة التي تدل بيقين على صحة القاعدة العامة (( من مات على التوحيد دخل الجنة )) وعلى صحة هذه القاعدة اتفق أهل السنّة والجماعة 

***

 

[  القاعدة الثالثة  ]  : بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة :  كل من لم يشهد بالشهادتين فهو كافر ،  فإن كان لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر جاهل  ، وإن كان سمع به ولم يؤمن برسالته فهو كافر معانـد

 

قال  صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسى محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم. باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مسلم بشرح النووي حـ2/186 ] ، قال النووي في درة من كلامه :" وقوله  صلى الله عليه وسلم  لا يسمع بي أحد من هذه الأمة أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة ، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته ، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهاً على من سواهما وذلك لأنّ اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أنّ لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى " [ مسلم بشرح النووي حـ2/188 ط. دار الكتب العلمية ] أهـ ، فكل من سمع بالنبي  صلى الله عليه وسلم ثم لم يؤمن بالإسلام الذي بعث به النبي   صلى الله عليه وسلم فهو كافر خالد مخلد في النار وبئس المصير ،  ويندرج تحت هذا الأصل قاعدتين هما  : ( الأولى ) جواز إطلاق لفظ الكافر على كل من ليس بمسلم : والأدلة على ذلك : (1) قوله تعالى : {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ } [ التوبة : 6 ] فسماه الله تعالى مشركاً حتى قبل أن يسمع كلام الله وتقوم عليه الحُجه بالرسالة ، فهو مع جهله سماه الله تعالى مشركاً ، (2) قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ }[ التغابن : 2 ] فالناس صنفان إمّا مؤمن له اسم الإيمان وإمّا كافر له اسم الكفر ومعلوم أنّ كل من آمن بالنبي    صلى الله عليه وسلم فهو مؤمن وكل من لم يؤمن فهو كافر ، إمّا أنه كافر جاهل وإمّا أنه كافـر معانـد ، (3) وقوله  صلى الله عليه وسلم  (( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم )) متفق عليه ومعلوم أنّ الكافر ضد للمسلم فمن ليس بمسلم فهو كافر ، ( قلت )وسيأتي بمشيئة الله تعالى في القاعدة التالية بيان أن الكافر الجاهل لا يُعذب حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بخلاف الكافر المعاند الذي سمع بالنبي   صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن بما أُرسل به  ، ( الثانية ) أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) بعد بعثة النبي  صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة كفّار مشركون : وقد مرّ بنا قوله تعالى فيمن لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا } [ النساء : 150 - 151 ] ، فاليهود والنصارى لجحدهم لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم هم الكافرون حقاً وأعدّ الله لهم عذاباً مهينا ، وهم خالدون مخلدون في النار أبداً خلود الجاحدين لأنهم جحدوا نبوة الرسول  صلى الله عليه وسلم ورسالتـه ، قال تعالى {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ *  إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } [ البينه : 1 - 6 ]  ومرّ بنا حديث النبيصلى الله عليه وسلم وفيه أنه ما سمع به يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسل به إلاّ كان من أصحاب النار. والله تعالى كفّرهم بأسباب أخرى إضافية لجحدهم لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان جحد نبوته صلى الله عليه وسلم بعد سماع بها كافٍ في الخلود الأبدي في النار.  ، ومن ذلك قوله تعالى : {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ.. } [ المائدة : 72 ] و قوله تعالى :  {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ..}[ المائدة : 73 ] وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ التوبة : 30 ] وقال تعالى في حق اليهود والنصارى : {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ* يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } [ التوبه : 31 - 32 ] ، وقال تعالى في حق اليهود : { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ البقرة : 75 ].  فهل بعد تحريفهم لكلام الله وكذبهم على الله كفر ، بل هم الكافرون حقا لا يشك في كفرهم إلاّ من طمس الله بصيرته عن الإسلام ونوره ، والشاهد : كفر اليهود والنصارى أمر معلوم من الدين بالضرورة لا يُجادل فيه إلاّ كافر أو جاهل تُقام عليه الحُجة بالشرع وإلاّ كفر ولا كرامة ،

***

 

[  القاعدة الرابعة  ]  :  عـدم مؤاخـذة الكافريـن على كفرهـم قبـل بلـوغ النـذارة إليهـم

 

المقصود " بالكافرين " في هذه القاعدة هم الكفار الأصوليون الذين لم يشهدوا بالشهادتين ولم يقروا بالإسلام دينا والنبي صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، ومعنى بلوغ النذاره إليهم ، أن يبعث الله عز وجل إليهم رسولاً يقيم عليهم الحُجه الرسالية ، وهذه القاعدة الجليلة أثر من آثار رحمة الله التي وسعت كل شيء ، حتى أنه سبحانه بعد أن أقام على خلقه الحجج البالغة بوحدانيته وربوبيته لخلقه وذلك بآياته الكونية العظيمة الدالة على أنه لا إله إلاّ هو ولا رب للكون كله سواه ، لم يؤاخذهم سبحانه بتلك الحجج والبراهين حتى يبعث إليهم رسولاً يُقيم عليهم الحُجة الرسالية التي من كفر بها فليس له بعدها حُجة ولا عذر ؛ ولهذا أخرج البخاري في صحيحه عن النبي   صلى الله عليه وسلم قوله (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ))  [ ح 7416 ]  وقد دلّ على صحة هذه القاعدة الكتاب والسنّة وأقوال علماء أهل السنّة والجماعة ،

فمن أدلة الكتاب العزيز :

[ الدليل الأول ] : قوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] يقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية : " إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسل إليهم. كقوله تعالى {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ } [ الملك : 8 - 9 ] وكـذا قولـه { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } [ الزمر : 71 ] وقال تعالى { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } [ فاطر : 37 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يُدخل أحداً النار إلاّ بعد إرسال الرسول إليه. " [ تفسير ابن كثير حـ3ص28 ] ،

[ الدليل الثاني ] : قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى } [ طـه : 134 ] ، يقول القرطبي في تفسيرها : " {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ } قوله تعالى أي من قبل بعثة محمد  صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن ( لقالوا ) أي يوم القيامة { رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا}  أي هلا أرسلت إلينا رسولاً { فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } وقرئ ( نُذَلُ ونُخزى ) على ما لم يسم فاعلـه. وروى أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم في الهالك في الفترة ، والمعتوه ، والمولود : يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ـ ثم تلا  {  وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا } ويقول المعتوه : رب لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً .ويقول المولود : رب لم أدرك العمل فترفع لهم نار فيقول لهم ردوها وادخلوهاقال : فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل -  قال -  : فيقول الله تبارك وتعالى : إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم ، ويروى موقوفاً عن أبي سعيد وفيه نظر. وقد بيناه في كتاب ( التذكرة ) وبه احتج من قال : إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة. ( فَنَتَّبِعَ ) نصب بجواب التخصيص ( ءايَاتِكَ ) يريد ما جاء بـه محمد    صلى الله عليه وسلم ( مِنْ قَبْلِ أن نَّذِلَّ ) أي في العذاب ( ونَخْزَى ) في جهنم ، قاله ابن عباس . وقيـل :  ( مِنْ قَبْلِ أن نَّذِلَّ ) في الدنيا بالعذاب (ونَخْزَى ) في الآخرة بعذابها "[ الجامع لأحكام القرآن حـ6ص164 - 165 ] ،

[ الدليل الثالث ] : قوله تعالى {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ القصص : 47 ] ، يقول القرطبي في تفسيرها : " { فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا } أي هلا { لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} لما بعثنا الرسل وقيل : لعاجلناهم بالعقوبة ، وبعث الرسل إزاحة لعذر الكفار كما تقدم في سبحان وآخر طه  … أي هؤلاء الكفار غير معذورين إذ بلغتهم الشرائع السابقة والدعاء إلى التوحيد ، ولكن تطاول العهد ، فلو عذبناهم فقد يقول قائل منهم : طال العهد بالرسل ، ويظن أن ذلك عذر ولا عذر له بعد أن بلغهم خبر الرسل. ولكن أكملنا إزاحة العذر وكملنا البيان. فبعثناك يا محمد إليهم. وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبداً إلاّ بعد إكمال البيان والحُجة وبعثة الرسل. " [ الجامع لأحكام القرآن حـ13ص293 ] ،

[ الدليل الرابع ] : قوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] ،

[ الدليل الخامس ] : قوله تعالى { تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [ الملك : 8 - 11 ] ، الآية دالة على أنّ عذاب الآخرة قائم على بلوغ الحُجة الرسالية ( ألم يأتكم نذير ) والعذاب متوقف على وجود النذير ، والملائكة خزنة النار لم تحتج على أهل النار بالعقل الذي أودعه الله لهم ولا الفطرة التي فطرهم الله عليها ولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم ، ولكن احتجوا عليهم ببعث الرسل وبلوغ النذارة ، ولهذا أقر الكفار ببلوغ النذارة ، وأنهم لو سمعوا كلام المرسلين وعقلوها ما كان هذا حالهم . وقد تقدم استدلال الحافظ بن كثير بهذه الآية وأمثالها على أنّ الله تعالى لا يعذب أحداً إلاّ بعد قيام الحُجة الرسالية بإرسال الرسل إليهم. وذلك عند تفسيره لقول الله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا }  [ الإسراء : 15 ] ،

[ الدليل السادس ] : قوله تعالى وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } [ الزمر : 71 ، 72 ]

[ الدليل السابع ] : قوله تعالى {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } [ فاطر : 37 ] ، والآيات الكريمة كسابقتها دالة على أنّ العذاب الأخروي قائم على بلوغ الحُجة الرسالية والله عز وجل لا يعذب إلاّ من جاءه النذير فلم يتبعه ، 

 

ومن الأدلـة من حديـث النبي   صلى الله عليه وسلم على هذه القاعـدة : [ عـدم المؤاخـذة قبـل الإنـذار ] : [ الدليل الأول ] : قوله صلى الله عليه وسلم (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416 ] والحديث بمنطوقه يدل على أنّ الله تعالى يحب أنّ يعذر عباده حتى تقوم عليهم الحُجة التي ما بعدها حُجة ، ومن أجل ذلك بعث إليهم الرسل مبشرين ومنذرين مؤيدين بالمعجزات مع أنّ الله تعالى جعل في خلقه وكونه آيات باهرات دالة على أنه لا إله إلاّ الله ولا رب سواه . ودلّ الحديث بمفهومه على أنّ العباد لا يعذبون حتى يأتيهم البشير النذير فتقوم عليهم الحُجة تامة به ،

[ الدليل الثاني ] : ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( أربعة يوم القيامة يدلون بحجة ، رجل أصم لا يسمع ورجل أحمق ورجل هرم ومن مات في الفترة ، فأمّا الأصم فيقول ياربّ جاء الإسلام وما أسمع شيئاً وأمّا الأحمق فيقول جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر وأمّا الهرم فيقول لقد جاء الإسلام وما أعقل وأمّا الذي مات على الفترة فيقول يا ربّ ما أتاني رسولك فيأخذ مواثيقهم ليطعنه فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار ، قال فو الذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاما ومن لم يدخلها سُحب إليها )) [ أخرجه الإمام أحمد ( 4/24 ) وابن أبى عاصم في السنة ( 404 ) والإمام الطبري ( 15/54 ) والطبراني ( 1/841 ) وابن حبان ( 1827 ) وابن عبد البرّ في التمهيد ( 18/128 ) وأبو يعلى في مسنده ( 4/225 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم ( 1434 ) ورقم ( 2468 ) ] . فهذا الحديث الصحيح يدّل على أنّ من لم تبلغه دعوة رسول في الدُنيا أنه لا يؤاخذه بكفره يوم القيامة حتى يمتحنهم الله تعالى يوم القيامة ، فيرسل إليهم رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة وبذلك تقوم الحُجة على جميع خلق الله تعالى بالرسل وذلك إمّا في الدُنيا وإمّا في الآخرة وهو يدل صراحة على صحة القاعدة التي قال بها أهل السنّة والجماعة بعدم مؤاخذة الكافرين بكفرهم قبل بلوغ النذارة إليهم وإقامة الحُجة عليهم بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام ، وبعد فهذه بعض أدلة الكتاب والسّنة والتي تؤكد ما ذهب إليه علماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة من كون المؤاخذة بالعذاب لا تكون إلاّ بعد بلوغ دعوة الرسل ،

***

 

[  القاعدة الخامسة  ]  : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه ، وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه

 

أهل السنّة والجماعة يخالفون عامة الفرق في هذه القاعدة فالملاحظ على غالب الفرق الضالة الولوج في مسالك تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، أمّا علماء أهل السنّة والجماعة فهم أشد الناس حرصاً على الاحتياط في تكفير المسلمين ، وذلك لأنهم يعلمون أن تكفير المسلم جدّ خطير لأنه يعني أنه مرتد مهدور الدّم والمال ، يجب على أولياء أمر المسلمين قتله بعد استتابته وإقامة الحُجة عليه ، ويعني أنه لا يحل لزوجته البقاء معه لأنه لا يجوز أن تكون المسلمة زوجة لكافر ، ويعني أنه إذا مات لا تجرى عليه أحكام المسلمين بل تجري عليه أحكام الكفّار من عدم تغسيله وعدم الصلاة عليه وعدم دفنه في مقابر المسلمين ولا يُورث ماله ، وهو إذا مات على حالة من الكفر فلا تجوز الرحمة عليه بل يستوجب اللعنة والخلود الأبدي في النار ، ومن أدلة علماء أهل السنّة والجماعة على قاعدة خطورة تكفير المسلم ووجوب الاحتياط عند الحكم عليه ، أحاديث عديدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم  منها : (1) قوله  صلى الله عليه وسلم  : (( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ، فإن كان كما قال وإلاّ رجعـت عليـه )) [ متفق عليه ] ، (2) قوله  صلى الله عليه وسلم  : (( من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلاّ حار عليه )) [ مسلم ح(71) كتاب الإيمان ] ، (3) قوله  صلى الله عليه وسلم  : (( إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) [ البخاري ( 6103 ) ] ، (4) قوله  صلى الله عليه وسلم  : (( ثلاث من أصل الإيمان الكف عّمن قال لا إله إلاّ الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يُقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالقدر )) [ الترمذي ح (1978) وقال حديث حسن وصححه ابن حبان (48) والحاكم حـ1/12 - 13 ووافقه الذهبي ] ، ومن أقوال علماء أهل السنّة والجماعة التي تدل على حرصهم الشديد على عدم تكفير المسلم إلاّ بالشيء المجمع عليه : يقول الغزالي رحمه الله : " والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا ، فإن إستباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلاّ الله خطأ ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم " أهــ [ الاقتصاد في الاعتقاد ص223 ] ، ويقول أيضاً : " لم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير ، فلابد من دليل عليه ، وثبت لنا أنّ العصمة مستفادة من قول ( لا إله إلاّ الله ) قطعاً فلا يدفع ذلك إلاّ بقاطع ، وهذا القدر كاف في التنبيه على أنّ إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان ، فإن البرهان إمّا أصل أو قياس على أصل والأصل هو التكذيب الصريح ، ومن ليس بمكذب فليس في معنى الكذب أصلاً يتبقى تحت عموم العصمة بكلمة الشهادة " أهــ [ الاقتصاد في الاعتقاد ص224 ] ، والمستفاد من هذا النقل أنّ من أقر بالشهادتين فإن له العصمة ( عصمة الدم والمال ) بيقين فلا تدفع إلاّ بيقين مماثل كالتكذيب الصريح بشيء من دين الله قامت عليه الحُجة الشرعية بـه ، ويقول النووي رحمه الله :" أعلم أنّ مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع ـ الخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم ـ وأنّ من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حُكم بردته وكفره إلاّ أن   يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه مما يخفى عليه ، فيعرف ذلك ، فإن استمر حكم بكفره ، وكذلك من استحل الزنى أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة "[ شرح مسلم حـ1ص150 ] أهـ ، فالنووي رحمه الله ينسب إلى مذهب أهل الحق عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب وعدم تكفير أحد من أهل الفرق الضالة والأهواء والبدع ممن يقر بالإسلام ويعتقده ، وأنه لا يكفر بيقين إلاّ من جحد المعلوم من الدين بالضرورة أو المستحل للمحرمات التي يُعلم تحريمها بالضرورة ولا يكفر حتى تقام عليه الحُجة الشرعية بذلك ، ويقول ابن عبد البرّ رحمه الله : ـ" كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام ،لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حُجـة ، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلاّ باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها ، وقد اتفق أهل السنّة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أنّ أحداً لا يخرجه ذنبه ـ وإن عظم ـ من الإسلام وخالفهم أهل البدع ، فالواجب في النظر أن لا يكفر إلاّ من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له كتاب أو سنّة " أهـ ، ولله دره فكلامه تعبير محكم عن اعتقاد أهل السنّة والجماعة في مسائل التكفير ، فكل من ثبت له عقد الإسلام بإجماع فهذا لا يكفر إلاّ بإجماع آخر أو دليل لا معارض له بحيث يمكن به ترجيح جانب عدم الكفر ، ولله دره فكم بلغ من احتياطه في مسائل التكفير حتى أنه يقول ( فالواجب في النظر أن لا يكفر إلاّ من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له ، ويقول الشاطبي رحمه الله : " وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى ، ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم ، ألا ترى إلى صنع عليّ رضي الله عنه في الخوارج وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام على مقتضى قول الله تعالى  {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا }[ الحجرات : 9 ] الآية ، فإنه لمّا اجتمعت الحرورية وفارقت الجماعة لم يهاجمهم عليّ ولا قاتلهم ، ولو كانوا بخروجهم مرتدين لم يتركهم لقوله عليه السلام (( من بدل دينه فاقتلوه )) ولأن أبا بكر رضي الله عنه خرج لقتال أهل الردّة ولم يتركهم فدّل ذلك على اختلاف ما بين المسألتين ، وأيضاً فحين ظهر معبد الجهني وغيره من أهل القدر ،لم يكن من السلف الصالح لهم إلاّ الطرد والإبعاد والعداوة والهجران ، ولو كانوا خرجوا إلى كفر محض لأقاموا عليهم الحدّ المقام على المرتدين ، وعمر بن عبد العزيز أيضاً لمّا خرج في زمانه الحرورية بالموصل ، أمر بالكف عنهم على ما أمر به عليّ رضي الله عنه ولم يعاملهم معاملة المرتدين "[ الاعتصــام حـ3ص33 ] أهـ ، وكلامه رحمه الله فيه دلالة واضحة على احتياط السلف عامة وأهل الحق السائرين على هدي السلف على الاحتياط البالغ في تكفير المسلم المقرّ بالشهادتين حتى وإن كان من الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير  ، ويقول ابن حجر الهيثمي  رحمه الله "وهو يرّد على بعض من توسع في مسائل التكفير " ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظيم خطره ، وغلبه عدم قصده سيما من العوام ومازال أئمتنا على ذلك قديماً وحديثاً … إلى أن قال … ثم رأيت ( الزركشي ) قال عمّا توسع به الحنفية إن غالبه في كتب الفتاوى نقلاً عن مشايخهم ، وكان المتورعون من متأخري الحنفية ينكرون أكثرها ويخالفونهم ويقولون هؤلاء لا يجوز تقليدهم لأنهم غير معروفين بالاجتهاد ، ولم يخرجوها على أصل أبي حنيفة لأنه خلاف عقيدته التي منها ( إن معنا أصلاً محققاً هو الإيمان فلا ترفعه إلاّ بيقين " [ تحفة المحتاج حـ2ص84 ] ،

***

 

[ القاعدة السادسة  ]  العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر

 

موضوع هذه القاعدة يتناول المسلم المتلبس بالكفر الأكبر أو الواقع في الشرك الأكبر جهلاً ، فهو مقر بالإسلام مظهر للتصديق والانقياد لدين الله عز وجل جملة وتفصيلاً إلاّ أنه لجهله وقع في كفر أكبر أو شرك أكبر ، وقد ذكرنا في القاعدة الثانية ( قاعدة عدم مؤاخذة الكافرين بكفرهم قبل بلوغ النذارة إليهـم ) أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول ، وجميع الأدلة التي سقناها هناك والتي تدل على عدم وقوع العذاب على الكفار الأصليين إلاّ بقيام الحُجة الرسالية ، فهي وإن كانت تتناول عذر الكافر إلاّ أنها من باب الأولى تتناول المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل ، إذ لم يسمع بالدليل وقد ذكرت هناك عشرة أدلة من كتاب الله عز وجل وسنّة نبيه   صلى الله عليه وسلم  وكلها كما يؤكد قاعدة ( عدم مؤاخذة الكافرين قبل بلوغ النذارة ) فهي تؤكد هذه القاعدة ( العذر بالجهل مانع من تكفير المسلم المتلبس بالكفر ) فراجعها هناك بالضرورة ، وإليك أدلة آخرى تجعل العذر بالجهل هي عقيدة أهل السنّة والجماعة المتمسكين بالكتاب والسنّة والسائرين على هدي السلف الصالح رضي الله عنهم ،

الأدلة من كتاب الله تعالى على عذر المسلم بالجهل : ( الدليل الثامن ) [ حيث ذكرت في القاعدة الرابعة سبعة أدلة من كتاب الله تعالى وكلها تصلح للاستدلال على هذه القاعدة وبالتالي يكون هذا هو الدليل الثامن من كتاب الله تعالى على هذه القاعدة ] : قوله تعالى{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] ، يقول الحافظ ابن كثير : " يقول تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة وحكمه العادل : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة . كما قال تعالى ( وأمّا ثمود فهديناهم ) الآية . وقال مجاهد في قوله تعالى ( وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم ) الآية . قال : بيان الله عز وجل للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وفي بيانه لهم في معصيته وطاعته عامة فافعلوا أو ذروا .وقال ابن جرير : يقول الله تعالى : (( وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوه )) فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه فلم تضيعوا نهيه إلى ما نهاكم عنه ، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال ، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي . وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعاً أو عاصياً فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه " [ تفسير ابن كثير حـ2/395 ]، ( الدليل التاسع ) قوله تعالى {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[ النساء : 115 ] ، قال ابن كثير في تفسيرها :" { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } أي ومن سلك غير الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فصار في شق والشرع في شق وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له "[ تفسير ابن كثير حـ1/554 ] ،

الأدلة من السنّة على عذر المسلم بالجهل : ( الدليل الرابع ) : [ حيث ذكرت عند القاعدة الثانية ثلاثة أدلة من السنّة تصلح للاستدلال على هذه القاعدة وبالتالي يكون هذا هو الدليل الرابع من السنّة على هذه القاعدة ] حديث الليثيين : " (( عن عائشة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً فلاجه رجل في صدقته ، فضربه أبو جهم فشجه ، فأتوا النبي  صلى الله عليه وسلم  فقالوا القود يا رسول الله ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! فقال النبي   صلى الله عليه وسلم : لكم كذا وكذا ، فلم يرضوا . قال لكم كذا وكذا ، فلم يرضوا ، قال : فلكم كذا وكذا فرضوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني خاطب على الناس ، ومخبرهم برضاكم   … قالوا نعم ، فخطب النبي  صلى الله عليه وسلم : فقال : إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود ، فعرضت عليهم كذا وكذا فرفضوا ، أراضيتم ؟ قالوا : لا . فهم المهاجرون بهم ، فأمرهم النبي  صلى الله عليه وسلم أن يكفوا ، فكفوا ، ثم دعاهم فزادهم ، وقال أراضيتم ؟ قالوا : نعم "[ أخرج عبد الرزاق في مصنفه (8032) وعنه أبو داود في سننه (4534) وعنه ابن حزم في المحلى (10/410) وابن ماجه (2638) من طريق عبدالرزاق ، والنسائي (8/35) . وأخرجه البيهقي (8/46) وأحمد (6/232) ] )) وقد علقّ ابن حزم رحمه الله على الحديث بكلام غاية في الرسوخ والوضوح فقـال " وفي هذا الخبر عذر الجاهل ، وأنه لا يخرج من الإسلام بما لو فعله العالم الذي قامت عليه الحُجة لكان كافراً ، لأن هؤلاء الليثيين كذبوا النبي صلى الله عليـه وسلـم  وتكذيبه كفر مجرد بلا خلاف لكنهم بجهلهم وأعرابيتهم عذروا بالجهالة فلم يكفروا "[ المحلى لابن حزم حـ10/410 - 411 ] أهـ ، ( الدليـل الخامـس ) : حديث سجود معاذ رضي الله عنه للنبي صلى الله عليـه وسلـم : أخرج البزار عن معاذ بن جبل أنه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ورهبانهم ، ورأى اليهود يسجدون لأحبارهم وعلمائهم وفقهائهم ، فقال : لأي شئ تفعلون هذا ؟ قالوا : هذه تحية الأنبياء ، قلنا فنحن أحق أن نصنع بنبينا   صلى الله عليه وسلم فلما قدم على نبي الله  صلى الله عليه وسلم  سجد له ، فقال . ما هذا يا معاذ ‍‍! فقال : إني أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لأساقفتهم وقسيسيهم ورهبانهم وبطارقتهم ، ورأيت اليهود يسجدون لأحبارهم وفقهائهم  وعلمائهم ، فقلت : لأي شئ تصنعون هذا ؟ أو تفعلون هذا ؟ قالوا : هذه تحية الأنبياء ، قلت : فنحن أحق أن نصنع بنبينا صلى الله عليه وسلم ، فقال نبي الله  صلى الله عليه وسلم : إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم . لو أمرت أحداً  أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه . ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب " [ أخرجه البزار (1461) والهيثمي في المجمع (4/309) وقـال : رواه بتمامه البزار وأحمد باختصار ورجاله رجال الصحيح وكذلك طريق من طرق أحمد وروى الطبراني بعضه أيضاً . قلت : وهو في المسند (4/381) بدون سجود معاذ ورواه ابن حبان (1390) عن ابن أبي أوفي وفيه سجوده للنبي   صلى الله عليه وسلم  وابن ماجه عنه (1853) ]  ، قال عنه الشوكاني : " وأخرج قصة معاذ المذكورة في الباب البزار بإسناد رجاله رجال الصحيح وأخرجها أيضاً البزار والطبراني بإسناد آخر وفيه النهاس بن قهم وهو ضعيف وأخرجها أيضاً البزار والطبراني بإسناد آخر رجاله ثقات " [ نيــل الأوطــار حـ6/361 ] ، ( الدليل السادس ) : حديث ذات أنواط أخرج الترمذي والإمام أحمد وغيرهما : ( عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله   صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يُقال لها ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى  { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ }[ الأعراف : 138 ] لتركبن سنن من قبلكم [ أخرجه الترمذي ح(2180) وقال حديث صحيح والإمام أحمد حـ5/218 وابن أبي عاصم في السنة (76) وحسنه الألباني ] والحديث دليل واضح على أنّ المسلم معذور بجهله حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالكفر ، فهؤلاء سألوا النبي  صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم شجرة يستنصرون بها كما يستنصر أهل الشرك بشجرة لهم سموها ذات أنواط ومعلوم أن من ظنّ ذلك بما هو دون الله فقد كفر ، وإنما عذرهم النبي  صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا حديثي عهد بإسلام ونبههم إلى خطورة ذلك من باب إقامة الحُجة بالعلم ، ( الدليل السابع ) : حديث حذيفــة بن اليمان " يدرس الإسلام كمــا يدرس وشى الثـوب " : " عن حذيفة بن يمان مرفوعاً : يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب ، حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ، وتبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبير والعجوز ، يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة : ( لا إله إلاّ الله ) فنحن نقولها . فقال له صلة : ما تغنى عنهم : لا إله إلاّ الله ، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة . ثم ردها عليه ثلاثاً . كل ذلك يعرض عنه حذيفة . ثم أقبل عليه في الثالثة ، فقال : يا صلة تنجيهم من النار ثلاثـاً " [ الحديث أخرجه ابن ماجة في سننه (4049) والحاكم في المستدرك (4/473) وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة ح(87) حـ1/127 - 128 ] والحديث واضح الدلالة على أنّ المسلم معذور بجهله ومثاله طوائف في آخر الزمان لا تقوم عليهم الحُجة سوى بشهادة التوحيد وحدها ، ومن ثمّ لا يعلمون ولا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ، وقد رفع عنهم القرآن الكريم فلا تبقى منه في الأرض آية واحدة ، فهؤلاء يعذرهم الله تعالى بجهلهم بفرائض الإسلام ومن ثم تنجيهم شهادة التوحيد من النار لأنه ما قامت عليهم الحُجة إلاّ عليها ، ( قلت ) : الأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، لاسيما وهو مقر بالتوحيد وأركان الإيمان التي بلغته ، والأصل في بيان هذه القاعدة هو حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه والذي حكم بصحته الألباني في السلسلة الصحيحة . وفيـه : " يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب ، حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة ( لا إله إلاّ الله ) فنحن نقولها ، فقال له صله : ما تغني عنهم لا إله إلاّ الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثاً كل ذلك يُعرض عنه حذيفة ثم أقبل في الثالثة فقال يا صله : تنجيهم من النار ثلاثاً " أهـ ، وفي الحديث دلالة واضحة على العذر بالجهل وأن المسلم الذي يقول لا إله إلاّ الله معذور بجهله الذي لا يملك دفعه عند زوال العلم والعلماء ، وحذيفة رضي الله عنه أخبر تلميذه التابعي (صله) رحمه الله أنّ في هذه الأزمان التي يزول فيها العلم يعذر المسلم بجهله بجميع أصول الدين وفروعه ما كان محافظاً على أصل الإقـرار بشهـادة التوحيـد ( لا إله إلاّ الله ) ، ومنه يتبين أنّ الجاهل معذور حتى تقوم عليه الحُجة بالعلم ، أمّا المعتزلة الذين يقسمون الدين إلى أصـول ( عقائد ) لا يعذر الجاهل بها ، وفروع ( مسائل العمل ) يعذر الجاهل بها ، وكذلك أشباههم الذين يقسمون الدين إلى توحيد ألوهية وربوبية لا يعذر فيها المـرء بجهلـه ، وبقيـة الديـن ( فروع ) يعذر فيها بجهله ، فهو تقسيم مبتدع لم يأت به كتاب ولا سنّة ولا قول السلف ولا أئمة المسلمين من بعدهم ، ولابن العربي رحمه الله درة بخصوص عموم العذر لأصول الدين وفروعه قال فيها : " الجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً ، فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحُجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله ، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعاً جلياً قطعياً يعرفه كل المسلمين من غير نظر وتأمل "[ نقله عنه القاسمي في محاسن التأويل حـ5/1307 ] أهــ فنلاحظ أنه عمم العذر بالجهل حتى شمل أعمال الكفر والشرك ، وعدم التفريق في العذر بالجهل بين أصول ولا فروع هو مذهب أهل السنّة والجماعة بخلاف المعتزلة ومن سار على نهجهم في التعجل بالتكفير على أهل القبلة ، ( قلت ) : العذر يتأكد في الزمان والمكان الذي يغلب فيه الجهل ويقل العلم وإنما ذلك لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة فالعذر يكون آنذاك أولى وآكد وأوسع ، وهذا الحكم من آثار رحمة الله التي وسعت كل شيئ ، ( قلت ) : ويتفرع من القاعدة السابقة قاعدة آخرى : ألاّ وهي أنّ المعلوم من الدين بالضرورة أمر إضافي ، فما كان معلوماً من الدين بالضرورة في مكان ما ليس بالضرورة أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة في مكان آخر ، وما كان معلوماً من الدين بالضرورة في زمان الرسالة ليس بالضرورة أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة في أزمان قلة العلم وغلبة الجهل وندرة العلماء . ولهذا كان العلماء يعذرون حديث العهد بالإسلام ويعذرون من نشأ في بادية بعيدة عن أهل العلم بما لا يعذرون به غيرهم ، يقول ابن حجر الهيثمي : " وقد يكون الشيء متواتراً معلوماً بالضرورة عند قوم دون غيرهم ، فيكفر من تواتر عنده دون غيره ، أما المجمع عليه غير المعلوم بالضرورة كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب فلا كفر بإنكاره عندنا " أهـ [ فتح المبين لشرح الأربعين ص69 ] ، وآخـر ما تيسر من الضوابط المتعلقة بالعذر بالجهل : أنّ الاعتبار في بلوغ الحُجة بالنسبة لعذر المسلم المتلبس بالكفر الأكبر بجهله هو عدم إمكان العلم . فمن ادعى عدم علمه بالعمل المكفر أو القول المكفر يقبل ادعاؤه بجهله ، وذلك لأن التكفير حق خالص لله عز وجل ،ويترتب عليه الحكم بردة المعين ، فيجب الاحتياط الشديد عند الحكم على مسلم معين بكفر وترجيح جانب حسن الظن به ، وهو هنا يحتم علينا قبول قوله ، وعلى هذا الاعتبار كان عمل الصحابة رضي الله عنهم  ، فقد أورد ابن حجر في تلخيص الحبير : " أنّ عمر رضي الله عنه عذر من زنت من مرعوش بدرهمين وكانت تستهل به ولا تكتمه لجهلها وعدم علمها بتحريم ذلك ، وسأل عمر رضي الله عنه عثمان رضي الله عنه عن حكمها فقال : أراها تستهل به وليس الحدّ إلاّ على من علم فقال عمر : صدقت والذي نفسي بيده ما الحدّ إلاّ على من علم " أهــ [ انظر تلخيص الحبير لابن حجر حـ4/61 ] ، وعلى ذلك فليس الحدّ إلاّ على من علم ، وهذا يدلنا على أنّ الاعتبار الصحيح في العذر بالجهل هو ( عدم إمكان العلم ) ويتحقق ذلك بإقرار المرء فإن أقر بالجهل ودلت الشواهد على صدقه فها هنا لا سبيل إلى إقامة الحدّ عليه لأن الحدّ لا يكون إلاّ على من علـم . وينقل ابن حزم أنّ هذا هو قول السلف ، فيقول : " وقد جاءت في هذا عن السلف آثار كثيرة كما روينا عن سعيد بن المسّيب أنّ عاملاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمر يخبره أنّ رجلاً اعترف عنده بالزنى فكتب إليه عمر أن سله هل كان يعلم أنه حرام فإن قال نعم فأقم عليه الحدّ وإن قال لا فأعلمه أنه حرام فإن عاد فاحدوه ، وعن الهيثم بن بدر عن حرقوص قال : أتت امرأة إلى علي بن أبي طالب فقالت إن زوجي زنى بجاريتي فقال صدقت هي ومالها لي حِلّ ، فقال لي علي : اذهب ولا تعد كأنه درأ عنه الحدّ بالجهالة "[ المحلى لابن حزم حـ11/184 ] أهـ ، ومن قول ابن حزم وابن حجر نعلم أنّ هذا هو مذهب عمر وعثمان وعلي ولا نعلم لهم مخالفاً ، لاسيما وابن حزم ينقل هذا عن السلف وأنه وردت عنهم في ذلك آثار عديدة ، فإذا كان هذا هو قولهم في الحدود وهي غالباً ما تكون حقوقاً مشتركة بين حق الله تعالى وحقوق العباد ، فإن الحقوق الخالصة لله عز وجل أولى بذلك ومنها التكفير والتفسيق والتبديع ، فلا ينبغي فيها إلاّ اعتبار قاعدة ( عدم إمكان العلم ) بمعنى أن الوالج فيها معذور بجهله حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بذلك ، ( قلت ) : ولا يُخالف هذه القاعدة ما قد يظنه البعض من كون عمر رضي الله عنه أقام الحدّ على عثمان بن مظعون في شرب الخمر ، وذلك لأن عثمان رضي الله عنه كان يعلم بحرمة شرب الخمر والحدّ المترتب عليه ، ومع ذلك شربه متأولاً فالأمر هنا ليس من باب العذر بالجهل حتى يدرأ عنه الحدّ لأنه يعلم بالحرمة وإنما هو من باب العذر بالتأويل في استحلاله لشرب الخمر ،  ومعلوم أنّ استحلال المعصية كفر أكبر إلاّ أنّ عمر رضي الله عنه درأ عنه حدّ الكفر والردة بالعذر بالتأويل ، وجلده لشرب الخمر لأنه يعلم بحرمة الخمر والحدّ المترتب عليه ، فلكل موضع حكمه الملائم به وهذا ما كان من عمر رضي الله عنه ، ولا يُشكل على هذه القاعدة أيضاً ما يظنه البعض من أنّ من أتلف شيئاً ولو عن جهل أو خطأ أن عليه إصلاحه وأنه يتحمل تبعات هذا التلف حتى وإن كان عن جهل ، وذلك لأن هذه حقوق للعباد ، والشريعة مبنية على التسامح في حقوق الله تعالى وعلى حفظ حقوق العباد ، وإلاّ فسدت مصالح الناس وهذا من كمال حكمة الشريعة الربانية القيّمة . ولا يشكل عليها أيضاً ما يقول به بعض الفقهاء من كون من ارتكب حداً من المعلوم من الدين بالضرورة وكان في ديار الإسلام وبين المسلمين فإنه لا يصدق في ادعائه الجهل بالحكم ، كمن ولد في ديار المسلمين وعاش بينهم ثم ارتكب كبيرة كالزنا وزعم جهله بحرمة الزنا ، فقالوا أنه لا يُصدق في ذلك ويُقام عليه حدّ الزنا ، قلت فقول هؤلاء مبني على الاحتياط واعتبار القرائن حتى لا يتهاون الناسُ بالفرائض والمحرمات ويجترئون عليها بزعم الجهل بها ، أمّا عند التحقيق والوقوف عند ضوابط الشرع ، فالحدّ كما قال عمر وعثمان رضي الله عنهما لا يكون إلاّ على من علم ، ومن استحل ادعاء الجهل بشيء يعلمه من شرع الله فهذا عقابه وعذابه لا يعلمه إلاّ الله ، وقول هؤلاء الفقهاء إنما هو في باب الحدود أمّا حدّ الكفر فهم متفقون على أنه أولى الحدود بالاحتياط وترجيح باب حسن الظن بالمسلم وحمل كلامه على أحسن المحامل ، فلا يكفر من ادعى الجهل بالحكم وإنما يُعّلم أن هذا من باب الكفر فإن عاد كفر ولا كرامة . وهذا هو ما نقله ابن حزم عن عمر رضي الله عنه ، ( وبقيـت أمامنـا فائدتـان جليلتـان ) : ( الأولى ) : وهي الردّ على من استدل بالفطرة والميثاق على عدم العذر بالجهل في مسائل التوحيـد ، ( الثانية ) : بيان المُراد بالعذر بالجهل وأنه ضابط لمنع التكفير وليس يمنع من العقوبة والتعزيز وذلك حتى لا يصير الجهل نعمة والعلم نقمة ،

الفائدة الأولى : في الردّ على من استدل بالفطرة والميثاق على عدم العذر بالجهل في مسائـل التوحيـد : رغم الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنّة على عموم العذر بالجهل في أصول الدين وفروعه ، ورغم كثرة أقوال العلماء الأئمة الدالة على اتفاقهم على هذه القاعدة إلاّ أنّ البعض راح يزعم أنّ العذر بالجهل مقصود على الفروع وأنه لا عذر بالجهل في مسائل التوحيد لاسيما توحيد الربوبية والألوهية ، وجعل السبب في ذلك هو قيام الحُجة على الناس في باب التوحيد بالميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وبالفطرة التي فطرهم عليها ، وهنا أورد بعض شبهاتهم التي أشكلت على البعض وبيان مفاتحها حتى لا تكون هناك أدنى شبهه على عموم العذر بالجهل في أصول الدين وفروعه ، قالوا الذي يدّل على عدم العذر بالجهل في التوحيد ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت (( يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين هل ذلك نافعه ؟ قال  صلى الله عليه وسلم لا ينفعه إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )) . وما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه (( أنّ رجلاً قال يا رسول الله أين أبي ؟ قال في النار ، فلمّا مضى الرجل دعاه فقال  صلى الله عليه وسلم  إنّ أبي وأباك في النار )) . قالوا هذه النصوص وغيرها دلّت على أنهم في النار بشركهم وعدم توحيدهم مع أنّ الله تعالى جعلهم من أهل الفترة وذلك في قوله تعالى : {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [ القصص : 46 ] وقوله تعالى : {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ } [ يس : 6 ]  فلمّا لم يكن هناك من أنذرهم قبل ذلك كما دلّ القرآن ثم هم في العذاب والنار كما دلت السنّة فحتماً يدل ذلك على أنه لا عذر بالجهل في أمور التوحيد لاسيما توحيد الربوبية والألوهية ، ومع وجاهة استدلالهم لأنه يستند إلى الكتاب والسنّة إلاّ أنه ليس وجيهاً البتة عند أهل العلم ، وذلك لأنه مخالف للأدلة الكثيرة التي أوردناها من الكتاب والسنّة عن عموم العذر بالجهل للتوحيد وغيره ، ووجب عند أهل العلم الجمع بين النصوص ، وهو متيسر ها هنا لذوي العلم ، فالآيات الدالة على أنه لم يبلغهم نذير ولم يأتهم رسول متعارضة بمثل قوله تعالى { وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ } [ فاطر : 24 ] فالآية تدل على أنّ عموم الأمم قد جاءها نذير وهو يشمل الأمم لأن الأفراد قد صح الحديث في أنّ من مات منهم في الفترة ولم يبلغه نذير أنه يُختبر يوم القيامة ، وعلى ذلك مشركي قريش قد بلغتهم نذارة يقيناً وهذه النذارة هي دين إبراهيم الخليل عليه السلام ، فهم وإن لم يرسل إليهم رسول قبل النبي  صلى الله عليه وسلم  على وجه الخصوص إلاّ أنهم قامت عليهم الحُجة بالتوحيد بدين إبراهيم عليه السلام ، ولا حُجة لهم في قولهم أنّ دين إبراهيم دخله التحريف لأنه قد كان فيهم ـ أي المشركين ـ من يعرف بالتوحيد ويدعوهم إليه ويحتج عليهم به ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل وقد جاء في صحيح البخاري أنه كان يقول لكفّار قريش (( يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيـم غـيري )) [ البخاري ح(3828) ] .وجاء فيه كذلك أنه كان يقول لمشركي قريش ( الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحوها على غير اسم الله ) [ البخاري ح(3826) ] ، وجاء في البداية والنهاية لابن كثير : أنّ النبي  صلى الله عليه وسلم سئل عن زيد بن عمرو بن نفيل وأنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم ويسجد فقال النبي   صلى الله عليه وسلم (( يُحشر ذاك أمة واحدة بيني وبين عيس ابن مريم )) وقال ابن كثير إسناده جيد حسن . الشاهد أنّ الحُجة قامت على مشركي قريش بدين إبراهيم عليه السلام وكان منهم الحنفاء كزيد بن عمرو بن نفيل وغيره ممن هم على بقية من دين إبراهيم عليه السلام ، والشاهد أنّ عذاب هؤلاء لأنهم قد قامت عليهم الحُجة في التوحيد بدين إبراهيم الحنيف عليه السلام وهم كانوا يتفاخرون على الناس بأنهم من نسل إبراهيم ، وكان فيهم الحنفاء الذين ينهوهم عن الشـرك ويدلونهـم على ديـن إبراهيـم عليـه السـلام الـذي يتفـاخرون بالانتسـاب إليـه . ولهذا قال النووي رحمه الله ـ عند شرحه لحديث إنّ أبي وأباك في النار ـ " فيه أنّ من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار ، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم " [ صحيـح مسلـم بشـرح النـووي حـ3/79 ] أهــ

الفائدة الثانية : العذر بالجهل ضابط لمنع التكفير حتى تقوم عليه الحُجة بالكفر الأكبر وليس المراد به أنه عذر بإطلاق : لو أطلقنا القول بأنّ الجاهل معذور بلا ضابط لصار الجهل نعمة عند أصحابه والعلم عندهم نقمة إذ الجاهل معذور في كل شيء والعالم مؤاخذ على علمه وهذا لا يصح البتة ، وإنما المقصود من هذه القاعدة أنّ ادعاء الجهل يمنع من تكفير المسلم الكفر الأكبر حتى تقوم عليه الحُجة بالعلم ، وفي هذا ترجيح لجانب الاحتياط والحكم لصالح المسلم مخافة ظلمه والبغي عليه بغير وجه حق ، وليس معنى ذلك أنه برئ من الإثم والذنب والتعزير فالإثم لاحق به لا محالة إن كان متمكناً من طلب العلم فلم يطلبه ، والتعزير واجب في حقه إن ثبت تقصيره في طلب المعلوم من الدين بالضرورة وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه .

***

 

[ القاعدة السابعة ]  : العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر

 

موضوع حديثنا في هذه القاعدة المتأول المتلبس والواقع في الكفر وإلاّ فالمتأول لما دون الكفر فهذا يتناوله باب المبتدع أو باب الفاسق والعاصي ، وقد يكون متأولاً قاصداً للحـق ، وهو مجتهد توافرت له عدة الاجتهاد فأخطأ فهذا مخطئ مرفوع عنه الوزر ، بل قد يكون له أجر المجتهد إذا اجتهد فأخطأ ، والتأويل نوعان نوع غير سائغ فلا يُعذر به المرء ، ونوع سائغ يعذر به المسلم المتأول وضابط التفريق بين النوعين : أنّ ما كان منشأه من تكذيب الشريعة وقصد تعطيلها ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية وغلاة الفرق الضالة أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع وأمّا ما كان منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، ولا يصح العذر في التأويل الغير مستساغ : لأنّ هذا التأويل يكون في حقيقته تكذيب الشريعة أو جحودها أو جحود بعض أركانها أو تعطيل أحكامها ، أو التنصل من قيودها ، وهذا لا يصح العذر فيه لأن مآله إلى هدم الدين من أساسه والشريعة من قواعدها . ومثال هذا التأويل :  تأويلات القرامطة والباطنية والفلاسفة التي تدور على الإلحاد والكفـر بالله ورسلـه ويومـه الآخر  ، وتأويلات غُلاة الفرق الضالة المخرجة من الملة لجحدها معلوم من الدين بالضرورة كقول السبتية والغُرابية من الشيعة وهم يقولون بألوهية الإمام علي أو بأحقيته بالنبوة والرسالة ، وتأويلات غُلاة القدرية الذين ينفون علم الله عز وجل بالكلية ، وفي بيان هذا التأويلات التي لا تُقبل من صاحبها . يقول الغزالي رحمه الله : " ولابد من التنبيه على قاعدة وهو أنّ المخالف قد يُخالف نصاً متواتراً ويزعم أنه مؤول مثـاله : ما في كلام بعض الباطنية أنّ الله تعالى واحد بمعنى أنه يُعطي الوحدة ويخلقها ، وعالم بمعنى أنه يُعطي العلم لغيره ويخلقه ، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره ، وأما أن يكون واحداً في نفسه وموجوداً وعالماً على معنى اتصافه فلا ، وهذا كفر صُراح ، لأنه حمل الوحدة على اتحاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلاً .. إلى أن قال ... فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عُبّر عنها بالتأويلات " [ فيصـل التفرقة ص147 ] . ويقول ابن الوزير :  " لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار " [ إيثار الحق على الخلق ص415 ] أهــ ، وقال ابن الوزير أيضاً :" طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنـزيل وخالفوا في التأويل فهؤلاء لا يكفر منهم إلاّ من تأويله تكذيب ، ولكن سمّاه تأويلاً مخادعة للمسلمين ومكيدة للدين ، كالقرامطة الذين أنكروا وصف الله تعالى بكونه موجوداً وعالماً وقادراً ونحو ذلك من الصفات التي علم الكافة بالضرورة أنّ النبي   صلى الله عليه وسلم  جاء بها على ظاهرها " [ العواصم والقواصم حـ4/176 ] أهــ وقال الـمُـلا على القارئ :" وأمّا من يؤول النصوص الواردة في حشر الأجساد وحدوث العالم وعلم الباري بالجزئيات فإنه يكفر ، لما علم قطعاً من الدين أنها على ظواهرها ، بخلاف ما ورد في عدم خلود أهل الكبائر في النار لتعارض الأدلة في حقهم "[ شـرح الفقه الأكبر ص69 ] أهــ ، وقـال ابـن حـزم - وهو يذكر أمثلة لطوائف لا تُعذر بالتأويل ، وهم غُلاة الفرق الضالة - : " وقد تسمى باسم الإسلام من أجمع جميع فرق المسلمين على أنه ليس مسلماً مثل طوائف من الخوارج غلواً فقالوا إن الصلاة ركعة بالغداة وركعة بالعشي فقط ... وقالوا إن سورة يوسف ليست من القرآن ، وطوائف كانوا من المعتزلة ثم غلو فقالوا بتناسخ الأرواح ، وآخرون قالوا إن النبوة تكتسب بالعمل الصالح ، وآخرون قالوا قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء ... وأن من عرف الله حق معرفته فقد سقطت عنهم الأعمال والشرائع وقال بعضهم بحلول الباري ـ تعالى ـ في أجسام خلقه كالحلاج وغيره " [ الفصـل في المـلل والنحـل حـ2/114 ] أهـ ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ( وهذا هو التأويل الذي تتناوله هذه القاعدة ) : وهذا التأويل يكون من قبيل الخطأ مع قصد موافقة الشريعة والاجتهاد في الطاعة والقربة وغالباً ما يكون سببه الجهل و الهوى الخفي ، مع وجود وجه مستساغ له في اللغة وله وجه في الشـرع . وهذا التأويل يُعذر صاحبه بالتأويل فلا يوصف بالكفر الأكبر وإن كان متلبساً به حتى تُقام عليه الحُجة التي تنقطع دونها شبهاته والتي يكفر تاركها بيقين ، قال ابن حجر  " قال العلماء كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذا كان تأويله سائغاً في لسان العرب وكان له وجه في العلم " [ فتـح البـاري حـ12/304 ] أهـ ، وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ومن إجماع الصحابة رضي الله عنهم ،

( أ ) الأدلة من كتاب الله تعالى على عذر المتأول : قال تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] دلت الآية الكريمة على قاعدة شرعية عظيمة ألا وهي أنّ المؤاخذة والتأثيم لا تكون على مجرد المخالفة ما لم يتحقق القصد القلبي إليها ، ومعلوم أنّ المتأول في ظاهره ـ وقد أمرنا أن نحكم على الظاهر ـ يقصد الحق ويقصد متابعة الشريعة إلاّ أنه أخطأ الدليل ، فالآية تتناوله إن شاء الله تعالى وهكذا كل آية دلت على هذه القاعدة الشرعية العظيمة كمثل قوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا  }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلاّ ما يُطاق ] فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، ويؤكد ما قلت نقلان عن فحول العلماء : الأول عن ابن حجر رحمه الله قال : " قال ابن التين أجرى البخاري قوله تعالى { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ  }[ الأحزاب : 5 ]  في كل شيء وقال غيره : هي في قصة مخصوصة وهي ما إذا قال الرجل يا بُني وليس ابنه ... ولو سلّم أن الآية نزلت فيم ذكر لم يمنع ذلك من الاستدلال بعمومها في سقوط الإثـم " [ فتــح البــاري حـ11/551 ] أهـ ، والثاني عن ابن الوزير قال رحمه الله : " قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ ، والظاهر أن أهل التأويل أخطئوا ، ولا سبيل إلى العلم بتعمّدهم ؛ لأنه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى ، قـال الله تعالى في خطاب أهل الإسلام خاصة :{ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ   }  [ الأحزاب : 5 ] وقال تعالى : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا  }  [ البقرة : 286 ] . وصحّ في تفسيرها أن الله تعالى قال : قد فعلتُ في حديثين صحيحــين " [ إيثـار الحق على الخلق ص435 ] أهــ

( ب ) الأدلة من السنّـة على عذر المتأول : النبي صلى الله عليه وسلم يعذر أسامة بن زيد بالتأويل : أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجة والإمام أحمد " عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : بعثنا رسول الله إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ـ كان قد أثخن على المسلمين ـ قال فلمّا غشيناه قال لا إله إلاّ الله قـال : فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي فقتلته ، قال فلمّا قدمنا بلغ ذلك النبي   صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) قلت يا رسول إنما كان متعوذاً ، قـال :  (( أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله ؟ )) فمازال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم .وفي رواية : هلا شققت عن قلبه " [ ( انظر ) ـ مسلم كتاب الإيمان حـ1ص53 باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلاّ الله ، وأبوداود كتاب الجهاد باب على ما يُقاتل المشركون حـ3/44 ، وابن ماجه كتاب الفتن باب الكف عمن قال لا إله إلاّ الله حـ2/1295 ، ومسند الإمام أحمد حـ4ص439 ] ، ( قلت ) النبي  صلى الله عليه وسلم  ـ لا شك في أنه ـ عذر أسامه رضي الله عنه ، وعذره إنما يكون لأنه فعل ما فعل من قتل القاتل لشهادة التوحيد متأولاً أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة بالتأويل : أخرج البخاري رحمه الله عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال " بعثني رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أنا والزبير والمقداد فقال : ( انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ) فذهبنا تعادى بنا خلينا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا : أخرجي الكتاب ، فقالت : ما نعي من كتاب ، فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب . فأخرجته من عقاصمها ، فأتينا به النبي   صلى الله عليه وسلم  فإذا فيه : من حاطب ابن أبي بلتعه إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي   صلى الله عليه وسلم  فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  ( ما هذا يا حاطب ؟ ) قال : لا تعجل عليّ يا رسول الله إني كنت امرأ من قريش ولم أكن من أنفسهم ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة . فأحببت إذا فاتني من النسب فيهم أنّ أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي . وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  ( إنه قد صدقكم ) ، فقال عمر : دعني يا رسول الله فأضرب عنقه ، فقال ( إنه شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) . " [ كتاب التفسير ، سورة الممتحنه باب قوله تعالى ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) ح رقم (4890) ] أهـ ، ( قلت ) النبي  صلى الله عليه وسلم  عذر حاطب رضي الله عنه بالتأول وذلك أنّ حاطب رضي الله عنه تأول أنّ خوفه من الكفار على أهله وماله يرخص له في موالاة الكافرين ، ولا شك أنه كان مخطئاً في تأويله وقد عاتبه الله عز وجل على فعله في بداية سورة الممتحنة ، وعذره الرسول  صلى الله عليه وسلم لخطئه في التأويل لاسيما وهو رضي الله عنه موقن أنّ الله تعالى ناصر نبيه  صلى الله عليه وسلم لا محالة وأنّ فعله هذا لا يضر بالرسول  صلى الله عليه وسلم  ولا بدعوتـه ، وفي بيان عذره بالتأويل : أنشأ البخاري ـ رحمه الله ـ بابا في كتابه " الأدب " [ باب من لم ير إكفار من فعل ذلك متأولاً أو جاهلاً ] ذكر فيه " وقال عمر لحاطب بن أبي بلتعة إنه نافق فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  ( وما يدريك لعل الله قـد اطلـع إلى أهـل بـدر فقـال قد غفـرت لكـم ) " [ كتاب الأدب ، باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً ] أهــ وقال ابن حجر رحمه الله : " وعذر حاطب ما ذكره فإنه صنع ذلك متأولاً أنّ لا ضرر فيه " [ فتح الباري حـ8/634 ] أهــ وقال ابن كثير رحمه الله :" ولهذا قبل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عذر حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان عندهم من الأموال والأولاد "(3) أهــ والمعنى أنّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم   إنما عذره لما تأوله لفعله وإن كان مخطئاً إلاّ أنّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم   عذره بتأويله فلم يكفره وعذره بأنه كان من أهل بدر فلم يعذره لخطئه وأقال عثرته وهو  صلى الله عليه وسلم القائل ( اقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم )

( ت ) إجماع الصحابه رضي الله عنهم على عذر قدامة بن مظعون وأصحابه بالتأويل : والقصة معروفة وحاصلها أنّ قدامة بن مظعون وجماعة من أصحابه شربوا الخمر في خلافة عمر رضي الله عنه ، فأراد أن يقيم عليهم حدّ الخمر فاحتج له بالآية {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [ المائدة : 93 ] ظناً منه وتأولاً للآية أنه لا جناح على المؤمنين المتقين في شرب الخمر ، فاستشار عمر رضي الله عنه الصحابة فاتفقوا على أنّ هذا استحلال للخمر واستحلال المحرمات كفر ، واتفقوا على عذره بالتأويل فلا يكفرونه إلاّ بعد إقامة الحُجة عليه فإن أبى بعد ذلك كفر وقُتل ردة ، فلمّا أقاموا عليه الحُجة بالأدلة الشرعية تاب ورجع وأقاموا عليه حدّ شرب الخمر ، وعذروه بتأويله لاستحلال المحرّم فلم يكفروه . وفي هذه القصة يقول ابن تيمية : " ولهذا لمّا استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب الخمر وظنوا أنها تُباح لمن عمل صالحاً على ما فهموه من آية المائدة ، اتفق علماء الصحابة كعمر وعليّ وغيرهما على أنهم يُستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا وإن أقروا به جُلدوا ، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداءً لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق وكذلك الحكم على كل من استحل محرماً من المحرمات الظاهرة المتواترة إذا لم تقم عليه الحُجة وعرضت له الشبهات من جنس ما عرض لهؤلاء فالتكفير بعد إقامة الحُجة وإزالة الشبهة" [ الرد على البكرى ص258 ] أهـ

( ث ) إجماع علماء أهل السنّة والجماعة على عذر المتأول : حكى الإمام الشافعي رحمه الله : الإجماع على عذر المتأول حتى وإن استحل المحرم بتأويله أو جحد الفرض بتأويله ما كان لا ينطوي على تكذيب الشريعة ، وما كان له من وجه يحتمله . فقال رحمه الله : " فلم نعلم أحداً من سلف الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم ردّ شهادة أحدٍ بتأويل وإن خطّـأه وضلّله ، ورآه استحل فيه ما حرم عليه ، ولا ردّ شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله ، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال والمفرط من القول ؛ وذلك أنّـا وجدنا الدماء أعظم ما يُعطى الله تعالى بها بعد الشرك ، ووجدنا متأوّلين يستحلّونها بوجوه ، وقد رغب لهم نظراؤهم عنها وخالفوهم فيها ، ولم يردّوا شهادتهم بما رأوا من خلافهم . فكل مستحلّ بتأويل من قول أو غيره ، فشهادته ماضية ولا تردّ من خطأ في تأويله " [ الأم للإمام الشافعي حـ6ص205 - 206 ] ، ( قلت ) لو تدبرنا كلام الإمام الشافعي الذي ملأ طباق الأرض علماً لعلمنا يقيناً صحة هذه القاعدة ( العذر بالتأويل مانع من تكفير المسلم ) فكيف إذا أشار رحمه الله إلى أنه إجماع السلف الذي لا يعلم الشافعي فيه خلافاً .. وأنّ إجماعهم لم يصل إلى حدّ عدم إعذاره فحسب ـ وإن كان استحل بتأويله الدم والمال ـ بل إلى حدّ عدم ردّ شهادته.

***

 

[  القاعدة الثامنة  ]  المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة

 

الأدلة الدالة على صحة هذه القاعدة : دلّت على هذه القاعدة الرصينة آيات عديدة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه  صلى الله عليه وسلم تدل على عذر المسلم وأنه لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر سبق ذكرها في القاعدتين الخامسة والسابعة ، منها آيات تدل على عذر  الكافر بجهله حتى تقوم عليه الحُجة بسماع الرسالة أو السماع بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذه الآيات حُجة ـ من باب الأولى ـ في عذر المسلم حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر . ومنها آيات تدل على عذر المسلم بالجهل ، وأنه معذور حتى يتبين له الهدى وتقام عليه الحُجة بالعلم ، ( قلت ) : علماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة وبعض المتعجلين في مسائل التكفير دون التحقق من استيفاء شروطه وانتفاء موانعه ، وقد يظن بعض المتعجلين في مسائل التكفير أن قيام الحُجة لا يكون إلاّ لحديث العهد بالإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة فقط ، حتى قال قائلهم ( كل من تلبس بكفر أكبر ينقل عن الملة فهو كافر بعينه في ظاهر أمره ، فإذا ما توقف البعض عن إطلاق اسم الكفر عليه ولاعتبارات واقعية معينة أملتها ضرورات الظروف المحيطة بالدعوة في مراحل خاصة وليس كموقف فقهي يعتقـده الداعية ويتبناه " أهــ [ الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد ص119 ] ، نقول  الذي عليه أهل السنّة والجماعة أن المسلم المتلبس بالكفر لا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة الشرعية بالكفر ولا يتوقف ذلك على حديث العهد بالإسلام ومثله ، فقد يكون مولوداً بدار إسلام ولكن غاب عليه أن ما فعله كفر أكبر أو تأول ذلك وهو لا يظن أن ما وقع فيه هو الكفر الأكبر ، ولذلك فإقامة الحُجة ليست مقصورة على حديث العهد بالإسلام فقط وإنما على كل مسلم أقر بالإسلام وتلبس بالكفر ، وهذا القائل لم يحقق مذهب أهل السنّة والجماعة في مسائل التكفير وهو يقول بقول المعتزلة ويظن أنه قول السلف ـ نسأل الله السلامة من الفتن ومنها فتنة تكفير المسلمين بغير علم ولا هدى ـ وعموماً فإن الكتاب المُشار إليه قد احتوى على مخالفات كثيرة تُخالف مذهب أهل السنّة والجماعة لاسيما في مسائل التكفير ، قال ابن قدامة المقدسي حيث يقرر تلك القاعدة بقوله ".. وقد رُوى أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[ المائدة : 93 ] فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم ، وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك " [ المغني لابن قدامة حـ10/86 ] أهـ ، ( قلت ) فابن قدامة رحمه الله ينسب تلك القاعدة إلى إجماع الصحابة رضي الله عنهم حيث استحل قدامة بن مظعون وأبو جندل وجماعة معه شرب الخمر ، ومعلوم أن استحلال المحرمات كفر أكبر مخرج من الملة ، ولكن الصحابة لم يكفروهم بل أقاموا عليهم الحُجة وعرفوهم بحكم شرب الخمر وحرمته وأزالوا الشبهة التي عرضت لهم وعذروهم بالجهل ، ثم قال رحمه الله بعذ ذكر هذه القصة " وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك ويزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك " أهـ ،  وهذه القاعدة التي أجمع عليها الصحابة رضي الله عنهم ذكرها البخاري رحمه الله في صحيحه وجعلها باباً مستقلاً فقال : " باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحُجة عليهم وقول الله تعالى  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] " ،  وقال العينى في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري : (( أشار البخاري بهذه الآية الكريمة إلى أن قتال الخوارج والملحدين لا يجب إلاّ بعد إقامة الحُجة عليهم وإظهار بطلان دلائلهم والدليل عليه هذه الآية لأنها تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون )) [ عمدة القارئ حـ19/369 ] أهــ ،

ضوابط أهل العلم في إقامة الحُجة وكونها معتبرة شرعاً : - وهذا المبحث درة من درر العلم الراسخ الذي يُرينا كيف كانت ضوابط أهل السنّة والجماعة الربانية في إقامة الحُجة واستيفاء شروطها وانتفاء موانعها -  :  لأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث قواعد لا يسع العالم أو المفتي أو القاضي ـ فضلاً عن غيرهم ـ جهلها وإلاّ آل الأمر بهم إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهو ما يخالف ما نقلناه عن أهل العلم ـ في القاعدة السادسة ـ من وجوب الاحتياط عند الحكم على المسلم المتلبس بالكفر وترجيح جانب حسن الظن به ، وحمل المحتملات قدر المستطاع لصالحه ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : (1) لا تكون الحجة معتبرة شرعاً حتى تستوفي شروطها من جهة صفتها وصفة من يقيمها وصفة إقامتها  ، (2) لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه  ، (3) عند الاختلاف في تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير ،

( الضابط الأول ) : لا تكون الحجة معتبره شرعاً حتى تستوفي شروطها من جهة صفتها وصفة من يقيمها وصفة إقامتها : والحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة صحيحة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالإسلام والعدالة والعلم والدليل على ذلك قوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فالنذارة لا تكون إلاّ من فقيه ولهذا يقول ابن حـزم في كتـاب الإحكـام " وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا وجوب قبول نذارة العدل النافر للتفقه في الدين ، فإذا كان الراوي عدلاً حافظاً لما تفقه فيه أو ضابطاً له بكتابة وجب قبول نذارته ، فإن كان كثير الغلط والغفلة غير ضابط بكتابة فلم يتفقه فيما نفر للتفقه فيه ، وإذا لم يتفقه فليس ممن أمرنا بقبول نذارته ، ومن جهلنا حاله فلم ندر أفاسق هو أم عدل ، أو غافل هو أم حافظ أو ضابط ففرض علينا التوقف عن قبول خبره حتى يصح عندنا فقهه وعدالته وضبطه أو حفظه ، فيلزمنا حينئذ قبول نذارته أو يثبت عندنا جرحته أو قلة حفظه وضبطه فيلزمنا إطراح خبره " [ الأحكام في أصول الأحكام حـ1/138 ] أهـ ، وعلى ذلك فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية على هؤلاء الذين يجهلونه ، والله تعالى إنما أمر الجاهل أن يسأل من يعتقد أنه من أهل العلم بدليـل قوله تعالى{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }  [ النحل : 43 ] ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] . فإذا كان لا يعرف لغة مقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة عليه إلاّ بترجمان يترجم الحُجة إلى لغته التي يفهمها . ويُشترط فيها كذلك أن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، ودليل ذلك قوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] . وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] . وهذا الأمر هو ما دعا ابن حزم لأن يقول " وصفة قيام الحُجة هو أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها " [ الأحكام في أصول الأحكام حـ1ص74 ] أهـ ، وعلى ذلك فالحُجة المعتبرة شرعاً يُشترط فيها كل ما سبق سواءً فيما يتعلق بصفة الحُجة نفسها أو صفة من يقيمها أو صفة إقامتها ، فإن اختل شرط من تلك الشروط فلا يصح تكفير المسلم الذي يشهد الشهادتين بحُجة ناقصة أو غير معتبرة شرعاً ، فهذا من صفات المتعجلين في التكفير الذين لا يعلمون أحاديث الرسول  صلى الله عليه وسلم الدالة على خطورة تكفير المسلم والتي منها قوله    صلى الله عليه وسلم (( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان ما قال وإلاّ رجعت عليه )) [ البخاري ومسلم ] ، وقوله  صلى الله عليه وسلم ((من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلاّ حار عليه )) [ البخاري ومسلم ] ،

( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه : وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : ( الأول ) : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً عاقلاً عالماً بأن فعله مكفر متعمداً قاصداً لفعله مختاراً له بإرادته ، وعلى ذلك فشروط الفاعل بمفرده خمسة لابد وأن تتحقق فيه وهي : البلوغ والعقل والعلم بكون ما وقع فيه مكفّر الكفر الأكبر المخرج من الملة والتعمد والقصد لهذا الكفر والاختيار التام له بحيث لا توجد عنده شبهة إكراه ، و ( الثاني ) : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) وهذه الشروط تتمثل في أن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، ولا يجوز الحكم على المسلم بالكفر واستحلال دمه وماله وعرضه بغير يقين ، ومن شروط الفعل أن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، كالسجود للعَالِم مثلاً ، فقد يكون بقصد العبادة وهذا كفر أكبر وقد يكون بقصد التعظيم والتكريم وهذا معصية لا تصل إلى حد الكفر . ومن شروط الفعل أن يكون الدليل الشرعي صريح الدلالة على كفره الكفر الأكبر المخرج من الملة فإن ، كان محتمل الدلالة فلا يجوز التكفير به ، إذ الاحتياط في أمر المسلم أهم شرعاً من المجازفة بتكفيره ، و ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، وذلك لأنه قد يكفر الشخص ثم لا يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقتلهم بكفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، لم يحدث ذلك لأنهم ما ثبت كفرهم بشهادة مسلمين وإنما كان كفرهم فيما بين بعضهم بعضا ، وكبير المنافقين أبي بن أبي سلول لمّا نزل فيه قولـه تعـالى {  يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ } [ المنافقون : 8 ] ما شهد عليه إلاّ غُلام من قومه فقط وهو زيد ابن أرقم رضي الله عنه وأرضاه ـ ولذلك لم يقم عليه رسول الله  صلى الله عليه وسلم حدّ الكفر ولا ثبت أنه استتابه قط ،

أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : ( أولاً ) : موانع في المعين وهي كثيرة منها الصغر والجنون فكلاهما لا يؤاخذ بشيء من أحكام الكفر لارتفاع القلم عن أقواله وأفعاله في هذا الشأن ، وكذلك فمنها الخطأ كالذي ينطق بالكفر وهو لا يقصده لقوله تعالى {  وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ..}  [ الأحزاب : 5 ] . فإذا كان المعين بالغاً عاقلاً قاصداً للكفر كانت الموانع في حقه ثلاثة هي الجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع . والتوسع في بيان تلك الموانع موضع آخر من الرسالة ولكن ذلك لا يمنع من الإشارة السريعة إليها : ( أ ) مانع الجهل : - ومثاله أن يقع المسلم في الكفر الأكبر وهو يجهل أنه كفر أكبر مخرج من الملة ، فجهله يمنع من الحكم عليه بالكفر حتى يُعّرف وينتفي عنه مانع الجهل ، وأهل السنّة والجماعة يقولون بأنّـه لا عذاب في الدُنيا ولا في الآخرة إلاّ بعد البلاغ والعلم وإلاّ فالجهل عذر مانع من وقوع العذاب عليه ، فإن كان مسلماً يشهد الشهادتين كان الجهل مانعاً من كفره فضلاً عن عدم وقوع العذاب عليه ، ( ب ) مانع التأويل : - ومثاله أن يقع المسلم في الكفر الأكبر متأولاً لدليل شرعي ظنه يدل على عدم الكفر فأخذ به ، أو بسبب عدم فهمه للدليل الشرعي الدّال على الكفر الأكبر فتأول لما وقع فيه من الكفر الأكبر وهو في قرارة نفسه لا يراه كفراً أكبر فهذا عند أهل السنّة والجماعة معذور بتأويله فلا يكفر إلاّ بعد أن تقام عليه الحُجة الشرعية المعتبرة شرعاً ، والمتعجل بتكفيره مخالف لهدي أهل السنّة والجماعة ومثال هؤلاء غالب المتصوفة الذين يقعون في أعمال الكفر ولكن بتأويلات لا يقصدون بها الخروج من الملة ، بل العجيب أنهم يقصدون بها التقرب إلى الله والمنزلة العالية في الإسلام ، فهؤلاء لا يجوز تكفيرهم وإنما يعذرون لتأويلاتهم حتى تقام عليهم الحُجة المعتبرة شرعاً ، ( ت ) مانع الإكراه : - ودليله قوله تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] . ومثاله أن يُكره المسلم على كلمة الكفر بتهديد بالقتل أو بالعذاب الشديد وغير ذلك من أمثلة الإكراه الملجئ إلى النطق بكلمة الكفر ، وبعد فهذه أهم موانع الحكم بالكفر على مسلم ثبت إسلامه بيقين فلا يُحكم بكفره حتى تنتفي عنه موانع الكفر وأهمها مانع الجهل ومانع التأويل ومانع الإكراه ،

( الضابط الثالث ) : عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره . وفي بيان هذا الضابط : يقول الإمام أبو حامد الغزالي : " والذي ينبغي الاحتراز منه التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم " [ الاقتصـــاد في الاعتقاد ص269 ] أهــ ، ويقول ابن عبد البرّ ـ رحمه الله ـ " كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حُجة ، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلاّ باتفاق آخر أو سنّة ثابتة لا مُعارض لها ، وقد اتفق أهل السنّة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أنّ أحداً لا يخرجه ذنبه ـ وإن عظم ـ من الإسلام وخالفهم أهل البدع ، فالواجب في النظر أن لا يكفر إلاّ من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مرفع له كتاب أو سنّة " [ التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد حـ17/21 ] أهـ ، ويقول ابن تيمية : " فليس لأحد أن يكفّر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تُقام عليه الحُجة وتبين له المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه ذلك بالشك " [ مجمـــوع الفتـــاوى حـ12/466 ] أهـ ، ولهذا كان من ضوابط أهل السنّة والجماعة في مسائل التكفير ترجيح الاحتياط ، لكون الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة لاسيما إذا كانت حكماً بالكفر الأكبر يُحل الدماء والأموال والأعراض ، 

***

 

[  القاعدة التاسعة  ]   وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفيــر المعيـن

 

أهل السنّة والجماعة يفرقون بين تكفير المطلق وتكفير المعين . ففي التكفير المطلـق يقولـون [ القول بكذا أو فعل كذا كفر ] ويقولون من فعل كذا أو قال كذا فهو كافر دون تعيين لشخص بعينه فإن قال هذا القول المكفر أو فعل هذا الفعل المكفر رجل بعينه فأهل السنّة والجماعة لا يحكمون بكفره بعينه حتى يتحققون من شروط تكفيره ويتحققون من إنتفاء موانعه فعندئذ تقوم عليه الحُجة التي يجوز معها تكفير المعين  ، وفي بيان شرط إقامة الحُجة لتكفير المعين قال ابن تيمية : " وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين ، وإن أخطأ وغلط ، حتى تقام عليه الحُجة ، وتبين له المحجة ، ومن ثبت إسلامه بيقين ، لم يزل ذلك عنه بالشك ، بل لا يزول إلاّ بعد إقامة الحُجة ، وإزالة الشبهة " [ مجمـــوع الفتاوى حـ12ص466 ] أهـ ، وقـال أيضـاً : " إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وإنّ تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين ، إلاّ إذا وجدت الشروط ، وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه المعلومات ، لم يكفّروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه " [ مجمـــوع الفتاوى حـ12ص487 ] أهـ ، ( أقول ) قد يكون القول أو الفعل كفراً ولكن لا يكفر صاحبه إمّا لعدم بلوغ النذارة إليه وإمّا لجهله وإمّا لتأويل عنّ له فلم يفهم المقصود من النص ، ويتبين لنا خطأ أولئك الذين لا يفرقون بين التكفير المطلق وتكفير المعين فإذا وقع معين في كفر سارعوا إلى تعيينه بالكفر دون النظر إلى تحقق شروط الكفر وانتفاء موانعه في حق هذا المعين .

***

 

[  القاعدة العاشرة  ]  لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره

 

( الأمـور المحتملة للكفـر وغيـره ) : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره . ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها فعلى سبيل المثال من سجد أمام شيخ أو عالم لا يجوز تكفيره لمجرد السجود بل لابد من تبين قصده فإن قصد عبادته فهذا كفر أكبر وهو لا يكفر على التعيين حتى يستوفي شروط الكفر وتنتفي موانعه من الجهل أو التأويل أو الإكراه . وإن قصد تكريمه وتعظيمه فهذا معصية وكبيرة إذ قد نسخ هذا الأمر في شرع النبي  صلى الله عليه وسلم ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة :

(1) ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم   ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي   صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أبو داود ح(2140) والترمذي ح(1159) وأحمد حـ4/381 والحاكم حـ2/187 وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل حـ7/55 - 58 ] ، والواضح لمن تدبر الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تبين أول الأمر قصد معاذ رضي الله عنه فلمّا علم أنه سجود تعظيم نهاه عنه ودله على أنه لو كان آمراً أحداً أن يسجد تعظيماً لأحد وتكريماً له لأمر المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليه ،

(2) مـا أخرجـه البخـاري ومسلـم ـ في قصة حاطب ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبيصلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ـ " وفي الحديث قوله   صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ )) قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فالموالاة ـ موالاة الكافرين ـ يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة . ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات فقال لهم  صلى الله عليه وسلم  ( لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم ) ومعلوم أنّ الله لا يغفر الشرك الأكبر ومنه بإجماع الكفر الأكبر فلمّا دلّهم أنّ الله غفر له دلّ على أنه معصية من باب الذنوب التي تكفرها الحسنات العظيمة ، وفي بيان فقه حديث حاطب يقول الإمام الشافعي رحمه الله : " في هذا الحديث مع ما وضحنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون ، لأنه لمّا كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قاله حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكاً في الإسلام وأنه فعله ليمنع أهله ويحتمل أن يكون ذله لا رغبة عن الإسلام واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله ، وحكم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب ، ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذه ، لأن أمر رسول الله  صلى الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده ، فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله    صلى الله عليه وسلم  يُريد غرّتهم فصدقه وما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس فيكون لذلك مقبولاً ، كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل مثل ما قبل منه ، فإن قيل : أفرأيت إن قال قائل إن سول الله    صلى الله عليه وسلم   قال : قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره فيقال له : قد علم  صلى الله عليه وسلم   أنّ المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر فلو كان حكم النبي  صلى الله عليه وسلم  في حاطب بالعلم بصدقة كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر وتولى الله عز وجل منهم السرائر ، ولئلا يكون لحاكم بعد أن يدع حكماً له مثل ما وصفت من علل الجاهلية " [ الأم للإمام الشافعي حـ4/264 ] أهـ ، ولضرب مثال لتقريب فهم تلك القاعـدة التي هي من أعظم الضوابط لمسائل التكفير  ، ( أقول ) : رجل ذبح للجنّ مثلاً فيقال له ما القصد من الذبح للجنّ فإن قال قصدت عبادتهم فهذا كفر أكبر لا شك فيه وإن قال الجنّ مثلنا موجود وهم مؤذون بطبعهم ، وقد ذبحته دفعاً لأذاهم لأنّ الجنّ لا يكفون أذاهم إلاّ بهذا الذبح . نقول هذه كبيرة ومعصية لا ينبغي فعلها لأنه لا ينبغي الذبح لمثل هذا ولا يدفع الضر إلاّ الله والواجب التوكل على الله في دفع هذا الأذى مع اجتناب الذبح لغير الله لأن القصد الظاهر لهيئة هذا الذبح هو العبادة كما يذبح المشركون للجنّ وللأصنام  ،  ( ومثـال آخر ) : السجود لغير الله فلابد من تقييده بأن يكون سجوده هذا قاصداً لعبادة من سجد له معتقداً ربوبيته ، فإنه بهذا السجود قد أشرك بالله عز وجل : وأثبت معه إلها آخر ، وأما إذا لم يقصد إلاّ مجرد التعظيم  فهذا ليس من الكفر في شيء ، والحاصل أنّ القول أو العمل محتمل الدلالة على الكفر وغيره لابد فيه من النظر إلى المرجح الشرعي وهو ها هنا معرفة قصد الفاعل فإن لم يتيسر فالنظر في قرائن الحال المصاحبة للعمل ، وقرائن الحال وإن كانت من المرجحات إلاّ أنها ليست يقينية في قوة معرفة قصد الفاعل باستجوابه وإقراره بلسانه عن قصده . ومثال على قرائن الحال أن الساجد للشيخ مظنته الإكرام والتعظيم لهذا الشيخ وأمّا الساجد للصنم فمظنته العبادة والتذلل فالأول لقرينة الحال كان أقرب إلى الكبيرة منه إلى الكفـر والثاني لقرينة الحال كان أقرب إلى الكفر منه إلى الكبيرة .وهكذا ينبغي أن يكون الفقه في دين الله تعالى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الديــن .

***

 

[ القاعدة الحادية عشر ]  اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليــة

 

هذه القاعدة الرصينة من قواعد أهل السنّة والجماعة الدالة على رسوخهم في فهم أدلة الكتاب والسنّة وعلى احتياطهم في مسائل الإيمان والكفر ، فالأقوال والأعمال عند علماء أهل السنّة والجماعة ـ لا تُعتبر إلاّ من عاقل ، قال تعالى : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ } [ المائدة : 89 ]   ، وقال تعالى : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ }[ البقرة : 225 ] ، والآيتين كلاهما دلالة على أنّ اليمين إذا لم يقصده بقلبه ولم يعقد عليه بقلبه فإنه لغو لا يُؤاخذ عليه ، فإنه إذا كـان اليمـين بالله ـ وفيها ما فيها ـ لا يؤاخذ فيها إلا بما كسب القلب ، أو قصدها الضمير ، فغيرها من الأقوال كذلك أولى ، ومنه نستفيد رفع الجناح في جميع ما أخطأ به الإنسان من قول وعمل ما لم يقصده بقلبه ، وقال الإمام النووي عند شرحه للحديث المتفق عليه : (( كان رجل يسرف على نفسه فلمّا حضره الموت قال لبنيه : إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر الله علىّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً ، فلمّا مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك ففعلت فإذا هو قائم فقال : ما حملك على ما صنعت قال يارب خشيتك فغفر له )) [ البخاري ح(3478) ومسلم ح(2756 - 2757) ] . قال النووي : " وقالت طائفة : اللفظ على ظاهره ، ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومقتصد له ، بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي فهذه الحالة لا يؤاخذ فيها ، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته : أنت عبدي وأنا ربك فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو " [ شــرح النـووي لصحيـح مسلـم حـ17/71 ] أهـ ، فالإمام النووي وكما ينقل عن طائفة من العلماء يرى أن عذر هذا الرجل هو عدم القصد لحقيقة قوله ومعناه والذي هو إنكار البعث ولهذا عذره الله عز وجل فغفر لـه ، ويقول القاضي عياض : " وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه ، فقال له : صلّ على النبي محمد ، فقال الطالب : لا صلى الله على من صلى عليه ، فقيل لسحنون : هل هو كمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه ، قال : لا ، إذا كان على ما وصفتَ من الغضب ؛ لأنه لم يكن مضمراً الشتم . وقال أبو إسحاق البرقي ، وأصبغ بن الفرج : - لا يقتل ، لأنه إنما شتم الناس ، وهذا نحو قول سحنون ؛ لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي  صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لما احتمل الكلام عنده ، ولم تكن معه قرينة على شتم النبي  صلى الله عليه وسلم ، أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم ، ولا مقدمة يحمل عليها كلامه ، بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء ، لأجل قول الآخر له : - صل على النبي فحمل قوله وسبّه لمن يُصلي عليه الآن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه " أهـ [ الشفــا للقاضي عيــاض حـ2/979 - 980 ] ، ويقول السبكي عن مسألة إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم " لكن الأذى على قسمين أحدهما : يكون فاعله قاصداً لأذى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن هذا يقتضي القتل ، وهذا كأذى عبدالله بن أبيّ في قصة الإفك ، والآخر أن لا يكون فاعله قاصداً لأذى النبي صلى الله عليه وسلم مثل كلام مسطح وحمنة في الإفك ، فهذا لا يقتضي قتلاً . ومن الدليل على أن الأذى لابد أن يكون مقصوداً قـول الله تعـالى : { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ..} [ الأحزاب : 53 ] . فهذه الآية في ناس صالحين من الصحابة ، لم يقتض ذلك الأذى كفراً ، وكل معصية ففعلها مؤذي ، ومع ذلك فليس بكفر ، فالتفصيل في الأذى الذي ذكرناه يتعين " أهــ [ فتــاوى السبكي حـ2/591 - 592 ] ، ولله دره فكلامه رحمه الله غاية في الفقه والصواب ، فمسطح وحمنة لم يكن قصد أحد منهما إيذاء النبي  صلى الله عليه وسلم في حادثة الإفك ولهذا لم يقتض قولهما سوى الحدّ أمّا المنافق عبدالله بن أبيّ ابن سلول فقد كان يقصد من حديث الإفك أذى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا كفر أكبر موجب للقتل ردّة ولكن لم يقم على هذا المنافق دليل شرعي معتبر لأحكام الدُنيا من الإقرار أو اعتراف شاهدي عدل لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم ،

***

 

[ القاعدة الثانية عشر ] :  لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه

 

( التكفير بالمآل ) : المقصود بالتكفير بالمآل هو أن يقول المرء قولاً يؤديه سياقـه إلى كفـر . قـال ابن رشد الحفيد في تعريف التكفير بالمآل : " معنى التكفير بالمآل أنهم لا يصرحون بقول هو كفر ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم " أهـ [ بدايـة المجتهـد حـ2/492 ] ، وضرب القاضي عياض مثالاً للتكفير بالمآل وعدم التكفير به ، ثم رجح عدم التكفير به : فقال ـ عند ذكره للمعطلة ـ " فأمّا من اثبت الوصف ونفى الصفة فقال : أقول عالم ولا علم له ، ومتكلم ولكن لا كلام له ، وهكذا في سائـر الصفـات على مذهـب المعتزلـة . فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفّره ، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم ، إذ لا يوصف بعالم إلاّ من له علم فكأنهم صرّحوا عنده بمـا أدى إليـه قولهــم . ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم لم ير إكفارهم . قال لأنهم إذا وقفوا على هذا ، قالوا لا نقول ليس بعالم ، ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا ، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر ، بل نقول قولنا لا يؤول إليه على ما أصّلناه . فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل ، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف النـاس في ذلـك . والصواب : ترك إكفارهم والإعراض عن الحكم عليهم بالخسران ، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلاة عليهم ، ولكنه يُغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم " أهـ [ الشفا للقاضي عياض حـ2/1084 - 1086 ]  ، وقال ابن حزم ـ في بيان مذهب أهـل السنّة في عـدم التكفيـر بمـآل القـول ـ " وأمّا من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ ، لأنه كذب على الخصم وتقول له ما لم يقل به وإن لزمه ، فلم يحصل على غير التناقض فقط ، والتناقض ليس كفراً ، بل قد أحسن إذ قد فرّ من الكفر ـ إلى أن قال ـ فصحّ أنه لا يكفر أحد إلاّ بنفس قوله ونص معتقده ولا ينفع أحد أن يعبر عن معتقده بلفظ يحسن به قبحه ، لكـن المحكـوم به هـو مقتضى قوله فقط " [ الفصل حـ3/294 ] أهـ ، وقـال الشـاطبي ـ في بيان مذهـب المحققيـن من علمـاء أهـل السنّـة ـ  " والذي كنّا نسمعه من الشيوخ أنّ مذهب المحققين من أهل الأصول أنّ الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال " أهـ [ الاعتصام حـ2/197 ] ، ( ولا يجوز التكفير بلازم القول ) : ولازم القول هو الذي لا ينفك عنه بحال ، وقد يكون هذا اللازم بيّناً وهو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزم بينهما . وقد يكون اللازم غير بيّن وهو الذي يفتقر جزم العقل باللزوم إلى وسط " [ انظر تعريفات الجرجاني ص19 ] ، والتكفـير بـلازم القـول لا يجـوز وإلاّ كفّـرت الأمـة بعضهـا بعضـاً ، بلوازم لا يعتقدها قائل ملزومها ،

*** 

 

[  القاعدة الثالثة عشر  ]  :  قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر ( الكفر دون كفر ) ، أو بعض شعب الشرك ( الشرك الأصغر ) ، أو بعض شعب النفـاق ( النفاق العملي ) ،

وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه

 

المسلم قد يجتمع فيه كفر وإيمان ، وشرك وتوحيد ، ولا يكون بذلك كافرا ولا مشركا ، وهذا من أعظم أصول أهل السنّة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية  ، كما في قوله تعـالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ }[ يوسف : 106 ] ، فإنّ الله تعالى أثبـت لهـم إيمانـاُ بـه سبحانـه مـع وقوع الشـرك دون شرك ، وقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم  : (( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا ائتمن خان ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر )) وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ، مات على شعبة نفاق )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم قال : (( أربع في أمتي من أمر الجاهلية ، لن يدعوهن : الفخر بالأحساب ، والطعـن في الأنسـاب ، والنياحـة ، والاستسقـاء بالنجوم )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( اثنتان في الناس هما بهم كفر : الطعن في النسب والنياحة على الميت )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه ـ وهو يعلمه ـ إلاّ كفر ، ومن ادعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار ، ومن رمى رجلاً بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك ، إلاّ رجـع عليـه )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه ، إلاّ كفر بالله ، ومن ادعى قوماً ليس منهم ، فليتبوأ مقعده من النار )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا قال الرجل لأخيه : يا كافر ! فقد باء بها أحدهما )) ، وقول ابن عباس رضي الله عنهما : في قوله تعالى{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }[ المائدة : 44 ] { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}  و{فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }  : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق ،

***

 

[ القاعدة الرابعة عشر ]  لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة عن منهاج أهل السنّة بإطلاق

وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم

 

اتفق أهل السنّة والجماعة على أنّه لا يجوز تكفير المسلم -  أي مسلم -  بذنب فعله ولا بخطأ أخطـأ فيـه ولا ببدعة ابتدعها إلا أن تشتمل على مكفر ، والبدعة المكفرة : هي البدعة التي تشتمل على اعتقاد أو قول أو عمل نص الشارع على كفره ، أو اتفق علماء أهل السنّة والجماعة على تكفيره كمن كانت بدعته تتضمن انكار معلوم من الدين بالضرورة ، وهنا يكون التكفير المطلق وليس معنى ذلك الحكم بكفر كل من أتى بها  بعينه ، لأنّه قد تكون هناك موانع في حقه تمنع من تكفيره ، كالجهل بدين الله تعالى ، أو تأويل في حق أحكامه ، وهنا لابد من إقامة الحجة حتى يقع الحكم على معين ، ولا تعتبر الحجة إلا من أهل العلم المتخصصين في العلم الشرعي ، والمخولين بإقامة الحجة على المخالف ، فآنذاك يُعامل معاملة الكفار ،

وعلى ذلك ، فإن من شروط تكفير المبتدع المعين : ( الشرط الأول ) :  أن تكون بدعته مكفرة ،  فإذا كانت بدعته التي جاء بها لا تدخل تحت وصف الكفر فإنه لا يكون كافراً  ، و ( الشرط الثاني ) : أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة والجماعة في تكفير المعين ، ومن أهمها : ( أ ) العلم بحقيقة حكم هذه البدعة التي وقع فيها وأنها مخالفة للشرع ، والجاهل معذور حتى تُقام الحجة عليه بالعلم ، ( ب ) وعدم التأويل وضده وجود التأويل ، فعدم التأويل شرط ووجوده مانع ، وبناءً عليه فإذا كان من وقع في هذه البدعة وقع فيها عن تأويل فإنه ينتظر بتكفيره حتى يكشف له الأمر وتزال عنه الشبهة وتتضح له الحجة ، لكن لابد أن يكون تأويلاً سائغاً ، فالتأويل السائغ والإعذار به له اعتبار في مسألة تكفير المعين ، ومنها : ( ت ) قيام الحجة مستوفاة شروطها ، وكذلك  فإنّ العمل عند أهل السنّة والجماعة على عدم تكفير الفرق الضالة كالخوارج والروافض والمعتزلة والمرجئة والحشوية لا بإطلاق ، ولا تعيين ، فكلهم على البدعة وليسوا على الكفر إلا من أتى منهم بأمر مكفر ، معلوم من الشرع بالضرورة ، وحتى الخوارج المارقين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بقتالهم ، قاتلهم أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب ، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، ولم يكفرهم علىّ بن أبي طالب ولا الصحابة ، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ، ولم يقاتلهم علىّ رضي الله عنه ، حتى سفكوا الدمّ الحرام وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفّار ،

وبعد : فهذه أهم القواعد العامة المتعلقة بمسائل وأحكام الإيمان والكفر جمعتها من أقوال الأئمة العلماء، نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا إنه سميع مجيب الدعاء ، وكتبه مجدي محمد علي ،

***

 

 

قواعد مهمة لفقه مسائـل وأحكـام الكفر الاعتقادي والكفر العملي - مجدي محمد علي

 

حوى هذا الباب على  :

تمهيد : يتناول فقه مسائل الكفر في الكتاب والسنّة ،

الفصل الأول : قواعد الشرع الضابطة لمسائل الكفر : ويحتوي على تلك القواعد :

( القاعدة الأولى ) : الكفر الأكبر كفر اعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه زوال الاعتقاد بـزوال قـول القلب ( تصديقه ) أو بزوال عمله ( انقياده ) ،

( القاعدة الثانية ) : الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان أو أحد عناصره ، والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب ،

( القاعدة الثالثة ) : الأعمال الكفرية كالسجود للأصنام والاستهزاء بالدين وسب الأنبياء وإهانة المصاحف وما شاكلها كفر عملي فيما يظهر للناس ولكنها في الحقيقة كفر اعتقاد ناشئ عن غياب عمل القلب من الانقياد والتعظيم

( القاعدة الرابعة ) : التولي عن الطاعة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب وهو كفر في إطار الملة إذا صحّ العقد والاعتقاد واقتصر التولي على كفر الجارحة .

الفصل الثاني : تحقيق القول في مسائل هامه متعلقة بكفر العمل : ويحتوي على تلك القواعد :

( القاعدة الخامسة ) : تحقيق القول في كفر تارك الحكم بما أنزل الله ، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ،

( القاعدة السادسة ) : تحقيق القول في كفر تارك الصلاة ، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ،

( القاعدة السابعة ) : تحقيق القول في كفر تولي الكافرين ، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط

***

[ مدخل يتناول فقه  مسائل الكفر في الكتاب والسنّة ]

 

ويحتوي هذا المدخل على تلك المباحث :

المبحث الأول : معاني الكفر بين اللغة والشرع  ، 

المبحث الثانـي :  فقه مسائل الكفر في كتاب الله عز وجل ، 

المبحث الثالث :  فقه مسائل الكفر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم

 

***

 

المبحث الأول : معاني الكفر بين اللغة والشرع

 

جاء الكفر في معاجم اللغة على معان عديدة تؤول جميعها إلى معنيين : الأول : وهو الأصل لمعنـى الكفـر في اللغة ويأتـي على معنـى الستـر والتغطيـة ، ومنه يسمى  ( الليل ) ( بالكافر ) لأنه يستر كل شيء بظلمة ، ومنه قيل ( للزراع ) الكفار لأنهم يغطون البذر بالتراب ، وقيل للثوب الذي يغطي الدروع بكافر الدروع ،وكل شيء غطى شيئا فقد كفره ، والثاني : وهـو أشهر معاني الكفـر وأكثرهـا استعمـالا وهـو الجحـود ، ومنه يسمى جاحـد النعمـة ( كافرا ) ويقال ( كفر بالنعمة ) أي جحدها وأنكرهـا ، ويقـال ( كافر بالله ) أي جاحد له ، ويقال ( كافر حقه ) أي جحده حقه ، ويقال ( كفَّره ) أي نسبه إلى الكفر والجحود ، و ( الجحود ) عبارة عن تكذيب المرء أو استكباره عن الانقياد لما علم بصحته وصدقه واستيقن بقلبه ، ولذلك كان الجحود في حقيقته ستر وتغطية في قلب الكافر من الإقرار بوحدانية الله ، وتغطيته وستره لفطرة الله عز وجل التي فطر عليها قلوب الناس جميعا من الإقرار بربوبيته سبحانه وألوهيته جل شأنه ، ولهذا كان الجحود أعظم الكفر وهو غالب كفر البشرية جمعاء ، ولهذا وصف الله عز وجل به الكفار جميعا ووصف به أهل النار كلهم وهو كفر إبليس الرجيم وفرعون وقومه وقوم نوح وعاد وثمود وهو كفر أهل الكتاب  – اليهود والنصارى – وهو كفر المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم  ، دل على ذلك كله كتاب الله عز وجل ، فمن وصف أهل النار بالجحود : قوله تعالى : { فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }   [ الأعراف : 51 ] ، وقوله تعالى : { ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }  [ فصلت : 28 ] ، ومن وصف الكفار جميعا بالجحود : ، قوله تعالى : { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } [ غافر  :  63 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } [ لقمان : 32 ] ، ومن وصف قوم فرعون بالجحود  وقد كان دافع هذا الجحود الظلم والعلو ، قوله تعالى :{ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ  } [ النمل : 14 ] ، ومن وصف عاد قوم هود عليه السلام بالجحود وقد كان دافعه الاستكبار والبطر ، قوله تعالى : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }  [ هود : 59 ] ، وقوله تعالى : {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } [ فصلت : 15 ] ، ومن وصف أهل الكتاب  -  اليهود والنصارى   – بالجحود وقد كان دافعه البغي والحسد ، قـوله تعالى : { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }  [ البقرة : 146 ]  ، وقوله تعالى : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ }  [ البقرة : 90 ] ، وقوله تعالى : { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } [ البقرة : 109 ] ، والذي يظهر وصفهم بالجحود قوله تعالى : { فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونُ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ } [ العنكبوت : 47 ]  ثم بعدها قوله تعالى :  { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ }  [ العنكبوت : 49 ] ، ومن وصف كفار قريش بالجحود :قوله تعالى : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } [ الأنعام : 33 ] ، ومعلوم أن إبليس الرجيم كان كفره الجحود ودافعه الإباء والاستكبار والعناد في : قوله تعالى : { أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }   [ البقرة : 34 ] ، ومع أن كفر الاعتقاد المخرج من الملة له أنواع ستة هي  ( التكذيب ، والجحود ، والعناد ، والإعراض ، والشك  ، والنفاق ) إلا أنه لتركيز آيات الكتاب العزيز على كفر الجحود لأنه أكثرهم وقوعا ولأنه يشملهم جميعا ، علمنا  السر في اقتصار كثير من علماء أهل السنّة والجماعة المحققين في تعريف الكفر الأكبر على " الجحود " وذلك لأن الكفر أصله الجحود وكل كافر فهو جاحد لما فطره الله عز وجل عليه : { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [ الروم : 30 ]  من الإقرار القلبي بربوبية الله عز وجل وألوهيته ، تلك الفطرة التي تظهر عند الشدائد كما في قوله تعالى  { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ  } [ يونس : 22 ] ، وقوله تعالى : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [ العنكبوت : 65 ] ، فكل كافر هو في حقيقته جاحد لله ولما فطره الله عليه من التوحيد والتصديق [ سيأتي في مبحث العذر بالجهل بيان حقيقة تلك الفطرة وأنها حجة على العباد إلا أن الله عز وجل لكمال رحمته لم يجعلها الحجة التامة حتى يبعث الله عز وجل الرسل مبشرين ومنذرين ومذكرين بتلك الفطرة ] ، ومن أقوال العلماء في تأصيل معاني الكفر وأهمها الجحود : قال الطحاوي في عقيدته التي تلقاها علماء أهل السنّة والجماعة بالقبول : ( ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه ) [ شرح العقيدة الطحاوية ص 331 ، ط المكتب الإسلامي ] أهـ فجعل المضاد للإيمان هو كفر الجحود مع أن كفر الاعتقاد أنواعه كثيرة ولكن لغلبة كفر الجحود على البشر عبّر عن الكفر عامة بكفر الجحود ، وقال النووي :حيث يقول عد شرحه لحديث (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ))  : (( وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله فإذا تقرر هذا العمل فقيل في تأويل الحديث أقوال أمرها أنه في المستحل والثاني أن المراد كفر الإحسان والنعمة لا الجحود والثالث أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه والرابع أنه كفعل الكفار[ شرح مسلم للنووي ج2 / 54 ] أهـ والشاهد من قوله الوجه الثاني ( المراد كفر النعمة لا كفر الجحود ) فهنا استعاض أيضاً عن ذكر الكفر الأكبر بكفر الجحود

***

 

المبحث الثاني : فقه مسائل الكفر كما جاءت في الكتاب والسنّة

 

( تنبيــه ) : أعود هنا لاستعمال كلمة ( فقه ) عند الحديث عن الكفر ، كما استعملتها عند حديثي عن الإيمان ، وأجد لزاما علي ذكرها هاهنا لأنه من خلال هذا المبحث الذي اجتهدت عليه ، سيتبين – إن شاء الله تعالى -   كيف تكون دقة الفهم الراسخ للكفر وحدوده وأقسامه وأنواعه وبقية مسائله كما جاءت في الكتاب والسنّة وكما فهمها السلف الصالح والتابعين لهم بإحسان من أئمة أهل السنّة والجماعة المحققين الفقهاء الراسخين في العلم والفقه ،

 

أولا : فقه مسائل الكفر كما جاءت في كتاب الله عز وجل : ( أ ) عدد ألفاظ " الكفر" التي وردت في كتاب الله تعالى فوجدتها تزيد على الخمسمائـة لفظاً وفي هذا دلالة كافية على أهمية مسائل الإيمان والكفر لأنهما أساس أسماء هذه الملة وأحكامها  ،  ( ب ) أردت بعد ذلك أن أعرف نسبة كفر العمل إلى كفر الاعتقاد ( الجحود ) في كتاب الله عز وجل ، فوجدت الآيات التي تتحدث عن كفر العمل لا تتجاوز عدد أصابع اليدين بحال من الأحوال وقد راجعت تفسيرها جميعها فوجدت علماء أهل السنّة والجماعة متفقون على حملها على كفر العمل المصاحب لكفر الاعتقاد وإلا فهي كفر في إطار الملة لا يخرج عنها – وهو ما عبروا عنه بقولهم كفر دون كفر – في حين وجدت باقي الآيات تشير كلها – وهي كما ذكرت تزيد على الخمسمائة  – تتحدث عن كفر الاعتقاد بأنواعه الستة : [ التكذيب ، والجحود ، والعناد ، والإعراض ، والشك  ، والنفاق ] ،  ت) فمن الآيات الدالة على كفر التكذيب : وما أكثرها فإنها تربوا على المائتين وخمسين آية  ، قوله تعالى : { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ } [ الحج : 42 ] . وقوله تعالى : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } [ الأنعام : 66 ] ، ث } ومن الآيات الدالة على كفر الجحود  وهو كفر اعتقاد أيضا : قوله تعالى : { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } [ الأنعام : 33 ] وقوله تعالى : { فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } [ الأعراف : 51 ] ، ومن الآيات الدالة على كفر العناد : ومنه الإباء والاستكبار والكبر فكل هذه الصفات تدخل ضمن كفر العناد وهو كفر اعتقاد كذلك :قوله تعالى : { فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } [ البقرة : 34 ] . وقوله تعالى : { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا }[ الإسراء : 89 ] . وقوله تعالى : { فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا } [ الإسراء : 99 ] ، ومن الآيات الدالة على كفر النفاق  والمقصود به تكذيب النفاق مع إقرار اللسان : ويسميه العلماء { النفاق الاعتقادي } وهو كفر أكبر صاحبه أسوأ حالا من الكفـار الأصلييـن في النـار ، قال تعالى { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } [ النساء : 145 ] ، ومنه  قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [ البقرة : 8 - 10 ] وقوله تعالى : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }  [ البقرة : 15 ] . وقوله تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [ المنافقون : 1 ] ، ومن الآيات الدالة على كفر الشك وهو كفر اعتقاد : لأن معناه عدم جزم القلب بالتصديق ولا التكذيب ، وصاحب الشك هو ما وصفه القرآن الكريم بالمرتاب ووصفه بمرض القلب : قال تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [ البقرة : 23 - 24 ] ، ومن الآيات الدالة على كفر الإعراض : وهو كفر اعتقادي يتناول بالدرجة الأولى إعراض القلب عن تصديق الرسالة والانقياد لها وإعراض اللسان عن الإقرار بها : قوله تعالى :  { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } [ الكهف : 57 ] فدلت الآية على أن كفر الإعراض يشتمل إعراض القلوب عن الاعتقاد { على قلوبهم أكنة } وإعراض الآذان عن السماع : { وفي آذانهم وقرا } ، ومن باب الأولى إعراض اللسان عن الإقرار  والجوارح عن الطاعة ، ومثلها قوله تعالى : { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [ فصلت : 3 - 5 ] وكفر الإعراض في الآية يشمل إعراض القلوب عن قبول الحق وهو شهادة التوحيد وإعراض الآذان عن سماعها ومن باب الأولى معاندة اللسان بعدم الإقرار بها ، والمفسرون متفقون على أنها في حق الكافرين الأصليين الذين لم يؤمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأعرضوا عنها وكان جوابهم لبلاغه إننا لا نفقه ما تقول ولا نعيه بقلوبنا ولا نسمعه بآذاننا سماع فهم وعلم أي ولا نفهم ما تقول فاعمل لدينك فإننا عاملون لديننا ، ومثلها قوله تعالى : { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } [ القمر : 2 ] فالإعراض هنا إعراض عن الإيمان بها والتصديق لها بدليل قولهم بعد رؤيتها { وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } أي سحر مستحكم شديد الإحكام يعلوا كل سحر ، وقد تتبعت آيات الإعراض في كتاب الله عز وجل فوجدت الآيات التي تحكم بكفر الإعراض الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار كلها – دون استثناء – أتت في حق الكافر الأصلي الذي أعرض عن الإقرار بالشهادتين فلم يقل بها ولم يصدقها ولم ينقاد لها لا بقلبه ولا بجوارحه ،  وقد رأيت البعض يفهم كفر الإعراض على غير هدي الكتاب الكريم فظن أن كفر الإعراض الأكبر يتناول من أقر بالشهادتين ثم أعرض عن العمل بموجبها ، وظن أن ترك جنس عمل الجوارح كفر إعراض عن دين الله عز وجل لا يعمل به ، ونسى هذا أن من أقر بالشهادتين ولو بلسانه فقد نجا من كفر الإعراض الأكبر لأنه انقاد بلسانه فلم يعرض ، فإن صاحبه تصديق القلب وانقياده فقد صح له أصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه ، وإن صاحبه تكذيب القلب فهو كفر نفاق ولا يسمى عند العلماء كفر إعراض البتة ، فإن نقض  – والعياذ بالله  – إقراره وتصديقه يؤول به إلى الكفر الأكبر المخرج من الملة فهذا كفر ردة وليس كفر إعراض ، فأين الإعراض هاهنا لمن أتى بإقرار اللسان ،

 

آيات كفر العمل وعلاقتها بالكفر الأكبر :  المتدبر لآيات القرآن الكريم يرى الفرق الكبير بين كفر الاعتقاد وكفر العمل وقد راجعت هذه الآيات التي تتحدث عن كفر العمل  – وهي قليلة جدا  – في تفاسير علماء أهل السنّة والجماعة ، فوجدت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم ومن بعدهم بقية السلف الصالح رحمهم الله ، ثم علماء أهل السنّة والجماعة اتفقوا على تأويل هذه الآيات بما يدل بوضوح لا شك فيه أن كفر العمل لا يمكن أن يكون كفرا أكبر حتى يصاحبه كفر الاعتقاد ، وبمعنى أوضح أنه إذا ثبت إيمان القلب بيقين فإن العمل المجرد الذي حكم الشرع بكفر صاحبه إنما هو في إطار كفر دون كفر فلا يخرج من الملة ولا يوجب لصاحبه الخلود الأبدي في النار. وهذا – كما سيتبين إن شاء الله  – اتفاق علماء أهل السنّة والجماعة المحققون ، ، وأهم هذه الآيات التي تتحدث عن أو تشير إلى كفر العمل : ( الآية الأولى ) : قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، والملاحظ من الآية أنها جعلت مناط الكفر فيها هو ترك الحكم بما أنزل الله ، ومع جعل الآية مناط الحكم فيها على الترك فقد اتفقت كلمة أهل السنّة والجماعة فيها على تأويل حبر الأمة الذي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم له بالفقه في الدين عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما وعامة الصحابة رضي الله عنهم على أن مناط الكفر الأكبر هو جحود حكم الله عز وجل ( الذي يصاحبه جحود أصل الإيمان من الإقرار والتصديق والانقياد القلبي ) وليس مجرد الترك ، وأن الترك المجرد الخالي عن الجحود فهذا من نوع الكفر في إطار الملة وهو ما عبروا عنه بقولهم كفر دون كفر فلا يأخذ صاحبه اسم الكفر الأكبر وحكمه ، بل هو كفر في إطار الملة حيث له اسم الملة وحكمها ، وسيأتي في القاعـدة الخامسـة من هذا الباب ( تحقيـق القـول في مسـألة ترك الحكم بما أنـزل الله ) نقل مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الحاكمية مؤصلا بأقوال العديد من الأئمة الأعلام ، ( الآية الثانية ) : قوله تعالى :{ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 32 ] ، والملاحظ في الآية أنها أمرت بالطاعة ، والمتبادر إلي الذهن عند ذكر الطاعة هو طاعة الجوارح بالعمل ، والآية أشارت إلي أنّ التولي عن هذه الطاعة كفر بدليل قوله تعالى بعدها  { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } فوصفت المتولين عن الطاعة بالكفر ، ومع ذلك فقد اتفقت كلمه العملاء والفقهاء على تفصيل المسألة وأنّ للطاعة شقان ، الأول : طاعة القلب وهو الاعتقاد ، والثاني : هو العمل وهو طاعة الجوارح ، وأن الأصل طاعة القلب ( الاعتقاد) فهو الذي تتوقف على وجوده طاعة الجوارح ، فإن وجدت فلا يوصف تارك عمل الجارحة بالكفر الأكبر ، بل هو كفر عملي في إطار الملة ، وكذلك فلا يوصف تارك عمل الجارحة وحده بالتولي التام الذي يتبعه الكفر الأكبر ، بل هو تول ناقص سبقته طاعة القلب بالاعتقاد فلا يوصف بالكفر الأكبر البتة ، ومن حمل الآية من العلماء على الكفر الأكبر فهم أنها نزلت في حق وفد نجران من النصارى الذين قدموا عليه صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالإيمان برسالته ودينه وكتابه فأبوا ذلك فنزلت فيهم الآية { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 32 ]  ولا يخفى أنّ الطاعة هاهنا هي اعتقاد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى تصديقه والانقياد لما يدعوا إليه ، وبهذا اتفقت كلمة المفسرين على حمل الآية على محملها الصحيح ، ( الآية الثالثة ) : قوله تعالى في حق بنى إسرائيل : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [ البقرة : 84 - 85 ] ، والشاهد من الآية على الكفر العملي أنّ الله عز وجل ذكر كفر بنى إسرائيل ببعض الكتاب لكونهم يقتلون بعضهم بعضاً ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأنّ جزاء الكفر ببعض آيات الكتاب هو الخزي في الدنيا وأشد العذاب في الآخرة ، " قلت " قد اتفقت كلمة أهل السنّة والجماعة على أنّ القتل والطرد والاعتداء على حقوق المال والعرض ومثالـه من الكبائـر والآثام إنما هو في إطار الفسوق وإن وصفه الشـارع سبحانـه أو رسوله صلى الله عليه وسلم بالكفر فهو كفر في إطار الملة ومثاله قوله  صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) أخرجه مسلم ، قال النووي في تأويله " وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفراً يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله "[ شرح مسلم ج2/54 ] أهـ ، وإنمـا تكفيـر أمثـال هؤلاء عند الخوارج الذين يكفـرون بمطلـق المعاصي والآثـام ، ( الآية الرابعـة ) : قوله تعالى :  { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } [ النور : 47 ] ، والشاهد من الآية على الكفر العملي هو أن التولي هاهنا قد يحمل على تولي الجوارح عن طاعة الرسول وذلك بعد الإقرار بالإيمان بالله والرسول والإقرار بالطاعة ، والآية نفت عن أولئك الإيمان ، والتولي عن الطاعة هاهنا ينبغي أن يفهم في إطار القاعدة " المأمور به إذا تركه العبد فإمّا أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكـون ، فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيـمان به ، وترك بعضه وهو العمل به فصار له حسنة وسيئة "  ، وعلى ذلك فالتولي في الآية إن قصد به تولى القلب عن الاعتقاد دخل في إطار الكفر الأكبر وإن قصد به تولى الجوارح عن الطاعة دخل في إطار الكفر دون الكفر ، ونفي الإيمان هو نفي للإيمان المطلق (  الإيمان الواجب لا أصل الإيمان ) ، وقد حمل الطبري رحمه الله الآية على الوجهين ، فجعلها في حق المنافقين نفاقاً اعتقادياً كفر أكبر ، ونفي لأصل الإيمان من القلب وفي حق المسلمين (  المقرين المصدقين المنقادين ) تأنيب وتأديب ،  فقال لله دره ـ  القول في تأويل قوله تعالى : {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } [ النور : 47 - 48 ] " يقـول تعـالى ذكره : ويقول المنافقون : صدقنا بالله وبالرسول ، وأطعنا الله وأطعنا الرسول  { ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ } يقول : ثم تدبر كل طائفة منهم من بعد ما قالوا هذا القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتدعو إلي المحاكمة إلي غيره خصمها { وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ  } يقول : وليس قائلوا هذه المقالة يعنى قوله :{ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا } بالمؤمنين لتركهم الاحتكام إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعراضهم عنه إذا دعوا إليه  وقوله  وإذا دعوا إلي الله ورسوله  يقول : وإذا دعي هؤلاء المنافقون إلي كتاب الله وإلي رسوله  { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } فيما اختصموا فيه بحكم الله { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } عن قبول الحق : والرضا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم "[ تفسير الطبري ج 18/155 - 156 ] أ هـ . إلي أن قال في تفسير الآيات التي تليها ، وتتحدث عن المؤمنين . القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  }  [ النور : 51 ] . يقول تعالى ذكره : إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا إلي حكم الله وإلي حكم رسوله { ليحكم بينهم } وبين خصومهم { أن يقولوا سمعنا } ما قيل لنا { وأطعنا } من دعانا إلي ذلك ، ولم يُعن بكان في هذا الموضع الخبر عن أمر قد مضى فيقضى ، ولكنه تأنيب من الله الذين نزلت هذه الآية بسببهم وتأديب منه آخرين غيرهـم . وقوله{ وأولئك هم المفلحون } يقول تعالى ذكره : [ تفسير الطبري ج18/157 ] والذين إذا دعوا إلي الله ورسوله ليحكم بينهم وبين خصومهم أن يقولوا : سمعنا وأطعنا المفلحون ، يقول : هم المنجحون المدركون طلباتهم بفعلهم ذلك ، المخلدون في جنات الله . " أ هـ  ، ويقول القرطبي رحمه الله ، وهو يحمل الآية على المنافقين الذين يقولون بألسنتهم من الإيمان ما ليس في قلوبهم . " قوله تعالى :{ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } [ النور : 47 ] " قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ } يعنى المنافقين ، يقولون بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص .{ وأطعنا } أي ويقولون ، وكذبوا { ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } "[ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج11/292 - 293 ] أ هـ ، ويقول ابن كثير رحمه الله وهو يحمل الآية على المنافقين نفاقاً اعتقادياً : " يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، يقولون قولاً بألسنتهم { آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك } أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم فيقولون ما لا يفعلون ولهذا قال تعالى :{  وما أولئك بالمؤمنين }" [ تفسير ابن كثير ج3/328  ط.دار الخير ] أ هـ ، " قلت " فالآية عند الإمامين محمولة على من لا يعتقد بالرسول صلى الله عليه وسلم ولا برسالته وإنما يقول ما لا يؤمن به ، ويظهر خلاف ما يبطن ، أما إن كان المتولي عن الطاعة مصدقاً مقراً معتقداً فالأمر يحتاج إلي التفصيل الذي ذكرناه ، ( الآيات الخامسة والسادسة والسابعة ) ، وقد جمعت هذه الآيات بين التكذيب والتولي وهى : قوله تعالى { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ القيامة : 31 - 32 ] ، وقوله تعالى { لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ الليل :15 - 16 ] ، وقوله تعالى على لسان نبي الله موسى ونبي الله هارون على نبينا وعليهما السلام{إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ طه :  48 ] ، وهذه الآيات تجمع بين أمرين وتفصل بينهما ألا وهما التكذيب القلبي والتولي عن الطاعة بالجارحة ، فمن اتصف بالأمرين كليهما فهو من أكفر الخلق وهو الأشقى يوم القيامة أي الأكثر شقاءً من غيره ، ومن اتصف بالتكذيب لم ينفعه العمل لأن المنافقين كانوا على زمان النبي صلى الله عليه وسلم يصلون ويزكون نفاقـاً وريـاءً وسُمعه فحكـم عليهـم القـرآن بقوله تعالى :  {إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } [ النساء :145 ] ، ومن اعتقد بقلبه وأعرض وتولى بجوارحه فهذا يستحق العذاب ويدخل في إطار الوعيد ولكن حاله الكفر في إطار الملة ( كفر دون كفر ) لأنه أتى بالإيمان الأصل الذي ينجى من الخلود الأبدي في النار ، والضابط لمسائل التكذيب والتولي هو تعلقهما بالقلب أو الجارحة فإن كان بالقلب فهو كفر أكبر ، وإن كان بالجوارح المجردة كان كفراً دون الكفر الأكبر ، وإلا فالتصديق والتكذيب يكون كلاهما بالقلب والجوارح ، وإن كان غلب على الجوارح وإلا فالحديث ( والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) معلوم أن المقصود زنا الفرج وهو عمل جارحة ، وكذلك التولي يكون بالقلب ويكون بالجارحة إلا أنه بتطبيق القاعدة فقد ذكر كليهما يكون التكذيب غير التولي ويكون التكذيب يُقصد به القلب خاصة والتولي تولى الجارحة خاصة ، ( الآية الثامنة ) : قوله تعالى { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 121 ] ، الشاهد من الآية  على الكفر الذي نحن بصدد الحديث عنه وعن فقه أحكامه هو قوله تعالى { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } فإذا سألت فأين الكفر هاهنا وما علاقته بعمل الجوارح ، " قلت " الكفر هاهنا هو الشرك ، وذلك لأن القاعدة التي يقول بها فقهاء أهل السنّة والجماعة هي "  كل شرك بالله كفر " ، حتى قال الحافظ ابن حجر عند تفسير قـوله تعالى :{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء : 48 ] . " والمراد به ـ أي الشرك ـ في هذه الآية الكفر لأن من جحد بنبوه محمد  صلى الله عليه وسلم كان كافراً ولو لم يجعل مع الله إلهاً آخر ، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف  " [ فتح الباري ج 1 ص 71 ] أهـ  ، وأما علاقة الكفر هاهنا بعمل الجوارح هو أن الآية جعلت مناط الكفر هو طاعة المشركين في أكل الميتة ، وما نهى الله عنه مما لم يذكر اسم الله عليه وهذا هو ظاهر الآية ، وهو ظاهر لم يقل به إلا الخوارج وأشباههم فالمعتمد عند أهل السنّة والجماعة أنّ الآية محمولة على استحلال ما حّرم الله والاستحلال اعتقاد فمن استحل ما حرم الله فقد كفر بإجماع أهل السنّة والجماعة ، ومن لم يستحل فأطاع بجوارحه دون استحلال فلا يكفر الكفر الأكبر المخرج من الملة بإجماع أهل السنّة والجماعة ، وعلى ذلك فالتأويـل الصحيـح للآية هو ما قاله المفسرون من أهل السنّة والجماعة ومنهم ابن العربى حيث يقول :  "  إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان ، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم ، مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع  "أ[ فتح الباري ج 1 ص 71 ] هـ ، والتأويل الصحيح للآية هو ما قاله القرطبي : " دلت الآية على أن من استحل شيئاً مما حرّم الله تعالى صار به مشركاً ، وقد حرّم الله سبحانه وتعالى الميتة نصاً فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك" [ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي  ج 7/77 ] أهـ  ، فدّل ذلك على أنّ الأصل في أحكام الكفر الأكبر هو اعتقاد القلب ، وأنّ عمل الجارحة إن كان مجرداً خالياً عن اعتقاد القلب باستحلاله فقصارى حاله الكفر داخل إطار الملة ، وهو ما أخبر عنه علماء أهل السنّة والجماعة بقولهم كفر دون كفر ، وهكذا ينبغي أن يفهم كل متشابه في كتاب الله عز وجل فإن الله تعالى  بين أن الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ، وهى هاهنا غالب آيات الكفر في كتاب الله ، والتي تناولت كفر الاعتقاد بأنواعه الستة التي ذكرناها ومنه آيات متشابهات وهى هذه الآيات التي تتشابه على المتعجل قليل التدبر فإن لم يستضئ بهدي السلف في ردها إلي حكمها ضّل كما ضلت من قبل الفرق الغالية كالخوارج والمعتزلة حتى كفّروا أهل القبلة بالأعمال وبالمعاصي والآثام ، فالضابط الذي جعل علماء أهل الفرقة الناجين ( السنّة والجماعة ) في مثل هذه الآيات أنّ كل كفر أصله الاعتقاد فهو كفر أكبر ، وكل كفر أصله العمل فهو كفر دون كفر .

 

ثانيـاً : فقـه أحكـام الكفـر كما جاءت في سنـة النبي صلــى الله عليه وسلـم :  ( أ ) كنت في بداية الأمر ومع بداية طلبي للعلم ، أظن أن أول من أصل قاعدة ( كفر داخل إطار الملة ) هو الحبر البحر العلامة عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ، وذلك بسبب ما رآه من غلو الخوارج ، فأصلها حماية الأمة من تكفير بعضها بعضاً بالأعمال المحتملة وبالمعاصي والآثام ، وكان تأصيله متمثلاً في تأويله للآية الكريمة { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] فحملها على الكفر الأكبر ، وعلى أنها كفر ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وعلى أنّه إن صاحب الترك جحود ( اعتقاد ) فهو كفر أكبر موجب للخلود الأبدي في النار وإن لم يصاحبها جحود فهو كفر دون كفر فلا يخلد صاحبه في النار خلود الكافرين ، كان هذا مع بداية طلبي العلم ، ولكن مع الطلب والغوص في أسراره ومعانيه تبين لي وعلمت يقيناً أن هذه القاعدة أصلها الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، في أحاديث كثيرة عظيمة تفيدنا خطورة هذه الأعمال التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر ووخامة عاقبتها ، وفي نفس الوقت تؤصل لنا هذه القاعدة التي تمنع من ترامي المسلمين بالكفر الأكبر وتكفيرهم بعضهم بعضاً ، ( ب ) من أمثلة تلك  الأحاديث التي تدل على كفر دون كفر : قوله صلى الله عليه وسلم : (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ))  أخرجه البخاري ومسلم [ انظر فتح الباري ج1/381 ، وشرح النووي ج 2/54 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ))  أخرجه البخاري ومسلم [ انظر فتح الباري ج13/21 ، وشرح النووي ج 2/55 ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : (( اثنتان في الناس هما كفر : الطعن في النسب والنياحة على الميت )) أخرجه مسلم [ انظر شرح النووي ج 2/57 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ليس من رجل يدعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ))  أخرجه البخاري [ انظر فتح الباري ج 6/421 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( أيما عبد أبعد من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم  ))  أخرجه مسلم [ انظر شرح النووي ج 2/57 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما ))  أخرجه البخاري ومسلم [ انظر فتح الباري ج 10/423 وشرح النووي ج 2/49 ] ،  " قلت " وجماهير السلف والخلف والمحققون من علماء أهل السنّة والجماعة يدخلون ضمن هذه الأحاديث ، أحاديث كفر تارك الصلاة ، ومن تلك الأحاديث : قوله صلى الله عليه وسلم : (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) أخرجه مسلم [ انظر شرح النووي ج2/70 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة )) أخرجه مسلم [ انظر شرح النووي ج ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر )) أخرجه الخمسة عن بريدة [ انظر صحيح الجامع الصغير ج 2/760 ، ج (4143 ] ،  ( ت ) اتفق علماء أهل السنّة على تأويل تلك الأحاديث وإلا وقعت الأمة في الذي وقعت فيه الخوارج من قبل من تكفير أهل القبلة بالذنوب والمعاصي ، وعلى سبيل المثال فالحديث الأول (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ، والحديث الثـاني : (( لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) قد حّل القرآن الكريم إشكالهما وذلك في مثل قوله تعالى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } [ الحجرات : 9 ] ، وقوله تعالى في حق العفو عن القاتل المسلم :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } [ البقرة : 178 ] ، فقد دلت الآية الأولى على أنّ المؤمنين قد يقاتل بعضهم بعضاً ، ولا يزول عنهم اسم الإيمان بالكلية ، فقد سماهم الله عز وجل مؤمنين مع اقتتالهم ، ودلت الآية الثانية على أن أخوة المؤمنين باقية بين القاتل المسلم وبين أولياء  دم القتيل والشاهد عليه قوله تعالى { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ } فأخوة الإيمان باقية ولم تزول بإرتكاب الكبيرة ( القتل ) ،  ( ث ) ولهـذا كان الضابط الفقهي أن الإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى ، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية ، والملة بالكلية ، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان ،  قال النووي : في شرح الحديث الأول ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) : " أما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفراً يخرج من الملة ، كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله ، إذ تقرر هذا في تأويل الحديث أقوال أحدها أنه في المستحل والثاني أنّ المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام لا كفر الجحود والثالث أنه يؤول إلي الكفر والرابع أنه كفعل الكفار  " [ صحيح مسلم بشرح النووي ج 2/54 ]أهـ ، وقال النووي  أيضاً : وذلك عند شرحه للحديث الثاني (( لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))  ما نصه : "قيل معناه سبعة أقوال : أحدهما أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق ، والثاني المراد كفر النعمة وحق الإسلام ، والثالث أنه يقرب من الكفر ويؤدى إليه ، والرابع أنه فعل كفعل الكفار ، والخامس المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين والسادس حكاه الخطابي وغيره المراد بالكفّار المتكفرون بالسلاح ، يُقال تكفر الرجل بسلاحه ، إذا لبسه ثم نسب إلي الأزهري قوله في كتابه حديث اللغة : يقال للابس السلاح كافر والسابع قاله الخطابي معناه لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم  " [ صحيح مسلم بشرح النووي ج 2/55 ] أهـ ، وإنما أورد الإمام النووي هذه التأويلات جميعاً ليدلنا على أن ظاهر الحديث لم يقل به أحد من علماء أهل السنّة والجماعة وإلا وقع الناس فيما وقعت فيه الخوارج من قبل من تكفير المسلمين بالمعاصي والآثام ، وقد أطال رحمه الله في سرد التأويلات وحاصله أن المقصود به كفر دون كفر ، أي كفر في إطار الملة لا يخرجه عن اسم الإسلام وحكمه ، وإنما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم { بالكفر } ليدلنا على وخامة هذا الفعل وخطورة عاقبته التي قد تؤول بصاحبه إلي خذلان الله عز وجل له فيضرب على قلبه قبل الموت ، فيموت كافراً ، نسأل الله السلامة وحسن الختامة ، وليس بعد هذا التحذير النبوي البليغ من تحذير ، وليس بعد ترهيبه من هذا الفعـل مـن ترهيب ، وقد أوتى النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم وهو أبلغ من نطق بالعربية ـ لغة القرآن  الكريم ـ بإجماع ، فجمع الترهيب والتحذير ، وبيان خطورة العاقبة في كلمة ( الكفر ) وهو صلى الله عليه وسلم يعلم يقيناً أن علماء أمته سيحملونها على محاملها الصحيحة لا سيما ودليلهم القرآن الكريم يدلهم على أنّ القاتل المسلم له اسم الإسلام وحكمه وله أخوة الإيمان ورابطته فدّل على أنه ليس بكفر ينقل من الملة ، ولكن هو كفر في إطار الملة ،  ( ج ) جماهير السلف والخلف متفقون على إلحاق أحاديث تارك الصلاة بهذه القاعدة ( كفر دون كفر ) ، المحققون من فقهاء أهل السنّة والجماعة يقولون بإلحاق أحاديث تارك الصلاة ـ والتي  أوردتها في الفقرة ( 7 ) ببقية الأحاديث التي دلت على الكفر دون الكفر الأكبر ، ولهم في ذلك أدلة راجحة واضحة كثيرة قد أشرت إلي أهمها عند حديثي على حكم تارك الصلاة القاعدة السادسة : تحقيق القول في كفر تارك الصلاة ، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ، ( راجعها هناك فهي مفيدة ) ، ومن هذه الأدلة بإيجاز : (1) قولهم أنّ حمل الآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] على الكفر دون الكفر الأكبر أشد وأعسر من حمل الحديث ، ومع ذلك اتفق علماء أهل السنّة والجماعة على تأويل الآية ، ثم خالف البعض في تأويل الحديث بزعم أن الكفر في الحديث جاء مُعرفاً {بألـ}  الدالة على كمال مسمى الكفر ، ووجه صعوبة حمل الآية على الكفر دون الكفر الأكبر عن الحديث أنّ  كلمة الكفر في الآية جاء أيضاً معرفاً {بألـ} الدالة على كمال معنى الكفر ، إضافة إلى مؤكدات أخرى منها أن تقرير الحكم في الآية جاء بصيغة الشرط وجوابه { ومن لم يحكم …   فأولئك } ومنها أنّ جواب الشرط جاء بصورة المبتدأ والخبر { فأولئك  … الكافرون } ، ومنها إدخال الضمير { هم } بين المبتدأ والخبر وهو من الضمائر المؤكدة التي تفيد ـ هاهنا ـ اختصاصي المبتدأ والخبر ، والحاصل أنّ الآية متى عاملناها على أصول اللغة وقواعدها دلّت على كمال مسمى الكفر ، وهو الكفر الأكبر ولكن اتفاق علماء أهل السنّة والجماعة على أن مناط هذا الكفر الأكبر هو الجحود وليس مجرد الترك ، وهاهنا ما المانع في حمل الحديث على نفس محمل الآية مع أنّ حمل الآية أشد وأعسر وقد حملها عليه كافة علماء أهل السنّة والجماعة وأنتم معهم في ذلك والعلة التي قلتم بها في ترك الصلاة مـن دخـول (الـ) على كفر تارك الصلاة في الحديث ( بين الرجل وبين الكفر ) موجودة في الآية مع وجود مؤكدات أخرى في الآية لا نجدها في الحديث ، (2) صح الحديث أنّ تارك الصلاة تحت المشيئة ولا يدخل تحت المشيئة كافر كفرا أكبر أبداً  ، والحديث تمامه (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله  عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء  عذب وإن شاء غفر له  )) أخرجه مالك في الموطأ وأحمد في المسند وأبو داوود والنسائي وابن ماجة في السنن وصححه جمع غفير من المحققين منهم النووي والشوكاني، وإذا قد صح الحديث لزم القول به وعدم إهماله عند تقرير حكم مسألة تارك الصلاة ، (3) ما المانع أن يحمل تارك الصلاة على نفس القاعدة التي حمل عليها قاتل المؤمن بغير وجه حق لا سيما وصيغة الأحاديث متفقة على وصف كليهما بالكفر ، فهاهنا { لا ترجعوا بعدى كفاراً } و{ قتاله كفر } وهناك { وبين الكفر ترك الصلاة } و{ فمن تركها فقد كفر } ، وقد علمنا أن زيادة (الـ)تغير من حقيقة الحكم بدلالة الآية السابقة ، (4) حمل تارك الصلاة على نفس القاعدة هو قول جماهير السلف ويكفى في ذلك دلالة على قوته على القول الذي قاله به البعض ، لا سيما وإذا علمنا أنه القول الذي اتفق عليه الفقهاء المحققون والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة وقول للإمام أحمد قال عنه ابن قدامه الحنبلي "  والرواية الثانية ـ أي عن الإمام أحمد في حكم تارك الصلاة القتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن وهذا اختيار عبد الله بن بطة ـ من فقهاء الحنابلة ـ وأنكر قول من قال أنه يكفر وذكر أنّ المذهب ـ أي الحنبلي ـ على هذا لم يجد في المذهب خلافاً ، وبعد قول أكثر الفقهاء وقول أبي حنيفة ومالك والشافعي  … إلى أن قال وهو يشير إلى أنه إجماع المسلمين … ولأن ذلك إجماع المسلمين  فلا نعلم في  عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ، ولا منع هو ميراث مورثه ، ولا فرّق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها ، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أنّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام " [ المغنى لابن قدامه ج 2/157 ـ 158 ] أهـ ، ( 5 ) حمل تارك الصلاة على نفس القاعدة هو القول الذي يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة جمعاً يأخذ بكافة الأدلة ، فهو يقول بكفر تارك الصلاة للأدلة المكفرة ، ويجعله دون الكفر الأكبر ، لكونه داخل تحت المشيئة ولأن الكفر الأكبر هو ما كان ضد أصل الإيمان فإذا علمنا أنّ عمل الجوارح والصلاة منه داخل في الإيمان الواجب كان ضده الكفر دون الكفر الأكبر وبهذا تتوافق القواعد الأصولية ويتم الجمع بين الأدلة جميعها ، ولهذا قال النووي في المجموع ونقله عنه الشنقيطي في أضواء البيان بعد أن أشار إلى أنه أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث فقال الشنقيطي رحمه الله : "  وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة ، لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ، وإذا حمل الكفر والشرك المذكورين في الحديث في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن ، وقال النووي في شرح المهذب ـ بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ـ أي الكفر الأكبر ـ ما نصه )) ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث ، وأمّا الجواب عمّا احتج به من كفره ، من حديث جابر وبريده ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها محل الغرض منه )) [ أضواء البيان ج 4/322 ] أهـ ، " قلت " وهو عند النووي في [ شرح المهذب ج 13/17 ] ،   ( فائدة ) في بيان الفرق بين الكفر الأكبر وكفر دون كفر والداعي لأن يكون في شرع الإسلام كليهما : هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر ، ( الكفر الأكبر ) : هو الكفر المناقض لأصل الإيمان ( الإقرار والتصديق والانقياد ) ، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد ال انقياد : فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق ، وكفر الجحود يضاد الإقرار ، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد ، وكفر الشك يضاد التصديق ، وكفر النفاق يضاد التصديق ، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق ، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر ، والكفر الأكبر  : يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فيجب تفريق زوجته المسلمة عنه ولا يحل لها البقاء تحت سلطانه ، ويجب تفريق أولاده القصر عنه لأنه لا يؤتمن عليهم ويخشى أن يؤثر عليم بكفره ، ويجب أن يحاكم إلى قضاء المسلمين وتقام عليه الحجة فإن تاب وإلا قتل رٍدّة ، إذا مات أو قتل رٍدّة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يورث كما أنه لا يرث إذا مات مورث له ، والكفر الأكبر يوجب الخلود الأبدي في النار ـ فصاحبه من أصحاب النار الذين لهم  الخلود الأبدي في النار فلا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا هم منها بمخرجين ، وهم في النار لا يجوز لهم شفاعة ولا تنفعهم شفاعة ولا هم تحت المشيئة بل هم أصحاب النار خالدون فيها أبداً وبئس المصير ، ( الكفر دون الكفر الأكبر ) : وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر ، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان ، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة ، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان ، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وصاحب الكفر دون الكفر الأكبر مفرط في الإيمان الواجب من أصل الإيمان فهو يكاد ويوشك أن يقع فيما ينقض أصل الإيمان ، ومن أمثلة هذا الكفر قتل المسلمين وقتالهم لأنه قريب من اعتياد ذلك واستحلاله ، واستحلاله كفر أكبر ، ومن أمثلته النياحة على الميت لأنه قريب من اعتياد الاعتراض على قضاء الله وقدره ، والظن السيئ بالله ، وهو بذلك قريب من الكفر الأكبر ، ومن أمثلته تكفير المسلم لأخيه المسلم بغير وجه حق لأنه قريب إلى استحلال دمه وماله وعرضه بغير وجه حق ، وهكذا فكل ما حكم الشرع بكونه كفر دون كفر ، فهو دلالة على قربه من الكفر الأكبر وأنّ اعتياده طريق إلى الكفر الأكبر المضاد لأصل الإيمان والموجب للخلود الأبدي في النار ، " قلت " ، ومن أمثلته أيضاً عند جمهور السلف والخلف وغالب الفقهاء ترك الصلاة لأنّه قريب من اعتياد ذلك وجحوده فيختم لهم بسوء الخاتمة ، نسأل الله عز وجل التثبيت وحسن الخاتمة ،  " تنبيه " ومن هنا نعلم خطورة الكفر دون كفر وأنه أعلى من الفسوق بكثير فإن الفسوق يتناول ترك الواجبات أو فعل الكبائر التي تؤثر مباشرة في الإيمان الواجب ، وإن كان إدمانها عند البعض قد يصل به إلى الشك وعاقبة السوء ، أما تلك الأعمال التي وصفها الشرع بكفر دون كفر فهي لا شك أكبر من أكبر الكبائر وأعظم من أعظم المحرمات دون الكفر الأكبر والشرك الأكبر والنفاق الاعتقادي الأكبر ، وهى التي يظن بصاحبها الزندقة والانحلال ، ويخشى عليه برجحان سوء الخاتمة وسوء العاقبة وهو على شفا جرف هار قد ينهار به إلى الكفر الأكبر الذي لا شفاعة فيه ، ولا مكان له إلا الخلود الأبدي في جهنم وبئس المصير ، وأبرز أمثلته ترك الأركان العملية الأربعة التي بني عليها الدين ( الصلاة والزكاة والصيام والحج ) ،   ومن هنا نعلم سبب الخلاف بين بعض العلماء في مسائل الكفر بشقيه الأكبر والأصغر وفى مسائل الفسوق والعصيان ، فإنّ من العلماء من جعل الكفر دون الكفر الأكبر بمثابة الفسوق ، كلاهما سواء ـ ومنهم من جعله بمثابة الكفر الأكبر المخرج من الملة بالكلية وإن كان صاحبها مقراً معتقداً منقاداً بقلبه لها ـ وكلاهما ـ جانب الصواب ، فالفريق الأول قصّر وفرط ولم يفرق بين ما يجب تفريقه بين الكفر داخل إطار الملة والفسوق داخل إطار الملة ، وليس مسمى الكفر في الشرع كمسمى الفسوق ، والفريق الثاني ، أفرط فلم يراعى قواعد الشرع العامة ولا أصول المحكمة كقاعدة ( من عاش على التوحيد ومات عليه استوجب الجنة ) وقاعدة ( ماعدا الشرك الأكبر بالله كله داخل تحت إمكان المغفرة ) وقاعدة ( من أتى بأصل الإيمان حكم له باسمه وحكمه ) وقاعدة ( لا نكفر أحداً من المسلمين بعمل حتى يتضمن ترك أصل الإيمان ) ، وقاعدة ( أصل الإيمان إقرار وتصديق وانقياد ) ، وقاعدة ( عمل الجوارح يدخل في الإيمان الواجب ولا يدخل في أصل الإيمان ) وقاعدة ( الكفر نوعان كفر جحود وكفر عمل ) وقاعدة ( قد يجتمع في المسلم كفر وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى وفجور وله اسم الإيمان وحكمه حتى ينقض أصل الإيمان ) ، إلى غير ذلك من قواعد أهل السنة ، ـ الشاهد ـ أن الكفر دون كفر أنّ يوجب استحقاق الوعيد دون الخلود في النار . فالكفر الأصغر أو الكفر دون الكفر صاحبه وإن كان على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر ، إلا أن صاحبه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه وإن مات فتجرى عليه كافة أحكام المسلم ما لم يكفر الكفر الأكبر عندنا بيقين وهذا من أصول الملة الحنيفية السمحة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم  من عند الله ، فإذا مات غسل وصلى عليه ودفن في مدافن المسلمين ويورث ويرث ، وتجوز عليه الرحمة وهو داخل إطار المشيئة ، هذا في الحكم الظاهر أما أحكام الآخرة فإن كان مات على الإيمان فم يخذل عند خروج الروح فهو حقاً تحت المشيئة ، وهو لا يخلد في النار ، خلود الكافرين بل مآله ـ وإن لبث في النار أحقاباً ـ إلى الجنة برحمة الله عز وجل ولو مع أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار إلى الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه  ، والشاهد من ذلك : أنّ كل من كان كفره في إطار الملة فإنه في الأحكام يأخذ اسم الإيمان وحكمه ، وإذا كان كفره يوجب القتل فإنه يقتل حداً ، فيغسل ويكفن ، ويدفن في مدافن المسلمين لما أتى به من الإقرار الظاهر ، ولهذا كان مذهب جماهير السلف والخلف أنّ تارك الصلاة يقتل لأدلة شرعية كثيرة منها قوله تعالى { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ.. }[ التوبة : 5 ] وقوله صلى الله عليه وسلـم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله )) ، ولكنه يقتل حداً فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله ، وما ذلك إلا لما أتى به من الإقرار ولما أظهر من التصديق والانقياد وحسابه على الله تعالى ، وبعد ـ فهذا ما تيسر في بيان الفرق بين الكفر الأكبر وكفر دون كفر كما وضحه الشرع وكما فهمه علماء الأمة الفقهاء أعلام أهل السنّة والجماعة الناجين .

***

 

[    قواعد الشرع الضابطة لمسائل الكفر بنوعيه الأكبر والأصغر ]

 

علمنا من مباحث الكتاب السابقة لهذا المبحث أن الكتاب والسنّة بفهم السلف وأقوال علماء أهل السنّة والجماعة دلاّنا على أن للإيمان ثلاث منازل ، الأولى تتناول أصل الإيمان والثانية تتناول الإيمان الواجب والثالثة تتناول الإيمان الكامل المستحب ، وأن أصل الإيمان يتكون من ثلاث عناصر لا يصح هذا الأصل بدونها وهي إقرار اللسان وتصديق القلب ( قوله ) ، وانقياد القلب ( عمله ) ، وأن الإيمان الواجب يتناول أداء الواجبات والكف عن المحرمات وأن أعمال الجوارح الواجبة تدخل في هذا الإيمان ، وأن ما زاد من الطاعات على الإيمان الواجب بفعل المندوبات والكف عن المكروهات فهو من باب الإيمان المستحب ، وعلمنا كذلك من مباحث الكتاب السابقة وبأدلة الكتاب والسنّة أن هناك كفر أكبر مخرج من الملة وهو ستة أنواع كلّها قلبية هي التكذيب والجحود والعناد والشك والتعلق والإعراض  ،  وأن هناك كفر في إطار الملة ( كفر دون كفر)  وهو الكفر الأصغر أو الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الملة بالكلية ، وهو في نفس الوقت أخطر من الفسوق والعصيان لأنه يفتح على صاحبه باباً إلى الكفر الأكبر المخرج من الملة ، وفي هذا الفصل أورد بمشيئة الله تعالى قواعد الشرع الضابطة لمسائل الكفر وهو في حقيقة أمره حصيلة فقه المحققين الأئمة من علماء أهل السنّة في باب الكفر ومسائله وأحكامه ، ويحتوي هذا الفصل على تلك القواعد : القاعدة الأولى : الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً  أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله ، القاعدة الثانية : الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان أو أحد عناصره ، والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب ،  القاعدة الثالثة : الأعمال الكفرية كالسجود للأوثان وسب الدين والاستهزاء به وإهانة المصاحف وما يماثلها كفر عملي فيما يظهر للناس ولكنها في حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان ، القاعدة الرابعة : التولي عن الطاعة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد والقصد واقتصر التولي على عمل الجارحة ،

 

***

 

[  القاعدة الأولى ]  :  الكفر الأكبر : كفر اعتقاد وجحود ،  والكفر دون كفر : كفر عمل مجرد عن الاعتقاد

 

هذه القاعدة : ( الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً  أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله ) قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء ، فكل ما كان من الكفر  يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة ، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر  ، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة ، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده ، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر ، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله ، ومن أمثلة على تطبيقات العلماء لهذه القاعدة : يقول الطحاوي وهو يشير إلى عقيدة أهل السنّة : " ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين ، وله وبكل ما قاله وأخبر مصدقين ، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله إلى أن قال ولا يخرج العبد من الإيمان إلاّ بجحود ما أدخله فيه " أهـ ، وبيان قوله رحمه الله :  أن أهل القبلة مسلمين مؤمنين بما جاءوا به من الإقرار والتصديق  – أي الانقيادي لأنه قول أهل السنّة قاطبة ، وأن أهل السنّة والجماعة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بالذنوب والمعاصي إلاّ إن لازمها استحلالا قلبياً ، وأن باب الإسلام هو الإقرار والتصديق الانقيادي ومن هذا الباب يدخل المرء إلى الإسلام وكما أنه دخل من هذا الباب فلا يخرج إلا منه بمعنى أنه لا يكفر الكفر الأكبر حتى يصدر منه ما يناقض إقراره وتصديقه وانقياده ، وهذا هو ما عبّر عنه الإمام الطحاوي بالاستحلال والجحود ، ويقول ابن عبد البر  وهو يطبق القاعدة -  : وذلك بعد ذكره لحديث (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )) ، قال : " فيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرهـا ، ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقد نيته فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً إلا برفع ما كان به مسلماً وهو الجحود لما كان أقرّ به واعتقده . والله أعلم "[ التمهيد حـ 23 / 288 - 290 ] أهـ ، ويقول الإمام القرطبي رحمه الله - : وذلك عند تفسيره لقوله تعالى : { أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } [ الحجرات : 2 ] " وليس قوله تعالى {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [ الحجرات : 2 ]  بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم ، فكما أن الكافر لا يكون مؤمناً إلاّ باختياره الإيمان على الكفر ، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بإجماع [ تفسير القرطبي حـ 16 / 308 ]" أهـ ، وبيان قوله رحمه الله : أن الكافر إذا اختار الإيمان على الكفر فأتى بالإقرار والتصديق والانقياد فكذلك لا يخرج من هذا الإيمان إلا باختياره وقصده ، وقد أشار القرطبي إلى أن ذلك إجماع أهل السنّة والجماعة ، وهذا الذي ذكره - رحمه الله - باب عظيم من أبواب الاحتياط في تكفير المسلمين ، وباب عظيم من أبواب العذر بالجهل ، ومعنى كلامه رحمه الله –وذلك حتى لا يفهم بالخطأ – أنه لا يكفر المرء حتى يقع على مكفّر وهو مختار لهذا المكفّر عالم بأنه كفر أكبر يخرج من الملة ، وليس القصد هو أن يختار الكفر بلفظه ، بمعنى أن يقول إني كفرت أو اخترت الكفر إذ ليس يختار الكفر لنفسه أحدٌ إلاّ ما شاء الله ، ولكن القصد الصحيح أنه لا يكفر حتى يكون كفره عن قصد وعلمه بأن ما قام به الكفر الأكبر ، وتقوم عليه الحجة الشرعية بذلك أما قبل ذلك فإنه معذور بجهله حتى يعلم ، وبعد العلم إن أصر على ما علم أنه كفر ، كفر ولا كرامة لأنه اختار الكفر عن قصد وعلم ، وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحمل عليه قول القرطبي رحمه الله ، وإلا فقد قال تعالى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }  [ الكهف : 103 - 105 ] ، فأخبر سبحانه أنهم بالله كفروا وأن أعمالهم حابطة مع أنهم كما أشارت الآية الكريمة كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا مثابون على عملهم مأجورين عليه كحال اليهود والنصارى وظنهم أن ما هم عليه من الشرك والكفر هو غاية التوحيد والإيمان ، ولا ينفعهـم ظنهـم بشيء إذ هـم اختاروا ما هم عليه من الكفر ولا يقرون بأنه كفر ولا يقصدون به الكفر [ راجع في تفسير الآية جامع البيان للطبري حـ 16/34 ] ، ومثال آخر لتطبيق الإمام القرطبي لهذه القاعدة :  يقول عند شرحه لحديث ( بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة ) وهو يحمله على جحود الصلاة ثم يقول عن التارك تكاسلاً وهو يعتقد وجوب الصلاة ويقر بها : "والصحيح أنه ليس بكافر لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال : " خمس صلوات افترضهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ومن لم يأت بهن فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه "  فهذا ينص على أن ترك الصلاة - أي تكاسلاً - ليس بكفر - أي أكبر مخرج من الملة . وأنه مما دون الشـرك الذي قـال الله تعالى فيه : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء : 48 ] [ المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم حـ1/271 ] "أهـ ، فنراه هاهنا يفرّق بين كفر الاعتقاد ( الجحود ) وبين كفر الجوارح فالأول كفر أكبر مخرج من الملة والثاني كفر في إطار الملة ، ويقول الشوكاني - وهو يطبق القاعدة - : " اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلاّ ببرهان أوضح من شمس النهار - إلى أن قال - وقد قال الله عز وجل { وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } [ النحل : 106 ] فلا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به ، وسكون النفس إليه ، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لاسيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام ، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يُرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر ، ولا اعتبار بلفظ به مسلم يدلّ على الكفر ولا يعتقد معناه "[ السيل الجرار حـ4/578 ] أهـ ، وكلامه رحمه الله يدل على أن الكفر الأكبر لا يقع إلاّ متعلقاً باعتقاد القلب وسكونه إلى الكفر وشرحه له ، أما الفعل الكفري الذي لا يقصد صاحبه به الخروج من الإسلام فلا اعتبار له وكذلك لا اعتبار بلفظ كفري لا يعتقد صاحبه معناه ، وينبغي حمل كلامه رحمه الله على نفس المعنى الذي حملنا عليه كلام الإمام القرطبي قبله ، ويقول ابن العربي عند تطبيقه لهذه القاعدة : وذلك عند تفسير قوله تعالى : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } " إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان ، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع " [ أحكام القرآن لابن العربي حـ2/752 ] ، فمناط الكفر الأكبر - ومنه الشرك الأكبر - في الآية هو الطاعة في الاعتقاد أما إذا صح العقد والاعتقاد فالطاعة آنذاك تكون من باب المعصية ولله دره عندما قال "  فافهموا ذلك في كل موضع " أي عمموا هذه القاعدة الرصينة في كل موضع لأنها قاعدة مطردة عند أهل السنّة والجماعة بخلاف بقية الفرق الضالة في مسائل الاعتقاد لاسيما باب الإيمان والكفر ، ويقول ابن القيم - وهو يطبق هذه القاعدة : " فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي ، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " ففرق بين قتاله وسبابه ، وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به والآخر كفراً ، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي ، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية ، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان ، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما ، فلا تتلقى هذه المسائل إلاّ عنهم . فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين : فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار ، وفريقاً جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان . فهؤلاء غلوا ، وهؤلاء جفوا . وهدى الله أهل السنّة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل ، فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق وظلم دون ظلم . قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] : ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه ، وقال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال : هو بهم كفر ، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله . وقال في رواية أخرى عنه : كفر لا ينقل عن الملة . وقال طاووس : ليس بكفر ينقل عن الملة . وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق . وهذا الذي قاله عطاء بيّن في القرآن ، لمن فهمه  فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافراً ، وسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافراً  وليس الكافران على حد سواء "[ الصلاة وحكم تاركها لابن القيم ص 26 - 27 ط. دار الحديث ] أهــ  ، ويستفاد من كلامه أنّ : الإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، الثانية : والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي ، وأنّ هذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله ، وأنّه عند تطبيق هذه القاعدة على ترك الحكم بما أنزل الله نجد أنّ مناط الكفر الأكبر في الآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } هو الجحد ، ويؤكد ابن القيم هذه القاعدة : بقوله : " فأما "الكفـر" فنوعان كفر أكبر ، وكفر أصغر . فالكفر الأكبر : هو الموجب للخلود في النار . والأصغر : موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود كما في قوله تعالى - وكان مما يتلى فنسخ لفظه - { لا ترغبوا عن آبائكم . فإنه كفر بكم } ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث " اثنتان في أمتي ، هما بهم كفر : الطعن في النسب والنياحة " وقوله في السنن " من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد " وفي الحديث الآخـر " من أتى كاهناً أو عرافاً ، فصدقه بما يقول . فقد كفر بما أنزل الله على محمد " وقولـه " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " ، وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، قـال ابن عبـاس " ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر  وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر " وكذلك قال طاووس . وقال عطاء   " هو كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسـق " ، ومنهم : من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحداً  له . وهو قول عكرمة وهو تأويل مرجوح فإن نفس جحوده كفر ، سواء حكم أو لم يحكم ، ومنهم : من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله . قال : ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام . وهذا تأويل عبدالعزيز الكناني وهو أيضاً بعيد . إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل ، وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه ، ومنهم : من تأولها على أهل الكتاب وهو قول قتادة والضحاك وغيرهما وهو بعيد وهو خلاف ظاهر اللفظ فلا يصار إليه  ومنهم : من جعله كفراً ينقل عن الملة ، والصحيح : أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين ، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم . فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة ، وعدل عنه عصياناً ، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة . فهذا كفر أصغر . وإن اعتقد أنه غير واجب ، وأنه مخير فيه . مع تيقنه أنه حكم الله . فهذا كفر أكبر . وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ ، له حكم المخطئين ، والقصد : أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر ، فإنها ضد الشكر ، الذي هو العمل بالطاعة : فالسعي : إما شكر ، وإما كفر ، وإما ثالث لا من هذا ولا من هذا والله أعلم . "[ مدارج السالكين لابن القيم ص 344 - 346 ، ط. دار الكتاب العربي ] أهـ

***

 

[  القاعدة الثانية  ]  :  الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة  : هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة  [ الإقرار – التصديق – الانقياد ]  ، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة  :  هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة

 

أصل الإيمان كما حققناه عند فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار ، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر : ومنه عدم الإقرار بالشهادتين أصلاً أو التلفظ بكلمة الكفر الناقضة للإقرار أو إقرار الكفر المناقض للإيمان أو جحود شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه  صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة ، ويدخل فيه سبّ الله أو سب رسوله أو دينه أو كتابه لأن ذلك ناقض لأصل الإقرار إذ الإقرار ينبئ عن التصديق والانقياد والسب ينبئ عن التكذيب أو الاستكبار أو كليهما ، ويدخل فيه أيضاً الاستهزاء بالله أو برسوله أو بدينه أو بكتابه إذ الإقرار ينبئ عن التعظيم والاحترام والاستهزاء ينبئ عن الاستخفاف وعدم الاحترام فلذا كان ناقضاً للإقرار ، وكل ما كان ناقضاً للتصديق فهو كفر أكبر : ومنه الشك وهو عدم التصديق الجازم بل التردد بين التصديق والتكذيب ومنه التكذيب ومنه النفاق وهو إظهار التصديق باللسان مع تبطن الكفر ، وكل ما كان ناقضاً للانقياد كان كفراً أكبر : ومنه العناد والكبر والإباء والاستكبار ، وكـل ما كـان مصاحبـاً بانتفـاء عناصـر الإيمـان الثلاثـة كـان كفـراً أكبـر ، ومنه كفر الجهل بجهل الإقرار والتصديق والانقياد ، وكفر الإعراض وهو الإعراض عن الإقرار والتصديق والانقياد والفرق بينهمـا أن الأول لم يسمـع بالرسالـة فهـو جاهـل والثاني سمع عنها فأعرض ، وهكذا فالكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها : كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب .ولكل هذه الأنواع أدلتها التي قال بها فقهاء أهل السنّة والجماعة الأعلام ، وسيأتي بمشيئة الله تعالى بيانها تباعا ، وأعمال الجوارح كما حققناها عند فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب ، وبعضها أقرب من بعض إلى أصل الإيمان ، وأقر بها إلى أصل الإيمان إقامة الصلاة ، ولهذا غلّظ الشرع في تركها ووصف تاركها بالكفر وهو عند جمهور المحققين - وغيره من أعمال الجوارح من باب الأولى - داخل في إطار كفر دون كفر ، وصاحبه لا يخرج من الملة بالكلية وإن كان يُخشى عليه ذلك لكونه على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر ، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق ، فلا يخرج من الملة بالكلية ، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين ، وتارك الإيمان الواجب كله على خطر عظيم وعاقبة وخيمة وهو ما كان محافظاً على أصل الإيمان - وأنىّ له ذلك لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية حتى يزول - فهو كافر ولكن في إطار الملة فله اسم الإسلام وحكمه ، وهو يقيناً على شفا جُرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر والخلود الأبدي في النار ، إلاّ وأننا التزمنا طريقة الفقهاء [ المقصود بهم الفقهاء بالكتاب  والسنّة الذين لا يميلون في كلامهم إلى التشديد على سبيل الترغيب والترهيب ، ولا إلى التفريط على سبيل الإرجاء وإرضاء العامة ، فهم وسط يدورون حيث دار الدليل ويعتبرون أن حدود الشرع وسط إذا زاد المرء فيها وقع في الغلو وإذا قصر وقع في التفريط والشارع الحكيم وضع للشرع ضوابط لا نتعداّها لا على سبيل الإفراط ولا على سبيل التفريط ] ، فمن كان هذا حاله فلا نحكم عليه بالكفر الأكبر حتى يأتي على أصل الإيمان أو عنصر من عناصره فنحكم عليه به أما دون ذلك فهو في إطار الملة بمعنى أنه إن مات على أصل الإيمان بريئاً من النواقص فهو إلى المشيئة وغايته في النار أن يخرج مع أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار إلى الجنة بواسع رحمته بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، هذا كله إن مات على أصل الإيمان وأنى له هذا كما أشرت من قبل إلى نقصان الإيمان بالمعاصي حتى يزول ، نسأل الله السلامة  وسيأتي بمشيئة الله تعالى بيان أقوال فقهاء أهل السنّة والجماعة فيمن كان هذا حاله ، ولتأصيل هذه القاعدة بأقوال العلماء : يقول محمد بن نصر المروزي : " الكفر كفران : كفر هو جحد بالله وبما قال ، فذاك ضده الإقرار بالله والتصديق به وبما قال . وكفر هو عمل ضد الإيمان الذي هو عمل ، ألا ترى إلى ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه " قالوا فإذا لم يؤمن فقد كفر ولا يجوز غير ذلك إلاّ أنه كفر من جهة العمل إذ لم يؤمن من جهـة العمـل " [ نقله عنه بن تيمية في كتابه الإيمان ص 307 ] أهـ ، وقال أيضاً : "  ولكنا نقول : للإيمان أصـل وفـرع ، وضد الكفر في كل معنى ، فأصل الإيمان الإقرار والتصديق ، وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن ، فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان ، والكفر بالله وبما قال ، وترك التصديق به وله ، وضد الإيمان الذي هو عمل ، وليس هو إقراراً ، كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة ، ولكن كفر تضييع العمل ، كما كان العمل إيماناً ، وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله ، فلما كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافراً ، يستتاب ، ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم ، أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا ، قد زال عنه بعض الإيمان ، ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل السنّة وأهل البدع ممن قـال : إن الإيمان تصديق وعمل ، إلا الخوارج وحدها ، فكذلك لا يجب بقولنا : كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب ، ولا تزول عنه الحدود ، كما لم يكن بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابة ، ولا إزالة الحدود عنه ، إذ لم يزل أصل الإيمان عنه ، فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل   إذ لم يأت بأصل الكفر الذي هو جحد بالله أو بما قال . " أهـ [ نقله عن تيمية في كتابه الإيمان ص 308 ] ، وقال أيضاً : " قالوا [ أي أهل السنّة ] : فمن ثم قلنا : إن ترك التصديق بالله كفر ، وإن ترك الفرائض مع تصديق الله أنه قد أوجبها كفر ، ليس بكفر بالله ، إنما هو كفر من جهة ترك الحق ، كما يقول القائل : كفرتني حقي ونعمتي ، يريد : ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي ، قالوا : ولنا في هذه قدوة بمن روي عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ، إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصلـه ، لا ينقل صاحبه عن ملة الإسلام ، كما أثبتوا للإيمان من جهة العمل فروعاً للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام ، من ذلك قول ابن عباس في قوله : {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [ المائدة : 44 ] ، قال محمد بن نصر حدثنا ابن يحي ، حدثنا سفيان بن عيينـة ، عن هشام يعني ابن حجير ، عن طاووس ، عن ابن عباس : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ليس بالكفر الذي يذهبون إليه " أهـ ، ويقول الإمام القاسم بن سلاّم { ت 224 هـ } : وهو يدلنا على فقه أهل السنّة والجماعة لمسائل الكفر في إطار الملة وأنها ضد للإيمان الواجب : "  باب الخروج من الإيمان بالمعاصي : قال أبو عبيد : أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم ، فإن الآثار جاءت بالتغليظ على أربعة أنواع : فاثنان منها فيها نفي الإيمان ، والبراءة من النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخران فيها تسمية الكفر وذكر الشرك ، وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديث ذوات عدة : فمن النوع الذي فيه نفي الإيمان حديث النبي  صلى الله عليه وسلم : (( لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن } ، وقوله : (( ما هو بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله } ، وقوله : " الإيمان قيد الفتك ، لا يفتِك مؤمن " وقوله : " لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله ورسوله " ومنه قوله : " والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا " وكذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه " إياكم والكذب فإنه يجانب الإيمان " وقول عمر رضي الله عنه " لا إيمان لمن لا أمانة له "، وقول سعد " كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب " وقول ابن عمر : " لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقاً ، ويدع المزاحة في الكذب "  ، ومن النوع الذي فيه البراءة ، قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( من غشنا فليس منا )) كذلك قوله  " ليس منا من حمل السلاح علينا " وكذلك قوله : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا " في أشياء من هذا القبيل ، ومن النـوع الذي فيه تسمية الكفر قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مطروا فقال : (( أتـدرون مـا قـال ربكـم ؟ قال : أصبح من عبادي مؤمن وكافر ، فأما الذي يقول مطرنا بنجم كـذا وكـذا ، كافر بي مؤمن بالكوكب ، والذي يقول : هذا رزق الله ورحمته مؤمن بي وكافر بالكوكب (( وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعـض )) وقوله : (( من قال لصاحبه : كافر ، فقد باء  بها أحدهما )) وقوله : (( من أتى ساحراً أو كاهناً فصدقه بما يقول ، أو أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد ، أو كفر بما أنزل على محمد )) وقول عبد الله (( سباب المؤمن فسوق ، وقتاله كفر )) ، وبعضهم يرفعه ، ومن النوع الذي فيه ذكر الشرك قول النبي صلى الله عليه وسلم : )) أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر ؛ قيل : يا رسول الله وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء (( ، ومنه قوله : (( الطيرة شرك ، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل (( ، وقول عبد الله في التمائم والتولة : (( إنها من الشرك )) ، وقل ابن عباس : " إن القوم يشركون بكلبهم ! يقولون كلبنا يحرسنا ، ولولا كلبنا لسرقنا  " .. إلى أن قال : وإن الذي عندنا في هذا الباب كله : أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيماناً ، ولا توجب كفراً ، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعتَ الله به أهله ، واشترطه عليهم في مواضع من كتابه فقال : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.. } [ التوبة : 111 ] إلى قوله { التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ التوبة : 112 ] ، وقال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } إلى قوله { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ المؤمنون : 1 - 11 ] ، وقال : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *  أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ الأنفال : 2 - 4 ] .قال أبو عبيد : فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله ونفت عنه المعاصي كلها ، ثم فسرته السنّة بالأحاديث التي فيها خلال الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب ، فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوت بغيرها ، قيل : ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين ، ولا الأمانات التي يعرف بها أنه الإيمان ، فنفت عنهم حينئذ حقيقته ولم يزل عنهم اسمه . إلى أن قال : وكذلك الأحاديث التي فيها البراءة فهي مثل قوله : من فعل كذا وكذا فليس منا ، لا نرى شيئاً منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله   صلى الله عليه وسلم ولا من ملته ، إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا ، ولا من المقتدين بنا ، ولا من المحافظين على شرائعنا ، وهذه النعوت وما أشبهها .. وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي ، فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفراً ولا شركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه ، إنما وجوهها أنها من الأخلاق والسُّنن التي عليها الكفار والمشركون ، .. فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلاّ أنها أخلاق المشركين وتسميتهم وسننهم وألفاظهم وأحكامهم ، ونحو ذلك من أمورهم  ،  وأما الفرقان الشاهد عليه في التنزيل فقول الله عز وجل : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، وقال ابن عباس : " ليس بكفر ينقل عن الملة " وقال عطاء بن أبي رباح : " كفر دون كفر ". فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب فلا معنى له إلا خلاف الكفار وسنتهم ، على ما أعلمتك من الشرك سواء ، لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله ، ألا تسمع قوله : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ..} [ المائدة : 50 ] . تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية ، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون ، وهكذا قولـه :  " ثلاثة من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة  والأنواء " . ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي : (( ثلاثة من سنة الجاهلية النياحة وصنعة الطعام ، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم )) وكذلك الحديث : (( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان )) وقول عبد الله : (( الغناء ينبت النفاق في القلب )) ، ليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب : أن راكبها يكون جاهلاً ولا كافراً ولا منافقاً وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده ، ومؤد لفرائضه ، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنّة ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم .إلى أن قال : - وهو يبرز قاعدة جليلة -  وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا ، ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها ، وبذلك جاءت الآثار مفسرة [ تدبر يرحمك الله مدى احتياط الأئمة في مسائل التكفير ]. قال أبو عبيد : حدثنا أبو معوية عن جعفر بن برقان عن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ثلاث من أصل الإسلام ، الكف عن من قال لا إله إلا الله ، لا نكفره بذنب ، ولا نخرجه من الإسلام بعمل ، والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ، لا يبطله جور جائر ، ولا عدل عادل ، والإيمان بالأقدار كلها )) . قال أبو عبيد : حدثنا عباد بن عباد عن الصلت بن دينار عن أبي عثمان النهدي قال : دخلت على ابـن مسعـود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول (( لا يبلغ بعبد كفراً ولا شركاً حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغيره )) . قال أبو عبيد : حدثنا معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان قال : " جاورت مع جابـر بـن عبدالله بمكة ستة أشهر ، فسأله رجل : هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً ؟ فقال : معاذ الله ! قال : فهل تسمونه مشركاً ؟ قال : لا "[ الإيمان لابي عبيد القاسم بن سلام ص 36 - 37 ] ، (( التعليق )) : في هذا النقل السابق عن أبي عبيد نجد أنه رحمه الله أبرز درراً من منهج أهل السنّة والجماعة في بيان بعض قواعد الإيمان والكفر ، فالقاعدة الأولى : كانت بيان أن نفي الإيمان في الكتاب والسنّة معناه نفي حقيقة الإيمان ، وأن الذنوب والمعاصي لا تزيل إيماناً ولا توجب كفراً وإنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت به أهله ، ولم يزل عن هؤلاء اسم الإيمان أبداً ، والقاعدة الثانية : بينت أن البراءة من النبي صلى الله عليه وسلم كقوله (( من غشنا فليس منا )) ليس معناها التبرؤ من الانتساب إلى الإسلام ، إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا ولا من المقتدين بنا ولا من المحافظين على شرائعنا ، والقاعدة الثالثة : كانت بيان أن الآثار المروية بذكر الكفر والشرك العملي ووجوبهما بالمعاصي  لا تثبت على أهلها كفراً وشركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه ، إنما وجوهها أنها أخلاق وسنن الكفار ، والقاعدة الرابعة : بيان أن الشاهد على هذه القاعدة السابقة هو قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } وأنه إن كان مصاحباً باعتقاد الحكم وصحته فمعناه أنه كفر دون كفر لا ينقل عن الملة ، والقاعدة الخامسة : وهي قاعدة جليلة ضابطة لمسائل التكفير وهي قوله (( ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها وبذلك جاءت الآثار مفسرة )) أهـ ، ومعنى كلامه رحمه الله أن أحكام الكفر الأكبر والشرك الأكبر الذي تزول بهما أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بالردة مبنية على الظاهر ، والظاهر إما قول اللسان أو عمل الجوارح ، إذ لا يعلم حالة القلب الباطنة إلا الله وحده ، ولو علقت أحكام الإيمان والكفر في الدنيا على الباطن لتعطلت الأحكـام جميعها إذ لا يعلم غيب القلوب إلا الله ، والحاصل أنها إما قول اللسان وهذا لا يكـون بالتلفظ بكلمة الكفر ولما كان قول اللسان بلا إكراه محكماً لا يحتمل معنى آخر سوى اختيار الكفر وقصده كان صاحب كلمة الكفر كافراً بها ، أما الأعمال - أعمال الجوارح - فهي ظنية محتملة ولذلك لا يكفر بها صاحبها حتى تستوفي شروطها وتنتفي موانعها ويتبين بجلاء قصد فاعلها ، لأنه قد لا يقصد العمل الظاهر لنا ، (( قلت )) : وقد استثنى علماء أهل السنّة من هذه الأعمال سب الأنبياء والاستهزاء بالدين وإهانة المصاحف والسجود للأصنام وما شاكل هذه الأربعة لما تنطوي عليه من كفر القلب وغياب إيمانه وسيأتي بيان هذه الأعمال عند النقل عن حافظ حكمي في الفقرة التالية ، وكانت القاعدة السادسة : متمثلة في سياقه لحديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم (( ثلاث من أصل الإسلام الكف عن من قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل )) وقد أخرجه ايضاً أبو داود في سننه عن أبي معاوية ، ومنطوق الحديث تصدرت به كتب عقائد أهل السنّة والجماعة للدلالة على أن مذهبهم في مسائل الكفر هو عدم التكفير بالذنوب مادام المسلم لا يستحلها ، وعدم إخراج المسلم من دينه بالكلية بعمل مجردمهما كانت خطورة هذا العمل - إلا أن يكون عملاً يرتبط باعتقاد القلب ارتباطاً لا ينفك منه بحال فيكون الحكم بالكفر آنذاك مناطه الاعتقاد وليس العمل ، والقاعدة السابعة :  ( الاحتياط في تكفير أهل القبلة ) وأكد -  رحمه الله -  هذه القاعدة بسياق لأثر جابر رضي الله عنه وأنهم - أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم -  كانوا يحتاطون أشد الاحتياط في تكفير أهل القبلة حتى أنهم ما كانوا يسمون أحداً من أهل القبلة كافراً ولا مشركاً ، ويقول الإمام البيهقي : -  عند تفسيره لقول الله تعالى { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } [ الحجرات : 7 ] . ( فدل ذلك على أن للإيمان ضدين أو أن من الإيمان ما ينقضه الكفر ومن الإيمان ما ينقضه الفسوق ) [ شعب الإيمان حـ1/44 ] أهـ  ، وقوله : عند تفسيره لقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. } [ البروج : 11 ] "  معناه إن الذين آمنوا الإيمان الناقل عن الكفر ، ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل " [ شعــب الإيمـان حـ1/49 ] أهـ ، والواضح من كلامه - رحمه الله - أن الإيمان الناقل عن الكفر هو أصل الإيمان الذي ذكر من قبل أنه الإقرار والتصديق - الانقيادي لأنه مقصود أهل السنّة من التصديق وإن ما عدا ذلك فلا يؤثر في الكفر الأكبر ، وإنما يدخل في باب الفسوق كما ذكر في النقل السابق مباشرة ، وقوله في كتابه الاعتقاد (  ذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن اسم الإيمان يجمع الطاعات فرضها ونفلها وأنها على ثلاثة أقسام ) : - قسم يكفر بتركه وهو اعتقاد ما يجب اعتقاده والإقرار بما اعتقده ، - وقسم يفسق بتركه أو يعصي ولا يكفر به إذا لم يجحده وهو مفروض الطاعات كالصلاة والزكاة والصيام والحج واجتناب المحارم ، - وقسم يكون بتركه مخطئاً للأفضل غير فاسق ولا كافر وهـو مـا يكـون مـن العبـادات طوعاً " [ الاعتقاد للبيهقي ص 115 ] أهـ ، ويقول ابن حزم : " من اعتقد الإيمان بقلبه ونطق به بلسانه فقد وفق ، سواء استدل أو لم يستدل فهو مؤمن عند الله تعالى وعند المسلمين .. ومن ضيع الأعمال كلها فهو مؤمن عاص ناقص الإيمان لا يكفر " [ المحلي حـ1/40 ] أهـ ، ( قلت )  : ومن تلك النقول السابقة فوائد أهمها فائدتان : الأولى : بيان القاعدة التي سار عليها أهل السنّة مصدقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أبو عبيد وأبو داود ثلاث من أصول الإسلام الكف عن من قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل ، والفائدة الثانية : بيان أن الكفر الأكبر يتعلق بالاعتقاد ، فمن لم يعتقد وجوب الواجبات وتحريم المحرمات فإنه يكفر ، وكذلك فإن المأمور به أو المحرم المنهي عنه من اعتقده على الوجه الذي جاء به في شرع الله عز وجل فقد أتى بعض الواجب عليه وهو اعتقاده فلا يكفر تارك فعله ( تركاً وفعلاً ) لأنه قد أتى ببعض الواجب عليه وهو اعتقاده كما جاء في الشرع فصارت له حسنة وسيئة ، ولعلنا نلحظ هاهنا أن مناط الكفر الأكبر هو الاعتقاد ، وأن من أتى مكفراً دون اعتقاده فهو كفر في إطار الملة حتى يأتي على أصل الاعتقاد .

***

 

[  القاعدة الثالثة  ]  :  الأعمال الكفرية كالسجود للأوثان وإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه ،  وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب

 

كلام علماء أهل السنّة يصب في أمر واحد وهو أن هذه الأعمال لا تقع إلاّ من كافر وأنها كفر أكبر لتعلقها بكفر القلب ، وبالتالي فارقت بقية الأعمال في كونها كفر أكبر بذاتها لا تحتاج إلى استحلال لأنها تحمل في طياتها وجنباتها الاستحلال بخلاف القتل والزنا وشرب الخمر لما كانت معاصي لا تحمل في طياتها الاستحلال ، أُشترط لها الاستحلال حتى تصل بصاحبها إلى الكفـر ، أما هذه الأعمال فلا تحتاج إليه ، لانها وما شاكلها ليست من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده لا يبقى معها شيء من ذلك فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولابد ، يقول القاضي عياض : " وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل ، كالسجود للصنم والشمس والقمر والصليب والنار ، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس ، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام " [ الشفا للقاضي عياض حـ2/1072 - 1073 ] أهـ ، ( أقول ) : القاضي عياض إمام وفقيه وقاضي ولذلك فهو يتناول الأعمال المكفرة على نفس الأصول التي قال بها فقهاء أهل السنّة والجماعة ، والمتمثلة في أن الكفر الأكبر كفر اعتقاد ، وما كان من الأعمال كفراً فهو لتعلقه حتماً بالاعتقاد ، فنجده يقول " هذه الأعمال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام " لأنها كما ذكر شيخ حافظ حكمي لا تكون إلا مع زوال أصل الإيمان من القلب ( قول القلب وعمله أو أحدهما ) ، وإذا زال أصل الإيمان حل محله الكفر ، فهذه الأعمال لا تصدر إلا من كافر ، وهي علامات ظاهرة حقيقية على الكفر وإن ادعى زنديق يفعلها الإسلام ، إذ ليس يفعل ذلك ثم يدعي الإسلام إلا زنديق متلاعب بالملة ، زال من قلبه التصديق فصار منافقاً أو زال من قلبه الانقياد والمحبة فصار كافراً ، وما كان أيسر القول على القاضي عياض أن يقول هذه أعمال مكفرة بإطلاق ولكنه لكونه قاض متمرس في أحكام الملة وفقيه عالم بأصولها وفروعها تجده يُشير إلى سبب الكفر وهو القلب لا فعل الجوارح ،  ( تنبيه ) : أخطأ البعض فزعم أن هذه الأعمال تحتاج إلى استحلال حتى يحكم على فاعلها بالكفر الأكبر المخرج من الملة ، وهذا خطأ لأنه تسوية بين هذه الأعمال وغيرها من المعاصي المجردة التي لا تلازم انتفاء أصل الإيمان من القلب ، وبالتالي فتح المجال للزنادقة للتلاعب بالدين وفعل الكفر مع الزعم بعدم استحلاله ، وهذا شأن المنافقين والزنادقة ، أما العصاة فالظن فيهم الإيمان ولذلك يلزم بيان الاستحلال من عدمه عند وقوع الريبة وليس باطراد ، لأن المعصية شيء والكفر شيء آخر وبيان الاستحلال لكل معصية يوجب الخلط بينهما ، وقد قال تعالى : { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } [ الحجرات : 7 ] . فجعل الإيمان شيئاً واحداً وجعل مقابلة الكفر والفسوق والعصيان فعلمنا أن الكفر غير الفسوق غير العصيان ولكل منهم مجاله وأحكامه ، وأقول  : لعل سائل يسأل إذا كان الأمر كذلك وأن هذه الأعمال حكم العلماء على فاعلها بالكفر الأكبر فلم لا نسحب الحكم على العمل نفسه ونجعل هناك عمل مكفر كالسجود للأصنام وقول مكفر كالسب واعتقاد مكفر كالإباء والاستكبار وكالتكذيب وكالشك ، ونريح أنفسنا من عناء التفصيل ، والإجابة على هذا التساؤل تتمثل في أن : هذا التفصيل هو من خصائص أهل السنّة والجماعة الناجية ، أهل الفقه والعلم والتوسط والاعتدال ، فلا هم غالوا غلّو الخوارج والمعتزلة فكفروا الأمة بالأعمال المجردة الخالية عن الاعتقاد أو نفوا عنهم الإيمان وجعلوهم لا مؤمنين ولا كافرين ، ولا هم قصروا تقصير المرجئة ، فاشترطوا الاستحلال حتى لهذه الأعمال التي نعلم بيقين تلازمها مع كفر الباطن فنعطي الفسحه لأصحاب الانحلال والزندقة للاستهزاء بالدين بدعوى عدم استحلال ذلك وأن ذلك ما دام بغير استحلال فهو في إطار المعاصي وليس من أبواب الكفر الأكبر ، فجعلوا الأحكام على منافاتها ولأنهم يعلمون أن أصل الإيمان بالقلب ( قوله وعمله ) فالكفر الأكبر لا يخرج عنه ، وإن طهر على الجوارح فإنما لكفر القلب أو زوال أصل الإيمان منه ( قوله وعمله)  ، ولا يخفى أن هذه القواعد التي قال بها أهل السنّة والجماعة تعتبر بحق لجام العوام عن الولوج في مسائل الحكم بالكفر والتكفير ، لأن الكفر كفر القلب أصلاً وهذا للحكم عليه يحتاج إلى فقهاء علماء يقيسون أحواله بما يظهر على لسانه وجوارحه ويحملون المتشابه على المحكم حتى يأتي حكمهم قسطاً عدلاً كما جاء به شرع الإسلام ، ولو أردنا أن نعلم فوائد هذه القواعد التي قال به فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر فعلينا أن ننظر إلى تلك الفرق التي لا تأبه بهذه القواعد فنجدها تتراشق بالتكفير وتتسابق إلى استحلال دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم بغير حق ولا علم ولا هدى ولا كتاب مبين ، وفي الباب الثالث بمشيئة الله تعالى من هذا الكتاب قاعدة كاملة عن هدي علماء أهل السنّة والجماعة في الاحتياط في مسائل التكفير وبلوغ الغاية في الاحتياط عند الحكم على مسلم بالكفر الأكبر المخرج من الملة ، بما يدلنا على أن مذهبهم بحمد الله تعالى هو مذهب أهل الحق المتفقين عليه وهو مذهب الفرقة الناجية بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً ويتسابق بعضها إلى استحلال دماء وأموال وأعراض الباقين ، وقد يقول قائل قد أكثرت علينا بكلام مجمل فما علاقة هذه القواعد بالاحتياط في تكفير المسلمين ، أقول : العلاقة واضحة تماماً ، فلو أنا أطلقنا المجال للتكفير بالأفعال المجردة لوجدنا فينا من يكفر غالب أهل القبلة بالمتشابه من الآيات دون أن يردها إلى محكمها الذي قال به أهل السنّة والجماعة وفقاً لقواعدهم الربانية الضابطة لهذا الباب ، ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين ، فعلى سبيل المثال : قوله تعالى { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 121 ] فمناط الشرك عند الأخذ بظاهر الآية هو مجرد الطاعة ، ونعلم أن طاعة المشرك في معصية الله لا على سبيل الاعتقاد ، هي طاعة الفاسق في معصية الله ، والأمران واقعان لكثير من أهل القبلة ، فلو أخذنا بظاهر الآية لقلنا أن مجرد طاعة المشرك في أمر المعاصي شرك وكفر مخرج من الملة ، ولكن عند ردّ الآية إلى المحكم من كتاب الله وإلى أولي العلم من أهل السنّة الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من الآيات { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ..}[ النساء : 83 ] لعلمنا أن مناط الشرك الأكبر هو طاعة الاستحلال وهي اعتقاد القلب ، وذلك لأنه لا يكون العمل المجرد كفراً أكبر يخرج من الملة مع استقرار الإيمان وصحة أصله بالقلب ، قال ابن العربي  "  إنما يكون المؤمن بطاعة الله مشركاً إذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع " [ أحكـام القرآن لابن العربي حـ2/752 ] أهـ  ، وعلى سبيل المثال -  أيضاً -   قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }[ المائدة : 44 ] فمناط الكفر عند الأخذ بظاهر الآية هو مجرد ترك الحكم بما أنزل الله ولو في قضية واحدة أو مسألة واحدة ، ولما كان من حكم الله تعالى العدل ، فإنك إن حكمت بين اثنين في باقة نقل فجاملت بها أحدهما على حساب الآخر كفرت الكفر الأكبر المخرج من الملة ، إذ لم تحكم بما أنزل الله وهو العدل ، وكذلك إن حكمت بين فريقين في سبق أو لهو مباح وملت لفريق على حساب الآخر كفرت الكفر الأكبر المخرج من الملة . ولكن عند الرد إلى أولى العلم المؤسسين لقواعد أهل السنّة والجماعة وجدتهم يقولون كفر دون كفـر ، وكفر في إطار الملة ، وأنه إن جحد الحكم فهو كافر وإن أقر به ولم يحكم به شهوة أو ظلماً فهو كفر دون الكفر الأكبر ، وما ذاك إلاّ لكون ترك الحكم بما أنزل الله قد يأتي عملاً مجرداً خالياً من الاعتقاد وقد يأتي ملازماً للاعتقاد فمدار الحكم إذاً على حالة القلب من الإيمان والكفر وهذا هو الفقه لأحكام الملة وأسمائها .ولو صرنا نضرب الأمثلة لطال بنا المقام ولعله يكفينا ما سبق ذكره من بداية مباحث الكتاب

***

 

[  القاعدة الرابعـة  ]  :  التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح  ،  وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط

 

(( قلت )) : هذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها علماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه ، فكل ما امر الشرع الحكيم به ، إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة ، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً ، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها ، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين ، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار إبتداءً ،  ( تنبيه ) بخصوص قاعدة التولي عن الطاعة : رأيت بعض المتعجلين في مسائل التكفير يسارعون في تكفير كل من تولى عن الطاعة بجوارحه وإن كان مقراً بها بقلبه مستدلين بمثل قول الله تعالى { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 32 ] . وقوله تعالى : { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } [ النور : 47 ] ، وقوله تعالى : { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ القيامة : 31 - 32 ] . وهم للأسف لا يفهمون معنى التولي في هذه الآيات فالتولي قسمان الأول يكون بالقلب والجارحة وهذا كفر أكبر مخرج من الملة ، والثاني يكون بالجارحة مع إيمان القلب واعتقاده وهذا ليس كفراً أكبر البتة ، بل ينبغي فهمه ضمن إطار ( التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط ، وأنّ الأول كافر الكفر الأكبر ، والثاني صارت له حسنة بإيمانه بقلبه وسيئة بتركه بجوارحه ، وهو لا يكفر الكفر الأكبر بحال ، وإلاّ فما معنى قول أهل السنّة " ولا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله "  وعلى ذلك فالمعنى الصحيح الذي ينبغي أن يفهم من مثل قوله تعالى { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 32 ] إن التولي ها هنا يتناول المتولي بقلبه عن الاعتقاد والإيمان وبجوارحه عن العمل فهذا التولي كفر أكبر مخرج من الملة   وأما إن كان التولي بالجارحة والقلب مطمئن بالإيمان فهذا من جنس الذنوب والكبائر والمعاصي التي أجمع أهل السنّة والجماعة على عدم كفره بقولهم " لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله " وقولهـم " لا نخرجه من الإسلام بعمل ما لم يتضمن ترك الإيمان " . وإلاّ فإن لم نفهم الآية في ضوء هذه القاعدة الفقهية العامة حصل المحظور من تكفير الأمة بعضها بغير ضابط ، ولهذا حرص علماء أهل السنّة والجماعة على تقييد الكفر بالاستحلال وذكروا ذلك في اعتقادهم كما نقله عن أكثرهم اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنّة ، ولكم أن تتخيلوا كم كانت هذه القاعدة عاصمة من الزلل في مسائل التكفير ، وكم كانت من أعظم قواعد أهل الحق ( أهل السنّة والجماعة ) لأنها منعت من تكفير المسلمين لبعضهم بعضاً ، وفي غياب فهم مثل هذه القاعدة الضابطة لمسائل التكفير خرجت الخوارج قديماً وكفّرت الأمة بالمعاصي والآثام ، ومـن يـرد الله بـه خيـراً يفقهـه في الديـن .

***

 

[   تحقيق القول في مسائل متعلقة بكفر العمل  ]

 

ويحتوي هذه الفصل على ثلاث قواعد هي : 

 

( القاعدة الخامسة ) : تحقيق القول في كفر تارك الحكم بما أنزل الله وبيان المناط الصحيح للكفر الأكبر في المسألة ، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل للحكم بغير ما أنزل الله ، الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد للحكم بما أنزل الله بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ،

 

(  القاعدة السادسة ) :  تحقيق القول في كفر تارك الصلاة وبيان المناط الصحيح للكفر الأكبر في المسألة ، وبيان أن ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب ( جحد الصلاة ) وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد والعقد بالإقرار بوجوبها واقتصر الترك على عمل الجارحة تكاسلاً ،

 

(  القاعدة السابعة ) : تحقيق القول في كفر المتولي للكافرين وبيان المناط الصحيح للكفر الأكبر في المسألة ، وهو المستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، فلم يوالهم على أساس الدين ، وإنما الموالاة على أساس الدنيا ،

****

 

[ القاعـدة الخامسـة  ]  :  تحقيق القول في كفر تارك الحكم بما أنزل الله  ،  وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان  ،  وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط

 

قال تعالى { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ *  إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ سورة المائدة : 41 ـ 44 ] ، قلت  الصحيح في بيان سبب نزول هذه الآية هو ما أخرجه الأئمة البخاري ومسلم ومالك وأبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ماذا تجدون في التوراة في شأن الرجم )) فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، قال عبد الله بن سلام . كذبتم إن فيها الرجم . فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة ،  (( قلت )) هذا لفظ البخاري في صحيحة والإمام مالك في موطئه ، وأخرجه مسلم وأبو داود بألفاظ متقاربة وجميعهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهذا الحديث أخرجه كذلك مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب رضى الله عنه . وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضى الله عنه ، وأخرجه أبو داود وابن ماجة عن جابر رضى الله عنه . وعلى ذلك فالحديث رواه أربعة من الصحابة هم : عبد الله بن عمر ، والبراء بن عازب ، وجابر بن عبد الله ، وأبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين ، وأخرجه من الأئمة مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، وانظر له صحيح البخاري 4/251 ، 6/46 ـ 47  الموطــأ 2/891  صحيح مسلم 5/122  سنن أبي داود ح ( 4448 ) ، ( 4449 ) ، ( 4450 ) ، ( 4451 ) ، ( 4452 ) جـ4/154 وما بعده مسند الإمام أحمد جـ4/286 سنن ابن ماجة ح ( 2558 ) ،   وقال ابن كثير وهو يتحدث عن تفسير الآيات " والصحيح أنها نزلت في اليهوديين الذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيدهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين "[ تفسير بن كثير جـ2/66 ] أهــ ومن تدبر هذا السبب الصحيح في نزول الآيات وتدبر حالة اليهود الذين نزل فيهم قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون } الآيات . رأى أن حالهم هو الاستحلال للحكم بغير ما أنزل الله والزعم بأنه شـرع الله وحكـم الله . والشاهد لذلك من حديث البخاري (( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون )) فهم قاتلهم الله يزعمون أن حكم الله في التوراة هو الفضيحة والجلد وليس الرجم ويؤكد ذلك سياق الحديث وفيه (( قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على أية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها )) فاليهود بدلوا حكم الله عز وجل في الزنا ـ الرجم ـ وجعلوا مكانه الفضيحة والجلد وزعموا أنه حكم الله تعالى واستحلوا الحكم به اعتقاداً ، بدليل أنهم لما سئلوا عن حكم الله في الزنا أخبروا أنه الجلد والفضيحة وجحدوا حكم الله تعالى الحقيقي وهو الرجم ، وعلى ذلك فالفقه الصحيح لسبب النـزول والفهم والصواب للآية في إطار هذا السبب هو أن ترك الحكم بما أنزل الله والذي ابتلى به اليهود هو الترك الكلي متناولاً الاعتقاد والعمل وهو جحود حكم الله وإبداله بغيره من وضع البشر ثم نسبته إلى الله تعالى واستحلال الحكم به ، وهذا هو المناط الحقيقي للآية وفق سبب النزول ، وسيأتي أن ذلك هو قول الصحابة والسلف وعلماء أهل السنة والجماعة عامــة  ، ( فائدة ) : في ضرورة معرفة سبب نزول الآيات : العلماء متفقون على أن العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب  ، ومع ذلك فهم متفقون كذلك على أهمية معرفة سبب النزول البالغة حيث تعين على الفهم الصحيح لمعنى الآيات ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن صورة سبب النزول قطعية الدخول في حكم الآية ، بمعنى أن من أتى بنفس صنيع اليهود من جحود حكم الله واستحلال الحكم بغيره ونسبته إلى شرع الله فهو داخل في حكم الآية حتى وإن كان من أمة الإسلام . وفي بيان ذلك يقول السيوطي وهو يتكلم عن فوائد معرفة أسباب النـزول ( ومنها أن اللفظ قد يكون عاماً ويقوم الدليل على تخصيصه فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ماعدا صورته  ، فإنه دخول صورة السبب قطعي و إخراجها باجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب ) [ الإتقان في علوم القرآن جـ1/28 ] أهـ

[  أقوال الصحابة والتابعين حول الآية ، والتوفيـق الصحيـح بيـن هـذه الأقـوال جميعـاً  ]  :  بحمد الله تعالى وتحدثاً بنعمته ، لم أدع تفسيراً من التفاسير المطبوعة المقبولة عند علماء أهل السنة والجماعة تمكنت من الوصول إليه إلاً ورجعت إليه لاستيفاء الأقوال الواردة حول قوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، ومن تتبعي لهذه التفاسير وغيرها ، يمكنني القول بأن أقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حول هذه الآية يمكن أن تؤول إلى خمسة أقوال جميعها متوافقة لا اختلاف فيها ولا تعارض إلاّ عند من لم يفهم مقصود السلف ولم يحمل أقوال بعضهم على بعض :

[ القول الأول ] : أنها ليست في المسلمين وإنما هي في الكفار وقد ورد هذا القول عن بعض التابعين (( فقد أخرج الطبـري بسنـده عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }  ليس في أهل الإسلام منها شيء ، هي في الكفار [ تفسير الطبري جـ6/252 ط . مصطفى الحلبي ] أهــ

[ القـول الثانـي ] : أنهـا نزلـت في أهـل الكتـاب وفـي الكافريـن جميعــاً وقال بهذا القول من الصحابة رضي الله عنهم البراء بن عازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس ومن التابعين كثير منهم أبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبدالله وغيرهم . فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال (( مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود ، فدعاهم فقال : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقالوا : نعم ، فدعا رجلاً من علمائهم فقال : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقال : لا ، والله ، ولولا أنك ناشدتني بهذا لم أخبرك ؛ نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه . قال : فأمر به فرجم ، قال : فأنزل الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ..} [ المائدة : 41 ]  ، يقولون : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، إلى قوله : { و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  } [ المائدة : 44 ] ، قـال : في اليهـود إلى قوله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : في اليهود ،  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ المائدة : 47 ]  ، قال : في الكفار كلها [ صحيح مسلم ك الحدود جـ5/122 - 123 سند الإمام أحمد جـ4/286 ]. وقال ابن كثير في تفسيره :  " وقوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قـال الـبراء بن عـازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم نزلت في أهـل الكتـاب زاد الحسن البصـري وهي علينـا واجبـة " أهـ ، (( قلت )) والفارق بين هذا القول والقول السابق له أن القول الأول ينفى كون الآية تخص المسلمين كما نقلنا قول أبي صالح من التابعين ليس في أهل الإسلام منها شيء وإنما هي في الكفار ، والقول الثاني يتفق مع الأول في أنها في الكفار ولكنه لا ينبغي تعلقها بالمسلمين بدليل اجتهاد الحسن البصري بأنها في أهل الكتاب وهي علينا واجبة ، والحق الذي أراه أن القولين ليس بينهما تعارض لأن لكل قول منهما مغزى سيتضح أكثر عند عرض بقية الأقوال ،

[ القول الثالث ] : أنّ حكم الآية يتناول المسلمين ويقصد به الكفر في إطـار الملة {كفر دون كفر} وقد جاء هذا القول صحيحاً عن حبر الأمة وفقيهها ـ الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والفقه ـ عبدالله بن عباس رضى الله عنهما ، وبه قال عامة أصحابه كعطاء وطاوس . { أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس   { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسلـه [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاَ بسنده عن ابن طـاوس عـن أبيه قال : قال رجل لابن عباس في هذه الآيات { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } فمن فعل هذا فقد كفر ، قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر  وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا }[ تفسير الطبري ج6/256 ] وأخرج أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال : سُئل ابن عباس عن قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : هي به كفر ، قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن طاوس { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : ليس بكفر ينقل عن الملة [ تفسير الطبري ج6/256 ].هـ وأخرج أيضاَ عنه { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : كفر لا ينقل عن الملة . قال : وقال عطاء : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن عطاء قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون} قال كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم }[ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وقد نقل بعض هذه الآثار الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وهو يتحدث عن الكفر في إطار الملة فقال : (( وأما الفرقان الشاهد عليه ـ أي الكفر دون الكفر ـ في التنزيل فقول الله عز وجل  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] وقال ابن عباس " ليس بكفر ينقل عن الملة " وقال عطاء بن أبي رباح (كفر دون كفر)  فقد تبين لنا أنه كان  ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب ، فلا معنى له إلا خلاف الكفار الحكم بغير ما أنزل الله [ كتاب الإيمان لأبي عبيد ص45 ط . المكتب الإسلامي ] أهــ ،

[ القول الرابع ] : أن حكم الآية يتناول المسلمين وله تفصيل فمن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً للحكم فهو كافر الكفر الأكبر ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر به معتقد له فهو ظالم فاسق وكفره دون الكفر الأكبر ، وقد أخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بن عباس قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به فهو ظالم فاسق [ تفسير الطبري جـ6/257 ] ، (( قلت )) وما قاله فقيه الأمة ابن عباس أوضحه تلميذه عكرمة فقد ذكر ابن حبان في تفسيره (( وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية [ البحر المحيط لابن حبان جـ3/493 ط . دار إحياء التراث ] أهـ . ومن تدبر كلام عكرمة ـ رحمه الله ـ عرف التفسير الأوفى للآية فإن الله تعالى جعل الكفر من نصيب من لم يحكم بما أنزل الله ، وعكرمة رحمه الله أوضح أن من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله فهو حاكم بما أنزل الله بقلبه وإن لم يفعله بجوارحه فهو تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية  { ومن لم يحكم  } لأنه قد حكم بقلبه بما أنزل الله فليس هو تارك بالكلية لحكم الله فلا يكفر الكفر الأكبر بخلاف الجاحد لأنه ما حكم بما أنزل الله البتة ، ونقل القرطبي ـ رحمه الله ـ هكذا القول أيضاً عن مجاهد تلميذ ابن عباس رضى الله عنهما فقال : (( وقيل فيه إضمار أي  { ومن لم يحكم بما أنزل الله  } رداً للقرآن وجحودا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عبـاس ومجاهـد }[ تفسير القرطبي جـ6/190 ] أهــ ،

[ القـول الخامـس ] : أن حكـم الآية يتنـاول المسلميـن ويقصـد بـه الكفـر :  (( قلت )) تتبعت أقوال السلف التي دلت على أن حكم الآية يتناول المسلمين وأطلقت عليه لفظ الكفر دون تفصيل لكونهم جحدوا أو أقروا ، فوجدتها جميعها تحمل المعنيين فهي مطلقة لم تحدد المقصود هل هو كفر أكبر أو كفر دون كفر ، ولم أجد أحد من السلف ( الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ) يصرح أن مجرد الترك مع الإقرار كفر أكبر كما يقوله بعض المتهورين من المعاصرين ، وسأورد بحمد الله تعالى جميع الآثار التي قد توهم هذا الفهم السقيم وأحملها على محاملها الصحيحة التي تتعين على أهل الفقه والبصيرة في العلم والدين ، ويكون هذا الحمل الصحيح كمدخل لجمع كافة أقوال السلف في الآية حتى نرى أنها جميعاً متوافقة تخرج من مشكاة الكتاب والسنة فلا تعارض بينها أبداً وإنما لكل قول مغزاه ومقصده الذي يتناول بيان جانب من جوانب هذه الآية الكريمة الحكيمة ، أخرج ابن جرير الطبري عن سالم بن أبى الجعد قال ، قيل لعبد الله {أي ابن مسعود} ما السحت قال الرشوة ، قالوا في الحكم قال : ذاك الكفر [ تفسير الطبري جـ6/239 ] أهـ  وأخرج كذلك عن مسروق قال : قلنا لعبد الله : ما كنا نري السحت إلاّ الرشوة في الحكم ، قال عبد الله : ذاك الكفر [ تفسير الطبري ج6/239 ] أهـ وأخرج كذلك عن هاشم بن صبيح قال : شفع مسروق لرجل في حاجة ، فأهدى له جارية ، فغضـب غضبـاً شديداً ، وقال لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتـك ، ولا أكلـم فيما بقى من حاجتك ، سمعت ابن مسعود يقول : من شفع شفاعة ليرد بها حقاً أو يرفع بها ظلماً فأهدى له فقبل فهو سحت فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم ، قال : الأخذ على الحكم كفر [ تفسير الطبري جـ6/240 ] أهـ وأخرج الطبري كذلك بسنده عن مسروق قال سألت ابن مسعود عن السحت قال : الرشا ، فقلت في الحكم ؟ قال ذاك الكفر }[ تفسير الطبري جـ6/240 ] أهـ أخرج الطبري بسنده عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال من السحت ، قال فقالا أفي الحكم ؟ قال ذاك الكفر ثم تلا هذه الآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }[ تفسير الطبري جـ6/253 ] أهـ وأخرج كذلك بسنده عن الشعبي  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  } قال : هذا في المسلمين  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قال : النصارى }[ تفسير الطبرى جـ6/255 ] أهـ وأخرج عنه قال : في هؤلاء الآيات التي في المائدة   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  } قال فينا أهل الإسلام   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } قال : في اليهود  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قـال في النصـارى }[ تفسير الطبرى جـ2/255 ] أهـ وأخرج بسنده عن إبراهيم قال :نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي لهـذه الأمة بها }[ تفسير الطبري جـ6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن الحسن في قوله   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قـال : نزلت في اليهود وهي علينا واجبه }[ تفسير الطبري جـ6/257 ] أهـ وأخرج أيضاً عن السًدى { ومن لم يحكم بما أنزل الله  } يقول : ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا وجار وهو يعلم فهو من الكافرين }[ تفسير الطبري جـ6/256 ] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني (( وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال : قلت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي ؟ قال لا ولكن كفر ، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية . وأخرج عبد بن حميد عن على كرم الله وجهه أنه سأله عن السحت فقال : الرشا ، فقيل له في الحكم ، قال ذاك الكفر ، وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود نحو ذلك [ تفسير الألوسى جـ6/140 ط . دار إحياء التراث ] أهـ وقال القاسمي في تفسيره محاسن التأويل (( ونقل في الباب عن ابن مسعود والحسـن والنخعي : أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة ، فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق ،وإليه ذهب السدي لأنه ظاهر الخطاب. ثم قال وقيل : هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمداً وحكم بغيره ، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد .... انتهى )) [ تفسير القاسمى جـ6/1999 ط. عيسى الحلبي ] أهـ ، (( قلت )) فهذه جميع الآثار الواردة بخصوص هذا القول وهى كما ترى ليس في واحد منها تصريح بأنه الكفر الأكبر المخرج من الملة وإنما إطلاق لفظ الكفر . والقاعدة الرصينة عند أهل السنة والجماعة والتي دل عليها حديث النبي صلى الله عليه وسلم هي وجود الكفر الأكبر والكفر دون كفر ،

[ الجمع والتوفيق بين كافة الأقوال السابقة حتى نراها وكأنها نسيج واحد لا اختلا ف فيه ] : الجمع بين الأدلة والتوفيق بينها ـ عند التعارض ـ أولى من الترجيح ، فكيف إذا كانت الأدلة غير متعارضة ولكل منها مغزى خاص يدل على جانب من جوانب الحكم ، هاهنا يتعيـن حمل كل قول على ما يناسبه وإلاً خالفنا قواعد الأصول والفقه في الدين عامة . وقـد ذكرنا خمسـة أقوال في تفسير السلف للآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ، وهـذه الأقـوال جميعهـا متوافقـة لـو فهمنـا القصـد مـن كـل قـول :  فالقول الأول : يشير إلى أن الكفر الأكبر لا يتناول المسلمين بهذه الآية متى ما كان المسلم مقراً للحكم بقلبه معتذراً عن مخالفته بجـوارحه ، وأهـل هـذا القول يعلمون تمامـاً أن القاعدة الأصولية تقول بأن العبرة في نصوص الشرع [ الكتاب والسنة ]بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فمع العلم بهذه القاعدة ( العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب  والآية جاءت مصدرة بمن الشرطية { ومن لم يحكم } وهى من صيغ العموم ، بل من أبلغ صيغ العموم ، ومع الظن بأجلة التابعين الذين قالوا بأن الآية ليس في أهل الإسلام منها شيء أنهم يراعون هذه القاعدة ـ وهو الظن الجدير بهم ـ ، نعلم أنهم كانوا يقصدون شيئاً واحداً هو أن أحكام الكفر الأكبر المتعلقة بهذه الآية لا يخص المسلمين منها شيء متى ما أتوا بالإقرار والاعتقاد لحكم هذه الآية . وخلاصة القول الأول أن أحكام الكفر الأكبر في الآية لا تتناول المسلمين المقربين بالأحكام المعتقدين لها تصديقاً وانقياداً قلبياً ، أم الجحد فهو كفر بذاته لأي شرع جاء به الإسلام مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، فجحد الحكم بما أنزل الله كفر أكبر وصاحبه ليس بمسلم و على ذلك فليس في أهل الإسلام من الآية شيء إلا أن يكفروا الكفر الأكبر  بجحود ما أنزل الله ،  وأما القول الثاني : وقد قال به جمع من الصحابة والتابعين وصح عن البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيحي مسلم أنه قال عن الآيات   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ الظالمون }{ الفاسقون }  أنها في الكفار كلها ،  وهذا القول كسابقه تماماً فالمقصود به أن أحكام الكفر الأكبر لا تتنزل على أهل القبلة إلا أن يكفر أحد منهم بجحود ما أنزل الله ، وهذا القول من أوضح الدلالات على أن الترك المجرد للحكم مع وجود الاعتقاد به والإقرار لا يخرج صاحبه من الملة ولا تتنزل عليه أحكام الآية لأنه لا يزال من أهل القبلة بما أتى به من أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الكافرين ، وإذا كانت القاعدة الأصولية تقول بأن [ العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ] فإن هذه الآية من هذا الباب واجبة على المسلمين ولكنها في إطار الكفر داخل إطار الملة ، ولهذا فإن من قال بأنها في الكفر كلها وأنها في أهل الكتاب قد جاءت آثار عنهم تدل على أنها واجبة في حق المسلمين ، ويكون ذلك بكونه كفر ولكن كفر داخل إطار الملة ، كما جاء عن حذيفة في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  قـال : نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قدر الشراك } أ هـ ، وأخرج أيضاً بإسناده عن أبي البحتري قال سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون }  قال : فقيل ذلك في بني إسرائيل ؟ قال نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة ، كلاً والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك }[ تفسير الطبري جـ6/253 ] أهـ ، وحذيفة رضي الله عنه نقل عنه الأئمة أن الآيات في أهل الكتاب وفي الكافريـن جميعاً . والتوفيق الصحيح بين القولين أنه إذا كان القصد الكفر الأكبر فهو لا يتناول أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له ، وإذا كان القصد الكفر في إطار الملة فهو يتناول المسلمين ، وليس هذا اجتهاد في التوفيق بين القولين ولكنه الأمر الذي جاء صراحة عن البحر الحبر عبد الله بان عباس رضى الله عنهما ، قال ابن كثير (( وقال ابن أبي حاتم ، حدثنا سفيان بن عيينه عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  }قال ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه }[ تفسير ابن كثير جـ3/112 ط . دار قهرمان ] ، والشاهد من الأثر أن ابن عباس يقر بأنه كفر ولكنه ليس الكفر الأكبر الذي يذهب إليه الخوارج وإنما هو كفر في إطار الملة ويؤيد هذا الفهم ما قاله طاوس صاحب الحبر ابن عباس رضى الله عنهما قال ابن كثير :(( وقال عبد الرزاق ـ أيضاً ـ أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قولـه { ومن لم يحكم } الآية قال : هي به كفر ـ قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله }[ تفسير ابن كثير جـ3/111 ط. دار قهرمان ] أهـ ، والشاهد من الأثر هو قول ابن عباس رضي الله عنهما (( هي به كفر )) فابن عباس رضى الله عنهما لم ينف كونه كفر لأنه كفر بنص الكتاب { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وأوضح أعلم الناس بعلم ابن عباس طاوس أنه كفر في إطار الملة وليس كالكفر الأكبر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، (( قلت ))  فإذا كان عبد الله بن عباس يقر بكونه كفر ثم يبين أنه في إطار الملة فينبغي حمـل مـراد أهل القول الثاني : نزلت في أهل الكتاب والكافرين جميعاً . على أنه إن قصد به الكفر الأكبر فلا يدخل فيه أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له ، وإن قصد به كفر في إطار الملة فهذا واجب في حق أهل القبلة من التاركين للحكم بجوارحهم وهم على الإقرار والاعتقاد للحكم والإقرار بالذنب  ،  وأما القول الثالث : أن حكمها يتناول المسلمين وهو كفر دون كفر : فهذا القول أوضح من نهار ، وهو القول الذي به حقنت دماء أهل القبلة أن تعبث بهـا الخوارج ، وهو مصداق للقاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في أحاديث عديدة منها قوله صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) البخاري ومسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) البخاري ومسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( اثنتان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت )) أخرجه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلاً كفر )) أخرجه البخاري . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم )) أخرجه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) أخرجه الخمسة . وهو كذلك مصداق للفقه الذي حبى الله عز وجل به فقيه الأمة وعالمها عبد الله بن عباس فيما صح عنه من طرق عديدة متواترة لا سبيل لردها ولا تضعيفها ، (( قلت )) فهذه الآثار متواترة أوردها جميع من صنف في هذا العلم ، وهي في مجموعها صحيحة لا سبيل إلى تضعيفها جملة لأنها يقوى بعضها بعضا ، ويقويها من جهة أخرى ما تواتر عن أئمة التابعين عطاء وطاوس وغيرها من تلامذة حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ،  وهذا القول الثالث يوافق القولين قبله ولا تعارض بين الأقوال الثلاثة البتة لأن الأول نفى أن يكون في المسلمين من الآية شيء والمقصود نفى الكفر الأكبر عن المسلم المعتقد للحكم المقر به وإن لم يلتزم به معصية ، والثاني أنه نزل في أهل الكتاب لأنهم جحدوا حكم الله واستحلوا الحكم بغيره ونسبوه إلى الله ولا يفعل ذلك أحد من أهل القبلة إلا أن يكون حاله حالهم في الكفر سواء . والثالث أن هذا الحكم إن تناول المسلم المعتقد للحكم المقر به فهو من باب الكفر في إطار الملة وهو ما عبر عنه الحبر ابن عباس رضى الله عنهما بقوله { كفر دون كفر } وقوله { هي بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر } وقوله { كفر لا ينقل عن الملة } وقوله  { ليس بالكفر الذي يذهبون إليه } وقد أشرنا إلى هذه الآثار بما يغني عن الإفادة ها هنا ،  أما القول الرابع فهو غاية الجمع بين الأقوال جميعها وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها ، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله ، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين ، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى ، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة وهو القول الثالث كما بيناه . وفي بيان هذا القول الرابع سبق ونقلنا قول بن عباس رضى الله عنهما . [ من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به فهو ظالم فاسق ] وقول صاحبه عكرمة ـ من أجل التابعين علماً وفضلاً ـ [ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاد فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية ] ، وقول مجاهد [ وقيل فيه إضمار أي ،  ومن لم يحكم بما أنزل الله ] ردا للقرآن وجحداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر ، أما القول الخامس والذي ظن البعض أنه يخالف هذه الأقوال الأربعة ، فليس كما ظنوا وإنما هو موافق لها تماما ، وجميعها نسيج واحد لا ترى فيه أي اختلاف ، وقد نقلت بحمد الله كل ما يتعلق بهذا القول من التفاسير التي وقعت بين يدي وجميعها كما رأينا تطلق لفظ الكفر دون تعيين لكونه كفر أكبر أم كفر دون كفر ، وعلى ذلك وجب معاملتها وفق الأصول العامة للشريعة والتي لا يسعنا مخالفتها وإلاّ آل الحال بنا إلى مآل الخوارج من تكفير الأمة بمطلق المعاصي والآثام . هذه الأصول التي عاملنا بها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة كقوله صلى الله عيه وسلم [ وقتاله كفر ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) وقوله صلى الله عليه وسلم  (( اثنان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت ))  وحمل الجمهور من العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) . فأصول الشريعة حتمت علينا حمل هذه الأحاديث على الكفر دون الكفر وإلا وقع سيف التكفير بين أهل القبلة وكفر المسلمون بعضهم بعضاً بالمعاصي والآثام . وإذا قال قائل فما الداعي إلى أن جاء التعبير عنها بلفظ الكفر قلنا هذه قاعدة عظيمة أرساها النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمنا الفارق بين المعاصي وبين الذنوب التي هي من قبيل الكفر في إطار الملة ، فهذه الذنوب التي عبر عنها الحديث الشريف بلفظ الكفر دلالة على خطورتها على أصل الإيمان وأن صاحب هذه الأعمال التي هي من قبيل الكفر دون كفر ، هو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الكفر الأكبر وعلى شفا جرف هاو يكاد ينهار به إلى الخلود الأبدي في النار . وعلى ذلك فينبغي حمل كلام الصحابة والتابعين على نفس المحمل الذي حملنا عليه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل { الكفر دون كفر } لا سيما وأنه لم ينقل عن واحد منهم أن قصده الكفر الأكبر المخرج من الملة بل الكفر بإطلاق . ولو تدبرنا قول حبر الأمة ابن عباس وقد سئل عن الآية فقال { هي بهم كفر وليس كمن كفـر بالله …. } وقد سبق ذكره لعلمنا أنه رضي الله عنه لم ينف عنهم صفة الكفر بل أثبتها لهم ثم فصل بما حباه الله تعالى من الفقه في الدين والبصيرة في أصوله وضوابطه فقال (( وليس كمن كفر بالله (( فأثبت الكفر ثم وضح أنه غير الكفر الذي يذهب إليه الخوارج من كونه الكفر الأكبر وقد نقلنا عنه قوله { ليس بالكفر الذي يذهبون إليه } . وهذا المحمل هو المتحتم علينا جميعاً ، من جهة أنه المحمل الذي يجمع الأقوال الخمسة جميعاً في إطار واحد لا اختلاف فيه ،  

وكل هذه الأقوال منقولة عن كثير من الصحابة والتابعين والحمل متعين عند المقدرة كما قاله علماء الأصول ، والجمع أولى من ، دعوى النسخ أو الترجيح ، (( قلت )) وهذا ما دعا الأئمة العلماء أن يحملوا كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه والحسن البصري وإبراهيم النخعي والسدي رحمهم الله على تفصيله الصحيح وفق قواعد الشريعة العامة التي جاء بها الكتاب وتأصلت بالسنة وظهرت بهدي السلف الصالح ، فمن ذلك : 

( 1 ) نجد الجصاص رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على من حكم بغير ما أنزل الله مخبرا أنه من عند الله لأنها صورة سبب النـزول تماماً . فقال (( وقال ابن مسعود والحسن (( وهي عامة )) يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله وحكم بغيره مخبراً أنه حكم الله ومن فعل هذا فقد كفر )) [ أحكام القرآن للجصاص جـ2/533 ] أهـ ويقول في موضع آخر ((وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافركما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك ))[ أحكام القرآن  ج4 / 93 ] ،

( 2 ) ونجد الإمام القرطبي رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على الجحود والاستحلال  فقال " وقال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقداً ذلك مستحلاً له "[ الجامع لأحكام القرآن ج6/190 ] أهـ  ،

( 3 ) ونجد أبو حبان صاحب البحر المحيط يحمل كلام ابن مسعود وإبراهيم النخعي على الكفر دون الكفر ، فقال " وإلى أنها عامة في اليهود وغيرهم ذهب ابن مسعود وإبراهيم وعطاء وجماعة ولكن كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق يعني أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة " [ البحر المحيط جـ3/492 ] أهــ  ونجده كذلك يحمل كلام السدي على الجحود فيقول (( وقال السدي : من خالف حكم الله وتركه عامدا وتجاوزه وهو يعلم فهو من الكافرين حقاً ويحمل ذلك على الجحود فهو الكفر ضد الإيمان ))[ البحر المحيط جـ3/493 ] أهــ  ،

( 4 ) ونجد ابن عطية يحمل كلام من أطلق لفظ الكفر على التارك لحكم الله بأنه في هذه الأمة كفر في إطار الملة فيقول " وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم : الآية متناوله كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان ، وهذه بعض أمثلة لحمل الفقهاء القول الخامس على أنه كفر دون كفر أو كفر أكبر إن صاحبه جحود وكفر دون كفر إن كان مع إقرار واعتقاد ، أو كفر أكبر إن حدث تبديل لحكم الله مع نسبة الحكم الجديد إلى شرع الله وأنه من عند الله واستلال الحكم بين الناس به ، وهذا هو الحمل الواجب المتعين حتى تستقيم الأقوال جميعها وتتآلف ولا تختلف وهذا هو الظن بخيرة علماء الأمة علماء الصحابة والتابعين ، واليك في المبحث التالي أقوال أكثر من ثلاثين عالماً من علماء الأمة يؤيد ذلك ويؤكده ويدلنا على أنه مذهب أهل السنة والجماعة الذي صرح به الأئمة الأعلام الراسخون في العلم والفقه والدين .

***

 

[  أقوال الأئمة العلماء الراسخين في العلم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله  ]  :

 

أقوال الأئمة العلماء الراسخين في العلم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، والتي تؤيد ما رجحناه من أن الآية في حق المسلمين تتناول المسلمين وأنها في حق الجاحد كفر أكبر ، لأنه لم يحكم بما أنزل الله البتة ، وأنها في حق المقر المعتقد بقلبه كفر دون كفر ، لأنه حكم بقلبه بما أنزل الله فلم يترك الحكم بما أنزل الله بالكلية  فصار الكفر في حقه كفراً عملياً مجرداً لا يخرج من الملة وإن كان صاحبه على خطر عظيم وهو خطر الكفر في إطار الملة ، ومعلوم يقيناً أنه أشد على صاحبه وأخطر من أكبر الكبائر ، نسأل الله السلامة وحسن العاقبة :   

قال الطبري رحمه الله :  وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب ، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت ، وهم المعنيون بها ، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم ، فكونها خبراً عنهم أولى .   فإن قال قائل : فإن الله ـ تعالى ذكره ـ قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصاً ؟ . قيل : إن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين ، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون ، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به ، هو بالله كافر ، كما قال ابن عباس  [ تفسير الطبري ج10 / 358 ] ، ، 

وقال الواحدي رحمه الله في تفسيره : (( ومن لم يحكم   بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء (( [ تفسير الواحدي ج 1 / 321 ]  ، 

وقال الطحاوي رحمه الله في بيان الكفر دون الكفر الأكبر بالله حين شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم { قتاله كفر } (( ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} على ما تأوله فعن ابن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال هي كفره وليس كمن كفر بالله تعالى واليوم الآخر . و عن طاوس قال (( قلت لابن عباس : من لم يحكم  بما أنزل الله فهو كافر قال : هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر  )) [ مشكل الآثار ج2 / 317 ]  ، 

وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله : (( هم اليهود إن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا له كما غير اليهود فهو كافر ظالم فاسق )) [ الناسخ والمنسوخ للنحاس :ج1 / 402 ]  ،

وقال الثعالبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} " وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن " [ تفسيرالثعالبي ج1 / 465 ]  ، 

وقال ابن عبد البر رحمه الله " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل   ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس وهي عامة فينا قالوا ليس كفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء "  [ التمهيد لابن عبد البر ج5 / 74 : 75 ] ا هـ . وقال في حديثه عن الخوارج " وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . ‎ ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر " [ التمهيد لابن عبد البر ج17 / 16 ]  ، 

وقال الغزالي رحمه الله : قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له  [ المستصفى ج1 / 168 ]  ،

وقال ابن العربي رحمه الله : المسألة الحادية عشرة : قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} اختلف فيه المفسرون ; فمنهم من قال : الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود , ومنهم من قال : الكافرون للمشركين , والظالمون لليهود , والفاسقون للنصارى , وبه أقول ; لأنه ظاهر الآيات , وهو اختيار ابن عباس , وجابر بن زيد , وابن أبي زائدة , وابن شبرمة . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة , ولكنه كفر دون كفر . وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ; فهو تبديل له يوجب الكفر , وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين . [ أحكام القرآ لابن العربي ج2 / 127 ] ، 

وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله : قال أبو بكر قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة [ أحكام القرآن ج4 / 93 ]  ،

وقال الزمخشري رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله}   مستهيناً به  {فأولئك هـم الكافرون}و {الظالمون} و {الفاسقون} وصف لهم بالعتو في كفرهم (([ الكشاف : ج1/341 ] ))  ، وقال ابن الجوزيرحمه الله : "  وفصل الخطاب أن من لم يحكم بما أنزل الله  جاحداً له وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود ، فهو كافر ، ومن لم يحكم بما أنزل الله ميلاً إلى الهوى من غير جحود ، فهو ظالم وفاسق ، وقد روى على بن أبى طلحة عن ابن عباس أنه قال : (( من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق " [ زاد المسير : ج2/366 ]. أ هـ  ،

وقال فخر الدين الرازي رحمه الله : " قال عكرمة : قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله} إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم " [ التفسير الكبير ج6/6 ]  ،

وقال القرطبي رحمه الله :  قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } و { الظالمون } و{ الفاسقون } نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلىهذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيهإضمار أي ومنلم يحكم بماأنزل اللهردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا ، قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساقالمسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له [ تفسير القرطبي ج6 /190 ]  ،

وقال النسفي رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهينا به {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحدا فهو كافر و إن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم. . إلى أن قال : يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافرا ظالما فاسقا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله }فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله [ تفسير النسفي ج1 / 284 : 285 ] ، 

وقال البغوي رحمه الله : " وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات فقال إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات وقال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا " [ تفسير البغوي ج2 / 41 ] ،

وقال البيضاوي رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهيناً به منكراً له {فأولئك هم الكافرون}  لاستهانتهم به ، وتمردهم بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم بقولـه {الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}، فكفرهم لإنكاره ، وظلمهم بالحكم على خلاقه ، وفسقهم بالخروج عنه [ تفسير البيضاوي سورة المائدة – الآية 43 : 50 ] ، وقال  : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } عن حكمه أو عن الإيمان إن كان مستهينا به  [ تفسير البيضاوي ج2 /331 ] ،

وقال أبو السعود رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }كائنا من كان دون المخاطبين خاصة فانهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم يحكم بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاء بينا  {فأولئك} إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها  { هم الكافرون}لاستهانتهم به [ تفسير أبي السعود ج3 / 42 ]  ، 

وقال ابن كثير رحمه الله : (( {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً ، وقال هاهنا {فأولئك هم الظالمون} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخالفوا وظلموا وتعدوا(( [ تفسير القرآن العظيم ج2/61 ] ، وقال الشاطبي رحمه الله : ((  ومثله قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} مع أنها نزلت في اليهود والسياق يدل على ذلك ، ثم إن العلماء عمُّوا بها غير الكفار، وقالوا : كُفرٌ دون كفر )) [ الموافقات للشاطبي ج3 /ص147 ]  ، 

وقال أبو حيان رحمه الله : وقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ظاهر هذا العموم ، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم ، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود ، وإلى أنها عامة في اليهود غيرهم ذهب ابن مسعود، وابراهيم، وعطاء ، وجماعة ولكنْ كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق يعني : إنّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله : ابن عباس وطاووس . . .  واحتجت الخوارج بهذه الآية على أنّ كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا : هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافراً _ ثم ذكر أقوال المفسرين في تأويل الآية ثم اختار قول عكرمة فقال _ وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه ، أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله ، إلا أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ، لكنه تارك له ، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية . [ تفسير البحرالمحيط سورةالمائدة – 40 : 48 ]  ، 

وقال ابن حجر رحمه الله : واقتصر المصنف على تلاوة الآيتين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . . . الفاسقون . . الآيتان} لإمكان تناولهما المسلمين بخلاف الأولى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فإنها في حق من استحل الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى وأما الآخرتان فهما لأعم من ذلك [ فتح الباري ج13 / 299 ] ،

وقال صاحب كتاب ( تذكرة الأريب في تفسير الغريب ) رحمه الله :(( ومن لم يحكم   بما أنزل الله جاحدا فهو كافر فإن مال إلى الهوى من غير جحد فهو ظالم وفاسد)) [ تذكرة الأريب في تفسير الغريب ج1 / 141 ]  ،

وقال شارح الطحاوية رحمه الله : ((وهنا أمرُ يجب أن يتفطن له ، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة ، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة ويكون كفراً إما مجازياً وإما كفراً أصغر ، وذلك بحسب حال الحاكم . فإن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، واستهان به مع تيقنه أنه حكم الله ، فهذا كفر أكبر .  وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعلمه في هذه الواقعة ، وعدل عنه ، مع اعترافه بأنهمستحق للعقوبة ،فهذا عاص ، ويسمى كفراً مجازياً ، أو كفراً أصغر )) [ شرح العقيدة الطحاوية ج1 / 364 :363 ] ، وقال كذلك :(( الشارع قد سمى بعض الذنوب كفرا قال الله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وقال صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))[ متفق عليه ] ،والجواب ان أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج ". [ شرح العقيدة الطحاوية ج1 /359 :360 ]  ، 

وقال الشوكاني رحمه الله :  قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لفظ من من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة بل بكل من ولى الحكم وقيل إنها مختصة بأهل الكتاب وقيل بالكفار مطلقا لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة وقيل هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافا أو استحلالا أو جحدا [ فتح القدير ج2 / 42 ]  ،

***

 

[  لرد على من ترك المناط الذي اجتمعت عليه أقوال علماء أهل السنة  ، وهو مناط الجحد والإقرار للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر ، وابتكر مناطات جديدة غير منضبطة ]

 

بعض المعاصرين لم يرض بضابط أهل السنة والجماعة في المسألة وهو ضابط الجحد والإقرار ، وأراد أن يحتاط للشريعة بأكثر مما احتاطت هي لنفسها وظن أن هذا من باب الحرص على الشريعة وهو لا يدري أنه من باب الافتئات على الشرع والغلو في الدين ، وبهذا المدخل الذي ظنوه حسناً كفروا العديد من طوائف الأمة ممن أتى بالإقرار والاعتقاد بعلة هذا المناط الجديد للتكفير بالآية ،  وقصد هؤلاء المعاصرين هو التفريق بين من جعل الأصل هو النظر إلى أحكام الشرع يرجع إليها ولكنه يجوز في قضية معينة شهوة أو معصية فهذا لا يكفر إلا باستحلال ، أما من جعل الأصل في النظر هو القوانين الوضعية يحكم بها فهذا كفر أكبر بنفسه دون النظر إلى حالة كونه مقر بالشرع معتقد له أم لا  ،  وقد يبدو هذا التفريق لأول وهلة وجيهاً ، ولكن مع تدبره تجد أن به أخطاء ليست باليسيرة ، منها :  أنه تغيير للمناط الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جعل الجحد والإقرار هو الأصل المنضبط الذي ترد إليه الأحكام  ،  وأنه اعتبار لأصل جديد يرد إليه أمر التفريق بين نوعي الكفر في الآية دون الأصل العام الذي اعتبرته الشريعة وهو الإقرار بالإسلام على الجملة واعتقاد كافة شرائعه وعقائده على وجه الإجمال ،  أن هذا الأصل الجديد فيه تحكم ليس عليه دليل من الشرع بالإضافة إلى أن علته لا تنضبط بضابط محدد ، فما هو عدد الأقضيات التي يكفر بها صاحبها الكفر الأكبر ، وما هو حد الكفر الاكبر لمن جعل أحكام الشرع هي المرجع ثم لم يحكم بحكم واحد منها فهل آنذاك نعود إلى إقراره بالأصل أم نجعل له ضابط آخر أم نعود إلى الأصل الذي اعتبرته الشريعة من جعل الإقرار المجمل والجحد هو ميزان الحكم بالتفريق بين الكفرين الأكبر والأصغر ، إن ديننا دين الاتباع وهو مبني على الاتباع وليس فيه ابتكار ولا اختراع بل هذا من المحدثات التي نهانا عنها شرعنا الحنيف فكيف يجوز لنا إحداث مناطات جديدة لأحكام تواترت أقوال الصاحبة والتابعين على تحديد ضابطها الأصلي ، وعلى العموم  فبيان هذه الأخطاء سيأتي تباعاً مع معرفتنا بالشبهة الأساسية التي دخلت على هؤلاء فظنوها أصلاً يفرقون به بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة ، مع أن هذا أخطر الأمور وأهم مسائل الأسماء والأحكام الواجب التأني في حقها والتزام هدى السلف الصالح في بيانها وتفصيل أحكامها لا التهور والاندفاع وبناء أحكام تحكم على بعض المسلمين بالكفر وتخرجهم من الملة باجتهادات جديدة مسبوقة باتفاق السلف على تحديد مناط مغاير لما ذهب إليه هؤلاء  ،

والمدخل الأول لبيان خطأ هذا القول ودحض شبهته ، أن الأصل الذي نحكم به بالإسلام والكفر هو الإقرار بالشهادتين واعتقاد ما يدخل في إطار معناهما ولوازمهما من أقوال وأعمال واعتقادات ،  ومعنى ذلك أن الأصل هو الإقرار المجمل بدين الإسلام وكافة عقائده وشرائعه وأحكامه مع اعتقاد جميع ذلك على وجه الإجمال ، فمن جحد شيئاً ولو يسيراً من المعلوم من الدين بالضرورة فإن جحده كفر وهو يكفر الكفر الأكبر بعد استيفاء شروطه وانتفاء موانعه ، فمن جحد حرفاً من القرآن أو فريضة من الفرائض أو حكماً من أحكام الشرع فكأنما جحد الشريعة كلها فمتى قامت عليه الحجة الشرعية المعتبرة كفر بها الكفر الأكبر ، ومن أقر إجمالاً بالإسلام وتفصيلاً بما يتطلب ذلك مع اعتقاده فلا يكفر الكفر الأكبر وإن خالفت أعماله هذا الإقرار لشهوة أو معصية أو غيره من المعاصي والكبائر ، وهذا الأصل العام هو ما جعله ابن عباس رضي الله عنهما ضابط الحكم وعلى تفصيله سارت جماعة – أهل السنة والجماعة – فمن أقر بشرع الله تعالى وحكمه واعتقده فهو مسلم عنده أصل الإيمان وله اسمه وحكمه ولا يكفر الكفر الأكبر حتى ينقض هذا الأصل بنواقضه التي ذكرناها عند الحديث على فقه مسائل الكفر ،  وتمهيد الرسالة على طوله وغالب هذا الباب إنما هو لتأصيل هذه القاعدة الرصينة التي أرساها علماء أهل السنة والجماعة المقتدى بهم في الدين ، وبتطبيق هذا الأصل الرصين على مسائل ترك الحكم بما أنزل الله نعلم أنه الضابط الرصين المنضبط الذي لا نحتاج بعده لا إلى أصل آخر ولا إلى فرع ، وإنما يكون تجاوزه والبحث عن ضابط آخر هو من باب الافتئات على الشرع ، فمن جحد الحكم فهو كافر { أي الأكبر } ومن أقر فهو ظالم فاسق كفره دون الكفر الأكبر ،  أما الأصل الذي أتى به هؤلاء فليس له دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من قول صحابي ولا تابعي ولا حتى عالم من علماء الأمة المقتدى بهم في الدين ، قصاراه فهمهم الخاطئ لكلام ابن القيم و ابن أبي العز و أحمد شاكر ، وسيأتي بيان المعنى الصحيح الذي قصده هؤلاء الأئمة العلماء والفهم الخاطئ الذي فهمه أصحاب هذا المناط الجديد من كلامهم ،  والذي ينبغي الإشارة إليه أنه لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يتلاعب بمناطات الشريعة المنضبطة إلا بدليل من كتاب أو سنة أو هدى لأعلام الصحابة تلقته علماء الأمة بالإقرار والقبول ،  والآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] عامة ، والحكم يتناول قول القلب وعمله ( اعتقاد الحكم ) وقول اللسان( الإقرار بالحكم ) وعمل الجوارح ( القيام بالحكم )  ولله در ابن حزم حيث يقول : ( كل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء )[ الفصل : ج3 / 302 ] أهــ  ، ومن تتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بالحكم يجد فيها تعلق الحكم بالاعتقاد مثلما تعلقه بالعمل ومثاله قوله تعالى : { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ الصافات : 153 - 154 ] يقول الطبري رحمه الله :  وقوله } مالكم كيف تحكمون} يقول بئس الحكم تحكمون أيها القوم أن يكون لله البنات ولكم البنون وأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون له مالا ترضونه لأنفسكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل [ تفسير الطبري ج : 23 / 107 ] ويقول القرطبي رحمه الله : "  ألا ساء ما يحكمون أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم  "  [ تفسير القرطبي :ج 10 / 118 ] ويقول ابن كثير رحمه الله : " ثم قال تعالى منكرا عليهم أصطفى البنات على البنين أي أي شيء يحمله أن يختار البنات دون البنين ". . . ولهذا قال (تبارك وتعالى مالكم كيف تحكمون أيمالكم عقول تتدبرون بها ما تقولون [ تفسير ابن كثير :ج 4 / 24 ] ) ويقول البغوي رحمه الله : " ألا ساء ما يحكمون بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين " [ تفسير البغوي :ج 3 / 73 ]، وقوله تعالى :{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الأنعام : 136 ] يقول الواحدي رحمه الله : قوله " فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم "  ثم ذم فعلهم فقال ساء ما يحكمون  أي ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوه لله على جهة التبرز إلى الأوثان [ تفسير الواحدي : ج 1 / 377 ] ، وقوله تعالى { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } ، [ يونس : 35 ]  يقول الواحدي رحمه الله : {كيف تحكمون } "يعني كيف تقضون حين زعمتم أن مع الله شريكا" [ تفسير الواحدي :ج 1 / 497 ] ويقول النسفي رحمه الله :" { فما لكم كيف تحكمون }  بالباطل حيث تزعمون أنهم انداد الله [ تفسير النسفي :ج 2 / 128 ] ويقول البغوي رحمه الله : {ما لكم كيف تحكمون }  كيف تقضون حين زعمتم أن لله شريكا [ تفسير البغوي :ج 2 / 353 ] ، وقوله تعالى { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الجاثية : 21 ] يقول الطبري رحمه الله : ((  وقوله )) { ساء ما يحكمون  } يقول تعالى ذكره بئس الحكم الذي حسبوا أنا نجعل الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم [ تفسير الطبري :ج 25 / 149 ] وقوله تعالى { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ القلم : 35 - 36 ] يقول الطبري رحمه الله : ذلك وقوله{ مالكم كيف تحكمون } أتجعلون المطيع لله من عبيده والعاصي له منهم في كرامته سواء يقول جل ثناؤه لا تسووا بينهما فإنهما لا يستويان عند الله بل المطيع له الكرامة الدائمة والعاصي له الهوان الباقي [ تفسير الطبري :ج 25 / 149 ] ويقول البيضاوي رحمه الله في تفسيرها {  أفنجعل المسلمين كالمجرمين } إنكار لقول الكفرة فإنهم كانوا يقولون إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالا منهمكما نحن عليه في الدنيا { ما لكم كيف تحكمون } التفات فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي (( [ تفسير البيضاوي : ج 5 / 373 ] ، وقوله تعالى { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ العنكبوت : 4 ] يقول أبو السعود رحمه الله : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا أي يفوتونا فلا نقدر على مجازاتهم ... { ساء ما يحكمون }    أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك أو بئس حكما يحكمونه حكمهم ذلك [ تفسير أبي السعود :ج 7 / 30 ] ، فهذه الآيات جميعها عند تدبرها نجد أنها تتناول قضايا اعتقادية وتعبر عنها بلفظ الحكم . وبذلك يكون ترك الحكم في قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ( له تعلقان تعلق اعتقادي يوجب الكفر الأكبر المخرج من الملة ، وتعلق عملي محض يوجب الكفر في إطار الملة ، فمن ترك الحكم بجانبيه العملي والاعتقادي استحق الحكم الكلي للآية ) { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ومن تركه وهو معتقد له  أي مصدق به منقاد له مقر به فهذا كفره في إطار الملة وهذا ما تواترت عليه أقوال الأئمة وعلى رأسهم عبد الله بن عباس حبر الأمة وفقيهها ، والسنة دلتنا على أن هناك كفر أكبر وكفر دون كفر ، وقد ذكرنا أحاديث عديدة تؤكد هذه القاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر فقهها حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما. وعامة الصحابة ومنهم ابن عباس وعامة التابعين وعامة علماء أهل السنة على اعتبار الضابط الذي ذكرناه وقد نقلت أقوال ما يزيد على خمسين من العلماء الأئمة كلهم يقر بهذا الضابط ( ضابط الجحد والإقرار فمن جحد فهو كافر ومن أقر فهو ظالم فاسق وكفره في إطار الملة ) وبعضهم نقل الإجماع على ذلك كابن عبد البر في التمهيد وقد نقلناه عنه ،  فبالضابط الذي ذكرناه تتفق أدلة الكتاب والسنة وأقوال السلف والعلماء الأئمة فما الداعي إلى إحداث ضابط جديد ، مع أن ضابط علماء أهل السنّة هو في نفسه واضح منضبط والجحد لا يتجزأ فمن جحد بآية فقد جحد بالقرآن كله ومن جحد حكماً من الشرع فقد جحد الشرع كله  ، أما أصلهم الذي يقولون به لا ينضبط ولا يتصور تصوراً واحداً عند أفهام الناس فما المقصود باعتبار أحكام الشرع هل هو الاعتقاد بها وبهذا نرجع إلى أصلنا الذي ذكرناه عن السلف ، أم هو مجرد الإقرار بأن الشرع هو مصدر القانون ثم بعد ذلك لا تؤثر المخالفة لأن الأصل موجود ، وهذا داخل في الأصل الأول لأن ضابط ( الجحد والإقرار ) الذي قال به علماء أهل السنة يدخل فيه الإقرار المجمل بأحكام الشرع والإقرار المفصل متى تطلب ذلك ، وبهذا فلا حاجة للأصل الجديد ، أم هو مجرد النظر في كتب الشريعة وليس كتب القانون ثم الحكم بعد ذلك بما يشاء إذ لا يؤثر على الأصل وهذا مناط جديد لا نعلم أحداً من علماء الأمة قال به ومآل قول هؤلاء هو هذا المناط ومجرد النظر لا يفيد شيئاً في إطار الجحد والإقرار ، فمن أقر فقد أغناه إقراره عن مجرد النظر في كتب الشرع وإن جحد فقد أخرجه جحده من الملة بالكلية ،  أم هو ضرورة الحكم بأحكام الشرع بعمل الجارحة في كافة الأحكام ولا تضر في ذلك قضية أو قضيتان خالف فيهما بسبب المعصية والهوى والشهوة ، قلنا فما الضابط للعدد وما حده ومن أين استنبطوه ومن من العلماء قال به ، ومعلوم أن مناط الكفر لا يكون بالأعداد أبداً وإلا لكفرنا الزاني لإدمانه على الزنا أو شارب الخمر لإدمانه على شرب الخمر ، ومعلوم أن هذا مذهب الخوارج ، وعلى ذلك فالأصل الذي أصلوه لا ينضبط أولاً وفيه إحداث لحكم جديد مخالف لحكم السلف والعلماء الأئمة ثانياً ، وكلاهما لا يجوز في الشرع وهو افتئات عليه بما لا ينبغي ،

( تنبيه هام ) : أصحاب هذا القول دخل عليهم داخلة من عدم تصور الأصل العام الذي قال به السلف وهو الاعتقاد المجمل لدين الإسلام والمفصل لما يتطلب ذلك في حينه ، وظنوا أن الحكم إنما يتناول الفصل بين الخصومات أو حدود الشرع ولم يتصوروا أن الحكم أعم من ذلك وأوسع بالتالي فضابطه أعم وأوسع من مجرد النظر في أحكامه ثم لا تضر مخالفته بعد ذلك بهوى أو معصية . والقرآن الكريم دلنا على أن الحكم أوسع من مجرد النظر في الحدود والخصومات بل هو يتناول الاعتقاد وأمور العقيدة كما أسلفنا ، ومن ذلك قوله تعالى : { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ الصافات : 153 - 154 ] فهل الآية تتناول فصل خصومة بين الناس أو تطبيق حد على بعضهم ليس كذلك وإنما هي تتناول اعتقاد المشركين أن الملائكة بنات الله فردت الآية على مستوى فهمهم للحجة لأنها إنما تناقشهم فكيف تحكمون ، أنتم إذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، ثم تنسبون إلى الله أنه يتخذ بناتاً أيصطفي البنات لنفسه ويرزقكم أنتم بالبنين أيصح هذا في ميزان العقل والفهم . الشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذه العقيدة الفاسدة بلفظ { فما لكم كيف تحكمون } فهو حكم وإن كان في أمور العقيدة ، وآية ثانية وهي قوله تعالى :  { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [ القلم : 35 - 36 ] فالمشركون ينكرون البعث والنشور وهذه عقيدة كافرة وجحد للإيمان باليوم الآخر ، والشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذا الجحود باليوم الآخر والبعث والنشور بلفظ { كيف تحكمون } ،  فالحكم أوسع من أن نحصره في مجرد فصل خصومات أو إنفاذ حدود ولما كان عاماً فالأصل الضابط له لا بد وأن يكون عاماً عظيماً يحوي كافة جوانبه ومعانيه ،  فكان الأصح والأولى هو اعتبار الأصل العام الذي اعتبره علماء أهل السنة والجماعة أصلاً لا يرضون  له بديلاً وهو ضابط الجحد والإقرار فمن جحد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فكفره في إطار الملة ، وهو في الحالتين كافر لعموم الآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ولكن الجاحد لم يأت بأي شيء يدل على أنه حكم بما أنزل الله لانتفاء حكم القلب وإقراره بالحكم ، والمقر المعتقد قد أدى بعض الحكم فليس تاركاً بالكلية للحكم فكان كفره في إطار الملة لا يخرج منها إلا بجحد أو استحلال { جحد الحكم بما أنزل الله أو استحلال الحكم بغيره } ،

( تنبيه آخر ) : القصد منه فهم جوانب الجحد وبالتالي نحيط بمذهب السلف من كافة جوانبه ،  الجحد يتناول قول القلب وعمله : فالجحد المتعلق بقول القلب ( التصديق ) هو التكذيب وهذا نادر لأن قلوب العباد فطرت على معرفة الله والتصديق بوجوده ، والجحد المتعلق بعمل القلب ( الانقياد ) هو الإباء والاستكبار والعلو والعناد وهذا غالب كفر العباد ومنه جحد إبليس وكفره وجحد اليهود وكفرهم وجحد فرعون وأتباعه وكفرهم ، وعلى ذلك فجحد حكم الله له صور عديدة منها : تفضيل حكم غير الله على حكم الله  ، أو الاستهزاء بحكم الله كحال من وصف أحكام قطع اليد بالوحشية ، أو التنقص من حكم الله ، أو مساواة حكم الله تعالى بحكم غيره وهذا جحد لأفضلية حكم الله واعتقاد وجوب إفراده بالحكم والتشريع   ، أو إظهار النية والعزم على عدم تطبيق شرع الله وحكمه إن عاجلاً أو آجلاً لما فيه من الدلالة على عناد القلب واستكباره ، وبذا نعلم أن ضابط السلف وهو ضابط أهل السنة جميعاً ( من الجحد والإقرار ) هو الفقه والعلم وفيه الصيانة للشرع وأحكامه وفيه الغنية عن اجتهادات هؤلاء ،  وهذا الضابط لو تدبر فيه الجميع لعلموا أنه جامع شامل يدخل فيه كافة صور الكفر المطلقة من الانتساب إلى الرايات الاعتقادية والفكرية المخالفة جملة وتفصيلاً لحكم الإسلام وشرعه كالعلمانية وذلك لأن إعلان اعتقاد هذه الرايات وما تدعو إليه صورة من صور الجحد الذي جعله السلف والأئمة مناط الكفر في الآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ،

وأما المدخل الثاني لبيان خطأ هذا القول :فهو سؤالنا لهم ما الضابط لهذا المناط الذي جعلتموه أصلاً للحد الفاصل بين الكفر الأكبر المخرج من الملة والكفر في إطار الملة ، وأنتم تقولون إذا حكم في قضية معينة لهوى أو معصية لا يكفر وإذا جعله أصلاً يكفر  ، فهب أن رجلاً يرجع إلى الشرع في قضاياه ثم جار في واحدة اثنتين ثلاث ثم آل الأمر به إلى ترك الحكم بما أنزل الله في كافة القضايا مع أنه يجعل الأصل الرجوع إلى أحكام الشرع ، فهل يكفر عند الجور في الثانية أو عند الجور في بعضها أو عند الجور في جميعها ، فإن قلتم في الثانية لم تجدوا دليلاً على ذلك البتة وكذلك إن قلتم في بعضها دون بعض لأن الشرع لم يجعل العدد ضابطاً للكفر وعدمه وإن قلتم في جميعها قلنا لكم ناقضتم أصلكم الذي أصلتموه لأن الرجل يرجع إلى أحكام الشرع وهذا هو مناط الكفر الأكبر عندكم ، وإن قلتم لا يكفر رجعتم حتماً إلى الاعتقاد والجحد وهو ضابط أهل السنة ، وإلا فما ضابط الرجوع إلى الشرع وهو لا يحكم بشيء منه ، إن كان مجرد النظر في كتب الفقه فهذا لا يصلح ضابطاً ولا يقول به أحد من العقلاء فضلاً عن العلماء إذ لا يستطيع الجاحد أن يقول الشريعة مصدر القانون ويضع كتب الفقه على الرفوف ولا يحكم بشيء منها ، ويقول أنه الأصل الذي أقررتموه ، مع ما يبدو عليه من علامات الجحد والاستكبار ، لذا كان اعتبار ضابط أهل السنة هو الأصل العام لكافة أحكام الشريعة هو الصواب وهو النجاة من التعارض والاختلاف ، 

وأما المدخل الثالث لبيان خطأ هذا القول :فهو أن ضابطهم هذا فيه قصور ، بمعنى أنه إذا جاء من يقول لهم أنا أجعل الأصل في قانون الأحوال الشخصية هو الشرع لقالوا له حتماً لا يصح ذلك لأن الأصل عام يتناول أحكام المعاملات والحدود والعقوبات والفصل بين المنازعات ، نقول لهم آنذاك بل الأصل أعم من ذلك ، فإنكم أبيتم على من احتج لكم بالأصل في قانون الاحوال الشخصية إلا بالأصل الأعم ونحن كذلك نحتج عليكم بما هو أعم وأشمل فالحكم يتناول الأمور الاعتقادية والتشريعية والسلوكية والحكم بما أنزل الله يشمل ذلك كله وقد ذكرنا عند قوله تعالى { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون} وقوله تعالى { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[ القلم : 35 - 36 ] وقول تعالى { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [ يونس : 35 ] وقوله تعالى { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ }  [ الأنعام : 136 ] أن الحكم هنا يتناول جوانب اعتقادية وقد سماه الله حكماً وبالتالي فالضابط الأعم والأشمل هو ضابط الصحابة والتابعين والعلماء كافة وهو ضابط الإقرار والجحد كما بيناه بضوابطه الحكيمة التي قال علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام ،

وأما المدخل الرابع لبيان خطأ هذا القول : فهو أن ديننا مبني على الاتباع للكتاب والسنة والاقتداء بهدى السلف الصالح وجميع ذلك بين لنا الضابط العام الصحيح الذي لا ينخرم في شيء من جوانبه ، وقولكم محدث اجتهدتم في إحداثه احتياطاً للشريعة والشريعة لا تحتاج لمفتئت عليها بل تحتاج لفقهاء يفهمون ضوابطها الصحيحة ويعملون بها ، لو تركت الشريعة لمن شاء أن يحتاط لها لكان مذهب الخوارج والعياذ بالله أفضل المذاهب لأنهم يكفرون بمجرد المخالفة والمعصية والذنب ، 

وأما المدخل الخامس لبيان خطأ هذا القول :فهو أن أدلتهم على ذلك لا تخرج عن أقوال ثلاثة علماء لم يفهموا كلامهم الفهم الصحيح وهم ابن القيم وابن أبي العز وأحمد شاكر فإذا علمنا قصدهم الصحيح وعلمنا أن أقوالهم المحكمة هي اتباع ضابط السلف فلم يعد لهؤلاء حجة ولا دليل ، مع أن ذلك كله تنزلاً مع المخالف إذ أقوال العلماء لا سيما المتأخرين يستدل لها ولا يستدل بها وهذه قاعدة أصولية لا يجوز لطلبة العلم فضلاً عن أهل العلم إغفالها أو غض الطرف عنها ،  

وكأمثلة لبعض المعاصرين الذين يقولون بهذا القول : ( 1 ) الدكتور عبد الله أحمد القادري : قال  وهو يتحدث عن مناط الكفر دون كفر في الآية :(( النوع الرابع : أن يحكم بغير ما أنزل الله في جزئية من الجزئيات وهو يعتقد أنه عاص وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم وأن الواجب هو الحكم بما أنزل الله ولكنه غلبه هواه لمال أو جاه أو قرابة ففعل ما فعل . . فيجب حمل { كفر دون كفر } على النوع الرابع وهذا هو اللائق بعلماء السلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة )) [ الردة عن الإسلام ص57 - 58 ط. مكتبة طيبة 1405 هـ ] أهـ ، ومن الأخطاء الواضحة في النص جعل المناط هو المخالفة في جزئية من الجزئيات وهذه لا تنضبط إذ ما الفارق بين معصية واحدة ومعصيتين إذا اعتبرت الأولى معصية فالثانية والثالثة معصية ما لم تنال الاعتقاد . وكذلك قوله (( هذا هو اللائق بالسلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة )) فالمعلوم أن الإنكار من الجحد والجحد لا يتجزأ فجحد حكم من الشريعة كمن جحد الشريعة كلها ، وعلى ذلك فجحد وجوب الطهارة جحد لكافة عقائد وشرائع الإسلام لأنه تكذيب للشارع في إيجابه للطهارة  ، أما قوله فهذا هو اللائق بالسلف ، فالسلف يليق بهم كل فضل ولكن اللائق بنا نحن أن نفهم كلام السلف وأن نفقه ضوابطهم في أسماء الملة وأحكامها على وجه العموم ،  والسلف لم يجعلوا الجزئية والجزئيات ضابطا لأن الأعداد لا تنضبط وإلا لكفرنا مدمن الخمر لأن جزئيات شربه للخمر كثيرة وعامة ، ولكن السلف جعلوا الضابط هو الإقرار والجحد وهو الضابط المحكم الصالح لكافة شرائع الإسلام اللهم إلا الأعمال التي لا تكون إلا مع انتفاء عمل القلب وقد أكثرنا في بيانها من قبل  ،

( 2 ) الأستاذ عبد الله بن محمد القرني : قال في بيان الضابط للكفر الأكبر والأصغر : " وأما الكفر الأصغر فبنحو الحكم بغير الشريعة في قضية معينه لأجل الشهوة وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  أهـ [ ضوابط التكفير عند أهل السنة ص 256 ] ، ( قلت ) أما قوله قضية معينة وقضايا متعددة فسبق ووضحنا أن هذا الضابط في نفسه لا ينضبط  ، وأما قوله ( وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ) فليس هذا قول حبر الأمة ولا هو مراده ومع تتبعي لغالب التفاسير المطبوعة وأقوال عبد الله بن عباس فيها لم أجد موضعاً واحداً ذكر فيه ابن عباس رضي الله عنهما التفريق بين قضية وعدة قضايا ، فمن المجازفة العلمية أن ننسب هذا الفهم إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، بل الصحيح عن حبر الأمة أنه جعل المناط هو الجحد والإقرار فمن جحد فقد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فليس الكفر الذي يذهبون إليه وإنما هو كفر دون كفر وهو في إطار الظلم والفسق ، هذا تصريح ابن عباس بنفسه فمن الخطأ أن ننسب إليه قولاً لم يقله ولم يشر إليه البتة ، 

( 3 ) قول الدكتور صلاح الصاوي :قال – وهو يأتي بمناط جديد -  : ( يمكن تفصيل القول في قضية الحكم بغير ما أنزل الله ، ذلك أن تعبير الحكم بغير ما أنزل الله قد يقصد به عمل القضاة والمنفذين وقد يقصد به عمل الأصوليين الشرعيين … إن قصد به عمل القضاة والمنفذين نظر : فإن كان مرده إلى تكذيب الحكم الشرعي أورده فهو كفر أكبر يخرج من الملة وإن كان مرده إلى عارض من هوى أو شهوة أو نحوه مع بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنة أو ما حمل عليهما بطريق الاجتهاد فهو من جنس الذنوب والمعاصي  ، وإن قصد به المعنى الأصولي التشريعي فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا يبقى معه من الإيمان حبة خردل كما قال تعالى { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.. } [ الشورى : 21 ] والذي يخلص إليه من ذلك كله أن قول بعض السلف { كفر دون كفر } في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية  [ تحكيم الشريعة وصلته بأصل الدين ص 41 - 42 ] أهــ  ، ( قلت ) : إذا رجعنا إلى المنقول عنه نجده يأتي بقول جديد فهو يجعل مناط الحكم والتفريق بين حال الحاكمين هو النظر إلى اختصاصه فإن كان من القضاة والمنفذين فهذا عليه مناط حبر الأمة ابن عباس بالكفر الأكبر والأصغر وفق الجحد والإقرار  ، ولكنه لا ينسى أن يضع له ضابطاً إضافياً هو بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنة وهذا الضابط لا فائدة منه لأنه موجود عند كل مسلم يقر بالإسلام إجمالاً وبكافة عقائده وشرائعه . ولكنه لم يقصد منه ذلك إنما قصده للتفريق بين من يحكم بالقوانين الوضعية وبين من قال بأن الأصل الشرع حتى وإن حكم بالقوانين الوضعية بعد ذلك ، وهذا الضابط كما ذكرنا زائد عن ضوابط أهل السنة ولا قيمة له ، لأن مناط الحكم هو الإقرار والجحد فمن أقر بالشريعة كان إقراره بمثابة جعل الشريعة هي الأصل ومن جحدها كان جحوده بمثابة جعل القوانين الوضعية هي الأصل ، أما ما يقوله هو فلا ضابط له بل ولا معنى له إلا الإقرار والجحد وإلا فما هو مناط ضابط جعل الشريعة هي الأصل أو القوانين الوضعية هل الأصل إلا الإقرار بإحداهما والجحود بالأخرى ، الشاهد وإن كان هذا الحاكم من المشرعين للقوانين فليس لهذه الصورة عنده إلا الكفر الأكبر البواح وهذا أيضاً خلط لمناطات الحكم بمعنى أنه ما الفرق بين الزاني الذي يزني بموجب الشهوة والمعصية وبين الديوث الذي يرتب للفاحشة وينظم لها ويضع لها ما يشبه الأطر والضوابط التي يصنعها الأصولي التشريعي الذي تحدث عنه الدكتور صلاح الصاوي ، فهل يسوغ لنا ذلك أن نتهم الثاني بالكفر لأن معصيته لم تكن عن شهوة عارضة وإنما لكونه خطط لها ورتب لها ، وهل يسوغ لنا ذلك أن نكفر السارق الذي يضع الخطط قبل معصيته بأيام وشهور لأنها لم تكن ناشئة عن تنفيذ محض وإنما تخطيط وترتيب وتشريع ، وقد يعترض هو على وصفنا له بكلمة تشريع ، والحق أنه عند التدبر لا يفرق بين هذه وتلك شيء فالمشرع إن كان يشرع بجحد لشرع الله – بأي وجه من أوجه الجحد المتناولة لعمل القلب وقوله – فهذا كفر أكبر وإن كان يشرع على وجه المعصية المجردة فمثله مثل السارق الذي يخطط لمعصيته والديوث الذي يخطط للفاحشة وجميع ذلك في إطار الفواحش والمعاصي ما كان بعيداً عن اعتقاد القلب وجحوده ، وبذلك نكون رجعنا اضطرارا إلى الضابط الأساسي العام الذي صرح به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وسارت عليه الفرقة الناجية من بعده أهل السنة والجماعة ، وبهذا نعلم خطأه في قوله ( فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا تبقى معه من الإيمان حبة خردل ) وكلامه صواب متى ما كان التشريع ناشئاً من جحد لشرع الله – على المعنى الواسع للجحد كما ذكرناه ، وبالتالي فلا حاجة له إلى تشقيق القول بمناط جديد هو في حققته المناط الأصلي وأما إن كان يقصد مجرد العمل الخالي عن الاعتقاد فهذا قد علمنا باتفاق الأئمة والعلماء أنه مخالف لأصول أهل السنة وقواعدهم الغراء ، ثم ذهب يستدل لمذهبه الذي كما يقول – لا جدال فيه – بقوله تعالى { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } وقد ذكرت تفسيرها الصحيح في المطلب السابق فراجعه هناك بالضرورة فإنه يمنع الغلو في المسألة  ، وقوله : ( والذي نخلص إليه من ذلك أن قول بعض السلف { كفر دون كفر } في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية  ) أهــ به أخطاء ، ( الأول ) : قوله ( بعض السلف ) وكأنه يشير إلى الخلاف في المسألة وأن بعضاً فقط هو الذي قال بكفر دون كفر ،  ( قلت )  بل السلف مجموعون على قاعدة كفر دون كفر التي أرستها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأجمع عليها أهل السنة والجماعة في مقابل فرق الخوارج والمعتزلة ، وهم متفقون على حمل آية المائدة عليها وقد نقلت عن ابن القيم أنه قول عامة الصاحبة رضي الله عنهم ونقلت عن ابن عبد البر إجماع العلماء عليها ، فكيف يتسنى لأحد أن يقول بعض بصيغة توحي بالتمريض لمجرد أنه لا يرضى بما رضي به السلف ،  و ( الثاني ) : قوله ( لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية ) أقول فما علة ما يقول وما سببه وما المسوغ لهذا الرأي وعندن ضابط الأئمة الرصين ( الجحد والإقرار ) فلماذا إحداث مناطات جديدة والمناط الصحيح يستوفي المطلوب وعليه إجماع الأئمة ، فمن جحد الشرع بأي معاني الجحد التي أشرنا إليها فقد كفر ومن حافظ على أصل إقراره واعتقاده ولم يأت بجحد فهو مسلم ، ثم أود أن أنبه إلى أن ديننا دين اتباع واقتداء فما الداعي إلى إحداث أقوال جديدة واعتبار مناطات حديثة تخالف هدى الشرع وضوابطه ، كما ذكر صاحبنا من التفريق بين عمل القضاة والمنفذين وبين عمل الأصوليين التشريعين ونحن هنا وهناك وبالتالي اعتماده كمناط الحكم أولى من الاختراع والابتكار ،  

( 4 ) قول الأستاذ محمد شاكر الشريف : قال : " فصل في بيان متى يكون الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً لا يخرجه من الملة ؟ ثم جعل شروطاً ثلاثة لذلك هي : أن يكون ملزماً ومتقبلاً ظاهراً وباطناً لكل حكم أو تشريع جاء عن الله سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم ،  وأن يكون مقراً ومعترفاً بأنه ترك الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى في القضية أو الواقعة المعينة التي يحكم فيها صار آثماً وأن حكمه خطأ وأن حكم الله هو الصواب ، وأن يكون الحكم المخالف حكماً في وقائع الإيمان وليس في الأمور الكلية العامة وهذا الشرط الثالث مما غمض فهمه والتنبيه على كثير من المعاصرين [ إن الله هو الحكم ص 88 -  91 ] أهــ ،  ( قلت ) : حاصل كلامه هو أنه جعل هذه المناطات المتعلقة بمسألة الكفر دون كفر  ،  المناط الأول : الانقياد ظاهراً باللسان وباطناً بالاعتقاد للحكم وهذا لا غبار فيه لأنه مناط السلف ، المناط الثاني : الإقرار بالتقصير والإثم لمعصية ترك الحكم بما أنزل الله وهذا لازم للمناط الأول لا ينفك عنه فلا غبار عليه ، المناط الثالث : أن تكون المخالفة في قضية أو واقعة معينة وليس في أمر كلي عام ، فهذا الشرط الثالث قد غمض فهمه والتنبيه عليه ليس كما يقول على كثير من المعاصرين ، بل وعلى جميع السلف الكرام حتى لم يجعلوه مناطاً إضافياً يلازم مناط الجحد والإقرار واكتشفه هو بعد هذه القرون الطويلة في الإسلام ،  ولعل قائلاً لم يحدث على مر عصور الإسلام أن تنحت الشريعة في كافة جوانبها كما هو في زماننا المعاصر ولهذا وجب وضع المناط المناسب لهذا الزمان وهذه الحالة الشاذة التي لم تعهد لها الأمة مثيلاً من قبل ، ورغم وجاهة هذا القول إلا أنه عند التحقيق ليس وجيهاً وذلك لأن إجماع العلماء على أن ترك الحكم بما أنزل الله مع الإقرار والاعتقاد هو كفر دون كفر وإجماعهم على أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بشرع الله فهي كبيرة من الكبائر وقد حكى ذلك الإجماع إمام المغرب وحافظها ابن عبد البر ، وبالتالي فالمعصية لا تنضبط بعدد ولا بقدر وإلا كان الإصرار على الكبيرة كفر ، وكان هذا مدخلاً لتكفير العصاة وأصحاب الكبائر ، وبالتالي فمناط الكفر ليس عدد المعاصي ولا عدد الوقائع وإنما المناط هو كفر القلب وكفر القلب يكون بالجحد والجحد له صور عديدة منها الإقرار بتفضيل أحكام الجاهلية على حكم الله تعالى أو التنقص من شرع الله أو الاستهزاء به أو اعتقاد عدم أحقيته أو عدم صلاحيته أو مساواته بغيره فهذه كلها دلائل الجحد وهو مناط السلف للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر ، لا اجتهادات المعاصرين كل يدلو بدلوه في مسألة فيها السلف قديماً ووضعوا لها الضوابط التي لا تحتاج إلى افتئات أو تدخل ، وبهذا أكون قد أشرت إلى بعض أقوال المعاصرين المخالفين في هذه المسألة بوضع مناطات جديدة والتفريق بين واقعة ووقائع وبين وقائع أعيان وأمور كلية يتساوى فيها جميعاً عمل القلب وهم يفرقون على أساس عمل الجارحة مع أن مناط الكفر الأكبر هو كفر القلب والذي يدل عليه الجحد بأحد صوره التى وضحها العلماء ، ولعلني أثقلت في النقد على إخوان لي أرى أن الحماس والإخلاص قد دفعهم لوضع مناطات تحمس الشريعة ، والدافع لهذا النقد هو بيان أن الشريعة لا تحتاج إلى مناطات جديدة لأن الله تعالى قد جعل فيها مقوماتها الذاتية لحمايتها وحمى جنابها ، والمطلوب منا ليس الحماس والحمية الدافعة لإحداث مناطات جديدة ولكن المطلوب هو العلم والفقه الدافع لحفظ الشريعة على حالها الرباني وتطبيق أحكامها العقائدية والتشريعية على الناس كما أراد الشارع الحكيم والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ،

 

[  خاتمة القاعدة الخامسة ]  : وهي تحوي على فائدتين : 

( الفائدة الأولى ) : صور الجحد متعددة أهمها :  جحد أحقية حكم الله ورسوله وهذا أعظم الكفر ، تفضيل غير شرع الله على شرع الله حتى وإن أقر بشرع الله ،  مساواة شرع غير شرع الله بشرع الله ، استحلال الحكم بغير شرع الله وتجويزه وتسويغ الأخذ به ، وكل صورة اعتقادية أخرى تدخل في إطار أحد هذه الصور الأربعة التي ذكرناها وهي جحد لحكم الله وكفر أكبر مخرج من الملة ، مع ملاحظة أن الجحد لا يتجزأ بمعنى أن من جحد شيئاً يسيراً من شرع الله كان بمثابة الجحد للشرع وأحكامه وهو في إطار الكفر المطلق حتى تجري عليه أحكام الشرع الخاصة بالتعيين ، 

( الفائدة الثانية ) : الانتساب إلى المذاهب العلمانية والشيوعية وغيرها من دعاوى الإلحاد المعاصرة جحد لحكم الله وشرعه وكفر أكبر على سبيل الكفر المطلق الذي يحتاج عند التعيين إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع ، فالعلمانية تعني عند أصحابها ومنظريها فصل الدين عن الدولة وإقامة الحياة على غير الدين ولا علاقة عندهم للدين لا من قريب ولا من بعيد بشئون السياسة ولا التشريع العام ولا تنظيم حياة الدول و المجتمعات ، وهذا يعني رفض لشرع الله واستبداله بحكم الجاهلية واستحلال الحكم بها وبأحكامها بل وتقديمها على شرع الله وتفضيلها عليه ، وهو يعني أيضاً اعتقاد حق التشريع والتحليل والتحريم لغير الله عز وجل من مشرعي العلمانية وهذا اتخاذهم أربابا من دون الله على صورة اعتقادية محضة ، وهو يعني أيضاً الكفر بأحكام الله المتعلقة بتنظيم حياة البشر واستحلال الحكم بغيره على وجه الاعتقاد ، وهو يعني استحلال تحريم ما أحل الله من الحدود والعقوبات والتشريعات واستحلال ما حرم الله على صورة اعتقادية محضة ، ومثلها الشيوعية وغيرها من دعاوى الإلحاد والكفر من النظريات الاعتقادية التي من آمن بها فقد آمن بالطاغوت وكفر بالله نسأل الله السلامة  ، وعلى ذلك : فالحذر الحذر من هذه المذاهب الإلحادية ومن الانتساب إليها لأنها مذاهب عقائدية ، الانتساب الحقيقي لها يعني الردة والمروق من ملة الإسلام  إلى ملل الكفر والإلحاد ، وكل ذلك على سبيل الإطلاق لأننا نعلم أن كثيرا من المسلمين مخدوعون بهذه المذاهب لا يعلمون بحقيقتها وليس لهم من العلم الشرعي ما يؤهلهم لمعرفة حقيقتها الكفرية الواضحة ، وهؤلاء معذرون بالجهل فلا يكفرون ولكنهم على شفا خطر عظيم لأن إمكان العلم بحقيقة هذه المذاهب موجود وعلى أهل العلم والدعاة يقع عاتق إبلاغ المسلمين بحقيقة هذه المذاهب حتى تنفضح تماماً في بلدان المسلمين فلا يبقى فيها إلا المنافقين معلومي النفاق والزنادقة معلومي الكفر والإلحاد .

***

 

[  القاعدة السادسة  ]  :  تحقيق القول في كفر تارك الصلاة ،  وبيان أن ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب { جحد الصلاة }  ،  وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة  

 

في هذه القاعدة محاولة شرعية جادة لتأصيل مسألة كفر تارك الصلاة على ضوء الجمع بين نصوص الكتاب والسنّة وهدي السلف الصالح ومعتقد المحققين من أئمة أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والفقه ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ،

مقدمة عامة : كل ما قيل في مسألة ( ترك الحكم بما أنزل الله ) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر ، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة ، بل هو في مسألة ( تارك الصلاة ) أظهر وأولى ،  (( قلت )) وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة ، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني ( حـ2/157 ) والنووي في المجموع ( حـ3/14 )  والشوكاني في نيل الأوطار ( حـ1/291 ) وهذا ما دعا الشنقيطي رحمه الله إلى أن يجعل هذا القول أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث وأنه كما قال النووي القول المتعين الذي ينبغي القول به لأنه يجمع بين أصول الشرع وقواعده فقال رحمه الله { وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ، وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن ، وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه :( ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث ، وأما الجواب عمّا احتج به من كفره من حديث جابر وبُريدة ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها انتهى محل الغرض منه ) [ أضواء البيان حـ4/ص322 ] أهــ ، ( قلت ) وبعد هذه المقدمة لا مانع من تأصيل المسالة وبيان الراجح المتعين المصير إليه  ،  وفي البداية ينبغي أنّ نذكر أنه قد أجمع أهل السنّة والجماعة على أن تارك الصلاة جحوداً لها وانكاراً لفرضيتها أنه كافر الكفر الأكبر المخرج من الملة والموجب للخلود الأبدي في النار ، الاّ أن يكون جاهلاً لحكمها كأن يكون حديث عهد بإسلام أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة ،

 أما ترك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها فهي مسألة خلافية اختلف فيها علماء أهل السنّة والجماعة على قولين : 

القول الأول : أنه كفر أكبر موجب للخلود الأبدي في النار ، وأن تارك الصلاة تكاسلاً يُـقتل لكفره كالمرتد فلا يُـغّسل ولا يكفن ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يرثه أحد ولا  يرث هو أحداً ، وقد أشار ابن قدامة في كتابه المغني إلى أنه أحد الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل اختارها أبو اسحق بن شاقلا وابن حامد [ المغني حـ2/157 ط. دار الفكر ] ،

القول الثاني : أنه كفر في إطار الملة فلا تتعلق به أحكام الردّة الدنيوية والأخروية ، ( قلت ) ومعنى كونه كفر أنه أخطر وأعظم من مطلق الفسوق والمعصية ، لكونه طريق إلى الكفر الأكبر وصاحبه على شفا جرف هار يكاد يؤول به إلى الجحود والكفر البواح. ومعنى كونه في إطار الملة ، أنه في حقيقته لا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة حتى يصاحبه اعتقاد. وهذا القول هو القول الراجح الذي قال به جماهير السلف الصالح وجماهير الأئمة الفقهاء الأعلام كما سيأتي بيان ذلك .

 

أدلة الفقهاء على أنّ ترك الصلاة تكاسلاً كفر ولكن في إطار الملة : 

 

وهي أدلة كثيرة جداً منها ما هو بمثابة أدلة مستقلة على عدم خلود تارك الصلاة تكاسلاً في النار خلود الكافرين الجاحدين ، بل هو تحت المشيئة إن شاء عذبه الله بقدر ذنوبه وإن شاء غفر له وأدخله الجنـة ، ومنها ما هو أدلة عامة وفق قواعد الشرعيه وأصولها العامة التي قال بها وسار عليها علماء أهل السنّة والجماعة ، والسير على تلك القواعد يحتم حمل الكفر في تارك الصلاة على كفر دون الكفر الأكبر فمن الأدلة المستقله على أنّ ترك الصلاة تكاسلاً في إطار كفر دون كفر :

 

الدليل الأول  أ - ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ))  ، ( قلت ) : الحديث صحيح لا ريب في صحته ، قال عنه النووي رحمه الله " حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة [ المجموع شرح المهذب حـ3صـ17 ط.دار الفكر ] ، وقال عنه الشوكاني وهو يشير إلى صحته " الحديث أخرجه مالك في الموطأ وابن حبان وابن السكن قال ابن عبد البرّ وهو حديث صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه " [ نيل الأوطار حـ1/344 ط. مصطفى الحلبي ] أهـ ، وقد رجعت إلى كلام الحافظ ابن عبد البرّ في الحديث ووجدته درة ينبغي أنّ تكتب بماء الذهب وهو قليل عليها فبعد ذكره للحديث بنصه قال – لله درّه –(لم يختلف عن مالك في إسناده هذا الحديث فهو حديث صحيح ثابت وفيه أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير ... وفيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعلم ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته ، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع مـا كان به مسلماً وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلــم )[ التمهيـد لمـا في الموطـأ من المعـاني والأسانيــد حـ23 / 288 - 290 ط. مكتبــة الوادي ] ، ولله درّه وكلامه ينبغي أن يحفظ وينشر لدقته ورسوخه وقال أيضاً في درّة فاصلة من أقواله بعدما ذكر حديث عبادة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقـول (( من لقى الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة  ، وحديث عبادة رضي الله عنه سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول (( من لقى الله يشهد أن لا إله الاّ الله وأنّ محمداً رسول الله دخل الجنة )) ، وحديث عبادة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من شهد أنّ لا إله الاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الجنة حق وأنّ النار حق وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور وأنّ عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه أدخله الله الجنة على ما كان من عمل )) ، قال بعدها (( إنما ذكرنا أحاديث هذا الباب لأن المعتزلة أنكرت الحديث المروي في قوله (( ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )) وقالت : من لم يأت بهن فهو في النار مخلد ، فردت الحديث المأثور في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من نقل العدول الثقات وأنكـرت ما أشبهه من تلك الأحاديث ودفعت قول الله عز وجل  :{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ]  فضلت وأضلت فذكرنا في هذا الباب من الآثار ما يضارع هذه الآية حجة عليهم والحمد لله [ التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد حـ23/296 - 301 ] أهـ ، ( قلت ) وكلامه درة قليل عليها أن تشتري بأطنان الذهب لما فيها من التحقيق والفقه والبيان لمذهب أهل السنّة والجماعة في مسألة ترك الصلاة بعيداً عن شبهات المعتزلة ،  قال الحافظ الطحاوي  -  في كتاب مشكل الآثار -   (( باب بيان شكل ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة من المسلمين لا على الجحود لها أيكون بذلك مرتداً عن الإسلام أم لا ؟ ثم ذكر حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول : (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، فمن جاء بهن لم يضع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخل الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء أدخله الجنة وإن شاء عذبه )) ،  ثم قال عن الحديث : دلّ أنه لم يخرجه بذلك عن الإسلام فيجعله مرتداً مشركاً لأن الله تعالى لا يدخل الجنة من أشرك به لقوله تعالى { مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.. }[ المائدة : 72 ] ولا يغفر له لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }[ النساء : 48 ] . فقال قائل كيف تقبلون هذا الحديث عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأنتم تروون عنه خلافه ، ثم ذكر حديث (( بين العبد وبين الكفر أو قال وبين الشرك ترك الصلاة )) . فكان جوابنا له في ذلك : أنّ الكفر المذكور في هذا الحديث خلاف الكفر بالله عز وجل وإنما هو عند أهل اللغة أنه يغطي إيمان تارك الصلاة ويغنيه حتى يصير غالباً عليه مغطيا له ومن ذلك ما قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم   ((  سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ولم يكن ذلك الكفر بالله ولكنه على ما ركب إيمانه وغطاه من قبح فعلـه فمثـل ذلـك قولـه  (( ليس بين العبد وبين الكفر الاّ ترك الصلاة )) هو من هذا المعنى أيضاً والله أعلم حتى تصح هذه الأخبار ولا تختلف [ مشكل الآثار للإمام الحاوي حـ4/222 - 227 ط. دار صادر بيروت ] أهــ  ، وقال الحافظ السخاوي – وهو يستدل بالحديث على عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر ، فقال بعد سياقه لبعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة – ولكن كل هذا إنما يُحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجوبها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين لأنه يكون حينئذ كافراً مرتداً بإجماع المسلمين ، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه والاّ قتل ، أما من تركها بلا عذر بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه يُستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويُغسل ويُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب العمل جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضاً عنــه الحديـث   صلى الله عليه وسلم  أنـه قال (( خمس صلوات كتبهن الله –   وفيه إن شاء عذبه وإن شاء غفر لــه )) . ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورّث [ الفتاوي الحديثه حـ2/84 للحافظ السخاوي ] أهــ،  وقال الإمام القرطبي -   عن شرحه لحديث مسلم (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ))  وهو يستدل لكونه كفر دون كفر بحديث ( خمس صلوات ... ومن لم يأت بهن )  – (( والصحيح أنه ليـس بكافـر ، لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ، ولأن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قد قـال (( خمس صلوات افترضهن الله على العباد ، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ))  فهذا ينص على أن ترك الصلاة ليس بكفر ، وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] .[ المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم حـ1/271 - 272 ط.دار ابن كثير ] أهـ ،  ( قلت ) ولهذ الحديث (( حديث خمس صلوات افترضهن الله على العباد ... من أتى بهن ... ومن لم يأت بهن )) مبحث طيب في أضواء البيان للعلامة الشنقيطي. جاء فيه بعد ذكر الحديث (( رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محريز أن رجل من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام يكنى أبا محمد يقول إن الوتر واجب فقال المخدجي فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد فقال عبادة : كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خمس صلوات ... ثم ذكر الحديث ثم قال ... وفي سنن أبى داود حدثنا القعلبي عن مالك ... إلى آخر الإسناد والمتن كلفظ الموطأ الذي ذكرنا ، وفي سنن النسائي أخبرنا قتيبة عن يحيى بن سعيد ... إلى آخر الإسناد والمتن كالفظ المذكور وفي سنن ابن ماجة حدثنا محمد بن بشار ... عن المخدجي عن عبادة بن الصامت إلى آخر الحديث بمعناه قريباً من لفظه. ومعلوم أن رجال هذه الأسانيد ثقات معروفون إلاّ المخدجي المذكور ، وقد ذكره ابن حبان في الثقات وبتوثيقه تعلم صحة الحديث المذكور وله شواهد يعتضد بها ، قال أبو داود في سننه حدثنا محمد بن حرب الواسطي ... إلى قوله ... عن عبدالله الصنابحي قال زعم أبو محمد أنّ الوتر واجب فقال عبادة بن الصامت ... إلى آخر الحديث بمعناه وعبدالله الصنابحي المذكور صحابي مدنى وقيل هو عبدالرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبدالله الصنابحي وهو ثقة من كبار التابعين ... وعلى كلا التقديرين فرواية الصنابحي المذكور إما رواية صحابي أو تابعي ثقه وبها تعتضد رواية المخدجي المذكور ، ورجال سند أبي داود هذا غير عبدالله الصنابحي ثقات لا مطعن فيهم وبذلك تعلم صحة حديث عبادة بن الصامت المذكور ، وقال الزرقاني في شرح الموطأ : وفيه -  يعني حديث عبادة المذكور - "أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتحتم عذابه بل هو تحت المشيئه بنص الحديث" ، وقد أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طريق مالك وصححه ابن حبان والحاكم وابن عبدالبرّ ، وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود والنسائي والبيهقي ،    ولـه شاهـد عن محمد بن نصـر من حديـث عبد الله بـن عمـرو بن العـاص أهـ محل الغرض منه . وقال الشوكاني رحمه الله ( نيل الأوطار )  ولهذا الحديث شاهد من حديث أبى قتادة عند ابن ماجة ، ومن حديث كعب بن عجزة عن أحمد ورواه أبو داود عن الصنابحي أهـ محل الغرض منه. وقال النووي ( في شرح المهذب ) بعد أن ساق حديث عبادة بن الصامت المذكور : هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحه ، وقال ابن عبدالبرّ : هو حديث صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه فإن قيل كيف صححه ابن عبدالبرّ مع أنه قال المخدجي المذكور في سنده مجهول فالجواب من جهتين  الأولى : أنّ صحته من قبيل الشواهد التي ذكرنا فإنها تصيره صحيحاً والثانيه هي ما قدمنا من توثيق ابن حبان للمخدجي المذكور[ أضواء البيان حـ4 ص317 - 318 ] أهـ ،  قال النووي : " واحتجوا -  أي جماهير السلف والخلف ، على أنه -  أي تارك الصلاة ، لايكفر -  أي الكفر الأكبر ، لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه " [ المجموع حـ2ص17 ]  وقال ابن قدامة بعد ذكره للحديث " ولو كان كافراً (الكفر الأكبر)  لم يدخله في المشيئة"[ المغني حـ2ص158 ] أهــ  ، وقال الشوكاني " باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ، ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر ثم يذكر الحديث ... إلى أن قال : وهو يدل على عدم استحقاق كل تارك للصلاة للتخليد في النار " [ نيل الأوطار حـ1ص344 - 345 ] أهــ

 

الدليل الثاني : ما أخرجه الخمسة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إن أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإنّ أتمها وإلاّ قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك )) والحديث صحيح لا ريب في صحته ، قال الشوكاني " الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق. طريقتين متصلتين بأبي هريرة والطريقة الثالثة بتميم الداري وكلها لا مطعن فيها ... وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي وصححها ابن القطان ، وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال : هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجة بنحو حديث أبي هريرة قال العراقي وإسناده صحيح وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال إسناده صحيح على شرط مسلم "[ نيـل الأوطار حـ1ص345 ] أهــ ،  ( قلت ) الشاهد من الحديث للدلالة عل أنّ كفر تارك الصلاة هو دون الكفر الأكبر هو ما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره للحديث تحت باب وحُجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر  قال رحمه الله " والحديث يدل على أنّ ما لحق الفرائض من النقص كملته النوافل ، وأورده المصنف في حجج من قال بعدم الكفر ، لأن نقصان الفرائض أعم من أن يكون نقصاً في الذات وهو ترك بعضها ، أو في الصفه وهو عدم استيفاء أذكارها أو أركانها وجبرانها بالنوافل ، مشعر بأنها مقبولة مثاب عليها والكفـر ينافي ذلك "  أهــ وقصده من قول ( والكفر يُنافي الإيمان ) أي أن الكفر الأكبر يُنافي جبران النقص بالنوافل لأنه إذا كان ترك الصلاة كفراً أكبر مخرج من الملة فإنه لا يصح جبران الكفر الأكبر أبداً ، بل ينبغي أن يُنشئ المرء بعده إسلاما جديدا ، والحديث دلّ على جبران النقص ومنه ترك بعض الصلوات بالنوافل ، وهذا يدل على أنّ ترك الصلاة دون الكفر الأكبر المانع للجبر وتعويض النقص ،

الدليل الثالث : ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة والبزار عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال (( قام النبي  صلى الله عليه وسلم  ليلة من الليالي من صلاة العشاء فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون فلمّا رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله فلمّا رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى فجئـت خلفه فأومأ إلىّ بيمينه فقمت عن يمينه ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله فقمنا ثلاثتنا كل رجل منّا بنفسه ويتلو من القرآن ما شاء الله أن يتلوا فقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة فبعد أن أصبحنا أومأت إلى عبدالله بن مسعود أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة فقال ابن مسعود : لا أسأله عن شيء حتى يحدث إليّ فقلت بأبي أنت وأمي قمت بآية من القرآن ومعك القرآن ، لو فعل هذا بعضنا وجدنا عليه ، قال دعوت لأمتي ، قال فماذا أجبت ؟ قال : أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعةً تركوا الصلاة [ أخرجه الإمام أحمد في مسنده حـ5/170 والنسائي ك الافتتاح باب ترديد آية حـ2/138 وابن ماجة ح رقم (1350) وقال الهيثمي في المجمع " رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات " حـ2/273 ] قلت الحديث رجاله ثقات وسنده مما يُحتج به وهو نص في مسألتنا هذه ودليل واضح على أنّ ترك الصلاة كفر في إطار الملة وإلاّ لما نسبهم النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ومعلوم أنّ الكافر الكفر الأكبر لا ينتسب إلى أمة الإسلام ولا يجوز عليه رحمة الله ولا مغفرته . والحديث أورده ابن القيم في كتابه الصلاة وحكم تاركها في حجج مالك والشافعي ورواية أحمد التي اختارها أبو عبد الله بن بطة ص14 ، وهي حُجة واضحة بينة دامغة لو تدبرها المرء لكفته وأغنته ، ولكن لا مانع من ذكر غيرها ليطمئن القلب إلى سعة رحمة الله التي لو اطلع عليها الناس طلعة اطمئنوا إلى مغفرة الله وسعة رحمته ، لكل مسلم انقاد بقلبه ولسانه لله وحده حتى وإن قصّر به عمله .

 

الدليل الرابع : ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : الدواوين عند الله ثلاث ديواناً لا يعبأ الله به شيئاً وديوان لايترك الله منه شيئاً وديوان لا يغفره الله ، فأمّا الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك ، قال الله عز وجل إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة وأمّا الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء وأمّا الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالـة [ مسند الإمام أحمد حـ6/240 ، مستدرك الحاكم حـ4/575 ، وقال الحاكم صحيح الإسناد ] أهـ ، ( قلت ) والحديث يدل دلالة واضحة على عدم كفر تارك الصلاة لأنه إذا ترك صلاة وكان في إطار رحمة الله الواسعه دلّ ذلك على أن ترك الصلاة ليس كفراً لأنه لا عبرة في الشرع بالأعداد بمعنى أنه إذا ترك صلاة كان كمن ترك صلاتين في عدم الكفر بهذا يكون مناط الكفر شيئاً آخر لا محالـة ، وهو كما قال جمهور الأئمة الجحود ( جحود القلب واللسان ) عن فرضية الصلاة وقد أورد ابن القيم هذا الحديث في كتابه الصلاة وحكم تاركها في حجـج الأئمة مالك والشافعي وأحمد    [ رواية ابن بطه عنه ـ وهي صحيحة ] وغيرهم من الأئمة الفحول ،

 

الدليل الخامس : أحاديث الشفاعة بمجموعها وقد أوردناها في الباب الأول بما يُغني إعادتها هنا وقد علمنا من مجموعها أنّ هناك شفاعات متفاوتة شفاعة المؤمنين تطول المصلين وكذا شفاعة الملائكه ثم شفاعات الأنبياء ثم شفاعات ثلاثة للنبي   صلى الله عليه وسلم تنال الثالثة منها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ، ثم شفاعة الرحمن لمن قال لا إله إلاّ الله مجردة عن الأعمال والشاهد لها قوله صلى الله عليه وسلم (( فأقول يارب ائذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ البخاري :ح7510 ] . وقوله  صلى الله عليه وسلم (( فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلاّ أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً ... ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم ... )) الحديث [ مسلم :ح203 ] .

( قلت ) هذه الأحاديث من أعظم الأدلة على عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر لأنه صار معلوم يقيناً أن هناك أُناس غير المصلين يخرجون من النار بالشفاعة ولو كان المصلون يخرجون بشفاعة المؤمنين والملائكه فإن شفاعة النبي الثالثة ستنال من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ولعله على أحسن أحواله كان يصلي ويدع لأنه لو كان من المصلين لأخرجته شفاعة الملائكة والمؤمنين فإذا جاءت شفاعة الرحمن أخرجت من جاء بالتوحيد المجرد عن أعمال الجوارح فدل ذلك على أنّ هناك تاركون للصلاة بل ولجنس أعمال الجوارح بإطلاق تنالهم رحمة الله التي تنال كل موحّد وحكمة الله التي لا تساوي بين الجاحدين المكذبين والمقرين المعتقدين لشهادة التوحيد ولو كانت مجردة عن الأعمال فلا إله إلاّ الله تنفعه يوماً ما ولا شك ،

 

الدليل السادس : أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قـال رســول الله صلى الله عليه وسلم  (( إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا ، فوالذي نفسي بيده ما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار ، قال : يقولون : ربنا! إخواننا كان يصلون معنا ، ويصومون معنا ، ويحجون معنا ويجاهدون معنا فأدخلتهم النار . قال : فيقول اذهبوا ، فأخرجوا من عرفتم منهم . فيأتونهم ، فيعرفونهم بصورهم ، لا تأكل النار صورهم ... فيخرجون منها بشراً كثيراً ، فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا . قال : ثم يعودون فيتكلمون ، فيقول : أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا. ثم يقول : ارجعوا فمن كان في قلبه وزن نصف دينار ، فأخرجوه ، فيخرجون خلقاً كثيراً ، ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا حتى يقول : أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة ، فيخرجون خلقاً كثيراً . قال : فيقولون : ربنا قد أخرجنا من أمرتنا ، فلم يبق في النار أحد فيه خير ، قال ثم يقول الله : شفعت الملائكه ، وشفعت الأنبياء ، وشفع المؤمنون ، وبقي أرحم الراحمين. قال : فيقبض قبضة من النار ـ أو قال قبضتين ـ ناساً لم يعملوا لله خيراً قط ، قد احترقوا حتى صاروا حُمماً . قال : فيؤتى بهم إلى ماء يقال له : الحياة ، فيصب عليهم ... ـ إلى أن قال صلى الله عليه وسلم ـ : - فيقال لهم : ادخلوا الجنة ... )) [ مسند الإمام أحمد حـ3/94 ، سنن النسائي ( ح 998 ) ، سنن ابن ماجه ( ح 60 ) وصححه الألباني وقال اسناده صحيح على شرط الشيخين ( رسالته حكم تارك الصلاة ص32 ) ] الحديث. قال الألباني ـ بعد تصحيح الحديث ـ  " فالحديث دليل قاطع على أنّ تارك الصلاة إذا مات مسلماً يشهد أنّ لا إله الاّ الله أنه لا يخلد في النار مع المشركين ففيه دليل قوي جداً أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله {  إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] [ حكم تارك الصلاة للألباني ص35 ] .

 

الدليل السابع : (( حديث البطاقة )) :أخرج الترمذي وغيره من أهل السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( أن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً ، كل سجل مثل مد البصر ، ثم يقول من هذا شيئاً ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول لا يارب ، فيقول أفلك عذر فيقول لا يارب ، فيقول بلى إنّ لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم اليوم فتخرج بطاقه فيها أشهد أن لا إله الاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، فيقول أحضر وزنك ، فيقول يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال إنك لا تظلم ، قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقـة في كفـة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء )) [ أخرجه الترمذي ح(2639) وابن ماجه (4300) ،والإمام أحمد حـ2/213 وصححه الألباني ح(135) ] ، قال ابن القيم وهو يورده على لسان القائلين بكفر تارك الصلاة في إطار الملة وليس خارجهـا :   " لم يذكر في البطاقة غير الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم تخرج صحائف حسناته فتوزن بسيئاته ، ويكفينا في هذا قوله ( فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط ) ولو كان كافراً لكان مخلداً في النار غير خارج منها ، فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يُرجى لسائر أهل الكبائر ، قالوا ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد جحد ما جاء به الرسول ، وهذا يقر بالوحدانية شاهداً أنّ محمداً رسول الله مؤمناً بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره ؟ والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد [ الصلاة وحكم تاركها ص15 ط.دار الحديث ] أهــ

 

الدليل الثامن : أخرج الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح على شرط البخاري وصححه الألباني في الصحيحة  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (( إنّ للإسلام صدى ومناراً كمنار الطريق منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم وأن تسلم على قومك إذا مررت بهم ، فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهــماً من الإسلام ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره )) [ أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان ص3 وأخرجه الحاكم في المستدرك حـ1/27 وقـال حديث صحيح على شرط البخاري وصححه الألباني في الصحيحة ( 333 ) ] ، ( قلت ) والدليل الشاهد من الحديث لعدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر هو قوله  صلى الله عليه وسلم : (( وأقام الصلاة ... إلى أن قال فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام )) ،

 

الدليل التاسع : أخرج الحافظ الطحاوي في مشكل الآثار عن شقيق ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قـال : " أُمر بعبد من عباد الله أن يُضرب في قبره مائة جلدة ، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلـدة واحدة فجلد جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه ناراً فلما ارتفع عنه أفاق قال على ما جلدتموني قالوا إنك صليت صـلاة واحدة بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره  ثم عقّب عليه بقوله  فكان في هذا الحديث ما قد دلّ على أن تارك تلك الصلاة لم يكن بذلك كافراً لأنه لو كان كافراً لكـان دعـاؤه باطـلاً ولقـوله تعالى : { وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } [ الرعد : 14 ]  " [ مشكل الآثار حـ4/231 ط. دار صادر ] أهـ ، ثم أكد ما استفاده من الحديث السابق بقوله بعدما ذكر حديث من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ومالـه ( فكان معنى قوله صلى الله عليه وسلم فكأنما وتر أهله وماله بمعنى فكأنما نقص أهله وماله من قوله تعالى { وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } [ محمد : 35 ]  أي ينقصكم أعمالكم ، وفي ذلك ما قد دلّ على أنه لم يكن بذلك كافراً وإن كان ما قد نقصه من ذهاب إيمانه أكثر مما نقصه من ذهاب أهله وماله وكان القصد إلى ذكر ذلك لا إلى ذكر أهله وماله وبالله التوفيق  [ مشكل الآثار حـ4/232 - 233 ط.دار صادر ] أهــ

 

الدليل العاشر : أمّا الأدلة التي هي بمثابة قواعد عامة وأصول ضابطة لمنهج أهل السنّة والجماعة والتي ترجح قول الجمهور فهي كثيرة جداً تندرج تحت عدة قواعد عامة اعتقدها أهل السنّة والجماعة منها : ( قاعدة ) : - من مات على الشهادتين استوجب بها الجنة وإن دخل النار فإنه لا يخلد فيها خلود الكافرين بل مآله إلى الجنة لحرمة الشهادة وفضلها ، و ( قاعدة ) : - من أتى بالإقرار والاعتقاد فقد أتى بركني الإيمان ومطلقه الذي ينجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين ، و ( قاعدة ) : - كل ما هو دون الكفر الأكبر بالله ـ وهو كفر القلب ـ وكل ما دون الشرك الأكبر بالله ـ اتخاذ شريك مع الله ـ فهو تحت المشيئة وصاحبه إمّا أن يغفر الله له ابتداءً وإما يعذبه بذنوبه ولكنه لا يخلد في النار خلود الكافرين ، و ( قاعدة ) : - الكفر الأكبر هو كفر الاعتقاد ، وما كان من الأعمال المجردة وجعلها الشارع كفراً فهي دون الكفر الأكبر المخرج بالكلية من الملة ، وهذا الكفر العملي المجرد الخالي عن الاعتقاد لا يخلد صاحبه في النار ، ( قلت ) وهذه القواعد ـ وغيرها من قواعد أهل السنّة والجماعة الرصينة في مسائل الإيمان والكفر ـ قد أفردت لهـا الفصل الثالث من هذا الباب ، وهو التالي لهذا الفصل ومع مراجعتها نعلم يقيناً صحة قول جمهور الأئمة الفقهاء وأنه القول الراجح الذي به تتفق الأدلة جميعها دون استثناء ، وأن تارك الصلاة تكاسلاً هو من الكفـر في إطـار الملـة ،

***

 

[  الأدلة من أقوال العلماء على أن تارك الصلاة تكاسلاً هو من الكفـر في إطـار الملـة ]

 

أولاً : هو قول المدارس الفقهيه المتخصصه بعلمائها الأجلاء :تارك الصلاة كفر في إطار الملة هو قول المدارس الفقهية المعتمدة الحنفية والمالكية والشافعية والقول الصحيح المعتمد المختار عند فقهاء الحنابلة وهو القول الراجح عند أكثر مدارس أهل الحديث كما ذكر الشوكاني والصنعاني رحمهما الله تعالى . ويكمن أهمية هذا الدليل ، أن هؤلاء هم أهل التخصص في الفقه ، فكل مدرسة من هذه المدارس إضافة إلى مكانة مؤسسيها العلمية العالية والتي لم يتبوأها أحد في الأمة في زمانهم أو بعدهم ، إضافه إلى ذلك أنها مدارس تخصصية تحتوى كل مدرسة على مئات من العلماء الفقهاء بالكتاب والسنّة المجتهدين على الإطلاق أو في إطار المذهب أو في إطار أصوله ، إضافة إلى أنها المدارس التي انضبطت أقوال مؤسسيها ، فعرفت أقوالهم القديمة والجديدة والمعتمدة ، ومرت على عقول مئات العلماء المنتسبين لهذه المذاهب ، فحمل مطلقها على مقيدها ، وعامها على خاصها ، وهكذا انضبطت الأقوال داخلها ، بخلاف ما يُنقل عن الأئمة الباقين ، فالنقل عنهم عزيز ، والتمحيص لأقوالهم يكاد يكون مفقودا ، فلا نعلم متى قال بذلك وهل رجع عنه أم لا ، وهل قاله على وجه العموم أو لحالة مخصوصة وهل قوله مطلق أم مقيد وهكذا ، وهذا أهم ما ننبه عليه إخواننا لاسيما في زماننا هذا الذي عزف فيه كثير من طلبة العلم عن معرفة آراء هؤلاء الفقهاء وإعطائها حقها من الأهمية في المسائل الفقهية . فطلب الفقه من الكتاب والسنّة بفهم هؤلاء هو من باب طلب الشيء من المتخصصين فيه ، وهذا من الفقه في دين الله عز وجل بمكانة ، وفي ذلك إشارة إلى منهج أسأل الله عز وجل أن ييسر لي بيانه في رسالة مستقلة ، وإن في ذلك لذكرى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ،

ثانياً : هو قول الأئمة الذين نقلنا أقوالهم في الباب الأول : جميع نقول العلماء والتي حشدتها على إخراج جنس عمل الجوارح عن أصل الإيمان إلى الإيمان الواجب ، وهذه النقول من باب الأولى تدل يقيناً على أنّ كفر تارك الصلاة تكاسلاً هو كفر في إطار الملة وليس كفراً أكبر كما يظن البعض. وقد نقلت في الباب الأول نقولاً عن خمسة وعشرين عالماً كلامهم يدل على إخراج جنس عمل الجوارح عن أصل الإيمان ومن باب الأولى يقيناً اعتبار ترك الصلاة تكاسلاً  ـ لكونه في حالة التكاسل من أعمال الجوارح المجردة ـ كفرا في إطار الملة فراجعها في الباب الأول وفيها بحمد الله الفقه الواضح والعلم الراسخ.وكل ما سبق من الأدلة وأقوال الأئمة يدلنا على أنّ هذا هو القول الصحيح الراجح الذي يتعين المصير إليه ، وأنّ ما جاء من الأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة إنما تُحمل على كفر دون الكفر الأكبر جمعاً بين النصوص ومراعاة لقواعد الشريعه العامة. وهذا ما دعا النووي رحمه الله إلى أن يقول : " ولم يزل المسلمون يورثون عنه ، ولو كان كافراً ـ أي الكفر الأكبر ـ لم يغفر له ولم يرث ولم يورث . وأمّا الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها "[ المجموع شرح المهذب حـ3 ص17 ] أهـ ، ودعا ابن قدامة رحمه الله إلى أن يقول : (( ذلك إجماع المسلمين فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ، ولا منع ورثته ميراثه ولا منع هو ميراث مورثه ، ولا فرق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ، ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها ، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ، ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة وصيام. وأمّا الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ والتشبيه له بالكفار لا على الحقيقه كقوله عليه السلام (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ، وقوله (( كفر بالله تبرؤ من نسب وإن وجد )) وقوله (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) ، وقوله (( من أتى حائضاً أو أمرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد )) ، وقال (( ومن قال مطرنا بنوء  الكواكب فهو كافر بالله مؤمن بالكواكب )) ، وقوله (( من حلف بغير الله فقد أشرك )) ، وقوله (( شارب الخمر كعابد وثن ))  وأشباه هذا مما أُريد به التشدد في الوعيد وهو أصـوب القولـين والله أعلـم.[ المغنـــي حـ2/158 ] أهـ ، ( قلت ) وقد تقدم ذكر قول الشنقيطي رحمه الله في بداية ذكر المسألة وفيه ( وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ولأن إعمال الدليلين أولى من  إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث ...0 إلى أن نقل قول النووي وفيه وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها )[ انظر أضواء البيان حـ4/322 ] أهــويقول النووي  " وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور " [ المجموع حـ3/14 ] ، وقد علل رحمه الله لذلك بعلّة حرّي بنا أن نفهمها وأن نعض عليها بالنواجذ وهي قوله قبل أن يقطع بصحة عدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً الكفر الأكبر - " ولا يكفر بترك الصلاة لأن الكفر بالاعتقاد واعتقاده صحيح فلم يحكم بكفـره " [ المجموع حـ3/13 ] ، ويقول الشوكاني " ذهبت الكثرة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر "[ نيل الأوطار حـ1/291 ] أهــ وقوله (  لا يكفر )  أي الكفر الأكبر المخرج من الملة وإن كان كفراً في إطار الملة ، ورجحه أيضاً العلامة القرطبي بقوله " والصحيح أنه ليس بكافر لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قـد قــال (( خمس صلوات افترضهن الله على عباده فمن جاء بهن لم يضّيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء يغفر له وإن شاء عذبه ))  فهذا ينص على أنّ ترك الصلاة ليس بكفر وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفـر ما دون ذلـك لمن يشـاء  { النساء : 48 }[ المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم حـ1/271 ط. دار ابن كثير ] أهــ ن ورجحه أيضاً الحافظ السخاوي في فتاواه فكان من قوله " أما من تركها بلا عذر ، بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه يستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويغّسـل ويصلـى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائـر أحكـام المسلميـن عليه  أهـل الفتاوي الحديثه حـ2/84 "  ، ورجحه أيضاً ابن عبدالبرّ بقوله  –بعدما ذكر حديث (خمس صلوات .. من أتى بهن .. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ) – وهو حديث صحيح سيأتي بيانه ، (( وفيه دليل على أنّ من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمداً صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ، ألا ترى أنّ المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته ، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع ما كان مسلماً به وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلم  أهــ [ التمهيد حـ23/288 - 290 ] ، ورجحه أيضاً ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد حيث قال : ( تارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب الاّ أن يتركها معتقداً لتركها ، فنحن إذاً بين أحد أمرين : ( الأمر الأول ) إما أن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي يجب علينا أن نتأول أنه أراد  صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة معتقداً لتركها فقد كفر ، ( والأمر الثاني ) :  أن يحمل على اسم الكفر على غير موضعه الأول وذلك على أحد معنيين :إما على أن حكمه حكم الكافر أعني في القتل  ، وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ والردع له ...0 وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع حكامه مع أنه مؤمن فشيء مفارق للأصـول ...0 ولـذلك صار هذا القول مضاهياً لقول من يكفّر بالذنوب  [ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ]  ،  ( قلت ) : وهو القول الراجح من أقوال الإمام أحمد اختاره أبي عبدالله بن بطة وأنكر قول من قال : أنه يكفر وذكر أن المذهب – أي الحنبلي – على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه ، وهذا الذي رجحه كذلك ابن قدامة الحنبلي وهو ما رجحه أيضاً في إطار المذهب الحنبلي الشيخ علاء الدين المرداوي في كتاب " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل " ، وقد ذكرت بحمد الله تعالى بعضاً من دلائل الترجيح التي تُساعد على معرفة القول الراجح في المسألة ، والله المستعان ، ( تنبيـه ) : ليس المقصود من ذكر هذه الأدلة السابقة تسهيل ترك الصلاة على العامة ، حاش لله ، بل تركها هو الطريق العريض نحو الكفر الأكبر ونحو الهلاك والعياذ بالله ، ولكن المقصد من عرض الأدلة بيان دين الله عز وجل القيّم الذي لا يُسوي بين قائل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله والمقر بها والمصدق لها تصديقاً جازماً يلازمه الإذعان لحقوقها وبين الجاحد لها فإذا قلنا أن تركها تكاسلاً مع الإقرار بها كفر أكبر فقد ساوينا بين المقر والجاحد وبين قائل لا إله إلاّ الله وعابد الوثن لكونهما مخلدين في النار. وكذلك فإن هذا هو الفقه الذي من يرد الله تعالى به خيراً يرزقه إياه وكذلك فإنه الضابط العاصم من تكفير الموحدين الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وقد تواترت الأحاديث على أنّ من قال لا إله إلاّ الله دخل الجنة وإن لبث في النار أحقاباً

***

 

تارك الصلاة إن أصر على ترك الصلاة يُقتل على كل حال : في حالة الإقرار والاعتقاد يُقتل حداً ، وفي حالة الجحود يُقتل ردة

 

علمنا أنّ تارك الصلاة إمّا أن يكون جاحداً مرتداً وكفره كفر أكبر مخرج من الملة ، وإمّا أن يكون متكاسلاً مقصراً لا يظهر عليه أثر الاستكبار عن فعلها وهذا كفره في إطار الملة ، والأئمة العلماء المحققون على أنه يُقتل في الحالتين ، في الحالة الأولى ـ حالة الجحد ـ يُقتل ردة ويُعامل معاملة المرتد من عدم غسله وتكفينه وترك الصلاة عليه وغيرها من أحكام الردّة ، وفي الحالة الثانية ـ حالة الكسل المحض ـ يُقتل حداً ويعامل معاملة المسلم من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وغير ذلك من أحكام المسلمين. والخلاف في هذه المسألة ـ مسألة قتل تارك الصلاة ـ أضعف من الخلاف في المسألة السابقه وذلك لأن كل من قال بكفر تارك الصلاة الكفر الأكبر قال بقتله ، والجماهير من قالوا بعدم كفره الكفر الأكبر قالوا بأنه يُقتل حداً ولم يخالفهم إلا الإمام أبوحنيفه والإمام الثوري وجماعة من علماء الكوفة والمزني من أصحاب الشافعي فقالوا لا يُقتل بل يعزر ويحبس حتى يُصلي، ومن الأدلة على وجوب قتل تارك الصلاة على كل حال :

[  الدليل الأول ] : قوله تعالى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ التـوبة  : 5 ] ، قال ابن قدامة " فأباح قتلهم وشرط في تخلية سبيلهم التوبة وهي الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فمن ترك الصلاة متعمداً لم يأت بشرط تخليته فبقي على وجوب القتل " [ المغنـــي حـ2/156 ] أهــ ،

[  الدليل الثاني ] : قوله صلى الله عليه وسلم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل )) [ متفق عليه ] . قال الشوكاني "  الحديث يدل على أنّ من أخلّ بواحدة منها فهو حلال الدم والمال إذا لم يتب " [ نيل الأوطار حـ1/288 ] أهــ  ،

[  الدليل الثالث ] : ما أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال : لمّا توفى رسول الله  صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فقال عمر يا أبابكر كيف نقاتل العرب ؟ فقال أبوبكر إنما قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة )) . قال الشوكاني " الحديث أخرجه أيضاً البيهقي في السنن … ثم قال : والحديث يدل على ما دلّ عليه الذي  قبله من أنّ المخل بواحدة من هذه الخصال حلال الدم مباح المال " [ نيل الأوطار حـ1/288 - 289 ] أهــ ،

[  الدليل الرابع ] : ما أخرجه البخاري ومسلم ( عن أبي سعيد الخدري قال بعث عليٌّ عليه السلام وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة فقال رجل يا رسول الله اتق الله ، فقال ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ فقال لا لعله أن يكون يصلي ، فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ) .قال الشوكاني  قوله صلى الله عليه وسلم ( لعله أن يكون يصلي ) فيه أنّ الصلاة موجبة لحقن الدم ولكن مع بقية الأمور المذكورة في الأحاديث الآخرة [ نيل الأوطار حـ1/289 ] أهــ ،

[  الدليل الخامس ] : ما أخرجه مالك في الموطأ والشافعي في مسنده وأحمد في مسنده " عن عبيدالله بن عدي بن الخيار أن رجلاً من الأنصار حدثه : (( أنه أتى رسول الله   صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس يساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أليس يشهد أن لا إله إلاّ الله ؟ قال الأنصاري بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال أليس يشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال بلى ولا شهادة له ، قال أليس يُصلي ؟ قال بلى ولا صلاة له ، قال أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم )) ، (  قلت )  الحديث أورده صاحب الأخبار في باب قتل تارك الصلاة وقال شارحـه الشوكاني " فيه دلالة على أن الواجب المعاملة للناس بما يُعرف من ظواهر أحواهم من دون تفتيش وتنقيش فإن ذلك مما لم يتعبدنا الله به ولذلك قال إني لم أومر أن انقب عـن قلـوب النـاس" [ نيل الأوطار حـ1/291 ] أهــ ومنطوق الحديث النهي عن قتل المصلين ومفهومه أنّ المانع من قتله هو الصلاة ومفهوم المخالفة أنه لو كان تاركاً للصلاة لجاز قتله وإلاّ فما فائدة معنى قوله   صلى الله عليه وسلم (( أليس يصلى … أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم )) .وبعد : فالأدلة على قتل تارك الصلاة كثيرة قال جماهير السلف والأئمـة حتى قال الشوكـاني    (( ذهبت العترة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل يفسق فإن تاب وإلاّ قتلناه حداً كالزاني المحصن ولكنه يُقتل بالسيف )) أهــ [ نيل الأوطار حـ1/291 ] ، وقال وهو يؤيد هذا القول ـ في حكم تارك الصلاة تكاسلاً ـ ويُبين أنه القول الحق بشقيه ، الشق الأول أنه كفر دون كفر ، والشق الثاني أنه يُقتل ، والحق أنه كافر يقتل أما كفره فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمي تارك الصلاة بذلك الاسم وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة فتركها مقتض لجواز الإطلاق ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفراً فلا ملجأ إلى التأويلات التي وقع النـاس في مضيقها وأما أنه يقتل فلأن حديث (( أمرت أن أقاتل الناس )) يقضي بوجوب القتـل لاستلازام المقاتلة له وكذلك سائر الأدلة المذكورة في الباب الأول ولا أوضح من دلالتها على المطلوب وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال   { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ..} [ التوبة : 5 ]   فلا يخلى من لم يقم الصلاة . وفي صحيح مسلم (( سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ عنقه ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقالوا ألا نقاتلهم قال لا ماصلوا )) فجعل الصلاة هي المانعة من مقاتلة أمراء الجور وكذلك قوله لخالد في الحديث السابق [ لعله يصلي ] فجعل المانع من القتل نفس الصلاة . وحديث { لا يحل دم امرئ مسلم } لا يعارض مفهومه المنطوقات الصحيحة الصريحه [ نيل الأوطار حـ1/292 ] أهــ  ،  (قلت)  : وقوله ( لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة ) هو بعينه الكفر في إطار الملة ـ كفر دون كفر ـ كما عرّفه العلماء وبه يزول إشكال حكم تارك الصلاة . وقال النووي : " ومن وجبت عليه الصلاة وامتنع من فعلها فإن كان جاحداً لوجوبها فهو كافر ويجب قتله بالردة لأنه كذب الله تعالى في خبره وإن تركها وهو معتقد لوجوبها وجب عليه القتل وقال المزني يضرب ولا يقتل والدليل على أنه يقتل قوله  صلى الله عليه وسلم (( نهيت عن قتل المصلين )) ولأنه إحدى دعائم الإسلام لا تدخله النيابة بنفس ولا مال فقتل بتركها كالشهادتين " أهــ [ المجموع شرح المهذب حـ3/1 ] ،

***

 

[ تحقيق مذهب الإمام أحمد بن حنبل في مسألة ترك الصلاة تكاسلاً ]

 

المعلوم لكل أهل العلم أنّ للإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة تكاسلاً وهو مقر بها معتقد لوجوبها قولان :الأول : أنه كفر أكبر مخرج من الملة ، والثاني : أنه كفر دون كفر وفي إطار الملة ، وبعض الحنابلة المعاصرين يذكر عنه الرواية الأولى ويغض الطرف عن الرواية الثانية حتى إنك لتشعر من كلامهم أنه ليست له إلاّ هذه الرواية ، وهذا خطأ كبير في حق الإمام أحمد إذ أننى مع تتبعى لفتاواه علمت يقيناً أنّ الرواية الثانية الموافقة لدلالات النصوص وأقوال جمهور أهل الفقه والأئمة الثلاثة أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة هي الرواية الصحيحة في المذهب وهي الرواية المعتمدة في المذهب الحنبلي وعليها أكثر أصحابه المتقدمين وغالب الأئمة المحققين داخل المذهب. وإليك أخي الكريم الأدلة على ما ذهبت إليه : 

 

أولاً : عرض الخلاف داخل المذهب وقوة الروايتين فيه :  (1) قال ابن قدامة : " واختلفت الرواية ـ أي عن الإمام أحمد ـ هل يُقتل لكفره أو حداً فروى أنه يُقتل لكفره كالمرتد فلا يغسل ولا يكفن ولا يدفن بين المسلمين ولا يرثه أحد ولا يرث أحداً إختارها أبو إسحق بن شاقلا وابن حامد ،  والرواية الثانية يُقتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن ، وهذا اختيار أبى عبدالله بن بطة وأنكر قول من قال : أنه يكفر وذكر أنّ المذهب ـ أي الحنبلي ـ على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه .. وهو أصوب القولين والله أعلم " [ المغني حـ2/157 - 158 ] أهــ ، ( قلت ) ابن قدامة هو المقدم في المذهب الحنبلي وقد أعطاه الحنابلة حق الترجيح داخل الروايات ، وهو يذكر الروايتين وينقل عن ابن بطة أنّ كفر تارك الصلاة في إطار الملة وصاحبه يُقتل حداً ويعامل معاملة المسلم وأن هذا هو المذهب لا يجد في المذهب الحنبلي خلافاً فيه وهو بالتالي يلغي الرواية الأولى تماماً ، وأمّا ابن قدامة فهو يعتبر وجود الروايتين ويرجح الثانية التي أعتبرها ابن بطة الرواية الصحيحة الوحيدة في المذهب ،  (2) وهذا الذي رجحه ابن قدامة هو نفسه ما قاله الشيخ علاء الديـن المـرداوي في كتابـه ( الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجّل أحمد بن حنبـل ) قال المرداوي " ولو ترك صلوات كثيرة قبل الدُعاء [ الداعي له هو الإمام أو نائب الإمام يدعوه إلى الصلاة ويستتيبه من أجل أدائها ] لم يجب قتله ولا يكفر على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم " [ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد حـ1/402 ] أهــ ، ( قلت ) فالشيخ علاء الدين المرداوي يذكر أنّ عدم كفره الكفر الأكبر هو الصحيح من المذهب الحنبلي وأنّ عليه جماهير أصحاب الإمام أحمد وهو الذي  قطع به كثير منهم ، والقطع معناه أنه لا يوجد في المذهب رواية صحيحة معتمدة للفتوى غيرها  ،

 

ثانياً : أقوال الإمام أحمد الدالة على أنه يرى عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر المخرج من الملة :  ( 1 ) روى الخلاّل في كتابه السنّة :أخبرنـا محمد بن على قال حدثنا صالح قال سألت أبي [ أي الإمام أحمد ] مـا زيادته ونقصانه [ أي الإيمان ] قال { أي الإمام أحمد } زيادته العمل ونقصانه ترك العمل مثل ترك الصلاة والزكاة والحج وأداء الفرائض فهذا يزيد وينقص بالعمل  [ السنّة للخلاّل حـ3/588 ] أهــ  ،  (2) وجاء في طبقات الحنابلة : قال الإمام أحمد في وصيته لتلميذه الحافظ مُسدَّد بن مُسرهد  " ولا يخرج الرجل من الإسلام شيء إلاّ الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحداً بهـا فـإن تركهـا كسـلاً أو تهاونـاً كـان في مشيئـة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه "  [ طبقات الحنابلة حـ1/343 ] أهــ، ( قلت) تدبر هذه الرواية التي تساوى في قدرها أطنان من الذهب الخالص يكفي في معرفة رأي الإمام أحمد في المسألة ولا أزيد على كلامه شيئاً فهو واضح وضوحاً دونه الشمس في رابعة النهار ،  (3) الإمام أحمد يرى وجوب القضاء على تارك الصلاة تكاسلاً ولو كان كافراً مرتداً لم يكن عليه قضاء وهذه المسألة فريدة ولعل من أوائل من تنبه لها ابن قدامة المقدسي حيث قال " ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أنّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام " [ المغني لابن قدامة حـ2/158 ] أهــ ، وجـاء في فتاوى إبن تيمية ـ وقد سئـل عن تارك الصلاة تكاسلاً هل يجب عليه القضاء ـ قال رحمه الله " وأمّا من كان عالماً بوجوبها وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها فهذا يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة " [ مجموع الفتاوى حـ22/103 ] أهـ (قلت) : فالأئمة الأربعة متفقون على وجوب القضاء لتارك الصلاة تكاسلاً وهو مقر بها معتقد لها وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أنّ الأئمة الأربعة عند التحقيق يرون كفر تارك الصلاة في إطار الملة وليس خارجها حتى ينقض أصل إيمانه بجحود ما أدخله فيه ، (4) وقاصمة الظهر للمتعجلين في تكفير أهل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ـ كفر الردّة الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين ـ بمجرد ترك الأعمال وإلصاق ذلك بمذهب الإمام أحمد بن حنبل هي هذه المسألة من مسائل عبدالله بن أحمد لأبيه الإمام أحمـد وجواب الإمام أحمد عليها ، ثم تعليق الألباني على هذه المسألة ، [ أولاً ] : ما جاء في مسائل عبدالله بن الإمام أحمد قال عبدالله بن الإمام أحمد " سألت أبى عن رجل فرّط في صلوات شهرين ؟ فقال : يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات ، فلا يزال يُصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرّط فيها ، فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها ولا يضيّع مرتين ، ثم يعود فيصلي أيضاً حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها إلاّ إن كان كَثُرَ عليه ويكون ممن يطلب المعاش ولا يقوى أن يأتي بها ، فإنه يصلى حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يُقيمه من معاشه ثم يعود إلى الصلاة ، ولا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها فهو يُعيدها أيضاً إذا ذكرها وهو في صلاة " [ مسائل عبدالله بن الإمام أحمد بن حنبل ص56/195 نقلاً عن تارك الصلاة للألباني ] أهــ ، [ ثانياً ] : تعليق الألباني على هذه المسألة وهو تعليق قد امتلأ فقها قال ـ رحمه الله ـ فانظر أيها القارئ الكريم هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلاّ ما يدل على ماسبق تحقيقه أنّ المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك الصلاة ، بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش ، وهذا عندي يدل على شيئين : ( أحدهمـا ) : وهو ما سبق وهو أنه يبقى على إسلامه ولو لم تبرأ منه ذمته بقضاء كل ما غلب عليه من الفوائت ، ( والآخر ) : أن حكم القضاء دون حكم الأداء ، لأنني لا أعتقد أنّ الإمام أحمد ، بل ولا من هو دونه في العلم يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش. والله سبحانه وتعالى أعلم ، واعلم أخي المسلم أنّ هذه الرواية عن الإمام أحمد وما في معناها هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولاً ، ولخصوص الإمام أحمد ثانياً لقوله رحمه الله ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) وبخاصةً أنّ الأقوال الآخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جداً ، كما تراها في ( الإنصاف )[ 1/327 - 328 ] وغيره من الكتب المعتمدة. ومع اضطرابها فليس في شيء منها التصريح بأنّ المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة. وإذ الأمر كذلك فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيّدة والمبيّنة لمراده رحمه الله ، وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبدالله ولوّ فرضنا أنّ هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك وجب تركها والتمسـك بالروايـات الأخرى لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرّة ، وبهذا صرّح كثير من علماء الحنابلة المحققين كابن قدامة المقدسي ... ونص كلام ابن قدامة :    " وإن ترك شيئاً من العبادات الخمسه تهاوناً لم يكفر "  وكذا في كتابه ( المقن )ونحوه في ( المغني )[ 2/298 - 302 ] في بحث طويل له ذكر الخلاف فيه وأدلة كلٍ ثم انتهى إلى هذا الذي في ( المقنع ) وهو الحق الذي لا ريب فيه ، وعليه مؤلفا الشرح الكبير والإنصاف " أهــ  [ حكم تارك الصلاة للألبانى ص57 - 59 ط.دار الجلالين ] ،

( فائدة ) قد علمنا الراجح الصحيح من مذهب الإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة ، ولكن ما السبب في وجود الروايتين في المذهب ؟ ولعل سبب هذا هو ما أورده تاج الدين السبكى في كتابه طبقات الشافعية عن مناظرة حدثت بين الإمام الشافعي والإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة :قال السبكي " حُكى أنّ أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة ، فقال له الشافعي يا أحمد أتقول إنه يكفر ؟  قال : نعم قال : إن كان كافراً فبم يُسلم ؟  قال : يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله قال : فالرجل مستديم لهذا الرأي لم يتركه قال : يُسلم بأن يُصلي قال : صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع الإمام أحمد وسكت "[ طبقات الشافعية الكبرى حـ1/220 ] أهــ  ، ( قلت)  هذه الحكاية عن مناظرة الإمام الشافعي والإمام أحمد في حكم تارك الصلاة تكاسلاً ، لا يبعد عندي صحتها ، وذلك لأنه معلوم يقيناً لأهل العلم أنّ الإمام أحمد هو تلميذ الإمام الشافعي ، ولولا الشافعي لما عرف أحمد الفقه ، وهو يعترف بهذا الفضل للشافعي. فقد نقل ابن عبدالبرّ في كتابه الانتقاء عن : (1) عبدالله بن الإمام أحمد قال : " قلت لأبي أي رجل كان الشافعي فإني أسمعك تكثر الدعاء له فقال يابني : كان الشافعي رحمه الله كالشمس للدُنيا وكالعافية للناس فانظر هل لهذين من خلف أو عوض"  ،   (2) صالح بن الإمام أحمد قال : " لقيني يحيى بن معين فقال أما يستحي أبوك مما يفعــل ؟ فقلت : وما يفعل ؟ قال : رأيته مع الشافعي ، والشافعي راكب وهو راجل آخذ بزمام دابتــه ، فقلـت لأبي ذلـك ، فقــال : إن لقيتــه فقـل : يقـول لـك أبي : إذا أردت أن تتفقه فتعال فخذ بركابه من الجانب الآخر " أهــ [ الانتقاء لابن عبدالبرّ ص73 ] ،  فلعل هذه المناظرة جعلت الإمـام أحمد يرجح القول الصواب في المسألة وهو كفر تارك الصلاة ولكن كفر في إطار الملة ، فكان ما نقل عنه إنما هو نقل للمذهب القديم قبل اكتمال أداة الفقه وجمع الأدلة واكتمال الرأي في المسألة ، ولهذا نقلنا عن أئمة المذهب الحنبلي أن هذا هو القول الصحيح وهو الذي قال به عامة أصحاب الإمام أحمد وقطع به كثير منهم ورجحه أئمة المذهب العلماء الذين لهم حق الترجيح داخل المذهب كابن قدامة المقدسي رحمه الله . وعلى ذلك فالمترجح عندي أنّ رواية الإمام أحمد القائلة بكفر تارك الصلاة كفر ردّة كانت قبل مناظرة الشافعي وانتشرت عنه ، فلمّا ناظر الشافعي وتبين له أنّ الأصل هو الإقرار والاعتقاد وأنّ من أقر بالصلاة واعتقد وجوبها فقد أتى ببعض الواجب عليه فيها وهو اعتقادها والإقرار بها ولا يكون وهذه حالته تاركاً للصلاة بالكلية مثله مثل الجاحد التارك للصلاة بقلبه وجوارحه البتة ، وهذه الرواية هي التي رواها عنه ابن بطة وأنكر أن يكون في المذهب الحنبلي رواية غيرها ، وهي الرواية التي رجحها الأئمة الفحول في الفقه عامة وفي المذهب الحنبلي خاصة وعلى رأسهم ابن قدامة المقدسي ، وهي الرواية التي رجحها المرداوي في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وقال فيه : (( ولا يكفـر على الصحيـحمن المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم )) [ الإنصاف حـ1/402 ] أهــ فهي الرواية التي عليها جماهير أصحاب الإمام أحمد وقطع كثير منهم بصحتها واتباعها دون غيرها بل ولو رجعت إلى المقنع [ 1/385 ] والشرح الكبير عليه تجد أنه قول ابن قدامة المقدسي وشارح كتابه أبى الفرج المقدسي وكذلك المغني لابن قدامة [ 2/302 ] وقال في آخر المسألة وهو يرجح الرواية الموافقة لمذهب الأئمة الثلاثة { وهو أصوب القولين } وكذلك لو نظرت إلى منح الشفا الشافيات للبُهوتي ص103 تجد نفس الشيء ، فأئمة الحنابلة على ترجيح هذه الرواية ، وعلى ذلك فلك أن تعجب أشد العجب من بعض الحنابلة المعاصرين القائلين بتكفير تارك الصلاة دون تفصيل ، ومساواة الجاحد لها بالمقر والمعتقد لها ثم الطامة أنهم ينسبون ذلك إلى الإمام أحمد ويغضون الطرف عن الرواية الصحيحة عنه ، ولا أدرى لذلك علة سوى حرصهم الشديد على ترهيب الأمة من ترك الصلاة ، وهذا هو المحمل الحسن والظن الحسن الذي ينبغي أن نفهم سبب تمسكهم بهذه الرواية ، ولكن أحكام الفقه لا تؤخذ بهذه الطريقة لأن لها متعلق بحرمة الدم والعرض والمال ، والمرتد تُبنى على ردته أحكام جسيمة عظيمة لا يمكن أن يكون سببها بحـال الترهيـب من تـرك الصـلاة  بل الفقه هو الفقه وهو الإقرار بالأدلة والأحكام على حالها وتقريرها وفق أدلتها دون شطط ولا وكس ، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين . ومن هذا الباب نعلم لماذا رفعت الأمة ، بل ورفع الله عز وجل قبل الأمة مكانة الفقهاء الأربعة ، فهم الأئمة الأعلام أركان الفقه ، ولا يغني ذلك أن ننقص أحداً قدره ، فهل مثل البخاري أمير المؤمنين في الحديث ومثل مسلم في الحديث ، ولكن لكل عالم مجاله وتخصصه وتعجبنى في هذا المجال مقالة فقيه قال فيها { الفقهاء هم الأطباء والمحدثون هم الصيادلة } ومعلوم أنّ لكل واحد منهما تخصصه الذي لا ينبغي أن يُتخطى فيه ، ولكن يبقى الفضل الزائد لأهل الفقه لأنهم ما يتكلمون في الأحكام إلاّ عن أصول وقواعد تربط بين أحكام أدلة الكتاب والسنّة ولم يجعل الله عز وجل هذه المنة لكل أحد بل هي فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، فالفقه يحتم علينا أن نجمع بين الأدلة جميعها وأن لا نرجح دليلاً لمجرد الترهيب عن ترك الصلاة لأن هذا يفتح باباً من التكفير على الأمة قد لا تُسد أبوابه إلى يوم القيامة ويقع بين أهلها السيف والهرج والمرج بسبب فتنة تكفير يكفّر المسلم فيها أخاه. ولله در الغزالي حيث يقول " والذي ينبغي الاحتراز منه التكفير ما وجد إليه سبيلاً فإن استباحة دماء المسلمين المقّرين بالتوحيد خطأ ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد " [ نقله عن الحافظ في الفتح حـ12/300 ] أهـ ، وختاماً لهذا المبحث : فقد علمنا الرواية الصحيحة المعتمدة عن الإمام المبجّل أحمد بن حنبل في حكم تارك الصلاة . وهي الرواية التي عليها جماهير أصحابه وقطع كثير منهم بصحتها واتباعها دون غيرها ، وهي الرواية التي رجحها أعلام المذهب المحققون كابن قدامة المقدسي وغيره وهي الرواية الموافقة لأقوال الأئمة الثلاثه أبي حنيفة ومالك والشافعي فحول الفقه وأركان العلم ، وهي الرواية الموافقة لقول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء المحققين في مسائل العلم. وهي الرواية الصحيحة المتعين الأخذ بها لكونها تجمع بين كافة النصوص حتى لا تعارض بينها البتة. وهي الرواية الموافقة لأصول الاعتقاد بأن من أتى بالإقرار والاعتقاد وسلم عقده وقلبه من الجحد فهو مسلم له أصل الإيمان وحكمه وإن لم يعمل خيراً قط. وهي الرواية الموافقة لأصول الفقه وضوابطه وقواعده الربانية التي حبى الله عز وجل بها أئمة أهل السنّة الراسخين في العلم و الفقه والمقتدى بهم في دين الله عز وجل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالميــن ، وهـذا بحمد الله تعالى آخر مبحث القول الفصل في حكم تارك الصلاة على طريقة أهل الفقه وتفصيل الأحكام ، وفيه نصرة قول الجمهور الأعظم من المحدثين والفقهاء بأدلة الكتاب والسنّة ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

***

 

[  القاعـدة السابعـة   ]  :  تحقيق القول في مسألة كفر تولي الكافرين ، وبيان أنّه كفر أكبر للموالي على أساس الدين  ،  وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وكانت الموالاة على أساس الدنيا

 

( 1 ) شرع الإسلام شرع محكم يوافق بعضه بعضاً { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا }[ النساء : 82 ] ومن توافق هذا الشرع المحكم هو ما اتفق عليه الأئمة المحققون من علماء أهل السنّة والجماعة أنّ أصل الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه هو الإقرار والاعتقاد ، وأنّ عمل الجوارح خارج عن أصل الإيمان الفاصل بين الإيمان الأصل والكفر الأكبر داخل في الإيمان الواجب الفاصل بين الإيمان الواجب والكفر في إطار الملة . وعلى ذلك فمن أتى بالإقرار والاعتقاد للشرع وأحكامه ولم ينقضهما بناقض متعلق بهما فقد سلم عقده وقلبه وهو في منجى من الخلود الأبدي في النار مهما قصّر بـه عمله ، ومن أقر بالشرع واعتقده ثم قصّر به عمله فقد أخلّ بالإيمان الواجب الذي ضده الكفر في إطار الملة فلا يحكم بردته لأنه قد أتى بحسنة الاعتقاد والإقرار . ومع تطبيق هذه القاعدة الحكيمة التي حبى الله عز وجل بها فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسألة الموالاة والمعاداة نعلم يقيناً أنّ مناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة هو الموالاة الباطنة للكافرين على دينهم ، أمّا من وقع في موالاة ظاهرة وقلبه سليم وعقده سليم ولم يوال على الكفر ولا لأجله وإنما لحاجة أو شهوة أو هوى فاسد فهو كافر ولكنـه في إطـار الملـة . ومع عرض أدلة الموالاة من الكتاب والسنّة وأقوال الأئمة الفقهاء سنعلم يقيناً أنّه المناط الحكيم الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة ، وسار عليه الأئمة الأعلام أهل السنّة والجماعة المقتدى بهم في الدين ،

 

( 2 ) يطلق الولاء في الشرع على عدد من المعاني الشرعية : وجميعها يرجع إلى أصلها اللغوي وهو القرب والدُنّـو ، وأهم هذه المعاني ثلاثة هي النصـرة والمتابعـة بمعنى الطاعـة والمحبـة القلبيـة ومنهـا المـودة ، الأول : ولاء النصرة : وهو أظهر معاني الولاء في القرآن الكريم ومن ذلـك قوله تعالى { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ..} [ البقرة : 257 ] قال الخطابي : (( الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين )) [ لسان العرب لابن منظور حـ3/985 ]. وقوله تعالى{ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } [ التوبة : 51 ] قال القرطبي : (هو مولانا ) أي ناصرنا [ تفسير القرطبي حـ 8/161 ] وقوله تعالى{أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } [ يوسف : 101 ] قـال الطبـري : " أنت ولييّ " أي ناصـري [ مختصر تفسير الطبري ص273 ] وقوله تعالى{ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } [ الأعراف : 196 ] قـال الطبـري : "إنّ ولييّ الله " أي نصيـري وظهيري [ مختصر تفسير الطبري ص193 ] وعلى ذلك فأظهر معاني الولاء في القرآن هو النصرة ومن والى قومـاً فقـد تولاهـم ومنـه : قوله تعالى{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] فالنصـرة واجبـة بيـن المؤمنيـن والمؤمنات ، والمعنى الثاني : ولاء المتابعة والطاعة : ومنه وقوله تعالى{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ..} [ الأعراف :3 ]  والمعنى أنّ من اتبع ما أنزل الله فقد اتخذ الله تعالى ولياً ومنه قوله تعالى{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا } [ الأنعام : 14 ] . ومن اتبع غير الله فقد اتخذ من دونه أولياء ، والمعنى الثالث : ولاء المحبة والمودة : ومنه قوله تعالى{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  }  [ التوبة : 23 - 24 ] ومن تدبّر الآية يتضح تعلق الولاء بالمحبة وأنّ المحبة نوع من الولاء ، ويجب صرف ولاء المحبة إلى الله ورسوله والجهاد في سبيله ، ومن كان ولاؤه لشيء من أمور الدُنيا أشدّ من ولائه لله ورسوله ونصرة دينه فليتربص خذلانا من الله تعالى ، والله لا يهدي القوم الفاسقين . ومنه قوله تعالى{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  } الآية [ الممتحنة : 1 ] فالمودة ولاء وصرف ولاء المودة واجب لله ولرسوله والمؤمنين ومحرّم صرفه إلى الكافرين ، ( قلت ) وكل معنى شرعي للولاء يجب صرفها لله ورسوله ولدينه وللمؤمنين كما جاء في قوله تعالى{ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ }[ المائدة : 56 ] ، وكما أوجبها المولى سبحانه في حق الله ورسوله ودينه والمؤمنين فقد أوجب ضدها في حق الكافرين وتتمثل في عدائهم وجهادهم : ( أشداء على الكفار  (، {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً } [ التوبة : 123 ]، { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ }[ البقرة : 193 ]  ، { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التوبة : 29 ] .ويتمثل كذلك في بغضهم وإظهار الكراهية لكفرهم {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ .. } [ المجادلة : 22 ] ، قد جعل المولى سبحانه لنا القدوة في الأنبياء في إظهار العداء والبراء لهم ومنه قوله تعالى : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.. }[ الممتحنة : 4 ]. وقوله تعالى{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[ التحريم : 9 ] وحرّم المولى جل شأنه على المسلمين موالاة الكافرين وجعلها طريق عريض إلى الانسلاخ من ملة الإسلام إلى ملة الكفر . كما قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ المائدة : 51 ] . وقال تعالى { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ..} [ آل عمران : 28 ] . فالتحذير الرباني من موالاة الكافرين شديد تلحظه في قوله تعـالى { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ..} [ المائدة : 51 ] وقوله تعالى{ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ }[ أل عمران : 3 ] وقوله تعالى{ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } [ الممتحنة : 1 ]. ولهذا قال الشوكاني رحمه الله : "من يتولهم منكم فإنه منهم" أي فإنه من جملتهم وفي عدادهم وهذا وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي بلغت إلى الله غاية ليس وراءها غاية [ مختصر تفسير الطبري ص193 ] .

 

( 3 ) فقه أحكام الولاء والبراء : قد تقدم أنّ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات ، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة . ومع ذلك فالمفرّط فيهما مثله تماماً مثل تارك الحكم بما أنزل الله وتارك الصلاة وتسري عليه قواعد الشريعة الضابطة للمسألتين اللتين سبقتاه ، وينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة ، وهو الضابط الذي وضحناه وأصلناه في القواعد السابقة . فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة . وهذا هو الفقه الذي حبى به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن ، ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة : ( هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين ) ، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم . فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة . وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة وصاحب الكفر دون الكفر عموماً على خطر عظيم لقربه من هاوية الكفر الأكبر ، ومعاداة المؤمنين كذلك لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون معاداة قلبه متعلقة بإسلامهم وإيمانهم . فمن عادى المؤمنين على دُنيا أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فكفره في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر ومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر } . فالقتال هنا كفر ولكنه بإجمـاع أهل السنّة كفر في إطار الملة وإلاّ كفّر بعضنا بعضاً بالمعاصي والآثام ، وقد ثبت بنص القرآن أنّ المؤمنين يكون بينهم اقتتال وهم على اسم الإيمان وحكمه كما في قوله تعالى{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.. إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  } الآية [ الحجرات : 9 - 10 ] ، وعلى ذلك فمناط التكفير في مسألة الموالاة والمعاداة : هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمن ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام . فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست بالردّة ، وليس هذا تهويناً من شأن الموالاة والمعاداة ، فشأنها عظيم ويكفي أنّ ما كان منها ظاهراً فهو ( كفر ) في إطار الملة وليس بالأمر الهين لفظ الكفر ولا بالأمر السهل أن يوصف المرء بالكفر في إطار الملة فهو أشد وأخطر من الكبائر عامة ، والمحرمات كافة لأنه قريب من الكفر الأكبر وصاحبه على خطر عظيم إن لم تتداركه رحمة الله بالتثبيت ، وكما أنه ليس تهويناً من شأن الولاء والبراء ركن الدين الركيز ، فهو كذلك انضباط بضوابط أهل الحق  [ أهل السنّة والجماعة الناجية ] في مسائل الإيمان والكفر ، فلا يكفّرون إلاّ من يستحق الكفر بضوابطه الرصينة ، ولا يسوون بين الجاحد المنكر والمقر المعتقد فيكفّرون كليهما بالعمل الظاهر دون التثبت من سلامة العقد والقلب ، وهذه من حِكمَ الشريعة الباهرة التي خصّ الله تعالى بها أهل الفقه في الدين والإمامة فيه [ أهل السنّة والجماعة ] ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين على معتقد هؤلاء ومنهاجهم ، والحمد لله الذي بنعمته يرفع أهل العلم درجات وأهل الفقه في الدين هم سادة العلماء ، ( قلت ) ما سبق تقرير موجز لفقه أحكام أهل السنّة والجماعة في مسائل الـولاء والبراء وإليك الأدلة عليها بنوع من التفصيل والله المستعـان :  ( الدليل الأول ) : قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ الممتحنة : 1 - 3 ] ، ( قلت ) اتفق أهل العلم بالتفسير وبالحديث على أنّ سبب نزول هذه الآيات هو قصة الصحابي الجليل حاطب رضي الله عنه وما كان من موالاته للمشركين في مكة . وقد أخرج هذه القصة ورواياتها المتعددة أهل العلم بالحديث الأئمة البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه وأبي داود والترمذي والنسائي في سننهم والإمـام أحمـد في مسنـده ، ولا يختلـف أحد من أهل العلم أنّ هذه الآيات نزلت بسبب قصة حاطب رضي الله عنـه . والإلمام بهذه القصة ورواياتها المتعددة والتي تدلنا في مجموعها على أنّ الموالاة التي تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر هي الموالاة الظاهرة دون الباطنة ، فهي وإن كانت خطيرة وعظيمة وفي إطار الكفر إلاّ أنها كفر في إطار الملة ، ولا تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر المخرج من الملة ، وإلاّ لاستتاب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً من هذا الكفر بعدما أقسم له حاطب أنه مؤمن بالله ورسوله ، وأنه ما فعل ذلك ردة عن دينه ولكن مصانعة للمشركين لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد ، ولنـا هنــا وقفتــان : ( الأولى ) : أن النبي صلى الله عليه وسلم صدقه في قوله ولم يستتبه من الكفر ، فدلّ ذلك على أنّ الموالاة الظاهرة على الدُنيا ليست من قبيل الكفر الأكبر ، وإنما هي من باب الكفر في إطار الملة ، ومعلوم أنّ كل كفر أو ذنب في إطار الملة لا يحتاج إلى استتابة من الكفر ، إذ الاستتابة على الكفر إنما هي تتعلق بالكفر الأكبر دون الأصغر ، ( الثانية ) : وهي مؤكدة للأولى فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر لأهل بدر ، والله عز وجل لا يغفر أن يُشرك به ، ومن المعلوم أنّ الآية تتعلق بالكفر الأكبر ، وعليه أجمع العلماء ، وعلى ذلك فأهل بدر عصمهم الله عز وجل من الكفر الأكبر ، ولمّا كان حاطب بدريا فهو بعيد عن الكفر الأكبر ، ولمّا كان النبي  صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالتوبة من هذا الذنب ولم يوضح ما يدل على أنه ردّة مُخرج من الملة ويحتاج إلى تجديد إسلامه ، دلّ ذلك كله على أنّ ما فعله حاطب ليس من إطار الكفر الأكبر ، فالموالاة الظاهرة والتي وقع فيها حاطب رضي الله عنه ليست مخرجة من الملة بالكلية ، بل هي في إطار الملة ولهذا أقال النبي صلى الله عليه وسلم عثرته وأخبر بفضل أهل بدر وهو منهم ، ولو تدبرنا قول حاطب رضي الله عنه (( والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله ورسوله (( نعلم أنه يؤكد أنها موالاة ظاهرة لا تتعدى ذلك إلى القلب لأن القلب مؤمن بالله ورسوله وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وأمر المسلمين أن لا يقولوا له إلاّ خيراً ، بمعنى لا يتهموه بكفر ولا نفاق . فاعتذار حاطب لدرء الكفر الأكبر هو اقتصار الموالاة على الظاهر دون الباطن ، والرسول  صلى الله عليه وسلم يقبل بهذا الاعتذار لدرء الكفر الأكبر ويُبين لنا أن الرحمن بفضله ورحمته غفر لأهل بدر ذنوبهم فقد أعلمه الله تعالى أن الله غفر له ذلته العظيمة بما تقدم من صالح عمله عندما شهد بدراً ، ولعل قائل يقول لعلّ الموالاة الظاهرة كفر أكبر والله عز وجل غفر لأهل بدر جميع ذنوبهم ولو كانت في إطار الكفر الأكبر ، ( قلت ) هذا خرق لإجماع علماء أهل السنّة أن الكفر الأكبر والشرك الأكبر لا يدخل تحت المشيئة بنص القرآن{  إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] وبإجماع أهل السنّة على أنّ الكفر الأكبر لا يدخل في إطار الملة . وقد يقال لعلّ الموالاة الظاهرة كفر أكبر وحاطب قد تاب منهما فتاب الله عليه والله يقبل توبة الكافر والمشرك متى تاب ، ( قلت )لو كانت الموالاة الظاهرة دون الباطنة كفر أكبر بذاتها لوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لحاطب لمّا اعتذر له بثبات الإيمان في قلبه وأنها مجرد موالاة ظاهرة ، وبيّن له أن هذا العـذر لا يُفيد لأن الموالاة ظاهرها وباطنها سواء ، وبيّن له ضرورة التوبة من الكفر الأكبر الذي وقع فيه ، فهل لنا أنّ نظن في النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة لاسيما والدواعي كلها تطلب ذلك والبيان ليس في أمر هين وإنما هو في أهم مسائل الدين [ الإيمان والكفر ] وإلاّ لكتم النبي   صلى الله عليه وسلم بعض العلم ومن ادعى ذلك كفر ، ولم يأتنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجلّ ذلك البيان ثم ذكره في موضع آخر . مما يدل يقيناً على أنّ الولاء قسمان ظاهر لأجل الدُنيا ، وباطن لأجل الدين ، فما كان منها من قبل الأول فهو كفر في إطار الملة ، وما كان منها من قبيل الثاني وإن لم تصاحبه موالاة ظاهرة فهو كفر وردّة عن دين الله ، فكيف إذا جمع له القسمان فذاك الكافر الـذي فيـه قولـه تعالى { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } [ المائدة : 51 ]. ومن تمت له الموالاة الظاهرة بمفردها لمداراة أو تقية فذاك الذي نزل فيه قول الله تعالى { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً  } [ آل عمران : 28 ] ،

***

 

قواعد مهمة لفقه مسائـل وأحكـام الإيمـان تمنع من الغلو في تكفير المسلمين - مجدي محمد علي

 

حوى هذا المبحث على تمهيد وتأصيل لثمانية قواعد متعلقة بمسائل الإيمان وهي :

( القاعدة الأولى ) :  الإيمان قول وعمل ،

( القاعدة الثانية ) : الإيمان أصل وفرع والأصل قول وعمل والفرع قول وعمل ،

( القاعدة الثالثة ) : المعرفة الصحيحة لعناصر أصل الإيمان والإحاطة بأحكام هذا الأصل من أهم وأدق الفقه في مسائل الإيمان وهي من أهم الفقه في باب أسماء الملة وأحكامها ،

( القاعدة الرابعة ) : عناصر أصل الإيمان في الشرع ثلاثة : قول القلب وعمل القلب وإقرار اللسان ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان ،

( القاعدة الخامسة ) : فقـه مسائـل وأحكام الإيمان الكامل ، الكمال المأمـور به ( الواجب ) والكمال المستحب ( المندوب ) ،

( القاعدة السادسة ) : فقه مسائل وأحكام الإيمان الواجب ،

( القاعدة السابعة ) : فقه مسائل وأحكام الإيمان الكامل المستحب ،

( القاعدة الثامنة ) : فقه المراتب الثلاثة للإيمان الشامل ( الإسلام -  الإيمان -  الإحسان )

***

 

[  تمهيد ضروري لفقه مسائل الإيمان  ]

 

( أولاً ) : التفريق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق ،

( ثانياً ) : التفريق بين أصل الإيمان وبين فرع الإيمان ،

( ثالثاً ) : بيان أقسام الإيمان الثلاثة : ( الأصل ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه و ( الواجب ) الذي أوجبه الله تعالى على عباده ، و ( المستحب ) الذي به كمال الإيمان ،

 

( أولا ) : من فقه أحكام ومسائل الإيمان التفريق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق : 

( الإيمان المطلق ) هو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً من غير عذاب ، و ( مطلق الإيمان ) وهو أدنى ما يصح به الإيمان وينجي فقط من الخلود الأبدي في النار  ، إذ هو لا يمنع من دخول النار  ، ولكن يمنع من الخلود في النار خلود الكافرين ، ( أ  ) كثيراً ما نجد القرآن الكريم ينفي عن مسلم ما -  يشهد الشهادتين -  صفة الإيمان ، وذلك كقوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الحجرات : 14 ] ، فهل نفي الإيمان هنا معناه نفي أصل الإيمان ( مطلق الإيمان ) وبالتالي وصف المنفي عنه الإيمان بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، أم معناه نفي الإيمان الواجب الذي معناه نزول العبد من مرتبة الإيمان إلى الإسلام وليس إلى الكفر الأكبر ، الآية دلت على نفي الإيمان ودلت على اثبات مسمى الإسلام ، وفقه الآية يوجب التفريق بين إيمانين ، الأول الإيمان المطلق ، وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً ، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها ، والمنفي عنه هذا الإيمان ( المطلق ) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ،  والثاني هو  ( مطلق الإيمان ) : وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار ،  ( ب ) وكذلك كثيراً ما نجد القرآن الكريم  يفصل بين الإيمان والعمل وذلك بعطف العمل على الإيمان مع أن العمل من الإيمان ، وقد تكرر كثيرا في القرآن الكريم قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، وإذا كان الإيمان يشمل العمل فإن التفريق في الآيات بين الإيمان والعمل يوجب التفريق بين إيمانين ، أصل وفرع ، أصل لا يصح الإيمان بغيره ، وفرع يضاف إليه فيزيده ، وقد فهم فقهاء أهل السنّة والجماعة من هذا الفصل أن المقصود بالإيمان الأصل المقتضي للعمل ، وفي ذلك يقول البيهقي " قوله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لا يدل على أن عمل الصالحات ليس بإيمان ، وإنما معناه أن الذين آمنوا مثل الإيمان الناقل عن الكفر ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل ، أو نقول : إن المراد ( بالذين آمنوا ) الإيمان بالله ( وبعمل الصالحات ) الإيمان لله والإيمانان متغايران على ما بينا فلذلك سميا باسمين [ شعب الإيمان للبيهقي ج 1/ 49 ط . درا الكتب العلمية ] أهـ ،  ( ت ) وكذلك كثيراً ما نجد نفي الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان عن أشخاص مسلمين ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )) [ أخرجه مسلم ] ، فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق ، ولا يسلب مطلق الإيمان ، ولذلك كان من فقه أحكام ومسائل الإيمان على مذهب أهل السنّة والجماعة تقسيم الإيمان إلى ( إيمان مطلق ) و( مطلق الإيمان ) والتفريق بينهما : ( ث  ) المصطلح الأول ( الإيمان المطلق ) : وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً ، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها ، والمنفي عنه هذا الإيمان ( المطلق ) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ،  وعلماء أهل السنة يعبرون عن الإيمان المطلق بعدة مصطلحات قد وردت في بيانهم لأقسام الإيمان ، من ذلك فرع الإيمان و الإيمان الواجب و الإيمان الكامل الكمال المأمور به ، وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً ( الإيمان الواجب ) ، والمصطلح الثاني ( مطلق الإيمان ) : وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، وليس بعده إلا الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار،  وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً ( أصل الإيمان ) أو ( الحد الأدنى من الإيمان ) ، ( ج  ) وأجمع علماء أهل السنّة والجماعة على أنّ العاصي والفاسق من أهل القبلة لا ينفي عنه مطلق الإيمان بعصيانه وفسوقه ولا يوصف بالإيمان المطلق ، ولكن هو مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم ، ( ح  ) الإيمان المطلق يدخل صاحبه في مثل قوله تعالى ( والله ولي المؤمنين ) و قوله ( قد أفلح المؤمنون ) وقـوله ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) وقوله ( أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )  فالإيمان المطلق يستحق أهله به الثواب بلا عقاب ، ومطلق الإيمان يدخــل صاحبه في قوله تعالى ( فتحرير رقبة مؤمنة ) وفي قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) وفي قوله ( لا يقتل مؤمن بكافر ) وأمثال ذلك مما يثبت مجرد الإيمان وإن استحق أهله الوعيد بالعقاب ، (  خ  ) قد ينف الإيمان المطلق عن قوم مسلمين لهم مطلق الإيمان كما في قوله تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } إلى قوله تعالى { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } فالأعراب مسلمون جفاة نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاءً لا نفاقاً وكفراً أمرهم الله تعالى بحسن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ووعدهم خيرا إن أطاعوا الله والرسول :{ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم } ، ومثاله من السنة نفى النبي صلى الله عليه وسلم " الإيمان المطلق " عن الزاني وشارب الخمر والسارق وإن لم ينف عنه " مطلق الإيمان " في قوله ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق ، ولا يسلب مطلق الإيمان ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( من غشنا فليس منا ومن حمل السلاح علينا فليس منا ) فهذا كله نفي للإيمان المطلق وليس نفيا لمطلق الإيمان ، وصاحب ( مطلق الإيمان )  يصح أن يقال : هو  مؤمن باعتبار ما أتى به من أصل الإيمان ، ويصح أن يقال ليس مؤمناً باعتبار تفريطه في الإيمان الواجب ،  (  د  ) من أجل فوائد التفريق بين الإيمانين الإيمان المطلق و مطلق الإيمان : أنّه إذا نفى الشرع الإيمان عن أحد فهل المقصود به كفره الكفر الأكبر المخرج من الإسلام أم المقصود به الكفر دون كفر والفسوق والعصيان ، فتجري عليه أحكام المسلمين ، ومعرفة هذا من الفقه الراسخ في دين الله تعالى ، ،

(  ثانياً )  : من فقه أحكام ومسائل الإيمان التفريق بين أصل الإيمان وبين فرع الإيمان

( أ ) من فقه أحكام ومسائل الإيمان عند علماء أهل السنّة والجماعة ، تقسيم الإيمان إلى أصل وفرع ، وأصل الإيمان هو أقل ما يصح به الإيمان وفرع الإيمان يدخل فيه كافة شعب الإيمان وكافة شرائع الدين ، ثم تقسيم فرع الإيمان إلى فرع واجب يتناول أداء الواجبات والكف عن المحرمات وهو ما يسمى ( الإيمان الواجب ) وفرع مستحب يتناول ما زاد على الواجب من السنن والمندوبات ، وهو ما يسمى ( الإيمان المستحب ومنزلة الإحسان ) ، ( ب  ) معرفـة وتحديد أدنى الإيمـان ( أصل الإيمان ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه ، هو أهم علوم الإيمان ، ولما كان علم الإيمان هو علم الفقه الأكبر في الدين ، صار ( أصل الإيمان ) هو  أصل الفقه في الدين كله ، وهو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ، وهو الذي يأخذ المرء به اسم الإيمان وحكمه ، ومن خلاله يتم ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً ، وبالتالي متى مُيز الأصل عن الواجب انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا ، وإذا تميز الأصل عن الواجب استطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها وعدم الخطأ في هذه المسائل دون تمييز بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل ، ودون تمييز واضح بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية ، ( ت ) من الفوائد العظيمة لتحديد أصل الإيمان ومعرفة عناصره وتمييزها عن عناصر الإيمان الواجب وعناصر الإيمان المستحب الكامل ، هو إعطاء كل عنصر من عناصر الإيمان حقه الشرعي اللازم له فعنصر يدخل في أصل الإيمان ليس كعنصر يدخل في الإيمان الواجب وهذا ليس كعنصر يدخل في الإيمان المستحب ، فأهم عناصر الإيمان ما دخل في الأصل لأن نقصه يعني الكفر الأكبر ويليه ما دخل في الواجب لأن نقصه يعني الكفر دون الكفر أو الفسوق واستحقاق الوعيد بالنار ،   وهذا الأصل والإحاطة بأحكامه وتحديد عناصره من أهم  الفقه في مسائل الإيمان لكون صاحبه له في الدنيا اسم الإسلام وحكمه ولا يخلد في الآخرة في النار خلود الجاحدين ،  ويليه ما دخل في الإيمان المستحب لأن نقصه يعني نقص الدرجة والمنزلة دون الدخول في إطار الوعيد بالنار ،  وليس مقصود فقهاء وعلماء أهل السنة والجماعة الراسخون في ا لعلم والفقه والدين بهذا الفصل بين أصل الإيمان وواجبه ومستحبه الاستهانة ببعض عناصر الإيمان -  حاشا لله – بل هو الميزان الذي أنزل الله عز وجل به دينه وشرعه وملته الحنيفية السمحة

(  ثالثا ) : بيان أقسام الإيمان الثلاثة  : 

( الأصل ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه ، و ( الواجب ) الذي أوجبه الله تعالى على عباده ، و ( المستحب ) الذي به كمال الإيمان :  ( أ ) الإيمان المطلق يشتمل على ثلاثة أقسام  : القسم الأول : أصل الإيمان هو أقل ما يصح به الإيمان ، والقسم الثاني : هو الإيمان الواجب  المأمور به ، والقسم الثالث : وهو الإيمان المستحب المندوب إليه ، (   ) القسم الأول : وهو أصل الإيمان ومطلق الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار ،  والقسم الثاني  : وهو الإيمان الواجب المأمور به ، وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها ، وهذا الإيمان يسميه العلماء " الإيمان الواجب " وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها ، والقسم الثالث : وهو الإيمان المستحب ويكون بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه ، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل ، والإيمان المطلق الواجب هو الذي يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهي صاحبه لدخول الجنة ابتداء ، أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين ، وحدود الإيمان المطلق الواجب : أداء الفرائض والكف عن المحرمات والوقوف عند حدود الله دون تعد لها ، ودرجات الإيمان المطلق المستحب عديدة : تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات والتنزه عن الشبهات والمكروهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح ، ( ب ) ضد الإيمان الأصل : الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ومن أتى بأصل الإيمان وصح له هذا الأصل فهو في مأمن من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وضد الإيمان الواجب الكفر ولكن في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرب المتروك منه أو بعده عن الإيمان الأصل ، فالأقرب للإيمان الأصل كالصلاة فإن تركها كفر ولكن دون كفر ، وما كان بعيدا عن الأصل فإن ضده العصيان ، فإن تكرر كان ضده الفسوق ، وأياً كان المتروك من الإيمان الواجب ،  فلا يبلغ منه شيء أن يخرج من الملة بكفر أكبر حتى يأتي على أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد على وجه الإجمال حين الإجمال ، والتفصيل حين التفصيل ،

(  رابعاً )  :  أهم الفوائد التي أشار إليها التمهيد : 

أنّ من حقق أصل الإيمان ( مطلق الإيمان ) نجا من الكفر الأكبر ونجا من الخلود الأبدي في النار ، وإذا زاد العبد عن الأصل فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرّم عليه فقد حقق الإيمان الواجب واستحق اسم الإيمان المطلق ، وإذا مات العبد على الإيمان الواجب دخل الجنّة بلا عذاب ، وإن زاد العبد على الواجب بأداء المستحبات والنأي عن الشبهات واجتناب المكروهات فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب ، وأهل الإيمان الكامل المستحب متفاوتون في المنازل والدرجات تفاوتاً شديداً وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، و ( الإيمان ) إذا أطلق في نصوص الشرع فإنه يدخل فيه الإيمان الواجب والمستحب ، وإذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب دون الأصل أو المستحب ، وأنّ من قال من العلماء أن المنفي هو كمال الإيمان فالمراد به الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة ، وأنّ الإيمان بهذا التقسيم ثلاثة مراتب الظالم لنفسه وأدناه الوقوف على ( أصل الإيمان)  لأنه ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر ، ثم المقتصد ( الإيمان المطلق الواجب ) وصاحبه هو المؤدي للواجبات الكاف عن المحرمات ، ثم السابق بالخيرات بإذن الله وهو مرتبة ( الإيمان المطلق المستحب )  ويصدق ذلك قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ،

 

 

***

 

[  القاعدة الأولى : الإيمان قول وعمل ]

 

( 1 ) الإيمان في اللغة العربية لغة القرآن الكريم قول وعمل ، والإيمان في الشرع ( الكتاب والسنة ) قول وعمل ، وهناك عناصر أربعة تدخل جميعا في مسمى الإيمان الشرعي الذي جاء به كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهذه العناصر هي قول القلب وعمل القلب ، وقول اللسان وعمل الجوارح

( 2 ) الإيمان جاء في اللغة العربية على معاني التصديق و الإقرار والقبول والخضوع ، فالإيمان بمعنى التصديق ، وهو المعنى الأشهر والغالب على معنى الإيمان لا سيما إذا تعدى بالباء أو باللام ، كما جاء في القرآن الكريم {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين }[ سورة يوسف آية 17 ] ومعناه وما أنت بمصدق لنا ، ولما جاء في القرآن الكريم {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون }[ سورة الدخان آية 21 ] ومعناه هاهنا مأخوذ من التصديق وضده التكذيب ، ومنه قولهم : " وما أؤمن بشيء مما يقول " أي ما أصدق وما أثق بشيء مما يقول ، فإذا علمنا أن أكثر الألفاظ التي جاءت في القرآن الكريم جاءت متعدية بالباء أو متعدية باللام ، علمنا أن أكثر مقصود الإيمان في القرآن هو التصديق، والتصديق نفسه في اللغة يأتي على معنى تصديق القلب وتصديق اللسـان وتصديق الجوارح ومنه ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم   : (( العينان تزنيان وزناهما النظر ، والأذنان تزنيان وزناهما السمع ، واليد تزني وزناها البطش ، والرجل تزني وزناها المشي ، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه )) [ البخاري  الاستئذان باب زنى الجوارح دون الفرج الفتح ج11/26 ، ومسلم ج ( 2657 ) ] فدل الحديث على أن الأفعال تسمى تصديقا ،  والمعنى الثاني للإيمان -  في اللغة - مأخوذ من الإقرار والقبول والخضوع وغيره من أعمال القلوب . قال ابن منظور في لسان العرب : [ وحد الزجاج ( الإيمان ) فقال : الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة ولما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم واعتقاده وتصديقه بالقلب ] [ لسان العرب لابن منظور ج1/224 – 225 ] وقال الفيروز أبادى في القاموس المحيط : [ والإيمان الثقة وإظهار الخضوع وقبول الشريعة ][ ترتيب القاموس المحيط ج1/182 ، ( ط. عيسى الحلبي ) ] اهـ وقال الزبيدي في تاج العروس :[ قد يكون الإيمان إظهار الخضوع وأيضا قبول الشريعة وما أوتى به النبي صلى  الله عليه وسلم واعتقاده وتصديقه بالقلب ][ تاج العروس ج9/135 ]  اهـ .

( 3 ) الإيمان في الشرع ( الكتاب والسنة ) قول وعمل : فقد دلت آيات الكتاب الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة على أن الإيمان قول وعمل ، قـول القلب : ويشمل معرفة القلب بالشهادتين وعلمه بهما وتصديقه إياهما ، وعمل القلب :ويشمل كافة أعمال القلوب من الانقياد والخضوع والمحبة والخشية والإخلاص وغيرها من أعمال القلب ، وقول اللسان : ويدخل فيه الإقرار بالشهادتين وتـلاوة القـرآن وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من عبارات اللسان ، وعمل الجوارح : ويدخل فيه كافة أعمال الجوارح من أداء الفـرائض والمندوبات والكف عن المحرمات والمكروهات ،

( 4 ) من الأدلة على دخول قول القلب في الإيمان : قوله تعالى : {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [ الحجرات : 14 ] وقوله تعالى :{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 7 ] وقوله تعالى : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } [ النحل : 106 ]  وقوله تعالى : {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } [ المجادلة : 22 ] فهذه الآيات تدل على ما وقر في القلب من التصديق والعلم والمعرفة بالله ودينه الإسلام الذي لا يقبل من عباده دينا سواه .

( 5 ) ومن الأدلة على دخول عمل القلب في الإيمان : قوله تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }[ النساء : 65 ] وقوله تعالى : {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}[ البقرة : 165 ]وقوله تعالى : { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[ آل عمران : 171 ] وقوله تعالى :{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[ آل عمران 160 ] وقوله تعالى :{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}[ الأنفال : 2 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : (( التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات )) [ أخرجه مسلم ح ( 2564 ) ] وقوله صلى  الله عليه وسلم : (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب )) [ متفق عليه ] فالإذعان والانقياد والتسليم والرضا بحكـم الله ورسولـه صلى الله عليه وسلم و الخوف والخشية من الله والركون إليه والتوكل عليه وتعظيمه عز وجل في القلب و الإخلاص وجميع أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان ،

( 6 ) ومن الأدلة على دخول قول اللسان في الإيمان : قوله تعالى : {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ } [ البقرة : 136 ]وقوله تعالى : {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ . .} [ العنكبوت : 46 ]وقوله تعالى : {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }[ آل عمران : 64 ] وقوله صلى الله عليه وسلم  -  لوفد عبد القيس -  : (( أتدرون ما الإيمان ؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . . )) [ البخاري ج1/18 ، ومسلم بشرح النووي ج1/183 ] فدلّ الحديث على أن الشهادتين من الإيمان وداخلة في مسماه الشرعي وقوله صلى الله عليه وسلم : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله )) [ صحيح مسلم ، ك الإيمان ح ( 32 ) ].

( 7 ) ومن الأدلة على دخول عمل الجوارح في الإيمان : قوله تعالى : {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}[ السجدة : 15 ] . دلت الآية على أن السجود من الإيمان وهو عمل من أعمال الجوارح وقوله تعالى :{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ }   [ المائدة : 81 ] . دلت الآية على أن موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين من الإيمان ، والموالاة هي  إظهار النصرة والمتابعة وهي من أعمال الجوارح وقوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [ الأنفال : 2 - 3 ] .دلت الآية على دخول إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في مسمى الإيمان ، وأن كلاهما من الإيمان ، وهما من أعظم أعمال الجوارح وقـوله تعالى : {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [ البقرة : 134 ]  والإيمان هنا بمعنى الصلاة ، قال القرطبي : "اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس . . . فسمى  الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل " أهـ [ الجامع لأحكام القرآن ج 2/106 ] ، كما جاءت السنة النبوية الصحيحة بما يدل على دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان ومنه : قوله صلى الله عليه وسلم - لوفد عبد القيس -  : ( أتدرون ما الإيمان ؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن يعطوا من المغنم الخمس ) [ البخاري ج1 ص18 ، ومسلم بشرح النووي ج1/183 ] وقوله  صلى الله عليه وسلم : (( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان )) [ مسلم بشرح النووي ج2/3 ] دل الحديث على أن إماطة الأذى من شعب الإيمان وداخلة في مسماه الشرعي و قوله صلى الله عليه وسلم : (( ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) [ مسلم ح ( 50 ) ] فقد جمع الحديث عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجارحة ( اليد ) وجعل ذلك كله من مسمى الإيمان الشرعي ، والشاهد له قوله  صلى الله عليه وسلم  ( فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ) وقوله  صلى الله عليه وسلم (( فمن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ) وقوله صلى الله عليه وسلم (( فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن )) ، وبـعــد :  فهذه هي الأدلة البينة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الدالة على أن الإيمان قـول وعمـل  (( قول القلب وعمل القلب ، وقول اللسان وعمل الجوارح )). وأن هذه العناصر الأربعة داخلة جميعا في مسمى الإيمان الشرعي الذي جاء به كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

***

 

[   القاعدة الثانية  ]  :  الإيمان أصل وفرع  ، وأصل الإيمان هو أقل ما يصح به الإيمان وهو قول وعمل ، وفرع الإيمان يدخل فيه كافة شعب الإيمان وهو قول وعمل 

 

( 1 ) فقه الإيمان على هدي الكتاب والسنة يجعلنا : ( أ ) نقسم الإيمان إلى ( إيمان مطلق ) و( مطلق الإيمان ) ونعرف الفارق الهام بينهما ، ويجعلنا نقسم الإيمان إلى (أصل) يمثل أقل الإيمان الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه وإلى (فرع) يمثل ما زاد عن الأصل ويحوي كافة شرائع الإيمان ، ويجعلنا نقسم فرع الإيمان إلى فرع واجب يتناول أداء الواجبات والكف عن المحرمات وفرع مستحب يتناول ما زاد على الواجب من السنن والمندوبات ، ويجعلنا نوقن أن أدنى ما يصح به الإيمان (الأصل) قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل ، وأن العمل داخل في أصل الإيمان كما هو داخل في فرع الإيمان ، ( ب  ) الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يقسمون العمل إلى قسمين عمل القلب وهو القبول والانقياد القلبي والاذعان ، وعمل الجوارح من صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر العبادات والطاعات ، وأدخلوا القسم الأول ( عمل القلب ) في أصل الإيمان ، وأدخلوا القسم الثاني ( عمل الجوارح ) فيما زاد عن الأصل من الإيمان الواجب  والمستحب ،  وهذا الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يتميزون عن كافة الفرق الضالة في مسائل واحكام الإيمان سواء بالتفريط أو الافراط ، فهم تميزوا عن المرجئة المفرطة في مسائل الإيمان فأدخلوا العمل ( عمل القلب ) في أصل الإيمان ، لأنّ المرجئة لا يدخلون أي عمل في الإيمان الأصل ، وتميزوا عن الخوارج والمعتزلة الغالية في مسائل وأحكام الإيمان بإدخال عمل الجارحة في الأصل وبالتالى غالوا في تكفير المسلمين بغير حق ، ( ت  ) إن علماء أهل السنة والجماعة يقسمون الإيمان إلى شعب ومراتب ، واستدلوا على ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان)) فيقول الخطابي فيما نقله عنه النووي في شرحه لصحيح مسلم : " قول النبي صلى  الله عليه وسلم الايمان بضع وسبعون شعبة في هذا الحديث بيان أن الايمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء له أدنى وأعلى والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها والحقيقة تقتضى جميع شعبه وتستوفى جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضى جميع أجزائها وتستوفيها ويدل عليه قوله  صلى الله عليه وسلم  الحياء شعبة من الايمان وفيه اثبات التفاضل في الايمان وتباين المؤمنين في درجاته [ شرح النووي على صحيح مسلم ج1 / 145 ] ، فالإيمان شعب ومن شعبه ما يزول الإيمان بزوالها كالشهادتين ، ومنها ما لا يتم الإيمان إلا بها ولا يزول بزوالها ، فبذلك يكون الإيمان قسمين قسم هو ركن في الإيمان فلا يصح الإيمان إلا به وبزواله يزول الإيمان بالكلية وهو ما سماه علماء أهل السنة بمطلق الإيمان أو أصل الإيمان أو حد الإيمان الأدنى ، والقسم الثاني لا يتم الإيمان ولا يكمل إلا به ولكن لا يزول الإيمان بزواله وهو ما سموه بالإيمان المطلق أو الإيمان الواجب . ومن الضروري أن نفرق بين هذين القسمين كمدخل لفهم حقيقة الإيمان ومراتبه ، ( ث  ) فائـدة تتعلق بالإيمان المطلق ومطلق الإيمان : وتتمثل هذه الفائدة في أنه متى يعرف أن الآية أو الحديث تتناول الإيمان المطلق أو مطلق الإيمان ،  إذ كثيراً ما نجد القرآن الكريم  يفصل بين الإيمان والعمل وذلك بعطف العمل على الإيمان مع أن العمل من الإيمان ، كما في  قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، وإذا كان الإيمان يشمل العمل فإن التفريق في الآيات بين الإيمان والعمل يوجب التفريق بين إيمانين ، أصل وفرع ، أصل لا يصح الإيمان بغيره ، وفرع يضاف إليه فيزيده ، أو يسلب منه فينقصه ولا يلغيه ، وقد فهم فقهاء أهل السنّة والجماعة من هذا الفصل أن المقصود بالإيمان الأصل المقتضي للعمل ، فإذا أطلق اسم الإيمان كما في قوله تعالى : {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا } [ الأحزاب : 47 ] ، أو قوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ }[ الأنفال : 2 ] فالمراد به الإيمان المطلق المتناول لأداء الواجبات والكف عن المحرمات وما زاد على ذلك من أداء النوافل والكف عن المكروهات ، أما إذا اقتران الإيمان بالعمل كما في قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فالمراد بالإيمان ها هنا أصله من الاعتقاد الذي يشمل قول القلب ( التصديق ) ، وعمل القلب ( الانقياد ) ، وقل اللسان وهو ( الإقرار ) ولازمه المضاف إليه وهو عمل الجوارح ، ( ج ) فائدة أخرى جليلة من فوائد  التفريق بين مطلق الإيمان : أنَ نفي الإيمان معناه نفي الإيمان الواجب وليس معناه الكفر الأكبر كما في قوله تعالى {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } فأثبت  لهم سبحانه الإسلام ونفى عنهم الإيمان المطلق الذي يستحق صاحبه الجنة في الآخرة بلا عقاب ، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم(( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) الحديث أخرجه [ عمدة القاريء شرح صحيح البخاري (باب أمور الإيمان - ج 1 ص 122 ] مسلم والمعنى أنه لا يستحق الإيمان المطلق وإن كان معه أصل الإيمان الذي يمنع من إسقاط الكفر الأكبر عليه ،  ( ح ) فرع الإيمان يعبر عنه العلماء أحياناً بالإيمان الكامل ومن ذلك : قول البدر العيني في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ((أصل الإيمان هو : التصديق بالقلب والإقرار باللسان، ولكن الإيمان الكامل التام  هو التصديق والإقرار والعمل، فهذه ثلاثة أقسام فالأول : يرجع إلى الاعتقادات ، والقسم الثاني : يرجع إلى أعمال اللسان، والقسم الثالث : يرجع إلى أعمال البدن،)) [ عمدة القاريء شرح صحيح البخاري (باب أمور الإيمان - ج 1 ص 122) ] أهـ ، وقول الشهرزوري صيانة صحيح مسلم " قوله صلى الله عليه وسلم  (( الإيمان : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره )) فهذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن إذ قوله أن تؤمن معناه أن تصدق والإيمان في حديث وفد عبد قيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وإعطاء الخمس من المغنم ،  ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة لأن اسم الشيء مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في مثل قوله صلى الله عليه وسلم لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن حديث أبي هريرة أن رسول الله قال : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )) إلى آخره المراد به نفي كمال الإيمان عنه لا نفي أصل الإيمان وهو من الألفاظ النافية التي تطلق في اللغة على الشيء ثم انتفاء معظمه مع وجود أصله ويراد بها نفي كماله لا نفي أصله، ويفيد أن الفاسق لا يطلق عليه اسم المؤمن ويقال فيه مؤمن ناقص الإيمان وذلك أن الأصل أن اسم الشيء إنما يطلق على الكامل منه والناقص منه يذكر به بقيد يشعر بنقصه " [ صيانة صحيح مسلم ج : 1 ص : 134 - 136 ] أ هـ ، 

 

( 2 ) الفقه في تقسيـم الإيمـان إلى أصـل وواجـب ومستحـب : الإيمان ثلاث مراتب يصدقها قول الله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ }[ فاطر : 32 ] وأدنى هذه المراتب مرتبة الظالم لنفسه وأدنى هذه المرتبة الأصل الذي من لم يأت به فليس له اسم الإيمان ولا حكمه بل هو كافر الكفر الأكبر وعناصر هذا الأصل ثلاثة : هي الإقرار باللسان والتصديق القلبي والانقياد القلبي ، وسيأتي في داخل الرسالة أقوال نيف وعشرين إماماً تتعلق ببيان أصل الإيمان وأنه قول اللسان ( الإقرار ) وقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وأن أعمال الجوارح خارجة عن أصل الإيمان داخله في فرعه الواجب وفرعه المستحب ، أما المرتبة الثانية فهي مرتبة المقتصد – مرتبة الإيمان الواجب  – والإيمان الواجب هو ما زاد على أصل الإيمان من فعل الواجبات وترك المحرمات ، والذين أدوا هذا الإيمان بتمامه ولم يقصروا فيه ولم يزيدوا عنه ، فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للوعد السالم من الوعيد بمعنى : أنهم يستحقون دخول الجنة ابتداءً بلا سابقة عذاب بفضل الله تعالى وينطبق على هؤلاء ما جاء في  حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم –   فيمن سأل عن شرائع الإسلام وفيه ( فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام قال : والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً فقال رسول الله –   صلى الله عليه وسلم – أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق ) [ متفق عليه واللفظ للبخاري ح 1891 ] ، وصاحب هذه المرتبة قد يقصر فيما أوجبه الله تعالى عليه وذلك بترك واجب أو فعل محرم فينزل من مرتبة الإيمان الواجب إلى مرتبة الظالم لنفسه وهم العصاة من أهل التوحيد وما يعبر عنه علماء الاعتقاد بقولهم ( الفاسق الملي ) أي الذي لم يخرج من ملة الإسلام ، ومن كان هذا حاله فهو من أهل الوعيد إن مات بلا توبة ولكنه إلى المشيئة فإن شاء الله غفر له وأدخله الجنة ابتداءً بلا سابقة عذاب ، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يخرجه الله من النار ويدخله الجنة وأدنى هذه المرتبة من أتى بأصل الإيمان من الإقرار والتصديق والانقياد ومن نقص عن هذا الأصل انتفى إيمانه من أصله وصار كافراً الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وكذلك فإن صاحب هذه المرتبة – مرتبة المقتصد – قد يؤدي الإيمان الواجب بتمامه ثم يزيد عليه فيدخل في المرتبة الثالثة ، والمرتبة الثالثة هي مرتبة الإيمان المستحب الكامل وهو ما زاد على الإيمان الواجب من فعل المندوبات والمستحبات وترك المكروهات والمشتبهات فمن أتى بهذا الإيمان فهو من السابقين المحسنين أصحاب الدرجات العالية من أصحاب اليمين في الجنة ،

 

( 3 ) بيان أصل الإيمان وأنّ محله القلب وهو قول وعمل ولا يصح أصل الإيمان الذي وقر في القلب حتى يظهر أثره على جارحة اللسان بالإقرار ، وفي تأصيل تلك القاعدة ، جاءت الآيات القرآنبة الدالة على أن محل الإيمان هو القلب ، كما يفهم من مثل قوله تعالى{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 7 ] وقوله تعالى {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [ المجادلة : 22 ] وقوله تعالى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [ النحل :106 ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( ألا في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله )) ، ولا يصح أصل الإيمان الذي وقر في القلب ، حتى يظهر أثره على جارحة اللسان بالإقرار ، وهذه القاعدة منشؤها أصل عظيم عند أهل السنة والجماعة ألا وهو تلازم الظاهر والباطن ، وأهل السنّة والجماعة وسط في مسألة تلازم الظاهر والباطن بين الغلو متمثلاً في قول الخوارج والمعتزلة وبين التفريط متمثلاً في قول الجمهية والمرجئة ، فالخوارج والمعتزلة يقولون بالتلازم مطلقاً ولذلك يكفرون أهل المعاصي ويقولون بنفي إيمانهم من أصله وعلتهم في ذلك أنه لو كان الإيمان موجوداً لما وقع المؤمن على المعصية والكبيرة والمعتزلة ينفون عنهم أصل الإيمان في الدنيا ويخلدونهم في النار في الآخرة بالمعاصي . والجهمية والمرجئة يقولون بنفي التلازم مطلقاً وأنه قد يكون المرء مؤمناً كامل الإيمان وهو لا يؤدي فرائض الله ولا يرتدع عن معاصي الله . أما أهل السنة فالتلازم عندهم درجات وتلازم الأصل غير تلازم الفرع ، وكلما قوي الإيمان قوي التلازم وكلما ضعف الإيمان ضعف التلازم إلا أنه ينبغي أن يكون موجوداً ، وفي بيان التلازم واختلافه وفق ضعف الإيمان وقوته ، يقول النووي : " ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لأنه بلسانه أو لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية " [ مسلم بشرح النووي ج 1/ ص 184 - 185 ط دار الشعب ] أهـ ويقول : " مذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق ولا النطق دون الاعتقاد بل لا بد من الجمع بينهما " [ مسلم بشرح النووي ج 1/ ص 200 ط. دار الشعب ] أهـ ويقول : " واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ونطق بالشهادتين ، فإنه اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصـلاً "[ مسلم بشرح النووي ج 1 / ص 211 ] أهـ ، وجاء في حاشية العدوي على المذهب المالكي " الإيمان الذي يكون صاحبه ناجيا من ذلك مع جريان الأحكام عليه في الدنيا لا يحصل بالتصديق وحده فلا بد من مصاحبة النطق له إذا علمت ذلك فنقول يجوز كل من العطفين باعتبار هاتين الحالتين .. وباعتبار ما عندنا فلا نجري عليه أحكام الشرع ولا يحكم عليه بأنه مؤمن إلا إذا نطق بالشهادتين" [ حاشية العدوي ج : 1 ص : 58 ] أ هـ ، وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى " القول بأن الإيمان تصديق القلب وأن النطق لا بد منه هو ما عليه قدوتنا .. وأكثر الجهابذة البزل ،فإن قلت فما تقولون فيما ينقل عن السلف من أنه إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان وهذا مستفيض فيما بينهم لا يجحده إلا المكابر ونقلت تمهل قليلا واسمع ما نلقيه عليك وإن كان ثقيلا واعلم أن قولهم اعتقاد بالجنان لا إشكال فيه وقولهم إقرار باللسان هو النطق بالشهادتين ولعلهم جعلوا ذلك ركنا في الإيمان فيكون الإيمان مركبا من الاعتقاد والإقرار وقولهم وعمل بالأركان يمكن أن يراد به الكف عن ما يصدر بالجوارح فيوقع في الكفر من السجود للأصنام وإلقاء المصحف في القاذورات فاضبط هذا فبه يجتمع لك كلام السلف والخلف" [ طبقات الشافعية الكبرى ج : 1 ص97_ 100 ] أهـ ، وجاء في الفواكه الدواني على مذهب المالكية : " الإيمان مركب من التصديق بالقلب والنطق باللسان .. الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وأما العمل بالجوارح فشرط في كماله .. الأعمال إنما هي شرط كمال وأما المعتزلة ومن وافقهم فيجعلون الأعمال ركنا حقيقيا للإيمان كما نبه على ذلك شيخ شيوخنا اللقاني حيث قال : الأعمال عند السلف شرط لكمال الإيمان وعند المعتزلة ركن فيه ..وأما النطق باللسان فالمشهور فيه عندهم أنه شرط لإجراء أحكام الدنيا في حق القادر عليه ومقابل المشهور يجعله شرطا في صحة الإيمان أو شطرا منه واقتصر صاحب الجوهرة على مذهبهم حيث قال وفسر الإيمان بالتصديق والنطق فيه الخلف بالتحقيق قيل شرط كالعمل وقيل بل شطر .. وأما أعمال الجوارح فهي شرط لكمال الإيمان فالتارك لها أو لبعضها بلا استحلال ولا عناد ولا شك في مشروعيتها مؤمن مفوت على نفسه الكمال والآتي بها ممتثلا محصل لأكمل الخصال فتلخص أن :الإيمان هو التصديق وأما النطق باللسان فهو شرط لإجراء أحكام الدنيا وأما الأعمال الصالحة فهي شرط لكمال الإيمان ، وعليه فمن صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه غير مؤمن في أحكام الشرع الدنيوية فلا يرث ولا يورث وأما الآبي من النطق فكافر في الدارين ..إلى أن قال :دفع ما يتوهم من إن الأعمال شرط في صحة الإيمان وليس كذلك بل اعتمد إن عمل الجوارح شرط في كمال الإيمان على كلام أهل السنة ..فمن صدق بقلبه ونطق لسانه وترك الأعمال الواجبة كسلا كان إيمانه صحيحا إلا أنه ناقص والحاصل إن الأعمال جزء من الإيمان الكامل " [ الفواكه الدواني ج : 1 ص : 38 - 39 ] أ هـ ، " قلت " وهذه النقول عن علماء أهل السنة والجماعة تدل على أن أدنى التلازم بين أصل الإيمان الذي في القلب وأثره الظاهر هو إقرار اللسان بالشهادتين وجميع ما أتى به الرسول – صلى الله عليه وسلم ، وتدل على أنه لا يصح أصل الإيمان الذي محله القلب حتى يبدو أثره على جارحة السان بالإقرار بالشهادتين وبكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ،

 

( 4 ) أصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل : مر بنا أن فقه الإيمان يحتم علينا تفصيل درجاته ومراتبه وأنه ينقسم إلى مطلق ( أصل ) لا يصح الإيمان بدونه وإلى إيمان مطلق ( فرع ) تكتمل به شعب الإيمان ، وعلمنا أن فرع الإيمان قسمان فرع واجب يتناول أداء كافة الواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات وفرع مستحب يتناول أداء المستحبات والكف عن سائر المنهيات المحرمات من المكروهات وعلى ذلك فالعمل داخل في أصل الإيمان وفرعه وسيأتي في القواعد التالية بمشيئة الله تعالى بيان ماهية العمل الداخل في أصل الإيمان وأنه إقرار جارحة اللسان بالشهادتين وبالإسلام مجملا ، وماهية العمل الداخل في فرع الإيمان وأنه المفروضات والسنن والكف عن المحرمات والمكروهات وذلك كله من أهم مسائل فقه الإيمان  والله المستعان ،

 

( 5 ) فائدة هامة في ضرورة التفريق في كلام العلماء بين أصل الإيمان ومسمى الإيمان : من الفقه في مسائل الإيمان أن يفرق المرء في كلام العلماء بين أصل الإيمان ومسمى الإيمان ، فأصل الإيمان يقصدون به حدّ الإيمان الأقل الفاصل بين الإيمان والكفر الأكبر ، أمّا مسمى الإيمان فيدخل فيه ـ في كلامهم ـ كافة مراتب الإيمان وكافة شعبه ، فبعض العلماء يتكلم عن الإيمان وهو يقصد الأصل فيركز في حديثه على الإقرار والاعتقاد ولا يشير إلى دخول أداء الواجبات والكف عن المحرمات فيه فإن لم يتفطن طالب العلم إلى مقصده وظنه يتحدث عن مسمى الإيمان يحدث له لبس وربما يرميه بالإرجاء وذلك لأن المرجئة يخرجون الأعمال ـ أعمال الجوارح ـ عن مسمى الإيمان ، أمّا أهل السنة الفقهاء المحققون فهم يفرقون بين أصل الإيمان وواجبه وفي الأصل يركزون على عناصره من الإقرار والاعتقاد وفي الواجب يركزون على عناصره من أداء الواجبات والكف عن المحرمات ولذلك ينبغي التفريق في كلام العلماء بين أن يكون حديثهم عن مسمى الإيمان وبين أن يكون مقصدهم حدّ الإيمان الأدنى الذي يصح به اسم الإسلام وإلاّ تراشق طلبة العلم باتهام العلماء المحققين بالإرجاء ظناً منهم أن هؤلاء العلماء يهملون قيمة عمل الجوارح مع أنهم يتحدثون في باب الأصل وليس الواجب .

***

 

[  القاعدة الثالثة  ]  : المعرفة الصحيحة لعناصر أصل الإيمان والإحاطة بأحكام هذا الأصل من أهم وأدق الفقه في مسائل الإيمان ، وهي من أهم الفقه في باب أسماء الملة وأحكامها

 

( 1 ) أصل الإيمان له مسميات عديدة عند العلماء : منها ( مطلق الإيمان ) و (ركن الإيمان ) و (أدنى ما يصح به الإيمان ) و ( إيمان أصحاب القبضة ) و ( إيمان أصحاب شفاعة الرحمن ) و ( إيمان عتقاء الرحمن الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ) وهذا الأصل الإحاطة بأحكامه وتحديد عناصره من أهم  الفقه في مسائل الإيمان لكون صاحبه له في الدنيا اسم الإسلام وحكمه ولا يخلد في الآخرة في النار خلود الجاحدين .

 

( 2 ) الأصل في هذه الأسماء هو ما جاء في حديث الشفاعة المتفق على صحته : وفيه يشفع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات : الأولى : لمن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، والثانية : لمن كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان ، والثالثة : لمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ، ثم يطلب الشفاعة الرابعة : لمن قال ( لا إله إلا الله ) أي مجردة عن الأعمال فيعلمه الله جل شأنه أن ذلك كائن برحمة الله ، وحديث الشفاعة سأذكره إن شاء الله بتمامه في المبحث المقبل ، ولكن أذكر الآن الشاهد منه وهو قوله صلى الله عليه وسلم : (( فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله ))[ البخاري ح 7510 ] وفي لفظ مسلم – وهو أوضح – (( فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله ، قال : ليس ذاك لك ( أو قال : ليس ذاك إليك ) ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله ))[ مسلم ح 326 ] و جاء في حديث البخاري الصحيح  (( فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون ، فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا  …. إلى قوله صلى الله عليه وسلم … فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه)) [ صحيح البخاري ح 7439 ] ومعلوم يقيناً أن هؤلاء هم أدنى أهل الإيمان منـزلة ، بدليل أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لم تنل هؤلاء مع أنها نالت من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ، ولما كانت الجنة لا يدخلها إلا المؤمنون ، فدل الحديث على أن هؤلاء هم أدنى أهل الإيمان منـزلة ، ومن هنا وصف بعض العلماء أهل الحد الأدنى من الإيمان بأنهم أصحاب القبضة ، وبأنهم أصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلا لأرحم الراحمين سبحانه ،  أو الإيمان الأدنى المنجي من الخلود الأبدي في النار .

 

( 3 ) أثر هذا الحد الأدنى من الإيمان على صاحبه : هذا الحد الأدنى من الإيمان هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، فمن أتى به وحافظ عليه فلم ينقضه بناقض كانت له أحكام الإيمان الدنيوية والأخروية ، بمعنى أنه : سيكون له اسم الإيمان وحكمه فيعامل معاملة المسلمين في الدنيا فيأخذ أحكامهم بأن تحل لزوجته المسلمة البقاء معه ويحل لأولاده المسلمين أن يبقوا تحت سلطانه ، و إذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله ، وتجوز عليه الرحمة والمغفرة ، وينجو من الوصف بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار وينجو من أحكامه الدنيوية ، فلا يحل دمه ردة وإن كان قد يحل حداً وعقوبة ، وإذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين وتجوز عليه الرحمة التي تعم كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها بقلبه تصديقاً وانقياداً .

 

( 4 ) إن صاحب هذا الحد وإن كان له اسم الإيمان وحكمه إلا إنه إن وقف على هذا الحد لا يزيد عليه ولا يتعداه إلى شعب الإيمان الواجب فهو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الهلاك وعلى شفا جرف هار من الكفر ، ثم إن الله عز وجل ما امتدح إلا أصحاب الإيمان الواجب الذين يؤدون ما أوجبه الله عز وجل عليهم من أعمال الإيمان – قياماً بالواجبات وكفاً عن المحرمات – أما هذا الواقف على أصل الإيمان لا يتعداه فإنه إن مات عليه فهو من أهل الوعيد بالنار ، بل دلت الأحاديث الصحيحة على أنه يدخل النار ، بل وأنه أسوأ أهل النار – الذين لا يخلدون فيها – حالاً فلا تنفعه شفاعة المؤمنين ولا شفاعة الملائكة ولا شفاعة النبيين ، بل ولا شفاعة خير المرسلين صلى الله عليه وسلم ، حتى تناله رحمة الرحمن فيخرج من أصحاب القبضة لما أتى به من أصل الإيمان ، ثم إننا لا ينبغي أن نستهين بدخول النار فإن غمسة واحدة في النار لا تساويها لذة الدنيا بأسرها ، بل إن داخل النار لو أن له ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدى به من سوء العذاب يوم القيامة ، وهو لا يملك ذلك ، ولو ملكه لما قبل منه ، بل وبدا له من عذاب الله ونكاله ما لم يكن في حسبانه ولا خطر على باله نسأل الله عز وجل السلامة من النار ومن عذاب النار كدعاء عباد الرحمن المؤمنين قبلنا{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ً }[ الفرقان : 65 - 66 ] ودعاؤهم {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}[ آل عمران : 192 ]فأي خزي أعظم من دخول النار التي هي عنوان سخط الله وغضبه ، وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس –رضي الله عنهما – ((أن النبي صلى  الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن قولوا اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم…. الحديث ))[ أخرجه مسلم ] ، وجاء في صحيح البخاري عن أنس – رضي الله عنه : ( كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }[ أخرجه البخاري ] ، الشاهد من ذكر ذلك أن أمر النار عظيم ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وإلا صرنا كاليهود الذين وصفهم الله عز وجل بقوله{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } [ البقرة : 74 ] حيث قالوا {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً }[ البقرة :80 ]استهان بعذاب النار التي هي سخط الله وغضبه وعقابه وعذابه فكان عاقبة استهانتهم بعذاب النار أن لعنهم الله عز وجل على لسان أنبيائه وختم على قلوبهم ، فكانوا يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك ضرب الله على قلوبهم فكفروا به فلعنة الله على الكافرين فصاروا من الخالدين المخلدين في النار أبداً نسأل الله السلامة .

 

( 5 ) خلاصة القول :أن الحد الأدنى للإيمان هو الأصل الأهم الذي ينبغي أن يبدأ به صاحب الإيمان فيحسنه حتى ينجو من الكفر الأكبر ومن الخلود الأبدي في النار وحتى يأخذ به اسم الإيمان وحكمه ، ولكن عليه ألا يقف عند حده بل ينبغي أن يتعداه إلى الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات والذي امتدح الله عز وجل أصحابه ووعدهم به الجنة ، وعافاهم به من دخول النار ، فإن استوفاه وأراد أن يحظى بالمنازل العالية والدرجات السامية فعليه أن يتعداه إلى الإيمان المستحب الأكمل الذي يتناول أداء الواجبات والقربات والكف عن المحرمات والمنهيات والمسارعة إلى الخيرات حتى يكون من عباد الله السابقين المقربين .

 

( 6 ) والحذر الحذر من الوقوف على حد الإيمان الأدنى لا يزيد عنه لأن الإيمان على مذهب أهل الحق – أهل السنة والجماعة ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وصاحب هذا الحد الأدنى لا طاعة  تزيد إيمانه، وهو إلى النقصان بالتقصير أقرب. والحد الأدنى من الإيمان لا يقبل النقصان في إطار الإيمان فإذا نقص زال الإيمان بالكلية وحل محله الكفر الأكبر نعوذ بالله من الخسران.

 

( 7 ) ومع كل ما سبق : فإن صاحب الحد الأدنى له اسم الإيمان وحكمه ، وهذا دين الله عز وجل الذي أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتلك هي رحمة الرحمن التي وسعت كل شيء ، وذلك هو الفقه الأكبر في دين الله عز وجل في مسائل الإيمان والكفر ، لأنه الضابط للحد الفاصل بين الإيمان والكفر وصاحبه يستحق اسم الإيمان لاحتفاظه بأصله ، والمقصر عنه في إطار الكفار المخلدين في نار جهنم أبد الآبدين ، وهذا الفقه هو ما سأشير إليه بمشيئة الله تعالى في الفقرة التالية .

 

( 8 ) فوائـد معرفـة وتحديد أدنى الإيمـان الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه : فوائد معرفة الحد الأدنى للإيمان عظيمة لأنها أصل الفقه في الإيمان ، والإيمان أصل الديانة فأصل الفقه في الدين كله هو معرفة الحد الفاصل بين الإيمان والكفر حتى يكون عالماً بفقه مسائـل الإيمان والكفر وأخطرها أصل الإيمان الذي به يأخذ المرء اسم الإيمان وحكمه ومن هذه الفوائد ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً وبالتالي متى مُيز الأصل عن الواجب انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا ، فإذا تميز الأصل عن الواجب استطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها وعدم الخطأ في هذه المسائل دون تمييز بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل ، ودون تمييز واضح بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية ، ومن ذلك فإن هناك آيات كريمات جاءت بنفي الإيمان وأحاديث عديدة جاءت بنفي الإيمان ، وهنا يأتي الفقه في دين الله بمعنى إن كان النفي لأصل الإيمان حل محله الكفر الأكبر وإن كان النفي لما زاد على الأصل – أي ما دخل في مرتبة الواجب – حل محله الكفر دون الكفر الأكبر ،

 

( 9 ) بيان الميزان الشرعي الحكيم الذي نزن به عناصر الإيمان وشعبه وأعماله : للإيمان عناصر عديدة وشعب كثيرة صح الحديث بأنها بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة منها ما يتعلق بالقلب من قول القلب وأعماله ومنها ما يتعلق باللسان من إقرار اللسان وعباداته ومنها ما يتعلق بأعمال الجوارح من أداء الفرائض والنوافل والكف عن المحرمات والمكروهات ، ومن الفوائد العظيمة لتحديد أصل الإيمان ومعرفة عناصره وتمييزها عن عناصر الإيمان الواجب وعناصر الإيمان المستحب الكامل ، هو إعطاء كل عنصر من عناصر الإيمان حقه الشرعي اللازم له فعنصر يدخل في أصل الإيمان ليس كعنصر يدخل في الإيمان الواجب وهذا ليس كعنصر يدخل في الإيمان المستحب ، فأهم عناصر الإيمان ما دخل في الأصل لأن نقصه يعني الكفر الأكبر ويليه ما دخل في الواجب لأن نقصه يعني الكفر دون الكفر أو الفسوق واستحقاق الوعيد بالنار ،   ويليه ما دخل في الإيمان المستحب لأن نقصه يعني نقص الدرجة والمنزلة دون الدخول في إطار الوعيد بالنار .                          

 

( 10 ) ليس مقصود فقهاء وعلماء أهل السنة والجماعة الراسخون في العلم والفقه والدين بهذا الفصل بين أصل الإيمان وواجبه ومستحبه الاستهانة ببعض عناصر الإيمان -  حاشا لله – بل هو الميزان الذي أنزل الله عز وجل به دينه وشرعه وملته الحنيفية السمحة ، وإذا علمنا أن عمل الجوارح عند أئمة أهل السنة المقتدى بهم في الدين والمحققون لمسائل الإيمان والكفر لا يدخل منها في أصل الإيمان شيء  عدا إقرار اللسان لأنه لازم لأصل الإيمان ، وأن جميعها يدخل في إطار الواجب ، وتارك عمل الجارحة متى ما أتى بالاعتقاد والانقياد والإقرار فهو من أهل الوعيد بالنار يمكث فيها ما شاء الله له أن يمكث حتى يخرج آخرهم بشفاعة الرحمن سبحانه وهم أصحاب القبضة ، أقوام لم يأتوا إلا بأصل الإيمان ولم يعملوا خيراً قط ، إذا علمنا ذلك – وسيتبين في المباحث التالية بأقوال الأئمة – علمنا الميزان الذي ميز الله عز وجل به القلب عن سائر الجوارح وجعله محل الإيمان كما يفهم من مثل قوله تعالى{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 7 ] وقوله تعالى {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [ المجادلة : 22 ] وقوله تعالى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [ النحل :106 ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( ألا في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله )) وليس المقصود بذلك – عند علماء الأمة – تقليل قيمة أعمال الجوارح فقد ذكرت في المبحث السابق أن غمسة في النار تعدل الدنيا وما فيها من لذة فما بالنا بمن يلبث في النار أحقاباً ويتعرض لغضب الله وسخطه ، ولكنه الميزان الرباني المعجز الذي أبى أن يسوي بين  الجاحدين وبين المقرين المصدقين المنقادين بقولهم ، فإذا كان هذا وذاك يخلدان في النار خلوداً أبدياً فقد سوت الشريعة الحكيمة بين الجاحد والمعتقد وشتان بينهما ، فالأول إذا قيل له لا إله إلا الله يستكبر ويقول أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون ، أما الثاني فإنه يقول لا إله إلا الله ويقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ويشهد أنه رسول الله الذي يتوجب طاعته واحترامه وإجلاله . والشريعة لا تسوي أبداً بين الحالتين ، وهكذا تظهر حكمة الشرع في عقاب المذنبين وإن كانوا من أهل الإيمان وتظهر – رحمة الرب سبحانه في إخراج أصحاب أصل الإيمان المقرين المنقادين من النار بعدما أخذوا عقابهم إلى الجنة وإن لم يعملوا خيراً قط ، والشاهد من ذلك كله أن من فوائد معرفة الحد الأدنى للإيمان معرفة الميزان الشرعي وحده الشرعي الذي قررته لنا الشريعة الغراء والملة الحنيفية السمحة . وكفي بذلك فقهاً عظيماً في مسائل الإيمان وفي مسائل أسماء الملة وأحكامها وهذا هو الفقه الأكبر في دين الله تعالى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين

***

 

[  القاعـدة الرابعـة  ]  :  عناصر الأصل في الشرع ثلاثة هي : قول القلــب ( التصديق ) وعمل القلـب ( الانقياد ) وإقرار اللسـان  ،  أما عمل الجوارح فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الواجب

 

حتى نصل إلى تحديد الحد الأدنى من الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه علينا أن نبحث عن آخر أهل الجنة دخولاً وعن صفة إيمان هذا العبد ، وذلك لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة ، وما دام هذا العبد قد دخل الجنة فقد حاز مسمى الإيمان ، ولما كان هذا العبد آخر أهل الجنة دخولاً للجنة كان عنده أدنى الإيمان الذي يأخذ به اسم الإيمان وحكمه وكان عنده أصل الإيمان الذي أتاح له دخول الجنة ، لذلك إذا توجه البحث إلى أبواب الشفاعة وخروج الموحدين من النار لوضح لنا أصل الإيمان المنجي من الخلود في النار وذلك لأن آخر أهل الجنة دخولاً للجنة هو يقيناً آخر أهل النار من الموحدين خروجا من النار ، لذلك ذهب الفقهاء إلى جمع هذه الأحاديث من كتب الصحاح والسنن وتتبعها والتوفيق بينها لبيان الحد الواضح لأدنى الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار ، وعلمت يقيناً بعد جمعي لأحاديث هذا الباب (( باب الشفاعة وخروج الموحدين من النار )) أن غالب من أخطأ في مسائل الإيمان عامة ، وفي تحديد حد الإيمان الأدنى المنجي من النار خاصة ، إنما أوتى من قبل الجهل ببعض أحاديث هذا الباب ، أو عدم تمكنه من التوفيق بين أحاديثه الكثيرة المتفرقة في أبواب الصحيحين على وجه الخصوص لأنهما شملا غالب أحاديث الباب والتي يتبين من خلال جمعها وفهمها ما هو حد الإيمان الأدنى المنجي من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين المكذبين ،  وقد بينت هذه الأحاديث أن للشفاعة مراحل عدة : المرحلة الأولى :شفاعات المؤمنين وهذه  للمصلين يعرفونهم بأثر السجود فالنار لا تأكل  منهم أثر السجود ، والمرحلة الثانية : شفاعات الملائكة لمن بقي من المصلين لا يعرفهم المؤمنون فيخرجونهم أيضاً ويعرفونهم بأثر السجود ، والمرحلة الثالثة : شفاعات النبيين وهي ولا شك لمن كان حالهم أدنى وأسوأ من سابقيهم ممن أخرجهم المؤمنون والملائكة ، والمرحلة الرابعة : شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثلاث تنال آخرها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجهم من النار ، والمرحلة الأخيرة : وفيها يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل الشفاعة الرابعة له وهي في حق من اقتصر على قول لا إله إلا الله معتقداً لها مجردة عن الأعمال فيأبى الله عز وجل ذلك له لأنها شفاعة لا تنبغي إلا لله سبحانه أرحم الراحمين فيقـول الله عـز وجـل كما جاء في الحديث : (( لـيس ذاك إليـك وعزتي وكبريـائي وعظمـتي وجبريائي لأخرجـن مـن قال لا إله إلا الله ))  ، فالذي يدل على شفاعات المؤمنين وأنها تنال المصلين : ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه (( وإذا رأوا أنهم قد نجو في إخوانهم يقولون : ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا فيقول الله تعالى اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عرفوا  ..)) الحديث [ أخرجه البخاري ح 7439 ] ، والذي يدل على شفاعات الملائكة وأنها تنال المصلين : ما أخرجه البخاري عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – الحديث وفيه ((… حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة السجود فيخرجونهم قد امتحشوا فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل …)) الحديث[ أخرجه البخاري ح 6573 ] ، والذي يدل على شفاعات الأنبياء : ما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – الحديث وفيه ( فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا ) الحديث [ أخرجه البخاري ح 7439 ] ، والذي يدل على شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم الثلاث : ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض ، فيأتون آدم فيقولون : اشفع لنا إلى ربك ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الله . فيأتون إبراهيم فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله . فيأتون موسى فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته ، فيأتون عيسى فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد – صلى الله عليه وسلم فيأتوني فأقـول : أنا لها ، فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن . فأحمده بتلك المحامد ، وأخر له ساجداً ، فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع . فأقول : يا رب ، أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجداً فيقال : يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي . فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان . فانطلق فافعل ثم أعود فاخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان . فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجداً فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي فيقول : انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار من النار من النار ، فأنطلق فأفعل …" [ البخاري : ح 7510 ومسلم : ح 326 ].فدل الحديث على أن هناك ثلاث شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم :الأولى : لمن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، والثانية : لمن كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان ، والثالثة : لمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردلة من إيمان  ، والذي يدل على شفاعة الرحمن وأنها تعم كل من اقتصر على قول لا إله إلا الله المجردة عن الأعمال :  ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس في الشفاعة وفيه " … ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً  فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع . فأقول : يا رب ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله قال : ليس ذاك لك ( أو قال ليس ذاك إليك ) ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال : لا إله إلا الله "[ متفق عليه واللفظ لمسلم ] ، وما أخرجه البخاري– رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه وفيه : " يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار : بقيت شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا ، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له : ماء الحياة ، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل ، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة ، إلى جانب الشجرة . فما كان إلى الشمس منها أخضر ، وما كان منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم ، فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن ، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم : لكم  ما رأيتم ومثله معه " [ صحيـح البخاري ك التوحيد باب / 24 ح 7439 ] ، وما أخرجه مسلم–  رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أيضاً وفيه : " فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومـاً لم يعملوا خـيراً قـط قد عادوا حمماً فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له : نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر ومـا يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا : يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية ، قال : فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول : ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم ، فيقولون : ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحد من العالمين ، فيقول : لكم عندي أفضل من هذا  فيقولون يا ربنا أي شيء أفضل من هذا فيقول : رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً " [ صحيـح مسلم كتاب الإيمان باب 81 ح 302 ] ، فالشفاعة الرابعة لا تنبغي إلا لأرحم الراحمين لأنها تعم كل من اقتصر على قول لا إله إلا الله المجردة عن الأعمال كما دل على ذلك لفظ الحديث في الشفاعة الثالثة وأنها تتناول صاحب أدنى عمل زائد على أصل التوحيد ، والشاهد لهذه الشفاعة الرابعة وأنها لا تنبغي إلا لله ما جاء في حديث مسلم –   رحمه الله –(( فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال : ليس ذاك لك ( أو قال ليس ذاك إليك ) ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله ))[ مسلم : ح326 ] ، والذي يؤكد يقيناً أن صاحب هذه الشفاعة الرابعة جاء بالإقرار المجرد عن الأعمال تماماً ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري والشاهد منه (( فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا … إلى قوله فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم ا لجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه )) [ البخاري : ح 7439 ]فأهل الجنة يصفون أصحاب القبضة بأنهم دخلوا الجنة بغير أعمال عملوها ولا خيرات قدموها ، وهو  كما جاء بالحديث الأول، والأكثر دلالة منهما على خروج الأعمال عن حد إيمان أصحاب القبضة حديث مسلم رحمه الله : (( فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط ))[ مسلم : ح 302 ] ، فالحديث صريح الدلالة على أن إيمان أصحاب القبضة كان مجرداً عن الأعمال لقوله صلى الله عليه وسلم(( لم يعملوا خيراً قط )) وفيه نفي مؤكد بلفظ ( قط ) بمعنى لم يعملوا خيراً أبداً ، ويؤيد ذلك ويؤكده مجموع الأدلة المأخوذة من الأحاديث السابقة لهذا الحديث ، فكلها قد تضافرت على إثبات إيمان مجرد من الأعمال لأصحاب القبضة الذين هم أقل الخلق إيماناً وآخر أهل الجنة دخولاً ، وما أقوله من الاستدلال بهذه الأحاديث على هذا النحو ليس بدعاً من القول بل هو ما قاله العلماء منذ تعرضهم لشرح أحاديث الشفاعة والاستدلال بها ، (1)قال العيني في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري :   "نقل عن الإمام الشافعي  رحمه الله تعالى قوله : الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة " [ عمدة القارئ ج 1/ 104 ] أهـ ، (2) قال ابن حزم :  " من ضيع الأعمال كلها فهو مؤمن عاص ناقص الإيمان لا يكفر ، حدثنا – بسنده إلى عطاء بن يزيد الليثي – أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل " حتى إذا فرغ الله من قضائه بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار ، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله " [ المحلى ج1 / 40 - 41 تحقيق أحمد شاكر ] ، (3)قال القاضي عياض : عند قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث عن رب العزة سبحانه (( لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله )) " فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان ، وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم ، وإنما دلت الآثار على أنه أذن لمن عنده شيء زائد على مجرد الإيمان وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين صلوات الله وسلامه عليهم دليلاً عليه وتفرد الله عز وجل بعلم ما تكنه القلوب والرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان "[ نقله عنه النووي في شرح مسلم ج 439 ط الشعب ] أهـ  ، (4) قال الباجي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم( لم يعمل حسنة قط ) : قوله ( لم يعمل حسنة قط ) ظاهر أن العمل ما تعلق بالجوارح وهو حقيقة العمل , وإن جاز أن يطلق على الاعتقاد على سبيل المجاز والاتساع فأخبر صلى الله عليه وسلم عن هذا الرجل أنه لم يعمل شيئا من الحسنات التي تعمل بالجوارح وليس فيه إخبار عن اعتقاد الكفر , وإنما يحمل هذا الحديث على أنه اعتقد الإيمان ولكنه لم يأت من شرائعه بشيء فلما حضره الموت خاف تفريطه فأمر أهله أن يحرقوه ويذروا نصفه في البحر ونصفه في البر ) [ المنتقى شرح الموطأ للباجي  ج2 / 32 ] ، (5) قال ابن عبد البر " وفي هذا الأصل ما يدلك على أن قوله في هذا الحديث لم يعمل حسنة قط أو لم يعمل خيرا قط لم يعذبه إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير " [ التمهيد لابن عبد البر ج : 18 / 40 ] ، (5) قال الزركشي : " فيقول الله بقيت شفاعتي فيخرج من النار من لم يعمل خيراً . . . المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإِقرار بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث "[ نقلا عن فتح الباري – كتاب التوحيد – ج13/434 ] وقد أقره ابن حجر على ذلك الوجه ، (6) قال صديق حسن خان : ( قال القرطبى : شفاعة رسول الله والملائكة والنبيين والمؤمنين لمن كان له عمل زائد على مجرد التصديق ومن لم يكن معه من الإيمان خير من الدين يتفضل الله عليهم فيخرجهم من النار فضلا وكرما وعدا منه حقا وكلمته صدقا إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فسبحان الرءوف بعبده الوفي بعهده انتهى " [ يقظة أولي الاعتبار ج1 / 233 ] ( قلت ) كلام القرطبي واضح الدلالة – بحمد الله – ولو فهمنا ( التصديق ) على ما قصده علماء أهل السنة والجماعة لكان حد الإيمان الأدنى هو الإقرار ـ لما جاء في الحـديث ( لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله ) ، والعمل داخل في الإيمان المطلق وليس مطلق الإيمان بدليل خروج من لم يعمل خيراً قط من النار فلا يخلد فيها خلود الكافرين ، (7) قال ابن القيم :" ثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيراً قط من المعذبين الذين يخرجهم الله من النار فلا يدخلها من لم يعمل سوءاً قط ولا يعذب بها إلا من عصاه" [ حادي الأرواح ص 447 تحقيق علي الشوربجي ] أهـ  ، (8)  وقال أيضاً : عند شرحه لحديث الشفاعة : " (( … فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط )) فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا أخرجتهم الرحمة"[ حادي الأرواح ص 462 تحقيق علي الشوربجي ] أهـ  ،  (9) وقال ابن رجب الحنبلي : " والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم ( لم يعملوا خيراً قط ) من أعمال الجوارح وإن كان أصل التوحيد معهم ، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار أنه لم يعمل خيراً قط غير التوحيد [ التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار ص 260 ] أهـ ، وخلاصة المستفاد من أحاديث الشفاعة : (1) أن آخر شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم تتناول من كان عنده أدنى الأعمال ، (2) وأن صاحب الإيمان المجرد عن الأعمال ( فلم يعمل خيراً قط ) هو من أهل شفاعة الرحمن الذين يخرجهم الله عز وجل من النار ( وهم أصحاب القبضة ) ، ( 3 ) أن صاحب الإيمان المجرد عن الأعمال يثبت له اسم الإيمان وحكمه لأنه سينجو من الخلود الأبدي في النار ومآله إلى الجنة وإن طال به الزمان في النار ،  وتبقى بعد هذه الأحاديث وقفة تحتاج إلى فقه وبصيرة : وهي هل النجاة من الخلود الأبدي في النار والمتحققة في الأحاديث السابقة تتناول من اقتصر على قول لا إله إلا الله فقط أم أنها تتناول القائل لها بلسانه والمعتقد لها بقلبه والاعتقاد يتناول قول القلب ( التصديق ) وعمله وهو ( الانقياد ). والإجابة على هذا السؤال يسيرة واضحة وهي أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق وإلا كان المنافقون مؤمنين ، ولا يصح التصديق إلا بالانقياد و إلا كان إبليس الرجيم مؤمناً فقد كـان كفره كفر إباء وعناد واستكبار ، فمما يدل على أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق : قوله عز وجل { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}[ البقرة : 8 - 9 ] وقوله جل شأنه : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ}[ النساء : 142 ] وقوله جل شأنه : {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[ المنافقون : 1 ] وقوله جل شأنه {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا}[ النساء : 145 ]فهذه الآيات جميعها دلت على أن الإقرار لا يصح بلا تصديق وأن صاحبه منافق نفاق اعتقادي حاله في النار أسوأ من حال الكفار الأصليين لأنه في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لأحد منهم منقذاً من النار ولا نصيراً ، ودخول التصديق( ومنه المعرفة والعلم ) في أصل الإيمان أمر أجمع عليه أهل السنة حتى قال الإمام أحمد بن حنبل : " وإن جحد وقال لا يحتاج ( أي الإيمان ) إلى المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً ولا أحسب أحداً يدفع المعرفة والتصديق " نقله عنه ابن تيمية في كتابه الإيمان ، وعلق عليه بقوله : " وأحمد ذكر أنه لا بد من المعرفة والتصديق مع الإقرار وقال إن من جحد المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً ، فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام ولهذا لم يذهب إليه أحد قبل الكرامية ، مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة والتصديق"[ الإيمان لابن تيمية ص 377 ] ، ومما يدل على أنه لا يصح الإقرار والتصديق إلا بالانقياد القلبي : ما جاء في كتاب الله تعالى عن كفر إبليس الرجيم مع أنه يقيناً كان مصدقاً وإنما أتى كفره من قبل عدم الانقياد وليس من قبل التكذيب كما ذكر ذلك المولى تعالى في سورة البقرة بقوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [ البقرة : 34 ] وفي سورة الإسراء نجد قول الله تعالى : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 61 - 62 ] . في الآيات دلالة واضحة على أن كفر إبليس إنما هو لمعاندة أمر الله تعالى وليس لتكذيبه والمعاندة واضحة في قوله ( أأسجد لمن خلقت طيناً ) ، فهذا معاندة للأمر واستكبار عن اتباعه وليس هو من باب التكذيب أبداً  ، وفي سورة ص نجد قول الله تعالى : {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *  قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }[ ص : 71 - 85 ] . وفي هذه الآيات دلالات عديدة على تصديق إبليس وأنه إنما أتي من قبل انتفاء عمل القلب وهو انقياده وإذعانه لأمر الله ، وبالتالي استكباره عن طاعة الله وهذا هو كفر إبليس الحقيقي ، ومعصية إبليس لم تكن في ترك السجود وإلا فقد أكل آدم من الشجرة بعد أن نهاه الله تعالى عنها ولكنه عصى الله بجوارحه وقلبه منقاد لأمر الله يعلم أنه ما كان ينبغي له مخالفة أمر الله في شيء ولذلك لما تاب وأناب تاب الله تعالى عليه ، أما إبليس فلم يكن تركه للسجود معصية جارحة وإنما هو استكبار القلب وعناده وخلوه عن الانقياد لأمر الله فاستحق الكفر والرجم  ، ولو نظرنا إلى الآيات لوجدناه يخاطب الله عز وجــل بقوله " رب فأنظرني إلى يوم يبعثون " فهو مصدق بالله بربوبيته له وللعالمين أجمعين ، ولم يكن مكذباً بشيء من ذلك أبداً بل هو يحلف بعزة الله ويعلم أنها صفة جليلة للرحمن سبحانه فيقول " فبعزتك لأغوينهم أجمعين " ومن ذلك كله نعلم يقيناً أن التصديق المجرد لا ينفع بشيء حتى يضاف إليه انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لأمر الله  ، وجاء في كتاب الله تعالى عن كفر فرعون وقومه مع أن الكتاب الكريم أشار إلى تصديق قلوبهم بقوله تعالى في حق فرعون وقومه : {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }[ النمل : 13 - 14 ] فكما ذكر القرآن الكريم أنهم استيقنوا بآيات الله ، واليقين أعلى درجات التصديق القلبي . ومع ذلك فكان كفرهم الحقيقي هو كفر الجحود جحود اللسان عن الإقرار بما صدقه بقلبه ، وجحود القلب عن الانقياد والإذعان والخضوع لما صدقه بقلبه  ، وجاء في كتاب الله تعالى عن كفر اليهود قال تعالى : {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[ البقرة : 146 ] وقال تعالى : {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[ البقرة : 109 ] . وقال تعالى : {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ }[ البقرة 89 – 90 ] . فدلت الآيات الكريمات على أن اليهود قد تبين لهم الحق وأنهم يعرفونه بقلوبهم معرفة لا شك فيها ، بل قد جاء في السنة ما يدل على أن بعضهم أقر برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأقر أنه يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي ولكن لما كان الإقرار والتصديق مجرداً خالياً من انقياد القلب وخضوعه وإذعانه لأمر الله ونهيه ، دل ذلك على أنهم لم ينفعهم تصديقهم ولا إقرارهم بشيء إذ خلا قلبهم من عمله الداخل في أصل الإيمان ألا وهو الانقياد القلبي لدين الله والطاعة القلبية لأمر الله ونهيه ، وعلى ذلك فإقرار أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار بشفاعته لنفسه سبحانه لا يصح إلا باعتقاد ما أقروا به من توحيد الله عز وجل والاعتقاد قول وعمل يتناول قول القلب ( ومنه المعرفة والعلم والتصديق ) وعمل القلب ( ومنه الانقياد والخضوع والإذعـان ) . وهذا هو إجماع أهل السنة لا خلاف بينهم فيه ، قال ابن القيم : " إذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة ، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول ، بل ويقرون به سراً وجهراً ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به " [ الصلاة وحكم تاركها ص 25 ط . دار الحديث ] أ.ه فإجماع أهل السنة على أن الإيمان لا يصح إلا بالتصديق والانقياد وأن التصديق المجرد لا ينفع بشيء مع انتفاء عمل القلب وهو الانقياد وهذا ما دعا حافظ حكمي لأن يقـول : " ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهراً وباطناً بلا شك ولم يعنوا مجرد التصديـق " [ معارج القبول ص 23 ط السلفية ] أهـ وبهذا يتضح لنا أن أصل الإيمان قول وعمل ويدخل فيه قول القلب ومنه التصديق وعمل القلب ومنه الانقياد ولازمه الذي لا بد وأن يظهر على الجوارح وهو إقرار اللسان ، وعلى ذلك : فعناصر الأصل ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان       (2)  قول القلب ( التصديق )   (3) عمل القلب ( الإنقياد ) ، وبالرجوع إلى كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم سنجد الكتاب والسنة يؤكدان ذلك ويؤيدانه تمام التأكيد :

 

( أولاً ) : الأدلة من كتاب الله عز وجل على صحة هذه القاعدة

 

(1) الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل : منها قوله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 82 ] ، وقوله تعالى : { وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ } [ آل عمران : 57 ] ، وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ... } [ النساء : 57 ] ، وقوله تعالى : { وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } [ المائدة : 9 ] ، وقوله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ } [ الرعد : 29 ] ، وقوله تعالى : { فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ }[ الحج : 56 ] ، وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ العنكبوت : 7 ] ، وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ } [ العنكبوت : 9 ] ، وقوله تعالى : { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ  } [ الروم : 45 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ } [ لقمان : 8 ] ، وقوله تعالى : { أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ السجدة : 19 ] ، وقوله تعالى : { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ سبأ : 4 ] ، وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [ فاطر : 7 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } [ ص : 28 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 7 ] ، وقوله تعالى : { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  }[ العصر : 3 ] ، فهذه الآيات التي فيها عطف العمل على الإيمان , والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما ، ولا يُقال ها هنا أنّ العطف من باب عطف الخاص على العام , لأنّ ذلك خلاف الأصل, فالأصل أن العطف يقتضي المغايرة إلا أن توجد القرينة الصارفة ولا قرينة هنا على الخروج عن الأصل بل كثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة ،  فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح ، فالإيمان هاهنا المقصود به الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه ، والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء ، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء ، ويؤكد ذلك ما قاله الحافظ البيهقي وهو ينقل كلام الحليمى عند تفسيره لقول الله تعالى :{ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ }[ الحجرات : 70 ]  " فقابل بين ما حببه إلينا وما كره إلينا ، ثم أفرد الإيمان بالذكر فيما حبب وقابله بالكفر والفسوق فيما يكره . فدل ذلك على أن للإيمان ضدين أو أن من الإيمان ما ينقضه الكفر ومن الإيمان ما ينقضه الفسوق " أهـ [ شعب الإيمان ج1 ص 44 ] ، فضد الكفر أصل الإيمان وهو إقرار واعتقاد ولا يدخل فيه عمل الجوارح وضد الفسوق الإيمان الواجب وهو قول واعتقاد وعمل بالجوارح ، فإن انتفت أعمال الجوارح انتفى الإيمان الواجب وظل أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر وإن انتفى الإقرار أو التصديق فصاحبه كافر مخلد في النار أبداً خلود الكافرين ، ثم أكد مذهبه الصحيح الذي جمع بين أدلة الكتاب والسنّة جميعها بقولـه : " قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } قال : " معناه أن الذين آمنوا ، الإيمان الناقل عن الكفر ، ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحـات فعلوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل "  أهـ  ، وكلامه وفق الأصل السابق واضح ، فالإيمان الناقل من الكفر هو أصل الإيمان وهو الإقرار والتصديق كما صرح بذلك وأفرد باباً بلفظه ، وما زاد على أصل الإيمان من عمل الصالحات فهو في إطار الإيمان الواجب حتى يصـل بالطاعـة التامـة إلى حد الكمال ، (  ملاحظة ) : زعم البعض أن عطف العمل الصالح على الإيمان عطف البعض على الكل وأنه لا فرق بين الإيمان والعمل الصالح وكلاهما شرط في صحة الإيمان واستدل لذلك بقوله تعالى : { ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } [ طه : 75 ] ، أقول عطف العمل الصالح على الإيمان عطف الجزء على الكل من جهة أن المقصود بالإيمان أصله المنجي من الكفر الأكبر وأن المقصود بالعمل الصالح فرعه المنجي من الكفر في إطار الملة ومن الفسوق إلاّ أن الاستدلال بالآية في غير محله لأن الآية تتحدث عن أصحاب الدرجات العلى وأقل هؤلاء أصحاب الإيمان الواجب وقد شرطت لهم الآية مع الإيمان العمل الصالح أمّا إذا كان حديثنا عن الأصل المنجي من مجرد الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين فآنذاك يكون الاستدلال بالآية من باب الاستدلال بالدليل في غير موضعه ،

 

( 2 ) الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب : كقوله تعالى : {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } ، وكقوله تعالى : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } ، وقوله تعالى : {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [ الحجرات : 14 ] ،  وقوله تعالى : {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } [ المجادلة : 22 ] ، وقوله تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }[ النساء : 65 ] ، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( التقوى هاهنا )) ، ويشير إلى صدره ثلاثاً ، وكقوله صلى الله عليه وسلم ، (( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )) [ أخرجه البخاري ] وكقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله عز وجل : (( أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان )) [ أخرجه البخاري ] ، فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تدلنا على أن أهم الإيمان وأصله هو ما وقر في القلب وأن هذا الأصل هو الفاروق بين الخلود الأبدي في النار وعدم الخلود فيها ،

 

( 3 ) الأدلة من الكتاب والسنة على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب :  ومن ذلك قوله تعالى : {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ }وقوله تعالى :{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } وقوله تعالى :{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى :{ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ .. إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ }فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر .

 

( 4 ) الإيمان جاء في كتاب الله عز وجل مقروناً بالعمل الصالح وجاء أيضاً مقروناً بضده : ومثاله قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا }[ الحجرات : 9 ] فعبر القرآن الكريم عن المقتتلين بلفظ الإيمان مع أن الحديث الصحيح مفاده ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) فعلينا عند الجمع بين الآية والحديث أن المقتتلين من المسلمين لهم مسمى الإيمان بما أتوا به من الأصل وأن كفرهم في إطار الملة وليس خارجها ، ومثاله أيضاً قوله تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ..}[ البقرة : 178 ] فجاء التعبير القرآني بإثبات أخوة القاتل لولي الدم ولا شك أنه قد أتى بضد العمل الصالح الذي هو من قبيل الإيمان الواجب وهذا بخلاف من انتفى عنه التصديق ـ مثلاً ـ فأولئك قال عنهم الله عز وجل :{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } [ البقرة : 8 - 9 ]  وحكم عليهم القرآن الكريم بالنفاق وجعل الدرك الأسفل من النار مأواهم يوم القيامة ،

 

( ثانياً ) : الأدلة من السنة على صحة هذه القاعدة

 

( 1 ) ما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة )) [ مسلم : ح 44 ] .والحديث يدل على أن الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما سبب لدخول الجنة وإن دخل النار بذنوبه فإنه لا يخلد فيهما خلود الجاحدين لأن مآله إلى الجنة ، 2) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار )) [ مسلم : ح 47 ]فمن أقر بالشهادتين واعتقدهما حرم الله عز وجل عليه الخلود الأبدي في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ هو مذهب أهل السنة والجماعة لا يعرفون غيره فيقولون بأن أصحاب الكبائر في المشيئة ، وقد دلت الأخبار الصحيحة على أن بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط ، ولهذا وجدنا القرطبي الفقيه يقول عند شرحه لحديث مسلم (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة )) قال" وظاهر هذا الحديث أن من لقي الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده دخل الجنة ولا يدخل النار وهذا صحيح فيمن لقي الله بريئاً من الكبائر ، فأما من لقي الله وهو مرتكب كبيرة ولم يتب منها فهم في مشيئة الله تعالى التي دل عليها قوله تعالى :{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..}[ النساء : 48 ] . وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي أن طائفة من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضل المعبر عنه بالقبضة في الحديث الصحيح أو بما شاء الله تعالى فدل ذلك على أن الحديث المتقدم ليس على ظاهره فتعين تأويله ، ولأهل العلم فيه تأويلان ، الأول : أن هذا العموم يراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من أهل الكبائر ممن يشاء الله أن يغفر له ابتداءً .. وثانيهما أنهم لا يحجبون عن الجنة بعد الخروج من النار وتكون فائدته الإخبار بخلود كل من دخل الجنة فيها وأنه لا يحجب عنها ولا عن شيء من نعيمها والله تعالى أعلم "[ المفهم لما أشكـل من تلخيـص كتـاب مسلـم ح1 ص 199 - 200 ] ، 3) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة (([ صحيح مسلم : ح 52 ] . ففي الحديث دلالة على أن كل من شهد الشهادتين معتقداً لهما ومات على ذلك فإن مآله إلى الجنة ولهذا قال القرطبي في شرح الحديث : " والمراد هم وكل من شاركهم في التلفظ بالشهادتين واستيقان القلب بهما" [ المفهم  لما أشكـل من تلخيـص كتـاب مسلـم ج 1 ص 207 ] أهـ [ ج 1 ص 207 ] ، 4) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار ، قال ( أي معاذ ) يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال : " إذا يتكلوا " فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً))[ صحيح مسلم : ح 53 ]  ،  5) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(( ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت –    أي راوي الحديث وهو أبو ذر – رضي الله عنه – وإن زنى وإن سرق قال : ( وإن زنى وإن سرق ) ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبي ذر ) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبي ذر)) " [ صحيح مسلم : ح 154 ] ، وبعد فهذه بعض الأحاديث التي تدل على صحة ما ذكرناه من كون أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار الإقرار بالشهادة مع اعتقادها ، واعتقادها يشمل قول القلب أي تصديقه وعمل القلب بالانقياد لها إذ لا تصح الشهادة إلا بذاك .

 

[ فائـدة ] : إن معنى الإيمان في اللغة العربية التصديق ومعنى الإسلام في اللغة الانقياد فإذا علمنا أنه لا يصح إسلام بلا تصديق وإلا كان نفاقاً ، ولا يصح إيمان بلا انقياد وإلا كان إباءً واستكباراً علمنا أن الأصل الذي لا يصح به الإسلام على الحقيقة ولا الإيمان على الحقيقة هو تصديق القلب وانقياده وعمله فإنه يظهر ولا بد على الجوارح ، فإن أدنى هذا التلازم هو تلفظ اللسان – وهو جارحة –  ، وإذا قلنا بقاعدة أهل السنة والجماعة من تلازم الظاهر والباطن وأن ما وقر في القلب ظهر على الجارحة ،  وأن أدنى ذلك التلفظ بالشهادتين ، وعلى ذلك تستقيم الأدلة جميعها : فمن قال من أهل السنة والجماعة أن أصل الإيمان في القلب وفهم من مثل قوله تعالى{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[ الشعراء : 89 ] . وقوله تعالى : {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ }[ النحل : 7 ] . وقوله تعالى : {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ }[ الحجرات :7 ] وقوله تعالى {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ }[ الحجرات :14 ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت ... الحديث )) أن أصل الإيمان في القلب لا يتعداه ويشمل قول القلب ( التصديق ) وعمله ( الانقياد ) نقول له وهناك قاعدة أصيلة قال بها أهل السنة وهي تلازم الظاهر والباطن وأدنى التلازم الحاصل لحد الإيمان الأدنى هو عمل جارحة اللسان وذلك بالإقرار بالشهادتين  ، ومن نظر إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على أن حد الإيمان الأدنى كما في أحاديث الشفاعة يشمل من قال لا إلا الله نقول له لا يصح الإقرار إلا بالتصديق وهو قول القلب والانقياد وهو عمل القلب وعلى ذلك تلتقي الأدلة وحاصلها أن عناصر حد الإيمان الأدنى ثلاثة هي الإقرار والتصديق والانقياد ، وبهذا يتضح أن أدنى الإيمان قول وعمل ، قول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وثمة أمر آخر : وهو أنه بهذا التفصيل نعلم مدى تلازم الإسلام والإيمان بل تلازم أصل الإيمان بأصل الإسلام حتى قال بعض علماء أهل السنة والجماعة أن كلاهما شيء واحد ، وما ذلك إلا لتلازمهما الشديد حيث لا يصح إيمان القلب بلا إسلامه – انقياده لله ولا يصح إسلام المرء بلا إيمان قلبه تصديقه ، ويصير كل مسلم عنده أصل الإيمان وإلا كان منافقاً ، وكل مؤمن عنده إسلام القلب وإلا كان إيمانه كإيمان إبليس الرجيم واليهود والمشركين الذين أيقنوا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ومع ذلك كان كفرهم سببه انتفاء عمل القلب وخلوه من الانقياد فكان كفرهم كفر إباء واستكبار وعناد وعلو وليس كفر تكذيب .

 

وعناصر هذا الحد الأدنى من الإيمان ثلاثة هي  :

 

العنصر الأول : قول اللسان ( الإقرار ) :  ودليله ما جاء في حديث الشفاعة من قول الله عز وجل في حق أصحاب القبضة الذين أتوا بأقل ما يصح به الإيمان . (( وعزتي وجلال وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله )) فرتب الخروج على القول وقد تقدم تفصيل ذلك ، وأدلة هذا العنصر ( الإقرار ) من السنة أحاديث كثيرة  منها قوله صلى الله عليه وسلم : (( ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنـة ، قلت -  أي راوي الحديث الصحابي أبو ذر رضي الله عنه -  وإن زنى وإن سرق قال : وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق قال : وإن زنى وإن سرق ثلاثاً ثم قال في الرابعة : على رغم أنف أبي ذر )) [ أخرجه مسلم : ح 154 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم :  (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار )) [ أخرجه مسلم ح 47 ]  والشهادة تكون باللسان والشهادة النافعة تكون بالقلب واللسان والمراد بالتحريم على النار لا يخلد فيها قال النووي " والمراد بتحريم النار تحريم الخلود " [ شرح مسلم للنووي ج 1 ص 186 ط دار الشعب ] أهـ ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة )) [ أخرجه مسلم : ح 44 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ))[ أخرجه مسلم : ح 33 ] والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم ( حتى يقولوا لا إله إلا الله ) والعصمة جاءت بالإقرار الظاهر الدال على ظاهر الإيمان وحساب الباطن على الله ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة رضي الله عنه عندما قتل رجلاً قال لا إله إلا الله(( أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ))[ مسلم  : ح 159 ] . وفي رواية (( أقال لا إله إلا الله وقتلته ))قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح قال(( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا )) [ مسلـم : ح 158 ] وفي رواية(( فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة )) قال يا رسول الله استغفر لي قال (( وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة )) قال فجعل لا يزيده على أن يقـول (( كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة)) [ مسلم : ح 160 ] ، ( قلت ) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً أكتفي بما سبق خشية الإطالة وهذا الوضوح فيها جعل العلماء يجزمون بكفر من لم ينطق بلسانه وإن كان الإيمان في قلبه ومن ذلك ما قاله النووي عن شرحه لحديث مسلم : (( فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة )) وفيه " وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق ولا النطق دون التوحيد بل لا بد مـن الجمـع بينهمـا " [ شرح مسلم ج1 / 200 ] أهـ ، وقال أبو بكر البيهقي : " باب الدليل على أن التصديق بالقلب والإقرار باللسان أصل الإيمان وأن كليهما شرط في النقل عن الكفر عند عدم العجز –  ثم أورد أحاديث الباب " [ شعب الإيمان ج1 ص 38 - 42 تحقيق محمد السعيد بسيوني ] أهـ ، وإذا علمنا أن التصديق عند البيهقي هو التصديق الانقيادي أو بمعنى آخر التصديق المستلزم للانقياد علمنا أنه أجمل وجمع العناصر الثلاثة لأصل الإيمان ( الإقرار –    التصديق – الانقياد ) واشترط للإقرار عدم العجز ، فالاعتقاد يدخل فيه عنصران هما التصديق والانقياد والنطق هو الإقرار وثلاثتها أصل الإيمان وصاحبها مؤمن عند الله وعند المسلمين ، والأعمال خارجة عن الأصل داخلة في الإيمان الواجب فتاركها كلها لا يكفر الكفر الأكبر ( قلت ) وإن كان يوصف أحياناً بالكفر فهو كفر دون كفر كما تواتر عن علماء أهل السنة وسيأتي بيان ذلك في المبحث الثالث إن شاء الله تعالى ، وقال البدر العيني : " اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على ما قاله النووي أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار ، لا يكون إلا : 1) من اعتقد بقلبه دين ا لإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ، 2)  ونطق مع ذلك بالشهادتين  فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً بل يخلد في النار إلا أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكين منه لمعالجة المنية أو لغير ذلك فإنه حينئذ يكون مؤمنا بالاعتقاد من غير لفظ "[ عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ج1 / 110 ] ، ( قلت ) : كلامه رحمه الله واضح الدلالة على عنصر الإقرار ، فإذا علمنا أن الاعتقاد عنده هو التصديق والانقياد ( قول القلب وعمله ) أيقنا أن هذا هو أصل الإيمان وحده الأدنى عند أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على ما قاله النووي ونقله العيني ،

 

العنصر الثاني : قول القلب ( التصديق ) : ويدخل فيه بالضرورة العلم والمعرفة إذ لا يصح  تصديق بلا علم ومعرفة ، ولهذا كانت جميعها مترادفات إذا جاءت في الشرع أو قال بها علماء أهل السنة والجماعة . ودليله من كتاب الله عز وجل : أن الله عز وجل حكم على المقر بالشهادة و لا يصدقها بقلبه بأنه منافق في الدرك الأسفل من النار فقال جل شأنه : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ }[ البقرة : 8 ]وقال جل شأنه :{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا }[ النساء : 142 ] وقال تعالى : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ً }[ النساء : 145 ]  ،  وأدلته من السنة كثيرة منها : قوله صلى الله عليه وسلم : ( فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة ) والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم ( مستيقناً بها قلبه ) واليقين هو التصديق الجازم الذي لا شك فيه . وقوله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة ))[ أخرجه مسلم : ح 44 ] .والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم ( غير شاك فيهما ) ونفي الشك معناه إثبات التصديق الجازم الذي لا يصح أصل الإيمان المنجي من الكفر إلا به ،

 

العنصر الثالث : عمل القلب ( الانقياد ) : ودليله الأول : حكم الله عز وجل على إبليس الرجيم بالكفر الأكبر وبالخلود الأبدي في النار مع أنه مصدق بالله وألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته وقدره ويومه الآخر وملائكته ورسله ، ولكنه تصديق مجرد خال عن الانقياد ، ولهذا كان كفره كفر الإباء والاستكبار والعناد المضاد ، فدل حاله على أن التصديق المجرد لا يصلح بحال وصاحبه إن خلا قلبه من الانقياد فتصديقه كتكذيبه وهو أشد كفراً من المكذب ولهذا كان إبليس الرجيم أشد خلق الله كفراً وضلالاً ، ودليله الثاني : حكم الرسول صلى الله عليه وسلم على اليهودي الذي أقسم أنه يعلم أنه رسول ويصدقه ، ولكنه تصديق مجرد خال عن الانقياد لأمر ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ونهيه ، ولذلك حكم عليه بالكفر وعدم الدخول إلى الإيمان والإسلام بمجرد الإقرار والتصديق الخالي عن الانقياد ، 

 

أما أعمال الجوارح فخارجة عن أصل الإيمان داخلة في الإيمان المطلق :  جاء في أحاديث الشفاعة الصحيحة – وقد تقدم ذكرها – ما يدل على خروج أصحاب القبضة أهل التوحيد المجرد من أعمال الجوارح من النار ودخولهم الجنة برحمة الله الواسعة فدل ذلك على أن أعمال الجوارح – على أهميتها العظيمة – إلا أنها لا تدخل في أصل الإيمان الذي يضاده الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، ولكنها تدخل في الإيمان المطلق .

***

 

[  أقوال علماء أهل السنة الدالة على أن عناصر أصل الإيمان ثلاثة

إقرار اللسان  ( قول اللســان ) ، وتصديق القلب ( قول القلـب ) ، وانقياد القلب ( عمل القلـب )

وأن أعمال الجوارح خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرع الإيمان ( الإيمان المطلق ) ]

 

علماء أهل السنة والجماعة الأئمة المحققون اتفقوا -  كما سيتبين -  على أن حد الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار هو قول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، ونسب غالبهم هذا التحديد إلى دلالات الكتاب والسنة وإلى قول السلف ويشيرون إلى أنه مذهب أهل الحق الفرقة الناجية ، وقبل أن أذكر أقوال هؤلاء الأئمة الفحول أود أن أذكر فوائد هامة وضوابط ضرورية تعين على فهم مقصود هؤلاء عند الحديث عن الإيمان الأدنى  ، ( الفائدة الأولى ) : بعض علماء أهل السنة يذكرون ( التصديق ) عند تعريف الإيمان ويقصدون به التصديق الانقيادي المستلزم لقول القلب وعمله ، ( الفائدة الثانية ) : كثير من علماء أهل السنة والجماعة يذكرون ( الاعتقاد ) عند تعريف الإيمان ويقصدون به آنذاك قول القلب ( تصديق الخبر ) وعمل القلب ( انقياده للأمر والنهي ) ، ( الفائدة الثالثة ) : علماء أهل السنة والجماعة الفقهاء المحققون قد اتفقت كلمتهم على إدخال التصديق والانقياد والإقرار في حد الإيمان الأدنى وأصله الذي لا يصح بدونه ، واتفقوا - كما سيأتي بيان ذلك -  على إخراج عمل الجوارح من دائرة هذا الأصل إلى دائرة الواجب ، وحتى الذين قالوا بكفر تارك الصلاة الكفر الأكبر - مع أنه قول مرجوح لقواعد الجمع والترجيح بين أدلة الشرع ومخالف لقول جماهير السلف والخلف وسيأتي بيان ذلك - فإن هؤلاء لم يدخلوا الصلاة في أصل الإيمان وإنما قالوا بالكفر ل]gmأدلة أخرى إضافية ، وإلا فقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب ولم يوجب ذلك زوال اسم الإيمان عنهم بالكلية ، وبعد فالعلماء الفقهاء المحققون الذين اجتهدت في جمع أقوالهم في هذه المسألة البالغة الأهمية والتي على أساسها مدار أسماء وأحكام الملة جميعها ،

 

أولاً : ما جاء عن الإمام الشافعي– رحمه الله – ( ت 202 هـ ) : قال البدر العيني في كتابه عمدة القارئ شرح صحيح البخاري : " نقل عن الشافعي أنه قال : الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو مـن الخلـود في النـار ويدخل الجنـة " [ عمدة القارئ ج1/104 ] أهـ ، وقال القسطلاني في كتابه إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري – عند شرحه لحديث الإيمان بضع وستون شعبة – " الإيمان في اللغة التصديق وفي عرف الشارع تصديق القلب واللسان وتمامه وكماله بالطاعات ، فحينئذ الإخبار عن الإيمان بأنه بضع وستون يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع لأن الإيمان هو الأصل والأعمال فروع منه -  إلى أن قال -  ولا يخفى أن هذه الوجوه إنما تقوم حجة على من يجعل الطاعات ركناً من حقيقة الإيمان بحيث أن تاركها لا يكون مؤمناً كما هو رأي المعتزلة ، لا على من ذهب إلى أنها ركن من الإيمان الكامـل بحيث لا يخـرج تاركهـا عن حقيقـة الإيمـان كمـا هـو مذهـب الشافعـي - رحمه الله تعـالى " [ إرشاد الساري ج1/93 ] أهـ ، القسطلاني أشار إلى مذهب الشافعي في المسألة وأنه يرى أصل الإيمان ( تصديق القلب واللسان ) ويدخل فيه بالطبع انقياد القلب ، وعبر عنه القسطلاني ( حقيقة الإيمان ) ، وعبر عن الأعمال بأنها داخلة في الإيمان الكامل ( أي الكمال المأمور به ) وهو الواجب ، وأن المقصر في الأعمال لا يخرج عن أصل الإيمان فله اسمه وحكمه ، وقال البدر العيني وهو يوضح مذهب السلف والإمام الشافعي في علاقة عمل الجوارح بمراتب الإيمان : الإيمان في كلام الشارع قد جاء : 1)بمعنى أصل الإيمان وهو الذي لا يعتبر فيه كونه مقروناً بالعمل ، 2) قد جاء بمعنى الإيمان الكامل وهو المعروف بالعمل ، كما في حديث وفد عبد القيس ، 3) والإيمان بهذا المعنى هو المراد بالإيمان المنفي في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )) وهكذا كل موضع جاء بمثله ، 4) فإن الإيمان المنجي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين ، 5) والإيمان المنجي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السنة خلافاً للمعتزلة والخوارج ، ومما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر ( ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت : وأن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق ) الحديث ، 6) فالحاصل أن السلف والشافعي إنما جعلوا العمل ركناً في الإيمان بالمعنى الثاني دون الأول ، وحكموا مع فوات العمل ببقاء الإيمان بالمعنى الثاني ، وبهذا يندفع الإشكال "[ عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ج1/104 ] أهـ

 

ثانياً : قول الإمام أحمد بن حنبل ( ت : 241 هـ ) : جاء في طبقات الحنابلة : في وصية الإمام أحمد لتلميذه الحافظ مسدد بن مسرهد : "ولا يخرج الرجل من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحداً بها فإن تركها كسلاً أو تهاوناً كان في مشيئـة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه "[ طبقات الحنابلة ج1 / 343 ] ، ومع تدبر هذه الرواية نجد أنها تدل على أن مذهب الإمام أحمد هو أن ترك أعمال الجـوارح المجردة عن الاعتقاد خارج عن أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ويؤكد ما ذكرناه هذه الرواية الثانية ، وجاء في كتاب السنة للخلال : " أخبرنا محمد بن علي قال حدثنا صالح قال سألت أبي ما زيادته ونقصانه ، قال : زيادته العمل ونقصانه ترك العمل مثل ترك الصلاة والزكاة والحج وأداء الفرائض ، فهذا يزيد وينقص بالعمل " [ السنة للخلال ج3 / 588 ] أهـ  ، فدل كلامه رحمه الله على أن أعمال الجوارح تؤثر في زيادة الإيمان ونقصانه ولكنها لا تلغيه بالكلية [ ومن فوائد ذكر هذه الرواية عن الإمام أحمد أنها تدعونا إلى فتح ملف حكم تارك الصلاة في المذهب الحنبلي إذ المعلوم أن المدارس الفقهية المعتمدة التي انضبطت أقوالها وتحققت ، جميعها على القول بأن تارك الصلاة متكاسلاً في إطار الملة لا يكفر الكفر الأكبر ما كان معتقداً لها منقاداً لفرضيتها ، عدا ما ينقله البعض عن الإمام أحمد أنه كفر أكبر مخرج من الملة ، ولكننا إذا تتبعنا أقوال الإمام أحمد في المسألة وأقوال أئمة المذهب الحنبلي وجدنا أن الأمر يختلف تماماً ، وأن الراجح عند الحنابلة أنه كفر في إطار الملة وأن الروايات المخالفة ضعيفة ومضطربة ، ومع اضطرابها فليس في شيء منها التصريح بأن المسلم يكفر الكفر الأكبر وقد بسطنا البحث حول هذه المسألة الهامة في مبحث آخر ] ، ولعل هذا ما دعا ابن قدامة المقدسي الحنبلي - وهو من أكبر أئمة المذهب الذين لهم الترجيح داخله – أن يرجح الرواية القائلة بكفره في إطار الملة ،

 

ثالثا : ما جاء عن محمد بن نصر المروزي (ت 294 هـ ) : كان مما نقله عنه ابن تيمية في الفتاوى : " ولكنا نقول : للإيمان أصل وفرع ، وضد الإيمان الكفر في كل معنى فأصل الإيمان الإقرار والتصديق [ هنا نجده يجعل أصل الإيمان عبارة عن الإقرار والتصديق ] ، وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن [ وهنا يصرح أن العمل من كمال الإيمان الواجب ولا يدخل في أصله ] فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان ،الكفر بالله [ وهنا يصرح أن العمل من كمال الإيمان الواجب ولا يدخل في أصله ] وبما قال ، وترك التصديق به وله ، وضد الإيمان الذي هو عمل ، وليس هو إقراراً ، كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة [ وهنا يصرح أن العمل من كمال الإيمان الواجب ولا يدخل في أصله ] ولكن كفر تضييع العمل ، كما كان العمل إيماناً ، وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله ، فلما كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافراً ، يستتاب ، ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم ، أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا ، فقد زال عنه بعض الإيمان ، ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل السنة وأهل البدع ممن قال : إن الإيمان تصديق وعمل ، إلا الخوارج وحدها ، فكذلك لا يجب بقولنا :كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب ، ولا إزالة الحدود عنه ، إذ لم يزل أصل الإيمان عنه ، فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل إذلم يأت بأصل الكفر الذي هو كفربالله أو بما قال :  ( قالوا ) : فمن ثم قلنا : إن ترك التصديق بالله كفر ، وإن ترك الفرائض مع تصديق الله أنه قد أوجبها كفر ، ليس بكفر بالله ، وإنما هو كفر من جهة ترك الحق كما يقول القائل : كفرتني حقي ونعمتي ، يريد : ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي ، ( قالوا ) : ولنا في هذا قدوة بمن روي عنهم من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم – والتابعين ، إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصله ، لا ينقل صاحبه عن ملة الإسلام ، كما أثبتوا للإيمان من جهة العمل فروعاً للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام ، من ذلك قول ابن عباس في قوله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [ المائدة : 47 ] ليس بالكفر الذي يذهبون إليه . وعن ابن طاووس عن أبيه قال : قلت لابن عباس : {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فهو كافر ؟ قال : هو به كفر ، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله . وعن عطاء قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق ،  ( قالوا ) : وقد صدق عطاء ، قد يسمى الكافر ظالماً ، ويسمى العاصي من المسلمين ظالماً ، فظلم ينقل عن ملة الإسلام ، وظلم لا ينقل ، قال الله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } [ الأنعام : 82 ] . وقال : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] . وذكر حديث ابن مسعود المتفق عليه قال لما نزلت : { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم و( قالوا ) : أينا لم يظلم نفسه ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس بذلك ، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح : ( إن الشرك لظلم عظيم ) إنما هو الشرك ،  وكذلك الفسق فسقان : فسق ينقل عن الملة ، وفسق لا ينقل عن الملة فيسمى الكافر فاسقاً ، والفاسق من المسلمين فاسقاً ، ذكر الله إبليس فقال { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [ الكهف :51 ]  وكان ذلك الفسق منه كفراً ، وقال الله تعالى : {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ } [ السجدة :20 ] يريد الكفار ، دل على ذلك قوله : {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}[ السجدة :20 ] وسمى القاذف من