جديد الموقع

محاضرات في علم الإلهيات ( 35) الخاتمة - خلاصة قسم الإلهيات - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  خلاصة قسم الإلهيات ،  أقول وبالله التوفيق :

( القسم الاول ) من أقسام العقيدة هو قسم ( الإلهيات ) ، ويشمل الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى ، وهذا القسم هو اهم أقسام العقيدة ، حتى قال المتخصصون في علم العقيدة : حرام على من يجهل هذه المقدمات أن يؤلف في عقائد المسلمين ، أو يتكلم في فرق الإسلام ، لأنه بذلك يتقول على الله بغير علم ، وهو يحسب انه من المهتدين ، وهناك امثلة مختصرة لاهم تلك المقدمات :

[ ]  من أهم تلك المقدمات : معرفة معاني ( الأحدية  ) { قل هو الله احد } ، الاحدية محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن ،  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا ، وكل من كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ، ( الأحدية ) لها معنى و ( الاحدية المطلقة ) لها معنى أوسع ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والانسان قدرته محدودة ، (  الأحدية المطلقة  )  توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء  ،  { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، (  الأحدية )  محكمة لأنها تعدل ثلث القرآن ، وكل ما عارض الأحدية من ذكر الوجه واليد والعين والساق متشابهات يجب رده إلى معانيها حتى لا نقع في الزيغ الذي حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى : {  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ }  ،

[ ]  الوجه واليد والعين والساق أجزاء من ذات ، والأحدية تمنع من قبول الأجزاء والابعاض ، هناك ثلاث مسالك معتمدة في معاملة تلك المتشابهات ،  (  المسلك الاول ) : إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه ، الله اعلم بمراده منها ، و المسلك ( الثاني ) : اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى له الاحدية المطلقة ليس جسما ، ولا متجزئا ولا متركبا ، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة ،  والمسلك ( الثالث ) : حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها ، ومثاله حمل الوجه على الذات ، في قوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } ، وحمل اليد في قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } على غاية الكرم والجود والعطاء ، وفي قوله تعالى : { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم وهكذا ،

[ ]  ومن أهم تلك المقدمات : معرفة معاني ( الصمدية المطلقة ) ومعاني الكمال المطلق لله تعالى في جناب الذات وأسمائه وصفاته ،  { اللَّهُ الصَّمَدُ }  : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد ، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض ، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه ، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه ، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة  ،  ( الصمدية المطلقة ) تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ،  ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء ،  جل المصور أن يكون مضورا ، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور ، { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق ، {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته ، ( الصمد ) هو الإله الرب الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله ، من خصائص الصمدية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، الكمال المطلق لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ،  الكمال المطلق دائم لا يزول ، لا يفنى ولا يبيد ، الكمال المطلق لا يقبل تغير ولا حدوث ، لأنه إن تغير : تغير إلى زيادة أو نقصان ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن من صفات الإله الذي له الكمال المطلق ،

[ ]  ومن أهم تلك المقدمات : تقديس الله تعالى عن كل مثيل : { ليس مثله شيء } ، او كفء أو شريك ،  الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، هذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس ، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ،  { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات ،  أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ،   ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح ، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير  ، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير ، قال تعالى : {  إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان : 2 ] ، فدلت الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ،  يمكن أن تكون هناك مثلية في بعض معاني الصفات ، ولكن النفي المطلق للمثلية إنما هو في جناب الذات ،  هذه الآية تقضي على كل أوهام الحشو ، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها ، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات ، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات ، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كانت أجزاء من ذات ، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض ،  فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد ، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات ، وتكييف الذات ، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله ، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى : { ثم استوى على العرش يدبر الأمر } ، كما أن القرب في قوله تعالى { فإني قريب } قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء ، كما أن المعية في قوله تعالى { وهو معكم أسنما كنتم } معية صفات ( صفات العلم والسمع والبصر } ،  كما أن الاحاطة في قوله تعالى { وهو بكل شيء محيط } إحاطة صفات العلم والسمع والبصر ، قال تعالى { احاط بكل شيء علما } ،  أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى { ولا يحيطون به علما } ،

[ ]  ومن تلك المقدمات : تقديس الله تعالى عن عن الحدوث وقبول الحوادث ،  ( الله جل جلاله ) له القدم الأزلي : ( أول بلا ابتداء ) ، ( القـدم ) هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى : {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء )) [ أخرجه مسلم ] ،  ( أول ) لا أول لوجوده تعالى لا يسبقه عدم ،   ( القِدمُ )  معناهُ الأزلية ، لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ،  أظهر صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب ، قال تعالى : {  فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ، فالعلة في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب هي الأفول ، قال المفسرون : ذكر إبراهيم الخليل عليه السلام لقومه ( علة الأفول ) للاستدلال على أن الكواكب والشمس والقمر  لتغير حالها لا تصلح للإلهية ، وتنبيها لهم أن التغير والحدوث نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ،   إذن كل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث فهي متشابهات  يجب رده إلى محكماتها ، وكل ما اوهم الحركة او السكون أو التغير والحدوث فهي متشابهات  يجب رده إلى محكماتها من القدم الازلي ، ومن ذلك المجيء في قوله تعالى { وجاء ربك والملك صفا صفا } فالمجيء المعهود هو الانتقال من مكان إلى مكان ، وهذا يستلزم كبر المكان الاول والثاني عن المتحرك فيهما ، والله اكبر من كل شيء ، وهو يستلزم التغير والله تعالى قديم بجناب ذاته وصفاته ، إذن كل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي

[ ]  ومن تلك المقدمات : تقديس الله تعالى عن الحدود والغايات وعن الكون في المكان ، وعن جريان الزمان عليه ، فإن الله تعالى له الوجود المطلق ، المقدس عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات ، والمقدس عن الكون في المكان ، وعن جريان الزمان ،  هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان ، تحكمه قوانين المكان ، من الكون في المكان والتحيز في جهة من جهات المكان ، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه ،   هذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل ، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل ، هذا الوجود المقيد هو صفة المخلوق مهما كبر أو صغر من الفرش إلى العرش ومن الأرض إلى السماوات كل الخلائق محكومة بهذا الوجود الزماني والمكاني مقهورة به لا انفكاك لها عنه ، لا تخرج عن قوانين المكان فهي إن كانت في مكان فهي تخضع لقرب وبعد المسافات ، قريبة من مكان وبعيدة عن الآخر ، ويجري عليها الزمان قهرا ، لا يمكنها التصرف في الزمان فلا توقف الحاضر ولا تعيد المستقبل

[  ]  أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود المطلق الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، فالله تعالى له الوجود المطلق ، هذا ( الوجود المطلق ) لا يتقيد بالمكان ، لان المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن ، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء ، ، هذا ( الوجود المطلق ) لا يجري عليه زمان ، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] ، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، الخلائق عاجزة عن معرفة كنه الوجود الإلهي ، لأنها مخلوقة محدودة محدثة ، والمخلوق لا يدرك الخالق ، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود ، والمحدث لا يدرك كنه القديم ، الله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود ، تعالى الله على الحدود والبدايات والنهايات والغايات ، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، وشعار المسلمين الله أكبر ، أكبر من المكان فلا يحيه مكان واكبر من الزمان فلا يجري عليه زمان ، له الوجود المطلق لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، ولا يجري عليه في ملكه زمان ،

[ ]  ومن تلك المقدمات : تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية من الأجزاء والأبعاض والصور والأشكال ،   ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، وعلى ذلك : فالجسمية تناقض الأحدية ، الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، و ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ، 

[ ] الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء ، الجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث ، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ،   والجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ،  وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال

[ ]  يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ،  والإشكالية أن هذه الألفاظ تعني أجزاء من ذات ، والله تعالى هو الاحد الصمد المتصف بالأحدية  المطلقة ، وأخص خصائص الاحدية عدم قبول الكثرة والاجزاء والابعاض ، ولهذا صارت ألفاظ الوجه واليد والعين من المتشابهات لابد من فهم مجازاتها في اللغة العربية ، وفي القرآن الكريم ، لأنه أُنزل بلسان عربي مبين ،  وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ،

[ ] جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات ،  لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى ,

[ ]  صاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ،

[ ]   الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، و كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، ( الحاصل ) : التقديس المطلق ، الله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا شكل ولا مكان ولا يجري عليه زمان ، ويجب العلم بانّ  القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات ، ويجب العلم بانّ  الإحاطة بالكون احاطة صفات لا إحاطة ذات ، ويجب العلم بانّ  الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات ، ويجب العلم بانّ  جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ،

[ ]  القاعدة العامة في الإلهيات أنّ كل ما عارض المحكم فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات من الصور والاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه  ،  وكل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه ،  و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي ،  وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، كل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  الله موجود بلا كيف ، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان ، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء ، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، والعجز عن الإدراك إدراك ، ولا يحيطون به علما ، هذا هو ثمرة دراسة المقدمات الاعتراف بالعجز عن الادراك { لا تدركه الأبصار } ، وبلوغ التقديس المطلوب { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ، وتصفية الاعتقاد من شوائب الحشو والتكييف والتجسيم ، الله موجود بلا كيف ، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان ، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء ، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، والعجز عن الإدراك إدراك ،

[ ]  هذه المقدمات هي النقاط التي لم يستطع ( ابن تيمية ) وأتباعه أن يهضموها ، فسببت لهم خللا كبيرا في العقيدة ، وآل بهم هذا الخلل إلى الوقوع في بدع الحشو التجسيم ، على حساب التقديس ، وإلى الغلو في التكفير والتبديع فيما يتعلق بأمة الإسلام ، للأسف من أبعد المسلمين عن تلك القواعد الربانية المستمدة من الكتاب السنة ( السلفيون ) ، المنتسبون إلى السلفية  ، والسلفية الحقة المباركة بريئة مما هم فيه من الجهل بالله تعالى وما يجب له من التقديس والتنزيه ،  وبسبب الجهل بتلك المقدمات تسربت إليهم مفردات بدعة الحشو والتكييف ، كيفوا الوجود الإلهي وحدوه بالمكان والزمان ونسبوا إلى جناب ذاته الاقدس الحد والتناهي ونسبوا إليه صفات الاجسام المخلوقة من الصورة والشكل والحركة والسكون والتغير والحدوث ، وصاروا أقرب إلى المجسمة المبتدعة منهم إلى اهل السنة والجماعة الحقيقيين ، ( المشكلة ) : أنهم يتدثرون بلباس أهل السنة ، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء ،  أهل الحشو أهل جهل مركب ، يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بها على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، ولذلك فهم قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين ، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين ، و ( المشكلة ) كلك : انهم يتصدرون للحديث عن جناب الذات وهم يجهلون علم التقديس ، مع أنه حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اجتنابه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ،  سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 34 ) قواعد التقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة : قواعد التقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي    ،  أقول وبالله التوفيق : من اهم تلك القواعد المستمدة من ادلة الكتاب والسنة ، والتي اجمع عليها أهل الاصول المتخصصون في العقيدة ، وقد أمرنا الله في كل علم بالرد إلى أهله ، فقال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، ومن تلك القواعد التي اجمع عليها المتخصصون :

( القاعدة الأولى ) : الله خالق كل شيء ومن خلقه المكان والزمان والحد والمقدار ] ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، كل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور والمكان والزمان ، والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى ، وكل خلق الله محتاج إلى الله والله هو الغني الحميد ،

( القاعدة الثانية ) : الله تعالى هو الأول الآخر الظاهر الباطن ، وهو بكل شيء عليم ، عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ،   

( القاعدة الثالثة ) : الله تعالى هو الواحد القهار : قهر خلقه بالحد والمقدار ، والكون في المكان وأن يجري عليهم زمان : قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  الله عز وجل هو الواحد لا شريك له ، وهو القهار : قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، وقهرهم جميعها بالحد والمقدار ، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار ، قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق ، كل مخلوق له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث ،   وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى ،  أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار ، لا تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه ، لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ،  الله سبحانه قهر الخلائق بالكون في المكان ، فلا يستطيعون الفكاك منه ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى هو خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ،

( القاعدة الرابعة ) : الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) منزه عن كل ما ينافي الأحدية من الأبعاض والأجزاء والجوارح والأركان ] ،  الله تعالى هو ( الأحد ) له تعالى : ( الأحدية المطلقة ) ، منزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح ،  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا ، وكل من كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ،  { اللَّهُ أَحَدٌ } معنى الآية : أنّ الله تعالى مقدس في جناب ذاته عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل ، فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ،  [ الأحدية ] محكمة لأنها تعدل ثلث القرآن ، وكل ما عارض الأحدية من ذكر الوجه واليد والعين والساق متشابهات يجب رده إلى معانيها حتى لا نقع في الزيغ الذي حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى : {  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ }  ، الوجه واليد والعين والساق أجزاء من ذات ، والأحدية تمنع من قبول الأجزاء والابعاض ،  هناك ثلاث مسالك معتمدة في معاملة تلك المتشابهات ،  (  المسلك الاول ) : إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير التعرض لمعناه ، الله اعلم بمراده منها ، و المسلك ( الثاني ) : اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي تدل على أنه تعالى له الاحدية المطلقة ليس جسما ، ولا متجزئا ولا متركبا ، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة ،  والمسلك ( الثالث ) : حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها ، ومثاله حمل الوجه على الذات ، في قوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } ، وحمل اليد في قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } على غاية الكرم والجود والعطاء ، وفي قوله تعالى : { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم وهكذا ،  { الله الصمد } :  الصمدية المطلقة تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد ، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض ، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه ، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه ، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة  ،  الصمدية المطلقة  تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ،  ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء ،  جل المصور أن يكون مضورا ، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور ،  من خصائص الصمدية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، الكمال المطلق لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ،  الكمال المطلق دائم لا يزول ، لا يفنى ولا يبيد ، الكمال المطلق لا يقبل تغير ولا حدوث ، لأنه إن تغير : تغير إلى زيادة أو نقصان ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن من صفات الإله الذي له الكمال المطلق ،  { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  } : وصف الله تعالى بالقدم أول بلا ابتداء  وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث  { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء ، ولا يكون منه شيء حادث ، { وَلَمْ يُولَدْ   } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث ،  { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } :  تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  تقدس أن يكون له مثيل او شبيه  ،  هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول ،   ( الأول ) : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة ( الله أحد ) ، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام ،  و ( الثاني ) : وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة ( الله الصمد ) ، له الغنى التام والحمد على الدوام ، منزه عن الحاجة ، يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  و ( الأصل الثالث ) تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث ( لم يلد ولم يولد ) ،   و ( الأصل الرابع ) : تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن ،

( القاعدة الخامسة ) :  أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي ، وذلك لما اشتملت عليه من معاني التوحيد والتقديس والتنزيه ، ونفي النقائص عن الله  : { اللَّهُ لا إله إلا هو } : ( الله ) عَلَمٌ على جناب الذات ، وهو الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا ،   { لَا إِلَهَ إِلَّا هو } : معناها أنّ الله تعالى واحدٌ في إلهيته ، لا إله إلا هو ، ولا شريك له ،  { الْحَيُّ الْقَيُّومُ } : { الحي } سبحانه ، له كمال الحياة ، حياةً أزليةً أبديةً ، لم يسبقها عدم وليس بعدها فناء ، فالحي الكامل المطلق هو الله ، له كمال الحياة ، و { القيوم } هو الذي قامت به السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات ، يحتاجون إليه وهو الغني عنهم ،  غنيٌ عن كل ما سواه ، قيوم لغيره  ، ومن كمال قيوميته استغناؤه في وجوده عن المكان ، { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } قدوس منزه عن كل نقص أو عجز أو عيب ،  { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } أصل في التقديس والتنزيه ، فكما أنّنا بها ننفي عن الله النوم والنعاس ، يجب علينا أن ننفي عنه سائر صفات النقص والعجز والعيب والحاجة ،   فإذا كان الحد نقص نزهنا الله تعالى عنه لأنّه فوق الحدود والمقادير ، وإذا كان الكون في المكان نقص لأنّ ذلك معناه أن المكان أكبر من شاغله ، وأنّ المكان محيط بمن فيه ، وأن المكان سابق لمن بداخله ،  وأنّ المكان مستغن عن الذي فيه ، وان من فيه محتاج إليه لوجود ذاته فيه ، وان المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، والله تعالى هو الكبير المتعال وهو بكل شيء محيط ، وهو خالق المكان ، وهو القيوم عليه وعلى من فيه ، فوجب تنزيه الله تعالى عن الكون في المكان ،  وإذا كان التقيد بالزمان عجز ونقص ، لأنّ الزمان يصير حاكما على من تقيد به ، فإن التنزيه عن الزمان لازم للملك القدوس خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، كل الزمان منكشف على علمه وسمعه وبصره سبحانه ،  وإذا كانت الجسمية صفة نقص لأنها تعني الحد والمقدار - إذ كل جسم محدود مقدر - ، وتعني الكون في المكان وتعني تجمع الأبعاض وتألف الأجزاء ، وتعني الحاجة إلى جميع أجزائه ، فوجب تنزيه الله تعالى عن الجسمية لأنّه خالق المكان المنزه عن الكون فيه ، ولأنّه الأحد المنزه عن الأبعاض والأجزاء ، ولأنّه القيوم المنزه عن الحاجة إلى شيء غيره ، والجسم محتاج إلى أجزائه وأبعاضه ،   { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } : الكل خلقه والكل ملكه والكل مربوب بتدبيره وتصريفه وحفظه ورعايته ، لا يشذ عن ذلك شيء ، هو الملك المالك لكلِّ شيء ،  { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } : له كمال الربوبية والإلهية ، لا يشفع أحد عنده أحدٌ إلا بإذنه ،  { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } : العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ، وهي صفة أزلية يعلم بها جميع الأشياء ، الواجبات والممكنات والمستحيلات ، له كمال العلم المطلق ، عالم بكل شيء ، لا تخفى عليه خافية ، ولا يغيب عنه أي معلوم ، علمه يحيط بجميع الاشياء ، أحاط بكل شيء علما ، { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ } : فلا تُحيط الخلائق بشيء من علمه إلا بما شاء ، ولا يحيطون به علماً لأنّه الذي لا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأفهام ، { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ } : اشارة إلى سعة ملك الله وعظيم كونه ، وقد جاء في الحديث : (( ما السمواتُ السبعُ في الكرسيِّ إلا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ )) ، وقد نقل المفسرون عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّ المراد بالكرسي في الآية هو (( العلم )) ، وممن رجح ذلك التفسير الطبري والقرطبي وغيرهما ، وسع علمه السموات والأرض ، { وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا } : أي لا يصعب عليه حفظ السموات والأرض ولا ما فيهما ولا ما بينهما ، لأنّ الله عز وجل له القدرة التامة ، لا شيء صعب عليه ، لا يعجزه شيء ،  { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } : له صفات العلو والعظمة ، وله صفات القَهْر والغَلَبة ، علو الربوبية والإلهية ، علو الكمال المطلق والتقديس المطلق ، هو العلي عن صفات العجز والنقص ، وهو العلي عن المثيل والند والشريك ، علي بصفات الكمال والجلال ، متعال عن صفات النَّقْص والعيب والعجز سبحانه ، { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } (  العظيم ) ، سبحانه العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول المحدودة في تصور عظمته ، عظمة جناب ذاته وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، وعظمة إلهيته وربوبية ،  

( القاعدة السادسة ) : الكمال المطلق لله تعالى :  من خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، ( الكمال المطلق ) : لا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية ،  لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ،  ( الكمال المطلق ) : أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لجناب ذاته ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته ، لا حد لكماله المطلق ، منزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية ،

( القاعدة السابعة ) : معاني التقديس المطلق لله تعالى عن الشبيه  والمثيل ، وعن سمات النقص ،  و ( التقديس ) هو حال الملائكة الكرام حيث قالوا كما ذكر القرآن الكريم عنهم : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ،  [  ]   من أسمائه الحسنى  : (  القدوس  ) أي الطاهر المنزه المقدس عن كل معاني النقص والحاجة وعن العيوب والآفات ، ومن أسمائه الحسنى : ( السّلام  ) أي السالم المنزه المقدس عن كل آفة وعيب وذم ونقص ينافي الكمال ، [  ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ليس كمثله شيء ، غيب الغيوب ، الغيب المطلق الذي انقطع علم الخلق دونه ، قال تعالى : { ولا يحيطون به علما }  ،  وقال تعالى : {  لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ، سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، غيب الغيوب ، منزه عن كل مثيل أو كفء أو شبيه ، 

( القاعدة الثامنة ) :  تقديس الله عن المثيل ، قال تعالى : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات ،  أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح ، لان الله تعالى هو السميع البصير ، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى : {  إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان : 2 ] ، فدلت الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات ، كل الخلائق مقهورة بالحد والمقدار ، تقدس الله عن الحدود والمقادير ، كل الخلائق مقهورة بالبدايات والنهايات ، والله مقدس عن البدايات والنهايات ، قديم ازلي ، كل الخلائق مقهورة بالمكان والزمان ، تقدس الخالق عن التقيد بخلقه ، فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ،  كل الخلائق موصوفة بالتجزؤ والتبعض والانقسام ، كل الخلائق موصوفة بالتركيب ، كل الخلائق مقهورة بالصور والأشكال ، والله تعالى له الاحدية المطلقة ليس كمثله شيء ، مقدس عن التجزؤ والانقسام ومقدس عن الصور والأشكال ، جل المصور ان يكون مصورا ، كل الخلائق موصوفة بالوجود المقيد بمكان دون مكان وزمان دون زمان ، وحد ومقدار وبداية ونهاية ، والله تعالى ليس كمثله في جناب ذاته شيء  ، فلا بداية ولا نهاية ولا حد ولا غاية ،

( القاعدة التاسعة ) : جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار : التناهي في جناب الذات نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال ،  القاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لجناب ذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية ، شعار المسلمين : (( الله أكبر )) : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،   كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق ، و ( الكمال المطلق ) يمنع من الحد والتناهي ، لا يقبل زيادة ولا نقصان ، لأنه إن قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ، ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال ، فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ،  والله أكبر من كل تصور ومن كل حد ومن كل نهاية ، له الكمال المطلق ،  ليس معنى تنزيه جناب الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف جناب الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، فهذا إنما يسري على الأجسام التي تقبل الاجزاء والأبعاض فتمتد في الافاق ، والاحدية المطلقة لله تعالى تمنع من قبول الاجزاء ومن مشابهة الاجسام ، وإنما المقصود أن جناب الذات منزه عن الحد الحسي ، فلا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية  ، منزه عن كل ما يخطر بالبال ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، قال تعالى : {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ،

( القاعدة العاشرة ) :  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان : المكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، والمكان محدث مخلوق ، والله تعالى قديم الذات ،  والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن ، والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ،  الله تعالى موجود بلا كيف ، الله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، ليس كمثله شيء ، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، سبحانه كان قبل خلق المكان وهو على ما عليه كان ، عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان ، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين : الأوّل : قديم ، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء ، وهذا باطل ، الثاني : حادث، والحادث محدود ، والله تعالى منزه عن الحدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء المقدس عن الحدود  ،  كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالكون في المكان متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو نرد المتشابه إلى محكمه كما هو فعل الراسخين في العلم ، فنحمله على المكانة ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  فنسبة المكان إلى الله محال ، والله موجود بلا كيف وبلا مكان ، 

( القاعدة الحادية عشرة ) : جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس : منزه عن الزمان ، ( الله ) لا يجري عليه زمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ولأن الزمان قاهر لمن يجري عليه بماض وحاضر ومستقبل لا يخرج المخلوق عن قهر الزمان ، والله هو القاهر فوق عباده وهو الواحد القهار ، الكل منكشف عليه منذ الازل ، جميع المعلومات منذ الازل وإلى الابد منكشفة على علمه الكامل القديم ، وجميع المبصرات منكشفة على بصره الكامل القديم ، وجميع المسموعات منكشفة على سمعه الكامل القديم ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو بكل شيء محيط ، لا يغيب عنه شيء

( القاعدة الثانية عشرة ) :  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس : منزه عن الحدوث وعن حلول الحوادث :  تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ، إنّ الذي يقبل الحوادث حادث ، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ،  كل ما يقوله أهل البدعة والضلالة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة :  منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ،  ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

( القاعدة الثالثة عشرة ) :    جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق : لانّ ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ،  الجسمية تناقض الأحدية ، والله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ] ،  الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،   من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء ،  الجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا المجسمة ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ،

( القاعدة الرابعة عشرة ) :  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق :  قال تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) ، ( الأحدية ) تدل على نفى الأجزاء ، ( الله الصمد ) الصمدية  : تدل على نفي الجارحة على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً حميدا بإطلاق ، ولا يكون صمداً مطلقاً أبدا ،

( القاعدة الخامسة عشرة ) :  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات : لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ،  كل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة التي من لوازمها : الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ،

( القاعدة السادسة عشرة ) :  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الاتحاد بشيء من خلقه ، وعن الحلول بشيء من خلقه ، وعن الاتصال أو الانفصال بشيء من خلقه ، لأنّ تلك صفات الاجسام المخلوقة ،  وقد أجمع علماء الاصول على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ، ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

( القاعدة السابعة عشرة ) :  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق : الأعراض من الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح وغيرها من الأعراض ، والكيفيات الحسية كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، مقدس سبحانه عن الحركة والسكون والخروج والدخول والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، الله عز وجل  مقدس عن الأعراض والكيفيات الحسية ، لأن الأعراض والكيفيات دلائل خلق وحدوث ، والله تعالى قديم أزلي مقدس عن جميع الحادثات ومقدس عن تغيره من حال إلى حال ،  وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، منزه عن التغير والحدوث ، أهل الأصول لا ينفون  ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وحاشاهم من ذلك ، ولكنهم ينفون اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى القديم الأزلي الذي له الكمال المطلق ،

( القاعدة الثامنة عشرة ) :  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق : سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وعن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كاختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كاختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، له الكمال المطلق المقدس عن التغير والحدوث ،

( القاعدة التاسعة عشرة ) :  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الوالد والولد والصاحبة :  تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فيستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 101 ] ،  ( النصارى ) ضالون من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، وند له ، ومثيل لذاته ، وشبيه بذاته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ]  ،

( القاعدة العشرون ) :  إمكان رؤية جناب الذات الإلهي تعالى في الآخرة لاهل الجنة : أخطأ المعتزلة والإباضية والشيعة عندما نفوا الرؤية بحجة أنّ المقدس عن المكان والحد والمقدار والصور الأشكال يستحيل رؤيته ، ونسوا أن المصحح للرؤية هو الوجود وليس والصور الأشكال ، الله موجود وكل موجود يمكن أن يرئ بلا قيود الحد والمقدار والمكان والزمان والصور والأشكال ، فالمصحح للرؤية هو الوجود وليس والصور الأشكال ، وأخطأ المجسمة والحشوية عندما أثبتوا الرؤية كرؤية الاجسام في جهة وفي مكان وبصورة وشكل ، لأن الله تعالى مقدس عن قيود الحد والمقدار والمكان والزمان والصور والأشكال ، ولكن المجسمة والحشوية لا يعلمون ،  أما أهل السنة والجماعة السادة ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) فاتفقوا على رؤية جناب الذات الإلهي تعالى في الآخرة ، وأنها رؤية بغير احاطة ، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة ، قال تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } [ القيامة:22، 23 ] ، قال ابن عباس في تفسير الآية : ( تنظر إلى وجه ربها ) ، وقال تعالى :  { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس : 26 ] ، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية ، كما أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة : الجنة ، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم ، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ، ألم تدخلنا الجنة ، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ، ثم تلا هذه الآية : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ))، [ أخرجه مسلم ] ، ومن الأدلة أيضا : قوله تعالى : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ ق: 35] فقد فسر المفسرون : المزيد في هذه الآية بأنه النظر إلى الله تعالى ، وقوله تعالى: { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 143] ،  الدليل على جواز الرؤية أنّ نبي الله  موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل ، لأنّ الأنبياء أعلم الناس بما يجوز وما يمتنع على الله ، ولا شك أنّ نبي الله موسى عليه السلام أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل في حقه من المعتزلة والإمامية والأباضية الذين منعوا من رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة ، والآية تدل على جواز الرؤية ، فإن الله تعالى أجابه بقوله { لَن تَرَانِي } وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: ( لست بمرئي ) ، أو ( لا تجوز رؤيتي ) أو ( إن الرؤية تستحيل في حقي ) ولكان آنذاك تصحيحاً واجبا للعقيدة وللخطأ في طلب الرؤية التي لا تجوز في حق الإله ، وكل هذا لم يحدث ، فدل على جواز المبدأ ( إمكانية رؤية الله ) ، كما أنّ الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز ، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية جائزة ، وقد تواترت الأدلة من السنّة على رؤية الله تعالى في الآخرة منها :  أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إنكم سترون ربكم عيانا )) [ أخرجه البخاري ] ،    رؤية الله بغير إحاطة لقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ  } [ الأنعام : 103 ] ، ورؤية الله تعالى ليست في جهة ولا في مكان لأنّ ذات القدوس تنزه عن المكان ، لا تحيط به الجهات والأركان ، فهي رؤية منزهة عن الجهة والمكان والحد والمقدار ، منزهة عن الوصف ، نسأل الله الكريم الحسنى وزيادة ،

كانت تلك العشرون من قواعد التقديس القواعد المستمدة من ادلة الكتاب والسنة والمتعلقة بجناب الذات الإلهي  ، والغرض منها : بلوغ التقديس والتسبيح الواجب لله ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة ، ومعرفة الواجب والجائز والمستحيل في حق جناب الذات الإلهي ، ومعرفة ما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه ،

هذه القواعد المستمدة من الكتاب والسنة جميعا مما اجمع عليه اهل الاصول ، وهو من المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ، وكل ما عارض تلك القواعد ، فهو متشابه يجب رده إلى محكمه  ،  ومن أعظم الخطأ اعتماد ظواهر المتشابهات في فهم الإلهيات لان مبنى الإلهيات على نفي المثلية  : قال تعالى – محذرا من تتبع المتشابهات -  : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ،  لا يمكن اعتماد ظواهر النصوص المتشابهات لبناء العقيدة ، بل لابد من اعتماد المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ، وكل ما عارض تلك القواعد ، فهو متشابه يجب رده إلى محكمه  ، إنّ  كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات من الصور والاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه  ، وكل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي ،  وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، فالله موجود بلا كيف لا حد بلا مكان بلا زمان ، مقدس عن الصور والأشكال ،  غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، ليس كمثله شيء ، لا تدركه الابصار ، ولا تبلغه الاوهام ، ولا يحيطون به علما ،  

ما أشد حاجة المسلمين إلى العلم بهذه القواعد قواعد علم التقديس التي تمنع من الخلل في علم العقيدة ، والتي تمنع من التعطيل ، وفي نفس الوقت تمنع من الحشو والتشبيه والتجسيم ، قواعد رصينة مستنبطة من الكتاب والسنة تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يجب وبما يجوز وبما يستحيل نسبته إلى جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ، وحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ،  إنّ قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس  : تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والعيش مع الله على الاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 103 ] ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، اللهم أحيينا مسلمين وامتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 33 ) رؤية جناب الذات الإلهي تعالى في الآخرة - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  اثبات رؤية جناب الذات الإلهي تعالى في الآخرة ،  وانه أعظم النعيم ، أقول وبالله التوفيق :

[ ]  خالفت الفرق الإسلامية اهل السنة والجماعة في مسألة رؤية الله تعالى في الآخرة ، فنفت المعتزلة والإباضية والشيعة الرؤية ، وحجتهم في ذلك أن المقدس عن المكان والحد والمقدار والصور الأشكال يستحيل رؤيته ، وأثبتت المجسمة والحشوية الرؤية كرؤية الاجسام في جهة وفي مكان وبصورة وشكل ، أما أهل السنة والجماعة السادة ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) فاتفقوا على رؤية جناب الذات الإلهي تعالى في الآخرة ، وأنها رؤية بغير احاطة ، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة ،

[ ]  أخطأ المعتزلة والإباضية والشيعة عندما نفوا الرؤية بحجة أنّ المقدس عن المكان والحد والمقدار والصور الأشكال يستحيل رؤيته ، ونسوا أن المصحح للرؤية هو الوجود وليس والصور الأشكال ، فالله تعالى واجب الوجود له الوجود المطلق عن الحد والمقدار والمكان والزمان والصور والأشكال ، ولكنه موجود وكل موجود يمكن أن يرئ بلا قيود الحد والمقدار والمكان والزمان والصور والأشكال ، فالمصحح للرؤية هو الوجود وليس والصور الأشكال ،

[ ]  وأخطأ المجسمة والحشوية عندما أثبتوا الرؤية كرؤية الاجسام في جهة وفي مكان وبصورة وشكل ، لأن الله تعالى مقدس عن قيود الحد والمقدار والمكان والزمان والصور والأشكال ، ولكن المجسمة والحشوية لا يعلمون

[ ]  قول مذاهب اهل السنة والجماعة السادة ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح  ، 

(  1  ) الأدلة على رؤية الله سبحانه من الكتاب :  ( أ ) قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } [ القيامة:22، 23 ] ، قال ابن عباس في تفسير الآية : ( تنظر إلى وجه ربها ) ،  ( ب ) وقوله تعالى: {  كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [ المطففين : 15  ] ، قال الإمام الشافعي : ( وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ ) ، بدليل لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين ) أهـ ،  ( ت ) وقوله تعالى :  { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس : 26 ] ، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية ، كما أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم ، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ، ألم تدخلنا الجنة ، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ، ثم تلا هذه الآية : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ،  ( ث ) وقوله تعالى : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ ق: 35] فقد فسر المفسرون ومنهم الطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم : المزيد في هذه الآية بأنه النظر إلى الله تعالى ،  ( ج ) وقوله تعالى: { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 143] ،   والدليل على جواز الرؤية أنّ نبي الله  موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل ، لأنّ الأنبياء أعلم الناس بما يجوز وما يمتنع على الله ، ولا شك أنّ نبي الله موسى عليه السلام أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل في حقه من المعتزلة والإمامية والأباضية الذين منعوا من رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة ، الآية تدل على جواز الرؤية ، فإن الله تعالى أجابه بقوله { لَن تَرَانِي } وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: ( لست بمرئي ) ، أو ( لا تجوز رؤيتي ) أو ( إن الرؤية تستحيل في حقي ) ولكان آنذاك تصحيحاً واجبا للعقيدة وللخطأ في طلب الرؤية التي لا تجوز في حق الإله ، وكل هذا لم يحدث ، فدل على جواز المبدأ ( إمكانية رؤية الله ) ، كما أنّ الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز ، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية جائزة ،

[ ]  (  2  ) الأدلة على رؤية الله سبحانه من السنّة : تواترت الأدلة من السنّة على رؤية الله تعالى في الآخرة منها :  ( أ ) ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: فإنكم ترونه كذلك )) [ أخرجه مسلم ]  ،  ( ب ) وأخرج البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنكم سترون ربكم عيانا )) [ أخرجه البخاري ] ،  ( ت ) أخرج مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } )) [ أخرجه مسلم ] ،  ( ث ) أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن )) [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه )) [ أخرجه البخاري ] ، 

[ ]  (  3  ) والأحاديث الواردة في رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة متواترة ، ذكر هذا التواتر ابن حجر في فتح الباري ، وقد اتفقت كلمة مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة ( المدرسة الأثرية والمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية ) على رؤية الله تعالى في الآخرة ، ومنع منها المعتزلة والإمامية والإباضية ، وحججهم في الباب واهية لا تقوى على معارضة الأدلة من الكتاب والسنة والعقل ،

[ ]  (  4  ) إمكانية رؤية الله تعالى عقلاً : رؤية الله تعالى غير ممتنعة عقلاً للأسباب التالية  :  (  أ ) الله تعالى موجود ، وكل موجود تصح رؤيته ، لأنّ المصحح للرؤية الوجود ، وليس الجسم والشكل والصورة ، وإذا كان الله تعالى منزها عن ذلك كله ، لأنّه الخالق لها ، فليس يعني ذلك انتفاء الرؤية لأنّ المصحح للرؤية هو الوجود والله تعالى موجود ، فكما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك للناس في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى على ما هو عليه من غير جهة ولا مقابلة كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعينهم يسمى ذلك الإدراك رؤية تتعلق به تعالى على ما يليق به ، فهذه لا يحيلها العقل وقد جاء الشرع بإثباتها ، فوجب اثباتها والايمان بها ، مع ما يتعلق بها من تقديس وتنزيه ، 

[ ]  المانعون من الرؤية عقلا كان دليلهم هو أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن المكان وسائر الأمكنة والجهات إليه سواء ، والرؤية لا تكون إلا في جهة ومكان ، والمكان مستحيل على الله لأنّ الله تعالى خالق المكان ، ولا يحل الخالق في المخلوق ، نقول نعم للتنزيه ، ولكن ما علاقة الرؤية بالمكان والجهة ، لأننا نقول رؤيته - سبحانه - لا في جهة ولا في مكان ، لأنّ جميع المؤمنين لا يضامون في رؤيته والمعنى لا يتزاحمون لرؤيته ، فالكل يراه لا في جهة ولا في مكان ، قال تعالى { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  } [ البقرة : 115 ] ، فالأماكن كلها عند الله تعالى سواء ،  و المانعون من الرؤية عقلا كان دليلهم هو أنّ الرؤية لا تكون إلا بشعاع متصل بين العين والشيء المرئي ، وهذا محال على الله لأنّه منزه عن قوانين المادة والجسم ، والشعاع المتصل يكون بين الأجسام المادية ، ونقول نعم للتنزيه والتقديس ، ولكن لا علاقة أيضاً لإمكانية الرؤية بالأجسام والمواد واتصال الأشعة البصرية ، فالرؤية ممكنة بغير تلك الأسباب ، والله تعالى خالق الأسباب والمسببات ، وعلى ذلك نؤمن بالرؤية بلا مقابلة ، ولا اتصال أشعة البصر ، ولا إحاطة بصر ،  و المانعون من الرؤية كان دليلهم من الشرع هو قوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ  } [ الأنعام : 103 ] ، فقالوا ما لا تدركه الأبصار فليس بمرئي ، وهذا فهم خاطئ للآية لأنّه لو كان المقصود نفي الرؤية لجاءت الآية ( لا تراه الأبصار ) ، ولكن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية ،  { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ  } ونحن نقول بجواز الرؤية  ولكن بغير احاطة ، إذ هناك مخلوقات محدودة من خلق الله تعالى كالبحر نراها ولا نحيط بها ، فكيف نحيط برؤية الله وهو المنزه عن الحدود ، لا تدركه الأبصار لأنّه منزه عن الحد والمقدار ، واسع لا حد له ، ولا نهاية لذاته ، أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن تحيط به رؤية المحدود المخلوق ،

[ ]  من التقديس والتنزيه المتعلق بالرؤية :   (  أ  ) رؤيه الله لا تحيط بذات الله ، وكيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود ، وكيف يحيط المخلوق المحدث برؤية الخالق القديم ، لا تدركه الأبصار لأنّه منزه عن الحد والمقدار ، واسع لا حد ولا نهاية لذاته ، أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن تحيط به رؤية المحدود المخلوق ، ، كما في قوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ  } [ الأنعام : 103 ] ، (  ب  ) ورؤية الله تعالى ليست في جهة ولا في مكان لأنّ ذات القدوس تنزه عن المكان ، لا تحيط به الجهات والأركان ، فهي رؤية منزهة عن الجهة والمكان والحد والمقدار ، منزهة عن الوصف ، (  ت  ) ورؤية الله ناشئة عن تجلى الرحمن الذي ليس كمثله شيء ، { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } ، ورؤية الله ناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار ، لأنّ الحجب تحجب المخلوق عن رؤية الخالق ، و إلا فجناب الذات الإلهي ظاهر ، لا يحجبه شيء ، إذ لا يحجب الحجاب المخلوق خالقة القاهر للحدود والواسع على كل محدود ، وإنما هي حُجُب تحجب أبصار المخلوقين المحدودة عن رؤية الخالق الجليل الكبير المتعال ، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم ، كما تجلى للجبل في الدنيا فجعله دكا ، نسأل الله الكريم بوجهه الكريم أن يتفضل علينا برؤية وجهه الكريم في دار النعيم ، فإنها أعلى نعيم أهل الجنّة ، قال تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس : 26 ] ، والزيادة هي النظر إلى وجه الكريم ، نسأل الله الكريم أن يتفضل علينا برؤيته في دار النعيم ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 32 ) الواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة : الواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى  ،  أقول وبالله التوفيق :  من اهم مقدمات العقيدة معرفة الواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى ،

[ ]  الواجـــب في حق الله تعالى هو : ما لا يتصور عدمه مثل وجود الله تعالى وعلمه وقدرته ، والمستحيل في حق الله تعالى هو ما لا تتصور ثبوته مثل الفناء في حق الله تعالى أو الشريك أو الصاحبة والولد ، والجائز في حق الله تعالى هو كل ما يتصور وجوده أو عدمه فيما يتعلق بخلقه :  كالخلق والرزق والإحياء والإماتة ،

[ أولا ] قسم الواجب : يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الكمال المطلق والوجود المطلق والاحدية المطلقة والصمدية المطلقة والغنى المطلق والقدم الازلي ومخالفة الحوادث

[ ]  يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الكمال المطلق  :  من خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق ، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي جناب ذاته وأسمائه وصفاته  ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي إلهيته وربوبيته ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ ، مقدس عن الحاجة ، والمعنى له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته ، قوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } : يدل على الكمال المطلق ، لان ما دون الكمال المطلق يمكن الاحاطة به ، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يُحاط به ، لانه فوق الحدود والغايات ،   وقوله تعالى : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } يدل على الكمال المطلق ، لان ما دون الكمال المطلق يمكن إدراكه ، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يدرك ، لأنه فوق الحدود والغايات ، والكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان ، ولا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، وإن تغير إلى نقصان ، لم يكن إلها له الكمال المطلق ،  الكمال المطلق لا يقبل الحوادث ، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث ، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء ، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا ، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق ، لأنه قبل التغير من حال إلى حال ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية ،  لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، الحد معناه التناهي ، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ،    كل ما يقبل النهاية يمكن ان يتصور ما هو أكبر منه ، ويمكن أن يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق  ، والكمال المطلق لله في جناب ذاته وفي صفاته يجعل قولنا ( الله اكبر ) كمالا مطلقا ، ( الله اكبر ) من كل كيف من كل حد من كل وهم من كل كمال ، له الكمال المطلق الذي لا يقبل ابتداء ولا انتهاء ، ولا يقبل التغير ولا الحدوث ، ولا يقبل زيادة ولا نقصان ،

[ ]  يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الوجود المطلق :  الله تعالى له الوجود المطلق ، المقدس عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات ، والمقدس عن الكون في المكان ، وعن جريان الزمان ،  هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان ، تحكمه قوانين المكان ، من الكون في المكان والتحيز في جهة من جهات المكان ، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه ،   وهذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل ، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل ، هذا الوجود المقيد هو صفة المخلوق مهما كبر أو صغر من الفرش إلى العرش ومن الأرض إلى السماوات كل الخلائق محكومة بهذا الوجود الزماني والمكاني مقهورة به لا انفكاك لها عنه ، لا تخرج عن قوانين المكان فهي إن كانت في مكان فهي تخضع لقرب وبعد المسافات ، قريبة من مكان وبعيدة عن الآخر ، ويجري عليها الزمان قهرا ، لا يمكنها التصرف في الزمان فلا توقف الحاضر ولا تعيد المستقبل ،  أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود المطلق الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، فالله تعالى له الوجود المطلق ، هذا ( الوجود المطلق ) لا يتقيد بالمكان ، ولا يجري عليه زمان ، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] ،

[ ] الخلائق عاجزة عن معرفة كنه الوجود الإلهي ، لأنها مخلوقة محدودة محدثة ، والمخلوق لا يدرك الخالق ، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود ، والمحدث لا يدرك كنه القديم ، و ( نحن ) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق جسد الإنسان ، إلا بآثار تلك الروح ، كما قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 85 ] ، و ( العقل ) لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها ، والله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود ، تعالى الله على الحدود والبدايات والنهايات والغايات ، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، الله تعالى غيب الغيوب لا يدرك ، موجود بلا كيف ، لا يجوز تكييف الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي ، لا يغيب عنه شيء ، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه وذاته ، مقدس عن الغايات والحدود ، وعن الكون في المكان المحدود ، استواؤه استواء صفات ، وقربه قرب صفات ، وإحاطته إحاطة صفات ،

[ ]  أهل التكييف متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ، ويؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم ، ويقولون المفتاح هو قوله تعالى { أحاط بكل شيء علما } ، وذلك صحيح ، ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال تعالى { ثم استوى على العرش يدبر الامر } ، الجميع متفق على حمل القرب على قرب الصفات من العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل المعية على معية الصفات من العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها أهل الحشو والتجسيم على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ، ولم لا يكون استواء صفات من الربوبية والقهر  والتدبير والتصريف كما أن القرب قرب صفاته من علم وسمع وبصر وقدرة ، وقد قال الله تعالى مرشدا عباده أن الأماكن كلها ملك لله : {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ، وأهل الحشو شفاهم الله بالعلم يكيفون الوجود مع ان الكيف ممتنع لأن الكيف مخلوق والمخلوق لا يحيط بالخالق ،  شعار المسلمين الله له الوجود المطلق موجود بلا كيف موجود بلا حد ، موجود لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، لا يحتاج لمكان يدير منه المملكة ، ولا يجري عليه في ملكه زمان ،

[ ]  يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الأحدية المطلقة والصمدية المطلقة :  الاحدية محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن ،  والاحدية المطلقة التي تمنع من من التكييف وتبلغ بالعبد أعلى معاني التقديس والتسييح والتنزيه والعجز عن الادراك { ولا يحيطون به علما }

هناك فرق كبير في المعني بين اسم الله ( الأحد ) واسمه ( الواحد ) ، الله واحد لا شريك له ، قال تعالى : { وهو الواحد القهار } ،  الله احد لا جزء له لا يقبل الكثرة والانقسام ، قال تعالى : { قل هو الله أحد } ،  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا ، وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ، ( الأحدية ) معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، ( الأحدية ) محكمة لأنها تعدل ثلث القرآن وما خالفها وجب رده إلى معانيها حتى لا نقع في الزيغ الذي حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ،  هناك آيات تفيد اثبات الوجه واليد والعين لله وهذه في اللغة أجزاء من ذات ، فكيف نفهمها في اطار الاحدية ، نقول الله تعالى { ليس كمثله شيء } ، وهذه نفهمها على انها صفات مجردة عن الجزئية والبعضية ، أو نفهمها وفق السياق بغير تتبع للمتشابهات ، وقد ذكر في القرآن { وجه النهار } وليس للنهار وجه ، و ذكر في القرآن { بين يدي رحمته } وليس للرحمة يدين  ، و ذكر في القرآن { بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ } وليس للنجوى يدين  ، و ذكر في القرآن { بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } وليس للعذاب يدين  ، و ذكر في القرآن { فإنك بأعيننا } ، والمقصود أنك بحفظنا وعنايتنا ،

[ ] يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الصمدية المطلقة :  { اللَّهُ الصَّمَدُ }  : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد ، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض ، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه ، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه ، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة  ،  ( الصمدية المطلقة )  : تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ، ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء ،  جل المصور أن يكون مضورا ، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور ،

[ ]  يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني نفي المثلية والتقديس عن كل مثيل : { ليس مثله شيء } الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، هذه الآيةُ ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات ،  أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ،   ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح ، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير  ، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير ، قال تعالى : {  إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان : 2 ] ، فدلت الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ،  يمكن أن تكون هناك مثلية في بعض معاني الصفات ، ولكن النفي المطلق للمثلية إنما هو في جناب الذات ، ولذلك فإن هذه الآية تقضي على كل أوهام الحشو ، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها ، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات ، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات ، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كانت أجزاء من ذات ، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض ،  فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد ، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات ، وتكييف الذات ، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله ، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى : { ثم استوى على العرش يدبر الأمر } ، كما أن القرب في قوله تعالى { فإني قريب } قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء ، كما أن المعية في قوله تعالى { وهو معكم أسنما كنتم } معية صفات ( صفات العلم والسمع والبصر } ،  كما أن الاحاطة في قوله تعالى { وهو بكل شيء محيط } إحاطة صفات العلم والسمع والبصر ، قال تعالى { احاط بكل شيء علما } ،  أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى { ولا يحيطون به علما } ،

[ ]  يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني ( القدم الأزلي ) وتقديس الله تعالى عن قبول الحوادث ،  ( الله جل جلاله ) له القدم الأزلي : ( أول بلا ابتداء ) ، ( القـدم ) هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى : {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء )) [ أخرجه مسلم ] ،  ( أول ) لا أول لوجوده تعالى لا يسبقه عدم ، ( القِدمُ )  معناهُ الأزلية ، لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ، وكذلك فإن من أظهر صفات ( القديم الذاتي والأزلي لله ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب ، قال تعالى : {  فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ، فالعلة في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب هي الأفول ، 

[ ]  إبراهيم الخليل عليه السلام ذكر لقومه ( علة الأفول ) للاستدلال على أن الكواكب والشمس والقمر  لتغير حالها لا تصلح للإلهية ، وتنبيها لهم أن التغير والحدوث نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ،

[ ]  الصفات الواجبة في حق الله تعالى قسمان : قسم دل على وجوبه العقل وأيده الشرع ، وقسم دل عليه الشرع ، والقاعدة الجامعة في الباب أنّ كل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى دلّ على صفة من صفات الله تعالى فهي واجبة لله لأنّ الله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات الحسنى التي دلت عليها الأسماء الحسنى ، أما الصفات الواجبة بالعقل ودل عليها الشرع : فتتمثل في الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام ، وأضداد تلك الصفات مستحيلة في حق الله تعالى ، ضد ( الوجود ) العدم ، وضد ( القدم ) الحدوث وضد ( البقاء ) الفناء ، وضد ( المخالفة للحوادث ) المماثلة للحوادث ، وضد ( الوحدانية ) وجود الشريك ، وضد ( الحياة ) الموت ، وضد ( القيام بالنفس ) الاحتياج ، وضد ( القدرة ) العجز ، وضد ( الإرادة ) الاضطرار ، وضد ( العلم ) الجهل ، وضد ( السمع ) الصمم ، وضد ( البصر ) العمى ، وضد ( الكلام ) البكم ، وأما الصفات الواجبة لله تعالى والتي دل على وجوبها الشرع : فهي جميع الصفات التي دلّت عليها الأسماء الحسنى : ف ( الرحمن ) : يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله ، و ( الرحيم ) : يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي ، و ( الملك ) : يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي ، و ( القدوس ) : يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول ، و ( السلام ) : يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء ، وهكذا فإن كل اسم من الأسماء الحسنى يدل على صفة واجبة لله تعالى بطريق الشرع

[ ]  [ ثانيا ] الجائز في حق الله تعالى : فعل كل ممكن أو تركه فهو متفضل بالخلق والإنعام والإمداد والإحسان ، هو المالك لكل شيء وللمالك أن  يتصرف في ملكه بما يشاء كما يشاء ، من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا  ، يعز من يشاء ويذل من يشاء ، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ آل عمران : 26 ، 27 ] ، وقال تعالى:{ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [ البقرة : 1.5 ] ، وقال تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار } [ القصص : 68 ] ، وقال تعالى : { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } [ البروج : 16 ] ، وقال تعالى : { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] ، له الاختيار المطلق ، فيجوز منه تعالى فعل كل ممكن وتركه

[ ]  [ ثالثا ] المستحيل في حق الله تعالى :  إنّ كل صفة وجبت لجناب الذات الإلهي استحال ضدها على الله  ، فكل ما وجب إجمالا يستحيل ضده إجمالا ، وكل ما وجب تفصيلا يستحيل ضده تفصيلا ،  وجب لله تعالى إجمالا :  كل كمال يليق بذاته تعالى فيستحيل علية إجمالا كل نقص ، وجب له كل معاني الكمال المطلق وكل معاني الوجود المطلق وكل معاني الاحدية المطلقة وجميع معاني القدم الازلي وجميع معاني مخالفة الحوادث ونفي المثلية عن جناب الذات ، كما وجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الكمال المطلق  ،  والكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان ، ولا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، وإن تغير إلى نقصان ، لم يكن إلها له الكمال المطلق ، الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، فيستحيل عليه التغير والحدوث والبدايات والنهايات والغايات ، كما وجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الوجود المطلق :  ( الوجود المطلق ) لا يتقيد بالمكان ، ولا يجري عليه زمان ، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] ، فيستحيل عليه الحد والغاية والبداية والنهاية ، ويستحيل عليه التقيد بالمكان والزمان ، كما وجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الأحدية المطلقة  : ( الأحدية ) معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة ، فيستحيل عليه الجسمية ولوازم الجسمية من التجزؤ والانقسام ، وقبول الكيفيات من الأطوال والأتعراض والأحجام والصور والاشكال ، ووجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الصمدية المطلقة :  الصمدية المطلقة تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد ، فيستحيل عليه التركيب وقبول الأبعاض ، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه ، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه ، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة   ويستحيل عليه الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء ،  جل المصور أن يكون مضورا ، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات  ، ووجب لجناب الذات الإلهي كل معاني نفي المثلية والتقديس عن كل مثيل : { ليس مثله شيء }  هذه الآية تقضي على كل أوهام الحشو ، والتكييف ، أهل الحشو والتكييف يتمسكون بما يوحي بشكل الذات ، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات ، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كانت أجزاء من ذات ، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض ،  إنّ اهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات ، وتكييف الذات ، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله ، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى : { ثم استوى على العرش يدبر الأمر } ، كما أن القرب في قوله تعالى { فإني قريب } قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء ، كما أن المعية في قوله تعالى { وهو معكم أسنما كنتم } معية صفات ( صفات العلم والسمع والبصر } ،  كما أن الاحاطة في قوله تعالى { وهو بكل شيء محيط } إحاطة صفات العلم والسمع والبصر ، قال تعالى { احاط بكل شيء علما } ،  أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى { ولا يحيطون به علما } ، ووجب لجناب الذات الإلهي كل معاني ( القدم الأزلي ) وتقديس الله تعالى عن قبول الحوادث ،  ( القِدمُ )  معناهُ الأزلية ، لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ، أظهر صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب ، فالعلة في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب هي الأفول ، ولا معنى للأفول سوى التغير والحدوث ، ووجب لله تعالى من صفات الكمال :  الوجود ، والقدم والبقاء ، والمخالفة للحوادث ، والقيام بالنفس والوحدانية والقدرة ، والإرادة ، والعلم ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والكلام فيستحيل عليه تعالى تفصيلا :  أضدادها المستحيلة على الله تعالى : هى  العدم ، والحدوث ، والفناء ، والمماثلة للحوادث ، والحاجة ، والشريك ، والعجز والاضطرار ،  والجهل ، والموت ، والصمم ، والعمى ، والبكم ، ويدل على استحالة هذه الأمور على الله تعالى أنها نقائص تنافي الكمال المطلق لصفات الله تعالى،

[ ]  يستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو الحاجة أو المشابهة للمخلوقات ، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه السنة والنوم ، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ، ، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات ، ويستحيل عليه التغير والحدوث ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق ، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه ، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، ليس كمثله شيء ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال أو تصوره الخيال فهو غير ذي الجلال والإكرام ، هو القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ربوبيته ولا إلهيته ولا استحقاقه وحده للعبودية ،

[ ]  كل ما اوهم الاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه من الأحدية المطلقة ، ( الوجه واليد والعين والساق ) في اللغة أجزاء وأبعاض من ذات ، والأحدية المطلقة تمنع من الاجزاء والابعاض ، فيجب فهمها في إطار المحكمات ، وكذلك  كل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، ( الصور تنشأ عن تركيب أجزاء ) { في أي صورة ما شاء ركبك } ، الصور تنشأ عن تركيب أجزاء ، و الأحدية المطلقة تمنع من التركيب لذا يجب ردها إلى المحكم  ،  وهو الصفة وليس الصورة فإن العرب تقول صور لي المسألة والمقصود صف لي المسألة ،

[ ]   كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، من قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى : 11 ] ،

[ ]  كل ما اوهم الحركة او السكون أو التغير والحدوث فهي متشابهات  يجب رده إلى محكماتها من القدم الازلي ، ومن ذلك المجيء في قوله تعالى { وجاء ربك والملك صفا صفا } فالمجيء المعهود هو الانتقال من مكان إلى مكان ، وهذا يستلزم كبر المكان الاول والثاني عن المتحرك فيهما ، والله اكبر من كل شيء ، وهو يستلزم التغير والله تعالى قديم بجناب ذاته وصفاته ، إذن كل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي وسيأتي بيان ذلك العلم بالتفصيل في موضعه ،

[ ]  كل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي ،  وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، كل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا مكان ولا زمان ، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ،

[ ]  يجب تقديس الله عن الوالد والولد والصاحبة والشريك والوزير ،  ويجب العلم بانّ الله موجود بلا كيف ولا حد ولا صورة ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان ، ويجب العلم بانّ  جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، ويجب العلم بانّ  الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات ، ويجب العلم بانّ  القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات ، ويجب العلم بانّ  الإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات ،

[ ]  ويجب العلم بانّ الله تعالى وتقدس موجود بلا كيف ، تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف ، فلا كيف ولا مكان ولا زمان ، ولا صورة ولا شكل ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال ، ولا يقال أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون ، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون ، والدخول والخروج ، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار ، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك ،  { ليس كمثله شيء } ، { ولم يكن له كفوا احد } ،

[ ]  لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في ( الإلهيات ) المسائل المتعلقة بجناب الذات الإلهي : معرفة الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى ، وتصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس ، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد جناب الذات ،  فمن أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المحسوسات ، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه ، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك ، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود ، ولا كمثل ذاته ذات ، ولا كمثل صفاته صفات ، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال ، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،

[ ]  ( جناب الذات ) تعالى وتقدس   :  { ليس كمثله شيء } ،  غيب الغيوب ، لا يدرك ، لأنه فوق الحدود ،  وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ، أم العلم بها وما به تقديسها وتنزيهها والعلم بأسمائها وصفاتها وأفعالها ، وكمالها المطلق ، فهذا أشرف العلوم ، وأحمد العلوم ، واحسن العلوم ، لأنه العلم المتعلق بالله ،  هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة ، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا ، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات ، وهذه المعرفة من اعظم العلم ، أما ( المعرفة المستحيلة ) : هي الإحاطة علما بالحق ، والإنسان مهما أوتي من علم ، علمه محدود لأنه محدود ، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود ، ولا يستطيع الوقوف على كنهه ، لأن جناب الذات لا يحاط بها ولا يعرف كنهها ، لا في الذهن ولا في الخارج ، لأنه سبحانه مطلق ، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود ، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود ، قال تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ] ،

[ ]  ( المقصود من علم التقديس ) : هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص والتسبيح الدائم ، { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، كل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ،   كان هذا ما تيسر في بيان الواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى  ،  اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 31 ) جناب الذات الإلهي والربوبية والإلهية واستحقاق العبودية - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  جناب الذات الإلهي والربوبية والإلهية واستحقاق العبودية  ،  أقول وبالله التوفيق : 

[ ]  ( الإله ) : هو الرب المعبود الذي له صفات الكمال ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال المطلق والتقديس المطلق ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا لا يصلح لشهادة التوحيد ولا يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله ) ،  لأنّ قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، فتوحيد الألوهية يدخل في معناه : توحيد جناب الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ،    ( لا إله إلا الله ) : نفي وإثبات : نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله ، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله ، واعتقاد أنه لا معبود بحق إلا هو ،

[ ]  معنى شهادة أن لا إله إلا الله  : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله ، وأنّه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، فإذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، وليس له شريك ، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، أو تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، 

[ ]  الشهادتان  ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) :  هما باب الإسلام الأوحد ، فلا دخول إلى دين الله تعالى إلا بهما ، والشهادتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى ، لأنه إذا كانت شهادة ( لا إله إلا الله ) تعني توحيد الله تعالى في إلهيته ، فإن شهادة ( محمد رسول الله ) تعني بيان ذلك التوحيد والطريق إليه ، ومعنى شهادة : ( أنّ محمداً رسول الله ) : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ، فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الأوحد إلى عبادة الله ،

[ ]  جناب الحق هو الإله الواحد لا إله إلا هو ، وهو الرب الواحد لا رب سواه ، وهو المستحق وحده للعبودية لا معبود بحق سواه وهو وحده الإله الحق لا إله إلا هو ،

[ ]  ( الربوبية ) : مصطلح واسع من أوسع مصطلحات الإلهيات ، يحمل معاني الخلق والإيجاد والامداد لكافة الوجود بمن فيه وما فيه ، والله تعالى هو رب العالمين ، و ( الربوبية ) تحمل كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والاستصلاح ثم كل معاني الملك  والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والحكم والأمر ثم كل معاني الهيمنة من العز والذل والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ معاني الربوبية ، ولا تصح الربوبية إلا بإفراد الله تعالى بها ،

[ ]  ( توحيد الربوبية ) مصطلح شامل يحمل اعتقاد افراد الرب تعالى بكل معاني الربوبية ، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا ،

[ ]  يدخل في توحيد الربوبية :   اعتقاد أنه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا رازق على الحقيقة في الكون كله إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا مالك لا متصرف بيده ملكوت كل شيء ولا مدبر للكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا شريك للرب الواحد الأحد الله رب العالمين في شيء من تلك المعاني التي يشملها توحيد الربوبية ، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا بحصر معاني الربوبية في اللّهِ وحده ، ولا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا لله رب العالمين وحده لا شريك له ،

[ ]  هناك تلازم بين الربوبية والعبودية لا محالة ، فلا يوجد عاقل يتعنى بصرف العبودية لإله ليست له صفات ربوبية من الإعزاز لعابديه ورزقهم ، كما في قوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم : 81 ]  ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، هناك تلازم بين الربوبية والعبودية لا محالة ، لذا جاء القرآن الكريم يذكر العباد بربهم وخالقهم وانه يجب عليهم ان يفردوه بالعبادة لأنه الرب الخالق ،  - : { إنَّ رَبَّكمُ اللّهُ الّذي خلقَ السَّمواتِ وَالارضَ في ستَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استوى على العَرشِ يُدَبِّرُ الامرَ ما مِن شَفيعٍ إلاّ مِن بَعدِ إذنِهِ ذلِكم اللّهُ رَبُّكم فاعبدوهُ أَفلا تَذَكّرون} [ يونس : 3 ] ،  وقال تعالى : {  ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الْأَنعام : 102 ] ، 

[ ]  أشار القرآن الكريم إلى توحيد الربوبية في مواضع عديدة من الآيات منها : قوله تعالى : { لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 38 ] ، وقوله تعالى { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }[ يوسف : 39 ، 40 ] ،  وقوله تعالى { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }[ الأنعام : 164 ]  ، وقوله تعالى { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 79 ، 80 ] ، وقوله تعالى – مخاطبا اهل الكتاب - { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [آل عمران : 64 ] ،  وقوله تعالى { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ  }[  التوبة : 30 ، 31 ] ،

[ ]  هناك أسس وركائز تمنع من الفهم الخاطئ لتوحيد الربوبية ، وذلك لان بعض اهل الحشو يظنون ان البشرية كلها على توحيد الربوبية وان المشكلة تكمن في توحيد العبودية وهذا من الخلل ومن المفاهيم المغلوطة في باب التوحيد ،  ( أ ) المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية : فقد كان المشركون على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق ، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور ، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها  تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الإلهية والربوبية في اعتقادهم ، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله ، كما لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الإلهية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة ،  ( ب ) المشركون في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية : وذلك لأنهم ظنوا في آلهتهم التي عبدوها من دون الله النفع والضر والعز من دون الله واعتقدوا لها الشراكة مع الله في بعض أمر الكون واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله بما لها من شراكة جزئية في تدبير الكون ، وبالتالي فهم قد صرفوا أكثر مفردات الربوبية لآلهتهم من دون الله ، قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم : 81 ]  ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، ( إذن ) المشركون كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون ،   ونستفيد منه أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً ، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك ،

[ ]  أنواع الشرك في الربوبية كثيرة منها : من اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من الخلق والرزق ، ومن اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من تدبير الكون والتصريف ، ومن اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من النصر والتأييد والإعزاز والإذلال والنفع والضر والهداية  والإضلال ، ومن اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من الحكم والأمر والتشريع والتحليل والتحريم ، ومن اعتقد أن أحدا يستطيع الشفاعة عند الله على سبيل الاستقلال أو الحق الجبري على الله ، [ توحيد الربوبية ] مصطلح عظيم لا يكون عليه إلا الموحدون الذين تبرؤا من كل شرك في الربوبية وتمثلوا قول الله تعالى { أفغير الله ابتغي ربا وهو رب كل شيء } ،

[ ]  لا يكفي في الربوبية الاعتراف بالخالق : قال تعالى – في حق المشركين - { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ العنْكبوت ] و قال تعالى – في حق المشركين -  {  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } [الزخرف] وقوله تعالى { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ } [ يونس ]  ، عند تدبر هذه الآيات التي تتحدث عن حال الكفار والمشركين نجد فيها إقرار بخالقية الله وتدبيره للكون ولكنه  ليس بتوحيد الربوبية ،  لأنهم يعتقدون بوجود آلهة صغيرة تشارك الله في تدبير شئون الكون فالمشركون يقرون بأن الله هو الخالق والمدبر لكن لا على أنه الأوحد في ذلك بل هو الخالق والمدبر الأكبر باعتبار أن الله كبير الأرباب والآلهة في عقيدتهم ، ولكن معه أرباب وآلهة آخرون لهم دخل في بعض شئون الخلق والتدبير ، ولهم قدرة على النصر والاعزاز لمتبعيهم  ،  كما قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  } [ مريم : 81 ] ، ولذلك كثيرا ما يعترض القرآن عليهم الحاجة لاختلاق أرباب متفرقين { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ يوسف ] ،

[  ثانيا  ]   ( توحيد الإلهية ) :    أهل الحشو خلطو بين مصطلحي الإلهية والعبودية ، ولذلك نجدهم يفسرون شهادة التوحيد { لا إله إلا الله } بمعنى لا معبود بحق سواه ، ولكن : من الفقه في الدين ملاحظة الفرق في الاصطلاح بين الألوهية وبين العبودية ، وذلك لأنّ توحيد الألوهية  يشمل جميع معاني التوحيد ويدخل فيه توحيد جناب الذات بالتقديس اللازم لله تعالى من اتصافه بالكمال المطلق والقدم الأزلي والأحدية المطلقة والصمدية المطلقة والمخالفة للمحدثات وحاصل هذا التوحيد نفي المثلية عن الله وتقديس الله عن مشابهة خلقه ، والعجز عن الادراك لمطلق الوجود ومطلق جناب الذات والصفات ، ثم يأتي  بعد ذلك توحيد الأسماء والصفات والأفعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية ، وليس في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود المعبود الحق المستحق لإفراد العبودية له ، والاعتراف بوجود الرب الخالق القادر المدبر المتصرف المهيمن ، والاعتراف بوجود الإله الذي له الكمال في كل شيء والذي له الجلال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، والمنزه عن المثيل والند والشريك ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح لجميع معاني الكمال في الذات والكمال في الصفات والكمال في الأفعال والكمال في الربوبية بشتى خصائصها والكمال في استحقاق العبودية والتأله ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله ) ، وما ذاك إلا لأنّ ، قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، فتوحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً توحيد جناب الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد الصفات العلى ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ،   من ( الإله ) اشتق العلماء التاله ، ومعنى ( التأله ) : هو التعبد وصرف العبادة لمن يُعتقد ربا مدبراً له صفات الربوبية من كونه خالقا ورازقا ومدبرا وقادرا على أن يقضي حاجته فيتجه الإنسان إلى عبادته رجاء نفعه ،  ولا يتصور أبدا أن عاقلا يصرف العبودية لمن لا يرجو منه نفعا أو دفع مضرة أو يعتقد فيه نوعا من الربوبية عليه ، ومعنى ( والتأله ) التحير في جناب ذات الإله وصفاته وأفعاله ، بمعنى العجز عن الإدراك والاحاطة ، قال تعالى : {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ } [ الأنعام : 103 ] ، وقال تعالى { ولا يحيطون به علما } ، ( الحاصل ) : جاء ( التأله ) في القرآن الكريم على معنى ( المعبود ) الذي يعتقد فيه صفات الربوبية ، وعلى معنى ( الرب ) الذي تصرف إليه معاني العبودية كالذل والخضوع والمحبة والولاء والطاعة والنسك والشعائر ،  وعلى معنى ( الإله الأحد ) الذي تعجز العقول عن إدراك كمالات جناب ذات الإله المعبود ،

[ ]  من الآيات الدالة على معنى (  المعبود ) في ( الإله ) : قوله تعالى  :  { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [ الْأَنْبياء : 25 ] ، وقوله تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [ النحل : 36 ] ، وقوله تعالى { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }[ الْأَعراف : 59 ] ،   [ ]  وقوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، وقوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، 

[ ]  ومن الآيات الدالة على دخول معنى ( الرب ) في ( الإله ) : بمعنى الرب المتصرف المدبر الذي يعتقد استحقاقه للعبادة ، قوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنبياء  : 22 ] : البرهان على نفي تعدد الآلهة لا يتم إلا ّإذا جعلنا «الإله» في الآية بمعنى المتصرف المدبر الذي بيده الأمر ، إذ لو جعلنا الإله في الآية بمعنى المعبود لانتقض البرهان لتعدد المعبود في هذا العالم ، مع عدم الفساد في النظام الكوني ،  { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنبياء  : 22 ] ، البرهان على نفي تعدد الآلهة لا يتم إلا ّإذا جعلنا «الإله» في الآية بمعنى المتصرف المدبر الذي بيده الأمر ، وقوله تعالى : {  مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ المؤمنون : 91 ] ، ولا يصح ها هنا حمل معنى الإله على المعبود فحسب ، بل على معنى الرب الخالق المدبر القادر المتصرف ولو جعلناه بمعنى المعبود لم يصح الاستدلال ، لأنه لا يلزم من تعدد المعبود أي اختلال في الكون ، وأدلّ دليل على ذلك أن ّفي العالم آلهة متعددة ولم يقع أيّ فساد و اختلال في الكون ، {  مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } يجب حمل معنى الإله في الآية على معنى الرب الخالق المدبر القادر المتصرف ، وقوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ } [ الأنبياء : 98 ، 99 ] ، والآية تستدل بورود الأصنام في النار على أنّها ليست آلهة إذ لو كانوا آلهة ما وردوا النار ، والاستدلال إنّما يتم لو فسرنا الإله بالرب القادر المتصرف ، {  لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ } ، ولا يصح حمل معنى الإله على المعبود إذ لا ملازمة بين كونها معبودات وعدم كونها حصبُ جهنم ، الاستدلال يتم لو فسرنا الإله بالرب القادر المتصرف ، لو كانوا أربابا لهم تصريف وتدبير ما وردوها ، وقوله تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا  } [ الإسراء : 42 ، 43 ] ، فان ّابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدد الأرباب المدبّرون المتصرفون ، وأمّا تعدد المعبود فلا يلزم ذلك ،

[ ]  الآيات الدالة على التلازم بين معاني الربوبية ومعاني الألوهية في القرآن الكريم : كثيرة جدا لان الرب هو الإله ، والإله هو الرب ، والرب هو المعبود والمعبود هو الرب ، فمن أقر بأن الرب سبحانه لا يوجد معه رب سواه فلن يعبد غيره ، ولن يتخذ إلها سواه ،  ومن أمثلة هذا التلازم : قوله تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 64 ] ، فالكلمة السواء كلمة التوحيد تشمل توحيد الألوهية ( ألا نعبد إلا الله ) وتوحيد الربوبية ( ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ) الرب هو الإله والإله هو الرب ،   وفي قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام ، قال تعالى : { قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } [ الأنبياء : 53 إلى 56 ] ، فالرب هو المعبود والمعبود هو الرب لا انفكاك في ذلك ،  وفي ذكر محاجة سيدنا موسى لفرعون قال الله تعالى : { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ } [ الشعراء : 26 إلى 29 ] ، فالرب هو الإله ولا فرق في ذلك ،

[ ]  إذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، ليس له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، والله أكبر من كل تصور ، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، أو تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ( إذن ) : توحيد الألوهية عام يشمل ضمن أقسامه العديدة توحيد العبودية ، فإن ذكرنا توحيد الألوهية ، وجب الحديث عن أقسامه جميعها ، من توحيد الذات وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الربوبية والعبودية ،

[ ثالثا ] : توحيد العبودية ]  :  العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية ، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية ، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق ، أو المعبودات الباطلة من دون الله ،  إنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة  : ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة ، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى { وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } [الاِسراء  : 24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة ، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم ، الهيئة واحدة هي هيئة السجود ( وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع ) ، الفعل واحد هو السجود ، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم ، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام ، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة  ، ( إذن ) لابد من القول بأنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة : فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر ، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة ،  ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى )) [ أخرجه مسلم ] ، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل ، ألا وهو النية ، والنية هي الاعتقاد القلبي ،

[ ]  خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة ( اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود ) : من الفقه في فهم معنى العبادة : أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ولها ( للعبادة ) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر عند الفقهاء ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ،

[ ]  هناك أسس وركائز تُعين على فهم توحيد العبودية لأن هناك من لا يفرق بين أصل العبادة وهو اعتقاد الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية لمن تصرف له العبادة وبين صور العبادة من السجود والدعاء وغيره ،

( أ ) الاعتقاد هو ضابط الحكم في مسائل العبادة : فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر  ، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الحكم في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة ،  ودليلهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى )) [ أخرجه مسلم ] ، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل ، ألا وهو النية  ، والنية هي الاعتقاد القلبي ،

[ ]  الاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة ،  العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقادي لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر ، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ،

[ ]  لكل مفردة من هذه العبادات ركنان  : الركن الأول : الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة ، والركن الثاني : العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد ، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر ، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ،

( ت ) امثلة للفقه في هذا الباب : الفقه في مفهوم ( السجود ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له - كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة ، وقد مر بنا سجود الملائكة لآدم عليه السلام ، ولو كان شركاً لما أمر الله تعالى به فإنّ الله تعالى لا يأمر بما هو شرك ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [ النساء : 48 ] ، ومر بنا أنّ إخوة نبي الله يوسف عليه السلام خروا له سجدا ، وكان ذلك جائز في شريعتهم ولو كان شركاً لما جاز في أي شريعة ربانية ،

( ذ ) التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة : هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية وحده ، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح ، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين ، وقد مر بنا مثال السجود لآدم عليه السلام ، وأنّه لم يكن عبادة لأنّه خلا منه الاعتقاد بربوبية وألوهية المسجود له ، والمقصود أن ليس كل ما صرف لغير الله تعالى مما يشبه العبادة يكون شركاً بالله تعالى حتى يصاحبه اعتقاد ربوبية وألوهية من يصرف إليه العبادة ، فإن خلا من الاعتقاد كان شيئاً آخر غير الشرك بالله ،

[ ]  وعليه فيكون تعريف (  الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية ) : هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية ، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله ، أو شفاعة ملزمة على الله ، أو استحقاق أن يعبد من دون الله ، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى ، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه ،

[ الخلاصة : توحيد الإلهية ]  :  توحيد الألوهية  يشمل جميع معاني التوحيد ويدخل فيه توحيد جناب الذات وهو علم التقديس ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال وهو علم أصول الدين ، وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية ، وهما الغاية من خلق الإنسان ،  ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، توحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد الصفات العلى ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ، وقد جاء الإسلام بتوحيد الإلهية بكافة أقسامها ، ولذلك كان هو الدين الحق الذي لا يقبل الله تعالى دينا سواه ، قال الله تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } [  آل عمران : 19 ]  ، وقال الله تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، ومفتاح الإسلام وبابة الاوحد وشعاره الاظهر : (( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) هي باب الإسلام وشعاره نسال الله تعالى ان نحيا عليها وان نموت عليها وان نلقاه بها ، قال صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد، غيرَ شاكٍّ فيهما، إلا دخل الجنة )) [ اخرجه البخاري ]  ،  كان هذا ما تيسر في بيان جناب الذات الإلهي والربوبية والإلهية واستحقاق العبودية  ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 30 ) جناب الذات الإلهي وأفعال الله في الكون - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  جناب الذات الإلهي وأفعال الله في الكون ،  أقول وبالله التوفيق : 

[ ]  الكون كله خلق الله ،  وكل ما في الوجود خلق الحق ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون ، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه ، فهو مسبب الاسباب  ، حتي الافعال التي تصدر منا هي في الأساس من خلق الله تعالى  ، كما قال سبحانه :{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ]   ،  وقال تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ  } [ التكوير : 29 ] ، 

[ ]  أفعال الحق سبحانه لها الكمال المطلق والحكمة البالغة ، لذا لها تعلقان تعلق بالله وتعلق بالمخلوق  ، فما تعلق منها بالقديم قديم ، وما تعلق بالمحدثات محدث ، وبيان ذلك ، أن أفعال الله تعالى تابعة لأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، وأسماؤه وصفاته قديمة قائمة بجناب ذاته ، فهو الخلاق منذ الازل ، والخلق نتيجة لصفة الخلق عنده ، لم يستفد من خلقهم اسم الخلاق ، جميع الخلق قدماء في علمه القديم الأزلي ، وسمعه القديم الأزلي ، وبصره القديم الأزلي ، وهم محدثون بإرادته القديمة ،  فما تعلق بالقديم الأزلي قديم أزلي ، وما تعلق بالمحدثات محدث ،  لهذا قال العارفون : كل محدث وكل مخلوق هو في حقيقة الامر : قديم الثبوت في علم الله القديم ، حادث الوجود في الكون المخلوق ، سبحانه هو الخلاق منذ الأزل لثبوت صفة الخلق لديه ، وكل مخلوق فهو قديم الثبوت في علم الله ، حادث الوجود بقدرة الله القديمة الأزلية ، وهو سبحانه الرزاق منذ الازل ، كل الأرزاق قديمة الثبوت في علمه القديم ، حادثة الوجود بفيض كرم الرزاق ، لم يستفد من رزقهم اسم الرزاق ،  فالأرزاق نتيجة لاسمه الرزاق وهو الرزاق منذ الازل ، فكل ما تعلق به قديم وكل ما تعلق بخلقه محدث ، منزه سبحانه عن التغير والحدوث ، لا يقبل ذاته الحوادث ، ومحال أن يعود عليه من خلقه شيء ، بل هو الخلاق أبدا والرزاق سرمدا ، كل الخلق قدماء في علمه محدثون في وجودهم ،  قال الطحاوي رحمه الله - معبراً عن عقيدة أهل الإسلام -  : ( ما زال بصفاته قديما قبل خلقه ، لم يزدد بكونهم شيئا ، لم يكن قبلهم من صفته ، وكما كان بصفاته أزليا ، كذلك لا يزال عليها أبديا ، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري ، له معنى الربوبية ولا مربوب ، ومعنى الخالق ولا مخلوق ) أهـ [ العقيدة الطحاوية ]  ،  ( إذن ) صفات الله أزلية قديمة لها الكمال المطلق منذ الازل ، وكل ما تنعم به الاكوان من نعم الايجاد والامداد إنما هي محض فضل من الله الكريم الوهاب منذ القدم حيث الأزل حيث الإرادة القديمة والمشيئة القديمة والعلم القديم والقدرة القديمة ، وكل صفات الله تعالى قديمة وعاملة منذ الازل لها الكمال المطلق منذ الازل ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث ، ولا يقبل زيادة ولا نقصان ، فهو الخلاق منذ الازل حيث اقتضت الارادة القديمة وجود الخلائق ، ولا تناقض بين قدم الارادة وحدوث الأكوان في زمان دون زمان ، لأن الإرادة حددت الزمان في الازل حيث كان الزمان معدما ، ثم حدث الزمان بحدوث الحركة بين الأكوان ، فكان على ما شاء الرحمن  في علمه الأزلي القديم ، الحاصل : أنّ  كل مخلوق وكل حادث في الكون المنظور والغير منظور ، له تعلقان تعلق بجناب الحق قديم ، وتعلق بالمخلوق محدث ، وكل موجود هو قديم الثبوت في علم الله ، حادث في الكون بمشيئة الله ، وقد أخطأ في هذا الأمر صنفان ، من قال أنّ أفعال الله حادثة بإطلاق ، ومن قال أن أفعال الله قديمة باطلاق ،  والصواب إن شاء الله تعالى ان نقول : أنّ لها تعلقان ، فما تعلق منها بالحق قديم أزلي ، وما تعلق بالمخلوقات محدث مخلوق ،

[ ]  أهل الحشو يظنون بقبول جناب ذات الله تعالى للحوادث وهذا جهل بالله عظيم ،   نص ابن تيمية  وأتباعه على قيام الحوادث بجناب ذات الله ، ولم يوافق في قوله هذا أحدًا إلا الكرامية المجسمة ، ومن العجب أن يقول هذا معرضا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام { لا أحب الآفلين } أي لا يصلح المتغير ان يكون إلها ،  وهؤلاء خالفوا إجماع الأمة ، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله ، ويقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أو خلق مخلوق أوجد في ذاته  ، كافًا ونونًا ( كن ) وإرادة حادثة ، وعن ذلك تصدر المخلوقات ، وهم يقولون : أنّ الحوادث التي  تحدث في جناب ذاته هي أقواله وإراداته وتجدد معلوماته وتجدد إدراكه للمسموعات والمبصرات ، ويزعمون ان علم الله يتجدد عندما يقوم عباده بما قدر عليهم من أعمال ، وان السمع والبصر يتجددان كذلك برؤيته لعباده وسمعه لكلامهم ، وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء ، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود ، وأن خلق الله يتوالى على الدوام وأن أرزاقه تتوالى على خلقه وأنه كل يوم في شأن بغني هذا ويشفي هذا ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، وكلها شبه زائفة ،

[ ]  القدم الأزلي لجناب الذات الإلهي يمنع من قبول الحوادث ، لا سبيل للحدوث إليه ، فليس في جناب ذاته شيء حادث ولا في صفاته شيء حادث ، (  شرط القديم ) أن يكون منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ،   وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ،  ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك تنبيها لقومه على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح شيء منها للإلهية ، 

[ ]  الكمال المطلق لله يمنع من التغير والحدوث ، لأن التغير اما إلى زيادة وإما إلى نقصان ، لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، لله تعالى قدم الصفات ، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير ، له كمال العلم ، بلا غاية ولا نهاية ،  علم الله تعالى محيط بكل ذلك ، ولا يقبل التغير ولا يقبل الزيادة او النقصان ، وله كمال السمع يسمع كل مسموع منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل ، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة لا يجري على بصره زمان وهو بكل شيء شهيد ،  لا يتجدد له علم ولا سمع ولا بصر ، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك ، لو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته ، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وكقدم صفاته من العلم والسمع والبصر فإن إرادته قديمة ، الإرادة عند الإنسان حادثة ، لان الإنسان كله حادث مخلوق ، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

[ ] وكقدم صفاته من العلم والسمع والبصر فإن كلامه قديم ، الكلام عند الإنسان حادث ، لان الإنسان كله حادث مخلوق ،مشكلة أهل الحشو أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ، كلام الله قديم ، صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله ، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق ، 

[ ]  مشكلة اهل الحشو أنهم دائما يقيسون الغائب على الحاضر مع انه ممتنع في حق الله تعالى لانه ليس كمثله شيء فلا يصح القياس ، قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات : له قدم العلم ، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء ، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، يقيسون الله على خلقه ، ( إذن ) : صفات الله أزلية قديمة لها الكمال المطلق منذ الازل ، وكل ما تنعم به الاكوان من نعم الايجاد والامداد إنما هي محض فضل من الله الكريم الوهاب منذ القدم في الأزل حيث الإرادة القديمة والمشيئة القديمة والعلم القديم والقدرة القديمة ، وكل صفات الله تعالى قديمة وعاملة منذ الازل لها الكمال المطلق منذ الازل ،

[ ]  أفعال الله تعالى تابعة لجناب الذات القديم الأزلي بأسمائه وصفاته ، فهو الخلاق منذ الازل ، والخلق نتيجة لصفة الخلق عنده ، لم يستفد من خلقهم اسم الخلاق ، جميع الخلق قدماء في علمه ، وكل محدث وكل مخلوق هو في حقيقة الامر : قديم الثبوت في علم الله القديم ، حادث الوجود في الكون المخلوق ، سبحانه هو الخلاق منذ الأزل لثبوت صفة الخلق لديه ، وكل مخلوق فهو قديم الثبوت في علم الله ، حادث الوجود بقدرة الله ، وهو سبحانه الرزاق منذ الازل ، كل الأرزاق قديمة الثبوت في علمه القديم ، حادثة الوجود بفيض كرم الرزاق ، والرزق إنما هو نتيجة لصفة الرزق عنده ، لم يستفد من رزقهم اسم الرزاق ، فكل ما تعلق به قديم وكل ما تعلق بخلقه محدث ، منزه سبحانه عن التغير والحدوث ، لا يقبل ذاته الحوادث ، ومحال أن يعود عليه من خلقه شيء ، بل هو الخلاق أبدا والرزاق سرمدا ، كل الخلق قدماء في علمه محدثون في وجودهم ،

[ ]  الاكوان والخلائق والأعمال ظهرت كنتيجة لتجليات جناب الذات بأسمائه وصفاته ، والأكوان ظهرت نتيجة لعمل الاسماء والصفات ، هو العالم قبل أن توجد المعلومات ، وهو الخالق قبل أن يخلق الخلق ، وهو الرازق قبل أن يرزق الخلق ، لان أسماءه قديمة والخلق محدثون ، ويستحيل أن يستفيد القديم من المحدث ، وإلا لم يكن قديما ،   وكذلك فإن وجود الاكوان والمخلوقات ليس أمرا حتميا على الله لان هذا يُبطل كمال الإرادة والمشيئة ، فإن الله تعالى له المشيئة المطلقة والارادة النافذة ، قال تعالى : { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } ، وقال تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } ، 

و ( مثال ذلك ) : علم الله قديم ، يعلم ما كان وما سيكون ، وليس معنى ذلك : أنّ علم الله القديم بالمحدثات والمخلوقات يوجب وجودها أمرا حتميا يؤثر على مطلق الإرادة والمشيئة ، لأن صفات الحق  كلها قديمة ، أولية بلا ابتداء ، وكلها عاملة منذ الأزل ، كانت قبل أن يجري الزمان ، كل صفة تَعَلق بها ما اختصت به ، فالمعلومات تعلقت بالعلم ، والمقدورات تعلقت بالقدرة ،  والممكنات تعلقت بالمشيئة ، والمسموعات تعلقت بالسمع ، والمبصرات تعلقت بالبصر ،  وجميع صفاته قديمة لم تتدرج وفق زمان ، بل كانت منذ الازل – قبل جريان الزمان - تامة كاملة لها الكمال المطلق فلا تزيد ولا تنقص عما هي عليه ، لأنها لو قبلت الزيادة لم تك قبل الزيادة  كاملة ولو قبلت النقصان فليست بقديمة لها الكمال ، فكل معلوم يتعلق بالعلم القديم وكل ممكن موجود يتعلق بالمشيئة القديمة والارادة الأزلية والقدرة النافذة ، وعلى ذلك فكل الافعال لها تعلقان تعلق بالله قديم وتعلق بالخلق محدث ، ما تعلق بالله قديم لأنه القديم وما تعلق بالمخلوق محدث لأنه محدث ،  ووجود الاكوان والمخلوقات لم يكن وجودها حتما على الله ، لأنها صدرت بمحض إرادة الإله الحق ووفق مشيئته ،  ومن لوازم المشيئة نفي الاضطرار ، وإنما الكون كله بما فيه من مخلوقات وأعمال إنما كان نتيجة لعمل الاسماء والصفات ،

[ ]  زعم البعض ان الله تعالى خلق العالم ليظهر ذاته وصفاته ويُعمل أسماءه ، فصار حاصل كلامه أن الحق استفاد من خلقه ، ومعاذ الله من ذلك ، لأنه يحمل معاني استكمال النقص بالغير ، والإله تعالى له كمال الغنى عن الخلق ، وإنما الخلق نتيجة لتجليات الأسماء والصفات ، فالكون كله بما فيه نتيجة لعمل الاسماء والصفات ، هو العالم قبل أن توجد المعلومات ، وهو الخالق قبل أن يخلق الخلق ، وهو الرازق قبل أن يرزق الخلق ، أسماؤه قديمة والخلق محدثون ، ويستحيل أن يستفيد القديم من المحدث ، وإلا لم يكن قديما ،   وليس الهدف من خلق الخلق إظهار جناب الذات الإلهي والأسماء الحسنى والصفات العلا ، وإلا كان المعنى انه لولا الخلق لما ظهرت الذات والاسماء والصفات ، وكان للخلق منة – والعياذ بالله - على الرحمن ، معاذ الله ، بل هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الظاهر في الأزل والأبد ، وليس خلق الخلق وسيلة إلى إظهار الذات والاسماء والصفات ، بل كان الخلق نتيجة لتجليات الأسماء والصفات ، وصارت المنة للرحمن على خلقه ، أن خلقهم من عدم وتكرم عليهم بالإيجاد والامداد تفضلا منه ورحمة ، وهو الغني عنهم أزلا وأبدا وهم الفقراء إليه ، والله هو الغني الحميد ،

[ ]  حدوث الاكوان لا يغير شيئا ولا يضيف شيئا إلى جناب الذات الإلهي لأن له الكمال المطلق قبل خلق الخلق وبعد خلقهم ، فلم يستفد الرحمن من مخلوقاته شيء ، وحدوث الاكوان لا يزيد شيئا لا في الأسماء ولا في الصفات ، لأن لها الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة أو النقصان لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ، وإن قبل النقصان لم يكن كاملا ، وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ،  ( إذن  ) العالَم موجود نتيجة للكمال الإلهي وليس سببا في الكمال الإلهي ،  وفرق هائل بين الامرين ، خلق الاكوان منة من الرحمن على الخلائق وتفضل منه عليهم والله ذو الفضل العظيم ،

[ ]  الأكوان والخلائق بما فيها من عظمة وإبداع كانت نتيجة للكمال ، الصفات تامة كاملة قديمة عاملة بكمال الذات ، فتجلى أثرها في خلق الأكوان ، فكان الكون كله ومنه ( الإنسان ) نتيجة للكمال الإلهي وظهرت الخلائق كتجليات وآثار لعمل الأسماء الحسنى والصفات العلا ، فظهرت آثار الأسماء والصفات في كل شيء من الوجود ،   كل ما في الكون من خلق وإبداع إنما نتيجة للكمال وليس سعيا من أجل الكمال ، والعظمة ،  لو كان خلق الاكوان والانسان من اجل إضافة مجد أو بيان عظمة ، لكان من باب العبث واللهو واللعب ، وهذا كله محال على الله العليم الحكيم ، قال تعالى  : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [ سورة الدخان : 38 ، 39 ] ، ويقول : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } [ الدخان : 16 إلى 18 ] ، الكون وما فيه ظهر نتيجة للكمال وليس سعيا إلى الكمال ، فاستلزم ذلك شكر نعمة الرب الديان ،   ( الله ) جل جلاله لم يخلق العالَم لعلة ولا لسبب ، بل ظهر العالَم كنتيجة لتجليات أسمائه وصفاته ،   تجلى على الأكوان بأسمائه وصفاته ، كان الله تعالى في الأزل حيث لا مكان ولا زمان ولا خلق ، ولا أكوان ، فتجلت أسماؤه الحسنى بتجليات كان من أثرها خلق الاكوان والعوالم والمحدثات ، وأعظم التجليات كانت في خلق جنس الإنسان ، خلق الله تعالى آدم عليه السلام ، وأورثه الله العلم والحكمة وجعله نبيا ، وأورث ذريته جميع الأسماء والصفات ، فكان هو الجامع لكل التجليات ، خلقه الله تعالى في أحسن تقويم ، وصوره في أحسن صورة ، وأسجد له أطهر خلقه (( الملائكة )) ، وسخر له الكون بما فيه ،  واصطفى من ذريته الرسل والأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء والصالحين ، والمقدم من بني آدم ، على الإطلاق هو من بلغ رتبة الكمال الإنساني ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، ليس لأحد من الانبياء ما له من الفضل والأخلاق ، والباقون من الرسل والأنبياء عليهم السلام ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل ، صلي الله وسلم وبارك عليه وآله وصحبه أجمعين ،

( توحيد الافعال ) :  المقصود منه الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله  ، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته ، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة ، هو الخالق ولا خالق غيره ، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء  قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ،  وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون ، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه ، فهو مسبب الاسباب  ، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى  ، كما قال سبحانه :{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ]   ،  وأهل العلم بالأصول متفقون في توحيد الأفعال على أنّ كل ما يكون في الكون ، وكل ما يقع في الكون ، إنما هو من خلق الله تعالى ،

[ ]  هناك مسلكان في الأسباب والمسببات ، أحدهما أصح من الآخر ، وكلاهما لاهل السنة والجماعة ، القول الاول قال به السادة الماتريدية  : أنّ الله تعالى خلق المسببات وجعل فيها القدرة الذاتية ، ثم هي لا تفعل إلا بإذن الله ، ومثال ذلك أنّ الله تعالى أودع في النار القوة على الإحراق ، فهي تحرق بقوة ذاتية اودعها الله تعالى فيها ، ثم هي لا تحرق إلا بمشيئة الله ، والقول الثاني - وهو الاقرب إلى التوحيد المطلق لله في أفعاله وقال به السادة الأشاعرة : أنّ الله تعالى خلق الأشياء كلها ، وهو خالق الآثار التي تظهر عندها ، فلا يكون شيء في الكون إلا بخلق الله تعالى وقدره ، ومثال ذلك ، أنّ الله تعالى خلق النار ، وخلق الإحراق عند ملامسة النار للشيء ، وأنّه ليس للنار قوة ذاتية على الإحراق لأنه لا يوجد في الوجود كله من يملك القوة الذاتية على الفعل إلا الله ، وإنما الجميع خلق الله ، والإحراق الذي يحدث عند ملامسة النار ليس من النار ، وإنما بما خلقه الله تعالى من الإحراق عند لمس النار ، وكما هو واضح أنّ كلا القولين يلتقي عند مبدأ أصيل واحد يتمثل في توحيد الأفعال لله وحده ، وأنه لا يكون في الكون إلا ما شاء الله ، وليس في الكون شيء يخرج عن خلق الله تعالى ، وقدره الذي قدره للجميع ، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاء الله ، 

[ ]  ما دام كل شيء هو بمشيئة الله ، فما هو مدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله : والاجابة لها شقان : ( الشق الأول ) : الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله ، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى ، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله ،  ولكن الله تعالى جعل للثقلين ( الجن والإنس ) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله ، له حرية الاختيار ،  وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار ، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال ، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار ، ولكن ليس معنى ذلك ، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء ، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه ، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره ، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره ، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد ، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان ، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده ، كما قال تعالى :  { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله ، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه ، وما أحسن ما قاله الطحاوي وهو يعبر عن عقيدة المسلمين في القضاء والقدر : ( وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه ، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل ، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان ، وسلم الحرمان ، ودرجة الطغيان ، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة ، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ، ونهاهم عن مرامه ، كما قال الله تعالى في كتابه ‏:‏ ‏{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }‏ فمن سأل ‏:‏ لِمَ فعل ‏؟‏ فقد رد حكم الكتاب ، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين ) أهـ [ العقيدة الطحاوية ] ، فالخير والشر مقدران على العباد ، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله ، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله ، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره ، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة ، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح ، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه ، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً ، ولكن الناس أنفسهم يظلمون ،

[ ]  و ( الشق الثاني للإجابة  ) نظرية الكسب التي وردت في القرآن هي الحل الامثل لمتشابهات القضاء والقدر وتمثل التوسط ما بين بدعتي الجبر والقدر  ، وقد ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية ، جميعها يشير إلى كسب الإنسان ، وأنّه مسؤول عن كسبه ، منها قوله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ البقرة : 141 ] ، وقوله تعالى : { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [ البقرة : 225  ] ، وقوله تعالى : { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [ البقرة : 281  ] ، وقوله تعالى : { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [ غافر : 17 ] ،  عند التوفيق بين آيات الكسب ، وآيات توحيد الأفعال ، والتي منها : قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ  } [ التكوير : 29 ] ، نجد أنّ توحيد الأفعال يستلزم اعتقاد أنّ كل حركة وكل سكون ، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه ، فهو مسبب الاسباب  ، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى  ،  و ( الكسب ) يستلزم مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله بدليل ترتب الثواب والعقاب على تلك الأعمال  ، إذن الكسب هو الاختيار ، وهذه هي حدود قدرة الإنسان ، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى ، وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع أفعال الإنسان التي سيحاسب عليها إنما هي مخلوقة من الله مكسوبة من العبد ، للعبد فيها الاختيار فإن شاء الله كانت لأنها خلقه ، وإن لم يشأ لم تكن ، فمن اختار طريق الهداية وسار فيه ، فبفضل الله تعالى وتوفيقه ، ومن اختار طريق الضلال وسار فيه فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه ، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد ، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان ، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده ، كما قال تعالى :  { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله ، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه ، قال تعالى ‏:‏ ‏{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }‏ ،  هذا هو الكسب وتلك هي حدوده ، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها ، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه ، وحاسبه الله تعالى على  ما كسبت نفسه ، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله ، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه ، وتفسير الكسب على هذا النحو  هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية ، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله ، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته ، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق ، وبذلك ستصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة المسلمين في القضاء والقدر  ،   كان هذا ما تيسر في بيان أفعال الله في الكون ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 29 ) جناب الذات الإلهي والصفات العلا - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  بينان العلاقة بين جناب الذات الإلهي وصفاته العلا  : أقول وبالله التوفيق :

[ ]  كل ذات لها صفات تناسب حقائق الذات ، ولو تعرت ذات عن الصفات فلا يصح إطلاق لفظ الذات عليها ، لان من لوازم الذات أن يكون لها صفات تميزها عن غيرها من الذوات ، والصفات من جنس الذات ، فلما كانت ذات المخلوق محدثة محدودة ، كانت صفاته تابعة لذاته محدثة محدودة كذلك ، و ( جناب الذات الإلهي ) : له القدم والبقاء وله الأزلية والأبدية ، أول بلا  ابتداء وآخر بلا انتهاء ، كانت الصفات تابعة لجناب الذات فهي قديمة بلا ابتداء ، أزلية أبدية ، فلا بداية ولا نهاية ، ولا حد ولا غاية ، صفات مطلقة لها غاية الكمال والقدم أولية بلا ابتداء واخروية بلا انتهاء ،

[ ]  ( صفات الحق قديمة ) : ليست هي عين الذات ولا هي غير الذات ، بل الصفات للذات ، ولما كانت صفات المخلوق مكتسبة متغايرة ، يكتسبها حينا ويفقدها حينا آخر ، فهي غير الذات ، ظن اهل الجهل بالله وصفاته أن صفاتِه غيرُه ، وكيف تكون غيره وهي قديمة ، ولا قديم إلا الواحد الأحد ، وكيف تكون هي هو والصفات لا تقوم بنفسها وإنما بالذات ،

[ ]  القول الامثل أن نقول : الصفات لجناب الذات ، فلا هي هو ، ولا هي غيره ، بل هي له ، فليست هي عين الذات ولا هي غير الذات ، بل الصفات للذات ، تأخذ حكمها من حيث القدم والبقاء والكمال الذي لا يقبل أي زيادة ولا نقصان ، والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ،

[ ]  ليس كثرة الصفات دليل على تعدد القدماء ، بل الإله قديم واحد أحد بجناب ذاته ، وجناب ذاته تتصف بكمال صفاته ،  ( إن قلنا ) : صفاته عين ذاته فقد جعلنا الصفة عين الموصوف ، وجعلنا الموصوف عين الصفة ، وتصير الذات صفة والصفة ذات ، ويصير الذات معنى والمعنى ذات ، وهذا محال ، و ( إن قلنا ) : صفاته غير ذاته افترضنا وجود قدماء مع القديم وهذا تعدد للآلهة وهذا باطل محال ، وافترضنا وجود أشياء قديمة منفصلة عن الذات او متصلة به ، وهذا ايضا باطل محال لان الله تعالى أحد صمد له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فلا أجزاء ولا ابعاض ولا تركيب ولا اتصال ولا انفصال ، وعلى ذلك فالقول الامثل أن نقول : صفات الحق لا هي هو ، ولا هي غيره ، بل هي له ، فليست هي عين الذات ولا هي غير الذات ، بل الصفات للذات ، تأخذ حكمها من حيث الكمال والإطلاق ،

[ ]  الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : وهي صفات الكمال التي أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى ، ولهذا قال علماء الاصول أن : صفات الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام ، واجبة لله تعالى عقلا ، لأن أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى ، ضد صفة ( الوجود ) العدم ، وضد ( القدم ) الحدوث ، وضد صفة ( البقاء ) الفناء ، وضد صفة ( الوحدانية ) وجود الشريك ، وضد صفة ( الحياة ) الموت ، وضد صفة ( القيام بالنفس ) الاحتياج ، وضد صفة ( القدرة ) العجز ، ، وضد صفة ( الإرادة ) الاضطرار ، وضد صفة ( العلم ) الجهل ، وضد صفة ( السمع ) الصمم ، وضد صفة ( البصر ) العمى ، وضد صفة ( الكلام ) البكم ،

[ ]  هناك فرق في الاصطلاح بين الحكم العقلي والحكم السمعي ، إذ الحكم السمعي هو ما كان إثباته عن طريق الشرع ، ولا يلزم من اثباته استحالة ضده وانتفائه في حق الله تعالى ، إذ أنّ الشرع دل على ثبوت صفة الرحمة لله وثبوت ضدها وهو شدة العقاب ،  وعند تطبيق تلك المصطلحات بدقة لن يكون هناك لبس في تعلم العلم ، فإنّه إذا قيل واجب عقلي ، فإنّ معناه الذي لا يُتصور في العقل عدمه ، وبالتالي فإنّ وجود الله تعالى واجب عقلي لأنّه لا يُتصور في العقل عدمه ، إذ وجود جميع تلك المخلوقات والنظام الذي هي فيه يوجب في العقل وجود خالقها الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ،  أما ( الرحمة ) التي يتصف بها الرحمن سبحانه فإنّها واجب سمعي وليس شرعي ، وتعريفه كما ذكرنا هو الذي دل الشرع على وجوبه ، وقد أعلمنا الله تعالى بتلك الصفة بقوله تعالى : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [  المائدة : 98 ] ، ومن هذا نعرف خطأ غير المتخصص عندما يخلط بين الواجب العقلي والواجب السمعي ، ويتهم المتخصصين في العقيدة بأنّهم أثبتوا ثلاث عشرة صفة ، وألغوا بقيتها ، وحاشاهم من ذلك ، فإنّهم يتكلمون على الواجب العقلي الذي لا يُتصور في العقل عدمه ، وأما عند حديثهم على الواجب السمعي فإنّهم يجعلون جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله تعالى ،

[ ]  جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات محكمة واجبة لله ، وعلى هذه القاعدة اتفق أهل العلم من أهل السنة والجماعة ، ومعنى ذلك أنّ جميع الاسماء الحسنى تدل على صفات علا  تليق بجناب الذات الإلهي سبحانه ، ليس كمثل جناب ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ،  ( فالرحمن ) : يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله ، و ( الرحيم ) : يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي ، وهكذا فكل اسم من الأسماء الحسنى يدل على صفة محكمة من صفات الله ،

[ ]  الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : تتمثل في صفات الوجود والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام ، وهذا بيانها بالتفصيل مع ذكر قواعد التنزيه المتعلقة بها ، وأضدادها مستحيلة على الله ، ضد  ( الوجود ) العدم ، وضد  ( البقاء ) الفناء ، وضد  ( الوحدانية ) وجود الشريك ، وضد  ( الحياة ) الموت ، وضد  ( القيام بالنفس ) الاحتياج ، وضد  ( القدرة ) العجز ، ، وضد  ( الإرادة ) الاضطرار ، وضد  ( العلم ) الجهل ، وضد  ( السمع ) الصمم ، وضد  ( البصر ) العمى ، وضد  ( الكلام ) البكم ،

[ ]  ( الصفة الأولى من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الوجود ) : قال تعالى { أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي أن وجود السماوات والأرض بما فيهما من عجيب صنع الله لا يدع مجالا للشك في وجود الله ، وقديماً سُئل الأعرابي كيف عرفت ربك قال : البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير ، ومن التقديس المتعلق بصفة الوجود  : ( أ ) وهناك فرق عظيم بين وجود الله ووجود المخلوقات ، فوجود الله ذاتي واجب لولاه لما وجد أي موجود ووجود جميع المخلوقات جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود ، ( ب ) وجود الله ذاتي ليس له ابتداء ولا انتهاء ، فهو الأول ليس قبله شيء وهو الأخر فليس بعده شيء ، ليس وجوده في مكان لأنه خالق المكان وليس وجوده في زمان لأنه خالق الزمان , فهو سبحانه قبل الزمان والمكان , ( ت ) الله موجود والخلائق موجودة ولكن وجودنا يسبقه عدم ويعقبه فناء وهو متعلق بإرادة الله يخلق ويعدم ويحي ويميت ويوجد ويفني أما وجوه سبحانه فهو ذاتي لا يقبل الحدوث ولا الفناء ، أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء

[ ]  (  الصفة الثانية من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القدم ) : ( الأول بلا ابتداء ) ،  والقـدم هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله )) [البخارى ومسلم ]،  ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((  أعوز بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم )) [ أخرجه أبو داود ح ( 466) ] ، وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه ، وذلك يستلزم قدم ذاته وأسماءه وصفاته ، ومن التقديس المتعلق بصفة القدم   : ( أ ) القِدمُ معناهُ الأزلية فإذا قيل الله قديمٌ معناه لا ابتداءَ لوجودِهِ، هذا في حق الله أما في حق غيره إذا قيل قديم فمعناه مضى عليه زمانٌ طويلٌ ،  الله تعالى قديم أزلي لا بداية لوجوده ، لأن الإله لابدَّ أن يكون أزليّاً وإلا لكان محتاجًا إلى غيره والمحتاج إلى غيره لا يكون إلهَاً وما سواه تعالى فهو حادث مَخلوق ، ( ب ) الله تبارك وتعالى لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ، ( ت ) قال أهلُ العلم : الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ: القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، والقسمُ الثاني من الموجودِ: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها ، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء ، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا والله تعالى – وحده سبحانه – هو الأزليٌّ الأبديٌّ بذاته تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا  ،

[ ]  ( الصفة الثالثة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة البقاء ) :  يجب وصف البقاء لله تعالى ومعناه أنه تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد ، قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ } [ الرحمن : 25 ] ، ومعنى البقاء في حقه تعالى : نفي الآخرويّة ونفي العدم اللاحق ، كما أن معنى القِدم : نفي الأولية ونفي العدم السابق كما تقدم؛ قال الله تعالى:{ هو الأوَّلُ والآخِرُ والظاهِر والباطِن } [الحديد: 3]؛  فـ "الأوّل": القديم من غير بداية ، و"الآخر": الباقي من غير نهاية ،  و"الظاهر": المعروف بالأدلة، أي الذي أظهر أدلة معرفته بما أبدع من صنعته ، و"الباطن": الذي لا يُحَدُّ ولا يُكَيَّفُ ، يجب له سبحانه بقاء لا يشوبه عدم، بل لا نهاية له , إذ كل من ثبت قدمه استحال عدمه ،  وبرهان وجوب البقاء لله تعالى : أنه تعالى لو لم يجب له البقاء لكان يقبَل الوجودَ والعدمَ، وكل من يقبل الوجود والعدم وجوده جائزٌ لا واجب، وكل من وجوده جائز فهو حادِث فيفتقر إلى من يُرَجِّح وجودَهُ على عدمه ، فلو لم يكن تعالى باقيا لكان حادثا ، وكل من ثبت قدمه استحال عدمه ووجب بقاؤه ،

[ ]  ( الصفة الرابعة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة المخالفة للحوادث ) : ومعناها نفي المشابهة بين الله تعالى وبين خلقه  بأي وجه من الوجوه ،  قال الله تعالى  :{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء  }  ]سورة الشورى آية  11 ] ،  كل ما يخطر في البال فالله بخلاف ذلك ، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان ، منزه عن الحد والمقدار تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، ومن الادلة على هذه الصفة قوله تعالى : {  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ، { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  } : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات ، ( الاحدية )  تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ،  ومن الادلة على ( الصفة الرابعة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة المخالفة للحوادث ) : قوله تعالى : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ، والثاني باطل ، لان الله تعالى يقول : {  ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، فدلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين  ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، وبالتالي تكون هذه الآية أقوى سوط على ظهور المشبهة والمجسمة والحشوية ، لانهم إنما  يتمسكون بما يوحي بشكل الذات ، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات ، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا ، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات ، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كان جزءا من ذات ، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض ،  فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد ، إنّ اهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات ، وتكييف الذات ، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات ، وإلا زعموا اننا نعبد عدما ، قال تعالى : {  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع لهذه للمتشابهات : باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء ، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات ، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء ، قال العلماء : قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ ،  هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ { شيء } في سياق النفي ، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه ، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء

[ ]  ( الصفة الخامسة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الوحدانية ) :  الله تعالى واحد لا شريكَ لَه أي ليس له ثان ، واحد لا شريك له ولا ند له أحد لا جزء له ، يستحيل ان يكون بينه وبين احد من خلقه مشابهة ، لأن المخلوق مركب مؤلف مصور من أجزاء ، والله أحد مطلق لا نظير له تعالى في جناب ذاته ولا في حقائق صفاته ولا في حقائق أفعاله ،  فيجب اعتقاد وحدانية جناب الذات من جهة نفي الشريك في الخارج ونفي الكثرة في جناب الذات ، فذاته تعالي له الأحدية المطلقة منزه عن الكثرة والانقسام والأبعاض والأجزاء ،  منزه عن التركيب ، ولذلك قال الله تعالي عن نفسه : {  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] ، فالشيء قد يكون واحدا ومع ذلك يكون مركبا من أجزاء أما الله تعالي فهو سبحانه واحد لا شريك له ، أحد لا جزء له ، والله أحد مطلق لا نظير له تعالى في جناب ذاته ولا في حقائق صفاته ولا في حقائق أفعاله ،  فيجب اعتقاد وحدانية جناب الذات من جهة نفي الشريك في الخارج ونفي الكثرة في جناب الذات ، فذاته تعالي له الأحدية المطلقة منزه عن الكثرة والانقسام والأبعاض والأجزاء ،  منزه عن التركيب ، ولذلك قال الله تعالي عن نفسه : {  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] ، فالشيء قد يكون واحدا ومع ذلك يكون مركبا من أجزاء أما الله تعالي فهو سبحانه واحد لا شريك له ، أحد لا جزء له ،  الوحدانية واجبة لله تعالى في الذات والصفات والأفعال ، فأمّا وحدانية الذات, فهي عبارة عن نفي الكمِّ المتَّصِل والكم المنْفَصِل ،  ومعنى الكم المتصل: أن تكون ذاته مركَّبة من أجزاء تعالى الله عن ذلك ، والكم المنفصل: عبارة عن وجود نظيرٍ له تعالى في ذاته أو صفاته أو في أفعاله ،  فالوحدة في حقه تعالى عبارة عن نفي الكثرة في الذات والصفات والأفعال ،  فنفي الكثرة في الذات يستلزم أن لا يكون جسماً يقبل الانقسام، ويستلزم نفي نظير له في الألوهية ، ونفي الكثرة في الصفات يستلزم نفي النظير فيها، أي نفي أن يكون أحدٌ متصفا بمثل القدرة والإرادة ونحوهما من صفات الألوهية ، ونفي الكثرة في الأفعال يستلزم انفراده تعالى بها، فلا شريك له فيها ، فلا تأثير لشيء من العاديَّات ممّا جرت عادة الإله وسُنَّتُه أن يخلق عندها الشيء مقترِنا بها؛ كإيجاده تعالى الرّي عند الشرب، والشبع عند الأكل، والقطع عند اقتران السكين بالمقطوع أو المذبوح، واحتراق الشيء عند ملاقاة النار له، فهذه الأشياء وما ماثلها لا تأثير لها فيما قارنَته البتة بدليل انفراده تعالى بالفعل؛ { ألا له الخلق والأمر}  [ الأعراف: 54 ] ، وبصحة تخلُّفِه كما وقع وشوهد، شاهدٌ على ذلك: { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] ، أما برهان وحدانيته بمعنى نفي التركيب – وهو المراد بالكم المتصل–، فلأنه لو كانت ذاته العلية مركَّبة للزم أن يكون جسماً – تعالى عن ذلك –، ولو كان جسما لكان حادثا، وقد تقدم وجوب القِدم له تعالى، فلا يكون حادثاً لئلا يجتمع الضدان ، وأما برهان وحدانيته تعالى بمعنى نفي النظير في ذاته وصفاته وأفعاله – وهو المراد بالكم المنفصل– فلأنه تعالى لو كان معه ثان في الألوهية لما وُجِد شيء من الحوادث؛ إذ قادران على مقدور غير جلي، فلا يدخل المقدور الواحد تحت قدرتين؛ وذلك أنه لو فرض شريك له – سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا – فلا يخلو إما أن يتَّفِقا أو يختلفا: فإن اختلفا لزم العجز لاستحالة نفوذ قدرتهما؛ لأنّه إذا كان أحدهما يقول بإيجاد شيء والآخر يقول بإعدامه، فلا يمكن أن تنفذ إرادة كل منهما، وهو واضح ، وأمّا إن اتفقا فيلزم العجز أيضا؛ أمّا الذي لم تنفذ إرادته فعجزه واضح لأنه ترَك الفعلَ لمثله، وأمّا الذي نَفذَت إرادته فعاجز أيضا لأنهما فُرِضا مثلين، فحيث وجب العجزُ لأحدهما وجب للآخر. فتبين وجوب الوحدانية له تعالى والله تعالى أعلم ،

[ ]  (  الصفة السادسة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الحياة ) :  الله تعالى موصوف  بحياة أزلية أبدية ، وهى صفة قديمـة قائمـة بجناب ذات الله تعالى ، تصحح الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر، وجميع صفات الكمال والجلال والجمال الواجبة له تعالى ، و( الحي ) اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى : {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران : 2] ، وقال تعالى : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت} [الفرقان : 58] ، وحياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } [ البقرة :  255 ]  ، له سبحانه كمال الحياة ، سبحانه ( الاول فليس قبله شيء )) ، و ( الآخر فليس بعده شيء )) ، وهو الحي الذي لا يموت ، له سبحانه كمال الحياة ، سبحانه ( الاول فليس قبله شيء )) ، و ( الآخر فليس بعده شيء )) ، وهو الحي الذي لا يموت ، وبرهان اتصافه تعالى بالحياة : اتصافه تعالى بالصفات التي لا يمكن أن تقوم إلا بالحي؛ من العلم، والقدرة، والإرادة وغيرها، وأنه لو لم يكن حيا لم يوجد شيء من الحوادث، وهو خلاف المشاهَد،

[ ]  ( الصفة السابعة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القيام بالنفس ) :   الله تعالى قيوم  مستغن عن كل ما سواه فلا يحتاج إلى أَحَد من خَلقه إذ الاحتياج للغير علامة الحدوث والله منزَّه عن ذلك وكلُّ شيء سوى الله مَحتاج إلى الله لا يَستغني عن الله طرفَة عَين،  قالَ تعالى : {  فَإِنَّ اللهَ غَنِي عَنِ العَالَمِيَن   } [ سورة آل عمران آية 98 ] ،  الله سبحانه قائم بنفسه مستغنٍ عمّن سواه ، له كمال الغنى والقيومية ، فهو سبحانه الغنيُ الغنى المطلق ، والحي القيوم ، فلا يحتاج إلى أحد والكل محتاج إليه ، فقير إلى فضله وغناه ،  والمراد بالقيام بالنفس عدم افتقاره تعالى إلى المحل والمخصص والمكان ،  فأما عدم افتقاره إلى المحل فيراد به عدم افتقاره لذات يقوم بها ، لأنه لو افتقر إلى ذات لكان صفة ولو كان صفة لما اتصف بصفات المعاني ، وهي واجبة القيام به تعالى ، وإذا بطل كونه صفة بطل افتقاره إلى محل ، وثبت عدم الافتقار ،  ودليل عدم الافتقار إلى المخصص أنه لو افتقر إليه لكان حادثاً ، وقد ثبت وجوب وجوده ، وقدمه ، وبقائه ذاتاً وصفاتاً ، ودليل عدم الافتقار إلى المكان ، أنه قديم والمكان محدث ، كان ولا مكان ثم خلق المكان ، وهو على ما عليه كان ، منزه عن الحاجة  ، لذلك يستحيل أن يحتاج إلى مكان يؤويه أو زمان يحويه  أو عرش يحمله ، كان الله ولا شيء غيره أو قبله أو معه، فهو الواحد القهار  ، مستغنٍ عن كل شيء ، وكلُّ شيء سوى الله محتاجٌ إلى الله لا يستغني عن الله طرفةَ عينٍ، قال تعالى: {والله الغنيُّ وأنتم الفقراء } [سورة محمد] ،

[ ]  ( الصفة الثامنة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القدرة  ) :  الله تعالى موصوف بقدرة قديمة أزلية أبدية يؤثر بها في الممكنات أي في كل ما يَجوز في العقل وجوده وعدمه ، قال تعالى : { وَهُوَ عَلَى كل شَيء ء قَدِير }  ]سورة المائدة آية 120 ] ، فالله تعالى لا يعجزه شيء ، ولو كان عاجزًا لَما وجدَ هذا العالم على هذا الاتساع وذلك الاتقان ، و ( القدرة ) عامة لا يجوز تخصيصها ، قال تعالى : { إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة : 20] ،  لكن القدرة مطلقة في مجالها المتعلق بجميع الممكنات وجميع المخلوقات ، فإن الله تعالى لو شاء أن يجعل العالم كله في حجم البيضة وأقل من ذلك لفعل لأنه على كل شيء قدير ، ولكن قدرة الله تعالى صفة من صفات الله تعالى الواجبة له ، فلا تعلق لها ببقية صفاته الواجبة له سبحانه كالعلم والسمع والبصر ، لا تتعلق بالواجب في حق الله تعالى لأنه موجود لا يقبل الفناء ، وكذلك فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى لأنه معدوم لا يقبل الوجود ، (  قدرة الله ) :  لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى ، كمثل شخص يقول : هل يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق مثل نفسه ؟  ، وهذا السؤال كفر والجواب عليه : لا نقول هو قادر ولا نقول غير قادر فالجوابان كفر والجواب الصحيح هو أن نقول أن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد المستحيل في حق الله تعالى ، والشيء المستحيل في حق الله تعالى لا يمكن أن يوجد ، لأنه لو خلقه كان مخلوقاً ، فلا يكون إلهاً ، ولا خالقاً ، ومثل ذلك تماماً ، زعم النصارى أن لله تعالى الولد ، وهذا مستحيل ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ] ، قال المصنف : (وقدرة) أي واجب له تعالى قدرة عظيمة, عامة التعلق بجميع الممكنات, إيجادا وإعداما وتأثيرا فيها، قديمة أزلية قائمة بالذات العلية، منزَّهة عن الكيفية ، وبرهان وجوب اتصافه تعالى بالقدرة, أنه لو لم يتصف بها لاتصف بالعجز، وهو محال لما يلزم عليه من عدم وجود الحوادث، وهو خلاف المشاهد ،

[ ]  ( الصفة التاسعة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الإرادة ) :  الله تعالى موصوف بالإرادة وهي تعني (  المشيئة   ) يخصّص الله بها الممكن العقلي بصفة دون صفة ، وهي واجبة له تعالى وشاملة لجميع أعمال العباد الخير منها والشر ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لْم  يَشَأْ لْمَ يَكُنْ ، و ( الإرادة ) تتعلّق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق ، ولا تتعلّق بالواجب في حق الله تعالى أو المستحيل في حقة سبحانه ، ومثال ذلك تعلق إرادة الله تعالى بعلم الله تعالى ، فلا يجوز ، ولا يصح أن يقال : أن الله متى شاء أن يعلم فإنه يعلم ، ومتى شاء أن يجهل فإنه يجهل ، لأن العلم صفة واجبة لله تعالى ، لا تعلق للإرادة بها ، لأنه بكل شيء عليم ، والجهل صفة مستحيلة في حق الله تعالى ، ، وبالتالي فإن المشيئة تتعلق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لْم  يَشَأْ لْمَ يَكُنْ ، ( الإرادة ) تتعلق بالممكنات تعلُّق تخصيص ، وهي صفة يتأتّى بها تخصيص الممكن  بأحد الأمرين الجائزين عليه. ويرادف الإرادة المشيئة ، وهناك فرق بين الإرادة والرضا ، بمعنى أنه لا تلازم بين الأمر والإرادة, إذ قد يأمر تعالى ولا يريد ، فلا يقع ، كأمره تعالى أبا جهل وأبا لهب بالإيمان مع عدم إرادته له ،   ويريد ولا يأمر، ككفر الكافر وعصيان العاصي ، ويريد ويأمر, كإيمان أبي بكر رضي الله عنه ونحوه من المؤمنين ، ولا يريد ولا يأمر، كالذي علم الله أنه لا يوجد في كونه وملكه ، إذن الإرادة مغايرة للعلم ومغايرة للرضا ، لأنّ معنى الإرادة أعمّ من معنى الرضا والمحبة ، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ،  وبرهان وجوب اتصافه تعالى بالإرادة, أنه لو انتفى عنه القصد إلى تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه – الذي هو معنى الإرادة – لم توجد الحوادث وبقيت على عدمها، والمشاهَدةُ شاهِدةٌ بمنْع عدم وجود الحوادث ، وإرادته تعالى عامة التعلق بجميع الممكنات، فلا يقع شيء إلا بإرادته تعالى ،

[ ]  (  الصفة العاشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي :  صفة العلم ) : الله تعالى يعلم بعلمه الأزلي كلَّ شيء ، يَعلَم ما كانَ وما يكون وما لا يكون ، قال تعالى :  { وَهُوَ بِكُل شيء عَلِيم  } ،  فعلم الغيب المطلق جميعه خاص بالله تعالى ، له كمال العلم ، فكل المعلومات من الازل حيث لا بداية وإلى  أبد الابد حيث لا نهاية منكشفة عليه ، كل العلم حاضر عنده ، لا يضل ربي ولا ينسى ،  كل المعلومات منكشفة عليه ولا يجري على علمه زمان ، كل العلم حاضر عنده ، لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ، يعلم السر وأخفى ، أحاط علمه بكل شيء ، يعلم ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ، أحاط علمه بالواجبات والممكنات والمستحيلات ، وعلم الله تعالى ذاتي لا يستفاد من المعلومات  ، بل هو قديم كامل حاضر ، لا يغيب عنه شيء ، ولهذا وجدت المخلوقات على هذه الدقة المتناهية التي لا خلل فيها ولا فطور ، ووجد الكون على هذا الصنع البديع ، لا يغيب عنه سبحانه أي معلوم ، وهو بكل شيء عليم ،  (وعلمه) تعالى القديم الأزلي متعلِّق بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات ،  قال تعالى: {أحاط بكل شيء علما } [الطلاق: 12] { وأحصى كل شيء عدداً } [الجنّ: 28] { وهو بكل شيء عليم } [ الحديد : 3 ] ، وإنما تعلَّق بالواجبات والمستحيلات لأن العلم ليس من صفات التأثير ، إذ الصفة يجب لها عموم التعلق بكل ما صلحت له ، وبرهان العلم : أنه تعالى لو لم يتصف بالعلم لاتصف بضده، وهو محال لما يلزم عليه من عدم وجود الحوادث؛ إذ لو انتفى العلم لانتفت الإرادة، ولو انتفت الإرادة لانتفت القدرة فلا يوجد شيء من الحوادث. كيف وهو الذي خلق السموات والأرض؟ { ألا يعلم من خلق } [الملك: 14] ، و ( العلم ) : صفة أزلية قديمة, لها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة به, على ما هو عليه دون سبق خفاء ،  ( ولا يقال مكتسَب ) ، لما يلزم منه سبق الجهل المستحيل عليه تعالى ،  إذ المكتسب هو الحاصل بعد النظر،

 [ ]  ( الصفة الحادية عشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الكلام ) :  الله تبارك وتعالى متكلم  بكلام  أزلي لا يشبه كلامَ المخلوقيَن ليس لكلامه ابتداء  ، وليس له انتهاء  ، لا يطرأ عليه سكوت أو تَقطّع  ، ليس بحرف ولا بصوت ، ولا بآلة ، قال تعالى : { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما } ، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم ، أزال الله المانعَ عن سُمع موسى ، فسَمعَ كلامَ الله من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى ، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود ، وصفة الكلام مطلقة لا حد لها ، قـال تعالى:{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 1.9 ] ، وقال تعالى : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } [لقمان : 27]  ،  وكلام الله تعالى ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى أزلي أبدي ليس بمخلوق ولا يقال عنه أنه من صفات الفعل ولا يقال عنه أنه يتعلق بالمشيئة لأن هذا تكييف قياسا على كلام البشر والله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه ولا يعلم الله على حقيقته إلا الله ، ولأنّ صفة الكلام قديمة وكل ما تعلق بالمشيئة محدث مخلوق ، فمن قال يتكلم متى شاء كيفما شاء فقد جعل الكلام مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن ، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان ، وهذا كله عجز ونقص يتنزه الله تعالى عنه ، ونحن لا نملك إلا أن نقول : العجز عن دَرَك الإدراك إدراكُ والكيف مخلوق ، والكيف يستحيل على الله  ، والله تعالى له كمال صفة الكلام ، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق ، والقرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم لا يوصف بالحدوث والخلق ، صفة قائمة بذات الله تعالى ، لا تقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق ، كما لا يقبل العدم ولا ما فى معناه من السكوت ولا التجديد ولا البعض ولا الكل ولا التقديم ولا التأخير ولا اللحن ولا الأعراب ولا سائر التغيرات ، ليس كمثل كلامه كلام ، لقد أخطأ أهل الحشو المشغبين على علماء العقيدة السادة الأشاعرة عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس ، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة ، فقالوا : صفة الكلام من صفات الفعل ، وهي صفة تابعة عندهم للمشيئة والقدرة ، بمعنى أنه يتكلم متى شاء بما شاء ، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى ، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالقدرة والمشيئة ، يتكلم متى شاء ويسكت - سبحانه عما يقولون - متى شاء ، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية ، بل محدثة ، وبالتالي فالقرآن الكريم - على لازم قولهم - مخلوق لأنه كان بعد أن لم يكن ، والصواب ان صفة القدرة لا تعلق لها بصفة الكلام ، تماماً مثل عدم تعلق القدرة بصفة العلم ، وكما أنه لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يعلم ، كذلك لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يتكلم ، فينفون عنه صفة الكلام في حال السكوت على ظنهم ، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى ، فلا حد لكلام الله تعالى ، قال تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 109 ] ، إذن من صفات المعاني الواجبة لله تعالى : (الكلام) النفسي الأزلي القائم بذاته العلية، المنزَّه عن الحروف، والأصوات، واللحن، والإعراب، والتقديم، والتأخير، والسكوت, وكلّ آفة ممّا هو من خواص الحوادث الذين كلامهم على حسب ما يساعد آلة اللسان من الترتيب. بل كلام الله تعالى صفةٌ من صفات ذاته دائمة لا تنقطع أبد الآباد، وإنّما لم نسمعه لما ضرب علينا من الحجاب، وإذا أراد تعالى إسماع كلامه لأحد من أولياءه في الآخرة, أو لبعض خواص أنبيائه في الدنيا أزال عنه الحجاب حتى يسمع كلاماً ليس له نظير ولا شبيه ولا يكيَّف ، ويتعلق ( الكلام ) بكل ما يتعلق به العلم من الواجبات والمستحيلات والجائزات، إلا أن تعلُّقَ العلم تعلّق انكشافٍ ، وتعلق الكلام تعلق دلالة  ، قال تعالى: { وكلم الله موسى تكليما } [النساء: 164]، وقال تعالى : { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأعراف: 144] ، – ولو لم يتصف تعالى بالكلام لاتصف بضده، وهو نقص، والنقص على المتصِف بصفات الجلال والكمال محال ،

[ ]  ( الصفة الثانية عشرة والثالثة عشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفتا السمع والبصر ) :  الله تعالى سميع له السمع المطلق ،  يسمع بسمع أزلي كلَّ المسموعات ، سمع الله تعالى مطلق قديم  ، له كمال السمع ، يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات من الازل وإلى أبد الأبد جملة واحدة ولا تختلط عليه الأصوات ، يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء ، قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى : 11 ] ، صفة السمع صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى والله موصوف بها أزلا وأبدا ، لا يغيب عنه أي مسموع مهما كان ،  لا يجري عليه في سمعه زمان ، وكل المسموعات عبر الزمان منكشفة على سمع الله ، والصفة الرابعة عشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة البصر ) :   الله تبارك وتعالى يرى الحادثات برؤيته الأزلية  ، وبصره لا يشبه بَصرَ المخلوقات ، لأنه سبحانه يرى كلَّ المبصَرَات من غير حاجة إلى حَدَقة ولا إلى ضوء ، قال تعالى :  { وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير  } [ سورة الشورى : آية : 11 ] ، لا حد لبصره ولا يجري على بصره زمان ، له سبحانه كمال البصر المطلق والحاضر ، لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة ، لا يجري عليه في بصره زمان ، وكل المرئيات عبر الزمان منكشفة على بصر الله ، وهو بكل شيء شهيد ، وهو السميع البصير ، والله تعالى ليس كمثله شيء في بصره ورؤيته ، يرى سبحانه من غير واسطة ، ورؤيته أزلية وأبدية لا يطرأ عليها ضعف ولا انقطاع ،  لا يغيب عنه أي مرئي مهما كان ، { إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً } ، والرؤية والبصر معنى واحد يشمله صفةٌ البصر : قال تعالى : { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه : 46] ، وقال تعالى : { أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى } [العلق : 14] ،

[ ]  الصفات الواجبة لله تعالى من جهة السمع :  جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات محكمة واجبة لله ، وعلى هذه القاعدة اتفق أهل العلم من أهل السنة والجماعة ، ومعنى ذلك أنّ جميع الاسماء الحسنى تدل على صفات علا  تليق بجناب الذات الإلهي سبحانه ، ليس كمثل جناب ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ،  ( فالرحمن ) : يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله ، و ( الرحيم ) : يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي ، و ( الملك ) : يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي ، و ( القدوس ) : يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول ، و ( السلام ) : يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء ، وهكذا فكل اسم من الأسماء الحسنى يدل على صفة محكمة من صفات الله تعالى ،

[ ]  باب الصفات أوسع من باب الأسماء : كل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى يتضمن صفة محكمة من صفات الله تعالى فالعليم يشتق منه صفة العلم، والحكيم يشتق منه صفة الحكمة ، ولكن ليس كل صفة يؤخذ منها اسم لله , مثل الكلام صفة لله عز وجل ولكن الله سبحانه ليس من أسمائه المتكلم ، ومثل الإرادة ، فهي صفة لله تعالى ، ولكن الله سبحانه ليس من أسمائه المريد ،  ومن أجل ذلك كان باب الصفات أوسع من باب الأسماء ، فالله يوصف بصفات كالكلام، والإرادة، والمشيئة ، وغيرها ، ولكن لا يشتق له منها أسماء ، فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نسميه بها لأنّ

[ ]  باب الصفات أوسع من باب الأسماء ، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات : وذلك لأن باب الأسماء والصفات توقيفي ، أما باب الإخبار عنه سبحانه وتعالى فقد يتناول الصفات وقد لا يتناولها حسب سياق الآيات ، فإنّ قوله تعالى : { فأينما تولوا فثم وجه الله } يدل يقينا على قبلة الصلاة ، وليس بالضرورة أن يدل على صفة الوجه ، وإلا كان الوجه كالفلك المحيط بالعالم ، وقوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } يدل على فناء المخلوق وبقاء الخالق ، وليس بالضرورة أن يدل على صفة الوجه وإلا لهلكت الذات وبقي الوجه ، وقوله تعالى : { تجري بأعيننا } ، يدل يقيناً على العناية والحفظ والرعاية ، وليس بالضرورة أن يدل على صفة العين ، وإلا كانت السفينة تجري في عين الله ، وقوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } ، يدل يقينا على غاية الكرم والعطاء ، وليس بالضرورة أن يدل على صفة اليد ،

[ ]  الصفات الخبرية : هي الصفات التي وردت بها الأخبار من الكتاب والسنة الثابتة ، وهذه تدخل في المتشابهات التي تعارض المحكم كالاحدية والقدم والتقدس عن التغير والحدوث ، ومن ذلك ( الوجه ) و ( العين ) و ( اليد ) فهذه في اللغة أجزاء من ذات والله تعالى له الاحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للأجزاء ، ومن هذه المتشابهات ما يوحي بالتغير والحدوث كالاستواء ، والنزول والمجيء ، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك ،  وهذه الاخبار نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم ، وعلى الوجه الذي يدل على الكمال ، مع تنزيه الله تعالى عن أوجه النقص فيها ، مثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها ، ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا على سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  فهم الآيات وفق السياق الأصلي للآيات ،  فقوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } ، أي ذاته أو ما أُريد به رضاه ، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها المستعمل في اللغة ( والذي معناه جزء من الذات ) ، ومثال الصفات الخبرية أيضا ( الاستواء ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية لذات الله ، وهذا وصف لذات الله تعالى بالنقص ، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن النهاية لأنها سمة المخلوق المحدود ، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وهو أكبر من الحدود ، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه ، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود ، كما أنّه الواحد القهار الذي قهر الحدود ، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات ، فإثبات الاستواء على معناه الظاهر ( الجلوس ) ، قد يوحي بالمحدودية والمقابلة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب  ، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ،

[ ]  ينبغي أنّ نسلك في الصفات الخبرية طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها ، إما اثبات الاستواء على سبيل الصفة لا سبيل هيئة لجناب الحق تتمثل في الجلوس أو الاستقرار ، وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو التدبير والهيمنة والربوبية  ، لقوله تعالى : { ثم استوى على العرش يدبر الامر } ، فأعلمنا المفتاح لفهم الاستواء وهو التدبير ، وإما تفويض علمه إلى الله ، ( استواء على مراد الله ومراد رسول الله ) مع المنع من تفسيره على ظاهره ( الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش ) ، لان  الأحدية المطلقة تمنع من هذا التفسير ، سبحانه الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،   فتلك هي المسالك المعتمدة لدى أهل الحق في معاملة المتشابهات ،   أهل الحشو يقولون : صفات الوجه واليد والعين صفات أعيان محكمة ، نقول لهم أولا ليست صفات لأنها تستعمل في اللغة دلالة على أجزاء من ذات والأحدية المطلقة تمنع من ذلك ، وثانيا يقولون هي محكمة فأين وجدوا أنها محكمة فلم يات بها امر وإنما هي أخبار ، فالمحكم القدرة على سبيل المثال ، قال تعالى : أعلموا أن الله على كل شيء قدير ،  وترجع إلى اسم من الأسماء الحسنى وهو القدير ، فمن أين لهم أنها محكمة واللغة لا تساعدهم في تسميتها صفات ، لأنها أجزاء من ذات وهم جعلوها صفات أعيان وليس للاعيان معنى سوى الجزئية والتركيب على الله ، والأحدية المطلقة تمنع من ذلك ،  والصمدية المطلقة تمنع من ذلك ، لذا صدق فيهم قول الله : { فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة } كل مؤلفاتهم في العقيدة باب الوجه باب اليدين باب العينين باب القدم باب الساق ، ليس عندهم سوى تتبع المتشابهات التي لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 28 ) جناب الذات الإلهي والأسماء الحسنى - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة : جناب الذات الإلهي والأسماء الحسنى  ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ]  الله تعالى له الأسماء الحسنى ، التي لها الكمال المطلق في الحسن والجلال والإكرام ، تقدست أسماؤه ، وتعالت صفاته ، قال تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى  } [ سورة طه : 8 ] و قال تعالى { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ سورة الْأَعراف : 180 ]

[ ]  قال تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) [ الأعراف : 180 ]  جعل الله تعالى الأسماء الحسنى لكي ندعوه بها ولكي نعرفه بها ، فالأسماء تدل على المسمى ، وأمرنا ان نبتعد عن الذين يلحدون في أسمائه فقال تعالى : {  وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون  } ، والإلحاد في الأسماء الحسنى يكون بإثبات المشاركة لأحد من الخلق في هذه الأسماء أو بعضها بنفس معناها ومدلولها ، ومن ذلك ما كان يفعله المشركون من تسمى المعبودات الباطلة بما تسمى به الله تعالى من الأسماء الحسنى ، وذلك  كتسميتهم اللات من الإله ، والعزَّى من العزيز ، ومنَاةَ من المنَّان، وتسميتهم للأصنام آلهة ، يضاهئون بذلك أسماء الله تعالى الحسنى ، ومنها اعتقادهم أن من أسماء آلهتهم العزيز والنصير ، وأن من صفات آلهتهم النصرة والعزة ، كما قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  } [ مريم : 81 ] ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى أيضاً أن يسمى الله تعالى بما لا يليق به من الاسماء ،  ومن ذلك تسميةُ النَّصارى له ( الأب ) ، وتسميتهم له  ( الابن ) ، وهو تعالى أحد صمد كما قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ،

[ ]  العلم بأسماء الله تعالى الحسنى أشرفُ العلوم لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته العلى ،  وكل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة علية يتصف بها الله عز وجل فالرحيم سبحانه متصف بالرحمة التي يرحم بها عباده ورحمته وسعت كل شيء ، والقدير جل شأنه متصف بالقدرة التي يدبر بها ملكه فلا يعجزه شيء والغفور تبارك وتعالى متصف بالمغفرة التي بها يغفر للتائبين والمنيبين ، لا إله إلا هو ، العليم الذي كمال العلم ، العزيز الذي له العزة التي لا تضام ، العظيم الذي له العظمة التي لا ترام ، القدير الذي له القدرة المطلقة والمشيئة النافذة ، تعجز الكلمات عن حمد ذاته وعن عد أسمائه ، 

[ ]  من خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، الكمال المطلق في جناب الذات وفي الأسماء والصفات والافعال ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، ( الكمال المطلق ) لا حد له ، ولا اول له ، ولا آخر له ،  الحد معناه التناهي ، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ،  الكمال المطلق أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، الله تعالى له الكمال المطلق في جناب الذات والأسماء والصفات ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته ، (  الكمال المطلق ) لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية ، ( الكمال المطلق ) : لا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ،

[ ]  الأسماء الحسنى تدل على الكمال المطلق لله ،  هو  : (  القدوس  ) المنزه عن العيوب والآفات ومظاهر النقص التي تنافي الكمال المطلق ، وهو : ( السّلام  ) من كل آفة وعيب وذم ونقص ينافي الكمال ، هو الغني الذي كمل في غناه ، فلا يحتاج إلى أحد ، وهو الحميد الذي استحق الحمد بجناب ذاته وعلو صفاته وكريم فعاله ، وهو الكريم الذي بيده الخير ، والخير كله بين يديه والشر ليس إليه ، وهو الحكيم لا يجري على أفعاله الغلط ، وهو ( الصمد ) أي السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ ، والْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، والْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته ،

[ ]  كل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة كاملة لها الكمال المطلق يتصف بها الله عز وجل فالرحيم سبحانه متصف بكمال الرحمة التي يرحم بها عباده ورحمته وسعت كل شيء ، والقدير جل شأنه متصف بكمال القدرة التي يدبر بها ملكه فلا يعجزه شيء ، العليم الذي كمال العلم فلا يغيب عنه شيء ، والعزيز الذي له العزة التي لا تضام ، والعظيم الذي له العظمة التي لا ترام ، تعجز الكلمات عن حمد ذاته وعن عد أسمائه ،  وعن الاحاطة بصفاته لأنها لها الكمال المطلق الذي هو فوق الحد والحصر

[ ]  من كماله المطلق في أسمائه الحسنى : انه تقدست أسماؤه الحسنى عن العد والحصر ، ولهذا جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ )) [ أخرجه أحمد ] ، أسماؤه الحسنى سبحانه لا حد ولا غاية ولا نهاية ، لأنها أسماء الثناء على الله ، ولا يحصي الثناء على الله إلا الله . وقد جاء في الحديث (( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) [ أخرجه أبو داود  ] ،  له كمال الرحمة لان من أسمائه الحسنى : الرَّحمنُ الرَّحيمُ ، وله كمال القدرة لان من أسمائه الحسنى : القادر والمقتدر والقدير ، وله كمال الملك لان من أسمائه الحسنى :  الملك والمالك ومالك الملك ، وله كمال العلم لان من أسمائه الحسنى : العليم وعلام الغيوب ، وعالم السر وأخفى ، وله كمال العظمة لان من أسمائه الحسنى : العظيم والجليل والكبير والعلي والمجيد ، وله كمال الهيمنة والجلال لان من أسمائه الحسنى : المُهَيمِنُ والعَزِيزُ والجَبَّارُ والمُتَكَبِّر والقاهر والقهار ، وله كمال التدبير والتصريف  لان من أسمائه الحسنى : القَابِضُ البَاسِطُ والخافضُ الرَّافِعُ والمعزُّ المذِل ، والمُبْدِيءُ المُعِيدُ والمُحْيِي المُمِيتُ وله كمال الإكرام لان من أسمائه الحسنى : الكريم والصبور والشكور والغفار والغفور والحليم والمجيب والودود والحيي والستير ، 

[ ] له كمال الوجود المطلق لان من أسمائه الحسنى : الأوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ ، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، وله الكمال المطلق في مشيئته وإرادته لأنه فعال لما يريد ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون ، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، وله الكمال المطلق في شهوده وإحاطته بخلقه لأنه  الشهيد ولأنه السميع ولأنه البصير ولأنه القريب ولأنه المجيب ، وله الكمال المطلق في أحديته وصمديته هو الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،  وله الكمال المطلق في غناه لأنه الغني الحميد ولأنه الحي القيوم ،  وله الكمال المطلق في تفرده لأنه ليس كمثله شيء ، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ،   وله الكمال المطلق في ربوبيته ، لأنه الخالق البارئ المصور ولأنه الرزاق والفتاح ولأنه ، وله الكمال المطلق في إلهيته لا إله إلا هو ولا ند له ولا شريك له ،

[ ]  تقدست أسماء الله الحسنى عن العد والحصر ، لانها تابعة لجناب ذاته ، كمال مطلق لا حد ولا عد ، ولا ابتداء ولا انتهاء ، ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))  [متفق عليه ] ، ومقصود الحديث أن من أحصى هذا القدر من أسماء الله الحسنى دخل الجنة ، وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في هذا العدد ، وذلك لأن أسمائه الحسنى سبحانه لا حد ولا غاية ولا نهاية ، لأنها أسماء الثناء على الله ، ولا يحصي الثناء على الله إلا الله . وقد جاء في الحديث (( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) [ أخرجه أبو داود  ] ،

[ ]  وردت ثلاث روايات في إحصاء الأسماء الحسنى ، الرواية الأولى وهي الأشهر من رواية ( الوليد بن مسلم ) أخرجها التِّرْمذيُّ في سُنَنه ، وهي أصح شيء في الباب ، وروايته كما جاءت في سنن الترمذي عَن أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ لله تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً غيرَ وَاحِدَةٍ مَنْ أَحْصَاها دَخَلَ الجَنَّة ، هُوَ الله الَّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ المَلِك القُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّر الخَالِقُ البَارِىءُ المُصَوِّرُ الغَفَّارُ القَهَّارُ الوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الفتَّاحُ العَلِيمُ القَابِضُ البَاسِطُ الخافضُ الرَّافِعُ المعزُّ المذِل السَّمِيعُ البَصِيرُ الحَكَمُ العَدْلُ اللّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ الشَّكُورُ العَلِيُّ الكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ الرَّقِيبُ المُجِيبُ الْوَاسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ البَاعِثُ الشَّهِيدُ الحَق الوَكِيلُ القَوِيُّ المَتِينُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ المُحْصِي المُبْدِيءُ المُعِيدُ المُحْيِي المُمِيتُ الحَيُّ القَيُّومُ الوَاجِدُ المَاجِدُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ القَادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ الأوَّلُ الآخِرُ الظَّاهِرُ البَاطِنُ الوَالِي المُتَعَالِي البَرُّ التَّوَّابُ المنتَقِمُ العَفُوُّ الرَّؤُوف مَالِكُ المُلْكِ ذُو الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ المُقْسِط الجَامِعُ الغَنِيُّ المُغْنِي المَانِعُ الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ الهَادِي البَدِيعُ البَاقِي الوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُور )) ،

[ ]  هذه الرواية صححها ابن حبان والحاكم وحسنها النووي ، وقد زعم البعض أن الأسماء الحسنى مدرجه في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أدرجها بعض الرواة في الحديث ،  وهذا الأمر مستبعد ، لأنّ الرواية قد تقبلها المتقدمون كالترمذي والحاكم وابن حبان ، وتلقاها أهل العلم بالحديث وعوَّل عليها جميع من شرح الأسماء الحسنى ، كالأئمة ابن العربي والبيهقي والغزالي والقرطبي والرازي وغيرهم ، غاية الأمر قد يكون هناك اضطراب في ذكر بعض الاسماء ، أو اسقاط بعضها سهواً  ،  ولعل هذا الاضطراب هو ما دعا البخاري ومسلم إلى الاقتصار على أصل الحديث دون سرد الأسماء ، ودعا البعض إلى الاجتهاد في إحصائها بعيدا عن حديث الترمذي ، لاسيما وأنه ترك أسماء حسنى وردت في القرآن كاسمه الرب واسمه الإله واسمه الأحد واسمه القريب ، واسمه النصير سبحانه ،

[ ]  ( شرح موجز لمعاني الأسماء الحسنى ) الدالة على جناب الذات الإلهي : 

[ ]  ( الله ) : اسم دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها ، ( الله ) : هو الاسم الذي تفرد به الحق سبحانه وخص به نفسه وجعله اول اسمائه ، واضافها كلها اليه فهو علم على جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ، سبحانه ( الله ) الجامع لجميع صفات الإلهية والربوبية ، واستحقاق العبودية ، الإله الحق المعبود لا إله إلا هو ولا رب للعالمين سواه  المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلا ،  ( الله ) : هو الرب المعبود الذي له صفات الكمال ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال المطلق والتقديس المطلق ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا لا يصلح لشهادة التوحيد ولا يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله ) ،  لأنّ قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، فتوحيد الألوهية يدخل في معناه : توحيد جناب الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ،

[ ]  ( هُوَ الله الَّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ ) : ( لا إله إلا هو ) : نفي وإثبات : نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله ، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله ، واعتقاد أنه لا معبود بحق إلا هو ،  ولهذا كان من معاني شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله  )  : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله ، وأنّه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، فإذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، وليس له شريك ، جلّ عن أن تحيط به الافهام ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، أو تبلغه الأوهام ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ،

[ ]  الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم :  ( الرحمن ) : واسع الرحمة لخلقه مؤمنهم وكافرهم في معاشهم ومعادهم ، و ( الرحيم ) : دائم الرحمة المعطي من الثواب أضعاف العمل ، ولا يضيع لعاملٍ عملاً ، ولا يضيع أجر المحسنين ،  ( الرحمن الرحيم ) ذو الرحمة الواسعة العظيمة الدائمة التي وسعت كل شيء, وعمت كل حي, وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة , ومن عداهم فلهم نصيب منها ،

[ ]  [ ( الملك ) ( القدوس ) ( السلام ) ( المؤمن ) ( المهيمن ) ( العزيز ) ( الجبار ) ( المتكبر ) ]  ( الملك ) : المتصرف في ملكه كما يشاء ، والمستغني بنفسه عما سواه ، و ( القدوس ) : المنزه عن كل وصف يدركه حس أو خيال الطاهر المطهر عن الآفات ، و ( السلام ) : السالم من العيوب والنقائص الناشر سلامته على خلقه ، و ( المؤمن ) : المصدق نفسه وكتبه ورسله فيما بلغوه عنه المؤمن عباده من الخوف ، و ( المهيمن ) : المسيطر على كل شئ بكمال قدرته ، القائم على خلقه ، و ( العزيز ) : الغالب الذي لا نضير له وتشتد الحاجة إليه ، و ( الجبار ) : المنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل أحد ، و ( المتكبر ) : المتفرد بصفات العظمة والكبرياء ، المتكبر عن النقص والحاجة ،

[ ]  [ الخالق البارئ المصور ] :  ( الخالق ) : المبدع لخلقه بإرادته على غير مثال سابق ، ( البارئ ) : المميز لخلقه بالأشكال المختلفة بريئة من التفاوت وعدم التناسب. ، ( المصور ) : الذي أعطى لكل خلقٍ صورةً خاصة وهيئةً منفردة سبحانه هو وحده ، الخالق البارئ المصور ،

[ ]  [  ( الغفار ) ( القهار ) ( الوهاب ) ( الرزاق ) ( الفتاح ) ( العليم ) ] ( الغفار ) : الذي يستر القبيح في الدنيا ، ويتجاوز عنه في الآخرة ، و ( القهار ) : الذي يقهر الجبابرة بالإماتة والإذلال ، ولا مرد لحكمه ، و ( الوهاب ) : المتفضل بالعطايا ،المنعم بها دون استحقاق عليها  ، و ( الرزاق ) : خالق الأرزاق ، المتكفل بإيصالها إلى خلقه  ، و ( الفتاح ) : الذي يفتح خزائن رحمته لعباده ، ويعلي الحق ويخزي الباطل  ، و ( العليم ) : المحيط علمه بكل شئ ، ولا تخفي عليه خافيه  ،

[ ]  [ ( القابض ) ( الباسط ) ( الخافض ) ( الرافع ) ( المعز ) ( المذل ) ( السميع ) ( البصير ) ] :  ( القابض ) : قابض بِرّهُ عمن يشاء من عباده حسب إرادته ، و ( الباسط ) : ناشر بِرّهُ على من يشاء من عباده حسب إرادته ،  و ( الخافض ) : الذي يخفض الكفار بالأشقياء ويخفضهم على دركات الجحيم  ، و ( الرافع ) : الرافع المُعلّي للأقدار ، يرفع أولياءهُ بالتقريب في الدنيا والآخرة ، و ( المعز ) : المعز المؤمنين بطاعته ، الغافر لهم برحمته المانح لهم دار كرامته ، و ( المذل ) : مذل الكافرين بعصيانهم ، مبوأ لهم دار عقوبته  ، و ( السميع ) : الذي لا يغيب عنه مسموع وإن خَفِيَ ، يعلم السر وأخفى  ،  و ( البصير ) : الذي يشاهد جميع الموجودات ولا تخفى عليه خافيه  ،

[ ]  [ ( الحكم ) ( العدل ) ( اللطيف ) ( الخبير ) ]  :  و ( الحكم ) : الذي إليه الحكم ولا مرد لقضائه ، ولا معقب لحكمه  ، و ( العدل ) : الذي ليس في قوله أو ملكه خلل ، الكامل في عدالته  ، و ( اللطيف ) : البَرُّ بعباده ، العالم بخفايا أُمورهم ، ولا تدركُهُ حواسهم ، و ( الخبير ) : العالم بكل شئ ظاهره وباطنه ، فلا يحدثُ شئٌ إلا بخبرته  ،

[ ]  [ ( الحليم ) ( العظيم ) ( الغفور ) ( الشكور ) ( العليُّ ) ( الكبير ) ] : ( الحليم ) : الذي لا يعجل الانتقام عجلةً وطيشاً مع غاية الاقتدار  ، و ( العظيم ) : الذي لا تصل العقول إلى كُنْهِ ذاته وليس لعظمته بداية ولا نهاية  ، و ( الغفور ) : الذي لا يؤاخذ على ذنوب التائبين ، ويبدل السيئات حسنات  ،  و ( الشكور ) : المنعم على عباده بالثواب الجزيل على العمل القليل بلا حاجةٍ منه إليه. ،  و ( العليُّ ) : الذي علا بذاته وصفاته على مدارك الخلق وحواسهم  ، و ( الكبير ) : ذو الكبرياء والعظمة المتنزه عن أوهام خلقه ومداركهم  ،

[ ]  [ ( الحفيظ ) ( المقيت ) ( الحسيب ) ( الجليل ) ] :   ( الحفيظ ) : حافظ الكون من الخلل وحافظ أعمال عباده للجزاء وحافظ كتابه. ، و ( المقيت ) : خالق الأقوات موصلها للأبدان ، وإلى القلوب الحكمة المعرفة ، و ( الحسيب ) : الذي يكفي عباده حاجاتهم ويحاسبهم بأعمالهم يوم القيامة ، و ( الجليل ) : عظيم القدرة بجلاله وكماله في ذاته وجميع صفاته ،

[ ]  [ ( الكريم ) ( المجيب ) ( الواسع ) ( الحكيم ) ]  :  ( الكريم ) : الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه وإذا وعد وفي  ، و ( الرقيب ) : الملاحظ لما يرعاه ملاحظة تامة دائمة ولا يغفل عنه أبدا ، و ( المجيب ) : الذي يجيب الداعي إذا دعاهُ ويتفضل قبل الدعاء ، و ( الواسع ) : الذي وسع كُرْسِيُّهُ ورحمتُهُ ورزقه جميع خلقه  ، و ( الحكيم ) : المنزه عن فعل مالا ينبغي ، ومالا يليق بجلاله وكماله  ،

[ ]  [ ( الودود ) ( المجيد ) ( الباعث ) ( الشهيد ) ] : هو ( الودود ) : المتحبب إلى خلقه بمعرفته وعفوه ورحمته ورزقه وكفايته  ، و ( المجيد ) : الشريف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه ونواله ، و ( الباعث ) : باعث الموتى للحساب والجزاء وباعث رسله إلى خلقه  ، و ( الشهيد ) : العالم بالأمور الظاهرة والباطنة المُبيِّن وحدانيته بالدلائل الواضحة   ،

[ ]  [ ( الحق ) ( الوكيل ) ( القوي ) ( المتين ) ] :  هو ( الحق ) : حالق كل شئ بحكمة باعث من في القبور للجزاء والحساب ،  و ( الوكيل ) : الموكولُ إليه الأمور والمصالح ، المعتمد عليه عباده في حاجاتهم . ، و ( القوي ) : ذو القدرة التامة الكاملة ، فلا يعجز عن شئ بحال ، و ( المتين ) : الثابت الذي لا يتزلزل ، والعزيز الذي لا يغلب ، فلا يعجز بحال   ،

[ ]  [ ( الولي ) ( الحميد ) ] : هو ( الولي ) : المحب أولياءه الناصر لهم ، المذل أعداءهُ في الدنيا والآخرة ، و ( الحميد ) : المستحق للحمد والثناء لجلال ذاته وعلو صفاته وعظيم قدرته .،

[ ]  [ ( المحصي ) ( المبدئ ) ( المعيد ) ( المحيي ) ( المميت ) ]  هو ( المحصي ) : الذي لا يفُوتُهُ دقيق ولا يعجزهُ جليل ، ولا يشغله شئ عن شئ . ، و ( المبدئ ) : الذي بدأ الخلق وأوجده من العدم على غير مثال سابق ، و ( المعيد ) : الذي يعيد الخلق إلى الموت ثم يعيدهم للحياة للحساب ، و ( المحيي ) : الذي يحيي الأجسام بإجاد الروح فيها ، و ( المميت ) : هو الذي يميت الأجسام بنزع الرواح منها ،

[ ]  [ ( الحي ) ( القيوم ) ] :  ( الحي ) : المتصف بالحياة الأبدية ، فهو الباقي أزلاً وأبداً ، ( القيوم ) : القَيِّمُ على كل شئٍ بالرعاية له وتقوم الأشياء وتدوم به  ، ( الحي القيوم ) قيل هو الأسم الاعظم الذي إذا دعي به الله أجاب وإذا سئل به اعطى : الحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة ، وغيرها من الصفات العلا ، والحياة المستلزمة لكمال الأفعال من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ، هو الحي المطلق وكل حي سواه فحياته بقدر إدراكه وفعله ، و ( القيوم ) هو القائمُ بنفسه المقيمُ لغيره المستغني عن كل ما سواه من جميع مخلوقاته ، و ( القيوم ) هو الذي قامت به السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات ، والقيوم هو القائم على كل نفس يحفظها ويحاسبها ويجازيها ، و ( القيوم ) المتسغني بذاته عن كل شيء ، ومنها استغناؤه عن المحل والمكان ،

[ ]  [ ( الواجد ) ( الماجد ) ] : هو ( الواجد ) : الذي يَجدُ كل ما يطلبه ويريده ، ولا يضل عنه شئ ، وهو ( الماجد ) : كثير الإحسان والأفضال، ذو المجد والشرف التام الكامل ،

[ ]  [  ( الواحد ) ( الاحد ) ( الصمد ) ] :  ( الواحد الأحد )  )  له الواحدية وله الأحدية ، والله تعالى [ واحد ] لا شريك ولا ند ولا كفء ولا مثيل له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ، والله تعالى [ أحد ] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ،  ،  ( الواحد ) : المتفرد ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً بالألوهية والربوبية ، و ( الاحد ) المقدس عن الابعاض والاجزاء ، المنفرد بالكمال المطلق والتقديس المطلق ، لا نظير له ولا مثيل ،  و ( الصمد ) : السيد المقصود بالحوائج على الدوام ، له الكمال المطلق ، الكامل في أوصافه ، ينتهي إليه منتهى الغنى والحمد والسؤدد  والكمال والجلال والإكرام ،

[ ]  [ ( القادر ) ( المقتدر ) ] :  ( القادر ) : المتفرد باختراع الموجودات المستغني عن معونة غيره بلا عجز ، ( المقتدر ) : الذي يقدر على ما يشاء ، ولا يمتنع عليه شيء ، لا يعجزه شيء ، وهو على كل شيء قدير ،

[ ]  [ ( المقدم ) ( المؤخر ) و ( الأول ) ( الآخر ) ( الظاهر ) ( الباطن ) ] :  هو ( المقدم ) : مقدم أنبِياءَهُ وأولياءه بتقريبهم وهدايتهم معطيهم عوالي الرتب ، وهو ( المؤخر ) : مؤخر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينه وبينهم

[ ]  [  هو ( الأول ) ( الآخر ) ( الظاهر ) ( الباطن ) ] : ( الأول ) : السابق للأشياء كلها الموجود أولاً ولا شئ قبله  ، و ( الآخر ) : الباقي بعد فناء خلقه جميعهم ولا نهاية له  ، و ( الظاهر ) : الظاهر بآياته وعلامات قدرته ، المطلع على ما ظهر من خلقه  ، و ( الباطن ) : المحتجب عن أنظار الخلق المطلع على ما بطن من خلقه ، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ،

[ ]  [ ( الوالي ) ( المتعالي ) ( البَرُّ ) ( التواب ) ] : هو ( الوالي ) : المتولي للأشياء المتصرف فيها بمشيئته وحكمته وينفذ فيها أمره ، وهو ( المتعالي ) : المتنزه عن صفات المخلوقين المرتفع عن صفات الناقصين ، وهو ( البَرُّ ) : الذي لا يصدر عنه القبيح العطوف على عباده المحسن إليهم ، و هو ( التواب ) : الذي يُيَسر للعصاه طريق التوبة ويقبلها منهم ويعفو عنهم  ،

[ ]  هو [ ( المنتقم ) ( العفو ) ( الرءوف ) ] : هو ( المنتقم ) : معاقب العصاه على أعمالهم وأقوالهم على قدر استحقاقهم  ، وهو ( العفو ) : الذي يصفح عن الذنوب ، ويترك مجازاة المسيئين إذا تابوا  ، وهو ( الرءوف ) : المنعم على عباده بالتوبة والمغفرة ، العاطف عليهم برأفته ورحمته . ،

[ ]  [ ( مالك الملك ) ( ذو الجلال والإكرام ) ] :  ( مالك الملك ) : القادر تام القدرة ، فلا مرد لقضائه ، ولا معقب لحكمه  ،  ( ذو الجلال والإكرام ) : صاحب الشرف والجلال والكمال في الصفات والأفعال . ، ( ذو الجلال و الإكرام )  صَاحِب الْعَظَمَة وَالْمِنَّة  ، هو الذي لا جلال ولا كمال إلا وهو له ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه فالجلال له في ذاته والكرامة فائضة منه على خلقه وفنون إكرامه خلقه لا تكاد تنحصر وتتناهى ،

[ ]  [ ( المسقط ) ( الجامع ) ] هو ( المسقط ) : العادل في حكمه ، المنتصف للمظلومين من الظالم بلا حيف أو جور .، وهو ( الجامع ) : جامع الخلق يوم القيامة للحساب والجزاء ،

[ ]  [ ( الغني ) ( المُغني ) ( المانع ) ] هو :  ( الغني ) : المستغني عن كل ما عداه ، المفتقر إليه من سواه ،  وهو ( المُغني ) : يُغني بفضله من يشاء من عباده ، وكل غني يرجع إليه ، وهو ( المانع ) : الذي يمنع بفضله من استحق المنع ويمنع أولياءه من الكافرين ،

[ ]  [ ( الضار ) ( النافع ) ] هو ( الضار ) : الذي يُنزل الضر على من يشاء من عباده بالعقاب وغيره ، لا يكون في ملكه إلا ما شاء وما يريد ، وهو ( النافع ) : الذي يعم جميع خلقه بالخير ويزيد لمن يشاء ،

[ ]  [ ( النور ) ( الهادي ) ( البديع ) ( الباقي ) ] : هو ( النور ) : المنزه عن كل عيب المُنوِّر ذا العماية ، المرشد الغاوين ، و ( الهادي ) : هادي القلوب إلى الحق وما فبه صلاحها ديناً ودُنيا ،  و ( البديع ) : خالق الأشياء بلا مثالٍ سابق ، ولا نظير له في ذاته وصفاته ، و ( الباقي ) : دائم الوجود بلا انتهاء ، ولا يقبل الفناء ، لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد ،

[ ]  [ ( الوارث ) ( الرشيد ) ( الصبور ) ] : هو ( الوارث ) : الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء المُلاَّك  ، وهو ( الرشيد ) : الذي أرشد الخلق وهداهم إلى مصالحهم ويُصَرَّفهم بحكمته ، وهو ( الصبور ) : الذي لا يُعاجل بالعقوبة ، فيمهل ولا يهمل ،

[ ]  من أسماء الله تعالى الحسنى  التي جاءت في الكتاب والسنة ولم تُسرد في حديث الترمذي : [ ( الرب ) ( القريب ) ( الكافي ) ( النصير ) ( الحيي ، الستير ) ] : ( الرب ) المربي الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، و ( القريب ) قريب من كل عباده ، بعلمه وسمعه وبصره ، وهو قريبُ الإجابة للدُّعاء ، قريبٌ من المحسنين ، وهو قربٌ يقتضي المحبَّةَ والنُّصْرة والإجابة ،  و ( الكافي والنصير ) كافي لأوليائه ونصير لأهل طاعته وولايته ،  و ( الحيي ، الستير ) ، مع كمال غناه وتمام قدرته على العبد يستحيي من هَتْك سَتره وفضيحته ، و يستحيي ممَّن يَمُدُّ يديه إليه أن يردَّهما صفرًا ،

[ ]  تقدست أسماء الله الحسنى عن العد والحصر ، لانها تابعة لجناب ذاته ، كمال مطلق لا حد ولا عد ، ولا ابتداء ولا انتهاء ، ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))  [متفق عليه ] ،

[ ]  جميع أسماء الله تعالى الحسنى عاملة في الوجود  :  الله تعالى له الأسماء الحسنى ، التي لها الكمال المطلق في الحسن والجلال والإكرام ، تقدست أسماؤه ، وتعالت صفاته ، قال تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى  } [ سورة طه : 8 ] ، والكون كله آثار وتجليات لأسمائه الحسنى  ) ،  

[ ]  جميع أسماء الله تعالى الحسنى عاملة في الوجود ،  كان الله تعالى في الازل بأسمائه الحسنى الدالة على علي صفاته وكريم أفعاله ، حيث لا مكان ولا زمان ولا خلق ، ولا أكوان ، كان الله وليس معه احد ، كان الله ولا موجود سواه ، فتجلت أسماؤه الحسنى التابعة لجناب ذاته بتجليات كان من أثرها خلق الاكوان والعوالم والمحدثات ،  بتجليات الاسماء الحسنى ظهر كل ظاهر من الاكوان والخلق ، وبطن كل باطن ، فليس في الوجود الحق سواه ، وكل ما نراه من عالم الخلق والامر والملك والملكوت إنما هي تجليات أسمائه ، وكل الاسماء عاملة منذ الازل ، ووجود هذه المخلوقات مع الاسماء كوجود الظل مع الأجسام ، فكما أن الظل مرتبط بمسببه ، فإن زال مسببه زال ، كذلك ارتباط الكون بما فيه مع تجليات الأسماء الحسنى ، ولهذا قال العارفون : وجودنا مع الأسماء الحسنى  كوجود الظلال للأشياء ، والسعيد من أسعده الله في الأزل والشقي من أشقاه الله في الأزل وإنما كلٌ يعمل لما هو مسخر له ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، هو الملك وهو المالك للملك والملكوت ، لا يسأل في ملكه عما يفعل والعباد يسألون ،

[ ]  وأختم ببيان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى : أقول وبالله التوفيق :  جاء ذكر اسم الله الأعظم في عدة أحاديث ، منها :

(  الحديث الأول ) ويسمى حديث بريدة وهو أصح ما في الباب ، روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن بريدة رضي الله عنه : (( أن رسول الله سمع رجلاً يقول : اللهم إني اسالك بأني أشهد أنك انت الله لا اله الا انت الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد ، فقال : لقد سالت الله تعالى باسمه الاعظم الذي اذا سئل به اعطى واذا دعي به اجاب )) [  أبو داود والترمذي وابن ماجة ، وقال ابن حجر : هذا الحديث ارجح ما ورد في الاسم الاعظم من حيث السند ] ، ومن هذا الحديث يتبين أن اسم الله الاعظم قد يكون ( الله ) وقد يكون كلمة التوحيد (لا اله الا انت ) ، وقد يكون (  الاحد الصمد ) ،

و [  الحديث الثاني ]  ويسمى حديث أنس ، أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد في المسند عن انس رضي الله عنه انه كان مع رسول الله جالساً ورجل يصلي ثم دعا :  اللهم إني أسالك بان لك الحمد لا اله الا انت المنان بديع السماوات و الارض يا ذا الجلال و الاكرام يا حي يا قيوم  ، فقال النبي : ( لقد دعا الله تعالى باسمه العظيم الذي اذا دعي به اجاب واذا سئل به اعطى )) ، ومن هذا الحديث يتبين أن اسم الله الاعظم قد يكون ( الله ) وقد يكون كلمة التوحيد ( لا اله الا انت ) ، وقد يكون : ( المنان بديع السموات والارض ) ، وقد يكون :  ( يا ذا الجلال والإكرام ) ، وقد يكون :  ( يا حي يا قيوم ) 

و ( الحديث الثالث ) ويسمى حديث أسماء رضي الله عنها فعن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت : سمعت رسول الله يقول في هاتين الآيتين ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) و ( الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) إن فيهما اسم الله الأعظم )) [ رواه أبو داوود والترمذي وصححه وحسنه الألباني ] ، ومن هذا الحديث يتبين أن اسم الله الاعظم قد يكون ( الله ) وقد يكون كلمة التوحيد ( لا اله الا هو ) ، وقد يكون : (  الحي القيوم ) ،

[ ]  الجمهور على أنه ( الله ) جل جلاله وتعالت أسماؤه ، لأنه الاسم الذي سمى به نفسه ، وهو أخص أسمائه إليه ، ولا يسمى أحد من خلقه به لا حقيقة ولا مجازاً  بخلاف غيره من الأسماء ، وكل الأسماء تابعة إليه ، وهو الاسم الأكثر عدداً في القرآن الكريم من جميع الأسماء الحسنى ، ولقد استفتح الله سبحانه وتعالى ثلاثاً وثلاثين آية من كتابه المجيد باسمه ( الله ) ، ومن خصائصُ اسم الله تعالى ( الله ) : أنَّه الأصلُ في أسماء الله، وسائر الأسماء مضافة إليه؛ {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } ،

[ ]  من خاصية الاسم ( الله ) أنَّ الألفَ واللامَ من بنية هذا الاسم ولم تدخل عليه للتعريف عنه؛ والدليلُ أنَّها تبقى مع دخول حروف النداء (يا الله)، وحروفُ النداء لا تَجْتَمع مع ألف لام التعريف؛ فَتَسْقُط؛ كما في بقية الأسماء (يا رحمن)؛ حيث لا يُقال: (يا الرحمن). وقيل: بل إن عدمَ سقوط (أل) التعريف عنه دليلٌ على أنَّ هذه المعرفةَ أبديةٌ لا تَزول ، ومن خاصية الاسم ( الله ) إذا حذفت الالف كان ( لله ) وإذا حذفت اللام كان ( له ) وإذا حذفت اللام الثانية كان ( هو ) ، وكله يدل على الله ،  كما أنَّه أَوَّلُ اسم في أَوَّل آية في القرآن: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1، 2]؛ كما أنه آخر ما ذكر من الأسماء {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ} ،  كما أنّ الله تعالى خص ( الله ) و ( الرحمن ) بالذِّكْر عن غَيْرهما لشرفهما في قوله تعالى: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ  }  [الإسراء: 110] ، وإن كان اسم (الله) أشرفَ؛ لتَقَدُّمه في الذِّكر عن الرحمن، كما أنّ كلمة الشهادة التي تنقل من الكفر للإسلام لم يذكر فيها إلا هذا الاسم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله)، ولا تصحُّ الشَّهادةُ بغيره ، ولعظم شَرَفه يَرْفَعُه اللهُ من الأرض في آخر الزمان إذا قبض روح المؤمنين؛ قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تَقُومُ الساعةُ عَلى أَحد يَقُولُ اللهُ الله )) [ أخرجه مسلم ح ( 393 ) ] ،  كما اختصَّ اسم الله تعالى ( الله ) بالأذان والتَّكْبير في الصلاة ،  كما اختصَّ اسم الله تعالى ( الله ) : أن الكافر لو قال لا إله هو لم يصح إسلامه ، أما إذا قال لا إله إلا الله صح إسلامه ، فوجب أن يكون هذا الاسم أشرف الأسماء ، كما اختصَّ اسم الله تعالى ( الله ) بقوله تعالى : { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } ، فإن الله أمر عبده بالإعراض عن كل ما سوى الله والاقبال بالكلية على عبادته ،  بأن يذكر هذا الاسم ، فدل على أن هذا الاسم أشرف الأسماء  ، اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وباسمك الأعظم الذي اذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به اعطيت ، نسالك أن تصلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، نسالك اللهم : اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 27 )  توحيد جناب الذات أهم أقسام التوحيد - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  توحيد جناب الذات الإلهي هو أهم أقسام التوحيد ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ]  المنتسبون إلى السلفية المعاصرة أكثر الناس كلاما عن التوحيد وهم أبعد الناس عن أهم أقسام التوحيد ، إذا سألتهم عن أقسام التوحيد قالوا : توحيد الأسماء والصفات والربوبية  والإلهية يقصدون بها العبودية ، وذهلوا أن اهم الأقسام ، ذلك القسم الذي ترجع إليه بقية الأقسام ، إنه توحيد جناب الذات أصل التوحيد وأهم أقسام التوحيد ،

[ ]  توحيد جناب الذات هو أساس التوحيد وهو أهم قسم من أقسام التوحيد ، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه ، فتوحيد الأسماء الحسنى يعود لجناب الذات ، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات جناب الذات ، كما أنّ توحيد الأفعال يعود بالضرورة إلى أفعال الذات ، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد جناب الذات الإلهي المستحق للربوبية على العالمين ، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق جناب الذات الإلهي للعبادة وحده ، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد ، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات ، وإذا كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود ، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم معرفة جناب الذات الإلهي وتوحيده وتقديسه ، ومن هنا كان توحيد جناب الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد ،

[ ]  الذهول عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد ، سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد وإلى خلل في الإحاطة بكل جوانبه ، والذهول عن هذا القسم ( قسم توحيد الذات ) يؤدي ولا شك إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، ويؤدي ولا شك إلى الوقوع في بدع الحشو على حساب التقديس ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) : يسمو على العقل والإدراك ، هو ( الغيب المطلق ) المنزه عن الحدود والغايات ، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته : ( تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات ) أهــ ،  ليس له كيف ولا حد ولا وصف ولا بداية ولا نهاية ولا غاية ، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه ، لأن الخاطر مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) : له الوجود الحق المطلق ، وجود منزه عن إحاطة المكان ومنزه عن جريان الزمان ، لأنهما من مخلوقاته ، كان قبل المكان والزمان ، وهو على ما عليه كان ، لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، لان المكان محدود والله فوق الحدود ، ولان المكان محدث والمحدث لا يحيط بالقديم ، ولان المكان مخلوق والمخلوق لا يقهر الخالق ، ولان المكان يقهر من بداخله بحده وإحاطته ، والله هو القاهر فوق عباده وهو الواحد القهار ،  المكان يحيط بمن فيه والله بكل شيء محيط ، والمكان يحيز من بداخله ويحويه ، والله تعالى وتنزه عن الحيز والحد ، والمكان اكبر من الذي بداخله والله أكبر من كل كبير ، 

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) هو الإله الحق ، ومن خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق ، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته ، ( الكمال المطلق ) يمنع من وجود الند والشريك والمثيل والمعين ، الكمال المطلق يوجب لجناب الذات القدم الأزلي الذي يمنع من الحدوث وقبول الحوادث ،  ويوجب له العلم المطلق فلا يغيب عنه معلوم ، والسمع المطلق فلا يغيب عنه مسموع ، وله البصر المطلق فلا يغيب عنه شيء ، وله المشيئة المطلقة والإرادة النافذة ، والقدرة التامة فلا يعجزه شيء ،  ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية ، لا رب سواه ولا معبود غيره ، هو المتفرد بالإلهية لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ ، (  الكمال المطلق ) لا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الحوادث ، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث ، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء ، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا ، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق ، لأنه قبل التغير من حال إلى حال ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية ،  لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، الحد معناه التناهي ، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ،  ( الكمال المطلق )  أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لجناب ذاته ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته ، ( الكمال المطلق ) يضاد الحد والتناهي ، لان كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لكماله المطلق ، منزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية ،

[ ] ( جناب الذات الإلهي ) : تعالى وتقدس  :   { ليس كمثله شيء } ، لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث الحقيقة ، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء ، فهو الأول بلا ابتداء ، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء ، وليس بعده شيء ، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، على العرش استوى ، وهو قريب من كل خلقه ، ومحيط بكل شيء ، وقاهر لكل شيء  ، لا يعيب عن شيء ، ولا يغيب عنه شيء ، وهو العلي العظيم ، العلي بربوبيته وإلهيته لخلقه وهو العظيم الذي بلغ الكمال المطلق في عظمة جناب ذاته وصفاته وأفعاله ، وهو الكبير المتعال عن التقيد بالمكان والزمان وهو الكبير المتعال عن الحد والمقدار ،  وهو الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، تقدس عن أن تدركه البصائر والأبصار ، وعظم عن أن تتوهمه الظنون أو الأفكار ، قال تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام: 103]  ،

[ ]  ( الحواس) عاجزة عن معرفة كنه جناب الذات الإلهي ، لأنها مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط ، عاجزة عن معرفة ما عداها ، ولهذا فهي لا تدرك حتى الروح التي لا تفارق جسد الإنسان ، كما قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 85 ] ،

[ ]  الله تعالى منزه عن المادة وكل ما يتعلق بالمادة ، لأنه خالق المادة ، وهو القائل سبحانه { ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، وفي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، فلا يشبه وجوده وجود شيء من خلقه ، وقال تعالى :{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقال الله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام: 103]  ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك ، وقال الله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ،

[ ] ( العقل ) أيضا عاجز عن معرفة كنه جناب الذات الإلهي ، لأنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها ، والله تعالى منزّه عن الحدّود ، إذ هو الذي حدّ الحدود ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ، كما أنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء ، والله تعالى لا يقاس بأحد ، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه ، وليس كمثله شيء ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ،

[ ]  ورد النهي الشرعي عن التفكير في ذات الله تعالى ، فلا يجوز للمسلم أن يتخيل شكلاً لذات الله سبحانه وتعالى، لأن كل شكل يتخيله العقل أو يخطر بالبال ، فإن الله تعالى بخلافه ، والله تعالى منزه عن الأشكال والصور لأنّه سبحانه هو خالقها ،  جل المصور ان يكون مصورا ، وكل من يتوهم شيئا في مخيلته أو يرسم شكلا يتوهمه لله عز وجل ، فإنه مشبه ، والمشبه لا يعبد الله تعالى ، وإنما يعبد ما رسمه له خياله ووهمه ، ولهذا اتفق العلماء على المنع من التفكر في ذات الله تعالى بمعنى تخيل شكلها ، لأنه منزه عن الصور والأشكال ، قال أبو جعفر الطحاوي : ( لا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأفهام ، ولا يشبه الأنام ) ، وقد ورد النهى عن التفكر في ذات الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : (( تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله )) [ رواه الطبراني في الأوسط ح ( 6456 ) ]

[ ]  كل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما ، جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن أي مثيل أو كفء أو شبيه ، لأنه لو أشبهه شيء من خلقه لكان مثله قديماً ، ولا قديم أزلي إلا هو بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، ولو أشبه هو شيئاً من مخلوقاته لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ،

[ ]  أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس  هي قوله سبحانه : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ،  هذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس ، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ،  { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات ،  أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح ، لان الله تعالى يقول : {  ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، هو السميع البصير ، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى : {  إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان : 2 ] ، فدلت الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين  ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الحد والنهاية والصور والأشكال ، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال ، الحركة والسكون ، قال العلماء : قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ ،  تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان ، ومن التقيد بالصور والأشكال ،  تقدس عن كل ماهيات الوجود ، وكل ما يخطر في البال فالله بخلاف ذلك ، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان ، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ،

[ ]  من أعظم الأدلة على التقديس لله سورة الإخلاص ، ولهذا عدلت ثلث القرآن ،  { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  } : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات ، ( الاحدية )  تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ، (  الأحدية المطلقة ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء ،  { اللَّهُ أَحَدٌ } معناه أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام  ،  { اللَّهُ الصَّمَدُ  } : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الكمال المطلق والغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ، ولا يكون إلها  ، (  الصمدية المطلقة ) : تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور    ،  { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء  { وَلَمْ يُولَدْ   } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث ،  { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } : تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  ،

[ ]  مما يدل على التقديس المطلق لجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس : قوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام: 103]  ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك ،  وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) غيب الغيوب ، الغيب المطلق ، انقطع العلم دونه ، لا يطيق أحد من خلقه بلوغ الإحاطة به سبحانه ، لان المخلوق لا يحيط بالخالق والمحدث لا يحيط بالقديم والمحدود لا يحيط علما بالمنزه عن الحدود والناقص لا يحيط علما بالذي له الكمال ، وقد حجب الله تعالى عن الخلق كنه ذاته لانهم لا يطيقون الإحاطة به ، قال جل شأنه { ليس كمثله شيء } ، وقال تعالى { ولا يحيطون به علما } ، وقال تعالى : { سبحانه وتعالى عما يصفون } ،  وقال تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ،  يستحيل على المخلوق المحدود ان يدرك المنزه عن الحدود ، ولا أن يحيط به علما ، لأنه فوق الحدود ،  هو القديم الازلي الابدي ( الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء } ، فلاحد ولا غاية ، ولا بداية ولا نهاية ، وجود سرمدي لا أول له ولا آخر ، وإذا استحال على الإنسان معرفة الروح وهي معه لا تفارقه ، فالأولى به أن يقصر عن طلب المحال ، لان ( جناب الذات ) :  غيب لا يدرك ، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ،

[ ] الله تعالى هو القديم الأزلي : قال تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] ، تلازم الاسمين ( الأول والآخر ) يدل على القدم الأزلي لله تعالى ،  وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((  أعوز بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم )) [ أخرجه أبو داود ح ( 466) ] ، وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه ، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته وأسماءه وصفاته ، و ( القِدمُ )  معناهُ الأزلية ، لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ، أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث ، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء ، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء ،

[ ]  ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث ، ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، 

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) منزه عن التغير والحدوث ، ومنزه عن قبول الحوادث ، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق ، قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات  ،  أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، ولو قبل الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء ، لأنّ الحادث يقبل الفناء ، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ،

[ ]  ( قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات ) : القول في الصفات كالقول في الذات ، فكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن الحد والغاية والنهاية ، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه ، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات ، فعلمه لا حد له ، ولا نهاية لمعلوماته ، ولو كان لعلمه حد ، لما اتصف بالكمال ، لانّ ما له حد فإنه يقبل الزيادة والنقصان ، فإن قبل الزيادة ، فقد كان قبل الزيادة ناقصاً ، وإن قبل النقصان فليس بالكمال ، وهكذا القول في جميع الصفات ، تابعة للذات ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) : لا يجري عليه زمان ، هو القاهر فوق عباده ، الكل منكشف عليه منذ الازل ، جميع المعلومات منذ الازل وإلى الابد منكشفة على علمه الكامل القديم ، وجميع المبصرات منكشفة على بصره الكامل القديم ، وجميع المسموعات منكشفة على سمعه الكامل القديم ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو بكل شيء محيط ، لا يغيب عنه شيء ،   تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) : لا يسري عليه قوانين الطاقة والمادة والأجسام ، لأنّ المادة والجسم مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وتغير وحدوث وظهور وأفول وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا يحده حد ولا يقدره مقدار ، ولا يقهره مكان فيحيط به ، ولا يقهره زمان فيجري عليه ، ولا يعتريه أفول ، ولا تغير وحدوث ، ولا يخضع لقوانين الحركة والسكون ، ولا تسري عليه مفاهيم الألوان والأشكال ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ،

[ ]  هناك فرق كبير بين المعرفة الممكنة والإحاطة المستحيلة : جناب الذات الإلهي ) :  الله تعالى وتقدس : موجود بلا كيف : تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف ، فلا كيف ولا مكان ولا زمان ، والأحدية المطلقة تنفي الكيف ، وتنفي المثلية ، ونفي المثلية يمنع من التصور ، والحاصل هو العجز عن درك الادراك ،  وهذا هو التوحيد الممكن ، وهو غاية التقديس والتسبيح أن نصل إلى معنى قوله تعالى : { سبحان الله عما يصفون } تسبيح الله عن كل وصف ، فلا يعلم حقيقة الوجود المطلق لله إلا الله ، لابد من التفريق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة ، ( المعرفة الممكنة لجناب الذات الإلهي) هي المعرفة التي تتأتى من معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من التكييف عند الحديث عن جناب الذات ، هذا هو القدر الراسخ من العلم ، أما التصور المطلق للحق فمحال ، يستحيل علينا وعلى جميع الخلق إدراك موجود مطلق قديم أزلي خال من أي قيد أو شرط ، فالمعرفة ممكنة ، والاحاطة محالة ، باب المعرفة مفتوح ، والوقوف على كنهه وحقيقته محال ، ( المعرفة الممكنة ) : تتأتى كذلك من معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلا ، أما الإحاطة علما بالحق ، وحقائق وجوده المطلق وكمالاته المطلقة ، فهذه مستحيلة على المخلوقين ، والإنسان مهما أوتي من علم ، علمه محدود لأنه محدود ، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة جناب الذات الإلهي المنزه عن الحدود ، لأن جناب الذات لا يحاط بها ولا يعرف كنهها ، لا في الذهن ولا في الخارج ، لأنه سبحانه مطلق ، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود ، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود ، قال تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ] ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) : أسمى من أن يحده مكان أو يجري عليه زمان ، أحد مطلق له الاحدية المطلقة ، ليس له فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ، أحد مطلق لا كل ولا جزء ، لان الكل يوجد بأجزائه ويحتاج إليها ، والله هو الغني الحميد ، والجزء يكمل ببقية الأجزاء ، والله هو الفرد الصمد المنزه عن التركيب ، والأجزاء والابعاض سمة المخلوقات المحدثات ، وهو سبحانه من كماله لا يغيب عن شيء من مخلوقاته أقرب إلى خلقه من ذواتهم ، ليس أحد منهم عنه ببعيد ، وهو بكل شيء محيط ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو المبدئ المعيد وهو الغفور الودود ، فعال لما يريد ، أزلي ليس لوجوده ابتداء ، وكان ولا شيء غيره ، ولا شيء معه ، ولا شيء قبله ، أول بلا ابتداء ، قديم فلا يقبل الحدوث ، أبدي ليس لبقائه انتهاء ، ولا يقبل العدم ، قديم باقي ، هو { الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  } ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم]  ،

[ ]  ( جناب الذات ) : له القدم المطلق أول بلا ابتداء ، والقدم المطلق ينفي الحدوث وكل معاني الحدوث ، وقد كانت تلك حجة الخليل إبراهيم عليه السلام في نفي الإلهية عن الشمس والقمر والكواكب : { قال لا أحب الآفلين } أي الآلهة المتغيرة من حال إلى حال ، فجناب الذات له القدم المطلق ، والقدم المطلق يمنع من الحد والنهاية لان ما له نهاية فهو محدث حده القديم بحده ، والقدم المطلق يمنع من الكون في الاماكن ، لان الأماكن محدثة مخلوقة ، والقدم المطلق يمنع من جريان الزمان على الحق ، لان الزمان محدث مخلوق ، أما الحق فالماضي والحاضر والمستقبل كل الزمان منكشف عليه ، لا يغيب عنه شيء لا في الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل ، والقدم المطلق يمنع من الصور والأشكال على جناب الذات لان الصور والأشكال محدثات لا تكون إلا على المحدث المخلوق ، جل المصور أن يكون مصورا كما جل الخالق ان يكون مخلوقا ،

[ ]  ( جناب الذات ) : له الغنى المطلق ، قال الله سبحانه وتعالى :  { إِنَّ اللَّه لَغَنِّيٌ عَنِ الْعَالَمِيَن } ]سورة العنكبوت آية6 ] ، أي أنّ الله تعالى مستغن عن كل ما سواه أزلا وأبداً ، هو الإله الحق الذي أوجد هذا العالم كلَّه  ، والعالم كلُّه بحاجَة إلى الله تعالى ليحفظ عليه وجودَه ، تنزَّه عن الكيفيّات ، موجود بلا كيف ولا مكان ، كَانَ وَلا مَكَانَ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ  ، خَلَقَ العَرْشَ إِظْهَارا لقُدْرَتِهِ وَلَم يَتَّخِذه مَكَانا لِذَاتِهِ ، فالله تعالى هو خالق المخلوقات كلّها ،

[ ]  غيب الغيوب لا يدرك ، استواؤه على العرش استواء صفات لا استواء ذات ، وقربه من الخلق قرب صفات لا قرب ذات ، وإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات ، أما جناب الذات غيب لا يدرك ، موجود بلا كيف ، ولا مكان ولا زمان ، ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال ، ولا يقال أن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون ، ولا يقال انه متصل به ولا منفصل عنه لأن الدخول والخروج والاتصال والانفصال من صفات الاجسام ، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك ادراك ،  { ليس كمثله شيء } ، { ولم يكن له كفوا احد } ،

[ ]  خالق المخلوقات يَستحيل عليه في العقل أن يشبهَها فيستحيل على الله تعالى : المكان والجهة لأن من له مكان يكون جسماً مخلوقا مصورا ، له حدود ومساحة وأبعاد ويحتاج إلى من يجعله بهذا الحجم وهذا المقدار والحد ، ، وكذلك يستحيل على الله تعالى : الحيز ، لان كل متحيز متناه ، وكل متناه محدث والباري قديم أزلي ليس بمحدث ولا يقبل الحدوث ،  فمَنْ زَعَمَ أَنَّ جناب الحق محدود فقَدْ جَهِلَ الخَالِقَ الْمَعْبُود ، تَعَالىَ عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ  وَالَأرْكَانِ وَالَأعْضَاءِ وَالَأدَوَاتِ وَلا تَحْوِيهِ الجِهَاتُ الستُّ كَسَائرِ المبُتَدَعَاتِ ،

[ ]  خالق المخلوقات المصور ، خالق الصور يَستحيل عليه : الصور والأشكال والكيفيات  ،  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات ،  لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى , صاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور { ليس كمثله شيء } ، ( الصورة ) تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، 

[ ]  من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال وعن الجوارح والاجزاء والابعاض ، قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ،  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما كان له صورة أو جارحة ، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال ، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء  ، ( الأحدية المطلقة ) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء  ، الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات ، لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، والتركيب يستحيل على الله الأحد الصمد ، ( الأحدية المطلقة ) تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   ( لفظ الأحد ) مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض  فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى : { اللَّهُ الصَّمَدُ } ، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا ، كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء ) : لا يوصف بالحركة والسّكون والجهة والمكان واللّون والتّغير والانفعال والاستقرار والجلوس ، أما رفع الأيدي إلى السّماء فلأنّها قبلة الدّعاء ومهبط الرَّحمات ، فالله موجود قبل السّماء والعرش وقبلَ جميع المخلوقات فلا يسكن السّماء ولا العرشَ ولَيسَ في كلّ مكان بل هو مَوْجُود بِلا كَيْف وَلا مَكَان ولا يجري عليه زمان ،  {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، وخلق لهم المكان وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر فوق جميع خلقه ، وهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً ، وعليه حاكما ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه الواحد القهار ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ، له تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ،

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس أزلي لا ابتداء لوجوده ، وأبدي لا انتهاء لوجوده ، لا يغيب عنه شيء ولا يغيب هو عن شيء ، الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، سبحانه هو القائل : {  قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ،   ( الأول الآخر ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ،

[ ]  الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي : معناه الأولية بلا ابتداء والأخروية بلا انتهاء ، والظهور المطلق الذي ليس فوقه شيء ، ولا يغيب عن شيء ، والقرب المطلق الذي ليس دونه شيء ، { وهو معكم أينما كنتم } ، أقرب إلي كل شيء من ذاته { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ،  أقرب إلينا من أنفسنا وذواتنا ، والشهود المطلق ، { وهو على كل شيء شهيد } ، فلا يغيب عن شيء ، ولا يغيب عنه شيء ، حاضر عند كل شيء ، ولا يخرج عن احاطته شيء ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 26 ) مدارس أهل السنة والجماعة المعتمدة في الإلهيات - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة : مدارس أهل السنة والجماعة المعتمدة في الإلهيات خاصة وفي العقيدة عامة ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ] طلب العلم بالدين لا يتأتى أبداً إلا باحترام التخصص العلمي ، واتباع أحسن ما أنتجه المتخصصون في علومهم ، وقد أمرنا الله تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا من اهله ، واهله هم أهل التخصص فيه ، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث ، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه ، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة ، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها ، وهكذا ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ،  إذن لابد لطالب العلم من معرفة مدارس العلم المتخصصة في كل فرع من فروعه ، قبل أن يهجم على العلم فيقع في البدعة أو الخلل بسبب عدم طلب العلم على اهله المتخصصين فيه ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ،   

[ ]  تطرق القرآن الكريم إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد ، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات ، ثم ترك جمع القواعد والأصول لكافة علوم الدين للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا  ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ،  وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها ، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص ،  فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ،

[ ]  ( احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه ) : فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين : مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها ، وظهرت داخلها علوم القراءات ، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل ، وصار ( القراء ) أصحاب القراءات العشرة هم المرجع في معرفة ( القرآن ) ، والكل عالة على هؤلاء في باب العلم بالقرآن ،

[ ]  ( احتاج الناس إلى الحديث ) ، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث : البخاري ، ومُسْلِم ، أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ،  والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج ، ويحيى بن سعيد القَطَّان ، وعبدالرحمن بن مهدي ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المَديني ، وأحمد بن حنبل ، فهؤلاء وأمثالهم ومن جاء بعدهم من تلامذتهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث ، والكل عالة على هؤلاء في باب العلم بالحديث وعلوم الحديث ،

[ ]  ( ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام ) فظهرت مدرسة الفقه ، وانتسب إليها طلاب العلم ، وعرفوا باسم الفقهاء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه ، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور مذاهب الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وصارت المذاهب الأربعة هي الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي ، والكل عالة على علم وفقه تلك المذاهب الفقهية في باب العلم بالعبادات والمعاملات والحلال والحرام ،

[ ]  ( ثم استفحل أمر الفرق الضالة  ) والتي كان أهم أسباب ظهورها هو الجهل بالدين ، أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق ، وأصول الفرق الضالة هم ( الخوارج ) و ( الشيعة ) و ( المعتزلة ) و ( الحشوية ) و ( المرجئة ) ،   ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة ، لبيان عقائد الفرقة الناجية ، والرد على الفرق الضالة ، فظهرت مدارس العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة  : وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم : الإمام أحمد ابن حنبل ، والإمام أبو الحسن الأشعري ، والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ،

[ ]  عبر الإمام أحمد عن آراء ( المدرسة الأثرية ) وحمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين ، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي أظهرا قيمة ( التخصص العقائدي على منهاج الكتاب والسنة ) وحملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة ، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والجهمية والمرجئة ،

[ ]  صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، من هاجم مدرسة منها فهو متهم على عقله أو علمه أو دينه ،  والكل عالة على هؤلاء في باب الاعتقاد وأصول الدين ،

[ ]  ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ،

[ ]  إذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) كمدارس متخصصة في العقيدة ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) كمدارس متخصصة في الفقه ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس : 9-10 ] ، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك")) [ أخرجه مسلم ] ، وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، ولا عبرة بالجهلاء والمتمصوفة والأدعياء والخرافيين ، ولكن العبرة بالأئمة الربانيين الذين ورثوا عن النبي صلى الله عليه وسلم علوم التزكية ، كما ورث الفقهاء علوم الفقه ، وكما ورث الأصوليون علوم العقيدة ،  والصوفية الحقة شيء والمتصوفة شيء آخر ، والتصوف هو العلم القائم على مرتبة الإحسان ، وأهل التخصص في علم التزكية هم السادة الصوفية ، هم اهل الرسوخ فيه ، وقد احال الشرع في كل علم على اهل الذكر المتخصصين فيه ، قال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ،  هم الاولياء والربانيون أهل وراثة أحوال ومعارف ومنازل الإحسان ، أعلى مراتب الدين ، ولا عبرة بالأدعياء والدجالين ، إنّ ثمرة التخصص في التزكية هو ظهور علم التصوف وسلوكه ، هذا العلم الذي تكفل بعلم بتزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ،هذا التصوف السني قد تكفل بعلم بتزكية الباطن ، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق ، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون والمرشدون المربون وهم العارفون بمناهج التربية والإحسان ، والكل عالة على هؤلاء في باب التزكية والإحسان ،

[ ]  ( الشاهد )  :  استقر ( لأهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة : في العقيدة ثلاث مذاهب أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية ، والثانية : الأشعرية ، والثالثة : الماتريدية ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية التي يسلكها الربانيون على مذاهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل هؤلاء ، وهم سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى أفراد الجماعة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،

[ ]  هذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما ، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ،  والإسلام يدعو إلى احترام التخصص العلمي ، قال تعالى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] ، أوضحت الآية أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة ، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة ، لذا جاء الأمر الرباني باحترام أفهام المتخصصين لأدلة الكتاب والسنة ، فقال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، أوضحت الآية الثانية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، وزاد القرآن الكريم الأمر تأكيدا ، وذلك بقوله تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ،

[ ]  نحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة في كافة أبواب العلم ، والواجب على كل مسلم أن يطلب علم الدين من خلال مدارسه المتخصصة فيه على منهاج أهل السنة الجماعة سواد أهل الإسلام الأعظم ، كانت هذه نظرة عامة  للتخصص الإسلامي وظهور المذاهب الإسلامية المعتمدة في عموم علوم الدين ،

[ ]  مدارس أهل السنة والجماعة المعتمدة في الإلهيات ، لقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، أخرج الترمذي : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) ، وأخرج أبو داود  : عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) ، هذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ،  وهذه الأحاديث تحتاج إلى فقه وفهم دقيق ، ( اولا ) : بينت الأحاديث ملامح واوصاف النجاة ، فحديث : (( ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ] ، بين أن اهل النجاة هم أسعد تلك الفرق نظرة إلى الصحابة رضي الله عنهم ، وحديث : (( وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود ] ،  بين ان أهل النجاة هم احرص تلك الفرق على الجماعة واجتماع الامة وعدم تفرقها ، ولذا فإن أسعد تلك الفرق بالنجاة هم اهل السنة والجماعة ، ( فأهل السنة ) : لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، ( وأهل الجماعة ) : لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال ،  وقد يكون معنى الجماعة السواد الاعظم ، أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر النبي صلى الله علية وسلم باتباعه ، فقد جاء في حديث ابن ماجه قوله صلى الله عليه وسلم : (( إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم )) ، وجاء في حديث الحاكم قوله صلى الله عليه وسلم : (( يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ شذ في النار )) ، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى ( أهل السنة والجماعة ) بمذاهبها المعروفة في العقيدة وفي الفقه وفي التصوف ،

[ ]  لقد حبى الله تعالى أهل السنة والجماعة سواد المسلمين الأعظم بمرجعية علمية أصيلة ، تأصلت على مر عصور الإسلام ، تأصلت لهم في باب العقيدة : ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المذهب الأثري ) وعليه غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( المذهب الأشعري ) وعليه غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( المذهب الماتريدي ) وعليه غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، هذه المذاهب الثلاث المؤصلة هي المرجعية العقائدية الصحيحة لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ،  على انّ هناك تنبيه مهم يتعلق بالأثرية ، فإن أهل بدعة الحشو ينازعون الأثرية في الانتساب إلى اهل السنة والجماعة وليس كذلك ، فإن الفرق كبير بين الأثرية والحشوية ، الأثرية إحدى مذاهب اهل السنة والجماعة في العقيدة وهم على علم بالواجب والجائز والمستحيل في حق الرب الجليل وهم على وفاق تام مع مذاهب اهل السنة والجماعة الأخرى في العقيدة ( الاشاعرة والماتريدية ) أما الحشوية فهم طائفة مبتدعة تجهل علم التقديس وتخوض في المتشابهات ، بما يؤول إلى الزيغ والضلالة ، وممن تسربت إليه بدع الحشو ( ابن تيمية ) ، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم ، والعالم المخلوق تحته ،  وهو موجود بذاته على عرشه ، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته ، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية ، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث ، ولا يبقى لنا بعد تلك العقائد الفاسدة شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد ،

[ ]  اتباع المتشابه هو الذي أهلك الفرق الضالة  ، والقرآن الكريم يحوي المحكم والمتشابه ، اختبارا من الله تعالى لنا ، قال تعالى : {  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ متفق عليه ]  ، لقد وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ،  ومن الأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ،  والآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، والآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ،  وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه  ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ،

[ ]  المتشابهات هي ( الأخبار ) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ، وتلك المتشابهات أقسام : فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى  كالوجه والعين واليد ، وهناك آيات توهم التغير والحدوث  والانتقال من مكان إلى مكان ، كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء ، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير في جناب الذات ، كالضحك والتبسم ،  وكل ذلك مستحيل بحقائقه المستعملة في اللغة على جناب الله الأحد الصمد القديم بجناب ذاته وصفاته  ،

[ ]  للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، منهجان صحيحان : المنهج الأول : هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ ،  [ المذهب الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ] : وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال ، ومذهب السلف الأول فيها : أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ولا تفسر ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ،  بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بالواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، و [ المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ] ، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم : والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ،  ومما يدل عليه  أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله : (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ،

[ ]  مذاهب العقيدة للجماعة الناجية ثلاثة لا رابع لها إلا الحشو العقدي ، ( اولها ) : [  ( المدرسة الأثرية ) ]  وهم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف ) :  وأهم علماء تلك المدرسة الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة ، وسفيان الثوري ، وأهم أصول المذهب الأثري : التفريق بين المحكم والمتشابه ، تفويض علم المتشابه إلى الله ، وعدم الخوض فيه ، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله ، فمن ذلك : قولهم : نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله ، وقولهم : نترك التعرض لمعانيها ، وقولهم : كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه ، وقولهم : آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله ،   وأهم من يمثل الأثرية من أهل الحديث وأئمة العلم الإمام مالك بن أنس رحمه الله ، فقد  ذكر القاضي عياض  في كتابه الشفا : أنّه كان ينهى عن التحديث بالأحاديث المتشابهات التي توهم التشبيه ، وكان يمنع من السؤال عنها ، وكان مجرد السؤال عن المتشابه أمامه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه في طرد السائل عن معنى الاستواء وتبديعه ، وعلى رأسهم أيضاً : الإمام الشافعي ، جاء في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي : " وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه   " [طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 40] أهـ  ، وعلى رأسهم : الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه تفويض معنى المتشابهات ، كما ثبت عنه التأويل عند الضرورة رداً على أصحاب البدع بسند صحيح أخرجه البيهقي ، والأثرية من أهل الحديث واهل الفقه هم كل من سار على  نهج الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل  ، و ( الأثرية ) من أهل الحديث هم أهل التقديس والتنزيه الذين كانوا على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في مباحث العقيدة ، واهمهم من علماء أهل الحديث ، فخر الحديث وأهله الإمام البيهقي ، وله رسالة ( الأسماء والصفات ) تدل على رسوخ قدمه في علم العقيدة والتنزيه والتقديس ، وهي من أهم مراجع العقيدة الأثرية ، وكذلك الإمام النووي شارح صحيح مسلم ، ومن تتبع مباحث العقيدة في شرحه على صحيح مسلم ، يجد فيها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً لعقيدة أهل الأثر ، وكذلك أمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني ، صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري ، الموسوعة الحديثية الكبرى لأهل الإسلام ومن تتبع مباحث العقيدة فيه يجمع منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً كاملاً لعقيدة أهل الأثر ،  والمعبرون عن الأثرية من الحنابلة : من أفضلهم الإمام ابن الجوزي ، في كتابه ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ) ، رد فيه على حشوية الحنابلة ، وكان يُخاطب ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى وهم من كُبراء حشوية الحنابلة ، بقوله : " يقولون : نحن أهل السنة ، وكلامهم صريح في التشبيه ، وكان يقول لهم : لا تدخلوا في مذهب الإمام احمد هذا الرجل الصالح ما ليس منه ، لقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم .. ) أهـ من كتابه [ دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه : 30-33 ] ، وكتابه من خير الكتب التي ردت على بدعة الحشو ،  والأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة  ، مذهبهم في العقيدة واحد يقوم في المتشابهات على تفويض معنى المتشابهات على مراد الله تعالى وعلى مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كامل التقديس والتنزيه ، ثم قالت الأثرية لا نزيد على ذلك لأنّا لا نعلم مراد الله تعالى على وجه الحقيقة من تلك المتشابهات ، وقالت الأشاعرة والماتريدية ، ونحن لا نعلم مراد الله تعالى على وجه الحقيقة من المتشابهات ، ولكن يمكن بعد التفويض والتقديس ، حمل المتشابه على أصله من المحكم الذي سيقت الآيات من أجله ، مع عدم الجزم بمراد الله تعالى من المتشابه ، وذلك بقصد صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه التي تؤول بأصحابها إلى التجسيم والتشبيه والتمثيل ، أو وبقصد الرد على المبتدعة من المجسمة والمشبهة وأمثالهم ، ولذلك يذكر المحققون من العلماء أن هذه الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة ، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى ( لوامع الأنوار البهية 1 :  73 ) : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : ( الأثرية ) ، وإمامهم أحمد بن حنبل ، و ( الأشعرية ) ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري ، و ( الماتريدية ) ، وإمامهم أبو منصور الماتريدي ) اهـ. ،  لقد نازع الأثرية في الانتساب إلى السلف طائفة مبتدعة سماها اهل العلم بالحشوية ، وهؤلاء ينتسبون إلى السلف زورا وبهتانا وتدلسا وجهلا والسلف من زيغ عقائدهم براء  ، وهم قطاع طرق على الفهم الصحيح للكتاب والسنة في صورة المدافعين عنهما ، وهم أبعد الناس عن السلفية الحقة وعن فهم السلف ،   ( الحشوية ) لا يعلمون شيئا عن قواعد التقديس والتنزيه وتوحيد الذات  ، وهم في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ، ويجمعونه ويتبعونه ، ويرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات مع أنّه يستحيل نسبته إلى الله ،

[ ]  [ تنبيهات تتعلق بالأثرية ] : ( تنبيه أول ) : الأثرية لا يخوضون في المتشابه لفرط خوفهم من التكلم على الله تعالى بغير علم ، لكنّهم يعرفون من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من نسبة النقص إلى ذات الله تعالى ، وهم يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى ،  ( تنبيه ثاني ) : الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة ، قال العلامة السفاريني الأثري رحمه الله تعالى : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : ( الأثرية ) ، وإمامهم أحمد بن حنبل ، و ( الأشعرية ) ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري ، و ( الماتريدية ) ، وإمامهم أبو منصور الماتريدي ، ( تنبيه ثالث ) : الفرق كبير بين الأثرية والحشوية ، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في جناب ذات الله تعالى بما لا يليق ، أما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، ومذهبهم مآله إلى التجسيم لأنهم يعتقدون أنّ الله تعالى موجود بذاته في مكان فوق العالم ، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته ، كما أكثروا الكلام  حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية ، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث ، وبعد تلك العقائد الفاسدة لا يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد ،  لقد ذهل الحشوية عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين  ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج اهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من اهل السنّة والجماعة في باب الصفات ، مع أنّ الحق والصواب أنّهم ( الحشوية ) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة ، أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح  المتعلقة بذات الله تعالى ، والمستمدة من الكتاب والسنة ، وأدى ذلك إلى خلل في فهم قسم توحيد الذات ( علم التقديس ) الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في الحشو على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك  ، وممن تسربت إليه بدع الحشو ( ابن تيمية ) ، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته على عرشه ، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته ، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية ، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث ،  والسلفية المعاصرة فريقان : الفريق الأول اتباع أحمد بن حنبل أثري على العين والرأس ينتمي إلى المدرسة الأثرية التي تعلم من قواعد التقديس ما تفوض به علم المتشابه إلى الله وهي على وفاق مع بقية مدارس التخصص العقدي ( الأشاعرة والماتريدية ) ، وهؤلاء هم الواقفون على ثغر التمسك بالكتاب والسنّة ، يجتهدون في نشر علوم الكتاب والسنة ، والدعوة إلى التوحيد الصافي ، والفريق الثاني أتباع ابن تيمية :  أهل حشو وتجسيم ، وهؤلاء ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا على منهج أهل السنّة والجماعة الناجية ،  وأهم علاماتهم : الوقيعة في مذاهب أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة والفقه والتزكية ،  كانت تلك هي المدرسة الاولى ( الأثرية )

[ ]  المدرسة الثانية من مدارس أهل السنة والجماعة في العقيدة : هي ( المدرسة الأشعرية ) وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ) : وهم أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة ، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري  رحمه الله ،  كان من المجددين ، وجد فيه أهل السنة ضالتهم لما رأوا فيه من القدرة على الدفاع عن عقائد الكتاب والسنة والاستدلال لها ، وعظماء أمة النبي صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة ، كالباقلاني ، والقشيري ، والشيرازي ، وأبي محمد الجويني ، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين ، وحجة الإسلام الغزالي ، والقاضي أبي بكر بن العربي ، والإمام فخر الدين الرازي ، والحافظ ابن عساكر، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والإمام الرافعي، والإمام النووي، والإمام السبكي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام الفقيه ابن حجر الهيتمي ، والحافظ السيوطي ، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، وغيرهم كثير ،  والأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة : أنقذ الله تعالى بهم الأمة من الاعتزال والحشو ، صاغوا المنهج الحق ، القائم على الكتاب والسنّة ، بعيداً عن بدع الخروج والتشيع ، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو ، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة ، في باب الإيمان والكفر  ، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد ، وباب السنّة والبدعة ، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات ، بما لا مزيد عليه ، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً  ،

[ ]  والمدرسة الثالثة من مدارس أهل السنة والجماعة في العقيدة : هي : ( المدرسة الماتريدية ) : ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي ، وهو إمام الهدى وإمام المتكلمين وناصر السنة وقامع البدعة ، والحاصل هو أن الأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها ، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي ،

[ ]  الأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وهما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية ،  وبهما اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ،  والمذهبان يقدمان طريقة أهل الأثر من تفويض علم المتشابهات إلى الله عند سلامة العقيدة وعدم وجود الآراء الضالة ولكن عند ظهور الضلالات العقدية ووجوب الرد عليها فإنهم يحملون المتشابهات على محكماتها ويردون الفروع إلى أمهاتها فتستقيم العقيدة ، لقد اكرم الله تعالى الامة بالإمامين  ( أبي الحسن الأشعري وأبي  منصور الماتريدي ) تخصصا في علوم العقيدة وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة ، وصار المذهبان هما جناحا أهل السنة والجماعة في العقيدة ، وعلماء المذهبين هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام ، ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل التقديس والتنزيه ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، 

[ ]  لقد اكرم الله تعالى الامة الإسلامية بالتخصص العقدي ، متنثلا في المذهبين الأشعري والماتريدي ،  وصار ( المذهبان ) المذهب الأشعري والمذهب الماتريدي هما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج اهل الحق ، وصارا جناحا أهل السنة والجماعة في علوم العقيدة ، هم الذين ضبطوا مسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وردوا على جميع المخالفين من اهل البدع الضالة المضلة ،

[ ]  الأشاعرة والماتريدية علماء متخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية ( أهل السنّة والجماعة ) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة ، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء لولاهم لمال البعض إلى الحشو والتجسيم ولمال الآخرون إلى الاعتزال والتعطيل ولولاهم لما استطاع المسلمون إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات ، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة ، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك ، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع ، ولولاهم لما عرف المسلمون الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المتخصصة ، وبيان نظرتها إلى الطوائف المخالفة ، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم ، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء ، هم اهل الذكر في العقيدة ، والله تعالى يقول : { فاسالوا أهل الذكر غن كنتم لا تعلمون } ،

[ ]  الأشاعرة والماتريدية هم غالب علماء الامة ومن انتقص منهم فليراجع نفسه ،  هم الذين وقفوا في وجه الفرق الضالة ، وزيفوا أقوالهم ، وأبطلوا شبههم ، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم ، والإمامان أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي لم يؤسس أي منهما في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة ، وإنما هداهم الله تعالى لالتزام مذهب أهل السنة وتقرير أدلته ، هما في العقيدة كالشافعي واحمد ومالك وأبي حنيفة في الفقه ،  وجد فيهما أهل السنة ضالتهم فاتبعوهما  وساروا على نهجهما ،

[ ]  عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة، كالباقلاني، والقشيري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وإمام الحرمين أبي المعالي الجويني ، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وفخر الدين الرازي، وابن عساكر، والعز بن عبد السلام سلطان العلماء ، وابن الأثير، والرافعي ، والنووي ، والسبكي ، والمزي، والعراقي، وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي، والسيوطي، وما لا يحصيه العد من الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا ، 

من فضل الله تعالى على أمة الإسلام ، أن سخّر للأمة أعلام الأشاعرة علماء العقيدة الذين أنقذ الله تعالى بهم الأمة من التجسيم والحشو والاعتزال ، صاغوا المنهج الحق ، القائم على الكتاب والسنّة ، بما يمثل منهج الإسلام الصافي النقي في علم العقيدة بعيداً عن بدع الخروج والتشيع ، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو ، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة ، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً  ،

[ ]  مناهج الأشاعرة والماتريدية في تقرير أصول الدين : كانوا يجمعون كل أدلة الباب العقلية والنقلية ، ثم التفريق بين المحكم والمتشابه ورد المتشابه إلى امهاته من المحكم ، وكان منهاجهم يقوم على محاور :  أهمها : دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة ، والمحور الثاني : الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة ، الثالث : قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها ، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم ، من انتقص هؤلاء الاكابر فليراجع نفسه وإلا فهو متهم في عقله او دينه او جهله ،

[ ]  الأشاعرة والماتريدية علماء متخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية ( أهل السنّة والجماعة ) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة ، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء ، كان لهم الفضل في إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة ، و كان لهم الفضل في بيان قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات ، وقواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة ، وقواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك ، وقواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع ، كان لهم الفضل في بيان الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية ، وكان لهم الفضل في بيان قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم ، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء ،  اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، اللهم أحيينا مسلمين وامتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

الصفحة 1 من 15

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا