الجمعة, 08 كانون1/ديسمبر 2017 04:17

المستقبل للإسلام والقدس للمسلمين

المستقبل للإسلام والقدس للمسلمين

المستقبل لدين الإسلام والقدس للمسلمين : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله آله وصحبه أجمعين ، وبعد :  إنّ الدين المقبول عند الله تعالى - بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة - هو الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله ، ولا يقبل الله تعالى من الناس بعد بعثته صلى الله عليه وسلم دينا سواه ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  } ،  وقد كتب الله تعالى لدينه الظهور ولو كره الكافرون والمشركون  ، قال تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة : 32 ، 33 ] ، و قال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 8 ، 9 ] ، و ، قال تعالى : { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } (غافر:51)  ، و قال تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (النور:55) ، و قال تعالى : { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } (الروم:47) ،  و قال تعالى : { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ الصف:13 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر ))   ، [ أخرجه أحمد والحاكم ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِىَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِى سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِى مِنْهَا )) [ رواه مسلم (8 / 171 ) ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ )) [ رواه مسلم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِى الأَرْضِ؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِى الآخِرَةِ نَصِيبٌ )) [ أخرجه أحمد في مسنده ، وقال الهيثمي ورجال أحمد رجال الصحيح ، وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ] ، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم  المسلمين بفتح قسطنطينية وروميه ، أخرج أحمد  والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : (( بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولاً ، يعني قسطنطينية )) ،  وقد فتحت قسطنطينية بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح ، وسيتحقق الفتح الثاني ولا بد  ،  كما بشر صلى الله عليه وسلم  بالنصر على اليهود ،  قال صلى الله عليه وسلم: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ )) [ أخرجه مسلم ] ،  ولا تقوم الساعة حتى يظهر المهدي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم: (( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً )) [ أخرجه أحمد في مسنده (1/376)  وأبو داود في سننه (4282) والترمذي في جامعه (2231) ] ،  ولا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى عليه السلام حكما عدلا وإماما مقسطا ، يدق الصليب ويذبح الخنزير ، ويحكم بشرع الإسلام ، وقد بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ )) [ متفق عليه ] ، ولا تقوم الساعة حتى تعود خلافة الإسلام ، قال صلى الله عليه وسلم : (( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة )) [ رواه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ] ، وهذا يدل على أن المستقبل للإسلام والمسلمين ، ولو كره الكافرون ولو كره المشركون ، نعم يمر المسلمون – اليوم - بمرحلة عصيبة من أحلك مراحل تاريخهم الطويل ، ولكن الله هو سند أهل الإسلام وحافظهم وناصرهم ، وهو القوي المتين ، وهو القائل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [ محمد : 7 ] ، وقال تعالى : { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) } [ آل عمران : 126 ] ، وقال تعالى : { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ الروم : 4 إلى 6 ] ، فلابد من اليقين في نصر الله ، ولن يغلب عسر يسرين ، قال تعالى : { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } [ الشرح : 5 ، 6 ] ، ولا بد لكل مسلم أن يكون واثقاً بوعد الله تعالى ، مستبشراً بمستقبل رسالته الخاتمة ودعوته الخالدة ، رافضاً اليأس الذي هو من لوازم الكفر والضلال ، قال تعالى : {  إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [ يوسف : 87 ] ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) } [ الحجر : 56 ] ، ولكن لابد من الصدق مع الله والبصيرة في دين الله والتضحية بالغالي والنفيس من أجل دين الله ، قال تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ } [ البقرة : 214 ] ، فالنصر قريب ، وهو بحمد الله تعالى كائن لا محالة بأيدينا أو بأيدي أبناءنا أ بأيدي أحفادنا ، فهو كائن لا محالة ، لانه وعد الله  ، ولكن القضية تتعلق بنا ، قال تعالى  : { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ، و قال تعالى : { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ  } ،

 

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الثالث عشر : علم الأخلاق الإسلامية العظيمة

[  1  ] من أهم العلوم التي ينبغي الاهتمام بها في هذا الزمان ، علم الأخلاق الإسلامية العظيمة : ويتم ذلك  من خلال استيعاب أخلاق الإسلام العظيمة وآدابه القويمة ، إن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق ، ولا تجديد لأمر الدين ولا إصلاح لأمر المسلمين إلا بالتجديد الأخلاقي والعودة بالمسلمين إلى امتثال أخلاق الإسلام ،  ولهذا حصر النبي صلى الله عليه وسلم دعوته في إتمام مكارم الاخلاق ، قال صلى الله عليه وسلم : (( إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ )) [ أخرجه الإمام أحمد (2/381) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 45 ) ] ، ونبينا الكريم كان أعظم الخلق خلقا ، ولهذا مدحه الله تعالى بقوله : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ، ومن أراد معرفة أخلاق النبي العظيمة فعليه بالقرآن ، سُئلَت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : (( كان خلقه القرآن )) [ أخرجه مسلم ] ، أي الاستقامة على ما في القرآن من أوامر ونواهي ، والتَّخلق بالأخلاق التي مدحها القرآن العظيم وأثنى على أهلها ، ولا صلاح لأمر المسلمين إلا بالعودة إلى أخلاق القرآن ، وكيف تكون الأخلاق مع الله ، والأخلاق مع الرسول ، والأخلاق مع الدين ، وبيان أخلاق الفرد المسلم الأساسية ، وأخلاق المجتمع المسلم الربانية ، وبيان أهم القيم الأخلاقية الإسلامية العالية ، و بيان أهم المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية ،

[  2  ] أخلاق مع الله عز وجل : وأهم هذه الأخلاق : ( الخلق الأول ) التوحيد والبراءة من الشرك : لقوله تعالى { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ سورة البقرة : 256 ] ،  وقوله تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } [ النحل : 36 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )) [ متفق عليه ] ، و ( الخلق الثاني ) : التحقق بشرف العبودية لله وحده : لقوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  [ الذاريات : 56 ] ، وقوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، و ( الخلق الثالث )  : إسلام الوجه والقلب والجوارح لله : لقوله عز وجل : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } ، وقوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [ فصلت : 33 ] ، و( الخلق الرابع ) الإيمان الصادق بالله : لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [ النساء : 136 ] ، و( الخلق الخامس )  : الإحسان في عبادة الله : لقوله تعالى :{ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [سورة البقرة : 195 ] ، و ( الخلق السادس )  : تقوى الله  : لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  } [ آل عمران : 102 ] ،  وقوله تعالى : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } [ البقرة : 197] ،  وقوله تعالى : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  } ،  و ( الخلق السابع )  : التوبة إلى الله : لقوله تعالى : {وتوبوا إلى اللهِ جميعاً أيُّها المؤمنونَ لعلَّكُم تُفلِحُونَ} [ النور : 31 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ التحريم : 8 ] ، و( الخلق الثامن ) الصدق مع الله ، قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [ التوبة : 119 ] ، و( الخلق التاسع ) الإخلاص في عبادة الله : لقوله تعالى : {قلْ إنِّي أُمرتُ أنْ أعبُدَ اللهَ مُخلِصاً لهُ الدينَ} [ الزمر : 11 ] ، وقوله تعالى : {قل اللهَ أعبُدُ مخلِصاً لهُ ديني} [ الزمر : 14 ] ،  وقوله تعالى : {وما أُمِروا إلا لِيَعبُدوا اللهَ مُخلِصينَ له الدينَ} [ البينة : 5 ] ، و( الخلق العاشر ) الصـبر على طاعة الله : لقوله تعالى : { وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } ،  وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ،  و ( الخلق الحادي عشر  )  :  شكر الله ، لقوله تعالى  : {  فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ } ، وقوله تعالى : {  بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [ الزمر : 66 ] ،  و ( الخلق الثاني عشر ) : محبة الله : لقوله تعالى { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا للّه ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه كما يكره أن يلقى في النار )) [ متفق عليه ] ،  و ( الخلق الثالث عشر ) : الخشية من الله ، لقوله تعالى : { فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، وقوله تعالى : { فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ } ، وقوله تعالى : { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } [ النور : 52 ] ،  و ( الخلق الرابع عشر ) : الرجاء في الله والرغبة فيما عند الله ،  لقوله تعالى: { إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  } [يونس: 7], وقوله تعالى : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [ الأنبياء : 90 ] ،  و ( الخلق الخامس عشر ) : التوكل على الله  : ، لقوله تعالى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرا } ، وقوله تعالى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ } ، وقوله تعالى : { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } ،  و ( الخلق السادس عشر ) : الرضا عن الله ،  لقوله تعالى : { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من قال إذا أصبح وأمسى : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، كان حقاً على الله أن يرضيه )) [ أخرجه أبو داود والترمذي ] ،  و ( الخلق السابع عشر ) اليقين في الله : لقوله تعالى : { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ لقمان : 4 ، 5 ] ، وقوله تعالى  : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } ، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم :  (( اللهم قْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ , وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا , )) [  أَخْرَجَهُ الترمذي والنَّسَائي ] ،  و ( الخلق الثامن عشر ) : العلم الراسخ بالله : لقوله تعالى : {إنَّما يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [ فاطر : 28 ] ، وقوله تعالى : {هل يستوي الذين يعلمونَ والذين لا يعلمونَ} [ الزمر : 9 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة )) [ أخرجه مسلم ] ،  و ( الخلق التاسع عشر ) الاستقامة على أمر الله :  لقوله تعالى : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ هود : 112 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } [ فصلت ]  ، و (  الخلق العشرون  ) : المداومة على ذكر الله : لقوله تعالى : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً  } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم و أزكاها عند مليككم و أرفعها في درجاتكم و خير لكم من أنفاق الذهب و الورق و خير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم ؟  قالوا بلى . قال : ذكر الله تعالى )) [ أخرجه الترمذي ] ، فهذه هي الأخلاق العشرون التي تتعلق بحق الله ،   

[  3  ]  أخلاق مع الرسول صلى الله عليه وسلم : وأهم هذه الأخلاق : ( الخلق الأول ) الإيمان الصادق به صلى الله عليه وسلم ، وأنه رسول من عند الله ، صادق في كل ما أخبر به أنه من عند الله ، لقوله تعالى : { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [ التغابن : 8 ] ، وقوله تعالى : {  فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  } [ الأعراف : 158 ] ، وقوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } [ النجم :  3 ، 4 ] ، و ( الخلق الثاني )  طاعته صلى الله عليه وسلم وامتثال أمره : لقوله تعالى : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ  } [ محمد : 33 ] ، وقوله تعالى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 32 ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم - : (( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل يا رسول الله ومن يأبى قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)) [ البخاري ] ، و ( الخلق الثالث ) اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، والاقتداء به ، واقتفاء آثره والعمل بما جاء به من قول وفعل ، لقوله تعالى : {  قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  } [ آل عمران : 31 ] ، وقوله تعالى : {  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  } [ الأحزاب : 21 ] ،  و ( الخلق الرابع )  توقيره صلى الله عليه وسلم وتعظيم شأنه : لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الحجرات : 3 إلى 5 ] ، وقوله تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكـم كدعاء بعضكم بعضاً }  [ النور : 63 ] ، أي لا تنادوه باسمه ولا كنيته ، وإنما يا رسول الله و يا نبي الله ، ولقوله تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } [ سورة الفتح : 8 ، 9 ] ،  ومن توقيره صلى الله عليه وسلم تعظيم شأن كل ما يتعلق به من اسمه وحديثه وسنته وشريعته وآل بيته وصحابته رضوان الله عليهم وكل ما اتصل به صلى الله عليه وسلم من قريب أو بعيد ،  و ( الخلق الخامس ) التحاكم إِلَى سُنَّتِهِ صلى الله عليه وسلم والرضا بِحُكْمِهِ صلى الله عليه وسلم ، وأن لا نتقدم على قوله بقول ولا على حكمه بحكم ولا على سنته وهديه برأي ، لقوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليمـاً } [ النساء : 65 ] ، وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم }  [ الحجرات : 1 ] ، وقوله تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } [ الأحزاب : 36 ] ،  و ( الخلق السادس )  نصرته صلى الله عليه وسلم : لقوله تعالى : { إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ } [ التوبة : 40 ] ، وقوله تعالى : { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الأعراف : 157 ] ،  علقت الآية الفلاح على من قاموا بالإيمان به وعزروه ونصروه ، وقوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ } [ آل عمران : 81 ] فقد اخذ الله الميثاق على جميع الأنبياء بنصرته ،  و ( الخلق السابع ) محبته صلى الله عليه وسلم ، ولا يكون العبد مؤمناً إلا بوجودها ولا يبلغ كمال الإيمان إلا بكمالها وهو أن تكون محبته صلى الله عليه وسلم تفوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين ، لقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  } [ التوبة : 24 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )) [ متفق عليه ] ،  و ( الخلق الثامن )    كَثْرَةُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ ، لقوله تعالى : {  إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  } [ الأحزاب : 56 ] ، وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا )) [ أخرجه مسلم ] ، و ( الخلق التاسع ) النصيحة له صلى الله عليه وسلم : لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، قُلْنَا لِمَنْ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ )) [ رواه مسلم ] ، والنصيحة لرسوله صلّى الله عليه وسلّم تكون بإحياء سنته والعمل بها وتعلمها , وتعليمها والذب عنها , ونشرها , و ( الخلق العاشر ) محبة أهل بيته وصحابته صلى الله عليه وسلم ، وموالاتهم ، وَمَعْرِفةُ حَقِّهِمْ , وَالذَبُّ عَنْهُمْ ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِم, وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ, وَالاسْتِغْفَارُ لَهمْ ، وَالإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم , ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تسبوا أصحابي ))  [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم - في حق الصحابة - : (( الله الله في أصحابي الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه )) [ أخرجه الترمذي ] ،  وقوله : صلى الله عليه وسلم : (( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا الحوض )) [  متفق عليه ]  ،  إن أخلاق المسلم مع الرسول صلى الله عليه وسلم من أوجب الأخلاق ، أخرج البخاري في قصة عروة بن مسعود الثقفي لما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية يكلمه في أمر قريش ، وقد انتدبته قريش لذلك ، جعل عروة يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم رجع عروة إليهم ، فقال : (( أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك  ؛ وفدت على قيصر ، وكسرى ، والنجاشي ، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه تعظيم أصحاب محمد ، والله إن تنخم نخامة إلاّ وقعت في كف رجلٍ منهم ، فدلك ب‍ها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له  )) [ البخاري : ح ( 2583 ) ] ، هذا هو الخلق الواجب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،

[  4  ]  أخلاق مع الإسلام دين الله عز وجل : وأول هذه الأخلاق : الرضا بالإسلام دينا ، لقوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا )) [ رواه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من قال إذا أصبح وأمسى : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، كان حقاً على الله أن يرضيه ))  [ أخرجه أبو داود والترمذي ] ، وثاني تلك الأخلاق : الانتساب إلى جماعته الناجية ( أهل السنة والجماعة ) : والبراءة مما يخلفها من الفرق ، لأنها فرق ضالة تقع تحت الوعيد بالنار ، لقوله تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي وحسنه الألباني ] ،  وثالث تلك الأخلاق : العلم الراسخ بالدين ، وطلب العلم الشرعي من خلال المدارس العلمية المتخصصة في أبواب العلم على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وطلب العلم بالدين لا يتأتى أبداً إلا باحترام التخصص العلمي ، واتباع أحسن ما أنتجه المتخصصون في علومهم ، وقد أمرنا الله تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ،  ومن أوجب أخلاق المسلم مع دين الإسلام : حمل أمانة الدين بالدعوة إليه ، لقوله تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ سورة يوسف : 108 ] ، وحمل أمانة الدين بالحسبة عليه ، لقوله تعالى : { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران:104] ، وحمل أمانة الدين بالتضحية والجهاد من أجله ، لقوله تعالى : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) } [ الحج : 78 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم قال: ((  جاهدوا المشركين بألسنتكم،  وأنفسكم، وأموالكم، وأيديكم )) [  أخرجه أبو داود حديث رقم 2504، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/475 ] ،

[  5  ]  أخلاق الفرد المسلم : وأهم هذه الأخلاق : الخلق الأول من أخلاق الفرد المسلم : [ صدق الحديث ] :  لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [ التوبة : 119 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إنَّ الصِّدقَ يَهْدِي إِلَى البرِّ، وإنَّ البر يَهدِي إِلَى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ الله كَذَّابًا )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، ونقيض الصدق الكذب ، وعاقبة الكذب وخيمة ، قال تعالى :{ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [ النحل : 105 ] ،  وقال صلى الله عليه وسلم ، قال : (( آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ))  ،  ، والمسلم الحق لابد وأن يكون شعاره ومنهاجه الصدق ( الصدق في  الأقوال والصدق في الأعمال  ، والخلق الثاني من أخلاق الفرد المسلم : [ الأمَانَة ] : لقوله تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [ النِّساء : 5 ] ،  وقوله تعالى في ذكر صفات المفلحين : {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [ المؤمنون : ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( فإذا ضُيِّعت الأمَانَة فانتظر السَّاعة ))  ، وضد الأمانة الخيانة  ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [ الأنفال : 27-28 ] ، والخيانة من صفات المنافقين البارزة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا ، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدَّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ))  ، والخلق الثالث من أخلاق الفرد المسلم : [ العَدْل ] :  لقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ، وضد العدل الظلم ، وقد توعد القرآن الكريم الظالمين بالهلاك ،  قال تعالى : {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [ الحج :71 ] ، وقال تعالى : {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [ هود : 18  ] ، وقال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ المائدة : 51 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة ))  [ متفق عليه ] ،  والخلق الرابع من أخلاق الفرد المسلم : [ الحِكْمَة ] :  والحِكْمَة : فعل ما ينبغي ، على الوجه الذي ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي ، قال تعالى : { يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [ البقرة : 269 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [ النَّحل : 125 ] ،  و الخلق الخامس من أخلاق الفرد المسلم : [ الشَّجَاعَة ]  : لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [ الأنفال : 16 ] ، وقوله تعالى  : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [ الأنفال : 65 ] ، وأخرج مسلم عن أنس بن مالك قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس )) [ مسلم ح 2307 ] ، وأخرج مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قوله :  ((  والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل )) [ أخرجه مسلم ] ، والشجاعة هي ثبات القلب عند النوازل وإن كان صاحبها ضعيف البدن ،  وقد كان الصديق رضي الله عنه أشجع الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ضعيف البدن ، ولكن برز على الصحابة كلهم بثبات قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال ،  وضد الشجاعة الجبن ، وهو خلق مذموم ، كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ منه ، للحديث : (( إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهن دبر الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من الجبن ، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ، وأعوذ بك من عذاب القبر ، فحدثت به مصعبًا فصدقه)) [ أخرجه البخاري ] ،  والخلق السادس من أخلاق الفرد المسلم : [ الكرم ] ، ومن معانيه الجُود والسَّخاء والبذل والعطاء ، والنبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأجود الناس ، أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا ما يسرُّني أن لا يمرَّ عليَّ ثلاثٌ ، وعندي منه شيءٌ إلَّا شيءٌ أرصدُهُ لدينٍ)) ، [ أخرجه البخاري ] ،  وضد الجود البخل ، قَالَ تَعَالَى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [ آل عمران : 180 ] ، وقَالَ تَعَالَى:  { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [ الحشر: 9 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ )) [ أخرجه مسلم ] ، وكَانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنَ البُخْلِ ، لحديث أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي اللهُ عنه قَالَ : كُنتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا ، فَكُنْتُ أَسمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ )) [ أخرجه البخاري ] ، والخلق السابع من أخلاق الفرد المسلم : [ الحِلْم ] : والحلم ضبط النَّفس والطَّبع عن هيجان الغضب ،  وقد وردت آيات عديدة تدعو المسلمين إلى التَّحلِّي بهذا الخُلُق النَّبيل ، منها قوله تعالى : {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ ُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [ آل عمران : 133- 134 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبد القيس : (( إنَّ فيك لخصلتين يحبُّهما الله : الحِلْم والأَنَاة)) ، [ أخرجه مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ليس الشَّديد بالصُّرَعَة ، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) [ متفق عليه ]  ، والخلق الثامن من أخلاق الفرد المسلم : [ الحَيَاء ] ، وهو خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح ، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ ، وقد جاء مدح الحياء في القرآن والسنة ، قال تعالى : { وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} [ الأعراف : 26 ] ، قال المفسرون : لباس التَّقوى هو الحَيَاء ، وأخرج البخاري  عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( إنَّ ممَّا أدرك النَّاس مِن كلام النُّبوَّة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) [ أخرجه البخاري ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((  والحياء شعبة مِن الإيمان )) [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الحَيَاء لا يأتي إلَّا بخير )) [ متفق عليه ] ، والخلق التاسع من أخلاق الفرد المسلم : [ العفة ] ، والعفة الكَفُّ عما لا يَحِلُّ ويَجْمُل ، والاسْتِعْفاف طلَبُ العَفافِ   ، والعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة  ، وقد أمر القرآن الكريم بهذا الخلق القويم : قال تعالى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [ النور :  30 ] ، وقال سبحانه : {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } [ النور : 33 ] ، وقال سبحانه : { يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم} [ البقرة : 273 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : (( ومن يستعفف يعفَّه الله ، ومن يستغنِ يغنه الله  ،  ومن يصبر يصبره الله )) [ متفق عليه ] ،  وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : (( اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)) [ أخرجه مسلم ] ، والخلق العاشر من أخلاق الفرد المسلم : [  الرِّفق ]  : لقوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ آل عمران : 159 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((   من يحرم الرِّفق يحرم الخير )) [ أخرجه مسلم ] ،  ومن أهم أخلاق الفرد المسلم : [  الأناة ] : لقوله صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبد القيس (( إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله : الحِلْم ، والأناة )) [ أخرجه مسلم ] ، ومن أهم أخلاق الفرد المسلم : [ التواضع ] : لقوله تعالى : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا } [ الفرقان : 63 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم :  ))وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله ))  [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ ) [ أخرجه مسلم ] ، وضد التواضع ، الكبر ، وهو بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس ، ومعنى ( بطر الحق ) : رفض قبوله والاستعلاء عليه ، ومعنى ( غمط الناس ) ،  أي احتقارهم والترفع عليهم وانتقاصهم ، قال الله تعالى : { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [  القصص  : 83 ] ، ومن أهم أخلاق الفرد المسلم : [ الرحمة ] : والله تعالى هو الرحمن الرحيم )  ، والرحمة من أخص أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] ، والرحمة من أخص أخلاق المؤمنين ، أخرج البخاري ومسلم عن النُّعمان بن بشير رضي اللَّه عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ترى المؤمنين في تراحمهم ، وتوادِّهم ، وتعاطفهم ، كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا ، تداعى له سائر جسده بالسَّهر والحمَّى)) [ متفق عليه ]  ،

[  6  ]  أخلاق المجتمع المسلم : وأهم هذه الأخلاق :  ( تآخي المسلمين في الله ) : لقوله تعالى : { إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، وقوله تعالى : { فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [ آل عمران : 103 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه ب‍ها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة  )) [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( إذا لقي أحدكم أخاه ، فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة ، أو جدار ، أو حجر ، ثم لقيه ، فليسلم عليه  )) [ أخرجه أبوداود ] ، وفي المقابل حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هجر المسلم لأخيه المسلم ، أخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله  :  (( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال  ؛ يلتقيان ، فيعرض هذا ، ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام  )) [ متفق عليه ] ، ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : ( التحاب في الله )  : لقوله صلى الله عليه وسلم : ((  لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه   )) [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار )) [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله  )) ، ثم ذكر منهم : (( ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه  )) [ متفق عليه ] ، ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : ( خلق الإيثار )  : لقوله تعالى : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [ الحشر : 9 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية ، فهم مني وأنا منهم  )) [ متفق عليه ]  ، ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : ( خلق التعاطف ) ، لقوله تعالى : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [ التوبة : 71 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى  )) [ متفق عليه ] ، ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : ( خلق التعاون )  : لقوله تعالى : {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرَّ وَالتَّقْوَى } [ المائدة : 2 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم قال : (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه  ))  [ أخرجه مسلم ] ، ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : ( خلق التناصر ) : لقوله صلى الله عليه وسلم  قوله : (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً  ، فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً ، أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ ، قال : تحجزه من الظلم فإن ذلك نصره  )) [ رواه البخاري ] ، ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : ( خلق التكافل ) : لقول الله تعالى : { وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } [ سبأ : 39 ] ، وقوله تَعَالَى : {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 272 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } [ البقرة : 273 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أنَّ رَجُلاً سَألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : ((  تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ )) [ متفقٌ عَلَيْهِ ] ، ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : ( البِرُّ ) :  لقوله تعالى { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى }  [ المائدة : 2 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( البِرُّ حسن الخلق )) [ أخرجه مسلم : 2553 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( عليكم بالصِّدق ؛ فإنَّ الصِّدق يهدي إلى البِرِّ .  وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنَّة )) [ متفق عليه ] ، ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : ( حسن الخلق ) ويشمل : التواضع  والتآلف والتودد والبشاشة ، حسن الظن بالمسلمين ، و تعظيم حرمات المسلمين ، و الحرص على المسلمين ، والعفو عن المسيء منهم ، والسَّتْرُ على المذنبين ، لقوله صلى الله عليه وسلم  : ((  إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقاً )) [ متفقٌ عَلَيْهِ ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ )) [ رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ]  ،  وقوله صلى الله عليه وسلم: ((  أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً )) [ أخرجه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ]  ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : ((  يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا )) [ متفقٌ عَلَيْهِ ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا ، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة ، ومن سَتَر على مسلم ، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه )) [ أخرجه مسلم ] ،

[  7  ]  القيم الأخلاقية الإسلامية العالية : إنّ الإسلام قيم أخلاقية عالية تضمن للمجتمع المسلم الفلاح والنجاح والأمن والسلام والمحبة والوئام ، والقيمة الأولى من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم والصبر على أخطائهم ، وهذه القيمة من أبرز القيم الإسلامية التي تحقق للمجتمع تماسكه وأمنه واستقراره ، وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنّة على ترسيخ معاني تلك القيمة ، ومن ذلك : قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النساء : 59 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ] ، وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة ، مبالغة في الأمر بالطاعة ، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة ، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش ، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا ، ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ متفق عليه ] ، وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم ، منها : قوله صلى الله عليه وسلم : ((  خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ، قَالُوا : قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم ] ، يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم ، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الأمر أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد ، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط ، (( لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ )) ، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة  ،  وقوله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم ] ، والحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ما كانوا مسلمين ،  وأخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا : أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا ، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ متفق عليه ] ، والحديث يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، وأخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ : سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ متفق عليه ] ، وهذه الأحاديث المقصد الأساس منها هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ، وأهمها أن تكون في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، ولا يشهر عليه سلاحاً ، ولا يجمع عليه أعواناً ،  والقيمة الثانية من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام : الإحسان إلى الوالدين وبرهم  : لقوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [ النساء : 36 ] ، وقوله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي قال : (( أمك )). قال ثم من قال : )) ثم أمك )) . قال ثم من قال : (( ثم أمك )) . قال ثم من قال (( ثم أبوك ))  [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا ؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ , فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ (( [ متفق عليه ] ، والقيمة الثالثة  من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  الخيرية للأهل [ الأولاد والأزواج ] : لقوله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة ] ،   وقد أمره اللَّه تعالى بقوله : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } [ طه : 132 ] ،  كما أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الناس بذلك بقوله : (( مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِع )) [ أخرجه أحمد ، وأبو داود وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود : إسناده حسن صحيح ] ،  كما خاطب الله تعالى المؤمنين بما خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(  } [ التحريم : 6 ] ، والقيمة الرابعة : من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  صلة الأرحام  :  لقوله تعالى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا } [ الإسراء : 26 ] ، وقوله تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه )) [  متفق عليه ] ،  والقيمة الخامسة من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام : ( الاحسان إلى الجار ) :  لقوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النساء : 36 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )) [  متفق عليه ] ، والقيمة السادسة : من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  ( إكرام الضيف ) :  لقوله صلى الله عليه وسلم قال :  (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) [ متفق عليه ] ، والقيمة السابعة من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  المجتمع الرباني الفاضل الذي تتوفر فيه كل معاني الأخلاق العظيمة من التحاب في الله و التآخي في الله ، والبر ، والإحسان ، والإيثار ، والتعاطف ، والتعاون ، والتناصر ، والتآلف ، والتكافل ، وحسن الظن بعموم المسلمين والعفو عن المسيء منهم ، والستر على العصاة والمذنبين والمقصرين حتى لا تشيع الفاحشة بينهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ )) [ أخرجه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ] ،

[  8  ]  المبادئ الأخلاقية الإسلامية : وأهم تلك المبادئ : العدل ، والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وتلك المبادئ يشملها قول الله تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 89 ، 90 ] ، قرأ الحسن البصري : هذه الآية : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }  ثمَّ وقف فقال : إنَّ الله جمع لكم الخير كلَّه والشَّر كلَّه في آية واحدة، فو الله ما ترك العدل والإحْسَان شيئًا مِن طاعة الله عزَّ وجلَّ إلَّا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي مِن معصية الله شيئًا إلَّا جَمَعه ) [ حلية الأولياء ] ، وأول تلك المبادئ : ( العدل في كل أمر ) ، لقوله تعالى : { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } (الأنعام:152 ) ، وقوله تعالى : { وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [ الحجرات : 9 ] ، وفي الحديث القدسي : (( يا عبادي ؛ إني حرمت الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرماً ، فلا تَظالموا )) [ أخرجه مسلم ] ، والمبدأ الثاني : ( الإحسان إلى كل شيء ) : قال تعالى : { وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقال تعالى : { إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إنّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء )) [ أخرجه مسلم ] ،  و المبدأ الثالث من المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : ( التحلي بمكارم الأخلاق ) ، وأولها :  إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ، ويدخل فيهم الوالدان والأولاد والأهل وذوي القرابة والرحم ، لقوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  } [ النساء : 36 ] ، والمبدأ الرابع من المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : ( النهي عن كل دسائس الأخلاق مما يدخل في عموم الفحشاء والمنكر والبغي ) ، لقوله تعالى : { وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ،

[  9  ]  لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضرب المثل والقدرة الحسنة في حسن الخلق : فلقد أثنى عليه الله تعالى في  القرآن الكريم بقوله تعالى : { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم : 4 ] ، وامتن سبحانه عليه بأن حسن خلقه فجعله ليناً للمؤمنين فقال تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ،  ووصفه سبحانه بالرأفة و الرحمة على المؤمنين و هذا من حسن الخلق فقال عز وجل : { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة : 128 ] ، وحينما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قالت (( كان خلقه القرآن )) ، فلقد صار امتثال القرآن أمراً ونهياً  خلقاً له ، فما أمره به القرآن الكريم فعله و ما نهاه عنه تركه و ما جاء فيه من خلق حسن إلا و اتصف به و ما ذكر له من خلق سيئ إلا ابتعد عنه ،  و كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على حسن الخلق فقد كان يدعو الله أن يهديه لأحسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها و يستعيذ بالله من منكرات الأخلاق و يدعو الله أن يحسن خلقه ، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن على رضي الله عنه ، كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم  : (( اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها ولا يصرف عني سيئها إلا أنت )) [ أخرجه مسلم ] ،  و أثنى الصحابة على حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه عائشة تقول عنه صلى الله عليه وسلم : (( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً و لا متفحشاً ولا صخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة و لكن يعفو ويصفح )) [ أخرجه الترمذي ] ، و تقول رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم : (( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله)) [ أخرجه مسلم ] ، و هذا انس رضي الله عنه يقول : (( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط  وما قال لي لشيء صنعته : لم صنعته ؟ ولا لشيء تركته : لم تركته ؟ و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا شيء ألين من كف رسول الله عليه وسلم ولا شممت مسكاً قط ولا عطراً كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم )) [ متفق عليه ] ،  و هذه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تقول له حينما قال لها لقد خشيت على نفسي تقول (( كلا و الله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الدهر) [ متفق عليه ] ، إذن الأمة في أمس الحاجة إلى التجديد الأخلاقي ، وإلى التمسك بمكارم الأخلاق وعظيم الآداب ، وأحسن الأخلاق ، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الجنة فقال : ( تقوى الله وحسن الخلق ) [ رواه الترمذي وابن ماجة ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق ) [ رواه أبو داود قال الألباني صحيح كما في صحيح الجامع ح 5721 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( أكـــــمل المؤمنين إيماناً أحسنــــهم خلقاً ) ، [ أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/340 ] ،  كما أن النبي صلى الله عليه وسلم حصر دعوته في حسن الخلق ، قال : (( إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ )) [ أخرجه البخاري في الأدب المفرد و الحاكم في المستدرك وقال : صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند ، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ( 45 ) ] ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ] ، وقد تكفل الرسول صلى الله عليه وسلم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ،  قال رسول الله : (( أنا زعيم بيت في أعلى الجـــنة لمن حسن خلقه )) [ أخرجه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح أبي داود  ] ، وأحب الناس وأقربهم إلى رسول الله صاحب الخلق الحسن ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة ، أحاسنكم أخلاقاً )) [ أخرجه الترمذي : برقم 2018 ] ، إن مكارم الأخلاق ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإيمان بالله ولهذا جاء في القرآن الكريم : قوله تعالى في وصف المؤمنين الكاملين : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ المؤمنون : 1 إلى 11 ] ،  وقوله تعالى في بيان معاني البر ( الإيمان ) : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } ، وجاء في السنة النبوية بيان أن المؤمنين يتفاضلون في الايمان ، وأفضلهم فيه احسنهم أخلاقاً ، جاء في الحديث : (( قيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل ايماناً ؟ قال : أحسنهم خلقاً )) [ أخرجه ابن ماجة ] ،  وجاءت الأحاديث تدلل على أن أحسن المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا : فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن من خياركم أحسنكم أخلاقا )) [ متفق عليه ] ، وفي الحديث : (( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له )) [ أخرجه أحمد ، وصححه الألباني في صحيح الجامع : ح ( 7179 ) ] ، فالإيمان لا بدّ أن يورث صاحبه الأخلاق الحسنة على رأسها الأمانة وحفظ العهد ، فمن فقد الأمانة وضيع العهد كان ذلك ايذاناً بخلوه من معاني الإيمان ، وتفريطه في معاني التقوى من الله ، وفي الحديث : (( والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، قيل من يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه )) [ أخرجه البخاري ]  ،  إن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق ، ولا تجديد لأمر الدين إلا بالتجديد الأخلاقي وامتثال أخلاق الإسلام ، ولهذا قال النبي : (( إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ )) [ أخرجه الإمام أحمد ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 45 ) ] ، ونبينا الكريم كان أعظم الخلق خلقا ، ولهذا مدحه الله تعالى بقوله : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ، ولقد تعددت الآيات القرآنيَّة المتعلقة بموضوع الأخلاق ، والدعوة إلى أحسنها والنهي عن سيئها ، ومن ذلك : قوله تعالى : { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا } ، وقوله تعالى : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } ، وقوله تعالى : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ، وقوله تعالى : {  وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا } ، وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } ، وقوله تعالى : {  وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  } ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ } ،  إن حسن الخلق في الإسلام تعدى الإنسان ليشمل الحيوان أيضا كما في الحديث الذي رواه مسلم عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة .  وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح .  وليحد أحدكم شفرته .  وليرح ذبيحته )) ، وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : (( بينما رجل يمشي بطريق ، اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا فنزل فيها ، فشرب ثم خرج ، فإذا كلب يلهث ، يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي ، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ، قالوا : يا رسول الله ، وإن لنا في البهائم أجرا ؟ فقال : في كل ذات كبد رطبة أجر )) ، فحسن الخلق في الإسلام يمتد ليشمل كل الكائنات الحية ولذلك جاءت الأحاديث الصحيحة تدلنا على أنّ الله تعالى غفر لبغى من بنى إسرائيل سقت كلباً يلهث من العطش ، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض [ أخرجه البخاري ] ، لقد بلغ من أهمية جانب الأخلاق في دين الإسلام القيم : أن العبادات ربما تذهب آثارها ويضيع ثوابها بسبب سوء أخلاق أصحابها ،  كما جاء في الحديث : (( قيل للنبي صلى الله عليه و سلم :  إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل ، وتتصدق ، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا خير فيها ، هي من أهل النار .  قالوا : وفلانة تصلي المكتوبة ، و تصدق بأثوار ، ولا تؤذي أحدا؟ فقال رسول الله : هي من أهل الجنة )) [ أخرجه البخاري في الأدب المفرد ] ،  لقد فتح المسلمون الأوائل بحسن أخلاقهم  بلادا لم تفتحها السيوف ، وعجزت عن الوصول إليها الجيوش ، ففتحها المؤمنون بأخلاقهم ، لما رأى الكفار ما هم عليه من مكارم الأخلاق ،

[  10  ]  أهم خصائص النظام الأخلاقي في الإسلام : أنه  يمثل منظومة أخلاقية ربانية متكاملة تسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب القيم والعفة والفضيلة ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على حفظ كل الضرورات اللازمة لحفظ المجتمع ، وتتمثل في حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العرض وحفظ العقل وحفظ المال ، حفظ الدين بحفظ عقائده وشرائعه وأخلاقه العظيمة التي بها زكاة المجتمع ورضا الرحمن ، وحفظ النفس بتحريم كل ظلم يقع على النفس كالقتل والضرب والسب والإهانة ، وحفظ العرض بتحريم الزنا واللواط وكافة الفواحش والرذائل ، وحفظ العقل بتحريم كل مذهب للعقل من مسكر ومخدر ينزل بالإنسان إلى مرتبةٍ أخس من مراتب البهائم ، وحفظ المال بتحريم الربا والميسر ، وتحريم السرقة والغش ووكل صور أكل أموال الناس بالباطل والاحتيال ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على عفة المجتمع وطهارته من الرذائل والفواحش ، وذلك بعفة الفروج عن كافة أنواع الفاحشة ، وتحريم كافة مقدمات الزنا ،  فنص الآية لا يأمر بتحريم الزنا فحسب ، وإنما نهى عن مجرد الاقتراب من مسبباته ، قال تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا } [ الإسراء : 32 ] ،  وعفة اللسان عن القذف ( رمي الغير بالزنا ) وعقوبته الجلد لئلا تعتاد الألسنة على هذا القول البذيء فتألفه ، وفي هذا تلويث للمجتمع وتسهيل لوقوع الفاحشة ، ولهذا كان عقابه غليظاً يتفق مع رعاية الأخلاق الفاضلة التي حرص على الإسلام على ترسيخها في المجتمع ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على سد كل ذريعة إلى الفواحش والرذائل ، ومن ذلك عدم جواز أن تخلو المرأة برجل غير زوجها أو من محارمها ، وإذا خرجت من بيتها فيجب أن يكون لباسها شرعياً ساتراً لجميع البدن - ما عدا كحد أدنى الوجه والكفين - وأن لا يصف ولا يشف ، ومن ذلك الأمر بغض البصر للرجال والنساء على السواء ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على كافة حقوق الإنسان التي تضمن له الكرامة ، ولهذا حرّم الإسلام كل صور انتهاك أي حق من حقوق الإنسان ،حتى حرّم  التجسس والغيبة والنميمة وشهادة الزور وجعلها من الكبائر ، وحرّم جميع صور الإهانة ومنها الضرب والسباب والشتم ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على جعل جميع المعاملات بين البشر  يجب أن تقوم على الصدق والأمانة فلا يجوز الخداع والتضليل والغش والكذب في أية معاملة بين الناس ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على مراعاة مظاهر الأخوة والتواد والتراحم والتعاون والتعاطف بين جميع المسلمين ، كما في قوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه : رواه البخاري ( 6011) ومسلم ( 2586 ) ] ، وهذه المنظومة الاخلاقية شريعة الرحمن ، وهو سبحانه الأعلم بما يُصلح أحوال عباده ، قال تعالى : { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }  ، وقال تعالى : { قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ  } ، وقال تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } ، لقد أجمع الفقهاء على أن الآفات القلبية والأمراض الأخلاقية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر ، وأنه لابد من معالجة هذه الأمراض القلبية والأخلاق السيئة ، إن المنهج الأخلاقي في الإسلام منهج رباني متكامل يقوم على علاج تلك الدسائس والأخلاق الرديئة ، عبر تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من  الأخلاق السيئة ، عملاً بقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَعراف : 33 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَنعام : 151 ] ، وعبر تحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة ، لقوله تعالى : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } ، إن تجديد أمر الدين لا قيام له إلا بالتجديد الأخلاقي ، وامتثال أصول الأخلاق الإسلامية العظيمة ، والتي منها ما يخص المسلم : كالصدق والامانة والعدل والكرم والحكمة والشجاعة والعفة والحياء والحلم والتواضع ، وما يخص المجتمع : من التآخي والتحاب في الله والإيثار والتعاطف وبر الوالدين وصلة الأرحام والاحسان إلى الجار وإكرام الضيف والتكافل الاجتماعي والتعاون والتناصر وحب الله ورسوله ، وما يخص القيم والمبادئ العظيمة ، كالعدل والإحسان ، والتحلي بمكارم الأخلاق والتخلي عن دسائس الأخلاق مما يدخل في معاني الفحشاء والمنكر والبغي ، وما يخص المواقف الأخلاقية الخالدة ،  في محبة الله والثقة بالله والتوكل على الله ، وفي محبة النبي صلى الله عيه وسلم وتعظيم اوامره والاقتداء به في خلقه العظيم ، وفي الثبات على الحق ، وفي الصبر على البلاء ، وفي الرضا بالقضاء ، وفي صدق التآخي في الله عز وجل ، تلك المواقف التي خلدها القرآن الكريم كما في قوله تعالى : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } ، وقوله تعالى : { رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الثاني عشر : علم الفقه العملي لدين الله لمعرفة كيفية العمل من اجل نصرة الدين

[  1  ] : من أهم العلوم التي ينبغي الاهتمام بها في هذا الزمان ، العلم بالجانب العملي في دين الإسلام ، ويتم ذلك  من خلال استيعاب عشر لبنات هي : ( اللبنة الأولى ) : معرفة أهمية وضرورة العمل من أجل دين الله ، و ( اللبنة الثانية ) :  معرفة أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده ، و ( اللبنة الثالثة ) :  معرفة أهم الوسائل الشرعية لتحقيق رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى ، و ( اللبنة الرابعة ) : معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التمكين لدين الله ، و ( اللبنة الخامسة ) :معرفة فقه الواقع الإسلامي المعاصر وفقه الواقع العالمي المرير المحيط بالعمل الإسلامي ، و ( اللبنة السادسة ) : معرفة فقه سنن الله تعالى في النصر والتمكين لدين الله تعالى وتحقيق رسالته العملية ، و ( اللبنة السابعة ) :معرفة ضوابط دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة لتنظيم العلاقة بين الحاكم المسلم والرعية بما يمنع الفتنة ويوحد الصف لنصرة الدين ، و ( اللبنة الثامنة ) : معرفة كيفية  العمل الجماعي الجاد الصحيح للإسلام في ظل الواقع المعاصر ، و ( اللبنة التاسعة ) : معرفة أهم الأعمال الرئيسية الحكيمة للنهوض بأعباء هذا الدين القيم ، و ( اللبنة العاشرة ) معرفة أهم مخططات العمل الإسلامي وخططه المطلوبة للتجديد العملي المنشود ،

[  2  ]  اللبنة الأولى  : معرفة أهمية العمل لنصرة دين الإسلام وتحقيق أهدافه : فالإسلام : رسالة ربانية خالدة جاءت لتنير للبشر حياتهم : { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ  وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ المائدة : 15 ، 16 ] ، وهو منهج رباني قويم جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ليحكم الأرض بشرع الله عز وجل وينظم الحياة فيها وفق مبادئه الحسنه القيمة ، وقد أرسل الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالبينات وبالهدى وبدين الحق وأيده بالقرآن وبالقوة والسلطان من أجل إظهار الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون ، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله عز وجل ليل نهار ويحتسب على دين الإسلام في كل أموره أمرا بكل معروف ، ناهيا عن كل منكر ، مجاهدا في سبيل الله جهادا دفاعيا في بادئ أمر الجهاد لأجل حماية دين الإسلام وأهله ثم جهادا طلبيا من أجل نشر الدين وبسط سلطانه ، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج من الغزوة إلى الغزوة ويرسل السرية تلو السرية ويباشر القتال تلو القتال نصرة لدين الإسلام وتحقيقا لأهدافه ، وقد سار الصحب الكرام رضي الله عنهم على نفس النهج الكريم والهدى القويم للنبي صلى الله علي وسلم فأخلصوا العمل لدين الله أيما إخلاص وضحوا من أجل نصرته والتمكين له بالنفس والمال وكل ما يملكون ، وخلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده الطلبي خير خلافه ، فملئوا الأرض دعوه وحسبه وجهادا طلبيا نصرة وتمكينا لدين الإسلام ، فأظهر الله عز وجل بهم الدين ومكن لهم في الأرض يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويخرجون العباد من عباده العباد إلى عبادة الواحد القهار ومن ظلمة الكفر إلى نور الإسلام ومن جور الأديان المحرفة والملل الباطلة إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، وحمل التابعون وتابعوهم اللواء بعد الصحابة رضي الله عنهم فأكملوا فتوح البلدان ونشر الإسلام حتى وصلت دعوة الإسلام مشارق الأرض ومغاربها ودين الإسلام يزداد تمكينا إلى تمكينه ونصرة إلى نصرته وظهورا إلى ظهوره ، واليوم ما أشد حاجة الدين إلى من يقوم به ويقف على ثغوره ويسعى جاهدا صادقا من اجل إظهار عقائده وشرائعه وأخلاقه ، ومن أجل حماية قيمه ومبادئه  ، ومن أجل نشر رسالته وتحقيق أهدافه ،

[  3  ]  اللبنة الثانية : معرفة أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده : إن أهم أهداف العمل الإسلامي أحد عشر هدفا تتمثل في : ( الهدف الأول ) : أداء أمانة تبليغ هذا الدين إلى الناس كافة ، و ( الهدف الثاني ) : إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة ، و ( الهدف الثالث ) : نشر الدين وهداية العباد ، وإخراجهم به من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ظلم العباد إلى العدل والرحمة والإحسان ، و ( الهدف الرابع ) : حفظ الدين بالحسبة عليه والأمر بمعروفه والنهي عن منكره ، و ( الهدف الخامس ) : إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية ، وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم الدعوي والحسبي و التعليمي والتربوي يهدف دائما إلى إيجاد ذلك المسلم الحقيقي الذي يختلط الإسلام بدمه ولحمة ويرى عزته في التمسك بدينه يعض عليه بالنواجذ ، و ( الهدف السادس ) : تكوين المجتمع المسلم الذي يمتثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا : ذلك المجتمع الذي تقام فيه الأركان والفرائض وتعظم فيه الشرائع وتظهر ثمار التزكية بالتواد والتآخي والتعاون على البر والتقوى والإيثار والحب في الله ، ذلك المجتمع الذي تنتشر فيه فضائل الإسلام من الإيمان والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وتنحسر فيه الفحشاء والمنكر والبغي والفسوق والعصيان ، و ( الهدف السابع ) : بناء الدولة القوية التي تحفظ على المسلمين دينهم وتزود عنه وتحمل لواء الإسلام وتنصره وتحقق أهدافه ، و ( الهدف الثامن ) : نصرة المستضعفين من المسلمين في أنحاء العالم ، وقد خاطبنا الله تعالى بقوله : { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } [ النساء : 75 ] ، و ( الهدف التاسع ) : السعي إلى وحدة المسلمين إقامة الخلافة الراشدة التي تنوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسية الدنيا به ، و ( الهدف العاشر ) : بناء حضارة الإسلام العالمية وإظهاره على الدين كله وإزالة الفتنة من على الأرض والتخلية بين الناس جميعا وبين دين الإسلام لا يقف بينه وبينهم حاجز يمنع وصوله صحيحا إليهم ويمنعهم من قبوله متى شاءوا ، ( الهدف الحادي عشر ) : المحافظة على تلك الأهداف السابقة محققة قائمة يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل ، على أن تحقيق تلك الأهداف الغالية ليس ضربا من الخيال أو حديثا عن المستحيل بل هو كائن لا محالة ، مهما بلغت قوة الأعداء ومهما بلغ ضعف أمة الإسلام وهوانها فمتى رجعت إلى دينها تتمسك به وتعمل جاهدة من أجل نصرته آنذاك يكون لها أياما من أيام الله التي ينزل فيها نصر الله لعباده المؤمنين ،

[  4  ]  اللبنة الثالثة : معرفة أهم الوسائل الشرعية لتحقيق رسالة دين الإسلام العملية  : إن الوسائل الشرعية الصحيحة لتحقيق أهداف رسالة دين الإسلام العملية تتمثل في : الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة ، والبناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم الشرعي الراسخ ، والحسبة على الدين بالأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر ، والإعداد الجهادي لإرهاب أعداء الله وأعداء الإسلام والمسلمين ، والجهاد في سبيل الله من أجل نشر الدين وإظهار أمره وإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله ، والعمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ، ( أولاً ) : الدعوة إلى الله تعالى : هي اشرف رسالة وأعظم قربة إلى الله تعالى فهي عمل الأنبياء ومهمة المرسلين ، وهي أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولولا الدعوة إلى الله لما قام لله على الأرض دين ، ولا انتشر توحيد وإسلام ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغها  إلى الناس كاملة ، والدعـوة إلى الله فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها ، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين ، وذلك لقوله تعالى : { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران: 104] ، ( ثانيا ) : البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم  : ويقصد به تربية المسلم على مبادئ الإسلام العقائدية والشرعية والأخلاقية ، وصبغه بمحتوى رسالة دين الإسلام حتى يتحقق فيه إسلام الوجه لله والمتابعة الحقة لرسول الله عز وجل صلى الله عليه وسلم ، والبناء على الدعوة هو المتمم لأثر الدعوة وهو يقوم على التربية الإسلامية الحقة والتزكية الإسلامية الخالصة والتعليم الشرعي الصحيح الراسخ ، وهذه الأسس الثلاثة جمعتها آية في كتاب الله تعالى وضحت وسائل البناء على الدعوة في منهج النبي صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ، وتكمن أهمية البناء على الدعوة : في انه السبيل إلى إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام (عقيدة وفقها وتزكية وعملا من أجل نصرته ) ، ولذلك فالبناء على الدعوة غاية في الأهمية والضرورة ، وقد كان هو غالب جهد النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى يأمره بالصبر عليه ، قال تعالى {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } ، ( ثالثا ) : الاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أوجب الواجبات وأعظم القربات وابرز صفات المؤمنين ، وفيه مصلحة الأمة ونجاتها وبه يحافظ على الدين نقيا ظاهرا بعقائده وأركانه وشرائعه وأخلاقه وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير حيث تضيع العقائد والأركان وتُهمل الشرائع وتنتهك المحرمات وتنتشر الفواحش والرذائل ، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على كافة الأمم ، والأمة التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستحق اللعن من الله تعالى ، ( رابعاً ) : الاعداد للجهاد في سبيل الله تعالى :  وأحكام ذلك الأعداد -  قدر الاستطاعة -  عملا بقوله تعالى { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } [ الأنفال : 60 ] ، والجهاد في سبيل الله تعالى أعلى الواجبات وذروة سنام الإسلام ، ولا يتم الجهاد إلا بالإعداد له ، والإعداد ينبغي أن يكون بأقصى استطاعة ممكنة وأكبر جهد ممكن ، ( خامساً ) : الجهاد في سبيل الله تعالى بالنفس والمال : إن الجهاد في سبيل الله تعالى بالنفس والمال هو ذروة سنام دين الإسلام وأعلى سهم فيه ، إذ ليس بعد التضحية بالنفس والمال في سبيل نصرة دين الحق والذود عنه أو التمكين له في الأرض عمل ، والمجاهدون في سبيل الله تعالى حملوا على أعناقهم وأكتافهم رسالة تجديد أمر الدين ونصرته وضحوا من أجل ذلك الغالي والثمين وكل ما يملكون من حطام الدنيا الفانية ، ( سادساً ) : العمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ، قال الله تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد ، وقال الله تعالى : { وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[المائدة: 2] ، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة ، وما أحوج الدين إلى تعاون المسلمين على نصرته ،

[  5  ]  اللبنة الرابعة  : معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في التمكين لدين الله : إنّ الأساس الصحيح الذي ينبغي أن ينطلق منه التجديد العملي هو فهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان الرد العلمي يتحتم أن يكون إلى المدارس العلمية المتخصصة ، فإن الرد العملي ينبغي ان يكون إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفق معرفة ثلاثة مباحث مهمة : ( الاول ) : أبرز المراحل العملية التي مر بها عمل النبي صلى الله عليه وسلم لدين الله تعالى ، و( الثاني ) معرفة كيفية الاقتداء بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين لدين الإسلام على الأرض ، و ( الثالث ) معرفة كيفية التوفيق بين الأحكام الشرعية النهائية المحكمة المستقرة وبين التدرج العملي للوصول إلى تحقيق أهداف العمل الإسلامي ، إنّ أبرز المراحل العملية التي مر بها عمل النبي صلى الله عليه وسلم لدين الله تعالى : ثلاث مراحل : [ المرحلة الأولى : مرحلة العمل لدين الإسلام في ظل أحكام الاستضعاف ] ، وقد كانت تلك المرحلة في عمل النبي صلى الله عليه وسلم هي المرحلة المكية ، وأهم ملامح المرحلة الأولى ( مرحلة الاستضعاف )  : ( أ ) نشر مبادئ الدعوة الإسلامية مع الشغف بها والانقطاع إليها بجميع الجهد والطاقة ، ( ب )  الاهتمام بالتربية والبناء على الدعوة ، ( ت ) سلمية الدعوة إلى دين الإسلام ، ( ت ) العلنية في نشر مبادئ الإسلام العقائدية والتشريعية والأخلاقية ، ( ث ) السرية في بناء الجماعة وتكوينها وخططها العملية  ، ( ج ) البحث الدائم عن النصير الذي ينصر الدعوة ويحمي أصحابها ، وأهم ضوابط تلك المرحلة كانت : ( أ ) كف اليد والحرص التام على عدم مواجهة العدوان بالعدوان والانتقام بل الصبر والعفو والصفح حتى يأتي الله بأمره وفتحه وفرجه القريب ، فقد منع المسلمون من استعمال السلاح ولم يؤذن لهم فيه وعند اشتداد البلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يأذن لأصحابه في الهجرة وكان ذلك في الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة ،  (ب) الصبر على الإسلام وتحمل الأذى والبلاء في سبيل ذلك ، ( ت ) عدم الاستعجال في قطف ثمار العمل قبل نضجها  ، وكان ذلك واضحا من رد النبي صلى الله عليه وسلكم على خباب بن الأرت رضي الله عنه حين جاءه وطلب منه الاستنصار للمسلمين ، فكان رده صلى الله عليه وسلم : (( واللهِ لَيُتمَّنَّ هذا الأمرَ ، حتى يسير الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرمَوتٍ، لا يخاف إلا اللهَ، والذئبَ على غنمِه، ولكنكم تستعجِلون ) [ صحيح البخاري ] ، وأهم أولويات تلك المرحلة : ( مرحلة الاستضعاف ) : ( أ ) الاهتمام الكبير بتبليغ دعوة الإسلام ونشرها وهداية الناس إلى دين الحق ، ( ب ) انتشار الدعوة وعدم الجمود بها في مكان واحد أو على وسيلة واحدة بكل وسيلة ممكنة ، ( ت ) الاصطفاء المستمر لرجال الدعوة والتربية والتعليم لأولئك النفر لبناء القاعدة الصلبة المؤمنة  ، ( ث ) الحرص التام على أرواح أولئك الرجال والتفكير المستمر في إنقاذ المستضعفين فهم بكافة الوسائل الممكنة ولو أدى ذلك إلى الهجرة عن مكان الدعوة ، و [ المرحلة الثانية : مرحلة قيام دولة الإسلام والجهاد الدفاعي من أجل تثبيت دعائمها ]  : وتبدأ تلك المرحلة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتمتد إلى صلح الحديبية الذي كان بمثابة الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام ، وتلك المرحلة هي مرحلة بناء دولة الإسلام وتدعيم وتثبيت أركانها وذلك بوحدة الصف وبناء القاعدة الصلبة والتآخي التام مع المسلمين ، وتلك المرحلة هي مرحلة الإذن في رد العدوان بمثله ، وهي مرحلة عقد المعاهدات وفق قدرات الدولة الإسلامية النامية ، وأهم ضوابط المرحلة الثانية : مرحلة بناء الدولة : عدم البدء بالعدوان والإذن فقط في رد العدوان ، وحفظ العهود والمواثيق : فمن نكث فإنما ينكث على نفسه والعاقبة للمتقين ، و [ المرحلة الثالثة : مرحلة العزة والتمكين في الأرض ] : وتبدأ تلك المرحلة من صلح الحديبية إلى آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالدنيا والتحاقه بالرفيق الأعلى وتستمر وتمتد لتشمل عهد الصحابة والتابعين وتابعي التابعين خير قرون الإسلام علما وعملا ، وتلك المرحلة هي مرحة تبليغ الرسالة إلى البشرية جمعاء وهي مرحلة تطبيق الأحكام النهائية لشرع الإسلام وتحقيق الأهداف العامة النهائية لدين الإسلام وهي مرحلة تطبيق مبدأ الجهاد الطلبي وقتال المشركين كافة حتى لا تكون فتنة على وجه الأرض ويكون الدين كله لله فيخضع الكل لسلطان الإسلام إما بالدخول في دين الإسلام أو بالجزية عن يد وهم صاغرون ، وأهم ملامح مرحلة التمكين: ( 1 ) الدعوة العالمية العامة إلى دين الإسلام ومراسلة الملوك والأفراد بذلك ، ( 2 ) قتال المشركين كافة حتى يشهدوا بالشهادتين ويدخلوا في دين الإسلام يعملون بشرائعه ، ( 3 ) دعوة اهل الكتاب وفي شبهة كتاب إلى الإسلام أو الجزية أو القتال حتى يفتح الله بالنصر المبين ، ( 4 ) التمكين لدين الإسلام في الأرض وبسط سلطانه عليها بإقامة شرعه وحفظ عقيدته ونشرها وتحقيق أهدافه ، وازال كل طاغوت من على وجه الأرض وتعبيدها لخالقها جل وعلا ، وبعد : فهذا هو المنهج العملي للنبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الإسلام في الأرض وإظهاره على الدين كله وتحقيق أهدافه جميعا على الأرض ، وهذا المنهج ينبغي للعاملين لدين الإسلام أن يجعلوه دليل عملهم ونبراس طريقهم وهم سائرون نحو تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ، ولعل ابرز سمات هذا المنهج : ( 1 )  التدرج العملي بما يتوافق مع إمكانيات الجماعة المؤمنة وقدراتها المعنوية والمادية ، ( 2 )  الأخذ التام بأسباب التغيير والنصر والتمكين والنجاح والغلبة والفلاح ، إلا انه يبقى تعقيب هام على منهج النبي صلى الله عليه وسلم يتناول : [ كيفية الاقتداء – اليوم - بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين للإسلام على الأرض ]  : إنّ العمل الإسلامي الناجح اليوم ينبغي أن يعرف القائمون عليه أين وضع ذلك العمل من مراحل عمل النبي صلى الله علي وسلم ثم يعملوا جاهدين على أن يعملوا جاهدين على ان يتأسوا بملامح وقواعد وضوابط تلك المرحلة قدر المستطاع وبما يلائم الواقع ولا يعارض الشرع المحكم ، وأي تعسف في العمل الإسلامي بما لا يراعي منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين لدين الإسلام في الأرض سيؤدي إلى الاصطدام بالسنن الكونية وسيعرض العمل كله للفشل وحتما لا يصل العمل إلى تحقيق وسيعرض العمل كله للفشل وحتما لا يصل العمل إلى تحقيق الأهداف المرجوة منه على أكمل وجه ، إنّ المذاهب الفقهية الاربعة المعتمدة لدى أهل السنّة والجماعة ، جميعها تنظر إلى مقاصد الشرع ، وتعمل بالمصلحة ، إما دليلاً مستقلاً كالمالكية ، أو ضمن الأدلة المتفق عليها كالقياس أو إرجاعها لمقصود الشارع الذي يدلّ عليه الكتاب والسنة والإجماع ، بشرط أن لا تنافي أصلا من أصول الشرع الثابتة ، ولا تعارض دليلا من أدلته القطعية ، ولهذا يصبح من اليسير على أهل الفقه في الدين أن يوفقوا بين الأحكام الشرعية النهائية المحكمة المستقرة وبين التدرج العملي للوصول إلى تحقيق أهداف العمل الإسلامي ،  والناظر بعلم وفقه ووعي وتؤده إلى الأحكام الشرعية النهائية المستقرة يجد أن لها شروطها التي لا بد وأن تستكمل قبل البدء فيها ، ويجد لها ظروفا وأوضاعا لا بد وان تهيئ للقيام الصحيح بتلك الأعمال وللتطبيق السليم لتلك الأحكام ،

[  6  ]  اللبنة الخامسة : معرفة فقه الواقع الإسلامي المعاصر وفقه الواقع العالمي المرير المحيط بالعمل الإسلامي : وهو يتكون من شقين ( فهم الواقع ) و ( كيفية إصلاح الواقع ) ، فالشق الأول : معرفة واقع الأمة الإسلامية المعاصر :  ويشمل المعرفة الدقيقة والفهم العميق للواقع الإسلامي المعاصر ، ومقارنته بغيره من واقع الأمم من حيث القوة والضعف ، ويتناول معرفة أعدائه الحقيقيين ، وما يكيدون له من مكائد وما يدبرون له من خطط ، ومعرفة أشد الناس له عداوة ، وأقربهم إليه مودة ، ومعرفة القوى الحقيقية المهيمنة على الوضع العالمي ، ومعرفة مخططاتها الخبيثة لحرب الإسلام والمسلمين ، ومعرفة ما عندها من إمكانات لتحقيق مخططاتها ، ( الجانب الثاني ) : معرفة الطريق إلى تغيير الواقع الإسلامي من الاستضعاف إلى التمكين : ويتناول معرفة السبل المشروعة لحماية الأمة من أعدائها ، وإفشال مخططاتهم ، ومن ثم تفوقها عليهم والسير قدما نحو تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية العالمية على أرض الله تعالى وبين عباده ،

[  7  ]  اللبنة السادسة  : فقه سنن الله تعالى في النصر والتمكين لدين الله تعالى وتحقيق رسالته العملية : ومن أهم تلك السنن : سنن التغيير وسنن الفلاح والغلبة وسنن النصر والتمكين وسنة الابتلاء والتمحيص وسنة المواجهة بين جند الحق وبين جند الباطل وضرورة الإعداد لها وسنة الصبر وثمرته وسنة الله في المنافقين والمشككين ، وتكمن أهمية تلك السنن: في أن التاريخ يتبدل والشعوب تتبدل والدول تتبدل ولا تدوم على حال ، إلا أن سنن الله عز وعلا في كونه وفي خلقه لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير ،  قال تعالى :{ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } [فاطر: 43] ،  ولذلك فمن أهم ما أراه لازما للعمل الإسلامي اليوم هو دراسة تلك السنن حتى يتعامل معها الصف الإسلامي العامل للإسلام على بصيرة وعلى دراية وعلى علم تام بها ، والعارف لتلك السنن ولا يعاندها لأنها غلابة لا تتحول ولا تتبدل فيكون عمله لدين الإسلام في تقدم مستمر وفي طريقه نحو تحقيق أهدافه ، ومن تلك السنن ( سنة التغيير ) : فقد قضت سنة الله تعالى أنه سبحانه لا يغير حال قوم حتى يغيروا هم من حالهم سواء من الحال الحسن إلى الحال السيئ أو من الحال السيئ إلى الحال الحسن ، قال تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأنفال -53] ، وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وإذا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } [الرعد: 11] ومن تلك الآيات نستخرج : أن الله عز وجل لا يغير حال قوم من الضعف والذلة والهوان إلى حال العزة والقوة والتمكين حتى يبدأ هؤلاء القوم بإرادة ذلك التغيير والله جل وعلا يعين ذلك المجتمع على تغيير حاله ، وسنة التغيير سنة جماعية تنطبق على المجتمعات والدول وليس على الأفراد كأفراد ، لأن التعبير القرآني جاء بلفظ ( قوم ) ليدل على أن سنة التغيير سنة جماعية تعمل على المجموع لا الأفراد ، فلابد وأن تكون أغلبية هذا المجتمع أو نسبة مؤثرة فيه على الأقل تريد هذا التغيير وتعمل على أسبابه فتتحقق سنة الله تعالى في التغيير آنذاك ، كما أنّ سنة التغيير تتعارض مع فكر التغيير من القمة  ، فلابد من التغيير على القاعدة بالدعوة والبناء ، حتى تستحق المجتمعات سنة التغيير ، إن العاملين للإسلام عليهم أن يوحدوا قلوبهم على المحبة والتآلف ، وأن يوجهوا جهودهم نحو الدعوة ونحو هداية المسلمين إلى ربهم وإلى دينهم وإلى هدي نبيهم ، وعندما ينصلح حال الغالب من عامة المسلمين وتبدوا علامات الصلاح على المجتمعات المسلمة آنذاك ننتظر سنة التغيير  ، ولكي نستحق سنة التغيير يجب علينا : أن نوحد كلمتنا وأن نوحد صفنا وأن نتعاون على البر والتقوى وندع العداوة والبغضاء والتناحر والتنازع ، وأن يكون ولاءنا العام لدين الله ، وأن نغير ما بأنفسنا نحن في البداية فننزع منها حب الدنيا وحب الزعامات والظهور والإعجاب بالرأي وأن نداوي بذور الشقاق والخلاف وندع غمط الآخرين ، وأن نكون كما قال ربنا تبارك وتعالى : { أذلة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أعزة عَلَى الْكَافِرِينَ ..} [ المائدة : 54 ] ، وأن توجه الطاقات جميعها نحو المجتمعات ندعوها إلى المولى جل وعلا وإلى الدعوة إلى ديننا الذي أعزنا الله به ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ، ندعوها باللين والرفق والحنو والموعظة الحسنة والحكمة والحوار البناء الممزوج بالشفقة والرحمة والرأفة على المؤمنين والمسلمين ، وعندما تظهر بوادر الفلاح على العاملين للإسلام وعلى المجتمعات المسلمة أنداك سيتغير حالنا ويتبدل حالنا إلى أحسن حال ، كما قال الله تعالى :{ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }[القصص: 5] ، وقبل ذلك فأمل التغيير سراب ليس له حقيقة ولا تحقيق  ، ومن تلك السنن : ( سنن الفلاح والغلبة ) : فقد قضت سنة الله جل وعلا أن حزبه هو الغالبون المفلحون ، قال تعالى: { فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] ، وقال تعالى:{ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] ، وقال تعالى:{ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173] ،  وقد وضح القران الكريم في موضعين في سورة المجادلة وسورة المائدة صفات حزب الله ومتى اتصف العاملون للإسلام بتلك الصفات فقد ضمن المولى تعالى لهم الغلبة والتمكين في الأرض ، ومن تلك السنن : (  سنن النصر والتمكين ) : قضت سنة الله عز وجل أن ينصر من نصره وأن ينصر الصابرين لدينه وان ينصر المجاهدين المخلصين العاملين من أجل نصرة دينه ، وقضت سنة الله أن يمكن في الأرض للمؤمنين الصالحين الذين ارتضى الله عز وجل وعلا دينهم ولأولئك الآخذين بأسباب النصر والتمكين المعنوية والمادية وأولئك المحسنين ،  قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] ،  وقال تعالى: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّأهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور } [الأنبياء: 40-41] ومن تتبع آيات القرآن عرف شروط النصر والتمكين ،

[  8  ]  اللبنة السابعة : العمل الجماعي الجاد الصحيح من أجل تجديد أمر الدين في ظل الواقع المعاصر : لكي يستقيم العمل الجماعي الإسلامي ويسلم من التناقض والتضاد والاختلاف والقصور وحتى يصبح عملا جماعيا صحيحا شاملا لشتى مناحي العمل الإسلامي في توازن واعتدال يعطي كل عمل قدره الشرعي والعملي اللازم له ، وحتى يكافئ العمل الجماعي الإسلامي ما يكيده له أعداء الإسلام ، وحتى يكون قادرا على مواجهة مخططات الأعداء التي تهدف إلى إبادة الإسلام وأهله قال تعالى:{ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا..} [البقرة : 217] ، وحتى يسير العمل الجماعي الإسلامي بخطى صحيحة ثابتة وراسخة نحو تحقيق أهداف الدين من نشره وبسط سلطانه وإظهاره على الدين كله ، من أجل ذلك ينبغي للعمل الجماعي أن يسير وفق قواعد صحيحة تنظمه وتؤهله لأن يكون جديرا بتحقيق أهدافه ، وأهم تلك الضوابط والقواعد : ( 1 ) مشروعية العمل الجماعي الإسلامي : لقوله تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد ، وقال الله تعالى : { وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[المائدة: 2] ، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة ، ( 2 ) وجوب العمل الجماعي في عصرنا الحالي : لأن القاعدة الأصولية تقرر انه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، والعمل الجماعي الإسلامي واجب في عصرنا الحالي لأسباب عدة منها : غربة الدين وضياع الكثير من فرائضه وغياب الكثير من أهدافه ، والمكائد العالمية على الإسلام وأهله من أعداء الإسلام ، ( 3 ) وجوب الالتزام بالسياسة الشرعية الرصينة فيما يخص احترام صلاحيات الحكام المسلمين : وذلك حتى يتفرغ كل من الحاكم والمحكوم لأداء مهامه ، دونما غلو أو تفريط ، وفتح صفحة جديدة بيضاء تمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ،  كل ذلك مع وجود العمل الجاد ليل نهار من أجل نصرة الدين ، وذلك : بالدعوة والبناء عليها تعليما وتربية وتزكية ، وبالحسبة على الدين ، ( 3 ) ضرورة تضافر كافة الجهود الإسلامية والتنسيق التام بين كافة القائمين علي العمل الإسلامي : وذلك لان التغيير الإسلامي المنشود وتحقيق أهداف العمل الإسلامي في وسط تلك التحديات الرهيبة ، لاشك أن ذلك كله أكبر من أن تقوم به فئة محدودة أو طائفة معينة من العاملين لدين الإسلام ، بل هو يستلزم تضافر كافة الجهود والقوى الإسلامية في تنسيق كامل وتوافق كبير من أجل مواجهة التحديات ، ( 4 ) ضرورة وأهمية التخطيط المسبق والمتقن لحاضر ومستقبل العمل الجماعي ،  وبدون هذا التخطيط الواعي الفاهم لواقع لحاضر العمل الإسلامي وواقعه وإمكانياته وما يدبره له أعداؤه والمتربصين به يؤول العمل إلى الفوضى والارتجال والتضاد والفشل وذهاب القوة والأثر ، وينبغي أن يشتمل التخطيط على وضع مناهج عملية وخطط متقنة واضحة المعالم واضحة المراحل تسير نحو تحقيق أهداف العمل الجماعي الإسلامي بخطى صحيحة ثابتة راسخة ، (  5 ) ضرورة وأهمية شمول العمل الجماعي الإسلامي وتكامله : العمل الجماعي الإسلامي ينبغي أن يكون شاملا بشمول المنهج الإسلامي تتوزع فيه الطاقات والجهود لتغطية كل جانب وسد كل ثغر من ثغور العمل الإسلامي وذلك حتى يكون البناء في كل موقع فلا يحدث قصور في العمل الجماعي الإسلامي في الجانب التعليمي وفي الجانب الثقافي وفي الجانب التربوي وفي الجانب الدعوي وفي الجانب الإعلامي وفي الجانب السياسي وفي الجانب الاجتماعي وفي الجانب الاقتصادي وغيرها من جوانب العمل الجماعي الإسلامي ، وينبغي أن يكون العمل الجماعي متكاملا يكمل بعضه بعضا في خدمة تحقيق الأهداف العامة للعمل الجماعي الإسلامي وفي إطاره العام الصحيح الذي يوجه جزئيات العمل واختصاصاته المتنوعة نحو خدمة الهدف المنشود ، ( 6 ) أهمية وضرورة مراعاة الأولويات بين جوانب العمل الإسلامي : وذلك بإعطاء كل جانب من جوانب العمل الإسلامي قدره اللازم له من الاهتمام من غير إفراط ولا تفريط ، مع مراعاة الأولويات التي جاء بها الشرع وآثرها على غيرها لأهميتها ، فأولى الجوانب جانب الدعوة ، وجانب البناء على الدعوة بالتعليم والتزكية لحاجة الصف الإسلامي إليه ، ( 7 ) ضرورة التزام العمل الجماعي الإسلامي التام بالشرع الحنيف ، إما المسايرة والمداهنة والتنازل عن بعض ما انزل الله بغية كسب أهل الباطل أو الالتقاء معهم في منتصف الطريق فكل ذلك لا يجوز ، وهو من أعمال أهل الدنيا وأهل الزيغ والباطل ، قال تعالى :{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [ الحجر : 94 ، 95 ] ، وقال تعالى:{ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إليهمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إذا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } [الإسراء: 74-75] ن قال تعالى : { وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [ المائدة :  49 ] ، قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [ القلم : 9 ] ، وانطلاقا من هذا المبدأ العظيم : يلزم العمل الجماعي الإسلامي الجهر بالحق ولو كان مراً والعمل بالشرع ولو كان صعباً ، قال تعالى :{ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أحدا إِلَّا اللَّهَ } [الأحزاب: 39] ، فلا مصلحة للعمل إلا الالتزام الشرع ، والنتائج إلى الله تعالى ، وإن عدم التمسك بهذا المبدأ يؤول بالعمل الجماعي الإسلامي إلى التفريط والتميع والتنازع والفشل وذهاب الريح والقوة والأثر ، ( 8 ) ضرورة الرد عند الاختلاف إلى الكتاب والسنة بفهم المتخصصين في العلم الشرعي ، فإذا كان الاختلاف في العقيدة رد الأمر إلى مدارس أهل السنّة المتخصصة في العقيدة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) لأنّهم الأعلم بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنّة في العقيدة ، وإن كان الخلاف في الفقه رد الأمر إلى مدارس أهل السنّة المتخصصة في الفقه ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) لأنّهم الأعلم بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنّة في الفقه ، وهكذا ، فالرد لا يكون لكل المسلمين وإلا ٌ لكان الامر فوضى وقال الناس في دين الله بغير علم ولكن الرد يكون لأولي العلم المتخصصين القادرين على الاستدلال والاستنباط ، وليس هناك أدق من مدارس علمية متخصصة تخرج من خلالها آلاف العلماء المجتهدين الراسخين في العلم ، ( 9 ) ضرورة وأهمية تأهيل القائمين على العمل الجماعي الإسلامي للقيام بأعباء الإصلاح والتجديد : وذلك بوراثة العلم الشرعي الصحيح الراسخ ، ووراثة التزكية الربانية الصادقة التي تجعلهم في إطار معية الله ونصرة الله ورضا الله تعالى ، ووراثة العمل الصحيح الجاد الناجح الملائم للواقع والقدر على النهوض بالعمل الإسلامي والسير به نحو تحقيق أهدافه  ، ( 10 ) ضرورة الاستفادة من المناهج العلمية والعملية وفي التجارب والخبرات السابقة والحالية في مجال الجماعي الإسلامي : وأقصد بذلك دراسة تلك المناهج والتجارب دراسة نقد وتمحيص والاستفادة منها قدر الإمكان وذلك باعتماد التجارب الصحيحة الناجحة وتجنب الوقوع في الأخطاء مرة أخرى ،

[  9  ]  اللبنة الثامنة : ضوابط دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة لتنظيم العلاقة بين الحاكم المسلم والرعية ، بما يمنع الفتنة ويوحد الجهد نحو نصرة الدين : إنّ مسألة العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والمحكوم في بلاد المسلمين هي من أشد المسائل التي بسبب الخطأ فيها استحلت محارم ما كان ينبغي لها أن تستحل ، وهي مسألة دقيقة تحتاج إلى فقه عظيم بدين الله تعالى ، لأنها من أشد مسائل الفقه إشكالاً على طلاب العلم حتى إنه لم يسلم من الخطأ فيها بالغلو أو التفريط الكثير ممن ينتسب إلى العلم ،  وهي مسألة دقيقة تؤثر كثيراً على عمل الدعاة والمحتسبين والمجاهدين وعلى كافة التيارات الإسلامية العاملة في مجال النهوض بالإسلام بسبب موقعها الحساس والمتعلق بالأنظمة الحاكمة لديار المسلمين شداً وجذباً ، وإنّ حاجة جميع المهتمين بالإسلام علماً وعملاً في هذه الأزمان شديدة إلى العلم الصحيح بتأصيل تلك المسألة وذلك من أجل تصحيح جميع المسارات الدعوية والتعليمية والتربوية والحسبية والجهادية العاملة لدين الله ، وأرى أنّ هذه المسألة من مسائل الفقه السياسي الإسلامي  قد باتت من أشد مجالات الفقه الإسلامي في حاجة إلى بيان القواعد الشرعية الصحيحة التي تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ،   وقد تناولت تفصيل تلك القواعد في العلم السابع :  علم السياسة الشرعية على منهاج علماء اهل السنة ،

[  10  ]  اللبنة التاسعة : معرفة أهم الأعمال الرئيسية الحكيمة للنهوض بأعباء هذا الدين القيم  : ومن أهم تلك الأعمال : توافق وتكامل العاملين للإسلام على منهاج تجديدي صحيح واسع يحترم المرجعية المذهبية العلمية التي تأصلت على مر العصور لأهل السنة والجماعة ، ويحترم التخصص العلمي المذهبي الإسلامي ، في العقيدة وفي الفقه وفي السلوك ، وتوافق وتكامل الصف الاسلامي على قيادة جماعية متفهمة متآلفة متكاملة تضرب المثال الأوفى في الذلة على المؤمنين والرحمة فيما بينهم ، وتقوم تلك القيادة التنظيمية على مبادئ الشورى واحترام الآراء وتفهم وجهات النظر ، وتحرص على تنظيم العمل الإسلامي ، وتوزيع أدواره ، وتحرص على تكامل الجهود والأعمال ، ومن ثم يبدأ الاعداد الصادق للدعوة إلى الله  والبناء على الدعوة والحسبة على الدين لإيجاد صحوة إسلامية حقيقية راسخة , وبناء لبنات المجتمع الاسلامي الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا ، وبناء جيل النصر والتمكين , ذلك الجيل الذي يقع على عاتقه تجديد أمر الدين وتحقق أهدافه ،

[  11  ]  اللبنة العاشرة : معرفة أهم شروط العمل التجديدي المنشود  : من أهم شروط ذلك العمل : أن تتضح فيه الغاية والأهداف والوسائل نحو تحقيق تلك الأهداف وضوحا بينا لا التباس فيه ، وأن يكون واقعيا  يواجه الواقع بالوسائل المدروسة المكافئة وفق الإمكانات ، وأن يحتوي على قدر كبير من المرونة العملية الصحيحة شرعا التي تتأسى بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم في مقابلة المصاعب والازمات، وأن يحتوي على قدر كبير من التنظيم والتخطيط البعيد النظر لمستقبل العمل الإسلامي ، وان يكون له الاطار العام الدائم وله الخطط المرحلية والمستمرة ، وأن يأخذ لكل شيء سببا ، وأن تكون خطط هذا العمل واضحة المعالم : بحيث يكون العاملون لدين الإسلام على بينة من أمرهم ووضوح من أهدافهم ووسائلهم نحو تحقيق تلك الأهداف وذلك حتى يسير العمل الإسلامي بهم مستقرا ثابتا واضحا لا تداخل في قراراته ولا التباس في مواقفه ولا شبهة في احكامه واعماله ، وان تتميز خططه بالصحة والسلامة الشرعية ، فلا تعطل حكما شرعيا توافرت شروط تحقيقه ، ولا تعارض حكما شرعيا او تناقضه في كل مراحلها العملية ، فليس على اهل الإسلام سوى تحري الصواب الشرعي في إطار الفقه العملي ، وتحقيق النتائج إنما مرده إلى الله تعالى ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ،

[  12  ]  العمل الإسلامي المعاصر القائم على ثغور الإسلام : عدة هيئات وجماعات واتجاهات إسلامية حملت لواء أهل السنة والجماعة الناجية ، وهذه الجماعات قامت لتحقيق واجب عظيم هو إعلاء كلمة الاسلام حتى يكون الدين لله ، وليس معنى ذلك أن ما تتبناه هذه الجماعات من آراء وتصورات كله صحيح ، فليست لها العصمة في الدين ، وإنّما توجد لها سلبيات كما توجد لها إيجابيات ،  والواجب عليها تنمية الإيجابيات والتراجع عن الأخطاء والسلبيات ، ويجب عليهم جميعا التعاون والتحاب والتناصح والولاء العام للإسلام ، عملاً بقوله تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } وقوله تعالى { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } ، وأبرز تلك الهيئات : ((  أ  )) المؤسسات الدينية الرسمية : وهي موجودة في كافة بلاد الإسلام ، وأهلها هم القائمون على ثغور الدين ، وهؤلاء إذا كان العمل الإسلامي في حق غيرهم فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين ، فإنّه في حق هؤلاء فرض عين ، تعين عليهم في إطار أعمالهم وتخصصاتهم الانتصاب لبيان الحق وتبليغ رسالة الإسلام متمثلين قول الله تعالى : { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا  } [ الأحزاب : 39 ] ، وهؤلاء مسؤوليتهم عن الدين جسيمة ، لأنّهم أول من يُحاسب على حال الدين وحال المسلمين ، فإن صلحوا صلحت بهم شعوب المسلمين وبلدانهم وأوطانهم ، وإن فسدوا فسد بهم المجتمع وضاعت عُرى الدين ، وهؤلاء لهم حقوق عظيمة على أهل الإسلام وعليهم في المقابل واجبات جسيمة تنوء بحملها الجبال ، فهم الناطقون باسم الدين ، وهم الذين يفزع إليهم المسلمون عند الملمات يطلبون حكم الدين ، وهم الذين توقيرهم من توقير الدين وتعظيم أمرهم من تعظيم شعائر الدين ،  أما واجباتهم فهي جسيمة ومسؤولياتهم عظيمة ، وأهمها تبليغ الدين كاملاً دون خفاء ولا كتمان ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ  تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الـرَّحِيمُ } [ البقرة : 159 ، 160 ] ، ومن أهم واجباتهم تربية الأمة على الأخلاق والتزكية الربانية الكريمة ، قال تعالى : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } [ آل عمران : 79 ] ، وأهم الإرشادات المتعلقة بتصحيح مسار المؤسسات الدينية الرسمية : تتمثل في : ( أولا ) : تصحيح المسار العلمي ، وذلك باحترام مدارس العلم المنتسبة إلى أهل السنّة والجماعة والمتخصصة في أبواب العلم والتي تلقاها علماء الأمة من أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام ، وتتمثل في المدارس الثلاث في العقيدة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، والمدارس الأربعة في الفقه ( الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ) ، والمدارس السنّية المعروفة في التزكية ، فإن البديل المطروح هو الحشو ، و ( ثانيا ) تصحيح المسار العملي : وذلك  بالتفاني في نشر العلم الشرعي الذي غدا أهم ما تحتاج إليه شعوب المسلمين ، وتحمل أمانة الدين وتجديد أمره ، قال تعالى : { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } [ الأحزاب : 39 ] ، ((  ب  )) الاخوان المسلمون :  أكبر جماعة إسلامية قائمة على ثغور العمل الإسلامي , أسسها الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله ، كان ولا يزال لها فضل كبير في إعادة الناس إلى فهم دين الاسلام بشموله وسعته والعمل له بشمول وسعة أيضا ، من أهم أهدافهم : إصلاح الفرد المسلم ، وتكوين البيت المسلم ، وإرشاد المجتمع المسلم ، وإعادة الكيان الدولي للأمة الاسلامية ، واستاذية العالم بنشر دعوة الاسلام في ربوعه ، وأهم وسائلها من أجل تحقيق تلك الأهداف : الايمان العميق بدعوة الاسلام ، ثم التكوين الدقيق باستخلاص العناصر الصالحة لحمل الدعوة وتحمل أعباء الجهاد ، ثم العمل المتواصل من أجل تحقيق تلك الأهداف السابقة الذكر ، وأركان الدعوة عند الإخوان ثلاثة : العلم والتربية والجهاد ، فالعلم يتناول جوانب الثقافة الاسلامية والعلوم الاسلامية ، ولتحقيقه اعتمدت نظام الحلقات العامة والحلقات الخاصة للتعليم ، والتربية لتحقيق المقصود في العمل الاسلامي وهو الإخلاص وإرادة وجه الله تعالى وحده ثم تربية المسلم على الالتزام بضوابط العمل الجماعي وعضويته داخل الجماعة ، ولتحقيقه اعتمدت الجماعة نظام أسر التكوين ، والجهاد ضروري لتحقيق أهداف الدعوة والعمل الاسلامي ، ولتحقيقه اعتمدت الجماعة نظام أسر العمل وفيها يتحقق الجهاد السياسي والجهاد المالي والجهاد التعليمي والجهاد اللساني والجهاد باليد ، وأهم الإرشادات المتعلقة بتصحيح مسار جماعة الإخوان المسلمين : ( أولا ) : تطهير مناهج الإخوان مما تسرب إليها من مفردات الحشو العلمي ، بمعنى العودة إلى احترام التخصص العلمي ، والمذهبية التي أكرم الله تعالى بها أهل السنة والجماعة في باب العقيدة والفقه والتزكية ، فلا مناص من اعتماد المذهبية العلمية لتطهير المناهج من الانحراف الحاصل بسبب الميل إلى مناهج أهل الحشو والغلو في التكفير واتهام الأمة الإسلامية بالشرك والتبديع ،  لأنه قد تسرب تيار حشوي تكفيري إلى بعض مواقع القرار لدى الجماعة أدى إلى ظهور خلل علمي يأخذ بالجماعة بعيدا عن المنهجية المذهبية لدى أهل السنة والجماعة وتخصصاتها العقدية والفقهية والتزكوية المعروفة ، والميل بها ناحية الحشوية المعاصرة التي تتبنى الحشو العقدي على حساب التقديس والحشو الفقهي على حساب المذاهب الفقهية المؤصلة والحشو الأخلاقي على حساب مدارسه المعروفة ، إنّ التميع العلمي ومجاملة أهل الضوضاء والشغب على حساب أهل التخصص والفضل لا يجوز في دين الله تعالى ولا ينبغي ، وهذا من أهم أسباب تأخر التوفيق والنجاح ، ( ثانيا ) تبني المنهج الشرعي الصحيح في باب السياسة الشرعية والتعامل مع الانظمة الحاكمة ، والخروج من الدائرة المفرغة التي يدورون فيها بسبب عدم تبني الموقف الشرعي الصحيح الحكيم في التعامل مع تلك الانظمة ، ومتى استطاع الإخوان العودة إلى المذهبية العلمية ، والشجاعة الذاتية في إعادة صياغة الموقف السياسي الشرعي الصحيح من الأنظمة الحاكمة ، فسيكونون أقرب العاملين للإسلام إلى خدمة الإسلام وأقدرهم على حمل لواء تجديد امره وتحقيق أهدافه ،  ((  ت  )) الاتجاه السلفي  :  السلفية المعاصرة فريقان : الفريق الأول أثري على العين والرأس ينتمي إلى المدرسة الأثرية التي تعلم من قواعد التقديس ما تفوض به علم المتشابه إلى الله وهي على وفاق مع بقية مدارس التخصص العقدي ( الأشاعرة والماتريدية ) ، وهؤلاء هم الواقفون على ثغر التمسك بالكتاب والسنّة ، يجتهدون في نشر علوم الكتاب والسنة ، والدعوة إلى التوحيد الصافي ، والفريق الثاني أهل حشو وتجسيم ، وهؤلاء ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا على منهج أهل السنّة والجماعة الناجية ،  وأهم علاماتهم : الوقيعة في مذاهب أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة والفقه والتزكية ، وأهم أخطاء هؤلاء والتي يجب علاجها من أجل التصحيح : ( 1 ) الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في الحشو على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ، ( 2 ) الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة ، بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والذهول عن ضابط العبادة الذي يجعل صرفها لله تعالى توحيد وصرفها لغير الله تعالى شرك أكبر ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، حيث زعموا أنهم على شرك اعظم من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظرة إلى تاريخ ابن غنام وغيره ممن أرخ لتلك الفترة نعرف مدى صحة ذلك ، ( 3 ) الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا ، والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج ، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، وأدى ذلك إلى جواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرين ، وتحويلهم إلى أشلاء ، وما أدبيات السلفيات القتالية والجهادية عن ذلك ببعيد ، ( 4 ) الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة ، في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب أهل الحشو في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، ( 5 ) غلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ، ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل ، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله ، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج ، ( 6 ) إهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد المستمدة من ادلة الكتاب والسنة ، ( 7 ) عدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة ، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه ، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في وصف الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، وذلك في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، ( 8 ) الذهول عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة - وهم أهل السلف الحقيقيون - بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم ، ( 9 ) بعث بعض مفردات مذهب الحشوية والخطأ بنسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعله بديل لكافة التخصصات العلمية ، ومن ثم بعث بعض كتب الحشوية والمجسمة من جديد وإعادة طباعتها على أنها تمثل مذهب السلف والأثر ، وهم منها براء  ، ( 10 ) الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة  ، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق ، ( 11 ) إهمال مناهج التربية والتزكية ، ومن ثم كانت النفسية التي تتسم بالغلظة والقسوة وغمط طوائف أهل السنّة والجماعة الأخرى واحتقارهم وتبديعهم والجفاء عند معاملتهم ، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا ، ( 12 ) شن الحروب التي لا داعي لها - بين الحين والآخر - على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، فأيهما أجدى البناء على ما بناه أولئك الاكابر فيرتفع البناء عاليا ، أم هدمه والتشكيك فيه ، مع استحالة إتقان ما أتقنوه ، واستيعاب ما استوعبوه ، وبناء ما بنوه ، ( 13 ) شن الحروب على التصوف برمته ، صالحه وطالحه ، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين وبين الأدعياء ، مع أنه قد مرت عصور كاملة ، وقرون تامة ، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية ، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله ، فهل جميع أولئك على ضلالة ، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك ، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية ، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة ،  ( 14 ) أمر خطير يمثل خطرا على صفاء منهاج السلفية ، ألا وهو اعتماد كلام ابن تيمية وكأنه المتحدث الملهم عن كافة طوائف أهل السنة والجماعة ، واختزال آراء من خالفوه في كثير من المسائل ، وكانوا وقتها يمثلون جمهور أمة الإسلام بمن فيهم الحنابلة ، فقد خالفوه في مسائل عديدة ، أخطأ فيها بسبب تسرب مفردات الحشو إلى أفكاره ،  ( 15 ) الخطأ العلمي القائم على احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط ، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي ، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء الإمام ابن تيمية ، وآراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب المؤسس الثاني لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر ، هذه الآراء التي تبين بيقين  عدم تمثيلها لمذهب السلف ، ( 16 ) الخطأ والخطر في تقديم مؤسسة واحدة ( السلفية بمفرداتها التي اشتهرت بها ) على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم ، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وابداعهم الفكري ، وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية ، ((  ث  )) الصوفية والصوفيون والاتجاه الصوفي  :  ( الصوفية ) طائفة إسلامية كبيرة من طوائف أهل السنة والجماعة ، تنتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي ، وعندما يقال ( الصوفية ) فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي وعبد القادر الجيلاني والجنيد والرفاعي والشاذلي وغيرهم كثير من الأولياء والصالحين على مر عصور الإسلام ،  ولا يراد بالصوفية أولئك الادعياء المخرفون المخالفون ، الذين دخلوا على التصوف فأفسدوه ، إنّ الصوفية أسم جامع لطائفة عظيمة من المسلمين ، نخص منهم أولئك الصالحين المتمسكون بالكتاب والسنة والقائمون على ثغور مهمة التزكية التي هي إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذه الطائفة هي المقصودة بالتصوف الصافي النقي الصحيح الذي قام على صفاء النفس من الكدر ، وامتلائها من الفكر والذكر والخلق العظيم ، وتحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب دين الإسلام  ، ولاشك أن هناك عوامل عديدة يجب إصلاحها بسرعة وإتقان داخل ( التصوف ) حتى يعود التيار الصوفي  إلى الوسطية التي حبا الله تعالى بها الفرقة الناجية ،   ومن تلك الأخطاء التي أدت إلى اتهام التصوف بتهم هو منها بريء :  ( 1 ) المغالاة والإسراف في علاقة المريد بالشيخ ، والوصول بها إلى حد التقديس أحيانا ، لدرجة إلغاء الحسبة على الدين معه ، والتحذير كل التحذير من الاعتراض على أخطائه ، ولاشك أن احترام الشيخ مطلوب ، لأنه وارث علم الرسول وسبب الهداية ، ولكن لاشك أن الحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة وحق على كل مسلم في حدود الأدب والاحترام ،  ( 2 ) التوسع والتساهل في مسائل الإتباع والابتداع إلى حد صار ( السماع ) - بدلا من سماع القرآن - سماعاً للألحان ، وصار الذكر - ولا حول ولا قوة إلا بالله - مضبوطاً بالحركات ، ورقصاً على نغمات الألحان ، وحتى صارت الموالد والاحتفالات والمهرجانات على مدار العام ، وكأن الإسلام قد اكتملت فرائضه وطبقت أحكامه ووثقت عراه ولم يبق إلا الاحتفال بمناسباته ، ( 3 ) هناك أخطاء تتعلق بمناهج التزكية مثل جعل همة الصوفي تجري وراء الكشف والكرامة ، والأصل أن همته تبحث عن تحقيق كمال العبودية لله رب العالمين ، والكشف ما هو إلا أثر وثمرة من ثمرات التزكية ، والكمال الصوفي يتمثل في عدم البحث عن الكشف والكرامة التي ما هي إلا مثبتات لغير الكمل من سالكي طريق التزكية من الأولياء ،  ( 4 ) هناك أقوام منهم غلب عليهم الكسل والتواكل والبطالة ، عدلوا لرخص المذهب من السماع والاجتماع ، فإذا عوتبوا في ذلك قالوا : يكفينا من اتباع القوم التشبه بهم ، فإن من تشبه بقوم فهو منهم ، فإن قيل : هذا منكم قلة همة ، قالوا : أنتم في بركة الحال ، ونحن في بركة الانتساب ، وما هو إلا الركون للبطالة  ، ( 5 ) الفساد والجهل المتفشي في العديد من المؤسسات والطرق الصوفية بسبب التكالب على الدنيا ، وهل التصوف إلا الزهد في الدنيا ، ((  ج  )) الاتجاه الدعوي التبليغي : الدعوة إلى الله عز وجل أشرف رسالة واعظم مهنة وأغلى هدف ، فهي عمل الأنبياء والمرسلين وبها ينتشر دين الإسلام الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور ولا يرضى الله عز وجل من عباده دينا سواه ، والدعوة إلى الله عز وجل أصلا هي دعوة الكافر إلى الإسلام ، ولكن لما بعد وطال العهد بالمسلمين وعم الجهل بينهم وابتعدوا عن الالتزام بتعاليمه حتى صار التفريط في أمر الدين والجهل به صفة سائدة واضحة في مجتمعاتنا المسلمة اليوم إلا من رحم الله ، لذلك صارت الدعوة في حق هؤلاء الزم وأوجب وأولى وأهم وذلك لأنهم هم المسلمون وهم رأس المال ، وحفظ راس المال ، مقدم على طلب الربح ، وطلب كليهما صحيح وعظيم ولكن أولوية دعوة المسلمين إلى دينهم آكد وأولى ، وأهم ما يمثل هذا الاتجاه في زماننا هذا هم جماعة التبليغ والدعوة ، تلك الجماعة التي تجعل الدعوة إلى الله مقصدها الأكبر وهدفها الأعظم تؤثرها على الأموال والاوقات والتجارة وشتى مشاغل الحياة الدنيا ، وهي الجماعة التي تصل ليلها بنهارها في شئون الدعوة والاصلاح وقد كان لها بحمد الله تعالى دور بارز في إصلاح الكثير من الناس ورجوعهم إلى دينهم في شتى بلاد العالم  ، وأهم المآخذ على جماعة التبليغ ، والتي يجب علاجها من أجل التصحيح ، أنّه لا يوجد منهج علمي متكامل تدرسه الجماعة يشمل أهم علوم الاسلام ، العقيدة والفقه والتزكية والأخلاق ، وعدم التركيز الوافي على تلك العلوم لاشك يعرض العمل الجماعي إلى الوقوع في أخطاء شرعية عقائدية أو عملية ، والداعية الذي يدعو على بصيرة ينبغي أن يكون ملما إلماما وافيا مقبولا لتلك العلوم ودين الإسلام يقدم العلم على العمل لأنه بالعلم يصح العمل ،  كما يؤخذ عليهم أنّ الدعوة صبغت بصبغة مغايرة قليلا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الدخن الذي ينبغي أن تصفي منه الدعوة  ، فبتحديدهم الشديد للوسائل وطريقة الدعوة ونظامها واعتمادها على صفات محددة لم يحددها النبي صلى الله عليه وسلم - وإن كانت صفات محمودة من لب الدين وأصله - ولكن العمل بتلك الوسائل وتلك الصفات وبنفس الترتيب دون تغيير جعلها وكأنها حددت هكذا من شرع ثابت للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولو توسعت الجماعة في الوسائل وتحررت من قيود الترتيب الثابت على شيء لم يرد به شرع الله ( الكتاب والسنة ) لكان بها أولى ولنفعها أكثر ، وخلاصة القول في جماعة التبليغ : أنها جماعة فاضلة تقوم على ثغر هام من ثغور الجماعي الاسلامي ، ولكنه إن كان مستقلا كان قاصرا وإن كان ضمن إطار عمل متآلف متعاون متكامل ينسق للبناء بعد الدعوة فهذا هو الصواب الذي ينبغي اعتباره ،  ((  ح  )) الاتجاه الحسبي : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الإسلام ، متوقف على  القيام به قيام الدين وحفظ شرائعه وتعظيم شعائره وعلو كلمته ، ومتوقف عليه صلاح البلاد والعباد في دينهم ودنياهم ، وبه كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس ، وفي اهماله يظهر الفساد في البر والبحر وتنتشر المنكرات ويعم العذاب وتضيع عرى الدين ، والاتجاه الحسبي هو الاتجاه القائم على ثغور الحسبة على الدين والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، تحقيقاً لقوله تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 104 ] ، ومن أهم المآخذ والأخطاء على التيار الحسبي : أنّ جماعات الحسبة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر تقوم بتغير المنكرات في المجتمع دونما تقيد بدرجات الحسبة ولا مراحلها ولا ضوابطها ، كما أنهم يحتسبون في كثير من الأحيان على المسائل  الاجتهادية المختلف فيها فقهياً ، والتي فيها السعة ،  كما أن الاحتساب الجماعي وتغيير المنكرات بالقوة كان من  أسباب الصدام مع السلطات لكونهم يفتئتون على صلاحياتها ،  وكانت تلك الاخطاء من أسباب الصد عن الدعوة إلى الله ، وتنفير الناس عنها ، ومن أسباب ذعر الشعوب المسلمة من تطبيق شرع الله تعالى ظناً منهم أنّ ما يفعله هؤلاء المحتسبون هو تطبيق الشرع كما أراده الله تعالى ،  ((  خ  )) الاتجاه الجهادي : الجهاد في سبيل الله تعالى من أعظم الطاعات والقربات والمجاهدون في سبيل الله تعالى في أعالي الدرجات ، ولكن هذا التيار المعاصر وقع في أخطاء قاتلة أدت إلى خسائر فادحة في أفراده وجماعاته ، ومن تلك الأخطاء : ( 1 ) تسرب أفكار التشدد والغلو في التكفير إلى مناهج الجهاديين مما قربهم إلى مناهج المعتزلة والخوارج ، حتى وصل الحال ببعضهم أن كفّر الدول الإسلامية كلها حكاما ومحكومين ، ( 2 ) ضعف في الجانب العلمي وانخفاض مستوى العلم الشرعي في التيار الجهادي عموماً ،  ( 3 ) الضعف في جانب التزكية ، وانخفاض مستويات التربية العبادية والسلوكية والأخلاقية بسبب التركيز على الإعداد العسكري وحسب وهو إعداد يورث القسوة والشدة والاستهانة بالدماء إن لم تتخلله مستويات عالية من التربية العبادية والسلوكية والأخلاقية ، ( 3 ) الدخول في دوامة مواجهة الأنظمة الحاكمة في البلاد الإسلامية ، بدلا من مواجهة العدو الحقيقي المتمثل في أعداء الدين الأصليين من اليهود وأعوانهم ، والتورط في أسلوب مواجهات طويلة المدى مع أجهزة الحكومات الأمنية تحول إلى حرب استنزاف القاتل والمقتول فيه هم من مخزون الأمة ، فيما بقيت قوى ومصالح العدو الأصلي سليمة ، واستنزف الجهاديون قواهم دون جدوى ، ((  د  )) الاتجاه الارشادي الوعظي  :  وتمثله كافة الجمعيات والأنشطة التي تتولى شئون الوعظ والإرشاد والنصيحة لكل المسلمين بالرجوع إلى دين الإسلام والتمسك بتعاليمه ، والوعظ وسيلة من وسائل نشر دين الاسلام ، ولكن يؤخذ على ذلك الاتجاه ضعف تأثيره في التغيير والإصلاح لاسيما وقد كثرت معوقات العمل الاسلامي ومعوقات انتشاره وتحقيقه للفائدة المرجوة منه ، ((  ذ  ))  الاتجاه الخيري : وتمثله كافة الجمعيات والهيئات الخيرية التي تقتصر على العمل الخيري الاسلامي من جمع الأموال والصدقات والتبرعات ثم توجهها نحو خدمة المجتمعات المسلمة ببناء المساجد والمستشفيات ودور الرعاية والتعليم , وفي مجال التكافل الاجتماعي بإعانة الفقير وإيواء المشردين والانفاق على المحتاجين وإعانة المرضى ، وهذه الجمعيات بحمد الله تعالى يعم نفعها على الكثير من المسلمين ، ولاشك أن هذا الاسلوب الخيري بالإضافة إلى سد حاجات المحتاجين من المسلمين يعمل على نشر الدعوة وتأليف القلوب تجاه العمل الاسلامي والثقة فيه وتأييده ، ومما يؤخذ عليها أنها غير كافية بنفسها في إحداث الإصلاح ، كما تضيع أولويات الانفاق في كثير من الأحيان ،

[  13  ]  عوامل التقريب الشرعي الصحيح بين كافة القائمين على ثغور العمل الإسلامي : العامل الأول : أخذ الاسلام بجميع عراه وكافة شرائعه والعمل لتحقيق كافة أهدافه :  وذلك للأمر الرباني في القرآن الكريم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة : 208 ، 209 ] ، إنّ أهم أسباب الاختلاف والفرقة والتعدد هو نسيان بعض شرائع الاسلام والعمل ببعض دون بعض ، قال تعالى : { فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ } [  المائدة : 14 ] ، فكان نسيانهم وتركهم لبعض ما أمرهم الله تعالى به سببا في أن يلقي الله عز وجل بينهم العداوة والبغضاء والفرقة والاختلاف كنتيجة حتمية للعداوة والبغضاء ، والمتتبع لأسباب الاختلاف في وجهات النظر والعمل بين تلك الاتجاهات الاسلامية جميعا يجد أهمها هو إغفال العاملين لدين الاسلام في شتى الاتجاهات عن أجزاء من شرائع الدين ، فيؤدي ذلك إلى الاختلاف ولربما العداوة والبغضاء بين العاملين لدين الاسلام في مختلف اتجاهات العمل الاسلامي ، والناظر لواقعنا اليوم : يجد أن أهم أسباب الاختلاف بين العاملين لدين الاسلام هو جزئية المناهج العلمية والعملية وعدم شمولها واحاطتها لكافة جوانب دين الاسلام العلمية والعملية على السواء ، العامل الثاني : الارتباط الدائم بالحق والرد عند الاختلاف إلى الكتاب والسنة بفهم المتخصصين في العلم الشرعي ، فإذا كان الاختلاف في العقيدة رد الأمر إلى مدارس أهل السنّة المتخصصة في العقيدة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) لأنّهم الأعلم بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنّة في العقيدة ، وإن كان الخلاف في الفقه رد الأمر إلى مدارس أهل السنّة المتخصصة في الفقه ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) لأنّهم الأعلم بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنّة في الفقه ، وهكذا ، قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ، ثم قال تعالى موضحا أصول الرد : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلاٌ قليلا } ، فدل على أنّ الفهم الصحيح هو فهم المتخصصين من علماء الفرقة الناجية ( أهل السنّة والجماعة ) ، فالرد لا يكون لكل المسلمين وإلا ٌ لكان الامر فوضى وقال الناس في دين الله بغير علم ولكن الرد يكون لأولي العلم المتخصصين القادرين على الاستدلال والاستنباط ، وليس هناك أدق من مدارس علمية متخصصة تخرج من خلالها آلاف العلماء المجتهدين الراسخين في العلم ، مدارس علمية متخصصة تحل كافة مشاكلنا العلمية ، نتفرغ بعدها للعمل الجاد من أجل نصرة الدين ، العامل الثالث : معرفة الاسباب المؤدية إلى الخلاف والنزاع والفرقة وضرورة الاهتمام والتركيز على علاجها : وإنّ من أهم أسباب الاختلاف التي ذكرها القرآن الكريم : ( البغي والحسد ) ، قال تعالى : { وما تفرقوا إلاٌ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم } ، وقال تعالى : { حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } ، والبغي ياتي بسبب الانتصار للطوائف على حساب الولاء العام للإسلام ، ومنشأ ( الحسد ) حب الدنيا وحب النفس وحب الجاه والمنصب والتنافس على ذلك كله ، مع عدم الاخلاص التام لله عز وجل ، فينبغي للعاملين في الصف الإسلامي معالجة البغي والحسد بسلوك طريق التزكية ، فإنّه الطريق المهيأ لعلاج تلك الأسباب ، وهو الطريق الذي يورث الزهد في الدنيا والتواضع مع الناس وبغض المنصب والجاه متى كان سببا في الشقاق بين المسلمين ،  العامل الرابع : تنمية أواصر الاخاء والولاء والحب في الله بين جميع العاملين لدين الاسلام ، وتنمية الولاء العام : لكافة العاملين لدين الاسلام ، قال تعالى { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ أخرجه مسلم ] ،  العامل الخامس : تنمية الفقه العملي لدى مختلف الاتجاهات العاملة لدين الاسلام :  الجماعات والاتجاهات الاسلامية ماهي إلا جماعات تقف على ثغور دين الاسلام وتحافظ على عراه وتعمل على نصرته وتحقيق أهدافه ، وعلى ذلك فهي جماعات عملية ، ولذلك ينبغي تنمية الفقه العملي الخاص بالعمل لدين الله ومعرفة متطلبات وأولويات سد ثغوره ونصرته ونشره والتمكين له وتحقيق أهدافه ، ويكون ذلك الوعي المطلوب بزيادة الاهتمام بدراسة السيرة النبوية الكريمة ، وذلك لأن السيرة النبوية هي الترجمان الواقعي العملي للكتاب والسنة وهي التطبيق العملي لهما وهي الفهم الواضح لأولويات العمل الاسلامي ، والتركيز على دراسة منهج النبي صلى عليه وسلم في العمل لدين الاسلام  ومعرفة المراحل العملية التي تميز بها منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين لدين الاسلام ومعرفة ملامح كل مرحلة وضوابطها العملية التي يتحرك العمل الاسلامي في إطارها ، والمعرفة والإلمام بكافة أهداف رسالة دين الاسلام ، والمعرفة والإلمام بالوسائل الشرعية لتحقيقها ، مع المعرفة والإلمام بواقع دين الاسلام الحالي ومتطلبات تجديده ،  العامل السادس : ضرورة أن يحدث التوافق الإسلامي بين طوائف أهل السنّة والجماعة في ظل توافق شرعي سديد مع الأنظمة الحاكمة المسلمة التي تحكم أقطار المسلمين : إنّ التوافق الإسلامي بين طوائف أهل السنّة والجماعة ، وإنّ العمل الإسلامي الصحيح المثمر لا يكون إلا في ظل توافق شرعي سديد مع الأنظمة الحاكمة المسلمة التي تحكم أقطار المسلمين ، فهذا هو الجو الصحي الذي تثمر فيه الدعوة الإسلامية الصحيحة ثمارها ، وهذا الأمر هو ما حرص عليه شرع الإسلام أتم حرص ، وأرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، في ظل منظومة من السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الافتئات عليها ، ويتم فتح صفحة جديدة للتعامل بالحسنى والثقة بين التيار الإسلامي وعلمائه ، وبين أهل السياسة والحكم ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وفتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة ، وعلى حكمة وموعظة حسنة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الصحيحة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها علماء الأمة الأئمة الثقات ،

[   14  ] نصائح للقائمين على ثغور العمل الإسلامي : ((  أ  )) ضرورة العمل الجاد من أجل اجتماع المسلمين على منهاج تجديدي صحيح واسع يجمع طوائف أهل السنّة والجماعة على فهم صحيح شامل متكامل لدين الإسلام  وعلى إحاطة صحيحة بعلومه وعلى عمل صحيح جاد متكامل يسعى لنشر الدين ونصرته وإعلاء كلمته ، بحيث يحيط بكل عرى الدين ويساهم مساهمة فعالة في تقريب وجهات النظر الإسلامية المتباينة نحو الحق ، ويساهم مساهمة فعالة في وصل الحلقات المفقودة بين شتى الاتجاهات الإسلامية وبين مختلف القائمين على العمل الإسلامي من أهل الإسلام ، ويساهم مساهمة فعالة في الوصول بالعقلية الإسلامية المعاصرة نحو ذروة سنام الفهم الصحيح لدين الإسلام والمحيط بكافة جوانبه العقائدية والتشريعية والأخلاقية ، وكافة جوانبه العلمية والعملية ، ويكون بمثابة حجر الأساس لوحدة منهجية إسلامية صحيحة شاملة قوية أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وهذا المنهاج أراه – والله تعالى أعلم - يتمثل في : العودة إلى المذهبية العلمية التي تأصلت على مر العصور لأهل السنة والجماعة متمثلة في مدارسها العقائدية والفقهية والتزكوية ، واعتماد مبدأ الرد إلى الكتاب والسنة بفهم تلك المذاهب ، كل في مجال تخصصه ، والإصلاح من داخل تلك المدارس لا من خارجها  ، وتكون للمسلمين مرجعية معروفة محددة عند النزاع بالرد إلى فهم تلك المذاهب ، فيأخذون بما اتفقت عليه تلك المذاهب من أصول العلم ومحكماته ، ويسع المسلمين ما وسعها من الاختلاف ، فلا تضيع الأوقات ولا تتشتت الأذهاب بسبب ضياع المرجعية الأصيلة المتخصصة الصحيحة ، ((  ب  )) السير بالقائمين على ثغور العمل الإسلامي نحو التكامل والتآلف ، والتعاون على البر والتقوى ، وعلاج أسباب الخلاف والشقاق والنزاع ، والسعي الجاد نحو تقارب صفوف العاملين لدين الإسلام الواقفين على ثغوره وتوافق وجهات نظرهم ، ووصل الحلقات المفقودة فيما بينهم حتى نصل إلى صف اسلامي عامل لدين الله تعالى متآلف متكامل متحاب متآخ على قلب رجل واحد ، مع التفاني في العمل الإسلامي دعوه إلى الله وحسبة على الدين ونشرا لعلومه ومبادئه واخلاقه ، ((  ت  )) اعتماد مبدأ العمل وفق الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة ، وما لا يُدرك كُله لا يُترك جُله ، فإن المسلم إذا عجز عن الإتيان بأمر ما على أمل وجه ، فلا يعني هذا تركه بالكلية ، بل يأتي منه ما استطاع ، قال تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن : 16 ] ، وقال تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ الأنفال : 60 ] ، وقال تعالى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] ، وأدل شيء على ذلك تتبع آيات القرآن الكريم حسب زمن النزول ، فالقرآن الذي كان ينزل بمكة كان يركز على بيان ما يناسب المؤمنين الجدد والدعوة الإسلامية الوليدة ، من بيان أركان العقيدة وبيان الأسس العامة للتشريع وأصول مكارم الأخلاق ، أما من الناحية العملية فقد كان يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في تلك المرحلة - بما يناسب واقعهم - بالصبر والعفو والصفح وكف اليد ،كما في قوله تعالى: { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ } ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } ، وقوله تعالى: { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ، ولم يؤذن لهم في القتال واستعمال السلاح ولا في رد العدوان بل أمروا بالصبر ، كما قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيديكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..} [النساء: 77] ، ولم يؤذن لهم في القتال الا بعد الهجرة إلى المدينة حيث صارت لهم القوة والمنعة ،  ومن نظر إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الله عز وجل وقد بدأ منفردا ، وقام بنشر الدين والدعوة إليه والبناء عليه متدرجا حتى وصل إلى إظهار الدين على الدين كله وحتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس كافة في دين الله أفواجا ، وقد كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم متميزا بالتدرج في الخطوات العملية وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقل بتسديد الله عز وجل من مرحلة إلى أخرى ،  وكل مرحلة مر بها النبي صلى الله عليه وسلم كانت لها قواعدها وملامحها وضوابطها التي تضيء لها النجاح في الوصول إلى تحقيق أهدافها وذلك حتى وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعلى المراحل وأعظمها ألا وهي مرحلة التمكين في الأرض ورفع لواء الجهاد الطلبي حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، ((  ث  )) اعتماد مبدأ استيفاء سنن الله تعالى في التغيير ، وفي الفلاح والغلبة ، وفي النصر والتمكين ، وذلك للأهمية القصوى البالغة لتلك السنن لأي عمل جماعي إسلامي يريد النجاح في سيرة نحو تجديد الدين وتحقيق أهدافه ، إذ على فهم تلك السنن تبنى النظريات العملية الناجحة لنصرة الدين والتمكين له في الأرض وجهل تلك السنن يؤدي حتما إلى فشل العمل الإسلامي في تحقيق أهدافه وذلك لأنه لن تجد لسنة الله تحويلا ، قال تعالى :{ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } [فاطر: 43] والعارف لتلك السنن ولا يعاندها لأنها غلابة لا تتحول ولا تتبدل فيكون عمله لدين الإسلام في تقدم مستمر وفي طريقه نحو تحقيق أهدافه ، والجاهل لتلك السنن يمشي مكبا على وجهة لابد وأن يخيب رجاؤه ،  ((  ج  )) حتى يكافئ العمل الجماعي الإسلامي ما يكيده له أعداء الإسلام ، وحتى يكون قادرا على مواجهة مخططات الأعداء التي تهدف إلى إبادة الإسلام وأهله ، وحتى يسير العمل الجماعي الإسلامي بخطى صحيحة ثابتة وراسخة نحو تحقيق أهداف الذين من نشره وبسط سلطانه وإظهاره على الدين كله ، من أجل ذلك ينبغي للعمل الجماعي أن يسير وفق قواعد صحيحة تنظمه وتؤهله لأن يكون جديرا بتحقيق أهدافه وإلا سيتناقض العمل ويختلف وتذهب قوته ويفشل وتنتفي فائدته المرجوة منه وسيرى الناظر إلى ساحة العمل الإسلامي أنها قد امتلأت بالفوضى والهرج والتضاد والاختلاط ولا أثر يذكر لذلك العمل الجماعي الضائع الأثر ، وأهم تلك الضوابط والقواعد : ( 1 ) مشروعية العمل الجماعي الإسلامي المتعاون على البر والتقوى  ، ( 2 ) وجوب العمل الجماعي في عصرنا الحالي ، ( 3 ) وجوب الالتزام بالسياسة الشرعية الرصينة فيما يخص باحترام صلاحيات أولياء الأمور المسلمين ، ( 3 ) ضرورة تضافر كافة الجهود الإسلامية والتنسيق التام بين كافة القائمين علي العمل الإسلامي ، ( 4 ) ضرورة وأهمية التخطيط المسبق والمتقن لحاضر ومستقبل العمل الجماعي ،  (  5 ) ضرورة وأهمية شمول العمل الجماعي الإسلامي وتكامله ، ( 6 ) أهمية وضرورة مراعاة الأولويات بين جوانب العمل الإسلامي ، ( 7 ) ضرورة التزام العمل الجماعي الإسلامي التام بالشرع الحنيف ، ، ( 8 ) ضرورة الرد عند الاختلاف إلى الكتاب والسنة بفهم المتخصصين في العلم الشرعي ، ( 9 ) ضرورة وأهمية تأهيل القائمين على العمل الجماعي الإسلامي للقيام بأعباء الإصلاح ، ( 10 ) ضرورة الاستفادة من المناهج العلمية والعملية وفي التجارب والخبرات السابقة والحالية في مجال الجماعي الإسلامي ، وقد سبقت الإشارة إليها ، ((  ح  )) معرفة الإطار العام الصحيح للعمل الإسلامي الناجح في المرحلة المقبلة : من الفقه في العمل لنصرة دين الإسلام ، أن يسير الصف الإسلامي في الفترة المقبلة ضمن اطار صحيح مدروس ذي ملامح واضحة لا يحاول الخروج عنها حتى لا يتعرض العمل الجماعي للفشل ، وأهم تلك الملامح التي تمثل الخريطة الاساسية العامة للعمل الإسلامي المنشود المقبل: ( أ ) نشر الدعوة إلى الله مع الشغف بها والانقطاع اليها بمعظم الجهد والطاقة ، ( ب ) السلمية والصبر التام والصفح وكف اليد حتى يأذن الله بأمر من عنده ، ( ت ) العلنية بالجهر بالحق وتبليغ الرسالة لا تخش الا الله ، ( ث ) التربية والتزكية والتكوين على الدعوة لبناء أجيال النصر والتمكين ، ( ج ) العمل الجاد المتقن المتأني الصحيح شرعا والنتائج على الله عز وجل فلا تعجل في طلبها ، ومن تعجّل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمــــــانه ، فمن تعجّل النصر قبل وجود أسبابه الصحيحة عوقب بنقيض قصده ، ((  خ  ))  العمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين : لقد ظهر بعد سقوط خلافة الإسلام جماعات ترفع لواء العمل الجماعي من أجل تحقيق أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده ، وظهر هذا العمل الجماعي على هيئة جماعات الدعوة إلى الله أو جماعات التربية والتزكية والتعليم الشرعي أو جماعات تغيير المنكر أو جماعات التكتلات السياسية ، أو جماعات التكتلات الجهادية ، وحدثت أخطاء في مجالات الدعوة والتربية والتزكية والحسبة والجهاد مما يستوجب تصحيح مسارها وذلك بوضع الضوابط المتعلقة بعلوم الدعوة والحسبة والجهاد والعمل الجماعي ، بحيث تؤتي ثمارها وفق ضوابطها التي لا تؤدي إلى الخلل والفساد أو إلى تغير المنكر بما هو أكبر منه ، وأشد الأخطاء كان تبني سياسة التكفير لحكام المسلمين واعلان الجهاد التغييري من أجل التغيير واستبدال الأنظمة الحاكمة بأنظمة وحكومات أخرى تتبنى الإسلام وتنصره بكل ما أوتيت من قوة وجهد ، غير أنّ قتال تلك الأنظمة والجهاد القتالي من أجل تغيرها له ضوابط شرعية وشروط جعلها الشرع الحنيف بمثابة حفظ لعمل الإسلامي من الانحراف أو التهور أو الخوض في أمور لا تحمد عاقبتها وعادة ما تؤدي إلى حدوث مفاسد عظيمة تفوق وجود تلك الأنظمة واستمرارها في حكم دول المسلمين ، وأهم تلك الشروط الواجب توافرها لصحة هذا الجهاد : أن يكون ذلك النظام كافرا كفراً بواحاً لنا فيه من الله تعالى برهان ، وذلك لحديث : (( وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرجه البخاري ( 7056)، ومسلم ( 1843) ] ،  أن يُعطل ذلك النظام شعائر الدين وأهمها الصلاة ، لحديث : (( قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم ( 1856) ] ، وحديث : (( قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرجه مسلم ( 1854) ] ، أن تتوفر القدرة على ذلك وذلك لقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن : 16 ] ، وقوله تعالى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا  } [ البقرة : 286 ] ، وقوله تعالى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا } [ الطلاق : 7 ]  ،  أن يكون هناك تمايز بين صفوف أهل الحق وأهل الباطل ، فلا يصح الجهاد التغييري عند اختلاط المسلمين بالكافرين اختلاطا يمنع التمييز بين كليهما لما ذلك من مفاسد عظيمة ، قال تعالى : { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ الفتح : 25 ] ، ( تنبيه أول ) : لا يصح الجهاد التغييري قبل توافر الشروط السابقة الذكر : فإذا توافرت تلك الشروط كاملة في ظل أنظمة كافرة كفرا بواحا ظاهرا لا يحتاج إلى اجتهاد ، ولنا فيه من دين الله تعالى برهان ، جاز إعلان الجهاد ورفع رايته من أجل التغير ، إما قبل ذلك : فلا يصح الجهاد القتالي ولا يجوز رفع السلاح ولا يؤتى ثماره ، وغالبا ما تؤدي العجلة به إلى الفشل الذريع والفساد العظيم وعموم الفوضى التي تمكن إعداد المسلمين من السيطرة على ديار المسلمين ، وبالتالي يكون ذلك العمل المتعجل قد أدى إلى تغيير المنكر بما هو مثله أو بما هو شر منه وهذا لا يجوز في شرع الله تعالى الحكيم ،  ( تبيه ثان ) : صعوبة اسقاط الحكم بالكفر البواح على أكثر حكام المسلمين اليوم : إنّ الكفر البواح لا يكون إلا باستحلال ما حرّم الله تعالى ، أو استحلال الحكم بغير ما أنزل الله ، أو جحد حكم الله تعالى أو الاستهزاء به وانتقاصه ، وأكثر حكام المسلمين يتجنبون هذه المكفرات ، ولذلك فهم لا يزالون في اطار الإسلام ، وقد جعل الشرع الحكيم لهم السمع والطاعة في المعروف ، ونهى عن الخروج عليهم ما كانوا في اطار الإسلام ، ( تنبيه ثالث ) : من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تضبط هذه العلاقة بما يهيء المناخ السديد لنشر الدين وتوثيق عُراه ، وبما يمنع الهرج والمرج والفتنة ، ( الـحديث الأول ) : أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرجه البخاري (7056)، ومسلم (1843) ] ، ( والـحديث الثاني ) : أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، ( والـحديث الثالث ) : أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، ( والحديث الرابع ) : أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، ( والـحديث الخامس ) : أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، ( والـحديث السادس ) : أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري (7053)، ومسلم (1851) ] ، ( والـحديث السابع ) : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ] ، ( والـحديث الثامن ) : أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، ( والـحديث التاسع ) : أخرج البخاري عن الزبير بن عدي قال : (( أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ ، فقال : اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم )) [ أخرجه البخاري : ح : 7068 ] ، ( والحديث العاشر ) : أخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه ن قال : (( قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها ، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها ؟ قال قلتُ : فما تأمرني ؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها . فإن أدركتَها معهم فصلِّ . فإنها لكَ نافلةً )) [ أخرجه مسلم ح ( 648 ) ] ، فمع أنهم يأخرون الصلاة ، إلا أن الأمر النبوي جاء بالصلاة معهم سدا لباب الفتنة والخلاف ، وبعد فهذه أحاديث نبوية شريفة صحيحة تضع الضوابط الحكيمة لعلاقة شرعية سديدة بين أهل الحكم وأهل العلم ، تعصم الدم وتضع صمام الامن والأمان لأهل الإسلام ، وتمنع الهرج والمرج الذي لا يستفيد منه سوى أعداء الإسلام ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الحادي عشر ( علم الفهم المحيط بجوانب دين الإسلام ) وذلك للقضاء على جانب الخلل والقصور في فهم الدين

[ 1 ]  إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، وهذا الدين يُطالب به الناس كافة ، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،  وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله ، لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ،

[ 2 ]  الإسلام لغة هو الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة ، فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه فهو المسلم ، وبهذا المعنى نجد أنّه دين الأنبياء والمرسلين جميعا من لدن آدم وإلى رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الأنبياء إخوة من علات ، وأمهاتهم شتى ، ودينهم واحد )) [ أخرجه مسلم ] ، فالدين واحد ، هو الإسلام ، وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام ، وأول الرسل الكرام نوح عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى - على لسان نوح عليه السلام - : { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }  [ يونس : 72  ] ، وإبراهيم أبو الأنبياء  عليه السلام كان مسلما وجميع الأنبياء من بعده كانوا مسلمين ، قال تعالى : { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 130 إلى 133 ] ، وموسى عليه السلام كان مسلما ،  قال تعالى  : { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } [ يونس : 84 ] ، وعيسى عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ المائدة : 52 ]  ، فالدين واحد هو الإسلام وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام ، ودين الإسلام الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا واحد من حيث اتفاقه على عقيدة التوحيد وإفراد الله عز وجل بالإلهية والربوبية والعبودية والأسماء والصفات ، ولكنه يختلف سعة وشمولا وفق رسالة الرسول ويختلف تشريعا من رسول إلى أخر ، حتى وصل إلى منتهاه الأسمى وكمال الرباني الأعلى متمثلا في دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم الذي أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة ورضي دينه الذي جاء به من عند ربه عز وجل ، قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] ، ودين الإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة يعني الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والطاعة لله وحده لا شريك له ولا يكون ذلك الانقياد ولا تلك الطاعة إلا من طريق واحد هو طريق متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية عبادة الله وطاعته وإسلام الوجه له وحده ،  وهذا المعنى السابق لدين الإسلام يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،

[ 3 ]  الدين المعتبر عند الله - بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة - هو دين الإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله ، ولا يقبل الله تعالى من العباد بعد بعثته وإلى قيام الساعة دينا سواه ، والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم ،  هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [ النساء : 150 إلى 152 ] ، نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، والناس كما أخبر القرآن قسمان مؤمن وكافر ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ التغابن : 2 ] ، وأدنى الكفار هم أهل الكتاب ، لأنهم أهل كتاب ، وهم كفار لجحدهم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وهم كفار لزعمهم أن الله هو المسح ابن مريم ، قال تعالى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ } [المائدة : 72 ] ، وهم كفار لقولهم بأن الله تعالى ثالث ثلاثة ، قال تعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ } [المائدة : 73 ] ، وهم كفار لنسبتهم الولد إلى الله ، قال تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ التوبة : 30 ] ، وكفرهم لا تتحمله السموات ولا الأرض ولا الجبال ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *  تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } ،  والكفار والمشركون هم شر البرية ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 6 ] ،

[ 4 ]  أهم خصائص دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم  :  أنّه الدين الخاتم الذي ختمت به الرسالات جميعا والأديان جميعا ، قال تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [ الأحزاب : 40] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ))   وأنا خاتم النبيين  )) [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، وأنّه إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة ، قال تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }  [ الاعراف : 158 ] ، وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28 ] ، وأنّه الدين الناسخ لما سبقه من الأديان والمهيمن عليه جميعا ، قال تعالى : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } [ المائدة : 48 ، 49 ] ، وأنّه محفوظ بحفظ الله عز وجل له وإلى قيام الساعة ، وذلك بحفظ مصادره الأساسية - القرآن والسنة ، فالقرآن الكريم : حفظه الله جل وعلا من أي تبديل أو تحريف أو زيادة أو نقصان ، قال تعالى { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت : 42 ] ، والسنة النبوية الشريفة : حفظها المولى تبارك وتعالى وسخر لها الجهابذة الحفاظ من العلماء النابغين الناقدين الذين أفنوا أعمارهم في حفظها وتمييز الثابت منها ونفي المردود عنها ، ووضعوا لذلك قواعد وضوابط تضبط قبول روايتها ، وحفظ السنة من لوازم حفظ القران فهي المبنية لمعاينة والمفصلة لمجملة والمتممة لأحكامه ، واتصال السند للسنة الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم دونما انقطاع خصيصة في خصائص الحفظ الإلهي لهذه السنة الشريفة وإعجاز إلهي في حفظ دينه جل وعلا حيث لم تعرف الأمم غيرنا سندا متصلا لأقوال أنبيائها ورسلها وإنها كانت أقوال وأخبار يرويها الأحبار والرهبان بالمعنى يزيدون فيها وينقصون ويحرفون يشترون بذلك ثمنا قليلا ، قال تعالى { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ البقرة : 75 ] ، وأنّه الدين الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه قال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، ومن عبد الله عز وجل بغير شرع الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى وقد سمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم فعبادته مردودة عليه لا يقبلها الله عز وجل ، قال تعالى : { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا }، وقال صلى الله عليه وسلم : (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )) [ أخرجه مسلم ] ، وأنّه دين كامل تام شامل تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة ، قال تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل : 89 ] ،

[ 5 ]  المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : معتقدا لها ، مصدقا لها بلسانه ، ومنقادا لها بقلبه ، لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، وباب الإسلام الأوحد هو شهادة ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله )  ، والشهادتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى لأنه إذا كانت شهادة ( لا إله إلا الله ) تعني توحيد الله تعالى في إلهيته ، فإن شهادة ( محمد رسول الله ) تعني بيان طريق ذلك التوحيد ، ومعنى الشهادة : أي أقر وأعترف وأجزم وأرى وأُوقن دون شك أو تردد أنّه ( لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ) ،  ومعنى ( الإله ) : الرب المعبود المألوه الذي له التفرد في الذات والأسماء والصفات والأفعال ،  وليس هناك كلمة تنوب عن كلمة (  الإله ) في بيان كافة معانيها ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا كمال إلا لله ) ، وما ذاك إلا لأنّ ، قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، فتوحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد الصفات العلى ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ، ومعنى ( لا إله إلا الله ) : نفي وإثبات : أي نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله الواحد الأحد ، ونفي جميع صفات الإلهية والربوبية والعبودية عما سوى الله ، ونفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه : توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية ،  ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله  : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله ، وأنّه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، وأنه لا رب حقا لهذا الكون إلا الله ، وأنه لا معبود بحق إلا هو الإله الحق ، هو وحده المستحق لتوحيد الذات ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الربوبية بكافة مفرداتها ، وتوحيد العبودية بكافة مفرداتها ، فإذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، ليس له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، والله أكبر من كل تصور ، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، أو تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ومعنى شهادة : ( أنّ محمداً رسول الله ) : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه نؤمن بأنه رسول الله ، ونعتقد صدقه في كل ما أخبر به عن الله ، ونعتقد وجوب محبته وتعظيمه وتوقيره والصلاة والسلام عليه ، ونعتقد وجوب اتباعه وطاعته والانقياد لشرعه ، لأنه رسول الله المبلغ عن الله دينه وشرعه ، والشهادتان هما أصل كل شيء للمسلم فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بها فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،

[ 6 ]  مراتب دين الإسلام : مراتب الدين ثلاث مرتبة الظالم لنفسه ، وهي مرتبة ( الإسلام ) ، ومرتبة المقتصد ، وهي مرتبة ( الإيمان ) ومرتبة السابق بالخيرات ، وهي مرتبة ( الإحسان ) : قال تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، ومن الآية نعلم : أن عباد الله الذين اصطفاهم الله تعالى واختارهم لدين الإسلام ثلاث مراتب تبدأ من الأدنى إلى الأعلى ، فالمرتبة الأولى ( الأدنى ) هي مرتبة الظالم لنفسه ، أي المقصر في بعض حقوق الله تعالى عليه ، والمرتبة الثانية هي مرتبة المقتصد وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات لا يزيد ولا ينقص ، والمرتبة الثالثة ( المرتبة الأعلى ) هي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله ، وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات ويزبد على ذلك بالتقرب إلى الله تعالى بالمندوبات والمستحبات ، وجميعهم ( أي أصحاب المراتب الثلاث ) داخل بحمد الله تعالى في الاصطفاء والاختيار لدين الله ، وأخرج مسلم في صحيحه عن الفاروق عمر رضي الله عنه  قال : (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر السفر و لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه و وضع كفّيه على فخذيه ، و قال : يا محمّد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله و أ نّ محمّدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا . قال صدقت . فعجبنا له يسأله ويصدقه ! ، قال : فأخبرني عن الإيمان ،قال : أن تؤمن بالله و ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و تؤمن بالقدر خيره و شرّه . قال : صدقت ، قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال : فأخبرني عن أماراتها . قال : أن تلد الأمة ربّتها و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان . ثم انطلق فلبثت مليا ، ثم قال : يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت الله و رسوله أعلم ، قال : إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم )) [ أخرجه مسلم ] ،   ونزول جبريل عليه السلام في هيئة رجل يراه الصحابة رضي الله عنهم ويجلس أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان بقصد تعليم المسلمين أمر دينهم ليس بالأمر الهين ، بل هو أمر عظيم يدل على أهمية ومنزلة هذه الأسئلة من دين الله عز وجل فقد اشتمل على بيان أصول الدين وقواعده ومراتبه , ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث :  ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) , فجعل ما في هذا الحديث بمنزلة الدين كله  ، والمستفاد من الحديث : أن مسمى مراتب الدين الثلاثة هي : الإسلام والإيمان والإحسان ، وأن هذه المراتب عظيمة جدًا تحيط بكافة جوانب الدين وعراه ، ويعلم من ذلك الحديث العظيم : أهمية معرفة المسلمين لتلك المراتب وأركانها وحدودها ، فعلى تلك المراتب وأركانها وحدودها يبنى الفهم الصحيح والعلم الراسخ لدين الإسلام ، ولولا أهمية العلم بتلك المراتب وأركانها وحدودها ومنزلتها من دين الله تعالى لما أرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصدقه ، والصحابة رضي الله عنهم يسمعون باهتمام ، وبعدما انصرف جبريل عليه السلام ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. ، فجعل صلى الله عليه وسلم تعليم الدين هو بمثابة معرفة تلك المراتب ومعرفة أركانها وحدودها ، وبين هذه المراتب ارتباط وثيق ، فدائرة الإسلام أوسع هذه الدوائر ، تليها دائرة الإيمان فالإحسان ، وبالتالي فإن كل محسن مؤمن ، وكل مؤمن مسلم ، والمسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين هذه المراتب الثلاث ، ( أ ) : [ صاحب مرتبة الإسلام ] : وهو الواقف على أركان الإسلام ولكنه يفرط في أداء بقية الفرائض والواجبات ويقع في الكبائر والمحرمات فهذا هو الظالم لنفسه ، ولكنه مسلم في دائرة الإسلام ،   وأركان المرتبة الأولى ( مرتبة الإسلام ) هي أركان الدين الخمسة الظاهرة الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، مَن أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلمًا حقاً ، مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حُكماً، فإذا دخل في الإسلام بذلك، أُلزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين ، خرج من الإسلام ، وهذه المرتبة إذا اقتصر المسلم عليها لا يتعداها ، صار ظالما لنفسه لأن في الدين واجبات أخرى ينبغي أن تؤدى سوى الأركان الخمس ، ( ب ) : [ صاحب مرتبة الإيمان ] : وهو المؤدي لما عليه من الأركان والفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها فهذا هو المقتصد ، وأركان المرتبة الثانية ( مرتبة الإيمان) هي ستة أركان : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقدر خيره وشره من الله تعالى وكل ركن منها يلزمه تصديق بالقلب وقول اللسان وعمل بالجوارح ، وذلك لأن الإيمان قول وعمل ، وعقيدة في القلب تصدقها الجوارح ، وهذه المرتبة هي ( مرتبة المقتصد) ، الذي يؤدي حق المرتبة السابقة ( أركان مرتبة الإسلام )  ثم يؤدي ما افترضه الله تعالى عليه من واجبات وينتهي عن الكبائر والمحرمات ، ( ت ) : [ صاحب مرتبة الإحسان ] : هو المؤدي لكل ما يقوم به المقتصد صاحب مرتبة الإيمان ولكنه يزيد على ذلك بالمسابقة بما ينال رضا الله عز وجل من الأعمال والأقوال والنوافل والمندوبات وبالتنزه عن المكروهات وبالتورع عن بعص الحلال خوفا من الوقوع في الشبهات ، وبالسير في طريق إحسان العمل وإخلاصه التام لله رب العالمين، وهذا هو السابق بالخيرات بإذن الله ،  وهذه المرتبة الثالثة العالية هي أعلى مراتب الدين وأشرفها ، فقد اختص الله أهلها بالعناية ، وأيدهم بالنصر ، قال عز وجل : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل : 128 ] ، وهي درجات عظيمة وأحوال مهيبة ومقامات عديدة ومنازل عالية ، أولها : المراقبة (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، وأعلاها : اليقين والشهادة ((  فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، ( ث ) : المسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين هذه المراتب الثلاث ، لكن ينبغي التنبه إلى أمور : ( الأمر الأول )  : خطورة التقصير في حق المرتبة الأولى ( مرتبة الإسلام الظاهر) وذلك بالتقصير في ركن من أركانها لأنه بتلك الأركان يوزن إسلام المرء فهي العلامات الظاهرة التي تشير إلى إسلام الفرد وإسلام المجتمعات ، وبها يقاس قرب العبد وبعده عن دين الإسلام ، فالحذر كل الحذر من التهاون في تحقيق أركان تلك المرتبة التي هي أدنى المراتب وإلا لكان المقصر فيها والمتهاون في تحقيقها على شفا حفرة من الخطر الجسيم ، ( الأمر الثاني )  : خطورة أن يدعي المسلم مرتبة ليست له أو لم يستوف أركانها وحدودها وإذا كان الله عز وجل قد نهانا أن نزكي أنفسنا بما هو فينا لمجرد التزكية فإن النهي أشد وأعظم عندما نزكي أنفسنا بما لا نستحقه ، قال تعالى { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، فقد ذم الله عز وجل أولئك الذين ادعوا مرتبة الإيمان ولم يقوموا بحقوقها ، والصحابة رضي الله عنهم مع أنهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين ومع أنهم أئمة المحسنين والمقربين والسابقين بالخيرات بإذن الله إلا أنهم كانوا يتحرجون من ادعاء الإيمان مخافة تزكية النفس ، فكان أكثرهم يقول إني مسلم أو إني مؤمن إن شاء الله وذلك لا شكا في الإيمان حاش لله فهم أرسخ الناس إيمانا وأعمقهم يقينا في الله ولكنه تواضعا لله وخوفا من عاقبة الأمور كما وصفهم الله تعالى بقوله : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } ، فالأمور والأعمال  بخواتيمها والله عز وجل أعلم بالعواقب ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون نسأل الله حسن الخاتمة ،  ولذلك :  يجب على المسلم أن يقول إني مسلم معتزا بإسلامه لله وحده ، والأفضل له عند ذكر الإيمان أن يقول إني مؤمن إن شاء الله لأنه قد لا يكون استكمل واجبات وحدود مرتبة الإيمان فيكون كمن ادعى ما ليس له ، وإن استكمل حدود المرتبة فهو لا يدري الخاتمة والأعمال بخواتيمها  ، ( الأمر الثالث ) : لا يحق لمسلم أن يقول إني محسن يقصد بذلك بلوغه الإحسان لان ذلك لا شك تزكية للنفس والله عز وجل ينهى عن ذلك قال تعالى : {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }  ولأن مرتبة الإحسان مرتبة عظيمة لا يصل إليها إلا القليل ، إلا أنه ينبغي للمسلم أن يجتهد دائما في المسارعة بالخيرات حتى يكون من عباد الله السائرين على هدى المحسنين المقربين السابقين بالخيرات بإذن الله ذلك الفضل الكبير،  نسأل الله تعالى من فضله الكبير ،

[ 7 ]  نواقض دين الإسلام : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وهذه النواقض تكاد تجتمع في أربعة نواقض رئيسية هي : الشرك الأكبر : وهو اعتقاد وجود آلهة مع الله تُصرف لها مفردات الربوبية والعبودية أو أي منها ، والكفر الأكبر : بإنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، والنفاق الاعتقادي : بإظهار الإسلام وإبطان الكفر ، والردة بعد الإسلام : وذلك يكون بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم ، أو الطعن في رسالته صلى الله عليه وسلم ، أو في شيء منها ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ، ومن أتى بناقض فعليه أن يأتي بالشهادة مع التوبة مما كان سببا في الحكم عليه بالردة ، مع العلم بأن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، والمسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، ولا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، ولا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه ، لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من اهل الإسلام ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ، ويجب ترجيـح جانب حسـن الظـن بكل مسلم ، وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ، وترك ألف كافر بشبهة أهون من تكفير مسلم واحد بمجرد شبهه لا تبلغ حد اليقين ،

[ 8 ]  قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بدين الإسلام  : ( القاعدة الأولى ) : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر لما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) [ أخرجه مسلم ] ، صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال ( لا إله إلا الله ) إلاّ تقية وهرباً من القتل ، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : (( بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم  ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً  ، قال ، فقال : (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم ))  [ صحيح مسلم ] ، وأخرج مسلم عن جندب بن عبدالله البجلي رضي الله عنه القصة وفيها : (( قال : يا رسول الله أوجع في المسلمين. وقتل فلاناً وفلاناً ، وسمّى له نفراً ، وإني حملت عليه ، فلمّا رأى السيف قال : لا إله إلاّ الله ، قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم  : أقتلته ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ، قال : يا رسول الله ! استغفر لي ، قال : وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟  قال : فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله )) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،  ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين ، أنه يفعل ما يشاء ،  فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها ، مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ، و ( القاعدة الثانية ) : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ،  لما جاء في حديث الشفاعة ، وفيه : (( ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ متفق عليه ]  ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان )) [ أخرجه البخاري] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة ))[ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة )) فقال أبو ذر رضي الله عنه : وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سـرق ، ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) [ أخرجه مسلم ] ، و ( القاعدة الثالثة ) : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، و ( القاعدة الرابعة ) : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره ، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية ، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء ، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة : ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي   صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل ] ، ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ، و ( القاعدة الخامسة ) : هناك أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، منها العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه ، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول ، لقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] ، وقوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] ، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل ، إذ لم يسمع بالدليل ، والدليل على عذره  : قوله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] ، والمعنى : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان ، وقوله تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[ النساء : 115 ] ، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416 ] ، والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه ,  والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة  ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة ، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ، وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] ، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، وأخرج مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : بعثنا رسول الله إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ـ كان قد أثخن على المسلمين ـ قال فلمّا غشيناه قال لا إله إلاّ الله قـال : فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي فقتلته ، قال فلمّا قدمنا بلغ ذلك النبي   صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) قلت يا رسول إنما كان متعوذاً ، قـال :  (( أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله ؟ )) فمازال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم .)) ، [ أخرجه مسلم ] ، وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وسلم  أسامه رضي الله عنه بتأويله ، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة  ، والحديث أخرجه البخاري ، وذلك أنّ حاطب رضي الله عنه تأول أنّ خوفه من الكفار على أهله وماله يرخص له في موالاة الكافرين ، وعذره الرسول  صلى الله عليه وسلم لخطئه في التأويل فلم يقم عليه حد الردة ، والعذر بالإكراه نص عليه القرآن الكريم ، قال تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] ، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك ، و ( القاعدة السادسة ) : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير ، قال تعالى  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون ، وتقوم عليهم الحجة بذلك ، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[ المائدة : 93 ] ، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : ( الضابط الأول ) : الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] ، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، لقوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] ، وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، و ( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه ، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً ، عاقلاً ، عالماً بأن فعله مكفر ، متعمداً قاصداً لفعله ، مختاراً له بإرادته ، والقسم الثاني : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، و القسم ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع ، و ( الضابط الثالث ) : فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره ، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم ، و ( القاعدة السابعة ) : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ،  لا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير ، وانتفاء موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة ، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   أن نحكم عليها بأنها في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبا الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[  9 ]  العلوم الشرعية المتعلقة بدين الإسلام : هي تلك العلوم التي تتناول دين الإسلام ، ومعرفة ما يجب على المسلم المكلف من أمر دينه في عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه ، ويطلق لفظ العَالِم الشرعي على كل متخصص في علوم الدين كالمتخصص في العقيدة أو الفقه أو التزكية أو التفسير أو الحديث أو السيرة أو الدعوة ، والعلماء الشرعيون هم ورثة الانبياء ، لقوله صلى الله عليه وسلم :  (( إن العُلَماء ورَثةُ الأنبياَء، إن الأنبياَء لم يورثُوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورثُوا العِلمَ فمَن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ )) [ أخرجه أبو داود ، والترمذي وصححه الألباني ] ،  وجاء في فضل العِلم والثّناء على أهله في الكثير من آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم  ، منها قوله تعالى : :{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [ الزمر : 11 ]  ، وقوله تعالى : {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}  [ المجادلة : 11] ، ولم يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم ، فقال تعالى :{ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } [ طه : 114 ] ، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على فضل العلم وأهله ، قوله صلى الله عليه وسلم  : (( فَضلُ العَالِم على العَابِد كفضلِي على أدناكُم  ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم  : إن اللَّه وملائكتهُ وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جُحرها وحتى الحوت لَيصلُون على مُعَلِمي النّاس الخير )) [ أخرجه الترمذي ، وصححه الألباني ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ )) [ متفق عليه ] ،

[  10 ]  وجوب احترام التخصص العلمي في العلوم الشرعية : العلوم الإسلامية ما أوسعها وما أكثر تخصصاتها ، ولهذا نجد أنّه على مر عصور الإسلام ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، ظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه : الاتقان في علوم القرآن ، وظهر المتخصصون في علم الحديث ، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل ، وعلم شرح الحديث وبيان معناه ، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح ، وظهر المتخصصون في الفقه ، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وهذه المذاهب الأربعة بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام صارت بمثابة جامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة ، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق ، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، وبعد ظهور الأئمة الثلاث صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه ، ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، ثم عندما اتسعت الفتوحات وبدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، وقد عُرف المتخصصون في هذا الجانب ( بالصوفية ) ، وأصبح علم التصوف هو المتكفل ببيان تزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ، فهذا اختصار موجز لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما ، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ،  وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ،  وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، ويجب الرجوع إلى المتخصصين في أبواب العلم الشرعي ، ولا يجوز الإفتاء بغير علم ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ الحجرات : 1 ] ،  وقال سبحانه : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، وقال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 33 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 168 ، 169 ] ،

[  11  ] التصور المحيط لأقسام العلوم الشرعية :  لاشك أن العلوم التي حواها شرع الإسلام كثيرة جداً ، ومتنوعة تنوعاً عظيماً ، وهذا يجعلنا نحرص على أن نضع تصوراً جامعاً شاملاً لتلك العلوم الإسلامية ذات الصلة بالدين من قريب أو بعيد ، يسهم في تصور محيط لتلك العلوم ،  وأول تلك العلوم : العلوم الأصلية : وهي الكتاب والسنّة ومسائل الإجماع ، وثانيها : العلوم المتعلقة بأسماء وأحكام الدين وتشمل : علم الإيمان والكفر ، وعلم التوحيد والشرك ، وعلم التقديس والتنزيه ، وعلم الإتباع والابتداع ، وعلم الانتساب إلى الفرقة الناجية ، وثالثها : العلوم المستنبطة من الدين ، وتشمل علم العقيدة ( أصول الدين ) ، وعلم الفقه وأصوله ، وعلم التزكية والأخلاق ، ورابعها : علوم الوسائل اللازمة لفهم القرآن والسنّة فهما صحيحا لا خلل ولا قصور فيه ، وهي أربعة علوم ، الأول : علوم القرآن لفهم القرآن ، والثاني : علوم الحديث لبيان درجة ثبوت الحديث ، وفهم الحديث ، والثالث : علوم اللغة العربية  لفهم القرآن والسنّة ، وعلوم اللغة العربية عديدة منها النحو والصرف والبلاغة واللغة والمعاني والأدب ، وهي ضرورية لفهم معاني الكتاب والسنّة ، والرابع : علوم الأصول ، وهما علمان  : علم المنطق الإسلامي الصحيح : لمعرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، وعلم أصول الفقه : لمعرفة أدلة الأحكام وقوتها ومدى حجيتها ، ومعرفة طرق الاستنباط من الأدلة ، وخامسها : العلوم المتعلقة بأعمال الدين : وتشمل علوم الدعوة وعلوم الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلوم الجهاد في سبيل الله تعالى ، وعلوم السياسة الشرعية ، وعلوم العمل الجماعي من أجل نصرة الدين وتحقيق أهدافه ،  وسادسها : العلوم المتعلقة بأنظمة الدين الربانية المتكاملة التي فيها صلاح الفرد والمجتمع والدولة والعالم ، وتتناول أنظمة الدين السياسية والاقتصادية والإعلامية والتربوية والتعليمية والحسبية والأخلاقية والعسكرية ، تلك الأنظمة العادلة التي بها رضا الله تعالى وفلاح المجتمع ، وسابعها : العلوم المتممة والمكملة وتشمل علوم السيرة والغزوات ، وعلم التاريخ الإسلامي لاسيما حياة الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وأعلام العارفين والعلماء والدعاة والمحتسبين والمجاهدين والصالحين من أمة الإسلام ، إذن حاصل التقسيم المعاصر لعلوم الدين سبعة أقسام ، يُرجع في تفصيل  كل علم إلى أهله المتخصصين ،

[  12  ]  المصدر الأول من مصادر  العلم الشرعي  هو كتاب الله تعالى القرآن الكريم  :  وهو كلام الله تعالى المنزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باللفظ العربي المعجز ، والمنقول إلينا متوترا بلا أدنى شبهة ، والمحفوظ في المصاحف ، والمتعبد بتلاوته ، والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس ،  والقرآن الكريم معجزة ربانية لا تضاهيها معجزة ، والدليل على ذلك أن للمعجزة ثلاثة شروط هي: التحدي ووجود المقتضي وانتفاء المانع ، و ( التحـدي ) : وقد تحقق التحدي ، في آيات عديدة من آيات القرآن الكريم ، منها قوله تعالى:  { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }  [ البقرة : 23 ] ، وأي تحد أشد من هذا التحدي ، أمّا ( وجود المقتضى ) فيتمثل في أن يكون أمام الخصم دافع لمضاهاتها والإتيان بمثلها ، وهذا متأكد أيضاً  يدل عليه رغبة المشركين الأكيدة في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإظهار عجزه، لما جاء به من نقض لمبادئهم وعقائدهم الفاسدة ، والأمر الثالث ( انتفاء المانع ) ، وقد نزل القرآن بلغتهم ، وهم العرب الأقحاح مضرب المثل في البلاغة والفصاحة ،  فلما عجزوا عن مضاهاته ، دل ذلك على عجزهم ، وإذا كان القرآن الكريم معجزا للبشر كان معنى ذلك أنه من الله تعالى،  بالتالي كان هو الحجة الأساس ، والمصدر الأول من مصادر العلم الشرعي ، وقد أجمع أهل العلم من المسلمين على أن القرآن الكريم هو المصدر الأول والأساس من مصادر التشريع ، وأن أحكامه واجبة الاتباع ، ولكن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية ، تكون قطعية إذا كان اللفظ الوارد فيه يدل على معنى واحد ولا يحتمل غيره ، وتكون ظنية إذا كان لفظه يحتمل الدلالة على أكثر من معنى ، وطالب العلم الشرعي لا غنى له عن حفظ القرآن الكريم : القرآن الكريم أساس العلم الشرعي ، وطالب العلم الشرعي لا غنى له عن حفظ القرآن ، ومعرفة معانيه واستيعاب مقاصده ، ومن أفضل التفاسير المعينة على فهم القرآن : تفسير ( الجامع لأحكام القرآن ) لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي ( ت 671 هـ ) ، وهو من أجل التفاسير ، يتوسع في بيان الأحكام ، والثاني ( تفسير القرآن العظيم ) للحافظ ابن كثير ( ت 774 هـ ) ، وهو من كتب التفسير بالمأثور ، وهو قائم على تفسير ابن جرير الطبري ، وتفسير ابن أبي حاتم الرازي، وغيرهما ، ومن أكثر المطالعة فيهما فقد استمسك بزبدة التفسير ، وخلاصة العلم بالقرآن الكريم ، 

[  13  ]  المصدر الثاني من مصادر  العلم الشرعي هو سنّة النبي صلى الله عليه وسلم  :  لقد أحال القرآن الكريم إحالة عامة على السنة النبوية في أكثر تفصيلات العلم بقوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ، ومن ثم كانت السنة متممة الكتاب ، وشارحة لنصوصه ، ومفصلة لمجمله ،  و السنة الشريفة في الاصطلاح  : هي كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير  القرآن الكريم من قول أو فعل أو تقرير ، فالسنة القولية : هي كل ما نقل لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله الشريفة ، والسنة الفعلية: هي كل ما رواه الصحابة رضي الله عنهم عن أفعاله صلى الله عليه وسلم ، والسنة التقريرية : هي أن يقال قول أو يفعل فعل أمام النبي صلى الله عليه وسلم أو أمام غيره فيراه أو يسمع به ، فيقره بالقول أو السكوت عنه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مشرِع لا يجوز سكوته على خطأ ، ولذلك يعتبر سكوته عن هذا الفعل أو القول إقرارا بمشروعيته ، ومراتب السنة الشريفة من حيث ثبوتها : ذهب جمهور العلماء إلى أنها من حيث ثبوتها على مرتبتين : السنة المتواترة ، والسنة الأحادية ، وذهب الحنفية إلى أنها على ثلاث مراتب، هي: السنة المتواترة ، والسنة الأحادية ، والسنة المشهورة ، وهي مرتبة ثالثة وسط بين التواتر والآحاد ، و ( السنّة المتواترة ) : هي السنّة التي وردت إلينا مستوفية شروط التواتر ، رواها قوم عن قوم يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، والسنة المتواترة قليلة بشكل إجمالي، وهي في أفعاله أكثر منها في أقواله صلى الله عليه وسلم ، و ( السنّة الأحادية ) : هي ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد أو أكثر لم يبلغوا حد التواتر في كل القرون ، والقسم الثالث - وهو عند الحنفية - هو ( السنّة المشهورة ) : وهي: ما لم يبلغ حد التواتر ، وهو فوق الحديث الآحادي من حيث الثبوت ، أما الجمهور فإنهم يدخلونه في حديث الآحاد ،  ومراتب العلم المستفاد من السنة الشريفة : فقد قسّم جمهور العلماء السنة الصحيحة بحسب طرق ثبوتها إلى مرتبتين وهما : التواتر والآحاد، وقالوا : الحديث المتواتر يفيد القطع أي العلم اليقيني والعمل ، أما السنة الأحادية فإنها تفيد الظن والعمل ولا تبلغ اليقين لاسيما عند وجود المعارض ، لاحتمال أن تكون قد رويت بالمعنى وليس باللفظ ، ولاحتمال الوهم والسهو عند راويها ، وكل من له خبرة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك ، ولا عبرة بتشغيب أهل الحشو في كونها تفيد اليقين ، لاحتمال أن تكون قد رويت بالمعنى وليس باللفظ ، ولاحتمال الوهم والسهو عند راويها ، وذهب الحنفية إلى زيادة الحديث المشهور بين المتواتر والأحادي وقالوا إنه يفيد طمأنينة الظن وهي مرتبة فوق الظن ودون اليقين ، هذا من حيث الثبوت فقط ، أما من ناحية الدلالة فإنّ الحديث المتواتر قد يفيد الظن فقط دون اليقين إذا كان ظني الدلالة ،  بمعنى إذا كان لفظه يحتمل الدلالة على أكثر من معنى ،

[  14 ]  أهم دواوين السنّة المشرفة : إنّ أهم دواوين السنّة المشرفة وأولاها بالدراسة صحيح البخاري ثم صحيح مسلم ،  وأعظم ما كتب في شرحهما ، بل في شروح السنّة قاطبة ، فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر ، وشرح النووي على صحيح مسلم ، ثم كتب السنن الأربعة ، وهي سنن الترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن ابن ماجة ، ثم الموطأ للإمام مالك ، ومسند الإمام أحمد ، وهذا بيان موجز لها ، [ أولاً : ( صحيح البخاري ) ] : هو أصح كتب الحديث النبوي عند أهل السنة والجماعة ، جمعه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأسماه " الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه". هو أول مصنف في الحديث الصحيح المجرد ، جاء مبوباً على الموضوعات الفقهية ، وقد نقل النووي إجماع الأمة على صحة الكتاب هذا ووجوب العمل بأحاديثه ، وقد بلغت أحاديث البخاري بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي لأحاديث البخاري ( 7593) حديثـًا ، وفي البخاري أحاديث معلقة وجملتها ( 1341) ، وعدد أحاديث البخاري المتصلة من غير المكررات قرابة أربعة آلاف ، وقد تصدى لشرحه عدد كبير جدا من علماء المسلمين ، ولكن أشهر شروحه وأكثرها اعتمادا هو شرح الإمام ابن حجر العسقلاني فتح الباري ، [ ثانياً : ( صحيح مسلم ) ] : هو ثاني أهم كتب الحديث النبوي بعد صحيح البخاري عند أهل السنة والجماعة ، جمعه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ، وقد تصدى لشرحه عديدون ولكن أشهر شروحه وأكثرها اعتمادا هو شرح الإمام النووي  ، وعدد أحاديث صحيح مسلم بالمكرر وفق ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي (( 5770 )) حديثاً  ،  دون المتابعات والشواهد، وفد تتبّع عددها الشيخ مشهور فبلغت 1615 حديثاً فيكون عدد أحاديث الكتاب بالمكرر ومع الشواهد والمتابعات 7385 حديثاً ، بدون أحاديث المقدّمة وعددها 10 أحاديث ،  قد أوضح ابن الصلاح إن في  كتابه قريب من أربعة آلاف حديث هي أصول الكتاب دون المكررات ، [ ثالثاً : ( سنن الترمذي ) ] : هو أحد كتب الحديث الستة قام بجمعه الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَةَ الترمذي ( ت 279 هـ  ) ، وسماه " الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وقال عن كتابه هذا : ( من كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبي يتكلم )  ،  قسم الحديث إلى ثلاثة أنواع : صحيح ، وضعيف ، وحسن ، وهو أول من شهر الحديث الحسن ، ولا يكتفي الترمذي بإيراد الأحاديث، بل يتكلم على درجتها من حيث الصحة أو الضعف، وكتابه هو أولى الكتب الحديثية بعد الصحيحين بعناية طالب العلم ،  وقد قسمه الشيخ الألباني إلى صحيح الترمذي وضعيف الترمذي وفق اجتهاده في تصحيح وتضعيف الحديث ، [  رابعاً : ( سنن أبي داود ) ] : جمع فيه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ( ت 275 ) جملة من الأحاديث بلغت ( 5274 ) حديثـاً ، وكتابه السنن صنفه وانتقاه من خمسمائة ألف حديث ، وقد وجه أبو داود همه في هذا الكتاب إلى جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء، ودارت بينهم، وبنى عليها علماء الأمصار الأحكام ، وكتاب السنن لأبي داود يوازي كتاب السنن للترمذي ، وهو أيسر في دراسته وذلك لأنه اقْتَصَرَ علَى أحاديثِ الأحكام ولم يُكْثِر فيه مِن ذِكْرِ الخلافَات المذْهَبِيَّةِ كما صَنعَ الترمذي ، وقد قام الألباني بتحقيق أحاديث سنن أبي داوود ، فقسم الكتاب إلى كتابين : صحيح سنن أبي داوود ، ووضع فيه الأحاديث الصحيحة ، وضعيف سنن أبي داوود ،  ووضع فيه الأحاديث الضعيفة وفقا لاجتهاده ،  [ خامساً : ( سنن النسائي ) ] : المعروف باسم " السنن الصغرى "  أو " المجتبى من السنن الكبرى " ، وهو أحد كتب الحديث الستة قام بجمعه الإمام أحمد بن شعيب النسائي ( ت 303 هـ ) ، صنَّف النسائي في البداية "سننه الكبرى" ، ثم استخلص منه "السنن الصغرى" وهو أقل السنن حديثاً ضعيفاً وعدد أحاديثه: (  5761 ) حديثاً ، اقتصر في سننه على أحاديث الأحكام ، وتكلم على الأحاديث وعللها، وبين ما فيها من الزيادات والاختلاف ، [ سادساً : ( سنن ابن ماجه ) ] : هو أدنى كتب الحديث الستة ، جمع فيه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه ( ت 273 هـ )  ما يزيد على أربعة آلاف حديث  وقد رتب الأحاديث على الكتب والأبواب ، وسنن ابن ماجه فيه من الأحاديث الصحيح ، والحسن ، والضعيف ، ولهذا يُعتبَر هذا الكتاب أدنى الكتب الستة في الرتبة ، وقد قسمه الشيخ الألباني إلى صحيح ابن ماجة وضعيف ابن ماجة وفق اجتهاده ، [ سابعاً : ( موطأ الإمام مالك ) ] : وهو أجلّ كتب الحديث المتقدمة عليه وأعظمها نفعاً بلا شك ، فيه الأحاديث الصحيحة المسندة ، وفيه البلاغات والمنقطعات والمراسيل، وهذه البلاغات وصلها ابن عبد البر في التمهيد سوى أربعة أحاديث ،  قال الإمام مالك نفسه عن كتابه هذا: "عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة ، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ ) أهـ [ تنوير الحوالك ، ص 9 ] ، وقال الإمام الشافعي:  ( ما كتاب بعد كتاب الله أنفع من كتاب مالك بن أنس ) أهـ [  حلية الأولياء، لأبي نعيم، ج9، ص63 ] ، وهذا القول قبل ظهور صحيح البخاري  ، فلما ظهر صحيح الإمام البخاري قدمه المسلمون على الموطأ في الصحة وذلك لأن الإمام البخاري جرد صلب الكتاب من البلاغات والمراسيل وإنما ذكرها في تراجم الأبواب على سبيل الاستشهاد بها لا أكثر ، والمعول في كتابه على أحاديث الصلب لا التراجم ، ومع تقدم صحيحي البخاري ومسلم في الصحة , لم يفقد الموطأ تلك المكانة كمصدر من مصادر السنة المشهورة ذات المكانة المرموقة ، وقد ذهب إلى القول بأن كل ما في الموطأ صحيح جمع من الأئمة في المشرق والمغرب وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح وابن حجر في آخر باب الصحيح من أنواع علوم الحديث ،  [ ثامناً : ( مسند الإمام أحمد بن حنبل ) ]  من أشهر كتب الحديث وأوسعها ، يحتوي على ما يزيد على ( 26 ألف حديث نبوي ) ، وفيه الكثير من الأحاديث الصحيحة التي لا توجد في الصحيحين ، ومؤلفه هو الإمام أحمد بن حنبل ( ت 241 هـ ) إمام المذهب الحنبلي ، وقد وضع الإمام أحمد هذا الكتاب ليكون مرجعًا للمسلمين وإمامًا وجعله مرتبًا على أسماء الصحابة الذين يروون الأحاديث كما هي طريقة المسانيد ، وعدد الصحابة الذين لهم مسانيد في مسند الإمام أحمد ( 904 ) صحابي ، وقد كان الإمام أحمد يحفظ ألف ألف حديث عن ظهر قلب ، وقد انتقى المسند من هذا العدد الهائل من محفوظه ، ولم يدخل فيه إلاَّ ما يحتج به ، وقد ألف الحافظ ابن حجر كتابًا سماه " القول المسدد في الذب عن المسند " حقق فيه نفي الوضع عن أحاديث المسند وظهر من بحثه أن غالبها جياد وأنه لا يتأتى القطع بالوضع في شيء منها بل ولا الحكم بكون واحد منها موضوعًا إلا الفرد النادر مع الاحتمال القوي في دفع ذلك ، وقال السيوطي في خطبة كتابه الجامع الكبير ما لفظه : ( وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول ، فإن الضعيف فيه يقرب من الحسن ) أهـ  ، [ تاسعاً : موسوعة السنّة وسائر علوم الإسلام فتح الباري شرح صحيح البخاري ] ألفه الحافظ ابن حجر العسقلاني وهو من أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها في شرح صحيح البخاري ، لا يستغني عنه طالب علم ، ولا فقيه ، ولا محدث ، ولا مفتٍ ، ولا مجتهد، وأهم ما يميز فتح الباري شرح صحيح البخاري أنّه يجمع في كل باب بالإضافة إلى ما رواه البخاري أهم الأحاديث المتعلقة بالباب التي وردت في دواوين السنة الأخرى من بقية الكتب الستة والمسانيد وغيرها، كما يجمع فيه شروح العلماء قبله على صحيح البخاري ، وينقل عن شراح كتب السنة الأخرى كشرح النووي على صحيح مسلم وشرح الخطابي لسنن أبي داود وكلام البغوي في شرح السنة وغيرهم ، وهو يُعَّد بحق أحد أعظم دواوين الإسلام المعتبرة ، وأحد أعظم مصادره العلمية المهمة ، [ عاشراً : ثاني أهم شروح كتب السنّة : شرح النووي على صحيح مسلم ] : واسمه المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج ،  ومؤلفه هو العالم الرباني يحيى بن شرف النووي ( ت 676 هـ ) ، صاحب التصانيف الكثيرة النافعة في الفقه والحديث ،  وشرحه على صحيح مسلم هو أهم الشروح وأنفعها على صحيح مسلم بن الحجاج ،

[  15 ]  العلوم المتعلقة بأسماء وأحكام الدين والملة ، وتشمل : علم التقديس والتنزيه  ، وعلم الإيمان والكفر ،  وعلم التوحيد والشرك ،  وعلم الإتباع والابتداع ، وعلم الانتساب إلى أصول الفرقة الناجية ( أهل السنّة والجماعة ) بعيدا عن الفرق الضالة المستحقة الوعيد بالنار ، [ ( أولاً ) ( علم التقديس ) ]  :  وهو ما يسميه البعض ( علم توحيد الذات ) وهو العلم الضروري الذي يمثل حلقة الوصل المفقودة في علم العقيدة التي من خلالها يمكن الوصول إلى ذروة الفقه لعقائد الإسلام العظيمة الصافية ، والتي يمكن من خلالها تحقيق التقارب الشرعي الصحيح بين مختلف طوائف المسلمين ، وهذا العلم هو أشرف علوم الإسلام وأعلاها : ويشتمل هذا العلم على معرفة : قواعد التنزيه : التي ساهم في إظهارها أهل الأصول المتخصصون من علماء أهل السنة ، هذه القواعد التي نتعلم من خلالها المستحيل في حق الله تعالى فيكون المرء على بينه من دينه وعلى فقه فيه وهو يتكلم في باب جناب الذات لقد انقسمت الأمة بسبب الجهل بقواعد التقديس إلى : ( حشوية ) خاضت في تكييف الذات وتفسير الصفات والأخبار خوضا زائغا ، وإلى ( معتزلة ) خاضت في نفي الأخبار الصحيحة الثابتة نفياً زائغا  ، وبقيت طائفة أهل السنّة والجماعة تعض على معتقدها بالنواجذ تتمسك بالتوازن الرباني بين الإثبات والتنزيه في ظل قواعد للتقديس تمنع من التشبيه والتجسيم والحشو ،  [ ( ثانياً ) علم وفقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر ] :  هذا العلم هو أهم علوم الأسماء والأحكام : ويشتمل هذا العلم على معرفة : ( أ ) أصل الإيمان ومطلقه وحدّه الأدنى الذي يصح لحامله اسم الإيمان وحكمه والدخول به في عداد المؤمنين المخاطبين بالنداء القرآني الكريم : { يا أيها الذين آمنوا } ، وبيان الأحكام الشرعية المتعلقة بصاحب هذا الأصل من كون له اسم الإيمان وحكمه وأنه في مأمن من الكفر الأكبر ما كان محتفظاً بهذا الأصل لا ينقضه بناقض  ، وبيان أنّه إن مات على هذا الأصل فلا يخلد في النار خلوداً أبدياً خلود الجاحدين ، وبيان ضد هذا الأصل وناقضه : الكفر الأكبر المخرج من الملة والموجب لصاحبه الخلود في النار خلود الجاحدين ، ( ب ) بيان الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى على كافة المؤمنين ،  وتناوله لأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات . وبيان أهمية هذا الإيمان – الواجب – وكونه أدنى الإيمان الذي أثنى الله تعالى على أصحابه وبشرهم به الجنة ودخولها ابتداء ً. وبيان خطورة التفريط في هذا الإيمان الذي يمنع من دخول النار ابتداءً ودخول المقصر فيه تحت الوعيد بالعذاب والعقاب ، ( ت ) بيان الإيمان الكامل المستحب وبيان أنّ هذا الإيمان يتناول أداء المندوبات والمستحبات والكف والتنـزه عن المكروهات فضلاً عن أداء الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى من أداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات ، ( ث ) وفقه هذه المراتب وفقه حدودها من أعظم الفقه في دين الله تعالى ، وذلك لأنه الضابط لمسائل الإيمان والكفر أهم مسائل أسماء الملة وأحكامها ومن خلاله يُعلم من هو المؤمن الداخل في إطار الملة وتُعلم مرتبته ، ومن هو الكافر الخارج عن الملة والخالد في النار خلوداً أبدياً خلود الجاحدين المكذبين ، [ ( ثالثاً ) علم التوحيد الشامل وفقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك ]  :  يشمل هذا العلم على : ( أ ) بيان أهمية التوحيد وبيان أصله وفرعه ، وبيان أركانه وأقسامه وأنواعه وبيان الضابط الفقهي لكل نوع ، دونما إفراط يدخل في التوحيد ما ليس منه أو تفريط يخدش جناب التوحيد ويعرضه للخطر ، ( ب ) بيان توحيد الذات وما يحمله من معاني التقديس والتنزيه والتوحيد ونفي الشريك ، ونفي الند والكفء والشبيه والمثيل عن ذاته سبحانه ، (  ب  ) بيان توحيد الأسماء الحسنى وما يحمله من معاني الإيمان بالأسماء الحسنى وإفراد الله تعالى بها وعدم الإلحاد فيها ، (  ت  ) بيان توحيد الصفات وما يحمله من معاني التوحيد والتنزيه والتقديس والإيمان ، ( ث )  بيان توحيد الأفعال وما يحمله من معاني إفراد الله تعالى بالخلق والإيجاد والتصريف والتدبير ، ( ج )  بيان توحيد الربوبية وما يحمله من معاني إفراد الله تعالى بالخلق والإيجاد ، وإفراد الله تعالى بالرزق والإمداد ، وإفراد الله تعالى بالسيادة والحاكمية والتشريع ، وإفراد الله تعالى بالتصريف والتدبير ، ( ح ) بيان توحيد العبودية وما يحمله من معاني إفراد الله تعالى بالعبادة والطاعة والولاء ، ( خ ) بيان الأخطاء التي وقعت - بالإفراط أو التفريط - في باب توحيد الذات ، وتوحيد الأسماء ، وتوحيد الصفات ، وتوحيد الأفعال ، وتوحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، ( د ) بيان أنّ فقه هذه المسائل عن التوحيد والشرك وفقه حدودها من أعظم الفقه في دين الله تعالى لأنها تحقق وحدة الكلمة حول علم التوحيد ، وتعمل على تحقيق التوحيد وحماية جنابه ، إنّ فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة يجعلنا نفرق بين أصل العبادة الذي هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ولها ( للعبادة ) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر عند الفقهاء ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ، إنّ التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له ، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة ، فمن صرفها لله وحده فهو موحد ، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً ، والعبادة ( أي عبادة ) ، لها أصل وصورة ، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه ، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل ، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين ، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود ، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله ، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله ، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها ، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ،  لقد أخطأ أهل الغلو في باب التوحيد والشرك في تفسير العبادة ، ففسروها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع ، وذهلوا عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله  ، أو لمن يعتقده رباً له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله ، وكان من نتائج هذا الخلل أنّ جاءوا إلى آيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين ،  واتهموهم بالشرك الأكبر واستحلوا دماءهم وحرماتهم ، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريرهم للضابط الذي يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر ، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي ، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله ، وهذا لا يكون من مسلم أبدا ، [ ( رابعاً ) علم الإتباع وتجديد فقه مسائل وأحكام السنة والبدعة ] :  إن فقه مسائل الإتباع والإبتداع باب عظيم ومهم في حفظ الدين وحفظ حرمات المسلمين لأن التهاون في هذا الباب يؤدي إلى ضياع معالم الدين ولأن التنطع فيه يؤدي إلى إنتهاك حرمات المسلمين وتبديع من ليس بمبتدع ، وإذا كان الخوارج قديما قد سلوا سيف التكفير على أمة الإسلام فإن هناك طوائف عديدة ممن إبتلوا بهوس البدعة ولم يشموا رائحة الفقه في الدين وخلطوا بين أمور الإبتداع وأمور الخلاف في الإجتهادات الفقهية بسبب أصول ضيقة أصلوها بأفهامهم السقيمة ، حتى صار كل منهم يبدع الأخرين على أقل الخلاف وأيسره ، وفي المقابل أبتليت الأمة بطوائف عديدة من الجهلاء تساهلوا في أمر الإتباع والإبتداع حتى تقرب بعضهم إلى الله ببدع الضلالة والعياذ بالله ، ولهذا كان لزاما على الفقيه الحريص على أمة الأسلام أن يستخلص من أدلة الكتاب والسنة ومن جهود الفقهاء على مر العصور القواعد والضوابط التي تضبط مسائل الإتباع والإبتداع مراعيا الإعتدال والإنصاف بعيدا عن التنطع الممقوت والتساهل المفرط المرذول ، وأهم الثمرات المرجوة من دراسة هذا العلم : القضاء على فوضى التبديع والرمي بالبدعة بين طوائف أهل السنّة والجماعة ، فإن الغلو في مسائل التبديع قرين الغلو في مسائل التكفير ، وهو خطر عظيم على وحدة الأمة المسلمة ، وعلى دينها ، والمسرف في التبديع  كما المسرف في التكفير لن ينجو من حساب الله يوم القيامة ، وما أعظمه حساب لأنّه يتعلق بحق المسلم ، وقد يتعلق بحق طائفة من المسلمين ، وقد أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( لا يرمي رجل رجلاً بالفسـوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كـذلك )) [ أخرجه البخاري ] ، ( خامساً ) علم الانتساب إلى أصول الفرقة الناجية والبراءة من الفرق الضالة ] : يشمل هذا العلم على : ( أ ) بيان أنّ أهل السنة والجماعة هم أهل الحق وهم سواد أهل الإسلام الأعظم ، ( ب ) وبيان أهم مدارس أهل السنة في العقيدة والفقه والتزكية ، ( ت ) وبيان أهم طوائف أهل السنة والجماعة المعاصرة ، ( ج ) وبيان رؤوس الفرق الضالة عن منهاج أهل الحق وأصول الضلال عندها ، ( ح ) وسطية واعتدال أهل السنّة والجماعة في أصول الدين وفروعه بين الفرق الضالة ، ومن أهم ثمرات هذا العلم : جمع شتات المسلمين تحت راية واحدة ومنهاج صحيح واسع واحد ، هو منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية بغير افراط ولا تفريط ، وبيان إطار تلك الفرقة الناجية الصحيح الخالص الذي علية الخلص من أتباع السلف وإطارها الواسع الذي يحوى بداخله السواد الأعظم من أهل القبلة ممن لم ينتسب إلى فرقة ضالة أو إلى بدعه كلية مخرجه عن الإطار كله  ، وبيان أصول أهل السنة والجماعة العامة وقواعدهم الربانية التي تمثل الوسطية الصحيحة بين أهل الإسلام ، وإعادة ترتيب المكتبة العلمية لدى المسلمين ، وذلك ببيان أهمية مؤلفات مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة  ، وفي الفقه ، وفي التزكية ، والتي يُعد ما عداها حشو يضاد التخصص ويضر بالصرح العلمي الإسلامي الذي بناه الأئمة المتبعون المُقتدى بهم في علوم الدين ،

[  16 ]  العلوم المستنبطة من علوم الدين الأصلية ، وتشمل علم العقيدة ( أصول الدين ) وعلم الفقه ، وعلم التزكية والأخلاق : [ (  أولاً  ) علم العقيدة وأصول الدين ] :  إنّ الإصلاح والتجديد في علوم العقيدة يكون باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة ، وتوجيه طالب علم العقيدة إلى الطريق القويم نحو طلب علم العقيدة على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد ، وعلى أهله المتخصصين فيه ، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم العقيدة واحترفت تدريسها على أفضل الطرق التعليمية ، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب قد لا تؤدي إلى الرسوخ في علم العقيدة ، وفي الإحاطة بمباحثه ومسائله وقواعده وأحكامه ، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، و الثانية : ( المدرسة الأشعرية ) وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، و الثالثة : ( المدرسة الماتريدية ) وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي  حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ، [ ( ثانياً ) (  علم الفقه ) ] : يمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، إن مذاهب الفقهاء الأربعة هي المذاهب المتخصصة في علم الفقه الإسلامي ، والأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة جمعوا بحمد الله تعالى علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار ، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة ، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه ، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه ، ويملأ طباق الأرض علما وفقها ، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه ، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء ، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة ،  أضف إلى ذلك أن المتدبر لمسيرة تطور علوم الفقه وبناء المذاهب الفقهية ذلك البناء الشامخ ، يجد أنّ أقوال وآراء أكثر الأئمة المجتهدين على مر عصور الإسلام السابقة لعصر بناء المذاهب الفقهية الكبرى يجد أنّها جميعا قد دخلت في إطار أقوال المذاهب الأربعة ، نعم هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة : وهم كثيرون إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة ، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع ، وعلى ذلك : فأولى المجتهدين بالإتباع : من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب ، وصار له مذهب معروف ، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة ، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء ، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ، إنّ دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث ، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء ، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم ، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم ، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة ، بعدد كل ناعق مذهب ، وينفرط عقد الفقه ، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص ، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب ، ولا حسيب عليه ، لقد كان وراء الأئمة الأربعة ألف حسيب وحسيب ، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها ، واتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ليس واجبا شرعاً ، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن ، والمذاهب الأربعة متكافئة ، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة  فكلهم على خير ،  ولا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله ، والأدلة محتملة ، والأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ  بل يخطئون ويصيبون ، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم ، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم ، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة ، وكان اختلافهم رحمة ، وتجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل ، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام ، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ ، لأنه يضر بالميزة التي حبا الله تعالى بها الفقه ألا وهي ( السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان ) ، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا ، والذي نحتاجه في ميدان الفقه ، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة ، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان ،  [ (  ثالثاً ) : علم التزكية والأخلاق ] : عُرفت مدارس التزكية والإحسان بمدارس التصوف ، والتصوف يحمل في معانيه التزكية والتربية والأخلاق والسوك والإحسان ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، فقد عُرف المتخصصون في هذا الجانب باسم الصوفية منذ ما يزيد على ألف عام ، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وعلى ذلك ، وقد تعارف العلماء على ذلك منذ مئات السنين ، وجميعها مدارس علمية وسلوكية متخصصة ، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [ الْأَعلى : 14 ] ، وأيا كانت التسمية ، ( التزكية أو التصوف )  فإن المقصود هو ثلث الدين الأعلى ، ثلث ( الإحسان ) ، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، ومن أشهرها عند أهل السنة  الطريقة القادرية والطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية وغيرها من الطرق الفاضلة التي تدل على طريق الله تعالى ضمن إطار منهج الحق ، وبهذه المذاهب العقدية والفقهية والسلوكية المتخصصة يتضح الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة ، سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،

[  17  ]  علوم الوسائل لفهم الدين : وتشمل علوم القرآن ، وعلوم السنة ، وعلوم اللغة العربية  ، وعلوم أصول الفقه ، [ ( أولاً ) : علوم القرآن ] :  والمقصود بها علوم الوسائل التي تعين على تلاوة كتاب الله تعالى وفهمه فهماً صحيحاً ، ومن أهمها التجويد والتفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وقد أوصلها السيوطي إلى ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه الاتقان في علوم القرآن ، وأهم ذلك : ( 1 ) علم التجويد وآداب التلاوة : والمقصود من تعلم التجويد : أن يقرأ المسلم القرآن قراءة صحيحة كما كان يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما تلقاه عن جبريل عليه السلام عن الله تعالى ، وفائدة علم التجويد: صيانة كلام الله تعالى عن تطرّق التحريف والتغيير إليه ، والمقصود من تعلم آداب التلاوة بيان آداب قارئ القرآن وبيان آداب حملة القرآن  : وخير مؤلف في معرفتها كتاب ( التبيـان في آداب حملة القرآن ) للنووي ، ( 2 ) علوم القرآن عامة : ومن المؤلفات المعينة على معرفتها  : كتابان جامعان في علوم القرآن وهما ، كتاب ( الاتقـان في علـوم القــرآن) للحافظ السيوطي 911 هـ، وكتاب ( مناهــل العــرفان في علـوم القـرآن) للشيخ محمد عبدالعظيم الزرقاني ،  ( 3 ) علوم القرآن المتخصصة في أحد فروع علوم القرآن : مع أنّ هذه المسائل تذكرها كتب التفسير في مواضعها من سور القرآن، إلا أنّ هناك كتب أفردتها بالتأليف ،  ومنها : في علم أسباب النزول :  كتاب ( أسباب النزول) لأبي الحسن الواحدي النيسابوري ، وفي علم الناسخ والمنسوخ : الناسخ والمنسوخ لأبي بكر بن العربي ، وفي علم أحكام القرآن : كتاب البرهان في علوم القرآن ، للزركشي ، وكتاب أحكام القرآن لابن العربي ، وكتاب أحكام القرآن للسيوطي ، وكتاب أحكام القرآن للرازي الجصاص ، وكتاب روائع البيان تفسير آيات الأحكام لمحمد علي الصابوني ، ( 4 ) علم التفسير وأصوله : هو العلم الأساس من علوم القرآن اللازم لفهم القرآن ومعرفة معانيه والعمل بما يدعو إليه ، وقد برع علماء أهل السنّة والجماعة في تفسير القرآن ، وتركوا لنا تراثاً عظيما من تفسير القرآن سواءً أكان بالمأثور من التفسير أو بالاجتهاد والرأي ، وأعظم ما كتب في تفسير القرآن على طريقة التفسير بالمأثور تفسير الطبري ، والثاني تفسير ابن كثير ، وأعظم ما كتب في تفسير القرآن على طريقة التفسير بالرأي تفسير ( الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي ، [ ( ثانياً ) : علوم السنّة ] : وعلوم السنّة كثيرة جداً : أوصلها ابن الصلاح في ( مقدمته ) إلى خمسة وستين علماً من علوم الحديث ، وقال السيوطي في ( تدريب الراوي ) إنها يمكن أن تكثر كثيرا بالتفريعات ، ولكن أهم تلك العلوم ثلاثة : الأول : علم رواية الحديث وهو علم يختص بمعرفة متون الحديث من دواوين السنّة ، والثاني : علم الدراية بمصطلح الحديث بمعرفة درجة الحديث من حيث الصحة والضعف والقبول والرد ، والثالث : علم الدراية بإسناد الحديث من حيث معرفة الرواة ، ودرجة ضبطهم وحفظهم وصدقهم ، وهو ما يعرف بعلم الجرح والتعديل ، وعلم الحديث علم فريد اختص الله تعالى به أهل السنّة من المسلمين لحفظ سنّة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك كانت تسميتهم الموفقة : أهل السنّة والجماعة ، وما ذاك إلا لحرصهم على السنّة وحرصهم على الجماعة ،  وأهم دواوين أهل السنّة والجماعة في علم رواية الحديث :  وأهم ذلك : الكتب الستة : الصحيحان : صحيح البخاري وصحيح مسلم ، والسنن الأربعة : سنن الترمذي وسنن أبي داود ، وسنن النسائي ، وسنن ابن ماجه ، وموطأ الإمام مالك ، ومسند الإمام أحمد ابن حنبل ، وقد تقدم عند الحديث على العلوم الأصلية الإشارة إليها ،  وأهم دواوين أهل السنّة والجماعة في علم شرح الحديث : فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري ، لبدر الدين محمود بن أحمد العيني ، وإرشاد الساري شرح صحيح البخاري لأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني ، والمنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي وهو أهم شروح صحيح مسلم ، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي ، والمعلم بفوائد مسلم ، لمحمد بن علي بن عمر التميمي المازري ، وإكمال المعلم شرح صحيح مسلم  للقاضي عياض بن موسى بن عياض  ، وإكمال إكمال المعلم لفوائد كتاب مسلم  لمحمد بن خلفة بن عمر الآبي ، ومعالم السنن شرح سنن أبي داود لأبي سليمان حمد بن سليمان الخطابي ، وعارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي لأبي بكر ابن العربي ، وهو أعظم وأهم شروح سنن الترمذي ، وحاشية السندي على سنن النسائي ، وحاشية السندي على سن ابن ماجه ، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر ، [ ( ثالثاً ) : علوم اللغة العربية ] :  القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أفصح العرب ، وأفصح من نطق بلغة الضاد ، ولهذا كان الكتاب والسنّة هما مصدرا اللغة العربية الذي لا ينضب ، وطالب العلم الشرعي المسلم  مهما كانت لغته لا غنى له عن دراسة اللغة العربية لأنّها لغة القرآن والحديث ، وهي لغة دينه الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى من العباد جميعا دينا سواه ، واللغة العربية وسيلة لفهم النصوص الشرعية ، وتعلمها واجب على طالب العلوم الشرعية ، لأن الوسائل لها نفس أحكام المقاصد ، وعلوم العربية المشهورة كثيرة تشمل : النحو والصرف والعروض والقافية واللغة والقرض والإنشاء والخط والبيان والمعاني والمحاضرة والاشتقاق والآداب ، ولكن بعد إدخال بعضها في بعض ، أصبحت أهم علوم اللغة العربية ثلاثة علوم وهى : علم النحو  ، وعلم البلاغة ، وعلم الأدب ، الأول : علم النحو ويدخل فيه الصرف ، فالنحو يختص بأحوال الإعراب والبناء ، ينظر في إعراب الكلمة بما يؤدي إلى فهم الخطاب العربي بحسب إعرابه ، فيعرف الفاعل من المفعول، وغير ذلك مما يؤدي إهماله إلى قلب المعاني  ، والصرف ينظر في بنية الكلمة العربية وتصريفها ، والعلم الثاني : علم البلاغة : وينظر في بلاغة الكلام في إيصال المعاني ويشتمل على ثلاثة علوم هي : علم المعاني ، وعلم البيان ، وعلم البديع  ،  وعلم المعاني الذي ينظر في معنى الكلمة نفسها ، وعلم البيان الذي ينظر في معنى الكلام المركب من أكثر من كلمة ،  وعلم البديع ينظر في جهات تحسين الكلام ، أما العلم الثالث : هو علم الأدب ويتمثل في جمع الجيد من كلام العرب المنظوم ( الشعر ) والمنثور ( النثر ) والذي به تحصل ملكة الإجادة في أساليب العرب ومناحيهم في الحديث ، [ ( رابعاً ) علم أصول الفقه ] :  وهو العلــم بالقواعـد والأدلـة الإجماليـة التـي تستنبط منها الأحكـام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية ، والأدلة التفصيلية هي : أدلة الأحكام من نصوص الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وأول من تكلم في علم أصول الفقه الشافعي رحمه الله ، وأهم ما كتبه الشافعي في أصول الفقه كتابه : ( الرسالة) تكلم فيها في الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وحجية كل منها، وتكلم في الأوامر والنواهي والبيان والنسخ وخبر الآحاد وحكم قول الصحابي وغيرها من مسائل أصول الفقه ، وبعد الشافعي ظهرت طريقتان لتدوين هذا العلم : الأولى طريقة فقهاء الحنفية ، وهى تعتمد على تدوين أصول الفقه بالتبعية للفقه ،والثانية طريقة جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية والحنابلة ) ، وهى تعتمد على التدوين المستقل لأصول الفقه اعتماداً على الأدلة الشرعية والقواعد اللغوية والبراهين النظرية ،

[  18 ]  علوم العمل لدين الله تعالى : تتمثل في : علوم الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة ، وعلوم البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم الشرعي الراسخ ، وعلوم الحسبة على الدين بالأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر ، وعلوم الجهاد في سبيل الله من أجل نشر الدين وإظهار أمره وإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله ، والعمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ، [ ( أولاً ) : الدعوة إلى الله تعالى ] : هي اشرف رسالة وأعظم قربة إلى الله تعالى فهي عمل الأنبياء ومهمة المرسلين ، وهي أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولولا الدعوة إلى الله لما قام لله على الأرض دين ، ولا انتشر توحيد وإسلام ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغها  إلى الناس كاملة ، والدعـوة إلى الله فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها ، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين ، وذلك لقوله تعالى : { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران: 104] ، [ ( ثانيا ) : البناء على الدعوة ] : ويقصد به تربية المسلم على مبادئ الإسلام العقائدية والشرعية والأخلاقية ، وصبغه بمحتوى رسالة دين الإسلام حتى يتحقق فيه إسلام الوجه لله والمتابعة الحقة لرسول الله عز وجل صلى الله عليه وسلم ، والبناء على الدعوة هو المتمم لأثر الدعوة وهو يقوم على التربية الإسلامية الحقة والتزكية الإسلامية الخالصة والتعليم الشرعي الصحيح الراسخ ، وتكمن أهمية البناء على الدعوة : في انه السبيل إلى إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام (عقيدة وفقها وتزكية وعملا من أجل نصرته ) ، ولذلك فالبناء على الدعوة غاية في الأهمية والضرورة ، وقد كان هو غالب جهد النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى يأمره بالصبر عليه ، قال تعالى {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } ، [ ( ثالثا ) : الاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أوجب الواجبات وأعظم القربات وابرز صفات المؤمنين ، وفيه مصلحة الأمة ونجاتها وبه يحافظ على الدين نقيا ظاهرا بعقائده وأركانه وشرائعه وأخلاقه وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير حيث تضيع العقائد والأركان وتُهمل الشرائع وتنتهك المحرمات وتنتشر الفواحش والرذائل ، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على كافة الأمم ، والأمة التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستحق اللعن من الله تعالى ، [ ( رابعاً ) : الجهاد في سبيل الله تعالى ] :  والجهاد في سبيل الله تعالى أعلى الواجبات وذروة سنام الإسلام ، والجهاد في سبيل الله تعالى يكون بالنفس والمال واللسان ، والجهاد له مراتب عديدة : تبدأ جهاد النفس ، وجهاد الشيطان ، وتشمل جهاد الكفار، وجهاد المنافقين، وجهاد البغاة المعتدين ، وجهاد المبتدعة المارقين ، وجهاد الظالمين والعاصين ، أمرنا الله تعالى بجهادها جميعاً بقوله تعالى : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } [  الحج : 78 ] ، أما جهاد النفس فيكون على الإيمان والعمل الصالح ، وإتباع الحق ، والصبر على الطاعة ، وجهاد الشيطان على ما يلقي إليه من الشهوات والشبهات ، والمعاصي والذنوب ، وجهاد الكفار بالمال والنفس ، وجهاد المنافقين بالمال واللسان واليد ، وجهاد المبتدعة والظالمين والعاصين ، يكون بنشر العلم الصحيح والدعــوة إلى الله تعالى ، وبالأمر بالمعـروف، والنـهي عن المنـكر، فجميع ذلك أنواع من الجهاد ، وأكمل الخلق جهادا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كمّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده ،  [ ( خامساً ) : العمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ] ، قال الله تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد ، وقال الله تعالى : { وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[المائدة: 2] ، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة ، وما أحوج الدين إلى تعاون المسلمين على نصرته ، [ ( سادساً ) علم السيرة والغزوات ] : وهو ذلك العلم الذي يتناول الواقع العملي لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الدين ، وفي الحسبة عليه ، وفي الجهاد في سبيل الله تعالى من أجل نشره وحفظه وتحقيق رسالته العملية على أرض الله تعالى وبين عباده ، وهو كذلك العلم الذي يتناول حياته وشخصيته من جميع الجوانب الأخلاقية والتربوية والعبادية والقيادية والسياسية والدعوية والحسبية والجهادية والإعلامية وغيرها من جوانب حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أنّها تتناول صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وهديه ، ودلائل نبوته ، وخصائصه وحقوقه على الأمة الإسلامية وعلى سائر الأمم ،  والسيرة النبوية تعين على فهم  الأصلين ( الكتاب والسنّة ) ، وتعين على فهم كافة الجوانب المتعلقة بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتعين على فهم كافة جوانب الدين ، [ ( سابعاً ) : علم سير الصحابة خير الناس بعد الأنبياء ] : ولدراسة سيرة الصحابة أهمية كبيرة تتمثل في معرفة ما هم عليه من الفضل والعمل لدين الله تعالى ، وضرورة الاقتداء بهم ، لأن نهجهم رضي الله عنهم  واجب الاتباع ، كما تفيدنا في فهم الدين كما فهموه والعمل به كما عملوا وحمل أمانته كما حملوا ، والدعوة إليه والحسبة عليه والجهاد في سبيل الله من أجل رفع رايته ، كما تفيدنا في تهذيب الأخلاق والسلوكِ بالاقتداءِ بِهم , كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه  : ( من كان منكم متأسيًا فليتأسَّ بأصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبرَّ هذهِ الأمة قلوباً , و أعمقها علمًا , وأقلَّها تكلفًا , و أقومها هديًا , وأحسنها حالاً , اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم , وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ) [تفسير القرطبي 95/1 ] ،  ومن أهم المؤلفات في تاريخ الصحابة :  كتاب أسد الغابة لابن الأثير ( ت 630 هـ ) ، ،  وكتاب الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر أحمد بن علي العسقلانِي ( ت 852 هـ ) ،  ، وكتاب حياة الصحابة لمحمد يوسف الكاندهلوي ، [ ( ثامناً ) : علم سنن الله تعالى التي لا تتبدل ] : ومن أهم تلك السنن : سنن التغيير وسنن الفلاح والغلبة وسنن النصر والتمكين وسنة الابتلاء والتمحيص ، وتكمن أهمية تلك السنن: في أن التاريخ يتبدل والشعوب تتبدل والدول تتبدل ولا تدوم على حال ، إلا أن سنن الله عز وعلا في كونه وفي خلقه لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير ،  قال تعالى :{ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } [فاطر: 43] ،  ولذلك فمن أهم ما علوم العمل الإسلامي اللازمة اليوم هو دراسة تلك السنن حتى يتعامل معها المسلمون على بصيرة وعلى دراية وعلى علم تام بها ، والعارف لتلك السنن لا يعاندها لأنها غلابة لا تتحول ولا تتبدل فيكون عمله لدين الإسلام في تقدم مستمر وفي طريقه نحو تحقيق أهدافه ،  [ ( تاسعاً ) : علم التاريخ الإسلامي ] : تكمن دراسة التاريخ : في معرفة الحقائق والسنن الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير ، ولهذا دعا الله تعالى الناس إلى تدبره في العديد من آيات القرآن الكريم لأنّها سنن الله تعالى في الكون والتي لا تتحول ولا تتبدل ، منها قوله تعالى : { فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } [ فاطر : 43 ، 44 ] ، ودراسة التاريخ يفيد في معرفة وتتبع السنن والقوانين الربانية التي تحكم هذا الكون ، تلك السنن والقوانين التي أوجدها الله تعالى بحكمته ، وجعلها لا تجامل أحدا ، ولا تتبدل ولا تتغير لهوى أحد ، ولا تنحرف عن مسارها من أجل أحد ، وإلا فسد نظام الكون ، والذين يتقنون فقه هذه السنن وفقه الاستفادة منها وفقه تطبيقها هم الذين يستمرون في الحياة ويتفوقون في ميادينها ،  ودراسة التاريخ يفيد في الاتعاظ والاعتبار بأحداثه ، قال تعالى : {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ}[ يوسف : 111] ، وإذا كان التاريخ يعيد نفسه ويكرر أحداثه ، لأنّ أحداث التاريخ هي سنن الله الكونية القدرية الثابتة التي لا تتبدل ، فلذلك يتحتم علينا دراسة تاريخ أمة الإسلام  منذ نشأتها وظهورها في الأرض وانتشارها وسيطرتها على أكثر من نصف الكرة الأرضية ، وما هي العوامل التي أدت إلى قوتها وعزتها آنذاك ، وما هي العوامل التي أدت بعد ذلك إلى ضعفها وهوانها ، وهزيمتها ، فبدراسة التاريخ يمكننا أن نعرف أسباب النصر وأسباب الهزيمة في حياة المسلمين ، وذلك لأخذ العبرة والعظة، ودراسة عوامل النصر ومقوماته، ثم أسباب الهزيمة ونتائجها ، واستخراج الدروس والعبر من كل ذلك ،  [ ( عاشراً ) : علم فقه الواقع المعاصر ] : وهذا العلم يتكون من شقين ( فهم الواقع ) و ( كيفية إصلاح الواقع ) ، فالشق الأول : معرفة واقع الأمة الإسلامية المعاصر :  ويشمل المعرفة الدقيقة والفهم العميق للواقع الإسلامي المعاصر ، ومقارنته بغيره من واقع الأمم من حيث القوة والضعف ، ويتناول معرفة أعدائه الحقيقيين ، وما يكيدون له من مكائد وما يدبرون له من خطط ، ومعرفة أشد الناس له عداوة ، وأقربهم إليه مودة ، ومعرفة القوى الحقيقية المهيمنة على الوضع العالمي ، ومعرفة مخططاتها الخبيثة لحرب الإسلام والمسلمين ، ومعرفة ما عندها من إمكانات لتحقيق مخططاتها ، و ( الجانب الثاني ) : معرفة الطريق إلى تغيير الواقع الإسلامي من الاستضعاف إلى التمكين : ويتناول معرفة السبل المشروعة لحماية الأمة من أعدائها ، وإفشال مخططاتهم ، ومن ثم تفوقها عليهم والسير قدما نحو تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية العالمية على أرض الله تعالى وبين عباده ، لقد حدثت تطورات عالمية هامة وكبيرة في التاريخ الدولي الحديث غيرت مفاهيم القوي والحروب والصراعات ، وزادت الفجوة العسكرية بين أهل الكفر والشرك وبين المسلمين ، بما يستحيل معه دخول صراعات معها دون سابق إعداد هائل يكافئ موازين القوي والصراع ، وأي تغرير بالمسلمين اكبر من شد الامة الإسلامية نحو مواجهة غير متكافئة مع هؤلاء ، إنّ القوة هي الأساس الذي يحكم العلاقات بين الدول ، فإنّ القوي يفرض شروطه على الضعيف ، ولذلك وجدنا كل مقدرات وممتلكات الدول الإسلامية شبه مسروقة قسرا من أولئك إما بالتهديد المباشر أو بفرض شروط القوي على الضعيف ، أو بمجرد التلويح باستخدام القوة ، تعلم الغرب من الماضي ولم يتعلم المسلمون ، فإنهم لأجل الاحتفـاظ بالتفوق المادي والعسكري حرصوا على تفتييت الدول الإسلامية إلى دويلات ، ومنعوا المسلمين من امتلاك المعرفة العسكرية والقوة العسكرية والتقنية العسكرية حتى يظل المسلمون في ضعف وهوان وحاجة دائمة ذليلة للغرب ، إنّ هؤلاء  لا يزالون على مر العصور والأيام على مكرهم وكيدهم وعدائهم للإسلام وأهله ، قال تعالى : { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } ، ولهذا كان العلاج الرباني بقوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } [ الأنفال : 60 ] ،  فالإعداد أقصى استطاعة هو السبيل لتكافئ القوى ، وقد أوجب الله تعالى على أمة الإسلام الإعداد الدائم ، وبغير الإعداد تتفاوت الموازيين ، ويصعب مواجهة الاعداء ،  إن من أهم أسباب تخلف المسلمين في عصرها الحاضر هو الجهل بالواقع  ، وغفلتهم عن الحجم الرهيب من الكيد الذي  يكيده الأعداء ويخططون له ، والمسلمون - اليوم - لا بديل لهم عن فقه الواقع واستيعابه ، ودراسة مخططات الأعداء ضد الأمة ، ومن ثم بناء الخطط الملائمة للنهوض بذلك الواقع ،

[  19 ]  العلوم المتعلقة بأنظمة الدين : أنظمة الدين ربانية متكاملة تتناول كافة جوانب الحياة ، النظام السياسي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحرس الإسلام ويسوس الدنيا به ، والنظام الاجتماعي في الإسلام وهو نظام رباني يسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب الفضيلة ، ونِظامُ الحِسْبَة على المجتمع في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحرس الدين ويحفظه ، والنظام المالي الاقتصادي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحقق التكافل والعدالة ، والنظام التشريعي والجزائي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحقق العدل والأمن والأمان ، والنظام النظام التربوي والتعليمي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل ينشر الربانية والعلم النافع ، والنظام الجهادي افي الإسلام وهو نظام رباني متكامل له عقيدة جهادية ربانية واضحة ، والنظام الإعلامي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يبلغ رسالة الإسلام إلى الناس كافة ،

[  20  ]  الفهم الصحيح لجوانب الكمال والشمول والحسن في دين الإسلام  :  فمن جوانب الكمال في دين الإسلام : أنه إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة ، قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28] ، وأنه الدين الوحيد المقبول عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، وأنه كله من عند الله لا دخل للبشر في شيء من قواعده وأصوله ، قال تعالى : { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى  } [ النجم : 3 ، 4 ]  فإنّ كل ما فيه من عقائد وشرائع وقيم واخلاق مصدرها الخالص هو الله الحكيم العليم ، وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التلقي والحفظ { سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى } [ الأعلى : 6 ] ، ثم التبليغ والدعوة {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [ المائدة : 67 ] ،  ثم التفسير والبيان {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ النحل. : 44 ] ، ثم تولى الله تعالى حفظه على مر العصور ، قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] ،  ومن جوانب الشمول والتكامل في دين الإسلام أنه تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة ، على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة ، قال تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [ النحل : 89 ] ،  ففيه كافة الأنظمة التي يحتاج إليها الناس في مجالات الحياة الدنيا وأنشطتها بما يحقق العدل والأمن والفلاح ، قال تعالى : { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الملك : 14 ] ، ومن جوانب الحسن في دين الإسلام أنه دين اليسر والرحمة ورفع الحرج ، قال تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ  } [ البقرة : 185 ] وقال تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  } [ الحج : 78 ] ، وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] ، فهذه بعض جوانب ذلك الدين القيم بكل ما يحمله ذلك الوصف من معاني كريمة ومبادئ سامية وقيم عالية ، وأخلاق عظيمة ، قال تعالى : {  ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ الروم  : 30 ]  ،

[  خاتمة الحديث عن العلم الحادي عشر : علم الإحاطة بكافة جوانب الدين ] : إن كل ما سبق مما تيسر بيانه من لبنات علم الإحاطة بكافة جوانب الدين هو مما يحتاجه المسلمون في هذا الزمان ، وذلك للقضاء على جانب الخلل والقصور في فهم الدين ، والبلوغ بالمسلم إلى سنام الفهم الصحيح المحيط بكافة جوانب الدين الفكرية والعلمية والعملية ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم العاشر : ( علم التصوف ) وذلك لأخذ التزكية من أهلها المتخصصين

[  1  ] عُرفت مدارس التزكية والإحسان بمدارس التصوف ، والتصوف يحمل في معانيه التزكية والتربية والأخلاق والسوك والإحسان ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، فقد عُرف المتخصصون في هذا الجانب باسم الصوفية منذ ما يزيد على ألف عام ، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وعلى ذلك ، وقد تعارف العلماء على ذلك منذ مئات السنين ، وجميعها مدارس علمية وسلوكية متخصصة ، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [ الْأَعلى : 14 ] ، وأيا كانت التسمية ، ( التزكية أو التصوف )  فإن المقصود هو ثلث الدين الأعلى ، ثلث ( الإحسان ) ، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، ومن أشهرها عند أهل السنة  الطريقة القادرية والطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية وغيرها من الطرق الفاضلة التي تدل على طريق الله تعالى ضمن إطار منهج الحق ، وبهذه المذاهب العقدية والفقهية والسلوكية المتخصصة يتضح الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة ، سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،

[  2  ] بداية ظهور التصوف كعلم للتزكية : القرآن الكريم شمل أصول وقواعد العلوم جميعا ومنها : ( علم الفقه وعلم العقيدة وعلم التزكية ) وكان الصحابة والتابعون على دراية بهذه العلوم ينقلونها للناس يعلمونها لهم دون فصل بينها ، وبعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين ، ودخول الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه ، فنشأ علم النحو ، وعلم أحكام التلاوة ، ثم احتاج الناس إلى معرفة  كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث ، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم  فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث ، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير ، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه ، ، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه ، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد ( علم العقيدة وأصول الدين ) ، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية ، وبالقلب والهمة ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص ، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، قال ابن خلدون في مقدمته : " وهذا العلم -  يعني التصوف -  من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة ، والانقطاع إلى الله تعالى ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد عن الخلق ، والخلوة للعبادة ، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا ، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية ) أهـ [ مقدمة ابن خلدون ص 329 ] ،

[  3  ]  التصوف هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام  :  كما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد ، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا  ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ، وعلى مر العصور تتبلور العلوم ، وتتخصص المدارس العلمية ، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم ، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة ، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح ، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام  ،

[  4  ] التصوف هو المرادف للتزكية في اصطلاح القران الكريم ، وهو المرادف للإحسان في اصطلاح الحديث الشريف  :  التصوف هو المرادف لمصطلح ( التزكية ) المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) } [ الْأَعلى : 14 ] ، وقوله تعالى : { جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } [ طه : 76 ] ، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ آل عمران : 164 ] ، وقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  } [ الجمعة :2 ] ، وكذلك فإن ( التصوف ) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل ( التصوف ) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان ، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية ، و ( التصوف ) علم عظيم من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، 

[  5  ] لماذا  إذن  استعمال مصطلح التصوف وليس التزكية أو الإحسان :  إن مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وعلى ذلك ، فما الداعي إلى تغيير اسم مصطلح لن يغير من المعنى شيئا ، ثم من يملك تغيير اسم الفقه أو العقيدة أو التصوف ، وقد تعارف عليها منذ مئات السنين ، وهي مدارس علمية متخصصة ، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [ الْأَعلى : 14 ] ، وأيا كانت التسمية ، ( التزكية أو التصوف )  فإن المقصود هو تجديد المضمون وتصحيح المسار لجانب يمثل ثلث الدين الأعلى ، ثلث ( الإحسان ) ، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، ولا ينبغي تضييع الوقت والجهد في تغيير مسمى قد عُرف على ما يزيد من ألف عام ، فلنركز الجهد على تجديد التصوف وإصلاح الصوفية ، حتى يتم بتجديدها تجديد مرتبة الإحسان ثلث الدين الأعلى ، والله المستعان ، يقول العلامة عبد القادر عيسى في كتابه القيم (( حقائق عن التصوف )) :  التصوف أشهر من أن يحتاج في تعريفه إلى قياس لفظٍ ، واحتياج اشتقاق ،   وإنكار بعض الناس على هذا اللفظ بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة والتابعين مردود ، إذ كثيرٌ من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة ، واستُعملت ولم تُنكَر ، كالنحو والفقه والمنطق ،   وعلى كلٌّ فإننا لا نهتم بالتعابير والألفاظ ، بقَدْرِ اهتمامنا بالحقائق والأسس. ونحن إذ ندعو إلى التصوف إنما نقصد به تزكية النفوس وصفاء القلوب ، وإصلاح الأخلاق ، والوصول إلى مرتبة الإحسان ، نحن نسمي ذلك تصوفاً. وإن شئت فسمه الجانب الروحي في الإسلام ، أو الجانب الإحساني ، أو الجانب الأخلاقي ، أو سمه ما شئت مما يتفق مع حقيقته وجوهره؛ إلاَّ أن علماء الأمة قد توارثوا اسم التصوف وحقيقته عن أسلافهم من المرشدين منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا ، فصار عُرفاً فيهم. [ حقائق عن التصوف الباب الاول تعريف التصوف ] ، 

[  6  ] تعريف التصوف وبيان ما هو المقصود بالتصوف :  ( أ ) تعريف التصوف من حيث اللغة : لا يهمنا ها هنا  المعنى اللغوي للتصوف ، بقدر أهمية المقصود به ، المعنى اللغوي قد يكون اشتق من لبس الصوف لأن أوائل السادة الصوفية كانوا أئمة الزهد في الدنيا فكانوا يلبسون الصوف فكان علامة لهم ، ولكن المعنى الحقيقي له هو : أنه علم إسلامي يستمد أصوله من الكتاب والسنة ، يتعلق بتحقيق التزكية القلبية وتحقيق مرتبة الإحسان ، ونظرا لسعة علم التصوف واتساع جوانبه ، لذلك كثرت الأقوال في تعريف التصوف ، كل منها يشير إلى جانب رئيسي في التصوف ، قال الشيخ العلامة أحمد زروق رحمه الله : ( وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين ، مرجعها كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى ) [ "قواعد التصوف" ص2 ] ، ألفي تعريف وكل تعريف منها يشيـر إلـى جانب من جوانب التصوف : منها على سبيل المثال :  قال سيد الطائفة الإمام الجنيد رحمه الله ( ت : سنة 297ه  ) : (( التصوف استعمال كل خلق سني ، وترك كل خلق دني )) [ "النصرة النبوية" للشيخ مصطفى المدني ص22 ] ، وقال القاضي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله ( ت : سنة 929ه )ـ :   (( التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس ، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية )) [ على هامش "الرسالة القشيرية" ص7 ] ،

[  7  ] نشأة علم التصوف وبداية ظهور مصطلح الصوفية :  يقول القشيري رحمه الله : " اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام ، إذ لا أفضلية فوقها ، فقيل لهم "الصحابة" ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين "الزهاد" و"العُبَّاد" ، ثم ظهرت البدعة ، وحصل التداعي بين الفرق ، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا ، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى ، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم "التصوف" ، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة " أهـ [ مقدمة الرسالة القشيرية ] ، 

[  8 ]  أركان علم التصوف : أركان علم التصوف أربعة : ( الأول ) معرفة جناب ذات الله تعالى وتقدس وما يجب له من التسبيح والتقديس والتنزيه والتعظيم ، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتوحيده سبحانه في إلهيته ربوبيته وعبوديته لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، ( الثاني ) معرفة النفوس وشرورها ودواعيها والطريق إلى تخليتها عن دسائسها وتحليتها بتزكيتها ، قال تعالى : { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ، و ( الثالث ) معرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله وكيفية التغلب على مكائده ، قال تعالى { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ، و ( الرابع ) ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها ، وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها وضرورة الزهد فيها ، قال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، وقال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } ، ثم ألزموا أنفسهم  بعد توطئة هذه الأركان : دوام المجاهدة ، وشدة المكابدة ، وحفظ الأوقات ، واغتنام الطاعات ، ومفارقة الراحات ، والزهد في الدنيا الفانية ، وإيثار الآخرة الباقية ، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله خير الجزاء ، ( تنبيه ) مع احترام التخصص لابد من الإصلاح والتجديد ، وإذا كان الدين نفسه يحتاج إلى إصلاح وتجديد كل مائة عام ، فإن التصوف القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين يحتاج أيضا إلى إصلاح وتجديد ، وذلك بإصلاح جوانب الخلل التي أصابت التصوف بفعل عوامل طول الزمان ووجود الجهلاء والأدعياء ، مع التنبيه على وجوب أخذه من اهله المتخصصين ،

[  9  ] ( تاريخ التصوف الاسلامي ) : ويمكن اختصاره إلى ثلاث مراحل : ( المرحلة الأولى ) : كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة ، في بدايات القرن الثاني ، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير ، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية : من أمثال الحسن البصري ( ت ١١٠ هـ ) ،  وإبراهيم بن أدهم البلخي ( ت ١١6 هـ ) ،  ورابعة العدوية ( 185هـ ) ، والفضيل بن عياض الخراساني ( ت ١87 هـ ) ،  ومعروف الكرخي ، ( ت 201 هـ ) ، وأبو سليمان الداراني ( ت205هـ ) ، وبشر بن الحارث الحافي ( ت 227 هـ ) ،  والحارث بن أسد المحاسبي ( ت 243 هـ ) ، وذي النون المصري ( ت 245 هـ ) ، وسري بن المغلس السقطي ( ت 257 هـ ) ،  ويحيى بن معاذ الرازي الواعظ ( ت 258 هـ ) ، وأبو اليزيد البسطامي ( ت263هـ ) ،  وأحمد بن عيسى الخراز ( ت 277 هـ ) ،  وسهل بن عبدالله التستري ( ت 283 هـ ) ، وأبي القاسم الجنيد البغدادي ( ت 297 هـ ) ،  ورويم بن أحمد البغدادي ( ت 303 هـ )  ، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف ، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد ، وبداية التمييز عن علماء الفقه ، بعلم التزكية والتصوف ، ( المرحلة الثانية ) : وهي المرحلة التي  ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف ، أبو نصر السرّاج الطوسي ( ت378هـ ) في كتابه اللمع في التصوف " و" أبو بكر محمد الكلاباذي ( ت380هـ ) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف" و" أبو طالب المكي ( ت386هـ ) في كتابه قوت القلوب" و" أبو القاسم القشيري ( ت465هـ ) في الرسالة القشيرية" وهي من أهم الكتب في التصوف و" الغزالي ( ت505هـ ) في كتابه إحياء علوم الدين ، ( المرحلة الثالثة ) : وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية ، ومدارس التصوف والتربية والتزكية في العالم الإسلامي ، على يد الربانيين من أهل التصوف ،  ومن أشهر تلك الطرق التربوية : الطريقة القادرية التي  أسّسها الشيخ عبد القادر الجيلاني ( ت561هـ ) ، والطريقة الرُفاعية التي أسسها الشيخ أحمد الرفاعي ( ت 578هـ ) ، والطريقة الشاذلية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي ( ت656هـ ) ، والطريقة الأحمدية أو البدوية التي أسسها الشيخ أحمد البدوي ( ت 634 هـ ) ، والطريقة المولوية التي أسسها الشيخ جلال الدين الرومي ( ت672ه‍ـ ) ، والطريقة البرهامية أو الطريقة الدسوقية التي اسسها الشيخ إبراهيم الدسوقي ( ت 676هـ ) ، والطريقة النَقشبندية التي أسسها الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي ( ت791هـ ) ، والطريقة الخلوتية التي أسسها الشيخ محمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي ، ( ت 986 هـ ) ، والطريقة السنوسية التي أسسها الشيخ محمد بن على السنوسي ( ت 1202 هـ ) ، والطريقة التيجانية التي أسسها الشيخ أحمد التيجاني ( ت1230ه‍ ) ، الطريقة المرغنية التي أسسها الشيخ محمد بن عثمان المرغني السوداني ( ت 1267 هـ ) ،

[  10  ] ( الطرق الصوفية ) :  هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل ، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية ، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية ، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله ، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها ، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة ، فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر ، وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر ، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلا ، ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين ، ( أنواع الطرق ) : توجد ثلاثة أنواع من الطرق وهي : طريقة التبرك ، وطريقة الإرشاد ، وطريقة التربية والترقية ، وذلك حسب مستوى شيخ الطريقة، فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح ، ويقف دوره عند هذا التبليغ ، وينال الآخذ عنه بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ينال ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزم بها ، وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك ، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات. فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة. وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر ، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة  في مقام ( أن تعبد الله كأنك تراه ) ،

[  11  ] أصالة علم التصوف وانتسابه إلى الكتاب والسنة :  التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة ، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان ، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم ، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه ،  فلقد اهتم القرآن الكريم بعلم التصوف اهتماماً كبيرا ، وأولى له ولاية عظيمة ، بما حوى من أسس التزكية المتمثلة في الكم الكبير من الآيات التي تأمر بمقامات التزكية القلبية ، تلك الآيات التي تأمر بالخوف والرجاء والمحبة والتوكل والرضا ، وتلك الآيات التي تأمر بالتوبة والمراقبة والتقوى والإحسان ، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تطهير النفس عن دسائس الأخلاق كالكذب والنفاق والظلم والعدوان والحسد والكبر والغرور ، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تحلية القلب بعظيم الأخلاق كالتواضع والبر والصدق وغيرها من تعظيم الأخلاق ، أضف إلى ذلك أن جميع العبادات التي أمر بها القرآن من صلاة وصيام وزكاة وذكر وتلاوة للقرآن إنما هي كذلك لأنها طريق إلى تزكية القلوب وطهارتها ، كما أن أحد أكبر مهمات الرسول بين المسلمين هي تزكيتهم كما جاء في قوله تعالى : { ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } ، وقد رسم الرسول صلى الله عليه وسلم المنهاج المتكامل لأصول وقواعد ما سيسمى بعد ذلك بعلم التصوف ، كما أن مبادئ هذا العلم كانت في عهد السلف الكرام ، حيث ضربوا أروع الأمثلة على التزكية والصفاء والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله ، وصفاء النفس وسلامة الضمير ، وتصفية النفوس من طبائعها الرديئة ، وتخليصها من شهواتها الطاغية واتصافها بمكارم الأخلاق وسني الآداب ، وهل التصوف سوى هذه الأخلاق العظام ، 

[  12  ] برآءة التصوف الإسلامي من الانتساب إلى الأديان الأُخرى :  التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة ، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان ، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم ، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه ، أما الزعم الفاجر بان التصوف يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة ، فهذا ظلم بين لعلم التصوف ، وجحود واضح لأهله الصادقين المخلصين ، والله تعالى أمرنا بالإنصاف مع الكافرين في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [ المائدة : 8 ] ، فكيف بالإنصاف مع عباده الصالحين وأوليائه المحسنين ، وفي الحديث الصحيح : (( إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينّه ، ولئن استعاذني لأعيذنّه )) [ أخرجه البخاري ] ، وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث ،  يقول الشيخ حسني حسن الشريف في كتابه القيم ( الدلالة النورانية ) : " ( سؤال ) : يُتَّهم التصوف من بعض الجهلة وأدعياء العلم بأنه مستقى من أصول غير إسلامية كالفارسية والهندوسية والبراهمية ، كما أَطلق بعض أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم اسم التصوف على الرهبنة والبوذية والكهانة النصرانية والشعوذة الهندية ، فقالوا هناك تصوف بوذي وهندي ونصراني وفارسي؛ أين التصوف من كل هذا ، وأين هو من الشرع الإسلامي؟ ،  ( جواب ) : إن علم التصوف مستمد من الكتاب والسنة النبوية جملةً وتفصيلاً ، ومما سبق من نصوص يتبين لنا أن التصوف ليس أمراً مستحدثاً جديداً ، ولكنه مأخوذ من الكتاب والسنة وحياة الصحابة الكرام ، ومن إلهامات الصالحين الربانيين وفتوحات العارفين الصديقين. وعلى القارئ إذا أراد أن يتبحر في ذلك أن يعود إلى كتاب إحياء علوم الدين للغزالي ، وأن يقرأ في أربعة كتب منه وهي : «كتاب العبادات» و «كتاب العادات» و «كتاب المهلكات» و «كتاب المنجيات» ليعرف السالك أن التصوف هو التطبيق العملي للإسلام وأنه يستمد فكره من الكتاب والسنة ، وأنه ليس هناك فعلاً إلا التصوف الإسلامي فقط. وإنما أُريدَ بتلك التهم تشويه اسم التصوف باتهامه بأنه يرجع في نشأته إلى تلك الأصول القديمة والفلسفات الضالة ، ومن ثَم إبعاد المسلمين عن حقيقة وجوهر وروح دينهم ، حتى يكونوا مجردين من الروح والخلق ، حافظين لنصوص دينهم دون عمل وفهم وتذوق ،   إن مصدر علوم التصوف هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو أفضل الخلق بالإجماع. وقد جاءت هذه العلوم لتحقيق الكمالات علماً وعملاً وحالاً ، ولتكميل العقائد وتطهير النفوس وتحسين الأخلاق. وهذه رسالته صلى الله عليه وسلم ،  أما ثبوت شرف التصوف ، فلا شك أن الكتاب والسنة وإجماع الأئمة وردت بمدح جزيئات التصوف ودعائمه ، كالتوبة والتقوى والإحسان والاستقامة والصدق والإخلاص والطمأنينة والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والمراقبة والصبر والشكر وغير ذلك من المسائل. وهذه ليست جديده ولا مبتدعة ، وليست قديمة من فلسفات الفرس والهندوس وغيرها ، إنما هي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما ربطنا بها إلا حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،  فالصوفية أتبع الناس وأكثرهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودل ذلك على أنهم أحب الخلق إلى الله. قال تعالى : {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [ آل عمران : 31 ]  وروى البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ) وعلامة المحبة الإتّباع ،  أما حكم الشرع في التصوف فقد قال الغزالي : ( إنه فرض عين ، إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم السلام ) على اعتبار أن التصوف هو المدخل إلى تزكية الأنفس. وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله : ( من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصِرّاً على الكبائر من حيث لا يشعر ولا يدري " أهـ [ الدلالة النورانية ] ، 

[  13  ] التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ، ولابد من إنصافه ورد الاعتبار إليه :  ( أ ) دين الإسلام جاء بتزكية الظاهر والباطن ، قال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَعراف : 33 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَنعام : 151 ] ، وقد تكفل علم التصوف بتزكية الباطن ، لأن من تعريفات التصوف أنه (( العلم الذي يعرف به كيفية تصفية الباطن وتخلية القلب عن صفاته الذميمة ، حتى يتوصل إلى تزكيته وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق )) وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وقد قال تعالى : { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الشعراء : 88-89 ] ، والتصوف – كما هو معلوم لأهله - يتخصص في تزكية القلب بطهارته من الكفر والشرك والنفاق والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ... ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق .. ، وهذا القسم الذي تخصص فيه التصوف هو القسم الأهم لقوله صلى الله عليه وسلم  : (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )) [ أخرجه البخاري ( 52 ) ، ومسلم ( 2523 ) ]  وقوله صلى الله عليه وسلم  : ( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) [ أخرجه مسلم ( 2564 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  ( ... التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) [ أخرجه البخاري ( 5718 ) ومسلم ( 2559 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  ( إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه ) [ أخرجه الترمذي في كتاب فضائل الجهاد ( 23 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  ( إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم ) [ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( 19 : 76 ) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  ( اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) [ أخرجه الترمذي ( 1988 ) وأحمد ( 5 : 53 و 158و 228 و 236 ) ] ، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر ، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة ، والحق يقال أنه على مر عصور الإسلام فإن للسادة الصوفية الحظ الأوفر من الوراثة النبوية في تحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والورع والتوكل والرضا والأدب والتسليم والمحبة والذكر والمراقبة  ،  ( ب ) التصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس ، وقد كان السادة الصوفية هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان ، ولذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي : بعد أن اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة ، وطريقتهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.. ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم : وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ) [ المنقذ من الضلال ]  ،  ( ت ) إن التكاليف الشرعية المتعلقة بالقلب أهم من التكاليف الشرعية المتعلقة بالبدن - وإن كان الكل مُهمَّاً – وذلك لأن الباطن أساس الظاهر ومصدره ، وأعماله مبدأ أعمال الظاهر ، ففي فساده إخلال بقيمة الأعمال الظاهرة ، وفي الحديث ما يدل على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم : (( ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحتْ صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب" [ متفق عليه ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم (( إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم )) [ أخرجه مسلم ] ، وما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة ، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها ، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها ، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً ، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [ الشعراء : 88 - 89 ] ، قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله : ( وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها ، فقال الغزالي : إنها فرض عين ) [ "الأشباه والنظائر" للسيوطي ص504 ] ،   ويقول العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة : ( إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين ، ومثلها غيرها من آفات النفوس ، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة ، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل ، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من "الإحياء". قال فيه : ولا ينفك عنها بشر ، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه ، وإزالتها فرض عين ، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها ، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه ) [ "حاشية ابن عابدين" المسماة رد المحتار على الدر المختار ج1 : ص31 ] ،  ( ث ) إن التصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة الأمراض القلبية ، وتزكية النفس والتخلص من صفاتها الناقصة ، قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته : " علمٌ به تصفيةُ البواطنْ ... مِن كدَرَات النفس في المواطنْ " ، قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت : " التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس ، أي عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبر والرياء والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء ، لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته ، فبعلم التصوف يُتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى ، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى ) [ "النصرة النبوية" للشيخ مصطفى إسماعيل المدني على هامش شرح الرائية للفاسي ص 26 ] ،  ( ج ) إن التصوف هو العلم الذي اختص بتحلية النفس بالصفات الكاملة  كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب والمحبة والذكر والمراقبة ، وللصوفية في هذا المجال الحظ الأوفر من الوراثة النبوية ،  ( ح ) التصوف هو العلم الذي اهتم برسم الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الكمال الإيماني والخُلُقي ، وليس كما يظن بعض الناس أنه مجرد اجتماع لذكر الله وقراءة الأوراد وحسب ، بل نقول ( التصوف ) منهج عملي كامل ، يحقق صلاح المسلم وتهذيب أخلاقه وتحوله إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة ، تعيش في درجات الإحسان ، ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته ، ويتجلى لنا بوضوح ، أنه علم إسلامي قيم ، لا غنى عنه لكل مسلم ، كما لا غنى له عن علوم العقيدة التي تصلح الاعتقاد وعلوم الفقه التي تصلح العبادات والمعاملات ، وأنه ( علم التصوف ) العلم الذي يصلح القلوب والأخلاق وبه يصل العبد إلى مرضاة الله ،  ( خ ) علم التصوف من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ولابد من إنصافه ، لان ( التصوف ) هو مقام الاحسان من الاسلام الذي ورد في حديث جبريل المشهور حيث ينتقل العبد من مقام الايمان  بالغيب إلى مقام شهود الغيب ( أن تعبد الله كأنك تراه ) ، وهذا لا يتأتى إلا بتصفية القلب وتخليصه من كثير من السحب المتلبدة عليه ، و  ( التصوف ) مرتبة عالية تتمثل في إصلاح القلب بالوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا ، وهو ‏مبني على الكتاب والسنة وذلك باتباع شرع الله تعالى والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ‏الأخلاق والأحوال ، والأكل من الحلال ، وإخلاص النية في جميع الأفعال ، وتسليم الامور كلها ‏لله من غير إهمال في واجب ولا مقاربة محظور ، وحاصله اتصاف بجميع المحامد وترك لجميع الأوصاف ‏الذميمة ،  وهو مسلك قائم على العلم والعمل ، وله منازل أعلاها المشاهدة ( أن تعبد الله كأنك تراه ) وأولها المراقبة ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) وله مقامات عديدة شريفة منها التوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والصدق والإخلاص والصبر والورع والزهد والرضا والتوكل والشكر ، و ( التصوف ) هو الطريق المؤدي إلى أرقى درجات الكمال الإيماني والإحساني الذي به يتحقق مقام الشهود وحق اليقين ، وهو الطريق إلى مدارج السالكين ومراقي الصاعدين إلى مرضاة رب العالمين ،  ( د ) علم التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة علم من أجَّلِ العلوم الإسلامية ، ولابد وأن ينصف ، ولو رجعنا إلى علماء الأمة الأفاضل العلماء الأبرار الأخيار لوجدنا أكثرهم ينتمي إلى التصوف أو يثني عليه خيرا ،ولكن التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء ، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف ، بل ضررهم على أنفسهم ، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين ، ويصححون مسار التصوف ، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف ، ( ذ ) هناك فريق يدعي الإصلاح يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره ، وهؤلاء يريدون ان يأخذوا التصوف ببعض أدعيائه ؟ وهم  يبذلون كل الوسائل المتاحة لمحاربته ، ويصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال ، ثم تراهم يكفرون الصوفية كلها بمقولة وجدها في كتاب ما مدسوسة على احدهم ، أو قالها في ساعة ذهول لا يقصدها ، _ كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال : اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح _  إن الأصل في ديننا أنه ما من معصوم في هذه الأمة سوى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجميع العلماء بعده والطوائف كذلك يؤخذ منها ويرد عليها وهم غير معصومين عن الخطأ ، أخطاؤهم غير مقبولة كدين ، ونغض الطرف عن عثرات علمائهم  لأنه الأدب مع العلماء الذين لهم فضل ننظر إلى محاسنهم ونترك المساوئ  والعثرات ،  ( ر ) إن كلمة ( صوفي ) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء ، وصفة مدح ، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى ، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره ، وابادة التصوف وأهله ، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة ، فهل بعد هذا التنطع من تنطع ، وأين يذهب تسعة أعشار أهل السنة في العالم اليوم في مصر والسودان ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين ، هذا اليوم ، فما بالنا بهم على مر عصور الإسلام السابقة ،  وقد كان جمهورهم ينتسب إلى مدارس التصوف ، وأين يذهب الجنيد وأصحابه ، وحجة الإسلام الغزالي وأتباعه ، وعبد القادر الجيلاني والرفاعي والشاذلي وأمثالهم من الربانيين والملايين من أتباعهم ، إن هؤلاء هم سادة التزكية وأقطاب التصوف ودعائم الأخلاق ، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته ، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام ،  ( ز ) ليس معنى ذلك أن نبرأ الصوفية من كل خطأ وأنهم معصومون ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف ، ولابد من التصحيح حتى يسير التصوف في إتمام مهمته من تزكية النفس وبناء أمة الأخلاق في خضم زمان لا يعرف أهله سوى الماديات  ،

[  14  ] التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ، ولابد من تصفيته من الدخن والخلل : ( أ ) لابد من تصفية التصوف من الدخن والخلل ، والعودة به إلى تزكية الكتاب والسنة ، لقد أساء –  على مر عصور الإسلام - أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه وادِّعائهم له مع خيانة مبادئه ومخالفة أوامره ، وأساء آخرون باعتراضهم عليه جملة وتفصيلا ، إن واجبنا نحو التصوف اليوم هو التزام المبادئ الإيجابية التي جاء بها التصوف الإسلامي ، مع إصلاحه و تجديد أمره وإعادته إلى تزكية القرآن والسنة وتأكيد ارتباطه بالكتاب والسنة ، لأنه - بحق - علم رباني من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة  ،  ( ب ) لابد من تجديد أمر التصوف وتصفيته من الدخن والخلل : فإن ( الصوفية ) طائفة إسلامية كبيرة من طوائف أهل السنة والجماعة ، تنتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي ، وهي مثل بقية الطوائف الإسلامية كالمحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين ، فيهم الصالح والطالح ، والصحيح والفاسد والمصيب والمخطئ ولا يصح أن ننسب إلى أي طائفة من هؤلاء الطالح والفاسد والمخطئ فقط. فعندما يقال ( الصوفية ) فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض ، ومعروف الكرخي ، وبشر الحافي وعبد القادر الجيلاني والجنيد وغيرهم كثير من الأولياء والصالحين على مر عصور الإسلام ،  ولا يراد بالصوفية أولئك الدجالون المخرفون المخالفون للكتاب والسنة ، الذين دخلوا على التصوف فأفسدوه ، لذلك وجب عدم خلط الأوراق بعضها من بعض فالعدل مطلوب مع العدو الكافر ، فضلاً عن كل المسلم ، فضلا عن من انتسب إلى إطار الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ، أما إلقاء التهم اعتباطا ليس من خلق المسلم ، والصوفية أسم جامع لطائفة عظيمة من المسلمين ، نخص منهم أولئك الصالحين المتمسكون بالكتاب والسنة والقائمون على ثغور مهمة التزكية التي هي إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذه الطائفة هي المقصودة بالتصوف الصافي النقي الصحيح الذي قام على صفاء النفس من الكدر ، وامتلائها من الفكر والذكر والخلق العظيم ، وتحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب دين الإسلام ،  إن من الإنصاف أن نذكر فضل التصوف الصحيح الذي نهض برسالته منذ فجر الدعوة الإسلامية ، في التزكية والإحسان وبناء المؤمن الحق ، وكان رجال التصوف السابقون مدارس التربية والتزكية داخل المجتمع الإسلامي ، وكان بهم يتحقق تكامل العلم والسلوك ، وكانوا في الجهاد في مقدمة صفوف المجاهدين يحثونهم على التعلق بالآخرة ، والشوق إلى لقاء الله ، وكانوا ينشئون الرباطات على أطراف المدن الإسلامية وثغورها المتاخمة للأعداء ، فكانوا يشتغلون فيها بذكر الله حتى إذا ما دعاهم داعي الجهاد ، كانوا خيل الله السابقة ، وكانوا هم أئمة الدعوة إلى الله ، يصلون بدعوة الإسلام إلى المواقع التي لم تكن تبلغها جيوش الفتح العسكري ، فكان الدعاة من رجال التصوف يتكفلون بهذه الرسالة ، ينشرون الإسلام في مختلف أنحاء الأرض ، هذا هو التصوف الحق المستمد من قواعد الكتاب والسنة وأحوال السلف الصالح ، وهو التصوف الصافي الذي كان الفقهاء يعتبرون أنه من الشرف الانتساب إليه  وانه بنقائه جزء مهم في تكوين شخصية كل مسلم ،  ولكننا - اليوم -  نرى التصوف قد اختلط بصفائه بعض الأخطاء مما جعل الكثيرين لا ينظرون إليه بعين الرضا والقبول ، بل بعين الشك والريبة ، فلابد من تجديد التصوف ، حتى نزيل عنه ما ليس منه ، وننقيه من العثرات والهفوات ، ونعيده إلى ثوب الكتاب والسنة ، حتى يتبوأ مكانه الحقيقي في مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، وما أحوجنا إلى منهاج تجديدي صحيح نقي صافي ، يقوم على أكتاف رجال التزكية المخلصين ، لا أشباه الرجال من الأدعياء والمنتسبين ، منهاج يعود بالصوفية إلى قمة منازل الصالحين من أهل السنة والجماعة ، وما أشد حاجة المسلمين إلى قيم التصوف المثلى وحضارته الروحية الطاهرة الزكية ،  لقد أساء أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه ، وادِّعائهم له ، وأساء آخرون باعتراضهم عليه ، وردِّهم له جُملةً وتفصيلاً ؛ وذلك لأنهم لم يفقهوا حقيقته التي كان عليها السَّلف الصالح ، ولم يفرِّقوا بين الحقِّ الذي هُدِيَ إليه الصوفية الصادقون ، وبين الباطل الذي أُلصق بهم وأُدخل على طريقتهم ، وهم منه براء ، ولاشك أن هناك عوامل عديدة يجب إصلاحها بسرعة وإتقان داخل ( التصوف ) حتى يعود التيار الصوفي  إلى الوسطية التي حبا الله تعالى بها الفرقة الناجية - وأنا هنا لا أعمم تلك العوامل على جميع التيار الصوفي فالمنصفون يعلمون أن هناك صوفية أولياء في عداد الصديقين والأصفياء ، وهناك أدعياء للتصوف متمصلحون منه يأخذون منه عرض الحياة الدنيا ، وهناك جهلاء ، وهناك غلاة مبتدعون ، وهناك منحرفون ، وهناك مغرضون تزيّوا بزيه ، وانتسبوا إليه ، لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم ، والتصوف منهم براء ، ولذلك كان لا بد من التفريق بين أدعياء التصوف المنحرفين ، وبين الصوفية الصادقين ، أصحاب السلوك ، ممن لهم درجات عليا في التزكية والإيمان والورع والتقوى واليقين ، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين ، والدعوة إلى الله تعالى في سائر أزمان المسلمين ، والحاصل أن الإنصاف تجاه القوم مطلوب شرعي ، وفضل التصوف الصحيح الذي هو  ضرورة لإحياء القلوب ، وتهذيب النفوس ، لا ينكره منصف أضاء الله تعالى بصيرته بأهمية الحفاظ على طوائف أهل السنة والجماعة القائمين على ثغور الإسلام ، والإصلاح واجب شرعي ،

[  15  ] إن التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام ، وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه : ليس من التصوف الإسلامي : القول بمخالفة الشريعة للحقيقة ، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة ، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه ، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف ، وليس من التصوف الإسلامي : القول بالحلول أو الاتحاد ، وليس من التصوف الإسلامي : الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت ، وليس من التصوف الإسلامي : تحريف أسماء الله والرقص بها مع وجود آلات اللهو والغناء ، إن الأدعياء شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة ، وليس من التصوف الإسلامي : البطالة ولا الجهالة بدين الله ، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات ، وليس منه : ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن ، إنّ التصوف بريء من ذلك ، والإصلاح الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بتجرد وإتقان ،

[  16 ] معالم الإصلاح والتجديد في مجال التصوف السني الصحيح : تتمثل في : ( أولا ) : تأكيد وتجديد مبدأ ارتباط التصوف بالكتاب والسنة ، ( ثانيا ) : التأكيد على أهمية التصوف كمنهج أصيل للإصلاح والتربية ،  ( ثالثا ) : تصحيح التصورات الخاطئة عن التصوف لدى عامة المسلمين ، فإن السادة الصوفية هم خواص أهل السنة والجماعة ، لم يقل أحد من المعتبرين منهم إن الصوفية فرقة مختلفة عن أهل السنة ، لأن عقيدة الصوفية هي عقيدة أهل السنة ، كما أن جميع طوائف الاتحادية والحلولية والإباحية والباطنية والمادية طوائف ليست من الصوفية في شيء ، والصوفية منهم برآء كما أنّ الإسلام منهم برآء ،  ( رابعا ) : تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتصوفة ، سواء كانت هذه المفاهيم محدثة من قبل المنحرفين ، أو أن لها أصلا صحيحا وتعرضت للتحريف من قبل الجهال والمبدِّلين ، ( خامسا ) : التمييز بين التعددية المحمودة والطائفية المذمومة ، فإنّ حديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، لا يتناول طوائف أهل السنّة والجماعة لأنّها كلها فرقة واحدة تضمها أصول عقدية واحدة ، كما أنّ الاختلاف الوارد في حديث افتراق الأمة لا يعني الاختلاف في مسائل الفروع أو تعدد المذاهب أو الاختلاف في مناهج السلوك والعبادة ، أو تعدد الطرق التي يتخذها الأولياء في توصيل المريدين إلى الله تعالى ، بل إن السواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد الفرقة الناجية ، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع ،

[  17  ] واجبنا نحو التصوف اليوم : هو طرحه نموذجاً لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، وأن نعكس صورة التصوف الإسلامي الصحيح من خلال أخلاقنا وآدابنا والتزامنا بالشرع الشريف فحال الإنسان يغني عن مقاله ، واجبنا نحو التصوف اليوم : أتباع أسس التصوف الأولى :  صفاء النفس ، وقصد وجه الله ، والتمسك بالفقر والافتقار ، وتوطين القلب على الرحمة والمحبة ، والتجمل بمكارم الأخلاق التي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها ، واجبنا نحو التصوف اليوم : نشر التصوف الصحيح  والبراءة من أدعياء التصوف من الجهلة والمرتزقة والدجالين المنسوبين زورا الى التصوف ، واجبنا نحو التصوف اليوم : إعطاء النموذج الحي الصحيح للصوفي الرباني ، وذلك بالتمسك بأخلاق الصوفية الاكابر ، وإن التجديد الإسلامي المنشود يفرض على أهل التصوف وقياداته أن يتحملوا واجباتهم في تصحيح المسار ، وذلك بالتأكيد على عدة حقائق : ( الحقيقة الأولى ) : بيان كون منزلة الطريقة في التصوف كمنزلة المذهب في الفقه ، فكما أنّ طلب الفقه الراسخ يتطلب التخصص على إحدى مذاهب الفقه الأربعة ، فكذلك فإن طلب التصوف الراسخ ينبغي أن يكون عبر إحدى طرق التصوف الموصولة السند والمتأصلة في تاريخ التصوف الإسلامي ، و ( الحقيقة الثانية ) التفريق بين أنواع الطرق الصوفية ثلاث : طريقة التبرك ، وطريقة الإرشاد ، وطريقة التربية والترقية ، وهذا يختلف باختلاف مستوى شيخ الطريقة ، و( الحقيقة الثالثة ) :  أهمية ذكر الله ، فإن الذكر منشور الولاية وعمدة الطريق الصوفي :  كما أنّ الذكر هو قوام التصوف الذى هو روح الإسلام ، والذكر له المكانة الرفيعة فهو في ذروة العبادات والطاعات ( الحقيقة الرابعة ) أهمية الأوراد في حياة المسلم فضلا عن الصوفي السالك لطريق الإحسان ، فينبغي لكل مسلم أن  تكون له أوراد يومية لا يقصر عنها ، وهذا الورد اليومي الذي يرتبه المسلم على نفسه ينبغي أن يلاحظ فيه أن يجعل له حداً أدنى لا بد أن يؤديه ثم بعد ذلك إن وجد فراغاً أو إقبالاً من النفس زاد ، ( الحقيقة الخامسة ) تصحيح الأخطاء ، تلك الأخطاء التي يتحمل وزرها أدعياء التصوف المتمصلحون ، أو الجهلاء ، أو المنحرفون ، أو المغرضون الذين تزيّوا بزي التصوف وانتسبوا إليه لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم ، والتصوف منهم براء ،  إنّ التصوف يمثل المرتبة الثالثة من مراتب الدين وهي مرتبة الإحسان التي تلي مرتبتي الإسلام والإيمان ، وعلى الغيورين على أخلاق الإسلام والمسلمين أن ينبروا للدفاع عن قيم الإحسان ، إننا إذا جردنا التصوف من الصورة القاتمة التي رسمها أعداء التصوف ندرك أننا أمام جوهر نقي خالص لابد منه في عملية الإصلاح والتجديد ،  وأرى لزاماً على العلماء ومشايخ الطرق والأتباع الراشدين أن يهبوا هم قبل غيرهم لتخليص التصوف من كل الشوائب التي علقت به مع تقادم العهد ، وأن يتخلصوا من كل الشكليات التي حطت من قدر التصوف ليعود إلى نقائه ودوره وأصوله وجوهره وعند ذلك يكون قادراً على أداء دوره المنوط به  في الإصلاح والتجديد ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم التاسع : ( علم الفقه ) وذلك لتصحيح المسار الفقهي عند أهل الإسلام    

[  1  ] مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في علم الفقه والشريعة ، والتي ينبغي تحصيل علم الفقه من خلالها ، أربعة مذاهب متخصصة معروفة ( الأحناف ) و ( المالكية ) و ( الشافعية ) و ( الحنابلة ) ، ينبغي رد الأمور الفقهية المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم تلك المدارس الفقهية  المتخصصة ، فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف ، وهذه المرجعية تمثل ولا شك احترام التخصص العلمي الذي يؤدى حتماً إلى الوحدة والتكامل ، وقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، فقد أوضحت الآية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة ، وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي ، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ، والمذهب المالكي ، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس ، والمذهب الشافعي ، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل ، وهذه المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء ، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا ،

[  2  ] ما هي أهم أسباب اختلاف الفقهاء ؟ : أسباب عديدة : منها ما يعود إلى طبيعة المجتهد وقد خلق الله تعالى البشر بطبائع متفاوته فمنهم من يميل إلى الاحتياط والأخذ بالعزائم ومنهم من يميل إلى الانتفاع بالسعة في الشريعة ورخصها ، والفقه لابد وأن يستوعب جميع الطبائع ، ومنها ما يعود إلى بيئته ، ومنها ما يعود إلى الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته ، وذلك بسبب تشدد البعض وتساهل آخرين في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم , ومنها ما يعود إلى  الاختلاف في فهم النص، ومنها ما يعود إلى الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة ، ومنها ما يعود إلى الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط  ،

[  3  ] خصائص الخلاف في الفقه الإسلامي  :  ( 1 ) الخلاف في الفروع يختلف عن الخلاف في الأصول : فأمّا الخلاف الذي يتعلق بأصول الدين وأصول العقيدة فهو خلاف بين حق وباطل وبين هدى وضلال ، وهو الخلاف الذي ينشأ عنه فرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار ، وفي هذا الخلاف أشارت إليه روايات حديث تفرق الامة ، والتي منها : حديث : (( وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني ] ، وأما الخلاف في الفروق فإنّه خلاف بين صواب وخطأ ، والمجتهد فيه له أجر سواء أصاب أم أخطأ ، ولهذا تواترت أقوال الفقهاء بأنّه خلاف رحمة وسعة ، فشتان بين خلاف الأصول الذي ينشأ عن الخطأ فيه الضلال واستحقاق النار ، وبين خلاف الفروع الذي للمصيب وللمخطئ فيه اجر ما كان خالص النية مستوف لشروط الاجتهاد ، ( 2 ) إذن الاختلاف الفقهي نوعان  : اختلاف تنوع ، واختلاف تضاد ، واختلاف التنوع : ( لا يمثل في حقيقته أي اختلاف ) لأن منه ما يكون كل واحد من القولين صحيح شرعا ، كما هو الحال في اختلاف القراءات ، واختلاف الأنواع في صفة الأذان ، والإقامة ، والاستفتاح ، والتشهدات ، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد ، وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه ، ومن الاختلاف ما يكون كل من القولين هو في معنى قول الآخر ؛ لكن العبارتان مختلفتان ، ومنه ما يكون المعنيان متغايرين ، لكن لا يتنافيان؛ فهذا قول صحيح، وهذا قول صحيح وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، فيجوز سلوك أحدهما أو الآخر كما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة ، وأما اختلاف التضاد : فيكون فيه القولان متنافيين ،  وهذا الاختلاف هو اختلاف الرحمة والسعة ، وللمجتهد المصيب أجران ، وللمخطئ أجر واحد ، وهو خلاف بين راجح ومرجوح ، وإن كان المصيب واحد  ، فلا بأس بتمحيص الصواب وينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر )) ، وعلى هذا الأمر اتفقت كلمة الفقهاء المقتدى بهم من كافة المذاهب الفقهية الإسلامية التي تنتمي إلى الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة ، وابرزها مذاهب الأئمة الأربعة : ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، فهذه الاختلافات الفقهية ، قد مثلت سعةً ورحمةً وغنًى وثراءً في الاجتهاد ، مجسدة بذلك التنوّعَ الطبيعيَّ في مناهج النظر الفقهي، والاستجابة المناسبة لتنوّع واقع الأمة ومصالحها عبر الزمان والمكان ، وعلى ذلك فإن اختلاف هؤلاء في الفروع لا يعد بحال اختلافا مذموما ، ومن كان في مثل علم هؤلاء - وهيهات - فله أن يجتهد مثلهم ،  ومن لم يصل إلى علمهم فليتتلمذ على فقههم ، حتى يصل إلى فقههم ، ومحاولة جمع الجميع على رأي فرعي واحد ، فهو مخطئ يضيع جهده ويصرف الأمة عن مهامها الثقيلة إلى ما هو دونه ، ( 3 ) إذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية ، فلا يوجد أي داع للتعصب الفقهي المذهبي ، ولا ينبغي ضياع الأعمار والجهود في المفاضلة بين المذاهب القائم على التعصب لأحدها على أنه قد جمع الحق في الفقه كله ، بل الحق متوزع بينها وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المرحومة ، ( 4 ) إنّ الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة ، على اختلاف مذاهب هذا الفقه : لا يوجد فيها أدنى مشكلة بين هذه المذاهب المتأصلة العريقة ، بل إنّها علامة على صلاحية الشريعة الربانية لكل زمان ولكل مكان ولجميع أجناس البشر الصعب منهم والسهل ، وهي لا تزال تمثل مظهراً من مظاهر السعة والرحمة والغنى والثراء في ميدان الاجتهادات الفقهية ، والأحكام الشرعية ، ( 5 ) من أهم مميزات الاختلافات الفقهية أنّها لا تضعف أبداً الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لأن ميدانها هو الفروع ، الذي لا يزال الناس فيه مختلفين، فاختلافاتها سنة وقانون إلهيّ لا تبديل له ولا تحويل ، وهي اختلافات تعدد وتنوع في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة ، أي تنوع في الاجتهاد الفقهي في إطار الشريعة الواحدة، التي هي وضع إلهي ثابت ،  ( 6 ) تجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل ، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام ، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ ، لأنه يضر بالميزة التي حبا الله تعالى بها الفقه ألا وهي ( السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان ) ، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا ، ورحم الله تعالى مالكاً وقد عرض الخليفة العباسي أن يحمل الناسَ على الموطأ فأبى ، وما ذاك إلا لأنّه يعلم أنّ اختلاف الأمة في الفقه وفي الفروع رحمة بالغة وسعة تغطي الزمان والمكان ،  ( 7 ) الذي نحتاجه في ميدان الفقه ، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة ، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان ، 

[  4  ] أهمية وضرورة احترام التخصص في الفقه :   كل علم يحترم أهله مجال التخصص فيه يثمر المعرفة والصواب ، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وإنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في : الفوضى العلمية ، والخطأ في اصدار الأحكام ،  كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى ، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم  ، ومن المسلمات في دين الله تعالى أنه لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه ، قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [ التوبة : 12  ] ، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، لقد كان من ثمرة التخصص في الفقه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع : وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد ، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا ، والاختلاف فيها لا يدخل في الاختلاف المذموم ، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين ، وهذه المذاهب الأربعة - بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة - صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، وهل يستطيع طالب علم - اليوم - أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة ، لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة ، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة ، ولكن آراء الصحابي أو العالم  لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه ، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا ، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط ،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه ، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها ، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام ، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة ، مع العلم بأنّها ( المذاهب الفقهية ) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم ، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي ، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة ، إنّ احترام التخصص الفقهي والرد في علم الفقه إلى تلك المدارس ، ضرورة علمية  ، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه ، ومظانه عند أهل التخصص فيه ، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث ، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه ، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة ، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها ، وهكذا ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ، إن عدم احترام التخصص يؤول بالأمة إلى الفوضى العلمية والتبديع والتضليل وضياع الأسس العلمية التي قام عليها الصرح العلمي لأهل السنّة والجماعة ، وإنّ دعوى الأخذ المباشر من الكتاب والسنّة مباشرة دون العروج على أقوال أهل العلم المتخصصين في العلم ، هي دعوى حق ولكن ليست لكل من هب ودب ، إنها دعوى حق في حق من يمتلك أدوات الاجتهاد في مجال تخصصه ، إنّ الشر كل الشر في ان يصبح الإفتاء في الدين كلأً مباحًا لكل من أراد من غير المختصين ، وأن تتم محاربة المتخصصين بدعوى الأخذ من الكتاب والسنّة مباشرة ، فإنها كلمة حق مآلها إلى الباطل ، تشبه إلى حد كبير مقولة الخوارج : إن الحكم إلا لله ، وهي كلمة حق ولكن لابد من وجود من يحكم بما أنزل الله ، وهاهنا لابد من وجود المجتهد المتخصص الذي يستنبط من الكتاب والسنة ،  إن المرجعية الفقهية الصحيحة ، ومعرفة المدارس الفقهية المتخصصة في علم الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة ، أمر مطلوب ، وهناك أربعة مذاهب متخصصة معروفة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، ينبغي رد الأمور الفقهية المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم تلك المدارس الفقهية  المتخصصة ، فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات الدقيقة التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة ، وتلك الامور يستحيل جمع الناس فيها على قول واحد لاحتمالات النصوص واختلاف المدارك بين العلماء ،  ولا عبرة لمن خالف تلك المدارس المتخصصة من الحشوية وأنصاف الجهلاء وأصحاب الجهل المركب من الموتورين الصائلين على الكتاب والسنّة وما فيهما من الدعوة إلى احترام التخصص وأهله ، وقد علمنا أن لكل علم شرعي له أهله المتخصصون وله مدارسه السنّية المتأصلة العريقة حتى التزكية والاحسان والأخلاق كذلك لها مدارسها المتخصصة التي تنتسب إلى الصديقين المربين من العلماء العارفين الربانيين ،  وكل أمة لا تحترم علماءها النابغين والمتخصصين فلا حق لها في النبوغ أو الازدهار  ، 

[  5  ] أصالة المذاهب الفقهية الاربعة وضرورة طلب الفقه من خلالها :  ذكرنا أنّ لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه ، قال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، ولا يجوز التهجم على علومهم دون الرجوع إليهم قال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء : 83 ] ، إن مذاهب الفقهاء الأربعة هي المذاهب المتخصصة في علم الفقه الإسلامي ، والأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة جمعوا بحمد الله تعالى علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار ، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة ، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه ، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه ، ويملأ طباق الأرض علما وفقها ، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه ، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء ، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة ،  أضف إلى ذلك أن المتدبر لمسيرة تطور علوم الفقه وبناء المذاهب الفقهية ذلك البناء الشامخ ، يجد أنّ أقوال وآراء أكثر الأئمة المجتهدين على مر عصور الإسلام السابقة لعصر بناء المذاهب الفقهية الكبرى يجد أنّها جميعا قد دخلت في إطار أقوال المذاهب الأربعة ، فقد جمع مالك في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كالصديق والفاروق وفقه زيد بن ثابت ، وتلامذتهم من الفقهاء السبعة فقهاء المدينة ، وجمع أبو حنيفة في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة ممن عاشوا بالعراق كعلي بن أبي طالب  وعبد الله بن مسعود وتلامذتهما ، وجمع الشافعي في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كعبد الله بن عباس ومدرسته الفقهية في مكة المكرمة ، وجمع أحمد في مذهبه الأقوال الفقهية والموسوعة الحديثية لأكابر الصحابة ممن رووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشروا العلم في سائر الأمصار ، كما دخل في أقوالهم الفقهية علوم الليث بن سعد عالم مصر وعلوم الأوزاعي عالم الشام وعلوم الثوري عالم العراق ، فلا تكاد ترى قولاً لعلماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة إلا وهو مدون في المذاهب الأربعة  ،  نعم هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة : وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي (ت157هـ) بالشام ؛ وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق ؛ والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر ، وسفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة ؛  وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور ؛ إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة ، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع ، وعلى ذلك : فأولى المجتهدين بالإتباع : من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب ، وصار له مذهب معروف ، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة ، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء ، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم : أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ،  إن أصل العلوم جميعا كتاب الله تعالى ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد تعبد الله تبارك وتعالى كل مسلم بإتباع الكتاب والسنة ، والناس تجاه الكتاب والسنة صنفان : مجتهد وعامي ، و ( المجتهد ) فقط له الحقّ في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ؛ و ( العامّي )  _ وهو كلّ من لم يبلغ رتبة الاجتهاد  _ يأخذ الأحكام من المجتهد، ولا يجوز له استنباط الأحكام  ؛ فإن فعل ذلك فقد عصى الله ورسوله ولو أصاب في اجتهاده فضلاً عن خطئه، لقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } أي: إن كنتم لا تعلمون الحكم ، أو الوسائل الواجبة لاستنباط الأحكام والتي يتوقف فهم الأحكام على مراد الله عليها ، وأولى المجتهدين بالإتباع : من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب ، وصار له مذهب معروف ، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة ، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء ، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم : أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ، وهذه المذاهب الأربعة - بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة - صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، وهل يستطيع طالب علم - اليوم - أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة  ، إنّ من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى ، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة (( أحد المتون العلمية )) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه ، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه ، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح ، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة صحيحة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين ، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها  ، لقد كان لكثير من علماء المسلمين الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة ، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة ، ولكن آراء الصحابي أو العالم  لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه ، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا ، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط ،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه ، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها ، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام   ، لقد حظيت المذاهب الأربعة بقبول واسع لدى المسلمين وجاء فترات للأمة لا تكاد تجد فيها أحدا إلا وهو ينتسب لمذهب منها، بل استحوذ كل مذهب في غالب الأحيان على مناطق شاسعة، فيقال مثلا بلاد كذا جميعها حنفية ، أو مالكية ، أو شافعية ، أو حنبلية ، وذلك له عدة عوامل أهمها نبوغ جماعات من العلماء الذين تبنوا نشر هذه المذاهب والتأصيل لها والإفتاء بموجبها ، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه ، فمن أراد من المسلمين أن يسلك الطريق الصواب في الفقه  ، فعليه أن يلتزم مذهباً من هذه المذاهب الأربعة، وأن يحرص على استفتاء أئمتها وعلماءها ، ومن أراد طلب علم الفقه - من طلاب العلم الشرعي - من بابه الصحيح فعليه أن يطلبه من خلال الوسائل التعليمية التي قررتها إحدى تلك المدارس الفقهية الأربعة ثم يتوسع بعد ذلك كيفما شاء طلبا للاجتهاد ، والحذر الحذر من الدعوة إلى الخروج على فقه المذاهب الأربعة ، فإن الدعوة للخروج عن المذاهب الأربعة يلزم منها:  إما أن يرجع كلّ فرد من الأمة إلى الأدلة الشرعية ويستنبط منها الأحكام، وهذا بدوره يزيد  المذاهب، ويفرق الأمة، ويحرِّف الدِّين ، وإما أن يرجع الناس إلى مجتهد ما  ، فنقول : وهل هؤلاء أولى بالاتباع ممن عُرِف اكتمال علمه وفقهه وتقواه ، وذهب مذهبه الآلاف من المجتهدين المهتدين ، إنّ الأمر بالرد إلى الكتاب والسنّة هو عمل المجتهدين ، أمّا عامة المسلمين ، فالأمر هو الرد إلى أهل العلم والذكر الحكيم ، والله تعالى يقول - في موضعين من القرآن الكريم - :{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43] ، [ الأنبياء : 7 ] ، إن واجب المجتهد: أن يبحث عن الدليل الصحيح وصفات النصوص لاستنباط الحكم منها ؛ وواجب عامة المسلمين أن يبحثوا عن العالم الصحيح ، وهل هناك أعلم في الفقه من مدارس الفقه المتخصصة فيه ، والتي تضم خيرة فقهاء وعلماء أهل السنّة والجماعة الأئمة المهديين المُتبعين ،  

[  6  ]  أسباب ميل فقهاء علماء أهل السنة والجماعة إلى الاكتفاء بالمذاهب الأربعة : أسباب عديدة منها : (  السبب الأول ) : بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه ، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه ،  ( السبب الثاني ) :  صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد. حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد ، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق ، ( السبب الثالث ) : وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي ، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ( وما أعسرها ) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة ، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة ، ويمكنه الاجتهاد في إطارها  ، ( السبب الرابع ) : تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا ، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم ، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور ، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله ، ( السبب الخامس ) : الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها ، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه ، وأصول الفقه ، والقواعد الفقهية الجامعة ، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة - بفضل الجهود الجماعية لعلمائها - بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى ، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة (( أحد المتون العلمية )) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه ، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه ، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح ، هذا في نفس الوقت الذي يتم فيه تدريس أصول الفقه والقواعد الفقهية المتعلقة بالمذهب ، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين ، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها  ، 

[  7  ]  ضوابط الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة :  المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء ، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا ، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة ، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم ، ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب : ( 1 ) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً ، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن ، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى ، ( 2 ) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به ، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهله المتخصصين فيه ، ( 3 ) المذاهب الأربعة متكافئة ، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة  فكلهم على خير ، ( 4 ) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال - وفق الهوى - من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً ، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه ، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر ، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه ، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل ، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط ، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة ، أو وجود الدليل الراجح ، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها ، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال ، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد ، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا ، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه ، وليس كل الناس علماء ، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء ، ( 5 ) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله ، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله ، ويصعب ، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم ، وقد حبا الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي ، ( 6 ) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة  لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب ، ولا يجوز له التعصب من أجله ، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع ، ( 7 ) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله ، والأدلة محتملة ، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد ، وملكة الفقه والترجيح ، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء ، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم ،  ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة ، ( 8 ) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ  بل يخطئون ويصيبون ، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم ، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم ، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة ، وكان اختلافهم رحمة ،

[  8  ]  دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث ، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء ، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم ، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم ، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة ، بعدد كل ناعق مذهب ، وينفرط عقد الفقه ، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص ، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب ، إنّ العلماء عندما قصروا طلب الفقه على المذاهب الأربعة علموا أنه قد كان وراء الأئمة الأربعة ألف فقيه وفقيه ، وألف حسيب وحسيب ، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها ، ألا يعلم هذا المتغول على الامة في باب الفقه لكونه حفظ أو قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب ، ألا يعلم أن مجلس الإمام أبي حنيفة كان يضم أربعين فقيها كلهم من حفاظ الكتاب والسنة يراجعون الإمام في مسائله ، أقلهم في العلم قد يكون أعلم من علماء زماننا مجتمعين ، فهيهات من دعاوى الحمقى والسفهاء والمتغولين التي ما جرت على الأمة سوى التنازع والتفرق والشذوذ الفقهي والتقعر والتنطع ، وللأسف فهناك موتورون كلما اتفقت الأمة على قضية نخروا في أساسها يبغون الخلاف ، وكلما بني الفقهاء صرحا علميا شامخاً أرادوا تشويه صورته ولا أدري لمصلحة مَن مِن أمة الإسلام ينعق هؤلاء ، فإن زعموا أنّه الانتصار للكتاب والسنّة فهل كان الفقهاء على خلاف مع الكتاب والسنّة ام كانوا على جهل بهما وحاشاهم من ذلك ، أم أنّه حب الظهور وداء الكبر وبطر الحق وغمط الناس ، وغالب هؤلاء يذب الذباب عن وجه الآخرين وفي قلوبهم الحنوش الموتورة ، تتحكم فيهم أمراض نفسية قاتلة تتمثل في عدم احترام التخصص الفقهي ، ومحاولة لفت الانظار تتجارى الأهواء في دمائهم نسأل الله تعالى السلامة ،

9  ]  يفهم البعض من قول الأئمة الفقهاء ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) الفهم الخاطئ  ، فهم بهذا القول يظنون أنّه لا حرج من تخطئة الأئمة الفقهاء المجتهدين ، بكل حديث ظنوا أنّه يُخالف ما ذهبوا إليه ،  ومن ثم يريدون الزام الناس بما فهموه ، ويؤثمون أتباع الفقهاء في ترك الحديث من أجل قول فلان وفلان ، وقد يبلغ بهم الحال إلى اتهام الناس في دينهم واخلاصهم لأنّهم ردوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل قول فلان وفلان ، وهم لضيق أفقهم ومحدودية علمهم لا يعلمون أنّ الحديث قد يُعارضه حديث آخر أًصح منه ، وقد صحت أحاديث عديدة عند الإمام مالك رحمه الله ورواها في الموطأ ولم يعمل بها لأنه عارضها حسب وجهة نظره ما هو أقوى منها ،  كما أنّ للفقهاء شروطا معينة للعمل بالحديث قد لا يستوعبها المحدث غير الفقيه ، كما أنّ  كل حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه فلا يلزم العمل به  إلا عند من يعتقد صحته فقط ، وكم رأينا محدثين يصححون اليوم حديثا ثم يتراجعون عن تصحيحه لعلة علموها من الحديث ، فهل ننتظر في ديننا حتى يستقر رأى هؤلاء على التصحيح والتضعيف ،  إذن كلام البعض بان أخطاء أئمة الفقه الأربعة في الفقه لا يجوز متابعتهم عليها ، وأن أحدهم إذا أخطأ في حكم مسألة ما فلا يجوز تقليده فيها ، هذا كله في حكم الفرضية النظرية المستحيلة ، لأنّه انتسب إلى تلك المذاهب آلاف الفقهاء فكيف سهى الجميع عن هذا الخطأ ، وإن كان عمداً فهل نتهم فقهاء الأمة على التمالؤ على كتم الحق ،  والخلاصة أنّ الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم وجعل فقهاءها خير الفقهاء ، وقد كفانا الأئمة المجتهدون مؤونة أكثر الفقه ، على أمل أن تتفرغ الأمة لغايتها من نشر الدين ونصرته وتحقيق أهدافه على أرض الله تعالى وبين عباده ، لقد استوفت مسائل العبادات في باب الفقه بحثاً بما لا مزيد عليه ، ومع تكرار البحث فيها والتقعر في مباحثها تضخمت وتورمت ، وفي المقابل ضمرت مباحث المعاملات وتقلصت ، مع أنّ مجال المعاملات واسع وكل يوم تأتي معاملة جديدة تبحث عن حكم شرعي ، ناهيك عن احتاج الدول الإسلامية إلى مباحث علوم الاقتصاد الإسلامي والسياسة الشرعية الإسلامية ، والعلاقات الدولية ، والمعاهدات الجائزة في السلم والحرب والأمن والخوف ، فالفحولة ها هنا تكون في الاجتهاد في تلك الأبواب لا أن نجتر كل يوم مسائل الخلاف في العبادات مع اتفاقنا أن الفقهاء الأربعة مجتهدون مأجورون في كل حال ، من أصاب منهم له أجران ومن أخطأ منهم فله أجر ، وليس معنى ذلك الزام المحدثين بقول الفقهاء ، فليس لنا الزامهم ، ولكننا نطلب منهم عدم تصدير الخلاف إلى أمة الإسلام وعدم استعمال معاول الهدم لشرخ جدران الصرح الفقهي الذي بناه الفقهاء ، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  ، وليس معنى ذلك ادعاء عصمة الأئمة الأربعة ، فإنهم يقينا ليسوا معصومين عن الخطأ  بل يخطئون ويصيبون ، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم ، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم ، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة ، وكان اختلافهم رحمة ،  وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الثامن : ( علم العقيدة  ) وذلك لمعرفة مدارس العلم المتخصصة في العقيدة

[ 1 ]  إنّ الإصلاح والتجديد في علوم العقيدة يكون باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة ، وتوجيه طالب علم العقيدة إلى الطريق القويم نحو طلب علم العقيدة على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد ، وعلى أهله المتخصصين فيه ، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم العقيدة واحترفت تدريسها على أفضل الطرق التعليمية ، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب قد لا تؤدي إلى الرسوخ في علم العقيدة ، وفي الإحاطة بمباحثه ومسائله وقواعده وأحكامه ،

[ 2 ] افتراق الأمة من جهة الاعتقاد إلى فرق ضالة عديدة منها واحدة ناجية من جهة الاعتقاد : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وأخرج الترمذي : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح2 ص 334 ] ، وأخرج أبو داود  : عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ، وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : (( إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة )) [ أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/364 ] ، فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ، وقد صحح عموم روايات الافتراق جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي والألباني ، وهذه الفرق جميعها ضلت من جهة الاعتقاد ،

[ 3 ] الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي أهل السنة والجماعة : لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة : [ السبب الأول ] : أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين إذ هم الذين حفظوه ، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنة والجماعة ،  [ السبب الثاني ] :  أهل السنة والجماعة هم  أهل الحديث وخاصته  ، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين ، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة  ومعرفة السنّة ،  [ السبب الثالث ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين ، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة ، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع  والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين ، هم أهل السنة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع ،  [ السبب الرابع ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي ،  لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة ، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية ، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس : ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، وبها اكتملت علوم العقيدة ، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب ، وهي  : المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وبها اكتملت علوم الفقه ، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان ، فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ، وبهذا التخصص العلمي الرصين : صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،  [ السبب الخامس ] : أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين : أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه ، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه ، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه ، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة  وآل البيت رضي الله عنهم  بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض ، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية التجديد سوى راية أهل السنّة والجماعة ، أهل التوسط والاعتدال ،  [ السبب السادس ] : هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق  الصحيحة ، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود وصححه الألباني ] ،  لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة) ، ( فأهل السنة ) : لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، ( وأهل الجماعة ) : لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال ،  [ السبب السابع ] : أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه ، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " ، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ شذ في النار )) ، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى ( أهل السنة والجماعة ) ، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية الإصلاح والتجديد سوى راية أهل السنة والجماعة ،

[ 4 ] : الإطار العلمي الدقيق للفرقة الناجية :  يمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة ، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم ، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار ،

[  5  ]  بداية ظهور التخصص في العقيدة : استفحل أمر الفرق الضالة ، وأصول تلك الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم ( الخوارج ) و ( الروافض ) و ( المعتزلة ) و ( الحشوية ) ، والتي كان أهم أسباب ظهورها هو تتبع المتشابه  الذي حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان ، فإنّ تتبع المتشابه فيها أدى إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة ، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم ، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، أما طريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، هذا هو فعل المتخصصين الراسخين في العلم الذين مكنهم علمهم من الاستنباط الصحيح ، قال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، وصار لأهل السنة والجماعة ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس أو بسبب تسرب مفردات عقيدة الحشو إليهم ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب علماء السادة الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وهذه المدارس الفاضلة الثلاث تمثل أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وعلماؤها هم أهل الفقه الأكبر في الدين ، 

[  6  ]  اتباع المتشابه هو الذي أهلك الفرق الضالة : ( أ ) القرآن الكريم يحوي المحكم والمتشابه ، وقد حذرنا القرآن الكريم من تتبع المتشابه ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري :ح ( 4547 ) ، مسلم :ح (  2665 ) ]  ، [ ( ب ) ما هي دائرة المتشابه ] : وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه  ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ،

[  7  ]  :  من الذي يعلم المتشابه : جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه ، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، قال : لا يعلم المتشابه إلا الله وحده ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول : عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله ، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال : إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه ، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين ، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ] ، [ ( ث ) الخلاف في المسألة لفظي ] : فإن من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله ، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده ، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق ، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه ، وحمله ما أمكن على محكمه ، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده ، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص ، وحمل المتشابه على المحكم ،  ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على : لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على : ( الراسخون في العلم ) ، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه ، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده ، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد ،

[  8  ]  آيات الصفات منها آيات محكمات وأخر متشابهات : آيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه ، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته : فمن المحكم - على سبيل المثال - ( صفة العلم ) وهي صفة كمال من كل وجه ، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، و ( صفة القدرة ) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها  ( العجز ) ، وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، وما أكثر الصفات المحكمة التي تدل على وجوه الكمال والجلال والإكرام لله تعالى كما أنّ جميع الأسماء الحسنى الثابتة في حق الله تعالى فهي تدل على صفات محكمة لله تعالى ، أما المتشابهات فهي ( الأخبار ) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه ، وتلك المتشابهات أقسام : فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى  كالوجه والعين واليد ، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء ، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال ، وكل ذلك مستحيل على جناب الله الأحد الصمد القديم بجناب ذاته وصفاته  ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه

[  9  ] منهج السلف في المتشابهات : للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، منهجان صحيحان : المنهج الأول : هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ ،  [ المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ] : وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال ، ومذهب السلف الأول فيها : أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، [ المنهج الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ] ، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم : والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ،  ومما يدل عليه  أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله : (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ، ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو ، وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله ، ومن تأويلات تابعي التابعين : تأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  ( ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو ) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 10 5 ، شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 370 ] ، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [ البداية والنهاية لابن كثير 10  / 361  ] ، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر ] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ،

[  10  ]  منهج أهل السنة والجماعة في المتشابهات : أهل السنة والجماعة هم أهل الفقه الأكبر في الدين ، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة ، والتفريق بين المحكم والمتشابه ، عملاً بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي المحكم تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم والفقه في الدين ، لأن المحكم أصل العلم ، { مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } ، وفي المتشابه : تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط ، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة والحشوية ، وبين الجهمية والمعتزلة ، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على : التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم ، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها ، وأما التصديق : فهو الإيمان بما قاله الله تعالى ، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق ، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم ،  وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته ، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته ، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه ، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر ، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة ، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه ، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، ثم لما كان الوقف - في الآية - محتملاً على لفظ الجلالة ( الله ) أو على قوله قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) ، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد ، اتسع إطار أهل السنة والجماعة - لحكمة من الله تعالى ورحمة - ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل ، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية ( لغة القرآن ) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل ، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم  ، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله ، وعلى ذلك استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، ( الأولى ) : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، و ( الثانية ) : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، و ( الثالثة ) : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي  حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ،  لقد كان تفويض علم المتشابه هو مذهب السلف الصحيح ، وذلك لأن هناك نصوص توهم الجارحة كالعين واليد ، ونصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، ونصوص توهم النقص والحد ، ومذهب السلف فيها أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، قال الإمام التـرمذي رحمه الله - مبيناً مذهب السلف الصالح في المتشابهات - : ( والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه) اهـ [سنن الترمذي 4  :  492 ] ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من صفات الكمال وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، وهذا هو المذهب الأول والأساس للسلف في المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث هو تفويض المعنى إلى الله تعالى مع التقديس والتنزيه ونفي المثل والكفء والشبيه ، والمذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو رد المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم ، درأ للفتنة ،  ومن ذلك تأويل حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري (3  :  7) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2  :  322 ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17  :  52 ] ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري (18 : 135) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد [ الطبري 29  :  38، القرطبي 18  :  249] ، فهذه بعض تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)  ، ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ، وما يدل على جواز التأويل المقبول الذي ورد عن السلف الكرام ، أنّ التمسك بظواهر جميع النصوص متعذر  : إذ لا يمكن الثبات على التمسك بجميع الظواهر، ولا بد أن يستسيغ التأويل في بعض المواضع ، كما أننا مجبرون على التأويل في مواضع عديدة وإلا أصبحنا في تهافتٍ وتناقضٍ واضطرابٍ عجيب ، فقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص : 88 ]  ، وظاهر الآية هلاك الذات إلا الوجه ، ولا مناص من تأويل الوجه بالذات لأنّه يستحيل أن يهلك الذات إلا الوجه ، وقوله عز وجل: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [الطور : 48 ]   ، والمعنى بمرأى منا ولا تغيب عنا وليس المراد أنك بداخل أعيننا ، ولكن ظاهر الآية يدل على وجود النبي داخل العيون ،  وقوله تعالى : { فإني قريب }[ البقرة : 186 ]  ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ،  وظاهر  الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته ، والمراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، و قوله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } [الحديد  : 4 ] ، وقوله تعالى : { لا تحزن إن الله معنا } [ التوبة : 40 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى معنا بذاته ، والمراد معيته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وقوله تعالى : { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } [ البروج : 20 ] ، وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى محيط بذاته بكل شيء ، والمراد احاطته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] ، وقوله تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان : 59 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى على العرش بذاته ، وليس تأويل آيات القرب والمعية والإحاطة بأولى من تأويل الاستواء ،  لا سيما وآيات القرب والمعية والإحاطة أكثر عددا ، والمراد استواؤه بالقدرة والربوبية والهيمنة ، إذ التمدح لا يكون بالجلوس ، وإنما بالهيمنة والقدرة ،  وقوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } [ المائدة : 64 ] ،  قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } يدل ظاهرها على البسط وعدم القبض وهذه حالة المتشنج ، والمعنى الذي أراده اليهود بعيد عن ذلك ، أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل فأخبر أن يديه مبسوطتان كما قال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا } [ الإسراء : 29 ] ،  فبسط اليدين المراد به الجواد والعطاء، ليس المراد ما توهموه من بسط مجرد ولما كان العطاء باليد يكون ببسطها صار من المعروف في اللغة التعبير ببسط اليد عن العطاء ، وقوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } [ الفتح : 10 ] ، وظاهر الآية وجود اليد فوق الأيادي بمحاذاتها ، والمراد الكناية عن الرضا عن البيعة وقبولها ، وقوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } [ التوبة : 67 ] ، وظاهر الآية جواز النسيان على الله ، ولكن هذا الظاهر ليس هو المراد ، وإنما المعنى المراد هو تركهم في النار ،  وقوله تعالى :  { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ } [ الأحزاب : 57 ] وظاهر الآية جواز إيذاء الله تعالى ، وهو محال والمقصود أولياء الله والمؤمنين بالله ، وأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى :  { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } [ آل عمران : 142 ] ، وظاهر الآية نفي علم الله تعالى القديم ، وهو محال ،  كما أنّ تأويل أهل السنّة والجماعة ناشئ عن ضرورة وله ضوابط : مذهب أهل السنّة والجماعة ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) أن الأصل هو الإيمان بما ورد به الكتاب والسنة من المتشابه دون التعرض لتأويله مع اعتقاد التقديس وأن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وأن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ ، ولكن قد يلجأ العلماء إلى التأويل للرد على أهل البدع وانتشار التشبيه والتمثيل بين العامة ، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات ، قال الإمام عدي بن مسافر الشامي " ونؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم أن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، فإن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ، وهذا الذي درج عليه السلف قبل ظهور الأهواء وتشعب الآراء، فلما ظهرت البدع وانتشر في الناس التشبيه والتعطيل فزع أهل الحق إلى التأويل)" اهـ. [ اعتقاد أهل السنة والجماعة ص : 26 ] ، وقال العلامة ملا على القاري " ولم يريدوا بذلك - أي التأويل - مخالفة السلف الصالح - معاذ الله أن يظن بهم ذلك - وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك، لكثرة المجسمة والجهمية وغيرها من فرق الضلال، واستيلائهم على عقول العامة، فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم، ومن ثم اعتذر كثير منهم وقالوا : لو كنا على ما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقائد وعدم المبطلين في زمنهم لم نخض في تأويل شيء من ذلك) اهـ. [ مرقاة المفاتيح 2  :  136] وقال الحافظ بن حجر : " أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها – آيات الصفات – إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته، وأكثر الخلف يؤولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس، لاضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم) اهـ. [ مرقاة المفاتيح 1 : 134 ] ، قال الإمام النووي : " (فإن دعت الحاجة إلى التأويل لرد مبتدع ونحوه تأوّلوا حينئذ، وعلى هذا يحمل ما جاء عن العلماء في هذا - أي التأويل - "  اهـ. [ المجموع 1  :  25 ] ، وقال العلامة ملا علي القاري : " اتـفـق السلف والخلف على تنـزيه الله تعالى عن ظواهر المتشابهات المستحيلة على الله تعالى... وخاض أكثر الخلف في التأويل لكن غير جازمين بأن هذا هو مراد الله تعالى من تلك النصوص، وإنما قصدوا بذلك صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه، والرد على المبتدعة المتمسكين بأكثر تلك الظواهر" اهـ. [ مرقاة المفاتيح 1 :  189] ، وقال الإمام العز بن عبد السلام " وليس الكلام في هذا - يعني التأويل - بدعة قبيحة، وإنما الكلام فيه بدعة حسنة واجبة لَمَّا ظهرت الشبهة، وإنما سكت السلف عن الكلام فيه إذ لم يكن في عصرهم من يحمل كلام الله وكلام رسوله على ما لا يجوز حمله عليه، ولو ظهرت في عصرهم شبهة لكذبوهم وأنكروا عليهم غاية الإنكار، فقد رد الصحابة والسلف على القدرية لما أظهروا بدعتهم، ولم يكونوا قبل ظهورهم يتكلمون في ذلك" اهـ. [ فتاوى العز بن عبد السلام ص  :  22 ] ، وعلى ذلك فالأشاعرة والماتريدية  لم يخالفوا السلف في الاعتقاد وإنما ألجأهم إلى التأويل ضرورة الرد على أهل البدع وصرف أذهان العامة عن التشبيه والتجسيم  ، كما أنّ للتأويل ضوابط عظيمة عند أهل السنّة والجماعة : إذ التأويل الصحيح وهو التأويل الذي يصار إليه بدليل مع استيفاء شروطه ، وأما التأويل الباطل المردود : فهو التأويل الذي يصار إليه بلا دليل، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح وهي : أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية ، ولابد وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره ، فإذا انعدم الدليل بطل التأويل ، وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه و إلاَّ كان التأويل فاسدًا ، و أن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، و إلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر. ، وأهلية الناظر للتأويل ، فهذه ضوابط التأويل و إلاَّ كان المؤول قائلاً على الله تعالى بلا علم ، والخلاصة : استقر لأهل السنة والجماعة على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، ( الأولى ) : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، و ( الثانية ) : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، و ( الثالثة ) : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي  حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ،  

[  11  ] المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف :  الأثرية : هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة ، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله : التفريق بين المحكم والمتشابه ، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه ، عدم الخوض بالحشو والتجسيم ، والأثرية هم الامتداد  الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة ، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله ، فمن ذلك : قولهم : ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم ، وقولهم : نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها ، وقولهم : نترك التعرض لمعانيها ، وقولهم : كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه ، وقولهم  : كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له ، وقولهم : المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط ، وقولهم : آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله ،  

[  12 ]   تنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية :  ( التنبيه الأول  ) :  هناك فرق دقيق ومهم بين الأثرية والسلفية : فالسلفية التي برزت كمصطلح ومنهج له سماته ومفرداته العلمية على يد ابن تيمية في القرن الثامن الهجري ، ثم قام محمد بن عبد الوهاب ( المنظر الثاني لهذا المنهج ) بإحياء هذا المصطلح من جديد في منطقة نجد في القرن الثاني عشر الهجري ، ثم امتدت دعوته ، وصارت حركته ( الحركة الوهابية ) التي أسسها من أبرز ممثلي هذه المدرسة في العصر الحديث ، والفارق بين الأثرية والسلفية : أنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه وتوحيد الذات ما يمنع من ولوجهم في الحشو والتشبيه ، وهم الامتداد الحق للسلف الصالح حيث يرون تفويض علم المتشابه إلى الله لا يخوضون فيه ، والسلفية كمصطلح معاصر لا يعلمون شيئا عن قواعد التقديس والتنزيه وتوحيد الذات  ، وهم يتتبعون المتشابه ، ويرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات مع أنّه يستحيل نسبته إلى الله ، وكلاهما يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس ، وهو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري ينتهي نسبه إلى الصديق ابي بكر رضي الله عنه : أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان أثريا يرى تفويض علم المتشابه إلى الله ، كما هاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة ، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه ، ودعا عليهم ، وانظر كتابة دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ، وكانوا ثلاثة من شيوخ المذهب الحنبلي في الفقه ولكنهم كانوا على الحشو في العقيدة ، فقال :  يصف حالهم : " ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد . وصاحبه القاضي ، وابن الزاغوني " فصنفوا كتبا شانوا بها المذاهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس ، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته ، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات ، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ، ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين ، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس ، وقالوا يجوز أن يمس ويمس ، ويدني العبد من ذاته . وقال بعضهم ويتنفس .وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث ، وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة ، وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام ، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم : يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط : " كيف أقول ما لم يقل " فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه ،  فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه .، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم ، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية ، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته ، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم : لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة " أهـ  ,  وقال في خاتمته : " ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال لم يعجبهم، لأنهم ألفوا كلام رؤسائهم المجسمة، فقالوا ليس هذا المذهب. قلت: ليس بمذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهتُ مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ونفيت عنه كذب المنقولات وهذيان المعقولات "  أهـ ، وانظر تفصيل هذا الأمر والترجيح فيه في كتابي "  المذهب الصحيح للسلف الكرام في متشابه الصفات والأخبار " ففيه تفصيل هذا الامر وتأصيله بأدلة الكتاب والسنّة وأقوال السلف الصالح ،  ( تنبيه ثان )  :  مذهب الأثرية من تفويض معنى المتشابه ليس معناه الجهل بالمراد من الآيات  :  لقد فهم البعض من السلفية خطئاً أنّ معنى تفويض المعنى هو الجهل العريض بآيات الصفات ، وهذه سقطة عظيمة وزلة كبيرة ، لا ينبغي السير خلفها ، لأنّ حقيقة مذهب السلف ومذهب الاثرية في المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، من مثل النصوص التي توهم الجارحة كالوجه والعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، ومثال على هذا قوله تعالى( بل يداه مبسوطتان ) يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود المطلق والعطاء الذي لا ينقطع اللائق بصفة الرب تعالى، أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية ، فيدل ظاهره على إثبات الجارحة والجزء - حاش لله تعالى من ذلك - والله تعالى منزه عن الجارحة والجزء لأمور كثيرة يجمعها علم التقديس ، منها أنه سبحانه ( الأحد ) وصفة الأحدية تمنع من الكثرة في الذات ، وبالتالي تمنع من الأجزاء والأبعاض ، كما أنه سبحانه ( الغني ) وكمال الغنى يمنع من الاحتياج للجوارح في تصريف الأمور ، ومنها نفي المثلية في قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وجميع الخلق تتكون أجسامهم من أجزاء والله تعالى ليس كمثله ، ولهذه الأسباب وغيرها - مما حواه علم التقديس -  توقف السلف عن الخوض في المتشابه ، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من الآيات ، هذا هو اللائق بمقامات السلف في العلم ، إذ لا يعقل أنهم كانوا يسمعون مثلاً قول الله تعالـى : { يد الله فوق أيديهم }  أو { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }  أو { الرحمن على العرش استوى }  أو { ثم استوى إلى السماء } أو { يوم يكشف عن ساق } ، أو قول رسول الله  : (( يضحك ربنا )) أو (( ينزل ربنا )) أو (( يعجب ربنا )) الخ، ثم لا يفهمون من كل ذلك أي معنى ، كما هو الحال مع الحروف التي في فواتح السور، كلا، فإن هذه الألفاظ لها في لغة العرب معانٍ مجازيةٌ معروفةٌ ومشهورةٌ لا شك أن السلف فهموها إجمالاً، ولكنهم لفرط تقواهم وخشيتهم لله تعالى وتهيبهم لذلك المقام الأقدس أحجموا عن التعيين والتصريح، واكتفوا بهذا الفهم الإجمالي لها ، ( تنبيه ثالث ) : الأثرية يعرفون من قواعد التقديس ما يمنعهم من نسبة النقص إلى ذات الله تعالى : الأثرية يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى ، ولذلك فهم منزهون لله تعالى عن المكان والزمان وحلول الحوادث ، فقد جاء في متن العقيدة السفارينية : ( ويعلم الواجب والمحالا  ...  كجائز في حقه تعالى ... وليس ربنا بجوهر ولا ... عرض ولا جسم تعالى ذو العلا ) أهـ ،  وجاء في كتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر  للمؤلف عبدالباقي بن عبد القادر الحنبلي : ( ويجب الجزم بأنه تعالى واحد لا يتجزأ ولا ينقسم أحد لا من عدد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد  ، وبأنه تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها ليس بضروري ولا كسبي ولا استدلالي ، وبأنه قادر بقدرة واحدة وجودية باقية قديمة ذاتية متعلقة بكل ممكن فلم يوجد شيء في الماضي ولا يوجد في المستقبل إلا بها ، وبأنه مريد بإرادة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية متعلقة بكل ممكن ، ( الحياة ) : وبأنه تعالى حي بحياة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية ، وبأنه تعالى سميع بصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين متعلقين بكل مسموع ومبصر ، ( الكلام ) : وبأنه تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ، .. فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ) أهـ  ، ( تنبيه رابع ) : الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة  : الأثرية والأشاعرة والماتريدية : مذهبهم في العقيدة واحد يقوم في المتشابهات على تفويض معنى المتشابهات على مراد الله تعالى وعلى مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كامل التقديس والتنزيه ، ثم قالت الأثرية لا نزيد على ذلك لأنّا لا نعلم مراد الله تعالى على وجه الحقيقة من تلك المتشابهات ، وقالت الأشاعرة والماتريدية ، ونحن لا نعلم مراد الله تعالى على وجه الحقيقة من المتشابهات ، ولكن يمكن بعد التفويض والتقديس ، حمل المتشابه على أصله من المحكم الذي سيقت الآيات من أجله ، مع عدم الجزم بمراد الله تعالى من المتشابه ، وذلك بقصد صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه التي تؤول بأصحابها إلى التجسيم والتشبيه والتمثيل ، أو وبقصد الرد على المبتدعة من المجسمة والمشبهة وأمثالهم ، ولذلك يذكر المحققون من العلماء أن هذه الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة ، قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى (إتحاف السادة المتقين 2/6) : ( اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك، أو في لِميّة ما هنالك، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف: ( الأولى ) : أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية ، الكتاب والسنة والإجماع ، ( الثانية ) : أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي ... ( الثالثة ) : أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومباديهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية ) اهـ ، وقال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى ( لوامع الأنوار البهية 1 :  73 ) : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : ( الأثرية ) ، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، و ( الأشعرية ) ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، و ( الماتريدية ) ، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ. ،  ( فائدة ) : الفرق البين الواضح بين الحشوية والسلفية الحقة ( الأثرية ) هو الوقيعة في أهل التخصص من الأشاعرة والماتريدية ، إذ الأثرية على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في قواعد التقديس والتنزيه ، أم الحشوية فإنهم لجهلهم المركب بما يتعلق بتوحيد الذات أسمى معاني التوحيد ولجهلهم المركب بقواعد التقديس فإنهم يعادون الأشاعرة أقسى مراتب العداء لأنّهم يجهلون ما عليه هؤلاء من رسوخ في العلم فيما يتعلق بتوحيد الذات وقواعد التقديس والتنزيه ،  ( تنبيه خامس ) : من هم المعبرون عن الأثرية : ( أولاً ) : المعبرون عن الأثرية من أهل الحديث : ( المحدث ) هو كل من اشتغل بعلم الحديث رواية ودراية ، واشتهر عنه ذلك ، ولكن من المعروف عند اهل العلم : أن المحدثين ليس لهم مذهب مستقل في الاعتقاد ،  ففيهم أهل السنّة وفيهم الحشوية ، وفيهم الرافضة وفيهم الخوارج ، ونظرة سريعة إلى كتب الجرح والتعديل تدلنا على ذلك ، والذي يهمنا في هذا المبحث : أنّ من أهل الحديث من يمثل الأثرية ، وعلى رأسهم الإمام مالك بن أنس رحمه الله ، فقد  ذكر القاضي عياض  في كتابه الشفا : أنّه كان ينهى عن التحديث بالأحاديث المتشابهات التي توهم التشبيه ، وكان يمنع من السؤال عنها ، وكان مجرد السؤال عن المتشابه أمامه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه في طرد السائل عن معنى الاستواء وتبديعه ، وعلى رأسهم أيضاً : الإمام الشافعي ، جاء في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي : " وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه " [طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 4 ، ] أهـ   وعلى رأسهم أيضاً : الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه تفويض معنى المتشابهات ، كما ثبت عنه التأويل عند الضرورة رداً على أصحاب البدع بسند صحيح أخرجه البيهقي ، والأثرية من أهل الحديث هم كل من سار على  نهج الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل  ، و ( الأثرية ) من أهل الحديث هم أهل التقديس والتنزيه الذين كانوا على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في مباحث العقيدة ، واهمهم من علماء أهل الحديث ، فخر الحديث وأهله الإمام البيهقي ، وله رسالة ( الأسماء والصفات ) تدل على رسوخ قدمه في علم العقيدة والتنزيه والتقديس ، وهي من أهم مراجع العقيدة الأثرية ، والإمام النووي شارح صحيح مسلم ، وقد تتبعت مباحث العقيدة في كتابه القيم  المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، والمشهور بشرح النووي على صحيح مسلم ، وهو أهم الشروح على صحيح مسلم ، فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً لعقيدة أهل الأثر ، وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني ، صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري ، وهو من أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها ، لا يستغني عنه طالب علم ، وأهم ما يميز فتح الباري أنّه يجمع في كل باب بالإضافة إلى ما رواه البخاري أهم الأحاديث المتعلقة بالباب التي وردت في دواوين السنة الأخرى من بقية الكتب الستة والمسانيد وغيرها، كما يجمع فيه شروح العلماء قبله على صحيح البخاري ، وينقل عن شراح كتب السنة الأخرى كشرح النووي على صحيح مسلم وشرح الخطابي لسنن أبي داود وكلام البغوي في شرح السنة وغيرهم ، حتى صار بحق أحد أعظم دواوين الإسلام المعتبرة ، ومصادره العلمية المهمة ، وقد تتبعت مباحث العقيدة فيه فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً كاملاً لعقيدة أهل الأثر ، ( ثانياً ) : المعبرون عن الأثرية من الحنابلة : من أفضل علماء الحنابلة الذين تكلموا في العقيدة على منهاج المتخصصين الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي القرشي التيمي البكري ، ( ت 597 هـ ) في كتابه الباز الأشهب في الرد على منتقضي المذهب ، والمسمى كذلك دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ، رد فيه على حشوية الحنابلة ، وكتابه الباز الأشهب من خير الكتب التي ردت على بدعة الحشو ، ومن الكتب المعبرة عن مذهب الأثرية كتاب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات ، صنفه العلامة مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي ( ت : 1033 هـ ) ، وكتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر لعبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر  ، وكتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية وكلاهما - أي المتن والشرح - للشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي ،  ( تنبيه سادس ) : الفرق كبير جدا بين الأثرية والحشوية  :  فالأثرية طائفة من طوائف أهل السنّة والجماعة أمّا الحشوية فهي فرقة ضالة ،  بل لا تصح المقارنة أصلاً ، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله ، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى ، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث ، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه ،  وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله ، وكلاهما ( الأثرية والحشوية ) يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس ، أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان أثرياً ، وهاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة ، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه ، ودعا عليهم ، وانظر كتابة دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ،   ( تنبيه سابع ) : الحشوية طائفة موجودة معروفة ولا سبيل إلى إنكار وجودها ، وهم أكبر خطراً على أمة الإسلام من المجسمة ، والسبب في ذلك أنّهم ينتسبون إلى السلف زورا وبهتانا ، والسلف من زيغ عقائدهم براء ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، ومن أبرز صفات الحشوية : أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، لا يجدون حرجا من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى ذات الله ، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ،   يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، وهم قوم رعاع لا يحترمون تخصص العلماء ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، ويشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس ، لهم غلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهم غلو في فهم  مسائل وأحكام الإيمان والكفر ، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، ولهم غلو في فهم  مسائل وأحكام الاتباع ، فآل ذلك بهم إلى الغلو في التبديع وتبديع الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف من أهل السنة والجماعة برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية ، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية ، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة ، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام ، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة ، التي أسّسها الاسلام ، وبناها علماء المسلمين طوال القرون ، ولذلك فهم من شر الفرق ، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف ، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام باسم السلف ، وبزعم اتباع الكتاب والسنّة ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ،  (  تنبيه ثامن  )  :  تاريخ تسلسل ظهور الحشوية : فقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، في أقوال المحدثين ورواياتهم ، حتى ظهر مقاتل بن سليمان ( المتوفي سنة 150 ه‍) حيث ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات ،  وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه ، لقد أصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة متكاملة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده  من جهلاء المفسرين والمحدثين ، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية ، ثم ظهر محمد بن كرام السجزي ( ت 255 هـ ) ، وأتباعه هم الكرامية ، تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية ، ثم تسربت مقالات التجسيم والحشو بعد ذلك إلى  كتب بعض الحنابلة الذين انتسبوا في الفقه إلى الإمام احمد كالبربهاري في القرن الرابع وابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى في القرن الخامس وكعبد الغني المقدسي الحنبلي و ابن مرزوق وابن الكيزاني في القرن السادس ، وفتنة الصوتية بالشام أيضاً مع العز ابن عبد السلام في عهد الملك الأشرف ابن الملك العادل الأيوبي الذي كان يميل إليهم فمنع العز من الافتاء , ثم لما تبين له الحق أطلق الإفتاء للعز ومنع الصوتية من مزاعم الحرف والصوت ، وهكذا توالت فتن الحشوية على مر عصور الإسلام ، ثم تسربت بعض أفكار الحشوية إلى ابن تيمية وتلامذته من بعده ، ( تنبيه تاسع ) : براءة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله من انتساب الحشوية إليه : اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل (ت241هـ) ، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر ، ومن أكبر أئمّة الاسلام ، لكن قد انتسب إليه هؤلاء هو منهم بريء ، ، وقد تقدم مخاطبة الإمام ابن الجوزي ، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله ، لحشوية الحنابلة  ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي ، ومن نظر في كتابه الباز الأشهب علم مدى الحشو الذي وصل إليه هؤلاء ، حيث قال في خاتمة كتابه :  (( ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال ، لم يعجبهم لأنهم أَلِفُوا كلام رؤسائهم المجسمة فقالوا : ليس هذا المذهب . قلت : ليس مذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم ، فقد نزهت مذهب الإمام أحمد ، ونفيت عنه كذب المنقولات ، وهذيان المقولات )) اهـ  ، ومن نظر في كتاب ابطال التأويلات  للقاضي أبي يعلى علم ما وصل إليه القوم من الحشو ،  ( تنبيه عاشر ) : تسرب أفكار الحشوية إلى ابن تيمية : ابن تيمية لم يكن سلفياً صافيا ، بل تسربت إليه العديد من مفردات المذهب الحشوي ، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي ظن أنّ لها من اسمها نصيب ، وقد سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد ، وفيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به ، وبأتباعه من بعده ، وأكثر ما أضر به في هذا المجال هما كتابي عثمان بن سعيد  الدارمي ، ( الأول ) كتاب الرد على الجهمية : فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، وعقد فيه باباً في تكفير الجهمية، وباباً في قتلهم واستتابتهم من الكفر، ولا يخفي أن الجهمية مصطلح تشنيع لا يراد به فرقة انتسبت إلى الجهم بن صفوان لأن الجهم مات وماتت معه أفكاره إلا أن الدارمي ومن تابعه يعنون بالجهمية من خالفهم في صفات الله عز وجل فيدخل في هذا الوصف المعتزلة وأهل السنة من الأشاعرة والماتريدية ، ( والثاني ) نقض عثمان بن سعيد على المريسي : وهو مثل سابقه في الحشو ، وزاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وغير ذلك مما هو مبسوط في موضعه ، وهذان الكتابان لهما منزلة عظيمة عند ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم وقد أكثرا النقل عن هذين الكتابين ، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية ، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف ، ومجدد السلفية ، ولكنّه للأسف جدد بناء المدرسة الحشوية بكل مفرداتها ، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد ،  إنّ المسلمين على زمان ابن تيمية كادوا يستقرون عقدياً ، على مدارس الأصول من الأثرية اتباع السلف الحقيقيون ، فلا يتتبعون المتشابه ولا يخوضون فيه ، بلا كيف ولا معنى ، والأشعرية والماتريدية ، فحول الأصول ، ووقد هذبوا العقائد وصفوها من شوائب الاعتزال والتجسيم والحشو ، وكادوا يستقرون فقهياً ، على المذاهب الأربعة وقد نقوا الفقه وصفوه من شذوذات ابن حزم والظاهرية وأنصاف الفقهاء ، وكادوا يستقرون في التزكية على أرقى وسائل التزكية والتصوف والإحسان ، في مدارس التربية التي تلائم العامة والخاصة ، والمسلمين والمحسنين ، وآنذاك يتفرغ المسلمون لنشر دينهم على أرقى وأحسن ما يكون التخصص العلمي المطلوب ، فبزغ نجم ابن تيمية ، فهاجم الأصول والفروع والوسائل ، وأخذ يهوش على المتخصصين ، فنصحوه ووعظوه ، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه ، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول ، وهو والله لا يبلغ قطرة في بحور الأشعرية والماتريدية مصابيح الزمان ، وحاملي لواء التقديس والتنزيه مفخرة عقائد الإسلام في كل مكان ، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ، ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى ، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله ، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام ، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل  الأعمال ، لقد ثار الرأي العلمي العام الإسلامي على الشيخ ابن تيمية من جانب الأصوليين المتخصصين في العقيدة ، ومن جانب الفقهاء المتخصصين في الفقه ، ومن جانب العارفين من الاولياء والصالحين ، بل ومن جانب المحدثين كابن حجر وغيره ، وهذا دليل على انحرافه عن صراط السلف المستقيم ، إذ ليس من الحكمة تخطئة جمهور علماء المسلمين واتهامهم بالسوء والضلال ، وتصويب رجل واحد ، فمنذ نشر الرجل رأيه حول الصفات الخبرية ، وضرورة الاخذ بظاهرها جاءت الاستنكارات عليه من علماء الأصول ، وعندما تكلم في التوسل والاستغاثة والزيارة ، استنكر ذلك عليه الفقهاء والربانيون ، ثم عندما تكلم في الحد السفلي والجهة العدمية وعلم الكلام والمعقول والمنقول ، وهو لا يعلم شيئا عن المعقول وضوابطه ، قامت عليه الأثرية ، فاجتمعت عليه طوائف العلماء والاولياء والفقهاء ( من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة )  - خيرة أمّة النبي صلى الله عليه وسلم - وقرروا منعه من نشر أخطائه ، فلما لم يسكت ، أمروا بسجنه ، ونفي من بلد إلى بلد ، وتعرض لاعتقال بعد اعتقال ، إلى أن منع من القرطاس والكتابة ، حتّى مات في السجن ممنوعاً من كل شيء ، ولو كان علمه صافياً لما تعرض لسخط كل هؤلاء العلماء ، ولأنتصب له من الطوائف من ينصره في مظلمته ، والجميع يعرفون أنّ مشاكله علمية وحسب ، ولم تكن سياسية قط حتى نقول أنّ الحكام تمالئوا عليه ، وظلموه ، لقد كانت مشاكله علمية مع علماء عصره ، فإنّ جماهير العلماء كانوا يخالفونه فيما يبديه من الآراء الشاذة ، المخالفة لما هو المشهور المجمع عليه بين العلماء ، في مجال الأُصول والفروع ، لقد ترجم للشيخ ابن تيمية مجموعة من تلامذته ممن تأثر به ، ومن الطبيعي أن يزيد التلميذ في حق استاذه ، فأسرفوا في الثناء عليه ، وفي مقدمتهم الذهبي ، لأنّه لاشك تلميذه وقد تأثر بأفكاره كثيرا ، والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ،  وتابعهما عبد الحي بن عماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، وابن رجب الحنبلي في الذيل على طبقات الحنابلة ، والسيوطي في طبقات الحفاظ ، ولا شك أنّهم ذكروا الجانب الحسن من علمه وحياته ، لكنّهم تعاطفوا عليه لكونه قضي أكثر حياته في السجون ، فلم يتوسعوا في ذكر الجانب السيء من علمه وحياته اكتفاءً بما لقيه من عقاب من الفقهاء والقضاة جراء أخطائه ،  أما الناظر الحصيف ، فإنّه يعلم شذوذه في أقواله التي خالف فيها العلماء ، لأنّه كان هناك اتفاق بين علماء وأكابر الفقهاء في عصره على أنّه يصدر عن عقائد وآراء في مجال العقائد والأحكام تخالف الرأي العام بين أهل السنة والجماعة ، ولأجل ذلك كانوا يصدرون الحكم عليه بعد الحكم ، ويعاقبونه مرة بعد أُخرى ،  حتى منعوه من الكتابة قبل وفاته خوفا من تأثر العامة به  ،  (  التنبيه الحادي عشر )  :  تسرب أفكار الحشو إلى دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب : تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية بقوة السيف والسنان ، ولكن  أيضاً : كانت له كذلك اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية ، وفي مباحث توحيد الربوبية ، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر ، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته ، بحسنه وسيئه ، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، وقد أدى هذا الخلل إلى غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم ، ومرت على المسلمين سنوات عصيبة بسبب سلهم السيف على أغلب طوائف المسلمين ، ولقد مرت تلك المحنة وانتهت والحمد لله ، والجميع اليوم يأبى ذلك الغلو ويرفضه ، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة علمية واحدة غير متخصصة على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية الإسلامية ، وهي كما ترى أبعد المذاهب عن السلفية الحقة الصافية الصحيحة ،  ( التنبيه الثاني عشر ) خطورة تجديد أفكار الحشوية في الفكر الإسلامي المعاصر تحت مسمى السلفية : الكثير من المعاصرين ممن تبنوا مذهب الحشو ،  أسرفوا في ذم جمهور أهل السنة وأكابرها من المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة من الأثرية والأشاعرة والماتريدية ، واهتموا بإعادة نشر ما صنفه بعض المتقدمين من كتب الحشو التي جمعت الأخبار المتشابهة والمتون المنكرة في ما يسمونه كتبَ التوحيد والسنةَ والردَ على الجهمية ، ويمكننا القول بيقين : أنّ متسلفة اليوم ليسوا على منهج السلف الصافي وأنّ انتساب الحشوية إلى السلف هي نسبة خاطئة ، وقد أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، وذلك بموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ثم هم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ، ثم هم يمقتون علم التقديس ولا يدرسونه مع أنّ قواعده مستمدة من الكتاب والسنّة ، ولو تواضعوا لهذا العلم ( علم توحيد الذات ) ودرسوه ، ودرسوا معه قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ، ( التنبيه الثالث عشر ) : تنبيه مهم يتعلق بالمرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي ترفع الخلاف بين طوائف أهل السنّة والجماعة ، وبيان خطأ مقولة : (( الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم السلف الصالح )) ، إنّ المرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي ترفع الخلاف بين طوائف أهل السنّة والجماعة هي مرجعية الرد إلى مدارس العلم المتخصصة على منهاج أهل السنّة والجماعة : هناك بحمد الله تعالى آيتان في كتاب الله تعالى يرتفع بهما الخلاف - إن فهمناهما الفهم الصحيح ، الآية الأولى ، قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] ، والآية الثانية ، قوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، فالآية الأولى : أوضحت أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة ، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة ، أوضحت الآية الثانية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة ، وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، والثانية : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري ، والثالثة : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ولهم في التزكية والأخلاق والتصوف طرق ومدارس على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم ، وتشمل مرجعيتهم تلك المدارس العلمية المؤصلة ، فنأخذ ما اجتمعت عليه المدارس العلمية السنّية رأيا واحدا لا نرضى له بديلا ولا نلتفت إلى غيره ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات الدقيقة التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة ، وتلك الامور يستحيل جمع الناس فيها على قول واحد لاحتمالات النصوص واختلاف المدارك بين العلماء ،   أما ما يتشدق به البعض بمقولة : (( الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم السلف الصالح )) فإن التطبيق الخاطئ لمعناها إلى وقوع الأمة في حيرة وشتات  ، وذلك لأنّ اصطلاح السلف الصالح هو اصطلاح يشمل فترة زمنية مباركة فاضلة ، هي فترة ( الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ) ،  باعتبارهم خير قرون الإسلام كما جاء في الحديث : ((خيرُ الناسِ قَرْنِي ، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم ، ثم الَّذِينَ يَلُونَهم ، ثُمَّ يَجِيءُ قومٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمينَهُ ، ويَمينَهُ شَهَادَتَهُ )) [ متفق عليه ] ، وهم ولا شك خير قرون الإسلام علما وعملاً وأخلاقا وقد كانوا بحق النواة العلمية الصالحة لظهور التخصصات العلمية بعد ذلك ، فإنّ أصحاب المذاهب التخصصية سواء في العقيدة او الفقه أو التزكية ، هم من السلف أو هم امتداد للسلف وهم من حسنات السلف ، ولم يخرجوا عن هدى السلف ، بل هم النابغون من تلاميذ السلف الذين تخصصوا في علوم الدين ، وقد منحهم هذا التخصص العلمي الدقيق أن يجمعوا أدلة كل باب من أبواب العلم ويرجحوا بينها في تمحيص شديد ويوفقوا بينها في تناسق بديع ، وهم عدول أهل العلم من أتباع السلف ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ، لقد حمل السلف لواء الدين بكافة جوانبه وكانوا هم العلماء والدعاة والمجاهدين من أجل هذا الدين ، فكانوا خير الناس وخير المسلمين ، وكان من بركة إخلاصهم أن جاء أتباعهم فتخصصوا في فروع العلم وفتح الله تعالى عليهم ببركة التخصص في مجال علومهم ، ثم رزقهم الله تعالى الأتباع الذين ساروا على منهاجهم فظهرت المدارس التخصصية التي تعتبر بحق مفخرة أهل السنّة وأهل العلم ، فالسلف كانوا خير الأمة ولكن لم تكن المدارس العلمية المتخصصة قد ظهرت بعد  ، ولم تكن أقوالهم قد تمحصت بعد وحمل متشابهها على محكمها ومطلقها على مقيدها وعامها على خاصها وهكذا كما فعل أهل التخصص بعد ذلك ، والدليل على ذلك ما يُنقل من الخلافات العلمية الواسعة في تلك الحقبة الزمنية المباركة في كافة أبواب العلم ، فكيف تجعل الرد إلى أفهامهم وهي في ذاتها مختلفة متعددة وغير منضبطة ، ولا يحق لأحد بعينه - مهما بلغ من العلم - أن ينصب نفسه المتحدث الرسمي عن السلف ، لأنّه آنذاك يتحدث عن فهمه هو لما يظن أنّه قول السلف وقد يكون هو مخطئاً فيما ينسبه إلى السلف ، ، ثم لا ننسى أنّ رؤوس الفرق الضالة قد أطلت برؤسها في زمان السلف كالقدرية والحشوية والمجسمة والرافضة والخوارج وغيرهم ، وعليه فإنّ للخوارج سلف وللروافض سلف وللمجسمة سلف وللحشوية سلف كل ذلك في القرون الأولى ، وبالتالي فإن استعمال هذا المصطلح كمنهجية لرد الخلاف لا يكون صحيحا ولا دقيقا ، لأنّ لكل صاحب فكر ولو كان مبتدعا سلف ، وبالتالي صار ( اصطلاح السلف ) اصطلاح متنازع على معناه وما هو المقصود منه ، بل والأفراد الداخلين فيه باستثناء الصحابة رضي الله عنهم ، فإنّ من يراهم البعض من أئمة السلف الصالح ، يراهم الآخرون ليسوا كذلك ، وليست حجة هؤلاء بأولى من هؤلاء وهو بالتالي مصطلح غير محدد ولا منضبط علمياً ، وهذا بخلاف المدارس العلمية المتخصصة في باب من العلم كالعقائد أو الفقه أو التزكية ، فهؤلاء يجمعون كل أدلة العلم المتعلقة بمباحث علمهم ، ثم يوفقون بينها بما يمنع تعارضها وفق منهج مدروس مؤصل ، ثم تخرج أقوالهم في إطار منهجية كلية ترد المتشابه إلى محكمه ، والعام إلى خاصه ، والمطلق إلى مقيده ، علاوة على كون تلك المدارس العلمية المتخصصة مذاهب مؤصلة ومدارس معروفة والقول فيها منضبط معروف محدد يمكن الرجوع إليه دون نزاع ، وعليه فإنّ الرد إلى فهم السلف ليس دقيقا ولا منضبطا ولا نعرف من المقصود منهم عند اختلافهم ، ولا ومن هو المتخصص في الفقه ومن هو المتخصص في العقيدة وهكذا ، ولا يُعقل أنّ الرد يكون إلى أفرادهم عشوائيا في شتى التخصصات العلمية ، أما الرد إلى مدارس العلم المتخصصة فيه ، فهو الذي يرفع النزاع ، فالأمر الذي  اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً ، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف ، دون تنازع أو شقاق ، لقد حاول الإمام ابن تيمية - بحسن نية - تطبيق مبدأ الرد إلى أفهام السلف ، إلا أنّ جهوده أدت إلى ضرب المنهجية والمرجعية السنّية في مقتل ، لأنّ التنازع قبله كان يرجع إلى الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم المذاهب السنّية المتخصصة ،  إذن هنا ننظر إلى المرجعية الصحيحة المتخصصة ، وبهذا يُفض الخلاف فإنّ اتفقت المذاهب السنّة المتخصصة في مسألة في مجال تخصصها فلا مجال للخلاف ، وإن اختلفت وسعنا ما وسع المتخصصين من ذلكم الخلاف ، ولكن عند الرد إلى غير المدارس المتخصصة للأسف ، رأينا الغلو في التكفير والغلو في التبديع والغلو والحشو في باب التقديس والحشو في باب الفقة والجفاء على المسلمين في باب التزكية ، وعليه فإنّ الرد العلمي الصحيح والمنهجية العلمية السديدة لا تكون إلا إلى مدارس العلم المتخصصة فيه ، فهو الذي يرفع النزاع ، فالأمر الذي  اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً ، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف ، دون تنازع أو شقاق ، ولو ذهبنا نُقارن بين المرجعيتين ، مرجعية الرد إلى المدارس المتخصصة ، وبين مرجعية الرد ألى السلف ، لوجدنا أننا في الحالة الأولى نرد إلى آلاف العلماء المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية كلٌ في مجال اختصاصة ، وفي الثانية نرد إلى عالم واحد هو الامام ابن تيمية ثم ثلة من اتباعة في كل ابواب العلم ، ، عند الرد إلى مرجعية المذاهب وجدنا الدقة في المرجعية ، فلم نسمع منهم أحدا يكفر أخاه إلا بضوابط دونها العلم الراسخ ، ولا استحل دمه وماله وعرضه إلا بضوابط وضعها المتخصصون ، ولم نسمع عن موجات التبديع والتفسيق التي اُبتلينا بها في هذا الزمان ، ومثال الرد المنضبط الدقيق : أنه إذا حدث خلاف في قضية فقهية مثلاً يكفينا أنّ نرجع إلى أقوال المذاهب الأربعة فيسعنا ما وسعهم من الخلاف فيها ولا معنى لحمل الناس على رأي اختلف فيه الشافعي وأحمد ووسعهم الخلاف فيه ثم لا يسعنا ، لا شك أنّ الذي لا يسعه خلافهم متهم في عقله أو دينه أو هو مصاب بمرض نفسي عضال علاجه في مكان معروف بعيدا عن المجتمع الإسلامي لنقي المجتمع من سمومه وسخافاته ، وإذا حدث خلاف في قضية عقدية مثلاً ( تنزيه ذات الله تعالى عن الحد او الجارحة أو المكان ) فالقول فيها ما قالت المدارس المتخصصة الأشعرية أو الماتريدية أو الأثرية وجميعها مجمع على تنزيه الله تعالى عن تلك النقائص التي تضاد الكمال الواجب لله تعالى والتي هي سمات المخلوقات والمحدثات التي تنزه الله تعالى عنها { ليس كمثله شيء } ، ولا عبرة لمن خالف تلك المدارس المتخصصة من الحشوية والمجسمة والمشبهة وأنصاف الجهلاء وأصحاب الجهل المركب من الموتورين الصائلين على الكتاب والسنّة وما فيهما من التنزيه وهم يدعون - خطأً - الصولة لهما والانتفاض لنصرتهما ، وهكذا كل علم له أهله المتخصصون وله مدارسه السنّية المتأصلة العريقة ،  ( التنبيه الرابع عشر ) : التحذير من كتب حديثية كُتبت على منهج أهل الحشو ونُسبت إلى أهل السنّة والجماعة : إنّ من الأمانة العلمية أمام الله تعالى وأمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأمام المؤمنين تقتضي التحذير من كتب تلبس مسوح اهل السنّة ، والسنّة منها برآء ، وهي في الحقيقة لا تنتمي إلى العقيدة الأثرية ، ولا إلى عقائد أهل السنّة والجماعة القائمة على التقديس والتنزيه ، بل هي إلى عقيدة الحشو والتجسيم أقرب ، ومن ذلك : ( 1 ) كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد : لعثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ )  : وقد تقدم ذكر مخازيه ، ( 2 ) كتاب السنة لابن أبي عاصم : وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها ، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه ، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك ، ( 3 )  كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (290هـ ) : وقلت : المنسوب لأنّ الغالب بل اليقين عندي أنّه لا تصح نسبته إليه ، لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه ، ولكونه اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة ، بل في بعضها تكفيره ، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة ، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان ، وقد كان أبوه الإمام أحمد يُجل الإمام أبي حنيفة وتتلمذ على تلامذته كمحمد بن الحسن الشيباني ،  ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش ، وإثبات صدر له وذراعين ، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم ، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة ، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه ، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك من الحشو الذي يؤول بصاحبه إلى التجسيم  ، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس ، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي  موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع ، ويعلم المحققون أنّ هذه الأخبار مكذوبة على الإمام أحمد وابنه عبد الله ،  بل الكتاب كله مكذوب عليه ، فإن كان هو واضعه فالله حسيبه ، والحق أحق أن يُتبع ، والكتاب عند المتخصصين في العقيدة لا يمثل سوى طائفة الحشوية وحسب ، ( 4 )  كتاب السنة للخلال : وفيه أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش ، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام ، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو ، والكتاب تقرير لعقائد أهل الحشو لا أهل السنّة ،  ( 5 ) كتاب التوحيد لا بن خزيمة : تأثر - على علمه بالحديث - بابن كرام ،  صنف كتابه على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات ، ولكنه تاب عنه وندم فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: ( ما لأبي بكر والكلام ؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه .. ، ثم قال البيهقي : والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم " [ الأسماء والصفات للبيهقي ، ص 342 ] ، واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام " أهـ  [ الأسماء والصفات للبيهقي ، ص 340 ] ، وكتاب التوحيد أخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً ، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه ، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر ، وأنه يهبط ثم يرتفع ، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، وأن جنة عدن مسكنه ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو ، ( 6 )  كتاب الصفات المنسوب للدارقطني : وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه ، وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه ، فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري في [تبديد الظلام المخيم 206 ] ، لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته في [  ميزان الاعتدال 1/259 ] : (أقر بوضع حديث وتاب وأناب ) ، ولا يخفى أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين الأول أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين [ تدريب الراوي ج 1 / 329 ] ، الثاني : أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده. نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال [ لسان الميزان 1/ 218 ]   ، ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي ، وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال - فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) [ميزان الإعتدال6/ 267 ] ، وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن  ، ( 7 ) كتاب التوحيد لابن منده : وله أيضا كتاب الرد على الجهمية ، وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه ، وعزاه إلى البخاري ومسلم ، مع أنه ليس في أحدهما ، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من أخبار أهل الحشو لا أهل التخصص والعلم بالعقيدة ، ( 8 )  كتاب العرش وما روي فيه : لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة  ، وحال الكتاب من حال مؤلفه الذي نقل الذهبي تضعيفه عن الجمهور وتكذيبَه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، وعن غيره الاتهام بالوضع ، وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في روضة خضراء ، ( 9 )  كتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي ( ت 481 هـ ) : والهروي هو الذي كان المجسمة بهراة يلقبونه شيخ الإسلام نكاية بمن سمى به الحافظ أبا عثمان الصابوني الإمام المتقن ، ومن مصنفاته التي أضرت بعقيدة أهل الإسلام الصافية الصحيحة ، كتاب ذم الكلام وكتاب الفاروق في الصفات وكتاب الأربعين ، وهذه الكتب الثلاثة أبان فيها عن اعتقاد التشبيه ، وفي كتاب الأربعين ذكر أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة ، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين ، وباب في إثبات الهرولة ، وأهم أغلاط هؤلاء المصنفين على وجه الإجمال أنّهم : ( أولاً ) : جمعوا فيها أخباراً متفرقة فأحدث هذا الجمع في دلالتها تقوية لظاهرها الموهم كما سبق في الكلام على التفويض ، ( ثانياً ) : لم يفرقوا فيها بين النصوص التي تتفاوت دلالة وثبوتاً فمثلاً جعلوا قوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } مع الأخبار المنكرة التي تتحدث عن القعود على العرش وأطيط العرش من ثقل الجبار فوقه، وجعلوا هذين المتفاوتين من أدلة الاستواء على العرش ،  ( ثالثاً ) : أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا ، بل ربما عارضوا ما هو مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرويات عن أحد التابعين. ومثال ذلك تفسير المقام المحمود بالإقعاد على العرش. بل لم يفرقوا بين حديث نبوي وخبر إسرائيلي، فربما جعلوا ما لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من القدسية والمكانة ثابتاً لقول أهل الكتاب. ومثال ذلك ما ذكروه في الاستلقاء على العرش ووضع إحدى رجليه على الأخرى وغير ذلك مما هو مبسوط في الشبه السمعية ، ( رابعاً ) : أنهم لم يفرقوا بين منقول بالتواتر من الكتاب والسنة وخبر لم يصح سنده فأثبتوا بالثاني ما أثبتوه بالأول ،  ( التنبيه الخامس عشر ) : لأجل علاج تلك الأخطاء اجتهدت في إصلاحها برسائل عديدة ليس لي فيها سوى الجمع والترتيب ، وأهم تلك  الرسائل : الرسالة الأولى : ( تجديد علم التقديس والتنزيه وتجديد الإحاطة بأصول علم التقديس وقواعد التنزيه ) ، والرسالة الثانية : ( تجديد علم الإيمان وتجديد فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر) ، والرسالة الثالثة :( تجديد علم التوحيد وتجديد فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك) ، والرسالة الرابعة : ( تجديد فقه الإتباع والابتداع وتجديد فقه مسائل السنّة والبدعة ) ، والرسالة الخامسة : ( تجديد فقه الانتساب إلى الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة ) ، وعدة رسائل أخرى تتبنى التأصيل لعلم التقديس ومحاربة الحشو والتجسيم : منها : ( 1 ) كتاب قواعد التقديس والتنزيه التي تعصم من التعطيل والتشبيه ، ( 2 ) كتاب تقديس الله تعالى أن يحيط به مكان أو يجري عليه زمان ، ( 3 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن أن تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، ( 4 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن الحيز والحدود التي تحد المخلوق ، ( 5 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن معاني الجسمية والمادية التي يتصف بها المخلوق ، ( 6 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي يتصف بها المخلوق ، ( 7 ) كتاب تقديس الله تعالى أن نتصوره بصورة ، ( 8 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث والمخلوقات ، ( 9 ) كتاب تقديس الله تعالى عن التغير والحدوث وعن قبول الحوادث ، ( 10 ) كتاب تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع المخلوق ، ( 11 ) كتاب التنزيه والتقديس المتعلق بكلام الله تعالى ليس كمثل كلامه كلام ، ( 12 ) كتاب فهم حديث الجارية في ضوء قواعد التنزيه ، ( 13 ) كتاب فقه الاستواء في الكتاب والسنة في ضوء قواعد التنزيه ، ( 14 ) كتاب شرح حديث النزول في ضوء قواعد التنزيه ، ( 15 )  كتاب حل إشكالات ظواهر النصوص التي يؤول اعتقادها إلى مذهب الحشو والتشبيه والتجسيم ، ( 16 )  كتاب المذهب الصحيح للسلف الكرام في متشابه الصفات والأخبار ، ( 17 )  المباحث الحشوية التي حالت دون فهم السلفية المعاصرة للعقيدة السنّية الصحيحة ، ( 18 ) كتاب الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها الخطير على عقيدة التنزيه والتقديس ، ( 19 ) كتاب تطهير السلفية الصحيحة النقية من أدران الحشو والتجسيم ، ( 20 ) كتاب دور العقل في فهم قواعد علم التقديس ، ( 21 ) كتاب بيان الواجب والجائز والمستحيل في حق الله الواحد الأحد الجليل ، ‫( 22 ) الانتصار بالأدلة لأهل التخصص في العقيدة من الأثرية والأشاعرة والماتريدية ، ( 23 ) كتاب جهود علماء أهل السنّة في إرساء علم التقديس والتنزيه ، ( 24 ) كتاب جهود علماء أهل السنّة في تنقية الأمة من أدران التشبيه والحشو والتجسيم ، ( 25 ) تقييم علم الإمام ابن تيمية في باب العقيدة وأصول الدين ، ( 26 ) تقييم الدعوة الوهابية في ميزان ما قدمته للإسلام والمسلمين ،  ( 27 ) كتاب متون العقيدة على منهاج أهل السنّة الأثرية امتداد السلف الصالح ، ( 28 ) كتاب متون العقيدة على منهاج  أهل السنّة الأشاعرة ، ( 29 ) كتاب ‫متون العقيدة على منهاج أهل السنّة الماتريدية ، ( 30 ) مؤلفات قيمة ساهمت في تهذيب أخطاء السلفية المعاصرة ،

[  13  ] الأشعرية والماتريدية امتداد السلف وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة : ( الأشاعرة ) : هم المتخصصون في العقيدة ، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة ، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري  رحمه الله ( 270 ه إلى 330 ه ) ، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة ، نصر الحديث ، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين  ،  هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال ، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم ، وإبطال شبههم ، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه ، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم ،  وعظماء أمة النبي صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة ، كالباقلاني ، والقشيري ، وأبي إسحاق الشيرازي ، وأبي محمد الجويني ، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين ، وحجة الإسلام الغزالي ، والقاضي أبي بكر بن العربي ، والإمام فخر الدين الرازي ، والحافظ ابن عساكر، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والإمام الرافعي، والإمام النووي، والإمام السبكي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام الفقيه ابن حجر الهيتمي ، والحافظ السيوطي ، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس ، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا ،  ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين ، والأشاعرة لم يبتدعوا  مذهباً ، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام ، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة ، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان ،  والأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة : أنقذ الله تعالى بهم الأمة من الاعتزال والحشو ، صاغوا المنهج الحق ، القائم على الكتاب والسنّة ، بعيداً عن بدع الخروج والتشيع ، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو ، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة ، في باب الإيمان والكفر  ، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد ، وباب السنّة والبدعة ، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات ، بما لا مزيد عليه ، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً  ، وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور : أهمها : الأول : دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة ، والمحور الثاني : الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة ، الثالث : قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها ، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم ، ( والماتريدية ) : ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي ، وهو إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين ورئيس أهل السنة والجماعة وناصر السنة وقامع البدعة ، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، مضيف النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و سلَّم في دار الهجرة ، وتعتمد أسس الماتريدية على المذهب الحنفي في العقائد والفقه ،  وكان لأنصار أبي منصور الماتريدي الدور المهم في انضاج المذهب ونصرته ونشره وإشاعته ، فقد كافحوا المعتزلة والمجسمة والحشوية ، والحاصل هو أن الأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها ، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي ، والأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وهما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية ، قال الإمام المرتضى الزبيدي : ( وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور - رضي الله عنهما - وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله ... ناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) اهـ. [ إتحاف السادة المتقين 2/7 ] ، 

[  14  ] الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة : لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة : ثلاث مذاهب لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المذهب الأثري ) وعليه غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( المذهب الأشعري ) وعليه غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( المذهب الماتريدي ) وعليه غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وجميع تلك المذاهب يعبر عن الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، ما اتفقوا عليه من أصول الدين والعقيدة نجتمع عليه ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في فروع العقيدة ، وهذه المذاهب الثلاث المؤصلة هي المرجعية العقائدية الصحيحة لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ،

[  15  ]  : الفرق الضالة في العقيدة والخارجة عن إطار اهل السنة والجماعة : هي شراذم قليلة لا تمثل أغلبية وأكثر من ينطوي بداخل تلك الفرق عوام لا يعلمون جوانب البدعة والضلال في تلك الفرق ، وهذه الفرق استحقت لضلالها الوعيد بالنار ، وأفرادها إلى مشيئة الله ، كحال كل مسلم إن شاء عفى عنه وإن شاء عذبه لبدعته ، ولكن لا يخلد في النار احد من أهل الإسلام ، وأضر تلك الفرق على امة الإسلام أربعة : الخوارج والشيعة والمعتزلة والحشوية ، وذلك لكثرة تشغيبها على الجماعة الناجية ، ويلي تلك الأربعة الجهمية الجبرية والمرجئة والمجسمة لأنها أقل عددا ،

[  16  ] الخوارج وأصول الضلال عندهم  : الخوارج على اختلاف فرقهم ومذاهبهم تكاد تجمعهم مخازي مشينة ومعتقدات ضالة تنبئ عن غلوهم وتنطعهم وصدق ما وصفهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من سفاهة عقولهم وتمكن الأهواء من قلوبهم ومروقهم من الدين بسرعة وعجلة ، ومن هذه المعتقدات الضالة :  ( أ ) غلوهم في الإمامة : فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه  ، ( ب ) غلوهم مع أهل القبلة : يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام ، ويقولون كل ذنب مغلط كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان ، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان ، ويحكمون على صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر ، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار ، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة ، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد ،  ( ت ) غلوهم في حق أنفسهم : يقرون لأنفسهم بالإيمان ، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار  ، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم  كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم ، ( ث ) يقولون بأن  كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر مرتد حلال المال والعرض والدم دونما تفصيل أو فقه في الدين ، ويقولون بأن كل من وافقه أو سكت عنه فهو كافر مثله ، ( ج ) من صفاتهم يدعون أهل الشرك إلى الإسلام ، ويكفرون أهل الإسلام الأصليين ، ويطبقون الآيات التي نزلت في المشركين على أهل الإسلام فيكفرونهم ويستحلون حرماتهم ، يمرقون من الدين بأدنى شبهة ، فهذه صور من غلو الخوارج كلاب أهل النار ،

[ 17 ] الشيعة وأصول الضلال عندهم : أبرز أصول البدع الضالة عند الشيعة تتمثل في : المغالاة في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد التي يبنى عليها دين الإسلام ،  ( والإمامة ) عند أهل السنة والجماعة الناجية : ليست من أصول الدين وأركانه ، ولكنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على وجوب نصب الإمام ،  وأجمع أهل السنة والجماعة الناجية على أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمة عند موته دون أن ينص على إمام بعينه ، بل ترك للأمة حق اختيار من تراه أفضلها وأكفأها وأصلحها لهذا الأمر ، واتفق أهل السنة والجماعة الناجية على أن الشورى بين المهاجرين والأنصار آلت بهم إلى تفضيل الصديق أبي بكر رضي الله عنه واختياره خليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثم من بعده الخلفاء الراشدون عمر وعثمان وعلي ،  ومن أصول الضلال عندهم : بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم ، مع أنهم خير أصحاب الأنبياء وصفهم الله تعالى بالصدق والإخلاص ، حملوا دين الإسلام ونشروا رسالته إلى أرجاء الأرض ونصروا عقائده وشرائعه وأخلاقه ، وبسطوا سلطانه ورفعوا رايته ، عاشوا حياتهم كلها لله دعوة وحسبة وجهاداً ، يضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل مرضاته ، راجين رحمته وخائفين من عذابه ، وقد امتلأ القرآن الكريم بالثناء عليهم والترضي عنهم ،

[  18  ] المعتزلة وأصول الضلال عندهم : المعتزلة فرقة واسعة الانتشار بأفكارها الضالة إذ أن كثير من العقلانيين  اليوم  ما هم في حقيقة أمرهم إلا معتزلة ، وكذلك فلا تنسى أن الشيعة الزيدية والشيعة الإمامية  والإباضية هؤلاء جميعاً هم معتزلة في الأصول ، ومن أصول الضلال عند المعتزلة : الأصل الأول عندهم : يسمونه التوحيد ، وقد وصلوا من خلال هذا المبحث إلى نفي صفات الله تعالى المحكمة من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأنه سبحانه لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة ، ووصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثباتاً ،  والأصل الثاني عندهم : يسمون العدل ، ويبحثون فيه أفعال الله تعالى وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى فوقعوا في وصفه سبحانه بالعجز تعالى الله عن ضلال المعتزلة علواً كبيراً  ، والأصل الثالث عندهم : ويسمونه الوعد والوعيد : ومعناه أن الله تعالى إذا وعد وفى وإذا أوعد وفى ، وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء ، وتحكم غير صحيح في مشيئة الله تعالى الذي إن شاء عذّب وإن شاء عفى ، وأصحاب الفطرة السليمة يقولون أن الكريم إذا وعد وفى وإذا أوعد عفى ، والأصل الرابع عندهم : ويسمونه المنـزلة بين المنـزلتين : ومعناه أن مرتكب الكبائر ليس مؤمنا ولا كافرا ، وإنما في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة ، ثم حكموا عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، والأصل الخامس عندهم : ويسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر : يرون من خلاله الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين ،  

[  19 ] الحشوية وأصول الضلال عندهم : الحشوية : لقب أُطلق على طائفة من المبتدعة الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والتغير والحدوث وقبول الحوادث والكون في المكان وأنه بذاته على العرش ، والفرق بينهم وبين المجسمة ، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم ، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى ، أمّا الحشوية ،  فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم ، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم ، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة ، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، والحشوية لهم مواصفات معينة ، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، يعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه في المخلوق المحدث فيقيسون جناب جلال ذات الله تعالى وتقدس القديم بذاته وأسمائه وصفاته على المحدث المخلوق ، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف ، والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وإلى الوقوع في الحشو المرذول على حساب التقديس والتنزيه ، يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، مصداقا لقوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، وقد سماهم أهل العلم بالحشوية : لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية ، وبكل ما يخالف صريح العقل ، وهم أبعد الناس عن العقل وأدلته القطعية ، ينسبون الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله الأحد الصمد المنزه عن كل ما يعارض الأحدية المطلقة من الانقسام والجزئية والبعضية والجارحة ، وينسبون الحد والمقدار إلى ذات الله الواحد القهار ، ولو عقلوا أنّ المحدود المقهور بحده لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم ، ويجيزون علي الله تعالى الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، كما سماهم اهل العلم حشوية لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة ، في أبواب العقيدة وما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته ، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف ، كما سماهم اهل العلم حشوية : لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات : لأنّهم أهل التناقض ، فهم يبدعون المؤولة ، ثم يتأولون  القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة ، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية ، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع ، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أذهانهم السقيمة التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته ، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة ، وهذا المكان هو العرش على ظنهم ، وأنّه بذاته فوق عرشه ، فأتو بلفظ ( ذاته ) من عند أنفسهم ، وجعلوا الاستواء حسيا ، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس كمثل وجوده وجود ، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش ، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان ، والملك والملكوت ، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون ، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم ، ويقولون " لا يعقل " وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول ، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول ، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات ، كما سماهم اهل العلم حشوية : لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء ، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء ، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة ، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح ، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين ، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء ، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ،

[  20  ] المرجئة وأصول الضلال عندهم : من أصول الضلال التي قام عليها الإرجاء : الأصل الأول : الإيمان أصله وفرعه وجميعه لا يخرج عن القلب ولا يتعداه إلى الجوارح وأعمال الجوارح ليست من الإيمان ، والأصل الثاني من أصول الضلال عند المرجئة : الخطأ في فهم الإيمان وظنهم أنه حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة فإما أن توجد وإما أن تنتفي ولهذا جردوه عن الأعمال وقالوا لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، والأصل الثالث من أصول الضلال عند المرجئة : إهمال قيمة عمل الجوارح بالكلية وعدم الاعتداد به ، وبالتالي أهملوا في أداء الواجبات واستهانوا بالمعاصي والآثام ، وقد بدا هذا الخلل العظيم واضحاً في مقولاتهم : فمنهم من يقول : ( الفاسق مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كجبريل وميكائيل وإن لم يعمل واجباً قط وإن لم يدع كبيرة قط ) ، ومنهم من يقول : ( فساق أهل القبلة لا نطلق عليهم اسم الفسوق ولكن نقول فسق في كذا وكذا ) ، ومنهم من يقول : ( لا يدخل من أهل التوحيد أحد النار أبداً ) ، ومنهم من يقول : ( النار محرمة على أهل لا إله إلا الله )  ، ومنهم من يقول : ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة ) ، ومنهم من يقول : ( المعصية لا تضر صاحب التوحيد ) ، ومنهم من يقول : ( لا يدخل النار مؤمن ) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام ، ويقولون بعدم دخوله النار ابتداءً ، والفارق بينهم وبين مذهب أهل السنة عظيم ، لأن أهل السنة يقولون أن للإيمان أصل ينجي من الكفر الأكبر وفرع ينجي من الكفر دون كفر ومن الفسوق ومن العصيان ، ويقولون بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ويقولون بأن المقصر في أعمال الإيمان في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار ، ويمكثون في النار ما شاء الله ، ولكن لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين ،والأصل الرابع من أصول الضلال عند المرجئة : زعمهم أنه ما دام الإيمان في القلب فلا يكفر صاحبه مهما أتى به من أعمال الكفر الظاهرة ، فمن سب الدين أو استهان بالدين أو أهان المصاحف فهذه الأعمال عندهم لا تضر صاحبها وهو مؤمن كامل الإيمان ، نسال الله السلامة ، وعلاج بدع وأخطاء المرجئة يكون ذلك بدراسة علم الإيمان والكفر وفقه مسائله وأحكامه وفق  منهاج اهل السنة والجماعة متمثلا في مدارسه الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، وقد أكرمني الله تعالى بجمع كتاب التجديد الأول : ( تجديد علم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه ) ،  وقد ضمنته قواعد أهل السنة والجماعة التي تقضي على بدعة الإرجاء ،

[  21  ] الجهمية وأصول الضلال عندهم :  الجهمية فرقة ضالة يقوم ضلالها على تلك الأصول : الأصل الأول : تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل ، والأصل الثاني : القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر ، والأصل الثالث : القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة ، والأصل الرابع : القول بفناء الجنة والنار ، والأصل الخامس : إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان وعذاب القبر ، وعلاج بدع الجهمية :  يكون بدراسة  ( علم التقديس ) ،  و ( علم الإيمان ) ، و ( علم التوحيد ) على منهاج أهل السنة والجماعة وفق ضوابطهم التي تقضي على بدعة التجهم ،

[  22  ] أبرز الفرق الضالة في زماننا المعاصر : خمسة : ( الأولى ) الصفوية الخمينية التي تنتسب إلى الشيعة الإمامية وقد غالت زيادة على غلو الشيعة حتى صارت خطرا على المسلمين  ، و ( الثانية ) الإباضية من الخوارج والتي تعمل جاهدة على عودة الامة إلى مذهب الخوارج المارقين ، و ( الثالثة ) أدعياء السلفية الذين يحاربون التخصص العلمي الإسلامي وينتسبون زورا وبهتانا إلى السلف الكرام والسلفية الحقة منهم برآء ، و ( الرابعة ) أدعياء الصوفية من أهل الدجل والخلل يحاربون التزكية والإحسان وينتسبون زورا وبهتانا إلى أهل التصوف والصوفية الحقة منهم برآء ، و ( الخامسة  ) العلمانية من أهل الجهل المركب بدين الله ، يحاربون الدين ويريدون فصل شريعة الرحمن عن حياة المسلمين ،

[  23  ]  الصفوية الخمينية وأصول الضلال عندهم : هذه الطائفة زادت في غلوها ، ونقلت مذهب الشيعة الإمامية إلى مرحلة خطيرة من العداء للمسلمين وحربهم ، وقد دعم الصليبيون هذه الفرقة وأمدوها بالمال والعتاد لتكون رأس حربة على أهل الإسلام ، وأبرز أصول البدع الضالة عند هؤلاء : المغالاة في الإمامة الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم ، ومن لا يعترف بأئمتهم الاثني عشر فليس بمسلم ،  ومن أصول الضلال عندهم : تكفير الصحابة وسبهم ولعنهم والبراءة منهم  ، ومن أصول الضلال عندهم : التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم ، حيث يقوم مذهبهم الضال على تكفير الصحابة والبرآة منهم ، والصحابة هم الذين جمعوا القرآن الكريم ، والقرآن تمتلئ آياته بالثناء عليهم والترضي عليهم ، كان هؤلاء في مأزق عسير : إما أن يجزموا بصحة القرآن وصيانته ويترضوا عمن ترضى عنهم القرآن وعمن حملوا لنا القرآن وحفظوه وجمعوه وبالتالي ينسفوا مذهبهم الباطل من أساسه ، وإما أن يكفروا الكفر البواح ويعلنوا أن القرآن الذي جمعه الصحابة وحفظوه وقد حرف وزيد فيه ونقص وحذفت منه آيات تنص على الولاية لسيدنا علي رضي الله عنه وحذفت منه آيات تفضح أولئك الذين قام المذهب على سبهم ولعنهم وتكفيرهم  ، ومن أصول الضلال عندهم : عدم اعترافهم بدواوين السنّة المشرفة  ، وقد دعاهم إلى إنكار السنة التي جمعها أئمة الحديث عند أهل السنّة والجماعة أسباب  أهمها : أنّهم يكفرون أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  ولذلك فهم ينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي  صلى الله عليه وسلم  إلينا ، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم ألغوا السنة النبوية بكاملها وألغوا كافة أثارها إذ لم يحمل إلينا السنة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم ، والسبب الثاني : أنّهم يضللون كل من يقدم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الإمام علي رضي الله عنه ، ولذلك فهم يضللون الحفاظ المحدثين الذين سجلوا حديث النبي  صلى الله عليه وسلم  وحفظوه ، ولذلك نجدهم يكذبون حديث النبي  صلى الله عليه وسلم الموجود في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول لاسيما ما وجد منها في الصحيحين البخاري ومسلم ثم ما تلاهما من كتب الحديث كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وما تلاها من المستدركات على الصحيحين والمسانيد والجوامع ، وهم ينكرون كل هذه الأحاديث ، ولذلك لم يبق لهم من علم الحديث شيء وصار واقعهم العملي الحقيقي هو إنكار سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبها ، ومن أصول الضلال عندهم : وقوعهم في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق ، وأسباب ذلك : استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي  صلى الله عليه وسلم  الكرام البررة ، واستحلالهم دماء وأموال وأعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة السائرين على هدي النبي  صلى الله عليه وأصحابه الكرام البررة ، واستحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان ، واستحلالهم الزنا في صورة المتعة حتى أنهم من خلالها أعاروا الفروج وغرقوا في الفاحشة ، نسأل الله العافية ،

[  24  ] الإباضية وأصول الضلال عندهم : المذهب الإباضي مذهب من مذاهب الخوارج يقدح في عدالة الصحابة ، ويخلط في عقائده ما بين عقائد الخوارج وعقائد المعتزلة ، ويحاولون جاهدين ترميم مذهب الخوارج ليعود من جديد ، وهؤلاء يقولون بأن صاحب الكبيرة إذا لم يتب ومات فهو كافر مخلد في النار ، ويقدحون في جمع من الصحابة منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن عوام  ، ومعاوية بن أبي سفيان ، و عمرو بن العاص رضي الله عنهم  ، ويصححون موقف خوارج النهروان في خروجهم على الإمام علي رضي الله عنه ، وعلى ذلك فهم فرقة من فرق الخوارج ، وهم يقولون بأن القرآن مخلوق ، وأن الله لا يُرى في الآخرة  وهذه من عقائد المعتزلة ، والإباضية ينتسبون زورا إلى التابعي الجليل جابر بن زيد ، وهو منهم براء ، ذكر ابن حجر في التهذيب أن جابر بن زيد تبرأ منهم ، والإباضية لهم كتاب واحد اسمه ( مسند الربيع بن حبيب ) والربيع نفسه مجهول  ، لم تترجم له كتب الرجال المعروفة ، وترجمته مقصورة على كتب الأباضية ، وهو غير الربيع بن حبيب الذي ترجم له البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والإمام أحمد في العلل ، ومن المآخذ التي حفل بها المسند :  إنكار رؤية الله عز وجل يوم القيامة  ، وتكفيرهم لأهل الكبائر ، كما أن هناك جملة من الملاحظات تثير مزيدا من الشكوك في صحة وجود هذا المسند تاريخيا : منها الغموض المريب الذي يلف تاريخ هذا المسند حيث لم تشير إلى ذكره المراجع والأمهات المعتبرة ، كما أن أكثر رجاله مجاهيل ، لم تتعرض لهم كتب الرجال المعروفة والموثوق بها بالذكر  ، كما أن الكثير من أحاديثه غير مسندة  ، أضف إلى ذلك ما تضمنه من انحرافات في العقيدة والشريعة  ، وبناء عليه يزيد الشك في أن يكون هذا المسند من وضع بعض رجال المذهب الأباضي ، والخلاصة أنه مسند لا تتوفر فيه شروط الصحة التي أجمع عليها علماء الحديث من القديم والحديث فلا يجوز الاعتماد ولا التعويل عليه ،

[  25  ] أدعياء السلفية وأصول الضلال عندهم :  السلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام ، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية في الحديث الصحيح:  (( خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم )) ،  فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف ، والسلفيون الصادقون ينتمون إلى هذه السلفية ، ولكن السلفية الحقة الأصيلة قد ابتليت بالأدعياء  ، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء ، شوَّهوا جمال عقائدها بما أدخلوا عليها من بدع ضالة ، إنّ السلفية انتسب إليها المحق والمدعي ، والمحقون هم السادة الأثرية أهل التقديس والتنزيه وعدم الخوض بالحشو فيما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته وهؤلاء على وفاق في أصول العقيدة مع مذاهب التخصص العقدي على منهاج اهل السنة والجماعة ( السادة الأشعرية والماتريدية ) ، والمدعون لها هم أهل الحشو الجاهلون بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله ، ومن أبرز هؤلاء : التيمية المغالون في الشيخ ابن تيمية - وعلامة هؤلاء حتى نفرق بينهم وبين الأثرية – أنهم يتبعونه حتى في أخطائه المخالفة للشرع ، فإن هناك فرق بين من ينظر إليه على أنه عالم يصيب ويخطئ ، فيتبعه في صوابه ويخالفه في أخطائه التي تسربت إليه بسبب جهله بقواعد التقديس وحسن ظنه برواد بدعة الحشو الاوائل ممن تدثروا بلباس السلف والسلف منهم برآء ، وبين من يرى أنه المتحدث الرسمي عن الدين وأصوله وفروعه وعن السلف والسلفية ، وعن السنة وأهلها ، فمن أثنى عليهم فهم من أهل السنة ومن لمزهم فهم من أهل البدعة ، ويطرح علمه على أنه البديل لكافة المؤسسات والمدارس والمذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية التي أسسها الآلاف من علماء أهل السنة والجماعة ، كل في مجال تخصصه على مر عصور الإسلام وقرونه ، فهؤلاء المغالون فيه يشقون وحدة أهل السنة ويضربون مرجعيتها وتخصصاتها العلمية في مقتل وهم حجر عثرة أمام الإصلاح والتجديد ،  ومن أبرز هؤلاء أيضا : الوهابية المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، الذين يتبعونه حتى في أخطائه الجسيمة المخالفة للشرع لاسيما في مفاهيمه المغلوطة في باب التوحيد والشرك وما آل به ذلك إلى الغلو في باب التكفير واتهام الأمة الإسلامية بالشرك والتبديع ، واستحلال دماء المسلمين وحرماتهم وأموالهم ، هؤلاء المغالون عند أهل التخصص ضمن فرق الحشوية ثم زادوا عليها غلوا في تكفير المسلمين وتبديعهم واتهامهم بالشرك الأكبر في مسائل فقهية خلافية ، 

[ 26 ] التيمية المغالون في الشيخ ابن تيمية :  اهتم ابن تيمية رحمه الله بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا  ، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث  ، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته  ، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها  ، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات   ،  لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف  ، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله  ، وهو لا يدرك أسباب استحالتها  ، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه  ، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث  ، فإن حديث النزول – على سبيل المثال - ليس الهدف منه اثبات الحركة والنزول من علو إلى سفل  ، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء  ، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات  ، والذي هو مذهب السلف الصحيح  ، والذي ليس لهم مذهب سواه  ، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع   ، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي ، ويرفض حملها على المجاز ، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!  ، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم  ، والعالم المخلوق تحته  ،  وهو موجود على عرشه  ، وأنه متناه من جهة تحت  ، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء   ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته  ، فقد قال  (  وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته  )  ،  وعلى هذا المذهب فإنّه سبحانه يبقى نازلاً أبداً  ، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها  ،   كما حام حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات  ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية  ، كما حام حول الجسمية والتجسيم  ، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!  ، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية  ، وحام حول حديث خلق آدم على صورته  ، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن  ، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى  ، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم  وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء  ، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث  ، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبا الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد  ، ومن الغريب أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة   ، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً  ، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة  ، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان  ، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة  ، نصحوه فلم يرعوى  ، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق  ، وقد تأثر به عدد قليل من تلامذته  ، ولكن لكثرة مؤلفاتهم ودندنتهم حول ما تسرب إليهم من مفردات الحشوية  ، سحبوا أهل السنّة والجماعة نحو بعض مفردات الحشو والخلاف  ، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية  ، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف  ، ومجدد السلفية  ، ولكنّه للأسف جدد بناء المدرسة الحشوية ببعض مفرداتها  ، من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد  ،  هاجم الأصول والفروع والوسائل  ، وأخذ يهوش على المتخصصين  ، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول  ، وهو لا يدرك المعقول ولم تتهيأ له الفرصة في تعلمه على يد المتخصصين  ، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام في نفوس الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى  ، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله  ، ثم جازف وغامر بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام  ، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل  الأعمال  ، فهل كانت الأمة في زمانه على ضلال مبين  ، حتى انتشلها من الظلام  ، ثم تجاسر بتخطئة أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه  ، وتكلم في حقه بما لا ينبغي  ، إذ لكل مقام مقال  ، وهل الرد على الشيعة يُجيز له رفع الحشمة والادب مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه   ، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين  ، بكلام لا ينبغي   ، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام  ، فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية  ، فتعجل بتبنيها ونشرها  ، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة  ، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل  ، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام  ، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك  ، أحد قبل ابن تيمية  ، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه  ،  لقد ظن ابن تيمية أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل ، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك ، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد ، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله ، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا ،  وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل ، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا ،  ولو تتبعنا أخطاء ابن تيمية نجد أنه وقع في أخطاء أبرزها :  (  أ  ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين  ،  (  ب  ) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً  ، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى  ، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك  ، ولو كان له معنى لما كان متشابها  ، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض - وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي - من شر مذاهب الفرق الضالة   ،  (  ت  ) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات   (  ث  ) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض  ،  (  ج  ) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة  ، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة  ،  (  ح  ) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء   ،  (  خ  ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله  ، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة  ،  (  د  ) نسب علم  (  التقديس وقواعد التنزيه  المستمدة من الكتاب والسنّة  ) إلى علوم اليونان وفلسفتهم  ، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة  ، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام  ، قال تعالى : { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 84 ]  ، ولأنهم متخصصون علموه  ، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه  ، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين  ، (  ذ  ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا  ، ودمّر تخصصاتهم  ، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم أهل التجهيل  ، وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه  ، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت  ، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة  ،  ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة  ، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة  ،  (  ر  )  لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول  ، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره  ، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب  ، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة  ، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير  ،  (  ز  )  لم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك  ،  (  س  ) لم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في التبديع  ، (  ش  ) كما انفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة  ، ومن ذلك إنكاره المجاز في القرآن  ، ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين  ، وليس يفيده بحال  ، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى ، كما تورط في الحديث حول قدم بعض المخلوقات ووجودها مع الله كالعرش  ، وهذا يضاهي الفلاسفة بقدم العالم  ، وأجاز التسلسل إلى ما لا بداية  ، كما أجاز العقلاء التسلسل إلى ما لا نهاية  ، مع أنّ الفرق بينهما عظيم  ، والاول مستحيل لأنّه يؤول إلى قدم العالم  ، والثاني جائز كبقاء اهل الجنّة واهل النار إلى ما لا نهاية  ،  وتورط في القول بحدوث صفة الكلام  ، وصرح بأن الكلام صفة فعلية يخضع للمشيئة قياساً على صفة الكلام عند البشر  ، كما صرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى  ، وذهل عن الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ألا وهو الأفول ، وحام حول فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها  ، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده  ،  وحام حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة  ، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة  ،  كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب  ، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها  ، ينقل في ذلك الخلاف بما لا ينبغي حفظا لمقام الأنبياء  ،  كما تورط في الحديث حول فناء عذاب اهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم منها قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [ النساء : 168  ، 169 ]  ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا  } [ الأحزاب : 64  ، 65 ]  ، و كان يشن بين الحين والآخر حروبا على المذاهب الأربعة المتخصصة في الفقه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة  ، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء  ، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم  ، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا أضعاف أضعاف ما بلغه ابن تيمية في الفقه والعلم والورع  ، واتباع الكتاب والسنّة  ، وفي مجال التزكية والتصوف : أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف  ، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها وتجريح أكابرها  ،  لقد أفنى ابن تيمية عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة ، وهو لم يستوعب علمهم ولم يصل إلى شيء من رسوخهم في علم العقيدة والأصول  ، كما أفنى عمره وجهده في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه ، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث  ،  إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية  ، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف  ، ومجدد السلفية  ، ولكنّه للأسف جدد بناء المدرسة الحشوية بأخطر مفرداتها  ، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد  ،  ولا يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي عن السلفية والسلف ، 

[ 27 ] الوهابية المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب : لقد تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية بقوة السيف والسنان ، ولكن  أيضاً : كانت له كذلك تصورات مغلوطة ، واجتهادات خاطئة خالف فيها أهل العلم المتخصصين فيه ، وذلك في بعض مباحث توحيد الألوهية ، وتوحيد الربوبية ، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر ، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته ، بحسنه وسيئه ، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، ( أ ) ففي مجال توحيد الألوهية : أخطأ في تفسير العبادة ، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع ، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو  الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله ،  وكان هذا الغلط في تفسير العبادة هو المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، التي أُستحِلت بها دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد ، وتقاطعت فيه أرحام أمر اللّه بها أن توصل، عياذاً باللّه من المزالق والفتن ، ( ب ) وفي مجال توحيد الربوبية : نسب إلى المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم توحيد الربوبية ، مع أن هؤلاء المشركين اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية ، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم : 81 ] ،  وقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ }  [ يس : 74 ] ، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى : { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ } [ هود : 54] ، وقوله تعالى : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ الزمر : 36 ] ، ( ت ) والخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر : كما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك ، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى ، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر ، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر ،  ( ث ) والخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك ، ( ج ) والخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته ، بحسنه وسيئه ، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، ( ح ) الغلو في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم ، فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام ، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام ، نعلم كيف كانت ( الغزوات ) ! على أعراب نجد والحجاز ، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد ، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان ، لا مسلمين يقولون ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، ويعتقدون أنّه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله ، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله ، لقد مرت تلك المحنة والحمد لله ، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة واحدة تسربت إليها مفردات الحشو على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية ( العقدية والفقهية والتزكوية ) الإسلامية ،

[  28  ] أدعياء الصوفية وأصول الضلال عندهم :  ومن تلك الطوائف التي ضلت الطريق في زماننا المعاصر : أدعياء الصوفية من أهل سقوط التكاليف يحاربون التزكية والإحسان وينتسبون زورا وبهتانا إلى أهل التصوف ، والصوفية الحقة منهم برآء ، إن التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام ، وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه : ليس من التصوف الإسلامي : القول بمخالفة الشريعة للحقيقة ، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة ، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه ، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف ، وليس من التصوف الإسلامي : القول بالحلول أو الاتحاد ، وليس من التصوف الإسلامي : الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت ، وليس من التصوف الإسلامي : تحريف أسماء الله والرقص بها مع وجود آلات اللهو والغناء ، إن الأدعياء شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة ، وليس من التصوف الإسلامي : البطالة ولا الجهالة بدين الله ، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات ، وليس منه : ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن والشياطين ، إنّ التصوف بريء من ذلك كله ، إن الإصلاح الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وتجرد وإتقان ،

[  29  ] دعاة العلمانية  : من أبرز الفرق التي ضلت الطريق في زماننا المعاصر : دعاة العلمانية من أهل الجهل المركب بدين الله يريدون حكم الجاهلية ، وفصل شريعة الرحمن عن حياة المسلمين  ، إنّ شهادة الإسلام ( لا إله إلا الله – محمد رسول الله ) تعني اعتراف المسلم بسيادة شرع الله تعالى على الأرض ، الله وحده هو الذي يشرع للبشرية وكلهم مطالبون بتطبيق شرع الله ، والمسلم تتحقق عبوديته لله وحده في كافة أعماله وشعائره  : فالسيادة في حياة المسلم للشرع الإلهي ، لقوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ، والمسلم لا يرضى بالعلمانية وغيرها من الدعاوى التي تتعارض مع الإسلام ، فالعلمانية تكفر ببعض دين الله ( ألا وهو جانب الحكم والتشريع ) ، وقد قال الله تعالى : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } [ البقرة : 85 ، 86 ] ، والعلمانية تُقصي الدين عن الحياة وتحصره في العبادة المحضة كالصلاة ، أما في الإسلام فكما أن الصلاة لا تكون إلا لله ، فالحياة كلها لله تعالى لا شريك له. قال تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [ الأنعام : 162, 163] ، والعلمانية لا تعتقد بضرورة تحكيم الدين فيما يشجر بين الناس من نزاعات دنيوية في الدماء والأموال والأعراض، أما في الإسلام فقد قال تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }  [النساء: 65] ، والعلمانية تعني أن يعتقد الإنسان أنه غير ملزم بالخضوع لأحكـام الله في كل نواحي الحياة وأن الدين ليس له علاقة بشؤون الحياة في غير العبادات والصلوات ، وقد أجمع علماء المسلمين أن من جحد حكم الله تعالى في القتل أو السرقة أو الزنا أو غيره مما جاء في القرآن الكريم فهو كافر الكفر الأكبر المخرج من دين المسلمين ، والجحود معناه إنكار الحكم أو إنكار صلاحيته للناس أو اعتقاد إقصائه عن حياة المسلمين ، والليبراليَّة : وجه من وجوه العلمانيِّة ، وهي تعني في الأصل الحريِّة ، غير أن معتنقيها يقصدون بها أن يكون المجتمع حراً في أن يحكم بما يشاء ، بدون التقيد بشريعة إلهية ، فالمجتمع عند الليبراليين حر  غير محكوم بشريعة من الله تعالى ، ولا مأمور من خالقه باتباع منهج إلهيّ ينظم حياته كلها، كما قال تعالى : {  ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  } [ الجاثية : 18] ، بل هم يريدون حكم الجاهلية ، قال تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة : 50 ] ،

[  30  ] الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة : ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبا الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، ومن مسائل الشريعة الغراء التي تبين هدي علماء الجماعة الناجية في معاملة الفرق المسلمة التي ضلت الطريق في بعض جوانب الدين : ( مسألة تكفير المبتدع ) : لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها : ( الشرط الأول ) : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، ( الشرط الثاني ) : أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه ، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين ، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة : أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه ، ( الشرط الثالث ) : قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء ، ( مسالة قتل المبتدع ) : الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله ، وفي الحديث (( لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث : - الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة )) ،  وقد قال الله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً ) ، وقال العلماء في شرحه  : الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره , والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول ، ( مسألة بغض المبتدع ) : يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة ، والمبتدع مسلم ، نحبه لإسلامه , ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة , نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان , ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار , ( مسألة معاداة أهل البدع ) : المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم ،  وندعو لهم بالهداية ، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان ، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين ، (  مسألة البراءة من أهل البدع ) : تجب البراءة من البدعة نفسها , والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته ، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء ، ( مسألة الصلاة على أهل البدع ) : الأصل أن المبتدع الذي بقي معه أصل الإسلام يصلى عليه , لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن , ( مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة ) : المبتدع يدعى له ويستغفر له , لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه , فيدعى ويستغفر له , بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة , (  مسألة السلام على أهل البدع  ) : الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه ، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه , وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا , لأنهم مسلمون ، وإذا  كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز ، (  مسالة هجر المبتدع ) : يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر ، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر, لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته, وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية , فإن كان لا يحققها فلا يشرع , ( مبحث الصلاة خلف المبتدع ) : تصح الصلاة خلفه , وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون : القرآن مخلوق , ( مسألة حكم غيبة المبتدع ) : الأدلة من الكتاب والسنة حرمت غيبة المسلم كما قال تعالى { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره  )) فالأصل هو تحريم غيبة المسلم , ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته ، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته , والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها ، ( مسالة مجالسة أهل البدع ) : جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة ،  وكلها محمولة على أتباع الفرق الضالة الداعين إليها ، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة ، ومحمولة على العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب اهل الحق ، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة ، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك بل هو من باب الجهاد بالكلمة لإظهار الحق , أمّا ما يفعله المهووسون بالتبديع اليوم من النهي عن مجالسة المخالفين لهم في مسائل الفقه والفروع ، أو النهي عن مجالسة أهل العلم من أهل السنّة والجماعة على اعتبار أنّهم أصحاب البدع ، فإنّهم اولى بهذا الوصم منهم ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( هلك المتنطعون ، قالها ثلاثا )) [ أخرجه مسلم ] ،   لقد بالغ أهل الحشو في بناء الأحكام الخاطئة من حديث الافتراق ، وفهموه على عكس مراده ، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ، والحاصل أنّ أهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم ، بل يجب أن يعم الإخاء والولاء بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه ] ، وأهل الفرق الضالة لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام ، في قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، إنّ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ،

[  خاتمة الحديث عن علم العقيدة ] : كل ما سبق مما تيسر بيانه من لبنات علم العقيدة  هو من أهم ما يحتاجه المسلمون في هذا الزمان ، وحاصله أنّ الإصلاح والتجديد في علوم العقيدة يكون باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة ، وتوجيه طالب علم العقيدة إلى الطريق القويم نحو طلب علم العقيدة على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد ، وعلى أهله المتخصصين فيه ، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم العقيدة واحترفت تدريسها على أفضل الطرق التعليمية ، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب قد لا تؤدي إلى الرسوخ في علم العقيدة ، وفي الإحاطة بمباحثه ومسائله وقواعده وأحكامه ،  ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة ، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم ، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار ،  وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم السابع : ( علم السياسة الشرعية الإسلامية ) وذلك للقضاء على الهرج والمرج وسفك الدماء

[  1  ]  ما أحوجنا إلى التأصيل في علم السياسة الشرعية ، ومعرفة القواعد الشرعية السديدة لتنظيم العلاقة بين الحاكم والرعية في ضوء الكتاب والسنة ، وهدي السلف الصالح ، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الراسخين في العلم ، إن الفقه الصحيح لهذه المسألة يؤدي إلى تصحيح جميع المسارات الدعوية والتعليمية والاصلاحية العاملة لدين الله تعالى ، ولاشك أن علم السياسة الشرعية ، علم عظيم ومهم لا يتقنه إلا الراسخون في العلم الحريصون على امة النبي صلى الله عليه وسلم الرحماء بهم ، ذلك العلم الذي يضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الافتئات عليها ، فيتفرغ الحاكم والعالم والداعية وكل مسلم  لأداء مهامه ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وفتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة ، وعلى حكمة وموعظة حسنة ، وتمتلئ بالرأفة والرحمة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ، وتتميز بتتبع جذور الغلّو في هذه المسألة ، واجتثاثها من أصولها ،

[  2  ]  إنّ مسألة العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والرعية في بلاد المسلمين تحتاج إلى فقه عظيم بدين الله تعالى ، لذا لابد من الفقه السديد للآيات الكريمة التي تتناول العلاقة بين أولياء الأمور والرعية ، والفقه السديد للأحاديث النبوية الشريفة في بيان العلاقة بين الأنظمة الحاكمة والشعوب المسلمة ، وبيان الفقه السديد لحدود طاعة الحاكم المسلم ، وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، وفقه الدعوة في إنكار المنكر على ولاة الأمور ، ومعرفة ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام، وبيان القواعد الشرعية السديدة التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، والتي من بعضها : مكانة ولي الأمر في الشرع  إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن ، وأن نصب الإمام فرض واجب على المسلمين ، ووجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها ، وأن المسلم من إذا غلب فتولي الحكم واستتب له الأمر فهو إمام تجب بيعته وطاعته ، وتحرم منازعته ومعصيته ، وأنه يصح عند الاضطرار سدا لذريعة سفك دماء المسلمين تعدد الأئمة عند الضرورة ، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم ، وأن الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون ، الذين لهم سلطان وقدرة ، وأنه يجب السمع والطاعة للحاكم المسلم في غير معصية ، مع مراعاة الشرع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم ، وبيان أن من أهم حقوق الحاكم المسلم :  بذل الطاعة له في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية ، وبذل النصيحة له سراً وعلانية ، والقيام بنصرته وإعانته ، ومعرفة حقه وما يجب من تعظيم قدره وإكرامه واحترامه ،  فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام ، والدفاع عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس  ، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ،والجهاد في سبيل الله تحت رايته ، والصبر على جور الحكام ، والنهي عن سب الحكام ، وأداء العبادات مع الحاكم ،  والدعاء للحاكم ، وكذلك لابد من معرفة القواعد الشرعية التي تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام والمسلمين ، ومنها : وجوب الحكم بشرع الله تعالى ، وأن مهام الحاكم المسلم تتمثل في الوكالة والنيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحقيق أهداف رسالة الإسلام على أرض الله تعالى وبين عباده ، وبيان أهم حقوق الرعية عند أولياء الأمور ، وكذلك لابد تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله ، وبيان أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله نوعان : ( كفر أكبر ) للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، و ( كفر دون كفر ) لمن لم يجحد حكم الله ولم يستحل الحكم بغير ما أنزل الله ، فلا ينبغي الافراط ولا التفريط في هذا الباب ، وكذلك لابد من معرفة قواعد الشريعة العامة اللازمة لضبط مسائل واحكام التكفير حتى لا ينفرط عقد التكفير بين المسلمين ، وكذلك لابد من معرفة الأدلة للرد على شبهات أهل الغلو في التكفير واستحلال حُرمات المسلمين ، فهذا كله مما يتعلق بأبواب السياسة الشرعية الحكيمة التي تعصم دماء المسلمين ، وتمنع من استحلال بعضهم دماء بعض ،

[  3  ]  من الآيات التي تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم  : قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } [ النساء : 59 ] ، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله ، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم ، { فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، أي إلى كتاب الله وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وقد جعلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم : طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ،  وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) ] ، وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم ، منها : ما أخرجه الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ، وما أخرجه مسلم أيضا عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، إذن ، ونحن نتناول فقه آيات من كتاب الله تعالى تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، نجد الأمر الرباني : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } [ النساء : 59 ] ، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في كل ما يأمرون به إلا أن يأمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة ، فعدم الطاعة مقصور على المعصية ،

[  4  ]  من الآيات التي تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم  : قوله تعالى : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ويؤيده قوله تعالى : { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى }[ النازعات : 17 إلى 19 ] ، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه فقد جعل أهل مصر شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم ، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون ، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى ، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم ، وذلك لأنّه الاقرب إلى استجابة الحاكم للنصيحة والعمل بها ، وليس مقصود النصيحة سوى ذلك ، والشدة والغلظة في القول مع الحاكم لا تؤتي ثمارها ، لأنّ السلطة بيده ، فالشدة لا تناسبه ، وقد تعني تهديده ووعيده ، وهذا يصرفه عن سماع النصيحة إلى البطش بالناصح أو على أقل تقدير عدم الاستفادة من نصيحته ،

[  5  ]  من الآيات التي تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم  : قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ البقرة : 258 ] ، فالقرآن الكريم يعلمنا كيف يكون الحوار مع الملوك ، والملك هبة يؤتيها الله تعالى من يشاء من عبادة ، لا ينبغي لآحاد المسلمين أن يتطلع إليها ، ولا أن يزاحم أهلها فيها ، وذلك حتى يستتب الأمر ويظهر الأمن ويتفرغ الحاكم والمحكوم كلٌ لأداء مهامه التي يحاسبه الله تعالى عليها ، وقد أخرج مسلم في صحيحه ، كتاب الإمارة ، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها ، عن أبي موسى رضي الله عنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : (( إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه )) ، الشاهد من الآية : أنّ نبي الله تعالى إبراهيم عليه السلام  يخاطب الملك الكافر بمنتهى الحكمة واللين ، وهو خليل الرحمن وأبو الأنبياء عليه السلام ولو دعا على الملك الكافر دعوة لأنهى ملكه وسلطانه ، ولكنها حكمة النبوة في معاملة الحكام والملوك ، إذن كيف ينبغي أن يكون الحال عندما ينصح من هو أقل شأنا من الخليل عليه السلام ينصح من هو يقينا أحسن شأنا من النمرود الكافر ، الصواب أنه لابد من الحكمة واللين والموعظة الحسنة في معاملة أولياء الأمور ،

[  6  ]  من الآيات التي تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم  : قوله تعالى : : - حكاية على لسان نبي الله يوسف عليه السلام - : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [ يوسف : 101 ] ، فدل ذلك على أنّ الملك منّة ونعمة من الله تعالى ، لما يترتب على صلاحه من صلاح أمور المسلمين ، قال ابن كثير في تفسيره للآية : ( هذا دعاء من يوسف الصديق ، دعا به ربه عز وجل ، لما تمت النعمة عليه ، باجتماعه بأبويه وإخوته ، وما من الله به عليه من النبوة والملك ، سأل ربه عز وجل كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة ، وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه ، قاله الضحاك ، وأن يلحقه بالصالحين ، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين ) أهـ

[  7  ]  من الآيات التي تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم  : قوله تعالى : - في قصة طالوت وجالوت وإيتاء الله تعالى الملك لنبيه داود عليه السلام - : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [ البقرة : 251 ] ، فقد امتن الله تعالى على بني اسرائيل بأنّه سبحانه آتى دواد الملك والحكمة والعلم ، ثم قال سبحانه : { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } ، قال الألوسي في تفسير هذه الآية : ( وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك، وأنه لولاه ما استتب أمر العالم ، ولهذا قيل : الدين والملك تؤامان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الأخر، لأن الدين أس والملك حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع ) [ روح المعاني (1/174 ) ] أهـ ، ونقل بدر الدين ابن جماعة عن الطرطوشي في قوله تعالي : { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ } [ البقرة : 251 ] ، قال : ( قيل في معناه : لولا أن الله تعالي أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف، وينصف المظلوم من ظالمه، لتواثب الناس بعضهم على بعض، ثم أمتن الله تعالي على عباده بإقامة سلطان لهم بقوله { وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ } [ تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام  ( ص 49 ) ] ، فوجود الحاكم منّة ونعمة من الله تعالى ، وفي غيابه فساد الأرض ، وقد قيل : ( ستون سنة في ظل حاكم ظالم أهون من ساعة في غياب حاكم ) ،

[  8  ]  فقه الأحاديث التي تتعلق بالسياسة الشرعية الرصينة :  لفقه أدلة السنّة النبوية التي تتعلق بالسياسة الشرعية الصحيحة ، لابد من فقه قسمين من الأحاديث ، القسم الأول : أحاديث تأمر بالصبر على جور الحكام المسلمين ، وعدم الخروج عليهم ، والقسم الثاني : أحاديث يُفهم منها الإنكار على الحكام وعدم السكوت على أخطائهم  ، ولابد من بيان فقه تلك الأحاديث وفق السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة ،

[  9  ]  فقه أحاديث نبوية شريفة تأمر بالصبر على جور الحكام المسلمين وعدم الخروج عليهم ، وعدم نزع اليد من طاعتهم :   [ الـحديث الأول ] : أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا : أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا ، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا  )) - إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية - ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (( وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ  )) ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، فهذا معنى البواح ، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط ، (( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) ، [ الـحديث الثاني ] : أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ، ما كانوا مسلمين ، [ الـحديث الثالث ] : أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ، قَالُوا : قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم ، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد ، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط ، (( قَالَ : لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ )) ، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد ، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة  (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) ، [ الحديث الرابع ] : أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث السابق : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ، [ الـحديث الخامس ] : أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا : يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، وهذا الحديث يدلنا على فقه انكار المنكر المتعلق بالحكام المسلمين الجائرين ، فمن كره مناكرهم ولم يتابعهم عليها فقد برئت ذمته (( فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ )) ، ومن ناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقد سلم من غضب الله تعالى على مرتكبي المنكر (( وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ  )) ، ومن رضي بمنكرهم وتابعهم على ظلمهم وفسادهم فعليه ما عليهم من السخط والعذاب ((وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ  )) ، ثم وضح الحديث الشريف ضابط الخروج عليهم ومقاتلتهم ، ألا وهو ترك الصلاة ، لأنها صلة العبد المسلم بربه ، فمن تركها فقد كفر ، وترك الصلاة وإن كان عند جماهير الفقهاء كفر دون كفر ، إلا أنّ تركها يدل على مبلغ الفساد والفسوق والظلم الذي لا يصلح معه المرء أن يكون حاكما للمسلمين ، ولكن لا يكون الخروج إلا مع استيفاء شروط القدرة ووجود الإمام البديل الذي يجتمع عليه أهل الحل والعقد من المسلمين ، وإلا فالصبر مع الجهر بالحق وانكار المنكر أولى من المجازفة بالمسلمين وإيرادهم المهالك ،  [ الـحديث السادس ] : أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ : سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية ، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية ، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم ، ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) ، [ الـحديث السابع ] : أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري ( 7053 ) ، ومسلم (1851) ] ، وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم ، ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر  )) ، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية ، ((مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) ، [ الـحديث الثامن ] : أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) [أخرج مسلم (1836) ] ، يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم ، ((  وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) ،  [ الـحديث التاسع ] : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام  للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً ، [ الـحديث العاشر ] : عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ، وفيه دليل على أنّ طاعة أولى الأمر من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعصية أولى الأمر من معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الطاعة مقيدة بما إذا لم يأمروا بمعصية الله تعالي فإذا أمروا بمعصية فلا يطاعون في هذه المعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وقد شهدت السنة بهذا القيد في أحاديث عديدة يأتي إن شاء الله ذكرها ،  [ الحديث الحادي عشر ] : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) كتاب الأحكام » باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ] ، وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة ، مبالغة في الأمر بالطاعة ، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة ، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش ، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا ، [ الـحديث الثاني عشر ] : أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا ،  [ الـحديث الثالث عشر ] : أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول : (( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) [ أخرجه البخاري ح  ( 6673 )، ومسلم ح  ( 1847 ) ] ، وفيه اولوية التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام ، [ الـحديث الرابع عشر ] : أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )) [ أخرجه مسلم ح ( 1853 ) ] ، والحديث يدل على خطورة الأمر وأنّه لا هزل فيه ، وأنّ سفك دم الخارج على الحاكم أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج ،  [ الـحديث الخامس عشر ] : أخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان )) [ أخرجه مسلم ح ( 1852 ) ] ، والحديث فيه الأمر بقتال من خرج على الحاكم المسلم ، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ، [ الحديث السادس عشر  ] : أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم )) [ أخرجه البخاري ح ( 3268 ) ، ومسلم ( 1842 ) ] ، والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان ، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم ، الله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم ، [ الحديث السابع عشر ] : أخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا )) [ أخرجه مسلم ح ( 1298 ) ] ، والمراد هاهنا كما ذكر النووي في شرح الحديث : ( فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى ، يعني له اسم الاسلام وحكمه ، فله حق السمع والطاعة ، يقول النووي : قال العلماء : معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم ، ولا يشق عليهم العصا ، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا ) أهـ [ شرح النووي على مسلم ج 9 /47 ] ، وقال السندي رحمه الله: ( يقودكم بكتاب الله : فيه إشارة إلى أنه لا طاعة له فيما يخالف حكم الله تعالى والله تعالى أعلم ) [ حاشية السندي على النسائي ج 7/154 ] ، فمعنى الحديث إن قادكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا، وإن لم يقدكم بكتاب الله؛ أي: إن أمركم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة ، قلت : وقد فهم البعض خطأً أنّ المقصود من الحديث الخروج على الحكام إن لم يحكموا بكتاب الله ، وهذا خطأ لأنّ المقصود هو الالتزام المجمل بالإسلام وبكتاب الله تعالى واعتقادهما ، وإلا فكل جائر أو ظالم أو فاسق فإنه لم يحكم بكتاب الله ، فهل يجوز الخروج عليه بمجرد جوره ومخالفته لكتاب الله تعالى ، والتفصيل في الأمر : أنّ عدم الحكم بما أنزل الله قد يرجع إلى الكفر به ، والكافر قد سقطت ولايته بالكلية لقوله تعالى : { وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النساء : 59 ] ، ف ( منكم ) تدل على أنّه لا يكون إلا مسلما ، وإلا لم يعد ولياً للأمر ووجب الخروج عليه عند توافر القدرة ، وقد يرجع عدم الحكم بكتاب الله تعالى إلى جور أو ظلم أو فسوق ، والجائر والظالم والفاسق هم من المسلمين ما اعتقدوا كتاب الله تعالى بقلوبهم وحكموا بغيره ، وهنا لهم الطاعة في كل ما ليس بمعصية ، فإن خالف كتاب الله ، فلا سمع ولا طاعة له فيما خالف فيه كتاب الله تعالى ، ولا ننزع اليد من طاعته فيما سوى ذلك ، مع النصح والصدع بالحق وإنكار المنكر في اطار الاعتراف بولايته ، [ الحديث الثامن عشر ] : عن الزبير بن عدي قال : (( أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ ، فقال : اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم )) [ أخرجه البخاري : ح : 7068 ] ، وفيه الأمر بالصبر على جور الحكام ، [ الحديث التاسع عشر ] : أخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال : (( قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها ، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها ؟ قال قلتُ : فما تأمرني ؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها . فإن أدركتَها معهم فصلِّ  ، فإنها لكَ نافلةً )) [ أخرجه مسلم ح ( 648 ) ]، وفيه الحرص على ملازمة الحكام ، حتى في الهيئة والصورة العامة ((فإن أدركتَها معهم فصلِّ  )) ، وذلك حتى لا تختلف الكلمة عليهم ،  [ الحديث العشرون ] : عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا : لمن ؟ قال : للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم )) [ أخرجه مسلم ح ( 55 ) ] ، وفيه الامر بإخلاص النصيحة للحكام والحرص على مصالحهم ، ( تنبيه ) ليس الهدف من ذكر تلك الأحاديث مداهنة الحاكم ، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ، كما سيأتي بيانها ، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم ، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ،  فإن معاداة الحكام لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ،

[  10  ]  أحاديث يُفهم منها الإنكار على الحكام وعدم السكوت على أخطائهم  ، وبيان فقه تلك الأحاديث وفق السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة :  [  الحديث الأول ] : قوله صلى الله عليه وسلم : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))  [ أخرجه الترمذي ، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1 / 886 ، ح رقم 491) ] ، والفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط : ( الضابط الأول ) : أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية ، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات ، ( الضابط الثاني ) : الهدي القرآني في معاملة الحكام ، قال تعالى - آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام - : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ( الضابط الثالث ) : منطوق الحديث وفيه ((كلمة عدل عند )) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان ، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب ، وتقويض دعائم الحكم وهيبته ، ( الضابط الرابع ) : أن تكون كلمة حق صادقة ، فكم من كلمة حق أريد بها باطل ، فكل من له طمع بالملك لا ينبغي له أن يأمر أو ينهى حتى يعلم الحاكم أن ليس له طمع في كرسي الملك وأنّ الآمر الناهي القائل بكلمة الحق لم يخلع يداً من طاعة ، وإنما قالها انتصاراً لدين الله تعالى ، خالصاً لله وحده ، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته ، ( الضابط الخامس ) : منطوق الحديث (( كلمة عدل )) أو في الرواية الثانية (( كلمة حق )) ، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه ، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة ، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله ، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته ، ( الضابط السادس ) : قائل الحق المجرد من أهواء النفس إن سلمت له الضوابط السابقة فإما أن يكون آمنا على نفسه فيجب عليه الإنكار انتصارا لدين الله تعالى ، وإما أن يكون غير آمن على نفسه ، وآنذاك فإن كان قتله أو أذاه سوف يعود على الدين بالعزة والنصر ، فهذا هو الذي يُشرع له ذلك ، وإما أنه لن يعود على الدين بنفع ولا ضر ، فله أن يجهر بالحق ، وإما أن يلحق بالدين او بالمسلمين غيره مفاسد عظيمة ، كأن ينتقم الحاكم من طائفة من المسلمين بسببه ، وآنذاك لا يكون جهره بالحق جائزا ، بل له أن يُسر النصيحة إلى الحاكم دون الجهر بها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ )) [ أخرجه أحمد (15333)، والبيهقي في ( الكبير ) (16660) ، قال الأرناؤوط : صحيح لغيره دون قوله : من أراد أن يَنْصَحَ لسلطان بأمرِ .. فحسن لغيره ] ، وكما أخرج البخاري ومسلم عن أبي وائل ، قال قيل لأسامة رضي الله عنه : (( أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ ؟ فَقَالَ : أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ )) [ متفق عليه : أخرجه البخاري (3267)، ومسلم (2989) ] ،   [ الحديث الثاني ] : أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) [  صحيح مسلم ح ( 50 ) ] ،  قال ابن رجب في شرح الحديث : (  هذا يدل على جهاد الأمراء باليد وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود وقال هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة  ، [ قلت ] : يحتاج هذا الحديث إلى عدة توضيحات تبين المراد منه ، ( الأول ) : الحديث لم يذكر جهاد الأمراء صراحة ، فهو يتناول جهاد الفرق الضالة كالخوارج وغيرهم ، ويتناول الطوائف المنحرفة كالمنافقين والزنادقة ، ( الثاني ) الحديث يتناول الأمم السابقة كما يدل على ذلك نصه ، ولا يمنع دخول أمة الإسلام في الخطاب ، بخصوصية معاملة حكام المسلمين لأنّ الأحاديث الصحاح الكثيرة - وقد تقدم جزء منها - على ضرورة الصبر على جور الحكام وعدم الخروج عليهم بالسلاح ما أقاموا الصلاة وما لم نر منهم كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ، ( الثالث ) هذا الحديث بالرغم من وجوده في صحيح مسلم إلا أنّ الإمام أحمد ابن حنبل تكلم فيه ، ، فقد جاء في مسائل الإمام أحمد : أنّه سئل عن هذا الحديث فقال : ( الحارث بن فضيل - وهو من رواة الحديث - ليس بمحمود الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود , ابن مسعود يقول قال رسول الله : (( اصبروا حتى تلقوني )) ، [ مسائل الإمام أحمد  صـ 307 ] ، ( قلت ) : وقد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ( ج 1/ 346  ) ، ولم يخرجه في الصحيح ، ولعله لتلك العلة ترك تخريجه في الصحيح  ، قال ابن الصلاح : إن هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاري وقد أنكره أحمد بن حنبل فيما بلغنا عن أبي داود السجستاني في مسائله عن أحمد قال : الحارث بن فضيل ليس بمحفوظ الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وذكر أحمد قوله صلى الله عليه وسلم (( اصبروا حتى تلقوني )) [ صيانة صحيح مسلم (209) ] ،  ( الرابع ) : لابد من التفريق بين نوعين من الإنكار  ، فأما الإنكار بمعنى الخروج عليهم وخلع بيعتهم ؛ ففي هذه الحالة لا يجوز الإنكار عليهم إلا بشرطين : ( أولهما ) : أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل ، و ( الثاني ) : أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق ؛ لما يُفضي على الأمة من الشرور ، ولما يولد من المفاسد ، ولما ينتج عنه من محو لرسوم الدين، قال النووي : (  وأما الخروج عليهم، وقتالهم ؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين؛ فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 229 ) ] ، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالصبر ، وتنهى عن الخروج ، وقد تقدم ذكرها ، وأما الإنكار الثاني ، فهو الإنكار في ظل احترام البيعة له ، والتزام السمع والطاعة له في غير معصية ، ويتمثل في : الإنكار بصورة اسداء النصيحة له بإخلاص ، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، قال الحافظ أبو عَمْرو ابن الصلاح: "وما ورد في هذا الحديث مِن الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان : فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة. على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظه ذِكر هذه الأمة. والله أعلم" اهـ [  صيانة صحيح مسلم صـ 209 ] ،  [ الحديث الثالث ] :  حديث أبي سعيد الخدري : قال صلى الله عليه وسلم : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) [ أخرجه مسلم ]  ، وهذا الحديث عام في بيان مراتب إنكار المنكر ، ولكن لفقهاء أهل السنّة والجماعة تفصيل في باب الإنكار على الأمراء ، وأنّه لا يجوز أن يتعدى الإنكار باللسان حتى لا يؤول إلى منكر أكبر ، ولا يكون بالتحزب وحمل السلاح ، وغير ذلك من الضوابط التي دلت عليها السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة ، ومن أهم ذلك ، أن يكون مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، كما أنّه  ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وضياع الأمن ومصالح المسلمين ، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين ، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين ،  وحديث (( من رأي منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )) ، فهذا حديث خطاب لجميع الأمة ، وعموم الحديث يقضي بمشروعية الإنكار باليد لمن قدر عليه ، ولكن هذا مشروط بشروط منها : ألا يفضي إنكاره هذا إلي منكر اشد منه ، وأن لا يكون الإنكار باليد مما اختص السلطان به شرعاً كإقامة حد ، أو شهر سيف ، ونحو ذلك ، وهذا كله فيما إذا كان صاحب المنكر غير السلطان ، فإن كان السلطان ، قال ابن النحاس في تنبيه الغافلين ( ص 46 ) : ( فليس لأحد منعه بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أواناً لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وغير ذلك مما لا يخفي )  ، وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله - : ( لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول ) [ الآداب الشرعية ( 1/ 197 ) ] ،  قال ابن مفلح في  الآداب الشرعية : (( ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك. ذكره القاضي، وغيره ، والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير وإلا سقط وكان حكم ذلك كغيره ، والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين : التعريف والوعظ فأما تخشين القول نحو : يا ظالم ، يا من لا يخاف الله ، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز ، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء ، قال : والذي أراه المنع من ذلك )) أهـ [ الآداب الشرعية ( 1/195-197 ) ] ، وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ص 64 ) ( ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها ) اهـ ، [  الحديث الرابع ] : حديث أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تقرؤون هَذِهِ الْآيَةَ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ  )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه والنسائي وابن حبان في صحيحه وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي وصحيح الجامع الصغير ] ( قلت ) : الحديث عام في كل ظالم ((  إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ  )) ، ولكنه مخصوص في الحاكم الظالم ، فيستثنى من عموم الحديث ، وسبب ذلك  هو عموم الأحاديث التي تأمر بالصبر على الحاكم الظالم وتنهى من الخروج عليه ، وما قيل في الأحاديث السابقة يُقال هنا : من أنّ انكار منكر الأمراء له أحكام تختلف عن عامة الرعية ، وله ضوابط عديدة لا ينبغي تجاوزها وإلا آل الامر إلى الفتنة ووقوع مناكر أشد من المنكر المراد تغييره ،  [ الحديث الخامس ] :  قوله  صلى الله عليه وسلم  : (( لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرًا ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم )) [ رواه أبو داود ، ح رقم (4336) و (4337) ، والترمذي وحسنه ، ح رقم (3050) ، وابن ماجه ، ح رقم (4006) ، وأحمد 1/391 ] ، ( قلت ) : الحديث عام في إنكار المنكر على كل ظالم ، وهذا على وجه العموم ، ولكن إن تعلق الأمر بولاة الأمور ، فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالكَف ، والصبر ، وتنهى عن الخروج ، وأنّه لا يجوز إلا بشرطين : ( أولهما ) : أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل ، و ( الثاني ) : أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق ؛ لما يُفضي على الأمة من الشرور ، قال النووي : (  وأما الخروج عليهم، وقتالهم ؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء : وسبب عدم انعزاله ، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين؛ فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 229 ) ]  ، وبعد هذه هي  السياسة الشرعية التي تعلمنا تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الأفراد ، وكل تلك الأحاديث النبوية التي تأمر بالصبر على جور الحكام وظلمهم ، قالها النبي صلى الله عليه وسلم لترسيخ مفهوم السياسة الشرعية التي تقدم مصلحة المجتمع عند التعارض  على مصلحة الأفراد ، والتي تقدم مصلحة الأمة على مصلحة بعض طوائفها  عند التعارض  بين تلك المصالح ، والمتدبر للسياسة الشرعية النبوية يعلم يقينا مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ابعاد الأمة عن كل ما يجلب الفتنة وسفك دماء المسلمين واستحلال محارمهم ، إذن ليس الهدف من ذكر هذه الضوابط في معاملة أولياء الأمور تبرير أخطاء الحكام ، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين  ، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والرعية وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، إذ لا بد للناس من حاكم ، وستون سنة في حكم حاكم ظلوم غشوم أهون من ساعة بلا ولي أمر فيؤول الأمر إلى الهرج والمرج وسفك الدماء واستحلال المحارم ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ، أمّا اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم ، فهذا ما نهت عنه الشريعة إلا بضوابطه السديدة : إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ،  فإن معاداة الحكام المسلمين لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ، (( تنبيه )) من الفقه في علم السياسة الشرعية معرفة القواعد الشرعية السديدة التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، والتي منها معرفة : مكانة ولي الأمر في الشرع  إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن ، وأن نصب الإمام فرض واجب على المسلمين ، ووجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها ، وأن المسلم من إذا غلب فتولي الحكم واستتب له الأمر فهو إمام تجب بيعته وطاعته ، وتحرم منازعته ومعصيته ، وأنه يصح عند الاضطرار سدا لذريعة سفك دماء المسلمين تعدد الأئمة عند الضرورة ، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم ، وأن الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون ، الذين لهم سلطان وقدرة ، وأنه يجب السمع والطاعة للحاكم المسلم في غير معصية ، مع مراعاة الشرع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم ، وبيان أن من أهم حقوق الحاكم المسلم :  بذل الطاعة له في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية ، وبذل النصيحة له سراً وعلانية ، والقيام بنصرته وإعانته ، ومعرفة حقه وما يجب من تعظيم قدره وإكرامه واحترامه ،  فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام ، والدفاع عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس  ، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ،والجهاد في سبيل الله تحت رايته ، والصبر على جور الحكام ، والنهي عن سبهم ،  والدعاء لهم بصلاح الأحوال ،

[  11  ]  حدود طاعة الحاكم المسلم  ، إنّ حدود طاعة الحاكم المسلم متعلقة بالاستطاعة وبالطاعة في غير معصية ، والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر وحتى في حالة الأثرة والظلم تجب طاعة الحاكم فيما ليس من معصية الله ، واسداء النصيحة له بإخلاص ، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته  ، ( أ ) الاستطاعة : لقوله تعالي: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  } [التغابن: 16] ، ولما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث  عبد الله بن عمرو بن العاص : (( ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع ))  [أخرجه مسلم : ح ( 1844) ] ،  ( ب ) الطاعة في غير معصية :  لما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955)، ومسلم ح (1709) ] ، فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ، ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث الذي أخرجه مسلم : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ، ( ت ) الصبر على المكروه :  للحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما : (( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتة جاهلية )) [ متفق عليه (صحيح البخاري برقم 7053 وصحيح مسلم برقم 1849) ] ، ( ث ) الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وحتى في حالة الأثرة عليه وظلمه وأخذ ماله وجلد ظهره ، للحديث المتفق عليه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056)، ومسلم (1843) ] ، وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا  )) - إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية - ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم ((وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ  )) ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، فهذا معنى البواح ، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط ، (( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) ، ولحديث مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ، ما كانوا مسلمين ،  ( ج ) اسداء النصيحة له بإخلاص ، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، وقد جعلت الشريعة بحكمة سياستها الشرعية ، أنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وضياع الأمن ومصالح المسلمين ، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين ، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين ،

[  12  ]  حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم :  إنّ من الفقه في الدين أن يعلم المسلم حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، فإذا كان إنكار منكر من جعلك الله تعالى ولياً لأمرهم كالأبناء ومن تعول يختلف عن إنكار منكر من لا تعول ومن ليس لك عليهم ولاية ، وهذا كذلك يختلف عن إنكار منكر أحد الوالدين مثلاً ، فإن لكل مقام مقال ، وقد جعلت الشريعة الحكيمة لكل عمل حكمه الخاص به ، والسياسة الشرعية الحكيمة جعلت اسداء النصيحة للحاكم  بإخلاص ، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، وأنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ،  قال ابن مفلح في  كتابه الآداب الشرعية  : (( ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة ، ويحرم بغير ذلك ، فأما تخشين القول نحو : يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء ، قال القاضي : والذي أراه المنع من ذلك )) أهـ [ الآداب الشرعية ( 1/195-197 ) ] ، وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ص 64 ) ، (( ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها ))  اهـ ، وقال الشوكاني في [ السيل الجرار (4/556 ) ] : ( ينبغي لمن ظهر له غلط في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد ، بل كما ورد في الحديث : أنه يأخذ بيده ويخلوا به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله ، وقد قدمنا : أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعني متواترة ، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ،ويعصيه في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) أهـ ،  ( قلت ) : فإذا كان هذا كلامه في حق عامة أصحاب النفوذ ، فكيف بالسلطان ، ويؤيد ذلك : ما أخرجه الشيخان  في صحيحيهما [ البخاري : ح ( 3267 ) ، ومسلم : ح ( 2989 ) ]  عن أسامة بن زيد ، أنه قيل له : ألا تدخل على عثمان لتكلمه ؟ فقال : ( أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم ؟  والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه )) ، قال الحافظ ابن حجر في [  الفتح ( 13/52 ) ] ، قوله : (( قد كلمته سراً دون أن أفتح باباً )) ، أي باب الإنكار على الأئمة علانية ، خشية أن تفترق الكلمة ... وقال عياض : مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سراً ، فذلك أجدر بالقول. اهـ. ، وما  أخرجه الترمذي في [ سننه : ح ( 2225 ) ] : قال : حدثنا بندار : حدثنا أبو داود : حدثنا حميد بن مهران، عن سعد بن أوس، عن زياد بن كسيب العدوى، قال : كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق -، فقال أبو بلال : انظر إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق ! فقال أبو بكرة : اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( من أهان سلطان الله في الأرض  أهانه الله )) ، قال الترمذي : حسن غريب  اهـ ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (5/42 ) من الطريق نفسه دون ذكر القصة ولفظه : (( من أكرم سلطان الله في الدنيا، أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله في الدنيا، أهانه الله يوم القيامة )) ،  إنّ الفقه السديد في إنكار المنكر على ولاة الأمور يستلزم أمورا : الأمر الأول : الابتعاد عن الإنكار باليد ) : لا يجوز الانكار باليد ،  لأن ذلك مخالف للسياسة الشرعية التي أمر بها الله ورسوله ، في قوله تعالى { فقولا له قولا لينا } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( فاسمع وأطع وإن  .. )) ، ونظراً لما يترتب على ذلك من الضرر الكثير للمسلمين حكاما ومحكومين ، والضرر البالغ للدعوة والدعاة ، الأمر الثاني : إنكار العلماء يكون باللسان  ، وباللين وبالحكمة والموعظة الحسنة ، وأن تكون النصيحة في إطار إظهار البيعة وعدم نزع اليد من الطاعة ، وإظهار الحرص على مصلحة الحاكم والرعية ،  الأمر الثالث : ترك النصيحة في الملأ : وهو أصل عظيم، وقاعدة جليلة في الإنكار على أصحاب النفوذ ، وإذا كانت النصيحة أو الإنكار في الملأ من الأمور المكروهة عند عامة الناس ،  فهى أشد كراهة في حق أصحاب النفوذ، وهى أكثر شدة عليهم ممن عداهم ، فلا ينبغي النصح في الملأ ،  ولا أن تطول النصيحة ، ولابد وأن تكون بألين عبارة ، وأوجز خطاب وأحسن أسلوب ، الأمر الرابع : ترك التخشين في الموعظة : فإن الواعظ لن يكون خيرا من موسى وهارون ، والموعوظ لن يكون شرا من فرعون ، ومع ذلك لما بعثهما إلى فرعون قال لهما : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر و يخشى } ،  الأمر الخامس : اختصار الموعظة : لأنه يستحسن مع الرؤساء الإيجاز والاختصار ؛ لأن الإكثار يضجرهم ، وذلك بسبب كثرة انشغالهم بأمور الرعية ، وما يتهددهم من مخاطر ،

[  13  ]  جمهور علماء أهل السنّة والجماعة  لا يرون الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر :  نسب النووي إلى أهل السنّة والجماعة الإجماع على تحريم الخروج على الحكام ، وإن كانوا فسقة ظالمين ، قال النووي في شرح حديث (( إلا أن تروا كفراً بواحاً ))  : ( ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ، إلى أن قال : قال القاضي وقيل إن هذا الخلاف كان أولا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم : ج 12 : 229 ] ، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : - في شرح حديث حذيفة في لزوم الجماعة - ( وقال بن بطال فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم ولم يقل فيهم تعرف وتنكر كما قال في الأولين وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة ) أهـ  [فتح الباري (13/ 37)] ، وقال في ترجمة الحسن بن صالح : ( وقولهم (كان يرى السيف) يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم ، لكن أستقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه؛ ففي وقعة الحرة ووقعة بن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر". [ تهذيب التهذيب (2 / 288) ] ، ( قلت ) : مستند الإجماع في ذلك كتاب الله تعالى ، والكثير من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وقد سبق ذكر مستند أدلتهم من كتاب الله تعالى ،  ومنها : قوله تعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } ، قال ابن عطية في تفسير هذه الآية  : (  لما تقدم إلي الولاة في الآية المتقدمة – يشير إلي قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً  }  تقدم في هذه إلي الرعية فأمر بطاعته – عز وجل -، وهي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله وطاعة الأمراء على قول الجمهور، أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم ... )) أهـ [  المحرر الوجيز : 4/158 ] ، وقال النووي – رحمه الله تعالي - : ( المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل : هم العلماء ،وقيل : هم الأمراء والعلماء )) أهـ [ شرح النووي على مسلم : 12/223 ] واختلف أهل العلم – رحمهم الله تعالي – في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية فذهب جماهير أهلا لعلم – كما تقدم – إلي أنها في الأمراء وذهب بعض أهل العلم إلي أنها في أهل العلم والفقه وقال آخرون : هي عامة تشمل الصنفين. قال ابن جرير الطبري – رحمه الله تعالي – في تفسيره : ( 5 : 150 ) : ( وأولي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة .. إلي أن قال:    فإذا كان معلوماً أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } بطاعة ذي أمرنا كان معلوماً أن الذين أمر بطاعتهم – تعالي ذكره – من ذوي أمرنا هم الأئمة من ولاة المسلمون دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضاً القبول من كل من أمر بترك معصية ودعا إلي طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيها أمر ونهي فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية فإن على من أمروا بذلك طاعتهم وكذلك في كل ما لم يكن لله فيه معصية. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماًً بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره ) أهـ ، وهذا الذي رجحه ابن جرير هو اختيار البيهقي – رحمه لله – وقد احتج له بحجة أخري ، فقال : ( الحديث الذي ورد في نزول هذه الآية دليل على أنها في الأمراء ) أهـ [ الجامع لشعب الإيمان للبيهقي : 13/41 ] ، وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الشافعي قوله : ( كان من حول مكة من العرب لم يكن يعرف الإمارة وكانت تأنف أن تعطي بعضها بعضاً طاعة الإمارة ، فلما دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالطاعة لم تكن تري ذلك يصلح لغير النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر ) أهـ [ العجاب في بيان الأسباب : 2/898  ] ، وقد أخرج البخاري  عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وأخرج مسلم  من حديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه : قوله صلى الله عليه وسلم : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، وأخرج مسلم  من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه : قوله صلى الله عليه وسلم : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وأخرج البخاري ومسلم  من حديث  عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : قوله صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ،

[  14  ]  ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام المسلمين :  يحرم الخروج على حكام المسلمين إلا بشرطين واضحين : الأول : الردة ، و الثاني : توفر القدرة ، ( الشرط الأول ) : ( الردة ) : أن نعلم علم اليقين أن ولي الأمر وقع في كفر بواح عندنا فيه من الكتاب والسنّة برهان ؛ وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، فيه : ((  وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056)، ومسلم (1843) ] ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( إلا أن تروا )) ، والمراد بالرؤية هنا : العلم اليقيني ، أما مجرد الظن ، فلا يجوز معه الخروج عليه ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( كُفْرًا بَوَاحًا )) : أن نعلم أن الذي وقع فيه ولي الأمر (( كفرًا بواحًا ))  أي: صريحًا بيِّنًا ظاهرًا معلنًا لا يحتمل التأويل ، وهذا الكفر البواح لا يكون إلا كفراً  أكبر ، وليس كفراً دون كفر أو فسوق أو عصيان  ؛ قال النووي : (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ) أهـ ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) : أي دليل قاطع على أن هذا الفعل كفر أكبر متفق على تكفير فاعله  ، عندنا فيه من الله تعالى برهان ، بأن يكون دل عليه الكتاب أو السنة أو الإجماع ؛ لقوله: " عندكم فيه من الله برهان" ، هذا ما يتعلق بالشرط الأول ، أما الشرط الثاني : أن تكون عندنا ( القدرة ) على إزاحته ، وهذا الشرط لم يذكر في حديث عبادة ، ولكنه يؤخذ من عموم النصوص الدالة على تحريم قتل النفس بغير حق ، وتحريم إلقاء النفس في التهلكة ، كقوله تعالى: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ، وقوله تعالى: { وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ، لأنه إذا لم يكن لدينا القدرة على إزاحته قضى علينا ، فيكون الخروج عليه حينئذٍ من إلقاء النفس في التهلكة ، وعموم النصوص التي تدل على اشتراط القدرة ، كقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا } [ التغابن : 16 ] ،  وما جاء في معناها ، فإن عدمت القوة ، وجب الإعداد لها لقوله تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] ، كما أنّه قد أجاز الشرع الحكيم الخروج على حكام المسلمين الظالمين والفاسقين ، بشرطين آخرين هما ترك الصلاة ، وتعطيل إقامة الصلاة في الجماعات ، ودليل الشرط الأول ( ترك الصلاة ) ، ما أخرجه مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ،  ودليل الشرط الثاني : ( تعطيل إقامة الصلاة في المساجد والجماعات ) ، ما أخرجه مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله ، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ،  وقد نقل الإمام النووي الإجماع على ذلك - كما تقدم - فقال : ( وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث على ما ذكرته ، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ) أهـ [ شرح النووي : 12/229 ] ، ونقل الحافظ ابن حجر - أيضاً - الإجماع على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم ، فقال : ( قال ابن بطال : وفي الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار ، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه ، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ) أهـ [ فتح الباري : 13 : 7 ] ،

[  15  ]  الرد على شبهات من رأى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر : يستدل البعض على جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر ذلك بعدة شبهات : [  الشبهة الأولى  ] : استدلالهم بقول ابن حزم في الفصل : ( إنّ سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك .. وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكل من معه من الصحابة ، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير ، وكل من كان معهم من الصحابة ، وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير ، وغيرهم ممن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم ، كأنس بن مالك ، وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين .. ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ، ومن بعدهم  كعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر ، ومحمد بن عجلان ، ومن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن ، وهاشم بن بشر ، ومطر الوراق ، ومن خرج مع إبراهيم بن عبد الله ، فإن كل من ذكرنا من قديم أو حديث إما ناطق بذلك في فتواه ، وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا ) [ الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/171، 172 ] ، انتهى كلام ابن حزم في مسألة الخروج على الحاكم ، وهو من شذوذات ابن الحزم الفقهية التي حذر منها الفقهاء الأئمة ، ومعلوم عند أكثر الفقهاء أن مخالفات ابن حزم لا تخرق الإجماع في الفقه لأنّه ظاهري لا يدرك القياس ولا الفقه ، هذا في الفقه فكيف في أمور السياسة الشرعية التي ينشأ عن أدنى خطأ فيها سفك الدماء واستحلال الحرمات مع الويلات والفوضى مما يغيظ القريب ويرضي العدو ، وأيضا كلامه كله مجمل مبهم يحتاج إلى تفصيل وإيضاح  ، فإن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، كان هو الأمير ، فكيف يستدل بفعله على جواز الخروج على الأمير ، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير رضي الله عنهما لم يخرجا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقصد ابطال امامته ، وإنما كانوا يطالبون بدم عثمان رضي الله عنه ، ولم يبدؤا قتالا ، وكذلك كان حال معاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير ، فلا يصح الاستدلال بعمل هؤلاء الصحابة على جواز الخروج على الحاكم المسلم ، وهل كان أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه جائرا ، وحاشاه ، حتى يسوغ الخروج عليه ، بل يمكن الاستدلال بالعكس وهو أنّه يجوز للإمام الخروج بالجيش لتأديب الفئة الباغية المتحزبة على خلاف ما يأمر به ، وهذا ما فعله أمير المؤمنين على رضي الله عنه ، والحاصل أنّ  استدلال ابن حزم بفعل بعض الصحابة وتابعيهم على وجوب الخروج على الحكام بمجرد الجور والظلم  كل هذا من غرائب ابن حزم ومن سار على قوله ، ومخالفاته لا تخرق إجماع الفقهاء لأنّه - مع علمه الواسع – ظاهري لا يدرك القياس ولا الفقه ، هذا في الفقه فكيف في أمور السياسة الشرعية التي ينشأ عن أدنى خطأ فيها سفك الدماء واستحلال الحرمات مع الويلات والفوضى مما يغيظ القريب ويرضي العدو ، ثم استدلاله بخروج الحسين رضي الله عنه على يزيد ، وهل في الدنيا آنذاك وبعده مثل الحسين سيد شباب أهل الجنّة حتى يخرج على الحاكم الجائر ، ثم نظرنا إلى نتيجة خروجه وما أعقبها من مآسي على آل البيت رضي الله عنهم والمسلمين جميعا ، وسيأتي الرد على تلك الشبهة ردا مستقلا عند الحديث على الشبهة السادسة ،  ثم هل خروج العباسيون على الأمويين كان خيرا مع ما كان فيه من سفك لدماء الكثير من المسلمين ، ونحن نعلم أنهم انقلبوا بعد ذلك على آل البيت بأشد مما فعل الأمويون ، إنّ التاريخ لهو خير عبرة على نتائج الخروج المسلح على حكام المسلمين على مر عصور التاريخ ، وقد مر بنا نهي الرسول صلى الله عليه وسلم الشديد من الخروج على ولاة أمر المسلمين ما أقاموا فيهم الصلاة وكانوا مسلمين لم يأتوا بكفر بواح لا يختلف عليه أحد من علماء أهل السنّة والجماعة كاستحلال ما حرّم الله ، أو جحد ما فرض الله من فرائض ، هذا ما تعلق بدليله الأول ،  [ الشبهة الثانية ] : استدلالهم بقول الله تعالى : { فَقَاتِلوُا التّيِ تَبْغِي حَتىّ تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ } ، يقولون : قد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية ، وقد علق الحكم على وصف البغي ، وهو دليل بيـّن على أن السلطة إن تحقق فيها هذا الوصف يجــب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله ، وقالوا بأن عموم الآية يتناول سلطة البغي ، المنحاز إليها طائفة البغي ، الظالمة لبقية المسلمين ، فهي طائفة بلا ريب ، وهي باغية بلا شك ، فوجب الانقياد للأمر الإلهي بقتالها ، عملا بظاهر القـــــرآن ، وهذا تعسف في الاستدلال لأنّ الأمر موجه في الآية إلى أولي الامر بالأولوية ، وهم المكلفون بقتال الفئة الباغية ، كما أنهم المكلفون بإقامة الحدود والحكم بين المسلمين ، ثم كيف يستقيم لعامة المسلمين مقاتلة أولى الأمر  بغير إمام يقودهم ، وكيف يأتي هذا الإمام ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)) [ أخرجه مسلم : ح (1853) ] ، ومعلوم أنّ البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين ،  يبايعه أهل الحل والعقد ، فإذا بايعوه ثبتت ولايته ، وبعدها يجب على عامة الناس أن يلتزموا طاعته في غير معصية الله تعالى ، فكيف يتسنى تنزيل الآية على قتال حكام المسلمين ما كانوا على الإسلام ، [  الشبهة الثالثة ] : استدلالهم بقول الله تعالى : { قالَ إنيّ جاعِلُك للنّاسِ إِمَاما قاَل لاَ يَنالُ عَهْدِي الظّالميِن } ، وهذا استدلال بعيد ، إذ المقصود من عهد الله تعالى في قوله تعالى : { لاَ يَنالُ عَهْدِي } قد يكون (  النبوة  ) كما جاء عن ابن عباس ، وقد يكون المراد به في الآخرة وليس في الدنيا كما جاء عن قتادة ، وقد يكون المقصود بها الإمامة التي يصح الاقتداء بها ، وقد يكون المقصود بالظالمين في قوله تعالى : { لاَ يَنالُ عَهْدِي الظّالميِن }  أي الكافرون والمشركون ، كما جاء عن سعيد بن جبير قال : ( لا ينال عهدي الظالمين :  المراد به المشرك ، لا يكون إمام ظالم ،  يقول : لا يكون إمام مشرك  ، وعلى ذلك فالاستدلال بالآية على جواز الخروج على الحاكم المسلم الجائر لا يستقيم ، لاسيما مع النصوص النبوية الدالة على تحريم الخروج على الحاكم المسلم ولو كان ظالمًا جائرا فاسقا ما دام في دائرة الإسلام ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّهَا سَتَكُونُ بَـعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُـنْــكِرُونَهَا، قَالُوا : يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْـحَقَّ الَّذِي عَـلَيْـكُمْ وَتَسْأَلُونَ الله الَّذِي لَــــكُمْ )) [ أخرجه البخاري ح (3603)، ومسلم ح (1846) ] ، و ما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرجه البخاري ح (7056)، ومسلم ح (1843) ] ، وما أخرجه مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ : (( يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وما أخرجه مسلم عَنْ حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرجه مسلم ح (1847) ] ، وما أخرجه مسلم عَنْ عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ )) [ أخرجه مسلم ح (1856) ] ، و ما أخرجه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما  عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ : (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرجه البخــــاري ح (7053) ، ومسلم ح (1851) ] ، [  الشبهة الرابعة ] : استدلالهم بالنصوص النبوية التي أمرت بالأخذ على يد الظالمين ، فمن ذلك : حديث : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))  ، وحديث : (( إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم  )) ، وحديث : (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) ، وحديث : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) ، وحديث : (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ  )) ، وحديث : (( لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرًا ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم )) ، وقد تقدم بيان فقه هذه الأحاديث ، وأنّها تُفهم في إطار إنكار المنكر العام ، ولكن إذا تعلق الأمر بالحكام وولاة الأمور ، فلابد من فهم الحديث في إطار أحكام إنكار المنكر على الولاة والتي قررها الفقهاء ، من خلال فهم قوله تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } [ النحل : 125 ] ، وقوله تعالى : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 44 ] ، ومن خلال الأحاديث الصحيحة المحكمة ، والتي تدعو إلى الصبر على جور الحكام ، مراعاة للمصالح العامة للمسلمين ، كحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وحديث حذيفة رضي الله عنه : (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وحديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وحديث  عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، وفي ظل الطاعة في المعروف والاحترام الذي فرضه الله تعالى على المسلم لمن ولاه الله تعالى أمر المسلمين ،  ولا ينبغي أن يتعدى إلى تهديد أو حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة ، ، أو إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات ، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله ، وكل ذلك افتيات على هيبة ولي الأمر وسلطته ، ثم لا ينبغي أن ننسى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية ، مما يؤول إلى الفوضى والهرج والمرج  ، وقد نقل النووي إجماع أهل السنّة والجماعة على تحريم الخروج على الحكام ، وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تقدم ، [ الشبهة الخامسة ] : استلالهم بأقوال بعض الفقهاء في وجوب خلع الحاكم إن طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة ، ومن ذلك قول القاضي عياض : ( فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229 ] ، ( قلت ) القاضي عياض لم يتحدث عن الحاكم الظالم أو الجائر ، وإنما تحدث عن قضية أخرى ، ألا وهي الحاكم الكافر والحاكم المبتدع ، فأما قضية الكفر فعند الكفر البواح تسقط الطاعة ويجب الخروج والخلع فإن تحقق العجز وجبت الهجرة والفرار بالدين ، وعند البدعة ، وقضية المبتدع كأن يحكمنا شيعي أو خارجي أو مجسم ، فهذه لا يجوز الخروج فيها إلا بشرط تحقق القدرة ، أما قضية الحاكم الظالم أو الجائر فقد تواترت النصوص على وجوب الصبر وعدم الخروج ، فهذا ما يتعلق بقول القاضي عياض ، أما النقل الثاني : فاستدلالهم بقول إمام الحرمين الجويني – عن الحاكم الجائر : ( فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة ، ووضحت الخيانة ، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه ، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور ، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم فإنْ أمكنَ كفُّ يدِه , وتوليةِ غيرِه بالصفاتِ المعتبَرَةِ , فالبِدارَ البِدارَ , وإن لَم يُمكن ذلك لاستظهارِه بالشوكةِ إلا بإراقةِ الدماءِ , ومصادمةِ الأهوالِ , فالوجهُ أن يقاسَ ما الناسُ مندفعون إليه , مُبْتَلُونَ به بما يعرضُ وقوعُه , فإنْ كانَ الواقعُ الناجزُ أكثرَ مما يُتَوقَّعُ , فيجبُ احتمالُ المتوقَّعِ , وإلا فلا يَسُوغُ التشاغلُ بالدّفع , بل يتعيَّنُ الصبرُ والابتهالُ إلى الله تعالى  .. وإن علمنا أنه لا يتأتَّى نصب إمام دون اقتحامِ داهية وإراقةِ دماء، ومصادمةِ أحوال جمَّة الأهوال، وإهلاكِ أنفسٍ ونزفِ أموال، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلَون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدَّر وقوعه في روم الدفع، فيجب احتمال المتوَّقع له لدفع البلاء الناجز وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه، فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع ، ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضحاته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة، وتبدُّد دعائم الإسلام، ولم نجد مَنْ ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة ، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا؛ فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاعٌ ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً؛ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فَلْيمضِ في ذلك قُدُماً. والله نصيره على الشرط المقدَّم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ويرتفع بما يتوقع  ) أهـ [ غياث الأمم في التياث الظلم، ص 115 - 116 ] ،  أقول : الإمام الجويني فصل في الأمر تمام التفصيل ، وفرق بين الحاكم الحاكم الجائر الذي يجب الصبر على جوره ، وبين الحاكم الذي ازداد جوره وفساده بحيث عرّض الدين والبلاد والعباد لخطر لا يمكن السكوت عليه ،   فهاهنا يجب الموازنة بين عزله والخروج عليه ، وبين بقائه وتحمل مصائبه ، من حيث المصالح والمفاسد ، ولأنّ الأمر جد خطير ، والتعرض للحاكم شر مستطير ، استدرك الجويني بقوله : ( فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا؛ فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن ) ، ومنه نعلم خطورة ترك آحاد الناس يثورون على الحاكم " فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن " ، وأما قول الإمام الجويني بعد ذلك : (  ولكن إن اتفق رجل مطاعٌ ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً؛ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فَلْيمضِ في ذلك قُدُماً. والله نصيره على الشرط المقدَّم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ويرتفع بما يتوقع  ) أهـ  ، فإن هذا الكلام مع ضوابطه مخطور محظور ، وهو الكلام الذي رد عليه النووي سدا للذرائع وغلقا لباب الفتنة بقوله  عند شرح حديث (( إلا أن تروا كفراً بواحاً ))  : قال : ( ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ، إلى أن قال : قال القاضي وقيل إن هذا الخلاف كان أولا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم : ج 12 : 229 ] ، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : في ترجمة الحسن بن صالح : ( وقولهم (كان يرى السيف) يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم ، لكن أستقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه؛ ففي وقعة الحرة ووقعة بن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر". [ تهذيب التهذيب (2 / 288) ]  ، [  الشبهة السادسة ] : استدلالهم بخروج الحسينَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما ، وخروج  عبد الله ابن الزبير رضي الله عنهما ومَن تابعهما من خيار المسلمين على يزيد ، وعلى بني أمية زمان الحجاج , والرد على هذه الشبهة يكون من عدة أوجه : ( الوجه الأول ) : أن الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تمنع من الخروج على الحكام بسبب الجور أو الظلم أو الفسوق أو العصيان ، ولم تستثنِ إلا الكفر البواح الذي لا خلاف عليه ، وقد تقدم ذكر عشرين حديثاً صحيحا في هذا الباب تدعو إلى الصبر على جور الحكام ، والسمع والطاعة لهم فيما ليس من معصية الله ، وعدم مفارقة جماعتهم ، وعدم الخروج عليهم إلا في حالة الكفر البواح الذي لا يختلف عليه عالمان ، و ( الوجه الثاني ) : أن الحسين وابن الزبير رضي الله عنهما ، قد خالفهم الصحابةُ في ذلك , فقد أخرج البخاري عن نافع , قال : لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال : إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة » , وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله , وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم ينصب لـه القتال , وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه )) [ أخرجه البخاري ح ( 7111 ) ] ، وذكر ابن كثير آثاراً عديدة تدل على نصيحة الصحابة للحسين رضي الله عنه بعدم الخروج ، منها ، قول عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما : ( استشارني الحسين بن علي – رضي الله عنهما – في الخروج فقلت : لولا أن يزري بي الناس وبك , لنشبت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب ) أهـ [ البداية والنهاية 8/178 ] ، وقول ابن عمر رضي الله عنهما له ولابن الزبير رضي الله عنهما : ( اتقيا الله ، ولا تفرقا بين جماعة المسلمين ) [ البداية والنهاية 8/158 ] ، وقال لـه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : ( اتق الله والزم بيتك ولا تخرج على إمامك ) أهـ [ البداية والنهاية 8/ 176 ] ، وقال أبو واقد الليثي رضي الله عنه : ( بلغني خروج الحسين بن علي رضي الله عنهما فأدركته بملل , فناشدته بالله ألاّ يخرج , فإنه يخرج في غير وجه خروج , إنما خرج يقتل نفسه , فقال : لا أرجع ) أهـ [ البداية والنهاية 8/ 176 ] ، و ( الوجه الثالث ) : أن الإجماع استقرّ بعد ذلك على منع الخروج على الحاكم ؛ إلا في حالة الكفر الصريح فقط ، قال النووي - بعد الكلام عن خروج الحسين وابن الزبير وخروج بعض التابعين - : (  قال القاضي : وقيل إن هذا الخلاف كان أولاً ؛ ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم : ج 11 ، ص 433 ، ح : ( 4748)  ] ، [ الشبهة السابعة ] : استدلالات عقلية تتمثل في ( قولهم ) : العجب ممن يحرمون خلع السلطة الجائرة ، فيكونون سببا لبقاء الظلم الذي كتب الله تعالى تعجيل عقوبته ، وتستفيد السلطة الظالمة المستبدة من توقيعاتهم على جورها ، ليبقى ويزداد كما وكيفا ، ويتخـذ أشكالا وألوانا ، والرد على هذا الاستدلال العقلي من جانبين : ( الأول ) : شرعي يتمثل في أمر الشريعة الحكيمة بالصبر على جور الحكام المسلمين والنهي عن الخروج عليهم بالسلاح وغيره لغاية عظيمة هي حقن الدماء ومنع الفوضى واعانة الحكام على تولي مهامهم الجسام ، وحتى لا يكون الخروج عليهم عون للشيطان عليهم فيسفكون الدماء ، ويؤدي انكار المنكر عليهم إلى وقوع مناكر عظيمة ما أغنانا عنها لو التزمنا الشريعة الحكيمة ، والحاصل أن من اعظم احتياطات السياسة الشرعية النبوية الحكيمة أنها وضعت الشروط السديدة للخروج ، وهي كما ذكرها علماء أهل السنة والجماعة : الشرط الأول :  أن يكون الحاكم قد كفر كفراً بواحاً ، ولا يحتمل التأويل وكفرا واضحا جليا مثل الشمس وهذا يبينه أهل العلم ، والشرط الثاني : أن يكون عند الخارجين عليه القدرة على إزالته ، الشرط الثالث  : أن لا يتضرر المسلمون من هذا الخروج ، الضرر البالغ لأنه إن تضرروا ستكون المفسدة أكبر من المصلحة ،  والترجيح بين المفاسد والمصالح من مهمات العلماء الربانيين الحريصين كل الحرص على ما يحقق لأمة النبي صلى الله عليه وسلم الأمن والأمان والصلاح والفلاح ، والجانب الثاني في الرد على هؤلاء عقلي واقعي : يتمثل في النظر على مر تاريخ الإسلام لم يؤد الخروج إلا إلى سفك الدماء واستحلال الحرمات والهرج والمرج والفشل الذريع في غالب الأحيان ، ومن استقرأ التاريخ بإنصاف علم ذلك يقيناً ، ثم إنّ من شروط الخروج القدرة ، وهل تتيسر القدرة اليوم في ظل اقتصار احتكار الأسلحة الثقيلة والفتاكة في أيدي الحكام وأنظمتهم ، وآنذاك فإنّ القول بجواز الخروج عليهم ما هو إلا تغرير بأهل الإسلام وأمة النبي صلى الله عليه وسلم ، والله من وراء القصد وهو سبحانه يهدي إلى أرشد السبيل ،

[  16  ]  القواعد الشرعية التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام : ( القاعدة الأولي )نصب الإمام فرض واجب على المسلمين  : وقد حكى الإجماع على ذلك أبو الحسن الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية ، قال : (( وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب – بالإجماع -، )) ، ومن الأدلة على وجوب نصبه : أن الشرع علق أحكاماً كثيرة بالإمام منها قوله- تعالي - { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [ النساء : 59 ] ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم  : (( من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية )) ، ( القاعدة الثالثة ) : وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم ، والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها : أخرج مسلم في صحيحه ، عن عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( من خلع يداً من طاعة ، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية )) ، ( القاعدة الثالثة ) : من غلب فتولي الحكم واستتب له الأمر فهو إمام تجب بيعته وطاعته ، وتحرم منازعته ومعصيته : وهذه قاعدة رصينة تمنع من الهرج واستحلال الدماء ، قال الإمام أحمد في العقيدة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار : (( ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة ، وسمي أمير المؤمنين ، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً ، براً كان أو فاجراً )) اهـ  [ الأحكام السلطانية لأبي يعلى : ( ص 23 ) ] ، وروى البيهقي في [ مناقب الشافعي (1/448) ] عن حرملة قال: (( سمعت الشافعي يقول : كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمي خليفة، ويجمع الناس عليه، فهو خليفة انتهى ، وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظ ابن حجر في [ الفتح ( 13/7 ) ] ، فقال : (( وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء )) انتهى ،  ( القاعدة الرابعة ) :  إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر ، فهو ولي أمر وجبت طاعته ، وحرمت معصيته :  قال الغزالي :  (( لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة – بأن يغلب عليها جاهل بالأحكام ، أو فاسق – وكان في صرفه عنها إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته ، لأنا بين أن نحرك فتنة بالاستبدال، فما يلقي المسلمون فيه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة ، فلا يهدم أصل المصلحة شغفاً بمزاياها، كالذي يبني قصر ويهدم مصراً ، وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام، وبفساد الأقضية وذلك محال ، ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة ؟ ! اهـ [ إحياء علوم الدين وشرحه للزبيدي ( 2/233 ) ] ، وجاء في الاعتصام للشاطبي ( 3/44) ]: (( أما إذا انعقدت الإمامة بالبيعة، أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد وقامت له الشوكة، وأذعنت له الرقاب، بأن خلا الزمان عن قرشي مجتهد مستجمع جميع الشروط وجب الاستمرار على إمامته ، وإن قدر حضور قرشي مجتهد مستجمع للورع والكفاية وجميع شرائط الإمامة واحتاج المسلمون في خلع الأول إلي تعرض لإثارة فتن ، واضطراب الأمور ، لم يجز لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم الطاعة له، والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته ) أهـ ،  (  القاعدة الخامسة ) : يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم :  وهذه من القواعد الرصينة التي تمنع من الهرج والمرج واستحلال الدماء ، قال الصنعاني في شرح حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – مرفوعاً :  (( من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات ، فميتته ميتة جاهلية )) [ أخرجه مسلم ] ، قوله : عن الطاعة ، أي : طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه ، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم ، إذ لو حمل الحديث على خليفة أجتمع عليه أهل الإسلام ، لقلت فائدته ، وقوله : (( وفارق الجماعة ))، أي : خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم )) أهـ [ سبيل السلام ( 3/499 ) ] ، وقال الشوكاني في شرح قول صاحب  الأزهار : ولا يصح إمامان ، قال : ( وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلي إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته ، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر ، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبت فيه ولايته، وبايعه أهله، كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب ، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته، لتباعد الأقطار، فأنه قد لا يبلغ إلي ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكيف بما لا يطاق ، وهذا معلوم لكل من له إطلاع على أحوال العباد والبلاد .... فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار ، ومن أنكر هذا، فهو مباهت ولا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها ) أهـ [ السيل الجرار ( 4/512 ) ] ، وقال المازري في [ المعلم بفوائد مسلم ( 3/35-36 ) ] : (( العقد لإمامين في عصر واحد لا يجوز وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلي أن ديار المسلمين إذا اتسعت وتباعدت، وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإمام ولا تدبيره حتى يضطروا إلي إقامة إمام بدبرهم، فإن ذلك يسوغ لهم )) اهـ ، وبهذه النقول الواضحة يتجلى ما عليه بعض المحققين من أهل العلم من جواز تعدد الأئمة للضرورة والحاجة ، وعليه يثبت شرعاً لهؤلاء الأئمة المتعددين ما يثبت للإمام الأعظم يوم أن كان موجوداً فيقيمون الحدود ونحوها ويسمع ويطاع لهم، ويحرم الخروج عليهم ،  ( القاعدة السادسة ) : الأئمة الذين أمر النبي بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون ، الذين لهم سلطان وقدرة : إن مقاصد الإمامة التي جاء الشرع بها من إقامة العدل بين الناس وإظهار شعائر الله وإقامة الحدود ونحو ذلك لا يمكن أن يقوم بها إلا الأئمة الموجودون الذين لهم قدرة على إنفاذ مقاصد الإمامة ،  وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم  أمرت بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين ، الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس ، ولم تأمر بطاعة معدوم ولا مجهول ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً  ، ولذلك فإنّ الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون الذين لهم سلطان وقدرة ، ( القاعدة السابعة ) : وجوب السمع والطاعة للحاكم في غير معصية :  أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم ، منها : ما أخرجه الإمام مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ، قَالُوا : قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم ، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد ، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط ، (( قَالَ : لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ )) ، وأخرج مسلم أيضا عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وأخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ : سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وما أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، ( القاعدة الثامنة ) :  جعل الشرع الحكيم للحاكم عشرة حقوق ، ويجب على الرعية أداء حقوق ولي الأمر كاملة ، فإن قصر في بعض واجباته فإننا نعطيهم حقهم كاملا ونسال الله تعالى حقنا ، وحقوق الحاكم العشرة  تتمثل في : ( الحق الأول ) : بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية ، و ( الحق الثاني ) : بذل النصيحة له سراً وعلانية ، و ( الحق الثالث ) :  القيام بنصرتهم باطناً وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين ، و ( الحق الرابع ) : أن يعرف له حقه وما يجب من تعظيم قدره ، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالي له من الإعظام ، و ( الحق الخامس ) : إيقاظه عند غفلته ، وإرشاده عند هفوته ، شفقة عليه ، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه ، و ( الحق السادس ) : تحذيره من عدو يقصده بسوء ، و ( الحق السابع ) : إعلامه بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم، لينظر لنفسه في خلاص ذمته، وللأمة في مصالح ملكه ورعيته ، و ( الحق الثامن ) : إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، و ( الحق التاسع ) : رد القلوب النافرة عنه إليه وجمع محبة الناس عليه لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة ، و ( الحق العاشر ) :  الذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل، في الظاهر والباطن والسر والعلانية ، ويجب على الرعية أداء حقوق ولي الأمر كاملة ، فإن قصر في بعض واجباته فإننا نعطيهم حقهم كاملا ونسال الله تعالى حقنا ، للحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا ،  وللحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم )) [ أخرجه البخاري ح ( 3268 ) ] ومسلم ( 1842 ) ] ، والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان ، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم ، الله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم ، ( القاعدة العاشرة ) : الصبر على جور الأئمة درئاً للفتنة وحفظا لحرمات أهل الإسلام : جاءت الأحاديث تترا تأمر بالصبر على جورهم واعطائهم حقوقهم كاملة دونما نقصان ، ومن تلك الأحاديث : قوله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري (7053)، ومسلم (1851) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) [أخرج مسلم (1836) ] ، القاعدة التاسعة ) :  النهي عن سب الأمراء والوقيعة في اعراضهم وذكر معايبهم : من قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة النهي عن سب الحكام حتى ولو كانوا جائرين ، وعن الوقيعة في أعراضهم ، الاشتغال بذكر معايبهم ، وهذا الأمر هو السبب الأول لتوغير الصدور ، وإذكاء نار الفتن ، وفتح أبواب الشرور على الأمة وتهيئة الأجواء للهرج والمرج ،  أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت )) [ متفق عليه ] ، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسي الأشعري رضي الله عنه : (( قالوا يا رسول الله ‍ أي الإسلام أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال : (( ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين )) [مسند الإمام أحمد  : ( 4/80-82 ) ] وقد ورد النهي عن سب الأمراء على الخصوص ، فقد أخرج الترمذي عن زياد بن كسيب العدوى قال : كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق – فقال أبو بلال : أنظروا إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق ، فقال أبو بكرة : اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله )) [ أخرجه الترمذي ] ، وقد وردت آثار عديدة بذلك ، منها ما أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (2/488) )) ، عن أنس بن مالك، قال : نهانا كبراؤنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا ،فإن الأمر قريب )) ، وما أخرجه ابن حبان في الثقات ( 5/314-315 ) ، وابن عبد البر في التمهيد ( 21/287 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : (( كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ينهوننا عن سب الأمراء )) ، ولما أخرجه  البيهقي في كتابه الجامع لشعب الإيمان ( 13/186-202 ) : عن أنس بن مالك، قال : (( أمرنا أكابرنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  أن لا نسب أمراءنا )) ، الخ ، ولما أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ( 2/488 ) عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ( إياكم ولعن الولاة، فإن لعنهم الحالقة، وبغضهم العاقرة  ، قيل : يا أبا الدرداء ! فكيف نصنع إذا رأينا منهم ما لا نحب ؟ قال :  اصبروا ،فإن الله إذا رأي ذلك منهم حبسهم عنكم بالموت) ، ففي هذه الآثار وما جاء في معناها دليل على صحة هذه القاعدة ، بل قد ورد في عموم الشريعة وادلتها : أنّ المثبط عن ولي الأمر والمثير عليه يستحق العقوبة الشرعية : وذلك لأنّ التثبيط والإثارة من أعظم مقدمات الخروج ، والخروج يؤدي إلى الهرج والمرج والفتنة ، ولهذا تضمنت الشريعة الحكمية جواز التعزير الرادع لمن قام بإثارة الشغب على الحاكم المسلم ، قال ابن فرحون في تبصرة الحكام ( 1/227 ) : (( من تكلم بكلمة لغير موجب في أمير من أمراء المسلمين  لزمته العقوبة الشديدة ،ويسجن شهراً ، ومن خالف أميراً ، وقد كرر دعوته، لزمته العقوبة الشديدة بقدر اجتهاد الإمام )) أهـ ،  ( القاعدة العاشرة ) : مشروعية الدعاء لولاة الأمر بالصلاح :  لأنّ ذلك يؤلف بين الحاكم والمحكوم ، وقد قال بعض الصالحين : لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان ، لأنّ بصلاحه تصلح الرعية ، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( أعلموا أن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم )) [ أخرجه البيهقي في السنن ( 8/162 ) ] ، إنّ صلاح الولاة إلي الله تعالي يهدي من يشاء  إلي صراط مستقيم، فكان حقا على كل مؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أن يدعوا لهم بالهداية والتوفيق إلي طاعة الله تعالي ، ذكر ابن المنير المالكي في الانتصاف ( 4/106 ) : (( أنه نقل عن بعض السلف أنه دعا لسلطان ظالم فقيل له : أتدعوا له وهو ظالم ؟ فقال : إي – والله -، أدعو له إن ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يدفع بزواله )) اهـ ، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان ( 13/99 ) عن أبي عثمان سعيد ابن إسماعيل الواعظ الزاهد أنه قال – بعد روايته لحديث (( الدين النصيحة ))، قال : فانصح للسلطان، وأكثر له من الدعاء  بالصلاح والرشاد بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا، صلح العباد بصلاحهم. وإياك أن تدعوا عليهم بالعنة، فيزدادوا شراً ويزداد البلاء علي المسلمين ،ولكن أدعو لهم بالتوبة، فيتركوا الشر، فيرتفع البلاء عن المؤمنين )  انتهى ، وأقول : إنّ الدعاء من باب النصيحة ، وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( الدين النصيحة، قلنا : لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم )) ، ومن أكبر النصيحة لأئمة المسلمين أن تكون بالدعاء لهم بالهداية والرشاد ،

[  17  ]  من اهم القواعد الضابطة لباب الإيمان والكفر عند أهل السنة والجماعة : قاعدة : كفر تارك الحكم بما أنزل الله ،  كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ، وقوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، من أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله ، فقد حكم بقبله بما أنزل الله ، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر ، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة ، ومن جحد حكم الله بقلبه ، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ولذلك اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم على التفصيل في المسألة ، فمنهم من قال : أنها ليست في المسلمين وإنما هي في الكفار وقد ورد هذا القول عن بعض التابعين (( فقد أخرج الطبـري بسنـده عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }  ليس في أهل الإسلام منها شيء ، هي في الكفار [ تفسير الطبري جـ6/252 ] أهــ ، ومنهم من قال : أنهـا نزلـت في أهـل الكتـاب وفـي الكافريـن جميعــاً وقال بهذا القول من الصحابة رضي الله عنهم البراء بن عازب ، فقد أخرج مسلم عن البراء بن عازب رضى الله عنه الحديث وفيه قال (( قوله تعالى : { و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  } [ المائدة : 44 ] ، قـال : في اليهـود إلى قوله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ المائدة : 47 ]  ، قال : في الكفار كلها [ صحيح مسلم ] ، ومنهم من قال : أنّ حكم الآية يتناول المسلمين ويقصد به الكفر في إطـار الملة {كفر دون كفر} وقد جاء هذا القول صحيحاً عن حبر الأمة وفقيهها ـ الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والفقه ـ عبدالله بن عباس رضى الله عنهما ، وبه قال عامة أصحابه كعطاء وطاوس . { أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس   { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسلـه [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاَ بسنده عن ابن طـاوس عـن أبيه قال : قال رجل لابن عباس في هذه الآيات { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } فمن فعل هذا فقد كفر ، قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر  وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا }[ تفسير الطبري ج6/256 ] وأخرج أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال : سُئل ابن عباس عن قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : هي به كفر ، قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن طاوس { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : ليس بكفر ينقل عن الملة [ تفسير الطبري ج6/256 ].هـ وأخرج أيضاَ عنه { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : كفر لا ينقل عن الملة . قال : وقال عطاء : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن عطاء قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون} قال كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم }[ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وقد نقل بعض هذه الآثار الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وهو يتحدث عن الكفر في إطار الملة فقال : (( وأما الفرقان الشاهد عليه ـ أي الكفر دون الكفر ـ في التنزيل فقول الله عز وجل  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] وقال ابن عباس " ليس بكفر ينقل عن الملة " وقال عطاء بن أبي رباح (كفر دون كفر)  فقد تبين لنا أنه كان  ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب ، فلا معنى له إلا خلاف الكفار الحكم بغير ما أنزل الله [ كتاب الإيمان لأبي عبيد ص45 ط . المكتب الإسلامي ] أهــ ، ومنهم من قال  : أن حكم الآية يتناول المسلمين وله تفصيل فمن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً للحكم فهو كافر الكفر الأكبر ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر به معتقد له فهو ظالم فاسق وكفره دون الكفر الأكبر ، وقد أخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بن عباس قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به فهو ظالم فاسق [ تفسير الطبري جـ6/257 ] ، وذكر ابن حبان في تفسيره (( وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية [ البحر المحيط لابن حبان جـ3/493 ] أهـ . وهذا القول هو غاية الجمع بين الأقوال جميعها وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها ، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله ، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين ، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى ، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة ، ومن أقوال الأئمة العلماء الراسخين في العلم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، والتي تؤيد ما رجحناه من أن الآية في حق المسلمين تتناول المسلمين وأنها في حق الجاحد كفر أكبر ، لأنه لم يحكم بما أنزل الله البتة ، وأنها في حق المقر المعتقد بقلبه كفر دون كفر ، لأنه حكم بقلبه بما أنزل الله فلم يترك الحكم بما أنزل الله بالكلية  فصار الكفر في حقه كفراً عملياً مجرداً لا يخرج من الملة وإن كان صاحبه على خطر عظيم وهو خطر الكفر في إطار الملة ، ومعلوم يقيناً أنه أشد على صاحبه وأخطر من أكبر الكبائر ، نسأل الله السلامة وحسن العاقبة :   قال الطبري رحمه الله :  وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب ، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت ، وهم المعنيون بها ، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم ، فكونها خبراً عنهم أولى .   فإن قال قائل : فإن الله ـ تعالى ذكره ـ قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصاً ؟ . قيل : إن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين ، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون ، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به ، هو بالله كافر ، كما قال ابن عباس  [ تفسير الطبري ج10 / 358 ] ، ،  وقال الواحدي رحمه الله في تفسيره : (( ومن لم يحكم   بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء (( [ تفسير الواحدي ج 1 / 321 ]  ،  وقال الطحاوي رحمه الله في بيان الكفر دون الكفر الأكبر بالله حين شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم { قتاله كفر } (( ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} على ما تأوله فعن ابن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال هي كفره وليس كمن كفر بالله تعالى واليوم الآخر . و عن طاوس قال (( قلت لابن عباس : من لم يحكم  بما أنزل الله فهو كافر قال : هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر  )) [ مشكل الآثار ج2 / 317 ]  ،  وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله : (( هم اليهود إن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا له كما غير اليهود فهو كافر ظالم فاسق )) [ الناسخ والمنسوخ للنحاس :ج1 / 402 ]  ،  وقال الثعالبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} " وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن " [ تفسيرالثعالبي ج1 / 465 ]  ،  وقال ابن عبد البر رحمه الله " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل   ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس وهي عامة فينا قالوا ليس كفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء "  [ التمهيد لابن عبد البر ج5 / 74 : 75 ] ا هـ . وقال في حديثه عن الخوارج " وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . ‎ ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر " [ التمهيد لابن عبد البر ج17 / 16 ]  ،  وقال الغزالي رحمه الله : قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له  [ المستصفى ج1 / 168 ]  ،  وقال ابن العربي رحمه الله : المسألة الحادية عشرة : قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} اختلف فيه المفسرون ; فمنهم من قال : الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود , ومنهم من قال : الكافرون للمشركين , والظالمون لليهود , والفاسقون للنصارى , وبه أقول ; لأنه ظاهر الآيات , وهو اختيار ابن عباس , وجابر بن زيد , وابن أبي زائدة , وابن شبرمة . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة , ولكنه كفر دون كفر . وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ; فهو تبديل له يوجب الكفر , وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين . [ أحكام القرآ لابن العربي ج2 / 127 ] ،  وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله : قال أبو بكر قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة [ أحكام القرآن ج4 / 93 ]  ،  وقال القرطبي رحمه الله :  قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } و { الظالمون } و{ الفاسقون } نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلىهذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيهإضمار أي ومنلم يحكم بماأنزل اللهردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا ، قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساقالمسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له [ تفسير القرطبي ج6 /190 ]  ، وقال النسفي رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهينا به {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحدا فهو كافر و إن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم. . إلى أن قال : يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافرا ظالما فاسقا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله }فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله [ تفسير النسفي ج1 / 284 : 285 ] ،  وقال البغوي رحمه الله : " وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات فقال إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات وقال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا " [ تفسير البغوي ج2 / 41 ] ، وقال البيضاوي رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهيناً به منكراً له {فأولئك هم الكافرون}  لاستهانتهم به ، وتمردهم بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم بقولـه {الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}، فكفرهم لإنكاره ، وظلمهم بالحكم على خلاقه ، وفسقهم بالخروج عنه [ تفسير البيضاوي سورة المائدة – الآية 43 : 50 ] ، وقال أبو السعود رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }كائنا من كان دون المخاطبين خاصة فانهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم يحكم بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاء بينا  {فأولئك} إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها  { هم الكافرون}لاستهانتهم به [ تفسير أبي السعود ج3 / 42 ]  ،  وقال ابن كثير رحمه الله : (( {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً ، وقال هاهنا {فأولئك هم الظالمون} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخالفوا وظلموا وتعدوا(( [ تفسير القرآن العظيم ج2/61 ] ، وقال الشاطبي رحمه الله : ((  ومثله قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} مع أنها نزلت في اليهود والسياق يدل على ذلك ، ثم إن العلماء عمُّوا بها غير الكفار، وقالوا : كُفرٌ دون كفر )) [ الموافقات للشاطبي ج3 /ص147 ]  ،  وقال أبو حيان رحمه الله : وقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ظاهر هذا العموم ، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم ، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود ، وإلى أنها عامة في اليهود غيرهم ذهب ابن مسعود، وابراهيم، وعطاء ، وجماعة ولكنْ كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق يعني : إنّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله : ابن عباس وطاووس . . .  واحتجت الخوارج بهذه الآية على أنّ كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا : هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافراً _ ثم ذكر أقوال المفسرين في تأويل الآية ثم اختار قول عكرمة فقال _ وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه ، أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله ، إلا أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ، لكنه تارك له ، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية . [ تفسير البحرالمحيط سورة المائدة – 40 : 48 ]  ،  وقال ابن حجر رحمه الله : واقتصر المصنف على تلاوة الآيتين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . . . الفاسقون . . الآيتان} لإمكان تناولهما المسلمين بخلاف الأولى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فإنها في حق من استحل الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى وأما الآخرتان فهما لأعم من ذلك [ فتح الباري ج13 / 299 ] ،

[  18  ]  تذكير الحكام بواجباتهم تجاه الإسلام والمسلمين : إنّ مسؤولية الحاكم المسلم أمام الله تعالى تتمثل في حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض ، ومن ثم سياسة الدنيا كلها بالدين ، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة ،  ( المقصد الأول ) : حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض : ويشمل حفظ عقائد الدين وتعظيم شعائره وتطبيق شرائعه وأحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم ، وتطبيق أحكامه في علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول ،  ونشر الدين بالدعوة إليه وحفظ الدين بالحسبة عليه والدفاع عن الدين بالجهاد في سبيل الله من أجل التمكين له في الأرض ، وإنشاء وتبني مؤسسات الدعوة إلى الله لنشر الإسلام بين غير المسلمين ، وإنشاء وتبني مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحسبة على الدين بين المسلمين ، وحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية ، وإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع إذ لا يمكن حفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إزالة ، إنشاء وتبني مؤسسات لتعظيم شعائر الله ببناء المساجد ودور العلم الشرعي من مدارس وجامعات ، إنشاء وتبني مؤسسات لحفظ أركان الدين ورفع راية التوحيد وإقامة الصلوات وجمع الزكاة ، إنشاء وتبني مؤسسات علمية لحفظ معالم الدين وللدفاع عنه أمام الشبهات والبدع ودعاوى الباطل ، إنشاء وتبني مؤسسات أخلاقية وتربوية للحفاظ على أخلاق الإسلام ومحاربة الفواحش والرذائل ، وإنشاء وتبني مؤسسات إعلامية وعسكرية عقيدتها الدفاع عن الإسلام ورفع رايته ، والسعي المستمر لمتابعة كل ما من شانه حفظ الدين ونشره وبسط سلطانه ، والسعي المستمر لمنع كل ما من شأنه الإضرار بعقائد المسلمين أو عباداتهم أو أخلاقهم ، و ( المقصد الثاني ) : سياسة الدنيا بالدين : ويشمل : إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة ، وإقامة العدل بين الناس ، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين ، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد. فإذا ما طبقت الأحكام الشرعية على المعتدين تحقق الأمن والأمان والاطمئنان بين الناس ، وخاف أهل البغي والفساد ، فلا يستطع قوي أن يعتدي على ضعيف لأن الدولة أقوى منه، ولا يخش الضعيف المحق من عدوان القوي لأن الدولة مع المحق وإن كان ضعيفاً ، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها ،  واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم ،

[  19  ]  أهم وأولى واجبات الحكام :  إنّ أول الواجبات : تطبيق شرع الله تعالى ، ولا شك أن تنحية شرع الله تعالـى، وعــدم الـتـحـاكم إليه في شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف العقائدي والتشريعي والسلوكي في مجتمعات المسلمين، ولقد كانت عـواقـب الحكم بغـير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حلَّ بهم من أنواع الكفر والظلم والفسوق والعصيان والــذل نسأل الله تعالى أن يردنا إلى ديننا رداً جميلا ، فقد فـرض الله تعالـى الـحـكـم بشريعته، وأوجب ذلك على عباده، وجعله الغاية من تنزيل الكتاب، فقال تعالى : { وأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } [ البقرة :213 ] ، وقـال تعالى : { إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } [ النساء : 105] ، وجـاءت الآيـات القـرآنـيـة مـؤكـدة على أن الحكم بما أنزل الله من صفات المؤمنين ، وأن التحاكم إلى غير ما أنزل الله (وهــو حكم الطاغوت والجاهلية) من صفات المنافقين ، قال تعالى : { ويَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ ومَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وإن يَكُن لَّهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُـونَ . إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ } [ النور : 47 إلى 51 ] ، فيجب على كل حكام المسلمين أن يطبقوا شرع الله ، وأن يسارعوا في اتخاذ الخطوات الجادة من أجل تطبيق شرع الله تعالى مستعينين بالله وحده على أداء تلك المهمة الجسيمة من مهام الدين ، ونعلم يقيناً أنّ أعداء الإسلام من اليهود واتباعهم يرفضون هذا الامر تماما ، وأنّهم سوف يجيشون الجيوش الجرارة والأسلحة الفتاكة ويستعملون كافة الوسائل والقوى الإعلامية والاقتصادية والعسكرية من أجل القضاء على أي حاكم مسلم تسول له نفسه تطبيق شرع الله تعالى  على شعبه كما أراد الله ، وكما جاء في دين الله ، ولكن لابد من الصدق في طاعة الله تعالى ، ولا بد من خدمة دين الله تعالى بتطبيق شرعه ، والاستعانة على ذلك بالله فهو أقوى من كل قوي وهو تعالى أعز من كل عزيز ، وقد قال الله تعالى في سبعة مواضع من القرآن :{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } ، وإن من أصول الإيمان الثقة بالله تعالى وصدق التوكل عليه ، فالأمر كله إلى الله وحده لا شريك ، لا ينفع أحدٌ إلا بإذنه، ولا يضر أحد إلا بإذنه، فوجب أن لا تتعلق القلوب خوفا ورجاء إلا به ، ولا استعانة وتوكلا إلا عليه سبحانه ،

[  20  ]  خاتمة  الحديث عن علم السياسة الشرعية  : كل ما سبق مما تيسر بيانه من لبنات علم السياسة الشرعية  هو من أهم ما يحتاجه المسلمون في هذا الزمان ، وذلك لأنّ الفقه الصحيح لهذه المسألة يؤدي إلى تصحيح جميع المسارات الدعوية والتعليمية والاصلاحية العاملة لدين الله تعالى ، وإلى تجديد أخلاق أهل الإسلام مع أولي الأمر منهم من السمع والطاعة والاحترام في إطار المعروف ، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الافتئات عليها ، فيتفرغ الحاكم والعالم والداعية وكل مسلم  لأداء مهامه ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، لذا لابد من الفقه السديد للآيات الكريمة التي تتناول العلاقة بين أولياء الأمور والرعية ، والفقه السديد للأحاديث النبوية الشريفة في بيان العلاقة بين الأنظمة الحاكمة والشعوب المسلمة ، وبيان الفقه السديد لحدود طاعة الحاكم المسلم ، وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، وفقه الدعوة في إنكار المنكر على ولاة الأمور ، ومعرفة ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام، وبيان القواعد الشرعية السديدة التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، إنّ من أهم أهداف التأصيل العدل والوسط لعلم السياسة الشرعية :  ( الهدف الأول ) : بيان فقه القواعد التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، وبيان فقه القواعد التي تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام ، وبيان فقه القواعد التي تضبط حقوق الرعية ، و ( الهدف الثاني ) : الاعتدال الشرعي في مسائل الحاكمية والعلاقة بين الحاكم والرعية ، وتتبع جذور الغلّو في هذه المسألة ، وتتبع شبهات أهل زيادة التكفير في مسائل الحاكمية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم ، والرد عيها بأدلة الكتاب والسنّة وأقوال سلف الأمة وعلمائها الأئمة المقتدى بهم في الدين ، و (  الهدف الثالث ) : فتح صفحة جديدة للتعامل بالحسنى والثقة بين التيار الإسلامي وبين أهل السياسة والحكم ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، و ( الهدف الرابع ) : تأصيل مسائل الإسلام السياسي على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة والتي تتميز بوضوح الأحكام وصحتها وسهولة إدراكها وتطبيقها  ، إنّ القيام على تأصيل لبنات هذا العلم الجليل ثغرٌ عظيم يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم السادس : ( علم الانتساب إلى الجماعة الناجية )   وذلك لجمع المسلمين تحت منهاج صحيح واسع واحد

[ 1 ] تفرق الامة إلى فرق ضالة وواحدة ناجية : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وأخرج الترمذي : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح2 ص 334 ] ، وأخرج أبو داود  : عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ، وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : (( إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة )) [ أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/364 ] ، فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ، وقد صحح عموم روايات الافتراق جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي والألباني ،

[ 2 ] الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي أهل السنة والجماعة : لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة : [ السبب الأول ] : أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين إذ هم الذين حفظوه ، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنة والجماعة ،  [ السبب الثاني ] :  أهل السنة والجماعة هم  أهل الحديث وخاصته  ، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين ، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة  ومعرفة السنّة ،  [ السبب الثالث ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين ، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة ، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع  والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين ، هم أهل السنة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع ،  [ السبب الرابع ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي ،  لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة ، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية ، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس : ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، وبها اكتملت علوم العقيدة ، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب ، وهي  : المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وبها اكتملت علوم الفقه ، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان ، فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ، وبهذا التخصص العلمي الرصين : صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،  [ السبب الخامس ] : أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين : أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه ، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه ، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه ، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة  وآل البيت رضي الله عنهم  بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض ، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية التجديد سوى راية أهل السنّة والجماعة ، أهل التوسط والاعتدال ،  [ السبب السادس ] : هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق  الصحيحة ، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود وصححه الألباني ] ،  لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة) ، ( فأهل السنة ) : لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، ( وأهل الجماعة ) : لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال ،  [ السبب السابع ] : أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه ، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " ، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ شذ في النار )) ، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى ( أهل السنة والجماعة ) ، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية الإصلاح والتجديد سوى راية أهل السنة والجماعة ،

[ 3 ] : الإطار العلمي الدقيق للفرقة الناجية :  يمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، ويمثل إطار أهل السنة