جديد الموقع
كتب مختارة

كتب مختارة (9)

 

الجامع في فقه مسائل واحكام السياسة الشرعية

وبيان القواعد الشرعية الصحيحة

لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم

في ضوء الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح

وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام

جمــع وإعـداد

مجــدي محمــد علـي محمد

 

المقدمة :  إِنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ،  ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران: 102] ،{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }[ النساء: 1 ] ،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[ الأحزاب:70،71 ] ، أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد   صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، ثم أما بعد :

 

بين يدي الرسالة :  هذه الرسالة تتناول بيان القواعد الشرعية لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على طريقة أهل الفقه بالكتـاب والسنّة والتي تتميز بجمع الأحكام المتعلقة بالموضوع وبيانها بدقة ووضوح ، وهي بحمد الله تعالى بمثابة جامع لفقه هذه العلاقة ، وقد حوت هذه الرسالة – بحمد الله تعالى – على ما يزيد على خمسين قاعدة رصينة ضابطة للعلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والمحكوم  ، وقد جمعتها من أقوالهم ومؤلفاتهم لأهديها إلى طلبة العلم الراسخ صافية مصفاة ، علماً طيباً ، ما كان عملي فيه إلاّ البحث المتأني والجمع والترتيب لأحسن ما أتت به عقول العلماء والفقهاء المقتدى بهم في الدين ، ولا أدعي فيه الكمال فما كان فيه من صواب فهو من الله وبفضل الله وله الحمد والمنّة ، وما كان فيه من خطأ فهو مني ومن الشيطان وأستغفر الله منه ، ولعله بداية الفتح لدراسة جديدة جادة لمسائل السياسة الشرعية والعلاقة الصحيحة بين الحاكم والمحكوم  على طريقة الفقهاء بالكتاب والسنّة والتي تتميز بترتيب القواعد ووضوح الأحكام ودقتها وعدم جنوحها إلى الغلّو بسبب الترغيب والترهيب ولا إلى التفريط بدافع من الاتكال والغرور ، وأسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن ينفع بها إخواني من طلاب العلم الذين يصبرون لطلبه ويتواضعون لمدارسته ابتغاء وجه الله ، وإن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

 

الأهداف الشرعية من ضم هذه الرسالة عن فقه العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والمحكوم إلى كتب التجديد  :  من أهداف هذه الرسالة المنهجية عن فقه العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، إضافة إلى نشر العلم الصحيح الراسخ الذي تحلى به المحققون من علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الأعلام ، أربعة أهداف رئيسية :  ( الهدف الأول ) : بيان فقه القواعد التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الإفتئات عليها ، وبيان فقه القواعد التي تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام حتى يعلم الحكام ما هو واجبهم الأسمى تجاه دينهم ، وبيان فقه القواعد التي تضبط حقوق الرعية ، وتضبط العلاقة الشرعية الصحيحة بين النظام الحاكم والمحكوم ، و ( الهدف الثاني ) : الاعتدال الشرعي في مسائل الحاكمية والعلاقة بين الحاكم والرعية ، وتتبع جذور الغلّو في هذه المسألة ، واجتثاثها من أصولها ، حتى يتفرغ الحاكم والمحكوم لأداء مهامه ، وتتبع شبهات أهل زيادة التكفير في مسائل الحاكمية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم ، والرد عيها بأدلة الكتاب والسنّة وأقوال سلف الأمة وعلمائها الأئمة المقتدى بهم في الدين ، و (  الهدف الثالث ) : فتح صفحة جديدة للتعامل بالحسنى والثقة بين التيار الإسلامي وبين أهل السياسة والحكم ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وفتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة ، وعلى حكمة وموعظة حسنة ، وتمتلئ بالرأفة والرحمة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ،  و ( الهدف الرابع ) : تأصيل مسائل الإسلام السياسي على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة والتي تتميز بوضوح الأحكام وسهولة إدراكها وتطبيقها  وذلك حتى يتيسر لطالب العلم جمع أهم مسائل وأحكام هذا الباب مجتمعة متكاملة في مؤلف واحد ، وأظنه ثغرٌ يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين عموماً وعن طلاب العلم على وجه الخصوص ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه  نعم المجيب ،

 

خطوط عريضة لأهم موضوعات الرسالة :  حوت الرسالة بحمد الله تعالى على أربعة أبواب وخاتمة :  [  الباب الأول : التمهيد لعلم السياسة الشرعية ] : وتناولت فيه بيان تلك القواعد :  القاعدة الأولى : أهمية علم السياسة الشرعية وضرورة التركيز على طلب هذا العلم والتزام ضوابطه ، القاعدة الثانية : فقه آيات من كتاب الله تعالى تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، القاعدة الثالثة : فقه أحاديث نبوية شريفة في بيان العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، القاعدة الرابعة : حدود طاعة الحاكم المسلم ، القاعدة الخامسة : حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، القاعدة السادسة : فقه الدعوة في إنكار المنكر على ولاة الأمور ، القاعدة السابعة : أهل السنّة والجماعة لا يرون الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر ، القاعدة الثامنة : الرد الباهر على من رأى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر ، القاعدة التاسعة : ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام، [ الباب الثاني : قواعد تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ] ، وتناولت فيه بيان تلك القواعد : القاعدة الأولي :  مكانة ولي الأمر في الشرع  إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن ، القاعدة الثانية : نصب الإمام فرض واجب على المسلمين ، القاعدة الثالثة : وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها ، القاعدة الرابعة : من غلب فتولي الحكم واستتب له ، فهو إمام تجب بيعته وطاعته ، وتحرم منازعته ومعصيته ، القاعدة الخامسة : إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر وجبت طاعته ، وحرمت معصيته ، القاعدة السادسة : يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم ، القاعدة السابعة : الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون ، الذين لهم سلطان وقدرة ، القاعدة الثامنة : وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم في غير معصية ، القاعدة التاسعة : مراعاة الشارع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم ، القاعدة العاشرة : أهم حقوق الحاكم المسلم :  بذل الطاعة له في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية ، وبذل النصيحة له سراً وعلانية ، والقيام بنصرته وإعانته ، ومعرفة حقه وما يجب من تعظيم قدره وإكرامه واحترامه ،  فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام ، والدفاع عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس  ، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ،والجهاد في سبيل الله تحت رايته ، والصبر على جور الحكام ، والنهي عن سب الحكام ، وأداء العبادات مع الحاكم ،  والدعاء للحاكم ، القاعدة الحادية عشرة : الصبر على جور الأئمة درئاً للفتنة وحفظا لحرمات أهل الإسلام ، القاعدة الثانية عشرة : النهي عن سب الأمراء ، القاعدة الثالثة عشر : عقوبة المثبط عن ولي الأمر والمثير عليه ، القاعدة الرابعة عشرة : أداء العبادات مع الولاة ومشروعية الدعاء لولاة الأمر بالصلاح ، [ الباب الثالث : قواعد تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام والمسلمين ] ، وتناولت فيه تلك القواعد : القاعدة الأولى : وجوب الحكم بشرع الله تعالى ، والقاعدة الثانية :  أهم مهام الحاكم المسلم ،  والقاعدة الثالثة : مهام الحاكم المسلم تتمثل في الوكالة والنيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحقيق أهداف رسالة الإسلام العشرة على أرض الله تعالى وبين عباده ، والقاعدة الرابعة : حقوق الرعية عند الحكام ، [ الباب الرابع : تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله ، والرد على شبهات أهل الغلو في التكفير واستحلال حُرمات المسلمين ] ، وبيان أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله نوعان : ( كفر أكبر ) للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، و ( كفر دون كفر ) لمن لم يجحد حكم الله ولم يستحل الحكم بغير ما أنزل الله ، وقد اشتمل هذا الباب على خمسة فصول :  ( الفصل الأول ) : فقه مسائل الكفر في الكتاب والسنّة ، ( الفصل الثاني ) : قواعد الشرع الضابطة لمسائل الكفر ، ( الفصل الثالث ) : تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله ، ( الفصل الرابع ) : قواعد الشريعة العامة اللازمة لضبط مسائل واحكام التكفير ، ( الفصل الخامس ) : الرد على شبهات أهل الغلو في التكفير واستحلال حُرمات المسلمين ، [ الخاتمة ] : وتناولت فيها أهم توصيات الرسالة 

***

 

الباب الأول

التمهيد لعلم السياسة الشرعية في دين الإسلام

 

ويتناول تلك القواعد : 

القاعدة الأولى : أهمية علم السياسة الشرعية وضرورة التركيز على طلب هذا العلم والتزام ضوابطه

القاعدة الثانية : فقه آيات من كتاب الله تعالى تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم

القاعدة الثالثة : فقه أحاديث نبوية شريفة في بيان العلاقة بين الحاكم والمحكوم

القاعدة الرابعة : حدود طاعة الحاكم المسلم

القاعدة الخامسة : حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم

القاعدة السادسة : فقه الدعوة في إنكار المنكر على ولاة الأمور

القاعدة السابعة : أهل السنّة والجماعة لا يرون الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر

القاعدة الثامنة : الرد الباهر على من رأى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر

القاعدة التاسعة : ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام

***

 

القاعدة الأولى

أهمية علم السياسة الشرعية وضرورة التركيز على طلب هذا العلم والتزام ضوابطه

 

اقتضت إرادة الله تعالى وحكمته أن يكون أمر الناس إلى سلطان يحكمهم لا يصلحون لا بذاك ؛ ولهذا قال العارفون بأمور الناس أن ستين سنة في حكم سلطان جائر أهون من ساعة ليس للناس فيها سلطان يحكمهم ، لأن البديل آنذاك الهرج والمرج والفتنة والفوضى ونهب الاموال وانتهاك الحرمات وسفك الدماء ، لهذا أوجب الشرع على المسلمين نصب الإمام وجعل في عنقهم له بيعة وطاعة ، وأوجب عليهم احترامه وتعظيمه ، وحرم عليهم نزع اليد من طاعته وحرم عليهم إهانته ، لهذا جاءت الآيات والأحاديث تدعو إلى طاعته وتحذر من التمرد عليه لأنه بمثابة ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ أَكْرَمَهُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ أَهَانَهُ أَهَانَهُ اللَّهُ ، ومن مات وليس في عنقه بيعة له مات ميتة جاهلية ، وتعددت الادلة التي تأمر بالصبر على جوره وظلمه وعدم نزع اليد من طاعته ، لما في ذلك من ترجيح للمصالح المتوقعة بوجوده على المفاسد المترتبة على محاولات إزالته ،   ثم إنّ الله تعالى جعل اختيار الحكام إليه ، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ، كما في قوله تعالى : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ، فهو مالك الملك يؤتي الملك من يشاء ، وكذلك قوله تعالى – على لسان نبي الله يوسف عليه السلام -   : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } ، فدل على أن الملك هبة من الله ، وقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ } ، فكلها أدلة تدل على أن الله تعالى هو من يؤتي الملك من يشاء وهو من ينزع الملك ممن يشاء ، وهو في ذلك كله رحيم بعباده بيده الخير علم انهم لا يستطيعون العيش إلا في ظل منظومة حكم وسلطة تضبط الامور بين الناس ،  فلا يصلح الناس فوضى لا حاكم لهم ،  واهل الحكمة من الناس يرون في ملوكهم مظاهر معاملة الله تعالى لهم ، فإن استقاموا على دين الله ، ألان الله تعالى لهم قلوب حكامهم ، وغن عصوا الله تعالى أدبهم بحكامهم ، هو وحده المدبر والمصرف قلوب العباد جميعا بيده ،  وبيده الخير ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، ولهذا قال بعض العارفين : " منكم يول عليكم " ، أي من حالكم مع الله يختار لكم من الحكام من يلائم حالكم ، وليس معنى ذلك تعطيل الحسبة عليهم بل هي من أعظم الجهاد ولكن وفق ضوابطها وأحكامها التي قررتها شريعة الرحمن ، أما إهانة السلطان ، ونزع اليد من بيعته ومنازعته باسم الدين فهو من البدع المضلة التي تفتح باب الهرج والمرج والفوضى وسفك الدماء ، ومن طالب حكام اليوم بالعدل الذي كان عليه غمر رضي الله عنه فقد ظلم ، لان العالم اليوم قد تحول إلى قرية صغيرة تحكمه قوى عالمية رهيبة والحكام في بلادنا مجرد موظفين عند أولئك وإلا فهم مكرهون على أشياء ليس لهم فيها اختيار ، والاكراه من الاعذار الشرعية المعتبرة ، والمقصد أن أمور الحكم لها اهلها وهم أعلم بها ولا يصح الافتئات عليهم فيها ، وقد امرنا الله تعالى أن نؤدي لهم حقوقهم ونسال الله تعالى ما لنا ، إنّ مسألة العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والمحكوم في بلاد المسلمين هي من أشد المسائل التي سال من أجلها دماء في تاريخ الإسلام واستحلت محارم ما كان ينبغي لها أن تستحل يعرف ذلك كل من له أدنى اطلاع على تاريخ الإسلام ، ولما كانت هذه المسألة تحتاج إلى فقه عظيم بدين الله تعالى ، لأنها من أشد مسائل الفقه إشكالاً على طلاب العلم حتى إنه لم يسلم من الخطأ فيها بالغلو أو التفريط الكثير ممن ينتسب إلى العلم  ، ولما كانت هذه المسألة تؤثر كثيراً على عمل الدعاة والمحتسبين والمجاهدين وعلى كافة التيارات الإسلامية العاملة في مجال النهوض بالإسلام بسبب موقعها الحساس والمتعلق بالأنظمة الحاكمة لديار المسلمين ، ولما كانت حاجة جميع المهتمين بالإسلام علماً وعملاً في هذه الأزمان شديدة إلى العلم بتلك القواعد والعمل بها من أجل تصحيح جميع المسارات الدعوية والتعليمية والتربوية والحسبية والجهادية العاملة لدين الله ، ولما كانت هذه المسألة من مسائل الفقه السياسي الإسلامي  الذي بات من أشد مجالات الفقه الإسلامي في حاجة إلى بيان القواعد الشرعية الصحيحة التي تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم استعنت بالله تعالى واجتهدت ما استطعت في إخراج هذا الكتاب تأصيلاً للمسألة واسهاماً في بيان الحق وأرجو من الله تعالى أن ينفع به ، إنه سميع مجيب الدعاء

***

 

القاعدة الثانية

فقه آيات من كتاب الله تعالى تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم

 

(  1 ) قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } [ النساء : 59 ] ، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله ، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، قال الطبري : (يعني بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم، أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم فاشتجرتم فيه فردوه إلى الله ، يعني بذلك فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه من عند الله، يعني بذلك من كتاب الله فاتبعوا ما وجدتم ، .. فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك أيضا من عند الرسول إن كان حيا، وإن كان ميتا فمن سنته) [ تفسير الطبري 8 : 504 ] ، ولهذا جعل الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ، ولا شك أنّها فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث الذي أخرجه مسلم - وسيأتي بيانه في المبحث التالي - : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ]

( 2 ) قول الله تعالى - آمراً نبي الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام - : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ويؤيده قوله تعالى : { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى }[ النازعات : 17 إلى 19 ] ، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه فقد جعل أهل مصر شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم ، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون ، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى ، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم ، وذلك لأنّه الاقرب إلى استجابة الحاكم للنصيحة والعمل بها ، وليس مقصود النصيحة سوى ذلك ، والشدة والغلظة في القول مع الحاكم لا تؤتي ثمارها ، لأنّ السلطة بيده ، فالشدة لا تناسبه ، وقد تعني تهديده ووعيده ، وهذا يصرفه عن سماع النصيحة إلى البطش بالناصح أو على أقل تقدير عدم الاستفادة من نصيحته ،

( 3 ) قول الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ البقرة : 258 ] ، فالقرآن الكريم يعلمنا كيف يكون الحوار مع الملوك ، والملك هبة يؤتيها الله تعالى من يشاء من عبادة ، لا ينبغي لآحاد المسلمين أن يتطلع إليها ، ولا أن يزاحم أهلها فيها ، وذلك حتى يستتب الأمر ويظهر الأمن ويتفرغ الحاكم والمحكوم كلٌ لأداء مهامه التي يحاسبه الله تعالى عليها ، وقد أخرج مسلم في صحيحه ، كتاب الإمارة ، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها ، عن أبي موسى رضي الله عنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : (( إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه )) ، الشاهد من الآية : أنّ نبي الله تعالى إبراهيم عليه السلام يخاطب الملك الكافر بمنتهى الحكمة واللين ، وهو خليل الرحمن وأبو الأنبياء عليه السلام ولو دعا على الملك الكافر دعوة لأنهى ملكه وسلطانه ، ولكنها حكمة النبوة في معاملة الحكام والملوك ،

( 4 ) قول الله تعالى : - حكاية على لسان نبي الله يوسف عليه السلام - : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [ يوسف : 101 ] ، فدل ذلك على أنّ الملك منّة ونعمة من الله تعالى ، لما يترتب على صلاحه من صلاح أمور المسلمين ، قال ابن كثير في تفسيره للآية : ( هذا دعاء من يوسف الصديق ، دعا به ربه عز وجل ، لما تمت النعمة عليه ، باجتماعه بأبويه وإخوته ، وما من الله به عليه من النبوة والملك ، سأل ربه عز وجل كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة ، وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه ، قاله الضحاك ، وأن يلحقه بالصالحين ، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين ) أهـ

(  5  ) قول الله تعالى - في قصة طالوت وجالوت وإيتاء الله تعالى الملك لنبيه داود عليه السلام - : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [ البقرة : 251 ] ، فقد امتن الله تعالى على بني اسرائيل بأنّه سبحانه آتى دواد الملك والحكمة والعلم ، ثم قال سبحانه : { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } ، قال الألوسي في تفسير هذه الآية : ( وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك، وأنه لولاه ما استتب أمر العالم ، ولهذا قيل : الدين والملك تؤامان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الأخر، لأن الدين أس والملك حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع ) [ روح المعاني (1/174 ) ] أهـ ، ونقل بدر الدين ابن جماعة عن الطرطوشي في قوله تعالي : { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ } [ البقرة : 251 ] ، قال : ( قيل في معناه : لولا أن الله تعالي أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف، وينصف المظلوم من ظالمه، لتواثب الناس بعضهم على بعض، ثم أمتن الله تعالي على عباده بإقامة سلطان لهم بقوله { وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ } [ تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام  ( ص 49 ) ] ، فوجود الحاكم منّة ونعمة من الله تعالى ، وفي غيابه فساد الأرض ، وقد قيل : ( ستون سنة في ظل حاكم ظالم أهون من ساعة في غياب حاكم )

***

 

القاعدة الثالثة

فقه أحاديث نبوية شريفة في بيان العلاقة بين الحاكم والمحكوم

 

( أ ) القسم الأول : أحاديث تأمر بالصبر على جور الحكام المسلمين ، وعدم الخروج عليهم

[ الـحديث الأول ] : أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا : أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا ، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا  )) - إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية - ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (( وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ  )) ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، فهذا معنى البواح ، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط ، (( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) ، [ الـحديث الثاني ] : أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ، ما كانوا مسلمين ، [ الـحديث الثالث ] : أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ، قَالُوا : قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم ، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد ، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط ، (( قَالَ : لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ )) ، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد ، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة  (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) ، [ الحديث الرابع ] : أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث السابق : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ، [ الـحديث الخامس ] : أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا : يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، وهذا الحديث يدلنا على فقه انكار المنكر المتعلق بالحكام المسلمين الجائرين ، فمن كره مناكرهم ولم يتابعهم عليها فقد برئت ذمته (( فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ )) ، ومن ناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقد سلم من غضب الله تعالى على مرتكبي المنكر (( وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ  )) ، ومن رضي بمنكرهم وتابعهم على ظلمهم وفسادهم فعليه ما عليهم من السخط والعذاب ((وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ  )) ، ثم وضح الحديث الشريف ضابط الخروج عليهم ومقاتلتهم ، ألا وهو ترك الصلاة ، لأنها صلة العبد المسلم بربه ، فمن تركها فقد كفر ، وترك الصلاة وإن كان عند جماهير الفقهاء كفر دون كفر ، إلا أنّ تركها يدل على مبلغ الفساد والفسوق والظلم الذي لا يصلح معه المرء أن يكون حاكما للمسلمين ، ولكن لا يكون الخروج إلا مع استيفاء شروط القدرة ووجود الإمام البديل الذي يجتمع عليه أهل الحل والعقد من المسلمين ، وإلا فالصبر مع الجهر بالحق وانكار المنكر أولى من المجازفة بالمسلمين وإيرادهم المهالك ،  [ الـحديث السادس ] : أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ : سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية ، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية ، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم ، ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) ، [ الـحديث السابع ] : أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري ( 7053 ) ، ومسلم (1851) ] ، وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم ، ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر  )) ، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية ، ((مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) ، [ الـحديث الثامن ] : أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) [أخرج مسلم (1836) ] ، يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم ، ((  وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) ،  [ الـحديث التاسع ] : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام  للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً ، [ الـحديث العاشر ] : عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ، وفيه دليل على أنّ طاعة أولى الأمر من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعصية أولى الأمر من معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الطاعة مقيدة بما إذا لم يأمروا بمعصية الله تعالي فإذا أمروا بمعصية فلا يطاعون في هذه المعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وقد شهدت السنة بهذا القيد في أحاديث عديدة يأتي إن شاء الله ذكرها ،  [ الحديث الحادي عشر ] : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) كتاب الأحكام » باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ] ، وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة ، مبالغة في الأمر بالطاعة ، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة ، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش ، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا ، [ الـحديث الثاني عشر ] : أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا ،  [ الـحديث الثالث عشر ] : أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول : (( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) [ أخرجه البخاري ح  ( 6673 )، ومسلم ح  ( 1847 ) ] ، وفيه اولوية التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام ، [ الـحديث الرابع عشر ] : أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )) [ أخرجه مسلم ح ( 1853 ) ] ، والحديث يدل على خطورة الأمر وأنّه لا هزل فيه ، وأنّ سفك دم الخارج على الحاكم أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج ،  [ الـحديث الخامس عشر ] : أخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان )) [ أخرجه مسلم ح ( 1852 ) ] ، والحديث فيه الأمر بقتال من خرج على الحاكم المسلم ، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ، [ الحديث السادس عشر  ] : أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم )) [ أخرجه البخاري ح ( 3268 ) ، ومسلم ( 1842 ) ] ، والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان ، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم ، الله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم ، [ الحديث السابع عشر ] : أخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا )) [ أخرجه مسلم ح ( 1298 ) ] ، والمراد هاهنا كما ذكر النووي في شرح الحديث : ( فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى ، قال العلماء : معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم ، ولا يشق عليهم العصا ، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا ) أهـ [ شرح النووي على مسلم ج 9 /47 ] ، وقال السندي رحمه الله: ( يقودكم بكتاب الله : فيه إشارة إلى أنه لا طاعة له فيما يخالف حكم الله تعالى والله تعالى أعلم ) [ حاشية السندي على النسائي ج 7/154 ] ، فمعنى الحديث إن قادكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا، وإن لم يقدكم بكتاب الله؛ أي: إن أمركم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة ، قلت : وقد فهم البعض خطأً أنّ المقصود من الحديث الخروج على الحكام إن لم يحكموا بكتاب الله ، وهذا خطأ لأنّ المقصود هو الالتزام المجمل بالإسلام وبكتاب الله تعالى واعتقادهما ، وإلا فكل جائر أو ظالم أو فاسق فإنه لم يحكم بكتاب الله ، فهل يجوز الخروج عليه بمجرد جوره ومخالفته لكتاب الله تعالى ، والتفصيل في الأمر : أنّ عدم الحكم بما أنزل الله قد يرجع إلى الكفر به ، والكافر قد سقطت ولايته بالكلية لقوله تعالى : { وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النساء : 59 ] ، ف ( منكم ) تدل على أنّه لا يكون إلا مسلما ، وإلا لم يعد ولياً للأمر ووجب الخروج عليه عند توافر القدرة ، وقد يرجع عدم الحكم بكتاب الله تعالى إلى جور أو ظلم أو فسوق ، والجائر والظالم والفاسق هم من المسلمين ما اعتقدوا كتاب الله تعالى بقلوبهم وحكموا بغيره ، وهنا لهم الطاعة في كل ما ليس بمعصية ، فإن خالف كتاب الله ، فلا سمع ولا طاعة له فيما خالف فيه كتاب الله تعالى ، ولا ننزع اليد من طاعته فيما سوى ذلك ، مع النصح والصدع بالحق وإنكار المنكر في اطار الاعتراف بولايته ، [ الحديث الثامن عشر ] : عن الزبير بن عدي قال : (( أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ ، فقال : اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم )) [ أخرجه البخاري : ح : 7068 ] ، وفيه الأمر بالصبر على جور الحكام ، [ الحديث التاسع عشر ] : أخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال : (( قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها ، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها ؟ قال قلتُ : فما تأمرني ؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها . فإن أدركتَها معهم فصلِّ  ، فإنها لكَ نافلةً )) [ أخرجه مسلم ح ( 648 ) ]، وفيه الحرص على ملازمة الحكام ، حتى في الهيئة والصورة العامة ((فإن أدركتَها معهم فصلِّ  )) ، وذلك حتى لا تختلف الكلمة عليهم ،  [ الحديث العشرون ] : عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا : لمن ؟ قال : للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم )) [ أخرجه مسلم ح ( 55 ) ] ، وفيه الامر بإخلاص النصيحة للحكام والحرص على مصالحهم ، ( تنبيه ) ليس الهدف من ذكر تلك الأحاديث المبالغة في مداهنة الحاكم ، أو تنزيهه كما يفعل البعض من إضفاء صفات الكمال عليه ، وليس الهدف كذلك تبرير أخطاء الحكام ، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين  ، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ، كما سيأتي بيانها ، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم ، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ،  فإن معاداة الحكام لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ،

***

القسم الثاني :  أحاديث يُفهم منها الإنكار على الحكام وعدم السكوت على أخطائهم  ، وبيان فقه تلك الأحاديث وفق السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة

[ الحديث الأول ] : قوله صلى الله عليه وسلم : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))  [ أخرجه الترمذي ، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1 / 886 ، ح رقم 491) ] ، والفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط : ( الضابط الأول ) : أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية ، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات ، ( الضابط الثاني ) : الهدي القرآني في معاملة الحكام ، قال تعالى - آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام - : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ( الضابط الثالث ) : منطوق الحديث وفيه ((كلمة عدل عند )) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان ، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب ، وتقويض دعائم الحكم وهيبته ، ( الضابط الرابع ) : أن تكون كلمة حق صادقة ، فكم من كلمة حق أريد بها باطل ، فكل من له طمع بالملك لا ينبغي له أن يأمر أو ينهى حتى يعلم الحاكم أن ليس له طمع في كرسي الملك وأنّ الآمر الناهي القائل بكلمة الحق لم يخلع يداً من طاعة ، وإنما قالها انتصاراً لدين الله تعالى ، خالصاً لله وحده ، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته ، ( الضابط الخامس ) : منطوق الحديث (( كلمة عدل )) أو في الرواية الثانية (( كلمة حق )) ، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه ، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة ، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله ، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته ، ( الضابط السادس ) : قائل الحق المجرد من أهواء النفس إن سلمت له الضوابط السابقة فإما أن يكون آمنا على نفسه فيجب عليه الإنكار انتصارا لدين الله تعالى ، وإما أن يكون غير آمن على نفسه ، وآنذاك فإن كان قتله أو أذاه سوف يعود على الدين بالعزة والنصر ، فهذا هو الذي يُشرع له ذلك ، وإما أنه لن يعود على الدين بنفع ولا ضر ، فله أن يجهر بالحق ، وإما أن يلحق بالدين او بالمسلمين غيره مفاسد عظيمة ، كأن ينتقم الحاكم من طائفة من المسلمين بسببه ، وآنذاك لا يكون جهره بالحق جائزا ، بل له أن يُسر النصيحة إلى الحاكم دون الجهر بها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ )) [ أخرجه أحمد (15333)، والبيهقي في ( الكبير ) (16660) ، قال الأرناؤوط : صحيح لغيره دون قوله : من أراد أن يَنْصَحَ لسلطان بأمرِ .. فحسن لغيره ] ، وكما أخرج البخاري ومسلم عن أبي وائل ، قال قيل لأسامة رضي الله عنه : (( أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ ؟ فَقَالَ : أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ )) [ متفق عليه : أخرجه البخاري (3267)، ومسلم (2989) ] ،  

[ الحديث الثاني ] : أخرج أحمد [ ح : 6520 ] ، والحاكم في المستدرك [ ح (7036) ] : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني ثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي ثنا أبو نعيم و أبو حذيفة قالا : ثنا سفيان عن الحسن بن عمرو عن محمد بن مسلم بن السائب عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم  )) ، قال الحاكم : صحيح الإسناد و لم يخرجاه  ، ووافقه الذهبي ، والسيوطي وأحمد شاكر ، والأربعة - كما ذكر علماء الحديث - متساهلون في الحكم على الحديث ، والحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، وقد ضعفه الألباني والأرناؤوط والوادعي والحويني ،  ( أ ) ذكر من صحح الحديث : الحديث ذكره المنذري في الترغيب والترهيب [ 3: 172 ] وقال: "رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد" أهـ ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير ( رقم 627)، ونسبه لأحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد [ 7 : 262 ]  وقال : "رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح ، وكذلك رجال أحمد ، إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط، فلذلك لم أذكره" أهـ ،  ( ب ) الحديث ضعفه الشيخ الالباني في السلسلة الضعيفة رقم (577 ) [ ج 2 : 45 ] ، وقال : " ضعيف ، أخرجه أحمد ( رقم 6520 ) و الحاكم ( 4 / 96 ) من طريق أبي الزبير عن عبد الله بن عمرو مرفوعا ، قال الحاكم : " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي ، و أقول كلا ليس بصحيح ، فإن أبا الزبير لم يسمع من ابن عمرو كما قال ابن معين وأبو حاتم ، .. و لذلك فإني أقطع بضعف هذا الإسناد . و الله أعلم . ،  ( ت ) الحديث ضعفه الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد (6521) ، وقال : " إسناده ضعيف ، رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن أبا الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدْرُس- لم يسمع من عبد الله بن عمرو، فيما قاله أبو حاتم في "المراسيل" ص 154" أهـ ، ( ج ) والحديث ضعفه الشيخ إسحاق الحويني في : " النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة " في الجزء الأول حديث رقم 28 ، وقال مقبل بن هادي الوادعي في تحقيقه على الحديث في مستدرك الحاكم :  [ ح : (7115  ) ] ، قال :" محمد بن مسلم هو محمد بن مسلم بن تدرس وليس بابن السائب , قال البيهقي : ان ابا الزبير لم يسمع من عبد الله بن عمرو فهو منقطع أهـ من فيض القدير بتصرف , وكذا في " جامع التحصيل " عن ابن معين وابي حاتم لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص أهـ , وقوله هنا ابن السائب غلط فهو ابن تدرس " أهـ  ، ( ث ) : فقه الحديث على اعتبار قبوله سنداً : الحديث عام في كل ظالم ، وهو من باب إنكار المنكر ، وقد جاءت الشريعة بإنكار المنكر ، وهو أحد أسباب خيرية هذه الأمة  ، كما قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ  }  [آل عمران: 110] ، وهو أبرز صفات المؤمنين ، كما وصفهم الله تعالى بقوله تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 71] ، ولابد من أن يكون في الأمة من يجهر بالحق ، ويقول للظالم أنت ظالم ، ولابد من إنكار المنكر ، ولكن إذا تعلق الأمر بالحكام وولاة الأمور ، فلابد من فهم الحديث في إطار أحكام إنكار المنكر على الولاة والتي قررها الفقهاء ، من خلال فهم قوله تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } [ النحل : 125 ] ، وقوله تعالى : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 44 ] ، ومن خلال فهم الأحاديث الصحيحة المحكمة كحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وحديث حذيفة رضي الله عنه : (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وحديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، وحديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها : (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وحديث  عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، وفي ظل الطاعة في المعروف والاحترام الذي فرضه الله تعالى على المسلم لمن ولاه الله تعالى أمر المسلمين ،  ولا ينبغي أن يتعدى إلى تهديد أو حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة ، أو إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات ، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله ، وكل ذلك افتيات على هيبة ولي الأمر وسلطته ، ثم لا ينبغي أن ننسى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية ، مما يؤول إلى الفوضى والهرج والمرج  ، 

[  الحديث الثالث ] :  أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) [  صحيح مسلم ح ( 50 ) ] ،  قال ابن رجب في شرح الحديث : (  هذا يدل على جهاد الأمراء باليد وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود وقال هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة  ، وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال وقد نص على ذلك أحمد أيضا في رواية صالح فقال التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين ، نعم إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره ومع هذا متي خاف على نفسه السيف أو السوط أو الحبس أو القيد أو النفي أو أخذ المال أو نحو ذلك من الأذى سقط أمرهم ونهيهم وقد نص الأئمة على ذلك منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم قال أحمد لا يتعرض إلى السلطان فإن سيفه مسلول ) [ جامع العلوم والحكم : ( 1/322 ) ] ،  [ قلت ] : يحتاج هذا الحديث إلى عدة توضيحات تبين المراد منه ، ( الأول ) : الحديث لم يذكر جهاد الأمراء صراحة ، فهو يتناول جهاد الفرق الضالة كالخوارج وغيرهم ، ويتناول الطوائف المنحرفة كالمنافقين والزنادقة ، قال ابن الصلاح : ( وما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم وليس في لفظه ذكر هذه الأمة والله أعلم ) أهـ [ صيانة صحيح مسلم (209)   ] ، ( الثاني ) الحديث يتناول الأمم السابقة كما يدل على ذلك نصه ، ولا يمنع دخول أمة الإسلام في الخطاب ، بخصوصية معاملة حكام المسلمين لأنّ الأحاديث الصحاح الكثيرة - وقد تقدم جزء منها - على ضرورة الصبر على جور الحكام وعدم الخروج عليهم بالسلاح ما أقاموا الصلاة وما لم نر منهم كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ، ( الثالث ) هذا الحديث بالرغم من وجوده في صحيح مسلم إلا أنّ الإمام أحمد ابن حنبل تكلم فيه ، ، فقد جاء في مسائل الإمام أحمد : أنّه سئل عن هذا الحديث فقال : ( الحارث بن فضيل - وهو من رواة الحديث - ليس بمحمود الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود , ابن مسعود يقول قال رسول الله : (( اصبروا حتى تلقوني )) ، [ مسائل الإمام أحمد  صـ 307 ] ، ( قلت ) : وقد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ( ج 1/ 346  ) ، ولم يخرجه في الصحيح ، ولعله لتلك العلة ترك تخريجه في الصحيح  ، قال ابن الصلاح : إن هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاري وقد أنكره أحمد بن حنبل فيما بلغنا عن أبي داود السجستاني في مسائله عن أحمد قال : الحارث بن فضيل ليس بمحفوظ الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وذكر أحمد قوله صلى الله عليه وسلم (( اصبروا حتى تلقوني )) [ صيانة صحيح مسلم (209) ] ،  ( الرابع ) : لابد من التفريق بين نوعين من الإنكار  ، فأما الإنكار بمعنى الخروج عليهم وخلع بيعتهم ؛ ففي هذه الحالة لا يجوز الإنكار عليهم إلا بشرطين : ( أولهما ) : أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل ، و ( الثاني ) : أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق ؛ لما يُفضي على الأمة من الشرور ، ولما يولد من المفاسد ، ولما ينتج عنه من محو لرسوم الدين، قال النووي : (  وأما الخروج عليهم، وقتالهم ؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين؛ فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 229 ) ] ، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالصبر ، وتنهى عن الخروج ، وقد تقدم ذكرها ، وأما الإنكار الثاني ، فهو الإنكار في ظل احترام البيعة له ، والتزام السمع والطاعة له في غير معصية ، ويتمثل في : الإنكار بصورة اسداء النصيحة له بإخلاص ، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، قال الحافظ أبو عَمْرو ابن الصلاح: "وما ورد في هذا الحديث مِن الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان : فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة. على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظه ذِكر هذه الأمة. والله أعلم" اهـ [  صيانة صحيح مسلم صـ 209 ] ، 

[ الحديث الرابع ] :  حديث أبي سعيد الخدري : قال صلى الله عليه وسلم : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) [ أخرجه مسلم ]  ، وهذا الحديث عام في بيان مراتب إنكار المنكر ، ولكن لفقهاء أهل السنّة والجماعة تفصيل في باب الإنكار على الأمراء ، وأنّه لا يجوز أن يتعدى الإنكار باللسان حتى لا يؤول إلى منكر أكبر ، ولا يكون بالتحزب وحمل السلاح ، وغير ذلك من الضوابط التي دلت عليها السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة ، ومن أهم ذلك ، أن يكون مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، كما أنّه  ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وضياع الأمن ومصالح المسلمين ، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين ، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين ،  وحديث (( من رأي منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )) ، فهذا حديث خطاب لجميع الأمة ، وعموم الحديث يقضي بمشروعية الإنكار باليد لمن قدر عليه ، ولكن هذا مشروط بشروط منها : ألا يفضي إنكاره هذا إلي منكر اشد منه ، وأن لا يكون الإنكار باليد مما اختص السلطان به شرعاً كإقامة حد ، أو شهر سيف ، ونحو ذلك ، وهذا كله فيما إذا كان صاحب المنكر غير السلطان ، فإن كان السلطان ، قال ابن النحاس في تنبيه الغافلين ( ص 46 ) : ( فليس لأحد منعه بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أواناً لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وغير ذلك مما لا يخفي )  ، وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله - : ( لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول ) [ الآداب الشرعية ( 1/ 197 ) ] ،  قال ابن مفلح في  الآداب الشرعية : (( ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك. ذكره القاضي، وغيره ، والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير وإلا سقط وكان حكم ذلك كغيره ، والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين : التعريف والوعظ فأما تخشين القول نحو : يا ظالم ، يا من لا يخاف الله ، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز ، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء ، قال : والذي أراه المنع من ذلك )) أهـ [ الآداب الشرعية ( 1/195-197 ) ] ، وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ص 64 ) ( ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها ) اهـ ،

[  الحديث الخامس ] : حديث أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تقرؤون هَذِهِ الْآيَةَ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ  )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه والنسائي وابن حبان في صحيحه ، وقال المنذري في الترغيب والترهيب ج 3/232  " إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما " وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي وصحيح الجامع الصغير ] ، وفي رواية : (( أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه ، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده  )) [ أخرجه أحمد في مسنده ( 1 / 2 ) وأبو داود برقم ( 4338 ) والترمذي برقم ( 2168 ) ( 3057 ) وابن ماجه ( 4005 ) والنسائي في الكبرى ( 6 / 338 ) ]  ، ( قلت ) : الحديث عام في كل ظالم ((  إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ  )) ، ولكنه مخصوص في الحاكم الظالم ، فيستثنى من عموم الحديث ، وسبب ذلك  هو عموم الأحاديث التي تأمر بالصبر على الحاكم الظالم وتنهى من الخروج عليه ، وما قيل في الأحاديث السابقة يُقال هنا : من أنّ انكار منكر الأمراء له أحكام تختلف عن عامة الرعية ، وله ضوابط عديدة لا ينبغي تجاوزها وإلا آل الامر إلى الفتنة ووقوع مناكر أشد من المنكر المراد تغييره ،

[ الحديث السادس ] :  قوله  صلى الله عليه وسلم  : (( لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرًا ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم )) [ رواه أبو داود ، ح رقم (4336) و (4337) ، والترمذي وحسنه ، ح رقم (3050) ، وابن ماجه ، ح رقم (4006) ، وأحمد 1/391 ] ، ( قلت ) : الحديث عام في إنكار المنكر على كل ظالم ، و إنكار المنكر سبب النجاة من عذاب الدنيا ، كما في قوله تعالى : { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } [الأعراف: 165] ، وقوله تعالى : {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } [ هود : 116 ] ، ولابد من أن يكون في الأمة من يجهر بالحق ، ويقول للظالم أنت ظالم ، ولابد من إنكار المنكر ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه عمهم الله بعقابه )) ، وهذا على وجه العموم ، ولكن إن تعلق الأمر بولاة الأمور ، فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالكَف ، والصبر ، وتنهى عن الخروج ، وأنّه لا يجوز إلا بشرطين : ( أولهما ) : أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل ، و ( الثاني ) : أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق ؛ لما يُفضي على الأمة من الشرور ، قال النووي : (  وأما الخروج عليهم، وقتالهم ؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء : وسبب عدم انعزاله ، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين؛ فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 229 ) ] ،

***  

 

القاعدة الرابعة

حدود طاعة الحاكم المسلم

 

 

حدود طاعة الحاكم المسلم متعلقة بالاستطاعة وبالطاعة في غير معصية ، والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر وحتى في حالة الأثرة والظلم تجب طاعة الحاكم فيما ليس من معصية الله ، واسداء النصيحة له بإخلاص ، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته  ، ( أ ) الاستطاعة : لقوله تعالي: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  } [التغابن: 16] ، ولما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث  عبد الله بن عمرو بن العاص : (( ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع ))  [أخرجه مسلم : ح ( 1844) ] ،  ( ب ) الطاعة في غير معصية :  لما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955)، ومسلم ح (1709) ] ، فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ، ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث الذي أخرجه مسلم : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ، ( ت ) الصبر على المكروه :  للحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما : (( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتة جاهلية )) [ متفق عليه (صحيح البخاري برقم 7053 وصحيح مسلم برقم 1849) ] ، ( ث ) الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وحتى في حالة الأثرة عليه وظلمه وأخذ ماله وجلد ظهره ، للحديث المتفق عليه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056)، ومسلم (1843) ] ، وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا  )) - إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية - ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم ((وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ  )) ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، فهذا معنى البواح ، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط ، (( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) ، ولحديث مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ، ما كانوا مسلمين ،  ( ج ) اسداء النصيحة له بإخلاص ، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، وقد جعلت الشريعة بحكمة سياستها الشرعية ، أنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وضياع الأمن ومصالح المسلمين ، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين ، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين ،

***

 

 

القاعدة الخامسة

حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم

إنّ من الفقه في الدين أن يعلم المسلم حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، فإذا كان إنكار منكر من جعلك الله تعالى ولياً لأمرهم كالأبناء ومن تعول يختلف عن إنكار منكر من لا تعول ومن ليس لك عليهم ولاية ، وهذا كذلك يختلف عن إنكار منكر أحد الوالدين مثلاً ، فإن لكل مقام مقال ، وقد جعلت الشريعة الحكيمة لكل عمل حكمه الخاص به ، وقد ذكرت سابقاً : أنّ السياسة الشرعية الحكيمة جعلت اسداء النصيحة للحاكم  بإخلاص ، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، وأنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ،  قال ابن مفلح في  كتابه الآداب الشرعية  : (( ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك ، ذكره القاضي، وغيره ، والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير ، وإلا سقط المنكر مع السلاطين بالتعريف والوعظ ، فأما تخشين القول نحو : يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء ، قال : والذي أراه المنع من ذلك )) أهـ [ الآداب الشرعية ( 1/195-197 ) ] ، وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ص 64 ) ، (( ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها ))  اهـ ، وقال الشوكاني في [ السيل الجرار (4/556 ) ] : ( ينبغي لمن ظهر له غلط في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد ، بل كما ورد في الحديث : أنه يأخذ بيده ويخلوا به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله ، وقد قدمنا : أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعني متواترة ، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ،ويعصيه في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) أهـ ،  ( قلت ) : فإذا كان هذا كلامه في حق عامة أصحاب النفوذ ، فكيف بالسلطان ، ويؤيد ذلك : ما أخرجه الشيخان  في صحيحيهما [ البخاري : ح ( 3267 ) ، ومسلم : ح ( 2989 ) ]  عن أسامة بن زيد ، أنه قيل له : ألا تدخل على عثمان لتكلمه ؟ فقال : ( أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم ؟  والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه )) ، قال الحافظ ابن حجر في [  الفتح ( 13/52 ) ] ، قوله : (( قد كلمته سراً دون أن أفتح باباً ))، أي باب الإنكار على الأئمة علانية ، خشية أن تفترق الكلمة ... وقال عياض : مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سراً ، فذلك أجدر بالقول. اهـ. ، وما  أخرجه الترمذي في [ سننه : ح ( 2225 ) ] : قال : حدثنا بندار : حدثنا أبو داود : حدثنا حميد بن مهران، عن سعد بن أوس، عن زياد بن كسيب العدوى، قال : كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق -، فقال أبو بلال : انظر إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق ! فقال أبو بكرة : اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( من أهان سلطان الله في الأرض  أهانه الله )) ، قال الترمذي : حسن غريب  اهـ ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (5/42 ) من الطريق نفسه دون ذكر القصة ولفظه : (( من أكرم سلطان الله في الدنيا، أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله في الدنيا، أهانه الله يوم القيامة )) ، وما أخرجه ابن أبي شيبة في [ المصنف  ( 15/74- 75 )  ] ،  وسعيد بن منصور في (( سننه ( 4/1660 ) )) عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، قال : قال عبد الله : (( إذا أتيت الأمير المؤمر، فلا تأته على رؤوس الناس ))  ، ولله در الإمام النووي حيث يقول : ( التأدب مع الكبار، وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه، ولا يجاهرون فقد يكون في المجاهرة به مفسدة ) اهـ [ شرح النووي : 7/148] ،

***

القاعدة السادسة

فقه الدعوة في إنكار المنكر على ولاة الأمور

جاء في كتاب فقه الدعوة في إنكار المنكر لعبد الحميد البلالي : ( الإنكار على أصحاب النفوذ : أصحاب النفوذ هم أصحاب اتخاذ القرار في كل مكان، سواء في البلد ككل أو في الوزارة، أو مكان العمل، فصاحب القرار قد يكون رئيساً للدولة أو يكون وزيراً، أو يكون مديراً، أو رئيس قسم وهكذا ، وكل هؤلاء يستمد سلطته وقراره من المسؤول الأول في البلاد. وقديماً قيل : (( إذ صلح الراعي صلحت الرعية ))، وقيل أيضاً: (( الناس على دين ملوكهم )) وقيل : (( كما تكونوا يولى عليكم )) ومما يرويه التاريخ لنا أن أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه ، عندما جيء بتاج كسرى إليه قال : ((إن قوماً أدوا هذا لأمناء)) ، فقال له على : (( إن القوم رأوك عففت فعفوا ، ولو رتعت لرتعوا )) [ تاريخ عمر : 188 ] ، فالناس من طبعهم التأثر برؤسائهم. فإذا كانوا يقلدونه في ملبسه، وعاداته الخاصة، فهم كذلك على استعداد في تقليده في صلاحه وتقواه وورعه وإخلاصه؛ ولهذا السبب قال الإمام ابن الجوزي : (( وأولى من أهديت إليه النصائح السلطان )) ويعلل السبب بقوله : (( لأن في صلاحه صلاح الخلق كلهم )) ؛ ولذلك قال الحكماء : ((صلاح الوالي خير من خصب الزمان)) وقال الأحنف لمعاوية: (( أنت الزمان فإن صلحت صلح الناس )) [المصباح المضئ 1/183 ] ، .. [ مسوغات الإنكار على أصحاب النفوذ ] : ( المسوغ الأول ) : إن تأثير السلطان على من دونه من الشعب كبير، فكيفما يكون يكونون هم، وهذا ما ذكرناه آنفا ، ( المسوغ الثاني )  : النجاة من العذاب ، وذلك لقوله  : (( إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ولا تغيره، فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة )) [ قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات – مجمع الزوائد – 7/268 ] ، وحالة الإهلاك  لا تحدث حتى يقوم أصحاب النفوذ ببعض المناكر والتي يستطيع العوام نكارها عليهم دون أن يترتب على ذلك أي ضرر. وذلك ظاهر بقوله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( إذا رأيت آمتي تهاب الظالم أن تقول له : أنت ظالم، فقد تودع منها )) [قال الهيثمي : رواه أحمد والبراز بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح – مجمع الزوائد 7/262 ] ، ( المسوغ الرابع ) : الثقة الثواب : قد يقع الضرر الناتج من البلاء بسبب أمر بمعروف أو نهى عن منكر يقوم به الداعية هنا أو هناك، وللبلاء ألوان، وليس بالضرورة أن يكون تعذيباً جسدياً، فقد يكون في التغرب بعيداً عن الوطن، وقد يكون في مصادرة الأموال، وقد يكون في التهديد النفسي بالاعتداء على الأعراض، وقد يكون في التضييق والمراقبة الدائمة، وقد يكون بتشويه السمعة والاتهام بغير حق، وقد يكون بغير هذه الصور والتي يتفنن في ابتكارها أعداء الله. ولكن ما يصيب الداعية من هذا كله أو بعضه يسبب له ضغطاً نفسياً ربما يؤدي  به إلى بغض المجتمع واعتزاله، وتكفير الولاة، وربما أدي  على سقوطه وعودته للجاهلية، فما لم يستشعر الداعية بالثواب العظيم بسبب ما يلاقى من بلاء، فإنه ليس بمأمن من النتائج السلبية التي ترافق البلاء، والتي تؤدي  إلى شلل عملية الإنكار أو إصابتها بعاهة مستديمة ، فلابد من تربية جيل الصحوة على استشعار الثواب، اقتداء بالصحابي عمير بن حبيب بن حماشة والذى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم  عند احتلامه، عندما أوصى ولده فقال له: (( يا بني  إياك ومجالسة السفهاء، فإن مجالستهم داء، ومن يحلم عن السفيه يسر، ومن يجبه يندم ،ومن لا يرض بالقليل مما يأتي به السفيه، يرض بالكثير، وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر على الأذى، ويثق بالثواب من الله تعالى، فإنه من وثق بالثواب من الله عز وجل لم يضره مس الأذى )) [ قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات – مجمع الزوائد 7/266 ] ، بل إنه لا يذوق حلاوة الإيمان ولذته إلا تحت السياط والتعذيب، وفي ظلمات السجون والتضييق، وتجعله ينطق كما نطق أخوه هاشم الرفاعي : ((قد عشت أو من بالإله ولم أذق إلا أخيراً لذة الإيمان)) [شعراء الدعوة الإسلامية 3/51 ] ، ( المسوغ الخامس ) : سؤال الله تعالى يوم القيامة ، ولو كان هذا المسوغ هو وحده الذى يدفعنا للإنكار على أصحاب النفوذ أو غيرهم لكفى. فعن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمراً عليه فيه مقال، ثم لا يقوله، فيقول الله: ما منعك أن تقول فيه، فيقول : رب خشيت النا، فيقول : فأنا أحق أن تخشى )) [ أخرجه الإمام أحمد . قال الساعاتي : جاء عند ابن ماجه فيقول – يعنى الله عز وجل - : ((فإياي كنت أحق أن تخشى )). قال البوصيري في زوائد ابن ماجه : (( وإسناده صحيح ، ورجاله ثقات))- الفتح الرباني 19/174 ] ، ( المسوغ السادس ) : ما أورده الإمام أحمد في مسنده عن الرسول صلى الله عليه وسلم  : ((إن من أمتى قوماً يعطون مثل أور أولهم فينكرون المنكر )) [ رواه الإمام أحمد في مسنده 4/62 ، وصححه الألباني ص ج ص 2220 ] ، قال المناوي : (" إن من أمتى قوما)) أى جماعة لهم قوة في الدين ((يعطون مثل أجور أولهم )) أي يثبهم الله مع تأخر زمنهم مثل إثابة الأولين من الصدر الأول الذين نصروا الإسلام وأسسوا قواعد الدين، قيل : من هم يا رسول الله؟ قال : هم الذين ينكرون المنكر )) [  فتح القدير 2537   ] ، ( المسوغ السابع : سيد الشهداء ) إن جمهور الدعاة إلى الله ليتمنون هذه النهاية التي هي من خير الأعمال التي يختم بها لاعبد حياته في هذه الدنيا ليكون شهيداً في سبيل الله، فيكف إذا مات وهو سيد الشهداء ؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم  : " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله )) [  رواه الحاكم في المستدرك وحسنه الألباني ص ج ص 3569 ] ، يقول الإمام المناوي : ( فحمزة سيد شهداء الدنيا والآخرة، والرجل المذكور سيد الشهداء في الآخرة لمخاطرته بأنفس ما عنده وهى نفسه في ذات الله تعالى ) أهـ [فيض القدير 4/121 ] ، [ حديث الإنكار على الأمراء ] : عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال : (( إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضى وتابع. قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال : لا ما صلوا )) [ رواه مسلم 63 كتاب الإمارة ] ، وهذا الحديث وإن كان مختصاً فيمن يحكم بما أنزل الله من الخلفاء وغيرهم ممن يفعلون بعض المعاصي ما يجعل عملهم خليطا بين ما هو موافق للشرع، وما هو مخالف له، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم  يرسم في هذا الحديث خطوطاً عريضة لنوع خاص من الإنكار، وهو ما يختص بأصحاب النفوذ والسلطان ، يقول الإمام النووي : ( (( فتعرفون وتنكرون )) أي تعرفون بعض أحوالهم وأقوالهم لموافقها للشرع، وتنكرون بعضها لمخالفتها له ((فمن كره)) ذلك المنكر بلسانه، بأن أمكن تغييره بالقول فقد ((برئ)) من النفاق والمداهنة ((ومن أنكر)) بقلبه فقط، ومنعه الضعف من إظهار النكير فقد ((سلم)) من العقوبة على تركه النكير ظاهراً ((ولكن من رضى )) أي من رضى بالمنكر ((وتابع)) عليه في العمل فهو الذى لم يبرأ من المداهنة والنفاق، ولم يسلم من العقوبة، فهو الذى شاركهم في العصيان، واندرج معهم تحت اسم الطغيان )) [ فيض القدير 47/99 ] ، ويقول الإمام النووي : (( وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضا به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه )) [  شرح مسلم للنووى 12/243  ] ، نستخرج من ذلك أنه لابد من الإنكار على أصحاب النفوذ، ولكن بأسلوب يختلف مع من دونهم، وذلك لما يترتب في الغالب على الإنكار عليهم من المفاسد التي تضر الدعوة والدعاة، فتسبب إعاقة العمل عن تكوين القاعدة الصلبة من خلال الجمهور ،  وحتى تخرج الحركة الإسلامية نفسها من إثم السكوت على المنكر ومن حمى المداهنة والنفاق، لابد من الاستفادة من القواعد الثلاث المستخرجة من الحديث؛ لتكون المفتاح لقواعد الإنكار على أصحاب النفوذ ، ( القاعدة الأولى : الابتعاد عن الإنكار باليد ) :  يفضل الابتعاد عن الإنكار باليد معهم ما كان لذلك سبيل، كما ذكرنا ذلك في أكثر من موضع، ونظراً لما يترتب على ذلك من الضرر الكثير للدعوة والدعاة، ولا تستخدم اليد في رد المنكر من أصحاب النفوذ إلا في حالة الدفاع عن النفس والعرض ، ( القاعدة الثانية : الحكمة بالإنكار باللسان  ):  فمن أمكنه تغيير منكر السلطان باللسان، فله ذلك، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة، بل ويكون ذلك مرغوباً فيه إذا كان السلطان يستمع أو أنه مجبور على الاستماع بسبب ضغط شعبى أو لأى سبب آخر. وللحكمة صور كثيرة يمكن تطبيق كل منها في الوقت المناسب والظروف المناسبة، وأحد هذه الصور: إظهار حرص الداعية على السلطان وخوفه من النار ، ( القاعدة الثالثة : ترك الإنكار باللسان ) : أما إن كان السلطان من أصحاب البطش والقسوة، فحفظاً للحركة الإسلامية وأفرادها، ترجأ عملية الإنكار باللسان إلى أن يهيئ الله وضعاً يستطاع فيه الإنكار باللسان، وهذا لا يعني  عدم الإنكار بالقلب، وأنه كما قال الإمام النووي : ((لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضا به، أو بأن لا يكرهه بقلبه، أو بالمتابعة عليه )) ، هكذا تظل جذوة الإنكار مشتعلة في قلبه، حتى يغير الله وضعاً يستطيع فيه أن ينكر بلسانه أوب بيده، لتحرق تلك الجذوة الكامنة في قلبه المنكر الذى سكت عنه أيام الفتنة. وهكذا يكون فن الإنكار وفقهه، فلا نستبق المراحل حتى لا نندم ، .. ( القاعدة الرابعة : ضرورة إظهار الزهد في الرئاسة ) : الكثير من الولاة خطأ ، هو نفسه، أو يتم إقناعه من قبل بطانة السوء، أو أعداء الأمة عن طريق الصحابة المضللة أو الكتب المكذوبة، بأن هدف الحركة الإسلامية ، هو السيطرة على مقاليد الحكم، فيتخذ بسبب هذا الظن الخاطئ إجراءات احتياطية، كالتضييق على أفراد الحركة الإسلامية والسجن والاضطهاد والتشريد والاستئصال في بعض الأحيان، حين يبلغ به الظن إلى درجة اليقين، وفي لحظات الغضب الشديد، والتعلق العنيف بالعرش، تختلط عليه الأمور بين ادعاءات أعداء الأمة وافتراءاتهم، وتشويههم لمطالب الحركة الإسلامية، وبين مطالب الحركة الإسلامية الحقيقية، والتي هي (( الحكم بما أنزل الله )) دون الالتفات إلى شخصية الحاكم أو الطريقة التي أتى بها إلى سدة الحكم ما دام يحكم بما أنزل الله ويهيئ المجتمع لذلك، وأنهم ليسوا حريصين على أن يكونوا هم الحكام، وإنما حرصهم الأول أن يعود حق الله المسلوب من البشر، وتعود خاصية الإله التي أسندها الإنسان لنفسه دون وجه حق، فانتشر بسبب ذلك الظلم، وعم أرجاء العالم، واختل النظام، وأصبحت الفوضى هي القانون الذى يحكم البشر بعد أن غاب قانون الله وحكمه ، ولابد للدعاة وللحركة الإسلامية بمجموعها من إعلام الولاة بهذه الحقيقة، فلعل ذلك يكون سبباً لإزالة بعض العوائق عن طريقهم في تبليغ دعوة ربهم ، .. ( القاعدة الخامسة : ترك النصيحة في الملأ ) : وهو أصل عظيم، وقاعدة جليلة في الإنكار على أصحاب النفوذ، وقد مر معنا في حديثنا في بعض قواعد الإنكار كلام العلماء في ذلك وكراهيتهم لهذا الأمر. وإذا كانت النصيحة أو الإنكار في الملأ من الأمور المكروهة عند عامة الناس، فهى أشد كراهة في حق أصحاب النفوذ، وهى أكثر شدة عليهم ممن عداهم، حتى جعلت الرشيد، والذى يعتبر من خيرة خلفاء بني  العباس يذكر للأصمعي بعض مبادئ النصح لصحاب السلطان، كان أولها عدم النصح في الملأ، إذ يقول : (( يا عبد الملك، أنت أعلم منا ، ونحن أعقل منك، فلا تعلمنا في ملأ، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلا، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلغت من الجواب قدر الاستحقاق فلا تزد، إلا أن نستدعى ذلك منك. وانظر إلى ما هو ألطف في التأديب، وأنصف في التعليم، وأبلغ بأوجز لفظ غاية التقويم )) [ أدب الدنيا والدين : 91 ] ،  ( القاعدة السادسة : عدم إظهار الأستاذية ) : يقول الماوردي  : (( وليخرج تعليمه مخرج المذاكرة والمحاضرة ، ولا مخرج التعليم والإفادة ؛ لأن لتأخير التعليم خجلة تقصير، يجل السلطان عنها، فإن ظهر منه خطأ أو زلل، في قول أو عمل ،لم يجاهر بالرد ، وعرض باستدراك ذلك ، وإصلاح خلله ، وحكى أن عبد الملك بن مروان قال للشعبي كم عطاءك ؟ قال : ألفين ، قال : لحنت ، قال : لما ترك أمير المؤمنين الإعراب ، كرهت أن أعرب كلامي عليه ) أهـ [  أدب الدنيا والدين : 91 ] ، انظر إلى أدبه مع أمير المؤمنين، وفقهه بالإنكار، كيف أنه لم يبد له أنه أخطأ بالنحو، بل التمس له العذر، وجعله في موضع التارك للإعراب مع معرفته له ، فقال : (( لما ترك أمير المؤمنين الإعراب )) مراعاة منه لما يراود النفس من الغضب إذا تبوأت مثل هذا المنصب ، ( القاعدة السابعة : ترك التخشين في الموعظة ) : ونلتقى مرة ثانية مع الرشيد الذى علم الأصمعي مبادئ الإنكار على السلطان ، يتصدى  له ناسك لا يعرف شيئا من هذه المبادئ ، وأغرى حب الرشيد للعلماء واستماعه لمواعظهم ، فأغلظ له بالموعظة بينما كان في صيده، فقال له الرشيد : (( يا هذا ، أنصفني  في المخاطبة والمسألة ، قال الناسك : ذلك أقل ما يجب لك ، قال : أخبرني  ، أأنا شر وأخبث أم فرعون ؟ قال : بل فرعون ، قال : فأخبرني ، أأنت خير أم موسى بن عمران ؟ قال : بل موسى صفي الله وكليمه ، قال الرشيد : أفما علمت أنه لما بعثه الله وأخاه هارون إلى فرعون قال لهما : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر و يخشى } ، قال : نعم ، قال : هذا فرعون في عتوه وجبروته. أنت جئتني  وأنا بهذه الحالة التي تعلم، أؤدي  فرائض الله على ، ولا أعبد أحداً سواه ، أقف عند أكبر حدوده ، وأمره ونهيه ، فوعظتني  بأغلظ الألفاظ، وأشنعها ، وأخشن الكلام , وافظعه ، فلا بأدب الله تأدب، ولا بأخلاق الصالحين أخذت ، فما كان يؤمنك أن أسطو بك، فإذا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنياً ، قال الزاهد : أخطأت يا أمير المؤمنين، وأنا استغفرك  ، قال : قد غفر لك الله، وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يأخذها ) أهـ [ تاريخ الطبري ج8 ] ، وقد يكون الداعية متمنياً أن يموت خير ميتة، وأن يحوز على أعظم الجهاد بكلمة حق يقولها في وجه سلطان جائر، فيها من الغلظة والخشونة ما يناسب مناكر ذلك السلطان الجائر، ولكن لابد أن يزن الوضع الذى هو فيه، فإن كان الضرر الذى يعقب هذه الكلمة الخشنة منحصراً فيه هو، فن كان الضرر الذى يعقب هذه الكلمة الخشنة منحصراً فيه هو، فلا بأس بقولها إذا كان هذا هو الأسلوب الرادع لمثل هؤلاء الطواغيت، أما إذا علم أن الضرر سيتعداه لباقي أفراد الحركة الإسلامية، فلا يجوز، ويبين هذا الأمر الإمام ابن الجوزى إذ يقول : ((الجائز من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع السلاطين التعريف والوعظ، فأما تخشين القول، نحو يا ظالم، يا من لا يخالف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى  شرها إلى الغير لم يجز ، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عند جمهور العلماء )) [ الآداب الشرعية 1/197 ] ، ( القاعدة الثامنة : اختصار الموعظة ) : نقل ابن مفلح عن كتابه (( الآداب الشرعية )) قول على بن سليمان ((نه يستحسن مع الرؤساء الإيجاز والاختصار ؛ لأن الإكثار يضجرهم حتى ربما يصيرهم إلى استقباح الحسن مما يكاتبون به، والرد عما يسألون )) أهـ [ الآداب الشرعية 1/393 ] ، ذلك لأن كثرة انشغالهم بأمور الرعية، وما يتهددهم من مخاطر داخلية وخارجية ، ومتابعتهم للمسؤولين على مرافق البلد لا يجعل لهم متسعاً من الوقت للإصغاء للمواعظ المطولة والتي يغلب عليها الطابع الإنشائي أكثر من أي شيء آخر ، ( خاتمة ) : بعد عرض هذه القواعد المستنبطة من القرآن الكريم والسنة المطهرة ومن أفواه الصحابة الكرام ورجال الصدر الأول، ورجال الحركة الإسلامية في العصر الحديث، لا أجزم بأن هذه القواعد هى كل القواعد التي تحفظ الحركة الإسلامية أثناء قيامها بعملية الإنكار من الانحراف والانجراف والاستئصال قبل نضج أبنائها، ولكنني  أظن أن هذه هى أبرزها، وأعتد بأن تطبيق هذه القواعد لا يعني  إيقاف الفتنة التي تصاب بها الحركة الإسلامية بين آونة وأخرى، ولكنها أسباب تساعد على المضي في هذا الطريق الذى وضه لنا القرآن ، وتؤدي  إلى نتائج أفضل وخسائر أقل بإذن الله ] أهـ من كتاب  فقه الدعوة في إنكار المنكر لعبد الحميد البلالي

***  

القاعدة السابعة

جمهور علماء أهل السنّة والجماعة

 لا يرون الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر

نسب النووي إلى أهل السنّة والجماعة الإجماع على تحريم الخروج على الحكام ، وإن كانوا فسقة ظالمين ، قال النووي في شرح حديث (( إلا أن تروا كفراً بواحاً ))  : ( ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ، إلى أن قال : قال القاضي وقيل إن هذا الخلاف كان أولا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم : ج 12 : 229 ] ، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : - في شرح حديث حذيفة في لزوم الجماعة - ( وقال بن بطال فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم ولم يقل فيهم تعرف وتنكر كما قال في الأولين وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة ) أهـ  [فتح الباري (13/ 37)] ، وقال في ترجمة الحسن بن صالح : ( وقولهم (كان يرى السيف) يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم ، لكن أستقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه؛ ففي وقعة الحرة ووقعة بن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر". [ تهذيب التهذيب (2 / 288) ] ، ( قلت ) : مستند الإجماع في ذلك كتاب الله تعالى ، والكثير من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وقد سبق ذكر مستند أدلتهم من كتاب الله تعالى ،  ومنها : قوله تعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } ، قال ابن عطية في تفسير هذه الآية  : (  لما تقدم إلي الولاة في الآية المتقدمة – يشير إلي قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً  }  تقدم في هذه إلي الرعية فأمر بطاعته – عز وجل -، وهي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله وطاعة الأمراء على قول الجمهور، أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم ... )) أهـ [  المحرر الوجيز : 4/158 ] ، وقال النووي – رحمه الله تعالي - : ( المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل : هم العلماء ،وقيل : هم الأمراء والعلماء )) أهـ [ شرح النووي على مسلم : 12/223 ] واختلف أهل العلم – رحمهم الله تعالي – في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية فذهب جماهير أهلا لعلم – كما تقدم – إلي أنها في الأمراء وذهب بعض أهل العلم إلي أنها في أهل العلم والفقه وقال آخرون : هي عامة تشمل الصنفين. قال ابن جرير الطبري – رحمه الله تعالي – في تفسيره : ( 5 : 150 ) : ( وأولي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة .. إلي أن قال:    فإذا كان معلوماً أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } بطاعة ذي أمرنا كان معلوماً أن الذين أمر بطاعتهم – تعالي ذكره – من ذوي أمرنا هم الأئمة من ولاة المسلمون دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضاً القبول من كل من أمر بترك معصية ودعا إلي طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيها أمر ونهي فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية فإن على من أمروا بذلك طاعتهم وكذلك في كل ما لم يكن لله فيه معصية. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماًً بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره ) أهـ ، وهذا الذي رجحه ابن جرير هو اختيار البيهقي – رحمه لله – وقد احتج له بحجة أخري ، فقال : ( الحديث الذي ورد في نزول هذه الآية دليل على أنها في الأمراء ) أهـ [ الجامع لشعب الإيمان للبيهقي : 13/41 ] ، وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الشافعي قوله : ( كان من حول مكة من العرب لم يكن يعرف الإمارة وكانت تأنف أن تعطي بعضها بعضاً طاعة الإمارة ، فلما دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالطاعة لم تكن تري ذلك يصلح لغير النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر ) أهـ [ العجاب في بيان الأسباب : 2/898  ] ، وقد سبق ذكر أكثر من عشرين حديثاً صحيحاً  جميعها يدل على وجوب الصبر على جور الحكام ما كانوا مسلمين ، كحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وحديث حذيفة رضي الله عنه : (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وحديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، وحديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها : (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وحديث  عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ،

***

القاعدة الثامنة

الرد الباهر على من رأى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر

(  أ  ) يستدل بعض علماء أهل السنّة والجماعة على جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر أو المبتدع ، وذلك بعدة أدلة سوف أتناولها بالتفصيل والتعقيب ،  [  الدليل الأول  ] : استدلالهم بقول ابن حزم في الفصل : ( إنّ سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك .. وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكل من معه من الصحابة ، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير ، وكل من كان معهم من الصحابة ، وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير ، وغيرهم ممن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم ، كأنس بن مالك ، وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين .. ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ، ومن بعدهم كعبدالله بن عبدالعزيز بن عبدالله بن عمر ، وكعبدالله بن عمر ، ومحمد بن عجلان ، ومن خرج مع محمد بن عبدالله بن الحسن ، وهاشم بن بشر ، ومطر الوراق ، ومن خرج مع إبراهيم بن عبدالله ، وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء ، كأبي حنيفة ، والحسن بن حي ، وشريك ، ومالك ، والشافعي ، وداود وأصحابهم ، فإن كل من ذكرنا من قديم أو حديث إما ناطق بذلك في فتواه ، وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا ) [ الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/171، 172 ] ، هذا النقل عن ابن حزم في مسألة الخروج على الحاكم يحتاج إلى تفصيل ، فإن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، كان هو الأمير ، فكيف يستدل بفعله على جواز الخروج على الأمير ، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير رضي الله عنهما لم يخرجا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقصد ابطال امامته ، وإنما كانوا يطالبون بدم عثمان رضي الله عنه ، ولم يبدؤا قتالا ، وكذلك كان حال معاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير ، فلا يصح الاستدلال بعمل هؤلاء الصحابة على جواز الخروج على الحاكم المسلم ، وهل كان أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه جائرا ، وحاشاه ، حتى يسوغ الخروج عليه ، بل يمكن الاستدلال بالعكس وهو أنّه يجوز للإمام الخروج بالجيش لتأديب الفئة الباغية المتحزبة على خلاف ما يأمر به ، وهذا ما فعله أمير المؤمنين على رضي الله عنه ، والحاصل أنّ  استدلال ابن حزم بفعل بعض الصحابة وتابعيهم على وجوب الخروج على الحكام بمجرد الجور والظلم  كل هذا من غرائب ابن حزم ومن سار على قوله ، ومعلوم عند أكثر الفقهاء أن مخالفات ابن حزم لا تخرق الإجماع في الفقه لأنّه - مع علمه الواسع - ظاهري لا يدرك القياس ولا الفقه ، هذا في الفقه فكيف في أمور السياسة الشرعية التي ينشأ عن أدنى خطأ فيها سفك الدماء واستحلال الحرمات مع الويلات والفوضى مما يغيظ القريب ويرضي العدو ، ثم استدلاله بخروج الحسين رضي الله عنه على يزيد ، وهل في الدنيا آنذاك وبعده مثل الحسين سيد شباب أهل الجنّة حتى يخرج على الحاكم الجائر ، ثم نظرنا إلى نتيجة خروجه وما أعقبها من مآسي على آل البيت رضي الله عنهم والمسلمين جميعا ، وسيأتي القضاء على تلك الشبهة عند الحديث على الدليل السادس ، وهل خروج العباسيون على الأمويين كان خيرا مع ما كان فيه من سفك لدماء الكثير من المسلمين ، ونحن نعلم أنهم انقلبوا بعد ذلك على آل البيت بأشد مما فعل الأمويون ، إنّ التاريخ لهو خير عبرة على نتائج الخروج المسلح على حكام المسلمين على مر عصور التاريخ ، وقد مر بنا نهي الرسول صلى الله عليه وسلم الشديد من الخروج على ولاة أمر المسلمين ما أقاموا فيهم الصلاة وكانوا مسلمين لم يأتوا بكفر بواح لا يختلف عليه أحد من علماء أهل السنّة والجماعة كاستحلال ما حرّم الله ، أو جحد ما فرض الله من فرائض ،  [ الدليل الثاني ] : استدلالهم بقول الله تعالى : { فَقَاتِلوُا التّيِ تَبْغِي حَتىّ تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ } ، يقولون : قد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية ، وقد علق الحكم على وصف البغي ، وهو دليل بيـّن على أن السلطة إن تحقق فيها هذا الوصف يجــب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله ، وقالوا بأن عموم الآية يتناول سلطة البغي ، المنحاز إليها طائفة البغي ، الظالمة لبقية المسلمين ، فهي طائفة بلا ريب ، وهي باغية بلا شك ، فوجب الانقياد للأمر الإلهي بقتالها ، عملا بظاهر القـــــرآن ، وهذا تعسف في الاستدلال لأنّ الأمر موجه في الآية إلى أولي الامر بالأولوية ، وهم المكلفون بقتال الفئة الباغية ، كما أنهم المكلفون بإقامة الحدود والحكم بين المسلمين ، ثم كيف يستقيم لعامة المسلمين مقاتلة أولى الأمر  بغير إمام يقودهم ، وكيف يأتي هذا الإمام ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)) [ أخرجه مسلم : ح (1853) ] ، ومعلوم أنّ البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين ،  يبايعه أهل الحل والعقد ، فإذا بايعوه ثبتت ولايته ، وبعدها يجب على عامة الناس أن يلتزموا طاعته في غير معصية الله تعالى ، فكيف يتسنى تنزيل الآية على قتال حكام المسلمين ما كانوا على الإسلام ، قال ابن تيمية : ( ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته ، والله تعالى لم يأمر بقتال كل ظالم وكل باغ كيفما كان ولا أمر بقتال الباغين ابتداء بل قال : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [ الحجرات : 9 ] ،  فلم يأمر بقتال الباغية ابتداء فكيف يأمر بقتال ولاة الأمر ابتداء ) أهـ [ منهاج السنة النبوية ، ج 3، صفحة 391] ، : استدلالهم بقول الله تعالى : { قالَ إنيّ جاعِلُك للنّاسِ إِمَاما قاَل لاَ يَنالُ عَهْدِي الظّالميِن } ، وهذا استدلال بعيد ، إذ المقصود من عهد الله تعالى في قوله تعالى : { لاَ يَنالُ عَهْدِي } قد يكون (  النبوة  ) كما جاء عن ابن عباس ، وقد يكون المراد به في الآخرة وليس في الدنيا كما جاء عن قتادة ، وقد يكون المقصود بها الإمامة التي يصح الاقتداء بها ، وقد يكون المقصود بالظالمين في قوله تعالى : { لاَ يَنالُ عَهْدِي الظّالميِن }  أي الكافرون والمشركون ، كما جاء عن سعيد بن جبير قال : ( لا ينال عهدي الظالمين :  المراد به المشرك ، لا يكون إمام ظالم ،  يقول : لا يكون إمام مشرك  ، وعلى ذلك فالاستدلال بالآية على جواز الخروج على الحاكم المسلم الجائر لا يستقيم ، لاسيما مع النصوص النبوية الدالة على تحريم الخروج على الحاكم المسلم ولو كان ظالمًا جائرا فاسقا ما دام في دائرة الإسلام ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّهَا سَتَكُونُ بَـعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُـنْــكِرُونَهَا، قَالُوا : يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْـحَقَّ الَّذِي عَـلَيْـكُمْ وَتَسْأَلُونَ الله الَّذِي لَــــكُمْ )) [ أخرجه البخاري ح (3603)، ومسلم ح (1846) ] ، وما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، و ما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرجه البخاري ح (7056)، ومسلم ح (1843) ] ، وما أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) [ أخرجه مسلم ح (1836) ] ، وما أخرجه مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ : (( يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وما أخرجه مسلم عَنْ حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرجه مسلم ح (1847) ] ، وما أخرجه مسلم عَنْ عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ )) [ أخرجه مسلم ح (1856) ] ، و ما أخرجه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما  عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ : (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرجه البخــــاري ح (7053) ، ومسلم ح (1851) ] ، وما أخرجه مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرجه مسلم ح (1854) ] ، ولهذا جاء في تفسير القرطبي عند قوله تعالى : { قالَ إنيّ جاعِلُك للنّاسِ إِمَاما قاَل لاَ يَنالُ عَهْدِي الظّالميِن } ، قال رحمه الله : ( الحادية والعشرون : استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك ، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينازعوا الأمر أهله ، على ما تقدم من القول فيه . فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل ، لقوله تعالى  : (( لا ينال عهدي الظالمين )) ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي رضي الله عنهم ، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج ، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم ، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة ، والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه ; لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف ، وإراقة الدماء ، وانطلاق أيدي السفهاء ، وشن الغارات على المسلمين ، والفساد في الأرض ، والأول مذهب طائفة من المعتزلة ، وهو مذهب الخوارج ، فاعلمه ) أهـ فانظر كيف نسب القول إلى مذهب المعتزلة والخوارج ، [  الدليل الثالث ] : استدلالهم بالنصوص النبوية التي أمرت بالأخذ على يد الظالمين ، فمن ذلك : حديث : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))  ، وحديث : (( إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم  )) ، وحديث : (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) ، وحديث : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) ، وحديث : (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ  )) ، وحديث : (( لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرًا ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم )) ، قلت : وقد تقدم بيان فقه هذه الأحاديث ، وأنّها تُفهم في إطار إنكار المنكر العام ، ولكن إذا تعلق الأمر بالحكام وولاة الأمور ، فلابد من فهم الحديث في إطار أحكام إنكار المنكر على الولاة والتي قررها الفقهاء ، من خلال فهم قوله تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } [ النحل : 125 ] ، وقوله تعالى : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 44 ] ، ومن خلال الأحاديث الصحيحة المحكمة ، والتي تدعو إلى الصبر على جور الحكام ، مراعاة للمصالح العامة للمسلمين ، كحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وحديث حذيفة رضي الله عنه : (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وحديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، وحديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها : (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وحديث  عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، وفي ظل الطاعة في المعروف والاحترام الذي فرضه الله تعالى على المسلم لمن ولاه الله تعالى أمر المسلمين ،  ولا ينبغي أن يتعدى إلى تهديد أو حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة ، ، أو إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات ، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله ، وكل ذلك افتيات على هيبة ولي الأمر وسلطته ، ثم لا ينبغي أن ننسى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية ، مما يؤول إلى الفوضى والهرج والمرج  ، وقد نقل النووي إجماع أهل السنّة والجماعة على تحريم الخروج على الحكام ، وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تقدم ، [ الدليل الرابع ] : استلالهم بأقوال بعض الفقهاء في وجوب خلع الحاكم إن طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة ، ومن ذلك قول القاضي عياض : ( فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229 ] ، ( قلت ) مفتاح فهم نصوص الفقهاء بداخلها ، فعند الكفر البواح تسقط الطاعة ويجب الخروج والخلع فإن تحقق العجز وجبت الهجرة والفرار بالدين ، وعند البدعة يجوز بشرط القدرة ، وإلا لا يجوز ، وهنا أذكر قول الفقهاء في بيان تلك الحالة ، فالفقهاء فصلوا في الأمر تمام التفصيل ، وفرقوا بين الحاكم الكافر والحاكم الجائر والحاكم الذي ازداد جوره وفساده بحيث عرّض الدين والبلاد والعباد لخطر لا يمكن السكوت عليه ، فالأول : وهو الحاكم الكافر أو الذي طرأ عليه الكفر البواح فأوجبوا الخروج عليه ، وجعلوه من باب الجهاد ، قال النووي :  ( قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل .. فلو طرأ عليه كفر .. خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر .. فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229 ] ، وقال ابن حجر: ( فإن أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه ) أهـ [ فتح الباري : 13/8 ] ،  وقال أيضاً : ( ينعزل بالكفر إجماعاً فيجب على كل مسلم القيام في ذلك؛ فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض ) أهـ [ فتح الباري: 13/123] ، والثاني : وهو الحاكم المسلم الجائر ، فأوجبوا في حقه النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن منعوا من الخروج عليه ، فأما النصيحة فلقوله صلى الله عليه وسلم : ((  ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ : إِخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ )) [ أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني] ،  فالأولى لعلماء المسلمين إذا رأوا في ولي أمرهم ما ينكَر عليه أن يبادروا إلى نصحه، وأن يكونوا عوناً له على سلوك الطريق المستقيم ولا يكونوا عوناً للشيطان عليه، ولا يسعوا في تأليب العامة عليه ولا ينزعوا يداً من طاعة ما لم يرَ المسلمون منه كفراً بواحاً  كما جاء في الحديث المتفق عليه عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال:  (( دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا : أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسـرنا ويسـرنا وأثرة علينـا، وأن لا ننازع الأمرَ أهلَه، إلا أن تروا كفراً بواحاً ، عندكم من الله فيه برهان )) [متفق عليه] ، ومعنى كفراً بواحاً: أي الكفر الظاهر الذي لا خفاء به. قال ابن حجر: ( قال الخطابي: معنى قوله: بواحاً، يريد ظاهراً بادياً؛ من قولهم: باح بالشيء يبوح به بوحاً وبواحاً إذا أذاعه وأظهره... قوله: عندكم من الله فيه برهان: أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل؛ ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل ) [ فتح الباري : 13/8] ، وقال ابن بطال: ( فيه ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم، والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلِّب طاعته لازمة، ما أقام الجُمُعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ) [ شرح صحيح البخاري لابن بطال: 10/8 ] ،  قال النووي في شرح حديث (( إلا أن تروا كفراً بواحاً ))  : ( ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [ شرح النووي : ج 12 : 229 ] ، وأمّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو واجب واجبان لا يسقطه وجوب الطاعة في المعروف ، فإذا ترك ولي الأمر بعض ما يجب عليه من حقوق الرعية ، أو قصر في تحصيلها، أو صدر منه ما منعت منه الشريعة، فإنه يؤمَر بالمعروف ويُنهَى عن المنكر حسبما دلت على ذلك نصوص الشريعة ، والثالث : وهو الحاكم الذي ازداد جوره وظلمه وفسقه بحيث يعرض الدين والبلاد والعباد في خطر لا يمكن السكوت عليه بحال ،  فهاهنا يجب الموازنة بين عزله والخروج عليه ، وبين بقائه وتحمل مصائبه ، من حيث المصالح والمفاسد قال إمام الحرمين الجويني: ( فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة ، ووضحت الخيانة ، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه ، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور ، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم فإنْ أمكنَ كفُّ يدِه , وتوليةِ غيرِه بالصفاتِ المعتبَرَةِ , فالبِدارَ البِدارَ , وإن لَم يُمكن ذلك لاستظهارِه بالشوكةِ إلا بإراقةِ الدماءِ , ومصادمةِ الأهوالِ , فالوجهُ أن يقاسَ ما الناسُ مندفعون إليه , مُبْتَلُونَ به بما يعرضُ وقوعُه , فإنْ كانَ الواقعُ الناجزُ أكثرَ مما يُتَوقَّعُ , فيجبُ احتمالُ المتوقَّعِ , وإلا فلا يَسُوغُ التشاغلُ بالدّفع , بل يتعيَّنُ الصبرُ والابتهالُ إلى الله تعالى  .. وإن علمنا أنه لا يتأتَّى نصب إمام دون اقتحامِ داهية وإراقةِ دماء، ومصادمةِ أحوال جمَّة الأهوال، وإهلاكِ أنفسٍ ونزفِ أموال، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلَون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدَّر وقوعه في روم الدفع، فيجب احتمال المتوَّقع له لدفع البلاء الناجز وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه، فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع ) أهـ [ غياث الأمم في التياث الظلَم، ص 106 - 110 ]  ، ولأنّ الأمر جد خطير ، والتعرض للحاكم شر مستطير ، استدرك الجويني على كلامه السابق بقوله : ( ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضحاته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة، وتبدُّد دعائم الإسلام، ولم نجد مَنْ ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة ، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا؛ فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاعٌ ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً؛ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فَلْيمضِ في ذلك قُدُماً. والله نصيره على الشرط المقدَّم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ويرتفع بما يتوقع  ) أهـ [ غياث الأمم في التياث الظلم، ص 115 - 116 ] ، ومنه نعلم خطورة ترك آحاد الناس يثورون على الحاكم " فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن " ، ولكن لابد من الاتفاق مسبقاً على أمير يناضلون تحت لوائه ، ولا يكون ذلك كله إلا عند القدرة والأمن من الفتنة والهرج والمرج ، لأنّ الدماء آنذاك كلها دماء المسلمين ،  [  الدليل الخامس ] : استدلالهم بخروج الحسينَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما ، وخروج  عبد الله ابن الزبير رضي الله عنهما ومَن تابعهما من خيار المسلمين على يزيد ، وعلى بني أمية زمان الحجاج , والرد على هذه الشبهة يكون من عدة أوجه : الوجه الأول : أن الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تمنع من الخروج على الحكام بسبب الجور أو الظلم أو الفسوق أو العصيان ، ولم تستثنِ إلا الكفر البواح الذي لا خلاف عليه ، وقد تقدم ذكر ثلاثين حديثاً في هذا الباب تدعو إلى الصبر على جور الحكام ، والسمع والطاعة لهم فيما ليس من معصية الله ، وعدم مفارقة جماعتهم ، وعدم الخروج عليهم إلا في حالة الكفر البواح الذي لا يختلف عليه عالمان ، والوجه الثاني : أن الحسين وابن الزبير رضي الله عنهما ، قد خالفهم الصحابةُ في ذلك , فقد أخرج البخاري عن نافع , قال : لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال : إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة » , وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله , وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم ينصب لـه القتال , وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه )) [ أخر جه البخاري ح ( 7111 ) ] ، وقال العلامة ابن الأثير عن خروج الحسين رضي الله عنه : ( فأتاه كتب أهل الكوفة وهو بمكة , فتجهز للمسير , فنهاه جماعة , منهم : أخوه محمد ابن الحنفية وابن عمر وابن عباس وغيرهم ) أهـ [ أسد الغابة 2/28 ] ، وقال ابن تيمية : ( وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة ؛ كما كان عبد الله بن عمر , وسعيد بن المسيب , وعلي بن الحسين , وغيرهم : ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد ، وكما كان الحسن البصري , ومجاهد , وغيرهما : ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث ) أهـ [ منهاج السنّة النبوية : 4/529 ] ، وقال  أيضاً : ( ولهذا لما أراد الحسين – رضي الله عنه – أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتباً كثيرة : أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : ألاّ يخرج ) أهـ [منهاج السنّة النبوية : 4/530 ] ، وقال ابن كثير – عن خروج الحسين – رضي الله عنه –  : ( ولما استشعر الناس خروجه : أشفقوا عليه من ذلك , وحذروه منه , وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة لـه بعدم الخروج إلى العراق , وأمروه بالمقام بمكة , وذكروا ما جرى لأبيه وأخيه معهم ) أهـ [ البداية والنهاية 8/161 ] ، وذكر ابن كثير آثاراً عديدة تدل على نصيحة الصحابة للحسين رضي الله عنه بعدم الخروج ، منها ، قول عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما : ( استشارني الحسين بن علي – رضي الله عنهما – في الخروج فقلت : لولا أن يزري بي الناس وبك , لنشبت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب ) أهـ [ البداية والنهاية 8/178 ] ، وقول ابن عمر رضي الله عنهما له ولابن الزبير رضي الله عنهما : ( اتقيا الله ، ولا تفرقا بين جماعة المسلمين ) [ البداية والنهاية 8/158 ] ، وقال لـه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : ( اتق الله والزم بيتك ولا تخرج على إمامك ) أهـ [ البداية والنهاية 8/ 176 ] ، وقال أبو واقد الليثي رضي الله عنه : ( بلغني خروج الحسين بن علي رضي الله عنهما فأدركته بملل , فناشدته بالله ألاّ يخرج , فإنه يخرج في غير وجه خروج , إنما خرج يقتل نفسه , فقال : لا أرجع ) أهـ [ البداية والنهاية 8/ 176 ] ، و الوجه الثالث : أن الإجماع استقرّ بعد ذلك على منع الخروج على الحاكم ؛ إلا في حالة الكفر الصريح فقط ، قال النووي - بعد الكلام عن خروج الحسين وابن الزبير وخروج بعض التابعين - : (  قال القاضي : وقيل إن هذا الخلاف كان أولاً ؛ ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم : ج 11 ، ص 433 ، ح : ( 4748)  ] ، وقال ابن تيمية : ( ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين ) أهـ [ منهاج السنّة : 4/529] ، وقال ابن حجر في التهذيب عند ترجمة : الحسن بن صالح بن حي : ( وقولهم : ( وكان يرى السيف ) يعني أنه كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور , وهذا مذهبٌ للسلف قديم . لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه ؛ ففي وقعة الحرّة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظةٌ لمن تدبّر ) أهـ [التهذيب 1/399 ] ، والوجه الرابع : خروج الزبير والحسين رضي الله عنهما كان فتنة وابتلاء ، ولا يصح الاستدلال بالفتنة على توثيق حكم شرعي ،  [ الدليل السادس ] : استدلالات عقلية تتمثل في ( قولهم ) : العجب ممن يحرمون خلع السلطة الجائرة ، فيكونون سببا لبقاء الظلم الذي كتب الله تعالى تعجيل عقوبته ، وتستفيد السلطة الظالمة المستبدة من توقيعاتهم على جورها ، ليبقى ويزداد كما وكيفا ، ويتخـذ أشكالا وألوانا ، ( وقولهم ) : ثم العجب منهم والله كل العجب ، أنهم يدندنون على دوران الشريعة على حفظ الضروريات الخمس ، حفظ الدين ، والعقل ، والعرض ، والمال ، والنفس ، ثم يٌقِرّون بقاء سلطة تنقض هذه الضروريات نقضا ، فيعطّلون أعظم مقاصد الشريعة العادلة التي ما أنزل الله تعالى إلا لبسط العدل على الناس ، وإزالة الظلم ، وحفظ الحياة من الفساد ، ( وقولهم ) : فأي تناقض تأتي به شريعة قـط ، أعظم من هذا التناقض ، أن لو كان إقرار السلطة الجائرة ، وتركها تنشر الظلم ،بلا نكير ، ولا تغيير ، من أصولها !! ( وقولهم ): وأيَّ معنى  لشريعة قط إن خلت من تحقيق العدل ، وإزالة الظلم ؟! وإنها لجناية على دين الإسلام أعظم جناية ، وتشويه يصدّ عن سبيله أيّ تشويه ، أن يقال في هذا الزمان الذي تثور فيه الشعوب مطالبة بحقوقها فتحصل عليها ، وتكف يد الظالمين عن الأموال ، والأعراض ، والدماء ، وعن العبث بمقدرات الأمة ، وأن يقال : إن شريعة الله تعالى تأمر المسلمين أن يكونوا عونا للظلم بسكوتهم عليه ، وإقرارهــم له ، قالوا : وكيف يحقّ لكم ـ أيها المحرمون خلع السلطات الجائرة بالقوة لــوم الشعوب أن تطلب الخَلاَصات السياسية ، في غير هذه الشريعة ، إن كنتم تقولون لهم إنّ فقهها السياسي قائم على إقرار الظلم ، بل تشريع أسباب بقاءه بتحريم تغييره ؟!! ، ( ثم قولهم ):  وإذا تبيّن أن القول بتحريم خلع السلطة الجائرة ، معارض لمقاصد الشريعة ، وهو ذريعة لصدّ الناس عن اتباعها فيما هو من أعظم حاجاتهم الحياتية ، علم بطلان هذا المذهب وفساده ، وتناقضه ، والحمد لله ، والرد على هذا الاستدلال العقلي من جانبين : الأول : شرعي يتمثل في أمر الشريعة الحكيمة بالصبر على جور الحكام المسلمين والنهي عن الخروج عليهم بالسلاح وغيره لغاية عظيمة هي حقن الدماء ومنع الفوضى واعانة الحكام على تولي مهامهم الجسام ، وحتى لا يكون الخروج عليهم عون للشيطان عليهم فيسفكون الدماء ، ويؤدي انكار المنكر عليهم إلى وقوع مناكر عظيمة ما أغنانا عنها لو التزمنا الشريعة الحكيمة ، والجانب الثاني : عقلي واقعي يتمثل في النظر على مر تاريخ الإسلام لم يؤد الخروج إلا إلى سفك الدماء واستحلال الحرمات والهرج والمرج والفشل الذريع في غالب الأحيان ، ومن استقرأ التاريخ بإنصاف علم ذلك يقيناً ، ثم إنّ من شروط الخروج القدرة ، وهل تتيسر القدرة اليوم في ظل اقتصار احتكار الأسلحة الثقيلة والفتاكة في أيدي الحكام وأنظمتهم ، وآنذاك فإنّ القول بجواز الخروج عليهم ما هو إلا تغرير بأهل الإسلام وأمة النبي صلى الله عليه وسلم ،

*** 

القاعدة التاسعة

ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام

[  1  ] : يحرم الخروج على حكام المسلمين إلا بشرطين واضحين : الأول : الردة ، و الثاني : توفر القدرة ، ( الشرط الأول ) : ( الردة ) : أن نعلم علم اليقين أن ولي الأمر وقع في كفر بواح عندنا فيه من الكتاب والسنّة برهان ؛ وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، فيه : ((  وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056)، ومسلم (1843) ] ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( إلا أن تروا )) ، والمراد بالرؤية هنا : العلم اليقيني ، أما مجرد الظن ، فلا يجوز معه الخروج عليه ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( كُفْرًا بَوَاحًا )) : أن نعلم أن الذي وقع فيه ولي الأمر (( كفرًا بواحًا ))  أي: صريحًا بيِّنًا ظاهرًا معلنًا لا يحتمل التأويل ، وهذا الكفر البواح لا يكون إلا كفراً  أكبر ، وليس كفراً دون كفر أو فسوق أو عصيان  ؛ قال النووي في الحُكَّام : (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ) أهـ ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) : أي دليل قاطع على أن هذا الفعل كفر أكبر متفق على تكفير فاعله  ، عندنا فيه من الله تعالى برهان ، بأن يكون دل عليه الكتاب أو السنة أو الإجماع ؛ لقوله: " عندكم فيه من الله برهان" ، هذا ما يتعلق بالشرط الأول ، أما الشرط الثاني : أن تكون عندنا ( القدرة ) على إزاحته ، وهذا الشرط لم يذكر في حديث عبادة ، ولكنه يؤخذ من عموم النصوص الدالة على تحريم قتل النفس بغير حق ، وتحريم إلقاء النفس في التهلكة ، كقوله تعالى: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ، وقوله تعالى: { وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ، لأنه إذا لم يكن لدينا القدرة على إزاحته قضى علينا ، فيكون الخروج عليه حينئذٍ من إلقاء النفس في التهلكة ، وعموم النصوص التي تدل على اشتراط القدرة ، كقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا } [ التغابن : 16 ] ،  وما جاء في معناها ، فإن عدمت القوة ، وجب الإعداد لها لقوله تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] ، كما أنّه قد أجاز الشرع الحكيم الخروج على حكام المسلمين الظالمين والفاسقين ، بشرطين آخرين هما ترك الصلاة ، وتعطيل إقامة الصلاة في الجماعات ، ودليل الشرط الأول ( ترك الصلاة ) ، ما أخرجه مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ،  ودليل الشرط الثاني : ( تعطيل إقامة الصلاة في المساجد والجماعات ) ، ما أخرجه مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله ، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ،  وقد نقل الإمام النووي الإجماع على ذلك - كما تقدم - فقال : ( وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث على ما ذكرته ، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ) أهـ [ شرح النووي : 12/229 ] ، ونقل الحافظ ابن حجر - أيضاً - الإجماع على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم ، فقال : ( قال ابن بطال : وفي الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار ، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه ، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ) أهـ [ فتح الباري : 13 : 7 ] ، وقال الإمام الشوكاني : ( ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث: أن يأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة ولا يذل سلطان الله ، وقد قدمنا في أول كتاب السير: أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ، ولم يظهر منهم الكفر البواح،  والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة ، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ، ويعصيه في معصية الله فإنه (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) [ السيل الجرار : (4/556) ] ،

[  2  ] : أحكام الخروج على الحاكم المرتد  :  الحاكم الكافر الأصلي ليس له سمع ولا طاعة ؛ إذ لا ولاية له بإجماع المسلمين ، إذ  السمع والطاعة لا تكون إلا للإمام المسلم ، والكافر أو المنافق الذي يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادا لا طاعة له ولا سمع ،  قال الله تعالى : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } [ النساء : 141 ] ، وإذا كان الله سبحانه لم يجعل للكافر على ابنته إذا أسلمت ولاية ولا سبيلا ، فلا يعقد نكاحها ، ولا يحل له ميراثها ، ولا يتصرف في مالها ، فكيف يكون له ذلك على الأمة كلها يتصرف في دمائها وأرضها وشئونها  ؟  فإذا كفر الإمام كفراً بواحاً ، وارتد عن دين الإسلام ، فقد أجمع الفقهاء على سقوط إمامته وطاعته، بل ووجوب الخروج عليه وخلعه ، إذ المقصود من الإمامة أصلا إقامة الدين، وسياسة الأمة به ، وقد نقل هذا الإجماع كثير من العلماء كالقاضي عياض ، نقله عنه الإمام النووي في شرح مسلم : قَالَ الْقَاضِي : ( فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه قال ولا تنعقد لفاسق ابتداء فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب ) [ شرح النووي على مسلم (12/ 229  ) ] ، وقال الحافظ ابن حجر : (  إنه - أي الإمام - ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض  ) [ فتح الباري لابن حجر (13/ 123 ] ، وقال أيضا : ( وقد أجمعوا أنه أي الخليفة إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنه يقام عليه واختلفوا إذا غصب الأموال وسفك الدماء وانتهك هل يقام عليه أو لا  ) [ فتح الباري لابن حجر (13/ 116 ] ، وقال العيني : (  وقد أجمعوا على أنه إذا دعا إلى كفر أو بدعة يقام عليه، وإن غصب الأموال وانتهك الحرم فاختلف فيه: هل يقام عليه ؟ فقال الأشعري مرة: نعم، ومرة: لا ) [ عمدة القاري شرح صحيح البخاري (16/ 74 ] ، وعليه : فإن ارتكب الحاكم كفراً بواحاً ظاهراً لا خفاء فيه ، وتوفرت شروط الخروج والتكفير ؛ فإنه يجب القيام عليه، وليس له سمعٌ ولا طاعةٌ، ومن شروط الخروج عليه القدرة ، وعدم حصول مفسدة أكبر من مفسدة بقائه ، والترجيح بين المفاسد والمصالح من مهمات العلماء بل خاصة أهل العلم ، وقد تقدم أنّ الخروج له شروط : الشرط الأول : أن يكون الحاكم قد كفر كفراً بواحاً ، ولا يحتمل التأويل وكفرا واضحا جليا مثل الشمس وهذا يبينه أهل العلم ، والشرط الثاني : أن يكون عند الخارجين عليه القدرة على إزالته ، الشرط الثالث : أن لا يتضرر المسلمون من هذا الخروج ، الضرر البالغ لأنه إن تضرروا ستكون المفسدة أكبر من المصلحة وهذه كما بيَّنها أهل العلم ،

***

 

الباب الثاني

قواعد تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام

 

( تنبيه ) : أكثر مباحث هذا الباب مستفادة من رسالة " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " للدكتور عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم

ويشتمل هذا الباب على بيان تلك القواعد :

القاعدة الأولي :  مكانة ولي الأمر في الشرع  إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن

القاعدة الثانية : نصب الإمام فرض واجب على المسلمين

القاعدة الثالثة : وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها

القاعدة الرابعة : من غلب فتولي الحكم واستتب له، فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته ومعصيته

القاعدة الخامسة : إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر وجبت طاعته

القاعدة السادسة : يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ، ويأخذ كل إمام منهم  في قطره حكم الإمام الأعظم

القاعدة السابعة : الأئمة الذين أمر النبي بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون ، الذين لهم سلطان وقدرة

القاعدة الثامنة : وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم في غير معصية

القاعدة التاسعة : مراعاة الشارع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم

القاعدة العاشرة : أهم حقوق الحاكم المسلم عشرة حقوق

القاعدة الحادية عشرة : الصبر على جور الأئمة درئاً للفتنة وحفظا لحرمات أهل الإسلام

القاعدة الثانية عشرة : النهي عن سب الأمراء

القاعدة الثالثة عشر : عقوبة المثبط عن ولي الأمر والمثير عليه

القاعدة الرابعة عشرة : وجوب الدعاء لولاة الأمر بالصلاح

***

القاعدة الأولي

مكانة الحاكم  في الشرع  وأن الله تعالى يزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن

الحكام المسلمون لهم مكانة عالية منحهم الإسلام إياها ليتناسب قدرهم مع عظيم مسؤوليتهم، فإن منصبهم هو منصب الإمامة التي وضعت لتكون خلفاً للنبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ، وقد جاء الأثر عن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه أنّه قال : ((  إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن  )) [ أخرجه ابن شبة في «تاريخ المدينة» (3 /988) من طريق موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عثمان رضي الله عنه ]  ، ومعناه إن الله تعالى يمنع بالحاكم من اقتراف المحارم ، أكثر ما يمنع بالقرآن؛ لأن بعض الناس ضعيفي الإيمان لا تؤثر فيه زواجر القرآن، بل يقدم على المحارم ولا يبالي، لكن متى علم أن هناك عقوبة من الحاكم ارتدع وخاف من العقوبة ، فالله تعالى يزع بعقوبات الحاكم المجرمين أكثر مما يزعهم بالقرآن لضعف إيمانهم ، وقلة خوفهم من الله تعالى  ، فإن الناس لا يسوسهم إلا قوة الإمام وحزمه فلو لم يعطه الشارع ما يناسب طبيعة عمله من فرض احترامه وتعظيمه لامتهنه الناس وضاعت هيبته ، ولم ينقادوا له، ومن ثم يحل البلاء وتعم الفوضى وتفوت المصالح، فتفسد الدنيا ويضيع الدين ، قال الإمام بدر الدين ابن جماعة في كتابه : [ تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام  صـ 63 ] : ( الحق الرابع - أي من حقوق الحاكم - : أن يعرف أن له عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالي له من الإعظام ، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم وعدم الطمع فيما لديهم  ، وما يفعله بعض المنتسبين إلي الزهد من قلة الأدب معهم فليس من السنة  ) أهـ ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : ( ونحن نذكر – أن شاء الله تعالي – جملاً في مكانة ولي الأمر في الشرع على جهة الاختصار، لأن كثيراً منها له موضع بسط في هذه الرسالة وذلك ليكون إجلال المسلم سلطانه على جهة التعبد لله – تعالي-، والنصح للسلطان فلا يخل بشيء من حقوقه عليه كما لا يخل بشيء من حقوق والديه عليه، ويحتسب بذلك الأجر الأوفر من الله – عز وجل - ، فمن ذلك :

( 1 ) أن الله تعالي أمر بطاعة الولاة وقرن طاعته – تعالي – وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم  بطاعتهم فدل على ذلك على رفيع شأنهم وعظيم قدرهم، قال تعالي : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [ النساء : 59 ] ، وهذه الطاعة لولاة الأمر المفروضة على العباد مقيدة بما إذا لم يأمروا بمعصية الله – تعالي – فإذا أمروا بمعصية فلا يطاعون في هذه المعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وقد شهدت السنة بهذا القيد في أحاديث عديدة يأتي ذكرها - أن شاء الله تعالي - ،

( 2 ) إخبار الشارع بأن من أكرم السلطان، أكرمه الله، ومن أهانه أهانه الله ، وفي المقابل : من أكرم السلطان بحفظ ما أثبته الشارع له من الحقوق والواجبات فأجله وعزره وقدره ، ولم يخرج عن أمره في المعروف، كان جزاؤه من جنس عمله المبارك ، وقد جاء في بعض ألفاظ حديث أبي بكر – رضي الله عنه - : (( من أجل سلطان الله، أجله الله يوم القيامة )) [ أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ( 2/492 ) ] ،

( 3 ) أن السلطان ظل الله في الأرض وهذه الجملة هي مقولة أهل السنة والجماعة، حكاها عنهم ابن أبي زمنين في كتابه أصول السنة ( 2/492 )  وهي مروية في عدة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواها أبو بكر وعمر، وابن عمر، وأبو بكرة، وأنس، وأبو هريرة – رضي الله عنهم -، أشار إلي ذلك السخاوي في المقاصد الحسنة ( ص 275 ) ، وذكر أنه جمعها في جزء سماه ( رفع الشكوك في مفاخر الملوك ) وحديث أبي بكر أصحها ، وهو حديث حسن، كما سيأتي بيان ذلك، ولفظه عند ابن أبي عاصم في السنة ( ص 105-106 ) : (( السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرمه أكرم الله ومن أهانه أهانه الله )) ، وقوله (( السلطان ظل الله ))، أي يدفع الله به الأذى عن الناس، كما أن الظل يدفع أذى حر الشمس ،

( 4 ) نهي الشارع عن سب السلطان وزجره لمن وقع في ذلك، وقد ورد في هذا المعني عدة أحاديث لا تصح ،ولكن ثبت عن الصحابة من هذا شيء كثير ، يقول أنس رضي الله عنه : (( نهانا كبراؤنا ن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  قالوا : لا تسبوا أمرائكم ..)) ، قال المنياوي في (( فيض القدير )) ( 6/499) : (( جعل الله  - السلطان – معونة لخلقه، فيصان منصبه عن السب والامتهان ليكون احترامه سبباً لامتداد فيء الله ودوام معونة خلقه ، وقد حذر السلف من الدعاء عليه فإنه يزداد شراً ويزاد البلاء على المسلمين )) أهـ ، وقد أخرج البيهقي في ( الشعب ) من طريق أبي عثمان سعيد ابن اسما عيل الواعظ الزاهد : حدثنا موسي بن نصر : حدثنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : (( الدين النصيحة )) الحديث ، قال : أبو عثمان الزاهد : ( فانصح للسلطان وأكثر له من الدعاء بالإصلاح والرشاد، بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا، صلح العباد بصلاحهم ، وإياك أن تدعو عليهم بالعنة، فيزدادوا شراً، ويزداد البلاء على المسلمين ولكن ادعوا لهم بالتوبة فيتركوا الشر، فيرتفع البلاء عن المؤمنين ) أهـ [( الجامع لشعب الإيمان )  للبيهقي : ( 13/99 ) ] ،

( 5 ) نقل بدر الدين ابن جماعة عن الطرطوشي في قوله تعالي : { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ } [ البقرة : 251 ] ، قال : ( قيل في معناه : لولا أن الله تعالي أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف، وينصف المظلوم من ظالمه، لتواثب الناس بعضهم على بعض، ثم أمتن الله تعالي على عباده بإقامة سلطان لهم بقوله { وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ } [ تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام  ( ص 49 ) ] ، قال الألوسي في تفسير هذه الآية : ( وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك، وأنه لولاه ما استتب أمر العالم ، ولهذا قيل : الدين والملك تؤامان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الأخر، لأن الدين أس والملك حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع ) [ روح المعاني (1/174 ) ] أهـ ، فامتنان الله – تعالي – على عباده بإقامة السلطان بين أظهرهم دليل على فضل السلطان ، إذ أن الله تعالي إنما يمتن على عباده بالأمور العظام، تنبيه على ما دونها، وإظهار لعظيم فضله تعالي ،

( 6 ) الإجماع المنعقد من الأمة على أن الناس لا يستقيم لهم أمر من أمور دينهم، ولا دنياهم إلا بالإمامة، فلولا الله ثم الإمامة لضاع الدين وفسدت الدنيا ن وفي هذا المعني يقول الفقيه أبو عبد الله القلعي الشافعي في كتابه تهذيب الرياسة (ص94 -95 ) : ( نظام أمر الدين والدنيا مقصود، ولا يحصل ذلك إلا بإمام موجود ، لو لم نقل بوجوب الإمامة، لأدي ذلك إلي دوام الاختلاف والهرج إلي يوم القيامة ، لو لم يكن للناس إمام مطاع، لنثلم شرف الإسلام وضاع ، لو لم يكن للأمة إمام قاهر، لتعطلت المحاريب والمنابر، وانقطعت السبل للوارد والصادر ، لو خلي عصر من إمام، لتعطلت فيه الأحكام، وضاعت الأيتام، ولم يحج البيت الحرام ، لولا الأئمة والقضاة والسلاطين والولاة، لما نكحت الأيامى، ولا كفلت اليتامى ، لولا السلطان، لكان الناس فوضي، ولأكل بعضهم بعضا ) أهـ ،

( 7 ) أن السلطان أعظم الناس أجراً إذا عدل : يقول العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/104 ) : ( وعلى الجملة فالعادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجراً من جميع الأنام – بإجماع أهل الإسلام -، لأنهم يقومون بجلب كل صالح كامل، ودرء كل فاسد شامل ، فإذا أمر الإمام بجلب المصالح العامة ودرء المفاسد العامة، كان له أجر بحسب ما دعا إليه من المصالح العامة، وزجر عنه من المفاسد، ولو كان ذلك بكلمة واحدة لأجر عليها بعدد متعلقاتها ... ) أهـ  ، وقال : ( وأجر الإمام الأعظم أفضل من أجر المفتي والحاكم – يعني القاضي -، لأن ما يجلبه من المصالح ويدرؤه من المفاسد أتم وأعم ) [ القواعد : ( 1/104 ) ] أهـ ، وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل .... )) الحديث ، قال الحافظ : ( المراد به صاحب الولاية العظمي، ويلتحق به كل من ولي شيئاً من أمور المسلمين، فعدل فيه ) أهـ [ الفتح ( 2/144-145 ) ] ،

***

القاعدة الثانية

نصب الإمام فرض واجب على المسلمين

نصب الإمام فرض واجب على المسلمين ، وقد حكى الإجماع على ذلك أبو الحسن الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية ، وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن لأنّه لا خلاف في ذلك ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : ( نصب الإمام فرض واجب على المسلمين ، وهذا باتفاق الأئمة والأمة ، لا ينازع في ذلك إلا مبطل أصم عن نصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم  عن نصب الإمام قبل الاشتغال بدفنه صلى الله عليه وسلم  دليل قاطع على أنه من أهم الواجبات (( الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة للهيتمي ( 1/25 )  )) ، وقد حكى الإجماع على ذلك أهل التحقيق من العلماء، ففي [ الأحكام السلطانية : ص 5  ] – لأبي الحسن الماوردي- : (( وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب – بالإجماع -، وإن شذ عنهم الأصم )) ، وقال القرطبي – رحمه الله تعالي – في  [ الجامع لأحكام القرآن (1/264 )  ] : ( ولا خلاف في جواب ذلك – أي : عقد الإمامة – بين الأمة، ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم وكذلك كل من قال بقوله، واتبعه على رأيه ومذهبه ) اهـ ، ومن الأدلة على وجوب نصبه : أن الشرع علق أحكاماً كثيرة بالإمام منها قوله- تعالي - { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [ النساء : 59 ] ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم  : (( من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية )) ، فكيف يأمر – تعالي – بطاعة الإمام وليس وجوده واجباً ؟ وكيف يموت – من يموت وليس في عنقه بيعة – ميتة جاهلية ، والإمام ليس واجباً وجوده ؟ ، قال أبو داود في [ سننه ( 3/81 ) ] : باب في القوم يسافرون، يؤمرون أحدهم، وأخرج فيه عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : (( إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم )) ،  وعن نافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : (( إذا كان ثلاثة فليؤمروا أحدهم )) ، قال نافع : فقلنا لأبي سلمة : فأنت أميرنا ! ، رجال الحديثين ثقات واضطراب محمد بن عجلان فيه – مرة يجعله من حديث أبي هريرة ومرة يجعله من حديث أبي سعيد - : لا يضر، لأنه انتقال من صحابي إلي آخر وكل حجة، فالحديث صحيح ، أفاد ذلك الألباني في إرواء الغليل ( 8/106 )  ، وأخرج الإمام أحمد في  المسند ( 2/177 ) ­عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : (( ... ولا يحل لثلاثة نفر، أن يكونون بأرض فلاة، إلا أمروا عليهم أحدهم )) ، قال الهيثمي في (( المجمع ( 8/63-64 ) ))  : رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو لين، وبقية رجاله رجال الصحيح. ا ه .. وبناء على هذه الأدلة الشرعية ونحوها، فإن تولي الإمامة فرض كفاية، إذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين ، قال القاضي أبو يعلى (( الأحكام السلطانية  ( ص 19 ) )) : (( وهي فرض على الكفاية، مخاطب بها طائفتان من الناس، أحدهما : أهل الاجتهاد، حتى يختاروا ، والثانية : من يوجد فيه شرائط الإمامة، حتى ينتصب أحدهم للإمامة )) .اهـ

***

القاعدة الثالثة

وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم

والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها

 

الإمام القائم المستقر هو الذي تجب له البيعة ، وهو الذي جاء التغليظ على نقض بيعته ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : ( وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها : قال الحسن بن على البربهاري في كتاب  السنة - له - : (( من ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به، فهو أمير المؤمنين، لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام براً كان أو فاجراً  ... هكذا قال أحمد بن حنبل )) اهـ ، وقد دل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ( 12/240- النووي ) – كتاب الإمارة – أن عبد الله بن عمر جاء إلي عبد الله بن مطيع – حين كان أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية -، فقال عبد الله بن مطيع: أطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: أني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقوله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: (( من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية )) ، عبد الله بن مطيع هو: ابن الأسود بن حارثة القرشي العدوى المدني ، قال بن حبان في الثقات :  له صحبة ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات في فتنة ابن الزبير )) اهـ ، وقال الحافظ في التقريب : (( له رؤية وكان رأس قريش يوم الحرة، وأمره ابن الزبير على الكوفة، ثم قتل معه سنة ثلاث وسبعين )) ا هـ ، قال الذهبي في العبر (1/67) – في حوادث سنة ثلاث وستين -: (( كانت وقعة الحرة، وذلك أن أهل المدينة خرجوا على يزيد لقلة دينه فجهز لحربهم جيشاً عليهم مسلم بن عقبة )) اهـ ، (( وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي )) [  تاريخ الخلفاء للسيوطي : ( ص 209 ) ] ، قال الحافظ بن كثير في [ البداية والنهاية ( 8/232) ]  (( ولما خرج أهل المدينة عن طاعته – أي: يزيد -، وولوا عليهم بن مطيع، وابن حنظلة، لم يذكروا عنه – وهم أشد الناس عداوة له – إلا ما ذكروه عنه من شرب الخمر وإتيانه بعض القاذورات... بل قد كان فاسقاً، والفاسق لا يجوز خلعه، لأجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة ووقوع الهرج – كما وقع في زمن الحرة –  وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد، لا بايع أحد بعد بيعته ليزيد كما قال الإمام أحمد : [ المسند ( 7 : 231، 232 ) ] : حدثنا إسماعيل ابن علية : حدثني صخر بن جورية، عن نافع قال : لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنية وأهله، ثم تشهد، ثم قال : (( أما بعد، فإننا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، يقال : هذا غدرة فلان )) ، وإن من أعظم الغدر – إلا أن يكون الإشراك بالله - : أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله ، ثم ينكث بيعته فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الفيصل بيني وبينه ، وقد رواه مسلم والترمذي من حديث صخر بن جويرية، قال الترمذي : حسن صحيح )) أهـ. كلام ابن كثير ، قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالي – في [ الفتح ( 13/68 ) ] (( وفي هذا الحديث جواب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق )) أهـ ،

***

القاعدة الرابعة

من غلب فتولي الحكم واستتب له فهو إمام تجب بيعته وطاعته وتحرم منازعته ومعصيته

القاعدة الرصينة التي تمنع من الهرج واستحلال الدماء تتمثل في أنّ من غلب فتولي الحكم واستتب له فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته ومعصيته ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : ( قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – في العقيدة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: (( ... ومن غلب عليهم يعني : الولاة – بالسيف حتى صار خليفة ، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً )) اهـ  [ الأحكام السلطانية لأبي يعلى : ( ص 23 ) ] ، واحتج الإمام أحمد بما ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنه – أنه قال : (( ... وأصلي وراء من غلب )) [ ذكر ذلك القاضي في  الأحكام السلطانية ( ص 23) ] ، وقد أخرج أبي سعيد في [ الطبقات (4/193 ) ] – بسند جيد – عن زيد ابن أقال: (( ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدي إليه زكاة ماله )) ، وفي [ صحيح البخاري ( 13/193 )  ] -  كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس - عن عبد الله بن دينار قال : شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك ، قال : (( كتب: أني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وان بني قد أقروا بمثل ذلك )) ، قوله: (( حيث اجتمع الناس على عبد الله عبد الملك )) ، يريد: ابن مروان بن الحكم ، والمراد بالاجتماع : اجتماع الكلمة، وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان ، وهما عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير – رضي الله عنه –  ، وكان ابن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، فلما غلب عبد الملك واستقر له الأمر بايعه ،  [ الفتح ( 13/194) ] ، وهذا الذي فعله ابن عمر من مبايعة المتغلب هو الذي عليه الأئمة، بل، بل انعقدت عليه الإجماع من الفقهاء :  ففي [ الاعتصام للشاطبي (3/46) ]:  (( فقال: يحيى بن يحيى قيل له: البيعة مكروهة ؟ قال: لا. قيل له: فإن كانوا أئمة جور ؟ فقال : قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان ،وبالسيف أخذ الملك، أخبرني بذلك مالك عنه، أنه كتب إليه : وأقر لك بالسمع والطاعة على كتاب على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم  ، قال يحيى بن يحيى : والبيعة خير من الفرقة )) ا هـ. ، وروى البيهقي في [ مناقب الشافعي (1/448) ] عن حرملة قال: (( سمعت الشافعي يقول : كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمي خليفة، ويجمع الناس عليه، فهو خليفة انتهى ، وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظ ابن حجر في [ الفتح ( 13/7 ) ] ، فقال : (( وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء )) انتهى ،

***

القاعدة الخامسة

إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر وجبت طاعته ، وحرمت معصيته

 

ومن القواعد الرصينة التي تمنع من الهرج واستحلال الدماء أيضاً أنّ الإمام المتغلب المتمكن الذي استتب له الأمر ، هو الذي تجب له البيعة حقنا للدماء ، حتى ولو لم يستجمع شروط الإمامة ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : قال الغزالي :  (( لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة – بأن يغلب عليها جاهل بالأحكام ، أو فاسق – وكان في صرفه عنها إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته ، لأنا بين أن نحرك فتنة بالاستبدال، فما يلقي المسلمون فيه – أي: في هذا الاستبدال – من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة ، فلا يهدم أصل المصلحة شغفاً بمزاياها، كالذي يبني قصر ويهدم مصراً ، وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام، وبفساد الأقضية وذلك محال ، ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة ؟ ! اهـ [ إحياء علوم الدين وما بين شطرين من شرحه للزبيدي ( 2/233 ) ] ، وقد نقل الشاطبي في [ الاعتصام ( 3/44) ] كلاماً للغزالي نحو هذا ، لما مثل ل (( المصالح المرسلة )) هذا نصه : (( أما إذا انعقدت الإمامة بالبيعة، أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد وقامت له الشوكة، وأذعنت له الرقاب، بأن خلا الزمان عن قرشي مجتهد مستجمع جميع الشروط وجب الاستمرار [ على الإمامة المعقودة إن قامت له الشوكة ] على إمامته ، وإن قدر حضور قرشي مجتهد مستجمع للورع والكفاية وجميع شرائط الإمامة واحتاج المسلمون في خلع الأول إلي تعرض لإثارة فتن، واضطراب الأمور، لم يجز لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم الطاعة له، والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته .. ) ، ثم ضرب الغزالي مثلاً رائعاً وهو أن العلم اشترط الإمام لتحصيل مزيد من المصلحة في الاستقلال بالنظر والاستغناء عن التقليد ، إذا علم ذلك، فإن المرة المطلوبة من الإمامة : تطفئة الفتن الثائرة من تفرق الآراء المتنافرة ، قال الغزالي بعد ذلك : فكيف يستجيز العاقل تحريك الفتنة وتشويش النظام وتفويت أصل المصلحة في الحال، تشوفاً إلي مزيد دقيقة في الفرق بين النظر والتقليد   ، قال الشاطبي – تعليقاً على كلام الغزالي - : ( هذا ما قال – يعني : الغزالي -، وهو متجه بحسب النظر المصلحي وهو ملائم لتصرفات الشرع وإن لم يعضده  نص على التعيين. وما قرره هو اصل مذهب مالك ... ) ، ثم ساق الشاطبي رواية عن مالك بن أنس في هذا الباب – تقدم ذكرها – وقال: (( فظاهر هذه الرواية أنه إذا خيف عند خلع غير المستحق وإقامة المستحق أن تقع فتنة وما لا يصلح، فالمصلحة الترك ، وروي البخاري عن نافع ، قال : لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع بن عمر حشمه وولده، فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة ))، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وأني لا أعلم أحد منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه [ صحيح البخاري كتاب الفتن، باب : إذا قال عند قوم شيئا ً ثم خرج فقال بخلافه : ( 13/68 ) ] ، قال بن العربي : وقد قال ابن الخياط أن بيعة عبد الله لزيد كانت كرها، وأين يزيد من ابن عمر ؟ ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر الله، والفرار من التعرض لفتنة فيها من ذهاب الأموال والأنفس ما لا يفي بخلع يزيد، لو تحقق أن الأمر يعود في نصابه، فكيف ولا يعلم ذلك ؟ قال وهذا أصل عظيم فتفهموه والزموه، ترشدوا – إن شاء الله - )). انتهى من (( الاعتصام للشاطبي (3/46-47 ) ))

***

القاعدة السادسة

يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم

 

ومن القواعد الرصينة التي تمنع من الهرج والمرج واستحلال الدماء أيضاً : أنّه يصح عند الاضطرار تعدد الأئمة ، ويأخذ كل إمام منهم  في قطره حكم الإمام الأعظم ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : ( قال العلامة الصنعاني – رحمه الله تعالي – في شرح حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – مرفوعاً :  (( من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات ، فميتته ميتة جاهلية )) [ أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة  : (3/1476 ) ] ، قوله : عن الطاعة ، أي : طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه ، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم ، إذ لو حمل الحديث على خليفة أجتمع عليه أهل الإسلام ، لقلت فائدته ، وقوله : (( وفارق الجماعة ))، أي : خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم )) أهـ [ سبيل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام ( 3/499 ) ] ، وقال العلامة الشوكاني – رحمه الله تعالى – في شرح صاحب  الأزهار : ( ولا يصح إمامان ) : ( وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلي إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته ، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر ، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبت فيه ولايته، وبايعه أهله، كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب ، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته، لتباعد الأقطار، فأنه قد لا يبلغ إلي ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكيف بما لا يطاق ، وهذا معلوم لكل من له إطلاع على أحوال العباد والبلاد .... فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار ، ومن أنكر هذا، فهو مباهت ولا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها ) أهـ [ السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار : ( 4/512 ) ] ، فهذه أقوال ثلاثة من علماء الأمة المجتهدين تقرر صحة تعدد الأئمة في بيعة الاضطرار، ومعولها على الأدلة الشرعية والقواعد المرعية والمصالح الكلية، وقد سبقهم إلي نحو هذا ثلة من العلماء المحققين ، من ذلك قول العلامة ابن الأزرق المالكي قاضي القدس [ بدائع السلك في طبائع الملك : ( 1/76-77 ) ] : ( أن شرط وحدة الإمام بحيث لا يكون هناك غيره لا يلزم مع تعذر الإمكان ، قال بن عرفة – فيما حكاه الأبي عنه - : فلو بعد موضع الإمام حتى لا ينفذ حكمه في بعض الأقطار البعيدة، جاز نصب غيره في ذلك القطر ، وللشيخ علم الدين يجوز ذلك للضرورة ... ) اهـ ، وقد حكي العلامة بن كثير الخلاف في هذه المسألة، وذكر قول الجمهور القائلين بعدم الجواز، ثم قال : ( وحكي إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك ، قلت : وهذا يشبه حال الخلفاء من بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب ... ) اهـ [ تفسير ابن كثير : ( 1/74) ] ، وقال المازري في " المعلم " [ المعلم بفوائد مسلم ( 3/35-36 ) ] : (( العقد لإمامين في عصر واحد لا يجوز وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلي أن ديار المسلمين إذا اتسعت وتباعدت، وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإمام ولا تدبيره حتى يضطروا إلي إقامة إمام بدبرهم، فإن ذلك يسوغ لهم )) اهـ ، وبهذه النقول الواضحة يتجلى ما عليه بعض المحققين من أهل العلم من جواز تعدد الأئمة للضرورة والحاجة ، وعليه يثبت شرعاً لهؤلاء الأئمة المتعددين ما يثبت للإمام الأعظم يوم أن كان موجوداً فيقيمون الحدود ونحوها ويسمع ويطاع لهم، ويحرم الخروج عليهم ،

***

القاعدة السابعة

الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون الذين لهم سلطان وقدرة

 

ومن القواعد الرصينة التي تمنع من الهرج والمرج واستحلال الدماء أيضاً : الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون، الذين لهم سلطان وقدرة ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : أما من كان معدوماً أو لا قدرة له على شيء أصلاً، فليس داخلاً فيما أمر النبي صلى الله عليه وسلم  من طاعة الولاة ، يقول ابن تيمية – رحمه الله تعالي – ( أن النبي صلى الله عليه وسلم  أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً ) انتهي [ منهاج السنة النبوية ( 1/115 ) ] ، وحجة هذا : أن مقاصد الإمامة التي جاء الشرع بها من إقامة العدل بين الناس وإظهار شعائر الله –تعالي – وإقامة الحدود ونحو ذلك لا يمكن أن يقوم بها معدوم لم يوجد بعد، ولا مجهول لا يعرف ، وإنما يقوم بها الإمام الموجود الذي يعرفه المسلمون عموماً علماؤهم وعوامهم، شبابهم وشيبهم، رجالهم ونسائهم، والذي له قدرة على إنقاذ مقاصد الإمامة، فإذا أمر برد مظلمة ردت،  وإذا حكم بحد أقيم، وإذا عزر نفذ تعزيزه في رعيته ونحو ذلك مما هو من مظاهر السلطان والولاية، فهذا هو الذي يحقق الله على يديه مصالح السلطان والولاية، فهذا هو الذي يحقق الله على يديه مصالح المسلمين، فتأمن به السبل وتجتمع عليه الكلمة، وتحفظ به بيضة أهل الإسلام ، فمن نزل نفسه منزلة ولي الأمر الذي له القدرة والسلطان على سياسة الناس، فدعا جماعة للسمع والطاعة له أو أعطته تلك الجماعة بيعة تسمع وتطيع له بموجبها، أو دعا الناس إلي أن يحتكموا إليه في رد الحقوق غلي أهلها تحت أي مسمي كان ونحو ذلك، وولي الأمر قائم ظاهر : فقد حاد الله ورسوله، وخالف مقتضي الشريعة، وخرج من الجماعة ، فلا تجب طاعته، بل تحرم، ولا يجوز الترافع إليه ولا ينفذ له حكم ومن آزره أو ناصره بمال أو كلمة أو أقل من ذلك، فقد أعان على هدم الإسلام وتقتيل أهله وسعى في الأرض فساداً، والله لا يحب المفسدين

***

القاعدة الثامنة

وجوب السمع والطاعة للحاكم في غير معصية

ومن القواعد الرصينة  في هذا الباب من السياسة الشرعية الحكيمة ، وجوب السمع والطاعة للحاكم في غير معصية ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : الفصل الرابع في وجوب السمع والطاعة للحاكم في غير معصية : السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين – في غير معصية – مجمع على وجوبه عند أهل السنة والجماعة وهو أصل من أصولهم التي باينوا بها أهل البدع والأهواء ، وقل أن تري مؤلفاً في عقائد أهل السنة إلا وهو ينص على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا وظلموا، وإن فسقوا وفجروا ، وقد نقل الإجماع على ذلك حرب الكرماني – صاحب الإمام أحمد – حيث قال في (( العقيدة ))التي نقلها عن جميع السلف : (( والانقياد لمن ولاه الله – عز وجل – أمركم، لا تنزع يداً من طاعته، ولا تخرج عليه، حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجا، ولا تخرج على السلطان ،وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك، فهو مبتدع مخالف للجماعة )) [  نقلها ابن القيم في حادي الأرواح ( ص 399 – 406 ) ] ، يقول الحسن البصري – رحمه الله - : (( هؤلاء – يعني الملوك –وإن رقصت بهم المهاليج ووطئ الناس أعقابهم، فإن ذل المعصية في قلوبهم، إلا أن الحق ألزمنا طاعتهم، ومنعنا من الخروج عليهم، وأمرنا أن نستدفع بالتوبة والدعاء مضرتهم، فمن أراد به خيراً لزم ذلك، وعمل به ،ولم يخالفه )) ، [ كتاب آداب الحسن البصري لابن الجوزي : ( ص 121 ) ] وقد بين العلامة صدر الدين السلمي في رسالته : [ طاعة السلطان ( ص 45 )  ] الحكمة من تأكيد الشارع على وجوب السمع والطاعة للأئمة في غير معصية وتحذيره الشديد من مخالفة أمرهم كذلك فقال – رحمه الله تعالي - : (( وقد روينا في الأحاديث الصحاح التي بلغت حد التواتر – أو كادت أن تبلغه - : أمر النبي ً بالسمع والطاعة لولى الأمر ومناصحته ومحبته والدعاء له : ما لو ذكرناه لطال الكلام لكن اعلم – أرشدك الله وإياي إلي الإتباع، وجنبنا الزيغ والابتداع - : أن من قواعد الشريعة المطهرة والملة الحنيفة المحررة : أن طاعة الأئمة فرض على كل الرعية ،وأن طاعة السلطان مقرونة بطاعة الرحمن ،وأن طاعة السلطان تؤلف شمل الدين وتنظم أمر المسلمين ، وأن عصيان السلطان يهدم أركان الملة ,أن أرفع منازل السعادة طاعة السلطان، وأن طاعة السلطان عصمة من كل فتنة ونجاة من كل شبهة، وأن طاعة السلطان عصمة لمن لجأ إليها وحرز لمن دخل فيها، وبطاعة السلاطين تقام الحدود وتؤدي الفرائض وتحقن الدماء وتأمن السبل، وما أحسن ما قالت العلماء : أن طاعة السلطان هدي لمن استضاء بنورها، وموئل لمن حافظ عليها ، وأن الخارج من طاعة السلطان منقطع العصمة من الذمة وأن طاعة السلطان حبل الله المتين ودينه القويم، وجنته الواقية، وأن الخروج منها خروج من أنس الطاعة إلي وحشة المعصية ،ومن أسر غش السلطان ذل وزل ، ومن أخلص له المحبة والنصح حل من الدين والدنيا في أرفع محل ، وقد روينا في الأحاديث الصحاح أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بالسمع والطاعة لولي الأمر ومناصحته و محبته والدعاء له ما لو ذكرناه لكان بما حله الناظر وسأمه الخاطر، كما تقدم فاقتصرنا على ما أوردناه واكتفينا بما بيناه )). ا هـ.  وكل ما ذكره – رحمه الله تعالي – حق ما دام السلطان لم يأمر بمعصية الله – تعالي -، فإن أمر بمعصية الله – تعالي – فقد حرمت طاعته في المعصية وفي ذلك مصالح الدين والدنيا لأن ذلك تقديم لطاعة الملك الديان وعصيان لأولياء الشيطان { أن كيد الشيطان كان ضعيفاً  } ، والإجماع الذي أنعقد عند أهل السنة والجماعة على وجوب السمع والطاعة لهم مبني على النصوص الشرعية الواضحة التي تواترت بذلك ، ( قلت ) : وقد تقدم ذكر تلك الأدلة ،

***

 

القاعدة التاسعة

مراعاة الشارع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم

ومن قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة مراعاة الشارع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم لأنّ ذلك يعود على الجميع باستتباب الامن واحترام الحاكم واستقرار الحكم ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : مراعاة الشارع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم : وذلك من طريقين : الأول : الأمر بذلك والتأكيد عليه ، الثاني : النهي عن كل ما يقضي إلي التفريط في توقيرهم واحترامهم من سبهم وانتقاصهم، والتأليب عليهم، ونحو ذلك.

فمن الطريق الأول : ما بوب له الحافظ ابن أبي عاصم في كتابه (( السنة (2/490-492 )  ))، حيث قال : باب في ذكر فضل تعزيز الأمير وتوقيره ، ثم ساق بسنده عن معاذ بن جبل، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( خمس من فعل واحدة منهن كان ضامناً على الله – عز وجل - : من عاد مريضاً، أو خرج مع جنازة أو خرج غازياً أو دخل على إمامة يريد تعزيزه وتوقيره، أو قعد في ببيته، فسلم الناس منه وسلم من الناس )) [حديث صحيح بطرقه، وقد أخرجه أيضاً – الإمام أحمد في (( المسند ( 5/241) ))، انظر (( ظلال الجنة في تخريج السنة )) للألباني : ( 2/490-491 ) ] ، وبسنده أيضاً عن أبي بكرة – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله ً يقول : (( السلطان ظل الله في الأرض ، فمن أكرمه أكرم الله، ومن أهانه أهانه الله )) ، ومثل الإمام ابن أبي عاصم : الأمام أبو القاسم الأصبهاني – الملقب بقوام السنة – حيث قال في كتابه (( الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة : ( 2/409) )) ، (( فصل في فضل توقير الأمير )) وساق حديث معاذ – رضي الله عنه – السابق وحديث أبي ذر – رضي الله عنه – الآتي ، ومثلهما - أيضاً - : التبريزي، حيث قال في كتابه (( النصيحة (ص 89 ) ))  : باب ذكر النصيحة للأمراء وإكرام محلهم ، وتوقير رتبتهم، وتعظيم منزلتهم. أهـ

ومن الطريق الثاني : ما بوب له ابن أبي عاصم – أيضاً – في كتاب (( السنة ( 2/489-490 ) )) حيث قال : باب ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم  من أمره بإكرام السلطان وزجره عن إهانته ، ثم ساق بسنده حديث أبي بكر – السابق - : (( من أهان سلطان الله أهانه الله )) ، وبسنده – أيضاً – عن أبي ذر – رضي الله عنه – ن قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( سيكون بعدي سلطان، فمن أراد ذله ثغر في الإسلام ثغرة وليست له توبة إلا أن يسدها وليس يسدها إلي يوم القيامة )) ، وقد أخرج بن أبي عاصم في (( السنة ( 2/513 ) )) هذا الحديث من وجه أخر صحيح، عن معاوية بن أبي سفيان، قال : لما خرج أبو ذر إلي الزبدة، لقيه ركب من أهل العراق، فقالوا : يا أبا ذر قد بلغنا الذي صنع بك فاعقد لواءً يأتيك رجال ما شئت ، قال : مهلاً مهلاً يا أهل الإسلام، فغني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( سيكون بعدي سلطان فأعزوه، من ألتمس ذله ثغر ثغرة في الإسلام، ولم يقبل منه توبة حتى يعيدها كما كانت )) ، ومن تأمل النصوص الواردة في هذا الباب علم أن الشارع إنما أمر بتوقير الولاة وتعزيزهم، ونهي عن سبهم وانتقاصهم لحكمة عظيمة ومصلحة كبرى، ، وأشار إلي طرف منها الإمام القرافي في كتابه الذخيرة ( 13/234 ) ، فقال : (( قاعدة ضبط المصالح العامة واجب ولا ينضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية، ومتي اختلفت عليهم – أو أهينوا – تعذرت المصلحة ... )) اهـ ، وقد أشار أيضاً العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين – رحمه الله – إلي الحكمة في ذلك بقوله : (( فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلاً لإثارة الناس وإلي تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس ، كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة والفوضى ، وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يحملونها ، فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ضاع الشرع والأمن ، لأن الناس إن تكلم العلماء لم يثقوا بكلامهم وأن تكلم الأمراء تمردوا على كلامهم، فحصل الشر والفساد ، فالواجب أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان وأن يضبط الإنسان نفسه وأن يعرف العواقب ، وليعلم أن من يثور إنما يخدم أعداء الإسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة ... )) أهـ [ نقلاً عن رسالة حقوق الراعي والرعية مجموعة خطب للشيخ ابن عثيمين ] ، ورحم الله سهل بن عبد الله التستري حينما قال : (( لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين : أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين : أفسدوا دنياهم وأخراهم )) أهـ [ تفسير القرطبي : ( 5/260-261 ) ] ، وأن شئت أن تتضح لك هذه القاعدة أكثر وتعلم منزلتها عند علماء الأمة، فتأمل حادثة الإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي، ساقها الإمام ابن القيم – رحمه الله – في كتابه (( بدائع الفوائد ( 2/176) ))  حيث يقول : (( فائدة عوتب ابن عقيل في تقبيل يد السلطان حين صافحه فقال : أرأيتم لو كان والدي فعل ذلك فقبلت يده، أكان خطأ، أم واقعاً موقعه ؟ قالوا : بلي، قال فالأب يربي ولده تربية خاصة والسلطان يربي العالم تربية عامة، فهو بالإكرام أولى ، ثم قال : وللحال الحاضرة حكم من لبسها، وكيف يطلب من المبتلى بحال، ما يطلب من الخالي عنها ؟ )) اهـ.

***

القاعدة العاشرة

أهم حقوق الحاكم المسلم العشرة

[  1  ] : من أهم حقوق الحاكم المسلم عشرة : ( الحق الأول ) : بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية ، و ( الحق الثاني ) : بذل النصيحة له سراً وعلانية ، و ( الحق الثالث ) :  القيام بنصرتهم باطناً وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين ، و ( الحق الرابع ) : أن يعرف له حقه وما يجب من تعظيم قدره ، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالي له من الإعظام ، و ( الحق الخامس ) : إيقاظه عند غفلته ، وإرشاده عند هفوته ، شفقة عليه ، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه ، و ( الحق السادس ) : تحذيره من عدو يقصده بسوء ، و ( الحق السابع ) : إعلامه بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم، لينظر لنفسه في خلاص ذمته، وللأمة في مصالح ملكه ورعيته ، و ( الحق الثامن ) : إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، و ( الحق التاسع ) : رد القلوب النافرة عنه إليه وجمع محبة الناس عليه لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة ، و ( الحق العاشر ) :  الذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل، في الظاهر والباطن والسر والعلانية ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : قد بين العلماء كثير من المقاصد الأساسية للإمامة في الشريعة الإسلامية ما بين مطول ومختصر، وألف صديق حسن خان ( المتوفي سنة 1307 هـ ) كتاباً بعنوان (( إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة )) قال : ولما رأيت العلامة ابن جماعة الكتاني – رحمه الله تعالي – قد استوفي جل هذه المقاصد وعبر عنها بالحقوق الواجبة على السلطان، آثرت سياقها كما ذكرها، حيث ذكر الحقوق التي للسلطان والحقوق التي عليه، وهذا مسردها :  (( للسلطان أو للخليفة على الأمة عشرة حقوق، ولهم عليه عشرة حقوق )) :  أما حقوق السلطان العشرة : فالحق الأول : بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية :  قال الله – تعالي - { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } ، وأولو الأمر هم : الإمام ونوابه – عند الأكثرين – ، وقيل : هم العلماء ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم  : (( السمع والطاعة على المسلم فيما أحب – أو كره – ما لم يؤمر بمعصية )) ، فقد أوجب الله – تعالي – ورسوله : طاعة أولي الأمر ولم يستثن منه سوي المعصية فبقي ما عداه على الامتثال ، و ( الحق الثاني ) : بذل النصيحة له سراً وعلانية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( الدين النصيحة )) ، قالوا : لمن ؟ قال : (( لله، ولرسوله، ولكتابه ولأئمته المسلمين، وعامتهم )) ، و ( الحق الثالث ) :  القيام بنصرتهم باطناً وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين ، و ( الحق الرابع ) : أن يعرف له حقه وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام ، وما جعل الله – تعالي – له من الإعظام ، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم، ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم، وعدم الطمع فيما لديهم وما يفعله بعض المنتسبين إلي الزهد من قلة الأدب معهم ، فليس من السنة ، و ( الحق الخامس ) : إيقاظه عند غفلته ،وإرشاده عند هفوته، شفقة عليه، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه ، و ( الحق السادس ) : تحذيره من عدو يقصده بسوء، وحاسد يرومه بأذى أو خارجي يخاف عليه منه، ومن كل شيء يخاف عليه منه فإن ذلك من أكد حقوقه وأوجبها ، و ( الحق السابع ) : إعلامه بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم، لينظر لنفسه في خلاص ذمته، وللأمة في مصالح ملكه ورعيته ، و ( الحق الثامن ) : إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، قال الله – تعالي - { وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى }، وأحق من أعين على ذلك ولاة الأمور ، و ( الحق التاسع ) : رد القلوب النافرة عنه إليه وجمع محبة الناس عليه لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة ، و ( الحق العاشر ) :  الذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل، في الظاهر والباطن والسر والعلانية  ، وإذا وفت الرعية بهذه الحقوق العشرة الواجبة، وأحسنت القيام بمجامعها، والمراعاة لمواقعها، صفت القلوب وأخلصت واجتمعت الكلمة وانتصرت ،

[  2  ] : وأما حقوق الرعية العشرة على السلطان : فالأول : حماية بيضة الإسلام والذب عنها إما في كل إقليم – إن كان خليفة – أو في القطر المختص به إن كان مفوضاً إليه، فيقوم بجهاد المشركين، ودفع المحاربين والباغين وتدبير الجيوش و تجنيد الجنود وتحصين الثغور بالعدة المانعة، والعدة الدافعة، وبالنظر في ترتيب الأجناد في الجهات على حسب الحاجات وتقدير إقطاعهم، وأرزاقهم، وصلاح أحوالهم ، و ( الحق الثاني ) : حفظ الدين على أصوله المقررة وقواعده المحررة، ورد البدع والمبتدعين، وإيضاح حجج الدين، ونشر العلوم الشرعية، وتعظيم العلم وأهله، ورفع مناره ومحله، ومخالطة العلماء الأعلام، النصحاء لدين الإسلام ومشاورتهم في موارد الأحكام، ومصادر النقض والإبرام ، قال الله – تعالي – لنبيه صلى الله عليه وسلم  {وشاورهم في الأمر } ، قال الحسن : (( كان – والله – غنياً عن المشاورة ولكن أراد أن يستن لهم )) ، و ( الحق الثالث ) : إقامة شعائر الإسلام كفروض الصلوات والجمع والجماعات والأذان والإقامة ،والخطابة، والإقامة، ومنه النظر في أمر الصيام والفطر وأهلته، وحج البيت الحرام وعمرته ، ومنه : الاعتناء بالأعياد وتيسير الحجيج من نواحي البلاد ،وإصلاح طرقها وأمنها في مسيرهم وانتخاب من ينظر أمورهم ، و ( الحق الرابع ) : فصل القضايا والأحكام بتقليد الولاة والحكام لقطع المنازعات بين الخصوم  ،وكف المظالم عن المظلوم ولا يولي ذلك إلا من يثق بديانته وصيانته من العلماء والصلحاء، والكفاءة ليعلم حال الولاة مع الرعية فإن مسئول عنهم ن مطالب بالجناية منهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( كل راع مسئول عن رعيته )) ، و ( الحق الخامس ) : إقامة فرض الجهاد بنفسه وبجيوشه أو سراياه وبعوثه، وأقل ما يجب في كل سنة مرة، إن كان بالمسلمين قوة فإن دعت الحاجة إلي أكثر منه، وجب بقدر الحاجة ولا يخلي سنة من جهاد إلا لعذر، كضعف بالمسلمين – والعياذ بالله تعالي – واشتغالهم بفكاك أسراهم واستنقاذ بلاد أستولي الكفار عليها ، ويبدأ بقتال من يليه من الكفار إلا إذا قصده الأبعد فيبدأ بقتاله لدفعه ، و ( الحق السادس ) : إقامة الحدود الشرعية على الشروط المرعية، صيانة لمحارم الله عن التجرؤ عليها، ولحقوق العباد عن التخطي إليها ويسوى في الحدود بين القوي والضعيف والوضيع والشريف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( إنما أهلك من كان قبلكم : أنهم كانوا يقيمون الحدود على الوضيع ويتركون الشريف، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها )) ، و ( الحق السابع ) : جباية الزكوات والجزية من أهلها، وأموال الفيء والخراج عند محلها وصرف ذلك في مصارفه الشرعية وجهاته المرضية، وضبط جهات ذلك إلي الثقات من العمال ، و ( الحق الثامن ) : النظر في أوقاف البر والقربات وصرفها فيما هي له من الجهات وعمارة القناطر وتسهيل سبل الخيرات ، و ( الحق التاسع ) : النظر في قسم الغنائم وتقسيمها، وصرف أخماسها إلي مستحقيها ، و ( الحق العاشر ) : العدل في سلطانه وسلوك موارده في جميع شأنه، قال – تعالي - : { أن الله يأمر بالعدل والإحسان. } ، وقال – تعالي - : { وإذا قلتم فاعدلوا } ، وفي كلام الحكمة : عدل الملك حياة الرعية وروح المملكة، فما بقاء جسد لا روح فيه ؟ ! ، فيجب على من حكمه الله – تعالي – في عباده وملكه شيئاً من بلاده ن أن يجعل العدل اصل اعتماده ن وقاعدة استناده، لما فيه من مصالح العباد، وعمارة البلاد، ولأن نعم الله يجب شكرها، وأن يكون الشكر على قدرها، ونعمة الله على السلطان فوق كل نعمة، فيجب أن يكون شكره أعظم من كل شكر ، وأفضل ما يشكر به السلطان لله – تعالي - : إقامة العدل فيما حكمه فيه ، وقد اتفقت شرائع الأنبياء ، وآراء الحكماء والعقلاء، أن العدل سبب لنمو البركات ومزيد الخيرات ،وأن الظلم والجور سبب لخراب الممالك واقتحام المهالك  ولا شك عندهم في ذلك ... )) اهـ  [تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام ( ص 61-71 )، وانظر حقوق الرعية في  الأحكام السلطانية لأبي يعلى ( ص 19 ) ] ،

***

القاعدة الحادية عشرة

الصبر على جور الأئمة درئاً للفتنة وحفظا لحرمات أهل الإسلام

ومن قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة الصبر على جور الأئمة درئاً للفتنة وحفظا لحرمات أهل الإسلام ، وقد جاءت الأحاديث تترا تأمر بالصبر على جورهم واعطائهم حقوقهم كاملة دونما نقصان ، ومن تلك الأحاديث : قوله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري (7053)، ومسلم (1851) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) [أخرج مسلم (1836) ] ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : (         الصبر على جور الأئمة أصل من أصول السنة والجماعة لا تكاد تري مؤلفا في السنة يخلو من تقرير هذا الأصل، والحض عليه ، وقد بلغت الأحاديث حد التواتر في ذلك [ رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين للشوكاني ( ص 81-82 ) ، وهذا من محاسن الشريعة فإن الأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم يجلب من المصالح ودرأ من المفاسد ما يكون به صلاح العباد والبلاد ، قال ابن تيمية – رحمه الله تعالي - : (( وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ أو غير سائغ، فلا يجوز أن يزال لما فيه من ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النفوس، تزيل الشر بما هو شر منه ،وتزيل العدوان بما هو أعدى منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم فيصبر عليه، كما يصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور والمنهي – في مواضع كثيرة – كقوله – تعالي - :{ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } [ لقمان : 17 ] ، وقوله {  فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } [ لقمان : 35 ] ، وقوله { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [ الطور : 48 ] )) انتهى [بدائع السلك في طبائع الملك : ( 1/76 ) ] ،  فاصبر على السلاطين إذا جاروا من عزائم الدين ومن وصايا الأئمة الناصحين ، جاء في (( الشريعة ( ص 38 ) )) للأجري : عن عمر بن يزيد، أنه قال : (( سمعت الحسن – أيام يزيد بن المهلب يقول – وأتاه رهط – فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال : والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا على ما لبثوا أن يرفع الله -  عز وجل – ذلك عنهم وذلك أنهم يفزعون إلي السيف فيوكلون إليه، والله ما جاؤوا بيوم خير قط، ثم تلا : {  وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا  كَانُوا يَعْرِشُونَ } [ الأعراف : 137 ] ، وقال الحسن - أيضاً - : (( أعلم – عافاك الله – أن جور الملوك نقمة من نقم الله – تعالي -، ونقم الله لا تلاقي بالسيوف، وإنما تتقي وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب ، إن نقم الله متي لقيت بالسيوف كانت هي أقطع ، ولقد حدثني مالك بن دينار أن الحجاج كان يقول : اعلموا أنكم كلما احد ثم ذنباً أحدث الله في سلطانكم عقوبة ، ولقد حدثت أن قائلاً قال للحجاج : إنك تفعل بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم  كيت و كيت ! فقال : أجل، إنما أنا نقمة على أهل العراق لما أحدثوا في دينهم ما أحدثوا، وتركوا من شراع نبيهم عليه السلام – ما تركوا )) اهـ ، وقيل : سمع الحسن رجلاً يدعو على الحجاج، فقال : لا تفعل - رحمك الله -، إنكم من أنفسكم أتيتم، إنما نخاف إن عزل الحجاج أو مات : أن تليكم القردة والخنازير ، ولقد بلغني أن رجلاً كتب إلي بعض الصالحين يشكو إليه جور العمال فكتب إليه : يا أخي ! وصلني كتابك تذكر ما أنتم فيه من جور العمال، وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة، وما أظن الذي أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب والسلام )) أهـ [ من كتاب آداب الحسن البصري لابن الجوزي : ( ص 119 – 120 ) ، فهذا موقف أهل السنة والجماعة من جور السلطان يقابلونه بالصبر والاحتساب، ويعزون حلول ذلك الجور بهم غلي ما اقترفته أيديهم من خطايا وسيئات، كما قال الله – جلا وعلا - : { وَمَا  أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }[ الشورى : 30 ] ، فيهرعون إلي التوبة والاستغفار  ، ويسألون الله – جل وعلا – أن يكشف ما بهم من ضر ، ولا يقدمون على شيء مما نهي عنه الشرع المطهر في هذه الحال – من حمل السلاح أو إثارة فتنة أو نزع يد من طاعة -، لعلمهم أن هذه الأمور إنما يفزع إليها من لا قدر لنصوص الشرع في قلبه من أهل الأهواء الذين تسيرهم الآراء لا الآثار، وتتخطفهم الشبه، ويستنزلهم الشيطان ، ولقد جاء في النصوص (( من التحذير عن مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله – عز وجل الكريم – عن مذهب الخوارج ولم ير رأيهم وصبر على جور الأئمة وحيف الأمراء، ولم يخرج عليهم بسيفه، وسال الله العظيم كشف الظلم عنه وعن جميع المسلمين، ودعا للولاة بالصلح، وحج معهم، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين، وصلى خلفهم الجمعة والعيدين وإن أمروه بطاعتهم فأمكنته طاعتهم أطاعهم ،وإن لم يمكنه اعتذر إليهم وإن أمروه بمعصية لم يطعهم وإذا دارت بينهم الفتن لزم بيته، وكف لسانه ويده ،ولم يهو ما هم فيه ،ولم يعلن على فتنة فمن كان هذا وصفه كان على الطريق المستقيم – إن شاء الله - )) [ انتهي من كلام الآجري في الشريعة : ص ( 37 ) ] ، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم  تأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم ، أسوق طرفاً منها :

الدليل الأول : أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما [ البخاري : ( 13/5 ) ومسلم ( 3/1477 ) ]  عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : (( من رأي من أميره شيئاً يكرهه فليصبر ، فإنه من فارق الجمعة شبراً فمات فميتة جاهلية )) ، وفي رواية لمسلم : (( من كره من أميره شيئاً ،فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً، فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية )) ، قال ابن أبي جمرة : (( المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلي سفك الدماء بغير حق )) ا هـ. ، والمراد بالميتة الجاهلية : حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك وليس المراد أنه يموت كافراً، بل يموت عاصياًً، قاله الحافظ في (( الفتح (13/7 ) ))

الدليل الثاني : أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما [ البخاري : ( 13/5 ) ،ومسلم : (3/1472 ) ] – أيضا-، عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : (( إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تكرهونها  ، قالوا : يا رسول الله ! فما تأمرنا ؟ قال : تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم )) ، قوله : (( أثرة )) هي : الانفراد بالشيء عمن له فيه حق ، وقوله أمور تنكرونها : يعني : من أمور الدين ، وقد أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم  في هذه الحالة – وهي استئثار الأمراء بالأموال وإظهارهم للمخالفات الشرعية ... – إلي المسلك السليم والمعاملة الحسنة التي يبرا صاحبها من الوقوع في الإثم، وهي إعطاء الأمراء الحق الذي كتب لهم علينا ،من الانقياد لهم وعدم الخروج عليهم ، وسؤال الله الحق الذي لنا في بيت المال بتسخير قلوبهم لأدائه أو بتعويضنا عنه ، قال النووي في [شرح مسلم : ( 12/232 ) ] على هذا الحديث : (( فيه الحث على السمع والطاعة وإن كان المتولي ظالماً عسوفاً، فيعطي حقه من الطاعة، ولا يخرج عليه، ولا يخلع، بل يتضرع إلي الله – تعالي – في كشف أذاه، ودفع شره، وإصلاحه )) انتهى ، وقال ابن علان : (( فيه الصبر على المقدور والرضي بالقضاء حلوه ومره والتسليم لمراد الرب العليم الحكيم )) أهـ [ دليل الفالحين : ( 1/197 ) ] ،

الدليل الثالث : أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما [ البخاري : ( 13/5 ) ، ومسلم : ( 3/1474 ) ] ، عن أسيد بن حضير  أن رجلاً من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ألا تستعملني كما استعملت فلاناً ؟ فقال : (( إنكم ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض )) ، وقد بوب عليه النووي في (( شرح مسلم  12/235 ) )) فقال : (( باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم )) ا هـ. وبوب عليه ابن أبي عاصم في (( السنة (2/523 ) ))، فقال : (( باب ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم  من الصبر عندما يري المرء من الأمور التي يفعلها الولاة )) أهـ.

الدليل الرابع : أخرج الإسماعيلي في (( مسند عمر بن الخطاب )) [ ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ( 13 /6 ) ، وسكت عنه وقد ذكره السيوطي في رسالته : ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلي السلاطين : ( 17-48 ) ،ونسبه إلي الحكيم الترمذي في نوادر الاصول ] ، عن عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه – مرفوعاً، قال : (( أتاني جبريل، فقال : إن أمتك مفتتنة من بعدك، فقلت : من أين ؟ فقال : من قبل أمرائهم، وقرائهم، يمنع الأمراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون ، قلت : فكيف يسلم من سلم منهم ؟ قال : بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه ،وإن منعوه تركوه )) ، قال ابن كثير في مسند الفاروق عمر بن الخطاب ( 2/659 ) : (( حديث غريب من هذا الوجه، فإن مسلمة بن على الخشني ضعيف )) اهـ.

الدليل الخامس : أخرج ابن أبي شيبة في (( المصنف ( 12/544 ) )) ، والخلال في (( السنة ( ص 111 ) )) وأبو عمرو الداني في (( الفتن (1/403 ) )) وابن أبي زمنين في (( أصول السنة ص279)) بإسناد جيد عن سويد بن غفلة قال : قال لي عمر – رضي الله عنه - : (( يا أبا أمية إني لا أدري لعلى لا ألقاك بعد عامي هذا ،فإن أمر عليك عبد حبشي مجدع، فاسمع له وأطع، وإن ضربك فاصبر وإن حرمك فاصبر وإن أراد أمراً ينقض دينك فقل : سمعاً وطاعة، ودمي دون ديني، ولا تفارق الجماعة )) ،

الدليل السادس : أخرج أبو عمرو الداني في (( الفتن (1/404 ) ))  عن محمد بن المنكدر ، قال : لما بويع يزيد بن معاوية ذكر ذلك لابن عمرو فقال : (( إن كان خيراً رضينا وإن كان شراً صبرنا ))  ، وأخرجه ابن أبي شيبة ( 11/100 ) ، وابن أبي زمنين في (( أصول السنة ( ص 280 ) ))

الدليل السابع : روي التبريزي في (( النصيحة للراعي والرعية (ص 65 ) )) ، عن كعب الأحبار، أنه قال : (( السلطان ظل الله في الأرض، فإذا عمل بطاعة الله، كان له الأجر وعليكم الشكر، وإذا عمل بمعصية الله، كان عليه الوزر وعليكم الصبر، ولا يحملنك حبه على أن تدخل في معصية الله ولا بغضة على أن تخرج من طاعته )) ، ففي هذه الأحاديث والآثار – وغيرها كثير – وجوب الصبر على جور الأئمة واحتمال الأذى مهم، لما في ذلك من درء المفاسد العظيمة التي تترتب على عدم الصبر عليهم  ، يقول ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله - : (( وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا لأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله – تعالي – ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل ، قال – تعالي- { وَمَا  أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] ، وقال – تعالي - {  أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ } [ آل عمران : 165 ] ، وقال – تعالي - : {  مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا  أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } [ النساء : 79 ] ، وقال – تعالي - : { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [ الأنعام : 129 ] ، فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم ، فليتركوا الظلم ،  وعن مالك بن دينار أنه جاء في بعض كتب الله : (( إنا الله مالك الملك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك، ولكن توبوا أعطفهم عليكم )) انتهى [ شرح العقيدة الطحاوية : ( ص  368 ) ] ، وهذا الأثر الذي ذكره في الإسرائيليات ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم  مرفوعاً ، ولا يثبت [ ينظر مجمع الزوائد : ( 5/294 ) ] ، وإنما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ( 13/187، 203 ) بسند صحيح إلي مالك بن مغول، قال : كان في زابور داود : إني أنا الله لا إله إلا أنا ... بنحوه ، وقد جزم ابن الجوزي في (( العلل : 2 : 768 ))  أن هذا الكلام الوارد في بعض الكتب السابقة وتبعه على ذلك السخاوي في تخريج أحاديث العادلين ( ص 158 ) ،   

***

 

القاعدة الثانية عشرة

النهي عن سب الأمراء

ومن قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة النهي عن سب الحكام حتى ولو كانوا جائرين ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : ( الوقيعة في أعراض الأمراء، والاشتغال بسبهم، وذكر معا يبهم خطيئة كبيرة ،وجريمة شنيعة، نهى عنها الشرع المطهر، وذم فاعلها ، وهي نواة الخروج على ولاة الأمر، الذي هو أصل فساد الدين والدنيا معاً ، وقد علم أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فكل نص في تحريم الخروج وذم أهله دليل على تحريم السب ،وذم فاعله ، وقد ثبت في الصحيحين )) [ البخاري : ( 1/445 ) الفتح ، مسلم ( 1/68 ) ] ، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت )) ، وفي (( الصحيحين )) [البخاري : ( 1/54 )  الفتح ، مسلم : ( 1/65 ) ] - أيضاً – نوعن أبي موسي الأشعري – رضي الله عنه -، قالو يا رسول الله ‍ أي الإسلام أفضل ؟ قال (( من سلم المسلمون من لسانه ويده )) ، وقد ورد النهي عن سب الأمراء على الخصوص لما في سبهم من إذكاء نار الفتنة وفتح أبواب الشرور على الأمة وها هي النصوص في ذلك :

الدليل الأول : أخرج الترمذي عن زياد بن كسيب العدوى قال : كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق – فقال أبو بلال : أنظروا إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق ، فقال أبو بكرة : اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله )) ،

الدليل الثاني : قال ابن بشران في (( أمالية (ص 78)  )) أخبرنا دعلج بن أحمد : ثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي : ثنا سريج  بن يونس : ثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن محمد ابن أبي قيس : ثنا أبو المصبح الجهني الحمصي، قال : جلست إلي نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم   وفيهم شداد أبن أوس، قال : فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : (( إن الرجل ليعمل بكذا وكذا من الخير ،وإنه لمنافق ، قالوا : وكيف يكون منافقاً وهو مؤمن ؟ قال : يلعن أئمته ويطعن عليهم )) ، رجاله ثقات، سوى محمد بن أبي قيس، وهو شامي، لم أعرفه، ولعله من المجاهيل، إذ مروان بن معاوية معروف بالرواية عنهم والله أعلم.

الدليل الثالث : أخرج البزار في (( مسنده )) ، ومن طريقة الطبراني في (( المعجم الكبير (17/43-44 ) )) حدثنا محمد بن المثني : حدثنا إبراهيم بن سليمان الدباس : حدثنا مجاعة بن الزبير العتكي، عن عمرو البكالي، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( إذا كان عليكم أمراء يأمرونكم بالصلاة والزكاة والجهاد، فقد حرم الله سبهم وحل لكم الصلاة خلفهم )) ، قال الهيثمي في (( المجمع (5/221 ) )) : وفيه مجاعة بن الزبير العتكي، وثقه أحمد، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات. أهـ ، قلت ضعفه الدرارقطني وذكره العقيلي في (( الضعفاء (4/255 ) ))  أما ابن عدي فقال : (( هو ممن يحتمل ويكتب حديثه )) أهـ [ الكامل (6/2420 ) ] ، وكان جاراً لشعبة بن الحجاج، وفيه يقول شعبة : هو كثير الصوم والصلاة ، وقد تابعه على هذا الحديث : صدقة بن طيسلة، كما عند أبي نعيم في (( معرفة الصحابة (4/2027 ) )) وصدقة ذكره أبي حاتم في (( الجرح والتعديل (4/433 ) )) ولم يذكر فيه شيئاً ، وأخرجه البخاري في (( التاريخ الصغير (1/203 ) )) ، ومحمد بن صر في (( قيام الليل ))، وابن مندة – كما أفاد الحافظ في (( الإصابة ( 7/152 ) )) وأبو نعيم في (( معرفة الصحابة (4/2027 ) )) من طريق الجريري عن أبي تميمة الهجيمي، أنه سمع عمر اً البكالي يقول : (( إذا كانت عليكم أمراء يأمرونكم بالصلاة والزكاة، حلت لكم الصلاة خلفهم، وحرم عليكم سبهم )) ، وهذا لفظ أبي نعيم ، قال الحافظ في (( الإصابة (7/152 ) )) : وسنده صحيح ، قال : وأخرجه ابن السكن من هذا الوجه فقال : عمر بن عبد الله البكالي يقال : له صحبة، سكن الشام، وحديثه موقوف، ثم ساقه كما تقدم لكن قال : فسمعته يقول : (( إذا أمرك الإمام بالصلاة ،والزكاة ،والجهاد، فقد حلت لك الصلاة خلفه ،وحرم عليك سبه )) ، وقال أبو سعد الأشبح : حدثنا حفص بن غياث عن خالد الحذاء، وعن قلابة، عن عمرو البكالي – وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذا فقه – فذكر حديثاً موقوفاً ،وهذا سنده صحيح. ا ه.

الدليل الرابع : قال ابن أبي عاصم – رحمه الله (( السنة (2/488) )) - : حدثنا هدية بن عبد الوهاب : ثنا الفضل بن موسي : حدثنا حسين بن واقد، عن قيس ابن وهب، عن أنس بن مالك، قال : نهانا كبراؤنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا ،فإن الأمر قريب )) إسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات والحسن بن واقد ثقة له أوهام ،وقد توبع، فقد رواه ابن حبان في (( الثقات ( 5/314-315 ) ))  ، وابن عبد البر في (( التمهيد ( 21/287 ) )) من طريق يحي ابن يمان، قال : حدثنا سفيان عن قيس بن وهب، عن أنس بن مالك – رضي الله عنه -، قال : (( كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ينهوننا عن سب الأمراء )) سفيان : هو الثوري ، وقد روي هذا الأثر الحافظ أبو القاسم الأصبهاني، الملقب ب ( قوام السنة ) في كتابه (( الترغيب والترهيب ( 3/68 ) )) وكتابه (( الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة (2/406 ) )) ، من طريق على بن الحسين بن شقيق : حدثنا الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أنس بن مالك – رضي الله عنه -، قال : (( نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تعصوهم ،واصبروا ،واتقوا الله – عز وجل -، فإن الأمر قريب )) [ ورد عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : (( لا تسبوا الأئمة وادعوا الله لهم بالصلاح، فإن صلاحهم لكم صلاح )) ينظر فيض القدير: ( 6/398 -399 ) ] ، وبوب عليه في كتابه (( الحجة )) بقوله : (( فصل في النهي عن سب الأمراء والولاة وعصاينهم )) ا هـ. كما أخرج هذا الأثر – أيضاً – البيهقي في كتابه (( الجامع لشعب الإيمان ( 13/186-202 ) )) من طريق قيس بن وهب، بلفظ : (( أمرنا أكابرنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  أن لا نسب أمراءنا ... )) ، الخ ، وإسناده جيد ، وأخرج أيضا- أبو عمرو الداني في (( السنن الواردة في الفتن ( 1/398 ) )) ففي هذا الأثر : اتفاق أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  على تحريم الوقيعة في الأمراء بالسب ، وهذا النهي منهم – رضي الله عنهم – ليس تعظيماً لذوات الأمراء وإنما لعظم المسئولية التي وكلت إليهم في الشرع، والتي لا يقام بها على الوجه المطلوب مع وجود سبهم والواقعية فيهم، لأن سبهم يفضي إلي عدم طاعتهم في المعروف وإلي إيغار صدور العامة عليهم مما يفتح مجالاً للفوضي التي لا تعود على الناس إلا بالشر المستطير ،كما أن مطاف سبهم ينتهي بالخروج عليهم وقتالهم وتلك الطامة الكبرى والمصيبة العظمي ، فهل يتصور بعد الوقوف على هذا النهي الصريح عن سب الأمراء – أن مسلماً وقر الإيمان في قلبه ،وعظم شعائر الله يقدم على هذا الجرم ؟ أو يسكت عن هذا المنكر ؟  لا نظن بمسلم هذا ولا نتصور وقوعه منه، لأن نصوص الشرع وما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم  أعظم في قلبه من العواطف والانفعالات التي هي في الحقيقة إيحاءات شيطانية ونفثات بدعية لم يسلم لها إلا أهل الأهواء الذين لا قدر للنصوص في صدورهم بل لسان حالهم يقول : إن النصوص في هذا الباب قد قصرت ،{ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبا  }[ الكهف : 6 ] ،

الدليل الخامس : قال ابن أبي شيبة [ المصنف : ( 15/75 )، ( 11/137-138 ) ] – رحمه الله تعالي – حدثنا ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس قال : ذكرت الأمراء عند ابن عباس، فانبرك فيهم رجل فتطاول حتى ما رأي في البيت أطول منه ، فسمعت ابن عباس يقول (( لا تجعل نفسك فتنة للقوم الظالمين ))، فتقاصر حتى ما أري في البيت أقصر منه. اهـ

الدليل السادس : أخرج البيهقي في ((  شعب الإيمان (7/48 )  )) وابن عبد البر في (( التمهيد ( 21/287 ) )) ، عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – أنه قال : (( إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه )) ،

الدليل السابع : أخرج ابن أبي عاصم في (( السنة ( 2/488 ) ))  ، عن أبي اليمان الهوزني، عن أبي الدرداء – رضي الله عنه -، قال : (( إياكم ولعن الولاة، فإن لعنهم الحالقة، وبغضهم العاقرة  ، قيل : يا أبا الدرداء ! فكيف نصنع إذا رأينا منهم ما لا نحب ؟ قال :  اصبروا ،فإن الله إذا رأي ذلك منهم حبسهم عنكم بالموت )) رجاله ثقات، غير أبي اليمان الهوزني ،وأسمه عامر بن عبد الله بن لحي الهوزني الحمصي ، روي عن أبي أمامة وأبي الدرداء وأبيه عبد الله بن لحي وكعب الأحبار ، وعنه صفوان بن عمرو، وأبو عبد الرحمن الحلبي : عبد الله بن يزيد ، والشاميون ، ذكره ابن حبان في (( الثقات (5/188 ) )) ، وقال ابن القطان : لا يعرف له حال ، [ التهذيب )) : ( 5/75 ) ] ، وقال الحافظ ابن حجر : مقبول ، والأثر أخرجه ابن زنجويه في كتاب (( الأموال ( 1/79 ) )) في الطريق نفسه ،

الدليل الثامن : جاء في (( التاريخ الكبير للبخاري (7/18) )) ، عن عون السهمي، قال : أتيت أبا أمامة فقال : (( لا تسبوا الحجاج فإنه عليك أمير ، وليس على بأمير )) ، قوله : ليس على بأمير ، لأن أبا أمامة في الشام ، والحجاج والِ في العراق ،  

الدليل التاسع : جاء في (( التاريخ الكبير للبخاري أيضا ( 8 /104 ) )) عن أبي جمرة الضبعي قال: لما بلغني تحريق البيت خرجت إلي مكة، واختلفت إلي ابن عباس، حتى عرفني واستأنس بي، فسببت الحجاج عند ابن العباس فقال : (( لا تكن عوناً للشيطان ))

الدليل العاشر : أخرج ابن سعيد في (( الطبقات ( 6/115 ) )) : أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن أبي أيوب عن هلال بن أبي حميد، قال : سمعت عبد الله بن عكيم يقول : (( لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان ، فيقال له : يا أبا معبد أو أعنت على دمه ؟ ! فيقول : أني أعد ذكر مساوية عوناً على دمه )) ، وأخرجه ابن أبي شيبة في (( المصنف (12/47 ) )) والفسوي في (( المعرفة والتاريخ ( 1/231-232 ) )) عن ابن نمير ... به، وهذا إسناد صحيح.

الدليل الحادي عشر : أخرج هناد في (( الزاهيد ( 1/464 ) )) : حدثنا عبدة، عن الزبرقان ، قال : كنت عند أبي وائل – شقيق بن سلمة -، فجعلت أسب الحجاج، وأذكر مساويه ، قال : (( لا تسبه، وما يدريك لعله يقول : اللهم اغفر لي فغفر له )).

الدليل الثاني عشر : أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب (( الصمت وآداب اللسان ( ص 145 ) )) ، وابن الأعرابي في (( معجمه ( 2/815 ) )) ، وأبو نعيم في (( الحلية ( 5/41-42 ) )) عن زائدة بن قدامة، قال : قلت لمنصور بن المعتمر : إذا كنت صائماً أنال من السلطان ؟ قال  : لا قلت : فأنال من أصحاب الأهواء ؟ قال : (( نعم ))

الدليل الثالث عشر : أخرج ابن عبد البر في (( التمهيد ( 21/287 ) ))  ، وأبو عمرو الداني في (( الفتن ( 1/405 ) )) عن أبي إسحاق السبيعي، أنه قال : (( ما سب قوم أميرهم، إلا حرموا خيره )).         

الدليل الرابع عشر : أخرج أبو عمر الداني في (( السنن الواردة في الفتن ( 1/404 ) )) ، عن معاذ بن جبل، قال : (( الأمير من أمر الله – عز وجل -، فمن طعن في الأمير فإنما يطعن في أمر الله – عز وجل ))

الدليل الخامس عشر : أخرج ابن زنجويه في (( كتاب الأموال ( 1/78 ) )) بسند حسن، عن أبي مجلز، قال : (( سب الإمام الحالقة لا أقول : حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين )).

الدليل السادس عشر : أخرج ابن زنجوية – أيضا – بسنده ، عن أبي إدريس الخولاني أنه قال : (( إياكم والطعن على الأئمة فإن الطعن عليهم هي الحالقة، حالقة الدين ليس حالقة الشعر، ألا إن الطعانين هم الخائبون وشرار الأشرار )) [ الأموال  : ( 1/80 ) ] ،

الدليل السابع عشر : ذكر ابن الجوزي في (( مناقب معروف الكرخي وأخباره ، ص ( 132 )  )) بسنده من طريق ابن حكمان، أن معروفاً قال : (( من لعن إمامه حرم عدله )) ، وفي (( المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي ( 6/299 ) )) : أن خالد بن عبد الله القسري خطب يوم أن كان والياً على مكة، فقال : (( إني والله ما أوتي بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم )) ، ففي هذه الآثار وما جاء في معناها – دليل جلي، وحجة قوية على المنع الشديد والنهي الأكيد عن سب الأمراء، وذكر معايبهم ، فليقف المسلم حيث وقف القوم فهم خير الناس بشهادة سيد الناس صلى الله عليه وسلم  عن علم وقفوا وببصر نافد كفوا فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر ، فمن خالف هذا المنهج السلفي، واتبع هواه، فلا ريب أن قلبه مليء بالغل إذ أن السباب والشتائم ينافي النصح للولاة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال : (( ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين )) [مسند الإمام أحمد  : ( 4/80-82 ) ] ، ومن  ظن أن الوقوع في ولاة الأمر بسبهم وانتقاصهم من شرع الله – تعالي – أو من إنكار المنكر ونحو ذلك، فقد ضل وقال على الله وعلى شرعه غير الحق، بل هو مخالف لمقتضي الكتاب والسنة، وما نطقت به آثار سلف الأمة ، فالواجب على من وقف على هذه النصوص الجليلة أن يزجر كل من سمعه يقع في ولاة الأمر حسبه لله – تعالي -، ونصحاً للعامة ،          وهذا هو فعل أهل العلم والدين، يكفون ألسنتهم عن الولاة ويأمرون الناس بالكف عن الوقوع فيهم، لأن العلم الذي حملوه دلهم على ذلك وأرشدهم إليه ، وقد ذكر العلامة ابن جماعة أن من حقوق ولاة الأمر : (( رد القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه، لما في ذلك من مصالح الأمة ،وانتظام أمور الملة ، والذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل في الظاهر والباطن، والسر والعلانية )) أهـ [ تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام ( ص 64 )  ] ،   هذا وإن أكثر الناس إنما يقعون في أمرائهم بالسب ويعصونهم بسبب الدنيا إن أعطوا منها رضوا ،وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ، ومن هذه حاله فإن جرمه أشد، إذ قد جمع ألواناً من البلايا، وباء بأثم عظيم : ففي (( الصحيحين )) [ البخاري : ( 13/201 ) ومسلم : ( 1/103 ) ]من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل ،ورجل بايع رجل بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه ،وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفي وإن لم يعطه منها لم يف )) ، قال ابن تيمية – رحمه الله تعالي - : (( فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم ، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله، فأجره على الله ، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذ من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم، فما له في الآخرة من خلاق .... )) أهـ [  مجموع فتاوى ابن تيمية ( 35/16-17 ) ] ، وقد روي ابن عساكر في (( تاريخ دمشق ( 32/444 ) )) والتبريزي في (( النصيحة ( ص 97 ) )) أن ابن مبارك – رحمه الله تعالي -، قال : (( من استخف بالعلماء ذهبت أخرته، ومن استخف بالأمراء، ذهبت دنياه ،ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته )) ،

من بدأ بالطعن على أئمة المسلمين ؟ الطعن في الأمراء - تحت شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – بدعة سبئية، ابتدأها عبد الله بن سبأ، لتفريق الأمة وإشعال الفتن بين أبنائها ،وكان نتاج بدعته هذه : قتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان – رضي الله عنه -  ، قال ابن عساكر في (( تاريخ دمشق ( 29/3 ) )) : عبد الله بن سبأ الذي ينسب إليه السبيئة – وهم الغلاة من الرافضة -، وأصله من أهل اليمن، كان يهودياً ،وأظهر الإسلام ،وطاف بلاد المسلمين، ليلفتهم عن طاعة الأئمة ويدخل بينهم الشر، وقد دخل دمشق لذلك في زمن عثمان بن عفان. ا ه ، قلت : طاف بن سبأ البلاد لذلك، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فأخرجه أهلها منها، فأتي مصر، وزعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم  يرجع وهو أحق بالرجوع من عيسي – عليه السلام -، فقبل ذلك منه، ثم زعم أن على بن أبي طالب – رضي الله عنه وأرضاه – وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثم قال بعد ذلك : (( من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم  ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تناول أمر الأمة ))، ثم بعد ذلك قال : (( إن عثمان ابن عفان قد جمع أموالاً أخذها بغير حقها ، وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم  - يشير إلي على بن أبي طالب – فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف ،والنهي عن المنكر واستميلوا الناس، وادعوا إلي هذا الأمر )) ، فبث دعاةً، وكاتب من كان استفسد في الأمصار، وكاتبوه ودعوا في السر إلي ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف وجعلوا يكتبون إلي الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبون إخوانهم بمثل ذلك، فكتب أهل كل مصر فيهم غلي أهل مصر آخر ما يصنعون، فيقرؤه أولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة ، وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر : إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع أهل الأمصار، فقالوا : إنا لفي عافية مما الناس فيه ، [ رواية سيف بن عمر الضبي، عن شيخة عطية بن الحارث الهمداني ] ) أهـ ،

***

 

القاعدة الثالثة عشر

المثبط عن ولي الأمر والمثير عليه يستحق العقوبة الشرعية

ومن قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة النهي عن إثارة الشغب والقلاقل والتثبيط عن الحكام ، وذلك لأنّ التثبيط والإثارة من أعظم مقدمات الخروج ، والخروج يؤدي إلى الهرج والمرج والفتنة ،  ولهذا تضمنت الشريعة الحكمية جواز التعزير الرادع لمن قام بإثارة الشغب  على الحاكم المسلم ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : ( عقوبة المثبط عن ولي الأمر والمثير عليه : التثبيط عن ولي الأمر له صور عديدة بعضها أشد من بعض ،وكذلك إثارة الرعية عليه ، فإذا دعا رجل إلي التثبيط – أو الإثارة -، فإن لولي الأمر إيقاع العقوبة المتلائمة مع جرمه، من ضرب، أو حبس، أو نفي ... أو غير ذلك، لأن التثبيط والإثارة من أعظم مقدمات الخروج والخروج من أشنع الجرائم وأبشعها ، فكان ما يفضي إليه كذلك ، قال الشوكاني – رحمه الله في شرح قول صاحب (( الأزهار )) : (( ويؤدب من يثبط عنه، فالواجب دفعه عن هذا التثبيط، فإن كف، وإلا كان مستحقاً لتغليظ العقوبة، والحيلولة بينه وبين من صار يسعى لديه بالتثبيط بحبس أو غيره، لأنه مرتكب لمحرم عظيم، وساع في إثارة فتنة تراق بسببها الدماء، وتهتك عندها الحرم ،وفي هذا التثبيط نزع ليده من طاعة الإمام ، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم  ،أنه قال : (( من نزع يداً من طاعة الإمام، فإنه يجيء يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت موتة جاهلية )) أهـ  [ السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار  ( 4/514 ) ] ، وقال ابن فرحون في (( تبصرة الحكام ( 1/227 )  )) : (( من تكلم بكلمة لغير موجب في أمير من أمراء المسلمين  لزمته العقوبة الشديدة ،ويسجن شهراً ، ومن خالف أميراً، وقد كرر دعوته، لزمته العقوبة الشديدة بقدر اجتهاد الإمام )) أهـ ، وقد ذكر ابن الأزرق بعض المخالفات التي من الرعية في حق السلطان ، فقال: (( المخالفة الثانية : الطعن عليه، وذلك لأمرين : أحدهما : أنه خلاف ما يجب له من الجلة والتعظيم، فقد قيل : من إجلال الله إجلال السلطان، عادلاً كان أو جائراً ، ومن كلام الصاحب بن عباد : تهيب السلطان فرض أكيد، وحتم على من ألقى السمع وهو شهيد ، الثاني : أن الاشتغال به سبب تسليط السلطان، وجزاء على المخالفة بذلك، ففي بعض الكتب أن الله – تعالي – يقول : (( إنني أنا الله، ملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه نعمة ، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا بسبب الملوك ،ولكن توبو إلي أعطفهم عليكم )) [ ذكره ابن تيمية في منهاج السنة : ( 3/133 ) ] ، والمخالفة الثالثة : الافتيات عليه في التعرض لكل ما هو منوط به، ومن أعظمه فساداً تغيير المنكر بالقدر الذي لا يليق إلا بالسلطان، لما في السمح به والتجاوز به إلي التغيير عليه ، وقد سبق أن من السياسة تعجيل الأخذ على يد من يتشوق لذلك، وتظهر منه مبادئ الاستظهار به، وإن كان لا ينجح له سعي ولا يتم له غرض ...)) أهـ  [ بدائع السلك في طباع الملك  لأبي عبد الله بن الأزرق ( 2/45 ) ] ، وبهذا يعلم أن إثارة الرعية على الولاة وتأليب العامة عليهم داء عضال، تجب المبادرة إلي كيه وورم خبيث يتعين استئصاله لئلا يستفحل فيخرج خبثه، فتسحتكم البلية، وتعظم الرزية، ولا ينفع الندم عندئذ ، فإن المثير والمثبط كفارة السد إن تركت أغرقت العباد والبلاد وأشعت في الأرض الفساد ،    فيتعين على الناس عموماً : التكاتف لدفع المثير الساعي إلي الفتنة ،وعزله كما تعزل الجرباء، ونفيه من المجتمع كل حسب جهده وطاقته ، وهذا من أفضل الأعمال وأجل القرب إلي الله تعالي، إذ به يندفع شر عظيم وتطفأ فتنة عمياء ، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

***

القاعدة الرابعة عشرة

أداء العبادات مع الولاة ومشروعية الدعاء لولاة الأمر بالصلاح

ومن قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة أداء العبادات مع الولاة والدعاء لهم بالصلاح لأنّ ذلك يؤلف بين الحاكم والمحكوم ، وقد قال بعض الصالحين : لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان ، لأنّ بصلاحه تصلح الرعية ، قال الدكتور عبد السلام بن برجس في كتابه : " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " - باختصار يسير - : 

( 1 ) أداء العبادات مع الولاة : ( الصلاة ) : أخرج ابن أبي شيبة في (( المصنف ( 2/378 ) )) ، عن الأعمش إبراهيم النخعي – رحمه الله – أنه قال : ((  كانوا يصلون خلف الأمراء ما كانوا  )) ، هذا إخبار عن عمل الصحابة – رضي الله تعالي عنهم -، فقد كانوا يصلون خلف الأمراء حتى لو كانوا فجرة فسقة، بل ينكرون على من لا يصلي خلفهم ،ويحتجون عليه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي (( مصنف ابن أبي شيبة ( 2/379 ) ))  عن إبراهيم بن أبي حفصة قال : قلت لعي بن حسين : إن أبا حمزة الثمالي – وكان فيه غلو – يقول : لا نصلي خلف الأئمة ولا نناكح إلا من يري مثل ما رأينا فقال على بن حسين (( بل نصلي خلفهم ونناكحهم بالسنة )) ، وأنكر سفيان الثوري على الحسن بن صالح بن حي ترك صلاة الجمعة خلف الأئمة [ سير أعلام النبلاء ( 7/363 ) ]، بل ذكر عند بشر بن الحارث : عبد الرحمن بن عفان الصوفي، فقال : سمعت حفص بن غياث يقول : هؤلاء يون السيف – أحسبه عن ابن حي وأصحابه -، ثم قال بشر : هات من لم ير السيف من أهل زمانك كلهم إلا قليل ولا يرون الصلاة – أيضاً – ثم قال : كان زائدة يجلس في المسجد يحذر الناس من ابن حي وأصحابه، قال : كانوا يرون السيف [سير أعلام النبلاء : ( 7/364 ) ] ، ولما وقعت الفتنة في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – فحاصره الخوارج في بيته بالمدينة، دخل عليه عبيد الله بن عدى بن الخيار، فقا لله : إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج ؟ فأجابه عثمان رضي الله عنه – بتأكد الصلاة خلفه، حيث قال : ( الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس، فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم )        رواه البخاري في (( صحيحه ( 1/17، 171 ) )) : قال : وقال لنا محمد بن يوسف : حدثنا الأوزعي : حدثنا الزهري ... به قوله : (( إمام فتنة ))، هو كنانة بن بشر، أحد الخوارج على عثمان – رضي الله عنه -، رواه سيف بن عمر في كتاب (( الفتوح )) [ فتح الباري  ( 2/189 ) ] ، وقوله ( ننتحرج )) : التحرج : التأثم ، أي : نخاف من الوقوع في الإثم ، وفي رواية ابن المبارك : (( وإنا لنتحرج من الصلاة معه )) ، بوب البخاري – رحمه الله تعالي - - على هذا الأثر فقال : (( باب إمامة المفتون، والمبتدع )) ا هـ. قال الحافظ (( في الفتح ( 2/188) )) : (( المفتون أي الذي دخل في الفتنة فخرج على الإمام. قال : وفي هذا الأثر الحض على شهود الجماعة، ولا سيما في زمن الفتنة لئلا يزداد تفرق الكلمة )) اهـ. وهكذا من جاء بعد عثمان من كبار علماء الصحابة – رضي الله عنهم -، كانوا يصلون خلف الأمراء، ويعتدون بها. وتابعوهم على ذلك – أيضاً – فابن عمر صلي خلف الحجاج ابن يوسف، وهكذا أنس بن مالك ، وقد تقدم أن ابن عمر كان زمن الفتنة لا يأتي أمير إلا صلي خلفه ، وأدى إليه زكاة ماله ، وصلي ابن عمر خلف نجدة الحروري، رواه ابن أبي زمنين (( أصول السنة  ( ص 283 ) ))  ، وصلي الحسن والحسن خلف مروان ابن أبي شيبة في (( المصنف ( 2/378 ) ))  ، وصلي سعيد بن جبير خلف الحجاج، رواه ابن أبي شيبة – أيضاً -  وبناء على هذا وغيره من الآثار – جاء اعتقاد السلف مصرحاً بمدلول ما ورد في هذا الباب مودعاً في (( العقائد )) التي نقلها السلف، ودونها. وقد خص أكثر السلف الحديث عن صلاة الجمعة والعيدين خلف الأمراء ، إذ صلاة الفرض غير الجمعة، لا يفتقد من صلاها مع غير الإمام، لكثرة المساجد وصحة إقامة أكثر من جماعة في البلد. أما الجمعة فلا يجوز إقامة أكثر من جمعة في البلد خشية التفرق، إلا لحاجة ملحة، كسعة البلد وتباعد أطرافه. فلما كان الأصل في الجمعة والعيدين عدم تعددها، نص السلف على صلاتها خلف الأمراء. جاء في معتقد الإمام سفيان الثوري – رحمه الله – الذي رواه عنه شعيب بن حرب : (( يا شعيب : لا ينفعك ما كتبت حتى تري الصلاة خلف كل بر وفاجر. قال شعيب لسفيان : يا أبا عبد الله : الصلاة كلها ؟ قال : لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت. وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به، وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة ... )) أخرجه اللالكائي في (( أصول اعتقاد أهل السنة ( 1/154 ) )) ، وأخرج - أيضاً - ( 1/161 ) في اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل، الذي رواه عنه عبدوس بن مالك العطار، أنه قال : وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولي جائزة، تامة ركعتين، من أعاداهما فهو مبدع، تارك للآثار، مخالف للسنة، وليس له من فضل الجمعة شيء إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا برهم وفاجرهم. فالسنة أن تصلي معهم ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع وتدين بأنها تامة، ولا يكن في صدرك من ذلك شك )) اهـ ، وحكى حرب إجماع أهل العلم على ذلك، في (( مسائلة )) المشهور والتي جاء فيها : (( هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بها، المقتدي بهم فيها، من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  إلي يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها. فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق. قال : وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي ،وسعد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا ،وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم .... والجمعة والعيدان، والحج مع السلطان، وإن لم يكونوا بررة عدولاً أتقياء، ودفع الصدقات، والخراج والأعشار والفيء، والغنائم إليهم، عدلوا فيها، أو جاروا ... اهـ  ، وقد بوب أبو داود في (( سننه ( 3/40)  )) : كتاب الجهاد : باب في الغزو مع أئمة الجور، ذكر فيه حديثين ضعيفين، أحدهما عن مكحول، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر )) ،  ( الزكاة ) : كانت الصدقات تدفع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلي من أمر بها، ثم إلي أبي بكر ثم إلي عمر ثم إلي عثمان، فلما قتل عثمان اختلفوا ، فمنهم من اختار أن يقسمها ومنهم من اختار دفعها للسلطان [ أخرجه عبد الرزاق في المصنف  ( 4/47 ) ، وابن زنجوية في الأموال ( 3/1147 ) ] ،وأما إن طلبها السلطان، فيجب دفعها إليه. وأكثر السلف على أن دفع زكاة المواشي إلي السلطان ذكره عنهم أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي [ في عقيدتهما ( ص 179 ) ] ، وقال ابن زنجوية في (( الأموال ( 3/1161 ) )) : (( أحسن ما سمعنا في زكاة الورق والذهب أنه كان الإمام عدلاً، دفعها إليه، لأن السنة قد مضت بذلك. وإن كان غير عدل، تولي قسمتها بنفسه. ولو أخذها منه وهو غير عدل، أجزأ ذلك، ولم يكن عليه أن يتولى قسمتها بنفسه مرة أخرى )). اهـ.  ، وقد أخرج مسلم في (( صحيحه ( 2/ 685، 686 ) )) ، عن جرير بن عبد الله، قال : جاءنا ناس من الأعراب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقالوا : إن ناسا من المصدقين - السعاة العاملون على الصدقات  -  يأتوننا فيظلموننا ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( أرضوا مصدقكم )). قال جرير ما صدر عني مصدق منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلا وهو عني راض ، فيه من العلم : أن السلطان الظالم لا يغالب باليد، ولا ينازع بالسلاح ، وأخرج أبو داود في (( سننه ( 2/244 ) )) ، عن بشير بن الخصاصية – رضي الله عنه – قال : قلنا : إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا ؟ فقال : (( لا )). ثم رواه أبو داود – مرفوعاً – إلي النبي صلى الله عليه وسلم  ، وفي إسناده ديسم الدوسي، لم يوثقه سوى ابن حبان. قال الخطابي ،في  (( معالم السنن ( 2/201 ) )) : (( وفي هذا تحريض على طاعة السلطان ،وإن كان ظالماً، وتوكيد لقول من ذهب إلي أن الصدقات الظاهرة لا يجوز أن يتولاها المرء بنفسه، ولكن يخرجها إلي السلطان )). اهـ ، وأخرج عبد الرازق في (( المصنف ( 4/46 ) )) وعبد الرحمن بن القاسم في (( المدونة ( 1/85 ) )) وابن أبي شيبة في(( المصنف ( 3/156 ) )) وابن زنجوية في (( الأموال ( 3/1148 ) )) ، والبيهقي في (( السنن ( 4/115 ) )) ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال : (( اجتمع عندي ما ل، قال : فذهبت إلي ابن عمر، وأبي هريرة ،وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص، فأتيت كل رجل منهم وحدة، فقلت : إنه اجتمع عندي مال، وإن هؤلاء يضعونها حيث ترون، وإني قد وجدت لها موضعاً فكيف تري ؟ فكلهم قالوا : أدها إليهم )) هذا لفظ عبد الرازق. وأخرج ابن أبي شيبة ( 3/156 ) وأبو عبيد في (( الأموال ( ص 680 ) )) ، وابن زنجوية ( 3/1149 ) عن ابن عمر، أنه قال : (( ادفعوا زكاة أموالكم إلي من ولاة الله أمركم، فمن بر فلنفسه ، ومن أثم فعليها )). وأخرج ابن قتيبة في (( عيون الأخبار ( 1/7 ) )) عن العجاج – وهو عبد الله العجاج بن رؤبة : قال : قال لي أبو هريرة : من أنت ؟ قال :قلت : من أهل العراق قال يوشك  أن يأتيك بقعان الشام، فيأخذوا صدقتك، فإذا أتوك ،فتلقهم بها ،فإذا دخلوها ،فكن في أقاصيها ،وخل عنهم وعنها ،وإياك وأن تسبهم، فإنك إن سببتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك، وأن صبرت جاءتك في ميزانك يوم القيامة. ، وفي رواية أخري، أنه قال : (( إذا أتاك المصدق فقل : خذ الحق ودع الباطل، فإن أبى فلا تمنعه إذا أقبل، ولا تلعنه إذا أدبر فتكون عاصياً خفف عن ظالم )) ، ( الحج والجهاد ) : قال حرب في (( عقيدته )) التي ذكر إجماع السلف على ما جاء فيها :  (( والجهاد ماض قائم مع الأئمة بروا أو فجروا، ولا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والجمعة والعيدان والحج مع السلطان وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء .. )) اهـ [ ينظر حادي الأرواح ( ص 401 )  ] ،  وقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة – رحمهما الله تعالي -  في (( عقيدتهما ( 181 ) )) : (( أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً، ومصراً، وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم : نقيم فرض الحج مع أئمة المسلمين، لا يبطله شيء، والحج كذلك )) اهـ ، ومما تقدم يتضح ما عليه أئمة الإسلام من الأمر بالصلاة خلف الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً ، ودفع الزكاة إليهم ، ومن الحج والجهاد معهم ، وكل ذلك قامت عليه أدلة شرعية من الوحيين الشريفين ، وبه يعلم كمال دين الله – تعالي – الإسلام ، حيث أمر بتحصيل المصالح ودرء المفاسد، ولو وكل الله تعالي الأمر إلي الخوارج - ومن تأثر بهم – لما قامت في الإسلام جمعة ولا جماعة، ولما حج بيت الله الحرام، ولا جاهد المسلمون الكفار ، والحجة في ذلك الإجماع البين من السلف الصالح، والآثار الكثيرة عن الصحابة – رضي الله عنهم – فقد أخرج ابن أبي شيبة في (( المصنف ( 12/499 ) )) ، عن أبي حمزة قال : سألت ابن عباس عن الغزو مع الأمراء، وقد أحدثوا ؟ فقال : (( تقاتل على نصيبك من الآخرة، ويقاتلون على نصيبهم من الدنيا )) ، وأخرج – أيضاً – عن سليمان اليشكري، عن جابر قال : قلت له : أغزو أهل الضلالة مع السلطان ؟ قال : (( اغز، فإنما عليك ما حملت، وعليهم ما حملوا )) ، وفيه – أيضاً – عن ابن سيرين ،والحسن سئلا عن الغزو مع أئمة السوء، فقالا : (( لك شرفه وأجره وفضله، وعليهم إثمهم  )) ، وفيه – أيضاً -، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي ،قال ((قلت لأبي :يا أبة في إمارة الحجاج تغزو ؟ قال :يا بني لقد أدركت أقواماً أشد بغضاً منكم للحجاج، وكانوا لا يدعون الجهاد على حال ولو كان رأي الناس في الجهاد مثل رأيك، ما أري الإتاوة – يعني : الخراج - )) ، وأخرج سعيد بن منصور في (( سننه ( 2/153) )) ، عن المغيرة قال : (( سئل – أي : إبراهيم النخعي – عن الغزو مع بني مروان ،وذكر ما يصنعون ؟ فقال : (( إن عرض به إلا الشيطان ليثبطهم عن جهاد عدوهم )).

( 2 ) مشروعية الدعاء لولاة الأمر بالصلاح : صلاح ولاة الأمر مطلب لكل مسلم غيور على دينه إذ صلاحهم صلاح للعباد والبلاد، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - عند موته : (( أعلموا أن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم )) أخرجه البيهقي في (( السنن ( 8/162 ) )) – كتاب قتال أهل البغي، باب فصل الإمام العادل  – بإسناد صحيح ، وفيها – أيضا – عن القاسم بن مخيمرة قال : (( إنما زمانكم سلطانكم، فإذا صلح سلطانكم، صلح زمانكم، وإذا فسد سلطانكم، فسد زمانكم )) ، وصلاح الولاة إلي الله – تعالي- وحده يهدي من يشاء  إلي صراط مستقيم، فكان حقا على كل مؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أن يدعوا لهم بالهداية والتوفيق إلي طاعة الله تعالي ، والسير في مرضاته، لأن نفع ذلك يعود على كل مؤمن بالخير في الدين والدنيا  ، ذكر ابن المنير المالكي – رحمه الله – في (( الانتصاف ( 4/106 ) )) : (( أنه نقل عن بعض السلف أنه دعا لسلطان ظالم فقيل له : أتدعوا له وهو ظالم ؟ فقال : إي – والله -، أدعو له إن ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يدفع بزواله )) اهـ ، وأخرج البيهقي في (( شعب الإيمان ( 13/99 ) )) عن أبي عثمان سعيد ابن إسماعيل الواعظ الزاهد أنه قال – بعد روايته لحديث تميم الداري – مرفوعاً - : (( الدين النصيحة ))، قال : (( فانصح للسلطان، وأكثر له من الدعاء  بالصلاح والرشاد بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا، صلح العباد بصلاحهم. وإياك أن تدعوا عليهم بالعنة، فيزدادوا شراً ويزداد البلاء علي المسلمين ،ولكن أدعو لهم بالتوبة، فيتركوا الشر، فيرتفع البلاء عن المؤمنين ... )) اهـ من كتاب معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " باختصار يسير ،

***  

 

 

الباب الثالث

قواعد تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام والمسلمين

 

ويتناول تلك القواعد :

القاعدة الأولى : وجوب الحكم بشرع الله تعالى

القاعدة الثانية : أهم مهام الحاكم المسلم

القاعدة الثالثة :  حقوق الرعية عند الحكام

 

***

 

القاعدة الأولى

وجوب الحكم بشرع الله تعالى

(  أ  ) أهمية تحكيم شرع الله تعالى : إنّ تحكيم شرع الله تعالى هو جزء من شهادة التوحيد ( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله ) باب الإسلام الأوحد  ، وتحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من توحيد الربوبية ، وتحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من توحيد الألوهية والعبادة ، وتحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من تجريد الاتباع وتحقيق المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن تنحية شرع الله تعالـى، وعــدم الـتـحـاكم إليه في شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف العقائدي والتشريعي والسلوكي في مجتمعات المسلمين، ولقد كانت عـواقـب الحكم بغـير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حلَّ بهم من أنواع الكفر والظلم والفسوق والعصيان والــذل والـمـحـق نسأل الله تعالى أن يردنا إلى ديننا رداً جميلا ،

( ب ) تحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من شهادة التوحيد، فعندما يقول المسلم  شهادة التوحيد التي هي باب الإسلام الأوحد  ، ( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله ) فمعنى ذلك أنه قد التزم وأقر بألا يتحاكم إلا إلى الله وإلى شرع الله ،

( ت ) تحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من توحيد الربوبية : فتوحيد الربوبية يشمل توحيد الله تعالى في الحاكمية والتشريع : المراد منه أنّ للإنسان مرجع واحد في الحكم والتشريع ، هو شرع الله تعالى وحده ، وحكمه تعالى وحده ، فالله تعالى هو الرب الحاكم المشرع وحده لا شريك له في حكمه وتشريعه  ، واعتقاد افراد الله تعالى بالحكم والتشريع ، واعتقاد الحكم بما أنزل الله تعالى وحده من توحيد الربوبية ، لأنه من مفردات ربوبيته وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما أنزل الله تعالى أربابًا لمتبعيهم، فقال تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة:31]  والدليل على أنّ صفات الحكم والتشريع والسيادة من مفردات ربوبية الله تعالى لخلقه قوله تعالى : { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } [ الأنعام : 57 ] ، وقوله تعالى : {  أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } [ الأنعام : 62 ] ، وقوله تعالى : { لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا } [ الأنعام:114] ، وقوله تعالى : { ولاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } [ الكهف:26 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [ الشورى : 10 ] ، ويتناقض مع هذا القسم من التوحيد كل من اعتقد أن لغير الله الحق في التشريع والحكم بين الناس بما يخالف شرع الله ، فالتشريع من دون الله شرك في ربوبيته ، وفاعله منازع لله في قسم الحكم والتشريع من أقسام الربوبية  ، فإن اعتقد أنّ له حقاً في ذلك فقد نصّب نفسه رباً ، ومن استحل طاعته في تشريعه بما يخالف شرع الله تعالى ، فقد اتخذه رباً من دون الله تعالى ، وهذا كما جاء في تفسير الآية : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، أخرج الطبري والمفسرون عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ "سورة براءة" ، فلما قرأ : {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } ، قلت  : يا رسول الله ، إما إنهم لم يكونوا يصلون لهم! قال : صدقت ، ولكن كانوا يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ، ويحرمون ما أحل الله لهم فيحرمونه ، وأخرج عن حذيفة رضي الله عنه: أنه سئل عن قوله : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } ، أكانوا يعبدونهم؟ قال : لا كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه ، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه ، وأخرج عنه أيضاً :  قال : أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم ، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه ، وإذا حرموا عليهم شيئا أحله الله لهم حرموه ، فتلك كانت ربوبيتهم  ) أهـ [ تفسير الطبري ، عند تفسير الآية ( 31 ) سورة التوبة ] ، وعلى ذلك إجماع أهل السنّة والجماعة : أنّ من استحل الحكم بغير ما أنزل الله فقد كفر وأشرك في ربوبية الله باتخاذه المشرع من دون الله تعالى رباً من دون الله  ، ومن استحل أنّ يشرع للناس بما يخالف شرع الله ، فهو طاغوت من الطواغيت التي لا يصح عقد الإيمان إلا بالكفر بها كما قال تعالى : { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ البقرة : 256 ] ، فمن شرع شيئاً من عند نفسه وجعله مضاهياً لشرع الله ، فقد جعل نفسه شريكاً لله سبحانه وتعالى في ربوبيته ، ومن أقر بحق التشريع لغير الله، أو استحل تشريع غير الله ، فقد جعل ذلك الغير شريكاً لله في ربوبيته ، واتخذه رباً من دون الله ،  وهو بذلك مشرك كافر مرتد عن دين الله تعالى ، وقد تقدم في رسالة ( التجديد في الإيمان ) بيان الضابط الفقهي للمسألة وهو الاستحلال ، فمن استحل فقد كفر الكفر الأكبر ، ومن أقر وحكم بغير ما أنزل الله ، فهو كافر في إطار الملة ( كفر دون كفر )

( ث ) تحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من توحيد الألوهية والعبادة : فتوحيد الألوهية والعبادة يشمل على توحيد الله تعالى في اتباع شرعه ، والـحـكـم بما أنزل الله تعالى وحده هو إفراد الله تعالى بالحكم والتشريع والطاعة، وجميعها من أجل أنواع العبادة ، فــلا تصرف إلا لله وحده لا شريك له وتوحيد التحكيم والتشريع : هو توحيد الله تعالى بتحكيم شرعه : لقوله تعالى : { و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  } [المائدة: 44] ، وقوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَالِمُونَ } ، وقوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [المائدة: 47] ، وقوله تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة : 50 ] ، وقوله تعالى { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ الشورى : 21 ] ، وقوله تعالى { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة :31 ] ، وقوله تعالى { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ النساء : 65 ] ،

( ج ) تحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله ومنزلته من تجريد الاتباع : فتحقيق المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يتم إلا بالحكم بما أنزل الله ، قال تعالى : {  فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ النساء : 60 ] ، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: « يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّمَ الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرًا وباطنًا » أهـ [ تفسير ابن كثير 3/21 ] ،

( ح ) لا شك أن تنحية شرع الله تعالـى، وعــدم الـتـحـاكم إليه في شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف العقدي والتشريعي والسلوكي في مجتمعات المسلمين، ولقد كانت عـواقـب الحكم بغـير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حلَّ بهم من أنواع الكفر والظلم والفسوق والعصيان ، وصنوف الــذل والـمـحـق والغضب من الله تعالى الكثير والكثير ، فقد فـرض الله تعالـى الـحـكـم بشريعته، وأوجب ذلك على عباده، وجعله الغاية من تنزيل الكتاب، فقال تعالى : { وأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } [ البقرة :213 ] ، وقـال تعالى : { إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } [ النساء : 105] ، وجـاءت الآيـات القـرآنـيـة مـؤكـدة على أن الحكم بما أنزل الله من صفات المؤمنين ، وأن التحاكم إلى غير ما أنزل الله (وهــو حكم الطاغوت والجاهلية) من صفات المنافقين ، قال تعالى : { ويَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ ومَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وإن يَكُن لَّهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُـونَ . إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ } [ النور : 47 إلى 51 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِـيـعُـوا اللَّهَ وأَطِـيـعُـوا الـرَّسُـول وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ والْيَوْمِ الآخِـرِ ذَلِـكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً . أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِـن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً . وإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وإلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصـُـدُّونَ عَنكَ صُدُوداً فَكَيْفَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ إحْسَاناً وتَوْفِيقاً } [ النساء : 59 إلى 62 ]  ،

( خ ) يجب على كل حكام المسلمين أن يطبقوا شرع الله ، وأن يسارعوا في اتخاذ الخطوات الجادة من أجل تطبيق شرع الله تعالى مستعينين بالله وحده على أداء تلك المهمة الجسيمة من مهام الدين وذلك المطلب العظيم من مطالب الإسلام والإيمان والتوحيد ، ونعلم يقيناً أنّ أعداء الإسلام من اليهود واتباعهم يرفضون هذا الامر تماما ، وأنّهم سوف يجيشون الجيوش الجرارة والأسلحة الفتاكة ويستعملون كافة الوسائل والقوى الإعلامية والاقتصادية والعسكرية من أجل القضاء على أي حاكم مسلم تسول له نفسه تطبيق شرع الله تعالى  على شعبه كما أراد الله ، وكما جاء في دين الله ، ولكن لابد من الصدق في طاعة الله تعالى ، ولا بد من خدمة دين الله تعالى بتطبيق شرعه ، والاستعانة على ذلك بالله فهو أقوى من كل قوي وهو تعالى أعز من كل عزيز ، جبروته فوق كل جبروت وقهره فوق كل عباده ، لا يكون إلا ما شاء ، ولا ينفع غيره ولا يضر إلا بإذنه ، فقد قال الله تعالى في سبعة مواضع من القرآن :{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } ، وأمر الله تعالى به أنبياءه المرسلين فقال تعالى : { {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفي بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرا } وقال تعالى : :{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ، وإن من أصول الإيمان الثقة بالله تعالى وصدق التوكل عليه، والعلم بأنّه لا يكون إلا ما شاء ، ولا ينفع غيره ولا يضر إلا بإذنه ، فالأمر كله إلى الله وحده لا شريك ، فهو الضار النافع، لا ينفع أحدٌ ولا شيء إلا بإذنه، ولا يضر أحد ولا شيء إلا بإذنه، فوجب أن لا تتعلق القلوب خوفا ورجاء إلا به، ولا استعانة وتوكلا إلا عليه سبحانه ، وقد أخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي : (( يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف )) [ أخرجه أحمد (2669)، والترمذي في صفة القيامة (2516) ، وقال: "حديث حسن صحيح"، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/460-461): "روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة... وأصح الطرق الطريق التي أخرجها الترمذي"، وصححه الألباني في صحيح السنن (2043 ) ]

***

القاعدة الثانية

أهم مهام الحاكم المسلم

[  1  ] : إن أهم مهام الحاكم المسلم تتمثل في حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض ، ومن ثم سياسة الدنيا كلها بالدين ، وإن مقاصد النظام الحاكم الإسلامي عظيمة يعجز عن تحقيقها آحاد المسلمين ، ولكن النظام الحاكم الإسلامي بما جعل له الشرع الحكيم من مقومات يستطيع تحقيقها ، ويمكن إجمال تلك المقاصد في مقصدين كبيرين أساسيين ، أولهما : حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض ، والثاني : سياسة الدنيا كلها به  ، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة :

[  2  ] : المقصد الأول : حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض : ويشمل حفظ عقائد الدين وتعظيم شعائره وتطبيق شرائعه وأحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم ، وتطبيق أحكامه في علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول ،  ونشر الدين بالدعوة إليه وحفظ الدين بالحسبة عليه والدفاع عن الدين بالجهاد في سبيل الله من أجل التمكين له في الأرض ، وإنشاء وتبني مؤسسات الدعوة إلى الله لنشر الإسلام بين غير المسلمين ، وإنشاء وتبني مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحسبة على الدين بين المسلمين ، وحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية ، وإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع إذ لا يمكن حفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إزالة ، إنشاء وتبني مؤسسات لتعظيم شعائر الله ببناء المساجد ودور العلم الشرعي من مدارس وجامعات ، إنشاء وتبني مؤسسات لحفظ أركان الدين ورفع راية التوحيد وإقامة الصلوات وجمع الزكاة ، إنشاء وتبني مؤسسات علمية لحفظ معالم الدين وللدفاع عنه أمام الشبهات والبدع ودعاوى الباطل ، إنشاء وتبني مؤسسات أخلاقية وتربوية للحفاظ على أخلاق الإسلام ومحاربة الفواحش والرذائل ، وإنشاء وتبني مؤسسات إعلامية وعسكرية عقيدتها الدفاع عن الإسلام ورفع رايته ، والسعي المستمر لمتابعة كل ما من شانه حفظ الدين ونشره وبسط سلطانه ، والسعي المستمر لمنع كل ما من شأنه الإضرار بعقائد المسلمين أو عباداتهم أو أخلاقهم ، وأدلة هذا المقصد ( حراسة الدين ) من كتاب الله تعالى عديدة منها ، قوله تعالى : { إِنَّا أنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } [ النساء : 105 ] وقوله تعالى : { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ  } [الحج : 41] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ * } [المائدة : 54-56 ] وقوله تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) } [الْأَنْفال : 60 ] ، وقوله تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) } [ آل عمران : 104 ] ،  

[  3  ] : المقصد الثاني: سياسة الدنيا بالدين : ويشمل : إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة ، وإقامة العدل بين الناس ، لأنه أساس صلاح الإنسانية وسعادتها ولأنه هو الأساس الذي لا قيام لدولة صالحة بدونه ، وليس للعدل مجالات محددة في الإسلام بل هو واجب في كل نواحي الحياة المختلفة ، كما أنه واجب التطبيق على مستوى المؤسسات في الدولة ، وعلى مستوى الأفراد بدون استثناء ، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين ، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد. فإذا ما طبقت الأحكام الشرعية على المعتدين تحقق الأمن والأمان والاطمئنان بين الناس ، وخاف أهل البغي والفساد ، فلا يستطع قوي أن يعتدي على ضعيف لأن الدولة أقوى منه، ولا يخش الضعيف المحق من عدوان القوي لأن الدولة مع المحق وإن كان ضعيفاً ، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها ،  واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع ، مثل تنظيم الري وإقامة السدود وتحسين الزراعة واستخراج المعادن وإقامة المصانع وتعبيد الطرق ، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال ، وأدلة هذا المقصد ( سياسة الدنيا بالدين ) من كتاب الله تعالى عديدة منها قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } [النساء : 58 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [النساء : 135 ] ، ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  } [المائدة : 8 ] ، وقوله تعالى : { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ  } [ص : 26 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات : 13 ] ،

[  4  ] : مهام الحاكم المسلم تتمثل في الوكالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحقيق أهداف رسالة الإسلام العشرة على أرض الله تعالى وبين عباده  ، فالحاكم المسلم هو خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم ونائبه في تحقيق أهداف رسالة الإسلام العشرة على أرض الله تعالى وبين عباده ، وتتمثل تلك المهام العشرة فيما يلي  : ( المهمة الأولى ) : بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام : قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، وقال تعالى : { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) }[ آل عمران ]  وقال تعالى : { فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) النحل  ، وقال تعالى : { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) } النور ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12) } [ التغابن ] وقال تعالى : { {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ}، وقال تعالى : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ } ، وقد امتدح الله تعالى الدعاة إلى الله تعالى بقوله : { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفي بِاللَّهِ حَسِيبًا}، والحاكم المسلم مسؤول عن حمل دعوة الحق إلى الناس جميعا ، وذلك ببناء صرح إعلامي إسلامي شامخ ونظام إعلامي متكامل يتبنى توصيل دعوة الإسلام الصحيحة إلى كافة البشر في مشارق الأرض ومغاربها ،  ( المهمة الثانية ) : إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة : قال الله تعالى : {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}، وأتباع الرسل يخلفونهم في هذه المهمة ، قال تعالى : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي...}، وقال تعالى : {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى}، فإقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة هو ضمن أهداف الإسلام العملية ، والناس جميعا : إما أن تستجيب وتهتدي فيتحقق هدف هداية الناس إلى الحق ، وإما أن تعاند وتكفر فيتحقق هدف إقامة الحجة لله تبارك وتعالى وينقطع عذر المعاند أمام ربه يوم القيامة: قال تعالى : { {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء}، وقال تعالى : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } [ الرعد ] ، والحاكم المسلم مسؤول عن إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة إلى الناس جميعا ، وذلك ببناء مؤسسات وجامعات علمية متخصصة في علوم الدين تقوم بإقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة وتوصيل دعوة الإسلام الصحيحة إلى كافة البشر في مشارق الأرض ومغاربها ،  ( المهمة الثالثة  ) : دعوة الناس إلى الإسلام صراط الله المستقيم  ودينه القويم : من أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية دعوة الناس إلى صراط الله المستقيم  ودينه القويم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى والرشاد ، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ظلم العباد إلى العدل والرحمة والإحسان ، قال تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم :{ المر* كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} (إبراهيم:1-4). وقال تعالى : { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} (المؤمنون:17) وقال تعالى : { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم* صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض إلا إلى الله تصير الأمور} (الشورى:52-53) ، وخاطب المولى تبارك وتعالى أمة الإسلام بقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} (آل عمران:110).وجعلها خير الأمم لقيامها بحق الرسالة  فقال سبحانه وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110).. ، وقد أجمل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام بقوله ، عندما أرسله سعد بن أبي وقاص لرستم قائد الفرس يدعوه إلى الإسلام ، فقال له رستم: لماذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. (البداية والنهاية 7/39) ، والحاكم المسلم مسؤول عن حمل دعوة الحق إلى الناس جميعا ، وذلك ببناء مؤسسات دعوية وتبليغية مهمتها الأساسية تبليغ دعوة الإسلام ، وهداية الناس إلى الإسلام صراط الله المستقيم  ودينه القويم ، ( المهمة الرابعة ) : إيجاد المؤمن الصالح :  الإنسان بطبيعته فقير إلى الله تعالى محتاج إليه ،  فإذا فقد الصلة بالله ، أصابه القلق والفراغ والضياع ولو كان من أكثر الناس مالا ، فلا يشعر بأمان ولا سلام، ولا اطمئنان ، قال تعالى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ.. }الآية. [طه: 124] ، وأما إذا عرف العبد ربه وخالقه، وآمن به وعبده وأطاعه استقرت نفسه، واطمأن قلبه ، وطابت حياته ولو كان قليل المال قال تعالى  { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ..} الآية. [النحل: 92] ، وفوق هذه الحياة الطيبة في الدنيا، فإن لهم السعادة والجنة في الآخرة ، وعلى ذلك فإيجاد مؤمن واحد هو تحقيق عظيم لواحد من أهم أهداف الدعوة إلى الله ، وفي ذلك جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: [ لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم] (متفق عليه) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: [ يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك.. الحديث ] (رواه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني في صحيح الجامع 8033) ،  (  المهمة الخامسة )  :  إيجاد المجتمع الصالح الملتزم بدين الإسلام : من أهم أهداف الدعوة إلى الله تعالى العمل لإيجاد المجتمع الصالح الملتزم بدين الإسلام والذي يعبد الله سبحانه وتعالى ويعمل من أجل رفع رايته ونصرة شريعته ،  قال سبحانه وتعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (الجمعة:2) ، وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران : 164) ،  ( المهمة السادسة ) : نشر الدين وإظهاره وإقامة شرع الله في الأرض : من أهم أهداف الدعوة إلى الله نشر الدين وإظهاره وإقامة شرع الله في الأرض قال الله تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) } [ التوبة ] ، وقال تعالى :  { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) الفتح ، وقال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) } [ الصف ] ، وتحقيق هذا الهدف يكون بالدعوة إلى الله بكل الجهد والطاقة ليلا ونهارا جهرا وإسرارا ، وقد وعد الله تعالى عباده الصالحين بتحقيق هذا الهدف ، قال تعالى { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) }، [النور ] ، ( المهمة السابعة ) : نشر الخير والمعروف والصلاح والنهي عن الشر والمنكر والفساد : الإسلام دين الله تعالى الذي رضيه لعباده على الأرض لذا فهو دين الدعوة إلى كل خير والأمر بكل معروف ولإرشاد إلى الصلاح ، وهو دين النهي عن أي شر أو منكر أو فساد ، وكل ما في كلمات الخير والمعروف والصلاح من معاني وأعمال فإن الإسلام يأخذ به و يدعو إليه وكل ما في كلمات الشر والمنكر والفساد من معاني وأعمال فإن الإسلام  يأباه وينهى عنه ، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل :90] ،  وقال تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم : { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..} الآية. [الأعراف:157] ، وقال تعالى: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } [هود : 116 ، 117 ]، فالصلاح والنهي عن الفساد هما سبب النجاة من الهلاك ،  وكل الرسل الذين أرسلهم الله نشروا الخير وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وعن الشر والفساد ، وعلى الرغم من تركيزهم الشديد على التوحيد وهو أعظم الخير والمعروف والصلاح وضده الشرك وهو أعظم المنكر والشر والفساد  إلا أن ذلك لم يشغلهم عن النهي عن الفساد في الأرض ،  وكان دائما منهاجهم قوله تعالى { فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } [ الْأَعراف : 74 ] وقوله تعالى : { وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } [ هود : 85 ] ، وقوله تعالى : {  وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [ القصص : 77 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } [ يونس : 81 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ } [ الشعراء : 152 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ } [الشعراء : 151 ، 152 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [الْأَعراف : 85 ] وقوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [ البقرة : 205 ] ، وفي ذلك الهدف الجليل خاطب الله تعالى أمة الرسول بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [الحج : 77 ] وقوله تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 104 ] ، وجعلهم خير الأمم لقيامهم بهذا الواجب فقال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...} الآية [ آل عمران : 110 ]  ،  (  المهمة الثامنة  ) :  : عمارة  الأرض بالأخلاق العظيمة والقيم الفاضلة : من أهداف الدعوة إلى الله عمارة الأرض بالأخلاق العظيمة كالصدق والأمانة والوفاء والرحمة والعدل والإحسان ، والقيم الفاضلة كبر الوالدين وصلة الأرحام وتربية الأبناء وإكرام الضيف والإحسان إلى الجار ومساعدة المحتاج وكفالة اليتيم والعدل في الحكم ولو مع الأعداء ، وقد وصف الله تعالى رسوله بالخلق العظيم فقال تعالى { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } [القلم ] وجعله سبحانه رحمة لجميع الخلائق فقال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [الْأَنْبياء ]، وجعل رسالته المتممة لمكارم الأخلاق ، فقال صلى الله عليه وسلم ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق [ السلسلة الصحيحة 1 / 75] ، ولا شك أن دعوة الإسلام  قد استفاد منها كل من عرفها حتى وإن كان من غير المسلمين ، فإن تعاليم الإسلام التي جاءت بالفضيلة والإحسان، وإقامة العدل ونبذ الظلم، ولو قام الدعاة بحق الدعوة إلى الله ونشروا أخلاق الإسلام العظيمة وقيمه الفاضلة لدخل الناس في دين الله أفواجا لما يرون من عظمته في إقرار السلم والسلام والأمن والأمان والعدل والإحسان ، قال تعالى { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) } [المائدة ] ، (  المهمة التاسعة ) :  التعارف مع الشعوب والقبائل والأجناس البشرية لنشر ثقافة الإسلام ومبادئ الدين القيم : قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } [آل عمران :19] وقال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) } [آل عمران ] وقال تعالى : { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)} [ يوسف ] ، وقد جعل الله تعالى أهل الإسلام شهداء على الأمم الباقية لما لهم من فضل علم عليهم بالله وبدينه ، قال تعالى : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ...} الآية [الحج : 78] ، وإن من أهم أهداف الدعوة الإسلامية التعارف مع الشعوب الأخرى المنتشرة على سطح الأرض من أجل إيصال دعوة الإسلام ومبادئ ذلك الدين القيم إليهم ونشر ثقافة الإسلام بينهم ، قال تعالى {  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  }[الحجرات: 13] ، ( المهمة العاشرة )  : الدفاع عن الإسلام وتصحيح المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عن الإسلام : إن مع أكثر ما يعوق الدعوة الإسلامية ونشر دين الإسلام هو الفهم الخاطئ لدين الله ، مع أنه دين الفطرة والاعتدال ، قال تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) } [الروم ] ، فدين الله يلائم فطرة الناس ولو أفسح المجال أمام الناس بصدق لكانوا أمة واحدة على دين التوحيد ، ولما كان أعداء الله تعالى يعرفون ذلك أخذوا يحاربون انتشاره بين الناس بنشر المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عنه ، ومن أهم أهداف الدعوة إلى الله الدفاع عن الإسلام ومحاربة الانحراف عن صراطه المستقيم وتصحيح المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عن الإسلام لأن ذلك من أعظم الدعوة والجهاد من أجل نشر الدين ونصرته

***  

القاعدة الثالثة

واجبات الحكام ، وحقوق الرعية عند الحكام

( 1 ) كما جعل الإسلام للحكام حقوقاً تجاه الرعية ، كذلك أوجب عليهم واجبات تجاه الرعية ، وبعض تلك الحقوق جاء في قوله تعالى : { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [ الحج : 41 ] ، فأهم حقوق الرعية على الحكام : إقامة الصلاة فيهم وجمع الزكاة منهم وتوزيعها في مصارفها الشرعية الثمانية ، ومنها على المحتاجين منهم ، وحفظ دينهم بالأمر بمعروفه والنهي عن منكره ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ المائدة : 8 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ،  وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ النساء : 58 ] ، وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها ، فقد أخرج مسلم قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة : (( إنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : { ما من راع يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت ، وهو غاش لها ، إلا حرم الله عليه رائحة الجنة } [ أخرجه مسلم ] ،

(  2  ) من حقوق الرعية عند الحكام : حماية بلاد المسلمين والدفاع عن المسلمين وحفظ الحدود والثغور، ، وحراسة دينهم ، وتطبيق شرع الله تعالى بينهم ، وإدارة شؤون الرعية على وجه يحفظ لهم الضروريات والحاجيات ويحقق المصلحة ويدرأ المفسدة ، وإقامة العدل بين الناس لأنه أساس صلاح الإنسانية وسعادتها ، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس تطبيقاً عادلا على الجميع بلا محاباة   ، والنصح للرعية ، والرفق واللين والحلم في التعامل مع الرعية ، ومشاورة أهل الرأي من الرعية ، وتعيين الأكفاء والأمناء ، وأن يكافئ المحسن ويعاقب المسيء حتى يستتب الأمن والنظام ، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم ، واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع ، جاء في كتاب حقوق الرعية في (( الأحكام السلطانية )) لأبي يعلى ( ص 19 ) حيث قال : ويلزم الإمام من أمور الأمة عشرة أشياء : ( فالأول ) : حماية بيضة الإسلام والذب عنها إما في كل إقليم – إن كان خليفة – أو في القطر المختص به إن كان مفوضاً إليه، فيقوم بجهاد المشركين، ودفع المحاربين والباغين وتدبير الجيوش و تجنيد الجنود وتحصين الثغور بالعدة المانعة، والعدة الدافعة، وبالنظر في ترتيب الأجناد في الجهات على حسب الحاجات وتقدير إقطاعهم، وأرزاقهم، وصلاح أحوالهم ، و ( الحق الثاني ) : حفظ الدين على أصوله المقررة وقواعده المحررة، ورد البدع والمبتدعين، وإيضاح حجج الدين، ونشر العلوم الشرعية، وتعظيم العلم وأهله، ورفع مناره ومحله، ومخالطة العلماء الأعلام، النصحاء لدين الإسلام ومشاورتهم في موارد الأحكام، ومصادر النقض والإبرام ، قال الله – تعالي – لنبيه صلى الله عليه وسلم  {وشاورهم في الأمر } ، قال الحسن : (( كان – والله – غنياً عن المشاورة ولكن أراد أن يستن لهم )) ، ( الحق الثالث ) : إقامة شعائر الإسلام كفروض الصلوات والجمع والجماعات والأذان والإقامة ،والخطابة، والإقامة، ومنه النظر في أمر الصيام والفطر وأهلته، وحج البيت الحرام وعمرته ، ومنه : الاعتناء بالأعياد وتيسير الحجيج من نواحي البلاد ،وإصلاح طرقها وأمنها في مسيرهم وانتخاب من ينظر أمورهم ، ( الحق الرابع ) : فصل القضايا والأحكام بتقليد الولاة والحكام لقطع المنازعات بين الخصوم  ،وكف المظالم عن المظلوم ولا يولي ذلك إلا من يثق بديانته وصيانته من العلماء والصلحاء، والكفاة ليعلم حال الولاة مع الرعية فإن مسئول عنهم ن مطالب بالجناية منهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( كل راع مسئول عن رعيته )) ، ( الحق الخامس ) : إقامة فرض الجهاد بنفسه وبجيوشه أو سراياه وبعوثه، وأقل ما يجب في كل سنة مرة، إن كان بالمسلمين قوة فإن دعت الحاجة إلي أكثر منه، وجب بقدر الحاجة ولا يخلي سنة من جهاد إلا لعذر، كضعف بالمسلمين – والعياذ بالله تعالي – واشتغالهم بفكاك أسراهم واستنقاذ بلاد أستولي الكفار عليها ، ويبدأ بقتال من يليه من الكفار إلا إذا قصده الأبعد فيبدأ بقتاله لدفعه ، ( الحق السادس ) : إقامة الحدود الشرعية على الشروط المرعية، صيانة لمحارم الله عن التجرؤ عليها، ولحقوق العباد عن التخطي إليها ويسوى في الحدود بين القوي والضعيف والوضيع والشريف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( إنما أهلك من كان قبلكم : أنهم كانوا يقيمون الحدود على الوضيع ويتركون الشريف، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها )) ، ( الحق السابع ) : جباية الزكوات والجزية من أهلها، وأموال الفيء والخراج عند محلها وصرف ذلك في مصارفه الشرعية وجهاته المرضية، وضبط جهات ذلك إلي الثقات من العمال ، ( الحق الثامن ) : النظر في أوقاف البر والقربات وصرفها فيما هي له من الجهات وعمارة القناطر وتسهيل سبل الخيرات ، ( الحق التاسع ) : النظر في قسم الغنائم وتقسيمها، وصرف أخماسها إلي مستحقيها ، ( الحق العاشر ) : العدل في سلطانه وسلوك موارده في جميع شأنه، قال – تعالي - : { أن الله يأمر بالعدل والإحسان. } ، وقال – تعالي - : { وإذا قلتم فاعدلوا } ، وفي كلام الحكمة : عدل الملك حياة الرعية وروح المملكة، فما بقاء جسد لا روح فيه ؟ ! ، فيجب على من حكمه الله – تعالي – في عباده وملكه شيئاً من بلاده ن أن يجعل العدل اصل اعتماده ن وقاعدة استناده، لما فيه من مصالح العباد، وعمارة البلاد، ولأن نعم الله يجب شكرها، وأن يكون الشكر على قدرها، ونعمة الله على السلطان فوق كل نعمة، فيجب أن يكون شكره أعظم من كل شكر ، وأفضل ما يشكر به السلطان لله – تعالي - : إقامة العدل فيما حكمه فيه ، وقد اتفقت شرائع الأنبياء ، وآراء الحكماء والعقلاء، أن العدل سبب لنمو البركات ومزيد الخيرات ،وأن الظلم والجور سبب لخراب الممالك واقتحام المهالك  ولا شك عندهم في ذلك ... )) اهـ .

(  3  ) تفصيل الحقوق الواجبة على الحكام كما جاءت في الكتاب والسنّة

( أ ) إقامة الدين وحفظه : فإن مما يجب عل الأئمة : إقامة الدين وحفظه ، قال تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } [ الشورى : 13 ] ، وإقامة الدين تتحقق بنشر العلم وتعليم عوام المسلمين ما لا يسعهم جهله من دين الإسلام، كالطهارة والصلاة ومهمات من أحكام الزكاة والصوم والحج، والمعاملات، وحقوق ذويهم عليهم ، وتنشئة الصغار على حب العلم الشرعي ومعرفة فضله وحسن عاقبته في العاجلة والآجلة، وفضل التوسع فيه وعلو منزلة أهله، ومقامهم في الدين وبين المسلمين، وعند رب العالمين يوم القيامة ، واختيار طائفة من الأمة تتأهل لحمل أمانة العلم بحفظه والعمل به وتعليمه ، بحيث يكونوا مراجع للأمة في التعليم والإفتاء والقضاء والاجتهاد في بيان أحكام النوازل والأمور المستجدة

( ب ) إظهار شعائر الملة وإقامة أركان الإسلام الظاهرة : ويكون ذلك ببناء المساجد وعمارتها بالصلاة والذكر، وتعليم العلم الشرعي، وربط الناس بها ، والعناية بالدعوة إلى الله تعالى والحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين ، وتأهيل طائفة يحصل بها مقصود الدعوة والحسبة ، قال تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }  [ آل عمران :  ١٠٤ ]،

( ت ) تطبيق شرع الله تعالى وإقامة الحدود بين الناس : ومما يجب على الأئمة: الحكم في الرعية بما أنزل الله وبما لا يخالف الشرع المطهر، ونبذ كل ما يعارض الإسلام من القوانين الوضعية والأعراف والعادات العشائرية، والأنظمة البشرية الجائرة ، فالتحاكم لشرع الله فرضٌ قطعي بالكتاب والسنة والإجماع ؛ قال تعالى : { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة:  49 ، 50 ] ، وقال تعالى : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } [الجاثية: 18 - 19] ، وقال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة: 44] ، وقال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [المائدة: 45] ، وقال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [المائدة: 47] ، وقال تعالى : { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [الأعراف: 54] .

( ث ) الدفاع عن المسلمين وحمايتهم وحفظ الحدود والثغور: فإن الدفاع عن الرعية وأموالهم وأعراضهم من أهم واجبات الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم : ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته)) [ أخرجه البخاري ] ، ومن أهم مهام الإمام إعداد القوة اللازمة وإقامة عَلَمَ الجهاد وتجييش الجيوش وتجهيز الغُزاة بالقوة الكافية الرادعة، والقيام بكل ما يحتاجونه من بيت المال، وجهاد أهل الكفر بعد دعوتهم إلى الإسلام، وبيان محاسنه وما لهم منه وما لله من حق عليهم فيه؛ لإعلاء كلمة الله، وكفِّ شرِّ أعداء الله، وتحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة النافعة الرادعة، حتى لا يظفر الأعداء بغفلة ينتهكون فيه الحُرَم المحترمة، أو يسفكون بها الدماء المعصومة، قال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } [الأنفال:٦٠]،

( ج ) إقامة العدل بين الرعية : قال تعالى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } [الحديد: 25] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } [النساء: 135] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [المائدة: 8] ، وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } [النساء: 58] ، وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في بدايتهم: ((الإمام العادل)) ، وفي مسند الإمام أحمد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر)) ، وإن العدل بين الناس من أسباب استقامة أحوال الرعية واستقرار الدولة، فإن الدولة تدوم مع العدل ولو كانت كافرة، ولا تبقى مع الظلم ولو كانت مسلمة، ولذا قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النحل:٩٠]،

( ح ) النصح للرعية : فيعمل على جلب ما فيه النفع لهم، ودفع ما فيه الضرر، وليأخذ على أيدي الفاسدين المفسدين، من أصحاب الدعوات الهدامة، والعقائد الباطلة؛ لمنع شرورهم، وحماية الأمة من فسادهم ، أخرج مسلم في صحيحه : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((ما من راعٍ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لها، إلا حرَّم الله عليه رائحة الجنة)) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج في صحيحه عن مَعقِل بن يَسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((ما من أميرٍ يَلِي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة)) [ أخرجه مسلم ] ، وقد دلَّت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها ، كما جاء في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم : (( يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((من ولاَّه الله شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخَلَّتِهم وفقرِهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة )) [ صحيح سنن أبي داود ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهله وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عنه، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته)) [ أخرجه البخاري والإمام أحمد في المسند ]

( خ ) الرفق واللين والحلم في التعامل مع الرعية : لقوله صلى الله عليه وسلم : (( اللهم من وَلِي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقُق عليه، ومن وَلِي من أمر أمتي شيئًا فرَفَق بهم، فارفق به )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثلَ الأعلى في الرفق ؛ فقال صلى الله عليه وسلم  : ((إن الله يحب الرفق في الأمر كله )) [ أخرجه البخاري ] ، ووصفه القرآن الكريم بقوله تعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } [التوبة: 128، 129] ، وقوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران: 159] ، ولهذا ينبغي على الإمام سياسة الرعية باللين والرفق، وأن يجتهد في قضاء حوائج العباد وإيصال الخير إليهم، وكف الشرِّ وإبعاد الضرر عنهم، ورعاية مصالحهم، والاهتمام بشؤونهم، والنصيحة لهم في جميع الأحوال

( د ) مشاورة أهل الرأي من الرعية : لقوله تعالى  : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران: 159] ، وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [الشورى: 38] ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (( ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم )) [ أخرجه البخاري ] ،

( ذ ) تعيين الأكفاء والأمناء : لقوله تعالى : { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } [القصص: 26] ، ، فمما يجب على الإمام: نصب وتولية الأكْفَاء الأمناء النصحاء، من القضاة والمفتين، وأمراء الجهات، وبقية أهل الولايات الذين توفر القوة والأمانة فيقومون خير القيام فيما يفوضه الإمام إليهم من ولايات وأعمال، وفيما يكِلُه إليهم من الأمانة والأموال؛ لتكون الأعمال مضبوطة، والأمانات والأموال محفوظة ، فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره؛ لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو موافقة في بلد، أو مذهب، أو طريقة ، أو جنس ،  أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة ، أو غير ذلك من الأسباب ، أو لضغن في قلبه على الأحق ، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الأنفال: 27] ،

( ر ) أن يكافئ المحسن ويعاقب المسيء : وهذا من الحزم والقوة التي ينبغي أن يتصف بها الإمام ، وهو كذلك من العدل الذي أوجبه الله تعالى بقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } [النجم: 31] ، وكما قال الله تعالى عن الملك العادل ذي القرنين : { قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا } [الكهف: 87 - 88] ، فلا بد من محاسبة الولاة وأرباب المناصب والعمال؛ فيكافئ المحسن، ويأخذ على يد المقصِّر والمسيء ، وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال : استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأَزْد ، يقال له: ابن اللُّتْبِية ، على الصدقة ، فلما قَدِم قال : هذا لكم وهذا أهدي لي ؛ قال صلى الله عليه وسلم : ((فهلاَّ جلس في بيت أبيه، أو بيت أمه؛ فينظر أيُهدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدٌ منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَرُ  ، ثم رفع بيده حتى رأينا عُفْرَة إبْطيه : اللهم هل بلَّغت ، اللهم هل بلغت ، ثلاثًا  )) [متفق عليه ] ، وأخرج مسلم في صحيحه عن عَدِي بن عَمِيرة الكندي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَن استعملناه منكم على عمل، فكتمَنا مِخْيطًا فما فوقه ، كان غُلولاً يأتي به يوم القيامة ، قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله ، اقبَل عني عملك، قال: وما لك؟ ، قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: وأنا أقوله الآن: مَن استعملناه منكم على عمل، فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى)) [ أخرجه مسلم وأحمد ] ،

( ز ) توفير الأمن والاستقرار : مما يجب على الإمام توفير الأمن في المدن والقرى، وكافة جهات البلد، وتأمين الطرق والمرافق العامة وأموال الناس وسائر حرماتهم، وتأمين الضعفاء من الأقوياء، والأخيار من الأشرار، وذلك بتوفير كافة وسائل الأمن، وجهاد أهل البغي، وقطَّاع الطرق، وكل من تسوِّل له نفسُه العبث بأمن البلد وحرمات الأمة ، لقوله تعالى : { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [المائدة: 33] ، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين بتنفيذ حكم الله تعالى في المحارِبين الذين سعوا في الأرض فسادًا ،

(  س  ) تفقد أحوال الرعية وأن لا يحتجب عنهم : أخرج الإمام أحمد عن عمرو بن مرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما من إمام أو والٍ يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته)) [ أخرجه أحمد ] ،

( ش ) جباية الصدقات واستثمار الثروات وتنمية التجارة : ومما يجب على الإمام جباية الفيء والصدقات، وتنمية استثمار المعادن والثروات، وتنظيم التجارة في الأمة، وفيما بينها وبين الأمم الأخرى على النحو الذي جاء به الشرع نصًّا أو اجتهادًا، من غير عسف ولا خسف.

( ص ) تقدير العطاءات والمرتَّبات والمصروفات العامّة والخاصّة ودفعها لمستحقيها : ومما يجب على الإمام تقدير العطاءات والمرتَّبات والمصروفات العامّة والخاصّة من بيت المال؛ من غير سَرَف ولا تقصير فيه، ودفعه إلى مستحقه وجهته في وقته من غير تأخير ولا مماطلة.

( ض  ) متابعة أمور البلاد بنفسه : مما يجب على الإمام متابعة أمور البلاد بنفسه، وذلك بأن يباشر الإمام الأعظم بنفسه مُشَارَفَة الأمور، ويتتبع الأحوال ليطلع على سير الأمور وأداء ذوي الولايات والعمَّال؛ اشتغالًا بسياسة الأمة وحراسة الملة وتحقيق الأمانة، ولا يعوِّل على تفويض الأمور إلى غيره تفرغًا لعبادة أو تشاغلًا بلهوٍ أو لذة، فقد يُخَوَّن الأمين، ويُغَشَّ الناصح، ويفرِّط القادر، فلا بد من متابعة ذوي الولايات ومسئولي الجهات، للاطمئنان على قيامهم بوظائفهم، وأدائهم لأماناتهم، وحسن سياستهم وعدلهم في رعيتهم على أكمل وجه؛ فمن أحسن شَكَرَه وكافأه وأعانه، ومن قصَّر أو عجز أو خان أو فرط عزَلَه وحاسبه، وولَّى خيرًا منه مكانه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وأتباعهم يهتمون بأمر العمال وذوي الولايات، فيجتهدون في اختيار الأكفاء، ويحاسبونهم على التقصير والتفريط أو الاعتداء

( ط ) تهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم : فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها ، وقد أشار الفقهاء إلى ذلك، فقد قال العلامة ابن عابدين في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار": ( ومن فروض الكفاية الصنائع المحتاج إليها ) أهـ [ابن عابدين ج 3 ص 32 ] ، ومن الواضح أن الصنائع المحتاج إليها تختلف باختلاف العصور والأزمان، فما كان الناس يحتاجونه في الأمس قد يحتاجون إلى غيره اليوم، فعلى الإمام ملاحظة ذلك وتهيئة وسائله ، ويترتب على اعتبار تحصيل الصناعات والحرف المحتاج إليها من فروض الكفايات لحوق الاثم بالأمة وبالحكام إذا قصروا في تحصيلها ، وثبوت حق الحكام في اجبار أصحاب الصناعات على القيام بها إذا امتنعوا عنها، وهذا ما صرح به الفقهاء، فقد قال ابن قيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية : ( إن لولي الأمر اجبار اصحاب الحرف والصناعات على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عن القيام وكان في الناس حاجة إلى صناعاتهم ) [الطرق الحكمية لابن القيم ص 222 ] ،

( ظ ) استثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية الرفاه الاقتصادي والعيش الكريم : قال عبد الكريم زيدان في كتابه أصول الدعوة : ( وقد أشار الفقهاء إلى هذا الواجب، فقد قال الفقيه المشهور أبو يوسف في كتابه القيم "الخراج" الذي وجهه إلى الخليفة هارون الرشيد: إن على الخليفة أن يأمر بحفر الأنهار واجراء الماء فيها وتحميل بيت المال وحده نفقات ذلك وهذا نص كلامه: "فإذا اجتمعوا – أي أهل الخبرة – على أن في ذلك – أي في حفر الأنهار – صلاحاً وزيادة في الخراج أمرت بحفر تلك الأنهار وجعلت النفقة من بيت المال، ولا تحمل النفقة على أهل البلد. وكل ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم وطلبوا اصلاح ذلك لهم أجيبوا إليه، إذا لم يكن فيه ضرر على غيرهم" [الخراج لأبي يوسف ص 110 ] وما ذكره أبو يوسف رحمه الله من ضرورة حفر الأنهار لأرض الخراج هو من قبيل التمثيل لا الحصر، يدل على ذلك عبارته الأخيرة "وكل ما  فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم وطلبوا إصلاح ذلك لهم أجيبوا اليه" كما يمكن القياس على ما ذكره أبو يوسف جميع الأعمال اللازمة لاستغلال ثروات البلاد وخيراتها على وجه يعود بالنفع العميم على الجميع فهذه يجب القيام بها، مثل تنظيم الري في البلاد وإقامة السدود وتحسين الزراعة واستخراج المعادن وإقامة المصانع وتعبيد الطرق التي تسهل نقل المحاصيل، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال ) أهـ [ أصول الدعوة ، عبد الكريم زيدان ]

***

 

الباب الرابع

تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله

والرد على شبهات أهل الغلو في التكفير واستحلال حُرمات المسلمين

 

اشتمل هذا الباب على خمسة فصول :

الفصل الأول : فقه مسائل الكفر في الكتاب والسنّة .

الفصل الثاني : قواعد الشرع الضابطة لمسائل الكفر

الفصل الثالث : تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله

الفصل الرابع : قواعد الشريعة العامة اللازمة لضبط مسائل واحكام التكفير

الفصل الخامس : الرد على شبهات أهل الغلو في التكفير واستحلال حُرمات المسلمين

***

الفصل الأول :  فقه مسائل الكفر في الكتاب والسنّة

ويحتوي هذا الفصل على تلك المباحث :  ( المبحـــث الأول ) :  الكفر بين اللغة والشرع  ، ( المبحث الثانـي ) :  فقه مسائل الكفر في كتاب الله عز وجل ، ( المبحث الثالث ) :  فقه مسائل الكفر في سنة النبي  صلى الله عليه وسلم

***

المبحث الأول :  الكفر بين اللغة والشرع

(  أ  ) جاء الكفر في معاجم اللغة على معان عديدة تؤول جميعها إلى معنيين : الأول : وهو الأصل لمعنـى الكفـر في اللغة ويأتـي على معنـى الستـر والتغطيـة ، ومنه يسمى  ( الليل ) ( بالكافر ) لأنه يستر كل شيء بظلمة ، ومنه قيل ( للزراع ) الكفار لأنهم يغطون البذر بالتراب ، وقيل للثوب الذي يغطي الدروع بكافر الدروع ،وكل شيء غطى شيئا فقد كفره ، والثاني : وهـو أشهر معاني الكفـر وأكثرهـا استعمـالا وهـو الجحـود ، ومنه يسمى جاحـد النعمـة ( كافرا ) ويقال ( كفر بالنعمة ) أي جحدها وأنكرهـا ، ويقـال ( كافر بالله ) أي جاحد له ، ويقال ( كافر حقه ) أي جحده حقه ، ويقال ( كفَّره ) أي نسبه إلى الكفر والجحود

( ب ) الجحود عبارة عن تكذيب المرء أو استكباره عن الانقياد لما علم بصحته وصدقه واستيقن بقلبه ، ولذلك كان الجحود في حقيقته ستر وتغطية في قلب الكافر من الإقرار بوحدانية الله ، وتغطيته وستره لفطرة الله عز وجل التي فطر عليها قلوب الناس جميعا من الإقرار بربوبيته سبحانه وألوهيته جل شأنه ، ولهذا كان الجحود أعظم الكفر وهو غالب كفر البشرية جمعاء ، ولهذا وصف الله عز وجل به الكفار جميعا ووصف به أهل النار كلهم وهو كفر إبليس الرجيم وفرعون وقومه وقوم نوح وعاد وثمود وهو كفر أهل الكتاب  – اليهود والنصارى – وهو كفر المشركين زمان النبيصلى الله عليه وسلم  ، دل على ذلك كله كتاب الله عز وجل ، فمن وصف أهل النار بالجحود : قوله تعالى : { فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }   [ الأعراف : 51  ] ، وقوله تعالى : { ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }  [ فصلت : 28  ] ، ومن وصف الكفار جميعا بالجحود : ، قوله تعالى : { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } [ غافر  :  63  ] ، وقوله تعالى : { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } [ لقمان : 32  ] ، ومن وصف قوم فرعون بالجحود  وقد كان دافع هذا الجحود الظلم والعلو ، قوله تعالى :{ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ  } [ النمل : 14  ] ، ومن وصف عاد قوم هود عليه السلام بالجحود وقد كان دافعه الاستكبار والبطر ، قوله تعالى : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }  [ هود : 59  ] ، وقوله تعالى : {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } [فصلت : 15 ] ، ومن وصف أهل الكتاب  - اليهود والنصارى   – بالجحود وقد كان دافعه البغي والحسد ، قـوله تعالى : { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }  [ البقرة : 146 ]  ، وقوله تعالى : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ }  [ البقرة : 90 ] ، وقوله تعالى : { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } [ البقرة : 109 ] ، والذي يظهر وصفهم بالجحود قوله تعالى : { فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونُ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ } [ العنكبوت : 47 ]  ثم بعدها قوله تعالى :  { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ }  [  العنكبوت : 49 ] ، ومن وصف كفار قريش بالجحود :  قوله تعالى : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } [ الأنعام : 33 ] ، ومعلوم أن إبليس الرجيم كان كفره الجحود ودافعه الإباء والاستكبار والعناد في : قوله تعالى : { أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }   [ البقرة : 34 ]

( ت ) مع أن كفر الاعتقاد المخرج من الملة له أنواع ستة هي  ( التكذيب ، والجحود ، والعناد ، والإعراض ، والشك  ، والنفاق ) إلا أنه لتركيز آيات الكتاب العزيز على كفر الجحود لأنه أكثرهم وقوعا ولأنه يشملهم جميعا ، علمنا  السر في اقتصار كثير من علماء أهل السنّة والجماعة المحققين في تعريف الكفر الأكبر على " الجحود " وذلك لأن الكفر أصله الجحود وكل كافر فهو جاحد لما فطره الله عز وجل عليه  { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [ الروم : 30 ]  من الإقرار القلبي بربوبية الله عز وجل وألوهيته ، تلك الفطرة التي تظهر عند الشدائد كما في قوله تعالى  { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ  } [يونس: 22] ، وقوله تعالى : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [ العنكبوت : 65 ] ، فكل كافر هو في حقيقته جاحد لله ولما فطره الله عليه من التوحيد والتصديق [سيأتي في مبحث العذر بالجهل بيان حقيقة تلك الفطرة وأنها حجة على العباد إلا أن الله عز وجل لكمال رحمته لم يجعلها الحجة التامة حتى يبعث الله عز وجل الرسل مبشرين ومنذرين ومذكرين بتلك الفطرة] ، ومن أقوال العلماء في تأصيل معاني الكفر وأهمها الجحود : قال الطحاوي في عقيدته التي تلقاها علماء أهل السنّة والجماعة بالقبول : ( ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه ) [شرح العقيدة الطحاوية ص 331 ، ط المكتب الإسلامي] أهـ فجعل المضاد للإيمان هو كفر الجحود مع أن كفر الاعتقاد أنواعه كثيرة ولكن لغلبة كفر الجحود على البشر عبّر عن الكفر عامة بكفر الجحود ، وقال النووي :حيث يقول عد شرحه لحديث (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ))  : (( وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله فإذا تقرر هذا العمل فقيل في تأويل الحديث أقوال أمرها أنه في المستحل والثاني أن المراد كفر الإحسان والنعمة لا الجحود والثالث أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه والرابع أنه كفعل الكفار[شرح مسلم للنووي ج2 / 54] أهـ والشاهد من قوله الوجه الثاني ( المراد كفر النعمة لا كفر الجحود ) فهنا استعاض أيضاً عن ذكر الكفر الأكبر بكفر الجحود ،

***

المبحث الثاني : فقه مسائل الكفر كما جاءت في الكتاب والسنّة

( أولا ) : فقه مسائل الكفر كما جاءت في كتاب الله عز وجل : عددت ألفاظ " الكفر" التي وردت في كتاب الله تعالى فوجدتها تزيد على الخمسمائـة لفظاً وفي هذا دلالة كافية على أهمية مسائل الإيمان والكفر لأنهما أساس أسماء هذه الملة وأحكامها ، ثم أردت بعد ذلك أن أعرف نسبة كفر العمل إلى كفر الاعتقاد ( الجحود ) في كتاب الله عز وجل ، فوجدت الآيات التي تتحدث عن كفر العمل لا تتجاوز عدد أصابع اليدين بحال من الأحوال وقد راجعت تفسيرها جميعها فوجدت علماء أهل السنّة والجماعة متفقون على حملها على كفر العمل المصاحب لكفر الاعتقاد وإلا فهي كفر في إطار الملة لا يخرج عنها – وهو ما عبروا عنه بقولهم كفر دون كفر – في حين وجدت باقي الآيات تشير كلها – وهي كما ذكرت تزيد على الخمسمائة  – تتحدث عن كفر الاعتقاد بأنواعه الستة : [ التكذيب ، والجحود ، والعناد ، والإعراض ، والشك  ، والنفاق ] ،

فمن الآيات الدالة على كفر التكذيب : وما أكثرها فإنها تربوا على المائتين وخمسين آية كما جاء في تعداد المعجم المفهرس لمؤلفه محمد فؤاد عبد الباقي  ، منها قوله تعالى :  { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } [ الشعراء : 105 ] وقوله تعالى : { كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ } [ الشعراء : 123 ] . وقوله تعالى : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ } [ الشعراء : 141 ] . وقوله تعالى : { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ } [ الشعراء : 160 ] . وقوله تعالى : { كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ } [ الشعراء : 176 ] . وقوله تعالى : { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ } [ الحج : 42 ] . وقوله تعالى : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } [ الأنعام : 66 ] . وقوله تعالى : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}  [ الأعراف : 37 ] . وقوله تعالى : { بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا } [ الفرقان : 11 ] وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } [ المائدة : 10 ] . وقوله تعالى على لسان أهل النار :  { قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ } [ الملك : 9-11 ] . وقوله تعالى في تأنيب أهل النار: { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ } [النمل : 83-85 ] وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ الأعراف : 147 ] ، فهذه بعض الآيات الدالة على كفر التكذيب وهو يقينا يدخل ضمن كفر الاعتقاد ، ث }

ومن الآيات الدالة على كفر الجحود  وهو كفر اعتقاد أيضا : قوله تعالى : { وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ } [ هود : 59 ] . وقوله تعالى - في حق فرعون وقومه -: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [ النمل : 14 ] . وقوله تعالى : { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ } [ العنكبوت : 47 ] . وقوله تعالى : { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ }  [ العنكبوت : 49 ] . وقوله تعالى  { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } [ لقمان : 32 ] . وقوله تعالى : { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } [ الأنعام : 33 ] وقوله تعالى : { فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } [ الأعراف : 51 ] . وقوله تعالى : { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ  } [ غافر : 63 ] . وقوله تعالى : { لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }   [ فصلت : 15 ] ،

ومن الآيات الدالة على كفر العناد : ومنه الإباء والاستكبار والكبر فكل هذه الصفات تدخل ضمن كفر العناد وهو كفر اعتقاد كذلك : قوله تعالى : { فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }  [ البقرة : 34 ] . وقوله تعالى : { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا }[ الإسراء : 89 ] . وقوله تعالى : { فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا } [ الإسراء : 99 ] . وقوله تعالى – في حق فرعون :  { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } [ القصص : 39 ] . وقوله تعالى :  { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ } [ الزمر : 60 ] . وقوله تعالى : { قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ  } [ الزمر : 72 ] . وقوله تعالى : { يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الجاثية : 8 ] . وقوله تعالى : { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } [ غافر : 35 ] ،

ومن الآيات الدالة على كفر النفاق : والمقصود به تكذيب النفاق مع إقرار اللسان : ويسميه العلماء { النفاق الاعتقادي } وهو كفر أكبر صاحبه أسوأ حالا من الكفـار الأصلييـن في النـار ، قال تعالى { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } [ النساء : 145 ] . قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [ البقرة : 8- 10 ] وقوله تعالى : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }  [ البقرة : 15 ] . وقوله تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [ المنافقون : 1 ] . وقوله تعالى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء : 142 ] . وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا  } [ النساء : 140] وقوله تعالى : { وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ الفتح : 6 ] ، ومن الآيات الدالة على كفر الشك وهو كفر اعتقاد : لأن معناه عدم جزم القلب بالتصديق ولا التكذيب ، وصاحب الشك هو ما وصفه القرآن الكريم بالمرتاب ووصفه بمرض القلب : قال تعالى – وهو سبحانه يصف حال صاحب الجنتين الشاك في البعث والنشور: { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [ الكهف : 35 –36 ] . وقال تعالى مخاطبا إياهم :  { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [ البقرة : 23-24 ] . وقال تعالى في وصف حالهم :  { إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } [ التوبة : 45 ] . وقال تعالى في بيان عاقبة مرض قلوبهم : { وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ } [ النور : 125 ] . وقال تعالى : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }  [ البقرة : 10 ] ،

ومن الآيات الدالة على كفر الإعراض : وهو كفر اعتقادي يتناول بالدرجة الأولى إعراض القلب عن تصديق الرسالة والانقياد لها وإعراض اللسان عن الإقرار بها : قوله تعالى :  { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } [ الكهف : 57 ] فدلت الآية على أن كفر الإعراض يشتمل إعراض القلوب عن الاعتقاد { على قلوبهم أكنة } وإعراض الآذان عن السماع : { وفي آذانهم وقرا } ، ومن باب الأولى إعراض اللسان عن الإقرار  والجوارح عن الطاعة ، ومثلها قوله تعالى : { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [ فصلت : 3-5 ] وكفر الإعراض في الآية يشمل إعراض القلوب عن قبول الحق وهو شهادة التوحيد وإعراض الآذان عن سماعها ومن باب الأولى معاندة اللسان بعدم الإقرار بها ، والمفسرون متفقون على أنها في حق الكافرين الأصليين الذين لم يؤمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأعرضوا عنها وكان جوابهم لبلاغه إننا لا نفقه ما تقول ولا نعيه بقلوبنا ولا نسمعه بآذاننا سماع فهم وعلم أي ولا نفهم ما تقول فاعمل لدينك فإننا عاملون لديننا ، ومثلها قوله تعالى : { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } [ القمر : 2 ] فالإعراض هنا إعراض عن الإيمان بها والتصديق لها بدليل قولهم بعد رؤيتها { وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } أي سحر مستحكم شديد الإحكام يعلوا كل سحر ، وقد تتبعت آيات الإعراض في كتاب الله عز وجل فوجدت الآيات التي تحكم بكفر الإعراض الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار كلها – دون استثناء –  أتت في حق الكافر الأصلي الذي أعرض عن الإقرار بالشهادتين فلم يقل بها ولم يصدقها ولم ينقاد لها لا بقلبه ولا بجوارحه ،  وقد رأيت البعض يفهم كفر الإعراض على غير هدي الكتاب الكريم فظن أن كفر الإعراض الأكبر يتناول من أقر بالشهادتين ثم أعرض عن العمل بموجبها ، وظن أن ترك جنس عمل الجوارح كفر إعراض عن دين الله عز وجل لا يعمل به ، ونسى هذا أن من أقر بالشهادتين ولو بلسانه فقد نجا من كفر الإعراض الأكبر لأنه انقاد بلسانه فلم يعرض ، فإن صاحبه تصديق القلب وانقياده فقد صح له أصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه ، وإن صاحبه تكذيب القلب فهو كفر نفاق ولا يسمى عند العلماء كفر إعراض البتة ، فإن نقض  – والعياذ بالله  – إقراره وتصديقه يؤول به إلى الكفر الأكبر المخرج من الملة فهذا كفر ردة وليس كفر إعراض ، فأين الإعراض هاهنا لمن أتى بإقرار اللسان ، ومنـاط الإعراض هو : إعراض اللسان عن الإقرار فلا يقر ولا يكذب لأنه إن أقر صار له حكم الإسلام وإن كذب صار كفره تكذيب ، وإعراض القلب عن الاعتقاد فلا يصدق ولا يكذب ولا ينقاد ولا يستكبر فإن كذب القلب كان كفر تكذيب وإن صدق مع تكذيب اللسان صار كفر جحود ولا ينقاد ولا يستكبر وإلا صار كفر عناد واستكبار ، وإعراض الأذن عن سماع الرسل وما جاءت به فلا يعلم ما جاء به الرسل ولا يحرص على فهمه ، ويلي ذلك ويتبعه إعراض الجوارح فلا توالي ولا تعادي ، وعلى ذلك : فكفر الإعراض هو كفر اعتقادي بالأساس يتمثل في إعراض القلب عن تصديق الرسالة والانقياد لها يتبعه إعراض اللسان عن الإقرار بها والجوارح عن موالاة أهلها ومعاداتهم ، فأما من أقر بالشهادتين فله اسم الإسلام وحكمه ، فإن كان مصدقا لها بقلبه فقد صلح له أصل إيمانه في أحكام الدنيا والآخرة ومن كان مكذبا لها بقلبه أو مستكبرا عن الانقياد لها فكفره كفر نفاق وليس كفـر إعراض ، والخلاصة هي أن كفر الإعراض كفر اعتقادي يتمثل في إعراض القلب عن الإيمان يتبعه إعراض اللسان عن الإقرار ، أما من كان معتقدا مقرا وأعرض عن العمل بجوارحه فهذا لا يصح وصفه بكفر الإعراض الأكبر لأنه ما أعرض بقلبه ولا بلسانه ، وان كان معرضا عن العمل – على معنى الإعراض اللغوي  – فهذا لا يخرجه  – كما أوضحنا في المبحث السابق – عن الملة فله اسمها وأحكامها

آيات كفر العمل وعلاقتها بالكفر الأكبر : المتدبر لآيات القرآن الكريم يرى الفرق الكبير بين كفر الاعتقاد وكفر العمل وقد راجعت هذه الآيات التي تتحدث عن كفر العمل  – وهي قليلة جدا  – في تفاسير علماء أهل السنّة والجماعة ، فوجدت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  رضي الله عنهم ومن بعدهم بقية السلف الصالح رحمهم الله ، ثم علماء أهل السنّة والجماعة اتفقوا على تأويل هذه الآيات بما يدل بوضوح لا شك فيه أن كفر العمل لا يمكن أن يكون كفرا أكبر حتى يصاحبه كفر الاعتقاد ، وبمعنى أوضح أنه إذا ثبت إيمان القلب بيقين فإن العمل المجرد الذي حكم الشرع بكفر صاحبه إنما هو في إطار كفر دون كفر فلا يخرج من الملة ولا يوجب لصاحبه الخلود الأبدي في النار. وهذا – كما سيتبين إن شاء الله  – اتفاق علماء أهل السنّة والجماعة المحققون ، وأهم هذه الآيات التي تتحدث عن أو تشير إلى كفر العمل :

الآية الأولى : قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، والملاحظ من الآية أنها جعلت مناط الكفر فيها هو ترك الحكم بما أنزل الله ، ومع جعل الآية مناط الحكم فيها على الترك فقد اتفقت كلمة أهل السنّة والجماعة فيها على تأويل حبر الأمة الذي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم له بالفقه في الدين عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما وعامة الصحابة رضي الله عنهم على أن مناط الكفر الأكبر هو جحود حكم الله عز وجل ( الذي يصاحبه جحود أصل الإيمان من الإقرار والتصديق والانقياد القلبي ) وليس مجرد الترك ، وأن الترك المجرد الخالي عن الجحود فهذا من نوع الكفر في إطار الملة وهو ما عبروا عنه بقولهم كفر دون كفر فلا يأخذ صاحبه اسم الكفر الأكبر وحكمه ، بل هو كفر في إطار الملة حيث له اسم الملة وحكمها ، وسيأتي في القاعـدة الخامسـة من هذا الباب ( تحقيـق القـول في مسـألة ترك الحكم بما أنـزل الله ) نقل مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الحاكمية مؤصلا بأقوال العديد من الأئمة الأعلام .

الآية الثانية : قوله تعالى :{ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 32] ، والملاحظ في الآية أنها أمرت بالطاعة ، والمتبادر إلي الذهن عند ذكر الطاعة هو طاعة الجوارح بالعمل ، والآية أشارت إلي أنّ التولي عن هذه الطاعة كفر بدليل قوله تعالى بعدها  { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } فوصفت المتولين عن الطاعة بالكفر ، ومع ذلك فقد اتفقت كلمه العملاء والفقهاء على تفصيل المسألة وأنّ للطاعة شقان ، الأول : طاعة القلب وهو الاعتقاد ، والثاني : هو العمل وهو طاعة الجوارح ، وأن الأصل طاعة القلب ( الاعتقاد) فهو الذي تتوقف على وجوده طاعة الجوارح ، فإن وجدت فلا يوصف تارك عمل الجارحة بالكفر الأكبر ، بل هو كفر عملي في إطار الملة ، وكذلك فلا يوصف تارك عمل الجارحة وحده بالتولي التام الذي يتبعه الكفر الأكبر ، بل هو تول ناقص سبقته طاعة القلب بالاعتقاد فلا يوصف بالكفر الأكبر البتة ، ومن حمل الآية من العلماء على الكفر الأكبر فهم أنها نزلت في حق وفد نجران من النصارى الذين قدموا عليه صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالإيمان برسالته ودينه وكتابه فأبوا ذلك فنزلت فيهم الآية { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [آل عمران: 32]  ولا يخفي أنّ الطاعة هاهنا هي اعتقاد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى تصديقه والانقياد لما يدعوا إليه ، وبهذا اتفقت كلمة المفسرين على حمل الآية على محملها الصحيح ، قال الطبري في تفسيره ـ القول في تأويل قوله تعالى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 32 ] " يعنى بذلك جل ثناؤه : قل يا محمد لهؤلاء الوفد من نصارى نجران : أطيعوا الله والرسول محمدا ، فإنكم قد علمتم يقيناً أنه رسولي إلي خلقي ابتعثته بالحق تجدونه مكتوباً عندكم في الإنجيل ، فإن تولوا فاستدبروا عما دعوتهم إليه من ذلك وأعرضوا عنه ، فأعلمهم أن الله لا يحب من كفر بجحد ما عرف من الحق ، وأنكره بعد علمه ، وأنهم منهم بجحودهم نبوتك ، وإنكارهم الحق الذي أنت عليه بعد علمهم بصحة أمرك وحقيقة نبوتك . "أهـ [  تفسير الطبري ج3   ص 233 ] ، والملاحظ أن الطبري حمل الآية على وفد النصارى من نجران وأن المعنى من التولي هو التولي عن الإقرار بالشهادتين وبرسالة الإسلام عامة ، وليس معناها مجرد التولي عن طاعة الجوارح دون طاعة القلب ،

الآية الثالثة : قوله تعالى في حق بنى إسرائيل : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [ البقرة : 84-85 ] ، والشاهد من الآية على الكفر العملي أنّ الله عز وجل ذكر كفر بنى إسرائيل ببعض الكتاب لكونهم يقتلون بعضهم بعضاً ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأنّ جزاء الكفر ببعض آيات الكتاب هو الخزي في الدنيا وأشد العذاب في الآخرة ، " قلت " قد اتفقت كلمة أهل السنّة والجماعة على أنّ القتل والطرد والاعتداء على حقوق المال والعرض ومثالـه من الكبائـر والآثام إنما هو في إطار الفسوق وإن وصفه الشـارع سبحانـه أو رسوله صلى الله عليه وسلم بالكفر فهو كفر في إطار الملة ومثاله قوله  صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) أخرجه مسلم ، قال النووي في تأويله " وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفراً يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله " أهـ [  شرح مسلم ج2/54  ] ، وإنمـا تكفيـر أمثـال هؤلاء عند الخوارج الذين يكفـرون بمطلـق المعاصي والآثـام ،

الآية الرابعـة : قوله تعالى :  { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } [ النور : 47 ] ، والشاهد من الآية على الكفر العملي هو أن التولي هاهنا قد يحمل على تولي الجوارح عن طاعة الرسول وذلك بعد الإقرار بالإيمان بالله والرسول والإقرار بالطاعة ، والآية نفت عن أولئك الإيمان ، والتولي عن الطاعة هاهنا ينبغي أن يفهم في إطار القاعدة " المأمور به إذا تركه العبد فإمّا أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكـون ، فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيـمان به ، وترك بعضه وهو العمل به فصار له حسنة وسيئة "  ،       وعلى ذلك فالتولي في الآية إن قصد به تولى القلب عن الاعتقاد دخل في إطار الكفر الأكبر وإن قصد به تولى الجوارح عن الطاعة دخل في إطار الكفر دون الكفر ، ونفي الإيمان في الإيمان هو نفي للإيمان المطلق (  مطلق الإيمان وهو نفي للإيمان الواجب لا أصل الإيمان ) ، وقد حمل الطبري رحمه الله الآية على الوجهين ، فجعلها في حق المنافقين نفاقاً اعتقادياً كفر أكبر ، ونفي لأصل الإيمان من القلب وفي حق المسلمين (  المقرين المصدقين المنقادين ) تأنيب وتأديب ،  فقال لله دره ـ  القول في تأويل قوله تعالى : {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } [النور: 47-48] " يقـول تعـالى ذكره : ويقول المنافقون : صدقنا بالله وبالرسول ، وأطعنا الله وأطعنا الرسول  { ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ } يقول : ثم تدبر كل طائفة منهم من بعد ما قالوا هذا القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتدعو إلي المحاكمة إلي غيره خصمها { وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ  } يقول : وليس قائلوا هذه المقالة يعنى قوله :{ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا } بالمؤمنين لتركهم الاحتكام إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعراضهم عنه إذا دعوا إليه  وقوله  وإذا دعوا إلي الله ورسوله  يقول : وإذا دعي هؤلاء المنافقون إلي كتاب الله وإلي رسوله  { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } فيما اختصموا فيه بحكم الله { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } عن قبول الحق : والرضا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم "أ هـ [  تفسير الطبري ج 18/155-156 ] ، إلي أن قال في تفسير الآيات التي تليها ، وتتحدث عن المؤمنين . القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  }  [ النور : 51 ] . يقول تعالى ذكره : إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا إلي حكم الله وإلي حكم رسوله { ليحكم بينهم } وبين خصومهم { أن يقولوا سمعنا } ما قيل لنا { وأطعنا } من دعانا إلي ذلك ، ولم يُعن بكان في هذا الموضع الخبر عن أمر قد مضى فيقضى ، ولكنه تأنيب من الله الذين نزلت هذه الآية بسببهم وتأديب منه آخرين غيرهـم . وقوله{ وأولئك هم المفلحون } يقول تعالى ذكره : والذين إذا دعوا إلي الله ورسوله ليحكم بينهم وبين خصومهم أن يقولوا : سمعنا وأطعنا المفلحون ، يقول : هم المنجحون المدركون طلباتهم بفعلهم ذلك ، المخلدون في جنات الله . " أ هـ [  تفسير الطبري ج18/157  ] ، ويقول القرطبي رحمه الله ، وهو يحمل الآية على المنافقين الذين يقولون بألسنتهم من الإيمان ما ليس في قلوبهم . " قوله تعالى :{ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } [النور: 47] "    قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ } يعنى المنافقين ، يقولون بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص .{  وأطعنا } أي ويقولون ، وكذبوا { ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } " أهـ [  الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج11/292-293  ] ، ويقول ابن كثير رحمه الله وهو يحمل الآية على المنافقين نفاقاً اعتقادياً : " يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، يقولون قولاً بألسنتهم { آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك } أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم فيقولون ما لا يفعلون ولهذا قال تعالى :{   وما أولئك بالمؤمنين }"  أ هـ. [  تفسير ابن كثير ج3/328   ] " قلت " فالآية عند الإمامين محمولة على من لا يعتقد بالرسول صلى الله عليه وسلم ولا برسالته وإنما يقول ما لا يؤمن به ، ويظهر خلاف ما يبطن ، أما إن كان المتولي عن الطاعة مصدقاً مقراً معتقداً فالأمر يحتاج إلي التفصيل الذي ذكرناه ،

الآيات الخامسة والسادسة والسابعة ، وقد جمعت هذه الآيات بين التكذيب والتولي وهى : قوله تعالى { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ القيامة : 31-32  ] ، وقوله تعالى { لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ الليل:15-16 ] ، وقوله تعالى على لسان نبي الله موسى ونبي الله هارون على نبينا وعليهما السلام{ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ طه :  48 ] ، وهذه الآيات تجمع بين أمرين وتفصل بينهما ألا وهما التكذيب القلبي والتولي عن الطاعة بالجارحة ، فمن اتصف بالأمرين كليهما فهو من أكفر الخلق وهو الأشقى يوم القيامة أي الأكثر شقاءً من غيره ، ومن اتصف بالتكذيب لم ينفعه العمل لأن المنافقين كانوا على زمان النبي صلى الله عليه وسلم يصلون ويزكون نفاقـاً وريـاءً وسُمعه فحكـم عليهـم القـرآن بقوله تعالى :  {إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } [النساء :145] ، ومن اعتقد بقلبه وأعرض وتولى بجوارحه فهذا يستحق العذاب ويدخل في إطار الوعيد ولكن حاله الكفر في إطار الملة ( كفر دون كفر ) لأنه أتى بالإيمان الأصل الذي ينجى من الخلود الأبدي في النار ، والضابط لمسائل التكذيب والتولي هو تعلقهما بالقلب أو الجارحة فإن كان بالقلب فهو كفر أكبر ، وإن كان بالجوارح المجردة كان كفراً دون الكفر الأكبر ، وإلا فالتصديق والتكذيب يكون كلاهما بالقلب والجوارح ، وإن كان غلب على الجوارح وإلا فالحديث ( والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) معلوم أن المقصود زنا الفرج وهو عمل جارحة ، وكذلك التولي يكون بالقلب ويكون بالجارحة إلا أنه بتطبيق القاعدة فقد ذكر كليهما يكون التكذيب غير التولي ويكون التكذيب يُقصد به القلب خاصة والتولي تولى الجارحة خاصة ،

الآية الثامنة : قوله تعالى { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 121 ] ، الشاهد من الآية  على الكفر الذي نحن بصدد الحديث عنه وعن فقه أحكامه هو قوله تعالى { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } فإذا سألت فأين الكفر هاهنا وما علاقته بعمل الجوارح ، " قلت " الكفر هاهنا هو الشرك ، وذلك لأن القاعدة التي يقول بها فقهاء أهل السنّة والجماعة هي "  كل شرك بالله كفر " ، حتى قال الحافظ ابن حجر عند تفسير قـوله تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء : 48] . " والمراد به ـ أي الشرك ـ في هذه الآية الكفر لأن من جحد بنبوه محمد  صلى الله عليه وسلم كان كافراً ولو لم يجعل مع الله إلهاً آخر ، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف  " أهـ [  فتح الباري ج 1 ص 71  ] ، وأما علاقة الكفر هاهنا بعمل الجوارح هو أن الآية جعلت مناط الكفر هو طاعة المشركين في أكل الميتة ، وما نهى الله عنه مما لم يذكر اسم الله عليه وهذا هو ظاهر الآية ، وهو ظاهر لم يقل به إلا الخوارج وأشباههم فالمعتمد عند أهل السنّة والجماعة أنّ الآية محمولة على استحلال ما حّرم الله والاستحلال اعتقاد فمن استحل ما حرم الله فقد كفر بإجماع أهل السنّة والجماعة ، ومن لم يستحل فأطاع بجوارحه دون استحلال فلا يكفر الكفر الأكبر المخرج من الملة بإجماع أهل السنّة والجماعة ، وعلى ذلك فالتأويـل الصحيـح للآية هو ما قاله المفسرون من أهل السنّة والجماعة ومنهم ابن العربى حيث يقول :  "  إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان ، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم ، مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع  "أهـ [  فتح الباري ج 1 ص 71  ] ، والتأويل الصحيح للآية هو ما قاله القرطبي : " دلت الآية على أن من استحل شيئاً مما حرّم الله تعالى صار به مشركاً ، وقد حرّم الله سبحانه وتعالى الميتة نصاً فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك"    أهـ [  الجامع لأحكام القرآن للقرطبي  ج 7/77 ] ، فدّل ذلك على أنّ الأصل في أحكام الكفر الأكبر هو اعتقاد القلب ، وأنّ عمل الجارحة إن كان مجرداً خالياً عن اعتقاد القلب باستحلاله فقصارى حاله الكفر داخل إطار الملة ، وهو ما أخبر عنه علماء أهل السنّة والجماعة بقولهم كفر دون كفر ، وهكذا ينبغي أن يفهم كل متشابه في كتاب الله عز وجل فإن الله تعالى  بين أن الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ، وهى هاهنا غالب آيات الكفر في كتاب الله ، والتي تناولت كفر الاعتقاد بأنواعه الستة التي ذكرناها ومنه آيات متشابهات وهى هذه الآيات التي تتشابه على المتعجل قليل التدبر فإن لم يستضئ بهدي السلف في ردها إلي حكمها ضّل كما ضلت من قبل الفرق الغالية كالخوارج والمعتزلة حتى كفّروا أهل القبلة بالأعمال وبالمعاصي والآثام ، فالضابط الذي جعل علماء أهل الفرقة الناجين ( السنّة والجماعة ) في مثل هذه الآيات أنّ كل كفر أصله الاعتقاد فهو كفر أكبر ، وكل كفر أصله العمل فهو كفر دون كفر ،

ثانيـاً : فقـه أحكـام الكفـر كما جاءت في سنـة النبي صلــى الله عليه وسلـم : ( أ ) كنت في بداية الأمر ومع بداية طلبي للعلم ، أظن أن أول من أصل قاعدة ( كفر داخل إطار الملة ) هو الحبر البحر العلامة عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ، وذلك بسبب ما رآه من غلو الخوارج ، فأصلها حماية الأمة من تكفير بعضها بعضاً بالأعمال المحتملة وبالمعاصي والآثام ، وكان تأصيله متمثلاً في تأويله للآية الكريمة  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة: 44] فحملها على الكفر الأكبر ، وعلى أنها كفر ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وعلى أنّه إن صاحب الترك جحود ( اعتقاد ) فهو كفر أكبر موجب للخلود الأبدي في النار وإن لم يصاحبها جحود فهو كفر دون كفر فلا يخلد صاحبه في النار خلود الكافرين.

( ب ) هذا كان مع بداية طلبي العلم ، ولكن مع الطلب والغوص في أسراره ومعانيه تبين لي وعلمت يقيناً أن هذه القاعدة أصلها الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، في أحاديث كثيرة عظيمة تفيدنا خطورة هذه الأعمال التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر ووخامة عاقبتها ، وفي نفس الوقت تؤصل لنا هذه القاعدة التي تمنع من ترامي المسلمين بالكفر الأكبر وتكفيرهم بعضهم بعضاً.

( ت ) من أمثلة تلك  الأحاديث التي تدل على كفر دون كفر : قوله صلى الله عليه وسلم : (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ))  أخرجه البخاري ومسلم [انظر فتح الباري ج1/381 ، وشرح النووي ج 2/54] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ))  أخرجه البخاري ومسلم [انظر فتح الباري ج13/21 ، وشرح النووي ج 2/55] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : (( اثنتان في الناس هما كفر : الطعن في النسب والنياحة على الميت )) أخرجه مسلم [انظر شرح النووي ج 2/57] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ليس من رجل يدعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ))  أخرجه البخاري [انظر فتح الباري ج 6/421] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( أيما عبد أبعد من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم  ))  أخرجه مسلم [انظر شرح النووي ج 2/57 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما ))  أخرجه البخاري ومسلم [انظر فتح الباري ج 10/423 وشرح النووي ج 2/49] ،  " قلت " وجماهير السلف والخلف والمحققون من علماء أهل السنّة والجماعة يدخلون ضمن هذه الأحاديث ، أحاديث كفر تارك الصلاة ، ومن تلك الأحاديث : قوله صلى الله عليه وسلم : (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) أخرجه مسلم [انظر شرح النووي ج2/70] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة )) أخرجه مسلم [انظر شرح النووي ج] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر )) أخرجه الخمسة عن بريدة [انظر صحيح الجامع الصغير ج 2/760 ، ج (4143] ،

( ث ) اتفاق علماء أهل السنّة والجماعة على تأويل الأحاديث من (1) إلي (6) : اتفق علماء أهل السنّة على تأويلها وإلا وقعت الأمة في الذي وقعت فيه الخوارج من قبل من تكفير أهل القبلة بالذنوب والمعاصي . وعلى سبيل المثال فالحديث الأول (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ، والحديث الثـاني (لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) قد حّل القرآن الكريم إشكالهما وذلك في مثل قوله تعالى :  { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } [ الحجرات : 9 ] ، وقوله تعالى في حق العفو عن القاتل المسلم :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } [ البقرة : 178 ] ، فقد دلت الآية الأولى على أنّ المؤمنين قد يقاتل بعضهم بعضاً ، ولا يزول عنهم اسم الإيمان بالكلية ، فقد سماهم الله عز وجل مؤمنين مع اقتتالهم ، ودلت الآية الثانية على أن أخوة المؤمنين باقية بين القاتل المسلم وبين أولياء  دم القتيل والشاهد عليه قوله تعالى { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ } فأخوة الإيمان باقية ولم تزول بإرتكاب الكبيرة ( القتل ) ،

(  ج  ) ولهـذا كان الضابط الفقهي أن الإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى ، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية ، والملة بالكلية ، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان ،  قال النووي : في شرح الحديث الأول ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) : " أما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفراً يخرج من الملة ، كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله ، إذ تقرر هذا في تأويل الحديث أقوال أحدها أنه في المستحل والثاني أنّ المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام لا كفر الجحود والثالث أنه يؤول إلي الكفر والرابع أنه كفعل الكفار  " أهـ [  صحيح مسلم بشرح النووي ج 2/54 ] ، وقال النووي  أيضاً : وذلك عند شرحه للحديث الثاني (( لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))  ما نصه : " قيل معناه سبعة أقوال : أحدهما أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق ، والثاني المراد كفر النعمة وحق الإسلام ، والثالث أنه يقرب من الكفر ويؤدى إليه ، والرابع أنه فعل كفعل الكفار ، والخامس المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين والسادس حكاه الخطابي وغيره المراد بالكفّار المتكفرون بالسلاح ، يُقال تكفر الرجل بسلاحه ، إذا لبسه ثم نسب إلي الأزهري قوله في كتابه حديث اللغة : يقال للابس السلاح كافر والسابع قاله الخطابي معناه لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم  "  أهـ [  صحيح مسلم بشرح النووي ج 2/55  ] ، وإنما أورد الإمام النووي هذه التأويلات جميعاً ليدلنا على أن ظاهر الحديث لم يقل به أحد من علماء أهل السنّة والجماعة وإلا وقع الناس فيما وقعت فيه الخوارج من قبل من تكفير المسلمين بالمعاصي والآثام ، وقد أطال رحمه الله في سرد التأويلات وحاصله أن المقصود به كفر دون كفر ، أي كفر في إطار الملة لا يخرجه عن اسم الإسلام وحكمه ، وإنما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم { بالكفر } ليدلنا على وخامة هذا الفعل وخطورة عاقبته التي قد تؤول بصاحبه إلي خذلان الله عز وجل له فيضرب على قلبه قبل الموت ، فيموت كافراً ، نسأل الله السلامة وحسن الختامة ، وليس بعد هذا التحذير النبوي البليغ من تحذير ، وليس بعد ترهيبه من هذا الفعـل مـن ترهيب ، وقد أوتى النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم وهو أبلغ من نطق بالعربية ـ لغة القرآن  الكريم ـ بإجماع ، فجمع الترهيب والتحذير ، وبيان خطورة العاقبة في كلمة ( الكفر ) وهو صلى الله عليه وسلم يعلم يقيناً أن علماء أمته سيحملونها على محاملها الصحيحة لا سيما ودليلهم القرآن الكريم يدلهم على أنّ القاتل المسلم له اسم الإسلام وحكمه وله أخوة الإيمان ورابطته فدّل على أنه ليس بكفر ينقل من الملة ، ولكن هو كفر في إطار الملة .

( ح ) جماهير السلف والخلف متفقون على إلحاق أحاديث تارك الصلاة بهذه القاعدة ( كفر دون كفر ) ، المحققون من فقهاء أهل السنّة والجماعة يقولون بإلحاق أحاديث تارك الصلاة ـ والتي  أوردتها في الفقرة {7} ببقية الأحاديث التي دلت على الكفر دون الكفر الأكبر ، ولهم في ذلك أدلة راجحة واضحة كثيرة قد أشرت إلي أهمها عند حديثي على حكم تارك الصلاة القاعدة السادسة : تحقيق القول في كفر تارك الصلاة ، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ، ( راجعها هناك فهي مفيدة ) ، ومن هذه الأدلة بإيجاز :

(1) قولهم أنّ حمل الآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة: 44] على الكفر دون الكفر الأكبر أشد وأعسر من حمل الحديث ، ومع ذلك اتفق علماء أهل السنّة والجماعة على تأويل الآية ، ثم خالف البعض في تأويل الحديث بزعم أن الكفر في الحديث جاء مُعرفاً {بألـ}  الدالة على كمال مسمى الكفر ، ووجه صعوبة حمل الآية على الكفر دون الكفر الأكبر عن الحديث أنّ  كلمة الكفر في الآية جاء أيضاً معرفاً {بألـ} الدالة على كمال معنى الكفر ، إضافة إلى مؤكدات أخرى منها أن تقرير الحكم في الآية جاء بصيغة الشرط وجوابه { ومن لم يحكم …    فأولئك } ومنها أنّ جواب الشرط جاء بصورة المبتدأ والخبر { فأولئك  … الكافرون } ، ومنها إدخال الضمير { هم } بين المبتدأ والخبر وهو من الضمائر المؤكدة التي تفيد ـ هاهنا ـ اختصاصي المبتدأ والخبر ، والحاصل أنّ الآية متى عاملناها على أصول اللغة وقواعدها دلّت على كمال مسمى الكفر ، وهو الكفر الأكبر ولكن اتفاق علماء أهل السنّة والجماعة على أن مناط هذا الكفر الأكبر هو الجحود وليس مجرد الترك ، وهاهنا ما المانع في حمل الحديث على نفس محمل الآية مع أنّ حمل الآية أشد وأعسر وقد حملها عليه كافة علماء أهل السنّة والجماعة وأنتم معهم في ذلك والعلة التي قلتم بها في ترك الصلاة مـن دخـول (الـ) على كفر تارك الصلاة في الحديث ( بين الرجل وبين الكفر ) موجودة في الآية مع وجود مؤكدات أخرى في الآية لا نجدها في الحديث .

(2) صح الحديث أنّ تارك الصلاة تحت المشيئة ولا يدخل تحت المشيئة كافر كفرا أكبر أبداً  ، والحديث تمامه (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله  عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء  عذب وإن شاء غفر له  )) أخرجه مالك في الموطأ وأحمد في المسند وأبو داوود والنسائي وابن ماجة في السنن وصححه جمع غفير من المحققين منهم النووي والشوكاني، وإذا قد صح الحديث لزم القول به وعدم إهماله عند تقرير حكم مسألة تارك الصلاة .

(3) ما المانع أن يحمل تارك الصلاة على نفس القاعدة التي حمل عليها قاتل المؤمن بغير وجه حق لا سيما وصيغة الأحاديث متفقة على وصف كليهما بالكفر ، فهاهنا { لا ترجعوا بعدى كفاراً } و{ قتاله كفر } وهناك { وبين الكفر ترك الصلاة } و{ فمن تركها فقد كفر } ، وقد علمنا أن زيادة (الـ)تغير من حقيقة الحكم بدلالة الآية السابقة .

(4) حمل تارك الصلاة على نفس القاعدة هو قول جماهير السلف ويكفي في ذلك دلالة على قوته على القول الذي قاله به البعض ، لا سيما وإذا علمنا أنه القول الذي اتفق عليه الفقهاء المحققون والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة وقول للإمام أحمد قال عنه ابن قدامه الحنبلي "  والرواية الثانية ـ أي عن الإمام أحمد في حكم تارك الصلاة القتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن وهذا اختيار عبد الله بن بطة ـ من فقهاء الحنابلة ـ وأنكر قول من قال أنه يكفر وذكر أنّ المذهب ـ أي الحنبلي ـ على هذا لم يجد في المذهب خلافاً ، وبعد قول أكثر الفقهاء وقول أبي حنيفة ومالك والشافعي  …  إلى أن قال وهو يشير إلى أنه إجماع المسلمين … ولأن ذلك إجماع المسلمين  فلا نعلم في  عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ، ولا منع هو ميراث مورثه ، ولا فرّق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها ، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أنّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام " أهـ [  المغنى لابن قدامه ج 2/157 ـ 158 ] ،

( 5 ) حمل تارك الصلاة على نفس القاعدة هو القول الذي يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة جمعاً يأخذ بكافة الأدلة ، فهو يقول بكفر تارك الصلاة للأدلة المكفرة ، ويجعله دون الكفر الأكبر ، لكونه داخل تحت المشيئة ولأن الكفر الأكبر هو ما كان ضد أصل الإيمان فإذا علمنا أنّ عمل الجوارح والصلاة منه داخل في الإيمان الواجب كان ضده الكفر دون الكفر الأكبر وبهذا تتوافق القواعد الأصولية ويتم الجمع بين الأدلة جميعها ، ولهذا قال النووي في المجموع ونقله عنه الشنقيطي في أضواء البيان بعد أن أشار إلى أنه أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث فقال الشنقيطي رحمه الله : "  وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة ، لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ، وإذا حمل الكفر والشرك المذكورين في الحديث في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن ، وقال النووي في شرح المهذب ـ بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ـ أي الكفر الأكبر ـ ما نصه )) ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث ، وأمّا الجواب عمّا احتج به من كفره ، من حديث جابر وبريده ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها محل الغرض منه ))" أهـ [  أضواء البيان ج 4/322 ] ، " قلت " وهو عند النووي في [ شرح المهذب ج 13/17 ] .

( 6 ) فائدة في بيان الفرق بين الكفر الأكبر وكفر دون كفر والداعي لأن يكون في شرع الإسلام كليهما : قد يظن البعض أنه إذا كان هناك كفر أكبر وكفر دون الكفر فإن كفر دون كفر هو ما يعنيه أهل الأصول بمعنى { الفسوق } وعلى ذلك يكون هناك في الشرع إمّا كفر أكبر وإمّا فسوق ، ولعّل ما ساعدهـم علىذلك تسمية بعض العلماء للكفر دون كفر بالكفرالأصغر ، فكأنهم استصغـروا أمـره فجعلوه مرادفاً للفسوق من كل وجه وليس كذلك ، فهناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر ـ الكفر الأصغر كما عبّر عنه البعض ـ وبين الفسوق  ، ( أ ) الكفر الأكبر : هو الكفر المناقض لأصل الإيمان ( الإقرار والتصديق والانقياد ) ، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد ال انقياد : فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق ، وكفر الجحود يضاد الإقرار ، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد ، وكفر الشك يضاد التصديق ، وكفر النفاق يضاد التصديق ، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق ، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر ، والكفر الأكبر  : يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فيجب تفريق زوجته المسلمة عنه ولا يحل لها البقاء تحت سلطانه ، ويجب تفريق أولاده القصر عنه لأنه لا يؤتمن عليهم ويخشى أن يؤثر عليم بكفره ، ويجب أن يحاكم إلى قضاء المسلمين وتقام عليه الحجة فإن تاب وإلا قتل رٍدّة ، إذا مات أو قتل رٍدّة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يورث كما أنه لا يرث إذا مات مورث له ، والكفر الأكبر يوجب الخلود الأبدي في النار ـ فصاحبه من أصحاب النار الذين لهم  الخلود الأبدي في النار فلا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا هم منها بمخرجين ، وهم في النار لا يجوز لهم شفاعة ولا تنفعهم شفاعة ولا هم تحت المشيئة بل هم أصحاب النار خالدون فيها أبداً وبئس المصير ، ( ب ) الكفر دون الكفر الأكبر : وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر ، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان ، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة ، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان ، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وصاحب الكفر دون الكفر الأكبر مفرط في الإيمان الواجب من أصل الإيمان فهو يكاد ويوشك أن يقع فيما ينقض أصل الإيمان ، وكم سمعنا عن أولئك الذين حكم لهم الشرع بالكفر دون الكفر ، والكفر الأكبر ـ كتاركي الصلاة ـ ختم لهم بسوء الخاتمة ، نسأل الله عز وجل التثبيت وحسن الخاتمة ، ـ ومن أمثلة هذا الكفر قتل المسلمين وقتالهم لأنه قريب من اعتياد ذلك واستحلاله ، واستحلاله كفر أكبر وجحود لحكم الله بحرمة دمائهم ، ومن أمثلته النياحة على الميت لأنه قريب من اعتياد الاعتراض على قضاء الله وقدره ، والظن السيئ بالله ، وهو بذلك قريب من الكفر الأكبر ، ومن أمثلته تكفير المسلم لأخيه المسلم بغير وجه حق لأنه قريب إلى استحلال دمه وماله وعرضه بغير وجه حق ، وهكذا فكل ما حكم الشرع بكونه كفر دون كفر ، فهو دلالة على قربه من الكفر الأكبر وأنّ اعتياده طريق إلى الكفر الأكبر المضاد لأصل الإيمان والموجب للخلود الأبدي في النار ، " قلت " ، ومن أمثلته أيضاً عند جمهور السلف والخلف وغالب الفقهاء ترك الصلاة وذلك لأن ترك الوقوف بين يدي الله عز وجل والتذلل له بالعبادة والقنوت والركوع والسجود داعية إلى ضعف إيمان القلب باستمرار حتى زواله ومن كان حاله يسمع نداء الله عز وجل في كل يوم خمس مرات ثم لا يلبى ولا يجيب فإن الأمل في بقاء أصل إيمانه قليل ، لأن الإيمان إن لم يزد مآله إلى النقصان ، ومتى نقص الأصل انتقض وزال الإيمان بالكلية وحّل محله الكفر الأكبر ، ولهذا كم رأينا من تاركين للصلاة بالكلية إذا أمروا بالشهادة عند الموت قالوا بما يفهم منه نكرانها ، نسأل الله التوفيق وحسن الخاتمة ، فقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم (( الأعمال بالخواتيم )) ،

" تنبيه " ومن هنا نعلم خطورة الكفر دون كفر وأنه أعلى من الفسوق بكثير فإن الفسوق يتناول ترك الواجبات أو فعل الكبائر التي تؤثر مباشرة في الإيمان الواجب ، وإن كان إدمانها عند البعض قد يصل به إلى الشك وعاقبة السوء ، أما تلك الأعمال التي وصفها الشرع بكفر دون كفر فهي لا شك أكبر من أكبر الكبائر وأعظم من أعظم المحرمات دون الكفر الأكبر والشرك الأكبر والنفاق الاعتقادي الأكبر ، وهى التي يظن بصاحبها الزندقة والانحلال ، ويخشى عليه برجحان سوء الخاتمة وسوء العاقبة وهو على شفا جرف هار قد ينهار به إلى الكفر الأكبر الذي لا شفاعة فيه ، ولا مكان له إلا الخلود الأبدي في جهنم وبئس المصير ، وأبرز أمثلته ترك الأركان العملية الأربعة التي بني عليها الدين ( الصلاة والزكاة والصيام والحج ) ، ومن هنا نعلم سبب الخلاف بين بعض علماء أهل السنّة في مسائل الكفر بشقيه الأكبر والأصغر وفي مسائل الفسوق والعصيان ، فإنّ من العلماء من جعل الكفر دون الكفر الأكبر بمثابة الفسوق ، كلاهما سواء ـ ومنهم من جعله بمثابة الكفر الأكبر المخرج من الملة بالكلية وإن كان صاحبها مقراً معتقداً منقاداً بقلبه لها ـ وكلاهما ـ جانب الصواب ، فالفريق الأول قصّر وفرط ولم يفرق بين ما يجب تفريقه بين الكفر داخل إطار الملة والفسوق داخل إطار الملة ، وليس مسمى الكفر في الشرع كمسمى الفسوق ، والفريق الثاني ، أفرط فلم يراعى قواعد الشرع العامة ولا أصول المحكمة كقاعدة ( من عاش على التوحيد ومات عليه استوجب الجنة ) وقاعدة ( ماعدا الشرك الأكبر بالله كله داخل تحت إمكان المغفرة ) وقاعدة ( من أتى بأصل الإيمان حكم له باسمه وحكمه ) وقاعدة ( لا نكفر أحداً من المسلمين بعمل حتى يتضمن ترك أصل الإيمان ) ، وقاعدة ( أصل الإيمان إقرار وتصديق وانقياد ) ، وقاعدة ( عمل الجوارح يدخل في الإيمان الواجب ولا يدخل في أصل الإيمان ) وقاعدة ( الكفر نوعان كفر جحود وكفر عمل ) وقاعدة ( قد يجتمع في المسلم كفر وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى وفجور وله اسم الإيمان وحكمه حتى ينقض أصل الإيمان ) ، إلى غير ذلك من قواعد أهل السنة ، ـ الشاهد ـ أن الكفر دون كفر أنّ يوجب استحقاق الوعيد دون الخلود في النار . فالكفر الأصغر أو الكفر دون الكفر صاحبه وإن كان على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر ، إلا أن صاحبه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه وإن مات فتجرى عليه كافة أحكام المسلم ما لم يكفر الكفر الأكبر عندنا بيقين وهذا من أصول الملة الحنيفية السمحة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم  من عند الله ، فإذا مات غسل وصلى عليه ودفن في مدافن المسلمين ويورث ويرث ، وتجوز عليه الرحمة وهو داخل إطار المشيئة ، هذا في الحكم الظاهر أما أحكام الآخرة فإن كان مات على الإيمان فم يخذل عند خروج الروح فهو حقاً تحت المشيئة ، وهو لا يخلد في النار ، خلود الكافرين بل مآله ـ وإن لبث في النار أحقاباً ـ إلى الجنة برحمة الله عز وجل ولو مع أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار إلى الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ،

الشاهد من ذلك : أنّ كل من كان كفره في إطار الملة فإنه في الأحكام يأخذ اسم الإيمان وحكمه ، وإذا كان كفره يوجب القتل فإنه يقتل حداً ، فيغسل ويكفن ، ويدفن في مدافن المسلمين لما أتى به من الإقرار الظاهر ، ولهذا كان مذهب جماهير السلف والخلف أنّ تارك الصلاة يقتل لأدلة شرعية كثيرة منها قوله تعالى { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ.. }[التوبة: 5] وقوله صلى الله عليه وسلـم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله )) ، ولكنه يقتل حداً فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله ، وما ذلك إلا لما أتى به من الإقرار ولما أظهر من التصديق والانقياد وحسابه على الله تعالى ، وبعد ـ فهذا ما تيسر في بيان الفرق بين الكفر الأكبر وكفر دون كفر كما وضحه الشرع وكما فهمه علماء الأمة الفقهاء أعلام أهل السنّة والجماعة الناجين .

***

الفصل الثاني

قواعد الشرع الضابطة لمسائل الكفر بنوعيه الأكبر والأصغر

ويحتوي هذا الفصل على تلك القواعد :

القاعدة الأولى : الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً  أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله

القاعدة الثانية : الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان أو أحد عناصره ، والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب .

القاعدة الثالثة : الأعمال الكفرية كالسجود للأوثان وسب الدين والاستهزاء به وإهانة المصاحف وما يماثلها كفر عملي فيما يظهر للناس ولكنها في حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان .

القاعدة الرابعة : التولي عن الطاعة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد والقصد واقتصر التولي على عمل الجارحة

***

القاعدة الأولى

الكفر الأكبر : كفر اعتقاد وجحود ، والكفر دون كفر : كفر عمل مجرد عن الاعتقاد

(  أ  ) هذه قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء ، فكل ما كان من الكفر  يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة ، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر  ، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة ، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده ، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر ، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله ، وسيأتي بإذن الله تعالى بيان ذلك كله – بتفصيل في القاعدة الثالثة حتى لا يكون هناك أدنى شك في صحة هذه القاعدة المطردة ، وأن كل كفر أكبر فهو كفر اعتقاد أو متعلق بالاعتقاد ، وأن كفر العمل المجرد الخالي من الاعتقاد هو كفر في إطار الملة فلا يخرج منها ولا يوجب خلوداً أبدياً في النار .

( ب ) أمثلة على تطبيقات العلماء لهذه القاعدة : لو تتبعنا أقوال العلماء التي تبين تطبيقهم لهذه القاعدة لطال بنا الزمان وذلك لكثرتها ولكن لا مانع من الإشارة إلى بعضها : 

يقول الطحاوي وهو يشير إلى عقيدة أهل السنّة : " ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ماداموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين ، وله وبكل ما قاله وأخبر مصدقين ، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله إلى أن قال ولا يخرج العبد من الإيمان إلاّ بجحود ما أدخله فيه " أ هـ . وبيان قوله رحمه الله :  أن أهل القبلة مسلمين مؤمنين بما جاءوا به من الإقرار والتصديق  –أي الانقيادي لأنه قول أهل السنّة قاطبة ، وأن أهل السنّة والجماعة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بالذنوب والمعاصي إلاّ إن لازمها إستحلالاً قلبياً ، وأن باب الإسلام هو الإقرار والتصديق –أي الانقيادي ومن هذا الباب يدخل المرء إلى الإسلام وكما أنه دخل من هذا الباب فلا يخرج إلا منه بمعنى أنه لا يكفر الكفر الأكبر حتى يصدر منه ما يناقض إقراره وتصديقه وانقياده ، وهذا هو ما عبّر عنه الإمام الطحاوي بالاستحلال والجحود ،

ويقول ابن عبد البر  وهو يطبق القاعدة - : وذلك بعد ذكره لحديث (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )) ، قال : " فيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرهـا ، ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقد نيته فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً إلا برفع ما كان به مسلماً وهو الجحود لما كان أقرّ به واعتقده . والله أعلم " أهـ [  التمهيد حـ 23 / 288-290 ] ،  

ويقول الإمام القرطبي رحمه الله  :  وذلك عند تفسيره لقوله تعالى : { أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } [ الحجرات : 2 ] " وليس قوله تعالى {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2]  بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم ، فكما أن الكافر لا يكون مؤمناً إلاّ باختياره الإيمان على الكفر ، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بإجماع " [تفسير القرطبي حـ 16 / 308] أهـ ،

وبيان قوله رحمه الله : أن الكافر إذا اختار الإيمان على الكفر فأتى بالإقرار والتصديق والانقياد فكذلك لا يخرج من هذا الإيمان إلا باختياره وقصده ، وقد أشار القرطبي إلى أن ذلك إجماع أهل السنّة والجماعة ، وهذا الذي ذكره-رحمه الله- باب عظيم من أبواب الاحتياط في تكفير المسلمين ، وباب عظيم من أبواب العذر بالجهل ، ومعنى كلامه رحمه الله –وذلك حتى لا يفهم بالخطأ – أنه لا يكفر المرء حتى يقع على مكفّر وهو مختار لهذا المكفّر عالم بأنه كفر أكبر يخرج من الملة ، وليس القصد هو أن يختار الكفر بلفظه ، بمعنى أن يقول إني كفرت أو اخترت الكفر إذ ليس يختار الكفر لنفسه أحدٌ إلاّ ما شاء الله ، ولكن القصد الصحيح أنه لا يكفر حتى يكون كفره عن قصد وعلمه بأن ما قام به الكفر الأكبر ، وتقوم عليه الحجة الشرعية بذلك أما قبل ذلك فإنه معذور بجهله حتى يعلم ، وبعد العلم إن أصر على ما علم أنه كفر ، كفر ولا كرامة لأنه اختار الكفر عن قصد وعلم ، وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحمل عليه قول القرطبي رحمه الله ، وإلا فقد قال تعالى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }  [ الكهف : 103-105 ] ، فأخبر سبحانه أنهم بالله كفروا وأن أعمالهم حابطة مع أنهم كما أشارت الآية الكريمة كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا مثابون على عملهم مأجورين عليه كحال اليهود والنصارى وظنهم أن ما هم عليه من الشرك والكفر هو غاية التوحيد والإيمان ، ولاينفعهـم ظنهـم بشيء إذ هـم اختاروا ما هم عليه من الكفر ولا يقرون بأنه كفر ولا يقصدون به الكفر [راجع في تفسير الآية جامع البيان للطبري حـ 16/34] ، ومثال آخر لتطبيق الإمام القرطبي لهذه القاعدة :  يقول عند شرحه لحديث ( بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة ) وهو يحمله على جحود الصلاة ثم يقول عن التارك تكاسلاً وهو يعتقد وجوب الصلاة ويقر بها : "والصحيح أنه ليس بكافر لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال : " خمس صلوات افترضهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ومن لم يأت بهن فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه "  فهذا ينص على أن ترك الصلاة-أي تكاسلاً- ليس بكفر- أي أكبر مخرج من الملة . وأنه مما دون الشـرك الذي قـال الله تعالى فيه : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء : 48 ] " [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم حـ1/271] أهـ ، فنراه هاهنا يفرّق بين كفر الاعتقاد ( الجحود ) وبين كفر الجوارح فالأول كفر أكبر مخرج من الملة والثاني كفر في إطار الملة ،

ويقول الشوكاني-وهو يطبق القاعدة- : " اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلاّ ببرهان أوضح من شمس النهار-إلى أن قال- وقد قال الله عز وجل { وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } [النحل: 106] فلا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به ، وسكون النفس إليه ، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لاسيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام ، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يُرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر ، ولا اعتبار بلفظ به مسلم يدلّ على الكفر ولا يعتقد معناه " [السيل الجرار حـ4/578] أهـ ، وكلامه رحمه الله يدل على أن الكفر الأكبر لا يقع إلاّ متعلقاً باعتقاد القلب وسكونه إلى الكفر وشرحه له ، أما الفعل الكفري الذي لا يقصد صاحبه به الخروج من الإسلام فلا اعتبار له وكذلك لا اعتبار بلفظ كفري لا يعتقد صاحبه معناه ، وينبغي حمل كلامه رحمه الله على نفس المعنى الذي حملنا عليه كلام الإمام القرطبي قبله .

ومن تطبيقات العلامة ابن العربي على هذه القاعدة : قوله : - عند تفسير قوله تعالى : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } " إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان ، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع "  [أحكام القرآن لابن العربي حـ2/752] ، فمناط الكفر الأكبر-ومنه الشرك الأكبر- في الآية هو الطاعة في الاعتقاد أما إذا صح العقد والاعتقاد فالطاعة آنذاك تكون من باب المعصية ولله دره عندما قال "  فافهموا ذلك في كل موضع " أي عمموا هذه القاعدة الرصينة في كل موضع لأنها قاعدة مطردة عند أهل السنّة والجماعة بخلاف بقية الفرق الضالة في مسائل الاعتقاد لاسيما باب الإيمان والكفر .

5-      و ابن تيمية له تطبيقات عديدة على هذه القاعدة ، منها : - قوله رحمه الله في تفسير قولـه تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ..} [التوبة: 31] "  وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً- حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله ، ويكونون على وجهين : أحدهما : أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل ، فيعتقدون تحليل ما حرم الله ، وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم ، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل ، فهذا كفر ، وقد جعله الله ورسوله شركاً وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم – فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين ، واعتقد ما قاله ذلك ، دون ما قاله الله ورسوله ؛ مشركاً مثل هؤلاء ، والثاني : أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً ، لكنهم أطاعوهم  في معصية الله ، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص ؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب " [مجموع الفتاوى حـ7/70] أهـ وقوله رحمه الله : في بيان أن مناط الكفر الأكبر في ترك الحكم بما أنزل الله هو الجحد : " ولا ريب أن من لم يعتقد وجوبَ الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر ، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر ، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل ، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم ، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينـزلها الله سبحانه وتعالى ، كسوالف البادية ، وكأوامر الماعين فيهم ، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكمُ به دون الكتاب والسنّة وهذا هو الكفر ، فإن كثيراً من الناس أسلموا ، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون   فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزمـوا ذلـك ، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار ، وإلا كانوا جهالاً " [منهاج السنّة النبوية حـ5/130] ، فجعل رحمه الله المناط المفرق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة هو الاعتقاد فمن لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله واستحل الحكم بغيره فهو كافر الكفر الأكبر ، أما من تركه لأجل شهوة وهو مقر معتقد كما أنزل الله فهذا لا يكفر الكفر الأكبر ، وقال رحمه الله : " أنه قد تقرر من مذهب أهل السنّة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنّة أنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ، ولا يخرجونه من الإسلام بعمل إذا كان فعلاً منهياً عنه ؛ مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر ؛ ما لم يتضمن ترك الإيمان ، وأما إن تضمن ترك ما أمر الله بالإيمان به مثل : الإيمان بالله وملائكته ؛ وكتبه ورسله ؛ والبعث بعد الموت ؛ فإنه يكفر به ، وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة ، وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة . فإن قلت فالذنوب تنقسم إلى ترك مأمور به وفعل منهي عنه ، قلت : لكن المأمور به إذا تركه العبد : فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه [مؤمناً بوجوبه أي معتقداً له بقلبه] ؛ أو لا يكون ، فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله ، بل أدى بعضه وهو الإيمان به ، وترك بعضه وهو العمل به . وكذلك المحرم إذا فعله ؛  فإما أن يكون مؤمناً بتحريمه [ مؤمناً بتحريمه أي معتقداً لحرمته بقلبه] أو لا يكون ، فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم ، فصار له حسنة وسيئة ، والكلام إنما هو فيما لا يعذر بترك الإيمان بوجوبه وتحريمه من الأمور المتواترة ، وأما من لم يعتقد ذلك فيما فعله أو تركه ، بتأويل أو جهل يعذر به  فالكلام في تركه هذا الاعتقاد كالكلام فيما فعله أو تركه بتأويل أو جهل يعذر به . "[ مجموع الفتاوى حـ 20/90-91] أهـ ، وقد حوى هذا النقل درراً منها : أنّ أهل السنّة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ولا بعمل ما لم يتضمن ترك الاعتقاد ، وأنّ المأمور به له جانبان أحدهما اعتقادي يختص بالقلب والآخر عملي يختص بالجوارح فمن أتى بالاعتقاد فقد أتى ببعض المأمور به وهو اعتقاده فصارت له حسنة ولا يكون تاركاً للعمل بالكلية لأنه أتى بشقه الاعتقادي ، ومثل ذلك يُقال على المحرّم .

8- ويقول ابن القيم-وهو يطبق هذه القاعدة : " فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي ، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " ففرق بين قتاله وسبابه ، وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به والآخر كفراً ، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي ، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية ، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان ، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما ، فلا تتلقى هذه المسائل إلاّ عنهم . فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين : فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار ، وفريقاً جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان . فهؤلاء غلوا ، وهؤلاء جفوا . وهدى الله أهل السنّة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل ، فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق وظلم دون ظلم . قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة: 44] : ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه ، وقال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال : هو بهم كفر ، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله . وقال في رواية أخرى عنه : كفر لا ينقل عن الملة . وقال طاووس : ليس بكفر ينقل عن الملة . وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق . وهذا الذي قاله عطاءبيّن في القرآن ، لمن فهمه  فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافراً ، وسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافراً  وليس الكافران على حد سواء " [الصلاة وحكم تاركها لابن القيم ص 26-27 ط. دار الحديث] أهـ.  ، " قلت " : وكلامه درة أوضح فيها قواعد لأهل السنّة والجماعة رصينة في باب الإيمان والكفر ، الأولى : الإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، الثانية : والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي ، والثالثة : هذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله ، والرابعة : تطبيق هذه القاعدة على ترك الحكم بما أنزل الله وبيان مناط الكفر الأكبر في الآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وأنه الجحد ، ويؤكد ابن القيم هذه القاعدة : فقال وهو يتحدث عن أنواع الكفر وأنه نوعان أكبر وأصغر ، وأن الحكم بغير ما أنزل الله مع الإقرار به واعتقاده من الكفر الأصغر ، ثم أورد أقوال أهل العلم ثم بين بأن الصحيح فيها هو تعلق الحكم على الاعتقاد ، فإن اعتقد الحكم بما أنزل الله ثم تركه لهوى ومعصية فالكفر كفر أصغر ، وإن جحد الحكم بما أنزل الله فالحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر ، وإليك قوله رحمه الله : " فأما "الكفـر" فنوعان كفر أكبر ، وكفر أصغر . فالكفر الأكبر : هو الموجب للخلود في النار . والأصغر : موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود كما في قوله تعالى- وكان مما يتلى فنسخ لفظه- { لا ترغبوا عن آبائكم . فإنه كفر بكم } ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث " اثنتان في أمتي ، هما بهم كفر : الطعن في النسب والنياحة " وقوله في السنن " من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد " وفي الحديث الآخـر " من أتى كاهناً أو عرافاً ، فصدقه بما يقول . فقد كفر بما أنزل الله على محمد " وقولـه " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " ، وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [  المائدة: 44] ، قـال ابن عبـاس " ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر  وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر " وكذلك قال طاووس . وقال عطاء   " هو كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسـق " ، ومنهم : من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحداً  له . وهو قول عكرمة وهو تأويل مرجوح فإن نفس جحوده كفر ، سواء حكم أو لم يحكم ، ومنهم : من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله . قال : ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام . وهذا تأويل عبدالعزيز الكناني وهو أيضاً بعيد . إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل ، وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه ، ومنهم : من تأولها على أهل الكتاب وهو قول قتادة والضحاك وغيرهما وهو بعيد وهو خلاف ظاهر اللفظ فلا يصار إليه  ومنهم : من جعله كفراً ينقل عن الملة ، والصحيح [أوضح  رحمه الله على أنّ الصحيح تعلق الحكم بالاعتقاد ، وأن مناط الكفر الأكبر هو الجحود بالحكم]: أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين ، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم . فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة ، وعدل عنه عصياناً ، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة . فهذا كفر أصغر . وإن اعتقد أنه غير واجب ، وأنه مخير فيه . مع تيقنه أنه حكم الله . فهذا كفر أكبر . وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ ، له حكم المخطئين ، والقصد : أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر ، فإنها ضد الشكر ، الذي هو العمل بالطاعة : فالسعي : إما شكر ، وإما كفر ، وإما ثالث لا من هذا ولا من هذا والله أعلم . "[ مدارج السالكين لابن القيم ص 344-346 ، ط. دار الكتاب العربي] أهـ  ، وإليك أمثلة أخرى من تطبيق ابن القيم لهذه القاعدة : قال رحمه الله : عند تفسيره لقوله تعالى : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] . قال : "  إنه إن كان هذا الشرك يتضمن تكذيباً لرسل الله عليهم السلام فإن الإيمان الذي معهم لا ينفعهم ، أما إن كان متضمناً للتصديق برسل الله عليهم السلام فإن الإيمان الذي معهم ينفعهم في عدم الخلود في النار دون دخولها " [مدارج السالكين حـ1/282] ،  وقال رحمه الله : عند حديثه على قوله تعالى { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.. }[البقرة: 85] قال : " فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه ، وهذا يدل على تصديقهم به أنهم لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم ، ثم أخبر أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقاً وأخرجوهم من ديارهم ، فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب ، ثم أخبر أنهم يفدون من أُسر من ذلك الفريق ، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب فكانوا مؤمنين بما عملوا من الميثاق كافرين بما تركوه منه ، فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي ، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " ففرق بين قتاله وسبابه وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به ، والآخر كفراً ، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي ، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية " [الصلاة وحكم تاركها ص 26-27] أهـ  ، وبعــد : فهذه تطبيقات بعض الأئمة على هذه القاعدة وهي غيض من فيض وفي الفصل الثالث بمشيئة الله تعالى نقول عديدة تدلنا على اعتماد الأئمة العلماء لهذه القاعدة عند التفريق بين الكفر الأكبر المخرج من الملة والكفر في إطار الملة ،

***

 

القاعدة الثانية

الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة : هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة ( الإقرار – التصديق – الانقياد ) ، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر

 

 ( أ ) أصل الإيمان كما حققناه في كتاب التجديد الثاني ( تجديد علم الإيمان ) عند فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار ، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر : ومنه عدم الإقرار بالشهادتين أصلاً أو التلفظ بكلمة الكفر الناقضة للإقرار أو إقرار الكفر المناقض للإيمان أو جحود شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه  صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة ، ويدخل فيه سبّ الله أو سب رسوله أو دينه أو كتابه لأن ذلك ناقض لأصل الإقرار إذ الإقرار ينبئ عن التصديق والانقياد والسب ينبئ عن التكذيب أو الاستكبار أو كليهما ، ويدخل فيه أيضاً الاستهزاء بالله أو برسوله أو بدينه أو بكتابه إذ الإقرار ينبئ عن التعظيم والاحترام والاستهزاء ينبئ عن الاستخفاف وعدم الاحترام فلذا كان ناقضاً للإقرار ، وكل ما كان ناقضاً للتصديق فهو كفر أكبر : ومنه الشك وهو عدم التصديق الجازم بل التردد بين التصديق والتكذيب ومنه التكذيب ومنه النفاق وهو إظهار التصديق باللسان مع تبطن الكفر ، وكل ما كان ناقضاً للانقياد كان كفراً أكبر : ومنه العناد والكبر والإباء والاستكبار ، وكـل ما كـان مصاحبـاً بانتفـاء عناصـر الإيمـان الثلاثـة كـان كفـراً أكبـر ، ومنه كفر الجهل بجهل الإقرار والتصديق والانقياد ، وكفر الإعراض وهو الإعراض عن الإقرار والتصديق والانقياد والفرق بينهمـا أن الأول لم يسمـع بالرسالـة فهـو جاهـل والثاني سمع عنها فأعرض ، وهكذا فالكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها : كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر اللإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب .ولكل هذه الأنواع أدلتها التي قال بها فقهاء أهل السنّة والجماعة الأعلام ، وسيأتي بمشيئة الله تعالى بيانها تباعا

(  ب  ) أعمال الجوارح كما حققناها عند فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب ، وبعضها أقرب من بعض إلى أصل الإيمان ، وأقر بها إلى أصل الإيمان إقامة الصلاة ، ولهذا غلّظ الشرع في تركها ووصف تاركها بالكفر وهو عند جمهور المحققين- وغيره من أعمال الجوارح من باب الأولى- داخل في إطار كفر دون كفر ، وصاحبه لا يخرج من الملة بالكلية وإن كان يُخشى عليه ذلك لكونه على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر ،

( ت ) كل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق ، فلا يخرج من الملة بالكلية ، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين ،

(  ث  ) تارك الإيمان الواجب كله على خطر عظيم وعاقبة وخيمة وهو ما كان محافظاً على أصل الإيمان-وأنىّ له ذلك لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية حتى يزول- فهو كافر ولكن في إطار الملة فله اسم الإسلام وحكمه ، وهو يقيناً على شفا جُرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر والخلود الأبدي في النار ، إلاّ وأننا التزمنا طريقة الفقهاء [المقصود بهم الفقهاء بالكتاب  والسنّة الذين لا يميلون في كلامهم إلى التشديد على سبيل الترغيب والترهيب ، ولا إلى التفريط على سبيل الإرجاء وإرضاء العامة ، فهم وسط يدورون حيث دار الدليل ويعتبرون أن حدود الشرع وسط إذا زاد المرء فيها وقع في الغلو وإذا قصر وقع في التفريط والشارع الحكيم وضع للشرع ضوابط لا نتعداّها لا على سبيل الإفراط ولا على سبيل التفريط] ، فمن كان هذا حاله فلا نحكم عليه بالكفر الأكبر حتى يأتي على أصل الإيمان أو عنصر من عناصره فنحكم عليه به أما دون ذلك فهو في إطار الملة بمعنى أنه إن مات على أصل الإيمان بريئاً من النواقص فهو إلى المشيئة وغايته في النار أن يخرج مع أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار إلى الجنة بواسع رحمته بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، هذا كله إن مات على أصل الإيمان وأنى له هذا كما أشرت من قبل إلى نقصان الإيمان بالمعاصي حتى يزول ، نسأل الله السلامة  وسيأتي بمشيئة الله تعالى بيان أقوال فقهاء أهل السنّة والجماعة فيمن كان هذا حاله ،

تأصيل هذه القاعدة بأقوال علماء أهل السنّة :

1-      يقول محمد بن نصر المروزي : " الكفر كفران : كفر هو جحد بالله وبما قال ، فذاك ضده الإقرار بالله والتصديق به وبما قال . وكفر هو عمل ضد الإيمان الذي هو عمل ، ألا ترى إلى ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه " قالوا فإذا لم يؤمن فقد كفر ولا يجوز غير ذلك إلاّ أنه كفر من جهة العمل إذ لم يؤمن من جهـة العمـل "  [نقله عنه بن تيمية في كتابه الإيمان ص 307] أهـ ، وقال أيضاً : "  ولكنا نقول : للإيمان أصـل وفـرع ، وضد الكفر في كل معنى ، فأصل الإيمان الإقرار والتصديق ، وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن ، فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان ، والكفر بالله وبما قال ، وترك التصديق به وله ، وضد الإيمان الذي هو عمل ، وليس هو إقراراً ، كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة ، ولكن كفر تضييع العمل ، كما كان العمل إيماناً ، وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله ، فلما كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافراً ، يستتاب ، ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم ، أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا ، قد زال عنه بعض الإيمان ، ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل السنّة وأهل البدع ممن قـال : إن الإيمان تصديق وعمل ، إلا الخوارج وحدها ، فكذلك لا يجب بقولنا : كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب ، ولا تزول عنه الحدود ، كما لم يكن بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابة ، ولا إزالة الحدود عنه ، إذ لم يزل أصل الإيمان عنه ، فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل   إذ لم يأت بأصل الكفر الذي هو جحد بالله أو بما قال . "  أهـ [نقله عن تيمية في كتابه الإيمان ص 308]، وقال أيضاً : " قالوا [قالوا : أي أهل السنّة وهو يتحدث على لسانهم]: فمن ثم قلنا : إن ترك التصديق بالله كفر ، وإن ترك الفرائض مع تصديق الله أنه قد أوجبها كفر ، ليس بكفر بالله ، إنما هو كفر من جهة ترك الحق ، كما يقول القائل : كفرتني حقي ونعمتي ، يريد : ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي ، قالوا : ولنا في هذه قدوة بمن روي عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ، إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصلـه ، لا ينقل صاحبه عن ملة الإسلام ، كما أثبتوا للإيمان من جهة العمل فروعاً للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام ، من ذلك قول ابن عباس في قوله : {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [ المائدة : 44 ] ، قال محمد بن نصر حدثنا ابن يحي ، حدثنا سفيان بن عيينـة ، عن هشام يعني ابن حجير ، عن طاووس ، عن ابن عباس : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ليس بالكفر الذي يذهبون إليه " [قالوا : أي أهل السنّة وهو يتحدث على لسانهم] أهـ

2-      قول القاسم بن سلاّم { ت 224 هـ } : قال رحمه الله : وهو يدلنا على فقه أهل السنّة والجماعة لمسائل الكفر في إطار الملة وأنها ضد للإيمان الواجب : "  باب الخروج من الإيمان بالمعاصي : قال لأبو عبيد : أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم ، فإن الآثار جاءت بالتغليظ على أربعة أنواع : فاثنان منها فيها نفي الإيمان ، والبراءة من النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخران فيها تسمية الكفر وذكر الشرك ، وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديث ذوات عدة : فمن النوع الذي فيه نفي الإيمان حديث النبي  صلى الله عليه وسلم : (( لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن }} ، وقوله : (( ما هو بؤمن من لا يأمن جاره غوائله }} ، وقوله : " الإيمان قيد الفتك ، لا يفتِك مؤمن " وقوله : " لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله ورسوله " ومنه قوله : " والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا " وكذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه " إياكم والكذب فإنه يجانب الإيمان " وقول عمر رضي الله عنه " لا إيمان لمن لا أمانة له "، وقول سعد " كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب " وقول ابن عمر : " لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقاً ، ويدع المزاحة في الكذب "  ، * ومن النوع الذي فيه البراءة ، قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( من غشنا فليس منا )) كذلك قوله  " ليس منا من حمل السلاح علينا " وكذلك قوله : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا " في أشياء من هذا القبيل ، ومن النـوع الذي فيه تسمية الكفر قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مطروا فقال : (( أتـدرون مـا قـال ربكـم ؟ قال : أصبح من عبادي مؤمن وكافر ، فأما الذي يقول مطرنا بنجم كـذا وكـذا ، كافر بي مؤمن بالكوكب ، والذي يقول : هذا رزق الله ورحمته مؤمن بي وكافر بالكوكب (( وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعـض )) وقوله : (( من قال لصاحبه : كافر ، فقد باء  بها أحدهما )) وقوله : (( من أتى ساحراً أو كاهناً فصدقه بما يقول ، أو أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد ، أو كفر بما أنزل على محمد )) وقول عبد الله (( سباب المؤمن فسوق ، وقتاله كفر )) ، وبعضهم يرفعه ، ومن النوع الذي فيه ذكر الشرك قول النبي صلى الله عليه وسلم : )) أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر ؛ قيل : يا رسول الله وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء (( ، ومنه قوله : (( الطيرة شرك ، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل (( ، وقول عبد الله في التمائم والتولة : (( إنها من الشرك )) ، وقل ابن عباس : " إن القوم يشركون بكلبهم ! يقولون كلبنا يحرسنا ، ولولا كلبنا لسرقنا  " .. إلى أن قال : وإن الذي عندنا في هذا الباب كله : أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيماناً ، ولا توجب كفراً ، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعتَ الله به أهله ، واشترطه عليهم في مواضع من كتابه فقال : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.. } [التوبة: 111] إلى قوله { التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ التوبة : 112 ] ، وقال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } إلى قوله { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ المؤمنون : 1-11 ] ، وقال : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *  أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ الأنفال : 2-4 ] .قال أبو عبيد : فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله ونفت عنه المعاصي كلها ، ثم فسرته السنّة بالأحاديث التي فيها خلال الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب ، فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوت بغيرها ، قيل : ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين : ولا الأمانات التي يعرف بها أنه الإيمان ، فنفت عنهم حينئذ حقيقته ولم يزل عنهم اسمه . إلى أن قال : وكذلك الأحاديث التي فيها البراءة فهي مثل قوله : من فعل كذا وكذا فليس منا ، لا نرى شيئاً منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله   صلى الله عليه وسلم ولا من ملته ، إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا ، ولا من المقتدين بنا ، ولا من المحافظين على شرائعنا ، وهذه النعوت وما أشبهها وقد كان سفيان بن عيينة يتأول قوله : " ليس منا " ليس مثلنا ، وكان يرويه عن غيره أيضاً ، فهذا التأويل وإن كان الذي قاله إمام من أئمة العلم فإني لا أراه ، من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النبي صلى الله عليه وسلم ، لزمه أن يصير من يفعله مثل النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلا فلا فرق بين الفاعل والتارك ، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم عديل ولا مثل من فاعل ذلك ولا تاركه . فهذا ما في نفي الإيمان وفي البراءة من النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحدهما من الآخر وإليه يؤول . وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي ، فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفراً ولا شركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه ، إنما وجوهها أنها من الأخلاق والسُّنن التي عليها الكفار والمشركون ، وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنّة نحواً مما وجدنا في النوعين الأولين .

* فمن الشاهد على الشرك في التنـزيل قول الله تبارك وتعالى في آدم وحواء عند كلام إبليس إياهما : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ الأعراف : 189-190 ] . وإنما هو في التأويل أن الشيطان قال لهما : سميا ولدكما عبدالوارث فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة ، والمكان من الله ، فقد سمي فعلهما شركاً وليس هو الشرك بالله . وأما الذي في السنّة ، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر )) فقد فسر لك بقولـه ( الأصغر ) أن ها هنا شركاً سوى الذي يكون به صاحبه مشركاً بالله ومنه قول عبدالله : (( الربا بضعة وستون باباً ، والشرك مثل ذلك )) فقد أخبرك أن في الذنوب أنواعاً كثيرة تسمى بهذا الاسم وهي غير الإشراك التي يتخذ لها مع الله إله غيره ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلاّ أنها أخلاق المشركين وتسميتهم وسننهم وألفاظهم وأحكامهم ، ونحو ذلك من أمورهم  ، وأما الفرقان الشاهد عليه في التنزيل فقول الله عز وجل : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، وقال ابن عباس : " ليس بكفر ينقل عن الملة " وقال عطاء بن أبي رباح : " كفر دون كفر ". فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب فلا معنى له إلا خلاف الكفار وسنتهم ، على ما أعلمتك من الشرك سواء ، لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله ، ألا تسمع قوله: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ..} [ المائدة : 50 ] . تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية ، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون ، وهكذا قولـه :  " ثلاثة من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة  والأنواء " . ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي : (( ثلاثة من سنة الجاهلية النياحة وصنعة الطعام ، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم )) وكذلك الحديث : (( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان )) وقول عبد الله : (( الغناء ينبت النفاق في القلب )) ، ليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب : أن راكبها يكون جاهلاً ولا كافراً ولا منافقاً وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده ، ومؤد لفرائضه ، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنّة ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم . إلى أن قال :-وهو يبرز قاعدة جليلة- وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا ، ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها ، وبذلك جاءت الآثار مفسرة [ تدبر يرحمك الله مدى احتياط الأئمة في مسائل التكفير ، والإمام أبو عبيد أحد أعلام هؤلاء الأئمة]. قال أبو عبيد : حدثنا أبو معوية عن جعفر بن برقان عن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ثلاث من أصل الإسلام ، الكف عن من قال لا إله إلا الله ، لا نكفره بذنب ، ولا نخرجه من الإسلام بعمل ، والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ، لا يبطله جور جائر ، ولا عدل عادل ، والإيمان بالأقدار كلها )) . قال أبو عبيد : حدثنا عباد بن عباد عن الصلت بن دينار عن أبي عثمان النهدي قال : دخلت على ابـن مسعـود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول (( لا يبلغ بعبد كفراً ولا شركاً حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغيره )) . قال أبو عبيد : حدثنا معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان قال : " جاورت مع جابـر بـن عبدالله بمكة ستة أشهر ، فسأله رجل : هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً ؟ فقال : معاذ الله ! قال : فهل تسمونه مشركاً ؟ قال : لا "  [الإيمان لابي عبيد القاسم بن سلام ص 36-37]، (( التعليق )) : في هذا النقل السابق عن أبي عبيد نجد أنه رحمه الله أبرز درراً من منهج أهل السنّة والجماعة في بيان بعض قواعد الإيمان والكفر ، فالقاعدة الأولى : كانت بيان أن نفي الإيمان في الكتاب والسنّة معناه نفي حقيقة الإيمان ، وأن الذنوب والمعاصي لا تزيل إيماناً ولا توجب كفراً وإنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت به أهله ، ولم يزل عن هؤلاء اسم الإيمان أبداً ، والقاعدة الثانية : بينت أن البراءة من النبي صلى الله عليه وسلم كقوله ((من غشنا فليس منا )) ليس معناها التبرؤ من رسول الله   صلى الله عليه وسلم ولا من ملته ، إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا ولا من المقتدين بنا ولا من المحافظين على شرائعنا ، والقاعدة الثالثة : كانت بيان أن الآثار المروية بذكر الكفر والشرك العملي ووجوبهما بالمعاصي  لا تثبت على أهلها كفراً وشركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه ، إنما وجوهها أنها أخلاق وسنن الكفار ، والقاعدة الرابعة : بيان أن الشاهد على هذه القاعدة السابقة هو قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } وأنه إن كان مصاحباً باعتقاد الحكم وصحته فمعناه أنه كفر دون كفر لا ينقل عن الملة ، والقاعدة الخامسة : وهي قاعدة جليلة ضابطة لمسائل التكفير وهي قوله (( ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها وبذلك جاءت الآثار مفسرة )) أهـ ، ومعنى كلامه رحمه الله أن أحكام الكفر الأكبر والشرك الأكبر الذي تزول بهما أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بالردة مبنية على الظاهر ، والظاهر إما قول اللسان أو عمل الجوارح ، إذ لا يعلم حالة القلب الباطنة إلا الله وحده ، ولو علقت أحكام الإيمان والكفر في الدنيا على الباطن لتعطلت الأحكـام جميعها إذ لا يعلم غيب القلوب إلا الله ، والحاصل أنها إما قول اللسان وهذا لا يكـون بالتلفظ بكلمة الكفر ولما كان قول اللسان بلا إكراه محكماً لا يحتمل معنى آخر سوى اختيار الكفر وقصده كان صاحب كلمة الكفر كافراً بها ، أما الأعمال-أعمال الجوارح- فهي ظنية محتملة ولذلك لا يكفر بها صاحبها حتى تستوفي شروطها وتنتفي موانعها ويتبين بجلاء قصد فاعلها ، لأنه قد لا يقصد العمل الظاهر لنا ، (( قلت )): وقد استثنى علماء أهل السنّة من هذه الأعمال سب الأنبياء والاستهزاء بالدين وإهانة المصاحف والسجود للأصنام وما شاكل هذه الأربعة لما تنطوي عليه من كفر القلب وغياب إيمانه وسيأتي بيان هذه الأعمال عند النقل عن حافظ حكمي في الفقرة التالية ، وكانت القاعدة السادسة : متمثلة في سياقه لحديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم (( ثلاث من أصل الإسلام الكف عن من قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل )) وقد أخرجه ايضاً أبو داود في سننه عن أبي معاوية ، ومنطوق الحديث تصدرت به كتب عقائد أهل السنّة والجماعة للدلالة على أن مذهبهم في مسائل الكفر هو عدم التكفير بالذنوب مادام المسلم لا يستحلها ، وعدم إخراج المسلم من دينه بالكلية بعمل مجردمهما كانت خطورة هذا العمل- إلا أن يكون عملاً يرتبط باعتقاد القلب ارتباطاً لا ينفك منه بحال فيكون الحكم بالكفر آنذاك مناطه الاعتقاد وليس العمل ، والقاعدة السابعة :  ( الاحتياط في تكفير أهل القبلة ) وأكد - رحمه الله - هذه القاعدة بسياق لأثر جابر رضي الله عنه وأنهم-أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم - كانوا يحتاطون أشد الاحتياط في تكفير أهل القبلة حتى أنهم ما كانوا يسمون أحداً من أهل القبلة كافراً ولا مشركاً ،

3- قول الإمام البيهقي : نقلت في الباب الأول العديد من درر البيهقي بما يخص مسائل الإيمان والكفر فراجعه في موضعه فإنه مفيد في تأصيل مسائل الكفر وفقهها وفق قواعد أهل السنّة والجماعة ، وأنقل هنا قوله عند تفسيره لقول الله تعالى { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } [ الحجرات : 7 ] . ( فدل ذلك على أن للإيمان ضدين أو أن من الإيمان ما ينقضه الكفر ومن الإيمان ما ينقضه الفسوق ) [ شعب الإيمان حـ1/44]أهـ  ، وقوله : عند تفسيره لقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. } [البروج: 11] "  معناه إن الذين آمنوا الإيمان الناقل عن الكفر ، ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل "  [شعــب الإيمـان حـ1/49] أهـ ، والواضح من كلامه-رحمه الله- أن الإيمان الناقل عن الكفر هو أصل الإيمان الذي ذكر من قبل أنه الإقرار والتصديق-الانقيادي لأنه مقصود أهل السنّة من التصديق وإن ما عدا ذلك فلا يؤثر في الكفر الأكبر ، وإنما يدخل في باب الفسوق كما ذكر في النقل السابق مباشرة ، وقوله في كتابه الاعتقاد (  ذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن اسم الإيمان يجمع الطاعات فرضها ونفلها وأنها على ثلاثة أقسام ): -قسم يكفر بتركه وهو اعتقاد ما يجب اعتقاده والإقرار بما اعتقده ، -وقسم يفسق بتركه أو يعصي ولا يكفر به إذا لم يجحده وهو مفروض الطاعات كالصلاة والزكاة والصيام والحج واجتناب المحارم ، -وقسم يكون بتركه مخطئاً للأفضل غير فاسق ولا كافر وهـو مـا يكـون مـن العبـادات طوعاً (([الاعتقاد للبيهقي ص 115] أهـ

4- قول ابن حزم : قال في المحلي " من اعتقد الإيمان بقلبه ونطق به بلسانه فقد وفق ، سواء استدل أو لم يستدل فهو مؤمن عند الله تعالى وعند المسلمين .. ومن ضيع الأعمال كلها فهو مؤمن عاص ناقص الإيمان لا يكفر " [المحلي حـ1/40] أهـ ووجه الاستدلال من قوله أن أصل الإيمان الاعتقاد ( قول القلب وعمله ) والإقرار فمن أتى بها فلا يكفر الكفر الكبر المخرج من الملة إلاّ أن ينقضها ، ومن ضيع الأعمال كلها فهو في إطار الملة وإن حكم الشرع بكفره فهو كفر دون كفر ، فلا يكفر الكفر الأكبر المخرج من الملة .

5- قول ابن تيمية : " إنه قد تقرر من مذهب أهل السنّة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنّة أنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ولا يخرجونه من الإسلام لعمل إذا كان فعلاً منهياً عنه مثل الزكاة والسرقة وشرب الخمر "، ما لم يتضمن ترك الإيمان : أما إن تضمن ترك ما أمر الله بالإيمان به مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت فإنه يكفر به  ، وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة  ، المأمور به إذا تركه العبد فإما إن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون ، فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل  أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به  ، وكذلك المحرم إذا فعله فإما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعالاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنة وسيئـة  [ مجموع الفتاوى حـ20/ص 90-91] أهـ  ، ( قلت )  : النقل السابق عن بن تيمية احتوى فوائد أهمها فائدتان : الأولى : بيان القاعدة التي سار عليها أهل السنّة مصدقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أبو عبيد وأبو داود ثلاث من أصول الإسلام الكف عن من قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل ، والفائدة الثانية : بيان أن الكفر الأكبر يتعلق بالاعتقاد ، فمن لم يعتقد وجوب الواجبات وتحريم المحرمات فإنه يكفر ، وكذلك فإن المأمور به أو المحرم المنهي عنه من اعتقده على الوجه الذي جاء به في شرع الله عز وجل فقد أتى بعض الواجب عليه وهو اعتقاده فلا يكفر تارك فعله ( تركاً وفعلاً ) لأنه قد أتى ببعض الواجب عليه وهو اعتقاده كما جاء في الشرع فصارت له حسنة وسيئة ، ولعلنا نلحظ هاهنا أن مناط الكفر الأكبر هو الاعتقاد ، وأن من أتى مكفراً دون اعتقاده فهو كفر في إطار الملة حتى يأتي على أصل الاعتقاد .

***

القاعدة الثالثة

الأعمال الكفرية كالسجود للأوثان وإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه . وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب

يقول حافظ حكمي في بيان هذه القاعدة : " س : إذ قيل لنا : هل السجود للصنم والاستهانة بالكتاب وسب الرسول والهزل بالدين ونحو ذلك هذا كله من الكفر العملي فيما يظهر فلم كان مخرجاً من الدين وقد عرفتم الكفر الأصغر بالعملي ؟ ج : اعلم أن هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده لا يبقى معها شيء من ذلك فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولابد ولم تكن لتقع إلا من منافق مارق أو معاند مارد وهل حمل المنافقين في غزوة تبوك على أن { قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ..} [التوبة: 74] إلا ذلك مع قولهم لما سئلوا { إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ..} [التوبة: 65] قال الله تعالى { قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.. } [ التوبة: 65-66] ونحن لم نعرف الكفر الأصغر بالعملي مطلقاً بل بالعملي المحض الذي لم يستلزم الاعتقاد ولم يناقض قول القلب ولا عمله [200 سؤال وجواب في العقيدة ص 56]

ويقول ابن تيمية : " وما كان كفراً من الأعمال الظاهرة كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مستلزماً لكفر الباطن وإلا فلو قدر أنه سجد قدام وثن ولم يقصد بقلبه السجود له ، بل   قصد السجود لله بقلبه لم يكن ذلك كفراً ، وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر ويقصد بقلبه السجود لله ، كما ذكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام فأسلموا على يديه ، ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر " [مجمــوع الفتـاوى ح 14 ، ص 120] أهـ

ويقول القاضي عياض : " وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل ، كالسجود للصنم والشمس والقمر والصليب والنار ، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس ، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام " [الشفا للقاضي عياض حـ2/1072-1073] أهـ

قلت  : كلام الأئمة الثلاثة كله يصب في أمر واحد وهو أن هذه الأعمال لا تقع إلاّ من كافر وأنها كفر أكبر لتعلقها بكفر القلب ، وبالتالي فارقت بقية الأعمال في كونها كفر أكبر بذاتها لا تحتاج إلى استحلال لأنها تحمل في طياتها وجنباتها الاستحلال بخلاف القتل والزنا وشرب الخمر لما كانت معاصي لا تحمل في طياتها الاستحلال ، أُشترط لها الاستحلال حتى تصل بصاحبها إلى الكفـر ، أما هذه الأعمال فلا تحتاج إليه ، والقاضي عياض إمام وفقيه وقاضي ولذلك فهو يتناول الأعمال المكفرة على نفس الأصول التي قال بها فقهاء أهل السنّة والجماعة ، والمتمثلة في أن الكفر الأكبر كفر اعتقاد ، وما كان من الأعمال كفراً فهو لتعلقه حتماً بالاعتقاد ، فنجده يقول " هذه الأعمال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام " لأنها كما ذكر شيخ حافظ حكمي لا تكون إلا مع زوال أصل الإيمان من القلب ( قول القلب وعمله أو أحدهما ) ، وإذا زال أصل الإيمان حل محله الكفر ، فهذه الأعمال لا تصدر إلا من كافر ، وهي علامات ظاهرة حقيقية على الكفر وإن ادعى زنديق يفعلها الإسلام ، إذ ليس يفعل ذلك ثم يدعي الإسلام إلا زنديق متلاعب بالملة ، زال من قلبه التصديق فصار منافقاً أو زال من قلبه الانقياد والمحبة فصار كافراً ، وما كان أيسر القول على القاضي عياض أن يقول هذه أعمال مكفرة بإطلاق ولكنه لكونه قاض متمرس في أحكام الملة وفقيه عالم بأصولها وفروعها تجده يُشير إلى سبب الكفر وهو القلب لا فعل الجوارح ،

( تنبيه ) : أخطأ البعض فزعم أن هذه الأعمال تحتاج إلى استحلال حتى يحكم على فاعلها بالكفر الأكبر المخرج من الملة ، وهذا خطأ لأنه تسوية بين هذه الأعمال وغيرها من المعاصي المجردة التي لا تلازم انتفاء أصل الإيمان من القلب ، وبالتالي فتح المجال للزنادقة للتلاعب بالدين وفعل الكفر مع الزعم بعدم استحلاله ، وهذا شأن المنافقين والزنادقة ، أما العصاة فالظن فيهم الإيمان ولذلك يلزم بيان الاستحلال من عدمه عند وقوع الريبة وليس باطراد ، لأن المعصية شيء والكفر شيء آخر وبيان الاستحلال لكل معصية يوجب الخلط بينهما ، وقد قال تعالى : { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } [ الحجرات : 7 ] . فجعل الإيمان شيئاً واحداً وجعل مقابلة الكفر والفسوق والعصيان فعلمنا أن الكفر غير الفسوق غير العصيان ولكل منهم مجاله وأحكامه ، وأقول  : لعل سائل يسأل إذا كان الأمر كذلك وأن هذه الأعمال حكم العلماء على فاعلها بالكفر الأكبر فلم لا نسحب الحكم على العمل نفسه ونجعل هناك عمل مكفر كالسجود للأصنام وقول مكفر كالسب واعتقاد مكفر كالإباء والاستكبار وكالتكذيب وكالشك ، ونريح أنفسنا من عناء التفصيل ، والإجابة على هذا التساؤل تتمثل في أن : هذا التفصيل هو من خصائص أهل السنّة والجماعة الناجية ، أهل الفقه والعلم والتوسط والاعتدال ، فلا هم غالوا غلّو الخوارج والمعتزلة فكفروا الأمة بالأعمال المجردة الخالية عن الاعتقاد أو نفوا عنهم الإيمان وجعلوهم لا مؤمنين ولا كافرين ، ولا هم قصروا تقصير المرجئة ، فاشترطوا الاستحلال حتى لهذه الأعمال التي نعلم بيقين تلازمها مع كفر الباطن فنعطي الفسحه لأصحاب الانحلال والزندقة للاستهزاء بالدين بدعوى عدم استحلال ذلك وأن ذلك ما دام بغير استحلال فهو في إطار المعاصي وليس من أبواب الكفر الأكبر ، فجعلوا الأحكام على منافاتها ولأنهم يعلمون أن أصل الإيمان بالقلب ( قوله وعمله ) فالكفر الأكبر لا يخرج عنه ، وإن طهر على الجوارح فإنما لكفر القلب أو زوال أصل الإيمان منه ( قوله وعمله)  ، ولا يخفي أن هذه القواعد التي قال بها أهل السنّة والجماعة تعتبر بحق لجام العوام عن الولوج في مسائل الحكم بالكفر والتكفير ، لأن الكفر كفر القلب أصلاً وهذا للحكم عليه يحتاج إلى فقهاء علماء يقيسون أحواله بما يظهر على لسانه وجوارحه ويحملون المتشابه على المحكم حتى يأتي حكمهم قسطاً عدلاً كما جاء به شرع الإسلام ، ولو أردنا أن نعلم فوائد هذه القواعد التي قال به فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر فعلينا أن ننظر إلى تلك الفرق التي لا تأبه بهذه القواعد فنجدها تتراشق بالتكفير وتتسابق إلى استحلال دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم بغير حق ولا علم ولا هدى ولا كتاب مبين ، وفي الباب الثالث بمشيئة الله تعالى من هذا الكتاب قاعدة كاملة عن هدي علماء أهل السنّة والجماعة في الاحتياط في مسائل التكفير وبلوغ الغاية في الاحتياط عند الحكم على مسلم بالكفر الأكبر المخرج من الملة ، بما يدلنا على أن مذهبهم بحمد الله تعالى هو مذهب أهل الحق المتفقين عليه وهو مذهب الفرقة الناجية بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً ويتسابق بعضها إلى استحلال دماء وأموال وأعراض الباقين ، وعلاقة هذه القواعد بالاحتياط في تكفير المسلمين ، أننا إذا أطلقنا المجال للتكفير بالأفعال المجردة لوجدنا فينا من يكفر غالب أهل القبلة بالمتشابه من الآيات دون أن يردها إلى محكمها الذي قال به أهل السنّة والجماعة وفقاً لقواعدهم الربانية الضابطة لهذا الباب ، ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين ، فعلى سبيل المثال : قوله تعالى { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [الأنعام: 121] فمناط الشرك عند الأخذ بظاهر الآية هو مجرد الطاعة ، ونعلم أن طاعة المشرك في معصية الله لا على سبيل الاعتقاد ، هي طاعة الفاسق في معصية الله ، والأمران واقعان لكثير من أهل القبلة ، فلو أخذنا بظاهر الآية لقلنا أن مجرد طاعة المشرك في أمر المعاصي شرك وكفر مخرج من الملة ، ولكن عند ردّ الآية إلى المحكم من كتاب الله وإلى أولي العلم من أهل السنّة الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من الآيات { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ..}[النساء : 83] لعلمنا أن مناط الشرك الأكبر هو طاعة الاستحلال وهي اعتقاد القلب ، وذلك لأنه لا يكون العمل المجرد كفراً أكبر يخرج من الملة مع استقرار الإيمان وصحة أصله بالقلب ، قال ابن العربي  "  إنما يكون المؤمن بطاعة الله مشركاً إذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع " [أحكـام القرآن لابن العربي حـ2/752] أهـ  ، وعلى سبيل المثال - أيضاً -  قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }[المائدة: 44] فمناط الكفر عند الأخذ بظاهر الآية هو مجرد ترك الحكم بما أنزل الله ولو في قضية واحدة أو مسألة واحدة ، ولما كان من حكم الله تعالى العدل ، فإنك إن حكمت بين اثنين في باقة نقل فجاملت بها أحدهما على حساب الآخر كفرت الكفر الأكبر المخرج من الملة ، إذ لم تحكم بما أنزل الله وهو العدل ، وكذلك إن حكمت بين فريقين في سبق أو لهو مباح وملت لفريق على حساب الآخر كفرت الكفر الأكبر المخرج من الملة . ولكن عند الرد إلى أولى العلم المؤسسين لقواعد أهل السنّة والجماعة وجدتهم يقولون كفر دون كفـر ، وكفر في إطار الملة ، وأنه إن جحد الحكم فهو كافر وإن أقر به ولم يحكم به شهوة أو ظلماً فهو كفر دون الكفر الأكبر ، وما ذاك إلاّ لكون ترك الحكم بما أنزل الله قد يأتي عملاً مجرداً خالياً من الاعتقاد وقد يأتي ملازماً للاعتقاد فمدار الحكم إذاً على حالة القلب من الإيمان والكفر وهذا هو الفقه لأحكام الملة وأسمائها .ولو صرنا نضرب الأمثلة لطال بنا المقام ولعله يكفينا ما سبق ذكره من بداية مباحث الكتاب ، وسأورد بمشيئة الله تعالى تباعاً أمثلة لفقه أهل السنّة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر وأحكامها والله المستعان .

***

القاعدة الرابعـة :

التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط

((قلت)) هذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها علماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه . وممن ذكر هذه القاعدة ابن تيمية بقوله : "  المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لايكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة " [مجموع الفتاوي حـ20/90] أهـ ، وواضح من كلامه  أن المسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً ، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها ، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين ، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار إبتداءً ، وله-أيضاً- كلام طيب ممتلئ حكمة يؤكد صحة هذه القاعدة ، ذكر في بدايته أن نفي الإيمان في كتاب الله يتناول نفي الإيمان الواجب وأن صاحبه وإن نفي عنه الإيمان الواجب إلاّ أن له اسم الإيمان وحكمه وما ذلك إلاّ لأنه لم يتول بالكلية عن الطاعة مادام قد أتى بطاعة الاعتقاد وبالتالي فهو في إطار الملة ولكنه من أهل الوعيد ، وقال رحمه الله : "  وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه" ؛ لم يكن معه ما أوجبه الله عليه من الإيمان ، فحيث نفي الله الإيمان عن شخص ؛ فلا يكون إلاّ لنقص ما يجب عليه من الإيمان ، ويكون من المعرضين للوعيد ، ليس من المستحقين للوعد المطلق ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (( من غشّنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا )) كله من هذا الباب ، لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله عليه ، أو فعل ما حرمه الله ورسوله ؛ فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه ما ينفي عنه الإيمان لأجله ، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد ، السالمين من الوعيد .وكذلك قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [ النور: 47-51 ] ، فهذا حكم اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله ؛ فإنه يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات ، ومن نفي الله ورسوله عنه الإيمان ؛ فلابد أن يكون قد ترك واجباً أو فعل محرمـاً ، فلا يدخل في الاسم الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيـد ؛ بـل يكـون مـن أهـل الوعيد [مجموع الفتاوى حـ7/41-42] أهـ

وقال رحمه الله : " وأما من كان معه أول الإيمان فهذا يصح منه ، لأن معه إقراره في الباطن بوجوب ما أوجبه الرسول وتحريم ما حرّمه ، وهذا سبب الصحة ، وأما كماله فيتعلق به خطاب الوعد بالجنة والنصرة والسلامة من النار ، فإن هذا الوعد إنما هو لمن فعل المأمور وترك المحظور ، ومن فعل بعضاً وترك بعضاً فيثاب على ما فعله ويُعاقب على ما تركه فلا يدخل هذا في اسم المؤمن المستحق للحمد والثناء دون الذم والعقاب "[ مجموع الفتاوى حـ7ص423] أهـ ، والحاصل أن هناك فارق عظيم بين التولي المخرج من الملة وهو التولي بالقلب والجوارح وبين التـولي في إطـار الملـة وهـو التـولي بالـجوارح مع إقرار اللسـان واعتقاد القلـب  ،

و ابن القيم له في هذه المسألة كلاماً طيباً ذكره في الفوائـد فقـال رحمـه الله : ( إن المدعوّ إلى الإيمان إذا قال : لا أصدق ولا أكذب ولا أحب ولا أبغض ولا أعبده ولا أعبد غيره ، كان كافراً بمجرد الترك والإعراض بخلاف ما إذا قال : أنا أصدق الرسول وأحبه وأؤمن به وأفعل ما أمرني ، ولكن شهوتي وإرادتي وطبعي حاكمة علي لا تدعني أترك ما نهاني عنه وأنا أعلم أنه قد نهاني وكره لي فعل المنهي ولكن لا صبر لي عنه . فهذا لا يعد كافراً بذلك ، ولا حكمه حكم الأول فإن هذا مطيع من وجه وتارك المأمور جملة لا يعد مطيعاً بوجه ) [الفوائد لابن القيم ص 177 ط دار الكتاب العربي] أهـ

( تنبيه ) بخصوص قاعدة التولي عن الطاعة : رأيت بعض المتعجلين في مسائل التكفير يسارعون في تكفير كل من تولى عن الطاعة بجوارحه وإن كان مقراً بها بقلبه مستدلين بمثل قول الله تعالى { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 32] . وقوله تعالى : { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } [ النور : 47 ] ، وقوله تعالى : { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ القيامة : 31-32 ] . وهم للأسف لا يفهمون معنى التولي في هذه الآيات فالتولي قسمان الأول يكون بالقلب والجارحة وهذا كفر أكبر مخرج من الملة ، والثاني يكون بالجارحة مع إيمان القلب واعتقاده وهذا ليس كفراً أكبر البتة ، بل ينبغي فهمه ضمن إطار ( فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به ، وكذلك المحرم إذا فعله فإما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بيـن أداء واجـب وفعـل محرّم فصـارت لـه حسنـة وسيئـة ) أهـ ، وهو واضح الدلالة في التفريق بين المتولي عن الطاعة بقلبه وجوارحه وبين المتولي عن الطاعة بجوارحه مع اعتقاد قلبه لها وإيمانه بها ،  وأنّ الأول كافر الكفر الأكبر ، والثاني صارت له حسنة بإيمانه بقلبه وسيئة بتركه بجوارحه ، وهو لا يكفر الكفر الأكبر بحال ، وإلاّ فما معنى قول أهل السنّة " ولا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله "  وعلى ذلك فالمعنى الصحيح الذي ينبغي أن يفهم من مثل قوله تعالى { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [آل عمران: 32] إن التولي ها هنا يتناول المتولي بقلبه عن الاعتقاد والإيمان وبجوارحه عن العمل فهذا التولي كفر أكبر مخرج من الملة   وأما إن كان التولي بالجارحة والقلب مطمئن بالإيمان فهذا من جنس الذنوب والكبائر والمعاصي التي أجمع أهل السنّة والجماعة على عدم كفره بقولهم " لانكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله " وقولهـم " لا نخرجه من الإسلام بعمل ما لم يتضمن ترك الإيمان " . وإلاّ فإن لم نفهم الآية في ضوء هذه القاعدة الفقهية العامة حصل المحظور من تكفير الأمة بعضها بغير ضابط ، ولهذا حرص علماء أهل السنّة والجماعة على تقييد الكفر بالاستحلال وذكروا ذلك في اعتقادهم كما نقله عن أكثرهم اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنّة ، ولكم أن تتخيلوا كم كانت هذه القاعدة عاصمة من الزلل في مسائل التكفير ، وكم كانت من أعظم قواعد أهل الحق ( أهل السنّة والجماعة ) لأنها منعت من تكفير المسلمين لبعضهم بعضاً ، وفي غياب فهم مثل هذه القاعدة الضابطة لمسائل التكفير خرجت الخوارج قديماً وكفّرت الأمة بالمعاصي والآثام ، هذا وأسأل الله عز وجل أن يفقهنا وجميع أهل السنّة في ديننا وأن يرزقنا حسن الفهم لدينه وشرعه إنه وليّ ذلك والقادر عليه . ومـن يـرد الله بـه خيـراً يفقهـه في الديـن ،

***

الفصل الثالث

تحقيق القول في مسألة كفر تارك الحكم بما أنزل الله وبيان أنواعه

تناولت لبيان هذه المسألة تلك المباحث :

المبحـــث الأول : الآيات الوارد فيها قول الله تعالى  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ]  وبيان سبب نزولها ، والفقه الراسخ لحقيقة السبب

المبحث الثانـي : أقوال الصحابة والتابعين حول معنى الآية  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } ، والتوفيق بين هذه الأقوال

المبحث الثالث : القول الراجح في المسألة وبيان تواتر أقوال الأئمة الفقهاء العلماء عليه .

المبحث الرابع : الرد على من ترك المناط الذي اجتمعت عليه علماء أهل السنة وابتكر مناطات أخرى خاطئة

***

 

المبحث الأول

الآيات الواردة فيها قول الله تعالى  {  ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون  } وبيان الصحيح من سبب نزولها

 

قال تعالى { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ *  إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [سورة المائدة : 41 ـ 44 ] ، قلت  الصحيح في بيان سبب نزول هذه الآية هو ما أخرجه الأئمة البخاري ومسلم ومالك وأبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ماذا تجدون في التوراة في شأن الرجم )) فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، قال عبد الله بن سلام . كذبتم إن فيها الرجم . فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة ،  (( قلت )) هذا لفظ البخاري في صحيحة والإمام مالك في موطئه ، وأخرجه مسلم وأبو داود بألفاظ متقاربة وجميعهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهذا الحديث أخرجه كذلك مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب رضى الله عنه . وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضى الله عنه ، وأخرجه أبو داود وابن ماجة عن جابر رضى الله عنه . وعلى ذلك فالحديث رواه أربعة من الصحابة هم : عبد الله بن عمر ، والبراء بن عازب ، وجابر بن عبد الله ، وأبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين ، وأخرجه من الأئمة مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، وانظر له صحيح البخاري 4/251 ، 6/46 ـ 47  الموطــأ 2/891  صحيح مسلم 5/122  سنن أبي داود ح {4448} ، {4449} ، {4450} ، {4451} ، {4452} جـ4/154 وما بعده مسند الإمام أحمد جـ4/286 سنن ابن ماجة ح {2558} .

وقال ابن كثير - وهو يتحدث عن تفسير الآيات - : " والصحيح أنها نزلت في اليهوديين الذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيدهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين "[ تفسير بن كثير جـ2/66] أهـ. ومن تدبر هذا السبب الصحيح في نزول الآيات وتدبر حالة اليهود الذين نزل فيهم قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون } الآيات . رأى أن حالهم هو الاستحلال للحكم بغير ما أنزل الله والزعم بأنه شـرع الله وحكـم الله . والشاهد لذلك من حديث البخاري (( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون )) فهم قاتلهم الله يزعمون أن حكم الله في التوراة هو الفضيحة والجلد وليس الرجم ويؤكد ذلك سياق الحديث وفيه (( قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على أية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها )) فاليهود بدلوا حكم الله عز وجل في الزنا ـ الرجم ـ وجعلوا مكانه الفضيحة والجلد وزعموا أنه حكم الله تعالى واستحلوا الحكم به اعتقاداً ، بدليل أنهم لما سئلوا عن حكم الله في الزنا أخبروا أنه الجلد والفضيحة وجحدوا حكم الله تعالى الحقيقي وهو الرجم ، وعلى ذلك فالفقه الصحيح لسبب النـزول والفهم والصواب للآية في إطار هذا السبب هو أن ترك الحكم بما أنزل الله والذي ابتلى به اليهود هو الترك الكلي متناولاً الاعتقاد والعمل وهو جحود حكم الله وإبداله بغيره من وضع البشر ثم نسبته إلى الله تعالى واستحلال الحكم به ، وهذا هو المناط الحقيقي للآية وفق سبب النزول ، وسيأتي أن ذلك هو قول الصحابة والسلف وعلماء أهل السنة والجماعة عامــة .

فائدة في ضرورة معرفة سبب نزول الآيات : العلماء متفقون على أن العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب  ، ومع ذلك فهم متفقون كذلك على أهمية معرفة سبب النزول البالغة حيث تعين على الفهم الصحيح لمعنى الآيات ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن صورة سبب النزول قطعية الدخول في حكم الآية ، بمعنى أن من أتى بنفس صنيع اليهود من جحود حكم الله واستحلال الحكم بغيره ونسبته إلى شرع الله فهو داخل في حكم الآية حتى وإن كان من أمة الإسلام . وفي بيان ذلك يقول السيوطي وهو يتكلم عن فوائد معرفة أسباب النـزول ( ومنها أن اللفظ قد يكون عاماً ويقوم الدليل على تخصيصه فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ماعدا صورته  ، فإنه دخول صورة السبب قطعي و إخراجها باجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب ) [الإتقان في علوم القرآن جـ1/28] أهـ

***

المبحث الثانـي

أقوال الصحابة والتابعين حول معنى الآية والتوفيـق الصحيـح بيـن هـذه الأقـوال جميعـاً

بحمد الله تعالى وتحدثاً بنعمته ، لم أدع تفسيراً من التفاسير المطبوعة المقبولة عند علماء أهل السنة والجماعة إلاً ورجعت إليه لاستيفاء الأقوال الواردة حول قوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، ومن تتبعي لهذه التفاسير وغيرها ، يمكنني القول بأن أقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حول هذه الآية يمكن أن تؤول إلى خمسة أقوال جميعها متوافقة لا اختلاف فيها ولا تعارض إلاّ عند من لم يفهم مقصود السلف ولم يحمل أقوال بعضهم على بعض :

القول الأول : أنها ليست في المسلمين وإنما هي في الكفار وقد ورد هذا القول عن بعض التابعين (( فقد أخرج الطبـري بسنـده عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }  ليس في أهل الإسلام منها شيء ، هي في الكفار [تفسير الطبري جـ6/252 ط . مصطفى الحلبي] أهـ.

القـول الثانـي : أنهـا نزلـت في أهـل الكتـاب وفـي الكافريـن جميعــاً وقال بهذا القول من الصحابة رضي الله عنهم البراء بن عازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس ومن التابعين كثير منهم أبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبدالله وغيرهم . فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال (( مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود ، فدعاهم فقال : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقالوا : نعم ، فدعا رجلاً من علمائهم فقال : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقال : لا ، والله ، ولولا أنك ناشدتني بهذا لم أخبرك ؛ نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه . قال : فأمر به فرجم ، قال : فأنزل الله عز وجل :   { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ..}[المائدة: 41]  ، يقولون : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، إلى قوله : { و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  } [المائدة: 44] ، قـال : في اليهـود إلى قوله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : في اليهود ،  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [المائدة: 47]  قال : في الكفار كلها [صحيح مسلم ك الحدود جـ5/122-123 سند الإمام أحمد جـ4/286]. وقال ابن كثير في تفسيره :  وقوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قـال الـبراء بن عـازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم نزلت في أهـل الكتـاب زاد الحسن البصـري وهي علينـا واجبـة} أهـ [ تفسير بن كثير ] ، (( قلت )) والفارق بين هذا القول والقول السابق له أن القول الأول ينفى كون الآية تخص المسلمين كما نقلنا قول أبي صالح من التابعين ليس في أهل الإسلام منها شيء وإنما هي في الكفار ، والقول الثاني يتفق مع الأول في أنها في الكفار ولكنه لا ينبغي تعلقها بالمسلمين بدليل اجتهاد الحسن البصري بأنها في أهل الكتاب وهي علينا واجبة ، والحق الذي أراه أن القولين ليس بينهما تعارض لأن لكل قول منهما مغزى سيتضح أكثر عند عرض بقية الأقوال

القول الثالث : أنّ حكم الآية يتناول المسلمين ويقصد به الكفر في إطـار الملة {كفر دون كفر} وقد جاء هذا القول صحيحاً عن حبر الأمة وفقيهها ـ الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والفقه ـ عبدالله بن عباس رضى الله عنهما ، وبه قال عامة أصحابه كعطاء وطاوس . { أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس   { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسلـه [تفسير الطبري ج6/256] أهـ وأخرج أيضاَ بسنده عن ابن طـاوس عـن أبيه قال : قال رجل لابن عباس في هذه الآيات { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } فمن فعل هذا فقد كفر ، قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر  وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا }[ تفسير الطبري ج6/256] وأخرج أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال : سُئل ابن عباس عن قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : هي به كفر ، قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله [تفسير الطبري ج6/256] أهـ وأخرج أيضاً عن طاوس { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : ليس بكفر ينقل عن الملة [تفسير الطبري ج6/256].هـ وأخرج أيضاَ عنه { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : كفر لا ينقل عن الملة . قال : وقال عطاء : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق [تفسير الطبري ج6/256] أهـ وأخرج أيضاً عن عطاء قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون} قال كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم }[ تفسير الطبري ج6/256] أهـ وقد نقل بعض هذه الآثار الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وهو يتحدث عن الكفر في إطار الملة فقال : (( وأما الفرقان الشاهد عليه ـ أي الكفر دون الكفر ـ في التنزيل فقول الله عز وجل  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] وقال ابن عباس " ليس بكفر ينقل عن الملة " وقال عطاء بن أبي رباح (كفر دون كفر)  فقد تبين لنا أنه كان  ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب ، فلا معنى له إلا خلاف الكفار الحكم بغير ما أنزل الله [كتاب الإيمان لأبي عبيد ص45 ط . المكتب الإسلامي] أهـ

القول الرابع : أن حكم الآية يتناول المسلمين وله تفصيل فمن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً للحكم فهو كافر الكفر الأكبر ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر به معتقد له فهو ظالم فاسق وكفره دون الكفر الأكبر ، وقد أخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بن عباس قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به فهو ظالم فاسق [تفسير الطبري جـ6/257] ، (( قلت )) وما قاله فقيه الأمة ابن عباس أوضحه تلميذه عكرمة فقد ذكر ابن حبان في تفسيره (( وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية [البحر المحيط لابن حبان جـ3/493 ط . دار إحياء التراث] أهـ . ومن تدبر كلام عكرمة ـ رحمه الله ـ عرف التفسير الأوفى للآية فإن الله تعالى جعل الكفر من نصيب من لم يحكم بما أنزل الله ، وعكرمة رحمه الله أوضح أن من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله فهو حاكم بما أنزل الله بقلبه وإن لم يفعله بجوارحه فهو تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية  { ومن لم يحكم  } لأنه قد حكم بقلبه بما أنزل الله فليس هو تارك بالكلية لحكم الله فلا يكفر الكفر الأكبر بخلاف الجاحد لأنه ما حكم بما أنزل الله البتة ، ونقل القرطبي ـ رحمه الله ـ هكذا القول أيضاً عن مجاهد تلميذ ابن عباس رضى الله عنهما فقال : (( وقيل فيه إضمار أي  { ومن لم يحكم بما أنزل الله  } رداً للقرآن وجحودا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عبـاس ومجاهـد }}[ تفسير القرطبي جـ6/190] أهـ  القـول الخامـس : أن حكـم الآية يتنـاول المسلميـن ويقصـد بـه الكفـر:  (( قلت )) تتبعت أقوال السلف التي دلت على أن حكم الآية يتناول المسلمين وأطلقت عليه لفظ الكفر دون تفصيل لكونهم جحدوا أو أقروا ، فوجدتها جميعها تحمل المعنيين فهي مطلقة لم تحدد المقصود هل هو كفر أكبر أو كفر دون كفر ، ولم أجد أحد من السلف ( الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ) يصرح أن مجرد الترك مع الإقرار كفر أكبر كما يقوله بعض المتهورين من المعاصرين ، وسأورد بحمد الله تعالى جميع الآثار التي قد توهم هذا الفهم السقيم وأحملها على محاملها الصحيحة التي تتعين على أهل الفقه والبصيرة في العلم والدين ، ويكون هذا الحمل الصحيح كمدخل لجمع كافة أقوال السلف في الآية حتى نرى أنها جميعاً متوافقة تخرج من مشكاة الكتاب والسنة فلا تعارض بينها أبداً وإنما لكل قول مغزاه ومقصده الذي يتناول بيان جانب من جوانب هذه الآية الكريمة الحكيمة ، أخرج ابن جرير الطبري عن سالم بن أبى الجعد قال ، قيل لعبد الله {أي ابن مسعود} ما السحت قال الرشوة ، قالوا في الحكم قال : ذاك الكفر [تفسير الطبري جـ6/239] أهـ  وأخرج كذلك عن مسروق قال : قلنا لعبد الله : ما كنا نري السحت إلاّ الرشوة في الحكم ، قال عبد الله : ذاك الكفر [تفسير الطبري ج6/239] أهـ وأخرج كذلك عن هاشم بن صبيح قال : شفع مسروق لرجل في حاجة ، فأهدى له جارية ، فغضـب غضبـاً شديداً ، وقال لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتـك ، ولا أكلـم فيما بقى من حاجتك ، سمعت ابن مسعود يقول : من شفع شفاعة ليرد بها حقاً أو يرفع بها ظلماً فأهدى له فقبل فهو سحت فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم ، قال : الأخذ على الحكم كفر [تفسير الطبري جـ6/240] أهـ وأخرج الطبري كذلك بسنده عن مسروق قال سألت ابن مسعود عن السحت قال : الرشا ، فقلت في الحكم ؟ قال ذاك الكفر }}[ تفسير الطبري جـ6/240] أهـ أخرج الطبري بسنده عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال من السحت ، قال فقالا أفي الحكم ؟ قال ذاك الكفر ثم تلا هذه الآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }[ تفسير الطبري جـ6/253] أهـ وأخرج كذلك بسنده عن الشعبي  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  } قال : هذا في المسلمين  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قال: النصارى }}[ تفسير الطبرى جـ6/255] أهـ وأخرج عنه قال : في هؤلاء الآيات التي في المائدة   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  } قال فينا أهل الإسلام   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } قال : في اليهود  { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قـال في النصـارى }}[ تفسير الطبرى جـ2/255] أهـ وأخرج بسنده عن إبراهيم قال:نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي لهـذه الأمة بها }[ تفسير الطبري جـ6/256] أهـ وأخرج أيضاً عن الحسن في قوله   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قـال : نزلت في اليهود وهي علينا واجبه }}[ تفسير الطبري جـ6/257] أهـ وأخرج أيضاً عن السًدى { ومن لم يحكم بما أنزل الله  } يقول : ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا وجار وهو يعلم فهو من الكافرين }}[ تفسير الطبري جـ6/256] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني (( وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال : قلت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي ؟ قال لا ولكن كفر ، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية . وأخرج عبد بن حميد عن على كرم الله وجهه أنه سأله عن السحت فقال : الرشا ، فقيل له في الحكم ، قال ذاك الكفر ، وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود نحو ذلك [تفسير الألوسى جـ6/140 ط . دار إحياء التراث] أهـ وقال القاسمي في تفسيره محاسن التأويل (( ونقل في الباب عن ابن مسعود والحسـن والنخعي : أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة ، فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق ،وإليه ذهب السدي لأنه ظاهر الخطاب. ثم قال وقيل : هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمداً وحكم بغيره ، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد .... انتهى )) [تفسير القاسمى جـ6/1999 ط. عيسى الحلبي] أهـ ، (( قلت )) فهذه جميع الآثار الواردة بخصوص هذا القول وهى كما ترى ليس في واحد منها تصريح بأنه الكفر الأكبر المخرج من الملة وإنما إطلاق لفظ الكفر . والقاعدة الرصينة عند أهل السنة والجماعة والتي دل عليها حديث النبي صلى الله عليه وسلم هي وجود الكفر الأكبر والكفر دون كفر ،

الجمع والتوفيق بين كافة الأقوال السابقة حتى نراها وكأنها نسيج واحد لا اختلا ف فيه : الجمع بين الأدلة والتوفيق بينها ـ عند التعارض ـ أولى من الترجيح ، فكيف إذا كانت الأدلة غير متعارضة ولكل منها مغزى خاص يدل على جانب من جوانب الحكم ، هاهنا يتعيـن حمل كل قول على ما يناسبه وإلاً خالفنا قواعد الأصول والفقه في الدين عامة . وقـد ذكرنا خمسـة أقوال في تفسير السلف للآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ، وهـذه الأقـوال جميعهـا متوافقـة لـو فهمنـا القصـد مـن كـل قـول :

فالقول الأول : يشير إلى أن الكفر الأكبر لا يتناول المسلمين بهذه الآية متى ما كان المسلم مقراً للحكم بقلبه معتذراً عن مخالفته بجـوارحه ، وأهـل هـذا القول يعلمون تمامـاً أن القاعدة الأصولية تقول بأن العبرة في نصوص الشرع [ الكتاب والسنة ]بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقد أشار ابن تيمية إلى هذه الحقيقة فقال " إن الصحابة يقولون نزلت الآية في كـذا ولا يختلفون في أن نصها يتعدى إلى غير سبب نزولها طالما يتناوله لفظها " [مجموع الفتاوى جـ31/28-29] أهـ وعلى ذلك ، فمع العلم بهذه القاعدة ( العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب  والآية جاءت مصدرة بمن الشرطية { ومن لم يحكم } وهى من صيغ العموم ، بل من أبلغ صيغ العموم كما ذكرها بن تيمية بقوله (( ولفظ { من } من أبلغ صيغ العموم لا سيما إذا كانت شرطاً أو استفهاماً كقوله تعالى { فمـن يعمـل مثقـال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره }[ مجموع الفتاوى جـ15/82] أهـ ومع الظن بأجلة التابعين الذين قالوا بأن الآية ليس في أهل الإسلام منها شيء أنهم يراعون هذه القاعدة ـ وهو الظن الجدير بهم ـ ، نعلم أنهم كانوا يقصدون شيئاً واحداً هو أن أحكام الكفر الأكبر المتعلقة بهذه الآية لا يخص المسلمين منها شيء متى ما أتوا بالإقرار والاعتقاد لحكم هذه الآية . وخلاصة القول الأول أن أحكام الكفر الأكبر في الآية لا تتناول المسلمين المقربين بالأحكام المعتقدين لها تصديقاً وانقياداً قلبياً ، أم الجحد فهو كفر بذاته لأي شرع جاء به الإسلام مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، فجحد الحكم بما أنزل الله كفر أكبر وصاحبه ليس بمسلم و على ذلك فليس في أهل الإسلام من الآية شيء إلا أن يكفروا الكفر الأكبر  بجحود ما أنزل الله .

وأما القول الثاني : وقد قال به جمع من الصحابة والتابعين وصح عن البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيحي مسلم أنه قال عن الآيات   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ الظالمون }{ الفاسقون }  أنها في الكفار كلها ،  وهذا القول كسابقه تماماً فالمقصود به أن أحكام الكفر الأكبر لا تتنزل على أهل القبلة إلا أن يكفر أحد منهم بجحود ما أنزل الله ، وهذا القول من أوضح الدلالات على أن الترك المجرد للحكم مع وجود الاعتقاد به والإقرار لا يخرج صاحبه من الملة ولا تتنزل عليه أحكام الآية لأنه لا يزال من أهل القبلة بما أتى به من أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الكافرين ، وإذا كانت القاعدة الأصولية تقول بأن [ العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ] فإن هذه الآية من هذا الباب واجبة على المسلمين ولكنها في إطار الكفر داخل إطار الملة ، ولهذا فإن من قال بأنها في الكفر كلها وأنها في أهل الكتاب قد جاءت آثار عنهم تدل على أنها واجبة في حق المسلمين ، ويكون ذلك بكونه كفر ولكن كفر داخل إطار الملة ، كما جاء عن حذيفة في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  قـال : نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قدر الشراك }} أ هـ ، وأخرج أيضاً بإسناده عن أبي البحتري قال سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون }  قال : فقيل ذلك في بني إسرائيل ؟ قال نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة ، كلاً والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك }}[ تفسير الطبري جـ6/253] أهـ ، وحذيفة رضي الله عنه نقل عنه الأئمة أن الآيات في أهل الكتاب وفي الكافريـن جميعاً . والتوفيق الصحيح بين القولين أنه إذا كان القصد الكفر الأكبر فهو لا يتناول أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له ، وإذا كان القصد الكفر في إطار الملة فهو يتناول المسلمين ، وليس هذا اجتهاد في التوفيق بين القولين ولكنه الأمر الذي جاء صراحة عن البحر الحبر عبد الله بان عباس رضى الله عنهما ، قال ابن كثير (( وقال ابن أبي حاتم ، حدثنا سفيان بن عيينه عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، قال ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه } [ تفسير ابن كثير جـ3/112 ط . دار قهرمان] ، والشاهد من الأثر أن ابن عباس يقر بأنه كفر ولكنه ليس الكفر الأكبر الذي يذهب إليه الخوارج وإنما هو كفر في إطار الملة ويؤيد هذا الفهم ما قاله طاوس صاحب الحبر ابن عباس رضى الله عنهما قال ابن كثير :(( وقال عبد الرزاق ـ أيضاً ـ أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قولـه { ومن لم يحكم } الآية قال : هي به كفر ـ قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله } [ تفسير ابن كثير جـ3/111 ط. دار قهرمان] أهـ ، والشاهد من الأثر هو قول ابن عباس رضي الله عنهما (( هي به كفر )) فابن عباس رضى الله عنهما لم ينف كونه كفر لأنه كفر بنص الكتاب   { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وأوضح أعلم الناس بعلم ابن عباس طاوس أنه كفر في إطار الملة وليس كالكفر الأكبر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، (( قلت ))  فإذا كان عبد الله بن عباس يقر بكونه كفر ثم يبين أنه في إطار الملة فينبغي حمـل مـراد أهل القول الثاني : نزلت في أهل الكتاب والكافرين جميعاً . على أنه إن قصد به الكفر الأكبر فلا يدخل فيه أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له ، وإن قصد به كفر في إطار الملة فهذا واجب في حق أهل القبلة من التاركين للحكم بجوارحهم وهم على الإقرار والاعتقاد للحكم والإقرار بالذنب

وأما القول الثالث : أن حكمها يتناول المسلمين وهو كفر دون كفر : فهذا القول أوضح من نهار ، وهو القول الذي به حقنت دماء أهل القبلة أن تعبث بهـا الخوارج ، وهو مصداق للقاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في أحاديث عديدة منها قوله صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) البخاري ومسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) البخاري ومسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( اثنتان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت )) أخرجه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلاً كفر )) أخرجه البخاري . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم )) أخرجه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم  (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) أخرجه الخمسة . وهو كذلك مصداق للفقه الذي حبى الله عز وجل به فقيه الأمة وعالمها عبد الله بن عباس فيما صح عنه من طرق عديدة متواترة لا سبيل لردها ولا تضعيفها ، (( قلت )) فهذه الآثار متواترة أوردها جميع من صنف في هذا العلم منهم الأئمة أبو عبيد في كتابه الإيمان ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة  وابن تيمية في كتابه الإيمان وابن القيم في كتبه الصلاة وحكم تاركها ومدارج السالكين ، وهي في مجموعها صحيحة لا سبيل إلى تضعيفها جملة لأنها يقوى بعضها بعضا ، ويقويها من جهة أخرى ما تواتر عن أئمة التابعين عطاء وطاوس وغيرها من تلامذة حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، كما أنّ هذا القول نسبه ابن القيم إلى عامة الصحابة رضي الله عنهم فقال (( فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي وقـد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في الحديث الصحيح (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) … وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما فلا نتلقى هذه المسائل إلا عنهم ، فهاهنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق وظلم دون ظلم ، قال سفيان بن عيينه عن هشام بن جرير عن طاوس عن ابن عباس في قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه ثم نقل آثاراً عديدة في بيان حكم الآية وأنها كفر دون كفر } [ أنظر الصلاة وحكم تاركها ص 27-28] أهـ ، (( قلت )) وهذا القول الثالث يوافق القولين قبله ولا تعارض بين الأقوال الثلاثة البتة لأن الأول نفى أن يكون في المسلمين من الآية شيء والمقصود نفى الكفر الأكبر عن المسلم المعتقد للحكم المقر به وإن لم يلتزم به معصية ، والثاني أنه نزل في أهل الكتاب لأنهم جحدوا حكم الله واستحلوا الحكم بغيره ونسبوه إلى الله ولا يفعل ذلك أحد من أهل القبلة إلا أن يكون حاله حالهم في الكفر سواء . والثالث أن هذا الحكم إن تناول المسلم المعتقد للحكم المقر به فهو من باب الكفر في إطار الملة وهو ما عبر عنه الحبر ابن عباس رضى الله عنهما بقوله { كفر دون كفر } وقوله { هي بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر } وقوله { كفر لا ينقل عن الملة } وقوله  { ليس بالكفر الذي يذهبون إليه } وقد أشرنا إلى هذه الآثار بما يغني عن الإفادة ها هنا

أما القول الرابع فهو غاية الجمع بين الأقوال جميعها وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها ، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله ، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين ، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى ، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة وهو القول الثالث كما بيناه . وفي بيان هذا القول الرابع سبق ونقلنا قول بن عباس رضى الله عنهما . [ من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به فهو ظالم فاسق ] وقول صاحبه عكرمة ـ من أجل التابعين علماً وفضلاً ـ [ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاد فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية ] ، وقول مجاهد [ وقيل فيه إضمار أي ،  ومن لم يحكم بما أنزل الله ] ردا للقرآن وجحداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر .

أما القول الخامس والذي ظن البعض أنه يخالف هذه الأقوال الأربعة ، فليس كما ظنوا وإنما هو موافق لها تماما ، وجميعها نسيج واحد لا ترى فيه أي اختلاف ، وقد نقلت بحمد الله كل ما يتعلق بهذا القول من التفاسير التي وقعت بين يدي وجميعها كما رأينا تطلق لفظ الكفر دون تعيين لكونه كفر أكبر أم كفر دون كفر ، وعلى ذلك وجب معاملتها وفق الأصول العامة للشريعة والتي لا يسعنا مخالفتها وإلاّ آل الحال بنا إلى مآل الخوارج من تكفير الأمة بمطلق المعاصي والآثام . هذه الأصول التي عاملنا بها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة كقوله صلى الله عيه وسلم [ وقتاله كفر ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) وقوله صلى الله عليه وسلم  (( اثنان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت ))  وحمل الجمهور من العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) . فأصول الشريعة حتمت علينا حمل هذه الأحاديث على الكفر دون الكفر وإلا وقع سيف التكفير بين أهل القبلة وكفر المسلمون بعضهم بعضاً بالمعاصي والآثام . وإذا قال قائل فما الداعي إلى أن جاء التعبير عنها بلفظ الكفر قلنا هذه قاعدة عظيمة أرساها النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمنا الفارق بين المعاصي وبين الذنوب التي هي من قبيل الكفر في إطار الملة ، فهذه الذنوب التي عبر عنها الحديث الشريف بلفظ الكفر دلالة على خطورتها على أصل الإيمان وأن صاحب هذه الأعمال التي هي من قبيل الكفر دون كفر ، هو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الكفر الأكبر وعلى شفا جرف هاو يكاد ينهار به إلى الخلود الأبدي في النار . وعلى ذلك فينبغي حمل كلام الصحابة والتابعين على نفس المحمل الذي حملنا عليه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل { الكفر دون كفر } لا سيما وأنه لم ينقل عن واحد منهم أن قصده الكفر الأكبر المخرج من الملة بل الكفر بإطلاق . ولو تدبرنا قول حبر الأمة ابن عباس وقد سئل عن الآية فقال { هي بهم كفر وليس كمن كفـر بالله …. } وقد سبق ذكره لعلمنا أنه رضي الله عنه لم ينف عنهم صفة الكفر بل أثبتها لهم ثم فصل بما حباه الله تعالى من الفقه في الدين والبصيرة في أصوله وضوابطه فقال (( وليس كمن كفر بالله (( فأثبت الكفر ثم وضح أنه غير الكفر الذي يذهب إليه الخوارج من كونه الكفر الأكبر وقد نقلنا عنه قوله { ليس بالكفر الذي يذهبون إليه } . وهذا المحمل هو المتحتم علينا جميعاً ، من جهة أنه المحمل الذي يجمع الأقوال الخمسة جميعاً في إطار واحد لا اختلاف فيه ، وكل هذه الأقوال منقولة عن كثير من الصحابة والتابعين والحمل متعين عند المقدرة كما قاله علماء الأصول ، والجمع أولى من دعوى النسخ أو الترجيح ، (( قلت )) وهذا ما دعا الأئمة العلماء أن يحملوا كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه والحسن البصري وإبراهيم النخعي والسدي رحمهم الله على تفصيله الصحيح وفق قواعد الشريعة العامة التي جاء بها الكتاب وتأصلت بالسنة وظهرت بهدي السلف الصالح ، فمن ذلك :

  1. نجد الجصاص رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على من حكم بغير ما أنزل الله مخبرا أنه من عند الله لأنها صورة سبب النـزول تماماً . فقال (( وقال ابن مسعود والحسن (( وهي عامة )) يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله وحكم بغيره مخبراً أنه حكم الله ومن فعل هذا فقد كفر )) [أحكام القرآن للجصاص جـ2/533] أهـ ويقول في موضع آخر ((وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينايعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافركما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك ))[ أحكام القرآن ج4 / 93]
  2. ونجد الإمام القرطبي رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على الجحود والاستحلال فقال " وقال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقداً ذلك مستحلاً له "[ الجامع لأحكام القرآن ج6/190] أهـ
  3. ونجد أبو حبان صاحب البحر المحيط يحمل كلام ابن مسعود وإبراهيم النخعي على الكفر دون الكفر ، فقال " وإلى أنها عامة في اليهود وغيرهم ذهب ابن مسعود وإبراهيم وعطاء وجماعة ولكن كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق يعني أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة " [البحر المحيط جـ3/492] أهـ. ونجده كذلك يحمل كلام السدي على الجحود فيقول (( وقال السدي : من خالف حكم الله وتركه عامدا وتجاوزه وهو يعلم فهو من الكافرين حقاً ويحمل ذلك على الجحود فهو الكفر ضد الإيمان ))[ البحر المحيط جـ3/493] أهـ. ،

وهذه بعض أمثلة لحمل الفقهاء القول الخامس على أنه كفر دون كفر أو كفر أكبر إن صاحبه جحود وكفر دون كفر إن كان مع إقرار واعتقاد ، أو كفر أكبر إن حدث تبديل لحكم الله مع نسبة الحكم الجديد إلى شرع الله وأنه من عند الله واستلال الحكم بين الناس به ، وهذا هو الحمل الواجب المتعين حتى تستقيم الأقوال جميعها وتتآلف ولا تختلف وهذا هو الظن بخيرة علماء الأمة علماء الصحابة والتابعين ، واليك في المبحث التالي أقوال أكثر من ثلاثين عالماً من علماء الأمة يؤيد ذلك ويؤكده ويدلنا على أنه مذهب أهل السنة والجماعة الذي صرح به الأئمة الأعلام الراسخون في العلم والفقه والدين .

***

 

المبحث الثالث

أقوال الأئمة العلماء الراسخين في العلم التي تدل أن الآية في حق المسلمين تتناول المسلمين وأنها في حق الجاحد كفر أكبر ، لأنه لم يحكم بما أنزل الله البتة ، وأنها في حق المقر المعتقد بقلبه كفر دون كفر ، لأنه حكم بقلبه بما أنزل الله فلم يترك الحكم بما أنزل الله بالكلية  فصار الكفر في حقه كفراً عملياً مجرداً لا يخرج من الملة وإن كان صاحبه على خطر عظيم وهو خطر الكفر في إطار الملة ، ومعلوم يقيناً أنه أشد على صاحبه وأخطر من أكبر الكبائر

 

قد نقلت فيما سبق من الآثار ما فيه ـ إن شاء الله تعالى الكفاية ـ في بيان قبول العلماء العام لتفسير ابن عباس رضى الله عنهما للآية وهو في حقيقته تفصيل لأحكام كان عليها عامة الصحابة رضى الله عنهم ، كما نقل ذلك بن القيم فيما تقدم ، وقد جمعت أقوالاً عديدة تدلنا يقيناً  على تواتر هذا التفسير لهذه الآية عند العلماء الأئمة الراسخين في الفقه والعلم فمن ذلك :

قال الطبري رحمه الله :  وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب ، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت ، وهم المعنيون بها ، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم ، فكونها خبراً عنهم أولى .   فإن قال قائل : فإن الله ـ تعالى ذكره ـ قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصاً ؟ . قيل : إن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين ، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون ، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به ، هو بالله كافر ، كما قال ابن عباس  [ تفسير الطبري ج10 / 358]

وقال الواحدي رحمه الله في تفسيره : (( ومن لم يحكم   بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء (( [تفسير الواحدي ج 1 / 321]

وقال الطحاوي رحمه الله في بيان الكفر دون الكفر الأكبر بالله حين شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم { قتاله كفر } (( ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} على ما تأوله فعن ابن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال هي كفره وليس كمن كفر بالله تعالى واليوم الآخر . و عن طاوس قال (( قلت لابن عباس : من لم يحكم  بما أنزل الله فهو كافر قال : هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر  )) [مشكل الآثار ج2 / 317]

وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله : (( هم اليهود إن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا له كما غير اليهود فهو كافر ظالم فاسق )) [ الناسخ والمنسوخ للنحاس :ج1 / 402]

وقال الثعالبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} " وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن " [تفسيرالثعالبي ج1 / 465]

وقال ابن عبد البر رحمه الله " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل   ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس وهي عامة فينا قالوا ليس كفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء "  [التمهيد لابن عبد البر ج5 / 74 : 75] ا هـ . وقال في حديثه عن الخوارج " وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . ‎ ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر " [ التمهيد لابن عبد البر ج17 / 16]

وقال الغزالي رحمه الله : قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له  [المستصفى ج1 / 168]

وقال ابن العربي رحمه الله : المسألة الحادية عشرة : قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} اختلف فيه المفسرون ; فمنهم من قال : الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود , ومنهم من قال : الكافرون للمشركين , والظالمون لليهود , والفاسقون للنصارى , وبه أقول ; لأنه ظاهر الآيات , وهو اختيار ابن عباس , وجابر بن زيد , وابن أبي زائدة , وابن شبرمة . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة , ولكنه كفر دون كفر . وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ; فهو تبديل له يوجب الكفر , وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين . [ أحكام القرآ لابن العربي ج2 / 127]

وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله : قال أبو بكر قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة [ أحكام القرآن ج4 / 93]

وقال الزمخشري رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله}   مستهيناً به  {فأولئك هـم الكافرون}و {الظالمون} و {الفاسقون} وصف لهم بالعتو في كفرهم (([الكشاف : ج1/341]))

وقال ابن الجوزيرحمه الله : "  وفصل الخطاب أن من لم يحكم بما أنزل الله  جاحداً له وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود ، فهو كافر ، ومن لم يحكم بما أنزل الله ميلاً إلى الهوى من غير جحود ، فهو ظالم وفاسق ، وقد روى على بن أبى طلحة عن ابن عباس أنه قال : (( من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق " [زاد المسير : ج2/366]. أ هـ .

وقال فخر الدين الرازي رحمه الله : " قال عكرمة: قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله} إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم " [ التفسير الكبير ج6/6]

وقال القرطبي رحمه الله :  قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلىهذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيهإضمار أي ومنلم يحكم بماأنزل اللهردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا ، قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساقالمسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له [ تفسير القرطبي ج6 /190]

وقال صاحب كتاب بغية المسترشدين رحمه الله : إذا انهمك الحاكم في المعاصي وأكل الرشا فسق وانعزل ولا يكفر إلا إن استحل مجمعاً على تحريمه معلوماً من الدين بالضرورة، فحينئذ ينفسخ نكاحه ويوقف على انقضاء العدة إن كانت، والقول بتكفير أهل الكبائر رأي الخوارج وكثير من الظاهرية وليس من شأن أهل السنة، وأما قوله تعالى:  {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فمحمول على كفر النعمة أو المستحل، وينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه، لأن الإيمان محقق فلا يرتفع إلا بيقين [بغية المسترشدين ج1 / ص156]

وقال النسفي رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهينا به {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحدا فهو كافر و إن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام فى اليهود وغيرهم. . إلى أن قال : يجوز أن يحمل على الجحود فى الثلاث فيكون كافرا ظالما فاسقا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله }فهو كافر بنعمة الله ظالم فى حكمه فاسق فى فعله [ تفسير النسفي ج1 / 284 : 285]

وقال البغوي رحمه الله : " وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات فقال إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات وقال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا " [ تفسير البغوي ج2 / 41]

وقال البيضاوي رحمه الله : {ومنلم يحكمبما أنزل الله }مستهيناً به منكراً له {فأولئك هم الكافرون}  لاستهانتهم به ، وتمردهم بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم بقولـه {الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}، فكفرهم لإنكاره ، وظلمهم بالحكم على خلاقه ، وفسقهم بالخروج عنه [تفسير البيضاوي سورة المائدة – الآية 43 : 50] وقال  {ومنلم يحكمبما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} عن حكمه أو عن الإيمان إن كان مستهينا به  [تفسير البيضاوي ج2 /331]

وقال أبو السعود رحمه الله : {ومنلم يحكمبما أنزل الله }كائنا من كان دون المخاطبين خاصة فانهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم يحكم بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاء بينا  {فأولئك} إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها  { هم الكافرون}لاستهانتهم به [ تفسير أبي السعود ج3 / 42]

وقال ابن تيمية رحمه الله : " ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر ، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر ، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل ، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم ، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى ، كسوالف البادية ، وكأوامر المطاعين فيهم ، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر ، فإن كثيراً من الناس أسلموا ، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون ، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك ، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار ، إلا كانوا جهالاً  [منهاج السنة النبوية : (5/130)] وقال : ( والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه ، كان كافراً  أومرتداً ، باتفاق الفقهاء ، وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}  أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله [مجموع الفتاوى : ج3/267]

وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين : ( والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين : الأصغر والأكبر ، بحسب حال الحاكم ، فإن إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة ، وعدل عنه عصياناً مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ، فهذا كفر أصغر ، وإن اعتقد أنه غير واجب ، وأنه مخير فيه ، مع تيقنه أنه حكم الله ، فهذا كفر أكبر ، وإن جهله أو أخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين ) [ مدارج السالكين :ج1/327] وقال في كتابه الصلاة وحكم تاركها : ( الكفر نوعان ، كفر عمل وكفر جحود وعناد ، فكفر الجحود أن يكفر مما علم أن الرسول  صلى الله عليه وسلم جاء به من عند الله جحودا وعنادا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه)[ الصلاة وحكم تاركها ص 26] وقال كذلك: فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي ، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ففرق بين قتاله وسبابه ، وجعل أحدهما فسوقا والآخر كفرا ومعلوم أنه إنمـا أراد الكفر العملي لا الاعتقادي ، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية ، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان . وهذاالتفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب اللهوبالإسلام والكفر ولوازمهما ، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم ، فإن المتأخرينلم يفهموا فانقسموا فريقين فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار ، وفريقاً جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان ، فهؤلاء غلـوا ، وهؤلاء جفوا ، وهدى الله أهل السنّة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهبكالإسلام في الملل ، فهاهنا كفر دون كفر ، ونفاق دون نفاق ، وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق ، وظلم دون ظلم ، قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابنعباس في قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ليس بالكفر الذي يذهبـون إليه ، وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قـال : سئـل بن عباس عن قوله :{ومـنلم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال:هو به كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وقال في رواية أخرى عنه : كفر لا ينقل عن الملة ، وقال طاووس : ليس بكفر ينقل عن الملة ،وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق ،وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهم فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزلهكافراً ، وسمى جاحد ما أنزله على رسولـه كافـراً ، وليـس الكافران على حد سواء [الصلاة وحكم تاركها ص 27 ، ط . دار الحديث]

وقال ابن كثير رحمه الله : (( {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً ، وقال هاهنا {فأولئك هم الظالمون} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخالفوا وظلموا وتعدوا(( [تفسير القرآن العظيم ج2/61]

وقال الشاطبي رحمه الله : ((  ومثله قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} مع أنها نزلت في اليهود والسياق يدل على ذلك ، ثم إن العلماء عمُّوا بها غير الكفار، وقالوا: كُفرٌ دون كفر )) [الموافقات للشاطبي ج3 /ص147]

وقال أبو حيان رحمه الله : وقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ظاهر هذا العموم ، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم ، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود ، وإلى أنها عامة في اليهود غيرهم ذهب ابن مسعود، وابراهيم، وعطاء ، وجماعة ولكنْ كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق يعني : إنّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله: ابن عباس وطاووس . . .  واحتجت الخوارج بهذه الآية على أنّ كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا : هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافراً _ ثم ذكر أقوال المفسرين في تأويل الآية ثم اختار قول عكرمة فقال _ وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه ، أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله ، إلا أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ، لكنه تارك له ، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية . [ تفسير البحرالمحيط سورةالمائدة – 40 : 48]

وقال ابن حجر رحمه الله : واقتصر المصنف على تلاوة الآيتين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . . . الفاسقون . . الآيتان} لإمكان تناولهما المسلمين بخلاف الأولى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فإنها في حق من استحل الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى وأما الآخرتان فهما لأعم من ذلك [ فتح الباري ج13 / 299]

وقال صاحب كتاب ( تذكرة الأريب في تفسير الغريب ) رحمه الله :(( ومن لم يحكم   بما أنزل الله جاحدا فهو كافر فإن مال إلى الهوى من غير جحد فهو ظالم وفاسد)) [ تذكرة الأريب في تفسير الغريب ج1 / 141]

وقال شارح الطحاوية رحمه الله: ((وهنا أمرُ يجب أن يتفطن له ، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة ، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة ويكون كفراً إما مجازياً وإما كفراً أصغر ، وذلك بحسب حال الحاكم . فإن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، واستهان به مع تيقنه أنه حكم الله ، فهذا كفر أكبر .  وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعلمه في هذه الواقعة ، وعدل عنه ، مع اعترافه بأنهمستحق للعقوبة ،فهذا عاص ، ويسمى كفراً مجازياً ، أو كفراً أصغر )) [شرح العقيدة الطحاوية ج1 / 364:363] ، وقال كذلك :(( الشارع قد سمى بعض الذنوب كفرا قال الله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وقال صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))[ متفق عليه ] ،والجواب ان أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج ". [ شرح العقيدة الطحاوية ج1 /359 :360]

وقال الشوكاني رحمه الله :  قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لفظ من من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة بل بكل من ولى الحكم وقيل إنها مختصة بأهل الكتاب وقيل بالكفار مطلقا لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة وقيل هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافا أو استحلالا أو جحدا [ فتح القدير ج2 / 42]

قال القاسمي رحمه الله : ((كفر الحاكم بغير ما أنـزل الله بقيد الاستهانة والجحود له ، هو الذي نحاه كثيرون وأثروه عن عكرمـة وابـن عباس)) [ محاسن التأويل : ج6/1998]

قال صاحب المنار رحمه الله : ((وقد استحدث كثير من المسلمين من الشرائع والأحكام نحو ما استحدث الذين من قبلهم ، وتركوا _ بالحكم بها _ بعض ما أنزل الله عليهم ، فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام من غير تأويل يعتقدون صحتـه ، فإنه يصدق عليهم ما قاله الله في الآيات الثلاث أو في بعضها كلُ بحسـب حالـه .فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة ، أو القذف ، أو الزنا ، غير مذعن له لاستقباحه إياه ، وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعاً . ومن لم يحكم به لعلة أخرى فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق أو ترك العدل والمساواةفيه ، وإلا فهو فاسق فقط . وإننا نرى كثيرين من المسلمين المتدينين يعتقدونأن قضاة المحاكم الأهلية الذين يحكمون بالقانون كفاراً أخذاًبظاهر قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ويستلزم الحكم بتكفير القاضي الحاكم بالقانون تكفير الأمراء والسلاطين الواضعين للقوانين ، فإنهم وإن لم يكونوا ألفوها بمعارفهم ، فإنها وضعت بإذنهم ، وهم الذين يولونالحكام ليحكموا بها … أماظاهر الآيةفلم يقل أحد من أئمة الفقه المشهورين ، بل لم يقل به أحد قط )) [ تفسير المنار : (6/405-406)]

وقال الطيب أبادي رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . }إلى قوله{الفاسقون} هذه الآيات في سورة المائدة نزلت في زفر خاصة قال في فتح الودود : { يعني ليس معناه أن المسلمبالجور يصير كافرا } انتهى قال الشيخ علاء الدين الخازن في تفسيره : { واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآيات الثلاث وهي قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} فقال جماعة من المفسرين إن الآيات الثلاث نزلت في الكفار حكم الله من اليهود لأن المسلم وإن ارتكبكبيرا لا يقال إنه كافر وهذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك و يدلعلى صحة هذا القول ما روي عن البراء بنعازب قال أنزل الله تبارك وتعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} في الكفار كلها أخرجه مسلم )) [ عون المعبود ج9 / 355 : 356]

وقد سئل ابن باز رحمه الله : هل يعتبر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفارا وإذا قلنا إنهم مسلمون فماذا نقول عن قوله تعالى {ومنلم يحكمبما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فقال : (( الحكم بغير ما أنزل الله أقسام تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم ، فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين وهكذا من يحكم القوانين الوضعية بدلا من شرع الله ويرى أن ذلك جائزا ولو قال إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله ، أما من حكم بغير ما أنزل الله اتباعا للهوى أو لرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه أو لأسباب أخرى وهو يعلم أنه عاص لله بذلك وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر ويعتبر قد أتى كفرا أصغر وظلما أصغر وفسقا أصغر كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن طاووس وجماعة من السلف الصالح وهو المعروف عند أهل العلم والله ولي التوفيق مجموع فتاوي الشيخ ابن باز )) [ فتاوى مهمة ج1 / 142 : 143]

***

المبحث الرابع

الرد على من ترك المناط الذي اجتمعت عليه علماء أهل السنة وابتكر مناطات أخرى خاطئة

بعض المعاصرين لم يرض بضابط أهل السنة والجماعة في المسألة وهو ضابط الجحد والإقرار ، وأراد أن يحتاط للشريعة بأكثر مما احتاطت هي لنفسها وظن أن هذا من باب الحرص على الشريعة وهو لا يدري أنه من باب الافتئات على الشرع والغلو في الدين ، وبهذا المدخل الذي ظنوه حسناً كفروا العديد من طوائف الأمة ممن أتى بالإقرار والاعتقاد بعلة هذا المناط الجديد للتكفير بالآية ،  وقصد هؤلاء المعاصرين هو التفريق بين من جعل الأصل هو النظر إلى أحكام الشرع يرجع إليها ولكنه يجوز في قضية معينة شهوة أو معصية فهذا لا يكفر إلا باستحلال ، أما من جعل الأصل في النظر هو القوانين الوضعية يحكم بها فهذا كفر أكبر بنفسه دون النظر إلى حالة كونه مقر بالشرع معتقد له أم لا  ،  وقد يبدو هذا التفريق لأول وهلة وجيهاً ، ولكن مع تدبره تجد أن به أخطاء ليست باليسيرة ، منها :          أنه تغيير للمناط الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جعل الجحد والإقرار هو الأصل المنضبط الذي ترد إليه الأحكام ،  وأنه اعتبار لأصل جديد يرد إليه أمر التفريق بين نوعي الكفر في الآية دون الأصل العام الذي اعتبرته الشريعة وهو الإقرار بالإسلام على الجملة واعتقاد كافة شرائعه وعقائده على وجه الإجمال.

أن هذا الأصل الجديد فيه تحكم ليس عليه دليل من الشرع بالإضافة إلى أن علته لا تنضبط بضابط محدد ، فما هو عدد الأقضيات التي يكفر بها صاحبها الكفر الأكبر ، وما هو حد الكفر الاكبر لمن جعل أحكام الشرع هي المرجع ثم لم يحكم بحكم واحد منها فهل آنذاك نعود إلى إقراره بالأصل أم نجعل له ضابط آخر أم نعود إلى الأصل الذي اعتبرته الشريعة من جعل الإقرار المجمل والجحد هو ميزان الحكم بالتفريق بين الكفرين الأكبر والأصغر ،  إن ديننا دين الاتباع وهو مبني على الاتباع وليس فيه ابتكار ولا اختراع بل هذا من المحدثات التي نهانا عنها شرعنا الحنيف فكيف يجوز لنا إحداث مناطات جديدة لأحكام تواترت أقوال الصاحبة والتابعين على تحديد ضابطها الأصلي ،  وعلى العموم  فبيان هذه الأخطاء سيأتي تباعاً مع معرفتنا بالشبهة الأساسية التي دخلت على هؤلاء فظنوها أصلاً يفرقون به بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة ، مع أن هذا أخطر الأمور وأهم مسائل الأسماء والأحكام الواجب التأني في حقها والتزام هدى السلف الصالح في بيانها وتفصيل أحكامها لا التهور والاندفاع وبناء أحكام تحكم على بعض المسلمين بالكفر وتخرجهم من الملة باجتهادات جديدة مسبوقة باتفاق السلف على تحديد مناط مغاير لما ذهب إليه هؤلاء ،  والمدخل الأول لبيان خطأ هذا القول ودحض شبهته ، أن الأصل الذي نحكم به بالإسلام والكفر هو الإقرار بالشهادتين واعتقاد ما يدخل في إطار معناهما ولوازمهما من أقوال وأعمال واعتقادات ، ومعنى ذلك أن الأصل هو الإقرار المجمل بدين الإسلام وكافة عقائده وشرائعه وأحكامه مع اعتقاد جميع ذلك على وجه الإجمال ، فمن جحد شيئاً ولو يسيراً من المعلوم من الدين بالضرورة فإن جحده كفر وهو يكفر الكفر الأكبر بعد استيفاء شروطه وانتفاء موانعه ، فمن جحد حرفاً من القرآن أو فريضة من الفرائض أو حكماً من أحكام الشرع فكأنما جحد الشريعة كلها فمتى قامت عليه الحجة الشرعية المعتبرة كفر بها الكفر الأكبر ، ومن أقر إجمالاً بالإسلام وتفصيلاً بما يتطلب ذلك مع اعتقاده فلا يكفر الكفر الأكبر وإن خالفت أعماله هذا الإقرار لشهوة أو معصية أو غيره من المعاصي والكبائر  ،  وهذا الأصل العام هو ما جعله ابن عباس رضي الله عنهما ضابط الحكم وعلى تفصيله سارت جماعة – أهل السنة والجماعة – فمن أقر بشرع الله تعالى وحكمه واعتقده فهو مسلم عنده أصل الإيمان وله اسمه وحكمه ولا يكفر الكفر الأكبر حتى ينقض هذا الأصل بنواقضه التي ذكرناها عند الحديث على فقه مسائل الكفر  ، وبتطبيق هذا الأصل الرصين على مسائل ترك الحكم بما أنزل الله نعلم أنه الضابط الرصين المنضبط الذي لا نحتاج بعده لا إلى أصل آخر ولا إلى فرع ، وإنما يكون تجاوزه والبحث عن ضابط آخر هو من باب الافتئات على الشرع ، فمن جحد الحكم فهو كافر { أي الأكبر } ومن أقر فهو ظالم فاسق كفره دون الكفر الأكبر  ،  أما الأصل الذي أتى به هؤلاء فليس له دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من قول صحابي ولا تابعي ولا حتى عالم من علماء الأمة المقتدى بهم في الدين ، قصاراه فهمهم الخاطئ لكلام ابن القيم و ابن أبي العز و أحمد شاكر ، وسيأتي بيان المعنى الصحيح الذي قصده هؤلاء الأئمة العلماء والفهم الخاطئ الذي فهمه أصحاب هذا المناط الجديد من كلامهم  ،  والذي ينبغي الإشارة إليه أنه لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يتلاعب بمناطات الشريعة المنضبطة إلا بدليل من كتاب أو سنة أو هدى لأعلام الصحابة تلقته علماء الأمة بالإقرار والقبول  ،  والآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة: 44] عامة ، والحكم يتناول قول القلب وعمله ( اعتقاد الحكم ) وقول اللسان( الإقرار بالحكم ) وعمل الجوارح ( القيام بالحكم )  ولله در ابن حزم حيث يقول : ( كل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء )[ الفصل : ج3 / 302] أهـ  ،  ومن تتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بالحكم يجد فيها تعلق الحكم بالاعتقاد مثلما تعلقه بالعمل ومثاله قوله تعالى : { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[الصافات: 153-154] يقول الطبري رحمه الله :  وقوله } مالكم كيف تحكمون} يقول بئس الحكم تحكمون أيها القوم أن يكون لله البنات ولكم البنون وأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون له مالا ترضونه لأنفسكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل [ تفسير الطبري ج: 23 / 107] ويقول القرطبي رحمه الله : "  ألا ساء ما يحكمون أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم  "  [تفسير القرطبي :ج 10 / 118] ويقول ابن كثير رحمه الله : " ثم قال تعالى منكرا عليهم أصطفى البنات على البنين أي أي شيء يحمله أن يختار البنات دون البنين ". . . ولهذا قال (تبارك وتعالى مالكم كيف تحكمون أيمالكم عقول تتدبرون بها ما تقولون [ تفسير ابن كثير :ج 4 / 24] ) ويقول البغوي رحمه الله : " ألا ساء ما يحكمون بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين " [تفسير البغوي :ج 3 / 73]، وقوله تعالى :{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [الأنعام: 136] يقول الواحدي رحمه الله : قوله " فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم "  ثم ذم فعلهم فقال ساء ما يحكمون  أي ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوه لله على جهة التبرز إلى الأوثان [ تفسير الواحدي : ج 1 / 377] وقال البغوي رحمه الله : " قال قتادة :كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جزئوا لله وأكلوا منه فوفروا ما جزؤه لشركائهم ولم يأكلوا منه . " { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ }   أي بئس ما يقضون [ تفسير البغوي :ج 2 / 133] ، وقوله تعالى { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [يونس: 35]  يقول الواحدي رحمه الله : {كيف تحكمون } "يعني كيف تقضون حين زعمتم أن مع الله شريكا" [ تفسير الواحدي :ج 1 / 497] ويقول النسفي رحمه الله :" { فما لكم كيف تحكمون }  بالباطل حيث تزعمون أنهم انداد الله [ تفسير النسفي :ج 2 / 128] ويقول البغوي رحمه الله : {ما لكم كيف تحكمون }  كيف تقضون حين زعمتم أن لله شريكا [ تفسير البغوي :ج 2 / 353] ، وقوله تعالى { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [الجاثية: 21] يقول الطبري رحمه الله : ((  وقوله )) { ساء ما يحكمون  } يقول تعالى ذكره بئس الحكم الذي حسبوا أنا نجعل الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم [ تفسير الطبري :ج 25 / 149] وقوله تعالى { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[القلم: 35-36] يقول الطبري رحمه الله : " ذلك وقوله{ مالكم كيف تحكمون } أتجعلون المطيع لله من عبيده والعاصي له منهم في كرامته سواء يقول جل ثناؤه لا تسووا بينهما فإنهما لا يستويان عند الله بل المطيع له الكرامة الدائمة والعاصي له الهوان الباقي " أهـ  [ تفسير الطبري :ج 25 / 149] ، ويقول البيضاوي رحمه الله في تفسيرها : " {  أفنجعل المسلمين كالمجرمين } إنكار لقول الكفرة فإنهم كانوا يقولون إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالا منهمكما نحن عليه في الدنيا { ما لكم كيف تحكمون } التفات فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي " أهـ  [تفسير البيضاوي: ج 5 / 373] ، وقوله تعالى { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [العنكبوت: 4] يقول أبو السعود رحمه الله : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا أي يفوتونا فلا نقدر على مجازاتهم ... { ساء ما يحكمون }    أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك أو بئس حكما يحكمونه حكمهم ذلك [ تفسير أبي السعود :ج 7 / 30] ، فهذه الآيات جميعها عند تدبرها نجد أنها تتناول قضايا اعتقادية وتعبر عنها بلفظ الحكم . وبذلك يكون ترك الحكم في قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ( له تعلقان تعلق اعتقادي يوجب الكفر الأكبر المخرج من الملة ، وتعلق عملي محض يوجب الكفر في إطار الملة ، فمن ترك الحكم بجانبيه العملي والاعتقادي استحق الحكم الكلي للآية ) { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ومن تركه وهو معتقد له  أي مصدق به منقاد له مقر به فهذا كفره في إطار الملة وهذا ما تواترت عليه أقوال الأئمة وعلى رأسهم عبد الله بن عباس حبر الأمة وفقيهها ، والسنة دلتنا على أن هناك كفر أكبر وكفر دون كفر ، وقد ذكرنا أحاديث عديدة تؤكد هذه القاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر فقهها حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما. وعامة الصحابة ومنهم ابن عباس وعامة التابعين وعامة علماء أهل السنة على اعتبار الضابط الذي ذكرناه وقد نقلت أقوال ما يزيد على خمسين من العلماء الأئمة كلهم يقر بهذا الضابط ( ضابط الجحد والإقرار فمن جحد فهو كافر ومن أقر فهو ظالم فاسق وكفره في إطار الملة ) وبعضهم نقل الإجماع على ذلك كابن عبد البر في التمهيد وقد نقلناه عنه ، فبالضابط الذي ذكرناه تتفق أدلة الكتاب والسنة وأقوال السلف الأئمة فما الداعي إلى إحداث ضابط جديد ، مع أن ضابط السلف هو في نفسه واضح منضبط والجحد لا يتجزأ فمن جحد بآية فقد جحد بالقرآن كله ومن جحد حكماً من الشرع فقد جحد الشرع كله ،  أما أصلهم الذي يقولون به لا ينضبط ولا يتصور تصوراً واحداً عند أفهام الناس فما المقصود باعتبار أحكام الشرع هل هو الاعتقاد بها وبهذا نرجع إلى أصلنا الذي ذكرناه عن السلف ، أم هو مجرد الإقرار بأن الشرع هو مصدر القانون ثم بعد ذلك لا تؤثر المخالفة لأن الأصل موجود ، وهذا داخل في الأصل الأول لأن ضابط ( الجحد والإقرار ) الذي قال به علماء أهل السنة يدخل فيه الإقرار المجمل بأحكام الشرع والإقرار المفصل متى تطلب ذلك ، وبهذا فلا حاجة للأصل الجديد ، أم هو مجرد النظر في كتب الشريعة وليس كتب القانون ثم الحكم بعد ذلك بما يشاء إذ لا يؤثر على الأصل وهذا مناط جديد لا نعلم أحداً من علماء الأمة قال به ومآل قول هؤلاء هو هذا المناط ومجرد النظر لا يفيد شيئاً في إطار الجحد والإقرار ، فمن أقر فقد أغناه إقراره عن مجرد النظر في كتب الشرع وإن جحد فقد أخرجه جحده من الملة بالكلية ، أم هو ضرورة الحكم بأحكام الشرع بعمل الجارحة في كافة الأحكام ولا تضر في ذلك قضية أو قضيتان خالف فيهما بسبب المعصية والهوى والشهوة ، قلنا فما الضابط للعدد وما حده ومن أين استنبطوه ومن من العلماء قال به ، ومعلوم أن مناط الكفر لا يكون بالأعداد أبداً وإلا لكفرنا الزاني لإدمانه على الزنا أو شارب الخمر لإدمانه على شرب الخمر ، ومعلوم أن هذا مذهب الخوارج ، وعلى ذلك فالأصل الذي أصلوه لا ينضبط أولاً وفيه إحداث لحكم جديد مخالف لحكم السلف والعلماء الأئمة ثانياً ، وكلاهما لا يجوز في الشرع وهو افتئات عليه بما لا ينبغي .

تنبيه هام : أصحاب هذا القول دخل عليهم داخلة من عدم تصور الأصل العام الذي قال به السلف وهو الاعتقاد المجمل لدين الإسلام والمفصل لما يتطلب ذلك في حينه . وظنوا أن الحكم إنما يتناول الفصل بين الخصومات أو حدود الشرع ولم يتصوروا أن الحكم أعم من ذلك وأوسع بالتالي فضابطه أعم وأوسع من مجرد النظر في أحكامه ثم لا تضر مخالفته بعد ذلك بهوى أو معصية . والقرآن الكريم دلنا على أن الحكم أوسع من مجرد النظر في الحدود والخصومات بل هو يتناول الاعتقاد وأمور العقيدة كما أسلفنا ، ومن ذلك قوله تعالى : { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[الصافات: 153-154] فهل الآية تتناول فصل خصومة بين الناس أو تطبيق حد على بعضهم ليس كذلك وإنما هي تتناول اعتقاد المشركين أن الملائكة بنات الله فردت الآية على مستوى فهمهم للحجة لأنها إنما تناقشهم فكيف تحكمون ، أنتم إذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، ثم تنسبون إلى الله أنه يتخذ بناتاً أيصطفي البنات لنفسه ويرزقكم أنتم بالبنين أيصح هذا في ميزان العقل والفهم . الشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذه العقيدة الفاسدة بلفظ { فما لكم كيف تحكمون } فهو حكم وإن كان في أمور العقيدة ، وآية ثانية وهي قوله تعالى :  { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [القلم : 35-36] فالمشركون ينكرون البعث والنشور وهذه عقيدة كافرة وجحد للإيمان باليوم الآخر ، والشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذا الجحود باليوم الآخر والبعث والنشور بلفظ { كيف تحكمون } ،    فالحكم أوسع من أن نحصره في مجرد فصل خصومات أو إنفاذ حدود ولما كان عاماً فالأصل الضابط له لا بد وأن يكون عاماً عظيماً يحوي كافة جوانبه ومعانيه.

فكان الأصح والأولى هو اعتبار الأصل العام الذي اعتبره علماء أهل السنة والجماعة أصلاً لا يرضون  له بديلاً وهو ضابط الجحد والإقرار فمن جحد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فكفره في إطار الملة ، وهو في الحالتين كافر لعموم الآية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ولكن الجاحد لم يأت بأي شيء يدل على أنه حكم بما أنزل الله لانتفاء حكم القلب وإقراره بالحكم ، والمقر المعتقد قد أدى بعض الحكم فليس تاركاً بالكلية للحكم فكان كفره في إطار الملة لا يخرج منها إلا بجحد أو استحلال { جحد الحكم بما أنزل الله أو استحلال الحكم بغيره }

تنبيه آخر: القصد منه فهم جوانب الجحد وبالتالي نحيط بمذهب السلف من كافة جوانبه : الجحد يتناول قول القلب وعمله : فالجحد المتعلق بقول القلب ( التصديق ) هو التكذيب وهذا نادر لأن قلوب العباد فطرت على معرفة الله والتصديق بوجوده ، والجحد المتعلق بعمل القلب ( الانقياد ) هو الإباء والاستكبار والعلو والعناد وهذا غالب كفر العباد ومنه جحد إبليس وكفره وجحد اليهود وكفرهم وجحد فرعون وأتباعه وكفرهم ، وعلى ذلك فجحد حكم الله له صور عديدة منها :

تفضيل حكم غير الله على حكم الله .

الاستهزاء بحكم الله كحال من وصف أحكام قطع اليد بالوحشية .

التنقص من حكم الله كحال من قال أنه لا يلائم الزمان .

مساواة حكم الله تعالى بحكم غيره وهذا جحد لأفضلية حكم الله

إظهار النية والعزم على عدم تطبيق شرع الله وحكمه إن عاجلاً أو آجلاً لما فيه من الدلالة على عناد القلب واستكباره .

اعتقاد التخيير بين حكم الله تعالى وحكم غيره لأنه كما ذكرنا جحد لأفضلية حكم الله وشرعه

وبذا نعلم أن ضابط السلف وهو ضابط أهل السنة جميعاً ( من الجحد والإقرار ) هو الفقه والعلم وفيه الصيانة للشرع وأحكامه وفيه الغنية عن اجتهادات هؤلاء .

وهذا الضابط لو تدبر فيه الجميع لعلموا أنه جامع شامل يدخل فيه كافة صور الكفر المطلقة من الانتساب إلى الرايات الاعتقادية والفكرية المخالفة جملة وتفصيلاً لحكم الإسلام وشرعه كالعلمانية وذلك لأن إعلان اعتقاد هذه الرايات وما تدعو إليه صورة من صور الجحد الذي جعله السلف والأئمة مناط الكفر في الآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة: 44]

وأما المدخل الثاني لبيان خطأ هذا القول :فهو سؤالنا لهم ما الضابط لهذا المناط الذي جعلتموه أصلاً للحد الفاصل بين الكفر الأكبر المخرج من الملة والكفر في إطار الملة ، وأنتم تقولون إذا حكم في قضية معينة لهوى أو معصية لا يكفر وإذا جعله أصلاً يكفر  ، فهب أن رجلاً يرجع إلى الشرع في قضاياه ثم جار في واحدة اثنتين ثلاث ثم آل الأمر به إلى ترك الحكم بما أنزل الله في كافة القضايا مع أنه يجعل الأصل الرجوع إلى أحكام الشرع ، فهل يكفر عند الجور في الثانية أو عند الجور في بعضها أو عند الجور في جميعها ، فإن قلتم في الثانية لم تجدوا دليلاً على ذلك البتة وكذلك إن قلتم في بعضها دون بعض لأن الشرع لم يجعل العدد ضابطاً للكفر وعدمه وإن قلتم في جميعها قلنا لكم ناقضتم أصلكم الذي أصلتموه لأن الرجل يرجع إلى أحكام الشرع وهذا هو مناط الكفر الأكبر عندكم ، وإن قلتم لا يكفر رجعتم حتماً إلى الاعتقاد والجحد وهو ضابط أهل السنة ، وإلا فما ضابط الرجوع إلى الشرع وهو لا يحكم بشيء منه ، إن كان مجرد النظر في كتب الفقه فهذا لا يصلح ضابطاً ولا يقول به أحد من العقلاء فضلاً عن العلماء إذ لا يستطيع الجاحد أن يقول الشريعة مصدر القانون ويضع كتب الفقه على الرفوف ولا يحكم بشيء منها ، ويقول أنه الأصل الذي أقررتموه ، مع ما يبدو عليه من علامات الجحد والاستكبار ، لذا كان اعتبار ضابط أهل السنة هو الأصل العام لكافة أحكام الشريعة هو الصواب وهو النجاة من التعارض والاختلاف .

وأما المدخل الثالث لبيان خطأ هذا القول :فهو أن ضابطهم هذا فيه قصور ، بمعنى أنه إذا جاء من يقول لهم أنا أجعل الأصل في قانون الأحوال الشخصية هو الشرع لقالوا له حتماً لا يصح ذلك لأن الأصل عام يتناول أحكام المعاملات والحدود والعقوبات والفصل بين المنازعات ، نقول لهم آنذاك بل الأصل أعم من ذلك ، فإنكم أبيتم على من احتج لكم بالأصل في قانون الاحوال الشخصية إلا بالأصل الأعم ونحن كذلك نحتج عليكم بما هو أعم وأشمل فالحكم يتناول الأمور الاعتقادية والتشريعية والسلوكية والحكم بما أنزل الله يشمل ذلك كله وقد ذكرنا عند قوله تعالى { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون} وقوله تعالى { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[القلم: 35-36] وقول تعالى { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [يونس: 35] وقوله تعالى { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ }  [الأنعام: 136] أن الحكم هنا يتناول جوانب اعتقادية وقد سماه الله حكماً وبالتالي فالضابط الأعم والأشمل هو ضابط الصحابة والتابعين والعلماء كافة وهو ضابط الإقرار والجحد كما بيناه بضوابطه الحكيمة التي قال علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام .

وأما المدخل الرابع لبيان خطأ هذا القول :فهو أن ديننا مبني على الاتباع للكتاب والسنة والاقتداء بهدى السلف الصالح وجميع ذلك بين لنا الضابط العام الصحيح الذي لا ينخرم في شيء من جوانبه ، وقولكم محدث اجتهدتم في إحداثه احتياطاً للشريعة والشريعة لا تحتاج لمفتئت عليها بل تحتاج لفقهاء يفهمون ضوابطها الصحيحة ويعملون بها ، لو تركت الشريعة لمن شاء أن يحتاط لها لكان مذهب الخوارج والعياذ بالله أفضل المذاهب لأنهم يكفرون بمجرد المخالفة والمعصية والذنب .

وأما المدخل الخامس لبيان خطأ هذا القول :فهو أن أدلتهم على ذلك لا تخرج عن أقوال ثلاثة علماء لم يفهموا كلامهم الفهم الصحيح وهم ابن القيم وابن أبي العز وأحمد شاكر فإذا علمنا قصدهم الصحيح وعلمنا أن أقوالهم المحكمة هي اتباع ضابط السلف فلم يعد لهؤلاء حجة ولا دليل ، مع أن ذلك كله تنزلاً مع المخالف إذ أقوال العلماء لا سيما المتأخرين يستدل لها ولا يستدل بها وهذه قاعدة أصولية لا يجوز لطلبة العلم فضلاً عن أهل العلم إغفالها أو غض الطرف عنها ،

وكأمثلة لبعض المعاصرين الذين يقولون بهذا القول :الدكتور عبد الله أحمد القادري قال  وهو يتحدث عن مناط الكفر دون كفر في الآية :(( النوع الرابع : أن يحكم بغير ما أنزل الله في جزئية من الجزئيات وهو يعتقد أنه عاص وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم وأن الواجب هو الحكم بما أنزل الله ولكنه غلبه هواه لمال أو جاه أو قرابة ففعل ما فعل . . فيجب حمل { كفر دون كفر } على النوع الرابع وهذا هو اللائق بعلماء السلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة )) [الردة عن الإسلام ص57-58 ط. مكتبة طيبة 1405 هـ] أهـ ، ومن الأخطاء الواضحة في النص جعل المناط هو المخالفة في جزئية من الجزئيات وهذه لا تنضبط إذ ما الفارق بين معصية واحدة ومعصيتين إذا اعتبرت الأولى معصية فالثانية والثالثة معصية ما لم تنال الاعتقاد . وكذلك قوله (( هذا هو اللائق بالسلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة )) فالمعلوم أن الإنكار من الجحد والجحد لا يتجزأ فجحد حكم من الشريعة كمن جحد الشريعة كلها ، وعلى ذلك فجحد وجوب الطهارة جحد لكافة عقائد وشرائع الإسلام لأنه تكذيب للشارع في إيجابه للطهارة  ، أما قوله فهذا هو اللائق بالسلف ، فالسلف يليق بهم كل فضل ولكن اللائق بنا نحن أن نفهم كلام السلف وأن نفقه ضوابطهم في أسماء الملة وأحكامها على وجه العموم ،  والسلف لم يجعلوا الجزئية والجزئيات ضابطا لأن الأعداد لا تنضبط وإلا لكفرنا مدمن الخمر لأن جزئيات شربه للخمر كثيرة وعامة ، ولكن السلف جعلوا الضابط هو الإقرار والجحد وهو الضابط المحكم الصالح لكافة شرائع الإسلام اللهم إلا الأعمال التي لا تكون إلا مع انتفاء عمل القلب وقد أكثرنا في بيانها من قبل .

الأستاذ عبد الله بن محمد القرني قال في بيان الضابط للكفر الأكبر والأصغر : " وأما الكفر الأصغر فبنحو الحكم بغير الشريعة في قضية معينه لأجل الشهوة وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  أهـ [ضوابط التكفير عند أهل السنة ص 256 ] ، ( قلت ) أما قوله قضية معينة وقضايا متعددة فسبق ووضحنا أن هذا الضابط في نفسه لا ينضبط  ، وأما قوله ( وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ) فليس هذا قول حبر الأمة ولا هو مراده ومع تتبعي لغالب التفاسير المطبوعة وأقوال عبد الله بن عباس فيها لم أجد موضعاً واحداً ذكر فيه ابن عباس رضي الله عنهما التفريق بين قضية وعدة قضايا ، فمن المجازفة العلمية أن ننسب هذا الفهم إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، بل الصحيح عن حبر الأمة أنه جعل المناط هو الجحد والإقرار فمن جحد فقد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فليس الكفر الذي يذهبون إليه وإنما هو كفر دون كفر وهو في إطار الظلم والفسق ، هذا تصريح ابن عباس بنفسه فمن الخطأ أن ننسب إليه قولاً لم يقله ولم يشر إليه البتة .

قول الدكتور صلاح الصاوي :قال – وهو يأتي بمناط جديد - : (يمكن تفصيل القول في قضية الحكم بغير ما أنزل الله ، ذلك أن تعبير الحكم بغير ما أنزل الله قد يقصد به عمل القضاة والمنفذين وقد يقصد به عمل الأصوليين الشرعيين … إن قصد به عمل القضاة والمنفذين نظر : فإن كان مرده إلى تكذيب الحكم الشرعي أورده فهو كفر أكبر يخرج من الملة وإن كان مرده إلى عارض من هوى أو شهوة أو نحوه مع بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنة أو ما حمل عليهما بطريق الاجتهاد فهو من جنس الذنوب والمعاصي  ، وإن قصد به المعنى الأصولي التشريعي فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا يبقى معه من الإيمان حبة خردل كما قال تعالى { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.. } [الشورى: 21] والذي يخلص إليه من ذلك كله أن قول بعض السلف { كفر دون كفر } في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية  [ تحكيم الشريعة وصلته بأصل الدين ص 41-42] أهـ

( قلت ) إذا رجعنا إلى المنقول عنه نجده يأتي بقول جديد فهو يجعل مناط الحكم والتفريق بين حال الحاكمين هو النظر إلى اختصاصه فإن كان من القضاة والمنفذين فهذا عليه مناط حبر الأمة ابن عباس بالكفر الأكبر والأصغر وفق الجحد والإقرار  ، ولكنه لا ينسى أن يضع له ضابطاً إضافياً هو بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنة وهذا الضابط لا فائدة منه لأنه موجود عند كل مسلم يقر بالإسلام إجمالاً وبكافة عقائده وشرائعه . ولكنه لم يقصد منه ذلك إنما قصده للتفريق بين من يحكم بالقوانين الوضعية وبين من قال بأن الأصل الشرع حتى وإن حكم بالقوانين الوضعية بعد ذلك ، وهذا الضابط كما ذكرنا زائد عن ضوابط أهل السنة ولا قيمة له ، لأن مناط الحكم هو الإقرار والجحد فمن أقر بالشريعة كان إقراره بمثابة جعل الشريعة هي الأصل ومن جحدها كان جحوده بمثابة جعل القوانين الوضعية هي الأصل ، أما ما يقوله هو فلا ضابط له بل ولا معنى له إلا الإقرار والجحد وإلا فما هو مناط ضابط جعل الشريعة هي الأصل أو القوانين الوضعية هل الأصل إلا الإقرار بإحداهما والجحود بالأخرى ، الشاهد وإن كان هذا الحاكم من المشرعين للقوانين فليس لهذه الصورة عنده إلا الكفر الأكبر البواح وهذا أيضاً خلط لمناطات الحكم بمعنى أنه ما الفرق بين الزاني الذي يزني بموجب الشهوة والمعصية وبين الديوث الذي يرتب للفاحشة وينظم لها ويضع لها ما يشبه الأطر والضوابط التي يصنعها الأصولي التشريعي الذي تحدث عنه الدكتور صلاح الصاوي ، فهل يسوغ لنا ذلك أن نتهم الثاني بالكفر لأن معصيته لم تكن عن شهوة عارضة وإنما لكونه خطط لها ورتب لها ، وهل يسوغ لنا ذلك أن نكفر السارق الذي يضع الخطط قبل معصيته بأيام وشهور لأنها لم تكن ناشئة عن تنفيذ محض وإنما تخطيط وترتيب وتشريع ، وقد يعترض هو على وصفنا له بكلمة تشريع ، والحق أنه عند التدبر لا يفرق بين هذه وتلك شيء فالمشرع إن كان يشرع بجحد لشرع الله – بأي وجه من أوجه الجحد المتناولة لعمل القلب وقوله – فهذا كفر أكبر وإن كان يشرع على وجه المعصية المجردة فمثله مثل السارق الذي يخطط لمعصيته والديوث الذي يخطط للفاحشة وجميع ذلك في إطار الفواحش والمعاصي ما كان بعيداً عن اعتقاد القلب وجحوده ، وبذلك نكون رجعنا اضطرارا إلى الضابط الأساسي العام الذي صرح به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وسارت عليه الفرقة الناجية من بعده أهل السنة والجماعة ، وبهذا نعلم خطأه في قوله ( فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا تبقى معه من الإيمان حبة خردل ) وكلامه صواب متى ما كان التشريع ناشئاً من جحد لشرع الله – على المعنى الواسع للجحد كما ذكرناه ، وبالتالي فلا حاجة له إلى تشقيق القول بمناط جديد هو في حققته المناط الأصلي وأما إن كان يقصد مجرد العمل الخالي عن الاعتقاد فهذا قد علمنا باتفاق الأئمة والعلماء أنه مخالف لأصول أهل السنة وقواعدهم الغراء ، ثم ذهب يستدل لمذهبه الذي كما يقول – لا جدال فيه – بقوله تعالى { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } وقد ذكرت تفسيرها الصحيح في المطلب السابق فراجعه هناك بالضرورة فإنه يمنع الغلو في المسألة  ،  وقوله : (والذي نخلص إليه من ذلك أن قول بعض السلف { كفر دون كفر } في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية  به أخطاء : ( الأول ) : قوله ( بعض السلف ) وكأنه يشير إلى الخلاف في المسألة وأن بعضاً فقط هو الذي قال بكفر دون كفر ، ( قلت )  بل السلف مجموعون على قاعدة كفر دون كفر التي أرستها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأجمع عليها أهل السنة والجماعة في مقابل فرق الخوارج والمعتزلة ، وهم متفقون على حمل آية المائدة عليها وقد نقلت عن ابن القيم أنه قول عامة الصاحبة رضي الله عنهم ونقلت عن ابن عبد البر إجماع العلماء عليها ، فكيف يتسنى لأحد أن يقول بعض بصيغة توحي بالتمريض لمجرد أنه لا يرضى بما رضي به السلف ، و ( الثاني ) : قوله ( لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية ) أقول فما علة ما يقول وما سببه وما المسوغ لهذا الرأي وعندن ضابط الأئمة الرصين ( الجحد والإقرار ) فلماذا إحداث مناطات جديدة والمناط الصحيح يستوفي المطلوب وعليه إجماع الأئمة ، فمن جحد الشرع بأي معاني الجحد التي أشرنا إليها فقد كفر ومن حافظ على أصل إقراره واعتقاده ولم يأت بجحد فهو مسلم ، ثم أود أن أنبه إلى أن ديننا دين اتباع واقتداء فما الداعي إلى إحداث أقوال جديدة واعتبار مناطات حديثة تخالف هدى الشرع وضوابطه ، كما ذكر صاحبنا من التفريق بين عمل القضاة والمنفذين وبين عمل الأصوليين التشريعين ونحن هنا وهناك وبالتالي اعتماده كمناط الحكم أولى من الاختراع والابتكار .

قول الأستاذ محمد شاكر الشريف :قال: " فصل في بيان متى يكون الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً لا يخرجه من الملة ؟ ثم جعل شروطاً ثلاثة لذلك هي : ( أ ) أن يكون ملزماً ومتقبلاً ظاهراً وباطناً لكل حكم أو تشريع جاء عن الله سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم ، ( ب ) أن يكون مقراً ومعترفاً بأنه ترك الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى في القضية أو الواقعة المعينة التي يحكم فيها صار آثماً وأن حكمه خطأ وأن حكم الله هو الصواب ، ( ت ) أن يكون الحكم المخالف حكماً في وقائع الإيمان وليس في الأمور الكلية العامة وهذا الشرط الثالث مما غمض فهمه والتنبيه على كثير من المعاصرين [إن الله هو الحكم ص 88 - 91] أهـ

( قلت ) حاصل كلامه هو أنه جعل هذه المناطات المتعلقة بمسألة الكفر دون كفر ، ( المناط الأول ) : الانقياد ظاهراً باللسان وباطناً بالاعتقاد للحكم وهذا لا غبار فيه لأنه مناط السلف ، و ( المناط الثاني ) : الإقرار بالتقصير والإثم لمعصية ترك الحكم بما أنزل الله وهذا لازم للمناط الأول لا ينفك عنه فلا غبار عليه ، و ( المناط الثالث ) : أن تكون المخالفة في قضية أو واقعة معينة وليس في أمر كلي عام ، فهذا الشرط الثالث قد غمض فهمه والتنبيه عليه ليس كما يقول على كثير من المعاصرين ، بل وعلى جميع السلف الكرام حتى لم يجعلوه مناطاً إضافياً يلازم مناط الجحد والإقرار واكتشفه هو بعد هذه القرون الطويلة في الإسلام ،

ولعل قائلاً لم يحدث على مر عصور الإسلام أن تنحت الشريعة في كافة جوانبها كما هو في زماننا المعاصر ولهذا وجب وضع المناط المناسب لهذا الزمان وهذه الحالة الشاذة التي لم تعهد لها الأمة مثيلاً من قبل ، ورغم وجاهة هذا القول إلا أنه عند التحقيق ليس وجيهاً وذلك لأن إجماع العلماء على أن ترك الحكم بما أنزل الله مع الإقرار والاعتقاد هو كفر دون كفر وإجماعهم على أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بشرع الله فهي كبيرة من الكبائر وقد حكى ذلك الإجماع الحافظ ابن عبد البر  ، وبالتالي فالمعصية لا تنضبط بعدد ولا بقدر وإلا كان الإصرار على الكبيرة كفر ، وكان هذا مدخلاً لتكفير العصاة وأصحاب الكبائر  ، وبالتالي فمناط الكفر ليس عدد المعاصي ولا عدد الوقائع وإنما المناط هو كفر القلب وكفر القلب يكون بالجحد والجحد له صور عديدة منها الإقرار بتفضيل أحكام الجاهلية على حكم الله تعالى أو التنقص من شرع الله أو الاستهزاء به أو اعتقاد عدم أحقيته أو عدم صلاحيته أو مساواته بغيره فهذه كلها دلائل الجحد وهو مناط السلف للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر ، لا اجتهادات المعاصرين كل يدلو بدلوه في مسألة فيها السلف قديماً ووضعوا لها الضوابط التي لا تحتاج إلى افتئات أو تدخل  ،  وبهذا أكون قد أشرت إلى بعض أقوال المعاصرين المخالفين في هذه المسألة بوضع مناطات جديدة والتفريق بين واقعة ووقائع وبين وقائع أعيان وأمور كلية يتساوى فيها جميعاً عمل القلب وهم يفرقون على أساس عمل الجارحة مع أن مناط الكفر الأكبر هو كفر القلب والذي يدل عليه الجحد بأحد صوره التي وضحها العلماء ، ولعلني أثقلت في النقد على إخوان لي أرى أن الحماس والإخلاص قد دفعهم لوضع مناطات تحمس الشريعة ، والدافع لهذا النقد هو بيان أن الشريعة لا تحتاج إلى مناطات جديدة لأن الله تعالى قد جعل فيها مقوماتها الذاتية لحمايتها وحمى جنابها ، والمطلوب منا ليس الحماس والحمية الدافعة لإحداث مناطات جديدة ولكن المطلوب هو العلم والفقه الدافع لحفظ الشريعة على حالها الرباني وتطبيق أحكامها العقائدية والتشريعية على الناس كما أراد الشارع الحكيم والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .

خاتمة القاعدة الخامسة وهي تحوي على فائدتين : ( الفائدة الأولى ) : صور الجحد متعددة أهمها : جحد أحقية حكم الله ورسوله وهذا أعظم الكفر ، أو تفضيل غير شرع الله على شرع الله حتى وإن أقر بشرع الله ، أو مساواة شرع غير شرع الله بشرع الله ، أو استحلال الحكم بغير شرع الله وتجويزه وتسويغ الأخذ به ، وكل صورة اعتقادية أخرى تدخل في إطار أحد هذه الصور الأربعة التي ذكرناها وهي جحد لحكم الله وكفر أكبر مخرج من الملة ، مع ملاحظة أن الجحد لا يتجزأ بمعنى أن من جحد شيئاً يسيراً من شرع الله كان بمثابة الجحد للشرع وأحكامه وهو في إطار الكفر المطلق حتى تجري عليه أحكام الشرع الخاصة بالتعيين ، ( الفائدة الثانية ) : الانتساب إلى المذاهب العلمانية والشيوعية وغيرها من دعاوى الإلحاد المعاصرة جحد لحكم الله وشرعه وكفر أكبر على سبيل الكفر المطلق الذي يحتاج عند التعيين إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع ، فالعلمانية تعني عند أصحابها ومنظريها فصل الدين عن الدولة وإقامة الحياة على غير الدين ولا علاقة عندهم للدين لا من قريب ولا من بعيد بشئون السياسة ولا التشريع العام ولا تنظيم حياة الدول و المجتمعات ، وهذا يعني رفض لشرع الله واستبداله بحكم الجاهلية واستحلال الحكم بها وبأحكامها بل وتقديمها على شرع الله وتفضيلها عليه ، وهو يعني أيضاً اعتقاد حق التشريع والتحليل والتحريم لغير الله عز وجل من مشرعي العلمانية وهذا اتخاذهم أربابا من دون الله على صورة اعتقادية محضة ، وهو يعني أيضاً الكفر بأحكام الله المتعلقة بتنظيم حياة البشر واستحلال الحكم بغيره على وجه الاعتقاد ، وهو يعني استحلال تحريم ما أحل الله من الحدود والعقوبات والتشريعات واستحلال ما حرم الله على صورة اعتقادية محضة ، ومثلها الشيوعية وغيرها من دعاوى الإلحاد والكفر من النظريات الاعتقادية التي من آمن بها فقد آمن بالطاغوت وكفر بالله نسأل الله السلامة  ، وعلى ذلك : فالحذر الحذر من هذه المذاهب الإلحادية ومن الانتساب إليها لأنها مذاهب عقائدية ، الانتساب الحقيقي لها يعني الردة والمروق من ملة الإسلام  إلى ملل الكفر والإلحاد ، وكل ذلك على سبيل الإطلاق لأننا نعلم أن كثيرا من المسلمين مخدوعون بهذه المذاهب لا يعلمون بحقيقتها وليس لهم من العلم الشرعي ما يؤهلهم لمعرفة حقيقتها الكفرية الواضحة ، وهؤلاء معذرون بالجهل فلا يكفرون ولكنهم على شفا خطر عظيم لأن إمكان العلم بحقيقة هذه المذاهب موجود وعلى أهل العلم والدعاة يقع عاتق إبلاغ المسلمين بحقيقة هذه المذاهب حتى تنفضح تماماً في بلدان المسلمين فلا يبقى فيها إلا المنافقين معلومي النفاق والزنادقة معلومي الكفر والإلحاد .

***

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

قواعد الشريعة العامة اللازمة لضبط مسائل واحكام التكفير

 

 

يحتوي هذا الفصل على إحدى عشرة قاعدة من قواعد الشريعة العامة اللازمة لضبط مسائل واحكام التكفير ، وهذه القواعد هي : ( القاعدة الأولى ) : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر ،  و ( القاعدة الثانية : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، و ( القاعدة الثالثة ) : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، و ( القاعدة الرابعة ) : العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، و ( القاعدة الخامسة ) : العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، و ( القاعدة السادسة ) : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، و ( القاعدة السابعة ) :  وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفيــر المعيـن ، و ( القاعدة الثامنة ) : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، و ( القاعدة التاسعة ) : اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليــة ، و ( القاعدة العاشرة  ) : لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه ، و ( القاعدة الحادية عشرة : قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر ( الكفر دون كفر ) أو الشرك ( الشرك الأصغر ) أو النفـاق ( النفاق العملي ) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه ،

***

 

القاعدة الأولى

مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر

 

 

الشهادتان [ الشهادتان وما في معناهما كأن يقول أسلمت لله ويقصد بذلك الإيمان المجمل بدين الإسلام والشهادتان هما أفضل وأشمل ما يُعبر عن هذا الإيمان المجمل بشرع الإسلام ] باب الإسلام الأول الذي من دخله دخل الإسلام وحكم له بالإسلام الظاهر وصار له اسم الإسلام وحكمه والله يتولى السرائر وهذا الأمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ، قال النووي : " واتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنّ المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ونطق بالشهادتين " [ شرح مسلم حـ1/149 ] أهـ ، وقال ابن تيمية:" قد عُلم بالاضطرار من دين الرسول  صلى الله عليه وسلم واتفقت عليه الأمة أنّ أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله فبذلك يصير الكافر مسلماً والعدّو ولياً والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال ، ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان " [نقلاً عن فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص70 ] وقال  ابن حجر : " أمّا بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدُنيا ولم يُحكم عليه بكفر إلاّ إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود لصنم " [ فتـح الباري حـ1/94] أهـ ، فالإقرار بالشهادتين لازم للحكم بالإسلام الظاهر أما اعتقادهما فهو دليل على صحة الإيمان الباطن وباعتقادهما والنطق بهما يكون المرء من أهل القبلة على الحقيقة ولا يخلد في النار خلود الجاحديـن ، والأدلة على هذه القاعدة كثيرة مستفيضة منها : ما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه. " أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلنى فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) " [ صحيح مسلم ح(155)] ، وفي رواية معمر (( فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله )) [ صحيح مسلم ح(156) ] ، ومن تدبر الحديث علم يقيناً أنّ الحكم بإسلام المرء يكون بمجرد نطقه بالشهادتين أو ما يحل محلهما في القبول المجمل بدين الإسلام ، مع أنّ الصورة المفترضة تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قالها إلاّ تقية وهرباً من القتل ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وما أخرجه مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم . ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم . فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً .قال، فقال (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم "  [ صحيح مسلم ح (159)  ] ، وأخرج مسلم عن جندب بن عبدالله البجلي رضي الله عنه أنه :  " بعث إلى عسعس بن سلامة ، زمن فتنة ابن الزبير فقال: اجمع لي نفراً من إخوانك حتى أحدثهم. فبعث رسولاً إليهم . فلمّا اجتمعوا جاء جندب وعليه برنس أصفر. فقال: تحثوا بما كنتم تحدثون به حتى دار الحديث. فلمّا دار الحديث إليه حسر البرنس عن رأسه فقال: إنى أتيتكم ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم . إنّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين. وإنهم التقوا فكان رجل من الشركين إذا شاء أنّ يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله. وإنّ رجلاً من المسلمين قصد غفلته . قال وكنّا نحدّث أنه أسامة بن زيد . فلمّا رفع عليه السيف قال : لا إله إلاّ الله ، فقتله . فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فسأله فأخبره حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع . فدعاه . فسأله . فقال: ( لم أقتله ؟ ) قال: يا رسول الله أوجع في المسلمين. وقتل فلاناً وفلاناً . وسمّى له نفراً . وإنى حملت عليه. فلمّا رأى السيف قال: لا إله إلاّ الله . قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم ( أقتلته ؟ ) قال: نعم قال ( فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) قال: يارسول الله ! استغفر لي . قال ( وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) قال: فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ح (160)  ] ، ففي هذا الحديث برواياته المتعددة أوضح الدلالة بالحكم للمرء بالإسلام بمجرد قوله لا إله إلاّ الله وتلفظه بالشهادة. ولو تدبرنا نص الحديث لوجدنا أن جميع القرائن تدل على أنّ هذا الرجل ما قال الشهادة إلاّ تقيه وخوفاً من القتل ، ومع ذلك حكم له النبي   صلى الله عليه وسلم  بالإسلام وعنّف أسامه أشد التعنيف مع أنه معذور بجهله لهذا الحكم وقد اجتهد فأخطأ بخلاف المقدام فإنه كان يستفتى الرسول صلى الله عليه وسلم عن واقعة لم تحدث فأعلمه بالحكم وأنه إن استحل قتله كفر ، ومع تعنيفه لأسامه لم يرض أن يستغفر له وكان من قوله صلى الله عليه وسلم له ( أقال لا إله إلاّ الله وقتلته ) و ( فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ) و ( أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله ) حتى تمنى أسامه رضي الله عنه أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم لما أقدم عليه من سفك دم رجل قال لا إله إلاّ الله فحكم له بالإسلام الظاهر والله يتولى سريرته ولم يأمرنا أن نشق عن قلبه حتى نعلم أقالها معتقداً لها أم قالها نفاقاً وتقيه فهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله ولم يكلفنا سبل معرفته لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله ، وما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله    صلى الله عليه وسلم قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فمن قال لا إله إلاّ الله عصم منى ماله ونفسه إلاّ بحقه وحسابه على الله )) [صحيح مسلم ح(33)] ، وما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ صحيح مسلم ح(34)] ، وما أخرجه مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوا لا إله إلاّ الله عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [صحيح مسلم ح(35)] ، وما أخرجه مسلم عن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول " من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله " [ صحيح مسلم ح(37)] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،  فوائد متعلقة بالقاعدة  : ( الفائدة الأولى ) :  ليس معنى قولنا أنّ كل من نطق بالشهادتين حكمنا باسلامه أنه في مأمن من الردّة بعد ذلك مهما قال أو فعل بعد النطق بهما ، بل قد جعلت الشريعة الحكيمة أعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ، يُعامل معاملة المرتد من الاستتابة وأحكامها كما قررها الفقهاء . وفي مبحث نواقض الإيمان بيان لكثير من هذه الاعتقادات والأقوال والأفعال المخرجة من الملة بعد دخولها ، ( الفائدة الثانية ) : أنه ليس المعنى من تقرير هذه القاعدة هو تقليل قيمة العمل وأهميه وإنما المعنى من تقرير هذه القاعدة هو ما دلّ عليه الشرع من كون الإقرار بالشهادتين أو ما يحل محلهما في بيان الإقرار المجمل بالإسلام كاف في الحكم على المرء بالإسلام ثم يُعامل بعد ذلك معاملة المسلمين فإن أتى بناقض أقيمت عليه الحُجة الشرعية المعتبرة به عُومل معاملة المرتدين.

***

 

 

القاعدة الثانية

من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى

 

 

والمقصود من هذه القاعدة العامة من قواعد الشريعة الغراء أنّ من مات وهو مقر بشهادة التوحيد ( لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ) معتقد لها استوجب بفضل الله ورحمته الجنة ، وهو يوم القيامة تحت مشيئة الرحمن إن شاء أدخله الجنة ابتداء وإن شاء أدخله النار بذنوبه ومعاصيه ، إلاّ أنه لا يخلد في النار أبداً خلود الكافرين ، ولكن مآله إلى الجنة لما أتى من توحيد الله عز وجل وقد دلّ على تلك القاعدة : أحاديث كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها : (1) ما أخرجه البخاري رحمه الله عن النبي   صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من خير )) وفي رواية ( من إيمان ) مكان (من خير). [صحيح البخاري ح(44)] ففي هذا الحديث دليل على أن من أتى بالإقرار ( قال لا إله إلاّ الله ) والاعتقاد ( وفي قلبه وزن شعيره من إيمان ) ( وفي قلبه وزن بره من إيمان ) ( وفي قلبه وزن ذره من إيمان ) فإنه لا يخلد في النار خلود الكافرين بل يخرج من النار إلى الجنة ، (2) حديث الشفاعة اخرجه البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وفيه : (( فأقول يارب أمتى أمتى فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان …. فأقول يارب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذره أو خردله من إيمان …. فأقول يارب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل …. ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ البخـاري ح(7510)]   ففي هذا الحديث كذلك دلاله على أن من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه اعتقادها فإنه في مأمن من الخلود في النار خلود الكافرين ولكنه يخرج منها برحمة الله إلى الجنة ، (3) ما أخرجه مسلم رحمه الله عن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة )) [صحيح مسلم ح(44)] ، ففي هذا الحديث دلاله على أن الشهادتين مع الاعتقاد لهما ( غير شاك فيهما ) سبب لدخول الجنة وإن طال زمان التعذيب في النار ، (4) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [صحيح مسلم ح(47)] ، ومعنى الحديث أنّ من أقرّ يالشهادتين واعتقدهما حرّم الله عليه الخلود في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ عليه مذهب أهل السنّة الذين يقولون بأن أصحاب الكبائر تحت المشيئة وقد دلت الأخبار بيقين أنّ بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن أصحاب قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط ، ( قلت ) ولهذا قال القرطبي في شرح حديث مسلم (( أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عنه الجنة )) " وظاهر هذا الحديث أنّ من لقى الله وهو يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده دخل الجنة ولا يدخل النار ، وهذا صحيح فيمن لقي الله تعالى بريئاً من الكبائر فأمّا من لقى الله تعالى مرتكب كبيره ولم يتب منها فهو في مشيئة الله تعالى التي دلّ عليها قوله تعالى  {  إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..}  [ النساء : 48 ] وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي أنّ طائفة من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضل المعبّر عنه بالقبضة في الحديث الصحيح أو بما شاء الله تعالى فدلّ ذلك على أنّ الحديث المتقدم ليس على ظاهره فتعين تأويله ، ولأهل العلم فيه تأويـلان الأول : أن هذا العموم يُراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من أهل الكبائر ممن يشاء الله أن يغفر له ابتداء 000 وثانيهما : أنهم لا يحجبون عن الجنة بعد الخروج من النار وتكون فائدته الاخبار بخلود كل من دخل الجنة فيها وأنه لا يُحجب عنها ولا عن شيء من نعيمها والله تعالى أعلم " [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم  حـ1/199-200] أهـ ،  (5) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  قال (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة )) قلت ( أي راوي الحديث أبو ذر رضي الله عنه ) وإن زنى وإن سرق ؟ قال ( وإن زنى وإن سرق ) قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال ( وإن زنى وإن سـرق ) ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبى ذر )) [صحيح مسلم ح(154)] ، وبعد فهذه بعض الأحاديث الصحيحة التي تدل بيقين على صحة القاعدة العامة (( من مات على التوحيد دخل الجنة )) وعلى صحة هذه القاعدة اتفق أهل السنّة والجماعة 

***

 

 

القاعدة الثالثة

خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه

 

 

أهل السنّة والجماعة يخالفون عامة الفرق في هذه القاعدة فالملاحظ على غالب الفرق الضالة الولوج في مسالك تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، أمّا علماء أهل السنّة والجماعة فهم أشد الناس حرصاً على الاحتياط في تكفير المسلمين ، وذلك لأنهم يعلمون أن تكفير المسلم جدّ خطير لأنه يعني أنه مرتد مهدور الدّم والمال ، يجب على أولياء أمر المسلمين قتله بعد استتابته وإقامة الحُجة عليه ، ويعني أنه لا يحل لزوجته البقاء معه لأنه لا يجوز أن تكون المسلمة زوجة لكافر ، ويعني أنه إذا مات لا تجرى عليه أحكام المسلمين بل تجري عليه أحكام الكفّار من عدم تغسيله وعدم الصلاة عليه وعدم دفنه في مقابر المسلمين ولا يُورث ماله ، وهو إذا مات على حالة من الكفر فلا تجوز الرحمة عليه بل يستوجب اللعنة والخلود الأبدي في النار ، من أدلة علماء أهل السنّة والجماعة على قاعدة خطورة تكفير المسلم ووجوب الاحتياط عند الحكم عليه ، أحاديث عديدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم  منها : (1) قوله  صلى الله عليه وسلم  :(( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ، فإن كان كما قال وإلاّ رجعـت عليـه )) [ متفق عليه ] ، (2) قوله  صلى الله عليه وسلم  :(( من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلاّ حار عليه )) [ مسلم ح(71) كتاب الإيمان ] ، (3) قوله  صلى الله عليه وسلم  :((إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) [ البخاري ( 6103 ) ] ، (4) قوله  صلى الله عليه وسلم  :(( ثلاث من أصل الإيمان الكف عّمن قال لا إله إلاّ الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يُقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالقدر )) [ الترمذي ح(1978) وقال حديث حسن وصححه ابن حبان (48) والحاكم حـ1/12-13 ووافقه الذهبي ]

ومن أقوال علماء أهل السنّة والجماعة التي تدل على حرصهم الشديد على عدم تكفير المسلم إلاّ بالشيء المجمع عليه : يقول الغزالي رحمه الله : " والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا ، فإن إستباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلاّ الله خطأ ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم " [ الاقتصاد في الاعتقاد ص223 ط.دار الكتب ببيروت] أهـ ، ويقول أيضاً :" لم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير ، فلابد من دليل عليه ، وثبت لنا أنّ العصمة مستفادة من قول ( لا إله إلاّ الله ) قطعاً فلا يدفع ذلك إلاّ بقاطع ، وهذا القدر كاف في التنبيه على أنّ إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان ، فإن البرهان إمّا أصل أو قياس على أصل والأصل هو التكذيب الصريح ، ومن ليس بمكذب فليس في معنى الكذب أصلاً يتبقى تحت عموم العصمة بكلمة الشهادة " [الاقتصاد في الاعتقاد ص224] أهـ ، والمستفاد من هذا النقل أنّ من أقر بالشهادتين فإن له العصمة ( عصمة الدم والمال ) بيقين فلا تدفع إلاّ بيقين مماثل كالتكذيب الصريح بشيء من دين الله قامت عليه الحُجة الشرعية بـه ، ويقول النووي رحمه الله :" أعلم أنّ مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع ـ الخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم ـ وأنّ من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حُكم بردته وكفره إلاّ أن   يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه مما يخفي عليه ، فيعرف ذلك ، فإن استمر حكم بكفره ، وكذلك من استحل الزنى أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة " [شرح مسلم حـ1ص150] أهـ ، فالنووي رحمه الله ينسب إلى مذهب أهل الحق عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب وعدم تكفير أحد من أهل الفرق الضالة والأهواء والبدع ممن يقر بالإسلام ويعتقده ، وأنه لا يكفر بيقين إلاّ من جحد المعلوم من الدين بالضرورة أو المستحل للمحرمات التي يُعلم تحريمها بالضرورة ولا يكفر حتى تقام عليه الحُجة الشرعية بذلك ، ويقول ابن عبد البرّ رحمه الله : ـ" كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام ،لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حُجـة ، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلاّ باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها ، وقد اتفق أهل السنّة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أنّ أحداً لا يخرجه ذنبه ـ وإن عظم ـ من الإسلام وخالفهم أهل البدع ، فالواجب في النظر أن لا يكفر إلاّ من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له كتاب أو سنّة "(2) أهـ ، ولله دره فكلامه تعبير محكم عن اعتقاد أهل السنّة والجماعة في مسائل التكفير ، فكل من ثبت له عقد الإسلام بإجماع فهذا لا يكفر إلاّ بإجماع آخر أو دليل لا معارض له بحيث يمكن به ترجيح جانب عدم الكفر ، ولله دره فكم بلغ من احتياطه في مسائل التكفير حتى أنه يقول ( فالواجب في النظر أن لا يكفر إلاّ من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له ، ويقول الشاطبي رحمه الله : " وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى ، ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم ، ألا ترى إلى صنع عليّ رضي الله عنه في الخوارج وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام على مقتضى قول الله تعالى  { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا }[الحجرات: 9] الآية ، فإنه لمّا اجتمعت الحرورية وفارقت الجماعة لم يهاجمهم عليّ ولا قاتلهم ، ولو كانوا بخروجهم مرتدين لم يتركهم لقوله عليه السلام (( من بدل دينه فاقتلوه )) ولأن أبا بكر رضي الله عنه خرج لقتال أهل الردّة ولم يتركهم فدّل ذلك على اختلاف ما بين المسألتين ، وأيضاً فحين ظهر معبد الجهني وغيره من أهل القدر ،لم يكن من السلف الصالح لهم إلاّ الطرد والإبعاد والعداوة والهجران ، ولو كانوا خرجوا إلى كفر محض لأقاموا عليهم الحدّ المقام على المرتدين ، وعمر بن عبد العزيز أيضاً لمّا خرج في زمانه الحرورية بالموصل ، أمر بالكف عنهم على ما أمر به عليّ رضي الله عنه ولم يعاملهم معاملة المرتدين " [الاعتصــام حـ3ص33] أهـ ، وكلامه رحمه الله فيه دلالة واضحة على احتياط السلف عامة وأهل الحق السائرين على هدي السلف على الاحتياط البالغ في تكفير المسلم المقرّ بالشهادتين حتى وإن كان من الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير  ، ويقول ابن تيمية رحمه الله : " ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهـل القبلـة … والخوارج المارقون ـ الذين أمر النبي بقتالهم ـ قاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة ولم يكفرهم عليّ بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ، ولم يُقاتلهم عليّ حتى سفكوا الدّم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم لا لأنهم كفّار ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم " [ مجموع الفتاوي حـ5ص199] أهـ فانظر رحمك الله إلى مدى حرص الصحابة على عدم تكفير الخوارج مع ما ورد من الأحاديث في بيان أنهم شر قتلى تحت أديم السماء ، لتعلم أنّ مذهب أهل الحق الاحتياط في التكفير ترجيحاً لحُرمة المسلم ، ويقول ابن حجر الهيثمي  رحمه الله "وهو يرّد على بعض أئمة الحنفية الذين توسعوا في مسائل التكفير " ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظيم خطره ، وغلبه عدم قصده سيما من العوام ومازال أئمتنا على ذلك قديماً وحديثاً … إلى أن قال … ثم رأيت ( الزركشي ) قال عمّا توسع به الحنفية إن غالبه في كتب الفتاوى نقلاً عن مشايخهم ، وكان المتورعون من متأخري الحنفية ينكرون أكثرها ويخالفونهم ويقولون هؤلاء لا يجوز تقليدهم لأنهم غير معروفين بالاجتهاد ، ولم يخرجوها على أصل أبي حنيفة لأنه خلاف عقيدته التي منها ( إن معنا أصلاً محققاً هو الإيمان فلا ترفعه إلاّ بيقين " [تحفة المحتاج حـ2ص84] ، ويقول محمد بن المرتضي اليماني المشهور " بابن الوزير " رحمه الله ـ وذلك بعد ذكره لكثير من الأحاديث التي تنهى عن تكفير المسلم :" وفي ضوء ذلك ما يشهد لصحة التغليظ في تكفير المؤمن وإخرجه من الإسلام وع شهادته بالتوحيد والنبوات " [ إيثار الحق على الخلق ص385] أهـ ، ثم تكلم رحمه الله عن الوجوه التي تدعو إلى الاحتياط في تكفير المسلم فكان مما قال " الوجه الثاني عشر : إن في الحكم بتكفير المختلف في تكفيرهم مفسدة بينة تُخالف الاحتياط ، الوجه الثالث عشر : أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة " [ إيثار الحق على الخلق ص450]

***

 

 

القاعدة الرابعة

العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر

 

 

موضوع هذه القاعدة يتناول المسلم المتلبس بالكفر الأكبر أو الواقع في الشرك الأكبر جهلاً ، فهو مقر بالإسلام مظهر للتصديق والانقياد لدين الله عز وجل جملة وتفصيلاً إلاّ أنه لجهله وقع في كفر أكبر أو شرك أكبر ، وقد دلّ على صحة هذه القاعدة الكتاب والسنّة وأقوال علماء أهل السنّة والجماعة ، فمن أدلة الكتاب العزيز : ( الدليل الأول ) : قوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] دلت الآية على أن الله تعالى لا يُدخل أحداً النار إلاّ بعد إرسال الرسول إليه ، وإقامة الحجة عليه ، وإذا كان هذا في حق الكافر ، فهو في حق المسلم الجاهل بالأمر أولى ، الدليل الثاني : قوله تعالى { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى } [ طـه : 134 ] ، يقول القرطبي في تفسيرها : " { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ } قوله تعالى أي من قبل بعثة محمد  صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن ( لقالوا ) أي يوم القيامة { رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا}  أي هلا أرسلت إلينا رسولاً { فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } وقرئ ( نُذَلُ ونُخزى ) على ما لم يسم فاعلـه. وروى أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم في الهالك في الفترة ، والمعتوه ، والمولود : يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ـ ثم تلا  {  وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا }  ويقول المعتوه : رب لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً .ويقول المولود : رب لم أدرك العمل فترفع لهم نار فيقول لهم ردوها وادخلوها قال : فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل - قال - : فيقول الله تبارك وتعالى : إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم ، ويروى موقوفاً عن أبي سعيد وفيه نظر. وقد بيناه في كتاب ( التذكرة ) وبه احتج من قال : إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة. ( فَنَتَّبِعَ ) نصب بجواب التخصيص ( ءايَاتِكَ ) يريد ما جاء بـه محمد    صلى الله عليه وسلم ( مِنْ قَبْلِ أن نَّذِلَّ ) أي في العذاب ( ونَخْزَى ) في جهنم ، قاله ابن عباس . وقيـل :  ( مِنْ قَبْلِ أن نَّذِلَّ ) في الدنيا بالعذاب (ونَخْزَى ) في الآخرة بعذابها " [الجامع لأحكام القرآن حـ6ص164-165] قلت إذا كانت تلك الرحمة في حق أولئك فهي لاشك في حق المسلم الجاهل أولى لأنّه قد أقر وآمن وانقاد ولم يمنعه سوى جهله ، الدليل الثالث : قوله تعالى { وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ القصص : 47 ] ، يقول القرطبي في تفسيرها : " { فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا } أي هلا { لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} لما بعثنا الرسل وقيل : لعاجلناهم بالعقوبة. وبعث الرسل إزاحة لعذر الكفار كما تقدم في سبحان وآخر طه  … أي هؤلاء الكفار غير معذورين إذ بلغتهم الشرائع السابقة والدعاء إلى التوحيد ، ولكن تطاول العهد ، فلو عذبناهم فقد يقول قائل منهم : طال العهد بالرسل ، ويظن أن ذلك عذر ولا عذر له بعد أن بلغهم خبر الرسل. ولكن أكملنا إزاحة العذر وكملنا البيان. فبعثناك يا محمد إليهم. وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبداً إلاّ بعد إكمال البيان والحُجة وبعثة الرسل. " [الجامع لأحكام القرآن حـ13ص293] ، وهذا الدليل كسابقه هو اولى في حق المسلم الجاهل الذي لم يقصر في طلب العلم ، الدليل الرابع : قوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }  [ النساء : 165 ] ، فقيام الحجة إنما يكون بالعلم ، والجاهل غير المقصر في طلب العلم أولى في العذر ، الدليل الخامس : قوله تعالى {  تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ } [ الملك : 8-11 ] ، الآية دالة على أنّ عذاب الآخرة قائم على بلوغ الحُجة الرسالية ( ألم يأتكم نذير ) والعذاب متوقف على وجود النذير ، والملائكة خزنة النار احتجوا عليهم ببعث الرسل وبلوغ النذارة ، والآية دليل على أنّ الله تعالى لا يعذب أحداً إلاّ بعد قيام الحُجة الرسالية ، والجاهل معذور بجهله لم تقم عليه الحجة ، الدليل السادس : قوله تعالى{ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }  [ التوبة : 115 ] ، يقول الحافظ ابن كثير " يقول تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة وحكمه العادل : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة . كما قال تعالى ( وأمّا ثمود فهديناهم ) الآية . وقال مجاهد في قوله تعالى ( وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم ) الآية . قال : بيان الله عز وجل للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وفي بيانه لهم في معصيته وطاعته عامة فافعلوا أو ذروا .وقال ابن جرير : يقول الله تعالى : (( وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوه )) فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه فلم تضيعوا نهيه إلى ما نهاكم عنه ، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال ، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي . وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعاً أو عاصياً فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه " [تفسير ابن كثير حـ2/395] ، ( الدليل التاسع ) قوله تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115 ] ، قال ابن كثير في تفسيرها :" { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } أي ومن سلك غير الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فصار في شق والشرع في شق وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له " [تفسير ابن كثير حـ1/554] ،

الأدلـة من حديـث النبي   صلى الله عليه وسلم : الدليل الأول : قوله صلى الله عليه وسلم (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416] ، والحديث بمنطوقه يدل على أنّ الله تعالى يحب أنّ يعذر عباده حتى تقوم عليهم الحُجة التي ما بعدها حُجة ، ومن أجل ذلك بعث إليهم الرسل مبشرين ومنذرين مؤيدين بالمعجزات مع أنّ الله تعالى جعل في خلقه وكونه آيات باهرات دالة على أنه لا إله إلاّ الله ولا رب سواه . ودلّ الحديث بمفهومه على أنّ العباد لا يعذبون حتى تقوم عليهم الحُجة تامة به ، ( قلت ) والمسلم الجاهل لم تقم عليه الحجة فيما جهله ، الدليل الثاني : ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( أربعة يوم القيامة يدلون بحجة ، رجل أصم لا يسمع ورجل أحمق ورجل هرم ومن مات في الفترة ، فأمّا الأصم فيقول ياربّ جاء الإسلام وما أسمع شيئاً وأمّا الأحمق فيقول جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر وأمّا الهرم فيقول لقد جاء الإسلام وما أعقل وأمّا الذي مات على الفتره فيقول ياربّ ما أتانى رسولك فيأخذ مواثيقهم ليطعنه فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار ، قال فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاما ومن لم يدخلها سُحب إليها )) [أخرجه الإمام أحمد ( 4/24 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم ( 1434 ) ورقم ( 2468 )] . فهذا الحديث الصحيح يدّل على أنّ من لم تبلغه دعوة رسول في الدُنيا أنه لا يؤاخذه بكفره يوم القيامة حتى يمتحنهم الله تعالى يوم القيامة ، فيرسل إليهم رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة وبذلك تقوم الحُجة على جميع خلق الله تعالى بالرسل وذلك إمّا في الدُنيا وإمّا في الآخرة ، وهو يدل صراحة على صحة القاعدة التي قال بها أهل السنّة والجماعة بعدم مؤاخذة الكافرين بكفرهم قبل بلوغ النذارة إليهم وإقامة الحُجة عليهم بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام ، ويدل من باب الأولى بعذر المسلم المنقاد المقر بما جاء من عند الله تعالى إن جهل شيئا من الشرع ن فهو معذور بجهله ، نعم يعزر ويستحق التعزير على تفريطه في طلب العلم ، ولكن لا يبلغ الأمر أن يحاسب إن تلبس بكفر أو شرك محاسبة العالم بهذا الكفر أو الشرك إن وقع فيه ، وبعد فهذه بعض أدلة الكتاب والسّنة والتي تؤكد ما ذهب إليه علماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة من ، ( الدليل الثالث ) حديث الليثيين :" ((عن عائشة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً فلاجه رجل في صدقته ، فضربه أبو جهم فشجه ، فأتوا النبي  صلى الله عليه وسلم  فقالوا القود يا رسول الله ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! فقال النبي   صلى الله عليه وسلم: لكم كذا وكذا ، فلم يرضوا . قال لكم كذا وكذا ، فلم يرضوا ، قال : فلكم كذا وكذا فرضوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني خاطب على الناس ، ومخبرهم برضاكم   … قالوا نعم ، فخطب النبي  صلى الله عليه وسلم: فقال : إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود ، فعرضت عليهم كذا وكذا فرفضوا ، أراضيتم ؟ قالوا : لا . فهم المهاجرون بهم ، فأمرهم النبي  صلى الله عليه وسلم أن يكفوا ، فكفوا ، ثم دعاهم فزادهم ، وقال أراضيتم ؟ قالوا : نعم " [أخرجه أحمد (6/232) وأبو داود (4534) وابن ماجه (2638) ، والنسائي (8/35) . وأخرجه البيهقي (8/46)] )) وقد علقّ ابن حزم رحمه الله على الحديث بقوله " وفي هذا الخبر عذر الجاهل ، وأنه لا يخرج من الإسلام بما لو فعله العالم الذي قامت عليه الحُجة لكان كافراً ، لأن هؤلاء الليثيين كذبوا النبي صلى الله عليـه وسلـم  وتكذيبه كفر مجرد بلا خلاف لكنهم بجهلهم وأعرابيتهم عذروا بالجهالة فلم يكفروا " [المحلى لابن حزم حـ10/410-411] أهـ ، ( الدليـل الرابع ) حديث سجود معاذ رضي الله عنه للنبي صلى الله عليـه وسلـم : أخرج البزار عن معاذ بن جبل أنه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ورهبانهم ، ورأى اليهود يسجدون لأحبارهم وعلمائهم وفقهائهم ، فقال : لأي شئ تفعلون هذا ؟ قالوا : هذه تحية الأنبياء ، قلنا فنحن أحق أن نصنع بنبينا   صلى الله عليه وسلم فلما قدم على نبي الله  صلى الله عليه وسلم  سجد له ، فقال . ما هذا يا معاذ ‍‍! فقال : إني أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لأساقفتهم وقسيسيهم ورهبانهم وبطارقتهم ، ورأيت اليهود يسجدون لأحبارهم وفقهائهم  وعلمائهم ، فقلت : لأي شئ تصنعون هذا ؟ أو تفعلون هذا ؟ قالوا : هذه تحية الأنبياء ، قلت : فنحن أحق أن نصنع بنبينا صلى الله عليه وسلم ، فقال نبي الله  صلى الله عليه وسلم: إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم . لو أمرت أحداً  أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه . ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب " [ أخرجه البزار (1461) والهيثمي في المجمع (4/309) وقـال : رواه بتمامه البزار وأحمد باختصار ورجاله رجال الصحيح وكذلك طريق من طرق أحمد وروى الطبراني بعضه أيضاً . قلت : وهو في المسند (4/381) بدون سجود معاذ ورواه ابن حبان (1390) عن ابن أبي أوفي وفيه سجوده للنبي   صلى الله عليه وسلم  وابن ماجه عنه (1853) ]  ، قال عنه الشوكاني : " وأخرج قصة معاذ المذكورة في الباب البزار بإسناد رجاله رجال الصحيح وأخرجها أيضاً البزار والطبراني بإسناد آخر وفيه النهاس بن قهم وهو ضعيف وأخرجها أيضاً البزار والطبراني بإسناد آخر رجاله ثقات " [نيــل الأوطــار حـ6/361] ، الدليل الخامس : حديث ذات أنواط أخرج الترمذي والإمام أحمد وغيرهما : ( عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله   صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يُقال لها ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى  {  اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ }[الأعراف: 138]  لتركبن سنن من قبلكم [أخرجه الترمذي ح(2180) وقال حديث صحيح والإمام أحمد حـ5/218 وابن أبي عاصم في السنة (76) وحسنه الألباني] والحديث دليل واضح على أنّ المسلم معذور بجهله حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالكفر ، فهؤلاء سألوا النبي  صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم شجرة يستنصرون بها كما يستنصر أهل الشرك بشجرة لهم سموها ذات أنواط ومعلوم أن من ظنّ ذلك بما هو دون الله فقد كفر ، وإنما عذرهم النبي  صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا حديثي عهد بإسلام ونبههم إلى خطورة ذلك من باب إقامة الحُجة بالعلم ، ( الدليل السادس ) : حديث حذيفــة بن اليمان " يدرس الإسلام كمــا يدرس وشى الثـوب " : " عن حذيفة بن يمان مرفوعاً : يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب ، حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ، وتبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبير والعجوز ، يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة : ( لا إله إلاّ الله ) فنحن نقولها . فقال له صلة : ما تغنى عنهم : لا إله إلاّ الله ، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة . ثم ردها عليه ثلاثاً . كل ذلك يعرض عنه حذيفة . ثم أقبل عليه في الثالثة ، فقال : يا صلة تنجيهم من النار ثلاثـاً " [أخرجه ابن ماجة في سننه (4049) والحاكم (4/473) وأورده الألباني في الصحيحة ح(87) حـ1/127-128] والحديث واضح الدلالة على أنّ المسلم معذور بجهله ومثاله طوائف في آخر الزمان لا تقوم عليهم الحُجة سوى بشهادة التوحيد وحدها ، ومن ثمّ لا يعلمون ولا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ، وقد رفع عنهم القرآن الكريم فلا تبقى منه في الأرض آية واحدة ، فهؤلاء يعذرهم الله تعالى بجهلهم بفرائض الإسلام ومن ثم تنجيهم شهادة التوحيد من النار لأنه ما قامت عليهم الحُجة إلاّ عليها ، ( قلت ) : الأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، لاسيما وهو مقر بالتوحيد وأركان الإيمان التي بلغته ، والأصل في بيان هذه القاعدة هو حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه والذي حكم بصحته الألباني في السلسلة الصحيحة . وفيـه : " يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب ، حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة ( لا إله إلاّ الله ) فنحن نقولها ، فقال له صله : ما تغني عنهم لا إله إلاّ الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثاً كل ذلك يُعرض عنه حذيفة ثم أقبل في الثالثة فقال يا صله : تنجيهم من النار ثلاثاً " أهـ ، وفي الحديث دلالة واضحة على العذر بالجهل وأن المسلم الذي يقول لا إله إلاّ الله معذور بجهله الذي لا يملك دفعه عند زوال العلم والعلماء ، وحذيفة رضي الله عنه أخبر تلميذه التابعي (صله) رحمه الله أنّ في هذه الأزمان التي يزول فيها العلم يعذر المسلم بجهله بجميع أصول الدين وفروعه ما كان محافظاً على أصل الإقـرار بشهـادة التوحيـد ( لا إله إلاّ الله ) ، ومنه يتبين أنّ الجاهل معذور حتى في توحيد الألوهية الذي هو أساس الملة وأصل أصولها حتى تقوم عليه الحُجة بالعلم ، أمّا المعتزلة الذين يقسمون الدين إلى أصـول ( عقائد ) لا يعذر الجاهل بها ، وفروع ( مسائل العمل ) يعذر الجاهل بها ، وكذلك أشباههم الذين يقسمون الدين إلى توحيد ألوهية وربوبية لا يعذر فيها المـرء بجهلـه ، وبقيـة الديـن ( فروع ) يعذر فيها بجهله ، فهو تقسيم مبتدع لم يأت به كتاب ولا سنّة ولا قول السلف ولا أئمة المسلمين من بعدهم ، ولابن العربي رحمه الله درة بخصوص عموم العذر لأصول الدين وفروعه قال فيها : " الجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً ، فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحُجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله ، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعاً جلياً قطعياً يعرفه كل المسلمين من غير نظر وتأمل " [نقله عنه القاسمي في محاسن التأويل حـ5/1307] أهـ. فنلاحظ أنه عمم العذر بالجهل حتى شمل أعمال الكفر والشرك ، وعدم التفريق في العذر بالجهل بين أصول ولا فروع هو مذهب أهل السنّة والجماعة بخلاف المعتزلة ومن سار على نهجهم في التعجل بالتكفير على أهل القبلة ، ( قلت )  العذر يتأكد في الزمان والمكان الذي يغلب فيه الجهل ويقل العلم وإنما ذلك لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة فالعذر يكون آنذاك أولى وآكد وأوسع ، وهذا الحكم من آثار رحمة الله التي وسعت كل شيئ ، ( قلت ) ويتفرع من القاعدة السابقة قاعدة آخرى : ألاّ وهي أنّ المعلوم من الدين بالضرورة أمر إضافي ، فما كان معلوماً من الدين بالضرورة في مكان ما ليس بالضرورة أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة في مكان آخر ، وما كان معلوماً من الدين بالضرورة في زمان الرسالة ليس بالضرورة أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة في أزمان قلة العلم وغلبة الجهل وندرة العلماء . ولهذا كان العلماء يعذرون حديث العهد بالإسلام ويعذرون من نشأ في بادية بعيدة عن أهل العلم بما لا يعذرون به غيرهم ، يقول ابن حجر الهيثمي : " وقد يكون الشيء متواتراً معلوماً بالضرورة عند قوم دون غيرهم ، فيكفر من تواتر عنده دون غيره ، أما المجمع عليه غير المعلوم بالضرورة كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب فلا كفر بإنكاره عندنا " [فتح المبين لشرح الأربعين ص69] أهـ ، وآخـر ما تيسر من الضوابط المتعلقة بالعذر بالجهل : أنّ الاعتبار في بلوغ الحُجة بالنسبة لعذر المسلم المتلبس بالكفر الأكبر بجهله هو عدم إمكان العلم . فمن ادعى عدم علمه بالعمل المكفر أو القول المكفر يقبل ادعاؤه بجهله ، وذلك لأن التكفير حق خالص لله عز وجل ،ويترتب عليه الحكم بردة المعين ، فيجب الاحتياط الشديد عند الحكم على مسلم معين بكفر وترجيح جانب حسن الظن به ، وهو هنا يحتم علينا قبول قوله ، وعلى هذا الاعتبار كان عمل الصحابة رضي الله عنهم  ، فقد أورد ابن حجر في تلخيص الحبير : " أنّ عمر رضي الله عنه عذر من زنت من مرعوش بدرهمين وكانت تستهل به ولا تكتمه لجهلها وعدم علمها بتحريم ذلك ، وسأل عمر رضي الله عنه عثمان رضي الله عنه عن حكمها فقال : أراها تستهل به وليس الحدّ إلاّ على من علم فقال عمر : صدقت والذي نفسي بيده ما الحدّ إلاّ على من علم " [انظر تلخيص الحبير لابن حجر حـ4/61] أهـ. وعلى ذلك فليس الحدّ إلاّ على من علم ، وهذا يدلنا على أنّ الاعتبار الصحيح في العذر بالجهل هو ( عدم إمكان العلم ) ويتحقق ذلك بإقرار المرء فإن أقر بالجهل ودلت الشواهد على صدقه فها هنا لا سبيل إلى إقامة الحدّ عليه لأن الحدّ لا يكون إلاّ على من علـم . وينقل ابن حزم أنّ هذا هو قول السلف ، فيقول : " وقد جاءت في هذا عن السلف آثار كثيرة كما روينا عن سعيد بن المسّيب أنّ عاملاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمر يخبره أنّ رجلاً اعترف عنده بالزنى فكتب إليه عمر أن سله هل كان يعلم أنه حرام فإن قال نعم فأقم عليه الحدّ وإن قال لا فأعلمه أنه حرام فإن عاد فاحدوه ، وعن الهيثم بن بدر عن حرقوص قال : أتت امرأة إلى علي بن أبي طالب فقالت إن زوجي زنى بجاريتي فقال صدقت هي ومالها لي حِلّ ، فقال لي علي : اذهب ولا تعد كأنه درأ عنه الحدّ بالجهالة " [ المحلى لابن حزم حـ11/184] أهـ ، ومن قول ابن حزم وابن حجر نعلم أنّ هذا هو مذهب عمر وعثمان وعلي ولا نعلم لهم مخالفاً ، لاسيما وابن حزم ينقل هذا عن السلف وأنه وردت عنهم في ذلك آثار عديدة ، فإذا كان هذا هو قولهم في الحدود وهي غالباً ما تكون حقوقاً مشتركة بين حق الله تعالى وحقوق العباد ، فإن الحقوق الخالصة لله عز وجل أولى بذلك ومنها التكفير والتفسيق والتبديع ، فلا ينبغي فيها إلاّ اعتبار قاعدة ( عدم إمكان العلم ) بمعنى أن الوالج فيها معذور بجهله حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بذلك ، ( قلت )ولا يُخالف هذه القاعدة ما قد يظنه البعض من كون عمر رضي الله عنه أقام الحدّ على عثمان بن مظعون في شرب الخمر ، وذلك لأن عثمان رضي الله عنه كان يعلم بحرمة شرب الخمر والحدّ المترتب عليه ، ومع ذلك شربه متأولاً فالأمر هنا ليس من باب العذر بالجهل حتى يدرأ عنه الحدّ لأنه يعلم بالحرمة وإنما هو من باب العذر بالتأويل في استحلاله لشرب الخمر ،  ومعلوم أنّ استحلال المعصية كفر أكبر إلاّ أنّ عمر رضي الله عنه درأ عنه حدّ الكفر والردة بالعذر بالتأويل ، وجلده لشرب الخمر لأنه يعلم بحرمة الخمر والحدّ المترتب عليه ، فلكل موضع حكمه الملائم به وهذا ما كان من عمر رضي الله عنه ، ولا يُشكل على هذه القاعدة أيضاً ما يظنه البعض من أنّ من أتلف شيئاً ولو عن جهل أو خطأ أن عليه إصلاحه وأنه يتحمل تبعات هذا التلف حتى وإن كان عن جهل ، وذلك لأن هذه حقوق للعباد ، والشريعة مبنية على التسامح في حقوق الله تعالى وعلى حفظ حقوق العباد ، وإلاّ فسدت مصالح الناس وهذا من كمال حكمة الشريعة الربانية القيّمة . ولا يشكل عليها أيضاً ما يقول به بعض الفقهاء من كون من ارتكب حداً من المعلوم من الدين بالضرورة وكان في ديار الإسلام وبين المسلمين فإنه لا يصدق في ادعائه الجهل بالحكم ، كمن ولد في ديار المسلمين وعاش بينهم ثم ارتكب كبيرة كالزنا وزعم جهله بحرمة الزنا ، فقالوا أنه لا يُصدق في ذلك ويُقام عليه حدّ الزنا ، قلت فقول هؤلاء مبني على الاحتياط واعتبار القرائن حتى لا يتهاون الناسُ بالفرائض والمحرمات ويجترئون عليها بزعم الجهل بها ، أمّا عند التحقيق والوقوف عند ضوابط الشرع ، فالحدّ كما قال عمر وعثمان رضي الله عنهما لا يكون إلاّ على من علم ، ومن استحل ادعاء الجهل بشيء يعلمه من شرع الله فهذا عقابه وعذابه لا يعلمه إلاّ الله ، وقول هؤلاء الفقهاء إنما هو في باب الحدود أمّا حدّ الكفر فهم متفقون على أنه أولى الحدود بالاحتياط وترجيح باب حسن الظن بالمسلم وحمل كلامه على أحسن المحامل ، فلا يكفر من ادعى الجهل بالحكم وإنما يُعّلم أن هذا من باب الكفر فإن عاد كفر ولا كرامة . وهذا هو ما نقله ابن حزم عن عمر رضي الله عنه ، ( وبقيـت أمامنـا فائدتـان جليلتـان ) : ( الأولى ) : وهي الردّ على من استدل بالفطرة والميثاق على عدم العذر بالجهل في مسائل التوحيـد ، ( الثانية ) : بيان المُراد بالعذر بالجهل وأنه ضابط لمنع التكفير وليس يمنع من العقوبة والتعزيز وذلك حتى لا يصير الجهل نعمة والعلم نقمة .

الفائدة الأولى : في الردّ على من استدل بالفطرة والميثاق على عدم العذر بالجهل في مسائـل التوحيـد : رغم الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنّة على عموم العذر بالجهل في أصول الدين وفروعه ، ورغم كثرة أقوال العلماء الأئمة الدالة على اتفاقهم على هذه القاعدة إلاّ أنّ البعض راح يزعم أنّ العذر بالجهل مقصود على الفروع وأنه لا عذر بالجهل في مسائل التوحيد لاسيما توحيد الربوبية والألوهية ، وجعل السبب في ذلك هو قيام الحُجة على الناس في باب التوحيد بالميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وبالفطرة التي فطرهم عليها ، وهنا أورد بعض شبهاتهم التي أشكلت على البعض وبيان مفاتحها حتى لا تكون هناك أدنى شبهه على عموم العذر بالجهل في أصول الدين وفروعه ، قالوا الذي يدّل على عدم العذر بالجهل في التوحيد ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت (( يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين هل ذلك نافعه ؟ قال  صلى الله عليه وسلم لا ينفعه إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )) . وما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه (( أنّ رجلاً قال يا رسول الله أين أبي ؟ قال في النار ، فلمّا مضى الرجل دعاه فقال  صلى الله عليه وسلم  إنّ أبي وأباك في النار )) . قالوا هذه النصوص وغيرها دلّت على أنهم في النار بشركهم وعدم توحيدهم مع أنّ الله تعالى جعلهم من أهل الفترة وذلك في قوله تعالى : { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }  [ القصص : 46 ] وقوله تعالى : { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ }  [ يس : 6 ]  فلمّا لم يكن هناك من أنذرهم قبل ذلك كما دلّ القرآن ثم هم في العذاب والنار كما دلت السنّة فحتماً يدل ذلك على أنه لا عذر بالجهل في أمور التوحيد لاسيما توحيد الربوبية والألوهية ، ومع وجاهة استدلالهم لأنه يستند إلى الكتاب والسنّة إلاّ أنه ليس وجيهاً البتة عند أهل العلم ، وذلك لأنه مخالف للأدلة الكثيرة التي أوردناها من الكتاب والسنّة عن عموم العذر بالجهل للتوحيد وغيره ، ووجب عند أهل العلم الجمع بين النصوص ، وهو متيسر ها هنا لذوي العلم ، فالآيات الدالة على أنه لم يبلغهم نذير ولم يأتهم رسول متعارضة بمثل قوله تعالى { وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ }  [ فاطر : 24 ] فالآية تدل على أنّ عموم الأمم قد جاءها نذير وهو يشمل الأمم لأن الأفراد قد صح الحديث في أنّ من مات منهم في الفترة ولم يبلغه نذير أنه يُختبر يوم القيامة ، وعلى ذلك مشركي قريش قد بلغتهم نذارة يقيناً وهذه النذارة هي دين إبراهيم الخليل عليه السلام ، فهم وإن لم يرسل إليهم رسول قبل النبي  صلى الله عليه وسلم  على وجه الخصوص إلاّ أنهم قامت عليهم الحُجة بالتوحيد بدين إبراهيم عليه السلام ، ولا حُجة لهم في قولهم أنّ دين إبراهيم دخله التحريف لأنه قد كان فيهم ـ أي المشركين ـ من يعرف بالتوحيد ويدعوهم إليه ويحتج عليهم به ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل وقد جاء في صحيح البخاري أنه كان يقول لكفّار قريش (( يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيـم غـيري )) [ البخاري ح(3828) ] .وجاء فيه كذلك أنه كان يقول لمشركي قريش ( الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحوها على غير اسم الله ) [ البخاري ح(3826) ] ، وجاء في البداية والنهاية لابن كثير : أنّ النبي  صلى الله عليه وسلم سئل عن زيد بن عمرو بن نفيل وأنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم ويسجد فقال النبي   صلى الله عليه وسلم (( يُحشر ذاك أمة واحدة بيني وبين عيس ابن مريم )) وقال ابن كثير إسناده جيد حسن . الشاهد أنّ الحُجة قامت على مشركي قريش بدين إبراهيم عليه السلام وكان منهم الحنفاء كزيد بن عمرو بن نفيل وغيره ممن هم على بقية من دين إبراهيم عليه السلام ، والشاهد أنّ عذاب هؤلاء لأنهم قد قامت عليهم الحُجة في التوحيد بدين إبراهيم الحنيف عليه السلام وهم كانوا يتفاخرون على الناس بأنهم من نسل إبراهيم ، وكان فيهم الحنفاء الذين ينهوهم عن الشـرك ويدلونهـم على ديـن إبراهيـم عليـه السـلام الـذي يتفـاخرون بالانتسـاب إليـه . ولهذا قال النووي رحمه الله ـ عند شرحه لحديث إنّ أبي وأباك في النار ـ " فيه أنّ من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار ، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم " [صحيـح مسلـم بشـرح النـووي حـ3/79] أهـ.

الفائدة الثانية : العذر بالجهل ضابط لمنع التكفير حتى تقوم عليه الحُجة بالكفر الأكبر وليس المراد به أنه عذر بإطلاق : لو أطلقنا القول بأنّ الجاهل معذور بلا ضابط لصار الجهل نعمة عند أصحابه والعلم عندهم نقمة إذ الجاهل معذور في كل شيء والعالم مؤاخذ على علمه وهذا لا يصح البتة ، وإنما المقصود من هذه القاعدة أنّ ادعاء الجهل يمنع من تكفير المسلم الكفر الأكبر حتى تقوم عليه الحُجة بالعلم ، وفي هذا ترجيح لجانب الاحتياط والحكم لصالح المسلم مخافة ظلمه والبغي عليه بغير وجه حق ، وليس معنى ذلك أنه برئ من الإثم والذنب والتعزير فالإثم لاحق به لا محالة إن كان متمكناً من طلب العلم فلم يطلبه ، والتعزير واجب في حقه إن ثبت تقصيره في طلب المعلوم من الدين بالضرورة وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه .

***

 

القاعدة الخامسة

العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر

 

 

موضوع حديثنا في هذه القاعدة المتأول المتلبس والواقع في الكفر وإلاّ فالمتأول لما دون الكفر فهذا يتناوله باب المبتدع أو باب الفاسق والعاصي ، وقد يكون متأولاً قاصداً للحـق ، وهو مجتهد توافرت له عدة الاجتهاد فأخطأ فهذا مخطئ مرفوع عنه الوزر ، بل قد يكون له أجر المجتهد إذا اجتهد فأخطأ ، والتأويل نوعان نوع غير سائغ فلا يُعذر به المرء ، ونوع سائغ يعذر به المسلم المتأول وضابط التفريق بين النوعين : أنّ ما كان منشأه من تكذيب الشريعة وقصد تعطيلها ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية وغلاة الفرق الضالة أصحاب الأقوال المكفرة التي لاوجه مستساغ لها في الشرع وأمّا ما كان منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، ولا يصح العذر في التأويل الغير مستساغ : لأنّ هذا التأويل يكون في حقيقته تكذيب الشريعة أو جحودها أو جحود بعض أركانها أو تعطيل أحكامها ، أو التنصل من قيودها ، وهذا لا يصح العذر فيه لأن مآله إلى هدم الدين من أساسه والشريعة من قواعدها . ومثال هذا التأويل : ـ تأويلات القرامطه والباطنيه والفلاسفه التي تدور على الإلحاد والكفـر بالله ورسلـه ويومـه الآخر  ، وتأويلات غُلاة الفرق الضالة المخرجة من الملة لجحدها معلوم من الدين بالضرورة كقول السبتية والغُرابية من الشيعة وهم يقولون بألوهية الإمام علي أو بأحقيته بالنبوة والرسالة ، وتأويلات غُلاة القدرية الذين ينفون علم الله عز وجل بالكلية ، وفي بيان هذا التأويلات التي لا تُقبل من صاحبها . يقول الغزالي ـ رحمه الله ـ : " ولابد من التنبيه على قاعدة وهو أنّ المخالف قد يُخالف نصاً متواتراً ويزعم أنه مؤول مثـاله : ما في كلام بعض الباطنية أنّ الله تعالى واحد بمعنى أنه يُعطي الوحدة ويخلقها ، وعالم بمعنى أنه يُعطي العلم لغيره ويخلقه ، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره ، وأما أن يكون واحداً في نفسه وموجوداً وعالماً على معنى اتصافه فلا ، وهذا كفر صُراح ، لأنه حمل الوحدة على اتحاد الوحدة ليس من التأويل في شئ ولا تحتمله لغة العرب أصلاً .. إلى أن قال ... فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عُبّر عنها بالتأويلات " [ فيصـل التفرقـه ص147] . ويقول ابن الوزير :  " لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار " [إيثار الحق على الخلق ص415] أهـ. وقال ابن الوزير أيضاً :" طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنـزيل وخالفوا في التأويل فهؤلاء لا يكفر منهم إلاّ من تأويله تكذيب ، ولكن سمّاه تأويلاً مخادعة للمسلمين ومكيدة للدين ، كالقرامطة الذين أنكروا وصف الله تعالى بكونه موجوداً وعالماً وقادراً ونحو ذلك من الصفات التي علم الكافة بالضرورة أنّ النبي   صلى الله عليه وسلم  جاء بها على ظاهرها " [ العواصم والقوصم حـ4/176] أهـ. وقال الـمُـلا على القارئ :" وأمّا من يؤول النصوص الواردة في حشر الأجساد وحدوث العالم وعلم الباري بالجزئيات فإنه يكفر ، لما علم قطعاً من الدين أنها على ظواهرها ، بخلاف ما ورد في عدم خلود أهل الكبائر في النار لتعارض الأدلة في حقهم " [ شـرح الفقه الأكبر ص69] أهـ. وقـال ابـن حـزم وهو يذكر أمثلة لطوائف لا تُعذر بالتأويل ، وهم غُلاة الفرق الضالة : " وقد تسمى باسم الإسلام من أجمع جميع فرق المسلمين على أنه ليس مسلماً مثل طوائف من الخوارج غلواً فقالوا إن الصلاة ركعة بالغداة وركعة بالعشي فقط 000 وقالوا إن سورة يوسف ليست من القرآن ، وطوائف كانوا من المعتزلة ثم غلو فقالوا بتناسخ الأرواح ، وآخرون قالوا إن النبوة تكتسب بالعمل الصالح ، وآخرون قالوا قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء 000 وأن من عرف الله حق معرفته فقد سقطت عنهم الأعمال والشرائع وقال بعضهم بحلول الباري ـ تعالى ـ في أجسام خلقه كالحلاج وغيره " [الفصـل في المـلل والنحـل حـ2/114] أهـ ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ( وهذا هو التأويل الذي تتناوله هذه القاعدة ) : وهذا التأويل يكون من قبيل الخطأ مع قصد موافقة الشريعة والاجتهاد في الطاعة والقربة وغالباً ما يكون سببه الجهل و الهوى الخفي ، مع وجود وجه مستساغ له في اللغة وله وجه في الشـرع . وهذا التأويل يُعذر صاحبه بالتأويل فلا يوصف بالكفر الأكبر وإن كان متلبساً به حتى تُقام عليه الحُجة التي تنقطع دونها شبهاته والتي يكفر تاركها بيقين ، قال ابن حجر  " قال العلماء كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذا كان تأويله سائغاً في لسان العرب وكان له وجه في العلم " [فتـح البـاري حـ12/304] أهـ ، وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ومن إجماع الصحابة رضي الله عنهم ،

(أ) الأدلة من كتاب الله تعالى على عذر المتأول : قال تعالى { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] دلت الآية الكريمة على قاعدة شرعية عظيمة ألا وهي أنّ المؤاخذة والتأثيم لا تكون على مجرد المخالفة ما لم يتحقق القصد القلبي إليها ، ومعلوم أنّ المتأول في ظاهره ـ وقد أمرنا أن نحكم على الظاهر ـ يقصد الحق ويقصد متابعة الشريعة إلاّ أنه أخطأ الدليل ، فالآية تتناوله إن شاء الله تعالى وهكذا كل آية دلت على هذه القاعدة الشرعية العظيمة كمثل قوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا  }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلاّ ما يُطاق ] فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، ويؤكد ما قلت نقلان عن فحول العلماء : الأول عن ابن حجر رحمه الله قال: " قال ابن التين أجرى البخاري قوله تعالى {  وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ  }[الأحزاب: 5]  في كل شيء وقال غيره : هي في قصة مخصوصة وهي ما إذا قال الرجل يا بُني وليس ابنه 000 ولو سلّم أن الآية نزلت فيم ذكر لم يمنع ذلك من الاستدلال بعمومها في سقوط الإثـم " [فتــح البــاري حـ11/551] أهـ ، والثاني عن ابن الوزير قال رحمه الله : " قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ ، والظاهر أن أهل التأويل أخطئوا ، ولا سبيل إلى العلم بتعمّدهم ؛ لأنه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى ، قـال الله تعالى في خطاب أهل الإسلام خاصة :{ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ   }  [ الأحزاب : 5 ] وقال تعالى : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا  }  [ البقرة : 286 ] . وصحّ في تفسيرها أن الله تعالى قال : قد فعلتُ في حديثين صحيحــين " [إيثـار الحق على الخلق ص435]  أهـ.

(ب) الأدلة من السنّـة على عذر المتأول : النبي صلى الله عليه وسلم يعذر أسامة بن زيد بالتأويل : أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجة والإمام أحمد " عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : بعثنا رسول الله إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ـ كان قد أثخن على المسلمين ـ قال فلمّا غشيناه قال لا إله إلاّ الله قـال : فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي فقتلته ، قال فلمّا قدمنا بلغ ذلك النبي   صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) قلت يا رسول إنما كان متعوذاً ، قـال :  (( أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله ؟ )) فمازال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم .وفي رواية : هلا شققت عن قلبه " [( انظر ) ـ مسلم كتاب الإيمان حـ1ص53 باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلاّ الله ، وأبوداود كتاب الجهاد باب على ما يُقاتل المشركون حـ3/44 ، وابن ماجه كتاب الفتن باب الكف عمن قال لا إله إلاّ الله حـ2/1295 ، ومسند الإمام أحمد حـ4ص439 ] ، ( قلت ) النبي  صلى الله عليه وسلم  ـ لا شك في أنه ـ عذر أسامه رضي الله عنه ، وعذره إنما يكون لأنه فعل ما فعل من قتل القاتل لشهادة التوحيد متأولاً أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة بالتأويل : أخرج البخاري رحمه الله عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال " بعثني رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أنا والزبير والمقداد فقال : ( انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ) فذهبنا تعادى بنا خلينا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا : أخرجي الكتاب ، فقالت : ما نعي من كتاب ، فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب . فأخرجته من عقاصمها ، فأتينا به النبي   صلى الله عليه وسلم  فإذا فيه : من حاطب ابن أبي بلتعه إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي   صلى الله عليه وسلم  فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  ( ما هذا يا حاطب ؟ ) قال : لا تعجل عليّ يا رسول الله إني كنت امرأ من قريش ولم أكن من أنفسهم ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة . فأحببت إذا فاتني من النسب فيهم أنّ أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي . وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  ( إنه قد صدقكم ) ، فقال عمر : دعني يا رسول الله فأضرب عنقه ، فقال ( إنه شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) . " [ كتاب التفسير ، سورة الممتحنه باب قوله تعالى ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) ح رقم (4890)] أهـ ، ( قلت ) النبي  صلى الله عليه وسلم  عذر حاطب رضي الله عنه بالتأول وذلك أنّ حاطب رضي الله عنه تأول أنّ خوفه من الكفار على أهله وماله يرخص له في موالاة الكافرين ، ولا شك أنه كان مخطئاً في تأويله وقد عاتبه الله عز وجل على فعله في بداية سورة الممتحنة ، وعذره الرسول  صلى الله عليه وسلم لخطئه في التأويل لاسيما وهو رضي الله عنه موقن أنّ الله تعالى ناصر نبيه  صلى الله عليه وسلم لا محالة وأنّ فعله هذا لا يضر بالرسول  صلى الله عليه وسلم  ولا بدعوتـه . * وفي بيان عذره بالتأويل : أنشأ البخاري ـ رحمه الله ـ بابا في كتابه " الأدب " [ باب من لم ير إكفار من فعل ذلك متأولاً أو جاهلاً ] ذكر فيه " وقال عمر لحاطب بن أبي بلتعة إنه نافق فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  ( وما يدريك لعل الله قـد اطلـع إلى أهـل بـدر فقـال قد غفـرت لكـم ) " [ كتاب الأدب ، باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً] أهـ. وقال ابن حجر رحمه الله : " وعذر حاطب ما ذكره فإنه صنع ذلك متأولاً أنّ لا ضرر فيه " [فتح الباري حـ8/634] أهـ. وقال ابن كثير رحمه الله :" ولهذا قبل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عذر حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان عندهم من الأموال والأولاد "(3) أهـ. والمعنى أنّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم   إنما عذره لما تأوله لفعله وإن كان مخطئاً إلاّ أنّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم   عذره بتأويله فلم يكفره وعذره بأنه كان من أهل بدر فلم يعذره لخطئه وأقال عثرته وهو  صلى الله عليه وسلم القائل ( اقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم ) ،

(جـ) إجماع الصحابه رضي الله عنهم على عذر قدامة بن مظعون وأصحابه بالتأويل : والقصة معروفة وحاصلها أنّ قدامة بن مظعون وجماعة من أصحابه شربوا الخمر في خلافة عمر رضي الله عنه ، فأراد أن يقيم عليهم حدّ الخمر فاحتج له بالآية { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [ المائدة : 93 ] ظناً منه وتأولاً للآية أنه لا جناح على المؤمنين المتقين في شرب الخمر ، فاستشار عمر رضي الله عنه الصحابة فاتفقوا على أنّ هذا استحلال للخمر واستحلال المحرمات كفر ، واتفقوا على عذره بالتأويل فلا يكفرونه إلاّ بعد إقامة الحُجة عليه فإن أبى بعد ذلك كفر وقُتل ردة ، فلمّا أقاموا عليه الحُجة بالأدلة الشرعية تاب ورجع وأقاموا عليه حدّ شرب الخمر ، وعذروه بتأويله لاستحلال المحرّم فلم يكفروه . وفي هذه القصة يقول ابن تيمية: " ولهذا لمّا استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب الخمر وظنوا أنها تُباح لمن عمل صالحاً على ما فهموه من آية المائدة ، اتفق علماء الصحابة كعمر وعليّ وغيرهما على أنهم يُستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا وإن أقروا به جُلدوا ، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداءً لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق وكذلك الحكم على كل من استحل محرماً من المحرمات الظاهرة المتواترة إذا لم تقم عليه الحُجة وعرضت له الشبهات من جنس ما عرض لهؤلاء فالتكفير بعد إقامة الحُجة وإزالة الشبهة" [ الرد على البكرى ص258] أهـ ،

(6) إجماع علماء أهل السنّة والجماعة على عذر المتأول : حكى الإمام الشافعي رحمه الله : الإجماع على عذر المتأول حتى وإن استحل المحرم بتأويله أو جحد الفرض بتأويله ما كان لا ينطوي على تكذيب الشريعة ، وما كان له من وجه يحتمله . فقال رحمه الله : " فلم نعلم أحداً من سلف الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم ردّ شهادة أحدٍ بتأويل وإن خطّـأه وضلّله ، ورآه استحل فيه ما حرم عليه ، ولا ردّ شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله ، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال والمفرط من القول ؛ وذلك أنّـا وجدنا الدماء أعظم ما يُعطى الله تعالى بها بعد الشرك ، ووجدنا متأوّلين يستحلّونها بوجوه ، وقد رغب لهم نظراؤهم عنها وخالفوهم فيها ، ولم يردّوا شهادتهم بما رأوا من خلافهم . فكل مستحلّ بتأويل من قول أو غيره ، فشهادته ماضية ولا تردّ من خطأ في تأويله " [ الأم للإمام الشافعي حـ6ص205-206] ، ( قلت ) لو تدبرنا كلام الإمام الشافعي الذي ملأ طباق الأرض علماً لعلمنا يقيناً صحة هذه القاعدة ( العذر بالتأويل مانع من تكفير المسلم ) فكيف إذا أشار رحمه الله إلى أنه إجماع السلف الذي لا يعلم الشافعي فيه خلافاً .. وأنّ إجماعهم لم يصل إلى حدّ عدم إعذاره فحسب ـ وإن كان استحل بتأويله الدم والمال ـ بل إلى حدّ عدم ردّ شهادته.

*** 

 

 

القاعدة السادسة

المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة

 

 

الأدلة الدالة على صحة هذه القاعدة : دلّت على هذه القاعدة الرصينة آيات عديدة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه  صلى الله عليه وسلم تدل على عذر المسلم وأنه لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر سبق ذكرها في القاعدتين الخامسة والسابعة ، منها آيات تدل على عذر  الكافر بجهله حتى تقوم عليه الحُجة بسماع الرسالة أو السماع بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذه الآيات حُجة ـ من باب الأولى ـ في عذر المسلم حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر . ومنها آيات تدل على عذر المسلم بالجهل ، وأنه معذور حتى يتبين له الهدى وتقام عليه الحُجة بالعلم ، ( قلت ) : علماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة وبعض المتعجلين في مسائل التكفير دون التحقق من استيفاء شروطه وانتفاء موانعه ، وقد يظن بعض المتعجلين في مسائل التكفير أن قيام الحُجة لا يكون إلاّ لحديث العهد بالإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة فقط ، حتى قال قائلهم ( كل من تلبس بكفر أكبر ينقل عن الملة فهو كافر بعينه في ظاهر أمره ، فإذا ما توقف البعض عن إطلاق اسم الكفر عليه ولاعتبارات واقعية معينة أملتها ضرورات الظروف المحيطة بالدعوة في مراحل خاصة وليس كموقف فقهي يعتقـده الداعية ويتبناه " أهـ.[الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد ص119 ]نقول  الذي عليه أهل السنّة والجماعة أن المسلم المتلبس بالكفر لا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة الشرعية بالكفر ولا يتوقف ذلك على حديث العهد بالإسلام ومثله ، فقد يكون مولوداً بدار إسلام ولكن غاب عليه أن ما فعله كفر أكبر أو تأول ذلك وهو لا يظن أن ما وقع فيه هو الكفر الأكبر ، ولذلك فإقامة الحُجة ليست مقصورة على حديث العهد بالإسلام فقط وإنما على كل مسلم أقر بالإسلام وتلبس بالكفر ، وهذا القائل لم يحقق مذهب أهل السنّة والجماعة في مسائل التكفير وهو يقول بقول المعتزلة ويظن أنه قول السلف ـ نسأل الله السلامة من الفتن ومنها فتنة تكفير المسلمين بغير علم ولا هدى ـ وعموماً فإن الكتاب المُشار إليه قد احتوى على مخالفات كثيرة تُخالف مذهب أهل السنّة والجماعة لاسيما في مسائل التكفير ، قال ابن قدامة المقدسي حيث يقرر تلك القاعدة بقوله ".. وقد رُوى أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل {  لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[المائدة: 93] فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم ، وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك " [المغني لابن قدامة حـ10/86] أهـ ، ( قلت ) فابن قدامة رحمه الله ينسب تلك القاعدة إلى إجماع الصحابة رضي الله عنهم حيث استحل قدامة بن مظعون وأبو جندل وجماعة معه شرب الخمر ، ومعلوم أن استحلال المحرمات كفر أكبر مخرج من الملة ، ولكن الصحابة لم يكفروهم بل أقاموا عليهم الحُجة وعرفوهم بحكم شرب الخمر وحرمته وأزالوا الشبهة التي عرضت لهم وعذروهم بالجهل ، ثم قال رحمه الله بعذ ذكر هذه القصة " وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك ويزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك " أهـ ،  وهذه القاعدة التي أجمع عليها الصحابة رضي الله عنهم ذكرها البخاري رحمه الله في صحيحه وجعلها باباً مستقلاً فقال : " باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحُجة عليهم وقول الله تعالى  {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[التوبة: 115]   " ، قال العينى في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري : (( أشار البخاري بهذه الآية الكريمة إلى أن قتال الخوارج والملحدين لا يجب إلاّ بعد إقامة الحُجة عليهم وإظهار بطلان دلائلهم والدليل عليه هذه الآية لأنها تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون )) [عمدة القارئ حـ19/369] أهـ.

ضوابط أهل العلم في إقامة الحُجة وكونها معتبرة شرعاً [هذا المبحث درة من درر العلم الراسخ الذي يُرينا كيف كانت ضوابط أهل السنّة والجماعة الربانية في إقامة الحُجة واستيفاء شروطها وانتفاء موانعها]:  لأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث قواعد لا يسع العالم أو المفتي أو القاضي ـ فضلاً عن غيرهم ـ جهلها وإلاّ آل الأمر بهم إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهو ما يخالف ما نقلناه عن أهل العلم ـ في القاعدة السادسة ـ من وجوب الاحتياط عند الحكم على المسلم المتلبس بالكفر وترجيح جانب حسن الظن به ، وحمل المحتملات قدر المستطاع لصالحه ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : (1) لا تكون الحجة معتبرة شرعاً حتى تستوفي شروطها من جهة صفتها وصفة من يقيمها وصفة إقامتها  ، (2) لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه  ، (3) عند الإختلاف في تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير ، ( الضابط الأول ) :- لا تكون الحجة معتبره شرعاً حتى تستوفي شروطها من جهة صفتها وصفة من يقيمها وصفة إقامتها : والحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة صحيحة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالإسلام والعدالة والعلم والدليل على ذلك قوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فالنذارة لا تكون إلاّ من فقيه ولهذا يقول ابن حـزم في كتـاب الإحكـام " وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا وجوب قبول نذارة العدل النافر للتفقه في الدين ، فإذا كان الراوي عدلاً حافظاً لما تفقه فيه أو ضابطاً له بكتابة وجب قبول نذارته ، فإن كان كثير الغلط والغفلة غير ضابط بكتابة فلم يتفقه فيما نفر للتفقه فيه ، وإذا لم يتفقه فليس ممن أمرنا بقبول نذارته ، ومن جهلنا حاله فلم ندر أفاسق هو أم عدل ، أو غافل هو أم حافظ أو ضابط ففرض علينا التوقف عن قبول خبره حتى يصح عندنا فقهه وعدالته وضبطه أو حفظه ، فيلزمنا حينئذ قبول نذارته أو يثبت عندنا جرحته أو قلة حفظه وضبطه فيلزمنا إطراح خبره " [الأحكام في أصول الأحكام حـ1/138]أهـ ، وعلى ذلك فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية على هؤلاء الذين يجهلونه ، والله تعالى إنما أمر الجاهل أن يسأل من يعتقد أنه من أهل العلم بدليـل قوله تعالى{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }  [ النحل : 43 ] ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] . فإذا كان لا يعرف لغة مقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة عليه إلاّ بترجمان يترجم الحُجة إلى لغته التي يفهمها . ويُشترط فيها كذلك أن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، ودليل ذلك قوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] . وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] . وهذا الأمر هو ما دعا ابن حزم لأن يقول " وصفة قيام الحُجة هو أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها " [الأحكام في أصول الأحكام حـ1ص74] أهـ ، وعلى ذلك فالحُجة المعتبرة شرعاً يُشترط فيها كل ما سبق سواءً فيما يتعلق بصفة الحُجة نفسها أو صفة من يقيمها أو صفة إقامتها ، فإن اختل شرط من تلك الشروط فلا يصح تكفير المسلم الذي يشهد الشهادتين بحُجة ناقصة أو غير معتبرة شرعاً ، فهذا من صفات المتعجلين في التكفير الذين لا يعلمون أحاديث الرسول  صلى الله عليه وسلم الدالة على خطورة تكفير المسلم والتي منها قوله    صلى الله عليه وسلم (( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان ما قال وإلاّ رجعت عليه )) [ البخاري ومسلم ] ، وقوله  صلى الله عليه وسلم ((من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلاّ حار عليه )) [ البخاري ومسلم ] ، ( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه : وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : ( الأول ) : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً عاقلاً عالماً بأن فعله مكفر متعمداً قاصداً لفعله مختاراً له بإرادته ، وعلى ذلك فشروط الفاعل بمفرده خمسة لابد وأن تتحقق فيه وهي : البلوغ والعقل والعلم بكون ما وقع فيه مكفّر الكفر الأكبر المخرج من الملة والتعمد والقصد لهذا الكفر والاختيار التام له بحيث لا توجد عنده شبهة إكراه ، و ( الثاني ) : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) وهذه الشروط تتمثل في أن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، ولا يجوز الحكم على المسلم بالكفر واستحلال دمه وماله وعرضه بغير يقين ، ومن شروط الفعل أن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، كالسجود للعَالِم مثلاً ، فقد يكون بقصد العبادة وهذا كفر أكبر وقد يكون بقصد التعظيم والتكريم وهذا معصية لا تصل إلى حد الكفر . ومن شروط الفعل أن يكون الدليل الشرعي صريح الدلالة على كفره الكفر الأكبر المخرج من الملة فإن ، كان محتمل الدلالة فلا يجوز التكفير به ، إذ الاحتياط في أمر المسلم أهم شرعاً من المجازفة بتكفيره ، و ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، وذلك لأنه قد يكفر الشخص ثم لا يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلملم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقتلهم بكفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسولصلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، لم يحدث ذلك لأنهم ما ثبت كفرهم بشهادة مسلمين وإنما كان كفرهم فيما بين بعضهم بعضا ، وكبير المنافقين أبي بن أبي سلول لمّا نزل فيه قولـه تعـالى {  يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ } [ المنافقون : 8 ] ما شهد عليه إلاّ غُلام من قومه فقط وهو زيد ابن أرقم رضي الله عنه وأرضاه ـ ولذلك لم يقم عليه رسول الله  صلى الله عليه وسلم حدّ الكفر ولا ثبت أنه استتابه قط ، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : ( أولاً ) : موانع في المعين وهي كثيرة منها الصغر والجنون فكلاهما لا يؤاخذ بشيء من أحكام الكفر لارتفاع القلم عن أقواله وأفعاله في هذا الشأن ، وكذلك فمنها الخطأ كالذي ينطق بالكفر وهو لا يقصده لقوله تعالى {  وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ..}  [ الأحزاب : 5 ] . فإذا كان المعين بالغاً عاقلاً قاصداً للكفر كانت الموانع في حقه ثلاثة هي الجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع . والتوسع في بيان تلك الموانع موضع آخر من الرسالة ولكن ذلك لا يمنع من الإشارة السريعة إليها : (أ) مانع الجهل :- ومثاله أن يقع المسلم في الكفر الأكبر وهو يجهل أنه كفر أكبر مخرج من الملة ، فجهله يمنع من الحكم عليه بالكفر حتى يُعّرف وينتفي عنه مانع الجهل ، وأهل السنّة والجماعة يقولون بأنّـه لا عذاب في الدُنيا ولا في الآخرة إلاّ بعد البلاغ والعلم وإلاّ فالجهل عذر مانع من وقوع العذاب عليه ، فإن كان مسلماً يشهد الشهادتين كان الجهل مانعاً من كفره فضلاً عن عدم وقوع العذاب عليه ، (ب) مانع التأويل :- ومثاله أن يقع المسلم في الكفر الأكبر متأولاً لدليل شرعي ظنه يدل على عدم الكفر فأخذ به ، أو بسبب عدم فهمه للدليل الشرعي الدّال على الكفر الأكبر فتأول لما وقع فيه من الكفر الأكبر وهو في قرارة نفسه لا يراه كفراً أكبر فهذا عند أهل السنّة والجماعة معذور بتأويله فلا يكفر إلاّ بعد أن تقام عليه الحُجة الشرعية المعتبرة شرعاً ، والمتعجل بتكفيره مخالف لهدي أهل السنّة والجماعة ومثال هؤلاء غالب المتصوفة الذين يقعون في أعمال الكفر ولكن بتأويلات لا يقصدون بها الخروج من الملة ، بل العجيب أنهم يقصدون بها التقرب إلى الله والمنزلة العالية في الإسلام ، فهؤلاء لا يجوز تكفيرهم وإنما يعذرون لتأويلاتهم حتى تقام عليهم الحُجة المعتبرة شرعاً ، (جـ) مانع الإكراه :- ودليله قوله تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] . ومثاله أن يُكره المسلم على كلمة الكفر بتهديد بالقتل أو بالعذاب الشديد وغير ذلك من أمثلة الإكراه الملجئ إلى النطق بكلمة الكفر ، وبعد فهذه أهم موانع الحكم بالكفر على مسلم ثبت إسلامه بيقين فلا يُحكم بكفره حتى تنتفي عنه موانع الكفر وأهمها مانع الجهل ومانع التأويل ومانع الإكراه ، ( الضابط الثالث ) : عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره . وفي بيان هذا الضابط يقول ابن عبد البرّ ـ رحمه الله ـ " كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حُجة ، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلاّ باتفاق آخر أو سنّة ثابتة لا مُعارض لها ، وقد اتفق أهل السنّة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أنّ أحداً لا يخرجه ذنبه ـ وإن عظم ـ من الإسلام وخالفهم أهل البدع ، فالواجب في النظر أن لا يكفر إلاّ من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مرفع له كتاب أو سنّة " [التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد حـ17/21] أهـ ، ويقول ابن تيمية: " فليس لأحد أن يكفّر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تُقام عليه الحُجة وتبين له المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه ذلك بالشك " [مجمـــوع الفتـــاوى حـ12/466] أهـ ، ويقول أبو حامد الغزالي : " والذي ينبغي الاحتراز منه التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم " [الاقتصـــاد في الاعتقـــاد ص269] أهـ. ولهذا كان من ضوابط أهل السنّة والجماعة في مسائل التكفير ترجيح الاحتياط ، لكون الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة لاسيما إذا كانت حكماً بالكفر الأكبر يُحل الدماء والأموال والأعراض .

***

 

 

القاعدة السابعة

وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفيــر المعيـن

 

 

أهل السنّة والجماعة يفرقون بين تكفير المطلق وتكفير المعين . ففي التكفير المطلـق يقولـون [ القول بكذا أو فعل كذا كفر ] ويقولون من فعل كذا أو قال كذا فهو كافر دون تعيين لشخص بعينه فإن قال هذا القول المكفر أو فعل هذا الفعل المكفر رجل بعينه فأهل السنّة والجماعة لا يحكمون بكفره بعينه حتى يتحققون من شروط تكفيره ويتحققون من إنتفاء موانعه فعندئذ تقوم عليه الحُجة التي يجوز معها تكفير المعين  ، وفي بيان شرط إقامة الحُجة لتكفير المعين قال ابن تيمية: " وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين ، وإن أخطأ وغلط ، حتى تقام عليه الحُجة ، وتبين له المحجة ، ومن ثبت إسلامه بيقين ، لم يزل ذلك عنه بالشك ، بل لا يزول إلاّ بعد إقامة الحُجة ، وإزالة الشبهة " [ مجمـــوع الفتاوى حـ12ص466] أهـ ، وقـال أيضـاً : " إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وإنّ تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين ، إلاّ إذا وجدت الشروط ، وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه المعلومات ، لم يكفّروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه " [مجمـــوع الفتاوى حـ12ص487] أهـ ، ( قلت ) أهل السنّة والجماعة يفرقون بين تكفير المطلق وتكفير المعين وأنه قد يكون القول أو الفعل كفراً ولكن لا يكفر صاحبه إمّا لعدم بلوغ النذارة إليه وإمّا لجهله وإمّا لتأويل عنّ له فلم يفهم المقصود من النص ، ويتبين لنا خطأ أولئك الذين لا يفرقون بين التكفير المطلق وتكفير المعين فإذا وقع معين في كفر سارعوا إلى تعيينه بالكفر دون النظر إلى تحقق شروط الكفر وانتفاء موانعه في حق هذا المعين .

***

 

 

 

القاعدة الثامنة

لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره

 

 

(الأمـور المحتملة للكفـر وغيـره) : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره . ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها فعلى سبيل المثال من سجد أمام شيخ أو عالم لا يجوز تكفيره لمجرد السجود بل لابد من تبين قصده فإن قصد عبادته فهذا كفر أكبر وهو لا يكفر على التعيين حتى يستوفي شروط الكفر وتنتفي موانعه من الجهل أو التأويل أو الإكراه . وإن قصد تكريمه وتعظيمه فهذا معصية وكبيرة إذ قد نسخ هذا الأمر في شرع النبي  صلى الله عليه وسلم ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة : (1) ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفي قـال : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم   ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي   صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أبو داود ح(2140) والترمذي ح(1159) وأحمد حـ4/381 والحاكم حـ2/187 وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل حـ7/55-58 ] ، والواضح لمن تدبر الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تبين أول الأمر قصد معاذ رضي الله عنه فلمّا علم أنه سجود تعظيم نهاه عنه ودله على أنه لو كان آمراً أحداً أن يسجد تعظيماً لأحد وتكريماً له لأمر المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليه ، (2) مـا أخرجـه البخـاري ومسلـم ـ في قصة حاطب ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبيصلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ـ " وفي الحديث قوله   صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ )) قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فالموالاة ـ موالاة الكافرين ـ يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة . ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات فقال لهم  صلى الله عليه وسلم  ( لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم ) ومعلوم أنّ الله لا يغفر الشرك الأكبر ومنه بإجماع الكفر الأكبر فلمّا دلّهم أنّ الله غفر له دلّ على أنه معصية من باب الذنوب التي تكفرها الحسنات العظيمة ، وفي بيان فقه حديث حاطب يقول الإمام الشافعي رحمه الله : " في هذا الحديث مع ما وضحنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون ، لأنه لمّا كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قاله حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكاً في الإسلام وأنه فعله ليمنع أهله ويحتمل أن يكون ذله لا رغبة عن الإسلام واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله ، وحكم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب ، ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذه ، لأن أمر رسول الله  صلى الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده ، فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله    صلى الله عليه وسلم  يُريد غرّتهم فصدقه وما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس فيكون لذلك مقبولاً ، كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل مثل ما قبل منه ، فإن قيل : أفرأيت إن قال قائل إن سول الله    صلى الله عليه وسلم   قال : قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره فيقال له : قد علم  صلى الله عليه وسلم   أنّ المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر فلو كان حكم النبي  صلى الله عليه وسلم  في حاطب بالعلم بصدقة كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر وتولى الله عز وجل منهم السرائر ، ولئلا يكون لحاكم بعد أن يدع حكماً له مثل ما وصفت من علل الجاهلية " [ الأم للإمام الشافعي حـ4/264] أهـ ، ولضرب مثال لتقريب فهم تلك القاعـدة التي هي من أعظم الضوابط لمسائل التكفير  ، ( أقول ) : رجل ذبح للجنّ مثلاً فيقال له ما القصد من الذبح للجنّ فإن قال قصدت عبادتهم فهذا كفر أكبر لا شك فيه وإن قال الجنّ مثلنا موجود وهم مؤذون بطبعهم ، وقد ذبحته دفعاً لأذاهم لأنّ الجنّ لا يكفون أذاهم إلاّ بهذا الذبح . نقول هذه كبيرة ومعصية لا ينبغي فعلها لأنه لا ينبغي الذبح لمثل هذا ولا يدفع الضر إلاّ الله والواجب التوكل على الله في دفع هذا الأذى مع اجتناب الذبح لغير الله لأن القصد الظاهر لهيئة هذا الذبح هو العبادة كما يذبح المشركون للجنّ وللأصنام  ،  ( ومثـال آخر ) : السجود لغير الله فلابد من تقييده بأن يكون سجوده هذا قاصداً لعبادة من سجد له معتقداً ربوبيته ، فإنه بهذا السجود قد أشرك بالله عز وجل : وأثبت معه إلها آخر ، وأما إذا لم يقصد إلاّ مجرد التعظيم  فهذا ليس من الكفر في شيء ، والحاصل أنّ القول أو العمل محتمل الدلالة على الكفر وغيره لابد فيه من النظر إلى المرجح الشرعي وهو ها هنا معرفة قصد الفاعل فإن لم يتيسر فالنظر في قرائن الحال المصاحبة للعمل ، وقرائن الحال وإن كانت من المرجحات إلاّ أنها ليست يقينية في قوة معرفة قصد الفاعل باستجوابه وإقراره بلسانه عن قصده . ومثال على قرائن الحال أن الساجد للشيخ مظنته الإكرام والتعظيم لهذا الشيخ وأمّا الساجد للصنم فمظنته العبادة والتذلل فالأول لقرينة الحال كان أقرب إلى الكبيرة منه إلى الكفـر والثاني لقرينة الحال كان أقرب إلى الكفر منه إلى الكبيرة .وهكذا ينبغي أن يكون الفقه في دين الله تعالى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الديــن .

***

 

 

القاعدة التاسعة

اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليــة

 

 

هذه القاعدة الرصينة من قواعد أهل السنّة والجماعة الدالة على رسوخهم في فهم أدلة الكتاب والسنّة وعلى احتياطهم في مسائل الإيمان والكفر ، فالأقوال والأعمال عند علماء أهل السنّة والجماعة ـ لا تُعتبر إلاّ من عاقل ، قال تعالى : {  وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ } [المائدة: 89]   ، وقال تعالى : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ }[البقرة: 225] ، والآيتين كلاهما دلالة على أنّ اليمين إذا لم يقصده بقلبه ولم يعقد عليه بقلبه فإنه لغو لا يُؤاخذ عليه ، فإنه إذا كـان اليمـين بالله ـ وفيها ما فيها ـ لا يؤاخذ فيها إلا بما كسب القلب ، أو قصدها الضمير ، فغيرها من الأقوال كذلك أولى ، ومنه نستفيد رفع الجناح في جميع ما أخطأ به الإنسان من قول وعمل ما لم يقصده بقلبه ، وقال الإمام النووي عند شرحه للحديث المتفق عليه : (( كان رجل يسرف على نفسه فلمّا حضره الموت قال لبنيه : إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر الله علىّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً ، فلمّا مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك ففعلت فإذا هو قائم فقال : ما حملك على ما صنعت قال يارب خشيتك فغفر له )) [ البخاري ح(3478) ومسلم ح(2756-2757) ] . قال النووي : " وقالت طائفة : اللفظ على ظاهره ، ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومقتصد له ، بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي فهذه الحالة لا يؤاخذ فيها ، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته : أنت عبدي وأنا ربك فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو " [شــرح النـووي لصحيـح مسلـم حـ17/71] أهـ ، فالإمام النووي وكما ينقل عن طائفة من العلماء يرى أن عذر هذا الرجل هو عدم القصد لحقيقة قوله ومعناه والذي هو إنكار البعث ولهذا عذره الله عز وجل فغفر لـه ، ويقول القاضي عياض : " وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه ، فقال له : صلّ على النبي محمد ، فقال الطالب : لا صلى الله على من صلى عليه ، فقيل لسحنون : هل هو كمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه ، قال : لا ، إذا كان على ما وصفتَ من الغضب ؛ لأنه لم يكن مضمراً الشتم . وقال أبو إسحاق البرقي ، وأصبغ بن الفرج :- لا يقتل ، لأنه إنما شتم الناس ، وهذا نحو قول سحنون ؛ لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي  صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لما احتمل الكلام عنده ، ولم تكن معه قرينة على شتم النبي  صلى الله عليه وسلم ، أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم ، ولا مقدمة يحمل عليها كلامه ، بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء ، لأجل قول الآخر له :- صل على النبي فحمل قوله وسبّه لمن يُصلي عليه الآن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه " [الشفــا للقاضي عيــاض حـ2/979-980] أهـ ، ويقول السبكي عن مسألة إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم " لكن الأذى على قسمين أحدهما : يكون فاعله قاصداً لأذى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن هذا يقتضي القتل ، وهذا كأذى عبدالله بن أبيّ في قصة الإفك ، والآخر أن لا يكون فاعله قاصداً لأذى النبيصلى الله عليه وسلم مثل كلام مسطح وحمنة في الإفك ، فهذا لا يقتضي قتلاً . ومن الدليل على أن الأذى لابد أن يكون مقصوداً قـول الله تعـالى : { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ..} [ الأحزاب : 53 ] . فهذه الآية في ناس صالحين من الصحابة ، لم يقتض ذلك الأذى كفراً ، وكل معصية ففعلها مؤذي ، ومع ذلك فليس بكفر ، فالتفصيل في الأذى الذي ذكرناه يتعين " [فتــاوى السبكي حـ2/591-592] أهـ.  ولله دره فكلامه رحمه الله غاية في الفقه والصواب ، فمسطح وحمنة لم يكن قصد أحد منهما إيذاء النبي  صلى الله عليه وسلم في حادثة الإفك ولهذا لم يقتض قولهما سوى الحدّ أمّا المنافق عبدالله بن أبيّ ابن سلول فقد كان يقصد من حديث الإفك أذى النبي   صلى الله عليه وسلم  وهذا كفر أكبر موجب للقتل ردّة ولكن لم يقم على هذا المنافق دليل شرعي معتبر لأحكام الدُنيا من الإقرار أو اعتراف شاهدي عدل لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم ،

***

 

 

القاعدة العاشرة

لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه

 

 

 

( التكفير بالمآل ) : المقصود بالتكفير بالمآل هو أن يقول المرء قولاً يؤديه سياقـه إلى كفـر . قـال ابن رشد الحفيد في تعريف التكفير بالمآل : " معنى التكفير بالمآل أنهم لا يصرحون بقول هو كفر ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم " [بدايـة المجتهـد حـ2/492] أهـ وضرب القاضي عياض مثالاً للتكفير بالمآل وعدم التكفير به ، ثم رجح عدم التكفير به : فقال ـ عند ذكره للمعطلة ـ " فأمّا من اثبت الوصف ونفي الصفة فقال : أقول عالم ولا علم له ، ومتكلم ولكن لا كلام له ، وهكذا في سائـر الصفـات على مذهـب المعتزلـة . فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفّره ، لأنه إذا نفي العلم انتفي وصف عالم ، إذ لا يوصف بعالم إلاّ من له علم فكأنهم صرّحوا عنده بمـا أدى إليـه قولهــم . ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم لم ير إكفارهم . قال لأنهم إذا وقفوا على هذا ، قالوا لا نقول ليس بعالم ، ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا ، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر ، بل نقول قولنا لا يؤول إليه على ما أصّلناه . فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل ، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف النـاس في ذلـك . والصواب : ترك إكفارهم والإعراض عن الحكم عليهم بالخسران ، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلاة عليهم ، ولكنه يُغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم " [الشفا للقاضي عياض حـ2/1084-1086] أهـ ، وقال ابن حزم ـ في بيان مذهب أهـل السنّة في عـدم التكفيـر بمـآل القـول ـ " وأمّا من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ ، لأنه كذب على الخصم وتقول له ما لم يقل به وإن لزمه ، فلم يحصل على غير التناقض فقط ، والتناقض ليس كفراً ، بل قد أحسن إذ قد فرّ من الكفر ـ إلى أن قال ـ فصحّ أنه لا يكفر أحد إلاّ بنفس قوله ونص معتقده ولا ينفع أحد أن يعبر عن معتقده بلفظ يحسن به قبحه ، لكـن المحكـوم به هـو مقتضى قوله فقط " [الفصل حـ3/294] أهـ ، وقـال الشـاطبي ـ في بيان مذهـب المحققيـن من علمـاء أهـل السنّـة ـ  " والذي كنّا نسمعه من الشيوخ أنّ مذهب المحققين من أهل الأصول أنّ الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال " [ الاعتصام حـ2/197] أهـ ، ( ولا يجوز التكفير بلازم القول ) : ولازم القول هو الذي لا ينفك عنه بحال ، وقد يكون هذا اللازم بيّناً وهو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزم بينهما . وقد يكون اللازم غير بيّن وهو الذي يفتقر جزم العقل باللزوم إلى وسط " [ انظر تعريفات الجرجاني ص19]  ، والتكفـير بـلازم القـول لا يجـوز وإلاّ كفّـرت الأمـة بعضهـا بعضـاً ، بلوازم لا يعتقدها قائل ملزومها ،

***

 

القاعدة الحادية عشرة

قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر ( الكفر دون كفر ) أو الشرك ( الشرك الأصغر ) أو النفـاق ( النفاق العملي ) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه

 

 

المسلم قد يجتمع فيه كفر وإيمان ، وشرك وتوحيد ، ولا يكون بذلك كافرا ولا مشركا ، وهذا من أعظم أصول أهل السنّة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية  ، كما في قوله تعـالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ }[يوسف: 106] ، فإنّ الله تعالى أثبـت لهـم إيمانـاُ بـه سبحانـه مـع وقوع الشـرك دون شرك ، وقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم  : (( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا ائتمن خان ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر )) وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ، مات على شعبة نفاق )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم  قال : (( أربع في أمتي من أمر الجاهلية ، لن يدعوهن : الفخر بالأحساب ، والطعـن في الأنسـاب ، والنياحـة ، والاستسقـاء بالنجوم )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( اثنتان في الناس هما بهم كفر : الطعن في النسب والنياحة على الميت )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه ـ وهو يعلمه ـ إلاّ كفر ، ومن ادعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار ، ومن رمى رجلاً بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك ، إلاّ رجـع عليـه )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه ، إلاّ كفر بالله ، ومن ادعى قوماً ليس منهم ، فليتبوأ مقعده من النار )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( إذا قال الرجل لأخيه : يا كافر ! فقد باء بها أحدهما )) ، وقول ابن عباس رضي الله عنهما : في قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }[المائدة: 44] { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}  و{فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }  : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق ، وبعد : فهذه أهم القواعد العامة المتعلقة بمسائل وأحكام التكفير جمعتها من أقوال الأئمة العلماء ، نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا إنه سميع مجيب الدعاء .

***

***

 

 

الخاتمة وأهم ما جاء في الرسالة

 

 

( 1 ) هذه الرسالة تتناول تجديد علم السياسة الشرعية ، وبيان القواعد الشرعية لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على طريقة أهل الفقه بالكتـاب والسنّة والتي تتميز بجمع الأحكام المتعلقة بالموضوع وبيانها بدقة ووضوح ، وهي بحمد الله تعالى بمثابة جامع لفقه هذه العلاقة ، وقد حوت هذه الرسالة – بحمد الله تعالى – على ما يزيد على خمسين قاعدة رصينة ضابطة للعلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والمحكوم  ، وقد جمعتها من أقوالهم ومؤلفاتهم لأهديها إلى طلبة العلم الراسخ صافية مصفاة ، علماً طيباً ، ما كان عملي فيه إلاّ البحث المتأني والجمع والترتيب لأحسن ما أتت به عقول العلماء والفقهاء المقتدى بهم في الدين ، ولا أدعي فيه الكمال فما كان فيه من صواب فهو من الله وبفضل الله وله الحمد والمنّة ، وما كان فيه من خطأ فهو مني ومن الشيطان وأستغفر الله منه ، ولعله بداية الفتح لدراسة جديدة جادة لمسائل السياسة الشرعية والعلاقة الصحيحة بين الحاكم والمحكوم على طريقة الفقهاء بالكتاب والسنّة والتي تتميز بترتيب القواعد ووضوح الأحكام ودقتها وعدم جنوحها إلى الغلّو بسبب الترغيب والترهيب ولا إلى التفريط بدافع من الاتكال والغرور ، وأسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم  ، وإن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب ،

( 2 ) الأهداف الشرعية من ضم هذه الرسالة عن فقه العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والمحكوم إلى كتب التجديد : تتمثل تلك الأهداف في : بيان فقه القواعد التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الإفتئات عليها ، وبيان فقه القواعد التي تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام حتى يعلم الحكام ما هو واجبهم الأسمى تجاه دينهم ، وبيان فقه القواعد التي تضبط حقوق الرعية ، وتضبط العلاقة الشرعية الصحيحة بين النظام الحاكم والمحكوم ، والاعتدال الشرعي في مسائل الحاكمية والعلاقة بين الحاكم والرعية ، وتتبع جذور الغلّو في هذه المسألة ، واجتثاثها من أصولها ، حتى يتفرغ الحاكم والمحكوم لأداء مهامه ، وتتبع شبهات أهل زيادة التكفير في مسائل الحاكمية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم ، والرد عيها بأدلة الكتاب والسنّة وأقوال سلف الأمة وعلمائها الأئمة المقتدى بهم في الدين ، وفتح صفحة جديدة للتعامل بالحسنى والثقة بين التيار الإسلامي وبين أهل السياسة والحكم ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وفتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة ، وعلى حكمة وموعظة حسنة ، وتمتلئ بالرأفة والرحمة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ، وتأصيل مسائل الإسلام السياسي على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة والتي تتميز بوضوح الأحكام وسهولة إدراكها وتطبيقها  وذلك حتى يتيسر لطالب العلم جمع أهم مسائل وأحكام هذا الباب مجتمعة متكاملة في مؤلف واحد ،

( 3 ) تناولت في هذه الرسالة بيان أهمية علم السياسة الشرعية وضرورة التركيز على طلب هذا العلم والتزام ضوابطه ، وبيان فقه الآيات والأحاديث التي تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، كما تناولت حدود طاعة الحاكم المسلم ، وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، وفقه الدعوة في إنكار المنكر على ولاة الأمور  ، وبيان أنّ أهل السنّة والجماعة لا يرون الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر ، كما تكلفت بيان الرد الباهر على من رأى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر  ، مع ذكر  ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام ، كما تناولت القواعد التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام  ومنها بيان مكانة ولي الأمر في الشرع  ، ومنها وجوب نصب الإمام على المسلمين ، ووجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة   ، وبيان أنّ من غلب فتولي الحكم واستتب له ، فهو إمام تجب بيعته وطاعته ، وتحرم منازعته ومعصيته ، وأنّه إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر وجبت طاعته ، وأنّه يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم ، وأنّ الأئمة الذين أمر النبي بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون الذين لهم سلطان وقدرة ، وبيان وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم في غير معصية ، وبيان مراعاة الشارع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم ، وبيان وجوب الصبر على جور الأئمة درئاً للفتنة وحفظا لحرمات أهل الإسلام ، وبيان النهي الشرعي عن سب الأمراء ، وبيان عقوبة المثبط عن ولي الأمر والمثير عليه ، وبيان ضرورة أداء العبادات مع الولاة ومشروعية الدعاء لولاة الأمر بالصلاح ، كما تناولت الرسالة تلك القواعد التي تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام والمسلمين ، والتي من أهمها : وجوب الحكم بشرع الله تعالى ، وأداء حقوق الرعية ، ويمكن إجمال تلك المقاصد في مقصدين كبيرين أساسيين ، أولهما : حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض ، والثاني : سياسة الدنيا كلها به ، ومن ذلك إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة ، وإقامة العدل بين الناس ، لأنه أساس صلاح الإنسانية وسعادتها ولأنه هو الأساس الذي لا قيام لدولة صالحة بدونه ، وليس للعدل مجالات محددة في الإسلام بل هو واجب في كل نواحي الحياة المختلفة ، كما أنه واجب التطبيق على مستوى المؤسسات في الدولة ، وعلى مستوى الأفراد بدون استثناء ، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين ، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد. فإذا ما طبقت الأحكام الشرعية على المعتدين تحقق الأمن والأمان والاطمئنان بين الناس ، وخاف أهل البغي والفساد ، فلا يستطع قوي أن يعتدي على ضعيف لأن الدولة أقوى منه، ولا يخش الضعيف المحق من عدوان القوي لأن الدولة مع المحق وإن كان ضعيفاً ، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها ،  واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع ، مثل تنظيم الري وإقامة السدود وتحسين الزراعة واستخراج المعادن وإقامة المصانع وتعبيد الطرق ، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال ،  كما تناولت الرسالة تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله والرد على شبهات أهل التكفير ، وبيان قواعد الشرع الضابطة لمسائل الكفر ، والتي من أهمها : قاعدة الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً  أكبر حتى يصاحبه كفر القلب ،  وقاعدة الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان أو أحد عناصره ، والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب ، وقاعدة الأعمال الكفرية كالسجود للأوثان وسب الدين في حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان ، وقاعدة التولي عن الطاعة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر التولي على عمل الجارحة  ، كما تناولت تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله ، وبيان الآيات الوارد فيها قول الله تعالى  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ]  وبيان سبب نزولها ، والفقه الراسخ لحقيقة السبب ، وبيان أقوال الصحابة والتابعين حول معنى الآية  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } ، والتوفيق بين هذه الأقوال ، وبيان القول الراجح في المسألة وبيان تواتر أقوال الأئمة الفقهاء العلماء عليه ، وبيان الرد على من ترك المناط الذي اجتمعت عليه علماء أهل السنة وابتكر مناطات أخرى خاطئة ، ثم تناولت الرسالة بيان قواعد الشريعة العامة اللازمة لضبط مسائل واحكام التكفير ، والتي من أهمها : قاعدة أنّ مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، وقاعدة بيان أنّ من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار لا يخلد فيها خلود الجاحدين ، وبيان خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، وبيان أنّ العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، وبيان أنّ العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، وبيان أن المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، وبيان وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفيــر المعيـن ، وبيان أنّه لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، وضرورة اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليــة ، وبيان أنّه لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه ، وأنّه قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر ( الكفر دون كفر ) أو الشرك ( الشرك الأصغر ) أو النفـاق ( النفاق العملي ) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه ، كما تضمنت الرسالة الرد على شبهات أهل الغلو في التكفير واستحلال حُرمات المسلمين  ، واحتوت على بعض أفضل الرسائل في محاربة فتنة التكفير ،  نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه  نعم المجيب ،

 

***

فهارس الكتاب

الباب الأول : التمهيد لعلم السياسة الشرعية

القاعدة الأولى : أهمية علم السياسة الشرعية وضرورة التركيز على طلب هذا العلم والتزام ضوابطه

القاعدة الثانية : فقه آيات من كتاب الله تعالى تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم

القاعدة الثالثة : فقه أحاديث نبوية شريفة في بيان العلاقة بين الحاكم والمحكوم

القاعدة الرابعة : حدود طاعة الحاكم المسلم

القاعدة الخامسة : حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم

القاعدة السادسة : فقه الدعوة في إنكار المنكر على ولاة الأمور

القاعدة السابعة : أهل السنّة والجماعة لا يرون الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر

القاعدة الثامنة : الرد الباهر على من رأى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر

القاعدة التاسعة : ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام

الباب الثاني : قواعد تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام

القاعدة الأولي :  مكانة ولي الأمر في الشرع  إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن

القاعدة الثانية : نصب الإمام فرض واجب على المسلمين

القاعدة الثالثة : وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة 

القاعدة الرابعة : من غلب فتولي الحكم واستتب له ، فهو إمام تجب بيعته وطاعته ، وتحرم منازعته ومعصيته

القاعدة الخامسة : إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر وجبت طاعته

القاعدة السادسة : يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم

القاعدة السابعة : الأئمة الذين أمر النبي بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون الذين لهم سلطان وقدرة

القاعدة الثامنة : وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم في غير معصية

القاعدة التاسعة : مراعاة الشارع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم

القاعدة العاشرة : أهم حقوق الحاكم المسلم

القاعدة الحادية عشرة : الصبر على جور الأئمة درئاً للفتنة وحفظا لحرمات أهل الإسلام

القاعدة الثانية عشرة : النهي عن سب الأمراء

القاعدة الثالثة عشر : عقوبة المثبط عن ولي الأمر والمثير عليه

القاعدة الرابعة عشرة : أداء العبادات مع الولاة ومشروعية الدعاء لولاة الأمر بالصلاح

الباب الثالث : قواعد تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام والمسلمين

القاعدة الأولى : وجوب الحكم بشرع الله تعالى

القاعدة الثانية : أهم مهام الحاكم المسلم

القاعدة الثالثة : حقوق الرعية عند الحكام

الباب الرابع : تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله والرد على شبهات أهل التكفير

الفصل الأول : فقه مسائل الكفر في الكتاب والسنّة

المبحـــث الأول :  الكفر بين اللغة والشرع

المبحث الثانـي : فقه مسائل الكفر في كتاب الله عز وجل

المبحث الثالث : فقه مسائل الكفر في سنة النبي  صلى الله عليه وسلم

الفصل الثاني : قواعد الشرع الضابطة لمسائل الكفر

القاعدة الأولى : الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً  أكبر حتى يصاحبه كفر القلب

القاعدة الثانية : الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان أو أحد عناصره ، والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب

القاعدة الثالثة : الأعمال الكفرية كالسجود للأوثان وسب الدين في حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان

القاعدة الرابعة : التولي عن الطاعة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر التولي على عمل الجارحة

الفصل الثالث : تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله

المبحـــث الأول : الآيات الوارد فيها قول الله تعالى  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ]  وبيان سبب نزولها ، والفقه الراسخ لحقيقة السبب

المبحث الثانـي : أقوال الصحابة والتابعين حول معنى الآية  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } ، والتوفيق بين هذه الأقوال

المبحث الثالث : القول الراجح في المسألة وبيان تواتر أقوال الأئمة الفقهاء العلماء عليه .

المبحث الرابع : الرد على من ترك المناط الذي اجتمعت عليه علماء أهل السنة وابتكر مناطات أخرى خاطئة

الفصل الرابع : قواعد الشريعة العامة اللازمة لضبط مسائل واحكام التكفير

القاعدة الأولى ) : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر

القاعدة الثانية : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار لا يخلد فيها خلود الجاحدين

القاعدة الثالثة : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه

القاعدة الرابعة : العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر

القاعدة الخامسة : العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر

القاعدة السادسة : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة

القاعدة السابعة :  وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفيــر المعيـن

القاعدة الثامنة : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره

القاعدة التاسعة : اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليــة

القاعدة العاشرة  : لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه

القاعدة الحادية عشرة : قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر ( الكفر دون كفر ) أو الشرك ( الشرك الأصغر ) أو النفـاق ( النفاق العملي ) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه

الخاتمة

***

 

 


الجامع في بيان مدارس العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة

جمــع وإعـداد
مجــدي بــن محمــد بـن علـي
حاصل على الشهادة العالمية في العلوم الشرعية الإسلامية

 

المقدمة
إِنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران : 102] ،{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }[ النساء : 1 ] ،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [ الأحزاب:70 ، 71 ] ، أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، ثم أما بعد :
بين يدي الرسالة : هذه الرسالة تتناول علم العقيدة على طريقة الراسخين في العلم من أهل السنّة والجماعة ، والتي تتميز باحترام المدارس العقائدية المتخصصة ، ومعرفة قدرها ومنزلتها ومدى دقتها والتزامها بالجمع بين الأدلة الشرعية ، وحمل متشابهها على محكمها ، قد حوت هذه الرسالة – بحمد الله تعالى – متون راسخة في علم العقيدة قررها وأصلها الأئمة الثقات ، وقد جمعتها من أقوالهم ومؤلفاتهم لأهديها إلى طلبة العلم الراسخ صافية مصفاة ، علماً طيباً ، ما كان عملي فيه إلاّ الجمع والترتيب لأحسن ما أتت به عقول العلماء والفقهاء المقتدى بهم في الدين والمتخصصين في العقيدة ، فما كان فيه من صواب فهو من الله وبفضل الله وله الحمد والمنّة ، وما كان فيه من خطأ فهو مني ومن الشيطان وأستغفر الله منه ، ولعله مدخل سديد لعلم الفقه على طريقة أئمة أهل السنّة والجماعة الفقهاء الراسخين في العلم والفقه ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ، وأسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم ، وإن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب ، ( تنبيه ) : ليس لي في هذا الكتاب عمل أو فضل سوى جمعه من أقوال العلماء المتخصصين في هذا العلم وترتيبه ، مع اعتقادي بصحة ما فيه وفائدته لكل مسلم في فهم الإسلام فهما شاملاً لكل جوانب وعُرى الدين ،
الأهداف الشرعية من كتابة هذه الرسالة عن علم العقيدة : لقد كان من أهم أهداف كتاب الجامع في بيان المذاهب المنتسبة إلى أهل السنة والجماعة في العقيدة والفقه والتصوف : الانتصار للمدارس المتخصصة في شتى علوم الدين ، وأهمها علوم العقيدة والفقه والتزكية ، ورد الأمور إلى نصابها في مجال علوم الدين وأعماله على منهاج الطائفة العدل الوسط ( أهل السنّة والجماعة ) الراسخين في العلم بالدين بما يصحح النظر تجاه أهل السنة وعلمائهم على مر عصور الإسلام وبما يهيئ تقارب صفوفهم نحو الوحدة المنشودة والتجديد المنشود ، وبيان أصول الضلال التي تخرج المسلم من إطار أهل السنة والجماعة إلى إطار الفرق الضالة التي تستحق الوعيد بالنار ، مع الاعتدال الشرعي في مسألة تقييم الفرق الضالة بناءً على الفهم الصحيح لإطار أهل السنّة والجماعة الحق العدل ، لا المغلوط كما يفعل أهل البدع والضلال ، وكان من أهم توصيات تلك الرسالة : احترام التخصص العلمي الشرعي واحترام مدارسه الأصيلة المتأصلة ، وأنّ هناك ثلاث مدارس متخصصة في العقيدة على منهاج الحق ، هي المدرسة الأثرية والمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية ، وأنّ علماء المدارس الثلاث ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وانّه بسبب ظهور الفرق الضالة في العقيدة ، أكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم : الإمام أحمد ابن حنبل ، والإمام أبو الحسن الأشعري ، والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين ، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة ، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة ، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم ، وامتزجت علومهم ، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام ، ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل التقديس والتنزيه ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول ، وأنّه بعد ظهور الأئمة الثلاث الذين بهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم : صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه ، كما أدى التخصص في علم الفقه إلى ظهور أربعة مدارس متخصصة في الفقه على منهاج اهل السنّة ، وهذه المذاهب الأربعة - بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة - صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ، كما أنّه مع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، وميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية ، وبالقلب والهمة ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، وعلى ذلك استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، والثانية : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري ، والثالثة : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة [ سيتبين هذا الأمر في الرسائل المتتالية القادمة إن شاء الله تعالى بما لا يدع مجالا للشك في هذه القضايا المصيرية المتعلقة بأهل السنة والجماعة ] ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس ، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة ، واستقر لهم في مجال التربية والتزكية مدارس صوفية سنّية قائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، ومتخصصة في التزكية والأخلاق ، قام على رأسها الأولياء الربانيون والشيوخ العارفون ، ومنهم : إبراهيم بن أدهم ، وذو النون المصري ، والفضيل بن عياض ، ومعروف الكرخي ، وسري بن المغلس السقطي ‏، وبشر بن الحارث الحافي ، والحارث بن أسد المحاسبي ، وأبو يزيد البسطامي ، وسهل بن عبد الله التستري ، وأبو سليمان الداراني ، وحاتم بن علوان الأصم ، وسيد الطائفة أبو القاسم الجنيد ، والعارف بالله الشيخ احمد الرفاعي ، والعارف بالله الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله الشاذلي ، والعارف بالله الشيخ إبراهيم الدسوقي ، والعارف بالله الشيخ أحمد البدوي ، والعارف بالله الشيخ محمد بن أحمد الخلوتي ، والعارف بالله الشيخ أبو العباس التيجاني ، والعارف بالله الشيخ محمد بن علي السنوسي ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم في مشارق الأرض ومغاربها ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند بعض تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص ، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة ، وعلى ذلك : يمكننا القول بإنّ هذه الرسالة : رسالة ( تجديد علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ) هي تتمة وبناء على ما سبق أن قررناه من احترام التخصص العلمي والتخصص العقدي في رسالة التجديد الخامس ( تجديد علم الانتساب إلى الفرقة الناجية ( أهل السنّة والجماعة ) ، وأما الهدف الذي جد في هذه الرسالة الجديدة : رسالة ( تجديد علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ) هو توجيه طالب علم العقيدة إلى الطريق القويم نحو طلب علم العقيدة على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد ، وعلى أهله المتخصصين فيه ، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم العقيدة واحترفت تدريسها على أفضل الطرق التعليمية ، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب قد لا تؤدي إلى الرسوخ في علم العقيدة ، وفي الإحاطة بمباحثه ومسائله وقواعده وأحكامه ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة الراسخين في العلم ، إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب ، المؤلــف مجدي بن محمد بن علـي ،
خطوط عريضة لأهم موضوعات الرسالة : حوت الرسالة بحمد الله تعالى على مدخل وحمسة أبواب وخاتمة : ( المدخل ) : ويشتمل على بيان الهدف من دراسة العقيدة ، وبيان أهمية علم العقيدة ، وبيان أهم مسميات علم العقيدة ، وبيان عوامل ظهور وتدوين علم العقيدة ، وبيان مصادر علم العقيدة عند اهل السنة ، ( الباب الأول ) إشارة موجزة لأهم مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في العقيدة ، ( الباب الثاني ) أهم مباحث العقيدة وأركان الإيمان على منهاج أهل السنّة والجماعة : وقد اشتمل على مباحث أركان الإيمان الستة : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر ، ( الباب الثالث ) : متون لدراسة العقيدة على مذهب الأثرية ( السلفيون الحقيقيون ) وقد اشتمل على تلك المتون : ( 1 ) متن العقيدة السفارينية ( الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية ) للعلامة محمد بن سالم بن سليمان السفاريني ، ( 2 ) كتاب الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب لأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي القرشي البكري الحنبلي ، ( الباب الرابع ) متون لدراسة العقيدة على طريقة الأشاعرة المتخصصون في عقائد أهل الحق أهل الكتاب والسنّة ، وقد اشتمل على تلك المتون : ( 1 ) متن أم البراهين المسمى بالعقيدة السنوسية الصغرى للإمام السنوسي الحسني ، ( 2 ) متن العقيدة السنوسية الوسطى للإمام السنوسي الحسني ، ( 3 ) ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام للإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي ، ( 4 ) لوامع الأدلة للعقيدة وهو الفصل الثالث من كتاب قواعد العقائد للإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي ، ( 5 ) العقيدة المرشدة للإمام الحافظ فخر الدين بن عساكر ، ( 6 ) ملحة الاعتقاد لسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الأشعري الشافعي ، ( 7 ) متن الخريدة البهية في العقيدة السنية لأبي البركات أحمد الدردير ، ( 8 ) متن جوهرة التوحيد للشيخ برهان الدين إبراهيم بن إبراهيم اللقاني المالكي ، ( الباب الخامس ) : متون لدراسة العقيدة على طريقة الماتريدية المتخصصون في عقائد أهل الحق أهل الكتاب والسنّة ، وقد اشتمل على تلك المتون : ( 1 ) متن العقيدة الطحاوية للعلامةُ حُجةُ الإسلامِ أبو جعفرٍ الطحاويُّ ، ( 2 ) مَـتـْنُ العَقــَائـدِ النَّسَـفِيَّـة للإمام النسفي ، ( 3 ) كتاب شرح العقائد النسفية للإمام السعد التفتازاني ، ( الخاتمة وأهم التوصيات ) ،
***


مدخل إلى علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة


لدين الإسلام القيم : باب عظيم يلج منه المرء إلى دين الإسلام هو شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله _ محمد رسول الله ) ، ثم له مراتب ثلاثة : الأولى : ( الإسلام ) ، وهي خمسَةُ أركانٍ بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (( بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) [ أخرجه البخاري ] ، والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم الشريعة ، ويسمى علم الفقه ، والمرتبة الثانية هي : ( الإيمان ) ، وهي ستّة أركان بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخر، وتُؤمنَ بالقَدَر خَيْره وشَرِّه )) [ أخرجه مسلمٌ ] ، والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم العقيدة وله مسميات عديدة منها علم الإيمان ، وعلم التوحيد ، وعلم الكلام ، والمرتبة الثالثة هي : ( الإحسان ) ، ولها منازل عديدة تبدأ بالمراقبة وتنتهي بالمشاهدة ، وهذا ما فهمه العلماء من قوله صلى الله عليه وسلم : (( الإِحْسَانُ : أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )) [ أخرجه مسلم ] والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم : ( التزكية والأخلاق ) وله مسميات عديدة منها علم التصوف ، وعلم الإحسان ، ومعنى ذلك : أنّ علوم الدين الأساسية ثلاثة : ( علم العقيدة ) ويُسمّى: ( علم الإيمان ) أو ( علم أصول الدِّين ) أو ( علم التوحيد ) أو ( علم الكلام ) ، والخلاف في أصول هذا العلم خطير ، لأنّه خلاف بين حق وضلال وسنة وبدعة ، وفرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار ، وأخطر تلك الفرق : الخوارج والرافضة والمعتزلة والمرجئة والحشوية أما الفرقة الناجية بالعقيدة الصائبة هي أهل السنة والجماعة ولها مدارس متخصصة ضبطت أصولها وعلومها ( الأشاعرة والماتريدية ) ومؤسساها من نسل الصحابة الأول أبو الحسن الأشعري من نسل الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، والثاني أبو منصور الماتريدي من نسل الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، والعلم الثاني ( علم الشريعة ) ويُسمّى : ( علم الفقه ) والخلاف فيه خلاف بين صواب وخطأ ولا يؤدي إلى فرقة وضلال والفرقة الناجية بالعقيدة الصائبة (أهل السنة والجماعة ) لها مدارس متخصصة ضبطت الفقه وأصوله وعلومه ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) ، والعلم الثالث : علم التزكية ويسمّى: ( علم الأخلاق ) أو ( علم السلوك ) أو ( التصوف ) وهو طريق السالكين إلى الله وله مدارس متخصصة ضبطت السلوك وأصوله وعلومه
تعريف العقيدة : العقيدة لغةً : مأخوذة من العَقْد، وهو الجمع بين أطراف الشيء على سبيل الربط والإبرام والإحكام والتوثيق ، ويستعمل ذلك في الأجسام المادية ، كعقد الحبل، ثم توسع في معنى العقد فاستعمل في الأمور المعنوية ،كعقد البيع وعقد النكاح ، والعقيدة هي : الحكم الذي لا يقبل الشك ولا يتطرَّق إِليه شك لأنّه بمثابة الشيء الموثق والمعقود عليه [ انظر المصباح المنير (2/421)، والقاموس المحيط ص383، 384، ولسان العرب (9/309-312) ] ، أما العقيدة اصطلاحاً : فهي الإيمان الجازم بأركان الإيمان الستة ( الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ، وسائر ما ثَبَتَ من أُمور الغيب ، وأصول الدِّين ،
حكم تعلم علم العقيدة : العقيدة هي العلم الذي يتعلق بالإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ، وسائر ما ثَبَتَ من أُمور الغيب ، وأصول الدِّين ، وأصول هذه الأركان الستة فرض عين على كل مسلم ومسلمة ، إذ لا يكون المرء مؤمناً حتى يستوف تلك الأركان ، ولا يدخل الجنّة إلا نفس مؤمنة بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من عند الله تعالى ، كما أنّ العقيدة هي العلم الذي يتعلق بالتوحيد ، توحيد الله تعالى في ذاته ، وتوحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله ، وتوحيد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته ، وعلم العقيدة منه ما هو فرض عين ، ومنه ما هو فرض كفاية، و هذا شأن العلوم الشرعية عامة ، وإن أعظم ما أمر الله به هو اعتقاد التوحيد والعمل به ، قال تعالى : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } [ محمد : 19] ، وقال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } {الإسراء:23} ، وفي حديث معاذ رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ ، قلت: الله ورسوله أعلم، قال : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا )) [ متفق عليه ] ، وفي حديث معاذ الآخر قال صلى الله عليه وسلم : { فليكن أول ما تدعوهم إليه : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله } [ متفق عليه ] ، فكان التوحيد هو أول الواجبات وأوجب التكليفات ، وفرض العين منه : ما تصح به عقيدة المسلم في ربه ، من حيث ما يجوز ويجب ويمتنع في حق الله تعالى ، ذاتًا وأسماء وصفاتاً وأفعالاً ، على وجه الإجمال، وهذا ما يسميه بعض العلماء بالإيمان المجمل ، وأما فرض الكفاية من علم التوحيد ، فما زاد على ذلك ، وهو ما يسمى بالإيمان التفصيلي، وهو من أجلِّ فروض الكفايات في علوم الإسلام ؛ لأنه يحفظ على أهل السنّة والجماعة عقيدتهم ، ويرد على ينفي تأويل المبطلين وانتحال الغالين أصحاب الفرق الضالة ، فلا يجوز أن يخلو الزمان والمكان ممن يقوم بهذا الفرض الكفائي المهم ،
أهمية علم العقيدة وفضــلــــــه :ـ علم العقيدة هو أهم العلوم ، لأنّه علم الإيمان ، وضد الإيمان الكفر ، ولأنّه علم التوحيد وضد التوحيد الشرك والخلود الأبدي في النار ، كما أنّ الصواب فيه نجاة وفلاح ، والخطأ فيه ضلال وهلاك ، وهو يتعلق بالله تعالى الحي القيوم الإله الحق رب العالمين لا إله إلا هو ولا رب سواه ، وما كان كذلك كان أشرف العلوم وأهم العلوم ، وأفضل العلوم ، ولأجل هذا سماه السلف علم الفقه الأكبر ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ، كما أنّه العلم الذي يتعلق بمباحث الإيمان بالله تعالى وتوحيده وما يجب له تعالى من صفات الجلال والكمال ، وما يجب تقديسه عنه من صفات العيب والعجز والنقص ، ومباحث التوحيد وإفراد الله سبحانه بالعبادة دون شريك ، ومباحث الإيمان بالملائكة الأبرار والرسل الأطهار وما يتعلق باليوم الآخر ، والقضاء والقدر ، ومباحث البراءة من الشرك والكفر والنفاق ،
أسماء علم العقيدة : يُطلق عليه أسماء عديدة ، منها ( علم التوحيد ) لأنّه يبحث في توحيد الله تعالى في ذاته ، وتوحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله ، وتوحيد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته ، ولعل السبب في إطلاق اسم التوحيد على هذا العلم ، هو أن مبحث وحدانية الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله هو أهم مباحث هذا العلم ، فهو من باب تسمية الكل بأشرف أجزائه ، أو تسمية العلم بأشهر بحوثه ، ثم إن ما عدا مبحث الوحدانية قائم ومعتمد عليه، فهو الأصل الذي يتفرع عنه غيره ، ومنها ( علم الإيمان ) لأنّه يتناول شرح أركان الإيمان الستة (بالإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ) ، ومنها علم ( الفقه الأكبر ) تمييزاً له عن الفقه الأصغر ، لأنّ علم العقيدة هو علم الفقه بالأصول ، وعلم الفقه الأصغر هو علم الفقه بالفروع ، وعلم ( أصول الدين ) : لأنّه يتناول أصول الإسلام وأركان الإيمان ، ولكونها أصل لما يتلوها من علوم الدين الأخرى ، وأعماله العظيمة ، فإن هذا العلم يبحث في العقائد التي هي الأصول الواجب على المكلف اعتقادها قبل أن يبدأ العمل، فلا يثمر العمل في الآخرة إلا باعتقاد هذه الأصول في الدنيا ، و (علم الكلام ) : وهو أشهر التسميات المتداولة لهذا العلم. وقد ذُكرت عدّة وجوه في سبب تسمية هذا العلم بعلم الكلام ، منها : أنّ العلماء المتقدّمين كانوا يُعَنوِنون فصول أبحاثهم بالكلام؛ فيقولون : كلامٌ في التوحيد ، كلامٌ في القدرة ، كلام في النبوّة ، كلامٌ في العدل ، وهكذا ، فلمّا كثر لفظ الكلام في هذا النحو من أبحاثهم سمّي بعلم الكلام ، ومنها أنّ من يدرس هذا العلم ، ويتقنه ويستحضر قوانينه وأدلّته ، يصبح ماهراً وبارعاً في النقاش والمجادلة وإفحام الخصم ، وتصبح عنده قوّةً في الكلام مع الخصم في الأمور الاعتقاديّة والعقليّة والشرعيّة ، فيسمّى متكلّماً ، لتضلّعه بهذا العلم ، ومنها أنّ أشهر مسألةٍ بحث عنها هذا العلم ، هي مسألة كلام الله تعالى ، ومعنى الكلام الإلهيّ ، وإثبات أنّ كلامه سبحانه قديمٌ ، وتنزيه كلامه عن مشابهة كلام البشر ، ومعلوم أنّ تلك المسألة كانت من أعسر مباحث هذا العلم ، وكانت من أوائل المباحث التي فرقت الفرق فيما عُرف بمحنة القرآن ، وكانت سبباً في تكفير الفرق بعضها بعضا ، وتبديع بعضها بعضا ،
عوامل ظهور وتدوين علم العقيدة : لقد تطرق القرآن الكريم إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد ، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ، وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها ، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص ، فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه ، فنشأ علم النحو، وعلم أحكام التلاوة وعلم القراءات ، ثم احتاج الناس إلى معرفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث ، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث ، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير ، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه، ، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه ، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد ( علم العقيدة وأصول الدين ) ، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم الزهد والتزكية وهو ما عُرف باسم ( التصوف ) ، وهذا على وجه الإجمال ،
أمّا على وجه بعض التفصيل : احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه : فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين : مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها ، وظهرت داخلها علوم القراءات ، وكان م