×

خطأ

COM_CWTRAFFIC_MSG_MISSING

هل يجوز الكلام في علم الإلهيات دون ضبط مصطلحاته وهضم مقدماته – مجدي محمد علي محمد

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :    فإنما العلم بالتعلم ،  وقضايا ومسائل العقيدة متعددة ، وأهم تلك الأقسام وأصعبها على الفهم هو ( القسم الاول ) :  ( قسم الإلهيات ) وهو علم يتعلق بالواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى ،  وفيه مصطلحات لابد من فهمها وهضمها ، منها الأحدية المطلقة والصمدية المطلقة والقدم الأزلي والوجود المطلق والكمال المطلق والتقديس عن الكيف وعن الحد وعن المكان وهعن الزمان وعن مماثلة المحدثات  ،  وهضم تلك المصطلحات مهم جدا ،   حتى قال المتخصصون في علم العقيدة : حرام على من يجهل هذه المقدمات أن يؤلف في عقائد المسلمين ، أو يتكلم في فرق الإسلام ، لأنه بذلك يتقول على الله بغير علم فيضل ويضل ، وهو يحسب انه من المهتدين ، 

اهل العلم لا يجوز لهم كتمانه ، وقد قال تعالى : {  إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( من كتم علما يَعلمه جاء يوم القيامة مُلْجَمًا بِلِجَام من نار )) [ الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم ] ، 

وإن من احقاق الحق ، وعدم كتمان العلم ، بيان أن  هذه المقدمات هي أهم النقاط التي لم يستطع الإمام ابن تيمية وأتباعه هضمها ، فسببت لهم خللا كبيرا في العقيدة ، وآل بهم هذا الخلل إلى الوقوع في بدع الحشو التجسيم ، على حساب التقديس ، وإلى الغلو في التكفير والتبديع فيما يتعلق بأمة الإسلام ، وللأسف فإن من أبعد المسلمين عن تلك القواعد الربانية المستمدة من الكتاب السنة هم ( السلفيون ) ، المنتسبون إلى السلفية  ، والسلفية الحقة المباركة بريئة مما هم فيه من الجهل بالله تعالى وما يجب له من التقديس والتنزيه ،  

بسبب الجهل بتلك المقدمات تسربت إليهم مفردات بدعة الحشو والتكييف ، كيفوا الوجود الإلهي وحدوه بالمكان والزمان ونسبوا إلى جناب ذاته الاقدس الحد والتناهي ونسبوا إليه صفات الاجسام المخلوقة من الصورة والشكل والحركة والسكون والتغير والحدوث ، وصاروا أقرب إلى المجسمة المبتدعة منهم إلى اهل السنة والجماعة الحقيقيين ،

من أهم تلك المقدمات : معرفة معاني ( الأحدية  ) { قل هو الله احد } ، معاني الاحدية المطلقة التي تمنع من من التكييف وتبلغ بالعبد أعلى معاني التقديس والتسييح والتنزيه والعجز عن الادراك { ولا يحيطون به علما } ، الاحدية محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن ،  هناك فرق كبير في المعني بين اسم الله ( الأحد ) واسمه ( الواحد ) ، الله واحد لا شريك له ، قال تعالى : { وهو الواحد القهار } ،  الله احد لا جزء له لا يقبل الكثرة والانقسام ، قال تعالى : { قل هو الله أحد } ،    ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا ، وكل من كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ،  وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ،   ( الأحدية ) لها معنى و ( الاحدية المطلقة ) لها معنى أوسع ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والانسان قدرته محدودة ، (  الأحدية المطلقة  )  توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء  ،    { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ،   وقد يقول قائل :  هناك آيات تفيد اثبات الوجه واليد والعين لله وهذه في اللغة أجزاء من ذات ، فكيف نفهمها في اطار الاحدية ، نقول الله تعالى { ليس كمثله شيء } ، وهذه نفهمها على انها صفات مجردة عن الجزئية والبعضية ، وقد ذكر في القرآن { وجه النهار } وليس للنهار وجه ، و ذكر في القرآن { بين يدي رحمته } وليس للرحمة يدين  ، و ذكر في القرآن { بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ } وليس للنجوى يدين  ، و ذكر في القرآن { بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } وليس للعذاب يدين  ، و ذكر في القرآن { فإنك بأعيننا } ، والمقصود أنك بحفظنا وعنايتنا ،

( الأحدية )  محكمة لأنها تعدل ثلث القرآن وما خالفها وجب رده إلى معانيها حتى لا نقع في الزيغ الذي حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ،    في هذه الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والضلال ، وطريقة أهل العلم في ذلك  رد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتستقر العقيدة المحكمة الصحيحة وتتآلف القلوب عليها ، ولا يكون بينها أدنى تعارض أو اختلاف ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، فالتدبر يصحح العقيدة ويمنع من الفرقة والاختلاف

ومن أهم تلك المقدمات : معرفة معاني ( الصمدية المطلقة ) ومعاني الكمال المطلق لله تعالى في جناب الذات وأسمائه وصفاته ،   { اللَّهُ الصَّمَدُ }  : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد ، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض ، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه ، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه ، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة  ،    ،   الصمدية المطلقة ): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ،  ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء ،  جل المصور أن يكون مضورا ، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور ،   { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق ، {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته ، ( الصمد ) هو الإله الرب الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله ، من خصائص الصمدية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، الكمال المطلق لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ،  الكمال المطلق دائم لا يزول ، لا يفنى ولا يبيد ، الكمال المطلق لا يقبل تغير ولا حدوث ، لأنه إن تغير : تغير إلى زيادة أو نقصان ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن من صفات الإله الذي له الكمال المطلق ،

ومن أهم تلك المقدمات : تقديس الله تعالى عن كل مثيل : { ليس مثله شيء } ، او كفء أو شريك ،  الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، هذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس ، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ،  { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات ،  أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ،   ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح ، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير  ، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير ، قال تعالى : {  إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان : 2 ] ، فدلت الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ،  يمكن أن تكون هناك مثلية في بعض معاني الصفات ، ولكن النفي المطلق للمثلية إنما هو في جناب الذات ،   وهذه الآية تقضي على كل أوهام الحشو ، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها ، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات ، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات ، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كانت أجزاء من ذات ، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض ،  فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد ، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات ، وتكييف الذات ، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله ، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى : { ثم استوى على العرش يدبر الأمر } ، كما أن القرب في قوله تعالى { فإني قريب } قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء ، كما أن المعية في قوله تعالى { وهو معكم أسنما كنتم } معية صفات ( صفات العلم والسمع والبصر } ،  كما أن الاحاطة في قوله تعالى { وهو بكل شيء محيط } إحاطة صفات العلم والسمع والبصر ، قال تعالى { احاط بكل شيء علما } ،  أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى { ولا يحيطون به علما } ،

ومن تلك المقدمات : تقديس الله تعالى عن عن الحدوث وقبول الحوادث ،  ( الله جل جلاله ) له القدم الأزلي : ( أول بلا ابتداء ) ، ( القـدم ) هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى : {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء )) [ أخرجه مسلم ] ،  ( أول ) لا أول لوجوده تعالى لا يسبقه عدم ،   ( القِدمُ )  معناهُ الأزلية ، لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما  ،  أظهر صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب ، قال تعالى : {  فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ، فالعلة في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب هي الأفول ، قال المفسرون : ذكر إبراهيم الخليل عليه السلام لقومه ( علة الأفول ) للاستدلال على أن الكواكب والشمس والقمر  لتغير حالها لا تصلح للإلهية ، وتنبيها لهم أن التغير والحدوث نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ،   إذن كل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث فهي متشابهات  يجب رده إلى محكماتها ، وكل ما اوهم الحركة او السكون أو التغير والحدوث فهي متشابهات  يجب رده إلى محكماتها من القدم الازلي ، ومن ذلك المجيء في قوله تعالى { وجاء ربك والملك صفا صفا } فالمجيء المعهود هو الانتقال من مكان إلى مكان ، وهذا يستلزم كبر المكان الاول والثاني عن المتحرك فيهما ، والله اكبر من كل شيء ، وهو يستلزم التغير والله تعالى قديم بجناب ذاته وصفاته ، إذن كل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي

ومن تلك المقدمات : تقديس الله تعالى عن الحدود والغايات وعن الكون في المكان ، وعن جريان الزمان عليه ، الله تعالى له الوجود المطلق ، المقدس عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات ، والمقدس عن الكون في المكان ، وعن جريان الزمان ، 

هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان ، تحكمه قوانين المكان ، من الكون في المكان والتحيز في جهة من جهات المكان ، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه ،   هذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل ، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل ، هذا الوجود المقيد هو صفة المخلوق مهما كبر أو صغر من الفرش إلى العرش ومن الأرض إلى السماوات كل الخلائق محكومة بهذا الوجود الزماني والمكاني مقهورة به لا انفكاك لها عنه ، لا تخرج عن قوانين المكان فهي إن كانت في مكان فهي تخضع لقرب وبعد المسافات ، قريبة من مكان وبعيدة عن الآخر ، ويجري عليها الزمان قهرا ، لا يمكنها التصرف في الزمان فلا توقف الحاضر ولا تعيد المستقبل

أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود المطلق الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، فالله تعالى له الوجود المطلق ، هذا ( الوجود المطلق ) لا يتقيد بالمكان ، ولا يجري عليه زمان ، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] ،

الخلائق عاجزة عن معرفة كنه الوجود الإلهي ، لأنها مخلوقة محدودة محدثة ، والمخلوق لا يدرك الخالق ، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود ، والمحدث لا يدرك كنه القديم ، و ( نحن ) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق جسد الإنسان ، إلا بآثار تلك الروح ، كما قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 85 ] ، و ( العقل ) لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها ، والله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود ،  تعالى الله على الحدود والبدايات والنهايات والغايات ، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ،  وأهل الحشو شفاهم الله بالعلم يكيفون الوجود مع ان الكيف ممتنع لانه مخلوق والمخلوق لا يحيط بالخالق ، شعار المسلمين الله له الوجود المطلق موجود بلا كيف موجود بلا حد ، موجود لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، لا يحتاج لمكان يدير منه المملكة ، ولا يجري عليه في ملكه زمان ،

ومن تلك المقدمات : تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية من الأجزاء والأبعاض والصور والأشكال ،

( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ،  والجسمية تناقض الأحدية ، الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، و ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،   و ( الجسمية ) تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء ، الجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث ، و ( الجسمية )  تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،   و ( الجسمية ) تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ،   و ( الجسمية )   دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ،

الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب

أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال

يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ،  والإشكالية أن هذه الألفاظ تعني أجزاء من ذات وهذا استعمالها في اللغة أنها اجزاء من ذات وليست صفات ، فالعلم والقدرة والسمع والبصر صفات ومعاني ، أما الوجه واليد والعين فهي في حقيقة اللغة أجزاء من ذات والله تعالى هو الاحد الصمد المتصف بالأحدية  المطلقة ، وأخص خصائص الاحدية عدم قبول الكثرة والاجزاء والابعاض ، ولهذا صارت ألفاظ الوجه واليد والعين من المتشابهات لابد من فهم مجازاتها في اللغة العربية ، وفي القرآن الكريم ، لأنه أُنزل بلسان عربي مبين ،  وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ،

جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات ،  لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى ,  و صاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ،  ( الصورة ) تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ،  إذن كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )

( الحاصل ) : التقديس المطلق ، الله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا شكل ولا مكان ولا يجري عليه زمان ، ويجب العلم بانّ  القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات ، ويجب العلم بانّ  الإحاطة بالكون احاطة صفات لا إحاطة ذات ، ويجب العلم بانّ  الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات ، ويجب العلم بانّ  جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ،

( القاعدة العامة في الإلهيات ) :  أنّ كل ما عارض المحكم فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات من الصور والاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه  ،  وكل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه ،  و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي ،  وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، كل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  الله موجود بلا كيف ، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان ، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء ، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، والعجز عن الإدراك إدراك ، ولا يحيطون به علما ، هذا هو ثمرة دراسة المقدمات الاعتراف بالعجز عن الادراك { لا تدركه الأبصار } ، وبلوغ التقديس المطلوب { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ، وتصفية الاعتقاد من شوائب الحشو والتكييف والتجسيم ، الله موجود بلا كيف ، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان ، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء ، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، والعجز عن الإدراك إدراك ،

حال المعاصرين من تلك المقدمات :  الكثير من المتصدرين – اليوم - للحديث عن عقائد اهل الإسلام ليسوا مؤهلين للحديث عنها بسبب الجهل بهذه المقدمات ، فمن هؤلاء الذين يجهلون تلك القواعد أو لم يستطيعوا فهمها ، أو لم يستطيعوا هضمها : الشيخ ابن تيمية وكل اتباعه ، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وكل أتباعه ، ورموز السلفية المعاصرة : الشيخ الألباني والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الفوزان والشيخ ربيع المدخلي ، والشيخ الحويني والشيخ محمد العدوي ، والمشايخ محمد حسان وبرهاني ورسلان ، والرضواني ، كل رموز السلفية المعاصرة ، على اختلافاتهم الفكرية ، كلهم يجهلون تلك المقدمات  ،  وهؤلاء لجهلهم بتلك المقدمات يُلحقون بطائفة مبتدعة تسمى الحشوية حذر منها علماء اهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام ، هؤلاء الحشوية أهل جهل مركب في باب العقيدة ينسبون إلى الله تعالى الحد والمكان والصور والاشكال والتغير والحدوث ، ومذهب هؤلاء الجهلاء في باب العقيدة : تحديد الوجود الإلهي المطلق وتكييفه ، مع انهم يقولون بلا كيف ، ولكنهم يكيفون الوجود ، ويحدونه بجهة واحدة من جهات الكون المخلوق ، وعلى ذلك جعلوا المكان أكبر من ذات الرحمن ، وهم يقولون في كل صلاة الله أكبر ، وقالوا بسبب هذا التكييف الذي وقر في قلوبهم : أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم ، وأنّ العالم المخلوق تحته ،  وانه موجود ( بذاته ) على عرشه ، فكيفوا جناب الذات وحدوه بالمكان وحدوه بالعرش المحدود ، مع أن  قولهم : ( استوى بذاته )  لم يأت بها دليل من الشرع ، وإنما هي من افرازات بدعة الحشو والتكييف التي ترسخت في أذهانهم ، بل الآية { ثم استوى على العرش يدبر الامر } ، فدل على انه استواء تدبير وربوبية لا استواء ذات ، كما يقولون ، وهؤلاء يعتقدون أنه تعالى متناه لاسيما من جهة التحت ، حيث يقابل العرش بظنهم ، وأشنع بدعهم قولهم بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث ، وذهلوا عن دليل الخليل إبراهيم عليه السلام { لا أحب الآفلين } ، أي ان علة عدم الصلاحية للإلهية هي التغير وقبول الحوادث ، ويقولون : بأنه  ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته ، وانه يتحرك في المكان ، ويعتقدون أنه يذهب ويجيئ بجناب ذاته ، وديدنهم الحديث حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية ، ويدندون حول وصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث والتغير وقبول الحوادث ، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه ،   ( المصيبة ) أن أكثر هؤلاء يتدثرون بلباس أهل السنة وهم منها عراء ، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء ،  أهل الحشو أهل جهل مركب ، يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بها على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، ولذلك فهم قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين ، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين ،

هؤلاء يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس ، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات ، ولذلك يلوكون ألسنتهم دائما بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات ، فلو كان له الوجه على الحقيقة لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا ، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات ، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كان جزءا من ذات ، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض ،  فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد ، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات ، وتكييف الذات ، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات ، فضح الله تعالى ما في قلوبهم من الزيغ والضلال بقوله تعالى : {  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع لهذه للمتشابهات : باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء ، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات ،

هذا هو حال السلفية المعاصرة ، الحشوية بالمصطلح القديم ، وهم يتصدرون للحديث عن جناب الذات وهم يجهلون علم التقديس ، مع أنه حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ،  والذهول عنه يؤدي إلى قصور واضح في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اجتنابه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ،  سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 

تحقيق القول في مسألة الزيارة وشد الرحال وأنها من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد

 

( 1 ) مقدمة عن بيان منزلة البقعة الطاهرة التي حوت قبر الرسول صلى الله عليه وسلم في قلوب العلماء

( 2 ) الادلة على استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة ، 

( 3 ) كلام الأئمة الفقهاء في استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة ، 

( 4 ) تفرد الإمام ابن تيمية في القرن السابع بمسألة تحريم شد الرحال للزيارة وبيان سبب اللبس في فتواه

( 5 ) التجديد في باب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ومسألة شد الرحال إليه 

( 6 ) كلمة هادئة في الزيارة وشد الرحال للدكتور عمر كامل

***

 

( 1 ) مقدمة عن بيان منزلة البقعة الطاهرة التي حوت قبر الرسول صلى الله عليه وسلم  في قلوب العلماء

( أ ) ( تنبيه في بيان حرص المسلمين على زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ) : الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بألف صلاة ، ومع ذلك نجد سواد المسلمين الاعظم ، وعلى مر عصور الإسلام ، يتوجهون إلى المدينة المنورة وقد تركوا ثواب صلاة بمائة ألف صلاة في مكة المكرمة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله )) ، وشدوا رحالهم إلى المدينة المنورة ، والتي الصلاة بها بألف صلاة ، وما ذاك إلا لزيارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهذه أجرها على الله الكريم الوهاب ، لأنها دليل على تعلق المسلم بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء في الحديث : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) [ متفق عليه ]

( ب ) ( تنبيه في فضل البقعة الشريفة التي حوت ذات النبي صلى الله عليه وسلم ) : الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق أجمعين ، قال الإمام النووي رحمه الله في حديث مسلم (( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ )) قال رحمه الله : ( وهذا الحديث دليل لتفضيله صلى الله عليه وسلم على الخلق كلهم ، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين - يعني المؤمنين منهم -  أفضل من الملائكة ، وهو صلى الله عليه وسلم أفضل الآدميين وغيرهم ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم  كتاب الفضائل ، باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق ] ، وبذلك شرفت البقعة الطاهرة ( القبر ) الذي به جسده الطاهر ، وقد نقل القاضي عياض رحمه الله تعالى أجماع الجمهور أن البقعة التي دفن فيها المصطفى أفضل بقاع الأرض ، قال القاضي عياض (2 : 91الشفا) (ولا خلاف أن موضع قبره أفضل البقاع) ،  وقال الشيخ الخفَّاجي ( قال القاضي عياض اليحصبي في كتابه الشفا : ولا خلاف أن موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض ، بل أفضل من السموات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمة الله ) .اهـ [ نسيم الرياض ج 3 ص 531 ] ،  وقال الإمام النفراوي في الفواكه الدواني (4 : 37) ( قال ابن عبد السلام : والتفضيل مبني على كثرة الثواب المترتب على العمل فيهما ، والخلاف المذكور بين الأئمة في غير قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم لقيام الإجماع على أفضليته على سائر بقاع الأرض والسموات وعلى الكعبة وعلى العرش كما نقله السبكي لضمه أجزاء المصطفى الذي هو أفضل الخلق على الإطلاق ، ولعل معنى فضل القبر على غيره أنه أعظم حرمة من غيره ، لا لما قاله ابن عبد السلام في تفضيل المساجد على بعضها فافهم ). أهـ ، وقال المناوي في شرحه المسمَّى فيض القدير ( والخلاف فيما عدا الكعبة فهي أفضل من المدينة اتفاقا خلا البقعة التي ضمت أعضاء الرسول صلى الله عليه وسلم فهي أفضل حتى من الكعبة كما حكى عياض الإجماع عليه ) اهـ [ فيض القدير ج 6 ص 343 ] ، وقال الإمام الحصفكي الحنفي في الدر المختار ، وهذا الكتاب من أشهر كتب الحنفية يقول صاحبه ( لا حرم للمدينة عندنا ومكة أفضل منها على الراجح إلا ما ضم أعضاءه عليه الصلاة والسلام فإنه أفضل مطلقا حتى من الكعبة والعرش والكرسي. وزيارة قبره مندوبة ، بل قيل واجبة لمن له سعة ) [ الدر المختار ج 2 ص 689 ] ، وقال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي في شرحه على مختصر الخليل ( ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضمه صلى الله عليه وسلم فإنه أفضل من الكعبة والسماء والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت المعمور )  [ منح الجليل شرح مختصر الخليل ج5 ص 481 ] ، وقال الإمام السخاوي في التحفة اللطيفة : ( مع الإجماع على أفضلية البقعة التي ضمته صلى الله عليه وسلم ، حتى على الكعبة المفضلة على أصل المدينة ، بل على العرش ، فيما صرح به ابن عقيل من الحنابلة ، ولا شك أن مواضع الأنبياء وأرواحهم أشرف مما سواها من الأرض والسماء ، والقبر الشريف أفضلها ، لما تتنزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة ، التي لا يعملها إلا مانحها ، ولساكنه عند الله من المحبة والاصطفاء ما تقصر العقول عن إدراكه)  اهـ [ التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة السخاوي الصفحة 12] ، وقال ملا علي القاري الحنفي في المسلك المتقسط في المنسك المتوسط ( قال الجمهور : فما ضمّ أعضاءه الشريفة فهو أفضل بقاع الأرض بالإجماع حتى من الكعبة ومن العرش ) أهـ [ المسلك المتقسط في المنسك المتوسط ص351 - ص352 ] ، وقال الإمام البهوتي : ( الكعبة أفضل من مجرد الحجرة فأما والنبي صلى الله عليه وسلم فيها فلا والله ولا العرش وحملته والجنة ، لأن بالحجرة جسدا لو وزن به لرجح ) [منتهى الإرادات : 2 : 525 ] ، وقال الإمام ابن عابدين الحَنَفِي في رد المحتار علي الدر المختار : ( الكعبة أفضل من المدينة ما عدا الضريح الأقدس وكذا الضريح أفضل من المسجد الحرام. وقد نقل القاضي عياض وغيره الإجماع على تفضيله حتى على الكعبة ، وأن الخلاف فيما عداه. ونقل عن ابن عقيل الحنبلي أن تلك البقعة أفضل من العرش ، وقد وافقه السادة البكريون على ذلك. وقد صرح التاج الفاكهي بتفضيل الأرض على السموات لحلوله صلى الله عليه وسلم بها ، وحكاه بعضهم على الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها وقال النووي : الجمهور على تفضيل السماء على الأرض ، فينبغي أن يستثنى منها مواضع ضم أعضاء الأنبياء للجمع بين أقوال العلماء ) اهـ [ ج 2 ص 688 ] ، وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج (5 : 167) ( إلا التربة التي ضمت أعضاءه الكريمة صلى الله عليه وسلم فهي أفضل إجماعا حتى من العرش)  اهـ ، وفي حاشية البجيرمي على الخطيب (1 : 122) [قال الرملي في شرحه : التربة التي ضمت أعضاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع ما مر حتى من العرش] أهـ ، فيستفاد من أقوال العلماء السابقة أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق كلهم ، وبذلك شرفت البقعة الطاهرة التي بها جسده الطاهر و التربة التي ضمت أعضاءه

 

( ت ) ( تنبيه في بيان أنه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ) : حديث (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى  )) [ متفق عليه ] حديث صحيح كثر اللغط حوله بسبب سوء الفهم في المقصود من النهي ، وما هو المعنى الصحيح المراد منه ، أما المعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه : لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضلها فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد ، وهي المذكورة  في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى ،  أما سوء الفهم في بيان المراد من الحديث هو ظن البعض أن المراد من الحديث هو النهي عن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، بحجة أنه شد للرحال لذلك ، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف ، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط ، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها ، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم ، لا شيء فيها ، بل جميع اهل العلم على مر عصور الإسلام ، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد ،  كما أن شد الرحال للتجارة جائز كما قال تعالى : { وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [ المزمل : 20 ] ، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز ، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز ، فهل كل ذلك جائز ، وشد الرحال لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم غير جائز ، 

***

 

( 2 ) الادلة على استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة

جاء في كتاب رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة للشيخ المدقق ممدوح سعيد محمود : ( أولاً ) الدليل من الكتاب  : قال الله تبارك وتعالى : { وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً } ، هذه الآية تشمل حالتيْ الحياة وبعد الإنتقال ، ومن أراد تخصيصها بحال الحياة ، فما أصاب لأن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم ، وأعلى صيغ العموم ما وقع في سياق الشرط ، كما في ارشاد الفحول (ص122) وغيره ، قال شيخنا العلاّمة المحقق السيد عبد الله بن الصديق الغُماري رحمه الله تعالى  : فهذه الآية عامة تشمل حالة الحياة وحالة الوفاة وتخصيصها بأحدهما يحتاج إلى دليل ، وهو مفقود هنا ، فإن قيل : من أين أتى العموم حتى يكون تخصيصها بحالة الحياة دعوى تحتاج إلى دليل ؟ قلنا : من وقوع الفعل في سياق الشرط ، والقاعدة المقررة في الأصول أن الفعل إذا وقع في سياق الشرط كان عاماً ، لأن الفعل في معنى النكرة لتضمنه مصدراً   منكراً ، والنكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط تكون للعموم وضعاً . انتهى من الردِّ المحكم المتين ( ص44 ) ، فالآية الشريفة طالبة للمجئ إليه صلى الله عليه وسلم في جميع الحالات لوقوع   "جاءوك" فيها حيز الشرط الذي يدل على العموم ، وقد فهم المفسرون من الآية العموم ، ولذلك تراهم يذكرون معها حكاية العتبي الذي جاء للقبر الشريف مستشفعاً بالنبي (ص ) ، فقال ابن كثير في تفسيره ( 2 : 306 ) : وقد ذكر جماعةُ منهم الشيخ أبو النصر الصَّباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العُتْبي قال : كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول : { وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جَاءُوك فاسْتغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسول لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً } ، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول : (  يا خير من دفنت بالقاع أعظمه  ... فطاب من طيبهن القاع والأكم ... نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه  ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم  )  ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال : يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له ، وهى حكاية غير صحيحة الإسناد لكنَّ الشاهد من ذكرها هو بيان أن العلماء ذكروها استئناساً لبيان أن الآية تفيد العموم ، وحديث عرض الأعمال يؤيد  الاستدلال بهذه الآية وهو قوله  صلى الله عليه وسلم  : (( حياتى خير لكم ، ومماتي خير لكم تُحدثون ويُحدث  لكم وتعرض علىَّ أعمالكم فما وجدت من خير حمدت الله وما وجدت من غير ذلك استغفرت لكم )) ، وهو حديث صحيح ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ، ومع عموم الآية المتقدمة الذي لا يررتاب فيه مرتابُ ، أغرب ابن عبد الهادي فقال : (( ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجئ إليه في حياته ليستغفر لهم )) . اهـ ( ص425  من الصارم المنكي ) ، ( قلت ) : عجبت ولا ينقضي عجبي من ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى ، فهو يشهد شهادة نفي على السلف والخلف ، فلم يكفه السلف بل تعدى إلى الخلف ، ونظرة إلى كتاب التفاسير والمناسك والفقه التي بين أيدينا تجدهم يذكرون هذه الآية عند الكلام على الزيارة ، ولو استحضر ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى كتب مذهبه واستدلال فقهاء السادة الحنابلة بالآية على استحباب الزيارة لما صرح بقوله المذكور ، ولكن حبك للشئ يعمي ويصم ، وما زال الحجاج على قرون عديدة يأتون للزيارة قبل أو بعد المناسك ، متشرفين بالوقوف بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم يسلمون عليه فيرد عليهم السلام ، ويدعون ويستفرون ، وهذا يكفي لردَّ دعواه ، ثم الواجب على المسلم أن يعمل بالدليل الذي صحَّ ولا ينظر هل عُمل به أم لا ؟ وتوقفه عن العمل بسبب هذه الشائبة فيه افتئات على الشرع ، وتوقف عن العمل بالدليل لعارض متوهَّم ، وقد قال الله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } ، ولم يتقرر بعد توقف العمل بالدليل إلا بعد حصر من عمل به ولم يعمل ، ولا تجد هذا إلا في مخيلة من يدفع بالصدر فقط ، والحاصل أن التخصيص لا يكون إلا بحجة ، ولا حجة هنا في عرف الشرع ، وأجاد العلامة أبو بكر المراغي فقال رحمه الله تعالى في عموم هذه الآية : (( وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته صلى الله عليه وسلم قربة   للأحاديث الواردة في ذلك ولقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً} ، لأن تعظيمه صلى الله عليه وسلم لا ينقطع بموته ولا يقال : إن استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو في حال حياته فقط ، وليست الزيارة كذلك لما أجاب بعض العلماء المحققين أن الآية دلت على تعليق وجدان الله تواباً رحيماً بثلاثة أمور : المجئ واستغفارهم واستغفار الرسول لهم ، وقد حصل استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لجميع المؤمنين لأنه صلى الله عليه وسلم قد استغفر للجميع . قال الله تعالى : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } [ آية 19 سورة سيدنا محمد ] فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته ، وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور كما حكاه النووي ، وأوجبها الظاهرية ، فزيارته صلى الله عليه وسلم مطلوبة بالعموم والخصوص لما سبق. اهـ (ص102 _ 203 ) ، ذو أصل الكلام في " شفاء السِّقام في زيارة خير الأنام " للتقي السُّبكي ،

[ اعتراض العثيمين والجواب عليه ] : وقد اعترض ( محمد بن صالح العثيمين ) على الاستدلال بالآية المذكورة فقال في فتاويه ( 1 : 89 ) ما نصُّه : (("إذ" هذه ظرف لما مضى وليس ظرفاً للمستقبل لم يقل الله : ولو أنهم  إذا ظلموا بل قال : "إذ ظلموا"  فالآية تتحدث عن إمر وقع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مماته أمر متعذر ، لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث كما قال الرسولصلى الله عليه وسلم : "صدقة جارية لأو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له " فلا يمكن للإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد بل ولا يستغفر لنفسه أيضاً ، لأن العمل انقطع )) . انتهى ،  ( قلت ) : هذا إقدام جرئ من العثيمين نسأل الله العافية ، وإليك تفنيده بالآتي : أما قصره "إذ"  على الزمن الماضي فقط ففيه نظر لأن " إذ" كما تستعمل في الماضي فتستعمل في المستقبل أيضاً ، ولها معان أخرى ذكرها ابن هشام في مغني اللبيب ( 1 : 80 _ 83 ) ، وقد نص على أنَّ "إذ" تستعمل للمستقبل : الأزهري فقال في تهذيب اللغة ( 15 : 47 ) : العرب تضع "إذ" للمستقبل و "إذا" للماضي قال الله عز وجل : { وَلَوَ تَرَى إِذْ فزعوا } ( سورة سبأ آية رقم 51 ) ، ( قلت ) : ومن استعمال إذ للمستقبل قوله تعالى : {ولو ترى إذ وُقِفُوا عَلَى النَّار } ( الأنعام الآية 27 ) ، { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ( الأنعام الآية 30 ) ، { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات } ( الأنعام الآية 93 ) ، {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم} (السجدة الآية 12 ) ، وأما قوله : واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم أمر متعذر لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث  اهـ ، فخطأ : واستغفار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متعذر لأمور : ( الأول ) : قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ) أخرجه البيهقي في حياة الأنبياء (ص15). وأبو يعلى في مسنده (6 : 147) ، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2 : 44) ، وابن عدي في الكامل ( 2 : 739 ) ، وقال الهيثمي في المجمع (8  : 211) : (( ورجال أبي يعلى ثقات)). اهـ والحديث له طرق ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره ) أخرجه مسلم (4 : 1845) ، وأحمد (3  : 120 ) والبغوي في شرح السنة ( 13 : 351 ) وغيرهم ، وقال ابن القيم فبي نونيته عند الكلام على حياة الرسول بعد مماتهم  [ النونية مع شرح ابن عيسى 2 : 160 ] ، (  والرسل أكمل حالة منه بلا  ... شك وهذا ظاهر التبيان ... فذلك كانوا بالحياة أحق من ... شهدائنا بالعقل والبرهان ... وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ ... فنساؤه في عصمة وصيان ... ولأجل هذا لم يحل لغـيره ... منهن واحدة مدى الأزمان  ... أفليس في هذا دليل أنــه  ... حــي لمن كانت له أذنان ) ، (  الثاني ) : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى إماماً بالأنبياء عليهم السلام في الإسراء ، وهذا متواتر ، وكانوا قد ماتوا جميعاً ، وراجعه موسى عليه السلام في الصلوات ورأى غيره في السماوات ، فمن كان هذا حاله فكيف يتعذر عليه الاستغفار ؟ والصلاة دعاءٌ ، واستغفارٌ ، وتضرعٌ ، ( الثالث ) : قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (حياتى خير لكم  تُحدثون ويُحْدَثُ لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض علىَّ أعمالكم فما رأيت  من خير حمدت الله عليه وما وجدت من غير شرٍ استغفرت لكم )) ، وهو حديث صحيح وقال عنه الحافظ العراقي في طرح التثريب   (3 : 297) : إسناده جيد ، وقال الهيثمي (المجمع 9 : 24) : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ، وصححه السيوطي في الخصائص ( 2 : 281 ) ، وكلام العراقي والهيثمي بالنسبة لإسناد البزار فقط ، وإلا فالحديث صحيح كما قال الحافظ السيوطي ، وغيره ، وسيأتي الكلام عن الحديث بتوسع إن شاء الله تعالى ، ( الرابع ) : استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم حاصل لجميع المؤمنين سواء من أدرك حياته أو من لم يدركها قال الله تعالى : (( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات )) وهذه منة من الله تعالى ، وخصوصية من خصوصيات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  وقد علم مما سبق أن الأمور الثلاثة المذكورة في الآية وهي : (2) المجئ إليه صلى الله عليه وسلم ، (2) والاستغفار ، (3) واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ، هذه الثلاثة حاصلة في حياته وبعد انتقاله ، ولا يقال : إنَّ الآية وردت في أقوام معينين لا يقال ذلك لأنه كما هو معروف "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " ، ولذلك فهم المفسرون وغيرهم من الآية العموم واستحبوا لمن جاء إلى القبر الشريف أن يقرأ هذه الآية : { وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً} ، ويستغفر الله تعالى ، وهذه التفاسير بين أيدينا والمناسك التي صنفها علماء المذاهب كذلك وكلها تظهر صدق دعوى الاستدلال بالآية ، ولماذا نذهب بعيداً فهذا العلامة أبو محمد ابن قدامة الحنبلي صاحب المغني ، الذي يقول فيه ابن تيمية : ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من ابن قدامة. يذكر هذه الآية في المغني (3 : 590) في صفة زيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد تقدم نحو ذلك في ( ص 65 ) فقد قال في صفة الزيارة ما نصُّه : ثم تأتي القبر فتولِّ ظهرك وتستقبل وسطه وتقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه … إلى أن قال بعد الثناء والصلاة على النبي    صلى الله عليه وسلم : اللهم إنك قلت وقولك الحق : {وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً }} وقد اتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربِّي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم اجعله أول الشافعين ، وأنجح السائلين ، وأكرم الآخرين والأولين ، برحمتك يا أرحم الراحمين . ثم يدعو لوالديه ولإخوانه  المسلمين أجمعين . انتهى باختصار ، بقى الكلام على قول العثيمين : لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث … إلخ ، ( قلت ) : سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم له من الكمالات والخصوصيات ما لم يصح لأحد ، وهذا قرره ابن تيمية في كتابه ( الصارم المسلول على شاتم الرسول ) وهو أحسن كتبه وهو صلى الله عليه وسلم في ترقٍ وارتفاع إلى يوم الدين ، وهذا أمرٌ معلوم من الدين بالضرورة ومقرر في كتب الخصائص ، ودلائل النبوة والشفا وشروحه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً )) . أخرجه مسلم وغيره ، فجميع الأعمال التي تصدر عن الأمة المحمدية راجعة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فثوابها راجع إليه ، وينتفع به قطعاً من  غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ، وفي هذا الصواب قال ابن تيمية في الفتاوي (1 : 191) : ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال : من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شئ ، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الداعي إلى ما تفعله أمته من الخيرات ، فما يفعلون له فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شئ)) . انتهى كلام ابن تيمية ، والحاصل أنَّ ابن عثيمين زلَّ فيما قال ، نعوذ بالله من الكلام في كتاب الله بغير علم ، والتعدي على مقام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

 

( ثانياً ) الدليل من السُنَّة : وهو ينقسم إلى قسمين : 

( القسم الأول ) : الأحاديث الدالة على مطلق الأمر بزيارة القبور : ولها ألفاظ متعددة بلغت حد التواتر كما في نظم المتناثر ( ص 80 _ 81 ) ، وإتحاف ذوي الفضائل المشتهرة ( ص 97 ) ، ومن أشهر ألفاظه قوله صلى الله عليه وسلم : (( كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإنها تذكرة الآخرة ) ، ومن ألفاظه : (فمن أراد أن يزور القبور فليزر ولا تقولوا هجراً) . أخرجه بهذذا اللفظ النسائي في سننه ( 4 : 73 ) ، والفعل في سياق الشرط يفيد العموم ولا تجد مخصصاً للحديث ، وقبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد القبور مطلقاً وأولاها بالزيارة ، وهنا إشكال حاصله أنه قد حصل الاتفاق على جواز السفر لطلب العلم وصلة الأرحام وزيارة الإخوة في الله والتجارة ، فما الذي خصَّ أحاديث زيارة القبور وجعل جوازها مقروناً بعدم السفر ؟! ولا شك أن من قيد الأحاديث التي فيها مطلق زيارة القبور يكون قد أبعد ، وردَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتدبر ، ( إيقاظ ) لفظ "الزيارة" يلزم منه الانتقال من مكان لآخر ، فالشارع يحضُّ على الانتقال من مكان لآخر من أجل زيارة القبور ، فإن قيل : قد قال ابن تيمية في الردِّ على العلامة الأحنائي (ص77) : قوله "فزوروا القبور "  فالأمر بمطلق الزيارة أو استحبابها أو اباحتها لا يستلزم السفر إلى ذلك لا استحبابه ولا اباحته اهـ ، قلت : الحديث عام لا يخصصه شيء ، وقد تقرر : أنَّ الأمر إذا ثبت ثبتت لوازمه ، وعليه فإذا تعلقت الزيارة بانتقال سفرفلا يوجد نصٌ يمنع من هذا السفر ، ثم المرجع عند الاختلاف هو الشرع قال الله تعالى : { فإن تنازعتُم في شيء فرُدُّوه إلى الله والرَسول إنْ كنْتُمْ تُؤمنونَ باللهِ واليومِ الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ( النساء الآية 59 ) ، وقد سمى الشارع السفر زيارة وهو نصٌ لا يحتمل التأويل ، فقد أخرج مسلم في صحيحه (4 : 1988) " أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فأرصد الله على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخاً لي في تلك القرية قال : هل لك عليه من نعمة ترُبُّها ؟ قال : لا ، غير أنني أحببته في الله عز وجل . فقال  : إني رسول الله إليك ، بأنَّ الله أحبك كما أحببته " ، فالشارع قد سمى السفر وهو الانتقال من قرية لأخرى زيارة ، وعليه فلفظ الزيارة يحتمل السفر وعدمه ، فقصر لفظ الزيارة على أحد نوعيها ، وهو الزيارة التي بدون سفر تحكم في النصِّ ومخالفة الشرع ، والله أعلم ،

( القسم الثاني ) : الأحاديث الدالة على زيارة قبره صلى الله عليه وسلم بخصوصه : ومنها ما هو حسن بل صححه أو حسنه بعض الأئمة كابن السكن ، والسبكي ، والسيوطي وإلى الحُسن تكاد تصرح عبارة الذهبي ، ومن أحسنها ما روي من طريق موسى بن هلال العبدي عن عبد الله   ابن عمر العمري وعبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) ، والصواب : إثبات رواية العبدي للحديث عن العمري المكبر والمصغر ، والمكبر وإن كان فيه كلام لكنه حسن الحديث . وقال ابن معين في حديثه عن نافع : صالح ثقة ، ومما يجب أن نلفت نظر القارئ الكريم إليه أنَّ ابن عبد الهادي الذي حشد نصوص الجرح في العمري المكبر قد حسَّن حديث العمري هذا في تنقيح التحقيق ( 1 : 122) ، والحجة في قول يحيى ابن معين إمام الجرح والتعديل وغيره من الأئمة الذين قبلوا حديث العمري ، وموسى بن هلال العبدي روى عنه أئمة حفاظ وهو من شيوخ أحمد ، وقد قال عنه الذهبي في الميزان (4 : 226) : صالح الحديث ، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، ومن أحاديث الزيارة ما هو صالح للإحتجاج على طريقة أبي داود السجستاني في سننه كما ستجده في مكانه إن شاء الله تعالى ،        وصفوة القول أنَّ أحاديث زيارة القبر الشريف تصلح لإقامة صلب الدعوى ومن الجرأة الحكم عليها بالوضع كما زعم بعضهم ،

 

( ثالثاً ) : الإجماع : وقد نقله جماعة منهم القاضي عياض ، فقال في الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم ( 2 : 74 ) : (( زيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنَّة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها )) . اهـ ، وقال الشوكاني في نيل الأوطار ( 5  : 110 ) : (( واحتج أيضاً من قال بالمشروعية بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان على تباين الديار ، واختلاف المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته ، ويعدون ذلك من أفضل الأعمال فكان إجماعاً )) . اهـ ، وقال العلامة المحقق أبو الحسنات محمد عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي في " إبراز الغي الواقع في شفاء العيّ " : (( وأما نفس زيارة القبر النبوي فلم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات ، واختلفوا في ندبها ووجوبها ، فقال كثير منهم بأنها مندوبة ، وقال بعض المالكية والظاهرية : إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب ، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب ، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشئ لم يسبق إليه عالم قبله هو ابن تيمية )) اهـ ، وقد أتى المعارض هنا بتمحلات ، وليس عنده ما يشفي ومن جملة تمحلاته أنه يعترف بالإجماع المذكور ، ولكنه حرف الكلم عن مواضعه وقال : مقصودهم زيارة القبر الشريف بدون شد الرحل أو زيارة المسجد إن اقترن بشد الرحال ، وهذا التمحل باطل ويبطله النصوص المتقدمة عن السادة الفقهاء رضي الله عنهم وعمل الأمة ، فمن ذا الذي يتحمل مشقة السفر والتعرض للمخاطر حتى يحصل أجر ألف صلاة في حين أنه يتمكن من تحصيل أجر مائة ألف في مكة المكرمة ، لا شك أن الأمة  ما شدت الرحل وما سمحت بهذه التفدية العظيمة إلا لزيارة تلك البقعة المقدسة التي ثوى فيها حبيب رب العالمين  وإمام المرسلبن وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وسلم وبارك عليه ، وزاده فضلاً وشرفاً لديه ، ولا يظن ظان أننا ننكر فضل المسجد النبوي ، كلا وإنما مع وجود فضيلة المسجد النبوي فهي تقل عن فضيلة المسجد الحرام كما جاء النصُّ بذلك ، فلوكان شد الرحل لتحصيل الأجر فقط لكان المسجد الحرم  أولى وأولى ، وانظر رحمني الله وإياك هل تشد الرحال لزيارة المسجد الأقصى كما تشد لللمسجد النبوي ؟! فذلك أدل دليل وأقوى برهان على أن الذي يحث العزائم والركائب هو زيارة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليتنبه القارئ إلى أنه لم يقل أحد من فقهاء الأمة بنية شد الرحل لزيارة مسجده صلى الله عليه وسلم فقط قبل ابن تيمية ، والحاصل أن الإجماع القولي والعلمي على مشروعية شد الرحل لزيارة القبر الشريف قد ثبت ثبوت الجبال الرواسي ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وثمَّ ألفاظ وردت عن الإمام مالك رحمه الله تعالى لا تقدح في هذا الإجماع أجاب أصحابه عليها كما هو معلوم في محله ، ومثله ما يروى عن أبي محمد الجويني في مسألة النذر ، فإنه لا تعلق له بزيارة القبر الشريف ، كما حققه التقي السبكي في شفاء السِّقام ( ص 121 _ 123 ) ،

 

حديث  (( لا تشدُّ الرحال … الحديث )) يدل بمفهومه على استحباب الزيارة : من المعروف أن ابن تيمية انفرد في القرن السابع بمنع إنشاء السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أكثر تلميه ابن عبد الهادي من نقل فتاوي شيخه ابن تيمية المصرحة بتحريم شد الرحل لمجرد الزيارة ، وأعقب فتيا ابن تيمية مناظرات ومصنفات وفتن ، وأكثر العلماء من رَدّ مقالته [ ومحاولة تصوير الرادين على ابن تيمية أنهم من علماء السوء تهافت وبعد عن البحث وركوب لمقام الإفساد الذي يرده الواقع ، ولا بد من المبالغة في رد أمثال هذه الوساوس] ،  قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (5 : 66) بعد الإشارة لهذه الفتنة : ( والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شدِّ الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال الحافظ : وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية [قال الشيخ عبد العزيز بن باز معلقاً على عبارة الحافظ المذكورة أعلاه ( الفتح : 3 : 66 ) : وهذا اللازم لا بأس به ، وقد التزمه الشيخ وليس في ذلك بشاعة بحمد الله عند من عرف السنة مواردها ومصادرها ، والأحاديث المروية في فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلها ضعيفة بل موضوعة ،  كما حقق ذلك أبو العباس في منسكه وغيره ، ولو صحت لم يكن فيها حجة على جواز شد الرحال إلى زيارة قبره عليه اللاة والسلام من دون قصد المسجد ، بل تكون عامة مطلقة ، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخها ويقيدها )) . اهـ ، ( قلت ) : إذا كان كلام الشيخ ابن تيمية فيه بشاعة شدد بسببها العلماء النكير عليه فالأبشع منه  قولك : ولو صحت … إلخ ، فلازم كلامك تحريم السفر لطلب العلم وصلة الرحم وزيارة أخ في الله وللتجارة … إلخ ، لأن الأحاديث التي وردت في مثل هذه الأنواع عامة مطلقة ، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخها ويقيدها حسب عبارتك وهذل لم يقل  به أحد من الأمة ولا يعقل وكان أولى بالكاتب أن يتقيد بمذهبه الحنبلي بله مذاهب الأئمة قاطبة وقد تقدمت بعض نوهم ، ولا يخفي على القاريء اللبيب أن الحديث المذكور في شد الرحال لا يفيد العموم ، ودونك فهم الصحابة له مثل عمر بن الخطاب ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة وسيأتي إن شاء الله تعالى والله المستعان] ) أهـ ، وقال الحافظ أبو زرعة العراقي في بعض أجوبته المسماة ( الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية ص96–98) ، وهو بصدد الكلام على المسائل التي انفرد ابن تيمية بها : " وما أبشع مسألتي ابن تيمية  في الطلاق والزيارة ، [ وكأن ابن تيمية يمنع من الزيارة مطلقاً كما يفهم من كلامه فقال في الرد على الأخنائي  ( ص 102 ) : والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد ، وإذا سمى هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى له إنما هو تيان إلى مسجده . اهـ .وقلده ابن عبد الهادي فقال : ولأن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم لا يتمكن منها  أحد كما يتمكن من الزيارة المعروفة عند قبر غيره . اهـ ، ( قلت ) : مشيا رحمهما الله على اشتراط مشاهدة القبر في الزيارة وهو أمر لم يصرح به أحد من المسلمين ، على أنه قد استفاض لفظ القبر الشريف مع الزيارة والسلام والدعاء وطلب الاستسقاء والله المستعان ] ، وقد رد عليه فيهما معاً الشيخ تقي الدين السبكي وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد  وأحسن " اهـ ، وقال أيضاً في طرح التثريب ( 6 : 43 ) : وللشيخ تقي الدين ابن تيمية هنا كلام بشع عجيب يتضمن منع شد الرحل للزيارة ، وأنه ليس من القرب ، بل بضد ذلك ، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في شفاء السِّقام فشفى صدور قوم مؤمنين اهـ ، وذكر الحافظ العلائي المسائل التي انفرد بها ابن تيمية فقال : (( ومنها … أنَّ إنشاء السفر لزيارة نبينا صلى الله عليه وسلم معصية لا تقصر فيها الصلاة ، وبالغ في ذلك ولم يقل به أحد من المسلمين قبله )) ، انظر تكملة الردِّ على النونية (ص 143) وبمقولة ابن تيمية فُتِح في الأمة باب فتنة ، وقضى الله ولا راد لقضائه ، وعمدة ابن تيمية على هذا المنع حديث : لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد . المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ، والجواب على هذا من وجوه  : ( الوجه الأول ) : هذا الاستثناء المذكور في الحديث استثناء مفرغٌ ، ولا بدَّ من تقدير المستثنى منه ، وهو إما أن يُحمَل على عمومه فيقدر له أعمَّ العام لأن الاستثناء معيار العموم ، فيكون التقدير لا تشدُ الرحالُ إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة ، وهذا باطل بداهة لأنه يستلزم تعطيل السفر مطلقاً إلا للمساجد الثلاثة ولكن لا بد أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، قال ابن النجار الحنبلي في" شرح الكوكب المنير" (3 : 286) : ولا يصح الإستثناء أيضاً من غير الجنس نحو جاء القوم إلا حماراً ، لأن الحمار لم يدخل في القوم ، وكذا : له عندي مائة درهم إلا ديناراً ونحوه ، وهذا هو الصحيح من الروايتين عن الإمام أحمد رضي الله عنه واختيار الأكثر من أصحابنا وغيرهم . اهـ ، واختاره الإمام الغزالي في المنخول ( ص 159 ) ، ومن قال بجواز الاستثناء من غير الجنس قال : إنه مجاز ، وعليه فلا يصح أن يقال : قام القوم إلا حماراً مع إرادة الحقيقة. فإن أراد المجاز صح هنا بأن يجعل الحمار كناية عن البليد ، كذا في المدخل لابن بدران الحنبلي ( ص117 ) ، وفيه أيضاً قول الخرقي في مختصره : ومن أقر بشئ واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلاً . اهـ ، واستظهر أبو إسحق الشيرازي كونَ الاستثناء من غير الجنس من باب المجاز ، كذا في نزهة المشتاق شرح لمع أبي إسحاق ( ص230 _ 231 ) لشيخ مشايخنا الشيخ يحيى أمان المكي رحمه الله تعالى ، وصفوة القول أن كون المستثنى لا بد أن يكون من جنس المستثنى منه هو مذهب الحنابلة ، وأن من جوزه جعله من باب المجاز ، فرجع خلافهم إلى وفاق ، وعلى ما سبق تقريره ينبغي أن يقدر مستثنى منه يوافق المستثنى    ( المساجد ) المذكور في الحديث . فيكون نظم الحديث كالآتي : لا تشد الرحال إلى ( مسجد ) إلا إلى ثلاثة ( مساجد ) ، ورواية شهر بن حوشب في تعيين المستثنى منه مشهورة وقد أخرجها أحمد في المسند (3 : 64 ، 93) ، وأبو يعلى في مسنده (2 : 489) ، وقال الحافظ في الفتح (3 : 65) : وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف . اهـ ، وذكره الذهبي فيمن تكلم فيه وهو موثق (ص100) ، فهو ممن يحسن حديثه عند الذهبي أيضاً ، فهذان حافظان جبلان في الحفظ ومعرفة الرجال ذهبا إلى تحسين حديث شهر بن حوشب ، فلا تنظر بعد لتشغيب الألباني وقد رددت عليه بما سيأتي في مكانه إن شاء الله تعالى ، وقد تتابع على تقدير المستثنى بالمساجد شراح الحديث . وقال الكرماني في شرحه على البخاري  (7 : 12) عند قوله " لا إلى ثلاثة مساجد " : والاستثناء مفرغ ، فإن قلت : فتقدير لكلام لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان ، فيلزم أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل عليه السلام ونحوه ، لأن المستثنى منه في المفرغ لا بد أن يقدر أعم العام ، قلت : المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعاً ووصفاً كما إذا قلت : ما رأيت إلا زيداً كان تقديره : ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً ، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً ، فهاهنا تقديره : لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة . وقد وقع في هذه المسألة في عصرنا مناظرات كثيرة في البلاد الشامية ، وصنف فيها رسائل من الطرفين لسنا الآن لبيانها . اهـ ، وقال العلامة البدر العينى الحنفي ( 6 : 276 ) : وشد الرحال كناية عن لسفر لأنه لازم للسفر ، والاستثناء مفرغ ، فتقدير لكلام : لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان ، فإن قيل : فعلى هذا يلزم أن لا يجوز السفر إلى ما كان غير المستثنى حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل صلوات الله تعالى وسلامه عليه ونحوه ، لأن المستثنى منه في المفرغ لا بد أن يقدر أعم العام . وأجيب بن المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعاً ووصفً كما إذا قلت : ما رأيت إلا زيداً كان تقديره : ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً ، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً ، فها هنا تقديره لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة . اهـ ، وفي فتح الباري ( 3  : 66 ) : قال بعض المحققين : قوله : " إلا إلى ثلاثة مساجد " المستثنى منه محذوف ، فإما إن يقدر عاماً فيصير : لا تشد الرحل إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة أو أخص من ذلك ، لا سبيل إلى الأول لإفاضه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم ويرها فتعين الثاني ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو : لا تشد الرحال إلى مسجد لللاة إلا إلى الثلاثة ، فيبطل بلك قول من منع شدَّ الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين والله أعلم ، أهـ ( إيقاظ ) كون المستثنى منه (مسجد) هو ما وافق عليه بن تيمية فقال في الفتاوي ( 27 : 12 ) : " والتقدير في أحد أمرين " : أما أن يقال : "لاتشد الرحال" إلى مسجد" إلا إلى المساجد الثلاثة" فيكون نهياً عنها باللفظ . اهـ. ، وياليته اقتصر على لك ولكنه قال : "فيكون نهياً عنها باللفظ ، ونهياً عن سائر البقاع التي يعتقد فضيلتها بالتنبيه والفحوى وطريق الأولى … ثم قال : فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه فالسفر إلى المفضولة أولى وأحرى " . اهـ ، ( قلت ) : العكس هو الصواب تماماً وما قاله ابن تيمية ملزم له ، فإن هذه المساجد اختصت بزيادة فضل ، واستحب السفر لها ، فبدلالة النص ، وطريق الأولى ، فإن السفر لهذه البقعة الشريفة أولى من السفر للمساجد الثلاثة ، لأن البقعة التي ضمت جسده الشريف أفضل من المساجد الثلاثة ، ولا يقارن مسلم عاقل بين الجص والحجارة وبين بقعة ضمت جسد النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الإمام مالك : "إن البقعة التي فيها جسد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من كل شئ حتي الكرسي والعرش ثم الكعبه ثم المسجد النبوي ثم المسجد الحرام  ثم مكة " ، وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أنها أفضل بقاع الأرض كما في الشفا ، وحكاه قبله أبو الوليد الباجي وغيره وبعده القررافي وغيره من المالكية ويطلب تفصيل ذلك من معارف السنن شرح سنن الترمذي للسيد العلاَّمة المحقق محمد يوسف البنوري الحنفي ( 3 : 323 ) ، وعليه فقول ابن تيمية المتقدم : "فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه فالسفر إلى المفضولة أولى وأحرى". اهـ ، ينبغي أن يزاد عليه : والسفر إلى المكان الأفضل بالإجماع ( وهو القبر النبوي الشريف ) أولى وأحرى أيضاً بدلالة النص ، الله الموفق ، والهادي للصواب ،  الوجه الثاني : قال شيخ الإسلام التقي السبكي في شفاء السقام ( ص 118 ) : اعلم أن هذا الاستثناء مفرغ تقديره لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى المساجد الثلاثة ، أو لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة ولا بد من أحد هذين التقديرين ليكون المستثنى مندرجاً تحت المستثنى منه والتقدير الأول أولى لأنه جنس قريب . اهـ ، وعلى اعتبار عموم الحديث أي لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة ، أي العموم الذي يذهب إليه ابن تيمية ، قال التقي السبكي في شفاء السقام : ما ملخصه (ص119 _ 121) : (( السفر فيه أمران ، الأول : باعث عليه كطلب لعلم وزيارة الوالدين وما أشبه ذلك ، وهو مشروع بالتفاق ، لثاني : المكان الذي هو نهاية السفر كالسفر إلى مكة أو المدينة أو بيت المقدس ويشمله الحديث والمسفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل في الحديث لأنه لم يسافر لتعظيم البقعة ، وإنما سافر لزيارة من فيها فإنه لم يدخل في الحديث قطعاً ، وإنما يدخل في النوع الأول المشروع . فالنهى عن السفر مشروط بأمرين : أحدهما : أن يكون غايته المساجد الثلاثة ، والثاني : أن تكون علته تعظيم البقعة ، والسفر لزيارة النبي (ص ) ايته أحد المساجد الثلاثة وعلته تعظيم ساكن البقعة لا البقعة ، فكيف يقال بالنهي عنه ؟ بل أقول : إن للسفر المطلوب سببين أحدهما : ما يكون غايته أحد المساجد الثلاثة ، والثاني : ما يكون لعبادة وإن كان إلى غيرها والسفر لزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم اجتمع فيه الأمران ، فهو في الدرجة العليا من الطلب ودونه ما وجد في أحد أمرين ، ون كان السفر الذي غايته أحد الأماكن الثلاثة لا بد في كونه قربة من قصد صالح ، وأما السفر لمكان غير الأماكن الثلاثة لتعظيم ذلك المكان ، فهو الذي ورد فيه الحديث ، ولهذا جاء عن بعض التابعين أنه قال : قلت لابن عمر إني أريد أن آتي الطور  قال : إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام  ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى ، ودع الطور فلا تأته " أهـ ، والحاصل أن الحديث إن حُمِلَ على عمومه وفق مراد ابن تيمية فهو لا يَردُ على الزيارة مطلقاً ، لأن المسافر للزيارة مسافر لساكن البقعة كالعالم والقريب وهذه جائز إجماعاً ، أما الحديث فوارد في الأماكن فقط ، فتدبر تستفد ، ولله در التقيِّ السبكي ،  ( إيقاظ ) : تقرير  التقي السبكي يصرح بأن الحديث خاص بالنهي عن السفر للأماكن فقط ، وهو يتفق مع ما صرح به ابن تيمية فقد قال (الفتاي27 : 21) : "قوله صلى الله عليه وسلم (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) يتناول المنع من السفر إلى كل بقعة مقصودة ، بخلاف السفر للتجارة وطلب العلم ونحو ذلك فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت ، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود حيث كان " اهـ ، قلت : وعليه فالحديث خاص بالنهى عن السفر إلى تلك الأمكنة ، إذا علم ذلك فزيارة النبي صلى الله عليه وسلم لا تدخل في الحديث البتة لأنها زيارة وسفر لساكن البقعة وليس للبقعة ، فتدبر ، وبعد فلعل اللبيب يدرك ن الاستدلال بحديث "لا تشد الرحل " _ بعد ذلك _ على منع السفر للزيارة هو استدلال بأجنبي ، الوجه الثالث : إن النهي هنا ليس على وجه واحد ، وهو التحريم ، فقد اختلفوا على أي وجه هو ؟ قال ابن بطال : هذا الحديث ، إنم هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير المساجد الثلاثة . اهـ ، وقال الإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن : هذا "أي حديث لا تشد الرحال …" في النذر ، ينذر الإنسن أن يصلي في بعض المساجد فإن شاء وفَّى به ، وإن شاء صلى في غيره إلا أن يكون نذر اللاة في واحد من هذه المساجد ، فإن الوفاء يلزمه بما نذره فيها . وإنما خصَ هذه المساجد بذلك لأنها مساجد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وقد أمرنا بالاقتداء بهم أهـ . (معالم السنن 2 : 443) ، ومن المقرر أن النذر لا يجب إلا في طاعة ، فمعنى الحديث يجب الوفاء لمن نذر إتيان أحد المساجد الثلاثة للصلاة فيها ، فمن نذر إتيان غير هذه المساجد لا يجب عليه الوفاء بالنذر ، قال الإمام النووي : لا خلاف في ذلك إلا ما روي عن الليث أنه قال : يجب الوفاء به ، وعن الحنابلة رواية : يلزمه كفارة يمين ، ولا ينعقد نذره ، وعن المالكية رواية : إذا تعلقت به عبادة تختص به كرباط لزمه ، وإلا فلا ، وذكر عن نحند بن مسلمة المالكي في مسجد قباء لأن النبيصلى الله عليه وسلم كان يأتيه كل سبت . اهـ المجموع ( 8 : 377 ) ، قال ابن بطال : وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعً بلك فمباح إن قصدها بإعمال المطي ويره ولا يتوجه إليه الذي  في هذا الحديث . اهـ ، وقال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم : والصحيح عند أصحابنا وهو الذى اختاره مام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره . قالوا : والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة والله أعلم . ( 9 : 106 ) ، وقال الشيخ الإمام أبو محمد ابن قدامة المقدسي الحنبلي : فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد ، فقال ابن عقيل : لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها. قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا  تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) متفق عليه والصحيح إباحته وجواز القصر فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكباً وماشياً وكان يزور القبور وقال : ( زوروها تذكركم الآخرة ) ، وأما قوله عليه السلام (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )) فيحمل على نفي التفضيل لا على التخريم وليست الفضيلة شرطاً في إباحة   القصر ، فلا يضر انتفاؤها ، (( النغني 2 : 103 _ 104 )) ، ومثله لأبي الفرج ابن قدامة في الشرح الكبير (2 : 93 ) ، وقال إمام الحرمين : (( والظاهر أنه ليس فيه تحريم ، ولا كراهة ، وبه قال الشيخ أبو علي : ومقصود الحديث تخيص القربة بقصد المساجد الثلاثة ). اهـ (الروضة : 3 : 324) ، و (المجموع : 8 : 375) ، وصفوة ما سبق : أن الصلاة في هذه المساجد تخت بصطاعة زائدة على ما سواها من المساجد ، ولما كان الأمر كذلك فلا يصح الوفاء بالنذر إلا إليها ، أما غيرها من المساجد فيستوي ثواب الصلاة فيها ، والسفر إليها سفر مباح يجوز قصر الصلاة فيه ، فإن قيل : هلاَّ كشفت لنا ما يؤيد ما ذكرته ؟ قلت : وبالله استعنت : ويؤيد من ذهب إلى أن الحديث خا بالنذر الآتي : 1) ما صح بإسناد رجاله رجال مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم  قال : ( إن خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق ) ، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى ، والحديث يصرح بأنه يجوز ركوب الرواحل إلى غيرهما من المساجد والبقاع ، 2) فهم الصحابة وهاك بعض الأمثلة : أ) فقد روى عن عمر بن شبه في "تاريخ المدينة " (1 : 42) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا صخر بن جويرية ، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت : سمعت أبي يقول : (( لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين ، أحب إلىَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين ، ولو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل )) ، قال الحافظ ابن حجر : إسناده صحيح (( الفتح : 3  : 69 ) ، ب) وروى ابن أبي شيبة نحوه في المصنف (2 : 373) ، ج) وروى عبد الرازق في المصنف (5 : 133 ) عن الثوري ، عن يعقوب بن مجمع بن جارية ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب أنه قال : "لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق ، ضربنا إليه أكباد المطي" إسناده حسن فإن يعقوب بن مجمع وثقة ابن حبان وروى عنه إمام كالثوري ، وقال الحافظ الذهبي في الكاشف(2 : 395) : وثق ومجمع بن جارية  صحابي ولهذا الأثر طريق آخر أخرجه عمر بن شبه في أخبار المدينة (1 : 49 ) فيه أسامة بن زيد بن أسلم وهو وإن ضعف من قبل حفظه ، فهو يلح في المتابعات والشواهد ، وعمر رضي الله عنه من رواة حديث "لا تشد الرحال" فلو علم أن النهي في الحديث للتحريم لما قال مقولته في مسجد قباء ، فتدبر تستفد ، د) وأخرج الفاكهي في تاريخ مكة (رقم 2596) بإسناد لا بأس به حدثنا أحمد بن صالح قال : ثنا محمد بن عبد الله ، عن صخر بن جويرية ، عن عائشة بنت سعد قالت : كان سعد رضي الله عنه يقول : لو كنت من أهل مكة ما أحطأني جمعة لا أصلي فيه _ يعني مسجد الخيف _ ولو يعلم الناس ما فيه لضربوا إليه أكباد الإبل ، لأن أصلي في مسجد الخيف ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين فأصلي فيه ، وغير خفي أن سعد بن أبي وقاص كان من أكابر الصحابة ، ولو علم أن النهي في الحديث للتحريم لعلم أن كلامه فيه ردٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هـ) وروى أحمد في المسند (6 : 397) ، الطبراني في المعجم الكبير ( 2 : 310 ) من حديث مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري قالت : لقيت أبا هريرة وهو يسير إلى مسجد الطور ليصلي فيه قال : فقلت له : لو أدركتك قبل أن ترتحل ما ارتحلت قال : فقال ولم ؟ قال : فقلت : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، المسجد الأقصى ، ومسجدي )) ، فأبو هريرة لقى أبا بصرة رضي الله عنهما : وكان أبو هريرة يسير إلى مسجد الطور ، ولما أعلمه أبو بصرة بنص الحديث لم يرجع أبو هريرة ، ولو كان أبو هريرة قد فهم من الحديث التحريم لرجع ولكنه لم يفعل ، بل ولم يخرج أصلاً لأنه من رواة هذا الحديث ، فدل فعله على أن النهي الذي في الحديث لا يفيد التحريم عند أبي هريرة رضي الله عنه ، فأي حجةٍ ، وأي برهان ، وأي دليلٍ ، يطلب بعد فهم أكابر الصحابة رضي الله عنهم للحديث ؟ ومما سبق يعلم أنه ليس من منطوق أو مفهوه حديث " لا تشد الرحال … الحديث "  نهي عن شد الرحال لزيارة القبر النبوي الشريف ، والله أعلم ، وتعجبني كلمة الفقيه اللغوي مجد الدين الفيروز آبادي إذ قال في كتابه الصلات والبشر (ص 127) : أما حديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فلا دلالة فيه على النهي عن الزيارة بل هو حجة في ذلك ومن جعله دليلاً على حرمة  الزيارة فقد أعظم الجراءة على الله ورسوله وفيه برهان قاطع على غباوة قائله ، وقصوره عن نيل درجة كيفية الاستنباط والاستدلال . اهـ ، فلا تنظر بعد لمن يردد صدى كلام لا يفقه ، ونما هو مؤيد فقط لرأي غيره بدون تأمل أو من يلخص ويتعصب !! ) [ انتهى بتمامه من كتاب رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل و الزيارة للشيخ محمود سعيد ممدوح : ص 67 إلى ص 109 ]

***

 

( 3 ) كلام الأئمة الفقهاء في استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم

وقال الشيخ محمود سعيد ممدوح  - أيضاً - في كتابه رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل و الزيارة  : (  قال الإمام - المجمع على علمه وفضله - أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى : ( واعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهم القربات ، وأنجح المساعي ، فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحباباً متأكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه  وسلم ، وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه ) اهـ [ المجموع : 8 : 204 ] ، وقال أيضاً في الإيضاح في مناسك الحج : ( إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيارة تربته صلى الله عليه وسلم فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي ، وقد روى البزَّار والدار قطني بإسنادهما عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) اهـ [ الإيضاح في مناسك الحج  ص214 ] ، وقال الإمام ابنُ حجر الهيثمي في حاشية الإيضاح : ( الحديث يشمل زيارته صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً ، ويشمل الذكر والأنثى ، الآتي من قرب ومن بعد ، فيستدل به على فضيلة شد الرحال لذلك ، وندب السفر للزيارة إذ للوسائل حكم  المقاصد ) . اهـ [ ص 214 حاشية الإيضاح ] ، وقال الإمام المحقق الكمال ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير : ( المقصد الثالث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم : قال مشايخنا رحمهم الله تعالى : من أفضل المندوبات ، وفي مناسك الفارس وشرح المختار : إنها قريبة من الوجوب لمن له سعة ) اهـ [شرح فتح القدير  3 : 179 _ 180 ] ، وفي رد المختار على الدر المختار : ( "قوله مندوبة" : أي بإجماع المسلمين كما في اللباب ، قوله : ((بل قيل واجبة )) ذكره في شرح اللباب ، وقال كما بينته في " الدرة النبوية في الزيارة المصطفوية " ، وذكره أيضاً الخير الرملي في حاشية المنح عن ابن حجر قال : وانتصر له ، نعم عبارة اللباب والفتح وشرح المختار إنها قريبة من الوجوب لمن له سعة ، وقد ذكر في الفتح ما ورد في فضل الزيارة وذكر كيفيتها وآدابها وأطال في ذلك وكذا شرح المختار واللباب ، قوله : "ويبدأ …. إلخ". قال في شرح اللباب : وقد روي الحسن عن أبي حنيفة إنه إذا كان الحج فرضاً ، فالأحسن للحاج أن يبدأ بالحج ثم يثني بالزيارة وإن بدأ بالزيارة جاز )  اهـ [ رد المختار على الدر المختار : 2 : 257 ] ، وقال علي القارى : (  وقد فرَّط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرّم السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم كما أفرط غيره حيث قال : كون الزيارة قربة معلومة من الدين بالضرورة وجاحدة محكوم عليها بالكفر ، ولعلَّ الثاني أقرب للصواب لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفراً ، لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب. اهـ [ شرح الشفا بهامش نسيم الرياض 2  : 514 ] ، وقال القاضي عياض في الشفا ( 2 : 74 ) : ( فصل في حكم زيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفضيلة من زاره وسلَّم عليه ، وكيف يسلم ويدعو وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنَّة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلةً مرغب فيها. اهـ ، وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي : ( ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني  في حياتي )). وفي رواية ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) رواه باللفظ الأول سعيد سنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر ، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قُسَيْط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما من أحد يسلم علىَّ عند قبري إلا رد الله علىَّ روحي حتي أرد عليه السلام). وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطرق ولا يتشاغل بغيره ، ويروى عن العتبي قال : كنت جالساً عند قبر النبيصلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً } ، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول  : ( يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهنَّ القاع والأكم ... نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه  ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم )  ،  ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ، فقال : يا عتبى ألحَقْ الأعرابيَّ فبشره أنَّ الله غفر له. اهـ [ المغني : 3  : 588- 589 ] ، وقال أبو الفرج ابن قدامة الحنبلي في الشرح الكبير  : ( (مسألة) : " إذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما".تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي ) ، وفي رواية : (من زار قبري وجبت له شفاعتي ) رواه باللفظ الأول سعيد ، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قُسيط عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال : (ما من أحد يسلم على عند قبري إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام ) . اهـ ، ثم ذكر قصة العتبي التي تقدمت (الشرح الكبير : 3 : 494) ، وقال الشيخ منصور البهوتي في كشَّاف القناع  : ( ( فصل ) : وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لحديث الدارقطني عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي ). وفي رواية : (من زار قبري وجبت له شفاعتي ) رواه باللفظ الأول سعيد ، ( تنبيه ) : قال بن نصر الله : لازم استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم استحباب شد الرحال إليها لأنَّ زيارته للحاج بعد حجة لا تمكن بدون شد الرحال ، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وسلم )) . اهـ [ 2 : 514  - 515] ، وفي متن المقنع : ( إذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة قبر صاحبيه رضي الله عنهما  ) أهـ [المبدع شرح المقنع 2 : 258 ] ، وقال أبو الحسن المرداوي في الإنصاف  (4 : 53 ) : (  قوله إذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه".هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة ً متقدمهم ومتأخرهم ) . اهـ ، وفي زاد المستقنع مختصر المقنع : (ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر صاحبيه رضي الله عنهما)). اهـ [ الروض المربع  ص 152 ] ، هذا حاصل ما للسادة فقهاء المذاهب الأربعة في مسألة الزيارة ، وقد علمت مما سبق اتفاقهم على طلب الزيارة وجوباً وندباً ، وتسابقوا في ذكر تأكيدهما وجريان عمل المسلمين على ذلك ، وفيما ذكر كفاية لمن كان من أهل العناية ، وسلَّم لأولي الفقه وعرف قدره ووقف عنده ) انتهى من [ كتاب رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل و الزيارة للشيخ محمود سعيد ممدوح : ص 60 إلى ص 66 ]

***

 

( 4 ) مبحث كلمة هادئة في الزيارة وشد الرحال للدكتور عمر كامل  :

المبحث الأول : الدليل من الكتاب : قال تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا } ، هذه الآية تشمل حالتيْ الحياة وبعد الانتقال ، ومن أراد تخصيصها بحال الحياة ، فما أصاب ، لأن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم ، وأعلى صيغ العموم ما وقع في سياق الشرط [كما في إرشاد الفحول (ص122) وغيره] ، فالآية الشريفة تطلب المجيء إليه صلى الله عليه وسلم  في جميع الحالات لوقوع الفعل {جاءوك} فيها في حيز الشرط الذي يدل على العموم ، قال ابن كثير في تفسيره [ (2 : 306) ] : « وقوله : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا } الآية. يرشد الله تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال : { لوجدوا الله توابا رحيما} وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال : كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا } وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول : ( يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهنَّ القاع والأكم ... نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه  ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم )  ، وذكر النسفي والثعالبي مثل ذلك في تفسيرهما للآية ، وكذلك ذكر القرطبي في تفسيره نحواً من ذلك وفيه « وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك » ، واستشهاد هؤلاء المفسرين بهذه الحكاية (حكاية العتبي) دليل على أنهم فهموا الآية بالعموم ، ومن ادعى أن إذ في قوله تعالى { إذ ظلموا } تأتي للماضي فقد وهم. فهي كما تستعمل في الماضي تستعمل أيضا في المستقبل ، ولها معان أخرى ذكرها ابن هشام في (مغني اللبيب : 1 : 80-83 ) ، وقد نص العلامة الأزهري على أن (إذ) تستعمل للمستقبل ، فقال في تهذيب اللغة (15 : 47) « العرب تضع (إذ) للمستقبل و (إذا) للماضي ، قال الله عز وجل : { ولو ترى إذ فزعوا } » ، قلت : ومن استعمال (إذ) للمستقبل : قوله تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا على النار } ، { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ، { ولو ترى إذ الظلمون في غمرات الموت } ، { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم } ، ولا يقال : إن ذلك إنما يكون في حال حياته ، فوجه الاستدلال بهذه الآية على مشروعية المجيء والاستغفار عند قبره الشريف أنها علقت وجدان الله توابا رحيما على ثلاثة أمور هي : المجيء ، والاستغفار ، واستغفار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والمجيء بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم  هو مجيء إلى قبره الشريف ، فالآية تشير إلى استحباب المجيء عند القبر والدعاء وطلب الاستغفار عنده ، وقد ثبت أن عددا من الصحابة رضي الله عنهم كان إذا حزبهم أمر أو نزلت بهم نازلة اتجهوا للقبر النبوي الشريف يدعون الله تبارك وتعالى ويستشفعون بالنبي صلى الله عليه وسلم : فمن ذلك ما أخرجه أحمد في المسند : ثنا عبدالملك بن عمرو ، ثنا كثير بن زيد ، عن داود ابن أبي صالح قال : أقبل مروان يومًا فوجد رجلًا واضعا وجهه على القبر فقال : أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب ، فقال نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولم آت الحجر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (( لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله )) [مسند أحمد (5 : 422) ] ، ومنها ما أخرجه الحافظ الدارمي في سننه : باب ما أكرم الله تعالى نبيه بعد موته : حدثنا أبو النعمان ، ثنا سعيد بن زيد ، ثنا عمرو بن مالك النكري ، ثنا أبو الجوزاء أوس بن عبدالله قال : (( قحط أهل المدينة قحطاً شديدا فشكوا إلى عائشة فقالت : انظروا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم  فاجعلوا منه كوا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، قال ففعلوا ، فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق )) [سنن الدارمي (1 : 43-44) ] ، ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن مالك الدار ، قال : وكان خازن عمر على العام ، قال : « أصاب الناس قحط في زمن عمر ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم  فقال : يا رسول الله ، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأُتِيَ الرجل في المنام فقيل له : ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنكم مسقيون وقل له : عليك الكيس عليك الكيس ، فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال : يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه )) [مصنف ابن أبي شيبة (12 : 31-32) ، وهذا حديث صحيح صححه الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري ، باب سؤال الناس في الاستسقاءإذا قحطوا ] ، وقد ثبت أن عددا من الصحابة فمن بعدهم كانوا يدعون عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر ابن تيمية آثارا عنهم في كتابه الرد على الأخنائي (ص 167-168) : فإذا وُجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته ، واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم  ليس متعذرا بعد وفاته ، فقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «حياتي خير لكم تُحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت لكم )) [وهو حديث صحيح ، وقال عنه الحافظ العراقي في (طرح التثريب) (3 : 297) (إسناده جيد) ، وقال الهيثمي في المجمع (9 : 24) : (رواه البزار ورجاله رجال الصحيح) وصححه الحافظ السيوطي في الخصائص (2 : 281) ] ، وهذه منة من الله تعالى ، وخصوصية من خصوصيات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يقال : إن الآية وردت في أقوام معينين ، لأنه كما هو معروف « العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب » .

المبحث الثاني : الدليل من السُنَّة : وهو ينقسم إلى قسمين :  القسم الأول : الأحاديث الدالة على مطلق الأمر بزيارة القبور : ولها ألفاظ متعددة بلغت حد التواتر كما في نظم المتناثر (ص 80 ، 81) ، وإتحاف ذوي الفضائل المشتهرة  (ص 97) ، ومن أشهر ألفاظه قوله صلى الله عليه وسلم : (( كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإنها تذكر الآخرة )) [روى هذا الحديث الجمع الغفير منهم : مسلم 2 : 672 ، 1563 ، الترمذي 3 : 370 ، أبو داوود 3 : 332 ، النسائي 4 : 89 ، 7 : 234 ، 8 : 310-311 ، وابن ماجة 1 : 501 ، وعبدالرزاق 3 : 569 ، 573 ] ، ومن ألفاظه : (( فمن أراد أن يزور القبور فليزر ولا تقولوا هجراً )) [أخرجه بهذا اللفظ النسائي في سننه (4 : 73) ] ، والفعل في سياق الشرط يفيد العموم ولا تجد مخصصاً للحديث ، وقبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  سيد القبور مطلقاً وأولاها بالزيارة ، وهنا إشكال ، حاصله أنه قد حصل الاتفاق على جواز السفر لطلب العلم وصلة الأرحام وزيارة الأخوة في الله والتجارة ، فما الذي خصَّ أحاديث زيارة القبور وجعل جوازها مقروناً بعدم السفر؟! ولفظ « الزيارة » يلزم منه الانتقال من مكان لآخر ، فالشارع يحضُّ على الانتقال من مكان لآخر من أجل زيارة القبور ، وعليه فإذا تعلقت الزيارة بانتقال سفر فلا يوجد نصٌ يمنع من هذا السفر ، وقد سمى الشارع السفر زيارة وهو نصٌ لا يحتمل التأويل ، فقد أخرج مسلم في صحيحه : (( أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فأرصد الله على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال : أين تريد؟ قال : أريد أخاً لي في تلك القرية قال : هل لك عليه من نعمة ترُبُّها؟ قال : لا ، غير أنني أحببته في الله عز وجل. فقال : إني رسول الله إليك ، بأنَّ الله أحبك كما أحببته )) [مسلم (4 : 1988) ] ، فالشارع قد سمى السفر وهو الانتقال من قرية لأخرى زيارة ، وعليه فلفظ الزيارة يحتمل السفر وعدمه ، قال الحافظ أبو زُرْعة العراقي في طرح التثريب : «وكان والدي (أي الحافظ الكبير ولي الله العراقي) رحمه الله تعالى يحكي أنه كان معادلاً للشيخ زين الدين عبد الرحيم ابن رجب الحنبلي في التوجه إلى بلد الخليل عليه السلام ، فلما دنا من البلد قال : نويت الصلاة في مسجد الخليل ليحتزر عن شدِّ الرحال لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية قال : قلت : نويت زيارة قبر الخليل عليه السلام ثم قلت له : أما أنت فقد خالفت النبي صلى الله عليه وسلم  لأنه قال : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع ، وأما أنا فاتبعت صلى الله عليه وسلم  لأنه قال : (زوروا القبور) أفقال إلا قبور الأنبياء؟ قال : فبهت )) [طرح التثريب (6 : 43) ] وأبو الفضل العراقي الكبير كان حافظاً ، فقيهاً ، أصولياً ، فأسكت ابن رجب ، رحمة الله على الجميع ،

القسم الثاني : الأحاديث الدالة على زيارة قبره صلى الله عليه وسلم  بخصوصه : [ الحديث الأول ] : « من زار قبري وجبت له شفاعتي » [ أخرجه الدارقطني في سننه (2 : 278) ، والدولابي في الكنى والأسماء (2 : 64) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 3 : 490) ، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (1 : 581) ، وابن الدبيثي في الذيل على التاريخ (2 : 170) ، وابن النجار في تاريخ المدينة (ص142) ، وكذا ابن عدي في الكامل (6 : 235) ، والسبكي في شفاء السقام (ص2-14) ] ، وقد أعل هذا الحديث بعلل لا يصح منها شيء ، فمن ذلك : أن  موسى بن هلال مجهول ، واضطرب في هذا الحديث ، وأنه يرويه عن عبد الله بن عمر العمري ، ولا تصح روايته عن عبيد الله بن عمر الثقة الحافظ ، و أن عبد الله بن عمر العمري ضعيف ، وهذه العلل لا تصح : لأن موسى بن هلال حسن الحديث ، وقد قال عنه ابن عدي : أرجو أنه لابأس به ، وقال الذهبي : صالح الحديث ، وروى عنه عدد من الأئمة الحفاظ من أجلهم أحمد بن حنبل ، كما أن دعوى الاضطراب لا تصح إلا مع تعذر الجمع  بين الروايات ، وقد أمكن الجمع من الجهتين ،

الحديث الثاني : (( من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي ، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له شهيداً يوم القيامة )) ، وأعل هذا الحديث بفضالة بن سعيد بن زميل المأربي ، وبشيخه محمد بن يحيى بن قيس المأربي ، وخلاصة ما قيل في محمد بن يحيى المأربي هو قول الحافظ في التقريب (ص513) : «لين الحديث»اهـ. والترمذي : « يحسن لمن قيل فيه مثل ذلك » ، فالحاصل مما تقدم أن هذا الإسناد فيه راوٍ غاية ما فيه أنه مجهول وتفرد بهذا الحديث ، وآخر اختلف فيه : وثقه الدارقطني وصحح له ابن حبان ، ووثقه وأخرج له أصحاب السنن : النسائي ، وأبو داود ، والترمذي ، وقال عنه الحافظ : لين الحديث. وقال الذهبي : وثق ،

[ الحديث الثالث ] : (( من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة )) ، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3 : 488) ، وحمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان (ص434) ومن طريقه السبكي في شفاء السقام (ص35) ، وابن أبي الدنيا في كتاب القبور كلهم من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن سليمان بن يزيد الكعبي أبي المثنى عن أنس بن مالك ، وله طريق آخر عن أنس : قال إسحاق بن راهويه في مسنده : أخبرنا عيسى بن يونس ، ثنا ثور ابن يزيد ، حدثني شيخ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم . (المداوي لعلل المناوي : (6 : 232) ، فلولا الشيخ المبهم الذي لم يسم لكان السند في أعلى درجات الصحة ، لكن هذا الطريق إذا ضم لسابقه استفاد الحديث قوة ،

[ الحديث الرابع ] : (من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة ) أخرجه الدارقطني في سننه (2 : 278) ، حدثنا أبو عبيد والقاضي أبو عبد الله وابن مخلد قالوا : حدثنا محمد بن الوليد البسري ، حدثنا وكيع ، حدثنا خالد بن أبي خالد وأبو عون عن الشعبي والأسود بن ميمون عن هارون بن أبي قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب ، وقد قال الحافظ الذهبي : أجودها (أي أحاديث الزيارة ) إسناداً حديث حاطب ، وأقره السخاوي في (المقاصد الحسنة) (ص413) ، والسيوطي في (الدرر المنتثرة) (173) فهؤلاء ثلاثة من الحفاظ اتفقوا على مقولة تدحض قول المخالف ،

[ الحديث الخامس ] : ((من صلى علي عند قبري سمعته ، ومن صلى علي نائياً أبلغته ))  قال الحافظ السخاوي في القول البديع (ص154) : «وسنده جيد كما أفاده شيخنا (أي الحافظ بن حجر)» اهـ ، فإسناد الحديث رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ أبي الشيخ الأصبهاني ، وهو عبد الرحمن بن أحمد بن أبي  يحيى الزهري أبو صالح الأعرج المتوفي سنة 300 ترجم له أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان ( 3 : 541 ) ، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ( 2 : 113 ) ، ولم يذكرا فيه جرحاً أو تعديلاً ، فغاية ما في الرجل إنه مستور ، فالحديث بهذا الإسناد مقبول ، وقد قال الحافظ أحمد بن الصديق الغماري في المداوي لعلل المناوي (6 : 277 : 1) إسناده نظيف أهـ ، وللحديث طريق آخر عن الأعمش : أخرجه العقيلي في الضعفاء (4 : 137) ، والبيهقي في حياة الأنبياء (ص15) ، وفي شعب الإيمان ( 2 : 218 ) والخطيب في التاريخ ( 3 : 291 ، 292 ) ، وحاصل ما ذكر أن الحديث جيد الإسناد ، ومن حكم على هذا الحديث بالوضع فلعدم وقوفه على رواية أبي الشيخ ،

[ الحديث السادس ] : (ما من أحد يسلم علي ، إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه) أخرجه أحمد (2 : 527) ، وأبو داود (2 : 293) ، والبيهقي في السنن الكبرى (5 : 245) ، وفي حياة الأنبياء  (ص11) ، وفي الشعب (2 : 217) ،  وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2 : 353) جميعهم من طريق أبي صخر حميد بن زياد ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : «ما من أحدٍ يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام » ، أبو صخر حميد بن زياد قال عنه أحمد وابن معين : لا بأس به ، ووثقه الدارقطني ، وابن حبان ، وقال البغوي : مدني صالح الحديث ، وقال ابن عدي : وهو عندي صالح الحديث ، ووثقه ابن شاهين ، وذكره الذهبي في جزء (من تكلم فيه ، وهو موثق (ص73) ) ، و أخرج له مسلم في صحيحه ،

 

المبحث الثالث : مناقشة دلالة حديث (( لا تشد الرحال )) ، ومحل النزاع هو الاستثناء الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم  : (( لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد .. .)) ، ومن المعلوم والمقرر في أبسط كتب النحو ، أنه إذا وجدت أداة استثناء فيقتضي ذلك وجود مستثنى ومستثنى منه ، والمستثنى هو ما كان بعد أداة الاستثناء ، والمستثنى منه هو ما كان قبلها ، ولا بد من الأمرين فيه ، إما وجوداً أو تقديراً ، وإذا نظرنا إلى هذا الحديث وجدنا أنه قد جاء فيه التصريح بذكر المستثنى وهو قوله : (إلى ثلاثة مساجد) وهو ما بعد (إلا) ولم يأت ذكر المستثنى منه وهو ما قبل (إلا) فلا بد إذن من تقديره حتى يستقيم معناه ، وهو ما يسميه أهل اللغة بالمفرغ ، قال صاحب تلخيص المفتاح [2  : 230-231 ] : «إن النفي في الاستثناء المفرغ يتوجه إلى مقدر هو مستثنى منه  عام مناسب للمستثنى في جنسه» ، قال السعد التفتازاني في شرحه على التلخيص : «قوله : (إن النفي في الاستثناء المفرغ) الذي حذف فيه المستثنى منه وأعرب ما بعد إلاّ بحسب العوامل (إلى مقدر هو مستثنى منه) لأن إلاّ للإخراج ، والإخراج يقتضي مُخرجاً منه (عام) ليتناول المستثنى وغيره فيتحقق الإخراج (مناسب للمستثنى في جنسه) بأن يقدر في نحو ما ضرب إلاّ زيد ، ما ضرب أحد ، وفي نحو ما كسوته إلاّ جبة ، ما كسوته لباساً ، وفي نحو ما جاء إلاّ راكباً ، كائناً على حال من الأحوال ، وفي نحو ما سرت إلاّ يوم الجمعة. ما سرت وقتاً من الأوقات. وعلى هذا فالتقدير على هذا يكون عاماً كما هو مذكور في عبارة صاحب التلخيص ، إلا أنه قيده بكونه مناسباً للمستثنى في جنسه ، فإن قدرناه بأعم العام كان هكذا : (لا تشد الرحال إلى مكان إلاّ ثلاثة مساجد..» ، وهذا التقدير ظاهر البطلان بمجرد النظر فيه ، لأنه يمنع من شد الرحل إلى مكان ، ما عدا المساجد الثلاثة. كطلب العلم والرزق والسفر للتجارة ولزيارة الوالدين إلى غير ذلك من الأمور التي حث عليها الشارع ، فلزم من ذلك أن يقدر بأخص من العام حتى يتناسب مع المستثنى على ما نص عليه علماء البلاغة كما تقدم ، فيصبح التقدير السليم إذاً : لا تشد الرحال إلى مسجد إلاّ ثلاثة مساجد ، أي أنه لا تشد الرحال إلى مسجد لأجل تعظيمه والتقرب إلى الله تعالى بمجرد الصلاة فيه. لأن المساجد في الأرض كلها سواء من حيثية أنها بيوت الله تعالى إلاّ هذه المساجد الثلاثة ، فإن شد الرحل إليها لتعظيمها بالصلاة فيها قربة من القربات ، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح [ 3 : 85 ] : وقال بعض المحققين : قوله : (إلاّ إلى  ثلاثة مساجد) المستثنى منه محذوف فإما أن يقدر عاماً ، فيصير : (لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلاّ إلى ثلاثة) ،  أو أخص من ذلك إذ لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة ، وصلة الرحم ، وطلب العلم ، وغيرها ، فتعين ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو : لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلاّ إلى الثلاثة ، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين والله أعلم ، هذا هو فهم علماء الإسلام لحديث لا تشد الرحال ، فالحديث يمنع شد الرحال للوفاء بنذر صلاة أو اعتكاف كما سيأتي بيانه في مبحث أقوال أئمة المسلمين ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شد الرحال لمسجد رابع هو مسجد قباء ، ففي البخاري [ ح (1193) ] عن ابن عمر قال : (( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا ، وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنه يفعله )) ، ولذلك قال الحافظ في الفتح [ (3 : 69) ] : « فيه أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم » ، وهكذا فهم الصحابة رضي الله عنهم حديث شد الرحال : فقد روى عمر بن شبه في [تاريخ المدينة (1 : 42) ] من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا صخر بن جويرية عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت : سمعت أبي يقول « لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين ، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل » قال الحافظ ابن حجر [ الفتح (3 : 69) ] : «إسناده صحيح» ، وروى ابن أبي شيبة نحوه في المصنف وروى عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن يعقوب بن مجمع بن جارية عن أبيه عن عمر بن الخطاب أنه قال : «لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق ضربنا إليه أكباد المطي» [مصنف ابن أبي شيبة (2 : 373) ومصنف عبدالرزاق (5 : 133) ] ، إسناده حسن فإن يعقوب بن مجمع وثقه ابن حبان وروى عنه سفيان الثوري وابن أخيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وقال الحافظ الذهبي في الكاشف [ (2 : 395) ] وثق ومجمع بن جارية صحابي ، ولهذا الأثر طريق آخر أخرجه عمر بن شبه في أخبار المدينة [(1 : 49) ] فيه أسامة بن زيد بن أسلم وهو وإن ضعف من قبل حفظه فهو يصلح في المتابعات والشواهد ، وعمر رضي الله عنه من رواة حديث (لا تشد الرحال) فلو علم أن النهي في الحديث للتحريم لما قال مقولته في مسجد قباء ، فتدبر تستفد ، وروى أحمد في المسند والطبراني في المعجم الكبير من حديث مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري قال : لقيت أبا هريرة وهو يسير إلى مسجد الطور ليصلي فيه قال : فقلت : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي )) [مسند الإمام أحمد (6 : 397) والمعجم الكبير للطبراني (2 : 310) ] ، فأبو هريرة لقي أبا بصرة رضي الله عنهما وكان أبو هريرة يسير إلى مسجد الطور ولما أعلمه أبو بصرة بنص الحديث لم يرجع أبو هريرة ، ولو كان أبو هريرة قد فهم من الحديث التحريم لرجع ، بل ولم يشد الرحال ابتداء لزيارة مسجد الطور لأنه من رواة حديث : (لا تشدوا الرحال) فأفهم ،

 

المبحث الرابع : موقف الفقهاء من الزيارة : وقد اتفق جمهور العلماء والفقهاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم على استحباب زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام وفي مقدمتهم الحنابلة ، وسنبين هنا توجهات فقهاء الأمة في هذا الشأن من المذاهب الأربعة ،

[ أولا : الحنابلة ] : نقل المرداوي الحنبلي في الإنصاف اتفاق الحنابلة على الاستحباب فقال[الإنصاف للماوردي (4  : 53)] : «قوله فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  وقبر صاحبيه هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة متقدمهم ومتأخرهم » ، وقال ابن قدامة في المغني : « (فصل) ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» وفي رواية : «من زار قبري وجبت له شفاعتي» رواه باللفظ الأول سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : «ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام»[ المغني لاين قدامة (3  : 297)] اهـ ثم ذكر قصة العتبي مستشهدا بها ، وكتب الفقهاء الحنابلة كلها تنص على استحباب الزيارة لقبره الشريف صلى الله عليه وسلم  انظر : عمدة الفقه لابن قدامة أيضا ج1 ص45 ، أخصر المختصرات لمحمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي ج1 ص157 ، الروض المربع لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي ج1 ص522 ، شرح منتهى الإرادات ج1 593 له أيضا ، مطالب أولي النهى لمصطفى السيوطي الرحيباني ج2 ص440 ، منار السبيل لإبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان ج1 ص256 ، الفروع لمحمد بن مفلح المقدسي أبو عبد الله ج3 ص385 ، المبدع لإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الحنبلي أبو إسحاق ج2 ص284 ، دليل الطالب لمرعي بن يوسف الحنبلي ج1 ص94 ، زاد المستقنع لموسى بن أحمد بن سالم المقدسي الحنبلي أبو النجا ج1 ص94 ، كشف المخدرات لعبد الرحمن بن عبد الله البعلي الحنبلي ج1 ص330. وغيرها ، وحتى من يرى كراهة زيارة المرأة للقبور من الحنابلة فإنه استثنى من ذلك زيارتها لقبر النبي صلى الله عليه وسلم  وصاحبيه قال صاحب كتاب المبدع بعد أن ذكر الخلاف في زيارة المرأة للقبور ( ويستثنى منه زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  وقبر صاحبيه رضي الله عنهما) ، وهذا متفق عليه عند الفقهاء الحنابلة فارجع إلى كتبهم التي بينا مواضع هذه المسألة فيها سلفا  ،  وأما فهمهم لحديث (لا تشد الرحال) فهو يتبين في النقولات التالية : قال الشيخ الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني : «وأما قوله عليه السلام (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ، فيحمل على نفي التفضيل لا على التحريم ، وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر ، فلا يضر انتفاؤها » [ المغني : (2 : 103)]. ومثله لأبي الفرج ابن قدامة في الشرح الكبير ( 2 : 93 ) ، وفي المغني لابن قدامة : «(فصل) فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها قال النبي صلى الله عليه وسلم  لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد متفق عليه والصحيح إباحته وجواز القصر فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم  كان يأتي قباء راكبا وماشيا وكان يزور القبور وقال زوروها فإنها تذكركم الآخرة وأما قوله صلى الله عليه وسلم  «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فيحمل على نفي التفضيل لا على التحريم» [ المغني (2  : 52)] ، وفي المغني : «ولا يتعين شيء من المساجد بنذره الاعتكاف فيه إلا المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم  والمسجد الأقصى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي» هذا متفق عليه »[ المغني ( 3  : 82 ) ] ،

 

[  ثانيا الشافعية ] : قال الإمام النووي في المجموع : «واعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم  من أهم القربات وأنجح المساعي فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحبابا متأكدا أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه وسلم  وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه » [ المجموع(8 : 201)] ، وفي مغني المحتاج : «( و ) تسن ( زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لقوله صلى الله عليه وسلم  من زار قبري وجبت له شفاعتي رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ومفهومه أنها جائزة لغير زائره »[ مغني المحتاج (1 : 512) ] ،  وفي أسنى المطالب في شرح روض الطالب : «ومن نذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  لزمه الوفاء به لأن زيارة قبره من القرب المطلوبة» [ أسنى المطالب (1 : 587)] ، واتفاق فقهاء الشافعية على سنية زيارة القبر الشريف أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى  طول شرح وتبيين ، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال) ، ففي الوسيط «إذا نذر إتيان مسجد سوى المسجد الحرام والمدينة وبيت المقدس لم يلزمه شيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد إيلياء) أي المسجد الأقصى وهذا لا يوجب تحريما وكراهية في شد الرحال إلى غيره على الصحيح بل بين أن القربة في هذا فقط»[ الوسيط (7 : 277)] ،

 

[  ثالثا : المالكية ] : قال الإمام في الخلاصة الفقهية للقروي : «تُندب زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم  وهي من أعظم القربات»[ الخلاصة ص266] ، وفي الذخيرة للقرافي : «وزيارة النبي من السنة المتأكدة » [ الذخيرة للقرافي (3 : 375)] ، واتفاق فقهاء المالكية على سنية زيارة القبر الشريف المؤكدة أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى  طول شرح وتبيين ، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال) ، ففي منح الجليل : «وحديث لا تعمل المطي مخصوص بالصلاة قاله ابن عبد البر وكذا خبر لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد لا دليل فيه على منع الزيارة إذ المستثنى منه محذوف أي المسجد بدليل أن المستثنى مساجد والأصل فيه الاتصال » [ منح الجليل (3 : 100) ]  ،

 

[ رابعا : الأحناف ] : قال الإمام كمال الدين محمد بن عبدالواحد في شرح فتح القدير : «المقصد الثالث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  قال مشايخنا رحمهم الله تعالى من أفضل المندوبات وفي مناسك الفارسي وشرح المختار أنها قريبة من الوجوب لمن له سعة»[ شرح فنح القدير (3 : 179)] ، وفي نور الإيضاح لحسن الوفائي الشرنبلالي : «لما كانت زيارة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم  من أفضل القرب وأحسن المستحبات بل تقرب من درجة ما لزم من الواجبات فإنه صلى الله عليه وسلم  حرض عليها وبالغ في الندب اليها فقال من وجد سعة ولم يزرني فقد جفاني»[ نور الإيضاح (1 : 153)] ، وفي مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر للكليبولي : «ومن أحسن المندوبات بل يقرب من درجة الواجبات زيارة قبر نبينا وسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد حرض عليه السلام على زيارته وبالغ في الندب إليها»[ مجمع الأنهر (1 : 462)] ، واتفاق فقهاء الأحناف على سنية زيارة القبر الشريف أو وجوبها أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى  طول شرح وتبيين ، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال) ، ففي حاشية ابن عابدين : «وفي الحديث المتفق عليه : «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» والمعنى كما أفاده في الإحياء أنه لا تشد الرحال لمسجد من المساجد إلا لهذه الثلاثة لما فيها من المضاعفة بخلاف بقية المساجد فإنها متساوية في ذلك فلا يرد أنه قد تشد الرحال لغير ذلك كصلة رحم وتعلم علم وزيارة المشاهد كقبر النبي وقبر الخليل عليه السلام وسائر الأئمة» [ حاشية ابن عابدين (2 : 627)] ،

 

[  خاتمة ] : ولازم استحباب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم  استحباب شد الرحال إليها ، لأن زيارته للحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحل ، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وسلم ، وقد درج علماء الإسلام (وفي مقدمتهم الحنابلة) على هذا الفهم واتفقوا على جواز شد الرحال واستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى أن جاء ابن تيمية  في القرن الثامن وخالف عامة المسلمين ، وقال لا تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولنوكل مهمة الرد على ابن تيمية إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي قال في الفتح عند الكلام على حديث (لاتشد الرحال) : «والحاصل أنهم الزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأنكرنا صورة ذلك ، وفي شرح ذلك من الطرفين طول ، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية!» [فتح الباري شرح صحيح البخاري : (3 : 66)] ، والحاصل أن الحديث إن حمل على عمومه وفق مراد ابن تيمية ، فهو لا يرِد على الزيارة مطلقاً ، لأن المسافر للزيارة مسافر لساكن البقعة كالعالم والقريب وهذا جائز إجماعاً ، وقد نقلنا إجماع المسلمين على مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  في مختلف الأزمنة ، وأنه لم يخالف في ذلك غير ابن تيمية ومن تبعه ،  فهل من الحكمة أن نأخذ بقوله وفهمه للمسألة ، وندع إجماع أئمة المسلمين في عصور ما قبل ابن تيمية؟ مع أن إجماعهم في عصر واحد حجة ملزمة!! فضلا عن أقوال أكثر أئمة المسلمين بعد عصر ابن تيمية ، ومقتضى الحمل على الأحسن أن نقول : إن المسألة اجتهادية فلابن تيمية ومن تبعه في اجتهاده أن يعملوا بما يرونه من عدم استحباب الزيارة وحرمة شد الرحال ، ولغيرهم أن يعمل بما هو خلاف ذلك ، فليكن الأمر على الأقل محل خلاف فقهي يدع كل ذي رأي فيه لصاحب الرأي الآخر قوله ولكل مجتهد نصيب ، والله الهادي إلى الصراط المستقيم ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين

 

تحقيق القول في مسألة اتخاذ القبور مساجد  وأنها من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد

 

( 1 ) الأحاديث الواردة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد

لقد وردت أحاديث صحيحة تنهى عن اتخاذ القبور مساجد : منها : ( الحديث الاول )  : أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه : (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ))  قالت : فلولا ذاك أُبرِز قبره  ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً ، [ البخاري ح : 1390 ، ومسلم : ح 529 ] ، و ( الحديث الثاني ) : أخرج البخاري ومسلم عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه ، وهو يقول : (( لعنة الله على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائِهم مساجِد يحذر ما صنعوا )) [ البخاري : 435 ، ومسلم : ح 531 ] ، و ( الحديث الثالث ) : أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( قاتلَ اللهُ اليهودَ ؛ اتخذوا قُبُورَ أنبيائِهِمْ مَسَاجِد )) [ البخاري ح 437 ، ومسلم : ح 530 ] ، و ( الحديث الرابع ) : أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأَيْنَهَا بالحبشةِ فيها تصاويرُ ، فذكرتا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقال : إن أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات ، بَنَوْا على قَبرِهِ مَسجِدًا ، وصَوَّرُوا فيه تيك الصورَ ، أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ )) [ البخاري ح : 3873 ] ، وأخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها بلفظ : ((أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأينها بالحبشةِ ، فيها تصاويرُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : " إن أولئك ، إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ ، فمات بنوْا على قبرِه مسجدًا ، وصوروا فيه تلك الصورَ . أولئك شرارُ الخلقِ عند اللهِ يومَ القيامةِ )) [ مسلم : ح 528 ] ، و ( الحديث الخامس ) : أخرج مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ؛ أنه قال : ((سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قبلَ أن يموتَ بخمسٍ ، وهو يقولُ : إني أبرأُ إلى اللهِ أن يكونَ لي منكم خليلٌ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاُ ، كما اتخذ إبراهيمَ خليلاً ,ولو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلاً , ألا وإن من كان قبلَكم كانوا يتخذون قبورَ أنبيائِهم وصالحيهم مساجدَ, ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ, إني أنهاكم عن ذلك )) [ مسلم : ح 532 ] ،

 

( 2 ) المعنى المقصود من اتخاذ القبور مساجد

لها ثلاث احتمالات ( الأول ) : الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها ، و ( الثاني ) : السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء ، و ( الثالث ) : بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها ، وهنا يأتي دور الفقيه لتحديد المعنى المقصود من النهي في الأحاديث ، ( قلت ) : اتفق الفقهاء على المعنى الاول والثاني ، واختلفوا في المعنى الثالث هل يتناوله النهي أم لا ، وسبب ذلك ما جاء في الكتاب والسنّة وعمل المسلمين على مر العصور بما يُخالف ذلك ، فمما جاء في كتاب الله تعالى مما يُخالف المعنى الثالث ، قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } [ الكهف : 21 ] ، قال الفقهاء فقد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبورهم ، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا كما يظن البعض لما سكت عنه القرآن ، ولو كان كبيرة  لنوه إلى ذلك القرآن الكريم لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار فقط عن حالهم ، وهذا أمر يتنزه القرآن عنه أن يسرد واقعة فيها شرك او كبيرة من الكبائر ثم لا يُشير إليها ولا يعقب عليها ، ولهذا حمل الفقهاء الذم في حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأَيْنَهَا بالحبشةِ فيها تصاويرُ ، فذكرتا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقال : إن أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات ، بَنَوْا على قَبرِهِ مَسجِدًا ، وصَوَّرُوا فيه تيك الصورَ ، أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ )) [ البخاري ح : 3873 ] ، على التصاوير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن وضع التصاوير في أماكن عبادتهم من قبيح فعلهم ، مع أن التصاوير منهي عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة ؟ فالذم في الحديث منصب على التصاوير لا على بناء المسجد ، لأنه يوافق القرآن في قول الله تعالى { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } ، وأمّا الأدلة الأخرى على كون المعنى الثالث غير مراد أو أنّه مختلف فيه ، فمن ذلك : كون قبر النبي صلى الله عليه و سلم في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه صلى الله عليه و سلم في مسجده ، ومنه أيضاً : صلاة النبي صلى الله عليه و سلم في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ، ومنه أيضا ما ذكر في بعض الآثار أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه ، ومنه أيضا ما ورد في السيرة أنّ أول من بُنى عليه مسجد في الإسلام كان بناء أبي جندل رضي الله عنه مسجدا على قبر أبي بصير رضي الله عنه في عهد النبي صلى الله عليه و سلم كما جاء في « الاستيعاب » لابن عبد البر ، وأنّه على مر عصور الإسلام كان المسلمون إذا مات العالم أو الصالح دفنوه في المسجد ، ( قلت ) وهي ما عدا الدليل الاول والثاني ادلة ضعيفة لا ترقى إلى درجة الاستدلال بها بهدف الحسم في القضية ، وعلى تقدير عدم ثبوتها فإنّ أقصى ما وصل إليه الفقهاء في المسألة هو كراهة بناء المساجد على المقابر ، عدا المذهب المالكي فإنّه لا يرى الكراهة ولكن يرى الجواز بلا كراهة ، ورواية عن الإمام أحمد بحرمة ذلك ، وهذه المسألة إذا بُني المسجد على القبر ، ولكن إن دُفن الصالح في المسجد فلم يقل أحد من الفقهاء المعتبرين ببطلان الصلاة في تلك المساجد ، والأمر كما ترى خلاف فقهي في مسائل لا تبلغ حد التحريم ، فمن الخلل الجسيم ادراجها ضمن مباحث التوحيد ، ومن أوردها فإنه أوردها بسبب الحديث المرسل عن عطاء بن يسار : (( اللهمَّ لا تجعلْ قبري وَثَنًا يُعبدُ ، اشتدَّ غضَبُ اللهِ على قومٍ اتخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ )) فقد أخرج الإمام مالك في " الموطأ " عن عطاء بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال  : ((  اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ  )) ، ولكن ورد الحديث مسندا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( اللهم لا تجعل قبري وثنا ، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) ، هكذا من دون كلمة ( يعبد ) ، قال الحافظ ابن رجب في " فتح الباري " (2 : 441) عن حديث أبي هريرة : " بإسناد فيه نظر ". ، قال ابن عبد البر رحمه الله : ( الوثن : الصنم ، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة ، أو غير ذلك من التمثال ، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن ، صنما كان أو غير صنم ؛ وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها ، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم : كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم ، فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه ، ويسجد نحوه ويعبد فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله ، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم ، واتخذوها قبلة ومسجدا ، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها ، وذلك الشرك الأكبر ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه ، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم  ) أهـ [ التمهيد " (5 : 45 ) ] ، وقال أيضا : ( وليس فيه حكم أكثر من التحذير أن يُصلَّى إلى قبره ، وأن يتخذ مسجدا ، وفي ذلك أمر بأن لا يعبد إلا الله وحده ، وإذا صنع من ذلك في قبره ، فسائر آثاره أحرى بذلك ، وقد كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان ، وذلك والله أعلم مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك  ) أهـ [ الاستذكار " (2 : 360 ) ] ، وقد نقل هذا الكلام الحافظ ابن رجب رحمه الله ، وأكده ، ثم قال : (  وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى  : قال الشافعي رحمه الله : وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا ، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده ، وقال صاحب " التنبيه " من أصحابه : أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله متوجها إليه فحرام ، قال القرطبي : بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فأعلوا حيطان تربته ، وسدوا الداخل إليها ، وجعلوها محدقة بقبره ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين ، فتتصور إليه الصلاة بصورة العبادة ، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين ، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال ، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره . ولهذا المعنى قالت عائشة : ( ولولا ذلك لأبرز قبره  ) أهـ [  فتح الباري لابن رجب (2 : 442-443 ) ] ، وقد ذكر القاضي عياض رحمه الله أن هذا الحديث كان دليل الإمام مالك رحمه الله على كراهة أن يقول المسلم : زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم . خشية أن يكون هذا الكلام من اتخاذ القبر وثنا يعبد ، يقول القاضي عياض رحمه الله  : ( الأَوْلى عندي أن منعَه وكراهة مالك له – قول : زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم - لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لو قال : زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدى ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ))  ) [  الشفا : (2 : 84 ) ] ، ومن أقوال الفقهاء حوله يتبين أنّه خارج اطار علم التوحيد وداخل في إطار علم الفقه ، وللحديث بيان في مباحث الفصل ، 

قال الألباني في رسالته : " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد : (معنى اتخاذ القبور مساجد : لقد تبين من الأحاديث السابقة خطر اتخاذ القبور مساجد ، وما على من فعل ذلك من الوعيد الشديد عند الله عز وجل ، فعلينا أن نفقه معنى الاتخاذ المذكور حتى نحذره ، فأقول : الذي يمكن أن يفهم من هذا الاتخاذ إنما هو ثلاث معان : الأول : الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها ، الثاني : السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء ، الثالث : بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها ، وبكل واحد من هذه المعاني قال طائفة من العلماء ، وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم ، أما الأول ، فقال ابن حجر الهيتمي في " الزواجر " ( 1 : 121 ) : « واتخاذ القبر مسجدا معناه الصلاة عليه أو إليه » ، فهذا نص منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملا لمعنيين أحدهما الصلاة على القبر ، وقال الصنعاني في « سبل السلام » ( 1 : 214 ) : « واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها » ، .. ويشهد للمعنى الأول أحاديث : ( الأول ) : عن أبي سعيد الخدري : (( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها )) [ رواه أبو يعلى في « مسنده » ( ق 66 : 2 ) وإسناده صحيح وقال الهيثمي ( 3 : 61 ) : " ورجاله ثقات ] ، و ( الثاني ) : قوله صلى الله عليه و سلم : (( لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر )) [ رواه الطبراني في « المعجم الكبير » ( 3 : 145 : 2 ) وعنه الضياء المقدسي في « المختارة » عن عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا وقال المقدسي : " وعبد الله بن كيسان قال فيه البخاري : منكر الحديث قال أبو حاتم الرازي ضعيف وقال النسائي : ليس بالقوي إلا أني لما رأيت ابن خزيمة والبستي أخرجا له أخرجناه " قلت : لكن الحديث صحيح ، فإن له عند الطبراني ( 3 : 150 : 1 ) طريقا آخر خيراً من هذه عن ابن عباس علقه البخاري في « التاريخ الصغير » ( ص 163 ) ، وشطره الأول له شاهد من حديث أبي مرثد ] ، و ( الثالث ) : عن أنس : أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن الصلاة إلى القبور [ رواه ابن حبان ( 343 ) ] ، و ( الرابع ) : عن عمرو بن دينار – وسئل عن الصلاة وسط القبور – قال : ذكر لي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فعلنهم الله تعالى )) [ رواه عبد الرزاق ( 1591 ) وهو مرسل صحيح الإسناد ، وموضع الشاهد منه أن عمرا استشهد بالحديث على النهي عن الصلاة بين القبور ، فد على أنه يعني المعنى المذكور ] ،  وأما المعنى الثاني : فقال المناوي في « فيض القدير » حيث شرح الحديث الثالث المتقدم : " أي اتخذوها جهة قبلتهم مع اعتقادهم الباطل ، وإن اتخاذها مساجد لازم لاتخاذ المساجد عليها كعكسه ، وهذا بين به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم . قال القاضي ( يعني البيضاوي ) : لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم ، ويجعلونها قبلة ، ويتوجهون في الصلاة نحوها ، فاتخذوها أوثاناً لعنهم الله ، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه ... " ، قلت : وهذا معنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال صلى الله عليه و سلم : « لا تجلسوا على القبور و لا تصلوا إليها )) [ رواه مسلم ( 3 : 62 ) وأبو داود ( 1 : 71 ) والنسائي ( 1 : 124 ) والترمذي ( 2 : 154 ) ] ، قال الشيخ علي القاري في « المرقاة » ( 2 : 372 ) معللا النهي : " لما فيه من التعظيم البالغ كأنه من مرتبة المعبود ، ولو كان هذا التعظيمُ حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم ، فالتشبه به مكروه ، وينبغي أن تكون كراهة تحريم . وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة ( يعني قبلة المصلين ) وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها " ، .. ونحو الحديث السابق ما روى ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال : ( كنت أصلي قريباً من قبر ، فرآني عمر بن الخطاب فقال : القبر القبر . فرفعت بصري إلى السماء ، وأنا أحسبه يقول : القمر! )) [ رواه أبو الحسن الدينوري في « جزء فيه مجالس من أمالي أبي الحسن القزويني » ( ق 3 : 1 ) بإسناد صحيح ، وعلقه البخاري ( 1 : 437 _ فتح ) ، ووصله عبد الرزاق أيضا في « مصنفه » ( 1 : 404 : : 1581 ) وزاد : « إنما أقول القبر : لا تصل إليه » ] ، وأما المعنى الثالث : فقد قال به الإمام البخاريُّ ، فإنه ترجم للحديث الأول بقوله « باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور » ، فقد أشار بذلك إلى أن النهي عن اتخاذ القبور مسجداً يلزمُ منه النهي عن بناء المساجد عليه ، وهذا أمر واضح ، وقد صرح به المناوي آنفا وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث : " قال الكرماني : مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجداً ، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر ومفهومها متغاير ، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم " [ تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني ] ، ( قلت ) : لعلنا نلحظ فقه الإمام البخاري حيث ترجم للحديث بقوله « باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور » ، فجعله من باب الكراهة وليس التحريم وشتان بين الكراهة وبين التحريم وشتان ما بين التحريم وما بين الشرك

 

( 3 ) أقوال الفقهاء حول المعنى الثالث المختلف فيه

 

[  1  ] : قال الحافظ عبد الله بن محمد الصديق الغماري في رسالته : " إعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد " ( معنى الحديث اتخاذ القبور مساجد : السجود لها على وجه تعظيمها وعبادتها ، كما يسجد المشركون للأصنام والأوثان وهو شرك صريح ، وهذا المعنى ، منطوق اللفظ وحقيقته ، وثبتت أحاديثه مبينة له ومؤيدة منها : حديث عائشة عن الشيخين قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مرضه الذي لم يقم منه (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) ، قالت : فلولا ذلك ، أبرزوا قبره ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً أي يسجد له ، قال القاضي عياض : شدد في النهي عن ذلك ، خوف أن يتناهى في تعظيمه ، ويخرج عن حد المبرة إلى حد النكير فيعبد من دون الله عز وجل ، ولذا قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد )) لأن هذا الفعل كان أصل عبادة الأوثان ولذا لما كثر المسلمون في عهد عثمان واحتيج إلى الزيادة في المسجد وامتدت الزيادة حتى أدخلت فيه بيوت أزواجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أدير على القبر المشرف حائط مرتفع ، كي لا يظهر القبر في المسجد ، فيصلى إليه العوام ، فيقعوا في اتخاذ قبره مسجداً ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من جهة الشمال ، حتى لا يمكن استقبال القبر في الصلاة ، ولذا قالت : لولا ذلك لبرز قبره اهـ ، وهذا يبين أن اتخاذ القبر مسجداً ، هو السجود له ، ومنها : ما رواه ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( اللهم لا تجعل قبري وثناً لعن الله قوماً اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد ))  جملة لعن الله قوماً ، بيان لمعنى جعل القبر وثناً ، ومعنى الحديث : اللهم لا تجعل قبري وثناً يسجد له ويعبد كما سجد قوماً لقبور أنبيائهم ، ومنها : ما رواه البزار عن أبي سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( اللهم إني أعوذ بك من أن يتخذ قبري وثناً فإن الله تبارك وتعالى اشتد غضبه على قوم اتخذوا  قبور أنبيائهم مساجد )) إسناده ضعيف ، لكن حديث أبي هريرة شاهد له ، ومنها : ما رواه ابن سعد في الطبقات قال : أخبرنا معن ابن عيسى ، أخبرنا مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد . اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ))  ، مرسل صحيح الإسناد ، ومنها : ما رواه ابن أبي شيبة ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلى له ، اشتد غضب الله على قوم ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) ، ورواه عبد الرازق ، عن معمر ، عن زيد به وإسناده صحيح . تقرر في علم المعاني : أن الجملتين إذا كانتا بمعنى واحد فإنهما يجردان عن العاطف ، كما في هذه الأحاديث ، لإفادة اتحادهما في المعنى ، هل للحديث معنى آخر ؟ : ذكر كثير من شراح الحديث : أن اتخاذ القبور مساجد يحتمل معنيين : السجود لها وعبادتها ، كما سبق . وبناء المساجد عليها ، وهذا المعنى خطأ لا يصح ، وبيان ذلك من وجوه : ( الأول ) : أنه مجاز ، والمجاز لا يجتمع مع الحقيقة في كلمة ، كما تقرر في علم البيان وهو الراجح عند جمهور الأصوليين ، ( الثاني ) : وعلى القول الضعيف بجواز اجتماعهما ، فإنما يمكن ذلك إذا كان في سياق نفي ، فيصح نفي الحقيقة ، والمجاز معاً في كلمة ، كأن يقال : ما رأيت أسداً ، ويراد الحيوان المفترس والرجل الشجاع ، والنفي أوسع دائرة من الإثبات . والفعل في الحديث مثبت ، وهو اتخذوا ، والفعل المثبت لا يعم ، فلا يراد به إلا الحقيقة ، ( الثالث ) : أن بناء المساجد على القبور ، ثبت فيه حديث بخصوصه وهذا يبين أنهما معنيان مختلفان بالحقيقة والمجاز ، 

[  بناء المساجد على القبور ] : روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأيناها بالحبشة ، فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { أن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فما بنوا على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة } ؟ فهذا الحديث وراد في بناء المسجد على القبر ، ومن ضمه إلى حديث اتخاذ القبور مساجد ، وجعل معناهما واحد فقد أخطأ ووهم وهماً كثبيراً ، يظهر ذلك بكلام على معنى الحديث وشرحه ، فقوله { أولئك شرار الخلق } قال الأبي : الأظهر في الإشارة أنها لمن نحت وعبد وأن كانت لمن نحت فقط فيحتمل كونهم شرار بتصويرهم ، لحديث وعيد المصورين ، فذم أولئك ليس لبنائهم المسجد ولكن لنحتهم التصاوير يؤيد هذا أن البخاري قال في الصحيح : باب الصلاة في البيعة وقال عمر رضي الله عنه : أنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور ، وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل ، قال الحافظ : أثر عمر وصله عبد الرازق من طريق أسلم مولى عمر قال : لما قدم الشام صنع له رجل من النصارى طعاماً وكان من عظمائهم وقال : أحب أن تجيبني وتكرمني ، فقال له عمر : أنا لا ندخل كنائسكم إلخ ، وأثر بن عباس وصله البغوي في الجعديات ، وزاد : فإن كان فيها تماثيل ، خرج فصلى في المطر ، أي في محل بارز للمطر ، فصح أن الذكم في الحديث لنحت التصاوير والتماثيل ، لا لبناء المسجد ، لأنه مكان للعبادة لا ذم يلحق فاعله ، أما قول ابن عباس : لعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج فهو وأن حسنه الترمذي حديث ضعيف ، في سنده أبو صالح اسمه باذان ويقال باذام ضعيف مدلس وكيف يلعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زائرات القبور مع أنه أباح لهن زيارتها ؟  وأخرج ابن سعد في الطبقات : أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء أخبرنا عوف عن الحسن ، قال : ائتمروا أن يدفنوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد فقالت عائشة : كان واضعاً رأسه في حجري إذ قال { قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } فأجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة ، قلت : عزم الصحابة على دفنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد ، إذ لم يروا في ذلك حرجاً ، لكن منعهم حديث عائشة وخاف أن يتخذ قبره مسجداً يسجد له ، وقال البيضاوي : لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها ، واتخذوها أوثاناً ، لعنهم ومنع المسلمين على مثل ذلك ، فأما من اتخذا مسجداً في جوار صالح ، وقصد التبرك بالقرب منه ، لا للتعظيم له ، ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد  اهـ ، وقال التوربشتي في شرح المصابيح في حديث  ( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مسجد ) هو مخرج على وجهين : ( أحدهما ) : كانوا يسجدون لقبور الأنبياء ، تعظيماً لهم وقصد العبادة في ذلك ، و ( ثانيهما ) : أنهم كانوا يرون الصلاة في مدافن الأنبياء وأتوجه إلى قبورهم في حالى الصلاة والعبادة لله نظراً منهم أن ذلك الصنيع أعظم موقعاً عند الله ، لاشتماله على الأمرين : عبادة ومبالغة في تعظيم الأنبياء ،  وكلا الطريقين غير مرضيه . أما الأولى فشرك جلي ، وأما الثانية فلما فيها من معنى الإشراك بالله عز وجل ، وإن كان خفياً ، والدليل على ذم الوجهين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { اللهم لا تجعل قبري وثناً ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } والوجه الأول أظهر وأشبه اهـ ، 

[ الصلاة إلى القبر ] : روى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها } قال العلماء : النهي في الحديث للكراهة ، قال البخاري : رأى عمر ، أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال : القبر ، القبر ولم يأمره بالإعادة ، قال الحافظ : استنبطه من تمادي أنس على الصلاة ، ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف ، قال : واثر عمر ، رويناه موصلاً في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري ولفظه بينما أنس يصلي إلى قبر ، ناداه عمر : القبر ، القبر . فظن أنه يعني القمر ، فلما رأى أنه يعني القبر ، جاز القبر وصلى . وعلى الكراهة التشبه بعباد القبور ،

[ هل بناء المسجد على القبر كبيرة ] : عده الفقيه ابن حجر الهيثمي في الزواجر من الكبائر ، وعد معه إيقاد السرج على القبر وزيارة النساء لها ، واستدل بحديث ابن عباس الذي مر بيان ضعفه ، ثم قال : ولم أر من عد شيئاً من ذلك ، بل كلام أصحابنا مصرح بالكراهة ، دون حرمتها فضلاً عن كونها كبيرة ، فليحمل كون هذه كبائر ، على ما إذا عظمت  مفاسدها ، ذكر هذا في آخر كتاب الجنائز ، وعد في صلاة الجماعة ست كبائر أخرى ، وهي اتخاذ القبور مساجد ، وإيقاد السرج عليها ، واتخاذها أوثاناً ، والطواف بها واستلامها ، والصلاة إليها ، ثم قال : عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية وذكر مأخذه في ذلك ، وقال : واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة إليه أو عليه وحينئذ فقوله : والصلاة إليها ، مكرر ، إلا أن يراد باتخاذها مسجداً الصلاة عليها فقط ، الخلاصة : أن اتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة إليه أو عليه ، كما سبق بيانه ، وأكده كلام ابن حجر الفقيه ، وأن بناء المسجد على القبر ، ليس في تحريمه حديث صحيح صريح ، وحديث أولئك شرار الخلق ، الإشارة فيه إلى من نحت التماثيل وعبدها أو نحتها ، لا إلى بناء المسجد ، بل هو جائز على الأصل والله أعلم ، ...  ( الخلاصة ) : يتلخص مما مر أمور : ( أحداها ) : أن حديث لعن الله اليهود موقوف عن العمل به حتى يوجد وجه للجمع بينه وبين ما سبق من الوجوه المذكورة ، لأنه لا يجوز العمل بدليل مع وجود ما يعارضه ، ( ثانيها ) : أن السجود للقبور وعبادتها ، شرك صريح معلوم من الدين بالضرورة ، كعبادة الأوثان والأصنام ، ( ثالثها ) : أن بناء المسجد على القبر غير اتخاذه مسجداً ، وغير دفن الميت في مسجد مبني ، أما الأول : فقد بيناه فيما سبق بدليله ، وأما الآخر : فقال ابن سعد في الطبقات : أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، قالا : قال : أبو بكر أبين يدفن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ قال قائل منهم عند المنبر وقال قائل منهم : حيث كان يصلي يؤم الناس ، وقال أيضاً : أخبرنا معن بن عيسى أخبرنا مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما توفى قال ناس يدفن عند المنبر ، فهؤلاء الناس لم يشيروا بدفنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند المنبر أو حيث يؤم الناس ، إلا لعلمهم بأن هذا لا يدخل في بناء مسجد على القبر وهؤلاء كانوا صحابة ، وهنا ينتهي ما أردته من الكلام على معنى اتخاذ القبور مساجد ، هاهنا مسائل يجب أن ننبه عليها :

[  المسألة الأولى ] : تقرر في علم الأصول أن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة ، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( لا يجمع الله أمتي على الضلالة ) وله طرق كثيرة ذكرتها في تخريج أحاديث منهاج البيضاوي ، وهو متواتر ، فالأمة معصومة في إجماعها عن الخطأ والضلال ، وهذا مقرر في علم الأصول بأدلته ، 

[  المسألة الثانية ] : ضاق المسجد النبوي عن المصلين ، فلم يعد يستوعبهم بعد الزيادة التي زادها عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ، فأمر الوليد بن عبد الملك ، عامله على المدينة المنورة عمر بن عبد العزيز بهدم بيوت أمهات المؤمنين وإدخالها في المسجد  توسعة له ، فدخل فيه بيت عائشة رضي الله عنها وفيه القبور الثلاثة فبكى يومئذ كثير من الناس على هدم البيوت ، لا على دخول القبور في المسجد ، وكان لا بد من الهدم ، لأن المصلحة اقتضته والذي قام بذلك ونفذ عمر بن عبد العزيز العالم الصالح ، ولم ير هو ولا غيره من العلماء أن إدخال القبور في المسجد مخالف للدين وللحديث ، ومباين لمقاصد الشريعة ، ثم تولى الخلافة بعد ذلك – وكان خليفة راشداً – فلم يبن جدار يحجز بين القبر الشريف والمسجد ، ولم يقترح عليه ذلك أحد من العلماء في عصره ، ثم جاء أئمة المسلمين لزيارة المسجد النبوي وفيه القبور ، فلم ينكروا ذلك ، وكان الإمام مالك مسموع الكلمة عند أبي جعفر المنصور ، الخليفة العباسي ، ولو أشار عليه بعمل حاجز بين الروضة والمسجد لنفذه في الحال ، لكنه لم يشر عليه بذلك ، وتوالت القرون ، والمسجد النبوي يزار من طبقات الأمة على اختلاف أنواعها ، والروضة الشريفة داخلة ، يزورنها ويتبركون بها ، واهدوا لها الهدايا المختلفة ، وهذا إجماع قطعي ، يفيد أن وجود القبر في المسجد لا شيء فيه ، يضاف إلى هذا الإجماع القطعي حديث (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) وهذا الحديث ترجم له البخاري بقوله : باب فضل ما بين القبر والمنبر ، وإن كان قد رواه بلفظ بيتي فالإشارة إلى أن قبره في بيته ، وجاء في صحيح البخاري بلفظ قبري في رواية ابن عساكر ، ورواه جماعة بلفظ قبري أيضاً ، قال البزار : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا عبيدة بنت نابل عنعائشة بنت سعد عن أبيها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (( ما بين قبري ومنبري أو قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ، قال الحافظ والهيثمي : رجاله ثقات ، قلت : سعد هو ابن أبي وقاص ، ومحمد بن إسحاق روى له البخاري ، وهو ضعيف في روايته عن مالك ، وقال البزار أيضاً حدثنا عبد الصمد ابن سليمان المروزي ثنا أبو نباته ثنا سلمة بن وردان عن أبي سعيد بن المعلى عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ، وقال الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق : أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي ثنا الحسن بن المثنى ثنا عفان ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا إسحق بن شرفي مولى ابن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن ابن  عمر قال : حدثني أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ، وقال الخطيب في الموضح أيضاً ص 431 ج 1 : أخبرني الأزهري حدثنا علي بن عمر الحافظ حدثني محمد ابن محمد بن داود السجستاني ثنا مكي بن عبدان ثنا يحيى بن محمد بن يحي الذهلي حدثنا أحمد بن المنذر القرشي ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ، ورواه أبو النعيم في الحلية من طريق عبد الله بن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وإن منبري لعلى حوضي )) ، وللحديث طرق عن ابن سعيد الخدري وأم سلمة وعبد الله بن زيد وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب وأبي هريرة ، وأسانيد أحاديثهم مذكورة في كتاب إحياء المقبور وهو حديث صحيح جداً ، ويؤخذ منه أمران : ( احداهما ) : استحباب زيارة القبر الشريف ، والصلاة في الروضة الشريفة ، و ( الآخر ) : الإشارة إلى إدخال القبر في المسجد ، لأنه لا يتيسر أن يكون ما بين القبر والمنر روضة إلا بكونهما داخل المسجد ، لا خارجه ، وهذا مدرك بالضرورة الحسية ، فاقتراح بعض المتزمتين في هذا العصر : أن يبني جدار يحجز الروضة الشريفة عن المسجد ، خروج عن إجماع الأمة ، وغفلة عما يفيده الحديث ، وتنطع يأبه الدين ،

[  المسألة الثالثة ] : أول ما بني المسجد على القبر ، في العهد النبوي وبيان ذلك : أن أبا بصير الثقفي رضي الله عنه انفلت من المشركين بعد صلح الحديبية ، وذهب إلى سيف البحر ، ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو ، انفلت من المشركين أيضاً ، ولحق بهم أناس من المسلمين حتى بلغوا ثلاثمائة وكان يصلي بهم أو بصير وكان يقول : " الله العلي الأكبر ... من ينصر الله فسوف ينصر " وهذا رجز ، فلما لحق به أبو جندل ، كان هو يؤمهم وكان لا يمر بهم عير لقريش ، إلا أخذوها وقتلوا أصحابها ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تناشده الله ، والرحم ألا أرسل إليهم ، فمن أتاك منهم فهو آمن ، وكتب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ، ومن معهم من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم ، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أبي جندل ، وأبو بصير يموت ، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيده يقرأه ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وبنى على قبره مسجداً ، رواه موسى بن عقبة في المغازي ، وابن إسحاق في السيرة عن الزهيري عن عروة عن المسور ومروان ، وكان الإمام مالك يقول : عليكم بمغازى الرجل الصالح موسى بن عقبة ، فأنها أصح المغازي ، وكان يحيى بن معين يقول : كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب ، قال أخي في كتاب إحياء المقبور : وبلا شك يدري كل ذي حس سليم يعرف سيرة الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لا يمكن إحداث أمر عظيم مثل هذا ولا يذكرونه له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكذلك يستحيل أن يحدث مثل هذا من أصحابه ، ويكون  حراماً يجر إلى كفر وضلال ، ثم لا يعلمه الله تعالى به ، كما أعلمه بمسجد الضرار وبقصد أصحابه من بنائه ، وأمر بهدمه ، فإذن لا شك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم ببناء المسجد على قبر أبي بصير ولم يأمر بهدمه ، إذ لو أمر بذلك لنقل في الخبر نفسه أو في غيره لأنه شرع لا يجوز أن يضيع اهـ ، ويؤيد هذا أن أبا جندل رجع إلى المدينة بأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بد أنه حكى له جميع أعمالهم في سيف البحر – وسيف بكسر السين – ساحل البحر  ،

[  المسألة الرابعة ] : لا يوجد دليل على حرمة الصلاة في مسجد فيه قبور ، ولم يقل أحدمن الأئمة بذلك ، بل هم مجمعون على وجود القبور في المسجد النبوي ، وحديث {{ لعن الله اليهود اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد }} لا يجوز الاستدلال به من جهة معارضة القرآن له ، ولا يوجد وجه للجمع بينهما ، وحديث {{ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصورا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة }} سبب وروده أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهما رأتا بالحبشة كنيسة يقال لها مارية ، فيها تماثيل وتصاوير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن وضع التصاوير في أماكن عبادتهم من قبيح فعلهم ، مع أن التصاوير منهي عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة ؟ فالذم في الحديث منصب على التصاوير لا على بناء المسجد ، لأنه يوافق القرآن في قول الله تعالى { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } ويؤيد هذا أن عمر رضي الله عنه لما ذهب إلى بيت المقدس وعزمه راهب أن يتغدى عنده في الكنيسة قال له عمر : إنا لا ندخل كنيستكم لما فيها من التصاوير ، وتغدى معه خارجها ، فالتصاوير هي مصدر الذم ومبعثه ، ومن استدل بالحديث على حرمة بناء المسجد على القبر ، لم يفهم معناه لغفلته عن سبب وروده ، 

[  المسألة الخامسة ] : اعترض الألباني ، على أخي في استدلاله لبناء المسجد على قبر بآية الكهف ، لأن الله تعالى أقرهم على ما قالوا ، وبنى اعتراضه على أمرين : ( الأول ) : لا يصح اعتبار عدم الرد عليهم إقرار لهم ، إلا إذا ثبت أنهم كانوا مسلمين صالحين ، وليس في الآية إشارة إلى ذلك ، بل يحتمل أنهم كانوا كفار وفجار وهو الأقرب ، ( الثاني  ) : أن الله رد صنيعهم على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر حديث { لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } ثم قال : فأي رد أوضح من هذا ؟ وذكرا ، من يستدل بهذه الآية على خلاف الأحاديث الصحيحة كمثل من يستدل على جواز صنع التماثيل والأصنام ، بقوله تعالى في الجن المذللين لسليمان عليه السلام { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات } ، وما أبداه خطأ محض لا نصيب له من الصواب وبيان ذلك : أن احتمال أن يكون مقترحو بناء المسجد كفار بعيد جداً يأباه السياق ، وإن قال به بعض المفسرين ، والصواب : ما ذكره ابن عباس والسدى وغيرهما أن أهل البلد كان فيهم مشركون ينكرون البعث ، وملكها ومن معه مسلمون ، فلما عثروا على أهل الكهف ، وعلم أهل البلد أنهم قاموا بعد قرون ، انتصر الملك على منكري البعث بدليل مادي محسوس ، ولما رجع  الفتية إلى كهفهم ، تنازع أهل البلد في شأنهم ، فقال المشركون { ابنوا عليهم بنيانا } وقال الذين غلبوا على أمرهم - هم الملك وأصحابه - { لنتخذن عليهم مسجدا } ، من المعقول جدا أن يبنى المسلمون على فتية مؤمنين ، وليس من المعقول أبدأ أن يقترح المشركون بناء مسجد ولا يوافقون عليه ، ولم يقع ولا يجوز أن يقع أن يحكى الله تعالى عملا أو قولا لكافر ثم يقره عليه ، وإليك أمثلة من ذلك : نبه الله على مسجد الضرار وفساد نية بانييه وقال لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم { لا تقم فيه أبدا } وقال اليهود والنصارى { نحن أبناء الله وأحباؤه } ، فرد عليهم بقوله { قل فلم يعذبكم بذنوبكم * بل أنتم بشر ممن خلق } (2) وقال اليهود { يد الله مغلولة } ، فرد عليهم { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } (3) وقال اليهود { إن الله فقير ونحن أغنياء } ، فرد عليهم { سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق } ، وقال المشركين { اتخذ الله ولدا } ، فرد عليهم { بل عباد منكرون } ، وهكذا لا نجد قولاً لكافر أو مشرك يحكيه الله تعالى إلا أعقبه برده ، وهذا ما يرجح أن مقترح بناء المسجد على أهل الكهف مسلمون ، ..

[ المسألة السادسة ] : حديث الصحيحين { لا تشد الحال إلا إلى ثلاث مساجد ، المسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى } أخذ بظاهره بعض العلماء فمنع السفر إلى غير هذه المساجد المذكورة في الحديث ، وهذا ضعيف ، لأنه يقتضي منع السفر للتجارة وطلب العلم وصلة الرحم وغير ذلك ، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : قال بعض المحققين { إلا إلى ثلاث مساجد } المستثنى منه محذوف ، فأما أن يقدر عاماً فيصير : لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى ثلاثة مساجد ، أو أخص من ذلك ، لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها فتعين الثاني ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاث ، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف ، وغيره من قبور الصالحين اهـ ، وقال تقي الدين السبكي : ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها غير البلاد الثلاثة ، ومرادي بالفضل ما شهد الشرع باعتباره ، ورتب عليه حكما وشرعياً ، وأما غيرها من البلاد فلا تشد الرحال إليها لذاتها ، بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات ، قال : وقد التبس ذلك على بعضهم ، فزعم أن شد الرحال لمن في غير الثلاثة داخل في المنع ، وهو خطأ ، لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه ، فمعنى الحديث : لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد ، أو إلى مكان من الأمكنة ، لأجل ذلك المكان إلا إلى الثلاثة المذكورة ، وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان ، بل من في ذلك المكان اهـ ، ويؤيده ما رواه أحمد من طريق شهر بن حوشب قال : سمعت أبا سعيد – وذكر عنده الصلاة في الطور – فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلا إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي )) ، قال الحافظ : وشهر حسن الحديث ، وإن كان فيه بعض الضعف اهـ ، وروى البزار عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء ، أحق المساجد أن يزار ، ويشد إليه الرواحل ، المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي } في سنده عن موسى ابن عبيدة الربذي وثقه ابن سعد ووكيع ، والجمهور ضعفوه لكنهم وصفوه بالصلاح ، وقال زيد بن الحباب : كنا عند موسى بن عبيدة بالربذة فأقمنا عنده ومرض ومات فأتيت قبره ومعي رفيق لي ، فجعل ريح المسك يفوح من قبره ، فجعلت أقول لرفيقي : أما تشم ؟ أما تشم ؟ وليس بالربذة يومئذ مسك ولا عنبر ، قال البزار : موسى بن عبيدة رجل مفيد وليس بالحافظ وأحسب إنما  قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة ، وهذا الحديث مؤيد بحديث شهر ، وهما يفيدان ترك شد الرحلة إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ، فلو نذر شخص صلاة ركعتين أو أكثر ، بجامع القرويين أو الأزهر ، لم يلزمه أن يشد الرحلة إليه ويفي بنذره بالصلاة في أي مسجد ببلده ، ولو نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة ، لزمه الرحلة إليها عند الجمهور ، لأنها مساجد الأنبياء ، وروى أبو الفتح الأزدي وأبو الحسن العسكري وأبو موسى المديني من طريق يقية عن عمرو بن عتبة عن أبيه عن زيادة ابن سمية سمعت زكرة بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول (( لو أعرف موضع قبر يحيى لزرته )) قال أبو حاتم : زيادة بن سمية ليس هو الأمير المشهور الذي استخلفه معاوية ، وقال ابن عبد البر : ليس إسناده بقوي ، ومن المعلوم أن قبر يحيى عليه السلام بالشام ، فالحديث يفيد جواز الرحلة لزيارة القبور ، والقرآن يؤيده في ذلك لأن الله تعالى رخص في كتابه الكريم للمسافر أن يتيمم ويقصر الصلاة ، ويفطر في رمضان ، وبم يقيد السفر بأن يكون للمساجد الثلاثة ، بل جعله سفراً عاماً يشمل السفر للتجارة وطلب العلم وصلة الرحم وزيارة الأخوان والصالحين أحياء وأمواتاً ، وزيارة الفسحة والنزهة وكل سفر واجب أو مندوب أو مباح ، وهذا هو اليسر الذي أراده الله لنا في قوله تعالى { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }  ،

[  المسألة السابعة ] : تواتر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال { جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهورة } وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بإجماع العلماء ، والخصائص لا تنسخ ولا يستثنى منها ولهذا حمل العلماء الحديث الوارد عن الصلاة في المقبرة على الكراهة ولم يحملوه على البطلان ، بل حتى من حمل النهي عن التحريم قال أن الصلاة صحيحة ، ونص الحافظ البيهقي والحافظ ابن عبد البر ، والحافظ بن حجر على أن الحديث { لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها } محمول على الكراهة فقط ، بل رجح حافظ المغرب ابن عبد البر عدم الكراهة واعتمادهم في ذلك كله على الحديث السابق ذكره ،

فتاوي الديار المصرية ] : وأما نص الفتوى لمفتي الديار المصرية على المذاهب الأربعة :   1- قال فقهاء مذهب أبي حنيفة : تكره الصلاة في المقبرة إذا كان القبر بين يدي المصلي بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه فإذا كان القبر خلف المصلي وهو مستقبل القبلة فلا كراهة  ،  2- وقال فقهاء مذهب مالك : الصلاة في المقبرة جائزة بلا كراهة إذا خلت عن النجاسة ،  3- وقال فقهاء مذهب الشافعي : تكره الصلاة في المقبرة غير المنبوشة ، سواء كانت القبور أمامه أو خلفه ، أو على يمينه أو على شماله ، أما الصلاة في المقبرة المنبوشة بلا حائل فباطلة لوجود النجاسة بها  ،  4- وقال فقهاء مذهب أحمد بن حنبل : أن الصلاة في المقبرة التي تحتوي على  أقل من ثلاث قبور صحيحة بلا كراهة إذا لم يستقبل المصلي القبر ، وأن استقبله كانت الصلاة مكروهة ، لذا كانت الصلاة في المصلى المسؤول عنها صحيحة بلا كراهة في فقه الأئمة أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد ، ومكروهة في فقه الإمام  الشافعي رحمهم الله اهـ ،  ومن هنا يعلم أن من قال أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبور باطلة ، فهو كاذب ، يدخل في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( أجراؤكم على الفتيا أجراؤكم على النار )) وحديث (( من حدث بحديث يظن أنه كاذب فهو أحد الكذابين ))  والله سبحانه وتعالى أعلم [ انتهى من كتاب إعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد للشيخ الحافظ عبد الله بن محمد الصديق الغماري ]

 

[  2  ] : وقال الشيخ عبدالله بن الصديق الغماري في كتاب اتقان الصنعة : استدل الذين قالوا بكراهة بناء المساجد على القبر بحديث : (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) [ أخرجه البخاري (437) ومسلم (530) وأبو داود (3227) وأحمد (2 : 284) والبيهقي (4 : 80) وابن حبان ( 2326) ] ، والحديث صحيح ولكن الاستدلال به غير صحيح لأمور : ( 1 ) أن معنى اتخاذ القبور مساجد : الصلاة اليها تعبدا أو السجود لها ، ( 2 ) أنّ عائشة لما روت قوله صلى الله عليه وآله وسلم أعقبته بقولها : ( ولولا ذلك لأبرزوا قبره ، غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا ) ، ( 3 ) قال الحافظ في الفتح : قولها لأبرزوا أي لكشف قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتخذ عليه الحائل والمراد الدفن خارج بيته ، ( 4 ) بقي أمر لابد أن ننبه عليه وهو : إذا كان مسجد مبنيا ثم دفن فيه ميت أو أدخل فيه قبر فلا يدخله الخلاف في بناء المسجد على القبر لأنه لم يبن عليه والدليل على ذلك أمور : ( أ ) استشارة سيدنا أبي بكر للصحابة الكرام في اختيار موضع دفنه عليه الصلاة والسلام فقال بعضهم : عند المنبر وقال بعضهم حيث كان يصلي يؤم الناس ، فهؤلاء الصحابة لم يشيروا بدفنه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأماكن إلا لعلمهم بأن هذا لا يشمله بناء مسجد على قبره وهؤلاء هم أصحابه الكرام ، ( ب ) أن القبر الشريف أدخل في المسجد النبوي في عهد الوليد بن عبدالملك على يد عمر بن عبدالعزيز ولم يغير ذلك خلفاء بني العباس ولا أرشدهم أحد إليه مع كثرة من زار المسجد النبوي من الأئمة والحفاظ والفقهاء والزهاد وغيرهم وكان الإمام مالك زار المسجد النبوي من الأئمة والحفاظ والفقهاء والزهاد وغيرهم وكان الإمام مالك مسموع الكلمة عند المنصور ولو أشار عليه بإقامته حاجز بين القبر والمسجد لفعله وما  ذاك إلا لأن إدخال قبر في مسجد ليس كبناء المسجد عليه وهو في المسجد النبوي إجماع من الأمة بجميع طبقاتها وامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تجتمع على ضلالة ، ومما يستأنس به في هذا الباب حكاية الله عز وجل لقول الذين اكتشفوا أهل الكهف وقالوا : { لنتخذن عليهم مسجدا } وهم مسلمون كما قال ابن عباس فذكر الله جل جلاله قولهم ولم ينكر عليهم ، والآن وبعد جميع ما ذكر من صور إحداث الصحابة رضي الله عنهم لأمور في زمن النبوة وبعدها لم تكن موجودة في عهد النبوة وأنها من باب قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها  )) ، نستطيع أن نصل إلى قاعدة نجعلها أساسا لنا خلال مسيرتنا في هذه الحياة لنكون دعاة إلى جمع شتات المسلمين ألا وهي (ليس كل جديد بدعة) لأن الحياة ما تزال تتحول بأصحابها من حال إلى حال ومن طور إلى طور وهذه سنة الله تعالى في الكون فلا مطمع في إمكان التغلب عليها وربطها بمسمار من الثبات والجمود على حالة واحدة على مر الأزمنة والعصور وكانت هذه التطورات موجودة في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكان يرحب بسنة الحياة إذا لم تكن مخالفة لقواعد الشريعة ، فالبدعة بمعناها الشرعي هي التي يجب الابتعاد عنها والتحذير من الوقوع فيها ، وأصل ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) وليس المقصود منها معناها اللغوي وهو ما تعارف عليه الناس بأنه كل جديد طارئ على حياة المسلم مما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه الكرام ولم يكن معروفا لديهم ، إذ لو كان المقصود من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) ، المعنى اللغوي إذا لكان المسلمون اليوم كلهم يعانون من ضلالات لا مفر لهم منها ويتقلبون في بحار من البدع أينما حلوا وأينما سكنوا أبنية بيوتهم وموائدهم وطراز ثيابهم والأساليب التي تنهض عليها أنشطتهم الثقافية والعلمية والاجتماعية طامات متراكمة بدأت بعد عصر الصحابة إلى يومنا هذا ولا مطمع في إمكانية التغلب عليها!! فلا يعقل إذا أن يكون المقصود من البدعة هو المعنى اللغوي ، على أننا بعد هذا كله لابد لنا أن نتذكر قول إبراهيم النخعي التابعي : ( كانوا يكرهون اشياء لا يحرمونها) وكذلك كان مالك والشافعي وأحمد كانوا يتوقون إطلاق لفظ الحرام على ما لم يتيقن تحريمه لنوع شبهة فيه أو اختلاف أو نحو ذلك بل كان أحدهم يقول ( أكره كذا ) لا يزيد على ذلك ويقول الإمام الشافعي تارة : أخشى أن يكون حراما ولا يجزم بالتحريم ، يخاف أحدهم إذا جزم بالتحريم أن يشمله قول الله تعالى  { لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب } فمن نحن أمام الإمام الشافعي والإمام أحمد وأئمة السلف الصالح ؟!! هل بلغنا من العلم القدر الذي فقناهم فيه حتى يجوز لنا أن نسارع بالتحريم والتحليل من ذات أنفسنا؟!! اللهم اهدنا سواء السبيل والحمد لله رب العالمين " أهـ [من كتاب اتقان الصنعة للشيخ عبدالله الغماري ]

 

[  3  ] : قال الشيخ عبد الرحمن المكي الهاشمي في كتابه السلفية المعاصرة شبهات وردود - وهو يصف تشدد البعض وفهمهم الخاطئ في مسألة اتخاذ القبور مساجد :

( أ ) زعمهم أن المساجد عند قبور الصالحين هو من اتخاذ القبور مساجد : روى الشيخان واللفظ لمسلم : (( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون من قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك )) ، وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها حين ذكر له صلى الله عليه وسلم تصاوير في كنيسة بالحبشة فقال : (( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا تلك الصور أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ )) كل ذلك لا يدل على منع زيارته صلى الله عليه وسلم  لوقوع القبر في المسجد ولا يدل كذلك على منع أن يتخذ مسجد في جوار رجل صالح قصد التبرك بالقرب منه ، بل المقصود من النهي في الحديثين هو أن يقصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما يقصد المسجد تعظيماً للقبر أو للمدفون فيه كما هو فعل اليهود والنصارى كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم وصالحيهم ، ولما صوره من صورهم كما يسجد للأوثان فهذا هو الذي يكون ذريعة للشرك ، ولذا فإن هجو الموسوسين للمساجد التي فيها قبر وتسميتها مساجد الشرك وزعم أن الصلاة فيها شرك وذريعة للشرك إنما هو تعمق في الجهل وإغراق لسوء الفهم للأحاديث ، فإن هذه المساجد لم تبن إلا لما بنيت له المساجد من التعبد وليس ذلك بمحرم ولا مكروه ، ولذا بنيت في القرون الأولى مساجد عند القبور من غير أن تكون صلاة إلى القبر أو عليه ولو كان المراد بالحديثين هو النهي من اتخاذ المساجد في جوار قبر رجل صالح بقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا التوجه نحوه أو هجر المساجد لأجل القبر فبها لوجب أن يهجر مسجده صلى الله عليه وسلم بعد إدخال القبر فيه ، ولما أصبح مما تشد إليه الرحل والصلاة فيه بألف صلاة مع علمه صلى الله عليه وسلم بأنه سيدفن في هذا الموضع لما جاء في رواية البزار بسند صحيح والطبراني (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ولأنكر الصحابة والتابعون على عمر بن عبد العزيز إدخاله حجر أمهات المؤمنين في المسجد لتوسيعه ولكنهم لم ينكروا ولم ينزل المسجد الشريف في أنظارهم باشتماله على القبور فيه بل ما زالوا ومن بعدهم يتوافدون لزيارته صلى الله عليه وسلم في مسجده ، ولوكان في الأمر ما هو منكر لغير ذلك عمر بن عبدالعزيز لما آلت إليه الخلافة وهو الذي أحيا سنة جده عمر بن الخطاب ولما أقر علماء التابعين فاطمة بنت الحسين على ضربها قبة على قبر الحسن بن على بن أبي طالب واقامت به سنة كما رواه البخاري معلقاً وهي لا محالة تقيم فيها عبادتها من صلاة وذكر وتلاوة وهي ومن معها ، والعصر كان عصر الفقه وإنكار المنكر فالمراد من النهي على ذلك هو قصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما بقصد المسجد تعظيماً للقبر أو ممن فيه ، قال الإمام البيضاوي في شرحه الطوالع ( لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثاناً لعنهم ومنع المسلمين من مثل ذلك ، فأما من اتخذ مسجداً في جوار رجل صالح وقصد التقرب بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد ) ، ونقل ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وأقره ، ومما يجب أن يعلم أنه لو وقع استقبال القبر في الصلاة من غير قصد إلى تعظيمه أو تعظيم صاحبه لم يكن على المصلي بأس وليس ذلك من جعل القبر مسجداً في شيء ، قال ابن القاسم : كان مالك لا يرى بأساً من الصلاة في المقابر بينما من يصلي في المقبرة تكون القبور بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله 0 قال مالك : وبلغني أن بعض الصحابة كانوا يصلون في المقبرة 0 ولذا فإن الدعوة المحمومة لإخراج القبر الشريف من المسجد والتي نشرت قبل حين في بعض الصحف لا يحمل عليها إلا جهل أو غيظ متأصل تنطوي عليه القلوب ، نساله تعالى السلامة والإخلاص وحسن الإيمان ،

( ب ) اعتبارهم البناء ونحوه على القبور يصيرها أوثاناً تعبد : علل الوهابية منع البناء على القبور بأن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله ،  وقد سبق في مقدمة هذه الرسالة أن محمد بن عتيق ( قد جعل من اسباب كفر أهل مكة هو عدم هدمهم  للقباب ) ، وجهلوا أن المؤدي إلى الشرك هو اتخاذ القبور مساجد بمعنى قصد القبر لعبادته أو عبادة من فيه كما يقصد المسجد وذلك بالعكوف عليها وتصوير الصور فيها ، والمسلمون بحمد الله ليس تعظيمهم للقبور ، وإنما تعظيم من فيها من الأنبياء والصالحين إذا لم يتجاوز التعظيم مراتبهم من العبودية ، ولا يوجد إن شاء الله من زوار الأنبياء والصالحين من هو عابد لهم ولا متخذهم مع الله آلهة ، ولا من يقصد الصلاة إلى قبورهم فالحمد الله على حفظ دينه ، وقد علمت أن التوسل والاستغاثة بهم ليس من العبادة في شيء ، وأن التشريك والتكفير بذلك هو نتيجة جهل بمعنى العبادة ،  وللعلماء في الأبنية على القبور ثلاثة أقوال : فمنهم من كره البناء في الأرض سواء كانت مملوكة أو مسبلة ، ومنهم من كره البناء في المملوكة وحرمه في المسبلة ، ومنهم من أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين وجعل ذلك مستثنى من أحاديث النهي عن البناء ، واعلم أن من منع البناء من الأئمة والعلماء لم يجعل علة المنع أن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله كما زعم الوهابية ، بل عللوا المنع بخوف التضيق على الناس لئلا يحجر عليهم موضع القبر فلا يدفن أحد فيه فيضيق ذلك بالناس لا لأن البناء شرك أو ذريعة للشرك ،

( أحاديث النهي عن البناء ) : من كره البناء استدل بحديث مسلم عن أبي الهياج الأسدي أن علياً رضي الله عنه قال له : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أن أدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته )) ، واستدلوا أيضاً على الكراهة بحديث مسلم وأبي داود عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر أو يبنى عليه وأن يكتب عليه ، زاد أبو داود أو يزاد عليه أي على ترابه ، والقائلون بالمنع قد اختلفوا : فمنهم من كره البناء سواء كانت مملوكة أو مسبلة ولكنه لا يقول بهدمه إذا بني مستنداً إلى وجود البناء على قبر الشيخين في الحجرة فإنها غير مملوكة حيث أن الأنبياء لا يورثون ولم يقل بهدمه أحد ن ومنهم من كره البناء في المملوكة ولم يهدمه إذا بني وحرمه في المسبلة وقال بهدمه فيها ، قال الشافعي في الأم : ( قد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني فيها فلم أر الفقهاء يعبون ذلك قال : فإن كانت القبور في الأرض يملكها الموتى في حياتهم أو ورثتهم بعدهم لم يهدم شيء منها ، وإنما يهدم إن هدم ما لا يملكه أحد فهدمه لئلا يحجر على الناس موضع القبر فلا يدفن فيه أحد فيضيق على الناس ) ا هـ ، فأنت تراه لا يحتم الهدم في غير المملوكة بل يقول : إن هدم ولا يقول بالهدم فيما بني على أرض مملوكة لأنه بني بحق ولا يذهب في تعليل منع البناء في غير المملوكة إلا إلى خوف التضيق به على الناس ولم يقل أن البناء على القبور شرك ولا ذريعة للشرك ، ولم يقل كذلك ولا أحد من أهل العلم الذي يقتدى بهم أن البناء على القبر يصيره طاغوتاً وصنماً يعبد من دون الله ، وأنه شرك وأن الذاهب لزيارة هذا القبر مشرك وعابد صنم حتى جاء ابن تيمية المتوفي في القرن الثامن فقال بهذا وتبعه على ذلك من تبعه من الوهابيين فكفروا الأمة الإسلامية كما رايته في فتوى ابن عتيق ، وقال ابن مفلح في كتاب الجنائز ص 681 – 682 ( القبة والحظيرة والتربة إن كانت في ملكه فعل ما شاء وإن كانت في مسبلة كره للتضيق )  ، 

(  أدلة من قال أن أحاديث النهي عن البناء مخصصة بغير قبور الأنبياء والصالحين ) : ومن أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين ذهب إلى أحاديث النهي عن البناء على القبور ليست عامة في جميع القبور ، بل يستثني منها قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين ، فقالوا يجوز البناء عليها واستدلوا على تخصيص ذلك من أحاديث النهي بأن الصحابة قد دفنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة موضع ما قبض لما روي لهم من قوله صلى الله عليه وسلم : (( ما دفن نبي إلا في مكانه الذي توفي فيه )) ، ودفن في الحجرة بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وبنى عمر ابن الخطاب في حائطاً عليها وبنت عائشة رضي الله عنها كذلك القبور الثلاثة وكانت تسكنها وتصلي فيها قبل الحائط وبعده ، وبناها عبدالله بن الزبير أيام خلافته ثم سقط حائطها فبناها عمر بن عبدالعزيز ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بإدخال حجر أمهات المؤمنين فيه بني الحجرة التي فيها القبور الثلاثة وأزرها بالرخام ولم ينكر عليه من وجد من الصحابة ولا فقهاء التابعين ، واستحسان بعضهم إبقاء الحجرة على ما كانت دون هدمها هو لميلهم أن يبقى البناء القديم عظة لما كان عليه سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بساطة وبناء بالطين ويسقف من الجريد غير المرتفع ، وعمر بن عبد العزيز في خلافته مع حرصه على إبطال المنكرات أقر الحجرة على ما بنيت عليه فدل ذلك على أن البناء  على القبر غير منكر ولم يزل الأمر على ذلك يتنافس في عمارتها أمراء المسلمين وتفصيل ذلك في (وفاء الوفاء ) ولو كان البناء على القبور شركاً لهدموا الحجرة قبل دفنه بها ولما أحدث عمر وعائشة وغيرهما فيها بناء ، ولما أعادوا بناءها بعد الانهدام أي من الصحابة الموجودين والتابعين ، ولذلك لم يهدم المسلمون بعد فتحهم بيت المقدس وبلاد الشام ما وجد من المباني على قبر الخليل وقبور أولاده إسحاق ويعقوب وغيرهما من صالحي أهل بيته ، ومما على قبر داود وغيره في بيت المقدس ولم يأمر عمر ولا الصحابة ولا التابعون بهدم ذلك 0 والمقصود أنه لذلك كله ذهبت طائفة من العلماء إلى جواز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين مستندين في ذلك إلى إبقاء حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم المحيطة بقبره وقبر صاحبيه وتجديد بنائها في العصور الفاضلة وعدم إنكار الأئمة على ذلك وإلى عدم هدم المسلمين بعد فتح الشام ما على قبور الأنبياء من المباني كما إنه قد بنيت مباني في القرون الأولى على قبور بعض علماء هذه الأمة كما يؤخذ من ( وفاء الوفاء ) ، فتخصيص أحاديث النهي عن البناء باستثناء قبور الأنبياء والصالحين والعلماء بالعمل المتوارث في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، وفي ترك الأبنية على القبور على حالتها بعد فتح الشام ، وعدم هدمها هو أمر له وجه قوي إذ استنباط معنى يعود على حكم العام أو المطلق بالتخصيص أو التقييد إذا قام الدليل على ذلك هو أمر شائع بين العلماء ولا مؤاخذة فيه ، علاوة على أن البناء على القبر هو بمثابة تعليمه بعلامة كما روى ابن ماجه وأبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قد علم قبر عثمان بن مظعون بصخرة وقال : أتعلم به قبر أخي ، ولا يلزم تعيين هذه العلامة وإنما المراد هو ما يفيد معرفة القبر حيث علل رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم وضعها بأنها لمعرفة القبر ،  ورأي من أجاز البناء على القبور أنه مما تشمله العلامة ، إذ لما وقعت حوائط الحجر لم يكتفوا بوضع حجر عند قبر الصديق والفاروق بل أدخلوهما في بنائها ورفعوا البناء وأحكموه حتى يكون علامة باقية ، قال التوربشتي : ( وقد أباح السلف البناء على قبور المشايخ والعلماء المشهورين ليزورهم الناس وليستروحوا بالجلوس فيه ) ، وفي حاشية ابن حمدون المالكي على شرح عبارة لمنظومة ابن عاشر وإذا جاز عند القصار ومن تبعه بناء البيت على مطلق القبور في الأرض المملوكة وفي المباحة إن لم يضر بأحد كان البناء بقصد تعظيم من يعظم شرعاً أجوز ) ، وقال عبدالقادر الفاسي ( لم يزل الناس يبنون على مقابر الصالحين وأئمة الإسلام شرقاً وغرباً كما هو معلوم ، وفي ذلك تعظيم حرمات الله واجتلاب مصلحة عباد الله وانتفاعهم بزيارة أوليائه ، وفي ذلك المحافظة على تعين قبورهم وعدم اندراسها ، وما اندرست قبور الأنبياء والأولياء من الأمم المتقدمة إلا من قلة العناية بأمرهم ) اهـ ، قلت : بل لذلك لم يبقي قبر مقطوع به من قبور الأنبياء إلا قبه صلى الله عليه وسلم ، وفي التحفة من باب الوصية ( إجازة الوصية بالبناء على قبر نحو عالم في المملوكة وكذلك تسوية قبره ) اهـ ، وفي النهاية في باب الجنائز الوصية بالتسوية وعمارة قبور الأنبياء والصالحين حتي في المسبلة ) اهـ ، قلت : والغاية من البناء حفظ قبورهم من الاندثار وأن تعرف فيزورهم الناس تبركاً بهم واستظلال الزائرين بها وتيسير مكثهم للذكر والتلاوة وحفظاً للقبر الذي ثبتت حرمته من دخول الدواب واكلاب ووقوع القاذورات ، لا خلاف إذا كان البناء لغرض صحيح شرعي : واعلم أن الخلاف في منع البناء بالكراهة والتحريم والتفريق بين المسبلة والمملوكة ووجوب الهدم أو عدمه محله إذا لم يكن للبناء غرض صحيح شرعي 0 أما إذا وجد الغرض الشرعي فلا حرمة ولا كراهة ولا هدم يستوي في ذلك المسبلة والمملوكة ، كأن دعت حاجة إلى البناء خوف نبش سارق أو سبع أو خرق سيل للقبر ، وما كان هذا شأنه لا يجوز هدمه بعد بنائه لأنه قد بني بحق ، وعلى العموم من قال بحرمة البناء إلى قبور الصالحين فقد خصصه بالمسبلة وبعدم الحاجة إليه ، وعلل الحرمة بعدم التضييق على الناس نتيجة احتكار القبر فلا ينتفع المسلمون بموالاة الدفن فيه وليست العلة أن البناء يصير القبر طاغوتاً وصنماً كما قال الوهابيون " أهـ   [ السلفية المعاصرة شبهات وردود للشيخ عبد الرحمن المكي الهاشمي ]

 

( 4 ) حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر

أنقل هنا مبحث حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الفقهية الأربعة لليافعي حفظه الله تعالى ، يقول : ( فهذا بحث موجز في حكم الصلاة في مسجد فيه قبر وقد جعلته في مبحثين : ( المبحث الأول ) : حالات الصلاة في مسجد فيه قبر وحكم كل حالة ، و ( المبحث الثاني ) : في أدلة أهل العلم في المسألة ،

 

المبحث الأول : حالات الصلاة في مسجد فيه قبر وحكم كل حالة :   الصلاة بالنسبة للقبور لها ثلاثة أحوال : 1- أن تكون على القبور ، 2- أن تكون إلى القبور ، 3- أن تكون عند القبور ، ولكل من ذلك حالتان : الحالة الأولى : أن توجد في موضع الصلاة نجاسة من صديد الموتى فلا خلاف بين أهل العلم في حرمة الصلاة في ذلك الموضع والصلاة عندئذ باطلة ، والحالة الثانية : ألا توجد في الموضع نجاسة وقد اختلف أهل العلم في هذه الحالة على ثلاثة أقوال : ( القول الأول ) : أن ذلك مكروه والصلاة صحيحة وهو مذهب الجمهور وعليه الشافعية وهو رواية عند الحنابلة وعليه الحنفية في حالة الصلاة إلى القبور , وكذا في حالة الصلاة على القبور مالم يكن قبر نبي ، و ( القول الثاني ) : أن ذلك جائز وهو مذهب المالكية, وهو أيضا مذهب الحنفية في حالة الصلاة عند القبور ، و ( القول الثالث ) : أن ذلك حرام وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة وعليها المذهب , وفي صحة الصلاة عندهم روايتان والأصح عدم الصحة, ثم الكلام السابق عند الحنابلة إنما هو إذا كانت الصلاة في مقبرة أما القبر والقبران فلا يمنعون من الصلاة عندها وخالف في ذلك بعضهم كما سيأتي إن شاء الله ، والآن إليك بعض أقوال أهل العلم من المذاهب الأربعة في المسألة ضمن الفروع التالية :

 

الفرع الأول من أقوال الحنفية : في بدائع الصنائع [ 1 : 301 ] : ( وأما المقبرة فقيل : إنما نهى عن ذلك لما فيه من التشبيه باليهود كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلا تتخذوا قبري بعدي مسجد ، وروي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يصلي بالليل إلى قبر فناداه : القبر القبر, فظن الرجل أنه يقول القمر القمر فجعل ينظر إلى السماء فما زال به حتى تنبه ، فعلى هذا تجوز الصلاة وتكره ، وقيل : معنى النهي أن المقابر لا تخلو عن النجاسات لأن الجهال يستترون بما شرف من القبور فيبولون ويتغوطون خلفه ، فعلى هذا لا تجوز الصلاة لو كان في موضع يفعلون ذلك لانعدام طهارة المكان ) اهـ ، وفي البحر الرائق : [ 5 : 217 ] : ( ويكره أن يكون محراب المسجد نحو المقبرة أو الميضأة أو الحمام ) اهـ ، وفي حاشية ابن عابدين [ 1 : 38 ] : ( قوله : ( ومقبرة ) مثلث الباء , واختلف في علته : فقيل : لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس وفيه نظر ، وقيل : لأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد ، وقيل : لأنه تشبه باليهود وعليه مشى في الخانية ، ولا بأس بالصلاة فيها [يعني المقبرة] إذا كان فيها موضع أعد للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة كما في الخانية ولا قبلته إلى قبر حلية ) اهـ ، وفي حاشية الطحطاوي [ 2 : 351 ] : ( قوله : وفي المقبرة بتثليث الباء لأنه تشبه باليهود والنصارى قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) وسواء كانت فوقه أو خلفه ، أو تحت ما هو واقف عليه ، ويستثنى مقابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا تكره الصلاة فيها مطلقا منبوشة أو لا, بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة, لأنهم أحياء في قبورهم ألا ترى أن مرقد إسماعيل عليه السلام في الحجر تحت الميزاب وأن بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى للصلاة بخلاف مقابر غيرهم أفاده في شرح المشكاة ، وفي زاد الفقير : وتكره الصلاة في المقبرة إلا أن يكون فيها موضع أعد للصلاة لا نجاسة فيه ، ولا قذر فيه اهـ ، قال الحلبي : لأن الكراهة معللة بالتشبه وهو منتف حينئذ ، وفي القهستاني عن جنائز المضمرات : لا تكره الصلاة إلى جهة القبر إلا إذا كان بين يديه بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه ) اهـ

 

الفرع الثاني من أقوال المالكية : في المدونة الفقهية [ 1 : 90 ] : (قلت لابن القاسم : هل كان مالك يوسع أن يصلي الرجل وبين يديه قبر يكون سترة له؟ قال : كان مالك لا يرى بأسا بالصلاة في المقابر وهو إذا صلى في المقبرة كانت القبور أمامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره ، قال : وقال مالك : لا بأس بالصلاة في المقابر, قال : وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يصلون في المقبرة)اهـ ، وفي الذخيرة للقرافي [ 2 : 95 ] : ( وثالثها المقبرة  : قال في الكتاب : لا بأس بالصلاة إلى القبر وفي المقبرة وبلغني أن أصحاب رسول الله كانوا يفعلون ذلك, قال صاحب الطراز : ومنع ابن حنبل من الصلاة إلى القبر وفي المقبرة ، والمقبرة تنقسم إلى مقبرة الكفار والمسلمين وعلى التقديرين فإما أن يتيقن نبشها أو عدمه أو يشك في ذلك فهذه ستة أقسام منع أحمد والشافعي جميع ذلك, واختلف قول أحمد في صحة الصلاة فمرة حمل النهي على التعبد لا على النجاسة فحكم بالصحة ، وفرق ابن حبيب بين قبور المسلمين والمشركين فمنع من قبور المشركين لأنه حفرة من حفر النار وقال : يعيد في العامرة أبدا في العمد والجهل لبقاء نبشها النجس ولا يعيد في الداثرة لذهاب نبشها وبين قبور المسلمين فلم يمنع كانت داثرة أو عامرة ، قال صاحب الطراز : ويحمل قوله في الكتاب على أن المقبرة لم تنبش أما المنبوشة التي يخرج منها صديد الأموات وما في أمعائهم فلم يتكلم عليه مالك ، حجتنا : أن مسجده عليه السلام كان مقبرة للمشركين فنبشها عليه السلام وجعل مسجده موضعها ولأنه عليه السلام صلى على قبور الشهداء, وهذه المسألة مبنية على تعارض الأصل والغالب فرجح مالك الأصل وغيره الغالب ، حجة المخالف : ما في الترمذي نهى عليه السلام أن يصلى في سبعة مواضع في المزيلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق ومعاطن الإبل وفي الحمام وفوق ظهر بيت الله عز وجل وقال عليه السلام لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) اهـ ، وفي مواهب الجليل [ 1 : 135 ] : ( ومن صلى وبين يديه جدار مرحاض أو قبر فلا بأس به إذا كان موضعه طاهرا, قال ابن ناجي : ظاهره وإن ظهر على الجدار نجاسة وهو كذلك لأن المعتبر محل قيام المصلي وقعوده وسجوده وموضع كفيه لا أمامه أو يمينه أو شماله انتهى) اهـ ، وفي حاشية الدسوقي [ 1 : 188 ] : (قوله : وجازت بمربض بقر أو غنم ولو على القبر) أي هذا إذا صلى بين القبور بل ولو صلى فوق القبر فإن قلتَ : سيأتي أن القبر حبس لا يمشى عليه ولا ينبش والصلاة تستلزم المشي, قلتُ : يحمل كلامه على ما إذا كان القبر غير مسنم والطريق دونه فإنه يجوز المشي عليه حينئذ ، (قوله : منبوشة أو لا) فيه أن المقبرة إذا نبشت صار التراب الذي نزل عليه الدم والقيح من الموتى ظاهرا على وجه الأرض فيكون قد صلى على تراب نجس فكيف يحكم بجواز الصلاة ؟  وحاصل الجواب  : أنه سيأتي في كلام المصنف تقييد الجواز بالأمن من النجاسة بأن يعتقد أو يظن طهارة المحل الذي يصلي عليه والمقبرة إذا نبشت يمكن أن يعتقد أو يظن طهارة ما صلى عليه وأنه من غير المنبوش أو أن الدم والصديد النازل من الموتى لم يعم التراب, أو يقال إن جواز الصلاة في المقبرة المنبوشة مبني على ما قاله مالك من ترجيح الأصل وهو الطهارة على الغالب وهو النجاسة عند تعارضهما فتأمل ، (قوله : خلافا لمن قال بعدم الجواز في مقبرتهم ) الذي في المواق ترجيح هذا القول فانظره  اهـ  ... (قوله : إن أمنت من النجس ) أي بأن تحقق أو ظن طهارة الموضع الذي صلى فيه منها ... (قوله : كموضع منها ) أي كأن يصلي في موضع من هذه الأمور الأربعة المقبرة والزبلة والمحجة والمجزرة منقطع عن النجاسة أي بعيد عنها) اهـ

 

الفرع الثالث من أقوال الشافعية : في الأم [ 1 : 92 ] : روى حديث (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) ثم ( قال الشافعي ) : وبهذا نقول ومعقول أنه كما جاء في الحديث ولو لم يبينه لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة لأن المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم وذلك ميتة وإن الحمام ما كان مدخولا يجري عليه البول والدم والأنجاس
( قال الشافعي ) والمقبرة الموضع الذي يقبر فيها العامة وذلك كما وصفت مختلطة التراب بالموتى وأما صحراء لم يقبر فيها قط قبر فيها قوم مات لهم ميت ثم لم يحرك القبر فلو صلى رجل إلي جنب ذلك القبر أو فوقه كرهته له ولم آمره يعيد لأن العلم يحيط بأن التراب طاهر لم يختلط فيه شيء وكذلك لو قبر فيه ميتان أو موتى ) اهـ ، وقال الإمام البيهقي [ 2 : 435 ] : ( عن أنس قال : قمت يوما أصلى وبين يدي قبر لا أشعر به فنادانى عمر القبر القبر فظننت أنه يعني القمر فقال لي بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه وروينا عن أبي ظبيان عن بن عباس أنه كره أن يصلى إلى حش أو حمام أو قبر وكل ذلك على وجه الكراهية إذا لم يعلم في الموضع الذي تصيبه ببدنه وثيابه نجاسة لما روينا في هذا الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعلت لي الأرض طيبه طهورا ومسجدا ) اهـ ، وقال النووي في المجموع [ 3 : 164 ] : (حكم المسألة : إن تحقق أن المقبرة منبوشة لم تصح صلاته فيها بلا خلاف إذا لم يبسط تحته شيء, وإن تحقق عدم نبشها صحت بلا خلاف وهي مكروهة كراهة تنزيه ، وإن شك في نبشها فقولان  : أصحهما تصح الصلاة مع الكراهة, والثاني لا تصح , هكذا ذكر الجمهور الخلاف في المسألة الأخيرة قولين كما ذكره المصنف هنا , ممن ذكرهما قولين الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي والشيخ أبو علي البندنيجي وصاحب الشامل وخلائق من العراقيين , ومعظم الخراسانيين ونقلهما جماعة وجهين منهم المصنف في التنبيه وصاحب الحاوي قال في الحاوي : القول بالصحة هو قول ابن أبي هريرة وبالبطلان قول أبي إسحاق والصواب طريقة من قال : قولان, قال صاحب الشامل : قال في الأم : لا تصح , وقال في الإملاء : تصح واتفق الأصحاب على أن الأصح الصحة وبه قطع الجرجاني في التحرير ، قال أصحابنا : ويكره أن يصلي إلى القبر هكذا قالوا يكره , ولو قيل : يحرم لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد, قال صاحب التتمة : وأما الصلاة عند رأس قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوجها إليه فحرام ، وقال النووي في المجموع [ 3 : 166 ] ( فرع ) في مذاهب العلماء في الصلاة في المقبرة : قد ذكرنا مذهبنا فيها , وأنها ثلاثة أقسام , قال ابن المنذر روينا عن علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة ولم يكرها أبو هريرة وواثلة بن الأسقع والحسن البصري وعن مالك روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يعلم نجاستها ، وقال أحمد : الصلاة فيها حرام , وفي صحتها روايتان وإن تحقق طهارتها ، ونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال : تصح الصلاة وإن تحقق نبشها) اهـ ، وفي المجموع أيضا [ 5 : 280 ] : ( اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره , لعموم الأحاديث ، قال الشافعي والأصحاب : وتكره الصلاة إلى القبور , سواء كان الميت صالحا أو غيره قال الحافظ أبو موسى : قال الإمام أبو الحسن الزعفراني رحمه الله : ولا يصلى إلى قبره , ولا عنده تبركا به وإعظاما له للأحاديث والله أعلم ) اهـ ، وفي فتح المعين للمليباري [ 2 : 360 ] في شروط صحة النذر : ( وخرج بالقربة المعصية كصوم أيام التشريق وصلاة لا سبب لها في وقت مكروه فلا ينعقدان, وكالمعصية المكروه كالصلاة عند القبر والنذر لأحد أبويه أو أولاده فقط ) اه ونحوه في حاشية الشرواني على التحفة 10 : 79 ، وقال الحافظ في الفتح [ 1 : 524 ] : ( قوله : (وما يكره من الصلاة في القبور) يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر أو إلى القبر أو بين القبرين وفي ذلك حديث رواه مسلم من طريق أبي مرثد الغنوي مرفوعا : (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها أو عليها) قلت : وليس هو على شرط البخاري فأشار إليه في الترجمة وأورد معه اثر عمر الدال على أن النهي عن ذلك لا يقتضي فساد الصلاة ) اهـ ، وقال الحافظ أيضا 1 : 529 : ( استنبط من قوله في الحديث ولا تتخذوها قبورا أن القبور ليست بمحل للعبادة فتكون الصلاة فيها مكروهة … قال بن التين : تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون كأنه قال لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور, قال : فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك) اهـ

 

الفرع الرابع من أقوال الحنابلة : في المغني لابن قدامة [ 1 : 403 ] : ( اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الصلاة في هذه المواضع, فروي أن الصلاة لا تصح فيها بحال .وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر ، وعن أحمد رواية أخرى أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة . وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي; لقوله عليه السلام (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) وفي لفظ (فحيثما أدركتك الصلاة فصل , فإنه مسجد) . وفي لفظ (أينما أدركتك الصلاة فصل , فإنه مسجد) متفق عليها ولأنه موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء ، وقال بعض أصحابنا  : إن كان المصلي عالما بالنهي في هذه المواضع , لم تصح صلاته فيها ; لأنه عاص بصلاته فيها , والمعصية لا تكون قربة ولا طاعة, وإن لم يكن عالما فهل تصح صلاته ؟ على روايتين  : إحداهما : لا تصح لأنه صلى فيما لا تصح الصلاة فيه مع العلم , فلا تصح مع الجهل , كالصلاة في محل نجس ، والثانية : تصح لأنه معذور ) اهـ ، وفي المغني لابن قدامة [ 1 : 405 ] : (فصل : قال القاضي  : المنع من هذه المواضع تعبد لا لعلة معقولة , فعلى هذا يتناول النهي كل ما وقع عليه الاسم فلا فرق في المقبرة بين القديمة والحديثة , وما تقلبت أتربتها أو لم تتقلب ; لتناول الاسم لها ، فإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها لأنها لا يتناولها اسم المقبرة, وإن نقلت القبور منها , جازت الصلاة فيها; لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت فيه قبور المشركين , فنبشت متفق عليه ، ويحتمل أن المنع في هذه المواضع معلل بأنها مظان للنجاسات, فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه صديد الموتى ودماؤهم ولحومهم, ومعاطن الإبل يبال فيها ... فنهي عن الصلاة فيها لذلك وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة فيها , ومتى أمكن تعليل الحكم تعين تعليله , وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكم )اهـ ، وفي المغني لابن قدامة [ 1 : 406 ] : (فصل : ويكره أن يصلي إلى هذه المواضع فإن فعل صحت صلاته نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة إلى المقبرة والحمام والحش ؟ قال : لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر , ولا حش ولا حمام , فإن كان يجزئه ، وقال أبو بكر : يتوجه في الإعادة قولان ; أحدهما : يعيد ; لموضع النهي , وبه أقول والثاني : يصح ; لأنه لم يصل في شيء من المواضع المنهي عنها ، وقال أبو عبد الله بن حامد : إن صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلي فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل ; لما روى أبو مرثد الغنوي , أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (( لا تصلوا إلى القبور , ولا تجلسوا إليها )) [ متفق عليه ] ، وقال الأثرم : ذكر أحمد حديث أبي مرثد , ثم قال : إسناده جيد ، وقال أنس : رآني عمر , وأنا أصلي إلى قبر , فجعل يشير إلي : القبر , القبر .قال القاضي : وفي هذا تنبيه على نظائره من المواضع التي نهي عن الصلاة فيها ، والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة ; لأن قوله عليه الصلاة والسلام (( جعلت الأرض مسجدا )) يتناول الموضع الذي يصلي فيه من هي في قبلته , وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح لأن النهي إن كان تعبدا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه , وإن كان لمعنى مختص بها , وهو اتخاذ القبور مسجدا , والتشبه بمن يعظمها ويصلي إليها , فلا يتعداها الحكم ; لعدم وجود المعنى في غيرها... فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها, ويصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي فيه , والله أعلم )اهـ ، وفي الفروع لابن مفلح [ 2 : 214 ] : ( ويحرم إسراجها واتخاذ المسجد عليها, وبنيها ذكره بعضهم, وقال شيخنا : يتعين إزالتها لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين قال : ولا تصح الصلاة فيها على ظاهر المذهب للنهي واللعن وليس فيها خلاف لكون المدفون فيها واحدا وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل حدها ثلاثة أقبر أو ينهي عن الصلاة عند القبر الفذ على وجهين) اهـ ، وفي الإنصاف للمرداوي [ 1 : 493 ] : (الثانية : إن بنى المسجد بمقبرة : فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة وإن حدثت القبور بعده حوله أو في قبلته ، فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة على ما يأتي قريبا. هذا هو الصحيح من المذهب قال في الفروع : ويتوجه تصح يعنى مطلقا ، وهو ظاهر كلام جماعة, قلت : وهو الصواب ، وقال الآمدي : لا فرق بين المسجد القديم والحديث ، وقال في الهدى : لو وضع القبر والمسجد معا لم يجز ، ولم يصح الوقف ولا صلاة, وقال ابن عقيل في الفصول : إن بنى فيها مسجد بعد أن انقلبت أرضها بالدفن : لم تجز الصلاة فيه . لأنه بنى في أرض الظاهر نجاستها . كالبقعة النجسة وإن بنى في ساحة طاهرة ، وجعلت الساحة مقبرة جازت لأنه في جوار مقبرة ) اهـ ، وفي الإنصاف للمرداوي [ 1 : 493 ] : (قوله : (وتصح الصلاة إليها) هذا المذهب مطلقا مع الكراهة ، نص عليه في رواية أبي طالب وغيره . وعليه الجمهور . وجزم به في الوجيز ، والإفادات ، وقدمه في الهداية ، والمستوعب ، والخلاصة ، والتلخيص ، والفروع ، وابن تميم ، والحاويين ، والفائق ، وإدراك الغاية ، وغيرهم ، وقيل : لا تصح إليها مطلقا . وقيل : لا تصح الصلاة إلى المقبرة فقط . واختاره المصنف ، والمجد وصاحب النظم ، والفائق . وقال في الفروع : وهو أظهر . وعنه لا تصح إلى المقبرة والحش . اختاره ابن حامد ، والشيخ تقي الدين . وجزم به في المنور . وقيل : لا تصح إلى المقبرة ، والحش ، والحمام . وعنه لا يصلى إلى قبر أو حش أو حمام أو طريق . قاله ابن تميم . قال أبو بكر : فإن فعل ففي الإعادة قولان . قال القاضي : ويقاس على ذلك سائر موضع النهى إذا صلى إليها إلا الكعبة ، ( تنبيه ) : محل الخلاف إذا لم يكن حائل فإن كان بين المصلى وبين ذلك حائل ، ولو كمؤخرة الرحل صحت الصلاة على الصحيح من المذهب . وقدمه في الفروع وغيره . وجزم به في الفائق وغيره ، قال في الفروع : وظاهره أنه ليس كسترة صلاة ، حتى يكفي الخط . بل كسترة المتخلى. قال : ويتوجه أن مرادهم لا يضر بعدٌ كثير عرفا ، كما لا أثر له في مار أمام المصلى ، وعنه لا يكفي حائط المسجد ، نص عليه . وجزم به المجد ، وابن تميم ، والناظم ، وغيرهم . وقدمه في الرعايتين ، والحاويين ، وغيرهم ، لكراهة السلف الصلاة في مسجد قبلته حش وتأول ابن عقيل النص على سراية النجاسة تحت مقام المصلى ، واستحسنه صاحب التلخيص ، وعن أحمد نحوه ، قال ابن عقيل : يبين صحة تأويلي لو كان الحائل كآخرة الرحل : لم تبطل الصلاة بمرور الكلب . ولو كانت النجاسة في القبلة كهي تحت القدم لبطلت . لأن نجاسة الكلب آكد من نجاسة الخلاء ، لغسلها بالتراب قال في الفروع : فيلزمه أن يقول بالخط هنا . ولا وجه له وعدمه يدل على الفرق ، ( فائدة ) : لو غيرت مواضع النهى بما يزيل اسمها كجعل الحمام دارا ونبش المقبرة ونحو ذلك : صحت الصلاة فيها ، على الصحيح من المذهب. وحكى قولا : لا تصح الصلاة . قلت : وهو بعيد جدا )اهـ ، وفي الفتاوي الكبرى لابن تيمية [ 5 : 326 ] : (ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها ، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك ، وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة ، لأنه لا يتناول اسم المقبرة ، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا . وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق ، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور ، وهو الصواب ، والمقبرة كل ما قبر فيه . لا أنه جمع قبر ، وقال أصحابنا : وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه, فهذا يعين أن المنع يكون متناولاً لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه ، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه ، أي المسجد الذي قبلته إلى القبر ، حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر ) اهـ ، وفي شرح العمدة لابن تيمية [ 4 : 438 ] : (وعن ابن عمر و ابن عباس كراهة الصلاة في المقبرة وهذا أولى أن يكون صحيحا مما ذكره الخطابي عن ابن عمر أنه رخص في الصلاة في المقابر فلعل ذلك إن صح أراد به صلاة الجنازة وعن علي رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا قال من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد رواه عبد الرزاق ... وعن عبد الله بن عمرو قال : تكره الصلاة إلى حش وفي حمام وفي مقبرة, وقال إبراهيم : كانوا لا يصلون التطوع فإذا كانوا في جنازة فان حضرت صلاة مكتوبة تنحوا عن القبور فصلوا رواهما سعيد ... وهذه مقالات انتشرت ولم يعرف لها مخالف إلا ما روى عن يزيد ابن أبي مالك قال كان واثلة بن الأسقع يصلي بنا صلاة الفريضة في المقبرة غير أنه لا يستتر بقبر رواه سعيد وهذا محمول على أنه تنحى عنها بعض التنحي ولذلك قال : لا يستتر بقبر أو لم يبلغه نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة فيها فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن الصلاة إليها تنحى عنها لأنه هو راوي هذا الحديث ولم يبلغه النهي عن الصلاة فيها عمل بما بلغه دون ما يبلغه ، وأما الأحاديث المشهورة في جعل الأرض مسجدا فهي عامة وهذه الأحاديث خاصة وهي تفسر تلك الأحاديث وتبين أن هذه الأمكنة لم تقصد بذلك القول العام ) اهـ ، وفي شرح العمدة أيضا [ 4 : 479 ] : ( وأما الصلاة إلى هذه المواضع فقد نص احمد في مواضع على كراهة الصلاة إلى المقبرة والحش والحمام قال في رواية الاثرم : إذا كان المسجد بين القبور لا تصلى فيه الفريضة وإن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخص أن يصلى فيه على الجنائز ولا يصلى فيه على غير الجنائز وذكر حديث أبي مرثد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا تصلوا إلى القبور وقال إسناده جيد ، وقال في رواية الميموني وقد سئل عن الصلاة إلى المقابر والحش فكرهه, وقال في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة في المقبرة والحمام والحش وكرهه وقال : لا يعجبني أن يكون في القبلة قبر ولا حش ولا حمام وإن كان يجزيه ولكن لا ينبغي ، قال أبو بكر في الشافي : يتوجه من الإعادة قولان : أحدهما لا يعيد بل يكره وهذا هو المنصوص في رواية أبي طالب وهو اختيار القاضي, والثاني : يعيد لموضع النهي قال أبو بكر : وبه أقول, قال ابن عقيل : نص احمد على حش في قبلة مسجد لا تصح الصلاة فيه وكذلك قال ابن حامد : لا تصح الصلاة في المقبرة والحش ولم يذكر الحمام ، وقال كثير من أصحابنا منهم الآمدي : لا تجوز الصلاة إلى القبر وصرح جماعة منهم بان التحريم والابطال مختص بالقبر ، وذهبت طائفة من أصحابنا إلى جواز الصلاة إلى هذه المواضع مطلقا من غير كراهة وهو قول ضعيف جدا لا يليق بالمذهب, ومنهم من لم يكره ذلك إلا في القبر خاصة .. فأما المقبرة إذا كانت قدام حائط المسجد فقال الآمدي و غيره : لا تجوز الصلاة إلى المسجد الذي قبلته إلى المقبرة حتى يكون بين حائطه وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم أن هذا منصوص احمد لقوله المتقدم في رواية الاثرم ، وقال القاضي : إذا لم يكن يعني المصلي في ارض المقبرة بل كانت المقبرة أمامه فقال شيخنا : إن كان بينه وبينها حاجز جازت الصلاة لأنه ليس يصلي فيها ولا إليها وإن لم يكن بينه وبينها حاجز لم تجز الصلاة كما لو كان في أرضها فان كان بينه وبين هذه الأشياء عدة اذرع لم تكره الصلاة على ما نص عليه في رواية المروذي ) اهـ

 

المبحث الثاني : الأدلة : ( أولا ) : أدلة الجمهور ، أدلة الجمهور هي : 

 

1- حديث جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا : وهو الصحيحين عن جابر رضي الله عنه وله شواهد كثيرة قالوا : فهو عام وقد جاء على سبيل الامتنان فلا يصح تخصيصه, وقالوا إن النهي عن الصلاة في المقبرة الوارد في بعض الأحاديث - إن صحت - فهو للكراهة لا التحريم بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على كثير من الأموات على قبورهم وكذا صلى عند قبر أمه ركعتين كما في صحيح ابن حبان 12 : 212 حيث قال : (أخبرنا الحسين بن محمد بن أبي معشر قال حدثنا عبد الرحمن بن عمرو البجلي قال حدثنا زهير بن معاوية عن زبيد الإيامي عن محارب بن دثار عن بن بريدة عن أبيه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب فصلى بنا ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر ففداه بالأب والأم وقال : مالك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إني استأذنت في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيني رحمة لها من النار) اه ورواه أحمد 5 : 355 والبيهقي 4 : 76 قال الالباني في الإرواء : 3 : 224  : وإسناده صحيح على شرط مسلم) اهـ ، وقال ابن حبان 3 : 261 : ( أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع قال حدثنا أحمد بن عيسى المصري قال حدثنا بن وهب قال حدثنا بن جريج عن أيوب بن هانئ عن مسروق بن الأجدع عن بن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما فخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه فناجاه طويلا ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باكيا فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أقبل علينا فتلقاه عمر رضوان الله عليه وقال : ما الذي أبكاك يا رسول الله؟ فقد أبكيتنا وأفزعتنا فأخذ بيد عمر ثم أقبل علينا فقال : أفزعكم بكائي؟ قلنا : نعم فقال : إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني سألت ربي الاستغفار لها فلم يأذن لي فنزل علي ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) فأخذني ما يأخذ الولد للوالد من الرقة فذلك الذي أبكاني ألا وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة ) اهـ ، كما حكى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة بعض الناس عند القبور مستحسنا ففي منتخب عبد بن حميد 1 : 349  : (حدثني بن أبي شيبة ثنا وكيع عن الربيع بن سعد عن بن سابط عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب, ثم أنشأ يحدث قال : خرجت طائفة منهم فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين فدعونا الله عز وجل يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت ، قال ففعلوا فبينا هم كذلك إذ طلع رجل رأسه من قبر بن عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلي فوالله لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى كان الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت ) اه وذكره الديلمي في فردوسه 2 : 193 ،

 

2- أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون عند القبور : كما ورد عن فاطمة رضي الله عنها ففي المستدرك 3 : 30 : ( عن جعفر بن محمد عن أبيه أن أباه علي بن الحسين حدثه عن أبيه  : أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة بن عبد المطلب في الأيام فتصلي وتبكي عنده ) اهـ ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه, لكن قال الذهبي في التلخيص : سليمان بن داود مدني تكلم فيه ، وفي موارد الضمآن 1 : 485 : ( أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال : رأيت أسامة بن زيد يصلي عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج مروان بن الحكم فقال تصلي إلى قبره فقال إني أحبه, فقال له قولا قبيحا, ثم أدبر فانصرف أسامة بن زيد فقال له : يا مروان إنك آذيتني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله يبغض الفاحش المتفحش وإنك فاحش متفحش ) اهـ  وقال المحقق اسناده صحيح ، ورواه المقدسي في الأحاديث المختارة 4 : 105 : ( أخبرنا عبد الله بن محمد اللفتواني بأصبهان أن الحسن بن عبد الملك الأديب أخبرهم قراءة عليه أنا عبد الرحمن بن أحمد المقرئ أنا جعفر بن عبد الله أنا محمد بن هارون نا محمد بن بشار وابن المثنى قالا نا وهب بن جرير نا أبي قال سمعت مع محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرة عائشة رافعا عقيرته يتغنى ورأيته يصلي عند قبر النبي... ) اهـ  وقال المحقق : اسناده حسن ، وفي تاريخ الطبري 5 : 583 : ( قال أبو مخنف : حدثنا الأعمش ، قال : حدثنا سلمة بن كهيل ، عن أبي صادق ، قال : لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحة واحدة : يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا ، فاغفر لنا ما مضى منا ، وتب علينا أنت التواب الرحيم ، وارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين ، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه ، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، قال : فأقاموا عنده يوما وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون ، فما أنفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى أصحابه ، حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره . وزادهم حنقا ، ثم ركبوا ، فأمر سليمان الناس بالمسير ، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه ، فيترحم عليه ، ويستغفر له قال : فو الله لرأيهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر )اهـ ، وفي صحيح البخاري 1 : 165  : ( باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد, وما يكره من الصلاة في القبور ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال القبر القبر ولم يأمره بالإعادة) اهـ ، قال الحافظ في الفتح : 1 : 524  : (وقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادي أنس على الصلاة ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف) اهـ ، وقال في الفتح أيضا 1 : 533  : ( وإيراده له هنا يحتمل أن يكون أراد أن الكراهة في الأبواب المتقدمة ليست للتحريم لعموم قوله : جعلت لي الأرض مسجدا أي كل جزء منها يصلح أن يكون مكانا للسجود أو يصلح أن يبني فيه مكان للصلاة, ويحتمل أن يكون أراد أن الكراهة فيها للتحريم وعموم حديث جابر مخصوص بها والأول أولى لأن الحديث سيق في مقام الامتنان فلا ينبغي تخصيصه ، ولا يرد عليه أن الصلاة في الأرض المتنجسة لا تصح لأن التنجس وصف طارئ والاعتبار بما قبل ذلك ) اهـ ، والصحابة رضوان الله عليهم هم أدرى بمراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الشيخ عليش في فتح العلي المالك 1 : 52 : (نقل صاحب المدخل عن ابن بطال : أن العلماء قالوا : الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة كيف تلقوها من صاحب الشريعة صلى الله عليه و سلم فإنهم أعرف بالمقال وأقعد بالحال) اهـ

 

3- أن السلف كان يحصل ذلك منهم بلا نكير : ففي الروح لابن القيم ص 11  : ( قال يزيد بن هارون : أخبرنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، أن ابن ساس خرج في جنازة في يوم وعليه ثياب خفاف ، فانتهى إلى قبر ، قال فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه ، فوالله إن قلبي ليقظان إذ سمعت صوتا من القبر : إليك عني لا تؤذني فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون ونحن قوم نعلم ولا نعمل ، ولأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا ، فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر وبصلاته ، وقال ابن أبي الدنيا : حدثني الحسين بن علي العجلي ، حدثنا محمد بن الصلت ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ثابت بن سليم ، حدثنا أبو قلابة قال : أقبلت من الشام إلى البصرة ، فنزلت منزلا ، فتطهرت ، وصليت ركعتين بليل ، ثم وضعت رأسي على قبر ، فنمت ، ثم انتبهت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول : قد آذيتني منذ الليلة ، ثم قال : إنكم تعملون ولا تعلمون ، ونحن نعلم ولا نقدر على العمل ، ثم قال : الركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ، ثم قال : جزى الله أهل الدنيا خيرا ، أقرئهم منا السلام ، فإنه يدخل علينا من دعائهم نور أمثال الجبال) اهـ ، وفي شعب البيهقي 7 : 19  : ( أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو أنا أبو عبد الله الصفار نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني الحسين بن علي العجلي نا عبد الله بن نمير نا مالك بن مغول عن ابن منصور عن زيد بن وهب قال : : خرجت إلى الجبانة فجلست فيها فإذا رجل قد جاء إلى قبر فسواه ثم تحول إلى مجلس فقلت له ما هذا القبر ؟ قال : أخ لي مات . فقلت : أخ لك ؟ فقال : أخ لي في الله رأيته فيما يرى النائم فقلت فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال : قد قلتها لأن أقدر على أن أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال : ألم تر حيث كانوا يدفنوني فإن فلانا قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها ) اه وهو في حلية الأولياء 4 : 171 ، وفي شعب البيهقي أيضا 7 : 298  : ( أخبرنا أبو سعيد بن عمرو أنا أبو عبد الله الصفار نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني أبو بكر التيمي نا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني حميد الطويل عن مطرف بن عبد الله الجرشي قال : شهدت جنازة ثم اعتزلت من ناحية قريبا من قبر فركعت ركعتين خففتهما لم أرض إنفاقهما قال : فنعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال : ركعت ركعتين لم ترض إنفاقهما . فقلت : قد كان ذلك . قال : تعلمون ولا تعلمون ولا تستطيع أن تعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها . فقلت : من هاهنا ؟ فقال : كلهم مسلم وكلهم قد أصاب خيرا . فقلت : من هاهنا أفضل ؟ فأشار إلى القبر فقلت في نفسي : اللهم ربنا أخرجه إلي فأكلمه قال : فخرج من قبره فتى شاب . فقلت : أنت أفضل من هاهنا ؟ قال : قد قالوا ذلك . قلت : فبأي شيء نلت ذلك فوالله ما أرى لك تلك السن فأقول نلت ذلك بطول الحج والعمرة والجهاد في سبيل الله عز وجل والعمل . قال : ابتليت بالمصائب فرزقت الصبر عليها فبذلك فضلتهم ) اهـ .وهو في تاريخ ابن عساكر 58 : 330 ،

 

ثانيا : أدلة المالكية : وأما أدلة المالكية فهي  :   1 - حديث ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) : وضعفوا الأحاديث التي تمنع من ذلك أو قالوا هي منسوخة قال ابن عبد البر في التمهيد 1 : 168 عن حديث جعلت لي الأرض  : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اولئك قوم اذا مات الرجل الصالح عندهم بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله ، قال أبو عمر : هذا يحرم على المسلمين ان يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد وقد احتج من لم ير الصلاة في المقبرة ولم يجزها بهذا الحديث وبقوله : ان شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا في بيوتكم ولا تجعلها قبورا وهذا الاثار قد عارضها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : جعلت لي الارض مسجدا وطهورا ، وتلك فضيلة خص بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يجوز عند أهل العلم في فضائله النسخ ولا الخصوص ولا الاستثناء وذلك في غير فضائله ، إذا كان أمرا أو نهيا ، أو في معنى الأمر والنهي, وبهذا يستبين أن الناسخ منها هو قوله صلى الله عليه و سلم جعلت لي الأرض مسجدا طهورا ) اهـ ، وقال في التمهيد 5 : 221 عن حديث إلا المقبرة والحمام  : (فلو صح لكان معناه أن يكون متقدما لقوله : جعلت لي الأرض كلها مسجدا طهورا ويكون هذا القول متأخرا عنه ، فيكون زيادة فيما فضله الله به صلى الله عليه وآله وسلم ) اهـ ، ومما يقوي القول بالنسخ أن حديث جعلت لي الأرض... كان في غزوة تبوك ففي فتح الباري 1 : 436  : ( قوله : (أعطيت خمسا..) بين في رواية عمرو بن شعيب أن ذلك كان في غزوة تبوك وهي آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) اهـ ،  2- أن موضع مسجد النبي صلى الله عليه وآله سلم كان مقبرة للمشركين فنبشها وبنى المسجد عليها ،

 

ثالثا : أدلة الحنابلة : أدلة الحنابلة هي  :  1 - حديث إلا المقبرة والحمام : ففي سنن الترمذي 2 : 131  : ( عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) ، لكن هذا الحديث فيه كلام قال أبو عيسى الترمذي بعد روايته  : (وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وجابر وبن عباس وحذيفة وأنس وأبي أمامة وأبي ذر قالوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا قال أبو عيسى : حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين منهم من ذكره عن أبي سعيد ومنهم من لم يذكره وهذا حديث فيه اضطراب ) اهـ ، وفي سنن الدارمي 1 : 375  : (عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام, قيل لأبي محمد [ الدارمي ] : تجزئ الصلاة في المقبرة ؟ قال : إذا لم تكن على القبر فنعم وقال : الحديث كلهم أرسلوه) اهـ ، وقد ذكر الحافظ في التلخيص 1 : 277 طائفة ممن تكلموا في الحديث وهم : الدارقطني في العلل فقال : المرسل المحفوظ ، وقال الشافعي : وجدته عندي عن بن عيينة موصولا ومرسلا ، ورجح البيهقي المرسل أيضا ، وقال النووي في الخلاصة : هو ضعيف ، وأفحش بن دحية فقال في كتاب التنوير له : هذا لا يصح من طريق من الطرق ، وقال ابن عبد البر في التمهيد 5 : 220 : وفي إسناد هذا الخبر من الضعف ما يمنع الاحتجاج به ، 2- حديث نهى عن الصلاة في سبعة مواطن : عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يصلي في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله ) رواه الترمذي 2 : 177 وابن ماجه 1 : 246 ، وقال الترمذي بعد إخراجه  : حديث ابن عمر ليس بذلك القوي ، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه , وقال الزيلعي في نصب الراية 2 : 323 : اتفق الناس على ضعفه, وقال ابن عبد البر في التمهيد 5 : 226  : ( الحديث منكر ، لا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله ) اهـ ،  3- حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( نهاني حبّي صلى الله عليه و سلم أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة ) رواه أبو داود 1 : 132 والبيهقي 2 : 451 ، قال ابن عبد البر : هذا إسناد ضعيف مجمع على ضعفه ، وهو مع هذا منقطع غير متصل بعلي رضي الله عنه, وقال العيني : قال ابن القطان : هو حديث واه وقال البيهقي في المعرفة : إسناده غير قوي, وقال الخطابي رحمه الله : في إسناد هذا الحديث مقال ... وقد عارضه ما هو أصح منه ، وهو قوله صلى الله عليه و سلم : (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) اه انظر عون المعبود 1 : 183 ، 4- أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد فمنها : عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : في مرضه الذي مات فيه لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا قالت ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مساجد ) رواه البخاري 1 : 446 ومسلم 1 : 376 ،  5- حديث ولا تصلوا إليها : فعن أبي مرثد الغنوي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) رواه مسلم 2 : 668 ،  6- حديث لا تجعلوا بويتكم قبورا : فعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) رواه أبو داود 2 : 218 ، هذا هو آخر المطاف والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين [حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الفقهية الأربعة للشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي ] ،

 

( 5 ) خاتمة المبحث

ليس المقصد من المبحث الترجيح بين من رأى جواز الصلاة دونما كراهة في المساجد التي بها قبور بعض الصالحين كالمالكية ، أو الكراهة كالشافعية والأحناف ورواية عن الحنابلة أو التحريم كرواية أخرى عند الحنابلة ، وإنما المقصد هو اثبات أنّ هذا المبحث يتعلق بعلم الفقه والاختلاف في الفروع لا علم العقيدة والتوحيد ، وقد ذكرنا في مقدمة المبحث أن المعنى المقصود من اتخاذ القبور مساجد له ثلاث احتمالات ( الأول ) : الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها ، و ( الثاني ) : السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء ، و ( الثالث ) : بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها ، وأنّه ها هنا يأتي دور الفقيه لتحديد المعنى المقصود من النهي في الأحاديث ، وقد اتفق الفقهاء على المعنى الاول والثاني ، واختلفوا في المعنى الثالث هل يتناوله النهي أم لا ، وأنّ سبب ذلك ما جاء في الكتاب والسنّة وعمل المسلمين على مر العصور بما يُخالف ذلك ، فمما جاء في كتاب الله تعالى مما يُخالف المعنى الثالث ، قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } [ الكهف : 21 ] ، قال الفقهاء فقد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبورهم ، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا كما يظن البعض لما سكت عنه القرآن ، ولو كان كبيرة  لنوه إلى ذلك القرآن الكريم لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار فقط عن حالهم ، وهذا أمر يتنزه القرآن عنه أن يسرد واقعة فيها شرك او كبيرة من الكبائر ثم لا يُشير إليها ولا يعقب عليها ، ولهذا حمل الفقهاء الذم في حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأَيْنَهَا بالحبشةِ فيها تصاويرُ ، فذكرتا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقال : إن أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات ، بَنَوْا على قَبرِهِ مَسجِدًا ، وصَوَّرُوا فيه تيك الصورَ ، أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ )) [ البخاري ح : 3873 ] ، على التصاوير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن وضع التصاوير في أماكن عبادتهم من قبيح فعلهم ، مع أن التصاوير منهي عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة ؟ فالذم في الحديث منصب على التصاوير لا على بناء المسجد ، لأنه يوافق القرآن في قول الله تعالى { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } ، والله تعالى أعلم ،

 

تحقيق القول في التبرك وأنه من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد

 

(  1  )  درر ومعلومات عن التبرك جاءت في الموسوعة الفقهية

( أولاً ) التعريف : التبرك : لغة : طلب البركة , والبركة  هي : النماء والزيادة , والتبريك : الدعاء للإنسان بالبركة . وبارك الله الشيء وبارك فيه وعليه : وضع فيه البركة , وفي التنزيل : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } وتبركت به تيمنت به ، قال الراغب الأصفهاني : البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء . قال تعالى : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } { وهذا ذكر مبارك أنزلناه } تنبيها على ما يفيض به من الخيرات الإلهية . وعلى هذا فالمعنى الاصطلاحي للتبرك هو : طلب ثبوت الخير الإلهي في الشيء . ( ثانياً )  الحكم التكليفي  : التبرك مشروع في الجملة على التفصيل التالي : ( 1 ) التبرك بالبسملة والحمدلة : ذهب بعض أهل العلم إلى سنية ابتداء كل أمر ذي بال يهتم به شرعا - بحيث لا يكون محرما لذاته , ولا مكروها لذاته , ولا من سفاسف الأمور ومحقراتها - بالبسملة والحمدلة , كل في موضعه على سبيل التبرك . وجرى العلماء في افتتاح كلماتهم وخطبهم ومؤلفاتهم وكل أعمالهم المهمة بالبسملة عملا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : { كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر أو أقطع أو أجذم } وفي رواية أخرى : { كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر أو أقطع أو أجذم } ومن هذا الباب الإتيان بالبسملة عند الأكل , والشرب , والجماع , والاغتسال , والوضوء , والتلاوة , والتيمم , والركوب والنزول ، وما إلى ذلك ،  ( 2 ) التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم : اتفق العلماء على مشروعية التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وأورد علماء السيرة والشمائل والحديث أخبارا كثيرة تمثل تبرك الصحابة الكرام رضي الله عنهم بأنواع متعددة من آثاره صلى الله عليه وسلم نجملها فيما يأتي : ( أ ) في وضوئه صلى الله عليه وسلم : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه )) , لفرط حرصهم على التبرك بما مسه  صلى الله عليه وسلم ببدنه الشريف , وكان من لم يصب من وضوئه يأخذ من بلل يد صاحبه ، ( ب ) في ريقه ونخامته صلى الله عليه وسلم  (( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يبصق بصاقا ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها , وأخذوها من الهواء , ووقعت في كف رجل منهم , فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم , ومسحوا بها جلودهم وأعضاءهم تبركا بها )) ، (( وكان يتفل في أفواه الأطفال , ويمج ريقه في الأيادي , وكان يمضغ الطعام فيمجه في فم الشخص )) , (( وكان الصحابة يأتون بأطفالهم ليحنكهم النبي صلى الله عليه وسلم رجاء البركة )) ، ( ج ) في دمه صلى الله عليه وسلم : ثبت أن بعض الصحابة شربوا دمه صلى الله عليه وسلم على سبيل التبرك , فعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه : (( أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم , فلما فرغ قال : يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فشربه , فلما رجع , قال : يا عبد الله ما صنعت ؟ قال : جعلته في أخفى مكان علمت أنه مخفي عن الناس , قال : لعلك شربته ؟ قلت : نعم . قال : ويل للناس منك , , وويل لك من الناس , , )) ،  فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم . وفي رواية (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : من خالط دمه دمي لم تمسه النار )) ، ( د )  في شعره صلى الله عليه وسلم : ((  كان النبي صلى الله عليه وسلم يوزع شعره بين الصحابة عندما يحلق رأسه الشريف )) , وكان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على أن يحصلوا شيئا من شعره صلى الله عليه وسلم ويحافظون على ما يصل إلى أيديهم منه للتبرك به . فعن أنس رضي الله عنه : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر , ثم قال : للحلاق : خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر , ثم جعل  يعطيه الناس ))  وفي رواية : (( لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن , فحلقه , ثم دعا أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه فأعطاه إياه , ثم ناوله الشق الأيسر فقال : احلق , فحلقه , فأعطاه أبا طلحة , فقال : اقسمه بين الناس )) ،  وفي رواية : (( فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس , ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك )) ،  وروي أن خالد بن الوليد رضي الله عنه : فقد قلنسوة له يوم اليرموك , فطلبها حتى وجدها , وقال : اعتمر رسول الله فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة , فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر ،  وعن أنس رضي الله عنه قال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه , فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل ، ( هـ ) في سؤره وطعامه صلى الله عليه وسلم : ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتنافسون في سؤره صلى الله عليه وسلم ليحوز كل واحد منهم البركة التي حلت في الطعام أو الشراب من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه : (( أن رسول الله أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام , وعن يساره الأشياخ فقال للغلام : أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟ فقال الغلام : - وهو ابن عباس رضي الله عنهما - : والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا , فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده )) ، (( وعن عميرة بنت مسعود رضي الله عنها : أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم هي وأخواتها يبايعنه , وهن خمس , فوجدته يأكل قديده , فمضغ لهن قديدة , ثم ناولني القديدة , فمضغتها كل واحدة قطعة قطعة , فلقين الله وما وجد لأفواههن خلوف )) ،  وفي حديث خنس بن عقيل : (( سقاني  رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها , فما برحت أجد شبعها إذا جعت , وريها إذا عطشت , وبردها إذا ظمئت )) ، (  و ) في أظافره صلى الله عليه وسلم : ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قلم أظافره , وقسمها بين الناس للتبرك بها , فقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله , من حديث محمد بن زيد أن أباه حدثه : (( أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم على المنحر ورجلا من قريش , وهو يقسم أضاحي , فلم يصبه منها شيء ولا صاحبه , فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في ثوبه , فأعطاه فقسم منه على رجال , وقلم أظافره فأعطاه صاحبه )) ،  وفي رواية (( ثم قلم أظافره وقسمها بين الناس )) ( ز ) في لباسه صلى الله عليه وسلم وأوانيه : ثبت كذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحرصون على اقتناء ملابسه وأوانيه للتبرك بها والاستشفاء ، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما : (( أنها أخرجت جبة طيالسة وقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها )) ،  وفي رواية : (( فنحن نغسلها نستشفي بها )) ، ( ح ) في ما لمسه صلى الله عليه وسلم ومصلاه : كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون فيما تلمس يده الشريفة صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك (( بركة يده فيما لمسه وغرسه لسلمان رضي الله عنه حين كاتبه مواليه على ثلثمائة ودية وهو صغار النخل يغرسها لهم كلها , تعلق وتطعم , وعلى أربعين أوقية من ذهب , فقام صلى الله عليه وسلم وغرسها له بيده , إلا واحدة غرسها غيره , فأخذت كلها إلا تلك الواحدة , فقلعها النبي صلى الله عليه وسلم وردها فأخذت )) وفي رواية : (( فأطعم النخل من عامه إلا الواحدة , فقلعها رسول الله  صلى الله عليه وسلم وغرسها فأطعمت من عامها , وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب , بعد أن أدارها على لسانه , فوزن منها لمواليه أربعين أوقية , وبقي عنده مثل ما أعطاهم )) ، (( ووضع يده الشريفة صلى الله عليه وسلم على رأس حنظلة بن حذيم وبرك عليه , فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه , والشاة قد ورم ضرعها , فيوضع على موضع كف النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب الورم )) ، وكان يؤتى إليه صلى الله عليه وسلم بالمرضى وأصحاب العاهات والمجانين فيمسح عليهم بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم فيزول ما بهم من مرض وجنون وعاهة ، وكذلك كانوا يحرصون على أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم في مكان من بيوتهم , ليتخذوه مصلى لهم بعد ذلك , وتحصل لهم بركة النبي صلى الله عليه وسلم . فعن عتبان بن مالك رضي الله عنه - وهو ممن شهد بدرا - قال : (( كنت أصلي لقومي بني سالم , وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار , فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم , فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : إني أنكرت بصري , وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه , فوددت أنك تأتي فتصلي في بيتي مكانا أتخذه مصلى , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأفعل إن شاء الله فغدا علي رسول الله وأبو بكر رضي الله عنه بعدما اشتد النهار , واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له , فلم يجلس حتى قال : أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه , فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر وصففنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم , وسلمنا حين سلم )) ،  ( 3 ) التبرك بماء زمزم : ذهب العلماء إلى سنية شرب ماء زمزم لمطلوبه في الدنيا والآخرة , لأنها مباركة , لقوله صلى الله عليه وسلم : (( ماء زمزم لما شرب له )) ، ( 4 ) التبرك ببعض الأزمنة والأماكن في النكاح : ذهب جمهور العلماء إلى استحباب مباشرة عقد النكاح في المسجد , وفي يوم الجمعة للتبرك بهما , فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أعلنوا هذا  النكاح , واجعلوه في المساجد , واضربوا عليه بالدفوف )) أهـ [ الموسوعة الفقهية ، تبرك ]

***

(  2  ) مبحث كلمة هادئة في التبرك للدكتور عمر كامل

[  1  ] : مفهوم التبرك : ( أ ) معنى التبرك : طلب البركة ، والبركة هي : النماء والزيادة ، والتبريك : الدعاء للإنسان بالبركة. وبارك الله الشيء وبارك فيه وعليه : وضع فيه البركة ، وفي التنزيل : {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ} وتبركت به تيمنت به ، ( ب ) والمعنى الاصطلاحي للتبرك هو : طلب ثبوت الخير الإلهي في الشيء ، ( ت ) وقد يراد من التبرك التعظيم : فقد قبّل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  الحجر الأسود ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يطوف بالبيت ويستلم الركن (أي الحجر الأسود) بمحجن معه ويقبل المحجن (وهو عصا محنية الرأس) [ أخرجه مسلم : ح 1275 ] ، وقال نافع : رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ، ثم قبل يده وقال : «ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يفعله » [ أخرجه مسلم : ح 1268 ] ، فاستنبط العلماء من ذلك جواز تقبيل كل ما هو معظم ، وكل من يستحق التعظيم ، وكل ماله صلة بالمعظم ، ومن التعظيم : تقبيل الحجر الأسود ، أو أي شيء له علاقة به كالمحجن عندما يشار به إلى الحجر الأسود ، أو اليد إذا أشير بها إلى الحجر الأسود ، ومن التعظيم : تقبيل يد النبي صلى الله عليه وسلم  أو أي جزء منه كشعره الشريف الطاهر ، ومن التعظيم : التبرك به صلى الله عليه وسلم  أو بأي جزء منه ، أو بأي أثر من آثاره. وكذلك الحال في السادة الصالحين نفعنا الله بهم ، ففعل هذا كله يدل على التعظيم ، والتعظيم يصدر من المسلم امتثالا لأمر الله في تعظيم حرمات الله ، وطلباً لرضاه والثواب منه تعالى ، فالتقرب إلى الله تعالى حاصل بالتبرك ، لأنه تعظيم ولأنه طلب للخير من الموارد المشروعة ، فالتبرك والتعظيم يترادفان ، ( ث ) إذن فالتبرك هو طلب الخير الكثير ، كطلب الشفاء من الله تعالى عن طريق إنسان مسلم صالح مبارك لمكانته الرفيعة عند الله ، فالذي يتبرك بالأشياء أو بالصالحين أو بآثارهم إنما يطلب الخير الكثير من الله تعالى عن طريق هذا النبي أو هذا الإنسان المسلم الصالح ، أو عن طريق أثر من آثارهم كما كان الصحابة يفعلون بالنبي صلى الله عليه وسلم  وبآثاره ، يتقربون إلى الله بالتبرك به وبآثاره ، ( ج ) وكذلك يكون التبرك عن طريق أي وسيلة مشروعة كالحجر الأسود ، والبقاع المباركة التي خصها الله تعالى بمزيد فضل على غيرها ، ثم إن أخذ الدواء طلبا للشفاء مشروع ، والتبرك بالأنبياء والأولياء وآثارهم ، طلبا للشفاء أو طلبا للأجر : مشروع ، وكما أن الذي يأخذ الدواء يجب عليه أن يعتقد أن الشافي هو الله تعالى ، كذلك من يتبرك بالأنبياء والأولياء يجب عليه أن يعتقد أن الضار والنافع والمعطي والمانع هو الله تعالى ، فمن يحرم التبرك يلزم عليه أن يحرم أخذ الدواء سدا للذريعة ، أي لئلا يعتقد الناس بفعالية الدواء دون اعتقاد أن الله هو وحده الشافي ، وأئمة الإسلام يقولون بجواز التبرك ، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ،

[  2  ] : مشروعية التبرك من القرآن الكريم وأقوال المفسرين : (  أولاً  ) البركة في الأشخاص : ( أ ) قال الله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام لإخوته : {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} ، ثم قال تعالى {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} ، فنبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام كان قد ابيضت عيناه حزناً على فقدان ابنه يوسف ، وأصابتهما غشاوة ولم يعد يرى ، فببركة القميص الذي مس جسد سيدنا يوسف عليه السلام رد الله تعالى بصر أبيه يعقوب ، وهما يعلمان جيدا أن الضار والنافع والشافي هو الله تعالى وحده ، وكان بوسع سيدنا يوسف أن يرفع يديه ويدعو الله تعالى لأبيه بالشفاء فيستجيب الله له ، ولكن لما كان التبرك بآثار الأنبياء والصالحين والاستشفاء بهما : مشروعا مثل الدعاء : لجأ سيدنا يوسف إليه ، فأرسل إلى أبيه قميصه وأمر أن يلقى على وجهه ، ونفذ أمره ، وارتد بإذن الله بصر سيدنا يعقوب ببركة القميص الذي مس جسد سيدنا يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ( ب ) وقال تعالى : {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} ، الزكاة التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير والبر أي جعلناه مباركا  للناس يهديهم وقيل المعنى زكيناه بحسن الثناء عليه كما تزكى الشهود إنسانا وقيل زكاة صدقة به على أبويه ، وجعلني مباركا  أي ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلما له [ تفسير القرطبي (11 : 103) ] ، وفي تفسير الطبري : « قوله : {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم معناه جعلني نفاعا ، فعن مجاهد : {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} قال نفاعًا [ تفسير الطبري : (16  : 80) ] ، وفي تفسير ابن كثير : «قوله : {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ} ، قال مجاهد وعمرو بن قيس والثوري وجعلني معلما للخير وفي رواية عن مجاهد نفاعا »  [ تفسير ابن كثير (3 : 121) ] ، (  ت  ) وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك في عموم قوله تعالى  {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} ، وعموم قوله تعالى : {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} ، يقول الإمام القرطبي في تفسيره للآية الأولى : «والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج المشار إليها في قوله : {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} ، ويدخل في ذلك تعظيم المواضع ، قاله ابن زيد وغيره ، ويجمع ذلك أن نقول : الحرمات امتثال الأمر من فرائضه وسننه. وقوله {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها...» أهـ ، ويقول العلامة الألوسي في تفسيره : « "{وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ} جمع حرمة وهو ما يحترم شرعا والمراد بها جميع التكليفات من مناسك الحج وغيرها ، وتعظيمها بوجوب مراعاتها والعمل بموجبه..» أ.هـ ، ويقول الإمام القرطبي في تفسيره للآية الثانية : «  {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} الشعائر جمع شعيرة وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم….» إلى أن قال : «فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك » أ.هـ ، ويقول العلامة  الألوسي : « {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} أي البدن الهدايا كما روي عن ابن عباس ومجاهد وجماعة ، وهي جمع شعيرة أو شعارة بمعنى العلامة كالشعار ، وأطلقت على البدن الهدايا لأنها من معالم الحج أو علامات طاعته تعالى وهدايته..» ، إلى أن قال : «وقال زيد بن أسلم : الشعائر ست : الصفا ، والمروة ، والبدن ، والجمار ، والمسجد الحرام ، وعرفة ، والركن ، وتعظيمها إتمام ما يفعل بها ، وقال ابن عمر والحسن ومالك وابن زيد : الشعائر مواضع الحج كلها من منى وعرفة والمزدلفة والصفا والمروة والبيت وغير ذلك وهو نحو قول زيد. وقيل : هي شرائع دينه تعالى وتعظيمها التزامها ، والجمهور على الأول وهو أو فق لما بعد » أ.هـ. ، يقول العلامة عبدالغني النابلسي : « وشعائر الله هي الأشياء التي تشعر -  أي تعلم - به تعالى ، كالعلماء والصالحين أحياء وأمواتا ونحوهم »أ.هـ ، قلت : والآية الكريمة دالة على ذلك بمفهوم الموافقة ، فلما كانت الأنبياء والعلماء والصالحون أكثر إشعارا وإعلاما به تعالى ، صار فحوى خطاب الآية أنهم أولى بالتعظيم من البدن والجمار وباقي المناسك ، فثبت بذلك أن التبرك المستتبع والمرادف للتعظيم مأمور به بنص الآية الكريمة ، ( ثانياً ) البركة في الأزمنة : قال الله تعالى : {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} ، ( ثالثاً ) البركة في الأمكنة : ( أ ) قال تعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} ، قال في تفسير الطبري (4  : 10) : {مُبَارَكاً}  جعله مباركا  لتضاعف العمل فيه فالبركة كثرة الخير. وقيل مباركا  لأن الطواف به مغفرة للذنوب ، وفي تفسير القرطبي (10 : 313) : قوله تعالى : {أَنـزلْنِي مُنـزلاً مُبَارَكاً} أي إنـزالا لا أرى فيه ما أكره. فعلى هذا يكون قوله : {مُبَارَكاً} يعني بالسلامة والنجاة ، قلت : وبالجملة فالآية تعليم من الله عز وجل لعباده إذا ركبوا وإذا نـزلوا أن يقولوا هذا بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلموا قالوا مثل هذا ، وروي عن علي رضي الله عنه  أنه كان إذا دخل المسجد قال : «اللهم أنزلني منزلا مباركًا وأنت خير المنزلين» ، وفيه (12 : 120) : قوله تعالى : {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ} ، قال ابن عمر المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم  والزجاجة قلبه والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ} أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته فأوقد الله تعالى في قلب محمد صلى الله عليه وسلم  النور كما جعله في قلب إبراهيم عليه السلام ،

[  3  ] : نماذج للتبرك من السنة المطهرة : اتفق العلماء على مشروعية التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم  وأورد علماء السيرة والشمائل والحديث أخبارا كثيرة تمثل تبرك الصحابة الكرام رضي الله عنهم بأنواع متعددة من آثاره صلى الله عليه وسلم   وسنذكر في هذه الرسالة أنواعا متعددة مما ورد في السنة في هذا الموضوع ، ( أ ) التبرك بالأماكن التي صلى فيها صلى الله عليه وسلم ، حدثنا موسى بن عقبة قال : رأيت سالم بن عبدالله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم  يصلي في تلك الأمكنة ، وحدثني نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي في تلك الأمكنة ، وسألت سالما فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء ، وحدثنا موسى بن عقبة عن نافع أن عبدالله بن عمر أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم    كان ينـزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة ، وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط من بطن واد فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية فعرّس ثَمَّ حتى يصبح ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد كان ثَم خليج يصلي عبدالله عنده في بطنه كثب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يصلي فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبدالله يصلي فيه [ رواهما البخاري في كتاب الصلاة ، باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، رقم (469 ، 470) ] ، هذان النصان في صحيح البخاري يثبتان كيف أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  كانوا يتتبعون آثاره التي مر بها والمساجد التي صلى فيها فيصلون فيها تيمنًا وتبركًا وتأسيًا بنبيهم صلى الله عليه وسلم ؛ فهل يكون المتبع لهم وثنيا؟! وعن ابن عمر قال : «دخل النبي صلى الله عليه وسلم   البيت فجئت فإذا قد خرج وإذا بلال قائم عند باب الكعبة ، قال : قلت : يا بلال أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : هاهنا ، قال : ثم خرج فصلى ركعتين بين الحجر والباب ، قال : فكان مجاهد يصفها بين الأسطوانتين اللتين من قبل باب بني مخزوم. قال أبو بكر (الراوي عن مجاهد) : فكان مجاهد يصفها أي صلاته في الكعبة أنه صلى بين الأسطوانتين اللتين من قبل باب بني مخزوم [ صحيح ابن خزيمة رقم (3016) ] ، وقال عثمان بن أبي شيبة أخبرنا أبو أسامة عن زكريا عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال : قال عمر : قلت : يا رسول الله هذا مقام خليل ربنا؟ قال : نعم. قال : أفلا نتخذه مصلى؟ فنـزلت : {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، ويقول الحافظ في الفتح : وفي الترمذي من حديث عمرو بن عوف أنه صلى الله عليه وسلم   صلى في وادي الروحاء وقال : لقد صلى في هذا المسجد سبعون نبيا ، وعرف من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم  والتبرك بها ، وقد قال البغوي من الشافعية : إن المساجد التي ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم  صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها تعين كما تتعين المساجد الثلاثة ، وذكر البخاري المساجد التي في طرق المدينة ، ولم يذكر المساجد التي كانت بالمدينة؛ لأنه لم يقع له إسناد في ذلك على شرطه ، وقد ذكر عمر بن شبة في (أخبار المدينة) المساجد والأماكن التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مستوعبا ،  وروى عن أبي غسان عن غير واحد من أهل العلم أن كل مسجد بالمدينة ونواحيها مبنى بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم   وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد المدينة سأل الناس وهم يومئذ متوافرون عن ذلك ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة أهـ ،  وقد عين عمر بن شبة منها شيئا كثيرًا لكن أكثره في هذا الوقت قد اندثر وبقي من المشهورة الآن مسجد قباء ، ومسجد الفضيخ ، وهو شرق مسجد قباء ، ومسجد بني قريظة ، ومشربة أم إبراهيم ، وهي شمالي مسجد بني قريظة ، ومسجد بني ظفر شرق البقيع ويعرف بمسجد البغلة ، ومسجد بني معاوية ، ويعرف بمسجد الإجابة ، ومسجد الفتح قريب من جبل سلع ، ومسجد القبلتين في بني سلمة. هكذا أثبته بعض شيوخنا وفائدة معرفة ذلك ما تقدم عن البغوي ، والله أعلم [ فتح الباري 1 : 571 ] ، وحدثنا المكي بن إبراهيم قال حدثنا يزيد بن أبي عبيد قال كنت آتي مع سلمة بن الأكوع  فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة قال : فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم  يتحرى الصلاة عندها [صحيح البخاري : كتاب الصلاة ، باب الصلاة إلى الأسطوانة ، رقم (480) ] ، يقول الحافظ : والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة المكرمة وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين ،  قال : وروى عن عائشة أنها كانت تقول : لو عرفها الناس لاضطربوا عليها بالسهام ، وأنها أسرتها إلى ابن الزبير؛ فكان يكثر الصلاة عندها. ثم وجدت ذلك في تاريخ المدينة لابن النجار ، وزاد : أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها. وذكره قبله محمد بن الحسن في أخبار المدينة. قوله : يا أبا مسلم ، هي كنية سلمة. ويتحرى : أي يقصد [ فتح الباري 1 : 577 ] ، وعن ابن شهاب قال أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ممن شهد بدرا من الأنصار « أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال : يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي ، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم ، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأفعل إن شاء الله. قال عتبان فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم   وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت ، ثم قال : أين تحب أن أصلي من بيتك؟ قال : فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم   فكبر فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم )) [ صحيح البخاري : كتاب الصلاة ، باب المساجد في البيوت ، رقم (415) ] ، يقول الحافظ : وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم  أو وطئها. ويستفاد منه أن من دعي من الصالحين ليتبرك به أنه يجيب إذا أمن الفتنة ويحتمل أن يكون عتبان إنما طلب بذلك الوقوف على جهة القبلة بالقطع [فتح الباري 1 : 522 ] ، فانظر إلى حرص هذا الصحابي على أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم  في بيته فيتخذه مصلى تبركًا بموضع سجوده. ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  ذلك ، بل قال له سأفعل ، وفعل برفقة أبي بكر رضي الله عنه واتخذه الرجل مصلى ، ألا يدل ذلك على حرص الصحابة على التبرك بمواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومواضعه ومواطئ أقدامه؟! وبعد ذلك يعقد البخاري بابًا آخر بعنوان : (باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ) ويعرض فيه تتبع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - لا سيما عبدالله بن عمر - لتلك المواضع [صحيح البخاري : كتاب الصلاة ، باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم  1 : 183 ، رقم (469 ، 470) ] ، أليست دعوة من البخاري للتبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم ؟! وقال سيدنا عمر رضي الله عنه : لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق ضربنا إليه أكباد المطي ، رواه عبدالرزاق في المصنف وإسناده قوي. وله طريق آخر رواه ابن شبة في تاريخ المدينة المنورة فصار صحيحا [ مصنف عبدالرزاق (5 : 133) وتاريخ المدينة المنورة (1 : 49) ] ، وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين ، ولو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد المطي ، ومن ذلك تتبع جابر لآثار النبي صلى الله عليه وسلم  : عن جابر بن عبدالله « أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الوقوف فعرف البشر في وجهه ». قال جابر : فلم ينـزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة [ رواه أحمد 3 : 332 ، رقم (14603). قال في مجمع الزوائد (4 : 12) : رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات ] ، ولم يقتصر تبرك الصحابة بأماكن صلاته صلى الله عليه وسلم ، وإنما تعداها إلى منقولاته صلى الله عليه وسلم ، ( ب ) التبرك بما شرب فيه أو مسه صلى الله عليه وسلم  : أخرج البخاري في باب الشرب من قدح النبي صلى الله عليه وسلم  وآنيته ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : (( ... فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم  يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه ، ثم قال : اسقنا يا سهل ، فخرجت لهم بهذا القدح فأسقيتهم فيه. فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه. قال : ثم استوهبه عمر بن عبدالعزيز بعد ذلك فوهبه له )) [صحيح البخاري : كتاب الأشربة ، باب الشرب من قدح النبي صلى الله عليه وسلم وآنيته ، رقم (5314). ورواه مسلم في كتاب الأشربة ، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرا ، رقم (2007) ] ، يقول الإمام النووي : «هذا فيه التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم  وما مسه أو لبسه أو كان منه فيه سبب ، وهذا نحو ما أجمعوا عليه وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الروضة الكريمة ودخول الغار الذي دخله صلى الله عليه وسلم  وغير ذلك. من هذا إعطاؤه صلى الله عليه وسلم  أبا طلحة شعره ليقسمه بين الناس ، وإعطاؤه صلى الله عليه وسلم  حقوه لتكفن فيه بنته رضي الله عنها ، وجعله الجريدتين على القبرين ، وجمعت بنت ملحان عرقه صلى الله عليه وسلم ، وتمسحوا بوضوئه صلى الله عليه وسلم ، ودلكوا وجوههم بنخامته صلى الله عليه وسلم ، وأشباه هذه كثيرة مشهورة في الصحيح ، وكل ذلك واضح لا شك فيه» [ شرح النووي على صحيح مسلم 13 : 178- 179 ] ، وعن السيدة كبشة الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  دخل عليها وعندها قربة معلقة ، فشرب منها وهو قائم ، فقطعت فم القربة تبتغي بركة موضع في (أي فم) رسول الله صلى الله عليه وسلم [رواه الترمذي (1892) وابن ماجه (3423) وإسناده صحيح ] ، وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم  دخل على أم سليم وفي البيت قربة معلقة فتناولها فشرب من فيها وهو قائم قال : فقطعت أم سليم فم القربة فهي عندنا [ رواه أحمد (6 : 431) والترمذي في الشمائل (216) والضياء في المختارة (7 : 295) ] ، قال الإمام النووي في رياض الصالحين : «وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول صلى الله عليه وسلم ، وتتبرك به : وتصونه عن الابتذال » انتهى [ رياض الصالحين ص339 ] ، ( ت ) التبرك بعرقه وجبته وبردته صلى الله عليه وسلم : عن أنس بن مالك قال : «دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم  فقال عندنا فعرق ، وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أم سليم! ما هذا الذي تصنعين؟ قالت : هذا عرقك نجعله في طيبنا ، وهو من أطيب الطيب» [رواه مسلم في كتاب الفضائل ، باب طيب عرق النبي والتبرك به ، رقم (2331) ] ، قال الذهبي (2 : 308) : قال ابن سعد : عن البراء بن زيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال ت من القيلولة - في بيت أم سليم على نطع ، فعرق ، فاستيقظ ، وهي تمسح العرق ، فقال : «ما تصنعين»؟ قالت : آخذ هذه البركة التي تخرج منك. أخرجه ابن سعد في الطبقات وأخرجه مسلم من طريق آخر وأحمد [الطبقات لابن سعد (8 : 428) ومسلم (2331 مكررا) وأحمد (3 : 226 ، 221) ] ، وفي رواية عند مسلم : فقال صلى الله عليه وسلم : «ما تصنعين يا أم سليم» ؟. فقالت : يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا. قال : «أصبت». انتهى ، وقال الذهبي (2 : 308) : عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم  لما أراد أن يحلق رأسه بمنى ، أخذ أبو طلحة شق شعره ، فجاء به إلى أم سليم ، فكانت تجعله في سُكها (أي طيبها). قالت : وكان يقيل عندي على نطع (بساط من جلد) وكان معراقا (كثير العرق) صلى الله عليه وسلم ، فجعلت أسلت العرق في قارورة. فاستيقظ ، فقال : «ما تفعلين »؟ قلت : أريد أن أدوف (أخلط) بعرقك طيبي. أخرجه ابن سعد في الطبقات وأحمد في المسند وإسناده صحيح انتهى [ أخرجه ابن سعد في الطبقات (8 : 428-429) وأحمد في المسند (3 : 287) ] ، وعن عبدالله مولى أسماء بنت أبي بكر قال : أرسلتني أسماء إلى عبدالله بن عمر فقالت : هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأخرجت إلي جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج ، فقالت : هذه كانت عند عائشة حتى قبضت ، فلما قبضت قبضتها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها [ رواه مسلم في كتاب اللباس والزينة ، (باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال ، رقم (2069) ] ، قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم : «وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم » انتهى [ شرح النووي على مسلم (14 : 44) ] ، وعن سهل بن سعد قال : «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم  ببردة فقالت : يا رسول الله أكسوك هذه؛ فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم  محتاجا إليها فلبسها فرآها عليه رجل من الصحابة فقال : يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها؟ فقال : نعم ، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم  لامه أصحابه ، قالوا : ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم  أخذها محتاجا إليها ، ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه ، فقال : رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم  لعلي أكفن فيها » [ رواه البخاري في كتاب الأدب ، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل ، رقم (5689) ، وفي مواضع أخرى من صحيحه ، منها : في كتاب الجنائز ، باب من استعد الكفن في زمن النبي فلم ينكر عليه ، رقم (1218). وانظر أيضا : سير أعلام النبلاء 4 : 42- 43 ] ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح [ فتح الباري (3 : 144) ] : « فيه التبرك بآثار الصالحين»   أهـ ، وقال بعض الشافعية : ينبغي لمن استعد شيئا من ذلك (أي من لمن جهز قبره وكفنه قبل موته) أن يجتهد في تحصيلها من جهة يثق بحلها أو من أثر من يعتقد فيه الصلاح والبركة. انتهى ، ( ث ) التبرك بشعره وظفره ونعله صلى الله عليه وسلم : حدثنا عبدالحميد بن جعفر عن أبيه أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك ، فقال : اطلبوها؛ فلم يجدوها فوجدوها وإذا هي قلنسوة خلقة ، فقال خالد : «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  حلق رأسه وابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر» [رواه الحاكم في المستدرك 3 : 338 ، رقم (5299). قال في مجمع الزوائد (9 : 349) : رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ، ورجالهما رجال الصحيح ، وجعفر سمع من جماعة من الصحابة فلا أدري سمع من خالد أم لا ] ، فأخرج البخاري في صحيحه قصة صلح الحديبية وفيه مجيء عروة بن مسعود رسول قريش : « … قال : ثم إن عروة جعل يرمق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم   بعينه فوالله ما يتنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم  نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم انقادوا لأمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له» [جزء من حديث طويل رواه البخاري في كتاب الشروط ، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط ، رقم (2581) ، وابن حبان في صحيحه 11 : 216- 227 ، رقم (4872) ] ،  وأخرج أبو عوانة في صحيحه : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمر الحلاق فحلق رأسه ودفع إلى أبي طلحة الشق الأيمن ثم حلق الشق الآخر فأمره أن يقسمه بين الناس» [فتح الباري 1 : 274 ] ، ورواه مسلم من طريق ابن عيينة عن هشام بن حسان عن ابن سيرين بلفظ : «لما رمى الجمرة ونحر نسكه ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه ، ثم دعا أبا طلحة فأعطاه إياه ، ثم ناوله الشق الأيسر فحلقه فأعطاه أبا طلحة ، فقال : اقسمه بين الناس»  [فتح الباري 1 : 274 ، وهو في صحيح مسلم : كتاب الحج ، باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق ، رقم (1305) ] ، قال النووي : وفيه التبرك بشعره صلى الله عليه وسلم  وجواز اقتنائه [فتح الباري 1 : 274 ] ، وقال الذهبي [(3 : 158-160) ] عن ابن عباس ، قال : لما احتضر معاوية ، قال : إني كنت مع رسول صلى الله عليه وسلم  على الصفا ، وإني دعوت بمشقص ، فأخذت من شعره ، وهو في موضع كذا وكذا ، فإذا أنا مت ، فخذوا ذلك الشعر ، فاحشوا به فمي ومنخري ، وروي بإسناد عن ميمون بن مهران نحوه أن معاوية أوصى فقال : كنت أوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم  فنـزع قميصه وكسائيه فرفعته ، وخبأت قلامة أظفاره ، فإذا مت ، فألبسوني القميص على جلدي ، واجعلوا القلامة مسحوقة في عيني ، فعسى [الله أن يرحمني ببركتها] ، إسناده صحيح. ويزداد صحة بالطرق الأخرى ، وما بين المعقوفتين من تاريخ الطبري. والحديث أخرجه الطبري في تاريخه. وأخرجه البلاذري في أنساب الأشراف وأخرجه ابن سعد في الطبقات ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه [ تاريخ الطبري (6 : 182). وأنساب الأشراف للبلاذري في (5 : 160) والطبقات لابن سعد وابن عساكر في تاريخه (مخطوط ج 16 : ورقة 379) ] ،  وقال الذهبي (4 : 42-43) في ترجمة الإمام العلم الفقيه الثقة المتقن التابعي الجليل عبيدة بن ناجية السلماني رحمه الله : «وروى البخاري في صحيحه عن محمد بن سيرين قال : قلت لعبيدة : عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم  أصبناه من قبل أنس أو من قبل أهل أنس. فقال : لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها» اهـ ، وقال أنس : لما حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم  رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره [ رواه البخاري ] ، أبو طلحة هو زوج أم سليم والدة أنس ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1 : 274) : «فيه التبرك بشعره صلى الله عليه وسلم  وجواز اقتنائه» انتهى ، يقول الذهبي في السير (4 : 43) : «فنقول نحن إذ فاتنا ذلك : حجر معظم بمنـزلة يمين الله في الأرض مسته شفتا نبينا صلى الله عليه وسلم  لاثماً له ، فإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد ، فالتزم الحاج وقبل فمه وقل : فم مسه بالتقبيل حجراً قبله خليلي صلى الله عليه وسلم » ،  وقال الذهبي في السير (11 : 337) : قال الخلال : أخبرني عصمة بن عصام ، حدثنا حنبل قال : أعطى بعد ولد الفضل بن الربيع أبا عبدالله (أحمد بن حنبل) وهو في الحبس ثلاث شعرات فقال : هذه من شعر النبي صلى الله عليه وسلم  فأوصى أبو عبدالله عند موته أن يجعل على كل عين شعرة ، وشعرة على لسانه ففعل ذلك عند موته ، وقال ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (186-187) : (الباب الرابع والعشرون في ذكر تبركه واستشفائه بالقرآن وماء زمزم وشعر الرسول صلى الله عليه وسلم  وقصعته) ، ثم روى ابن الجوزي عن صالح ابن الإمام أحمد قال : كنت ربما اعتللت فيأخذ أبي قدحاً فيه ماء فيقرأ فيه ثم يقول : اشرب منه واغسل وجهك ويديك ، وروى ابن الجوزي عن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال : رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر صلى الله عليه وسلم  فيضعها على فيه ويقبلها ، وأحسب أني رأيته يضعها على عينيه ، ويغمسها في الماء ، ثم يشربه يستشفي به ، ورأيته قد أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم  فغسلها في حب الماء – أي الجرة – ثم شرب فيها ، ورأيته غير مرة يشرب ماء زمزم يستشفي به ، ويمسح به بدنه ووجهه اهـ ، وقال الذهبي رحمه الله (12 : 453) في ترجمة الإمام الحافظ الرباني الزاهد العابد القدوة محمد بن اسماعيل البخاري رضي الله عنه : قال محمد الوراق : دخل أبو عبدالله (البخاري) بفربر الحمّامَ وكنتُ أنا في مشلح الحمّام أتعاهد عليه ثيابه ، فلما خرج ناولته ثيابه فلبسها ثم ناولته الخف فقال : مسست شيئاً فيه شعر النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : في أي موضع هو من الخف؟ فلم يخبرني فتوهمت أنه في ساقه بين الظهارة والبطانة ، وقال الذهبي (16 : 484 و 487) : ابن حنـزابة الإمام الحافظ الثقة الوزير الأكمل أبو الفضل جعفر ابن الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر ، قال المسبحي : لما غُسل ابن حنـزابة جعل فيه ثلاث شعراتٍ من شعر النبي صلى الله عليه وسلم  كان أخذها بمالٍ عظيم ، وقال ابن طاهر : ولم يزل ينفق في البر والمعروف الأموال ، وأنفق كثيراً على أهل الحرمين الى أن اشترى داراً أقرب شيء إلى الحجرة النبوية ، وأوصى أن يدفن فيها ، وأرضى الأشراف بالذهب. فلما حمل تابوته من مصر تلقوه ودفن في تلك الدار. توفي سنة 391 ، قال الحافظ الذهبي (2 : 463) في ترجمة الصحابي الجليل شداد بن أوس الأنصاري رضي الله عنه : وكانت النعل [أي نعل سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ] زوجاً ، خلفها شداد [بن أوس] عند ولده ، فصارت إلى [ابنه] محمد بن شداد ، فلما أن رأت أخته خزرج مانـزل به وبأهله. جاءت ، فأخذت فرد النعلين وقالت : يا أخي ، ليس لك نسل ، وقد رزقت ولداً وهذه مكرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم  أحب أن تشرك فيها ولدي فأخذتها منه ، ( ج ) تبركه صلى الله عليه وسلم  بتربة المدينة ومواضع الأنبياء : عن عائشة رضي الله عنها : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه ، أو كانت به قرحة أو جرح ، قال النبي صلى الله عليه وسلم  بإصبعه هكذا ووضع سبابته بالأرض ثم رفعها : باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى بها سقيمنا بإذن ربنا ». متفق عليه ، واللفظ لمسلم [رواه البخاري في كتاب الطب ، باب رقية النبي ، رقم (5413) ، ومسلم في السلام ، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ، رقم (2194) ] ، قال ابن القيم : «وإذا كان هذا في التربات؛ فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها ، وقد خالطت ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقارنت رقيته باسم ربه ، وتفويض الأمر إليه » [ زاد المعاد (4 : 187) ،  الطب النبوي  145وما بعدها ] ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه  قال : «لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم  من تبوك ، تلقاه رجال من المتخلفين من المؤمنين ، فأثاروا غبارًا ، فخمّر بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم  أنفه ، فأزال رسول الله صلى الله عليه وسلم  اللثام عن وجهه وقال : والذي نفسي بيده إن في غبارها شفاء من كل داء» [ رواه رزين ، جامع الأصول (9 : 334). وانظر : الترغيب والترهيب (2 : 149) ] ، وأبرك تراب في المدينة ما كان في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ هو روضة من رياض الجنة ، فمن عاب تربتها فقد طعن في نفسه ، لأن تربة المدينة هي تربة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذا أفتى الإمام مالك رحمه الله فيمن قال : تربة المدينة رديئة ، بأن يضرب ثلاثين درة وأمر بحبسه ، وقال : ما أحوجه إلى ضرب عنقه؛ تربة دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم  يزعم أنها غير طيبة !! [ وفاء الوفا (1 : 82) ، وسبل الهدى والرشاد (3 : 463) ] وعن محمد بن عمران الأنصاري عن أبيه أنه قال : عدل إليّ عبد الله بن عمر وأنا نازل تحت سرحة بطريق مكة فقال : ما أنـزلك تحت هذه السرحة؟ فقلت : أردت ظلها ، فقال : هل غير ذلك؟ فقلت : لا ، ما أنـزلني إلا ذلك ، فقال عبد الله بن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا كنت بين   الأخشبين من منى ونفخ بيده نحو المشرق فإن هناك واديا يقال له : السرر ، به شجرة سر تحتها سبعون نبيا»   [ موطأ مالك : كتاب الحج ، باب جامع الحج ، رقم (949) ،  النسائي : كتاب مناسك الحج ، باب ما ذكر في منى ، رقم (2995) ،  وفي الكبرى رقم (3986) ،  البيهقي في السنن الكبرى رقم (9392) ،  ابن حبان في صحيحه رقم (6244)  ] (حديث صحيح) يقول الزرقاني : وفيه التبرك بمواضع النبيين [ شرح الزرقاني 2 : 530 ]  ويقول ابن عبدالبر : وفي هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم ، وإلى هذا قصد عبد الله بن عمر بحديثه هذا ، والله أعلم [ التمهيد 13 : 66-67 ] ،   ولقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم  في رحلة الإسراء والمعراج قد صلى في بعض الأماكن تبركاً بأصحابها : فروى النسائي في (المجتبى) حديث الإسراء والمعراج بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه  في كتاب الصلاة باب فرض الصلاة وفيه : « …فسرت فقال : انـزل فصل فصليت ، فقال : أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجرة  ثم قال انـزل فصل فصليت ، فقال : أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى ، ثم قال : انـزل فصل فصليت فقال : أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام …» إلى آخر الحديث ، يقول الإمام السندي في الحاشية [(1 : 222) برقم (450) ] : « صليت بطور سيناء وهذا أصل كبير في تتبع آثار الصالحين والتبرك بها والعبادة فيها» أ.هـ ، وروى الحافظ الثقة محمد بن اسماعيل الترمذي حديث الإسراء عن شداد بن أوس رضي الله عنه  وذكر فيه نـزول النبي صلى الله عليه وسلم  للصلاة في المواضع الثلاثة ورواه عنه الإمام البيهقي بطريقين وقال إن إسناده صحيح وذكر له شواهد كثيرة تؤيده انظر دلائل النبوة للبيهقي [ (2 : 356) ] ، وفي هذا الحديث نرى النبي صلى الله عليه وسلم  صلى بطور سيناء وببيت لحم مولد عيسى عليه السلام فسن لنا بذلك سنة الصلاة لله في الأماكن المباركة ، وما مكان مولد عيسى عليه السلام بأفضل من مكان مولد محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذا الحديث أصل كبير في تتبع المواطن المباركة والصلاة فيها لله ، ( ح ) التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته  : قال الذهبي (2 : 630) في ترجمة السيد الحافظ الفقيه الصحابي الجليل أبي هريرة عبدالرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه : «مزود أبي هريرة (والمزود هو وعاء الزاد) ، قال حماد بن زيد : حدثنا المهاجر مولى آل أبي بكرة ، عن أبي العالية ، عن أبي هريرة ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  بتمرات ، فقلت : ادع لي فيهن يا رسول الله بالبركة. فقبضهن ، ثم دعا فيهن بالبركة ، ثم قال : «خذهن فاجعلهن في مزود ، فإذا أردت أن تأخذ منهن ، فأدخل يدك ، فخذ ولا تنثرهن نثرا» ، فقال : فحملتُ من ذلك التمر كذا وكذا وسقا في سبيل الله ، وكنا نأكل ونطعم ، وكان المزود معلقا بحقوي ، (أي خصري) لا يفارق حقوي ، فلما قتل عثمان انقطع » والحديث أخرجه أحمد (2 : 352) والترمذي (3739) وقال الترمذي : حسن غريب [ أحمد (2 : 352) والترمذي (3739)  ] ،  وقال الحافظ الذهبي في معجم شيوخه : عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يكره مسّ قبر النبي صلى الله عليه وسلم . قلت (القائل الذهبي) : كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب. وقد سئل أحمد بن حنبل عن مسّ القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأساً. رواه عنه ولده عبدالله بن أحمد [ معجم الشيوخ (1 : 73) ]  فإن قيل : فهلا فعل ذلك الصحابة؟ قلنا نعم : وهنا أحاديث : ( الحديث الأول ) : أخرج أبو الحسين يحيى بن الحسين بن جعفر في (أخبار المدينة) عن المطلب بن عبدالله بن حنطب قال : أقبل مروان بن الحكم فإذا رجل ملتزم القبر فأخذ مروان برقبته ثم قال : هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فقال : نعم إني لم آت الحجر ولم آت اللبن إنما جئت رسول صلى الله عليه وسلم ، لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله ، قال المطلب : وذلك الرجل : أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، قلت : وهو مروي في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم وللطبراني في الكبير ، وفي أحد رواياته (واضعا وجهه على القبر) وهو صحيح بمجموع طرقه وصححه الحاكم والذهبي والسيوطي وغيرهم ، ( الحديث الثاني ) : عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال : « رأيت أسامة يصلي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج مروان بن الحكم فقال : تصلي عند قبره؟ قال إني أحبه فقال له قولا قبيحا…» الحديث ، رواه ابن حبان في صحيحه والطبراني وأحمد في مسنده حديث صحيح ، ( الحديث الثالث ) : أخرج الحاكم في مستدركه عن علي بن الحسين عن أبيه : «أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم  كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده » قال الحاكم : (هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات). فهو حديث صحيح ، وهو تبرك بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالحاصل أن الصلاة والدعاء عند القبر تبركا بصاحبه وتوسلا إلى الله به ليس فيها مخالفة ، بل هي سنة صحابية مع أنهم عاينوه حياً ، وقبلوا يده ، وكادوا يقتتلون على وضوئه ، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر ، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه ، يقول الذهبي : « … ونحن لما لم يصح (أي لم يقع) لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل. ألا ترى كيف فعل ثابت البناني؟ كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول : يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرطُ حبه للنبي صلى الله عليه وسلم  إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه وولده والناس أجمعين ، ومن أمواله ومن الجنة وحورها ، بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر وعمر أكثر من حب أنفسهم ، ألا ترى الصحابة في فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم  قالوا : ألا نسجد لك؟ فقال : لا ، فلو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير ، لا سجود عبادة ، كما قد سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف ، وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم  على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلاً ، بل يكون عاصياً ، فليعرف أن هذا منهي عنه ، وكذلك الصلاة الى القبر». انتهى كلام الحافظ الذهبي ، وقال الذهبي (5 : 358-359) : قال مصعب بن عبدالله : حدثني إسماعيل بن يعقوب التيمي قال : كان ابن المنكدر يجلس مع أصحابه ، فكان يصيبه صمات (أي إغلاق واعتقال في اللسان) فكان يقوم كما هو حتى يضع خده على قبر النبي صلى الله عليه وسلم  ثم يرجع ، فعوتب في ذلك! فقال : إنه يصيبني خطر فإذا وجدت ذلك استعنت بقبر النبي صلى الله عليه وسلم . وكان يأتي موضعا من المسجد (مسجد صلى الله عليه وسلم ) يتمرغ فيه ويضطجع ، فقيل له في ذلك؟ فقال : إني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم  في هذا الموضع ، وجاء نصه في تاريخ الاسلام للذهبي (حوادث سنة 121 – 140) : إنه تصيبني خطرة ، فإذا وجدت ذلك استغثت بقبر النبي صلى الله عليه وسلم . انتهى [ تاريخ الإسلام (8 : 256) ] ، وهذه الرؤيا إما أن تكون مناماً ، وإما أن تكون يقظة ، فإن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم  يقظة غير ممتنعة عقلا ولا شرعاً ، والأدلة على ذلك كثيرة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة » [حديث صحيح ، رواه أحمد (1 : 400) وابن ماجه (2 : 1284) والبزار (7 : 201) والطيالسي (1 : 317) والطبراني في الأوسط (مجمع 7 : 181) والكبير (مجمع 7 : 181 و182) من طرق عنه صلى الله عليه وسلم ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة » [رواه البخاري (6993).وانظر للفائدة : في فتح الباري (12 : 385) ] ، وأحب أن أعرّف على وجه السرعة ، بهذا الإمام الجليل الثقة محمد بن المنكدر ، قال الحافظ الذهبي في السير (5 : 353) الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام. قال ابن حبان : كان من سادات القراء ، لايتمالك البكاء إذا قرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال مالك : كان ابن المنكدر سيد القراء. انتهى ، فمثل هذا الإمام العظيم يصدر منه ما تقدم ، ويتبرك بقبر سيد الأكوان صلى الله عليه وسلم ، وقال الذهبي [ السير ( 12 : 400 و 404) ] : الإمام الحافظ الرباني الزاهد العابد القدوة محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه : [قال البخاري : ] وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الليالي المقمرة ، وقَلَّ اسم في التاريخ إلا وله قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب ، وقال ابن عدي ، سمعت عبدالقدوس بن همام يقول : سمعت عدة من المشايخ يقولون : حول محمد بن إسماعيل تراجم جامعة بين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومنبره ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين ، وقد صنفه عند القبر الشريف ليستمد البركة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فإنه حي في قبره صلى الله عليه وسلم . وليت البخاري ذكر هذه القصص التي ذكرها الحافظ الذهبي ، فإنها تحتوي العجائب. وقول البخاري المذكور رواه الخطيب في التاريخ [ تاريخ بغداد (2 : 325)  ] ، قال الحافظ العراقي : أخبرني الحافظ أبو سعيد العلائي قال : رأيت في كلام ولد أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم  وتقبيل غيره؟ فقال : لا بأس بذلك. فأريناه ابن تيمية فصار يتعجب من ذلك ويقول : عندي أحمد جليل !! يقول هذا؟! قال : وأي عجب في ذلك؟!!.

[  4  ] : التبرك بالصالحين : النصوص في إثبات التبرك كثيرة جداً وفهم منها السادة الفقهاء الحفاظ الأعلام جواز التبرك بالسادة الصالحين قدس الله سرهم ، وقد ذهب قوم لا تقوم بمذهبهم الحجة إلى أن التبرك خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم   وخاص بحياته !. وهذا التخصيص بنوعيه : باطل بدعة ، لم يقل به أحد من السلف ، ولا المعتبرون من الخلف ، وذلك لأن نصوص التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم  عامة ولا يجوز تخصيصها إلا بدليل من الكتاب أو السنة ، ومن زعم أنها مخصوصة ولم يأت بدليل مخصص فقد أخطأ. وإلى هؤلاء وغيرهم نهدي هذا الحديث الذي رواه البيهقي في (شعب الإيمان) والطبراني في (الأوسط) من حديث ابن عمر رضي الله عنه بإسناد حسن قال : «قلت يا رسول الله أتوضأ من جرّ حديد مخمر أحب إليك أم من المطاهر؟ قال : لا بل من المطاهر ، إن دين الله يسر الحنيفية السمحة» ، قال : « وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين» ، قال الهيثمي : رجاله موثقون [شعب الإيمان (20) باب في الطهارات ح (2791) ج3 ص30 ، مجمع الزوائد ج1 ص14 ] ، فمن منع التبرك بالصالحين بعد أن تبرك بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقد تنكب عن صلى الله عليه وسلم  وخالف هديه ، أما من منع التبرك به صلى الله عليه وسلم  بعد وفاته فقد خالف ما أجمعت عليه الأمة من صحابته والتابعين من التبرك بآثاره المختلفة ومرّ نماذج لذلك ، وإليك بعض ما جاء عن العلماء في هذه المسألة : قال الإمام الحافظ ضياء الدين المقدسي الدمشقي الحنبلي : سمعت الحافظ أبا موسى ابن الحافظ عبدالغني يحدث عن رجل بدمياط قال : كنت يوما عند الحافظ (عبدالغني المقدسي) فقلت في نفسي : كنت أشتهي لو أن الحافظ يعطيني الثوب الذي يلي جسده حتى أكفن فيه فلما أردت القيام قال : لا تبرح. فلما انصرف الجماعة خلع ثوبه الذي يلي جسده وأعطانيه ، قال : فبقي الثوب عندنا ، وكل من مرض أو وجع رأسه تركوه عليه حتى يبرأ بإذن الله تعالى. انتهى ، وقال الحافظ أبوبكر الخطيب في تاريخ بغداد وابن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة وابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد وابن الجوزي في المنتظم والعليمي الحنبلي في المنهج الأحمد في ترجمة علي بن محمد بن بشار الزاهد العارف الولي الصالح شيخ الحنابلة المتوفى سنة 313هـ : دفن بالعقبة وقبره إلى الآن ظاهر معروف يتبرك الناس بزيارته انتهى [ الخطيب في تاريخ بغداد (13 : 534)دار الغرب ، بشار وابن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة (2 : 63) وابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد (2 : 254) وابن الجوزي في المنتظم (13 : 252) والعليمي الحنبلي في المنهج الأحمد (2 : 213)  ] ، وقال ابن أبي يعلى في الطبقات (2 : 255) أبو بكر أحمد بن علي بن أحمد العلثي أحد المشهورين بالصلاح والزهد ، صحب الوالد السعيد سنين يسمع درسه والحديث منه ، فعادت بركته عليه فصار عالما زاهدا عابدا فظهر له في الناس القبول والمحبة وإجابة الدعاء. انتهى ،  وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة : أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالرحمن البغدادي ، أحد الفقهاء العقلاء والمناظرين والأذكياء ، مات بآمد سنة سبع أو ثمان وستين وأربع مائة ، وقبره هناك يقصد ويتبرك به انتهى [طبقات الحنابلة (2 : 234) ] ، وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد والعلامة العليمي الحنبلي في المنهج الأحمد في ترجمة علي بن محمد المذكور : وقبره هناك مقصود بالزيارة. انتهى [المقصد الأرشد (2 : 253) المنهج الأحمد (2 : 382)  ] ، وقال الإمام النووي في التبرك بآثار الصالحين : ومنها التبرك بالصالحين وآثارهم والصلاة في المواضع التي صلوا بها وطلب التبريك منهم [شرح النووي على صحيح مسلم 5 : 161 ] ،  وفي الفروع للعلامة ابن مفلح [ الفروع 3 : 125 ، ] : " ونقل ابن القاسم وشندي أن أحمد سئل عن الرجل يأتي المشاهد ويذهب إليها ترى ذلك؟ قال : أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم   أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى وعلى نحو ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم  وأثره فليس بذلك بأس ، إلا أن الناس أفرطوا في هذا جدا وأكثروا. قال ابن القاسم : فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده" أهـ ، ( قلت ) : فلم ينه إمام أهل السنة إلا عن الإفراط ، ومثل بما يصنع عند قبر الحسين رضي الله عنه ولا يخفى ما تصنعه الشيعة عند قبر الحسين من الفظائع من ضرب أنفسهم ونحو ذلك ،

[  5  ] : كلام السادة الحنابلة حول التبرك : جاء في دليل الطالب : وسن أن يحمد الله إذا فرغ ، ويقول الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ، ويدعو لصاحب الطعام ، ويفضل منه شيئا لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته [ دليل الطالب 1 : 248 ] ، وفي الإنصاف : قال ابن الزاغوني وغيره : وليأت المنبر فيتبرك به تبركا بمن كان يرتقي عليه ، [ الإنصاف للمرداوي 4 : 54 ] ، وفيه أيضا : ويستحب للضيف أن يفضل شيئا لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته أو كان ثم حاجة [ الإنصاف للمرداوي 8 : 333 ] ، وفي منار السبيل : ويفضل منه –أي الضيف- شيئا ولاسيما إن كان ممن يتبرك بفضلته ، أو كان ثم حاجة. قال أبو أيوب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا أتى بطعام أكل وبعث بفضله إلي فيسأل أبو أيوب عن موضع أصابعه فيتبع موضع أصابعه [منار السبيل 2 : 192 ] ، وفي كشاف القناع : ويستحب للضيف أن يفضل شيئا من الطعام لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته أو كان ثم حاجة إلى إبقاء شيء منه [كشاف القناع 5 : 181 ] ، وفي المغني : ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم ، وكذلك في البقاع الشريفة ، وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما أن موسى عليه السلام لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر» [المغني 2 : 193 ، والحديث رواه البخاري في الجنائز ، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها ، رقم (1274) ، وفي أحاديث الأنبياء ، باب وفاة موسى وذكره بعد ، رقم (3226) ، مسلم في الفضائل ، باب من فضائل موسى ، رقم (2372) ] ، وفي الفروع : ويجوز لمس القبر باليد ، وعنه - أي الإمام أحمد - : يكره؛ لأن القرب متلقى من التوقيف ولم يرد به سنة؛ ولأنه عادة أهل الكتاب ، وعن الشافعية كهذا ، وعن الحنفية مثله والذي قبله ، وعنه : يستحب ، صححها أبو الحسين في التمام ، لأنه يشبه مصافحة الحي ، لا سيما ممن ترجى بركته [ الفروع 2 : 233-234 ] ، وفي الإنصاف : يجوز لمس القبر من غير كراهة... وعنه : يكره. وأطلقهما في الحاويين ، والفائق ، وابن تميم. وعنه : يستحب. قال  أبو الحسين في تمامه : وهي أصح [الإنصاف 2 : 562-563 ] ، وفي غاية المنتهى : ولا بأس بلمس قبر بيد لا سيما من ترجى بركته [ غاية المنتهى مع مطالب أولي النهى 1 : 934 ] ، وفي المغني : مسألة : قال وإذا غدا من طريق رجع من غيره وجملته أن الرجوع في غير الطريق التي غدا منها سنة ، وبهذا قال مالك والشافعي ، والأصل فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يفعله قال أبو هريرة : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره» [الترمذي : كتاب الجمعة عن رسول الله ، باب ما جاء في خروج النبي إلى العيد في طريق ورجوعه من طريق آخر ، رقم (541) ] ، قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وقال بعض أهل العلم : كان يحب المساواة بين أهل الطريقين في التبرك بمروره بهم وسرورهم برؤيته وينتفعون بمسألته ، وقيل : لتبرك الطريقين بوطئه عليهما.. [المغني 2 : 124 ] ، والشاهد قوله : وقيل لتبرك الطريقين بوطئه عليهما ، أسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ، [ تم مبحث كلمة هادئة في التبرك للدكتور عمر كامل ] ،

 

تحقيق القول في مسائل الاستغاثة والاستعانة وأنها من مسائل الفقه وليس العقيدة –  مجدي محمد علي محمد

 

(  1  ) درر ومعلومات عن الاستغاثة جاءت في الموسوعة الفقهية

(  1  ) التعريف : الاستغاثة لغة : طلب الغوث والنصر . والاستغاثة شرعا : لا تخرج في المعنى عن التعريف اللغوي , حيث تكون للعون , وتفريج الكروب ، الاستعانة : طلب العون . استعنت بفلان طلبت معونته فأعانني , وعاونني . وتكون من العباد فيما يقدرون عليه , ومن الله { إياك نعبد وإياك نستعين } فالفرق أن الاستغاثة لا تكون إلا في الشدة ،

(  2 ) حكم الاستغاثة : للاستغاثة أربعة أحكام : الأول : الإباحة , وذلك في طلب الحوائج من الأحياء , إذا كانوا يقدرون عليها ، ومن ذلك الدعاء فإنه يباح طلبه من كل مسلم , بل يحسن ذلك ، فله أن يستغيث بالمخلوقين أو لا يستغيث , ولكن لا يجب أن يطلب منهم على جهة السؤال والذل والخضوع والتضرع لهم كما يسأل الله تعالى , لأن مسألة المخلوقين في الأصل محرمة , ولكنها أبيحت عند الحاجة والضرورة , والأفضل الاستعفاف عنها إلا إذا ترتب على ترك الاستغاثة هلاك , أو حد , أو ضمان , فإنه يجب عليه أن يدفع بالاستغاثة أولا ، فإن لم يفعل أثم وترتب عليه سبق ضمان للدماء والحقوق على تفصيل سيأتي : الثاني : الندب , وذلك إذا استغاث بالله , أو بصفة من صفاته في الشدة والكرب { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء } ، الثالث : الوجوب , وذلك إذا ترتب على ترك الاستغاثة هلاك أو ضمان , فإن تركه مع وجوبه أثم ، الرابع : التحريم , وذلك إذا استغاث بمن لا يملك في الأمور المعنوية بالقوة أو التأثير , سواء كان المستغاث به إنسانا , أو جنا , أو ملكا , أو نبيا , في حياته , أو بعد مماته { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } ،

(  3  )  الاستغاثة بالله : ( أ ) في الأمور العادية : أجمع علماء الأمة على استحباب الاستغاثة بالله تبارك وتعالى , سواء أكان ذلك من قتال عدو أم اتقاء سبع أم نحوه . لاستغاثة الرسول صلى الله عليه وسلم بالله في موقعة بدر , وقد أخبرنا القرآن بذلك ، قال الله تعالى : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } , ولما روي عن خولة بنت حكيم بن حزام رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من نزل منزلا ثم قال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله )) ، ( ب ) وتستحب أيضا الاستغاثة بالله في الأمور المعنوية بالقوة والتأثير , وفيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى ، مثل إنزال المطر , وكشف الضر , وشفاء المرض , وطلب الرزق , ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى , لقوله تعالى : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } وقوله تعالى : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } . ويستغاث باسم الله أو بصفة من صفاته , لما روي عن أنس بن مالك : قال : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر قال : يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث )) ،

(  4 )  الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم ، الاستغاثة بالرسول أقسام : القسم الأول : الاستغاثة بالرسول فيما يقدر عليه ، اتفق الفقهاء على جواز الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبكل مخلوق حال حياته فيما يقدر عليه , لقوله تعالى : { وإن استنصروكم في الدين فعليكم  النصر } ولقوله : { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه } وهي من قبيل العون والنجدة , كما قال تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى } القسم الثاني : لاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته , وسيأتي الكلام عليها والخلاف فيها ، القسم الثالث : أن يستغيث العبد بالله تعالى متقربا برسوله صلى الله عليه وسلم , كأن يقول : اللهم إني أتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن تفعل كذا كما سيأتي . القسم الرابع : الاستغاثة بذات الرسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي ،

(  5  ) أنواع الاستغاثة بالخلق فيما لا يقدرون عليه :  الاستغاثة بالخلق فيما لا يقدرون عليه تكون على أربع صور : ( الصورة الأولى ) : أن يسأل الله بالمتوسل به تفريج الكربة , ولا يسأل المتوسل به شيئا , كقول القائل : اللهم بجاه رسولك فرج كربتي . وهو على هذا سائل لله وحده , ومستغيث به , وليس مستغيثا بالمتوسل به . وقد اتفق الفقهاء على أن هذه الصورة ليست شركا , لأنها استغاثة بالله تبارك وتعالى , وليست استغاثة المتوسل به ; ولكنهم اختلفوا في المسألة من حيث الحل والحرمة على ثلاثة أقوال :  القول الأول : جواز التوسل بالأنبياء والصالحين حال حياتهم وبعد مماتهم . قال به مالك , والسبكي , والكرماني , والنووي , والقسطلاني , والسمهودي , وابن الحاج , وابن الجزري ، واستدل القائلون بجواز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين بأدلة كثيرة , منها ما ورد من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل { أسألك بحق السائلين عليك , وبحق ممشاي هذا إليك } " . ومنها ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء لفاطمة بنت أسد { اغفر لأمي فاطمة بنت أسد , ووسع عليها مدخلها , بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي ,  فإنك أرحم الراحمين . } ومن الأدلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من زار قبري وجبت له شفاعتي } . وما ورد من حديث المعراج { أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على موسى وهو قائم يصلي في قبره } والصلاة تستدعي حياة البدن . وعن ابن عباس رضي الله عنهما عند قوله تعالى { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } أنه قال : كان أهل خيبر تقاتل غطفان , كلما التقتا هزمت غطفان اليهود , فدعت اليهود بهذا الدعاء : اللهم إنا نسألك بحق الذي وعدتنا أن تخرجه لنا إلا نصرتنا عليهم . فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فتهزم اليهود غطفان . وقوله تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } . وهذا تفخيم للرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه صلى الله عليه وسلم لا ينقطع بموته . ويستدلون بحديث الأعمى المتوسل برسول الله في رد بصره ،  القول الثاني : أجاز العز بن عبد السلام وبعض العلماء الاستغاثة بالله متوسلا بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالحين حال حياتهم . وروي عنه أنه قصر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وحده . واستشهد لهذا بحديث الأعمى الذي دعا الله سبحانه متوسلا برسول الله فرد الله عليه بصره . فعن عثمان بن حنيف أن { رجلا ضريرا أتاه عليه الصلاة والسلام . فقال : ادع الله تعالى أن يعافيني , فقال صلى الله عليه وسلم : إن شئت أخرت وهو خير , وإن شئت دعوت . فقال : ادع قال : فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بحبيبك محمد نبي الرحمة , يا محمد , إني أتوجه بك إلى ربك في حاجتي لتقضى . اللهم شفعه في } وصححه البيهقي وزاد : فقام , وقد أبصر ، القول الثالث : عدم جواز الاستغاثة إلا بالله سبحانه وتعالى , ومنع التوسل في تلك الاستغاثة بالأنبياء والصالحين , أحياء كانوا أو أمواتا . وصاحب هذا الرأي ابن تيمية , ومن سار على نهجه من المتأخرين . واستدلوا بقوله تعالى : { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون } . وبما رواه الطبراني بسنده عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه , أنه { كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين , فقال بعضهم : قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله } ،  ( الصورة الثانية ) : استغاثة بالله واستغاثة بالشفيع أن يدعو الله له : وهو أن يسأل الله , ويسأل المتوسل به أن يدعو له , كما كان يفعل الصحابة , ويستغيثون ويتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء , ثم من بعده بعمه العباس , ويزيد بن الأسود الجرشي رضي الله عنهما , فهو استغاثة بالله , واستغاثة بالشفيع أن  يسأل الله له . فهو متوسل بدعائه وشفاعته , وهذا مشروع في الدنيا والآخرة في حياة الشفيع , ولا يعلم فيه خلاف . فقد روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ألا أخبركم بأهل الجنة , كل ضعيف مستضعف , لو أقسم على الله لأبره } قال العلماء : معناه لو حلف على الله ليفعلن كذا لأوقع مطلوبه , فيبر بقسمه إكراما له , لعظم منزلته عنده . فدل ذلك على أن بعض , الناس خصه الله بإجابة الدعوة , فلا بأس أن يسأل فيدعو للمستغيث , وقد ورد هذا في آثار كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ، ( الصورة الثالثة ) : استغاثة في سؤال الله : وهي أن يستغيث الإنسان بغيره في سؤال الله له تفريج الكرب , ولا يسأل الله هو لنفسه . وهذا جائز لا يعلم فيه خلاف . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : { وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم } أي بدعائهم , وصلاتهم , واستغفارهم . ومن هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يستفتح بصعاليك المهاجرين } . أي يستنصر بهم . فالاستنصار والاسترزاق يكون بالمؤمنين بدعائهم , مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منهم . لكن دعاءهم وصلاتهم من جملة الأسباب , ويقتضي أن يكون للمستنصر به والمسترزق به مزية على غيره من الناس . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : { إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره . منهم البراء بن مالك } . وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أويس القرني : { فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل } وقول الرسول  صلى الله عليه وسلم لعمر لما ودعه للعمرة : { لا تنسنا من دعائك } ،  ( الصورة الرابعة ) : أن يسأل المستغاث به ما لا يقدر عليه , ولا يسأل الله تبارك وتعالى , كأن يستغيث به أن يفرج الكرب عنه , أو يأتي له بالرزق . فهذا غير جائز وقد عده العلماء من الشرك , " لقوله تعالى { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم } . وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال : { شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته , فقال : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟ فنزلت { ليس لك من الأمر شيء } } فإذا نفى الله تعالى عن نبيه ما لا قدرة له عليه من جلب نفع أو دفع ضر , فغيره أولى . الاستغاثة بالملائكة : 15 - الاستغاثة بهم استغاثة بغير الله تعالى , وكل استغاثة بغير الله ممنوعة , لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . { إنه لا يستغاث بي , ولكن يستغاث بالله } ولحديثه أيضا عليه السلام { لما ألقي إبراهيم في النار اعترضه جبريل , فقال له : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا } ، أهـ [ الموسوعة  الفقهية : مادة استغاثة ]

***

 

(  2  ) مبحث : كلمة هادئة في الاستغاثة للدكتور عمر كامل

 

[  1  ] : مفهوم الاستغاثة : الاستغاثة هي بمعنى طلب التوجه من المستغاث به إلى الله تعالى في قضاء الحاجة إذ ليس لأحد مع الله فعل أو ترك وإنما المستغاث به سبب للشفاعة والدعاء ولقضاء الحاجة ، والقرينة أن المستغيث من الموحدين ولا ينبغي إساءة الظن بهم ، وهذا لا يعد عبادة للمستغاث به وإنما استشفاع واستعانة وطلب مراد به طلب السعي والتسبب وراجع إلى التوسل بسعيهم المقدور لهم كسباً لا خلقا ولا إيجادًا فليس ذلك كفرًا صراحًا ولا شركًا جليًا وإنما هو راجع إلى جعل السعي الميسور للعبد وسيلة وسببا عاديا لخلق الله الفعل المسند إلى العبد ظاهرا ، وينبغي أن يتفطن إلى أن ما يطلق على الخالق والمخلوق من الصفات كالرأفة والرحمة والوجود والعلم والهداية والشفاعة في قوله تعالى : { قل لله الشفاعة جميعا }[(الزمر 44)] مع قوله صلى الله عليه وسلم : »أعطيت الشفاعة« [ جزء من حديث أوله » أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي … « الحديث متفق عليه البخاري (ح335) مسلم (ح521)] لا يشتبه على الواعي ،  إذ إن مدلولات الألفاظ حين تطلق على الخالق تختلف عن مدلولاتها إذا أطلقت على الخلق من حيث الكمال والكيفية والخلق والتسبب اختلافًا كليًا ، فتطلق على الإله بما يناسب مقام الحق. وإذا وصف المخلوق بشيء منها فيكون متصفًا بما يناسب البشرية محدودة ومخلوقة ومكتسبة بإذن الله وفضله وإرادته لا بقوة المخلوق أو تدبيره أو أمره وإنما منّ الله بها على المخلوق قوة وضعفا على ما شاء الله وأراد فلا يرفع المخلوق وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إليه شركا ،  ومن هذا الباب ما جاء في الأحاديث من الحث على تفريج كربة المؤمن والتيسير على المعسر وإعانة المستعين حيث أن الكل موقن بأن المفرج والمعين والميسر هو الله تعالى وأن العبد ليس إلا سبب في ذلك ، ومن هذا الباب ما وصف حسان به رسول الله صلى الله عليه وسلم  بقوله : ( يا ركن معتمد وعصمة لائذ * وملاذ منتجع وجـار مجاور ) فوصفه لرسول الله صلى الله عليه وسلم  بأنه ركن المعتمدين وعصمة اللائذين وملاذ القاصدين وجار المستجيرين لم يكن يقصد به أنه صلى الله عليه وسلم  يشارك الباري في تلك الصفات بل هي لله بالأصالة وعلى الحقيقة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم  هو سبب فيها من باب الإسناد المجازي ، وينبغي أن يتفطن أيضًا إلى ألفاظ قد تصدر من الناس كقولهم ليس لي ملاذ سوى النبي ولا رجاء إلا هو وقولهم إليه يفزع في المصائب وقولهم إن توقفت فمن أسأل ، فلا ينبغي أن يسارع إلى تكفير الناس بسببها إذ : (  أولاً ) : ليس المقصود بهذه الألفاظ المقارنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم  وبين ربه بل هي مقارنة بين الخلق بمعنى أنه ليس في الخلق من هو أولى من رسول الله صلى الله عليه وسلم  بأن يلاذ به ويلجأ إليه ويفزع إليه عند الشدائد ليقوم بالتوسل عند ربه في كشفها مثل ما يكون عليه الحال في يوم الهول العظيم حيث لا يجد الأنبياء والخلائق ملجأ إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم  يشفع لهم في كشف كربهم حيث يقول : «أنا لها» ويشفع ،  (  ثانيًا ) : ليس في المسلمين إطلاقا من يعتقد لأحد فعلا أو تركًا أو رزقًا أو نصرًا أو أحياءً أو إماتةً فحسن الظن بهم- وهو ما أُمرنا به- حمل مثل تلك الألفاظ على المجاز العقلي من إسناد الشيء إلى سببه لأن اعتقاد المسلم أن الملجأ والملاذ والمفزع والمدد كله لله خلقا وإيجادا أصالة وما نسبتها إلى المخلوق ممن أكرمه الله بحصولها على يده إلا لأنه هو المتسبب فيها بدعائه لربه وشفاعته عنده ،   فليس معنى طلب شيء من المستغاث به عند المسلم إلا الطلب منه بأن يسأل الله تعالى ويشفع عنده بقضاء الحاجة ، وحمل هذه الألفاظ على حقائقها دون اعتبار لقرينة توحيده هو ظلم كبير وخطأ فاحش ، وقوله تعالى : {  ادعونى أستجب لكم }[ سورة غافر ، الآية : 60]. شامل لدعاء الشخص نفسه ولدعاء المستغاث به وكل من الاستغاثة والتوسل ليس فيهما دعاء غير الله بما اختص به وحتى حين يطلب المستغيث أو المتوسل قضاء الحاجة من المستغاث به مباشرة لا يريد الموحد منه إلا أن يسعى في قضاء حاجته بالطرق المقدورة له عند من بيده الأمر فهو في حقيقته استشفاع لطلب السعي والتسبب العادي في إجابة الدعاء وقضاء الحاجة ،  ومن رأى من علماء السواد الأعظم من المسلمين البعد عن إسناد الطلب إلى العبد فلم يدّع أن ذلك شرك أو كفر وإنما رأى الابتعاد عما يوهم أن للنبي أو الولي شيئا من صفات الألوهية كأن يكون الدعاء مثلا لطلب مثل غفران الذنوب أو إدخال الجنة أو النجاة من النار أو إنـزال المطر ومثل ذلك مما هو من خصائص الربوبية ، وظاهر أن النظر إلى الأسباب والأخذ بها غير الاعتماد عليها فإن الاعتماد على السبب هو الركون إليه مع الغفلة عن الفاعل المختار ،  فمما ورد من قوله تعالى : { إياك نعبد وإياك نستعين } وقوله صلى الله عليه وسلم  »وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله« [ جزء من حديث (2516) سنن الترمذي] وقوله »إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله« [ الحافظ الهيثمي مجمع الزوائد 10 : 159] وأمثال ذلك فإنه إرشاد إلى عدم الغفلة عن الفاعل المختار وليس مرادًا أن لا يطلبها العبد إلا من الله لأن طلبها من العباد لتحصيل أفعال الله هو من اتخاذ الأسباب المشروعة وترتيب الأسباب على مسبباتها فدعاء الله مجردا من الوسائل ودعاؤه مقرونا بها كلاهما مشروع وهي من الله في كل الأحوال خلق الفعل في العبد ومن العباد التسبب فيها ، فالمثبت في الاستغاثة والإعانة والاستعانة لله تعالى هو الخلق والإيجاد والمثبت للعبد هو التسبب في ذلك بالدعاء والشفاعة أو غيرهما لدى من بيده الأمر كله ، والصحابة حين كانوا يستغيثون برسول الله صلى الله عليه وسلم  أو يطلبون منه الشفاعة أو يشكون حالهم إليه من فقر ومرض وعاهة وبلاء وجدب كانوا يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم  لا يفعل ذلك بقوته وإنما هو عبد لله له مقامه ووجاهته وكرامته عنده وأنه مجرد سبب من أسباب الإجابة لقضاء حوائجهم فلا يعنون من الطلب إلا وساطته عند ربه بالتوجه إليه ليدعو ويشفع ، ومع ذلك كان موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم  مع السائلين تارة الاستجابة لطلبهم وتارة يخيرهم بين الصبر وكشف البلاء كما أخبر الأعمى والمرأة التي تصرع وقتادة الذي أصيبت عيناه وتارة يقول لهم »إنما يستغاث بالله« ويقول للسائل تارة »إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله« وتارة يقول »السيد الله« [سنن أبو داود ح (4806) ، مسند أحمد (4 : 24-25] ومرة يقول »أنا سيد ولد آدم« [سنن الترمذي ح (3615)ن وهو عند مسلم (2278) عن أبي هريرة] ، وواضح من اختلاف أجوبته للسائلين أنه كان يراعي حالة السائل حين يسأله فيجيبه بما يقضي به رسوخ الاعتقاد في قلبه وعدم الغفلة عن الفاعل المختار وسد باب الاتكال على سواه وليس مراداً أن لا يطلب ذلك إلا من الله ، ومما يدل على أنه ليس القصد أن لا يطلب العبد ذلك إلا من الله منعه صلى الله عليه وسلم  لمن قالوا : قوموا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم  من هذا المنافق فقال لهم »إنما يستغاث بالله ولا يستغاث بي«[ مجمع الزوائد (10 : 159).] في الوقت الذي لا يجهل أحد أن الاستغاثة بالحي في مثل ما طلبوه غير ممنوعة وهو ردع المنافق الذي تأذوا منه وقد قال تعالى : {فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه } ، وإنه لا يغيب عن فهم المؤمن أن الصحابة حين كانوا يستغيثون برسول الله صلى الله عليه وسلم  أو يطلبون منه أمرًا أو يشكون إليه حالهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  حين كانوا يجيبهم على ما طلبوه من حاجات لم يقل لهم أن الأمر لا يحتاج إلى وسيلة واشكوا حالكم إلى الله تعالى لأنه قريب مجيب لا حجاب بينه وبين خلقه فتوجهوا إليه بالطلب رأسا لأنه من المعلوم أنه وإن كان المدعو أقرب فإن العبرة في قبول الدعاء إنما هو بأقربية الداعي كما قال تعالى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} ،

 

[  2  ] : أدلة الاستغاثة من الكتاب والسنة  :   ( أولا ) : الأدلة من الكتاب :

( 1 ) قال تعالى : {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} الآية.. ، إذ تطلبون منه النفع لأنه مالك النفع والضر وحده فهو النافع الضار على الحقيقة ابتداء واستقلالا وهو مجيب الدعوات وقاضي الحاجات ومستجيب الدعوات ويتقبل شفاعة الشافعين بإذنه وإذا رضي لمن يشاء من عباده وفي من يشاء تفضلًا ومر ما على الداعي والمتوسل فلا يجب عليه شيء ولا يلزمه شيء ،

( 2 ) قال تعالى : {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ } ، فاستغاث به الذي هو من شيعته به ومن هنا يعلم أن الاستغاثة بالمخلوقات هي طلب الغوث فيما يقدر عليه ، ومنه الدعاء والتوسل في قضاء الحوائج من الأنبياء والصالحين ،  فيعلم من هذا أن الاستغاثة إذا أطلقت على المخلوق فهي من قبيل الاشتراك اللفظي والمجاز وكل المؤمنين يعلمون أن المغيث هو الله وما النبي أو الولي إلا من قبيل التسبب ،

 

(  ثانيا ) : الأدلة من السنة : ( 1 ) روى البخاري في صحيحه : » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : »إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن ، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ، ثم بموسي ، ثم بمحمد ، فيشفع ليقضى بين الخلق …. « [صحيح البخاري ج 1475 (2 : 536)] ، قلت : وهذا يؤيد ما جاء في الآية الكريمة وأن الاستغاثة بالمخلوقات ليست عبادة وإلا لما جرأ أحد على عبادة غير الله في ذلك المحشر العظيم وبمحضر من الأنبياء بل ومن رب العزة ،

( 2) روى البخاري في صحيحه من كتاب الاستسقاء عن أنس بن مالك : » أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم  يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم  قائما فقال : يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فأدع الله يغيثنا -أي يمطرنا- قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم  يديه فقال : اللهم اسقنا ، اللهم أسقنا ، اللهم اسقنا ، قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال : فطلعت من وراءه سحابة مثل الترس ثم انتشرت ، ثم أمطرت… « [صحيح البخاري (1013ن 1016 ، 1017 ، 1019)] ،

( 3 ) عن عثمان بن حنيف قال في رواية الترمذي : أن ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال : أدع الله أن يعافيني قال : إن شئت دعوت ، وإن شئت صبرت ، قال : فادعه ، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء »اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في «[ الترمذي ح 3578 (5 : 569)] ، وفي رواية ابن ماجة : أنه أمره بصلاة ركعتين بعد الوضوء وقال في آخره : »يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه … « [سنن ابن ماجة (1385)] الحديث قال في تحفة الأحوذي وزاد النسائي في آخره : »فرجع وقد كشف الله عن بصره« [النسائي ح 10495 (6 : 169)] وفي رواية الطبراني قال ابن حنيف : »فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط« [المعجم الكبير الطبراني ح 8311 (9 : 30).] ، وروى الطبراني في معجمه » أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له وكان عثمان رضي الله عنه لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقى الرجل عثمان بن حنيف فشكى ذلك إليه فقال عثمان بن حنيف : أئت الميضأة فتوضأ ثم أئت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل »اللهم أني أسألك … إلخ الدعاء … وأذكر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ما قاله له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان رضي الله عنه فأجلسه معه على الطنفسة وقضى حاجته« [ الطبراني في الصغير (1 : 306) والكبير (9 : 30)] ،

( 4 ) روى الطبراني وأبو يعلى في مسنده وابن السني في عمل اليوم والليلة عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  »إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله احبسوا علىّ ، يا عباد الله احبسوا علىّ ، فإن لله في الأرض حاضرا سيحبسه عليكم« ، وفي رواية أخرى لهذا الحديث : »إذا ضل أحدكم شيئا ، أو أراد أحدكم غوثا ، وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل : » يا عباد الله اغيثوني يا عباد الله اغيثوني ، فإن لله عبادا لا نراهم« [ الطبراني ح 10518 (10 : 217) ، وأبو يعلي ح 5269 (9 : 177] ، رواها الطبراني في الكبير وقال بعد ذلك : وقد جُرب ذلك ، ورواه البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ : »إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله أعينوني« وحديث البزار هذا حسنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار  [شرح ابن علان على الأذكار (5 : 151).] ، وقال الحافظ الهيثمي عنه في المجمع رجاله ثقات [مجمع الزوائد للهيثمي (10 : 132)] ، قلت : وفي هذا الحديث يتكرر الإذن بالاستغاثة بالمخلوقات مع أن الاستغاثة بهم من قبيل المجاز وطلب العون فيما يقدرون عليه والله هو الذي أقدرهم عليه وليس من الشرك في شيء ،

( 5 ) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري  [قتح الباري (8 : 578-579).] : أخرج قصة عاد الثانية أحمد بإسناد حسن عن الحارث بن حسان البكري قال : »خرجت أنا والعلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  …. الحديث – وفيه- فقلت : أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد ، قال وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث ولكنه يستطعمه … « [ مسند أحمد ح (15996) (3 : 482)] ، قلت : وهذه الاستعاذة وردت صريحة بالرسول ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم  يعلم أن هذا الصحابي يعلم الفرق بين الألفاظ إذا أطلقت في حق المولى سبحانه وتعالى وإذا أطلقت في حق المخلوقات فهي من الله ابتداء واستقلالا ونفعا وضرا ومن العبيد والخلق تسببًا ،

( 6 )  أخرج أبو يعلى الموصلي في مسنده [مسند أبي يعلى ح (6584) (11 : 462)] عن أبي هريرة رضي الله عنه «قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول والذي نفس أبي القاسم بيده لينـزلن عيسى بن مريم إماما مقسطا وحكما عدلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنـزير وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء وليعرضن عليه المال فلا يقبله ، ثم لئن قام على قبري فقال : يا محمد لأجبته» ، وأخرجه الحاكم في المستدرك وفيه «… وليأتين قبري حتى يسلم على ولأردن عليه» [ مسند أبي يعلى ح (6584) (11 : 462)] ، وهذا الحديث فيه دلالتان : الأولى : فضيلة زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، الثانية : جواز النداء للرسول صلى الله عليه وسلم  بعد وفاته ،

( 7 ) أخرج البخاري في صحيحه في كتاب (أحاديث الأنبياء)[ البخاري ، ح(3365)] من قصة سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وعن أم إسماعيل وهي تبحث له عن الماء ثم قالت : «لو ذهبت فنظرت ما فعل ، فإذا هي بصوت فقالت : أغث إن كان عندك خيرٌ ، فإذا جبريل...» الحديث ، ففي الحديث استغاثت بمن لا تراه ثم ظهر لها الملك ،

 

[  3  ] : الاستغاثة من فعل الصحابة وأقوالهم رضي الله عنهم :

( 1) استسقاء الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم  بعد وفاته : روى ابن أبي شيبة والبيهقي بسند صحيح ورواه – في دلائل النبوة البيهقي بسنده إلى الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار وكان خازن عمر قال : »أصاب الناس قحط في زمن عمر رضي الله عنه فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم  فقال : يا رسول الله استسق لأمتك فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المنام فقال : ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبره أنهم مسقون وقل له عليك الكيس. قال فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر رضي الله عنه وقال : يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه ، فهذا الرجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  بعد وفاته وطلب منه الاستسقاء لأمته فلو كان الطلب منه بعد انتقاله محرما لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولم يلمه عمر ولا أحد من الصحابة على فعله بل صدق رؤيته واستسقى بالمسلمين [صحح هذا الحديث إلى مالك الدار الحافظ ابن حجر في فتح الباري وأقر ابن تيمية بثبوته في اقتضاء الصراط المستقيم (ص373) ، ورواه ابن أبي شيبة (6 : 356).] ،

(2) ومما قاله حسان بن ثابت في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يَا رُكنَ مُعتَمِدٍ وَعِصْمَةَ لائِذٍ * ومَلاذَ مُنتجعٍ وَجَارَ مُجَاوِرِ ) ...

 

[  4  ] : خاتمــة : هكذا ترى أن الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم  وقعت : قبل خلقه وذلك في قوله تعالى : {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : »كانت أهل خيبر تقاتل غطفان كلما التقوا هزمت غطفان يهود. فعاذت يهود بهذا الدعاء : اللهم إنا نسألك بحق النبي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا التقوا ودعوا بهذا الدعاء فتهزم يهود غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم  كفروا به فأنـزل الله عز وجل : {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} أي يدعون بك يا محمد إلى قوله : {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} » ، ووجه الدلالة في الخبر أن الله سبحانه تعالى أقرهم على توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم  قبل وجوده وإنما ذمهم على جحودهم بعد ظهوره صلى الله عليه وسلم ، ثم في حياته والأدلة من السنة متضافرة وبعد مماته وقد فعلها الصحابة سواء من طلب الاستسقاء أو فعل الصحابة في حربهم لمسيلمة في اليمامة ، وبادئ ذي بدء أننا قد أوضحنا أن لفظ الاستغاثة بغير الله قد ورد في القرآن وأمام نبي من أولى العزم ولم ينه عنه ولم يقرعه الله على ذلك ، فكان على من يتشدقون بتكفير المسلمين واتهامهم بالشرك والكفر : أن يتثبتوا من حقيقة قصد من يتلفظ بلفظ الاستغاثة أو الشفاعة أو الاستعانة بالنبي أو الولي أو الصالح من أهل التوحيد ، وأن يفرقوا بين مدلولات الألفاظ إذا أطلقت في حق المولى سبحانه وتعالى فهي الطلب والدعاء في جلب نفع أو دفع ضر ابتداء و استقلالا منه سبحانه وتعالى فهو القادر عليه ووليه وأما من غيره من الخلق فليست أكثر من طلب الدعاء والتسبب ولا يغل قلب المؤمن على غير هذا ، أسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم )  [ كلمة هادئة في الاستغاثة د عمر عبد الله كامل ] ،

 

( تنبيه ) : كل ما يجري على الاستغاثة من مسائل وأحكام فإنه يجري على الاستعانة ، وذلك لأنّ معناهما واحد هو طلب العون والغوث ، وإنما الفرق أنّ الاستعانة تكون غالباً في الرخاء ، والاستغاثة لا تكون إلا في الشدة ، والاستعانة مصدر استعان , وهي : طلب العون , والأصل في الاستعانة أنها تُطلب من الله تعالى ، لقوله تعالى : { إياك نعبد وإياك نستعين } ، وقد تكون بفعل الطاعات , كقوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة } ، أما الاستعانة بغير الله , فإن أحكامها هي نفسها التي ذكرناها في مبحث تحقيق القول في الاستغاثة ، فلا داعي للإعادة والتكرار ،

 

تحقيق القول في التوسل - وأنه من مسائل الفقه وليس العقيدة – مجدي محمد علي محمد

 

تشتمل على تلك المباحث : ( 1 ) معنى التوسل ، ( 2 ) درر ومعلومات عن التوسل جاءت في الموسوعة الفقهية ، ( 3 ) خطأ في فهم المقصود من التوسل ، ( 4 ) تحرير المعنى المقصود من التوسل ، ( 5 ) أنواع واقسام التوسل ، ( 6 ) أدلة التوسل وتقييمها شرعاً ، ( 7 ) هل هناك فرق بين التوسل بذوات الأنبياء والصالحين ، وبين التوسل بالعمل الصالح ، ( 8 ) هل هناك فرق في التوسل بالصالحين بين الحي والميت ، ( 9 ) لا يوجد في الشرع دليل واحد يمنع من التوسل الصحيح بكافة انواع التوسل ، ( 10 ) هل التوسل من أبواب العقيدة أم أبواب الفقه ، ( 11 ) التوسل في مذاهب الفقهاء الأربعة والعلماء ، ( 12 ) أخطاء الطوائف المعاصرة المنتسبة إلى أهل السنة في باب التوسل ، ( 13 ) مبحث جيد عن التوسل منقول من كتاب الدلالة النورانية للشيخ حسني الشريف ،

***

( 1 ) معنى التوسل

التوسل في اللغة : هو ما يتقرب به إلى الغير ، قال الجوهري في الصحاح مادة (( وسل )) ( 5 : 1841 ) : ( الوسيلة : ما يتقرب به إلى الغير ، والجمع : الوسيلة والوسائل ، والتوسيل والتوسل واحد يقال : وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل ) اهـ ، وجاء في لسان العرب الوسيلة : المنزلة عند الملك والدرجة والقربة ، ووسل فلان إلى الله وسيلة : إذا عمل عملاً تقرب به إليه ، والواسل كالراغب إلى الله.. اهـ ،  والتوسل في الشرع : هو ما يُتقرب به إلى الله تعالى ، قال الإمام القرطبي فى تفسيره    ( ص 2156 ، طبعة الشعب ) : قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } ، الوسيلة : هى القربة عن أبي وائل ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وعطاء ، والسُدِّي ، وابن زيد ، وعبد الله بن كثير ، وهى فعلية من توسلت إليه أى تقربت .. والوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها ) أهـ ، ابن كثير  في تفسيره ( 3 : 97 ) : ( الوسيلة هي ما يتوصل بها إلى تحصيل المطلوب ) اهـ ، وجاء تفسير أبو السعود ( {وَابْتَغُوا} أي اطلبوا لأنفسكم {إِلَيْهِ} أي إلى ثوابه والزلفى منه {الْوَسِيلَةَ} هي فعلية بمعنى ما يتوسل به ويتقرب به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا أو تقرب إليه بشيء.. وقبل الجملة الأولى يعني {اتَّقُوا اللَّهَ} أمر بترك المعاصي ، والثانية يعني {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أمر بفعل الطاعات ) أهـ [ تفسير أبو السعود ، ج1 ، ص371 ] ،

 

( 2 ) درر ومعلومات عن التوسل جاءت في الموسوعة الفقهية

( أ ) التوسل لغة : التقرب . يقال : توسلت إلى الله بالعمل : أي تقربت إليه , وتوسل إلى فلان بكذا : تقرب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه . والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود . قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } ووسل إلى الله تعالى توسيلا : عمل عملا تقرب به إليه كتوسل . والواسل : الراغب إلى الله تعالى . ولا يخرج التوسل في الاصطلاح عن معناه في اللغة , فيطلق على ما يتقرب به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المنهيات , وعليه حمل المفسرون قوله تعالى : { وابتغوا إليه الوسيلة } ،  ( ب ) ويطلق التوسل أيضا على التقرب إلى الله بطلب الدعاء من الغير , وعلى الدعاء المتقرب  به إلى الله تعالى باسم من أسمائه , أو صفة من صفاته , أو بخلقه كنبي , أو صالح , أو العرش , وغير ذلك . على خلاف وتفصيل بين الفقهاء كما سيتضح ،  ( ت ) من الألفاظ ذات الصلة بموضوع التوسل : ( الاستعانة ) ، والاستعانة لغة طلب العون , وفي الاصطلاح كذلك . وتكون الاستعانة بالله وبغيره , أما الاستعانة بالله فهي مطلوبة في كل خير , وأما الاستعانة بغير الله ففيها تفصيل يرجع إليه في مصطلح استعانة ، والتوسل والاستعانة لفظان متساويان لغة واصطلاحا ،  و ( الاستغاثة ) : وهي طلب الغوث والنصر , وفي الاصطلاح كذلك . والاستغاثة غير التوسل ; لأن الاستغاثة لا تكون إلا في حال الشدة , والتوسل يكون في حال الشدة وحال الرخاء ،  ( ث ) اتفق الفقهاء على أن التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته مستحب لأي شأن من أمور الدنيا والآخرة ، وأجمع الفقهاء على جواز التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان متقربا بها إلى الله تعالى ،  ( ج )  التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم : لا خلاف بين العلماء في جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في : طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا وطلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة والتوسل بالنبي على معنى الإيمان به ومحبته ، وذلك كأن يقول : أسألك بنبيك محمد ويريد : إني أسألك بإيماني به وبمحبته , وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته , ونحو ذلك , ( ح )  التوسل بالنبي بعد وفاته : اختلف العلماء في مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كقول القائل : اللهم إني أسألك بنبيك أو بجاه نبيك أو بحق نبيك , على أقوال : [ القول الأول ] : ذهب جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة ) إلى جواز هذا النوع من التوسل سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ،  [ القول الثاني ] : في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته : التوسل بمثل قول القائل : بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك , أو بحق البيت فقد ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى كراهته . قال الحصكفي : لأنه لا حق للخلق على الله تعالى وإنما يخص برحمته من يشاء من غير وجوب عليه . قال ابن عابدين : قد يقال : إنه لا حق لهم وجوبا على الله تعالى لكن الله سبحانه وتعالى جعل لهم حقا من فضله , أو يراد بالحق الحرمة والعظمة , فيكون من باب الوسيلة , وقد قال تعالى : { وابتغوا إليه الوسيلة } ، [ القول الثالث ] : في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته : ذهب تقي الدين بن تيمية وبعض الحنابلة من المتأخرين إلى أن التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز ،  ( خ ) لا يخرج حكم التوسل بالصالحين من غير النبي عما سبق من الخلاف في التوسل به صلى الله عليه وسلم ) أهـ [ الموسوعة الفقهية – وزارة الأوقاف – دولة الكويت – مادة وسل ]

 

( 3 ) خطأ في فهم المقصود من التوسل

ظن البعض أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل ، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك ، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد ، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله ، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا ،  وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل ، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا ، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل بين طوائف أهل السنة والجماعة ، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل ، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل ، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه ، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه ، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل ، قال الشوكاني رحمه الله – وهو يحاول تصحيح هذا الخطأ - : (وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ونحو قوله تعالى { فلا تدعوا مع الله أحداً } ونحو قوله تعالى { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء } ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النـزاع بما هو أجنبي عنه ، فإن قولهم { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } مصرح بأنهم عبدوهم لذلك ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك ، وكذلك قوله { ولا تدعوا مع الله أحداً } فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم وكذلك قوله { والذين يدعون من دونه } الاَية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه ، وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النـزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله } فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء ، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين ، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله { ليس لك من الأمر شيء } { قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً } فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره ، وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء ، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين } يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً ، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئا ً ، فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه ، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله ، وهذا معلوم لكل مسلم وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين )) أهـ [ رسالته الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ] ،  ويمكن القول بأن الذين يفسرون الشرك بالتعلق والتوسل بغير الله ، إنما يصح كلامهم هذا إذا اعتقد الانسان بتأثير الوسائل والاسباب على نحو الاستقلال والاصالة ، أما إذا اعتقد بأنها تؤثر بإذن الله فإنه لاشك لا علاقة له بالشرك ، لاسيما إذا اتخذ الوسائل المشروعة للقربى من الله ،

 

( 4 ) تحرير المعنى المقصود من التوسل

التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله ، ولا يرجو سوى الله ، ولا يدع إلا الله وحده ، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم - هو المالك القادر المهيمن ، وهو وحده المعطي والمانع ، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة - رجاء قبول مبتغاه عند الله ،  وليس التوسل - أبداً - اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، كما كان يفعل المشركون بقولهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ  } [ الزمر : 3 ] ، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله ، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله ، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله ، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان ، ويشهد بالشهادتين ( لا إله إلا الله  -  محمد رسول الله ) ، عن يقين واعتقاد ، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان ، ويزعم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ساحر كذاب ، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } [ ص : آية 4 إلى آية 8 ] ، فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان ، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم ، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية ، قال تعالى : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ  } [ الزمر : 3 ] ، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من ( التوسل ) إذا قاله المسلم ، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام ، وهنا إذ تحرر موضع النزاع في معنى التوسل ، بقي أن نعلم ما هي أنواع التوسل الجائزة شرعا ، فنقول لها سمعاً وطاعةً ، ولا نتقدم على الشرع الحكيم برأي أو هوى أو غلو أو تقصير ، أو إفراط او تفريط ،

 

أنواع واقسام التوسل

من جهة الاتفاق والاختلاف بين طوائف أهل السنة والجماعة ، فإن هناك قسمان ، [ القسم الاول ] : متفق عليه ، ويشمل التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، كقوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [ الأعراف : 180 ] ، والتوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة ، كحديث الغار المتفق على صحته ، وفيه توسل الثلاثة بالعمل الصالح ، والتوسل إلى الله تعالى بدعاء المسلم الحي لأخيه ، كما في الحديث الذي أخرجه أخرج أبو داود والترمذي في سننهما (( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قـال : استأذنت رسـول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة ، فأذن لي ، وقـال لي : لا تنسنا يا أخي من دعائك ، أو قـال : أشركنا يا أخي في دعائك ، قال عمر : فقال كلمة مـا يسرني أن لي بها الدنيا )) ، فهذا من التوسل المتفق عليه بين طوائف أهل السنة ، والتفصيل فيه لا داعي له لأنه تحصيل حاصل بحمد الله تعالى ، [ القسم الثاني ] : مختلف فيه ، ويشمل التوسل إلى الله تعالى بذات وشخص المتوسل بهم من الانبياء والصالحين ، والتوسل إلى الله تعالى بحق الأنبياء والصالحين ، أو جاههم ، أو حرمتهم ، وهذا القسم ينبغي فيه الرد إلى الكتاب والسنة ، كما أمرنا الله تعالى بقوله سبحانه : { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [ الشورى : 10 ] ، وقوله تعالى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] ،

 

( 5 ) أدلة التوسل وتقييمها شرعاً

( تنبيه ) : انظر لتفصيل هذا المبحث كتاب رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل و الزيارة للشيخ الفاضل محمود سعيد ممدوح فأكثره مستفاد منه جزاه الله خيرا ،

[ الدليل الأول ] : قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ المائدة : 35 ] ، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته ، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل ، 

[ الدليل الثاني ] : قال تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } [ الإسراء : 57 ] ، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته ، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل ،

[ الدليل الثالث ] : قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } [ النساء : 64 ] ، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي ، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية ، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فقط ، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة ، قال المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم ، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة ) [ الموسوعة الفقهية : مادة وسل ] : إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وسلم في قبره لحال أمته – سياتي بيان أدلتهم - ، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته ، ومن فرق بين حياته وموته صلى الله عليه وسلم فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريمة ،

[ الدليل الرابع ] : أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه : (( حدثنا عمرو بن علىّ ، قال : حدثنا أبو قتيبة ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال : سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي  طالب : ( وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال عصمة للأرامل ) ، وقال عمر بن حمزة : حدثنا سالم عن أبيه "ربما ذكرت قول الشاعر ، وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي ، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب : ( وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *  ثمال عصمة للأرامل ) وهو قول أبي طالب )) [ أخرجه البخاري : ح 963 ] ، وفي فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه جواز التوسل إلى الله تعالى بوجه الرسول صلى الله عليه وسلم في قضاء الحاجات ومنها نزول المطر ، ولكن قد ترد عليه شبهة أن المقصود هو التوسل بذات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حياته ووجوده وقيامه بالدعاء ، والامر محتمل ، ولكن إذا ثبت ان مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته لم تنقطع عنها بوفاته ، فلا فرق إذن عند التوسل به في حياته أو بعد انتقاله للرفيق الاعلى حديث الاستسقاء بالعباس ،

[ الدليل الخامس ] : أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه : (( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال : (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا )) . قال فيسقون )) [ أخرجه البخاري : ح 964 ] ، قال ابن حجر في الفتح : " ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة ) أهـ [ فتح الباري ج 2 : 494 ] ، والحديث صريح في التوسل بالصالحين ، لا سيما إذا كانوا من أهل البيت النبوي عليهم السلام ، ولكن قد يرد عليه اعتراض أن الصحابة كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، فلما انتقل إلى الرفيق الاعلى كان توسلهم بالعباس رضي الله تعالى عنه ، بمعنى أنه يدعو لهم الله تعالى وهم يؤمنون على دعائه ، ولكن قد يرد على الاعتراض اعتراض أنه ليس في الحديث  ما يدل على تحريم التوسل بذات العباس على المعنى الصحيح للتوسل ، ولا في الحديث ما يدل على تحريم التوسل به صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله للرفيق الأعلى سبحانه ،

[ الدليل السادس ] : أخرج الإمام أحمد في المسند (4 : 138 ) ، والترمذي في سننه (تحفة 10 : 132 ، 133) ،  : حدثنا عثمان بن عمر ، أخبرنا شعبة بن أبي جعفر ، عن عمارة بن خزيمة ابن ثابت عن عثمان بن حنيف : ((  أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (ص ) فقال : ادع الله أن يعافيني قال : إن شئت دعوت وإن شئت صبرت  فهو خير لك ، قال : فادعه ، قال : فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك  محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه  لتُقضى لِي اللهم فشفعه في )) [ أخرجه الإمام في المسند [4 : 138] ، والترمذي [4 : 281-282 بشرح التحفة] وابن ماجة [1 : 418] والنسائي في عمل اليوم والليلة [ص 417 ] ، والبخاري في التاريخ الكبير [ 6 : 210 ] والطبراني في الكبير [3 : 2 : 2] ، وفي الدعاء أيضاً [2  : 1289 ] والبيهقي في دلائل النبوة [ 6 : 166 ] ، والحاكم [1 : 313] كلهم من طريق عثمان بن عمر (شيخ أحمد فيه) : أنا شعبة عن أبي جعفر المدني قال : سمعت  عمرة بن خزيمة يحدث عن عثمان به ، وقال الترمذي : "حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي " ، وفي ابن ماجة " قال أبو إسحاق : حديث صحيح " ثم رواه أحمد : ثنا شعبة به وفيه الرواية الأخرى ، وتابعه محمد بن جعفر ثنا شعبة به. رواه الحاكم [1 : 519] وقال : " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي ،  وقد أعله بعضهم بأن في اسناده أبا جعفر ، قال الترمذي : " لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر ، وليس الخطمي " فقالوا : هو إذا الرازي ، وهو صدوق ولكنه سيء الحفظ ، ولكن هذا مدفوع بأن الصواب أنه الخطمي نفسه. وهكذا نسبه أحمد في رواية له [4 : 138]. وسماه في أخرى : " أبا جعفر المدني " وكذلك سماه الحاكم. والخطمي هذا لا الرازي هو المدني. وقد ورد هكذا في " المعجم الصغير " للطبراني ، وفي طبعة بولاق من سنن الترمذي أيضاً. ويؤكد ذلك بشكل قاطع أن الخطمي هذا هو الذي يروي عن عمارة بن خزيمة ويروي عنه شعبة كما في إسناده هنا ، وهو صدوق ، وعلى هذا فالإسناد جيد لا شبهة فيه ، وقد جاءت زيادة موقوفة عن المرفوع ، قال الطبراني في المعجم الصغير ( 1 : 184 ) : حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس المقري المصري التميمي ، حدثنا أصبغ بن الفرج ، حدثنا عبد الله بن وهب عن شعيب بن سعيد المكي ، عن روح بن القاسم ، عن أبي جعفر الخطمي المدني ، عن أبي أمامة ابن سهل ابن حنيف ، عن عمه عثمان بن حنيف : ((  أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له ، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه ، فقال له عثمان بن حنيف اءت الميضاة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك ، وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك (ربي) جل وعز فيقضي لي حاجتي ، وتذكر حاجتك. ورح إليّ حتى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قاله عثمان ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال : حاجتك ؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له : ما كرت حاجتك حتى كانت هه الساعة ، وقال : ما كانت لك من حاجة فأتنا ، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف ، فقال له : جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته في ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذلك ذهاب بصره ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (أفتبصر ؟) ، فقال : يا رسول الله إنه لي قائد وقد شق علي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ايت الميضأة فتوضأ ، ثم صل ركعتين ، ثم ادع بهذه الدعوات . قال عثمان ابن حنيف : (( فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط ))  [ أخرجه من هذا الوجه الطبراني في الكبير ( 9 : 17 ) ، وفي الدعاء     (2 : 1288) ، والبيهقي في دلائل النبوة ( 6  : 167 – 168 ) . ] ، وقد اختلف في صحة هذه الرواية الموقوفة لعدة أسباب تقبل الأخذ والرد والاجتهاد ، منها أن شيخ الطبراني (طاهر بن عيسى ) ، مجهول في زعم البعض ، ولكن يرده أن الطبراني صحح الحديث ، وتصحيحه يعني توثيق رجال إسناده ومنهم شيخه طاهر بن عيسى المصري وهو أعلم به من غيره ، ومنها أن شبيب بن سعيد الحبطي تفرد بالقصة ، وهو ضعيف الحفظ عند البعض ، ولكن  قد وثقه علي بن المديني ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، والدار قطني ، والطبراني ، وابن حبان والحاكم ، وقال أبو زرعة ، وأبو حاتم والنسائي : لا بأس به ،

[ الدليل السابع ] : قال الطبراني في المعجم الكبير (24 : 352 حديث) رقم (871) : حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة ، ثنا روح بن صلاح ، ثنا سفيان الثوري ، عن عاصم الأحول ، عن أنس بن مالك قال : لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عند رأسها فقال : ((رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي ، تجوعين وتشبعيني وتعرين وتكسيني وتمنعين نفسك طيباً وتطعميني ، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة )) ، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون ، فحفروا قبرها ، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأخرج ترابه بيده ، فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه ثم قال : (( الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت  أسد ولقنها حجتها ، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك  والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين )) ، وكبر عليها أربعاً وأدخلوها اللحد هو والعباس ، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما ، ورواه من هذا الوجه الطبراني في الأوسط ( 1 : 152) ، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ( 3 : 121 ) ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 9 : 257 ) : رواه  الطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه روح بن صلاح وثقة ابن حبان ، والحاكم ، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح . اهـ ، وروح بن صلاح قد اختلف فيه فوثقه قوم وضعفه آخرون فمثله يحتاج لإعمال النظر لبيان حاله ، فقال عنه الحاكم في سؤالات السجزي : ثقة مأمون ، وذكره ابن حبان في الثقات (8 : 244 ) ، وروى عنه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (3 : 406)    فهو ثقة عنده ، قال الفسوي (التهذيب : 11  : 378 ) : كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات . اهـ . أما من ضعفه فالدارقطني في المؤتلف والمختلف للدارقطني (3 : 1377 ) قال : روح بن صلاح  ابن سيابه يروي عن ابن لهيعة وعن الثوري وغيرهما كان ضعيفاً في الحديث سكن مصر . اهـ . ، ومثله لابن ماكولا في الإكمال (5 : 15) وابن عدي في الكامل (3 : 1005) ،

[ الدليل الثامن ] : أخرج الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (كشف الأستار : 1 : 397 ) : حدثنا يوسف بن موسى ، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شرٍ استغفرت لكم )) ، قال الحافظ العراقي في  (طرح التثريب ) ( 3 : 297) : إسناده جيد ، وقال الهيثمي في ( مجمع الزوائد) (9 : 24) : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح . اهـ ، وصححه السيوطي في الخصائص (2 : 281 ) ، وفي تخريج الشفا ، والحديث أيضاً فيه مقال من جهة عبد المجيد بن أبي رواد ، فقد ضعفه البعض ، قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (4 : 148 ) : (   أخرجه البزار من حديث عبد الله بن مسعود ، ورجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد ، وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين ، والنسائي ، فقد ضعفه كثيرون ، ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بنحوه بإسنادٍ ضعيف )  اهـ ،

[ الدليل التاسع ] : أخرج الإمام أحمد في المسند (3 : 21) ، وابن ماجه في سننه ( 1 : 256 ) ، وابن خزيمة في التوحيد (17 ، 18) ، والطبراني في الدعاء (2 : 990 ) ، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص40) ، وابن أبي شيبة في المصنف (10 : 211-212) ، والبيهقي في (الدعوات الكبير) (ص47) ، جميعهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله  : (( من خرج من بيته إلى الصلاة فقال : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ، وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمع وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك )) ، أخرجه ابن ماجه في سننه ( 1 : 256 ) : حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري ، ثنا الفضل بن الموفق أبو الجهم ، ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من خرج من بيته إلى الصلاة فقال : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ، وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة وخرجت  اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك ) ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (3 : 21) عن يزيد بن هارون ، وابن خزيمة في التوحيد (17 ، 18) عن ابن فضيل بن غزوان وأبي خالد الأحمر ، والطبراني في الدعاء (2 : 990 ) وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص40) كلاهما عن عبد الله بن صالح العجلي ، والبيهقي في (الدعوات الكبير) (ص47) عن يحيى بن أبي كبير ، كلهم عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه به مرفوعاً ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (10 : 211-212) عن وكيع وأبى نعيم الفضل بن دكين كما في (أمالي الأذكار) (1 : 273) ،   كلاهما عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري موقوفاً عليه ، وقد حسن الحديث جمع من الحفاظ منهم الحافظ الدمياطي في المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح (ص471_472) ، والحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ الحافظ المنذري كما في التريب والترهيب (3 : 273) ، والحافظ العراقي في تخريج أحاديث الحياء (1 : 291) ، والحافظ بن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار (1 : 272) ، وقال الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة (1 : 99) : لكن رواه  ابن خزيمة في صحيحه ، من طريق فضيل بن مرزوق ، فهو صحيح عنده . اهـ ، ومع قبول هؤلاء الحفاظ للحديث إلا أن الحديث به ثلاث علل ، تتمثل في  الكلام في فضيل بن مرزوق ، والكلام في عطية العوفي ، والاختلاف بين وقف الحديث ورفعه ، أما فضيل بن مرزوق فهو من رجال مسلم في صحيحه ، ووثقه جماعة من الأئمة منهم : العجلي في ثقاته (ص384) فقال : جائز الحديث ، ثقة ، ووثقه السفيانان : ابن عيينة ، والثوري ، وقال ابن عدي في الكامل (6 : 2045) : ولفضيل أحاديث حسان ، وأرجو أنه لا بأس به ،  وقال أحمد بن حنبل كما في الجرح (7 : 75) : لا أعلم إلا خيراً ، ووثقه ابن شاهين بإدخاله في الثقات (ص185) ، وكذا ابن حبان فذكره في الثقات ( 7  : 316 ) ، والإمام مسلم أدخله في صحيحه ، واحتج به ، أما من تكلموا فيه ، فقد قال الحاكم في (سؤلات مسعود السجزي) له : فضيل بن مرزوق ليس من شروط الصحيح فعيب على مسلم بإخرجه في الصحيح ، وقال الذهبي في سير النبلاء (7 : 342) : إنما يروي له مسلم في المتابعات ، وقال أبو حاتم  الرازي (7 : 75 الجرح) : صدوق صالح الحديث يهم كثيراً يكتب حديثه ، قال ابن أبي حاتم : يحتج به ؟ قال : لا. اهـ. ، أما عن العلة الثانية وهي الكلام في عطية بن سعد العوفي ، بسبب تدليسه وتشيعه وروايته شيئاً أنكر عليه ، وقد جرحه بعض علماء الجرح والتعديل  كما جاء في العلل ومعرفة الرجال (1 : 122) ، والجرح والتعديل (6 : 383 ) وضعفاء العقيلي (3 : 359) ، والكامل لابن عدي (5 : 2007) عطية العوفي بسبب روايتهم تدليسه تدليس الشيوخ ، قال ابن حبان في المجروحين (2 : 176) : سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث فلما مات أبو سعيد جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه ، فإذا قال الكلبي : قال رسول الله كذا فيحفظه وكناه أبا سعيد ويروي عنه ، فإذا قيل له من حدثك بهذا ؟ فيقول : حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري وإنما أراد الكلبي . اهـ ، وعلى ذلك فعطية العوفي مختلف في مدى الاحتجاج به ، فمن المحدثين من قبل حديثه ومنهم من لا يحتج به ، قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (6 : 304) : ( وكان ثقة إن شاء الله ، وله أحاديث صالحة ، ومن الناس من لا يحتج به)  اهـ ، والعلة الثالثة اختلاف المحدثين بين وقف الحديث ورفعه ، فقد قال ابن أبي حاتم في "العلل" (2 : 184) : سألت أبي عن حديث رواه عبد الله بن صالح بن مسلم ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا خرج الرجل من بيته فقال : اللهم بحق السائلين عليك وبحق ممشاي" وذكر الحديث ، رواه أبو نعيم ، عن فضيل ، عن عطية ، عن أبي سعيد موقوفاً قال أبي : موقوف أشبه . اهـ ، وأيده الذهبي في "الميزان" ، فإن الحديث قد اختلف فيه عن فضيل بن مرزوق فروى مرفوعاً وموقوفاً ،

[ الدليل العاشر ] : قال الحاكم في المستدرك (2 : 615) : حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل ، ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري ، ثنا إسماعيل ابن مسلمة ، أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لما اقترف آدم الخطيئة قال : يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي  فقال الله : يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه ، قال : يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى إسمك إلا أحب الخلق إليك ، فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك )) ، قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ، ولكن تعقبه الحافظ بقوله - في النكت على ابن الصلاح (1 : 328) -  : ( ومن عجيب ما وقع للحاكم  أنه أخرج لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال _ بعد روايته : هذا صحيح الإسناد ، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء : عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ) ، وأخرج الحديث كذلك البيهقي عن الحاكم في دلائل النبوة (5 : 489) وقال  : تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه ، وهو ضعيف ،   وقال الذهبي في تلخيص المستدرك (2 : 615) : موضوع ، وعبد الرحمن واهٍ ، رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا عن إسماعيل بن مسلمة عنه ، وقال في ترجمة عبد الله بن مسلم من الميزان (2 : 504) : روى عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه : يا آدم لولا محمد ما خلقتك ،

[ الدليل الحادي عشر ] : أخرج الحافظ الدارمي في سننه (1 : 43 – 44) : باب ما أكرم الله  تعالى نبيه بعد موته : حدثنا أبو النعمان ، ثنا سعيد بن زيد ، ثنا عمرو بن مالك النكري ، حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال : (( قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت : انظروا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كواً لى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف قال : ففعلوا ، فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق )) ، وفي اسناده أبو نعمان وهو محمد بن الفضل السدوسي الملقب بعارم ، ثقة مشهور ، وإن كان قد اختلط بآخره ، قال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته (ص426 ) : عارم محمد  ابن الفضل اختلط بأخرةٍ ، فما رواه عنه البخاري ، ومحمد بن يحيى  الذهلي ، وغيرهما من الحفاظ ينبغي أن يكون مأخواً عنه قبل اختلاطه . اهـ . ، وعقب عليه الحافظ العراقي في التقييد والإيضاح (ص462) ، فقال : وكذلك ينبغي أن يكون من حدث عنه من شيوخ البخاري ومسلم.اهـ ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي من شيوخ مسلم والبخاري فيكون الدارمي ممن حدثوا عن محمد بن الفضل السدوسي قبل اختلاطه ولا بد ، وفيه : سعيد بن زيد متكلم فيه ، لكن وثقه ابن معين ، وابن سعد ، والعجلي ، وسليمان بن حرب ، وغيرهم ، وقد احتج به مسلم في صحيحه ، وقد كفانا الحافظ الذهبي مؤنة تفصيل القول في قبول حديثه بإيراده إياه في جزء "من تكلم فيه وهو موثق" (ص85) ، وحديثهم لا ينزل عن درجة الحسن عنده ، كما صرح بلك في مقدمة الجزء المذكور (ص27) ، وفيه عمرو بن مالك النكري وثقه ابن حبان ( الثقات 7 : 228) ، وقال الحافظ في التقريب ص426) : صدوق له أوهام . اهـ ، وفيه أبو الجوزاء وهو أوس بن عبد الله البصري : ثقة احتج به الجماعة ، وقد تُكلم في سماعه من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، إلا أن حديث أبي الجوزاء عن عائشة رضي الله عنها أخرجه مسلم في صحيحه ، وكفى بهذا حجة ، كما قال البخاري في (التاريخ الكبير) (2 : 17) : قال لنا مسدد عن جعفر بن سليمان ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء قال : أقمت مع ابن العباس ، وعائشة اثنتي عشرة سنة ليس من القرآن آية وإلا سألتهم عنها ، 

[ الدليل الثاني عشر ] : أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (12 : 31-32) : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن مالك الدار ، قال : وكان خازن عمر على الطعام ، قال : (أصاب الناس قحط في زمن عمر ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتى الرجل في المنام فقيل له : ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنكم مسقيون ، وقل له : عليك الكيس ، عليك الكيس ، فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال : يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه )) ، وأخرجه من هذا الوجه ابن أبي خيثمة كما في "الإصابة"    (3 : 484) ، والبيهقي في "الدلائل" (7 : 47)) والخليلي في "الإرشاد" (1 : 313-314) ، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (2 : 464) ن وقال الحافظ في "الفتح" (2 : 459) : وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة. اهـ ، وقد صحح إسناده الحافظ ابن كثير في "البداية" (7 : 101) ، والحافظ ابن حجر في "الفتح " (2 : 495) وقال ابن كثير في جامع المسانيد – مسند عمر – (1 : 223) : إسناده جيد قوي  . اهـ ، وفي الأثر الأعمش وهو مدلس ، ولم يصرح بالسماع ، ومالك الدار : مجهول ، أما الأعمش فإن كان مدلساً إلا أنه في المرتبة الثانية من المدلسين ، وهم من احتمل الأئمة حديثهم وأخرجوا لهم في الصحيح لإمامتهم ، وقلة تدليسهم في جنب ما رووا ، فالأعمش حديثه مقبول صرح بالسماع أو لم يصرح ، والمشكلة الثانية : جهالة مالك الدار ، ومالك الدار ووثقه ابن حبان في " الثقات " (5 : 384) ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في الإرشاد (1 : 313) : مالك الدار مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تابعي قديم ، متفق عليه ، أثنى عليه التابعون . اهـ ، اما من تشدد ولم يقبل توثيق ابن حبان ، ولم يرض بكلام الخليلي ، فغاية ما في الرجل أنه تابعي مستور الحال من مستوري التابعين وقد قبل الأئمة حديثهم ، قال ابن الصلاح في مقدمته (ص145) : ( ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي (وهو قبول رواية المستور) في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بحالهم . والله أعلم ،  وبعد فتلك أهم الأدلة الواردة في باب التوسل ، ومنها يتبين أمران : ( الأول ) : أن هناك أدلة تدل على جواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم ، وبجاهه عند الله تعالى ، وحق الأنبياء والصالحين وجاههم عند الله تعالى ، ولكن هذه الادلة على كثرتها لا ترقى لان تكون أدلة قطعية الثبوت والدلالة على جواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وجاههم وحقهم على الله تعالى ، بحيث يبدع المخالف فيها ، ولكنها أدلة قوية محتملة عليها جمهور أهل العلم ، ولا يمكن إهمالها بحال من الأحوال إلا بنوع من الجفاء والتعصب البغيض ، وفي نفس الوقت لا يمكنها إلزام الخصم بقبول هذا النوع من التوسل إلا  بنوع من التعنت ، و ( الثاني ) : أن الخلاف في باب التوسل مسألة خلافية من باب الفقه وليس من باب العقيدة ، وهو خلاف يدخل فيه الاجتهاد بين صواب وخطأ ، وليس - أبداً -  خلاف عقدي بين توحيد وشرك ، أو بين إيمان وكفر ، أو بين هدى وضلال ،

 

( 6 ) هل هناك فرق بين التوسل بذوات الأنبياء والصالحين

وبين التوسل بالعمل الصالح

قال العلامة الشوكاني في رسالته الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد : (وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين : (  الأول ) ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، و ( الثاني ) : أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله ، فإذا قال القائل : ( اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني ) فهو باعتبار ما قام به من العلم ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة ) أهـ 

 

( 7 ) هل هناك فرق في التوسل بالصالحين بين الحي والميت

( أ ) هناك خلاف - اليوم -  بين السلفية والصوفية حول جواز التوسل بالصالح الميت ، وهذا الخلاف منشؤه التفريق بين الحي والميت ، فالطائفة السلفية تزعم أنه بموت الإنسان ينقطع عن الدنيا ، ولا علاقة له بها ، ولا ينتفع منها إلا من ثلاث : عمل صالح ينتفع به ، وولد صالح يدعو له ، وصدقة جارية ، وبعد ذلك فلا علاقة له باهل الدنيا ولا بأحوالهم وبالتالي فلا يجوز اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى لأنه ليس لديهم علم بمن طلب منهم التوسل واتخذهم وسيلة إلى الله تعالى ، وليست لديهم قدرة على التوسل ، بينما تزعم الطائفة الصوفية أن الأنبياء والاولياء الصالحين أحياء في قبورهم حياة برزخية كاملة ، حياتهم أكثر كمالاً  من الحياة الدنيا ، وأنهم يسمعون من يطلب منهم الإعانة ، وأنهم يتوسلون إلى الله تعالى لمن يطلب منهم التوسل ، وأنهم أقدر من الأحياء على نجدة من طلبهم ، وعلى ذلك فليس في باب التوسل فرق بين الحي والميت ، في اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى ما داموا أنبياءً أو أولياءَ صالحين ، ولذا فلابد أن نبحث أولاً في تحقيق أدلة الطرفين ، ومن ثم الرد إلى الكتاب والسنة للوصول إلى الصواب في المسالة

( ب ) تستدل الطائفة التي تُجيز التوسل بالصالح الميت على مذهبها بعدة أدلة تتمثل في  : 

[ الدليل الاول ] : قوله تعالى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 169 إلى 171 ] ، و قوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ  } [ البقرة : 154 ] ، ووجه الاستدلال في الآيتين أنه إذا كان الشهيد حياً وهو أقل منزلة من النبي والولي والصديق ، فمن باب الاولى ان يكون النبي والولي الصديق أحياءً لأنهم أعلى منزلة من الشهيد ،

[ الدليل الثاني ] : أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : ((  وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال  : هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال : أنهم الآن يسمعون ما أقول )) ،  وفي رواية في صحيح البخاري : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : يا فلان بن فلان ، ويا فلان بن فلان ، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فأنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقال عمر : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم )) ، 

[ الدليل الثالث ] : أخرج الحاكم في المستدرك  عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام )) [ أخرجه الحاكم في المستدرك ( 2 421) ،  وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الحافظ الذهبي ، وفي فيض القدير ( 2 : 479) : رواه أحمد في المسند والنسائي وابن حبان والحاكم ، قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح ، وقال الحافظ العراقي : الحديث متفق عليه دون قوله سياحين ] ، 

[ الدليل الرابع ] : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام )) [ أخرجه أبو داود وغيره وصححه النووي في رياض الصالحين وفي الأذكار ] ،

[ الدليل الخامس ] : أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر : (( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، أسال الله لنا ولكم العافية )) يقول ابن القيم في كتابه الروح : ( فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال ، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا : سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، نسأل الله لنا ولكم العافية ، وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع ، ويخاطب ، ويعقل ، ويرد ، وإن لم يسمع المسلم الرد ، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه ، وعلموا صلاته ، وغبطوه على ذلك ) أهـ ، 

[  الدليل السادس ] : قال الحافظ السيوطي (الحاوي 2 : 421) : روى الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار و التمهيد من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله : (( ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلِّم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام )) [ صححه الحافظ أبو محمد بن عبد الحق الأشبيلي. (وهو إمام في العلل ومعرفة الحديث كما في تذكرة الحفاظ للذهبي )(و أشار إلى صحة الحديث صاحب "عون المعبود " (3 : 370) ] ، 

[ الدليل السابع ] : قوله صلى الله عليه وسلم (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت لكم )) [قال الحافظ العراقي في  (طرح التثريب ) ( 3 : 297) : إسناده جيد ، وقال الهيثمي في ( مجمع الزوائد) (9 : 24) : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح . اهـ .وصححه السيوطي في الخصائص (2 : 281 ) ، وفي تخريج الشفا ] ،

[  الدليل الثامن ] : أخرج النسائي وأبو دواد وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في إثبات عذاب القبر : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر خروج الروح وقال في روح المؤمن (( فيؤتى به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألون ما فعل فلان ؟وما فعل فلان ؟فيقولون دعوه فإنه كان في غم الدنيا .فإذا قال  : أما أتاكم ؟!!قالوا ذُهب به إلى أمه الهاوية )) [ أخرجه النسائي في المجتبى [4 : 8 ] والكبرى [ 1959 ] وأبو دواد [2389 ] ، وابن حبان في صحيحه [ 3014 ] والحاكم في مستدركه [ 1 : 504 ] والحديث قال عنه الحاكم : إسناده صحيح ، وقال الحافظ العراقي إسناده جيد وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب [ 4 : 370 ] إسناده صحيح ، والحديث دليل على أن المؤمن حي حياة الأرواح وأنها تتزاور وتكلم بعضها وتحس بغيرها ،

ومن أقوال علماء المسلمين التي تدل على إدراك الأموات وسماعهم  : ما قاله ابن القيم  في كتابه "الروح" : ( المسألة الأولى : وهي هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا ؟ ، قال ابن عبد البر : ثبت عن النبي أنه قال ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام فهذا نص في أنه يعرفه بعينه ويرد عليه السلام وفي الصحيحين عنه من وجوه متعددة أنه أمر بقتلى بدر فألقوا في قليب ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم يا فلان ابن فلان و يافلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربى حقا فقال له عمر يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا فقال والذي بعثنى بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابا .وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه وقد شرع النبي لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به.. إلى أن قال : ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرا ، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرا فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال زاره هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم وكذلك السلام عليهم أيضا فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال وقد علم النبي أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية ، وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويردو إن لم يسمع المسلم الرد وإذا صلى الرجل قريبا منهم شاهدوه وعلموا صلاته وغبطوه على ذلك ) أهـ [ كتاب الروح : ص 5 وما بعدها ] ، وقال الإمام ابن مفلح في الفروع : (2 : 235) : ( ويسمع الميت الكلام ولأحمد من حديث سفيان عمن سمع أنسا عنه مرفوعا إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا وروا أبو داود الطيالسي في مسنده عن جابر مرفوعا وهو ضعيف قال أحمد يعرف زائره يوم الجمعة بعد الفجر قبل طلوع الشمس وفي الغنية يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد وأطلق أبو محمد البربهاري من متقدمي أصحابنا أنه يعرفه ، إلى أن قال  : ...قال شيخنا - أي الإمام ابن تيمية- استفاضت الآثار بمعرفته بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وأن ذلك يعرض عليه وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا وبأنه يدري بما يفعل عنده ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا وكان أبو الدرداء يقول اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبدالله بن رواحة وهو ابن عمه ولما دفن عمر عند عائشة كانت تستتر منه وتقول إنما كان أبي وزوجي وأما عمر فأجنبي تعني أنه يراها ) أهـ [الفروع : (2 : 235) ] ، وقال البهوتي في كتابه : "كشاف القناع عن متن الإقناع" (2 : 165 ( : ( ويسمع الميت الكلام بدليل حديث السلام على أهل المقابر قال الشيخ تقي الدين واستفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وإن ذلك يعرض عليه وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا وبأنه يدري بما فعل عنده ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا وكان أبو الدرداء يقول اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أجزى به عند عبد الرحمن بن رواحة وكان ابن عمه ولما دفن عمر عند عائشة كانت تستتر منه وتقول إنما كان أبي وزوجي فأما عمر فأجنبي .ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس قاله أحمد وفي الغنية يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد وينتفع بالخير ويتأذى بالمنكر عنده ) أهـ [كشاف القناع عن متن الإقناع" (2 : 165 ( ] ،  ومن الأدلة السابقة - وغيرها - استدلت الطائفة الصوفية على أن أموات المسلمين أحياء في قبورهم حياة الأرواح وأنهم يتزاورون ويكلم بعضهم بعضاً ، وإذا كان ذلك عاما في حق أموات المسلمين ، فمن باب الاولى أنه آكد في حق الانبياء والأولياء والصالحين ، وأن لهؤلاء الاكرمين ادراك بمن يزورهم ويسلم عليهم ويتوسل بهم إلى الله ، وأنهم يدعون الله تعالى - ودعاؤهم أقرب للإجابة بما لهم من منزلة عند الله تعالى -  أن يقضي حاجة من توسل بهم إلى الله ، 

( ت ) وتستدل الطائفة التي لا تُجيز التوسل بالصالح الميت على مذهبها بعدة أدلة تتمثل في  :

[ الدليل الاول ] : قوله تعالى : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } [ فاطر : 22 ] ، فالآية تدل على أنه لا يستوي الحي والميت ، وأن أهل القبور لا يسمعون ، ولكن قد يرد اعتراض بأن الآية  محمولة على حياة القلوب وموتها ، فإن القلب الحي ( وهو قلب المؤمن ) هو الذي يسمع القرآن ويتأثر به ، والقلب الميت ( وهو قلب الكافر ) لا يسمع القرآن ولا يتأثر به ، قال ابن جرير في تفسيره : ( يقول تعالى ذكره : ( وما يستوي الأعمى ) عن دين الله الذي ابتعث به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ( والبصير ) الذي قد أبصر فيه رشده؛ فاتبع محمداً وصدقه وقبل عن الله ما ابتعثه به ( ولا الظلمات ) يقول : وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان ( ولا الظل ) قيل : ولا الجنة ، ( ولا الحرور ) قيل : النار ، ... وقوله ( وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) يقول : وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله ، ومعرفة تنزيل الله ، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها ، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه ، ولا تعرف الهدى من الضلال ، وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان ، والكافر والكفر ، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ) أهـ ،  ويؤيده كذلك قول ابن جرير : في تفسير قوله تعالى { أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس }  قال : الهدى الذي هداه الله به ونور له ، هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه ، وهذا الكافر الأعمى فجعل المؤمن حيا وجعل الكافر ميتا ميت القلب( أومن كان ميتا فأحييناه ) قال : هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب وهو في الظلمات ، أهذا وهذا سواء ) أهـ  ،  وقال ابن كثير : ( وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين وهم الأحياء ، وللكافرين وهم الأموات ، كقوله تعالى : { أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها }أهـ ،  وقال : وقوله : {إن الله يسمع من يشاء } أي : يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها { وما أنت بمسمع من في القبور } أي : كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم ، وهم كفار بالهداية والدعوة إليها ، كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ، ولا تستطيع هدايتهم ) أهـ  ،  ومنه نعلم أن المقصود هو سمع الهداية لا السمع الحسي ، ولذلك فليس وجه الشبه بين من في القبور وبين الكفار هو السمع الحسي بل هو سمع الاستجابة والهداية فقط ، فكما أن الميت لا يستجيب لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام لأنه انتقل من دار التكليف إلى دار الجزاء فكذلك الكفّار لا يستجيبون ولا يهتدون إلى الإسلام ، فإذا تبين أن الآية التي استدلوا بها قد تحمل على السماع المؤدي إلى الإيمان ( سماع الهداية ) فلا حجة فيها على عدم سماع الأموات لاسيما وأن هناك أدلة عديدة تدل على سماع الأموات للأحياء ،

[ الدليل الثاني ] : أن جميع الأدلة التي ساقها الصوفية على ادراك الاموات من المسلمين هي أدلة خاصة لأنها تعارض الآية السابقة : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } [ فاطر : 22 ] ، وهذا الدليل بعيد لان المفسرين حملوا المقصود بالأحياء والاموات على معنى حياة القلوب بالإيمان ، وموت القلوب بالكفر ، وان القلب الحي قلب المؤمن يسمع كلام الله تعالى سماع قبول واتعاظ ، وان القلب الميت قلب الكافر لا يسمع كلام الله تعالى سماع قبول وهداية ، وبالتالي فلا تعارض بينها ، وأن الآية ليس لها علاقة بالمسألة ، والأدلة على عمومها في الدلالة على سماع الأموات للأحياء لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والأصل هو بقاء العام على عمومه حتى يرد ما يخصصه ولا يوجد له مخصص يخصصه ،

[  الدليل الثالث ] : أن الميت في دار جزاء لا دار تكليف فلا يمكن أن يعاون الحي في شيء لأنه لا تكليف عليه في البرزخ ، ولكن السادة الصوفية يردون بأن ذلك من باب النعيم والثواب لا من باب التكليف ، كما أن أصحاب الجنة يسبحون لله تعالى من باب التنعم لا من باب التكليف ، وكما أن الأنبياء يصلون في قبورهم كما في قصة الإسراء وكما أنهم نفعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بما أشاروا عليه في قصة موسى عليه السلام في تخفيف الصلاة ، فإذن ليس معاونتهم للحي من باب التكليف ، بل هم يفعلونه كما يفعلون سائر الخير من باب التنعم لا التكليف ،  وبعد ، فإنه مما سبق يتبين أن الخلاف في مسألة التفريق بين الحي والميت في مبحث التوسل خلاف فقهي يخضع للاجتهاد ، وأنه يجوز التسوية في التوسل بين الحي والميت ، لان لكلٍ منهما حياة تتعلق به يستطيع من خلالها الادراك ، كما أنه لا يجوز بحال تبديع الفريق المخالف والاعتراض عليه ، لاسيما وانه خلاف فقهي لا يجوز فيه الأمر أو النهي ، إذ لكل فقيه فيه ما يرى ، كما هو مقرر  في قواعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر - عند أهل السنة والجماعة - أنه لا أمر ولا نهي في المسائل المختلف على صحتها ، 

 

( 8 ) لا يوجد في الشرع دليل واحد يمنع من التوسل الصحيح بكافة انواع التوسل

( أ ) سبق ان ذكرنا أن ( التوسل ) معناه في الشرع : هو ما يُتقرب به إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وذكرنا أن هناك خطأ في فهم المقصود من التوسل ، أدى إلى الغلو في الحكم على التوسل وخلطه بما يتعلق بالتوحيد والشرك ، ويتمثل ذلك الخطأ في ظن البعض أنَّ التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، مع ان المتوسِّل المسلم الموحد لا يعبد إلا الله ، ولا يرجو سوى الله ، ولا يدع إلا الله وحده ، لان ( الله ) تعالى وحده – في عقيدة كل مسلم - هو المالك القادر المهيمن ، وهو وحده المعطي والمانع ، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة - رجاء قبول مبتغاه عند الله ، وليس التوسل - أبداً – من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، كما كان يفعل المشركون بقولهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) } [ الزمر : 3 ] ، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله ، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله ، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله ، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان ، ويشهد بالشهادتين ( لا إله إلا الله  -  محمد رسول الله ) ، عن يقين واعتقاد ، لا يستويان مثلا عند الله تعالى ، وعند المؤمنين ، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من ( التوسل ) إذا قاله المسلم ، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام ،  ( ب ) ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح - بذوات الانبياء والاولياء والصالحين ، وكل مسلم يعلم أن حب ذواتهم ليس حباً للأجساد ، إذ كل بنى آدم – حتى الكفار منهم – أجسادهم من طين ، ولكنه حب لما حوته تلك الذوات من الإيمان بالله والطاعة لله وتعظيم أمر الله تعالى ، ولذلك حرّم الله تعالى على الارض أن تأكل أجساد الانبياء ، إن ذوات هؤلاء معظمة في قلب كل مسلم لما حوته من تعظيم لأمر الله تعالى ، ثم أليس اعتقاد حرمة ذوات الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين هو ناشئ عن الإيمان بهم والإيمان بالرسل ، أليس هو ركن من أركان الإيمان ، لا يصح الإيمان إلا به ، وأليس جائز في دين الله تعالى ، ولا خلاف فيه بين المسلمين ، أنه يجوز التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة ، فإن حب ذواتهم واعتقاد حُرمتها ومكانتها عند الله والتقرب بذلك الحب والاعتقاد إلى الله تعالى ، أليس هذا من أعظم الإيمان والعمل الصالح ، فلم لا نحمل التوسل بذوات الانبياء واتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى بانه توسل بالأعمال الصالحة المتمثلة في اعتقاد حرمة تلك الذوات ومنزلتها العظيمة عند الله تعالى ،  ( ت ) ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح – بجاه الصالحين ، لأن الاعتراف بجاه هؤلاء هو من الإيمان والعمل الصالح ، ولولا الإيمان لما اعترف المسلم بجاه هؤلاء الصالحين عند الله تعالى ، وكل مسلم يعلم ان للأنبياء والأولياء والصالحين وجاهة عند الله ، أم يقل الله تعالى في حق موسى عليه السلام : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } [ الأحزاب : 69 ] ، وألم يصف الله تعالى عيسى عليه السلام بالوجاهة عند الله تعالى ، بقوله تعالى : { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) } [ آل عمران : 45 ] ، وألسنا نتفق أن الرسول صلى الله عليه وسلم مقدم في الوجاهة على غيره من الانبياء والمرسلين ، فأي مخالفة للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بجاه هؤلاء الوجهاء عند الله تعالى ، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بجاه الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى ، ( تنبيه ) : يظن البعض أن مجرد اعتقاد قرب الصالحين ووجاهتهم عند الله تعالى هو من الشرك ، ويظنون أن نبي الله تعالى نوح عليه السلام إنما أرسل إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً ، وهذا خطأ لأنه أرسل إليهم عندما تبدل اعتقاد صلاحهم ووجاهتهم عند الله تعالى ، باعتقاد ألوهيتهم وأنهم شركاء لله تعالى في ربوبيته ، وعبدوهم من دون الله تعالى ، بدليل قولهم كما حكاه القرآن الكريم عنهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] ، فقد أقروا بعبادتهم لهم من دون الله واتخاذهم آلهة مع الله تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم ، كما قال تعالى : { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } [ نوح : 23 ] ، وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى : { وقالوا لا تذرُنَّ آلهتكم ولا تذرُنَّ وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً  } ، قال : ( هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ، ولم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم ، عبدت ) ، والمسلم مهما بلغ اعتقاده في الصالحين ، فلن يعبدهم من دون الله ، ولن يعتقد ألوهيتهم وشراكتهم لله في استحقاق العبودية ، فشتان بين اعتقاد الوجاهة في الصالحين عند الله تعالى وهو حق وإيمان ، وبين اعتقاد استحقاقهم للعبادة من دون الله وهو باطل وشرك ،    ( ث ) ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح – بحق الانبياء والصالحين على الله تعالى ، وهو ليس بالحق الواجب على الله تعالى ، بل هو حق التفضل والرحمة والوعد الذي كتبه الله تعالى - تفضلاً - على نفسه لعباده المرسلين والصالحين والمؤمنين ، كما في قوله تعالى : { ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَ‍قًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) } [يونس : 103 ] ، وقوله تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  } [ الروم : 47 ] ، ووعد الله تعالى حق وصدق ، كما قال تعالى : { وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَ‍قًّا  } [ الكهف : 98 ] ، وقوله تعالى : { وَعْدًا عَلَيْهِ حَ‍قًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ } [ التوبة : 111 ] ، فأي مخالفة بعد ذلك للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بحق ذوي الحرمة والحقوق على الله تعالى – وهو كما أسلفنا ليس حقاً ذاتياً لهم ، بل هو الحق الذي قطعه الله تعالى على نفسه تفضلاً ورحمة - ، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بحق الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى ، ثم أليس الإيمان بان لهؤلاء المكرمين حق على الله تعالى ، هو من باب الإيمان بهم ، وهو جزء كما تقدم من الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ، وألا يصلح ذلك الإيمان أن يكون بمثابة العمل الصالح الذي نتوسل به إلى الله تعالى

 

( 9 ) هل التوسل من أبواب العقيدة أم أبواب الفقه

التوسل ليس من مباحث الاعتقاد ، ولا يوجد - في حد علمي - في السابقين من علماء السلف من جعل التوسل من أبواب العقيدة ، وإنما كانت البداية في القرن السابع عندما حدث الخلاف بين الإمام ابن تيمية وبين جماهير العلماء في عصره ، وإنما كان التوسل من موضوعات الفقه ، وهذا هو الصواب لأسباب عديدة أهمها :  ( أ )  أن حقيقته اتخاذ قربة إلى الله تعالى ، والقربة من الطاعات ، والطاعات مجالها الفقه وليس العقيدة ، إذ لا يوجد بين المسلمين من يعتقد أن لغير الله تعالى قدرة مستقلة على تصريف أو تدبير أي شيء ، بل جميع طوائف أهل السنة بمن فيهم الصوفية يعتقدون أن الأمر كله لله وحده بيده مقادير كل شيء ، ويعتقدون أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف ، لا في حياتهم ولا مماتهم ، وأن الأمر كله أولاً وآخراً لله ، وإنما التوسل بهم وطلب الدعاء منهم هو لأن دعاءهم مستجاب وهم أهل ومحل رضا الله تعالى ، فلا يوجد أي وجه لإدخال التوسل في أبواب العقيدة إلا إذا اتهمنا سواد المسلمين الأعظم بالشرك وأخرجناهم من ملة الإسلام ، ( ب )   إن أصل التوسل مشروع لا خلاف فيه ، وإنما الخلاف في بعض أنواع التوسل ، وجميعها أستدل لها مؤيدوها بأدلة مقبولة في الجملة ، وعليها جمهور علماء أهل السنة على مر عصور الإسلام ، وعلى ذلك فالخلاف فيها فقهي محض ، يدور على الاجتهاد ، ولا يجوز في أبواب الاجتهاد إلزام وأمر ونهي ، وهذا من أهم قواعد الحسبة على الدين : أن الأمر المختلف فيه لا يجوز فيه إلزام المخالف ولا أمره أو نهيه ما كان الخلاف في أمر فقهي يخضع للإجتهاد ، ولكل فريق أدلته الشرعية التي يستدل بها ، ( ت ) كما أن التوسل على أنواعٍ وأمره يدور بين الجواز والندب ، والحرمة ، وما كان أمره كذلك فهو من الأحكام الشرعية التي موضوعها علم الفقه ، وإقحام موضوعات الفقه في التوحيد والعقائد خطأ يجب مجانبته ،  ( ث ) السادة الفقهاء يذكرون استحباب التوسل أو جوازه ، في باب الاستسقاء في كتاب الصلاة وعند زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الحج ، وهذا يدل على أن بحث التوسل يخص الفقه ولا يخص العقيدة ،  ( ج ) من أمثلة ذلك الغلو في جعل التوسل من باب العقيدة وليس الفقه ، قول أحدهم : ( التوسل في الدعاء بذوات الصالحين أو حقهم أو جاههم يعتبر أمرأً مبتدعاً ، ووسيلة من وسائل الشرك ، والخلاف فيه يعتبر خلافاً في مسائل العقيدة لا في مسائل الفروع ، لأن الدعاء فيه أعظم أنواع العبادة ولا يجوز فيه إلا ما ورد في الكتاب والسنَّة ) أهـ ، والجواب على ذلك الغلو يتمثل في أن هذا الكلام به مغالطات قد لا يدركها قائل الكلام ، منها أن الدعاء من أعظم أنواع العبادة ، ولكن هل المتوسل يدعو غير الله ، إن التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله ، ولا يرجو سوى الله ، ولا يدع إلا الله وحده ، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم - هو المالك القادر المهيمن ، وهو وحده المعطي والمانع ، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة - رجاء قبول مبتغاه عند الله ، وهو في توسله إنما يتوسل اتباعاً لقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } ، وقصارى الامر أن بعض أنواع التوسل مختلف في جوازها ، ولكل فريق أدلته ، فأين هذا من علم العقيدة والخلاف في العقيدة ، إ ، محل هذا الخلاف موضوع علم الفقه ، أما علم العقيدة أو التوحيد فيتكلم في الإلهيات والنبويات والسمعيات ، فلا معنى لإدخال بحث التوسل في العقيدة ، ( ح ) ومن أمثلة ذلك الغلو في جعل التوسل من باب العقيدة وليس الفقه ، استدلالهم في تحريم بعض اقسام التوسل بقول الله تعالى  : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } ، وقوله تعالى : { فادعوا الله مخلصين } ، وهذا أيضا خلط بين أبواب العلم ، فالآية الأولى فيها طلب دعاء الله تعالى ، والثانية فيها حث على الدعاء مع الإخلاص ، أما التوسل فهو اتخاذ قربة لله رغبة في إجابة الدعاء ، وهذه القربة على أنواع كما هو معلوم فلا تنافي بأي وجه للتوسل مع الدعاء وإخلاصه لله ، بل التوسل يوفقهما من حيث أن المسلم يدعوا الله تعالى ولا يدعو غيره ، ولكن المتوسل يتوسل بما يراه أقرب عند الله رجاء قبول مبتغاه عند الله ورجاء استجابة دعائه من الله ، وأصل التوسل جائز شرعا ، واقسامه منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف عليه ، والجمهور من علماء أهل السنة والجماعة المقبولين عند المسلمين على جواز المختلف فيه ، فأي دخلٍ للعقيدة في باب التوسل بعد ذلك ،  ( خ ) ومن أمثلة ذلك الغلو في جعل التوسل من باب العقيدة وليس الفقه ، زعمهم أن التوسل المختلف فيه يجر إلى الشرك ، فإذا كان التوسل يجر إلى الشرك ، فهل جماهير علماء اهل السنة والجماعة الذين أجازوا التوسل المختلف فيه ، وتوسلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم كالإمام احمد بن حنبل وغيره من العلماء وما أكثرهم ، هل يعقل أنهم انجروا إلى الشرك ، و أليست الشريعة الغراء تحوي على أدلة تجيز هذا النوع من التوسل ، وقد تقدم كثير من تلك الأدلة ، فإما إن تكون الشريعة تجر إلى ذلك - وحاشاها من ذلك -  وإما أن هناك خلل وغلو ينبغي علاجه ، وهذا أهون من سب المسلمين وفيهم الكثير من العلماء بمسبة الشرك ، وحاشاهم من ذلك ، إن جعل بحث التوسل في العقائد ، وجعله وسيلة من وسائل الشرك ، فمسلك خطير يؤدي إلى الغلو في الدين ، وتغيير حقائق الإسلام وتوازناته الربانية ،  وتلاعب بباب التوحيد ، وفتح لباب التشريك واتهام المسلمين بالشرك على أمور فقهية خلافية لا يجوز أصلاً فيها احتساب وامر ونهي ما كان لكل فريق دليله المعتبر ، ( د ) إذا كان في المسألة وجهان أو قولان محتملان شرعاً ، فلا بأس لكل مسلم أن ياخذ بأحد القولين ، ولكن التحجر على قول واحد وتبديع الطرف المخالف أو اتهامه بالشرك ، مع أن له من الأدلة ما له وجه مقبول في الشريعة هذا ليس من باب التدين والورع ، لان الله تعالى حذرنا أشد التحذير من تحريم ما أحل الله ، { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } [ النحل : 116 ] ، لان الشرع لله والدين لله يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ، ولحكمة يعلمها الحكيم الخبير ، وقد لا نعلمها نحن ، جعل الشرع واسعا ، بتوازنات ربانية إلهية لا يمكن أن نتدخل فيها لتضييق واسع من دين الله أو توسيع ضيق ، فالدين دينه والشرع شرعه لا معقب لحكمه ، وتضييق واسعاً من دين الله وتحريم ما أحل الله تعالى بحجة الخوف على التوحيد ،  أخشى أن يكون من باب الهوى والتعصب ، وإلا فهل الخوف على التوحيد مبرر لاتهام سواد الامة الأعظم بالشرك وما يترتب على ذلك من استحلال دماء المسلمين وحرماتهم ، فهل نحن بهذا الصنيع نضرب مثلاً في الحفاظ على الدين وأهله ،  أم نمثل نكبة وعقدة في طريق الحفاظ على الدين ووحدة أهله ،

 

( 10 ) التوسل في مذاهب الفقهاء الأربعة والعلماء

( أ ) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الأحناف : المذهب الحنفي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة ، وقد جاء في الموسوعة الفقهية مادة وسل : ( اختلف العلماء في مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كقول القائل : اللهم إني أسألك بنبيك أو بجاه نبيك أو بحق نبيك , على أقوال : القول الأول : ذهب جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة ) إلى جواز هذا النوع من التوسل سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ، والقول الثاني : التوسل بمثل قول القائل : بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك , أو بحق البيت فقد ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى كراهته . قال الحصكفي : لأنه لا حق للخلق على الله تعالى وإنما يخص برحمته من يشاء من غير وجوب عليه . قال ابن عابدين : قد يقال : إنه لا حق لهم وجوبا على الله تعالى لكن الله سبحانه وتعالى جعل لهم حقا من فضله , أو يراد بالحق الحرمة والعظمة , فيكون من باب الوسيلة , وقد قال تعالى : { وابتغوا إليه الوسيلة } ، والقول الثالث : في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته : ذهب تقي الدين بن تيمية وبعض الحنابلة من المتأخرين إلى أن التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز )  [ الموسوعة الفقهية ] ، والشاهد من النقل السابق ((  ذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة إلى جواز هذا النوع من التوسل سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته  )) ، وقد استقرت فتوى المذهب الحنفي على جواز التوسل إلى الله تعالى بذات الرسول ، وحملوا قول المتقدمين على الكراهة في باب الإقسام على الله تعالى ، وليس في باب التوسل ، وممن أجاز ذلك النوع من التوسل - على سبيل المثال لا الحصر - الائمة العلماء : الكلاباذي البخاري الحنفي (ت : 380 هـ) ،  والقدوري الحنفي ، و ابن العديم الحنفي (ت : 660 هـ) ، ومجد الدين الموصلي الحنفي (ت : 683 هـ) صاحب الاختيار فيما يقال عند زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، والزيلعي (ت : 743هـ) ، وابن أبي الوفاء القرشي الحنفي(ت : 775 وابن نجيم الحنفي (ت 710 هـ) ، والسيد الشريف الجرجاني الحنفي (ت : 816 هـ) ن وابن حجة الحموي الحنفي (ت : 837 هـ ) ، والإمام العيني (ت : 855 هـ ) والإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي (ت : 861هـ ) ، وأبو العباس أحمد الزبيدي الحنفي(ت : 893 ه) ، والصالحي الشامي الحنفي (ت : 942 هـ ) ، وطاش كبري زاده الحنفي (ت : 968 هـ ) والشيخ علي القاري المكي الحنفي (ت : 1014ه ) وحاجي خليفة الحنفي (ت : 1067 هـ ) والشرنبلالي الحنفي (ت : 1069 هـ ) وعبد الرحمن أفندي داماد المدعو بشيخي زاده (ت : 1078هـ) ، وعلاء الدين الحصكفي (ت : 1088هـ) ، وخاتمة اللغويين الحافظ مرتضى الزبيدي الحنفي (ت : 1089هـ ) ، وعبد القادر البغدادي الحنفي (ت : 1093هـ ) ، والعلامة محمد الخادمي ت ( 1176ه ) وإسماعيل حقي (ت : 1137هـ ) والمرادي الحنفي (ت : 1206 هـ ) والشيخ أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي المصري شيخ الحنفية بالديار المصرية (ت 1231 هـ ) ، والجبرتي الحنفي (ت : 1237 هـ ) ، وخاتمة المحققين الشيخ ابن عابدين الحنفي (ت : 1252 هـ ) ، والمحدث محمد عابد السندي الحنفي (ت 1257 هـ ) ، وشهاب الدين الألوسي (ت : 1270هـ ) ، وأحمد عارف الحسيني الحنفي (ت : 1275هـ ) والعلامة الفقيه عبد الغني الغنيمي الحنفي(ت : 1298هـ) ، والعدوي الحمزاوي (ت : 1303 هـ ) ، والشيخ محمد علاء الدين ابن الشيخ ابن عابدين (ت : 1306 هـ ) ، والشيخ عبد الرزاق البيطار (ت : 1335هـ ) ، وخليل أحمد سهارنبوري ( ت  : 1349 هـ ) ومحمد بخيت المطيعي الحنفي ، ومحمد زاهد الكوثري ، والحافظ أبي الحسنات محمد عبد الحي بن الحافظ محمد عبد الحليم اللكنوى الانصاري الايوبي الحنفي ( ت : 1304 ه ) ،  ومن أقوال علماء المذهب الحنفي في جواز التوسل : قال الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي في كتاب الحج ، باب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم : ( ويسأل الله حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه ثم قال يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة فيقول يا رسول الله أسألك الشفاعة يا رسول الله أتوسل بك إلى الله.) [ فتح القدير ، ج2 ، ص332 ] ، وذكر الشرنبلالي الحنفي (ت : 1069 هـ) في مراقي الفلاح في آداب الزيارة : ( يقف عند رأسه الشريف ويقول : اللهم انك قلت وقولك الحق : { ولو انهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه توابا رحيما } ،  وقد جئناك سامعين قولك ، طائعين أمرك ، مستشفعين ‏بنبيك ، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا انك رؤوف ‏رحيم ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد للّه رب العالمين ، ويدعو بما يحضره من الدعاء ) أهـ  ،  وقال الشيخ أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي شيخ الحنفية بالديار المصرية (ت 1231 هـ) : ( قوله فيتوسل إليه بصاحبيه ذكر بعض العارفين أن الأدب في التوسل أن يتوسل بالصاحبين إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ثم به إلى حضرة الحق جل جلاله وتعاظمت أسماؤه فإن مراعاة لواسطة عليها مدار قضاء الحاجات ) أهـ [حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 360 ] ، وقال العلامة شهاب الدين الألوسي (ت : 1270هـ) : ( وبعد هذا كله أنا لا أرى بأساً في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً ، ويراد من الجاه معنى يرجع إلي صفة من صفاته تعالى ، مثل أن يراد به المحبة العامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته ، فيكون معنى قول القائل أتوسل إليك بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضي لي حاجتي يعني إلهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي ) أهـ [ تفسير روح المعاني : ج 2 ص 299 ] ، وقال أيضاً : ( بل لا أرى بأساً بالإقسام على الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى والكلام في الحرمة كالكلام في الجاه- يعني بحرمة كذا- قال ملتمساً ومجيباً عن الصحابة في عدم توسلهم بالأموات ولعل ذلك كان تحاشياً منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس إذ ذاك وهم قريبوا عهد التوسل بالأصنام شيء ثم اقـتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهد بكفر كما ثبت ذلك في الصحيح وكذا التوسل بجاه غير النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس به أيضاً إن كان التوسل بجاهه مما علم أن له جاهاً عند الله تعالى كالمقطوع بصلاحه وولايته.) [ تفسير روح المعاني : ج 2 ص 300 ] ، وقال العدوي الحمزاوي (ت : 1303 هـ) في كنز المطالب (ص‏216) : ( ومن أحسن ما يقول بعد تجديد التوبة في ذلك الموقف ‏الشريف ، وتلاوة { ولو انهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول} الآية : نحن وفدك ‏يا رسول ‏اللّه وزوارك ، جئناك ‏لقضاء حقك وللتبرك بزيارتك والاستشفاع بك مما اثقل ظهورنا واظلم ‏قلوبنا ) أهـ ، ويقول (ص‏230) : ويتوسل بهم إلى اللّه في بلوغ آماله ، لان هذا المكان محل مهبط ‏الرحمات الربانية ، وقد قال خير البرية عليه الصلاة وأزكى التحية : إن لربكم في دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لنفحات ربكم. ولا شك ولا ريب أن هذا المكان محل هبوط الرحمات الإلهية ، فينبغي للزائر أن ‏يتعرض لهاتيك النفحات الاحسانية ، كيف لا ؟ وهم الأحبة والوسيلة العظمى إلى اللّه ورسوله ، فجدير لمن ‏توسل بهم أن يبلغ المنى وينال بهم الدرجات العلى ، فانهم الكرام لا يخيب قاصدهم وهم الأحياء ، ولا يرد من غير إكرام زائرهم ) أهـ ، في كتاب الفتاوى الهندية (ج1 : 266) وقد قام بتأليفه جماعة من علماء الهند برئاسة الشيخ نظام الدين البلخي بأمر من سلطان الهند أبي المظفر محيى الدين محمد أورنك زيب في كتاب المناسك : (باب : خاتمة في زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بعد أن ذكر كيفية وآداب زيارة قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ذكر الأدعية التي يقولها الزائر فقال : "ثم يقف (أي الزائر) عند رأسه صلى اللّه عليه وسلم كالأوّل ويقول : اللهم إنك قلت وقولك الحق : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ ..}  الآية ، وقد جئناك سامعين قولك طائعين أمرك ، مستشفعين بنبيك إليك" ) أهـ ، وقال خليل أحمد سهارنبوري (المتوفي 1349 هـ) في كتابه المهند على المفند(ص 86-87) وهو من كبار علماء أحناف ديوبند بالهند ، في جواب هذا السؤال : هل للرجل أن يتوسل في دعوته بالنبي والصالحين والصديقين والشهداء والأولياء؟ ( عندنا وعند مشايخنا يجوز التوسل بهم في حياتهم وبعد وفاتهم بأن يقول : " اللّهم إني أتوسل إليك بفلان أن تجيب دعوتي وتقضي حاجتي ". كما صرح به الشاه محمد إسحاق الدهلوي والمهاجر المكي ورشيد أحمد الكنكومي ) أهـ [ وأيد ووافق على هذا الكتاب حوالي 75 نفراً من علماء الأحناف الكبار في باكستان ] ، وقال الإمام محمد زاهد الكوثري في كتاب " مقالات الكوثري " ( صـ 410 ) ( وعلى التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتا جرت الأمة طبقة فطبقة . ) أهـ

 

( ب ) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند المالكية : المذهب المالكي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة ، وهو مذهب غني عن التعريف ، إذ إمامه الإمام مالك ابن أنس عالم المدينة الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، بلغ الغاية في علم الحديث والسنة وعلم الفقه والورع ، ويكاد المذهب يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى ، لاسيما وفي المذهب نصوص واضحة جلية لإمام المذهب بذلك ، وممن نص على ذلك من علماء المذهب ،  الإمام مالك رحمه الله ، والائمة ابن خويز منداد ، والقاضي عياض (ت : 544 هـ) ، وعبد الحق الإشبيلي (ت : 582 هـ) ، وأبو عبد الله محمد بن موسى المراكشي المالكي ( ت : 683) ، صاحب كتاب "مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام عليه السلام في اليقظة والمنام" ،  وابن جبير المالكي (ت : 614 هـ) : وأبو عبد الله القضاعي المالكي المعروف بابن الأبار (ت : 658 هـ) ، والإمام القرطبي (ت : 671 هـ) ، والقرافي المالكي (ت : 682 هـ) ، وابن عطاء الله السكندري المالكي (ت : 709 هـ) ، وابن أبى جمرة المالكي ( ت : 699 ه ) والإمام الفكهاني  ( ت : 734 ) ، ومحمد بن محمد العبدري المالكي الشهير بابن الحاج ( ت : 737 هـ ) ، وابن جزي الكلبي المالكي ( ت : 757 ه ) ، والبلوي المالكي (ت : 767ه ) ، وابن خلدون (ت : 808 هـ) ، وابن الخطيب المالكي (أو ابن قنفد) (ت : 810 هـ) ، وأبو الطيب المكي الفاسي المالكي (ت : 832 هـ) ، ومحمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل أبو عبد لاله المغربي الأندلسي ثم القاهري المالكي والمعروف بالراعي (ت : 853هـ) ، ومحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشمس بن الشمس المسوفي الأصل المدني المالكي (ت : 885هـ) ، والشيخ أحمد زروق المالكي (ت : 899 هـ) ، وأبو الحسن المالكي (ت : 939 هـ) ، والقسطلاني (ت 923 هـ) ، وابن عاشر المالكي (ت : 1040 هـ) ، وإبراهيم اللقاني المالكي (صاحب جوهرة التوحيد) (ت : 1041 هـ) ، والمقري التلمساني المالكي (ت : 1041 هـ) ، وميارة المالكي (ت : 1072 هـ) ، والإمام الزرقاني اليوسي المالكي (ت : 1102هـ) ، وأحمد بن غنيم بن سالم النفراوي (المتوفى : 1126هـ) ، والعدوي المالكي (ت : 1189هـ) ، والإمام الصاوي المالكي ، والشيخ عليش (ت : 1299هـ) ، وأبو العباس الناصري السلاوي المالكي (ت : 1315هـ) ، وخلق غيرهم من علماء المالكية كثير  ، 

 

ومن أقوال علماء المذهب المالكي في جواز التوسل : أخرج أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بسنده : ( أن مالكا رضي الله عنه لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي - ثاني خلفاء بن العباس- يا أبا عبد الله : أأستقبل رسول الله صلى الله عليه سلم أم استقبل القبلة وأدعو؟ فقال الإمام مالك : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك أدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفع فيك) أهـ ، وقد أخرج هذه القصة القاضي عياض في [ الشفا 2 : 41 ] بسنده الذي قال فيه الخفاجي في [ شرحه 3 : 398 ] ( ولله دره حيث أوردها بسند صحيح وذكر أنه تلقاها عن عدة من ثقات مشايخه ) أهـ ، وذكرها القسطلاني في المواهب : ( 4  : 580 ) ، والزرقاني شارح المواهب في شرحه ( 8  : 304 ) وقال في معرض رده على من أنكرها ( وهذا تهور عجيب فإن الحكاية رواها أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بإسناد حسن, وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن عده من ثقات مشائخه, فمن أين أنها كذب؟ وليس في لسنادها وضاع ولا كذاب) ، وكذا نقلها السمهودي في وفاء الوفا [ ج 2 ص 422 ] عن القاضي عياض ، وقال ابن حجر في الجوهر المنظم قد روي هذا بسند صحيح ، وجاء ذكرها في اكثر كتب المذهب كالمدخل [1 : 248 ، 252] ، والفواكه الدواني [ 2 : 466 ] ، وشرح أبي الحسن على رسالة القيرواني [ 2 : 478 ] ، والقوانين الفقهية [ ص  148 ] ، وقال العلامة ابن الحاج المالكي(توفى737 هـ) – في آداب زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم : (  ويحضر قلبه وخاطره إليهم ، وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره ؛ لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون ، ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله ، ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم ، ثم يترحم على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ذلك فإنهم باب الله المفتوح ، وجرت سنته سبحانه وتعالى في قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم ، ومن عجز عن الوصول إليهم فليرسل بالسلام عليهم ، وذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه إلى غير ذلك ، فإنهم السادة الكرام ، والكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم ، ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم هذا الكلام في زيارة الأنبياء ، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام عموما ) ، وقال ابن جزي الكلبي المالكي في القوانين الفقهية : ( ينبغي لمن حج أن يقصد المدينة فيدخل مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيصلي فيه ويسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى ضجيعيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويتشفع به إلى الله ويصلي بين القبر والمنبر ويودع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من المدينة ، وقال ابن خلدون (ت : 808 هـ)في تاريخه (6 : 43) : (نسأله سبحانه و تعالى من فيض فضله العميم ، و نتوسل إليه بجاه نبيه الكريم ، أن يرزقنا إيمانا دائما ، و قلبا خاشعا ، وعلما نافعا ....) أهـ ، وقال القسطلاني (ت 923 هـ) في المواهب اللدنية : ( وينبغي للزائر له صلي الله عليه وسلم ان يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة‏ والتشفع والتوسل به صلي الله عليه وسلم ، فجدير بمن استشفع به ان يشفعه اللّه فيه .. إلى أن قال : وان الاستغاثة هي طلب الغوث‏ فالمستغيث يطلب من المستغاث به اغاثته ان يحصل له الغوث ، فلا فرق بين ان يعبر بلفظ الاستغاثة ، اوالتوسل ، او التشفع ، او التوجه او التجوه لانهما من الجاه والوجاهة ، ومعناهما علو القدر والمنزلة وقد يتوسل بصاحب الجاه الى من هو اعلى منه. قال : ثم ان كلا من الاستغاثة ، والتوسل والتشفع ، والتوجه ‏بالنبي صلى الله عليه وسلم واقع في كل حال : النصرة قبل خلقه وبعد خلقه ، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته فيالبرزخ ، وبعد البعث في عرصات القيامة. ) [ المواهب اللدنية : 4 : 593 ] ، وقال الإمام الزرقاني في شرح المواهب : ( ونحو هذا في منسك العلا مة خليل ، وزاد : وليتوسل به صلى الله عليه وسلم ، ويسال اللّه تعالى بجاهه في التوسل به ، اذ هو محط جبال الاوزار واثقال الذنوب ، لان بركة شفاعته وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب ، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو المحروم الذي طمس اللّه بصيرته واضل سريرته ، الم‏ يسمع قوله تعالى : { ولو انهم ‏اذ ظلموا انفسهم جاؤوك فاستغفروا اللّه } الاية ) [ شرح المواهب (8 : 317) ] ، وقال الإمام الصاوي المالكي في حاشية الصاوي على الشرح الصغير ( والأفضل في الزيارة القرب من القبر الشريف ، بحيث يكون النبي يسمع قوله على حسب العادة ، ويلزم في تلك الحضرة الأدب الظاهري والباطني ليظفر بالمنى .. وحين يدخل المسجد الشريف يأتي الروضة فيصلي بها ركعتين تحية المسجد ، ثم يأتي قبالة القبر الشريف ويقول : " السلام عليك يا سيدي يا رسول الله ..ثم يتوسل به في جميع مطلوباته ) أهـ .

 

( ت ) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الشافعية  : المذهب الشافعي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة ، وهو مذهب غني عن التعريف ، إذ إمامه الإمام الشافعي القرشي الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم يملأ طباق الارض علماً ، بلغ الغاية في علم الحديث والسنة وعلم الفقه وملأ طباق الأرض علماً ، ويكاد المذهب الشافعي يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى ، لاسيما وفي المذهب نصوص واضحة جلية لإمام المذهب بذلك ، وممن نص على ذلك من علماء المذهب  :   الإمام الشافعي ، والإمام البيهقي الشافعي ( 384 هـ ) ، والقاضي أبو الطيب الشافعي (450هـ) ، والحافظ ابن عساكر الشافعي (ت : 571 هـ) ، والعماد الأصبهاني (ت : 597هـ ) ، والإمام الرافعى القزويني الشافعي (623هـ ) ، والحافظ ابن الصلاح  الشافعي (ت : 643 هـ) ، والإمام النووي (ت : 676 هـ) ، وابن خلكان الشافعي (ت : 681 هـ ) ، والمحب الطبري الشافعي (ت : 694 هـ ) ، وعماد الدين بن العطار(ت : 724 هـ ) ، وتقي الدين بن دقيق العيد الشافعي (ت : 702هـ ) ، وابن الزملكاني الشافعي (ت : 727 هـ) ، وتقي الدين أبو الفتح السبكي (ت : 744 هـ) ، والإمام السبكي (ت : 756 هـ) ، والصفدي (ت : 764هـ) ، والحافظ الحسيني الدمشقي الشافعي ( ت : 765 هـ ) ، والعفيف اليافعي الشافعي (ت : 768 هـ ) ، وابن الرفعة الشافعى ، وابن الزملكانى الشافعى ، والعلامة الفيومي الشافعي (ت : 770 هـ) ، وسعد الدين التفتازاني الشافعي (ت : 791 هـ ) ، وتقي الدين الحصني الشافعي (ت : 829هـ ) ، والحافظ ابن الجزري الشافعي (ت : 833 هـ ) ، والقلقشندي الشافعي (ت : 821 هـ) ، والإمام السمهودي  (ت  : 911 هـ ) ، والأبشيهي الشافعي ( ت  : 850 هـ) ، وشمس الدين الرملي (ت : 894 هـ) ، والحافظ السخاوي (ت : 902 هـ) ، وشمس الدين محمد بن أبي بكر الأنصاري الشافعي ( ت : 903 ) ، والإمام السيوطي (ت : 911 هـ) ، وأبو الحسن البلبيسي المكي الشافعي (ت : بعد 916هـ) ، والإمام زكريا الأنصاري ( ت : 919 هـ) ، والشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي (ت : 973 هـ) ، والخطيب الشربيني (ت : 977 هـ) ، والإمام الرملي (ت : 1004هـ) ، ومحمد بن محمد شمس الدين القدسي الشافعي الدمشقي المعروف بالسيد الصادي (ت : 1008 هـ) ، وعبد الرؤوف المناوي (ت : 1030 هـ) ، وأبو المواهب بن محمد بن علي البكري الصديقي المصري الشافعي (ت : 1037هـ) ، وابن علان المكي الشافعي (ت : في حدود 1057 هـ) ، والغزي الشافعي (ت : 1098 هـ) ، والمحدث إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي الشافعي (ت : 1162 هـ) ، والبجيرمي (ت : 1221 هـ) ، والهوريني الشافعي (ت : 1291هـ) ، والشرواني (ت : 1301هـ) ، والجاوي الشافعي (ت : 1315 هـ) ، 

 

ومن أقوال علماء المذهب الشافعي في جواز التوسل : جاء تاريخ دمشق لابن عساكر [5 : 312] و طبقات الشافعية الكبرى للسبكي في [2  : 35] و البداية و النهاية لابن كثير [10 : 331 ] ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي[ ص 610] : أن الإمام الشافعي توسل وتبرك بقميص الإمام أحمد ابن حنبل ،  وروى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي  في التاريخ [ ج1 ، ص 123] ، والعلامة ابن حجر في كتابه الخيرات الحسان ، [ ص69 ] ، والخوارزمي في مناقب أبي حنيفة [ ج 2 ص 199] ،  والكردري في مناقبه [ 2 ص 112 ] ، وطاش كبرى زادة في مفتاح السعادة[ 2 ص 82 ] عن علي بن ميمون قال : سمعت الشافعي يقول : ( إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجئ إلى قبره في كل يوم ـ زائرا ـ فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عند ـ فما تبعد حتى تقضى ) ، وقال الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين ، باب زيارة المدينة وآدابها [1 : 360 ] : (يقول الزائر ، اللهم قصدنا نبيك مستشفعين به إليك في ذنوبنا وقال في آخره ونسألك بمنزلته عندك وحقه إليك). قال الإمام النووي في المجموع [ج8 : 274] كتاب صفة الحج ، باب زيارة قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم : ( ثم يرجع إلى موقفه الأول قُبالة وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه ) ، وقال الإمام السبكي في كتابه شفاء السقام : ( اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحُسْنُه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار ) اهـ. ، وقال الإمام تقي الدين الحصني في كتابه دفع شبه من شبه وتمرد [ ص89 ] : (والمراد أن الاستغاثة بالنبي واللواذ بقبره مع الاستغاثة به كثير على اختلاف الحاجات ، وقد عقد الأئمة لذلك باباً ، وقالوا : إن استغاثة من لاذ بقبره وشكى إليه فقره وضره توجب كشف ذلك الضر بإذن الله تعالى ) أهـ  ،  وفي فتاوى شمس الدين الرملي (فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي(4 : 382) ما نصه  : " سئل عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد : يا شيخ فلان ، يا رسول الله ، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين فهل ذلك جائز أم لا؟ وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثة بعد موتهم ؟ وماذا يرجح ذلك؟ فأجاب : بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة ، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم ، لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم ، أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم ، وأما الأولياء فهي كرامة لهم فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم"ا.هـ ، وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء (1 : 452) : (وأسأل الله تعالى أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المائة التاسعة ! ! بجاه محمد صلى الله عليه و سلم و صحبه أجمعين ، آمين) ، وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي  في خاتمة كتابه "تحفة الزوار إلى قبر المختار" داعياً : ( ختم الله لنا ولمن رأى في هذا الكتاب بالسعادة والخير ورفعنا وإياهم في الجنة إلى المقام الأسنى ( بجاه سيد الأولين والآخرين ) أهـ ، وقال الإمام الرملي في كتابه نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج داعيا للإمام النووي : (تغمده الله برحمته ، ونفعنا والمسلمين ببركته بجاه محمد وآله وعترته) ، ويقول : (ومن خطه نقلت المعروض على المسامع الكريمة حرسها الله تعالى من كل سوء بجاه محمد صلى الله عليه وسلم) ، ويقول في منتصفه : (وأسأله الإعانة على الإتمام بجاه محمد سيد الأنام ومصباح الظلام) ، وفي آخره : (والله أسأل ، وبرسوله أتوسل ، أن ينفع به كما نفع بأصله) ، وجاء في إعانة الطالبين [ 1 : 171] ، في ذاكرة القصد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : ) بل يقصد أنه مفتقر له عليه الصلاة والسلام وأنه يتوسل به إلى ربه في نيل مطلوبه لأنه الواسطة العظمى في إيصال النعم إلينا )

 

( ث ) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الحنابلة : المذهب الحنبلي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة ، وهو مذهب غني عن التعريف ، إذ إمامه الإمام أحمد ابن حنبل الذي بلغ الغاية في علم الحديث والسنة وعلم الفقه ورفع الله تعالى له علمه إلى يوم القيامة ، الإمام احمد بن حنبل ، والشيخ عبد القادر الجيلاني (ت ٥٦١ هـ) ، والإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي ، والإمام ابن عقيل الحنبلي ( ت 503 ) ، وابن الجوزي ( ت 597 هـ) ، وأبو عبد الله محمد بن الحسين السامري الحنبلي (ت : 616 هـ) ، والشيخ العلامة أبو زكريا الصرصري البغدادي الحنبلي (ت : 656 هـ) ، والإمَامُ المرْدَاوي (ت 885هـ) ، وابن مفلح الحنبلى ، والبهوتى الحنبلي ت (1051هـ) ، وابن كنان الحنبلي (ت : 1153هـ)  ، 

 

ومن أقوال علماء المذهب الحنبلي في جواز التوسل : قال الإمام احمد بن حنبل في منسكه الذي رواه عنه المروزي ما نصه : (وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه(صلى الله عليه وسلم) تُقْضَ من الله عز وجل) ، هكذا ذكره ابن تيمية في الرد على الأخنائي (ص 168) , وذكر معناه برهان الدين بن مفلح في المبدع (2 : 204) وقريب منه ما في الإقناع للعلامة الحجاوي ( 1 : 208 ) والفروع لشمس الدين ابن مفلح(ت : 763 هـ) ( 2 : 159 ) وغيرهم ،  وفي كتاب العلل ومعرفة الرجال ما نصه  : (سألته عن الرجل يمس منبر النبي (صلّى الله عليه و سلّم) و يتبرك بمسّه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد التقرب إلى الله جل وعز فقال : لا بأس بذلك ) أهـ [ العلل لأحمد بن حنبل (2 : 492).] ، وقال الشيخ أبو الفرج بن قدامة إمام الحنابلة صاحب الشرح الكبير وهو الشيخ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة الحنبلي : ( [ مسألة ] : فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه رضي الله عنهما ، ثم ذكر الشيخ ابن قدامة صيغة تقال عند السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها أن يقول : (اللهم إنك قلت وقولك الحق : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم اجعله أول الشافعين ثم قال : ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تقبيله ، قال أحمد رحمه الله : ما أعرف هذا ، قال الأثرم : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يقومون من ناحية فيسلمون ، قال أبو عبد الله : وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ، قال : أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم ابن عبد الله بن عبد القارئ إنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من المنبر ثم يضعها على وجهه . اهـ [ (الشرح الكبير ج3 ص495) ] ، وقال الإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي في وصيته (ص 92 )  : ( وإذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى تريد طلبها منه فتوضأ ، فأحسن وضوءك ، واركع ركعتين ، وأثن على الله عز وجل ، وصلَ على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قل : لا إِلَهَ إِلاَّ الله الحَلِيمُ الكَريمُ ، سُبحَانَ رَبِّ العَرشِ العَظيمِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينِ ، أَسأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحمَتِكَ وَعَزَائمَ مَغفِرَتِكَ وَالغَنيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ ، لا تَدَعْ لي ذَنباً إِلاَّ غَفَرْتَهْ وَلا هَمَّاً إِلاَّ فَرَّجْتَهْ ، وَلا حَاجةً هِيَ لَكَ رِضاً إِلاَّ قَضَيتَهَا يَا أَرحَمَ الرَّاحمين ، وإن قلت : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي ، وتذكر حاجتك ، وروي عن السلف أنهم كانوا يستنجحون حوائجهم بركعتين يصليهما ثم يقول : اللهم بك أستفتح وبك أستنجح ، وإليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم أتوجه ، اللهم ذلل لي صعوبة أمري ، وسهل من الخير أكثر مما أرجو ، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف ) أهـ ، وقال ابن عقيل الحنبلي ( ت 503 ) : فى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ( يا محمد إني أتوجه بك إلى ربى ) [ التذكرة : 87 ] ، وفال ابن الجوزي ( ت  : 597 هـ) في المدهش [ ج١ : ص١٤١] (لم يزل ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم منشورا وهو في طي العدم توسل به آدم وأخذ له ميثاق الأنبياء على تصديقه) ، وقال أبو عبد الله محمد بن الحسين السامري الحنبلي (ت : 616 هـ) في المستوعب (3 : 88 ) " باب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) " وذكر آداب الزيارة ، وقال : (ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته ويجعل القبر تلقاء وجهه ، والقبلة خلف ظهره ، والمنبر عن يساره ، وذكر كيفية السلام والدعاء ومنه : (اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك مستغفرا ، فأسألك أن توجب لي المغفرة كم أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك (صلى الله عليه وسلم ) ، وقال الإمَامُ المرْدَاوي (ت 885هـ)  في "الإنْصاف" [ 2 : 456 ]  ( يَجُوز التوسُّل بالرجل الصالح ، على الصحيح من المَذْهَب . وقيل يُسْتَحب قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ : يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ ) ، وقال البهوتى الحنبلي ت (1051هـ) في كتاب كشاف القناع  الجزء الثاني : ( وقال السامري وصاحب التلخيص : لا بأس بالتوسل للاستقاء بالشيوخ والعلماء المتقين . وقال في المذهب : يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح وقيل للمروذي : إنه يتوسل بالنبي في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره ، ثم قال : قال إبراهيم الحربي : الدعاء عند قبر معروف الكرخي الترياق المجرب ، وذكر أبو عبد الله الأردبيلي : سمعت أبا بكر بن أبي الخصيب يقول : ذُكر صفوان بن سليم عند أحمد بن حنبل فقال : هذا رجل يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره ) أهـ [ تهذيب الكمال للحافظ المزي [ 13 : 186 برقم 2882 ] ، قال عبد الله ابن أحمد ابن حنبل في " المسائل " ( 217 ) : " سمعت أبي يقول : حججت خمس حجج منها ثنتين [ راكبا ] و ثلاثة ماشيا ، أو ثنتين ماشيا و ثلاثة راكبا ، فضللت الطريق في حجة و كنت ماشيا ، فجعلت أقول : ( يا عباد الله دلونا على الطريق ! ) فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق . أو كما قال أبي ) أهـ ، وذكر القصة البيهقي في " الشعب " ( 2 : 455 : 2 ) وابن عساكر ( 3 : 72 : 1 ) من طريق عبد الله ، وذكرها ابن مفلح في الاداب الشرعية ،  وقال الإمَامُ السَّامُري في "المُسْتوعِب" (3 : 88 ) : ( ولا بَأسَ بالتوسُّل إلى اللهِ تعالى في الإستسقاء بالشيوخ والزهَّاد وأهلِ العلم والفضل والدين من المسلمين. ) وقال الإمَامُ تقيُّ الدين الأدَمي في "المُنوّر" [ص : 190 ] : (ويُبَاحُ التوسُّلُ بالصُلَحَاء ) أهـ ، وقال الإمامُ ابنُ مُفْلح في "الفروع" [3 : 229 ] : (ويَجُوزُ التوسُّلُ بصالحٍ ، وقيْلَ يُسْتحبُّ) أهـ ، وقال الإمام المرداوي (ت 885ه)  _يرحمه الله_ في "الإنصاف" [2 : 456 ] : ( يجوز التوسل بالرجل الصالح ، على الصحيح من المذهب . وقيل يستحب قال الإمام أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي : يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره ) ، وقال الإمام الحجاوي في "الإقناع" مع شرحِهِ للإمام البُهوتي [1 : 546 ] : ( ولابأس بالتوسل بالصالحين ) أهـ ، وقال الإمامُ ابنُ النجّار في "منتهى الإرادات" مع شَرْحِهِ للإمَام الُبهوتي [2 : 58 ] : ( وأُبيْحَ التوسُّلُ بالصَالحيْن) ، وقال الإمُامُ مرْعيُّ الكرْمي في "غاية المُنْتَهى" مع شرْحه للإمَام الرحيْبَاني [2 : 316 ] : (وكذا أبيْحَ توسلٌ بصالحيْن ) أهـ ، وقال الإمام منصور بن يونس البيهوتي الحنبلي المتوفى سنه 1051هـ في كتاب كشاف القناع الجزء الثاني : ( وقال السامري وصاحب التلخيص : لا بأس بالتوسل للاستقاء بالشيوخ والعلماء المتقين . وقال في المذهب : يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح وقيل للمروذي : إنه يتوسل بالنبي في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره ، ثم قال : قال إبراهيم الحربي : الدعاء عند قبر معروف الكرخي الترياق المجرب ) أهـ ، وقال الإمام ابن الجوزي الحنبلي في كتاب مناقب الإمام أحمد ص 297 : ( عن عبد الله بن موسى أنه قال : خرجت أنا وأبي في ليلة مظلمة نزور « أحمد » فاشتدت الظلمة ، فقال أبي  : يا بني تعال حتى نتوسل إلى الله تعالى بهذا العبد الصالح حتى يضاء لنا الطريق ، فمنذ ثلاثين سنة ما توسلت به إلا قضيت حاجتي ، فدعا أبي وأمنت على دعائه ، فأضاءت السماء كأنها ليلة مقمرة حتى وصلنا إليه )اهــ ، وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي المتوفى سنه 620 هـ في كتابه المغني [ج2 : ص439] (  فصل : ويستحب أن يستسقى بمن ظهر صلاحه ; لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء ، فإن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن عمر : استسقى عمر عام الرمادة بالعباس ، فقال : اللهم إن هذا عم نبيك صلى الله عليه وسلم نتوجه إليك به فاسقنا . فما برحوا حتى سقاهم الله عز وجل ، وبعد فتلك اقوال الفقهاء من مختلف المذاهب والتي تدل على جواز هذا النوع من التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاهه عند الله تعالى ،

 

قول الشوكاني في التوسل  : للشوكاني كلام قوي جدا في نصرة التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاهه عند الله تعالى ، وألحق به جواز التوسل بالصالحين عموماً ، كما اعتبر ذلك التوسل بمثابة التوسل غلى الله تعالى بالعمل الصالح ، وهو اعتقاد فضلهم والإيمان بمنازلهم عند الله تعالى ، كما أنه رد على الغالين في هذا الباب ممن ألحق التوسل بباب التوحيد والشرك وليس باب الفقه والاجتهاد ، ومن ذلك :  قوله رحمه الله في تحفة الذاكرين – عند شرح حديث الضرير : ( وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى وأنه المعطي المانع ، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ) أهـ  ،  وقوله فيها في شرح قول صاحب العمدة : ( ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين ) ما لفظه : ( ومن التوسل بالأنبياء ء ما أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ثم قال : وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال عمر رضي الله عنه اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا الخ ) أهـ  ،  وقوله في رسالته ( الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ( : ( وأما التوسل إلى الله سبحانه بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث فيه اهـ . ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه وابن ماجه وغيرهم أن أعمى أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أصبت في بصري فادع الله لي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( توضأ وصل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ، يا محمد إني أستشفع بك في رد بصري اللهم شفع النبي فيّ )) وقال : (( فإن كان لك حاجة فمثل ذلك )) فرد الله بصره ، وللناس في معنى هذا قولان  : ( أحدهما ) : أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال : كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا وهو في صحيح البخاري وغيره فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته في الاستسقاء ، ثم توسل بعمه العباس بعد موته ، وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه ، فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذا شافعاً وداعياً لهم ، و ( القول الثاني ) : أن التوسل به صلى الله عليه وسلم يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه ، ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به صلى الله عليه وسلم في حياته وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعاً سكوتياً لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في التوسل بالعباس رضي الله عنه ، وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين  : الأول : ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، والثاني : أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله ، فإذا قال القائل : ( اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني ) فهو باعتبار ما قام به من العلم ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة ،  فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركا كما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة لهم ولا سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم ،  وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ونحو قوله تعالى { فلا تدعوا مع الله أحداً } ونحو قوله تعالى { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء } ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النـزاع بما هو أجنبي عنه ، فإن قولهم { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } مصرح بأنهم عبدوهم لذلك ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك ، وكذلك قوله { ولا تدعوا مع الله أحداً } فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم وكذلك قوله { والذين يدعون من دونه } الاَية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه ،  وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النـزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله } فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء ، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين ، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله { ليس لك من الأمر شيء } { قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً } فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره ، وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء ، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين } يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً ، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئا ً ، فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه ، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله ، وهذا معلوم لكل مسلم وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين )) أهـ

 

(11 ) أخطاء الطوائف المنتسبة إلى أهل السنة في باب التوسل

( أ ) الغلو في باب التوسل : هناك غلو شاب بعض أتباع الدعوة السلفية المعاصرة تجاه مسائل التوسل تمثل في ما يلي :  ( أ ) جعلوا مسألة التوسل من مسائل العقيدة وبهذا يترتب على المتوسل الكفر والشرك والابتداع والخروج من الملة ، وهذا غلو كبير ،  فمسألة التوسل من مسائل الفقه وليست من مسائل العقيدة ، ، والخلاف في العقيدة خلاف بين توحيد وشرك ، وبين ايمان وكفر ، وبين حق وباطل ، أما الخلاف في الفقه فهو خلاف بين صواب وخطأ ، واين هذا من ذاك ، وقد اتفق الفقهاء على أن الخلاف في مباحث التوسل خلاف فقهي لاسيما وان جميع المسلمين ، لا يعبدون إلا الله ، ولا يدعون إلا إياه ، ولا يطلبون قضاء الحاجات إلا من الله تعالى ،  ( ب ) جعلوا التوسل المختلف فيه من باب الشرك ، وساووا بين المتوسلين من الموحدين وبين مشركي العرب ، بل أضل على زعمهم لان مشركي العرب كانوا يشركون في الشدة فقط والمتوسلين يشركون في الشدة والرخاء – هذا على زعمهم ، والبون شاسع ، والفرق كبير بين المتوسلين من أهل الإسلام والتوحيد وبين مشركي العرب ، إذ مشركي العرب بجميع فرقهم كانوا يتخذون من يدعونه إلهاً من دون الله كما صرح به القرآن ، فالتوسل غير الشرك؛ فدعاء المشركين دعاء ألوهية وتعبد ، ودعاء المسلمين توسل واستشفاع ، وفرقٌ كبير بين مَنْ يقول : يا رب أعطني كذا بحق فلان ، وبين من يقول : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } ، إنّ الإشراك الذي حصل من المشركين الذين ذمهم القرآن هو عبادتهم للأنبياء والملائكة والأولياء بناءً على اعتقادهم فيهم أنهم شاركوا الله في الألوهية وأن لهم تأثيراً في الأشياء ، وهم كانوا يعبدون آلهتهم ويعتقدون أنها تستطيع أن تقربهم إلى الله ، وهذا بنص القرآن ، فاعترفوا على أنفسهم بأمرين عظيمين : أنهم يعبدون آلهتهم التي يعتقدون أنها تؤثر في الكون مع الله تعالى ، وهذا كفر ، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم "لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك" ، وقد علم في علم التوحيد أنه لا فعل إلا لله ، وأنه من أثبت لغير الله فعلاً كفعله ولو لم يرد الله فإنه كافر بالله تعالى ، وإن زعم أنه مؤمن  ،  ( ت ) ظنهم أنَّ التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، مع ان المتوسِّل المسلم الموحد لا يعبد إلا الله ، ولا يرجو سوى الله ، ولا يدع إلا الله وحده ، لان ( الله ) تعالى وحده – في عقيدة كل مسلم - هو المالك القادر المهيمن ، وهو وحده المعطي والمانع ، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة - رجاء قبول مبتغاه عند الله ، وليس التوسل - أبداً – من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، كما كان يفعل المشركون بقولهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ  } [ الزمر : 3 ] ، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله ، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله ، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله ، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان ، ويشهد بالشهادتين ( لا إله إلا الله  -  محمد رسول الله ) ، عن يقين واعتقاد ، لا يستويان مثلا عند الله تعالى ، وعند المؤمنين ، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من ( التوسل ) إذا قاله المسلم ، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام ،  ( ث ) الجفاء في فهم مباحث التوسل لأن غاية ما في التوسل هو الاستعانة بالأسباب المعينة على تحقيق المطالب ، كما ان ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح - بذوات الانبياء والاولياء والصالحين ، وكل مسلم يعلم أن حب ذواتهم ليس حباً للأجساد ، إذ كل بنى آدم – حتى الكفار منهم – أجسادهم من طين ، ولكنه حبها لما حوته تلك الذوات من الإيمان بالله والطاعة لله وتعظيم أمر الله تعالى ، ولذلك حرّم الله تعالى على الارض أن تأكل أجساد الانبياء ، إن ذوات هؤلاء معظمة في قلب كل مسلم لما حوته من تعظيم لأمر الله تعالى ، ثم أليس اعتقاد حرمة ذوات الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين هو ناشئ عن الإيمان بهم والإيمان بالرسل ، أليس هو ركن من أركان الإيمان ، لا يصح الإيمان إلا به ، وأليس جائز في دين الله تعالى ، ولا خلاف فيه بين المسلمين ، أنه يجوز التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة ، فإن حب ذواتهم واعتقاد حُرمتها ومكانتها عند الله والتقرب بذلك الحب والاعتقاد إلى الله تعالى ، أليس هذا من أعظم الإيمان والعمل الصالح ، فلم لا نحمل التوسل بذوات الانبياء واتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى بانه توسل بالأعمال الصالحة المتمثلة في اعتقاد حرمة تلك الذوات ومنزلتها العظيمة عند الله تعالى ،  ( ج ) زعمهم أنه لا يجوز التوسل بالموتى – ولو كانوا من الانبياء او الاولياء والعباد الصالحين – بزعم أنه خطاب لمعدوم ، وانّ ذلك قبيح عقلا ، لعدم قدرة الميت على الإجابة ، وهذا جفاء لان للميت من الإدراك والشعور والالتفات والسماع ما دل عليه الشرع الحكيم ، وقد تقدمت الادلة عليه ، حتى قال الغزالي : ( ظن بعضهم أن الموت هو العدم ، وهذا رأي الملحدين ، وكل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، وهذا معنى ما يقال : الناس نيام وإذا ماتوا انتبهوا ، فإن أول ما ينكشف له ما يضره وما ينفعه من حسناته وسيئاته ، فلا ينظر إلى سيئة إلا ويتحسر عليها ) أهـ  ،  ( ت ) كما أنه ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح – بجاه الصالحين ، لأن الاعتراف بجاه هؤلاء هو من الإيمان والعمل الصالح ، ولولا الإيمان لما اعترف المسلم بجاه هؤلاء الصالحين عند الله تعالى ، وكل مسلم يعلم ان للأنبياء والأولياء والصالحين وجاهة عند الله ، فأي مخالفة للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بجاه هؤلاء الوجهاء عند الله تعالى ، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بجاه الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى ، كما أنه ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل - على معناه الصحيح – بحق الانبياء والصالحين على الله تعالى ، وهو ليس بالحق الواجب على الله تعالى ، بل هو حق التفضل والرحمة والوعد الذي كتبه الله تعالى - تفضلاً - على نفسه لعباده المرسلين والصالحين والمؤمنين ، كما في قوله تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  } [ الروم : 47 ] ، فأي مخالفة بعد ذلك للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بحق ذوي الحرمة والحقوق على الله تعالى – وهو كما أسلفنا ليس حقاً ذاتياً لهم ، بل هو الحق الذي قطعه الله تعالى على نفسه تفضلاً ورحمة - ، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بحق الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى ، ثم أليس الإيمان بان لهؤلاء المكرمين حق على الله تعالى ، هو من باب الإيمان بهم ، وهو جزء كما تقدم من الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ، وألا يصلح ذلك الإيمان أن يكون بمثابة العمل الصالح الذي نتوسل به إلى الله تعالى ،

( ب ) التفريط والتساهل في باب التوسل : هناك تساهل شاب بعض الطائفة الصوفية تجاه مسائل التوسل يتمثل في طلب قضاء الحاجات منهم ، في رهبة ورغبة تُشعر بأنّهم متصرفون وقادرون ، فإن كان الزائر يعتقد  أن أهل القبور متصرفون ومستبدون وقادرون من غير توجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليه  فهذا هو الضلال المبين ، وإن كان يعتقد أنّهم وسيلة إلى الله ، فلا ينبغي التوجه إليهم بالقلب والدعاء ، وإنما التوجه والدعاء إنما يكون إلى الله مع اتخاذهم وسائل إلى الله تعالى ، وقد جرّ هذا التساهل إلى ما يفعله العوام الغافلون الجاهلون ، من الطواف حول الأضرحة وتقبيل القبور  والسجود والصلاة إليها مما وقع عنه النهي والتحذير ، واستوجب اللعن والعقوية ، وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين انه يعتقد ذلك أو يفعله ،

 

( 12 ) مبحث جيد عن التوسل

منقول من كتاب الدلالة النورانية للشيخ حسني الشريف

يقول الله تعالى : {يا أيها الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} (35 المائدة). يقول الشيخ أحمد الصاوي المالكي في حاشيته على تفسير الجلالين في تفسير هذه الآيات : "لما ذكر سبحانه وتعالى أن التوبة من الذنوب نافعة ، وكانت التوبة من جملة التقوى ، حث على طلبها هنا. وقوله (إليه) متعلقا بـ (ابتغوا) أي ما يقربكم  ويوصلكم إليه ، والتقوى هنا في الآية ترك المخالفات ، وابتغاء الوسيلة فعل المأمورات ، ويصح أن المراد بالتقوى امتثال المأمورات الواجبة ، وترك المنهيات المحرمة ، وابتغاء الوسيلة هو ما يقربه إليه مطلقا… ومن جملة ذلك محبة أنبياء الله وأوليائه والصدقات وزيارة أحباب الله وكثرة الدعاء وصلة الرحم وكثرة الذكر وغير ذلك. فالمعنى كل ما يقربكم إلى الله فالزموه واتركوا ما يبعدكم عنه. وإذا علمت ذلك فمن الضلال البيِّن والخسران الظاهر تكفير المسلمين بزيارة أولياء الله زاعمين أن زيارتهم من عبادة غير الله ، كلا بل هي من جملة المحبة في الله التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ألا لا إيمان لمن لا محبة له) والوسيلة له هي التي قال الله تعالى فيها : {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } " وقد فسر بعضهم الوسيلة بمنزلة في الجنة ، وكونها بهذا المعنى غير ظاهر ، لاختصاصها بالأنبياء عليهم السلام بناءً على ما رواه الإمام أحمد وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إذا صليتم فاسألوا الله لي الوسيلة ، قيل يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال : إنها أعلى منزلة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو الله أن أكون هو) ، ويقول الله تعالى أيضا : {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} (64 النساء) قال الزمخشري في الكشاف : "ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت ، جاءوك تائبين من النفاق ، متنصلين عما ارتكبوا ، فاستغفروا الله من ذلك بالإخلاص ، وبالغوا بالاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك ، حتى انتصبت شفيعاً لهم إلى الله تعالى ومستغفراً ، لوجدوا الله تواباً رحيماً أي لتاب عليهم". وهذه الآية وان كانت نزلت بسبب المنافقين والمتحاكمين إلى الطاغوت ، فهي عامة تشمل كل عاصٍ ومقصرٍ ومذنبٍ ، لأن ظلم النفس المذكور فيها ، يشمل كل معصية ، ثم إن الآية تدل على الإستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم في حالتي حياته ووفاته ، لأن كلاً من فعلي المجيء والاستغفار ، وقع في سياق الشرط ، أو الفعل في سياق يدل على العموم ، والإستشفاع في حالة الحياة ظاهر وليس فيه خلاف ، وأما في حالة الوفاة فينكره بعض الأدعياء ، متوهمين أن الموت يحول دون تحققه ، وفي ذلك خطأ ظاهر لسببين نذكرهما الآن مختصرين ، على أن نشرحهما فيما بعد : ( الأول ) : أن الأنبياء أحياء في قبورهم يرزقون ، ( الثاني ) : أننا نعتقد أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف ، لا في حياتهم ولا مماتهم ، وأن الأمر كله لله ، وإنما التوسل بهم وطلب الدعاء منهم هو لأنهم محل نظر ورعاية وولاية الله تعالى ، فيستوي بذلك الأمر في حياتهم الدنيوية والبرزخية ، بل البرزخية من باب أولى ، إن أصل التوسل مشروع لا خلاف فيه ، وإن من أنكره ، قدح - والعياذ بالله - في كثير من الآيات والأحاديث والأقوال التي سنتعرض لها إن شاء الله ، ولم يتعرض للإنكار أحدٌ من العلماء والصالحين طيلة التاريخ الإسلامي ، إلا مِن بعض المتأخرين ، ولا عبرة بقولهم ، وقد رد العلماء عليهم قولهم وأوضحوا بطلان آرائهم التي ابتليت بها الأمة ، 

[ أنواع التوسل ] : التوسل ستة أنواع ، ثلاثة منها لا خلاف فيها بين المسلمين جميعاً ،

النوع الأول : التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم : وهو أساس التوسل بالصالح الحي إلى الله تعالى. ومن أدلته : ( الحديث الأول ) : ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أنـس بن مالك رضي الله عنه (أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من بابٍ كان نحو دار القضاء ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ثم قال : يا رسول الله هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ، فادع الله يغيثنا. قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال : اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا. قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحابٍ ولا قزعةٍ ، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار ، قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت ، قال فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً ، قال : ثم دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال : يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا ، قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال : اللهم حَوْلَنا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ، فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس. قال شريك فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول؟ قال : لا أدري). وفي الحديث دليل واضح على جواز التوسل بالحي الصالح ، وإلا لأُمر ذلك الرجل بالدعاء من بيته أو أي مكان آخر دون الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ( الحديث الثاني ) : أخرجه البخاري في التاريخ الكبير وابن ماجة في السنن ونص على صحته النسائي وأبو نعيم والبيهقي والمنذري والهيثمي والطبراني وابن خزيمة وهو ما رواه الترمذي بسنده عن عثمان بن حنيف (أن رجلاً أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أُصبت ببصري ، فادع الله لي ، فقال صلى الله عليه وسلم : اذهب فتوضأ وصل ركعتين ، ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بحق نبيك محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني استشفع بك على ربي في رد بصري -وفي رواية "في حاجتي لتقضى لي اللهم شفعه فيَّ" - ثم قال صلى الله عليه وسلم وان كانت حاجة فافعل مثل ذلك). وهذا الحديث حجة قوية في صحة التوسل بالحي ، ومفهومه حجة لصحة التوسل بالميت. وسيأتي ذكره في مكان آخر ، وروى أبو داود في سننه وغيره : (أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله هلك الزرع وجف الضرع وإنّا نستشفع بك إلى الله تعالى ونستشفع بالله عليك. فسبّح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه فقال : ويحك أتدري ما الله تعالى! إن الله تعالى لا يُشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك). فيلاحظ هنا إنكاره صلى الله عليه وسلم قول الرجل (إنا نستشفع بالله تعالى عليك). ولم ينكر قوله (إنا نستشفع بك إلى الله تعالى). وفي الصحاح مجموعة عطرة من هذه الأحاديث ، لا يتسع لها المجال هنا في إثبات صحة التوسل بالحي الصالح ،

[ النوع الثاني : التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته ] : وهو التوسل إلى الله بذاته تعالى وبأسمائه وصفاته ونحوها. وهذه الأنواع متفق على مشروعيتها ، قال تعالى : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (186 البقرة) ، وقال تعالى : {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (180 الأعراف) ، وقال تعالى : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (60 غافر) ، والأدلة على هذا النوع أكثر من أن تحصى ، 

[ النوع الثالث : التوسل بالعمل الصالح ] : وهو توسل الحي بالعمل الصالح إلى الله تعالى : أخرج البخاري في صحيحه ومسلم في كتاب الذكر عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى آووا المبيت إلى غار فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الجبل ، فسدت عليهم الغار ، فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم ، فقال رجل منهم ، اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا ، فنأى بي في طلب شيء يوما ، فلم أرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غُبوقهما ، فوجدتهما نائمين ، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا ، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا ، فشربا غبوقهما ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة ، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج. قال النبي صلى الله عليه وسلم : وقال الآخر : اللهم إنه كانت لي بنت عم ، كانت أحب الناس إلي ، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني ، حتى ألمّت بها سنة من السنين ، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلتْ ، حتى إذا قدرت عليها قالت : لا أُحِلَ لك أن تفض الخاتم إلا بحقه ، وفي رواية : أسألك بالله أن لا تفض الخاتم إلا بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها ، وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة ، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي صلى الله عليه وسلم : وقال الثالث : اللهم إني استأجرت أجراء ، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب ، فثمّرت أجره حتى كثرت منه الأموال ، فجاءني بعد حين ، فقال يا عبد الله : أدِّ إليّ أجري. فقلت له : كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت : إني لا استهزئ بك ، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة ، فخرجوا يمشون) ، وروى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة قوله : (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً ، ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة). وهذا الحديث أيضا توسل بالعمل الصالح والرجل الصالح "بحق السائلين عليك" "وبحق ممشاي هذا" ، 

[ النوع الرابع : التوسل بالميت الصالح ] : وهو الأمر الذي اشتد الخلاف فيه في  هذا الزمن ولم يكن مطروقا في الماضي. علماً بأن جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعة قد أجازوه بالدليل الشرعي. وفي الشرع من الأدلة النقلية الصحيحة ما يؤكد هذا النوع من التوسل. ولقد أوردنا في النوع الأول من أنواع التوسل حديث الأعمى لأنه المحور الأساسي في إثبات شرعية هذا النوع الرابع من التوسل. ونص الحديث حجة صحيحه للتوسل الأول ، ومفهومه حجة لصحة التوسل بالميت. فقد بينا في التمهيد عقيدتنا في التوسل في أننا لا نتوسل بالجسم ولا بالحياة ولا بالموت ، ولكن بالمعنى الحسن والجاه الرفيع المقبول عند الله للصالح حيا كان أو ميتا ، إذ الفعل لله ، ولا فرق بين حياة المتوسَّل به أو مماته. وقوله في الحديث (يا محمد إني استشفع بك) نداء للغائب يستوي فيه الحي والميت ، ورغم ذلك فهناك أثر طيب أخرجه الطبري في معجمه الصغير عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف : وهذه الرواية هي امتداد للمفهوم والمعنى الذي ورد في حديث الأعمى (أن رجلا كان يختلف إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه في حاجة له ، فكان عثمان لا يتلفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك (وهذه الحادثة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد خلافة أبي بكر وعمر) فقال له عثمان بن حنيف [وهو الصحابي المحدث العالم بدين الله] إيت الميضأة ، فتوضأ ، ثم إيت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة ، يا محمد : إني أتوجه بك إلى ربي ، فيقضي حاجتي قال : وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك ، فانطلق الرجل يصنع ما قاله له ، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة   (الوسادة) فقال ما حاجتك ، فذكر حاجته وقضاها له ، ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة ، وقال ما كانت لك من حاجة فاذكرها. ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له : جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلمتَه (يظن أن ابن حنيف كلمه ، وتوسط له عند أمير المؤمنين عثمان) فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمتُه ، ولكني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير ، فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أوَ تصبر؟ فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي ، فقال صلى الله عليه وسلم إيت الميضأه ، فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات. قال ابن حنيف فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل (الأعمى) كأن لم يكن به ضر قط). والحديث محقق مع الحديث الأول ، ( سؤال ) : يقر البعض بجواز التوسل بالصالح الحي والعمل الصالح وبعدم جوازه بالصالح الميت. ويستشهدون على ذلك بتوسل الصحابة بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ، أين الحقيقة في ذلك؟  ( جواب ) : حديث التوسل بالعبـاس حديث صحيح رواه البخاري والطبراني وابن ماجة (أن الأرض أجدبت في زمن سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه وكادت الريح تذر ترابا كالرماد لشدة الجدب فسمي (بعام الرمادة) ولذلك خرج سيدنا عمر يستسقي ، فقال للناس : هل فيكم من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : نعم العباس بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأخذ سيدنا عمر بيده وأوقفه أمامه وقال (اللهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيك فأنت تقول وقولك الحق {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} (82 الكهف) فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم نبيك في عمه ، فقد دنونا به إليك مستغفرين ، ثم أقبل على الناس وقال : استغفروا ربكم انه كان غفارا ، والعباس عيناه تنضحان وهو يقول (اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة ولا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الكبير والصغير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى ، اللهم أغثنا بغيثك فقد تقرب القوم بي إليك لمكانتي من نبيك عليه الصلاة السلام). فنشأ طرير من سحاب وقال الناس : أترون أترون! ثم تراكمت الغيوم وماست فيها ريح ثم هرت ودرت حتى قلعوا الحذاء وقلعوا المآزر ، وعاد الناس يتمسحون بردائه ويتبركون به ، ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين) ، جملة القول في موضوع التوسل بالصالح الميت ينحصر في الآتي : ( أولا ) : جاء في كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البر : "سبب توسل الصحابة بالعباس أن هذا لا يتنافى مع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره لأن سبب توسلهم به رضي الله عنه هو قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم فكأنهم توسلوا بالرسول وبعمه في وقت واحد". وكانت طائفة في العام نفسه وللسبب نفسه تتوسل إلى الله مستسقين بالرسول صلى الله عليه وسلم في قبره ، كما أخرج ابن أبي شيبة عن مالك الدار بسند صحيح كما في فتح الباري وأخرجه البخاري في التاريخ وابن أبي خثيمة والبيهقي في الدلائل (أن بلال بن الحارث المزني الصحابي ، أتى إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الرماد في عهد عمر بن الخطاب وقال : (يا رسول الله استسق لأمتك فانهم قد هلكوا.)..الخ). وهو نص لم ينكر على الصحابي فأخذ قوة الاجماع ، وقد أخرج ابن عساكر وابن الجوزي وابن النجار بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال : (أتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته فجلست بحذائه ، فجاء أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبره وحثى من ترابه على رأسه وقال : يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله تعالى ووعينا عنك وكان فيما انزل عليك {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ} وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر أنه قد غفر لك). وفي هذا جواز التوسل واستمداد المغفرة والمدد من الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم ،  ( ثانياً ) : إن الأمر بالنسبة للأنبياء والشهداء يستوي في الحياة والممات لأنهم أحياء في قبورهم وأن الأرض لا تأكل أجسادهم لما روى النسائي عن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) وروى البيهقي في كتاب الأنبياء وصححه من حديث أنس رضي الله عنه ‎أنـه صلى الله عليه وسـلم قال (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون). وروى مسلم في باب فضائل موسى من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (مررت على موسى ليلة اسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره) ، وروى الحافظ الهيثمي عن عبد الله بن مسعود وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح أن النبي صـلى الله عليه وسـلم قال (حياتي خير لكم تحدثون ويُحدّث لكم ، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تُعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله وان رأيت شراً استغفرت لكم). وهذا العرض كل يوم ، وقد عُد من خصائصه صلى الله علية وسلم. وكثرة الأحاديث بهذا المعنى تدل دلالة لا شك فيها على أن حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من باب أولى ، لأن هذا هو حال الشهداء أيضاً وان كانت حياتهم دون حياة الأنبياء. قال تعالى { وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } (154 البقرة) ،  ( ثالثاً ) : هذه الوسيلة كانت قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ذكر القرآن الكريم قصة بني إسرائيل في قوله تعالى {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} (89 البقرة) يقول صاحب الكشاف ما نصُّهُ "وكانوا يعني اليهود من قبل : أي من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. يستفتحون : أي يستنصرون به. على الذين كفروا : يعني مشركي العرب ، وذلك انهم كانوا إذا حزبهم أمر أو دهمهم عدو يقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة وكانوا ينـتصرون. وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أطل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد و‏‏‏‏إرم. فلما جاءهم ما عرفوا : أي الرسول صلى الله عليه وسلم عرفوا نعته وصفته. كفروا به : أي جحدوه وأنكروه بغيا وحسدا وكفراً" ،  ( رابعاً ) : يستفاد من حديث التوسل بالعباس درسٌ لقننا إياه أمير المؤمنين عُمر للتبرك والمحبة لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى {قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [ الشورى : 23 ] ،

[ النوع الخامس : التوسل بالصالح الحي ] : وقياسا على حديث العباس والاستسقاء به أجاز العلماء التوسل بالصالح الحي الذي عُلم صلاحه من غير النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أجازوا التوسل بالصالح الميت قياساً على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. وهذا عمر بن الخطاب يتوسل إلى الله بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرج بن عبد الحكم عن زيد بن أسلم قال : (لما أبطأ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح مصر كتب إلى عَمرو بن العاص رضي الله عنه : أما بعد فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر ، تقاتلونهم منذ سنين وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم ، وإن الله تعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم ، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على القتال وقدِّم أولئك الأربعة في صدور الناس وأمر الناس أن يكونوا لهم صدمة رجل واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة فإنها ساعة تنـزل فيها الرحمة). وهذا خالد بن الوليد يتوسل ويستنصر بشَعر النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج الطبراني عن جعفر بن عبد الله بن الحكم أن خالد بن الوليد رضي الله عنه ، فقد قلنسوة له يوم اليرموك فقال : اطلبوها فلم يجدوها ، فقال اطلبوها فوجدوها ، فإذا هي قلنسوة خَلقة (بالية) فقال خالد (اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره ، فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصرة) ، وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري (أنه نظر إلى ابن عمر رضي الله عنهما وضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه). و عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال (رأيت ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون) ،  والعقيدة الصحيحة التي نحن عليها أن الأنبياء والأولياء والصالحين لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف لا الآن ولا حين كانوا أحياء في دار الدنيا لأن صفتهم الفناء والاستهلاك. وهو ما أكده الشيخ يوسف الرفاعي في كتابه «أدلة أهل السنة والجماعة» بقوله : "لو كان هذا التوسل شركاً وتوجهاً إلى غير الله كما يزعم المنكرون ، فينبغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من الصالحين من عباد الله وأوليائه في حال الحياة أيضا. وليس ذلك مما يُمنع فانه مستحبٌ ومستحسن شائع في الدين ، ولو زعم أنهم عزلوا واخرجوا من الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة الدنيا فما الدليل عليه. ومن اشتغل من الموتى عن ذلك بما عرض له من الآفات فليس ذلك كافياً ولا دليلاً على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة"  ، ويقول أيضاً "نعم إن كان الزائر يعتقد  أن أهل القبور متصرفون ومستبدون وقادرون من غير توجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليه كما يعتقده العوام الغافلون الجاهلون ، وكما يفعل أولئك من تقبيل القبر والسجود والصلاة إليه مما وقع عنه النهي والتحذير ، فذلك مما يمنع ويحذر منه وفعل العوام لا يعتبر قط ، وهو خارج عن البحث وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين انه يعتقد ذلك ويفعل هذا". وإلى هذا التوسل أشار الإمام مالك رحمه الله تعالى للخليفة الثاني من بني العباس وهو المنصور جد الخلفاء العباسيين في المناظرة التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال له الإمام مالك : (يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد ، فإن الله تعالى أدب قوما فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (2 الحجرات). وقد مدح قوما فقال {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} (3 الحجرات) وذم قوما فقال {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ} (4 الحجرات). وإن حرمته ميتاً كحرمته حيا ، فاستكان لها أبو جعفر فقال : يا أبا عبد الله (يعني الإمام مالك) أستقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الإمام مالك : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة. بل استقبله واستشفع به فيشفِّعه الله ، قـال اللـه تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُم}(64 النساء). وهذه القصة رواها القاضي عياض بإسناد صحيح. وقد صرح كثير من العلماء بهذا ،  والحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة ينص على (صحة التوسل وجوازه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته ، وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين ، كما دلت الأحاديث السابقة). فإننا إذن وبناءاً على ما تقدم لا نعتقد تأثيرا ولا خلقاً ولا إيجاداً ولا إعداماً ولا نفعاً ولا خيراً إلا لله وحده لا شريك له ، فلا نعتقد تأثيراً ولا نفعاً ولا خيراً للنبي صلى الله عليه وسلم باعتبار الخلق والإيجاد والتأثير ، ولا لغيره من الأحياء والأموات. فلا فرق في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء ، وكذا بالأولياء والصالحين ، ولا فرق بين كونهم أحياءً أو أمواتاً ، لأنهم لا  يخلقون شيئاً وليس لهم من دون الله تأثير في شيء. وإنما يتبرك بهم لكونهم أحبّاء الله تعالى ، والخلق والإيجاد والتأثير لله وحده لا شريك له ، ولأنه تسري بركة المكان على الداعي ، كما ذكر الإمام الشوكاني. أما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات حيث جوّزوا بعض التوسلات بالأحياء دون الأموات فهم القريبون من الزلل والخلل لأنهم اعتبروا أن الأحياء لهم تأثير دون الأموات مع أنه لا تأثير إيجاداً لغير الله تعالى على الإطلاق ،  وأما الإفادة وفيض البركات والاستفادة من أرواحهم استفادة اعتيادية ، وتوجه أرواحهم إلى الله تعالى طالبين فيض الرحمة على ذلك المتوسل فهو شيء جائز وواقع وخال عن كل خلل دون الفرق بين الأحياء والأموات ،  فشبهة المانعين إن كانت من جهة أن الأموات أجساد هامدة جامدة ولا روح ولا إدراك ولا مجال للخطاب معهم ، فتلك ساقطة من الاعتبار لأن أجساد الأنبياء لا تبلى ، وان الله حرّم على الأرض أن تأكل لحومهم ، وأن أرواحهم باقية ثابتة ولها إدراك بإذن الله تعالى ، وهو تعالى يعلمها بصلاة المسلمين وبتوسلات المتوسلين ، وحسبك في الموضوع خطابك النبي صلى الله عليه وسـلم في كـل صلاة عند التشـهد بقولك (السلام عليك أيها النبي ورحمـة اللـه وبركاته) وليس (السلام على النبي). فإذا توسلنا به صلى الله عليه وسلم على معنى طلب الدعاء منه فطلب الدعاء مشروع وإذا توسلنا بذاته الشريفة أو بجاهه العظيم أو بحقه الجسيم فكل ذلك واقع في الروايات الصحيحة. وإذا كان القصد الاستشفاع بـه صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه الشفيع وشفاعته ثابتة شرعا. وما توهم الناس به من انه شرك فالشرك أن يجعل العبد أحداً سوى الله تعالى شريكاً له في الألوهية والربوية والخلق ، وأين ذلك من التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم بصفة أنه عبد الله ونبيه ورسوله أكرمه بفضله وجعل له الشفاعة والوسيلة والمقام المحمود ، وقياس المسلمين المتوسلين على عُبَّاد الأصنام فيما حكاه الله تعالى عنهم من قولهم {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (3 الزمر) ونحوه ، ناشئ عن إغماضٍ عن الحق وانحرافٍ عن الواقع وتسوية بين الأمة الوثنية الجاهلة الضالة وبين الأمة المسلمة المؤمنة بالله وحده لا شريك له ، الناشئة عن الملة الإسلامية الحنيفة التي تمرنت على الاعتقاد بالله والتي رضيت بالله تعالى رباً وبالإسلام دينا وبالقرآن كتابا وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  عبدا ورسولا و نبياً. وآمنت بأن البعث حق والجنة حق والنار حق والموت حق والحساب حق. وكيف يتصور بمن أسلم وقرأ القرآن وفهم تعاليمه وأحب النبي العدنان أن يظن تلك الظنون الفاسدة التي ظنها عُبَّاد الأصنام الجاهليون. وكيف يتصور ذلك من العارفين بالله الدارسين لمعنى {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (110 الكهف) ولإنذارات الرسول صلى الله عليه وسلم لعشيرته بعد نزول قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (214 الشعراء) ،

[  النوع السادس : التوسل بالجاه ] : يقول العلامة الألوسي البغدادي في تفسيره «روح المعاني» بعد بحث طويل في التوسل يقول ما نصه : "أنا لا أرى بأساً في التوسل إلى الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً. ويراد من الجاه معنىً يرجع إلى صفة من صفاته مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته. فيكون معنى قول القائل : إلهي أتوسل إليك بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضي حاجتي إلهي اجعل محبتك له وسيلةً في قضاء حاجتي. ولا فرق بين هذا وقولك إلهي أتوسل إليك برحمتك أن تفعل كذا ، إذ معناه أيضا (الهي اجعل رحمتك وسيلة في كذا) ، بل لا أرى بأساً أيضا بالإقسام على الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى. نعم لم يُعهد التوسـل بالجاه والحرمة على أحـد من الصحابة  - الكلام  للألوسي - ولعل ذلك كان تحاشيا منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس إذ ذاك وهم قريبو عهدٍ بالتوسل بالأصنام. ثم يقول إن التوسل بجاه غير النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس به أيضا إن كان المتوسل بجاهه ممن عُلم أن له جاهاً عند الله تعالى ، كالمقطوع بصلاحه وولايته" انتهى مبحث التوسل من كتاب الدلالة النورانية للشيخ حسني الشريف

 

كتاب السلفية المعاصرة مناقشات وردود
للعلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المكي الهاشمي


هذا الكتاب من أحسن الكتب التي تناولت أخطاء الدعوة الوهابية بأسلوب رصين وعلم راسخ ، ولم يتناول في نقده لا تجريحاً ولا انتقاصاً ، وإنما جاءت نصيحته خالصة للإصلاح لطائفة من المسلمين ، نحسبه على خير ، والله حسيبه ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
بسم الله الرحمن الرحيم : قال رحمه الله :

[[ الاختلاف مع الوهابية إنما هو اختلاف في مفهوماتهم الخاطئة وليس على عقيدة كما يدّعون : ليس الخلاف – مع الوهابية – على عقيدة , بل هو نتيجة خطأ مفهومات شاذة في الشرك والعبادة والبدعة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فالسواد الأعظم من علماء المسلمين في كل قطر إسلامي وعلى توالي قرون طويلة جداً لا يرى في دعوة الأنبياء والصالحين مستغيثين أو مستشفعين أو متوسلين أنه عبادة لغير الله ، ويرون أن الوهابية لم تفقه معنى العبادة إذ توهموا أنّ إتيان الأعمال التي تصلح للعبادة لا تقع إلا عبادة , وهذا خطأ سيأتي بيانه عند تحرير معنى العبادة . وكذلك قصد المصطفي بالزيارة والاحتفال بالزيارة والاحتفاء بذكرى المولد النبوي ليس من بدع الضلالة في شيء كما سيأتي بيانه أيضاً عند تحرير معنى البدعة وما يدخل في بدعة الضلالة وما لا يدخل فيها ، وسواد العلماء يخطئون الذين يشركون الناس باستغاثتهم ودعائهم للأنبياء والصالحين ويخطئون من يمنع المولد وغيره , ويرون أنّ دعاويهم في ذلك لا تستند على أدلة ناهضة غير سردهم لآيات وأحاديث أخطأوا في فهم معناها ودلالاتها ، ولعلماء السواد الأعظم من المسلمين من الدراية والرواية ما يفوق علم الذين يكفرون بتلك الأمور أو يبدعون أو يضللون ،

ما هو محل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما ليس محلاً له : ينبغي أن ينتبه إلى أن المسائل التي اختلف فيها علماء المسلمين ما بين مانع ومجيز ، ليست مكاناً للإرغام بالقوة ولا للتشهير بها من على المنابر والإذاعات والصحف , ولا مكانا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكيف إذا كانت أكثرية العلماء في كل بلد إسلامي هي التي تجيزها ومن باب أولى إذا تبيّن من أبحاث هذه الرسالة أنه ليس للقلة المانعة إلا شبه توهموها أدلة على المنع ، وأسوق هنا نبذاً من رسالة للشيخ ابن تيمية نُشرت في مجلة التوعية الإسلامية التي تصدرها " إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد " وتوضح هذه النبذ كيف يخطئ البعض في طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال : " إنّ الرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفريق يريد أن يأمر وينهى من غير فقه ولا حلم ولا صبر ولا نظر فيما يصلح , وما يقدر عليه وما لا يقدر عليه , وهو معتقد أنه مطيع لله ورسوله وهو معتد في حدوده " ، وقال : " وقسم يأمر وينهى ويقاتل طلباً لإزالة الفتنة ويكون فعله ذلك أعظم فتنة " ، وقال "لا تَنْهَ عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه , بل يكون النهي حينئذٍ من باب الصدّ عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات " ، وقال : " لا بد في الأمر والنهي أن تكون المصلحة راجحة على المفسدة وحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به وإن كان قد ترك واجب وفعل محرم " ، وقال : " من الناس لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم فلا يرضون إلا بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه . فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه وصار الأمر الذي كان عنده منكراً ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب عليه وصار فاعلاً له شريكاً فيه ومعاوناً عليه لمن ينهى عنه وينكر عليه " ، وقال : " إذا أمر غيره بحسن إذا أحب موافقته له على ذلك أم نهى غيره عن شيء فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحساناً يحصل به مقصوده من حصول المحبوب واندفاع المكروه فإن لا تصبر على المر ِّ إلا بنوع من الحلو ولذا أمر الله بتأليف القلوب " ، وقال : " لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به فقيهاً فيما ينهى عنه " ، وهذا وإنَّ مراعاة هذه المبادئ علماً وعملاً ودعوة خاصة على من له وزن رسمي هي المحبة وتآلف القلوب ،

ميزان نبوي لمعرفة الخطأ والصواب لمن ليس عنده أهلية البحث : اعلم أن كثيراً من الناس ليس عندهم من المؤهلات ما يتمكنون به من التفرقة بين الصواب والخطأ , ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتركنا هملاً بل بين لنا أنه إذا أجمع العلماء على شيء كان ما خالفهم هوى وضلالاً ، كما بين أنهم إذا اختلفوا كان الصواب والرشاد مع رأي الكثرة من العلماء كما بين أن المخالفين لهؤلاء يكونون قلة فكان هذا ميزاناً نبوياً لإدراك الخطأ والصواب لمن يعجز عن البحث ، فروى أبو نعيم والحاكم وابن منده ومن طريقه الضياء المقدسي عن ابن عمر مرفوعاً : (( إنّ الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبداً وأن يد الله مع الجماعة , فاتبعوا السواد الأعظم فإنّ من شذ شذ في النار )) ، كذا في" كشف الخفاء للعجلوني" في حرف لا تجتمع أمتي على ضلالة صـ50 ، وقال في " كشف الخفاء" وكذا عند الترمذي : وكذلك روى عبد بن حميد وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه رفعه (( إنّ أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم )) كذا في " كنز العمال "ج 1 ص 180 و"كشف الخفاء " ص 350 ج2 وفي " كشف الخفاء " ص 391ج2 أنّ مثل ذلك روي عن ابن عباس مرفوعاً كما في "مستدرك الحاكم " وفي تخريج الحافظ ابن حجر لمسند الفردوس ، وروى الترمذي أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية فقال : (( عليكم بالجماعة وإياكم الفرقة , فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد )) ، وروى الطبراني عن عرفجه " يد الله مع الجماعة والشيطان مع من خالف الجماعة يركض " كنز العمال ص 206 ، وأحاديث التمسك بالجماعة في الصحيح أشهر من أن تذكر ، والمراد بالسواد الأعظم في الروايات السابقة سواد علماء أمته صلى الله عليه وسلم لأن العلماء هم أهل الحل والعقد والاستنباط والإفتاء … ورأيهم بموجب هذه الروايات هو مظنة الصواب ، والتشكيك في صواب الكثرة بسرد آيات وأحاديث " إنّ أكثر من في الأرض ضالون " فإنما مورد تلك النصوص هو كثرة الكفار في الأرض وقلة المؤمنون فيها . وما زعم أحد أن الصواب يكون في جانب الكثرة المطلقة من كفار ومؤمنين ، ولكن ندعي كما في أحاديث التمسك بالجماعة والتحذير من الشذوذ عنها بعمومها وأحاديث الدعوة إلى اتباع السواد الأعظم عند الاختلاف أن الصواب يكون في جانب السواد الأعظم من علماء الأمة المحمدية المؤمنة , وأنّ الباطل يكون فيمن شذ عنهم فحريُّ بالقلة بعد هذا أن تتهم نفسها بالخطأ بدلاً من اتهام الكثرة المؤمنة بالضلال ، وبعد هذا الميزان النبوي فإن المكابرات والمغالطات وسرد النصوص دون فهم لا تجدي أصحابها نفعاً ،

تصور الوهابيين لشرك الأمة شركاً أكبر مخالف لبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك : قد صح عن الصادق المصدوق أنّ أمته صلى الله عليه وسلم بعده لن تعبد الأوثان ولن تشرك الشرك الأكبر إلا بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين في آخر الزمان بعد انتهاء فتنة الدجال وأما قبل ذلك فلا ، وهذا مخالف لتصور الوهابيين أنّ الشرك الأكبر قد انتشر في بقاع العالم الإسلامي منذ مئات السنين ، فورد عن جابر وابن مسعود وعمرو بن الأحوص وابن عباس مرفوعاً : (( إن الشيطان قد يئس من أن تعبد الأصنام بأرض العرب )) ، والروايات في ذلك متعددة في صحيح مسلم , ومستدرك الحاكم وأبي يعلى والبيهقي وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وورد في حديث شداد بن أوس في ابن ماجه " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أتخوف على أمتي الشرك ، قلت يا رسول الله أتشرك أمتك بعدك ؟ قال : نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولكن يراؤون في أعمالهم )) ، وورد في حديث الشيخين عن عقبة بن عامر مرفوعاً : (( لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا )) ، وورد في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( لا يذهب الليل ولا النهار حتى تعبد اللات والعزى " فقلت يا رسول الله : إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } إنّ ذلك تام ، قال : إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله ريحاً طيبة فتوفي كل من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل كمن إيمان )) ، ومصداقاً لوقوع هذا في وقته المبين في حديث عائشة أنه بعد هبوب الريح الطيبة التي تقبض نفس جميع المؤمنين ما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوْس حول ذي الخلصة )) ، وما روى مسلم عن عبد الله بن عمرو من حديث الدجال ونزول عيسى عليه السلام وأن بعده هذه الريح وقبض أرواح المؤمنين وأنه يبقى شرار الناس فيقول : " ألا تستجيبون ؟ فيقولون : ماذا تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان " ، وفي كل هذه الأحاديث الصحيحة بلاغ على أنّ أمته صلى الله عليه وسلم لن تعبد الأوثان بعده , ولن تشرك الشرك الأكبر إلا بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين في آخر الدهر بعد أن تهب الريح الطيبة وقبض أرواح المؤمنين , وإن هبوبها يكون بعد نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال ومكثه في الأرض ما شاء ، فماذا يمكن أن يقول القائلون بعد أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم والفتاوي والتصرفات إذا انبعثت عن تصورات تخالف ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم تبقى محيرة جداً لما تنطوي عليه من مخالفة بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال وفيما أخبر ، والردة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه لم تكن فيها عبادة أوثان وإنما ادّعاء نبوات وشراكة في الرسالة وتمرد جماعي على الوجبات الإسلامية كمنع الزكوات والتهاون بالصلوات وبشعارها الأذان , يحقن الدم والمال وما بزغت حتى انتهت بفضل الله ثم بحزم الصديق . فالاستبدال بها على أن عبادة الأوثان كائنة بعده صلى الله عليه وسلم قبل الوقت الذي حدده صلى الله عليه وسلم لها هو استدلال على الشيء بما هو أجنبي عنه ، ...

غلط تصور الوهابيين للعبادة والشرك : لما رأى القوم أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ تخيَّلوا أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة , وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد , وإن وقعت لغيره فهي الشرك ، ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين خطأ هذا المفهوم , وأن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها كتأثير بقدرة كن أو استقلال بالنفع والضّر والإعطاء والمنع أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكته له في الربوبية ونحو ذلك ، وقد بينت آيات كثيرة أنّ هذا كان هو اعتقادهم في آلهتهم فحكى الله تعالى قول المشركين لهود عليه السلام : { إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ } ، وقال تعالى : { قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ } ، وقال تعالى : { أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ } ، وعجز الآية { إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ } ، يكشف أنّ اعتقادهم كان أنّ آلهتهم تنصرهم ثم انكشف يوم القيامة أنهم كانوا مغرورين ، وقال تعالى : { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } ، وقال تعالى : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } ، وغير ذلك آيات كثيرة لا يتسع لذكرها المجال مما يدل على إشراك المشركين معبوداتهم في بعض خصائصه تعالى , فلما اعتقدوا لآلهتهم تلك الخصائص زاولوا تلك الأعمال لهم بنية عبادتهم ، ومما يومئ إلى أنّ دعاء المشركين لآلهتهم كان مصحوباً باعتقاد صفات الربوبية فيهم من ضر ونفع استقلالاً قوله تعالى : { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا } ، ولو كان مجرد إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به - من دون اقتران نية العبادة لمن يعتقده رباً - هو الشرك إن وقع لغيره تعالى لما جاء بعض تلك الأعمال مأموراً به لغيره تعالى لأن الله تعالى لا يأمر عباده بالشرك ولا يرضى به ولا يأمر بالفحشاء ، فالسجود مثلاً " ، وهو أقرب إلى التذلل من سواه ، " لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما أمر الله به لآدم ولما حلّ في شريعة قط كالسجود ليوسف على وجه التحية والتكريم ، فلما جاء السجود صالحاً لأن يكون سجود عبادة وشرك , وأن لا يكون سجود عبادة وشرك تبين أن إتيان أي عمل ليس عبادة لذاته ولا شركاً في نفسه إلا أن يجتمع مع إتيانه نية العبادة به لمن يعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها ، والتعظيم مثلاً لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما فرَّق بين تعظيم وتعظيم . فمنه ما هو كفر ومنه ما هو حرام كسجود التحية في شريعتنا , ومنه ما هو مكروه كالتمثيل قياماً بين يدي السلطان , ومنه ما هو مأمور به كتعظيم النيي صلى الله عليه وسلم وتعظيم شعائر الله وتعظيم البيت بالطواف به والوقوف للدعاء عند الحجر وباب الكعبة والملتزم , وتعظيم الحجر الأسود بتقبيله ومس الركن اليماني والصلاة خلف المقام ، فما جاء التعظيم صالحاً لأن يكون تعظيم عبادة وشرك وأن لا يكون تعظيم عبادة وشرك تبين أنّ مجرد التعظيم لشيء ليس عبادة له شرعاً حتى يجتمع الإتيان به نية العبادة لمن تعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها ، وحين يؤمر به لغير الله من غير أن تقترن به نية العبادة لغيره تعالى خرج عن كونه شركاً لأن فقدان نية العبادة فيه صرفته عن اعتباره عبادة لغير الله , ونية الامتثال صرفته إلى أنه عبادة للآمر وقربى إليه فالنية على هذا هي الحد الفاصل بين الحكم على العمل بأنه عبادة أو لا يدخل في مسماها ، ولما رأى القوم أن من العمل أنّ القول لغير الله ما لا يعتبر شركاً , وأن ليس كل داع لأحد أو مستنجد به أو مستعين به يعتبر شركاً , فتشوا عن ضوابط لما يصل إلى درجة الشرك وما لا يصل إليه ، فأجازوا من ذلك مما كان لحي حاضر فيما يقدر عليه , ومنعوا من ذلك ما كان لغائب أو ميت ، ولا معنى لبناء الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنه لا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم , أما أهل السنة فحين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً , حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله ، وطلب سليمان من اتباعه عرش بلقيس هو مما لا يدخل عادة تحت قدرة العبد ومع ذلك طلبه ، ولا معنى كذلك لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم ، وفي كتاب "الروح" لابن القيم فصول فحواها "أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على التصّرف والترائي للأحياء " ، وإذ تبين فساد ضوابطهم في الجواز والمنع تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو أنه كان العمل أو القول لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء ، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف الله وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي ولا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ولا يوم القيامة ، وما خلا عن نية العبادة لا يقال أنه عبادة لغير الله إلا أن يكون الشارع قد جعل نفس العمل كفراً كالسجود للصنم يكفر فاعله ولولم تعرف نيته لأنّ ذلك إمارة على اعتقاد ربوبيته ومظنة للشرك ، وبهذا البيان تعلم أنّ مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شيء مما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما ، فعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة ، إذ قلوب المسلمين والحمد لله مستقرة على أن من يتوسل بهم من الأنبياء والصالحين هم مجرد أسباب لا استقلال لهم بنفع ولا ضر , وليس لهم من الربوبية شيء , ولكن الله جعلهم مفاتيح لخيره , ومن أعظم ما تتنزل به الرحمات من الواحد المنّان ، والاستعانة بالأسباب مأمور بها في صريح قوله تعالى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } ، وفي حثّ الرسول المؤمنين على إعانة المستعين بهم وعلى التيسير على المعسر والتفريج عن المكروب ، وإسناد الفعل إلى المعين والميسر والمفرج هو من إسناد الفعل للسبب لأنَّ الفاعل هو الله تعالى ولا يريد المسلمون إلا هذا المعنى ، فإذا قال المسلم : نفعني النبي أو الولي أو أخذ بيدي أو أغاثني أو أعانني فلا يعني إلا هذا الإسناد المجازي ولا يعتقد أن له شيئاً من الاستقلال بالنفع أو الضر كما هو شأن الرب المعبود ، وإذ قد علمت أنّ عبادة المشركين لأربابهم إنما هي بإتيانهم الأعمال والأقوال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم ربوبية أو خصائصها من تأثير بقدرة كن واستقلال بالنفع والضر والإعطاء والمنع والضر أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكتهم لله تعالى ، فكيف ينطبق قولهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي } على المسلمين ينووا بدعائهم للأنبياء والصالحين مستغيثين أو مستشفعين عبادة لهم ولا اعتقدوا فيهم ربوبية ولا تأثيراً بقدرة كن ولا اعتقدوا فيهم قدرة على النفع والضر استقلالاً ولا اعتقدوا أنّ شفاعتهم إنما هي بحكم شراكتهم لله في الربوبية كما يفعل المشركون وكما ينوون بأفعالهم وأقوالهم وكما يعتقدون سبحانك هذا بهتان عظيم وقياس غير مستقيم ، ومن آمن بالكتاب كله ولم يتسلط عليه الهوى لا يكتفي بسرد الآيات الدالة على اعتراف المشركين بانفراده تعالى بخلق الجواهر العظام من سماء وأرض وخلافها ومن رزق وإنزال الغيث والتدبير العام , ويهمل ذكر الآيات التي ذكرناها المثبتة لكفر المشركين بالربوبية في بعض خصالها حيث اعتقدوا التأثير والنفع والضر والنصر والإعطاء والمنع لأربابهم استقلالاً ونفوذ شفاعتهم عليه تعالى بحكم شراكتهم له في الربوبية ، وأين من يعتقد فيمن يدعونهم ويستغيثون بهم أنهم أرباب ومن يعتقد أنهم أسباب ، ولما اعتقد المشركون أنّ شفاعة أربابهم محتمة القبول عند الله بمقتضى شراكتهم له في الربوبية ردًّ الله عليهم بأنه لا شفاعة إلا بإذنه ورضاه ومشيئته ونفي شفاعة الأوثان وسائر المعبودين في عابديهم ، كما بين أنّ الشفاعة كلها لله , وأنه قد أعطاها للأنبياء وعباده الصالحين فيمن لقي ربه لا يشرك به شيئاً ، { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } مثلما أنّ المُلك كله لله أعطى منه ما شاء لمن شاء والعزة كلها لله أعطى منها ما شاء لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، واستشفاع المؤمنين لا يعني إلا طلب الدعاء ممن أعطاهم الله الشفاعة والمصحح للطلب هو حياة الشفيع سواء في الحياة أو يوم القيامة بخلاف استشفاع المشركين فإنه ينطوي على إشراك بحقوق الله باعتقاد أن شفاعتهم عنده تعالى إنما هي بمقتضى شراكتهم لله في الربوبية ، قالوا قصر الله الاستعانة به تعالى في سورة الفاتحة في قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، قلنا : تمهيد الله لذلك بذكره صفات الربوبية يدل على أن ما تعنيه سورة الفاتحة عن غيره تعالى هو استعانة مربوب بمن يعتقده رباً وإلا فأين أحاديث الحث على إعانة المستعين وعلى التفريج عن المكروبين ؟ قالوا : صح أن الدعاء هو العبادة أو مخها ، قلنا : صحّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تلا عقب هذا القول : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } ، وهذا يدل على أن المخاطبين في الحديث هم المؤمنون وأنّ دعاءهم كان مصحوباً بأقصى التذلل لمن لا ربّ سواه أي أنّ دعاءهم كان مقترناً باعتقاد أنه الرب دون سواه فصار الدعاء بهذه النية عبادة ، إذ دعاء العبادة هو ما أحدثه الداعي بنية العبادة لمن اعتقد فيه ربوبية أو صفاتها أو خصائصها ، ( قال ) في الحديث : للعهد الخارجي عند المخاطبين أي الدعاء المعهود عندهم وليست للاستغراق كما توهم الوهابية في استدلالهم بذلك على أنّ الدعاء لذاته هو العبادة ولو لم يقترن بنية العبادة لمن اعتقده رباً ، وبعد أن تبينت خطأ القوم وسوء تصورهم لما يدخل في مسمى العبادة وما لا يدخل فيها وضح لك أي إثم يقترف في الحكم على سواد المسلمين الأعظم بالشرك والكفر لدعائهم واستغاثتهم بالأنبياء والصالحين التي لا اعتقاد معها بأن لهم شيئاً من خصائص الربوبية وصفاتها . ونسأل الله السلامة في القول والعمل ،

من أسباب غلط الوهابيين في الحكم بالتكفير : قدمنا لك ما فيه الكفاية عن تحقيق معنى العبادة ، وأنّ غلط الوهابيين في مفهومها تسبب في تكفيرهم المسلمين بالدعاء للاستغاثة أو الاستشفاع حيث غلطوا فجعلوا كل أمر يؤتى مما يصلح للتعبد به هو العبادة لذاته , ولو لم ينو به الفاعل أو القاتل العبادة به , ولا اتخذ ممن وجه إليه الفعل أو القول رباً أو متصفاً بشيء من صفات الربوبية ، ونزيدك اليوم تبصرة في ذلك لكشف بعض ما قد يشتبه عليك أيها المسلم : إنّ الصحابة حيث كانوا يستغيثون برسول الله صلى الله عليه وسلم أو يستعينون أو يطلبون منه الشفاعة أو يشكون حالهم إليه من فقر ومرض وعاهة وبلاء ودين وعجز وجدب كانوا يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل ذلك بذاته أو بقوته , وإنما يفعله بإذن الله وأمره وقدرته وأنه عبد مأمور وله مقامه وجاهه وكرامته وأنّ الحقيقة هو مجرد سبب من أسباب الإجابة ولا فاعل إلا الله ، وكان موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السائلين تارة الاستجابة لطلبهم وتارة يخيرهم بين الصبر أو كشف البلاء كما خير الأعمى والمرأة التي تصرع وقتادة الذي أصيبت عيناه , وتارة يقول لهم : إنما يستغاث بالله ويقول لهم : إذا سألت فسأل الله و وإذا استعنت فاستعن بالله , وترة يقول : السيد هو الله , ومرة يقول : أنا سيد ولد آدم ، وواضح من اختلاف أجوبته صلى الله عليه وسلم للسائلين أنه كان يراعي حالة السائل حين يسأله فيجيبه بما يقضي فيه رسوخ الاعتقاد أو نقصه حسب ما يظهر له بالوحي أو بقرائن الحال ، والسائلون لا يعنون من الطلب منه صلى الله عليه وسلم إلا وساطته بالتوجه إلى الله ليدعو ويشفع ، ومع ذلك راعى صلى الله عليه وسلم حالة السائل في الجواب لمن يخشى على اعتقاده , وإرشاداً لغرس اليقين في الله وحده سداً لباب اتكال القلوب على سواه ، ولو لم يكن المقصود هو مراعاة حال اعتقاد السائل في الإجابة لما منع صلى الله عليه وسلم من قالوا : (( قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق )) ، ولما قال لهم : (( إنما يستغاث بالله ولا يستغاث بي )) لأنّ أحداً حتى الوهابيين لم يمنع الاستغاثة بالحي في مثل ما طلبوه منه صلى الله عليه وسلم وهو رد المنافق الذي تأذوا منه ، ومثل هذا من قال ما شاء الله وشئت فأجابه صلى الله عليه وسلم : (( أجعلتني لله نداً , بل ما شاء الله )) مرعاة لحال السائل في سد باب أن يسبق إلى الظن أن يتساوى مع الباري في مشيئته , وإلا فإنه صلى الله عليه وسلم يعلم الفرق بين المشيئتين حين تنسب إلى الخالق وإلى الخلق ولا يشتبه الأمر عليه حين ورد في القرآن العطف بالواو الذي استنكره على السائل في آيات كثيرة كقوله تعالى : { وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ } ، إذ لا يشتبه معنى أغنى حين ينسب إلى الله وحين ينسب إلى الرسول , وكقوله تعالى : { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } إذ لا يشتبه ولاية الله بولاية جبريل وصالح المؤمنين , وكقوله تعالى : { وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } إذ لا يشتبه الفضل حين ينسب إلى الله وحين ينسب إلى الرسول , وكقول الصحابة في كل ما لا يعلمونه : (( الله ورسوله أعلم )) إذ العلم لله هو غير العلم لرسوله ، وحسان رضي الله عنه حين يقول : ( يا ركن معتمد وعصمة لائذ * وملاذ منتجع وجار مجاور ) كان يعلم أنّ الله هو الفاعل لكل ذلك وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فقط سبب من أسباب ذلك من باب الإسناد المجازي على حد حثه صلى الله عليه وسلم على تفريج كربة المكروب حين يقول " من فرج عن مؤمن كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة " ومثله حثه على التيسير على المعسر وإعانة المستعين فهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن المعين والميسر والمفرج هو الله وليس العبد إلا سبب في ذلك ، وهكذا المسلمون ليس فيهم إطلاقاً من يعتقد لأحد مع الله فعل أوترك أو رزق أو نصر أو إحياء أو إماتة فإذا وجدت في كلامهم إسناد الأمر إلى السبب وليس معنى طلب شيء من الوسيلة عند المسلم إلا الطلب منه بأن يتوجه إلى الله ليطلب منه تعالى ويدعوه ويسأله ويشفع عنده ، فالمطلوب هو الاستشفاع إلى الله بالوسيلة والمقصود في حقيقة الأمر هو الله ، والقرينة الصارفة عن اعتقاد غير هذا اللفظ القائل هو أنه من الموحدين ، ولا يلتبس عليك الفرق بين قول المشركين : هؤلاء شفعاؤنا وبين قول المسلم : رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الشافع المشفع فينا ، إذ ليس الاستشفاع هنا كاستشفاع المشركين الذين كانوا يعتقدون أنّ شفاعة آلهتهم محتمة القبول عليه تعالى بحكم شراكتهم له في الربوبية كما قال تعالى : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } ، وأما المسلمون فاعتقادهم الراسخ أنه لا يجب على الله شيء بل كل ما يعطيه هو تفضل منه ورحمة لكرامة عبده عنده ، وقد سبق بيان أنه لا معنى لبناء الجواز والمنع في الأقوال والأفعال على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنّ غير الله لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله ، ولوكان لما يقدر عليه وما لا يقدر عليه دخل في ابتناء الجواز والمنع عليه في الحياة لما طلب سيدنا سليمان وهو نبي معصوم من أتباعه عرش بلقيس وهو شيء ليس في قدرة الخلق بحسب العادة . أما بفضل الله وقوته فهو ممكن والله أحضره , ومن باشر الأمر إنما هو سبب من الأسباب ، وكذلك بينا من قبل أنه لامعنى لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيز به الطلب من الأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء والاستغفار , وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم , فضلا عن سيد المرسلين ، وقد سبق بيان ذلك وسيأتي فصل خاص به تحت عنوان ما للموتى من إدراكات … الخ ، وبكل هذا يتبين كما وضحنا من قبل أنّ الضابط الصحيح للجواز والمنع هو أنه كان العمل أو القول لمن لا يعتقد ربوبيته فليس من العبادة في شيء . أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته أو شيئاً من خصائصها كاستقلاله بالنفع والضر بقدرة كن , وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يُعتبر عبادة إن صرف لله , وشركاً إن صرف لغيره , لا فرق بين حي ولا ميت ولا في الحياة الدنيا ولا يوم القيامة ، ولدخول الغلط في مفهوم العبادة عندهم تورطوا في التكفير متوهمين أنَّ العبادة هي إتيان العمل الصالح للتعبد به مطلقاً , ولو لم ينوي به العبادة لم يتخذه رباً أو يعتقد فيه شيئاً من خصائص الربوبية ، وما يطلق على الخالق والمخلوق من الصفات كالرأفة والرحمة والوجود والعلم والهداية والشفاعة في قوله تعالى : { قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } مع قوله صلى الله عليه وسلم : (( أوتيت الشفاعة )) لا يشتبه على المؤمن لأن مدلولات الألفاظ الدالة على ما للخالق تختلف عن مدلولاتها إذا أطلقت على الخلق من حيث الكمال والكيفية والخلق والتسبب اختلافاً كلياً , فتطلق على الإله بما يناسب مقام الحق , وإذا وصف المخلوق بشيء منها فيكون متصفاً بها بما يناسب البشرية محدودة ومخلوقة ومكتسبة بإذن الله وفضله وإرادته لا بقوة المخلوق ولا تدبيره ولا أمره وإنما من الله عليه بها قوة وضعفاً على ما شاء الله تعالى فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إلى المخلوق شركاً لله ، فأين وجود حادث قابل للزوال ووجود أزلي أبدي واجب لموصوفه لا مدخل للعدم إليه ، وأين علم قليل عارض مكتسب غير مملوك لصاحبه من علم ذاتي واجب أزلي دائم أبدي محيط بما لا يدخل تحت النهايات ، وقس على ذلك سائر الصفات , وحين خاطب حسّان رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته السابق بأنه ركن المعتمدين وعصمة اللائذين وملاذ القاصدين وجار المستجيرين لم يكن يقصد بذلك أنه صلى الله عليه وسلم يشارك الباري في تلك الصفات , بل هي لله بالأصالة ,وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمجرد سبب فيها من الإسناد المجازي كما تقدم ، ولهذا لا ينبغي أن يساء فهم المقصود من بعض الألفاظ التي تصدر من الناس كقولهم : ليس لي ملاذ سوى النبي ولا رجاء إلا هو وإليه يفزع في المصائب , وقولهم : إن توقفت فمن أسأله , فاعتقاد المسلم أنًّ الملجأ والملاذ والمفزع وتحقيق السؤال والمدد كلها إلى الله خلقاً وإيجاداً وأصالة وما نسبتها إلى المخلوق ممن أكرمه الله بحصولها على يده إلا أنه المتسبب فيها بدعائه لربه وشفاعته عنده ، وكذلك ليس مراد القائل لتلك الألفاظ هو مشاركة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفاته , بل المراد أنه ليس في الخلق من هو أولى برسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يلاذ به ويلجأ إليه ويفزع إليه عند الشدائد , ليقوم بالتوسل عند ربه في كشفها كما كان عليه الحال في يوم الهول العظيم على حد قول البوصيري : ( مالي من ألوذ به سواك * عند حلول الحادث العمم ) فإنّ الأنبياء والخلائق لم يجدوا ملجأ إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع لهم في كشف كربهم ففعل وشفع ، وهكذا أكثر الألفاظ التي جاءت في قصد المادحين كالبردة وغيرها ليس مقصود أصحابها ولا اعتقادهم مشاركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه في صفاته , بل أطلقوها عليه صلى الله عليه وسلم بما يناسب البشرية من كونها محدودة ومكتسبة , فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إلى المخلوق شركاً بالله كما توهم الوهابيون , فأين الخالق من السبب وأين صاحب العلم الذاتي المحيط من علم علمه الله لمن شاء من عباده وأطلعه عليه ، ومما تقدم تعلم : أن من تورط في تفكير المسلمين إنما تورط لأسباب كثيرة منها :

1- السبب الأول من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو الجهل بمعنى العبادة وعدم تحقيقها ووهمه أنها إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به ,ولكنها في الحقيقة هي إتيان العمل أو القول بنية العبادة لمن تعتقد له ربوبية أو خصائصها من تأثير بقدرة كن بالمنع والضر والإعطاء والنفع ,أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكته لله في ربوبيته . فلما جهل الوهابيون معنى العبادة أدخلوا في مسماها ما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة واستشفاع وغير ذلك , وكفروا بذلك من فعله ومن طلبه من الأموات منكرين ما أثبتته السنة والإجماع من إدراكات للأموات وقدرتهم على الدعاء والاستغفار , فكما جهلوا كل ذلك عمدوا إلى آيات نزلت في المشركين فحملوها على من هو ممتلئ بتوحيد الله في الربوبية وانفراده باستحقاق العبادة وما هو أهل لله من صفات كماله . وأين من يعتقد فيمن يدعونهم أنهم أرباب ومن يعتقد أنهم أسباب .

2- والسبب الثاني من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو عدم التفطن إلى الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق ولا اشتباه فيها لأنها تطلق على الخالق بما يناسب مقام الحق وتطلق على المخلوق بما يناسب مقام الخلق فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إليه شركاً بالله .

3- والسبب الثالث من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو الاستدلال بنهي الرسول عن الألفاظ مع تجاهل ما ورد عنه من إقرارها كما وضحناه , وإن إجابته للسائلين قد اختلفت مراعاة لحالهم مع رسوخ الاعتقاد في الله أو نقصه وقطعاً لباب الاتكال على غيره تعالى.

4- والسبب الرابع من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو التغليب لسوء الظن بالمسلمين فيما يرد على ألسنتهم من ألفاظ لا يقصدون بها إلا الإسناد المجازي . فحملها على حقائقها دون اعتبار القرينة الصارفة عن الحقيقة وهو أنّ القائل من الموحدين ظلم كبير ،

5- والسبب الخامس من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو أنهم أساؤوا فهم المقصود من بعض الألفاظ التي تصدر من الناس كقولهم "ليس لي ملاذ سوى النبي " ." وإليه يفزع في المصائب " . و" لا رجاء لي إلا هو " وأمثالها . فقد توهموا أنها صرف لما هو لله إلى سواه وما عقلوا أنها مقارنة بين الخلق , وأن المراد ليس في الخلق من هو أولى من رسول الله ( بأن يلاذ به ويلجأ إليه ويفزع إليه لا المقارنة بينه وبين الله , علاوة على أنّ المراد من هذه الألفاظ هو الإسناد المجازي من إسناد الشيء إلى سببه بالدعاء والتوسل والشفاعة عند الله ، هذا وإنه لا يغيب عن فهم الموفق أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يجيب السائلين فيما طلبوه منه من حاجات لم يقل لهم أنّ الأمر لا يحتاج إلى واسطة واشكوا حالكم إلى الله تعالى لأنه قريب مجيب لا حجاب بينه وبين خلقه فتوجهوا إليه بالطلب رأساً " كما يلبّس بذلك الوهابيون . فالمعلوم أنه وإن كان المدعو أقرب فإن العبرة في قبول الدعاء إنما هي بأقربية الداعي كما قال تعالى : { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } ،

عقيدة المؤمن في ربه وحقوق الخالق : عقيدة المؤمن أنه تعالى واحد لا شريك له ولا ند َّ لا في وجوب الوجود ولا في سائر الكمالات اللائقة به ولا في استحقاق العبادة ولا في خلق شيء من الأشياء ولا إحداث كائن من الكائنات ذاتاً كان أو صفة أو فعلاً ، له وحده الخلق والأمر والملك والسلطة الكاملة وكمال الاقتدار ونفوذ الإرادة وكما الإختيار وإحاطة علمه وكمال حكمته وشمول رحمته وبالغ عنايته , وله وحدة التدبير والتصرف والمنع والعطاء والنفع والضر استقلالاً بقدرة كن ولا يشفع عنده أحد إلا برضاه لا كما يعتقد المشركون أنًّ شفاعتهم عنده محتمة القبول بحكم شراكتهم له ، لا مثل له في ذاته ولا في صفة من صفاته ولا في أفعاله لا رب غير ولا إله سواه ، هو الحي حيلة أزلية أبدية , العليم بجميع المعلومات لا يخفي عليه شيء, النافذ الإرادة , الكامل القدرة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، سميع بصير متكلم ، وله الكمال الأتم في ذاته وأفعاله وأحكامه , ولا مشابهة بين ما للخالق من الصفات وبين ما هو للمخلوق , فأين وجود حادث قابل للزوال ووجود أزلي أبدي واجب لموصوفه لا مدخل للعدم إليه ، وأين علم قليل عارض مكتسب غير مملوك لصاحبه من علم ذاتي واجب أزلي دائم أبدي محيط بما لا يدخل تحت النهايات ، وقس على ذلك سائر الصفات ، هو فاعل لما شاء بمحض اختياره لا يجب عليه شيء ولا حاكم عليه إن شاء الله فعل وإن شاء لم يفعل , وهو في كلا الأمرين المحمود المنزه عن يحوم حماه , مستغن عمّا سواه , خلق كل شيء لا ليكتمل بخلقهم, بل ليتكرم عليهم بجودهم وبأرزاقهم وما يتبع ذلك مما لا يحصى من فضله , هو الجواد الكريم , الغني الحميد , لا يجوز عليه الظلم ولا يتصور في حقه , منفرد بخلق الكائنات فلا شريك له في التأثير بإيجاد أو إعدام , أبرزها على ما يراها عليه بقدرته وخصصها بالوجود التي عليها وإحاطة العلم بها تفصيلاً ، إن أثاب فبفضله وإن عاقب فبعدله , وإن عفا عن المذنب بشفاعة المرضين لديه أو بدونها فهو أهل للعفو والجود لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ،

حقوق رسول الله : أخرج الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( أنا أكرم الأولين والآخرين على ربي ولا فخر )) ، وقد ميزه الله على الأنبياء بخصائص أفردها العلماء بالتصنيف ،
1- محبته ، ومحبته صلى الله عليه وسلم فرض ولا يؤمن أحد حتى يكون صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين فيتخذه مقياساً فصلاً في خواطره وآرائه ورغباته وخلجات نفسه , وبالجملة يكون هواه تبعاً لما جاء به ، قال تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ، وقال تعالى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، ومن لازم محبته صلى الله عليه وسلم المذاكرة في مزاياه وخصائصه دائماً لتشبع القلوب بحبه , ولتسكن النفوس بفضل ما جاء به واعتناقه عقيدة وشريعة وسلوكاً ومنهاجاً ، روى مسلم والترمذي والنسائي واللفظ له عن معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال : (( ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا لدينه ومنَّ علينا بك )) وفي هذا الحديث دلالة على أنَّ الصحابة كانوا يتذاكرون في حلقاتهم مجتمعين منَّة الله على الأمة برسوله صلى الله عليه وسلم حمداً لله تعالى على ذلك وتذكراً لفضائله وهذا يصلح شاهداً الاجتماع للمذاكرة في مولده وشمائله صلى الله عليه وسلم لفعل الصحابة لذلك في حلقاتهم وعدم إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم ،
2- تعظيمه صلى الله عليه وسلم : وفي وجوب تعظيمه صلى الله عليه وسلم لابد من ملاحظة أمرين : ( أحدهما ) : وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ورفع مرتبته عن سائر الخلق , وإثبات انفراد الله بذاته وصفاته وأفعاله عن جميع خلقه وإفراده بالعبادة ,فمن اعتقد في مخلوق مشاركة الله في شيء من ذلك فقد أشرك ومن قصر بالرسول عن شيء من مرتبته فقد عصى وكفر , ومن بالغ في تعظيمه بأنواع التعظيم ولم يبلغ به ما يختص بالباري فقد أصاب الحق وحافظ على جانب الربوبية والرسالة معاً ، ولسنا ننهى عن شيء من التعظيم له إلا على ما نهانا الله عنه كالسجود تعظيماً له ، أما ما أمرنا به الله من تعظيمه فنتمثله كخفض الصوت عنده , وأن لا نتقدم بين يديه , وأن لا نناديه باسمه وغير ذلك ، ومالم يرد في خصوصه أمر ولا نهي فإنه فرد من أفراد تعظيمه المأمورين به على العموم ، وكل ما يرمز إلى تعظيمه صلى الله عليه وسلم , وإلى الفرح والسرور بولادته وبروزه إلى هذا العالم , وإلى شكر الحق بظهوره رحمة للعالمين فذلك متبع لكمال الإيمان وكمال التوحيد ووسيلة لزيادة الإيمان لا ذريعة إلى الشرك وعبادة الأوثان كما يتوهمه الوهابيون في كل أمر يرمز إلى تعظيمه صلوات الله وسلامه عليه مع سوء فهمهم لما يصل من مدحه إلى درجة الربوبية والألوهية وما لا يصل إلى ذلك ، والآمر بتعظيمه صلى الله عليه وسلم كان أعلم بما يؤدى إليه هذا التعظيم ،
3 _ توقيره صلى الله عليه وسلم : قال تعالى : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، وقد أنكر الله على المشركين نظرتهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والأنبياء بملاحظة البشرية المجردة فيهم دون ما يميزهم من الخصائص عن سائر البشر ، فحكى الله عن قوم نوح عليه السلام : { فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا } ، وكذلك قال فرعون وقومه : { فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } ، وكذلك قالت ثمود لصالح عليه السلام : { مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } وكذلك قول أصحاب الأيكة لشعيب : { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا } ، وكذلك قال المشركون لسيد الرسل صلى الله عليه وسلم حين نظروه بعين البشرية المجردة : { وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } ، وفي هذا بلاغ بأننا حين نصف النبي صلى الله عليه وسلم بالبشرية فإنه يجب أن يقترن بذلك ما يميزه عن عامة البشر من الخصائص التي حباه الله بها ، أما ملاحظة البشرية المجردة عن ذلك فهي نظرة جاهلية كما علمت ، ولما نظر القوم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعين البشرية المحضة استكثروا في حقه بعض ما وصف من الخصائص زاعمين أنها وصف له ببعض صفات الألوهية , بل ورددوا في بشريته نفس العبارة التي قالتها قريش في حقه حين أنكرت نبوته { مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } كما سيأتيك عن صاحب الحوار ،
4 _ بعض من خصائصه صلى الله عليه وسلم : ونذكر لك هنا بعضاً مما خصه الله تعالى به صلى الله عليه وسلم من مقامات الاصطفاء : فنحن نعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيد الأولين والآخرين والملائكة المقربين والخلائق أجمعين , وحبيب ربّ العالمين , والمفضَّل على الجميع بسائر خلال الخير ونعوت الكمال ، وجبت له النبوة من قبل وجود آدم عليه السلام كما في حديث أحمد عن العرباض بن سارية , وأخذ الله الميثاق على الأنبياء بأممهم ويكون شهيداً على الأنبياء وأممهم ويظهر في ذلك الوقت سيدهم وإمامهم وخطيبهم ومبشرهم كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة ، وقد اصطفي الله أمته على الأمم وجعلهم شهداء عليهم في الآخرة وجعلهم كما في حديث الشيخين شهداء لله في الأرض فمن أثنوا عليه خيراً وجبت له النار وحرمت الجنة على الأمم حتى تدخلها أمته صلى الله عليه وسلم ، وهم أكثر أهل الجنة كما في الترمذي عن بريدة أن أهل الجنة عشرون ومائة صنف ثمانون منها من هذه الأمة ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه تعالى سيفدي أمته صلى الله عليه وسلم بغيرها من الأمم , وهم أول من يجوزون الصراط معه صلى الله عليه وسلم كما في حديث الشيخين ، اصطفي الله نبيه من خير قرون بني آدم وجعله خياراً من خيار والآمنة به صلى الله عليه وسلم فأمِن به حتى الكافر في الدنيا من عذاب الاستئصال : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } وكما روى البراز بسند صحيح : (( حياته خير ومماته خير تعرض عليه أعمال أمته فإن رأى خيراً حمد الله وإن رأى شراً استغفر لهم )) ، ويُفصل يوم الهول بشفاعته التي لا يجرأ أحد عليها إلا هو فيقال له ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع ، ويلقي من التجلة والإكرام مالم يلقه مَلَك مصطفي ولا نبيُّ مرسل فهو بكل ما ذكر الشفيع يوم القيامة بل إنّ ذاته رحمة وإن لم يشفع فما كان ليعذبهم الله وهو فيهم ، فله الشفاعة العظمى وشفاعات غيرها وكما روى الطبراني والبيهقي (( لايزال يشفع حتى يعطي صكاكاً برجال دخلوا النار لإخراجهم منها )) ، وسيرضيه الله في أمته ولا يخزيه ، وفي رواية مسلم حين أنذر قومه وأهله حين أخبرهم أنه لا يملك لهم من الله شيئاً قال : (( غير أنّ لي رحماً سأبلها ببلالها )) ، فهو صلى الله عليه وسلم وإن كان لا يملك لأحد من الله شيئاً ولا ضراً ولا نفعاً فإنه قد أوتي من الله الشفاعة ، فإن ملكه الله نفع أقاربه وأمته كما سمعت بالشفاعة الخاصة والعامة فلا حجر على فضل الله ، وهو حين وعد فوعده صدق وقد وعده الله بالعطية حتى يرضى, وقد تعجل كل نبي دعوته المستجابة واختبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته المستجابة شفاعة لأمته كما في حديث الشيخين ، لاطفه ربه فلم يناده باسمه بل : { يأيها الرسول } ، { يأيها النبي } وتولى الإجابة عنه صلى الله عليه وسلم { وما صاحبكم بمجنون } ، { وما علَّمنَهُ الشعر وما ينبغي له} ، { فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنونٍ } ، أكرمه الله بالمنبر واللواء والحوض والكوثر والوسيلة والفضيلة والمقام المحمود والشفاعة العظمى وأول من يشفع من يمر على الصراط بأمته وأول من يدخل الجنة ، تكفل الله تعالى بحفظه ورعايته وحفظ دينه وكتابه وسلامته من التحريف شأن من كان خاتماً للرسل وباقياً دينه ، ولقد أعطاه الله تعالى المعجزات الكثيرة منها انشقاق القمر والإسراء والمعراج وإحياء الموتى وشفاء العاهات وتبديل الأخلاق والأعيان والصفات وتكليم الجمادات والبهائم . وشهادتها برسالته وطاعتها له وتكثير الطعام والشراب القليل ببركته ونبع الماء من بين أصابعه وتكثيره ببركته ونزول الغيث باستسقائه ودعائه واطلاعه على المغيبات كما أخبر بذلك في خطبة له طويلة رواها الشيخان ، ولأن دينه هو رسالة الله الأخيرة وحاجة البشرية كلها وجّه الله قلوب المسلمين إلى تتبع ما يصدر منه من حركة وسكون وأخذ ورد وعادة وعبادة وأقوال وأفعال ، وكما قال الشافعي في مقدمة رسالته "جزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلاً عمّن أرسل إليه فإنه أنقذنا به من الهلكة وجعلنا في خير أمة أخرجت للناس , فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظاً في دين ودنيا أو دفع بها مكروه فيهما وفي واحد منهما إلا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القائد إلى خيرها والهادي إلى رشدها ، قال ابن عباس : ما خلق الله نفساً أكرم عليه من محمد وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } ، فهذه منزلة ما نالها أحد من العالمين من الأزل إلى الأبد إلا سيد المرسلين ، لا يؤمن أحد حتى يكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين , ومهما كتب الأولون والآخرون في خصائصه صلى الله عليه وسلم وفضائله ومزاياه وجميل خلقه يعجزوا عن استقصاء ما حباه به ربه ، وحسبه صلى الله عليه وسلم تعظيم العلي الأعلى لقدره صلى الله عليه وسلم بما أثنى عليه في كتابه مما أفصح عن جميل ذكره وتعظيم أمره , وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم , وتحريم نكاح أزواجه من بعده , وحرم رفع الصوت فوق صوته , ونداءه من وراء الحجرات , وندائه باسمه , وأوجب إجابته في الصلاة على من دعاه , وأوجب تقديم الصدقة بين يدي نجواه , وجعله أحد ركني التوحيد , وقرن ذكره بذكره ومحبته بمحبته , وجعل طاعته منوطة بطاعته , وبيعته ببيعته صلى الله عليه وسلم { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } ، { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ، { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } ، { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ } ، ومما بلغ الذروة في تعظيم الله له صلى الله عليه وسلم شهادة الله وملائكته ، فقال الله تعالى : { لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا } ، وقال تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } فمن لم يوقره صلى الله عليه وسلم فإنه من الخاسرين الضالين ، وللدلالة على فضله صلى الله عليه وسلم , وأنه متبوع لا تابع وإن به يشرف الزمان والمكان وفاته بالمدينة ودفنه بها لينفرد بمحل مخصوص بعيد عن مكة فلا يكون قصد زيارته تابعاً لقصده , بل يكون قصده بالزيارة مستقلاً ، روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه أنه قال : (( لما كان اليوم الذي دخل فيه صلى الله عليه وسلم أضاء كل شيء فيها فلما كان اليوم الذي توفي فيه أظلم كل شيء فيها )) ، فنسأله تعالى أن يرزقنا الحب الكامل له تعالى ولنبيه صلى الله عليه وسلم وأن يقينا من الزلات والعثرات ،

تأديب من لم يوقره صلى الله عليه وسلم ومن ضرب به الأمثال : في هذا الباب أذكر لك إجمالاً مما جاء في رسالة للسيوطي سماها " تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغنياء " سبب وضعها أنه سئل عن رجلين تخاصما فنسب أحدهما الآخر إلى رعي المعزى فأكبر الخصم ذلك فقال والد القائل : " مامن نبي إلا ورعى المعزى" ، فبلغ الخبر قاضي القضاة المالكي فقال : لو رفع إليّ لضربته بالسياط . وقال السيوطي : هذا المستدل يعزر التعزيز البليغ لأنَّ مقام الأنبياء أجل من أن يضرب مثلاً ، فاعترض عليه بعضهم وقال : لا ملام على القائل في قوله : ما من نبي إلا ورعى المعزى ، قال السيوطي : فخشيت أن تتشرب قلوب العوام بهذا الكلام فيكثروا من استعماله في المجالات والخصام , فوضعت هذه الرسالة نصحاً للدين , وإرشاداً للمسلمين وقد ذكر في الرسالة نقولاً كثيرة ، فنقل عن القاضي عياض في "الشفاء" أنه قال : "من لم يقصد نقصاً ولا ذكر عيباً ولا سباً ولكنه ينزع إلى ذكر بعض أوصافه صلى الله عليه وسلم , أو يستشهد ببعض أحواله على طريقة ضرب المثل والحجة لنفسه أو لغيره أو على التشبيه به عند هضيمة نالته أو غضاضة لحقته ليس على سبيل التمثيل وعدم التوفير لنبيه صلى الله عليه وسلم , أو قصد الهزل والتنظير كقوله : "إن كذبت فقد كذب الأنبياء أو إن أذنبت فقد أذنبوا أو صبرت صبر أيوب ونحو ذلك " قال : فإن هذه كلها وإن لم تتضمن سباً ولا قصد قائلها ازدراء وغضباً فما وقر النبوة ولا عظم الرسالة ولا عزّر حرمة الاصطفاء وحظوة الكرامة حتى شبه من شبه في كرامة نالها أو معزة قصد الانتفاء منها أو ضرب مثلاً لتطبيب مجلسه أو إغلاء في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره وشرف قدره وألزم توقيره وبره ونهى عن جهر القول له ورفع الصوت عنده فحق هذا "إن درئ عن القتل " الأدب وقوة تعزيزه بحسب شنعة كلامه , ومقتضى قبح ما نطق به , ولم يزل المقتصدون ينكرون مثل هذا ممن جاء به . وقد أنكر الرشيد على أبي نواس قوله : ( فإن يك باق سحر فرعون فيكم * فإن عصا موسى بكف خصيب ) فقال له الرشيد : يا ابن اللخناء أنت المستهزئ بعصا موسى وأمر بإخراجه , ثم قال : وعلى هذا النهج جاءت فتيا مالك في رجل عير رجلاً بالفقر فقال : " تعيرني بالفقر وقد رعى رسول الله الغنم " فقال مالك : قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضعه أرى أن يؤدب ، قال عياض : ( ولا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوقبوا أن يقولوا قد أخطأت الأنبياء قبلنا , ونقل عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لرجل : انظر لنا كاتباً يكون أبوه مسلماً ، فقال : كاتب له : قد كان أبو رسول الله كافراً ، فقال عمر : جعلت هذا مثلاً فعزله ، ونقل عياض عن القابسي أنه لما سئل عن رجل قال لرجل قبيح : كأنه وجه نكير , ولرجل عبوس : كأنه مالك الغضبان قال : في الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء , وإن قصد ذم الملك قتل ونقل عن القابسي أيضاً في شاب معروف بالخير قال لرجل شيئاً فقال له الرجل : اسكت فإنك أُمي .فقال الشاب : أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمياً فشنع الناس عليه مقاله وكفروه وأشفق الشاب مما قال وأظهر الندم عليه فقال أبو الحسن القابسي : أما إطلاق الكفر عليه خطأ لكنه مخطئ في استشهاده بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكون النبي أمياً آية له , وكون هذا أمي نقيصة فيه وجهالة لكنه إذا استغفر وتاب فيترك لأن قوله لا ينتهي إلى حد القتل ولأن تطوعه بالندم يوجب الكف عنه ، قال عياض : وأفتى شيخنا القاضي أبو محمد ابن منصور في رجل تنقصه آخر بشيء ، فقال له : إنما تريد نقصي بقولك وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم فأفتى بإطالة سجنه وشدة أدبه لم يقصد السب , وكان بعض الفقهاء بالأندلس أفتى بقتله ) أهـ كلام القاضي عياض ، وأضاف السيوطي : عن ابن ماجه أنّ أبا هريرة قال لرجل : " يا ابن أخي إذا حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلا تضرب له الأمثال ، وكان الرجل قد عارضه بقياس من الرأي " ، وعن تاج ابن السبكي : فانظر إلى قول الشافعي فلانة , ولم يبح باسم فاطمة , تأدباً معها رضي الله عنها أن يذكرها في هذا المعرض , وإن كان أبوها صلى الله عليه وسلم قد ذكرها ، ونقل عن الحافظ ابن حجر فتوى عما يأتي به بعض الوعاظ في مجالسهم الحافلة ما يذكر من شأنه صلى الله عليه وسلم مما يثير في السامعين حزناً ورقة بحيث يبقى صلى الله عليه وسلم في حيز من يرحم لا في حيز من يعظم كقولهم مثلاً (إن المراضع حضرن ولم يأخذنه لعدم ماله إلا حليمة رغبت في رضاعه شفقة عليه " ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرعى غنماً وينشدون : ( بأغنامه سار الحبيب إلى المرعى * فيا حبذا راع فؤادي لم يرعَ ) ، وفيه " فما أحسن الأغنام وهو يسوقها " ، وكثير من هذا المعنى المخل بالتعظيم فأجاب الحافظ : ينبغي لمن كان فطناً أن يحذف من الخبر ما يوهم في المخبر عنه نقصاً ولا يضره بذلك ، قال وفي "الروض الأنف" للسهيلي بعد أن أورد حديث (( إنّ أبي وأباك في النار )) ما نصه : " ليس لنا أن نقول نحن هذا في أبويه صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات )) ، والله تعالى يقول : { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } ، قال وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت" عن مطرف قال : ليعظم جلال الله في صدوركم فلا تذكروه عند قول أحدكم للكلب : اللهم أخزه ، وقال السيوطي : الأدب أن لا تضرب أحوال الأنبياء مثلاً لحال غيرهم ، ثم ختم السيوطي كلامه بقوله : " ورعي الغنم لم يكن صفة نقص في الزمن الأول لكن حدث العرف بخلافه .. فربَّ حرفة هي نقص في زمان دون زمان ,وفي بلد دون بلد , ولمثل هذه المواطن لا يحتج فيها بأحوال الأنبياء خشية أن تخرج الكلمة فيها مخرج التنقيص " باختصار ،

ما لأموات المسلمين من إدراكات والقدرة على الدعاء والاستغفار : ثبت بنصوص السنة وإجماع الأمة الحياة ولوازمها لأهل القبور حتى من المشركين كما في نداء قليب بدر فضلاً عن المؤمنين , فضلاُ عن الأنبياء والصالحين والصديقين والشهداء , فضلاً عن سيد المرسلين .ودعوى الخصوصية لأهل قليب بدر بلا دليل , بل مع قيام الدليل على انتفائها غير مسموعة ، وبتلك الحياة يحس الميت بالنعيم والعذاب , وقد تواتر ذلك تواتراً معنوياً , واتفق أهل السنة عليه وعلى أنه بالروح والجسد ، وبتلك الحياة أيضاً يفعل الأموات ويسمعون ويبصرون ويتكلمون ويتزاورون فيما بينهم ويستبشرون بزيارتهم , ويعلم الميت من حمله ومن غسله , ومن دلاه من قبره كما في حديث أحمد , ويسمع قرع نعال المشيعين إذا انصرفوا ,كما في حديث البخاري : (( إنَّ الميت إذا دفن وتولى عنه أصحابه يسمع قرع نعالهم )) ، وروى الخطيب وابن عساكر والبيهقي وابن أبي الدنيا : (( أن الميت يسر بزيارة قبره والجلوس عنده ورد السلام عليه )) كما روى البيهقي : (( حسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم )) ، وروى الديلمي : (( إن الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته )) أى يؤذيه ما يبلغه عن الأحياء ، وفي الألفاظ الواردة في السلام على أهل القبور دلالة على ذلك نحو قول الزائر : " السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم , أنتم سلفنا ونحن بالأثر " أخرجه الترمذي وحسنه ، وما ورد في صحيح مسلم بلفظ : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين .." فلولا صحة سماع الميت لم يكن لهذا الخطاب معنى ، وبالإجمال يعلم الأموات بأعمال الأحياء وأحوالهم ويتأذون بما يبلغه عنهم من سوء , ويدعون لفاعل الخير بالثبات , ولفاعل الشر بالهداية والرجوع إلى الطاعة , وفي كتاب "الروح" لابن القيم فصول فحواها "أنه قد تواترت الرؤى والروايات بأن لأهل القبور قدرة على التصرف بأقوى مما كانوا في الحياة لتجرد الروح عن عوائق البدن ".وفي "إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء " و" اللمعة في الأجوبة السبعة" المتعلقة بالأرواح و" تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك " وكلها للسيوطي ما فحواه : "إنه مقطوع للأنبياء بأنّ لهم ولسائر الموتى جميع الإدراكات كالعلم والسماع والبصر والقدرة على التصرف والترائي للأحباء " ، وقد تواترت الأخبار بوقائع ترائية صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً لكثير من الخاصة وحضوره في المجتمعات التي يريد " ، ونقل السيوطي عن مؤلفات مختلفة نحو عشرين حالة استشهد بها لمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة أو صلى معه أو صافحه أو ردّ عليه السلام أو حظى منه بالدعاء , أو تشرف بالحديث معه , أو اقتبس منه فوائد أو كلفه بقضاء أمر , أو شاهده يتصرف أو يغيث من استغاث به أو حظي بغير ذلك من العنايات" ، وحياة الأنبياء كحياتهم في الدنيا بالجسد والروح بهيئتهم التي كانوا عليها قبل الوفاة ,ولا يلزم من ذلك تشابه الأبدان في نوع ما تحتاج إليه من طعام وشراب وخروج فضلات ، وقد ثبت في السنة حياتهم وأنهم طريون ,كما ثبت صلاتهم في قبورهم ,وكذلك حجهم ، فقد أخرج مسلم عن أمس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به مر بموسى عليه السلام وهو يصلي في قبره ، وأخرج أبو يعلى في مسنده والبيهقي في كتاب "حياة الأنبياء" عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون )) ، وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن سعيد بن المسيب أنه قال : لقد رأيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان من القبر ، وقال أبو بكر البيهقي في كتاب "الاعتقاد" : " الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء . وقد رأى نبينا صلى الله عليه وسلم جماعة منهم وأمهم في الصلاة وأخبر وخبره صدق أن صلاتنا معروضة عليه وأن سلامنا يبلغه , وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" ، وفي رواية البراز بسند صحيح مرفوعاً : " حياتي خير لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شراً استغفرت لكم " ، وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم طائفة شاهدهم بصفات تستدعي جسداً حياَ كمشاهدتهم قائمين مصلين , ومشاهدة إبراهيم أشبه الناس به ومسنداً ظهره إلى البيت المعمور , ومشاهدته موسى آدم طوالاً كأنه من رجال شنوءة , ومشاهدته عيسى فوق الربعة ودون الطول عريض الصدر ظاهر الدم جعد الشعر تعلوه صهبة كأنه عروة بن مسعود الثقفي يقطر رأسه كأنما أخرج من ديماس , وكمشاهدته الأنبياء حاجين ملبين في الطريق بين مكة والمدينة واضع موسى أصبعيه في أذنيه وله جؤار بالتلبية , ورأى يونس على ناقة حمراء وعليه جبة صوف ملبياً ، وإذا كان قدر الأنبياء والصالحين والشهداء والصديقين لم يسقط عند ربهم بانتقالهم من دار العمل والتكليف إلى دار الجزاء والتشريف , وثبت حياتهم بأكمل وجوهها بنصوص السنة وإجماع الأمة , ولهم قدرة على الدعاء والاستغفار والشفاعة عند مولاهم , فمن المكابرة إنكار ما تواتر من ظهورهم في صور متعددة لمن شاء الله أن يراهم أو يرونه ، وقد ثبت في حديث المعراج وحضورهم إلى بيت المقدس للصلاة خلفه صلى الله عليه وسلم واعلم أن عبادتهم في قبورهم لا يحصل بها ثواب لانقطاع ثواب عمل الميت بالموت , وإنما يتنعمون بذكر الله وطاعته وعبادته كما يتنعم بذلك الملائكة ، وما يهوش به الوهابيون من نفي السماع عن الموتى بقوله تعالى : { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } يكفي في بيان سوء فهمهم لمعنى الآية ما ذكره ابن القيم فيها في كتاب "الروح" ص 40 ، فإنه قال : " سياق الآية يدل على أنّ المراد منها أنّ الكافر الميت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعا ينتفع به كما أن من في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعا ينتفعون به ولم يرد سبحانه أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئا البته .. إلخ .كلامه ، وما قاله مطابق للسان العرب الذي نزل القرآن به فالمعنى ما أنت بمنقذ الكفار المعاندين لشبههم بأهل القبور من النجاة في قيام المانع من النجاة , فمانع من النجاة , فمانع نجاة الكفار هو الإصرار على الكفر ومانع أهل القبور هو فوات زمن التوبة .ومن جعل وجه الشبه هو السماع الحقيقي فقد استعجم لسانه لأن وجه الشبه لابد أن يتحقق في طرفي التشبيه وسماع الأحياء حساً ليس منفيا عنهم وجه الشبه فيهم لو كان المراد هو السماع الحقيقي ،

تكملة الكلام في عرض الأعمال عليه صلى الله عليه وسلم : الأحاديث النبوية تدل على أن أعمال أمته من المؤمنين تعرض عليه صلى الله عليه وسلم في البرزخ ، فقد أخرج البزار في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم , ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم ,فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم )) ، صححه العراقي في " طرح التثريب" , والهيثمي في "مجمع الزوائد" , والسيوطي في "الخصائص الكبرى " والقسطلاني في "شرحه على البخاري ", والخفاجي وعلي القاري في "شرح الشفاء" وقال الزرقاني على المواهب : إسناده جيد ، وكما روي الحديث عن ابن مسعود مرفوعاً كذلك , روي أيضاً عن أنس بن مالك في مسند الحارث بن أبي أسامة و"كامل" بن عدي من طريق خراش عنه ، قال العراقي في " المغني" : "وخراش وإن ضعف فللحديث عن أنس طريق آخر عن نافع أبو هرمز السجستاني ، وروي الحديث في "مسند الحارث بن أبي أسامة" مرسلاً عن بكر بن عبد الله المزني التابعي وهو وإن ضعف لضعف الحسن بن قتيبة فيه فقد خرجه أيضا إسماعيل القاضي المالكي من طريق القطان عن أبي بكر المزني التابعي , وهو إسناد صحيح صححه الحافظ ابن عبد الهادي , وخرجه من طريق صحيح أيضاً عن أبي بكر المزني ، فمن المجازفة نفي بعضهم لهذا الحديث وزعمهم أنه لا وجود له في جميع كتب السنة , وأن من رواه وقفه على بكر بن عبد الله المزني , وأن أحداً من رواة السنة لم يذكر الصحابي الذي روى عنه لا في صحيح الكتب ولا ضعيفها ، فقد تعرض لذكر الحديث من كتب السنة مسند البزار ,ومسند الحارث بن أبي أسامة , وبغية الحارث , ومجمع الزوائد كلاهما للحافظ الهيثمي , والجامع الصغير , والجامع الكبير والخصائص الكبرى : الثلاثة للسيوطي , وشرح البخاري للقسطلاني , وكنز العمال للمتقي الهندي ,وطرح التثريب والمغني كلاهما للعراقي , وشرح الخفاجي وشرح القاري على الشفاء , والزرقاني في شرحه على المواهب , وطبقات ابن سعد , وكامل ابن عدي , وتاريخ ابن النجار ، وقد صححه العراقي والهيثمي والسيوطي والقسطلاني والخفاجي والقاري والزرقاني ، وصحح المرسل إسماعيل القاضي المالكي وابن الهادي ، وكيف يصح زعم أنّ أحداً لم يذكر من روى عنه من الصحابة وقد روى الحديث من الصحابة ابن مسعود وأنس ورواه عداهما جمع من الصحابة أكثر من عشرة ، أما المرسل فعدا رواية أبي بكر المزني كذلك هو مروي عن جماعة من التابعين ، وورد عن أنس أيضاً حديث آخر أخرجه أبو نعيم في " الحلية" : (( إنّ أعمال أمتي تعرض علي كل يوم جمعة )) ، وروى الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول " : (( أنكم تعرضون علىّ بأسمائكم )) أخرجه عبد الرزاق .. روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب أنه قال : ليس من يوم إلاّ يعرض فيه على النبي صلى الله عليه وسلم عمل أمته غدوة وعشياً فلذلك يشهد عليهم ، قال تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } ، وذلك يقتضي أن تعرض أعمالهم ليشهد عن رأي وعلم ، فالقرآن يؤيد عرض الأعمال عليه ويؤيده ، وبالجملة فحديث الباب صححه جماعة من الحفاظ كما سبق وكلما وجد سند ضعيف وجد بجواره سند صحيح أو جاء الضعيف من طريق آخر يرفعه علاوة على أنه معتضد بما في بابه ومعناه , وبهذا ذهب ضعف الباب مرفوعاً ومرسلاً ومعتضداً ،

ما زعم الوهابية أنه تعلق منكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وشرك وإبطال ذلك : [ تمهيد ] : اعلم أن المحدثين قد عنوا بجمع خصائصه صلى الله عليه وسلم وألفوا فيها كالسيوطي وغيره , بل لا يخلو كتاب من كتب الفقه المبسطة في جميع المذاهب من عقد باب خاص للخصائص , ويجعلون ذكر ذلك غالباً في كتاب النكاح لأن جزءا منها يتعلق بذلك ، ومن الخصائص التي ذكرت ما صح سنده وما لم يصح ومنها ما اختلف فيه في الحكم بالصحة أو الضعف ، والعلماء عادة يتسامحون في نقل ذلك لعدم تعلقها بالحلال والحرام ما دام ليس موضوعاً ولا فيه شيء من إثبات صفات الربوبية والألوهية إليه صلى الله عليه وسلم ومن حكم بالصحة أو الضعف أو الرد بفرض خطئه في ذلك فإنه لا يوصف بأكثر من أنه أخطأ الحكم على الحديث صحة أو ضعفاً أورداً ولا علاقة لذلك للحكم بالكفر والضلال والشرك أو المبالغة في الإنكار والتهويش ، وفي " فتاوي ابن تيمية " أمور في الخصائص لم يصح خبرها عنده ومع ذلك أوردها ولم ينقدها أسوة بالعلماء من التسامح فيما ينتقل في هذا الباب . ففي كتابه "دلائل النبوة " أورد آثاراً عن كتابه اسم النبي صلى الله عليه وسلم على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق ، وكذلك ابن الجوزي أورد في كتابه " وفاء الوفاء" أنه تعالى كتب على ساق العرش محمد رسول الله ,وأنه تعالى خلق الجنة فكتب اسمه صلى الله عليه وسلم على العرش , وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق والخيام وآدم بين الروح والجسد , كما أورد أن آدم استشفع بعد الزلة برسول صلى الله عليه وسلم ولم ينقد شيئا من ذلك دليلاً على التسامح فيما ينقل في هذا الباب ، وهكذا الفقهاء ذكروا خصائص دون تشديد في النقد .و لعل الوهابيين ينقدونهم ويصفون كتبهم بأنها كتب أساءت إلى الإسلام في عقيدته وشريعته كما في صـ 18في كتاب الحوار نقلا عن هيئة كبار العلماء في المملكة كما لقبوا ، ومما ينبغي الإشارة إليه أنّ أدعياء السلف من المتطرفين يعتبرون كثيرا مما روي من خصائصه شركاً لما فيها من تعظيمه صلى الله عليه وسلم ,وذلك لغلطهم في معنى العبادة والشرك كما شرحناه سابقاً , ولأنهم ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين البشرية المحضة التي نعاها الله على المشركين حيث نظروا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بنظرية البشرية المجردة فيهم دون ما يميزهم من الخصائص عن سائر البشر فقال قوم نوح : { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا } وقال فرعون وقومه : { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} وقالت ثمود لصالح : { مآ أنت إلا بشر مثلنا } . وقال أصحاب الأيكة لشعيب : { قالوا إنما أنت من المسحرين * مآ أنت إلا بشر مثلنا } . وقال مشركو قريش في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم : { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ، ولنظرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين البشرية المحضة استكثروا في حقه بعض ما وصف به من الخصائص فهوشوا بوصفه بها لا سيما في الألفاظ التي يوصف بها الخالق لأنهم لم يميزوا بين مدلولات الألفاظ ومعانيها حيث تطلق على الخالق ومعانيها ومدلولاتها حيث تطلق على الخلق وقد وضحنا ذلك في مبحث "من أسباب غلط الوهابيين في الحكم بالتكفير " ، وقد سموا ذلك تعلقا برسول الله صلى الله عليه وسلم أطلقوا عليه أنه منكر وأنه شرك ووصفه صاحب الحوار ص14- 23- 29 أ نه شرك أعظم من شرك أقطاب المشركين ، وسنسرد لك أيها المسلم هذا التعليق في فقرات ونعلق على كل فقرة بما يكشف ما فيه :

1 - إيراد مؤلف الذخائر نقولاً نثرية وشعرية فيها الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم والاستجارة به ونداؤه لطلب الشفاعة منه وألفاظ تشعر بأن إليه الفزع والملاذ عند الكرب كما جعلوا من هذا القبيل إيراده قصيدة البكري ( فلذ به من كل ما تشتكي * ولذ به كل من ما ترتجي * وحط أحمال الرجاء عنده فإنه المرجع والموئل ) وكلمات من أمثال هذه الكلمات ، وأقول : أنه لا خلاف بين المسلمين أن التصرف والغوث وقضاء الحوائج وتفريج الكربات وما اشبه ذلك هو لله وحده خلقاً وإيجاداً استقلالاً بقدرة كن ، وما ينسب إلى العباد من تلك الألفاظ فهي نسبة مجازية ، كما تقول : فلان فرج كربي وقضي حاجتي ولا تعني به حتي عند اجهل جاهل أن فلاناً هو الفاعل ، بل هو سبب من الأسباب يدعو الله فيستجيب له ويفعل ما طلب وهذا عطاء من الله 0 وقد وضحنا فيما سبق أن الألفاظ المشتركة لا تشتبه 0 وفي الحديث الصحيح القدسي : (( لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها )) ، فإذا طلب المسلم الغوث من الولي أو نسب إليه تصرفاً فلا يعني أن له استقلالاً بالنفع والضر كما هو شأن الرب المعبود وإنما يعني أنه سبب في ذلك العطاء من الله ، ودعوى أن طلب الاستغاثة والاستعانة وأشباهها من غيره تعالى شرك فهي دعوى مبنية على غلط بينته في رقم (5) بعنوان غلط تصورهم لمعنى العبادة وأنها ليست اتيان العمل الذي يصلح للتعبد به كما توهموا بل العبادة إتيان العمل أو القول بنية العبادة لمن تتخذه ربا وهكذا كان مسلك المشركين ,إنهم كانوا يأتون الأعمال التي تصلح للتعبد بها بنية العبادة لمن اتخذوه ربا وما خلا من نية العبادة لا يقال : إنه عبادة لله ولا لغيره . وقد سبق بيان أنه لا علاقة لقول المشركين { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي } وقولهم : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } بما يطلبه المسلمون من الأنبياء والصالحين ، ففرق بين من اتخذ من وجه إليه القول ربا ومن اعتقد أنه سبب وفرق بين جعل الشفاعة محتمة القبول عليه تعالى بمقتضى شراكتهم له في الربوبية ومن اعتقد أن قبولها بمحض فضل الله لكرامة عبده عنده ، والغريب أن القوم يجيزون الاستغاثة والاستعانة بالأحياء بينما سبق بيان أن التفرقة بين الحي والميت وبين ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لامعنى لها لأن التوسل إنما يرجع إلى اعتقاد بقاء فضلهم ومقامهم عند الله حتى بعد موتهم , وكذلك قدرتهم على الدعاء حتى بعد الموت كما تقدم بيانه في فضل ما لأموات المسلمين من إدراكات وقدرة على الدعاء والاستغفار رقم (10) ، وأما ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه فهو إغراق في الخروج عن الجادة لأن أهل السنة يعتقدون أن غير الله لا يقدر على شيء استقلالا ولم يشذ عن ذلك إلا المعتزلة وأشباههم الذين قالوا بخلق العبد لأفعال نفسه الاختيارية . وسيدنا سليمان قد طلب من أتباعه إحضار عرش بلقيس من اليمن وهو أمر لا يقدر عليه عادة ولكنه بفضل الله ممكن ، فما يرد من ألفاظ في باب الاستغاثة فإن كان الفاعل يعتقد في المستغاث به حيا أو ميتا نفعا أو ضرا استقلالا وتأثيرا دون الله فذلك هو الشرك وإلا فإن الأشياء تنسب إلى فاعلها حقيقة وإلى المنتسب فيها مجازا وقرائن الحال والمقام تبين مقاصد الكلام .

2- ومما أنكروه على كتاب " الذخائر" : نقله الصلاة المعروفة اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب " ونقله كذلك لعبارة : " كل شيء به منوط إذ لولا الواسطة لهلك الموسوط " ونقله صلاة الفاتح لما جاء فيها من قوله : " الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق " ونقله كذلك صلاة ابن مشيش لما فيه من قوله : ( زج بي في بحار الأحدية وأنشلني من بحار التوحيد ) 0 وأقول : أما قوله : تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب 0 فقد بينا المراد بها في الفقرة الأولي من هذا الفصل ، وأن قضاء الحوائج وتفريج الكربات إنما هي بالله ، وأن نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم هي نسبة مجازية ولا تعني أنه الفاعل ، بل هو سبب من الأسباب فارجع إلى ما كتب في الفقرة الأولى عما يتعلق بذلك 0 وأما عبارة : ( كل شيء به منوط ) فإنكارها سوء فهم لأنه لا يراد بها ألا أن من لم يحكم المبلغ عن الله في كل أموره هلك لأنه الواسطة إلى الله في التبليغ لا يتم الوصول إليه ، وأما قول ابن مشيش : زج بي في بحار الأحدية وأنشلني من أوحال التوحيد ، فهل التوحيد إلا اعتقاد أنه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله ، واستحقاقه العبادة فهو يسأل الله أن يرزقه التحقيق بمعرفة الأحدية كما يسأل أن يحميه تعالى وينقذه ما يعتري الكثيرين من أغلاط في شهودهم الأحدية فشطح من شطح بالقول بالوحدة والاتحاد ، وأمثال ذلك مما يعتري طريق السالكين فيكشف الله لمن شاء حقيقة الأمر وينقذه مما خيل إليه أنه التوحيد ، وما كان لابن منيع وأمثاله أن يتكلم في هذا الأمر وهو يجهل معنى السلوك وطريقه : { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } ، وأنهم يحسنون فقط شتم أرباب الطرق , ولو سألوا كثيرا من الشعوب الإسلامية لعلموا أن الإسلام إنما دخل إلى بلادهم على يد هؤلاء ولأنهم بهذا الشتم بالتكفير والتشريك قد حولوا نيجريا بملايينها المسلمة إلى التحول عن الدولة وفتح ذراعها للخميني فمرحى للتنفير باقتحامهم ما لا يحسنون ، وأما صلاة الفاتح فنصها : " اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا الفاتح لما أغلق , والخاتم لما سبق ,والناصر الحق بالحق ,والهادي إلى صراطك المستقيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه حق قدره ومقداره العظيم " ، وقد نسبها النبهاني كما نقله عن " مسالك الحنفاء في الصلاة على النبي المصطفي " للشهاب القسطلاني إلى الشيخ محمد شمس الدين البكري ، وقد اعترض ابن منيع على ما جاء في الصيغة " الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق " وسماها صلاة الفاتح المغلق تهكما . والمعنى الذي جهله في هذه العبارة هو أن باب النبوة كان مغلقا قبل وجود الخلق ففتح بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم , إذ كان أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث ، وقد جاء في سنن الترمذي وغيره قيل : يا رسول متى وجبت لك النبوة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : (( كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد )) ، .. وصيغ الصلوات عليه صلى الله عليه وسلم كثيرة منها ما هو مأثور عنه صلى الله عليه وسلم , ومنها ما هو منقول عن الصحابة والتابعين , وكثير ممن نسبوا إلى الولاية وأجمع كتاب للصيغ الواردة والمأثور وهو كتاب " سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين " للشيخ العارف يوسف النبهاني رحمه الله .

3 _ ومما أنكروه على كتاب " الذخائر " : إيراده لألفاظ تشعر أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي مقاليد السموات والأرض , وأنه أوتي علم الغيب حتى الروح والخمس التي اختص الله بها ، وأقول اولا : مقاليد السموات والأرض للمفسرين في المراد بها روايات كثيرة وهي إن كانت بمعنى التصرف أو بمعنى مفاتيح خزائنها فكيف تصح دعوى أنه قد جعل صلى الله عليه وسلم بذلك شريكا لله مادام الأمر إيتاء وعطاء . وكل ذلك لله إيجادا وملكا وتصرفا .وقد جاء في حديث أحمد وابن حبان والضياء عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( أوتيت مقاليد الدنيا )) ، كما روى ابن مردويه عن ابن عمر كما في " الدر المنثور " أنه صلى الله عليه وسلم " قال : رأيت في غداتي هذه كأني أوتيت بالمقاليد والموازين ، فأي منازعة للربوبية فيما أعطى والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا حظر عليه . وهب أن الأحاديث لم تصح عندكم فقصاري الأمر أن يقال إن ذلك غير ثابت لا يعتبر شركا ومنازعة للربوبية ، إذ لم يدع أحد أن سواه تعالى يملك التصرف في شتى استقلالا بقدرة كن ، وحتى حين يعطي فاعتقاد المسلمين أن خالق ومالك ومتصرف والمخلوق سبب فلا تتهور بتكفير المسلمين ، ثانيا : علم الغيب : يجب التمييز فيه بين علم الله الذاتي وبين العلم بعد التعليم , فإذا أطلق على الخالق أنه يعلم الغيب وعلى المخلوق أنه يعلم _ وهناك فرق بين العلمين بما هو للخالق منه وما للمخلوق منه _ لم يشتبه عليه الأمر , فما كان غيبا عنا لا حجر على الله أن يعلمه لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن شاء . والقائل عز وجل : { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } هو القائل تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول } وهو القائل : { وإنه لذو علم لما علمنه } وهو القائل : { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } ، وأحاديث إ خباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات شهيرة وكثيرة ومنها ما ورد في أحاديث الشيخين وغيرهما عن عدد من الصحابة من خطبته صلى الله عليه وسلم التي أخبر فيها بما هو كائن إلى يوم القيامة , وأنه قد سمي قادة الفتن إلى انتهاء الدنيا ما من قائد فتنة يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لهم باسمه واسم أبيه واسم أبيه وقبيلته ، وفي حديث الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( فرأيته عز وجل وضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت )) صححه البخاري وكثير من الأئمة ، ومن حديث الترمذي أيضا عن ابن عباس : (( فعلمت ما في السموات والأرض )) , وفي رواية : (( فعلمت ما بين المشرق والمغرب )) وقال تعالى : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } ، فهل كل ذلك مدون في اللوح أم لا ، لتعلم أن ما أنكره ابن منيع على البوصيري في قوله : " ومن علومك علم اللوح والقلم " هو تهويش في غير محله مادام صلى الله عليه وسلم بنص الحديث السابق قد علم ما في السموات والأرض ، وعلم اللوح هو غير علم الله الأزلي يعلم ذلك من راجع كلام المفسرين عند قوله تعالى : { يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } وحينئذ يعلم أن علم اللوح هو القضاء المعلق القابل للتغيير والتبديل , بخلاف علم الله الأزلي , فلا تبديل ولا تغيير فيه فلا مانع أن يكشف الله من اللوح ما شاء من الملائكة والرسل بل ومن الصالحين أيضا ، ومهما أوتي الرسول صلى الله عليه وسلم أو سواه من علم الغيب فأين ذلك من علم لله ذاتي أزلي أبدي محيط غير مخلوق من علم للمخلوق حادث مكتسب بتعليم من الله محدود جائز الفناء أن يطرأ عليه التغير والتبديل ، ثالثا : الروح : وفيه قوله تعالى : { قل الروح من أمر ربي } ، وقد اختلف السلف في تفسير المراد بالروح إذ حكى ابن كثير في تفسيره أقوالاً في ذلك وحتى على تفسيرها بأن المسؤول عنه هو روح بني آدم وحقيقتها فليس في صيغة الجواب ما يمنع اطلاع الله نبيه على حقيقتها كما قاله الحافظ ابن حجر والحافظ في شرحيهما على البخاري في كتاب التفسير 0 وقال ابن كثير : ( قد تكلم الناس في ماهية الروح وصنفوا في ذلك كتباً ) اهـ 0 وممن ألف فيها ابن القيم 0 فهل العلماء الذين تكلموا وصنفوا فيها قد أتوا بما تستحيل معرفته على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يتهمهم إنسان بأنهم تكلموا عنها رجماً بالغيب وهذا الاتهام لا يصدر من حاظ بعلقه ، رابعاً : علم مفاتيح الغيب الخمس : وفيها قوله تعالى : { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غداً وما تدرى نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } ، وفي الحديث (( خمس لا يعلمهن إلا الله )) وذكر تلك الخمسة ، وليست المغيبات محصورة في هذه الخمس وإنما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها ولأنها كثيراً ما تشتاق النفوس إلى العلم بها كما قال الآلوسي في تفسيره ، فاستئثار الله بعلمهما لا يمنع أن يطلع الله بعض الخواص عليها فإن العلم غير الإعلام ولا سواء بين العلمين ، فعلم الله ذاتي محيط وعلم من علمه الله دون ذلك ومكتسب ، قال تعالى : { وبشروه بغلام عليم } وقد أخرج البخاري عن أنس أنه تعالى وكل بالرحم ملكا يقول : يارب نطفة ، يارب علقة , يارب مضغة , فإذا أراد الله أن يقضي خلقه قال أذكر أم أنثى , شقي أم سعيد في الرزق والأجل فكتب في بطن أمه فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء من خلقه ، وبشر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في بطن مارية غلاما ، قال وأمرني جبريل أن أسميه إبراهيم كما في الطبراني في الكبير وابن عساكر عن عبد الله بن عمر ، وكذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم الفضل بأنها حامل بغلام كما أخرجه الخطيب وأبو نعيم في الدلائل فلما ولدته سماه عبد الله وهو عبد الله بن عباس ، وكذلك أخبر أبو بكر عائشة الصديقة بأن ترد ما نحلها من ماله بالغابة , وقال : إنما هو أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله قالت عائشة : يا أبت إنما هي أسماء فمن الأخرى فقال ذو بطن بنت خارجة أراها جارية ، وكذلك أمر الغيث فإنه إذا أمر تعالى بالغيث وسوقه إلى ما يشاء من الأماكن علمه الملائكة الموكلون به ومن يشاء من خلقه ، أخرج البيهقي عن ابن عباس قال : أصابتنا سحابة فخرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ملكا موكلا بالسحاب اخبرني أن يسوق السحاب إلى واد باليمن يقال له : ضريخ . فجاءنا راكب بعد ذلك فسألناه عن السحابة فأخبروه أنهم مطروا في ذلك اليوم ، وللحديث شاهد مرسل عن بكر بن عبد الله المزني ، ويوسف الصديق رضي الله عنه أخبر أهل مصر بالخصب سبع سنوات . ثم بالجدب سبع سنوات , ثم بعام بعد ذلك فيه الغوث ، والمقصود من ذكر كل هذا أن استئثار الله بعلم الخمس وبالروح وبسائر المغيبات لا يتنافى مع إطلاع الله بعض خلقه على ما شاء من ذلك مثل ما اطلع .. ملك الرحم وملائكة الغيب وصفوة من عباده كما رويناه لك . ودلت الأحاديث على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن وفاته بالمدينة كما كان يعلم موضع مصرع كل من قتل في بدر من المشركين .

ومما أنكروه على كتاب " الذخائر " : أنه قد نقل من خصائصه صلى الله عليه وسلم وفضائله أنه يقطع أرض الجنة وأن الخلق ما خلقوا إلا لأجله ، وأقول : ( أولا ) : إقطاع أرض الجنة : منقول عن السيوطي والقسطلاني والزرقاني والسبكي ونقله القاضي ابن العربي عن الغزالي وأقره ، انظر المواهب اللدنية وشرحها للرزقاني ، والنبي صلى الله عليه وسلم بشر بعض الناس بدخول الجنة أو بشيء معين فيها وفي حديث أبي داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه } ، وفي " الترغيب والترهيب " للمنذري , و" رياض الصالحين " للنووي , وكتاب " الروح " لابن القيم , الكثير من هذه البشارات . وما بشارته صلى الله عليه وسلم في الحقيقة إلا تبليغ عن الله وعطاء منه تعالى , وبشارته صدق ووعده حق ولن يخزيه الله في وعد قطعه { يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا } ، { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ، و (( لن يخزيك الله في أمتك " كما في صحيح مسلم )) ، ومن الصريح في الإقطاع ما رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في الشعب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوضع للأنبياء منابر من يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه قائما بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي من بعدي فأقول : (( يارب أمتي أمتي , فيقول الله عز وجل : يا محمد ما تريد أن أصنع بأمتك فأقول : يارب عجل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون , فمنهم من يدخل الجنة بشفاعتي , فما أزال أشفع حتى أعطي صكا برجال قد بعث بهم إلى النار وحتى أن مالكا خازن النار يقول : يا محمد ما تركت لغضب ربك من أمتك من نقمة . وهل لا يعني إعطاءه صكا برجال لإخراجهم من النار إنهم قد أعطوا أمكنة في الجنة بسببه عليه الصلاة والسلام ، وفي هذه الحالة ألا يصح أن يقال أن رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقطعهم أرضا في الجنة باعتباره المتسبب في إعطائهم إياها من الله كرامة لرسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ( ثانيا ) : الخلق ما خلقوا إلا لأجله : فقد عد العلماء ذلك من جملة خصائصه صلى الله عليه وسلم كالحافظ السيوطي والقسطلاني والزرقاني وغيرهم ، أخرج الحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لما اقترف آدم الخطيئة قال : يارب بحق محمد لما غفرت لي , قال : كيف عرفت محمدا ؟ قال لأنك لما خلقتني بيديك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا : لا إله إلا الله : محمدا رسول الله , فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك قال : صدقت يا آدم ولولا محمد ما خلقتك )) ، وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (( أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب , فكتبت عليه لا إلا الله محمد رسول الله فسكن )) ، وروى ابن عساكر عن سلمان رضي الله عنه قال : (( هبط جبريل على النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن ربك يقول : إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا فقد اتخذت حبيبا , وما خلقت خلقا أكرم على منك ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي ولولاك ما خلقت الدنيا )) ، حديث الحاكم عن ابن عمر بن الخطاب قال فيه الحاكم : هذا الحديث صحيح الاسناد , وقال الذهبي : هو موضوع ، وأخرج الحديث البيهقي في " دلائله " الذي شرط ألا يخرج فيه الموضوعات , والذي قال فيه الذهبي " عليك به فإنه هدى ونور " وكذلك أخرج الحديث الطبراني في الصغير , وأبو نعيم في " دلائل النبوة " وابن عساكر وصحح الحديث السبكي في" شفاء السقام " . وذكره ابن تيمية في فتاويه وقال : " هذا الحديث يؤيد الذي قبله وهما كالتفسير للاحاديث الصحيحة ونقل ابن كثير في بدايته هذا الحديث ولم يعترض عليه ، أما حديث الحاكم عن ابن عباس فقال فيه الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد وقال الذهبي : اظنه موضوعا ، وروى هذا الحديث محمد بن يوسف الشامي في " سيرته " وقال : رواه أبو الفتح في طبقات الأصفهانيين " والحاكم وصححه وأقره السبكي والبلقيني في فتاويه , قال : ورواه الديملي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( أتاني جبريل فقال : يا محمد إن الله يقول : لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار )) ، ومن كل ما ذكر نرى أنه قد صحح أحاديث هذه الخصوصية على العموم الحاكم والسبكي والبلقيني والقسطلاني والزرقاني وأخرجهما البيهقي والطبراني وأبو نعيم وجعلهما ابن تيمية صالحة للاعتبار ورواها ابن كثير ولم يعترض عليها وكذلك نسبها الشامي في " سيرته " إلى أبي الشيخ والديملي ، فحكم الذهبي عليها بالوضع ليس بأولى من رأي هؤلاء الذين صححوها والذين رووها ، ثم بعد هذا كله لم الغضب وليس في الحديث انتزاع لحق من حقوق الربوبية أو الألوهية بل إنه تشهد شواهد كثيرة على أنه لا غرابة في خلق شيء لأجل البشر ، فقال تعالى : { خلق لكم ما في الأرض جميعا } ، { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار } ، فأثبت الله أن كل هذه قد خلقت لأجل البشر تكريما لهم ، وقد وقع من نوع هذا التكريم لأفراد هذه الامة وغيرهم فالله سبحانه يغفر لهذا من أجل هذا , ويدفع العذاب عن أهل أرض بالصالحين وجاء في الأحاديث أن من عباده من لأجله يرزق أهل الأرض وينصرون على أعدائهم ويصرف بهم البلاء والغرق ويحفظ بهم الأرض , وبهم تقوم وبهم يمطر الناس . وفي كتاب " الترغيب والترهيب " للمنذري و" مجمع الزوائد " الشيء الكثير من هذه الأحاديث وأمثالها مع اعتقادنا الكامل بأنهم أسباب فقط أما الحقيقة فكل هذه الأمور بيد الله وهو فاعلها ، وإزاء وجود هذه الأمور من أجل البعض فأي غرابة أن يقال : أن الكون خلق من أجل محمد , لا سيما وأنه قد قال بهذه الخصوصية له صلى الله عليه وسلم رجال من أئمة هذه وحفاظها ,وأخرجوا فيها أحاديث وصححها الكثير منهم وحاشا أن يقولوا ذلك عن هوى ، وهب أن هؤلاء كلهم قد غلطوا في التصحيح , وأصاب الذهبي في الحكم عليها بالوضع , فلمنكر الخصوصية أن يقول : إن الحديث لم يصح عليها بالوضع , فلمنكر الخصوصية أن يقول : إن الحديث لم يصح فيها ولكن لا يصل الحال إلى أن يقال عن التمسك بها بناء على تصحيح الحديث من أئمة حفاظ أنه أتى ضلالا , واعتقد شركا ومنكرا طالما أن هذه الخصوصية لا تدل على أي مشاركة لله في صفاته أو استحقاقه للعبادة ،

ومما أنكروه على كتاب " الذخائر " نقل مؤلفه عن طائفة من العلماء تفضيل ليلة مولده صلى الله عليه وسلم على ليله القدر وتفضيل موضع دفنه على الكعبة والعرش ، وأقول : تفضيل ليلة مولده على ليلة القدر : قال القسطلاني : المفاضلة هي بين ليلة القدر وبين ليلة المولد الحقيقة التي فيها لحظة ميلاده لا ليلة المولد المتكرره في كل عام ، والمفاضلة مبينة على أن ليلة القدر كانت بطلب منه صلى الله عليه وسلم لما رأى قصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار الأمم السابقة فأكرمه الله بليلة القدر ، قال القسطلاني : ليلة مولده أفضل لأنها ليلة ظهوره وليلة القدر معطاه له , وما شرف بظهور ذاته أشرف مما شرف بما أعطي , ولأن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها وليلة المولد شرفت بظهوره فيها , ولأن ليلة القدر وقع التفضل بها على أمة محمد وليلة المولد وقع التفضل بها على عمت النعمة به جميع الخلائق وسائر الموجودات ، وعلى كل الأحوال فهذا رأي معلل بحيثيات يحتمل الخطأ والصواب وذلك أمر لا يوجب تكفيرا ولا تضليلا إذ ليس فيه دعوى مشاركة الربوبية في شيء ، وأما تفضيل موضع دفنه على الكعبة ففي " بدائع الفوائد " لابن القيم "قال ابن عقيل : سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو الكعبة ؟ فقلت : إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل وإن أردت وهو فيها فلا والله ولا العرش وحملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة لأن بالحجرة جسدا لو وزن بالكونين لرجح " ولم يعلق ابن القيم على الفتوي بشيء ، وفي فتاوي ابن تيمية : " أما نفس محمد فما خلق الله خلقا أكرم عليه منه ,وأما نفس التراب فليس أفضل من الكعبة ولا يعرف أحدمن العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا عياض " ، قلت : توفي عياض سنة 544 , وتوفي ابن عقيل الحنبلي قبله في عام 513 وقد أقر عياض على أفضلية قبره صلى الله عليه وسلم الخفاجي شارح الشفا وقال : بل أفضل من السموات والعرش والكعبة , وقد حكى عياض والباجي وابن عساكر على أن أفضل البقاع الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة حتى من الكعبة لحلوله فيه , بل نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أنه أفضل من العرش وصرح الفاكهاني بتفضيله على السموات . بل قال البرماوي : " الحق أن مواضع أجساد الأنبياء وأرواحهم أشرف من كل ما سواها في الأرض والسماء " .. قال الزرقاني : أفضل تلك المواضع القبر الشريف بالإجماع وقال : واستشكله العز بن عبد السلام بأن معنى التفضل أن ثواب العمل في إحداهما أكثر من الآخر … وموضع القبر الشريف لا يمكن العمل فيه لأن العمل فيه محرم وفيه عقاب شديد , ورد عليه تلميذه الشهاب القرافي بأن التفضيل للمجاورة والحلول وليست أسباب التفضيل محصورة في الثواب بل أسباب التفضيل كثيرة بينتها في كتابي " الفروق " ، وقال التقي السبكي : قد يكون التفضيل بكثرة الثواب , وقد يكون لأمر آخر وإن لم يكن عمل فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر عنه العقول ,فكيف لا يكون أفضل الأمكنة وأيضا فباعتبار ما قيل كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه وقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار حياته صلى الله عليه وسلم به وأن أعماله مضاعفة فيه باعتبار حياته صلى الله عليه وسلم به وأن أعماله مضاعفة أكثر من كل أحد ، وقال السمهودي : والرحمات النازلة بذلك المحل يعم فيضها الأمة وهي غير متناهية لدوام ترقياته صلى الله عليه وسلم فهو منبع الخيرات ، قلت : تعليل عياض والباجي وابن عساكر لفضلها بحلوله صلى الله عليه وسلم فيها , وكذلك تعليل القرافي لفضلها بالمجاورة والحلول ,وكذلك تعليل السبكي لتفضيلها بما ينزل من الرحمة والرضوان على ساكن القبر ، كل ذلك يدل على أن التفضيل إنما وقع لهذه البقعة لأن جسده صلى الله عليه وسلم موجود فيها لا لنفس وعلى هذا فإنه لا خلاف بين هؤلاء وبين ما ذكره ابن عقيل وما ذكره ابن تيمية من تفضيل البقعة بوجوده صلى الله عليه وسلم فيها ,وأنها كما قال ابن عقيل بهذا الاعتبار لا يوازيها العرش ولا حملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة إلخ كلامه ، اما التراب المجرد بدون وجوده صلى الله عليه وسلم فيها فما أعتقد أن أحدا عناه . ولذا فإن الإنكار على هذا التفضيل مجرد تسرع بدون فهم المقصود لأن التفضيل باعتبار وجوده صلى الله عليه مسلم فيها يصبح إجماعا كما حكيناه عن الكل بما فيهم ابن عقيل وابن تيمية ،

ومما أنكروه على كتاب " الذخائر " نقله قول البوصيري في الهمزية : ( ليته خصني برؤية وجه ... زال عني كل من رآه العناء ) ، فقال ابن منيع : هذا كذب وباطل لأن قوما رأوه في حياته وما زال عنهم العناء ولا الكفر ، وأقول : روى الترمذي وصححه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تمس النار مسلما رآني أو رأى من رآني " ، و ياشيخ ابن منيع فرق بين من رآه صلى الله عليه وسلم بعين المماثلة والمشاكلة التي حجب الله بها أكثر الأولين والآخرين كما حكى الله عن الكافرين : { وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ، { ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } ، وبين من أشهد الله وجه الخصوصية فيه صلى الله عليه وسلم فيعتقده ويحبه أشد المحبة ويؤمن به ويرتاح إليه ويطمئن قلبه به ، ولقد أخبر الله عن الفريق المحجوب فقال : { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ، ثم لو تلا ابن منيع قوله تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } لعلم أي عناء زال عن المشركين من عذاب الاستئصال وسلامتهم من المسخ والقذف ،

ومما أنكره ابن منيع على مؤلف " الذخائر " قوله : " لا حرج في مدحه صلى الله عليه وسلم بما شاء المادح غير خصائص الربوبية والألوهية إليه ، قلت : أمرنا الله بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيره ونهانا عن اعتقاد ما اعتقده النصارى في عيسى وهو أنه إله كما نهانا مثلا عن السجود له صلى الله عليه وسلم . فمدحه صلى الله عليه وسلم وبغير ما نهينا عنه هو فرد من أفراد تعظيمه صلى الله عليه وسلم فالإنكار على مثل هذا لا وجه له إلا أن يكون الجفاء حفظنا الله تعالى منه ،

ومما أنكروه على كتاب " الذخائر " نقله الإشادة بنعله صلى الله عليه وسلم وآثاره والتبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم ووضوئه وسؤره وملابسه وبصاقه ، ولقد اعتنى العلماء بالبحث عن صفة نعاله صلى الله عليه وسلم ولونها وجنسها وعددها وحاملها ومدحها والثناء عليها شعرا ونثرا فحقق مثال نعله ابن ايوي وابن عساكر وابن مرزوق والسيوطي والسخاوي والنتائي والعراقي وغيرهم ، وممن مدحها أبو الحسن البلانسي , وإسماعيل بن سعد , والحافظ ابن الأبار القضاعي والبلنسي , والإمام أبو الخير محمد بن محمد الجزري وغيرهم كثيرون ، وفي اشعارهم التوسل والتبرك بمثال نعله شغفهم حب من لبس النعال وألف الشهاب أحمد المغربي كتاب " فتح المتعال في مدح النعال " جمع فيه بعض المدائح ، وحتى الفاكهاني الذي أشادوا بعلمه " لأنه غلط مثلهم في عد المولد بدعة " , فإنه في تر جمته في " الديباج المذهب " لابن فرحون : " أثناء رحلته إلى دمشق قصد زيارة نعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي بدار الحديث الأشرفية فلما رأى النعل المكرم حسر عن رأسه وجعل يقبله ويمرغ وجهه عليه ودموعه تسيل وأنشد : ( ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها * تريد أم الدنيا وما في طواياها * لقال غبار من تراب نعالها أحب * إلى نفسي وأشفي لبلواهــا ) ، .. وللفاكهاني رحمه الله وغفر له مواقف محمودة في إجلال رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلنا منها كلامه في مواضع متفرقة من هذه الرسالة في مناسباتها شكر الله صنيعه وجزاه خيرا ، ويحتار المرء في حملة ابن منيع الإشادة بالنعل الشريف , فلعله كان يستنكف مما عده الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود شرفا له من حمل نعله الشريف رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان صاحب النعال والمشط والمكحلة وأدوات وضوئه يوقظه إذا نام ويستره إذا اغتسل ويلبسه نعله إذا أراد الخروج ويخلعها من قدميه إذا هم بالدخول , ويحمل له عصاه وسواكه وهذا شأن المحبين حقا بقلوبهم لا شقشقة لسان كمن قال في ص 40 : من كتاب الحوار : " وكم نتمنى أن نكون حظينا بصحبته صلى الله عليه وسلم وبالاشتراك مع أصحابه والتزاحم معهم في تتبع آثاره والاستمتاع بأحاديثه ومجالسه ومخالطته " ،

ومما أنكروه على كتاب "الذخائر " نقله أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره يصلى ويحج ويصوم , وأن روحانيته حاضرة في كل مكان تشهد أماكن الخير , وأن أعمال أمته تعرض عليه بعد وفاته ، وأحيلك في كل هذه الأمور إلى الفصل رقم ( 10) التي جاءت جميعها تحت عنوان : " ما لأموات المسلمين من إدراكات والقدرة على الدعاء والاستغفار والخروج من قبورهم " فارجع إليه لتدقق في دوافع إنكارهم لها وهو ثابت .

10 – ومما أنكروه على كتاب "الذخائر" : نقله طهارة فضلاته , وأن ظله لا يقع على الأرض , ولا رؤي له ظل في شمس ولا قمر لأنه كان نورا , وأنه كان إذا ابتسم في الليل أضاء البيت , وأن الغسل والتطيب يستحب لقراءة حديثه ، قلت : طهارة فضلاته مذكور في " كشاف القناع " الذي عليه الحكم في محاكم المملكة . فقال : " النجس منا طاهر منه ويجوز أن يستشفي ببوله ودمه كما في الدار قطني وابن حبان وكانت الأرض تجتذب أثقاله " وما في السنة من شرب دمه وبوله مشهور ، وكذلك ذكر في " كشاف القناع " خصوصية أنه لا ظل له صلى الله عليه وسلم في شمس ولا قمر , وقد نقل عن ابن عقيل من كبار الحنابلة أن ذلك لأنه نوراني والظل نوع ظلمه ، وعد في " كشاف القناع " أيضا كثيرا من خصائصه ومما ذكر منها أنه صلى الله عليه وسلم عرض عليه الخلق كلهم من آدم إلى من بعده فعلم الأشياء كلها كما علم آدم أسماء كل شيء لحديث الديملي : " مثلث لي الدنيا بالماء والطين فعلمت الأشياء كلها كما علم آدم الأسماء كلها " ، وعرض عليه أمته بأسرهم حتى رآهم لحديث الطبراني : " عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها صوروا لي بالماء والطين حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه " وعرض عليه ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة " ، وأما إضاءته ففي " الشفاء " قال أبو هريرة : ما رأيت شيئا احسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه إذا ضحك يتلألأ في الجدر . وفي هذا المعنى عدة أحاديث ، وأما استحباب الغسل والتطيب لقراءة حديثه قال ابن فرحون في ترجمة مالك : " كان مالك إذا جلس للفقه كيف كان , وإذا الجلوس للحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا وتعمم وقعد بخشوع وخضوع ووقار ويبخر المجلس بالعود من أوله فلا يزال يتبخر إلى فراغه تعظيما للحديث ،

ومما انكروه على كتاب "الذخائر " : أنه عذر من قبل القبر أو تمسح به إذا غلبت عليه محبة صاحبه ، قلت : صاحب الحوار لم يراع الأمانة في النقل عن المالكي إذ اقتصر على هذا وحذف بقية كلام مؤلف " الذخائر " الذي أردف بذلك " أن الأمر على كل حال لا يخلو من كراهة " ، وبقية الكلام على هذا البحث ستأتي في الفصل رقم ( 14) " نماذج من التصرفات في حق من عظم الله قدره " إذ في هذا الفصل موضوعات متعددة منها بحث فيما يتعلق بالقبور وزيارتها , فارجع إلى ذلك .

جرأة مشايخ الوهابية على مقامه صلى الله عليه وسلم : تقدم لك ما قاله العلماء في تأديب من جعل أحواله صلى الله عليه وسلم مثلا ، واعتبروا ذلك عدم توقير للنبوة وعدم تعظيم للرسالة ومراعاة حرمة الاصطفاء وحظوة الكرامة لمن عظم الله قدره وألزم توقيره وبره فما بالك بمن ينتقصه صلى الله عليه وسلم في كلامه ويجرأ على مقامه بما لا يليق أن يوجه إلى ذي سلطان فضلا عن توجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تضافر القوم على عدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم بأقوالهم وتصرفاتهم واعتقدوا أن كل ما فيه إجلاله من قول أو فعل هو شرك وتأليه له صلى الله عليه وسلم ،

أ – فاسمع أيها المسلم الذي يعرف مكانة نبيه صلى الله عليه وسلم ويغار عليها إلى ما قاله شيخ منهم في حقه صلى الله عليه وسلم ، قال أبوبكر الجزائري المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمسجد النبوي في رسالة سماها " كمال الأمة في صلاح عقيدتها " : في ص (11) لما نقم على البكري قصيدته : ما أرسل الرحمن أو يرسل لما فيها من نداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كيف ينادي من لا يسمع ولا يراه ولا يقدر على إعطائه أو إنجائه " ، وفي ص (14) بعد ذكر قول أحد الصحابة : ليس لنا إلا إليك يا رسول الله فرارنا " قال : " ولو قال أحد هذه الجملة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان كاذبا وكان قوله شركا وكفرا .اما كونه كاذبا فإن الخائف أو العطشان أو الجوعان ويرى اضطراره ويعلم شدة حاجته فيطلب منه أن يؤمنه أو يسبقه أو يطعمه أو يقضي حاجته ، .. وصاحب "الذخائر " لو جاع اليوم أو عطش أو خاف لا يفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يفر إلى غني أو قوي من الناس ، وأما كونه شركا وكفرا فإن الفرار لا يكون إلا لمؤمن ان يقول : ليس لنا من نفر إليه إلا رسول الله ؟ والجواب : لا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم التحق بربه فلا يسمعنا ولا يرانا ولا يعرف عنا ولا يدعو الله لنا " أهـ ، بهذه الجفوة التي يوجهها الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكلمات طائشة يستبعد بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أثبتته السنة من إدراكات لعامة الموتى , فضلا عن الصالحين والرسل , فضلا عن سيد المرسلين كما هو موضح بفصل ما لأموات المسلمين من إدراكات لعامة الموتى , فضلا عن الصالحين والرسل , فضلا عن سيد المرسلين كما هو موضح بفصل ما لأموات المسلمين من إدراكات رقم (10) ، فتعسا لهذا الذي يرسل الكلمات جزافا إلى نبي الأمة فيثير المسلمين على أدعياء السلفية وأمثاله من المتطرفين وعلى المدرسين والمناهج والكتب التي تحمل مبادئ الجفاء هذه , والمسارعة في التكفير والإقدام على عدم توقيره صلى الله عليه وسلم بتوجيه مثل هذه الكلمات الكاذبة إلى مقامه صلى الله عليه وسلم ، ب - واستمع أيها المسلم إلى شيخ آخر من مشايخ المتطرفين , ففي ص ( 91) من كتاب " الحوار " لمؤلفه ابن منيع عضو هيئة تمييز الأحكام الشرعية والمنسوب إلى عضوية كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، قال : " إذا كان التعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم كما يزعم المالكي وأحزابه فهذا مما نبرأ إلى الله منه ونشهد على أنا نعتقد في من يتعلق برسوله الله صلى الله عليه وسلم هذا التعلق أنه مشرك بالله غيره وأن شركه أعظم من شرك أبي جهل وأبي لهب وأبي بن خلف " أهـ ، يريد بالتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعانة به ودعاؤه لطلب الشفاعة منه بعد موته وغير ذلك من أمور خصصنا لها في هذه الرسالة فصلا خاصا بعنوان " ما زعم الوهابية أنه تعلق منكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وإبطال ذلك " وقد سبق ذكره ، وفي كتاب " الحوار " بالصفحات 31- 70 – 106- 123 ، يستعظم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر مجالس الخير ويجعل ذلك من التخيلات والتوهمات والخرافات والإيمان بالأرواح الوهمية التي يزعم الدجاجلة أنها تغدو وتروح , وتأمر وتنهى وترضى وتغضب , ومن انسياق العواطف إلى متاهات وترهات وخرافات تندد بها العقول السليمة , واستنكر أن تعرض عليه أعمال أمته , ووصف القول بذلك أنه قول لم يقل به جهل وأبو لهب وأبي بن خلف وغيرهم من أئمة الكفر والشرك والطغيان ، ويكفي تعليقا على هذا ما أثبته الشيخ ابن القيم في كتاب " الروح " " بأنه قد تواترت الرؤى والروايات بأن لأهل القبور قدرة على التصرف بأقوى مما كانوا في الحياة لتجرد الروح من عوائق البدن " ، ولعل حضور الأنبياء والرسل والأموات إلى بيت المقدس للاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم والائتمام به ليلة الإسراء هو من الترهات والخرافات عند ابن منيع , أم لعلهم حين ظهروا في صورة أنس كما سيأتيك من كلامهم عند بحث زيارة القبور ، أما إن كان ظهورهم صحيحا عند ابن منيع وأمثاله فلماذا استكثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجه من قبره وحضوره مجالس الخير ؟ وفي الصفحات 75- 76 : من كتاب " الحوار " حين قال المالكي : " كم للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من فوائد نبوية وإمدادت محمدية " ، وحين قال : يسجد القلم في محراب البيان عاجزا عن مقدار آثارها ومظاهر أنوارها " ، فعلق ابن منيع على هذا الكلام بقوله : "لا ندري ما مقصود المالكي بالامدادات المحمدية , ولعلها نتيجة اعتقاده أن له مقاليد السموات والأرض , وأن له حق الإقطاع في الجنة , وأن من جوده الدنيا وضرتها ومن علومه علم اللوح والقلم , وأن الخلق خلقوا لأجله إلى غير ذلك من عبارات الغلو والإطراء والتنطع والتشدق والتفيهق . فهل يريد من صلواته عليه مددا محمدا لا مددا إلهيا . إننا لا نستطيع تصور الشرك بالله إذا لم يكن هذا الاتجاه من المالكي وأحزابه أبشع ألوانه وأظهر مثال له ، وعلق ابن منيع في ص ( 76)على سجود القلم عاجزا بقوله " وهذه أيضا من عبارات الغلو والإطراء والتنطع والإفراط فما هذه الأنوار التي يسجد لها القلم " ؟ قلت : لا نستغرب أن يتصور ابن منيع وأمثاله الشرك بمفهومه الخاطىء في التفرقة بين ما هو شرك وما ليس منه , ففي ذكره إمدادات محمدية وإمدادات إلهية ، وهو لم يفرق بين معاني الألفاظ ومدلولاتها حين تطلق على الخلق بما يناسب مقام المخلوق . حين تكون نسبتها إلى الخلق من باب المجاز العقلي كالمدد مثلا . فأي شرك ممن ادعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مددا محمدا وكأن المعترض نسي او تناسى ما في السنة من تأثيره صلى الله عليه وسلم بمجرد توجيه نظره إلى شخص كقصة فضالة بن عمير الذي تربص برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ليقتله فلما وضع يده على صدره سكن قلبه وتحول بغضه إلى حب , وكأنه نسي ما فعله صلى الله عليه وسلم بأبي هريرة حين شكى إليه نسيان ما يحفظه فحثى له في ردائه حثيات وأمره بضمه إليه ما نسي بعد ذلك شيئا وأمثال هذا في السنة كثير . وحتى الجهال يفرقون بين هذا المدد وبين المدد المنسوب إلى الله فالأول تسبب والثاني خلق وإيجاد ، أما عن مظاهر الأنوار في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فكأن المنتقد لذلك لم يتل قوله تعالى : { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور } ، وأن الله قد ضاعف ثواب من يصلي عليه صلى الله عليه وسلم فيصل الله بها عشرا عليه ، وعلى هذا فإن صلاة المسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إخراج له من الظلمات إلى النور بنص الآية .فلعلك بهذا قد علمت مظاهر الانوار في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولعل الذي حجبك عن وعي ذلك ما غلب على قلبك من استكثار لكل ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم دون روية أو تدبر .

حد التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي زعموا أنه لا يجوز تجاوزه : في ص ( 33) من كتاب "الحوار " قال ابن منيع : " أنه سيمهد لرده على المالكي ما يعتقده في رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يجب عدم تجاوزه لئلا نكون في مسار أهل الكتاب ممن غلوا في أنبيائهم ورسلهم حتى جعلوا آلهة يعبدون مع الله ، فلما تكلم في ص ( 38- 39 ) عما يجب له وما له من خصائص ومقامات أوجز فذكر فقط وجوب طاعته ومحبته والصلاة عليه والدعاء له بالوسيلة والفضيلة والمقام المحمود ، أما حين ذكر بشريته وما يصيب سائر البشر وأنه لا يغني عن نفسه ولاعن أحد شيئا بسط القول وساق في ذلك ما يروقه من آيات وأحاديث وردد حتى مانعاه الله تعالى على مشركي قريش : { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ، فقال في ص ( 35) " إن ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أنه لا يعلم الغيب , ولا يملك لنفسه نفعا ولا خيرا إلا ما شاء الله وأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق , وأنه لم يكن بدعا من الرسل , وأنه لا يدري ما يفعل به ولا ما يفعل بنا , وأنه بشر مثلنا أرسله الله إلينا .. وأنه عبد الله ورسوله يناله من الطباع البشرية ما ينال بني جنسه ، وفي ص ( 36 – 37 ) قال : أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف قدر نفسه تجاه ربه إذ قال (( اجعلتني لله ندا )) لمن قال : " ما شاء الله وشئت " , وأنه نزل عليه { ليس لك من الامر شيء } لما قال : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم , وانه لما نزل عليه { وأنذر عشيرتك الأقربين } قال : يا معشر قريش إني لا أغني عنكم من الله شيئا , يا عباس لا أغني عنك من الله شيئا , يا صفية لا أغني عنك من الله شيئا … يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا … يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا , وأنزل عليه في أبي طالب : _ {ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } وقوله : { إنك لا تهدي من أحببت } … ولما قال له أحدهم : " يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا " قال للناس : (( قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله , وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل )) ، ثم أورد ما في الصحيحين : (( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا : عبد الله ورسوله )) ، ثم في ص ( 38) : قال : إن رسول الله كان حريصا على حماية جناب التوحيد وعلى أن ننزله منزلته التي أنزله الله بها فلا غلو ولا تنطع ولا إطراء ولا إفراط " ، [ مناقشة ابن منيع ] : ونقول وبالله التوفيق : " إنا نؤمن بما جاء في كتاب ربنا وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، نؤمن بذلك كله وقد أجملنا لك في الفصل رقم (8) بعض ما خصه تعالى به صلى الله عليه وسلم من مقامات الاصطفاء , وما لاطفه به ربه وأوجب من تعظيمه وتوقيره من كل ما هو ثابت في الكتاب والسنة ، ونلفت نظرك ايها المسلم إلى تركيز ابن منيع على ما ورد من بشريته وما يصيبه مثل سائر البشر من أعراض وأنه لا يغني عن أحد شيئا , وأنه ليس له من الأمر شيء ,وأنه لا يدري ما يفعل به وبنا , وأنه لا يعلم الغيب , وأنه لا يملك لرحمه شيئا وإيهامه ان تجاوز تلك الأوصاف التي ذكرها هو سير في مسار أهل الكتاب ممن غلوا في انبيائهم ورسلهم جعلوهم آلهة تعبد مع الله كما عبر وختمه بعبارته بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن ننزله منزلته التي أنزله الله بها فلا غلو ولا تنطع وإطراء ولا إفراط ، وجعل من الأدلة على مدعاه في عدم التجاوز عن ذلك : (( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله )) ، رغم أنه من الواضح ان النهي وارد في الإطراء الذي اطرته النصارى بحق عيسى وهو نسبتهم للألوهية إليه ، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم امته إلى أنه ليس إلها وإنما عبد الله ورسوله , نعمت العبودية لله فأي علاقة للحديث في منع مدحه صلى الله عليه وسلم إذا لم يصل المدح إلى وصفه بصفات الربوبية ، وكذلك جعل ابن منيع من الأدلة على مدعاه في عدم تجاوز ما ذكره قوله صلى الله عليه وسلم : " لمن قال له يا خيرنا وابن خيرنا ويا سيدنا وابن سيدنا , : (( قولوا : بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان انا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي انزلني الله عز وجل )) ، وغاب على المستدل انه في قوله صلى الله عليه وسلم : (( قولوا بقولكم )) إقرار منه صلى الله عليه وسلم لما مدحوه به , ثم في الوقت نفسه حذرهم ان لا ينسوا عبوديته لله فلا يصلون في مدحه إلى رفعه عن منزلته باعتقاد أن له شيئا من صفات الربوبية ، ومهلا يا رجل حين سردت بدون روية : { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } ، { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب } ، { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } ، { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } ، فلماذا لم تسرد مع ذلك ما ورد من وعد الله لرسوله الكرامة ووعده بإرضائه في أمته ولا يخزيه فيها ، وقول رسول صلى الله عليه وسلم : (( إن لي رحماً سأبلها ببلالها )) ، وإخراج بعض من دخل النار بشفاعته فانتفع بكل ذلك أمته وذوو رحمه فإن ملكه ربه تعالى نفع أمته وأقاربه كما سمعت بالشفاعة الخاصة والعامة فهل تملك أنت الحجر على ربك ألا يعطيه ، ثم أليس هذا العطاء مما يشمله قوله تعالى : { إلا ما شاء الله } ، وما قولك في إخباره بالمغيبات الواردة في أحاديث كثيرة ، وهل يشتبه ذلك بعلم الله للغيب وإعلام الله لرسوله ببعض ذلك ، فإياك يا رجل من التمسك بعموميات الكتاب ، والإعراض عن صرائح السنة فذلك ليس من ديدن أهل السنة ، ,انه ليس بعد الحق إلا الضلال ، ومعذور هو لما شبه عليه حين استكثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما وصف به صلى الله عليه وسلم من الخصائص ، واستعظم ما حباه به ربه لأنه نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين البشرية المحضة ، لم يحقق حقيقة معانى الألفاظ التي جاءت في أشعار المادحين وزعم أنها وصف له ببعض صفات الألوهية والربوبية ، ورفع له عن مقامه بالنسبة إلى ربه لما جهل أن اللفظ يطلق على الله خلقاً وايجاداً ، وقد يطلق على سواه تسبباً بالدعاء والشفاعة كما سبق إيضاحه ، ولما خيل إليه أن كل تعظيم له صلى الله عليه وسلم وتوقير هو غلو وتنطع وإطراء وإفراط بوهم أن ذلك حماية لجناب التوحيد ، وما عقل أن الأمر بتعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره كان أدرى بما يؤدي إليه ذلك التعظيم فلا ضير في تعظيمه بما لم ننه عنه ، وعدا وصفه بصفات الربوبية والألوهية ، ومن فرق بين مدلولات الألفاظ حين تنسب إلى الخالق ، ومدلولاتها حين تنسب إلى المخلوق وأحسن الظن بالمسلمين عرف كيف يحسن الأدب معه صلى الله عليه وسلم ولم يسارع إلى تكفير المسلمين ، أما ادعاء أن الغيرة على التوحيد التي زعموا أنها دفعتهم إلى موقفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حكيناه فسبب الدعوى هو غلطهم في فهم العبادة والشرك كما وضحناه من قبل في أكثر من موضع ، وانسياقاً وراء الفهم الخاطئ ورغبة ملحة في تثبيت هذه المبادئ في قلوب الجهلة وتنفيراً لهم من تعظيمه صلى الله عليه وسلم بما يخيل إليهم أنه الشرك صور لهم ابن منيع في حواره ص ( 26 – 77 – 123 ) أن مما قيل في مدحه صلى الله عليه وسلم هو وصف له صلى الله عليه وسلم على حد تعبيره ( بالتفرد بكمال الجلال والتقديس والتفرد بالعبادة وجعله صمداً شريكاً له تعالى في الملكوت والخلق والملك والتدبير والسلطة الكاملة والهيمنة الشاملة والقدرة والعلم المحيط والنفع والضر والمنع والعطاء ، واعتباره صلى الله عليه وسلم ملجاً وملاذاً مما هو محض حق لا يصلح لأحد غيره تعالى وأن ذلك شرك لم يقل به أبو جهل وأبو لهب وأبي بن خلف وغيرهم من أئمة الكفر والشرك والطغيان 000 إلخ أوهامه وتخيلاته ) ، وقد وقع بهذا الكلام ما بين الاختلاف على المسلمين وبين سوء الفهم فليس في المسلمين بحمد الله من يزعم أن لرسول الله صلى عليه وسلم مقام الربوبية والألوهية ، والتفرد بكمال الجلال والتقديس ، والتفرد بالعبادة وجعله صمداً شريكاً له تعالى في الملكوت والخلق والملك والتدبير والسلطة الكاملة والهيمنة الشاملة والقدرة الذاتية والعلم الذاتي المحيط ، وكل ذلك اختلاقات على المسلمين وتنفير عن توقيره صلى الله عليه وسلم ، وأما المنع والعطاء والنفع والضر وعلى العموم التصرف وقضاء الحوائج فذلك كله لله استقلالاً بقدرة كن 0 وأما ما ظهر على يده صلى الله عليه وسلم كشفاء العاهات وتبديل الأخلاق بلمسة ، وتبديل الأعيان كانقلاب العود سيفاً ، وتبديل الصفات وتكليم الجمادات والبهائم وشهادتها برسالته وطاعتها له وتكثير الطعام والشراب القليل ونبع الماء من بين أصابعه وتكثيره وانشقاق القمر فإنه وإن بدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فاعل ذلك فالمسلمون بحمد الله يعتقدون أن فاعل ذلك فالمسلمون بحمد الله يعتقدون أن فاعل ذلك كله هو الله ، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم متسبب فيها ليس إلا وقعت ببركته كما قال تعالى : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ، ومثل ذلك من طلب منه صلى الله عليه وسلم قضاء الحوائج ، وطلب منه الشفاعة فالمقصد في قلوب المسلمين حتى العوام هو أن يتسبب في قضاء الله لحاجته بشفاعته ودعائه وما نسبتها إليه صلى الله عليه وسلم إلا من قبيل الإسناد المجازي كما وضحناه في أكثر من موضع ، ومثل ذلك ما يصدر من بعض الناس من كلمات الملجأ والملاذ والرجاء والمفزع وأشباه ذلك فقد بينا في مبحث ( أسباب غلط الوهابيين في الحكم بالتكفير ) أن اعتقاد المسلم أن الملجأ والملاذ والمفزع وتحقيق الطلب والمدد كلها إلى الله خلقاً وإيجاداً وأصالة وما نسبتها إلى مخلوق ممن أكرمه الله بحصول الحاجات على يده إلا أنه المتسبب في قضائها بدعائه لربه وشفاعته عنده 0 وهكذا أكثر الألفاظ التي جاءت في قصائد المادحين كالبردة فهي من هذا الباب وليس مقصود القائل لها مشاركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه في صفاته بل أطلقوها عليه صلى الله عليه وسلم بما يناسب البشرية من كونها محدودة ومكتسبة فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إلى الخلوق شركاً بالله كما توهم الوهابيين ، فأين الخالق من السبب ، وأين صاحب العلم الذاتي المحيط من علم من علمه الله ما شاء ، وقد علقنا على ذلك فيما مضى ( ما زعموا أنه تعلق منكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ) 0 ولذا كان الإطراء الممنوع عند علماء السواد الأعظم من المسلمين هو خلع صفات الربوبية والإلهية عليه صلى الله عليه وسلم باعتقاد أن له شيئاً من ذلك ، بل هو عبدالله المصطفي برسالته ، المحبوب من ربه وليس إلهاً كما اعتقده النصارى في عيسى ابن مريم عليهما السلام ، ومرة أخرى أوضح أن ( من ميز بين معاني الألفاظ ومدلولاتها حين تطلق على الله خلقاً وإيجاداً وبين معانيها ومدلولاتها حين تطلق على الخلق مجازاً عقلياً باعتبار أنهم سبب في حدوثها بدعائهم وشفاعتهم ) أراح وارتاح ، ولكن القوم لغلطهم في معنى العبادة حملوا كل تعظيم وتوقير يصدر من المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالأقوال والأفعال أنه شرك أو ذريعة إلى الشرك حتى قال أحد كبارهم : " من ارتكب شيئا من الأمور الشركية فهو مشرك وإن سمي ذلك توسلا وتشفعا " ص (103) من " الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية " ، يريد بالأمور الشركية إتيان الأعمال التي تصلح للتعبد بها كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة والتعظيم ، ولو عقل المفتي أن العبادة هي إتيان أو القول بنية العبادة لمن يعتقد له ربوبيتة , أو خصائصها من تأثير بقدرة كن بالمنع والضر والإعطاء والنفع , أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكته لله في ربوبيته لما أدخل في مسمى العبادة ما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة واستشفاع وتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم وأشباه ذلك , ولفرق بين من يعتقد فيمن يدعونهم أنهم أرباب ومن يعتقد أنهم أسباب ، ومن رسخ في قلبه أن كل تصرف يصدر من المسلمين بقصد إجلاله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه هو من الشرك أو ذريعة له , ونفر اتباعه الجهلة من تعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وسلم بما صور لهم أنه من الشرك أو ذريعة له .. فأنى يصح زعمه بصفحة ( 40) من كتاب الحوار "أنه مشرب بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأنه يتمنى أن يكون من قد حظي بصحبته وبالاشتراك مع أصحابه والتزاحم معهم في تتبع آثاره " ، وفي الفصل التالي إشارات إلى تصرفاتهم بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعباد الله الصالحين ,ونسأله تعالى أن يلهمنا تعظيم من عظمه الله .

نماذج من التصرفات الوهابية في حق من عظم الله قدره : نذكر في هذا الفصل نماذج من التصرفات الوهابية في حق من عظم الله قدره ، وستلمس فيها أن كل ما فيها أن كل ما فيها إجلاله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل هو شرك وعبادة له صلى الله عليه وسلم وتأليه أو بدعة شنيعة ,بل ستلمس أنهم يبغضون زيارته صلى الله عليه وسلم وزيارة القبور مطلقا ، ونسلسل بعض هذه التصرفات كما يلي :

أ – الخوض في مصير الأبوين ومصير أجداده وأقاربه : يكثر القوم من الخوض في عدم نجاة الأبوين وطبع ما ألف في ذلك كرسالة القاري عفا الله عنه الذي نسب عدم النجاة إلى كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة . وفي كتاب " النهضة الإصلاحية " لمؤلفه المرحوم مصطفي سيف الحمامي نفي لهذه النسبة وقال : إن هذه المسألة ليست موجوده في الفقه الأكبر ، ثم لماذا إكثارهم من الخوض في ذلك كأن المسألة من العقائد الواجب اعتقادها على المسلم بينما ليس على المسلم شيء لو مات جاهلا مصيرهما أو معتقدا نجاتهما بفرض أنه أخطأ ، وما ورد من حديث في ذلك لم يوجب ولم يندب الخوض في ذلك , فما بقي بعد هذا إلا أن اتخاذ القول فيه مضغة تلوكها الألسن ، لا يقدم عليه إلا من انطوى قلبه عن عدم المبالاة بأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوء الأدب معه ، وفي رسالة السيوطي " تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء " . ان الشافعي قال : " قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة تكلم فيها فقال : " لو سرقت فلانة " لامرأة شريفة لقطعت يدها ، قال تاج الدين السبكي : فانظر إلى قول الشافعي فلانة ولم يبح باسم فاطمة تأدبا معها رضي الله عنهما أن يذكرها في هذا المعرض وإن كان أبوها صلى الله عليه وسلم قد ذكرها " ، ونقل السيوطي في رسالته عن عياض أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل : انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا فقال كاتب له : قد كان أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا قال عمر : " وجعلت هذا مثلا " فعزله ، وفي " ذخائر العقبي " لمحب الدين الطبري عن ابي هريرة قال : جاءت سبيعة بنت أبي لهب رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله , إن الناس يقولون أنت بنت حطب النار فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغضب فقال : (( ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي , ومن آذى قرابتي فقد آذاني , ومن آذاني فقد آذى الله )) ، وفي " الروض الأنف " للسهيلي بعد أن أورد حديث : (( إن أبي وأباك في النار )) ، ما نصه : " ليس لنا أن نقول نحن هذا في أبوية صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات )) والله تعالى يقول : { إن الذين يؤذون الله ورسوله } ، وقد سئل القاضي ابن العربي عمن قال إنهما في النار فأجاب بأنه ملعون لقوله تعالى : { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة } ، وقد أكثر القوم في الخوض في مصير أجداده وأقاربه ففي " مجموعة التوحيد " ص 26 " باب قول الله تعالى "إنك لا تهدي من أحببت " ذكر حضوره صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب في مرض موته وأن القصة رد على من زعم إسلام عبد المطلب وإسلام أبي طالب " ، قلت : وقول أبي طالب أموت على ملة عبد المطلب ليس دليلا على مساواتهما في الحكم بعدم النجاة إذ الفرق واضح بين من أدرك البعثة ومن مات في الفترة ، ومجال القول ذو وسعة لو اتسع له المجال ،

ب – تذمرهم من اتخاذ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وردا وطعنهم في الكتب المؤلفة فيها : يضيق القوم ذرعا ممن يتخذون الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وردا ، ويظهر ذلك في فلتات السنتهم فانظر " الدرر السنية " ج1 ص 41 انكر قائل منهم حرق دلائل الخيرات ,او أنه ينهى عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأي لفظ كان ولكنه فقط ينصح اتباعه أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله وأن لا يظن القراءة فيه أفضل من قراءة القرآن " ، وحاشا للمسلمين أن يكون فيهم من يفضل كتب الصلوات على كتاب الله ، وانظر " الهدية السنية والتحفة الوهابية " ص 40 قال قائل منهم : ( ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك كروض الرياحين , أو ما يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق … وكالدلائل " ، وهكذا ناقض بعضهم بعضا في حرقها أو عدم حرقها ، .. وكتاب " الدلائل " الذي أحرقوه ومنعوا الناس من قراءته والمكتبات من توريده ووصفوه بتلك الأوصاف الشنيعة , .. هو كتاب يشتمل على صيغ من الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم من أجل وأجمع الكتب المشتملة على ذلك وأكثر الصيغ فيه مأثورة , وإذ وجدت روايات في بعضها ضعف فلا يضيره ذلك عملا بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ويجبرها أحاديث فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أجل وأجمع الكتب المشتملة على ذلك وأكثر الصيغ فيه مأثورة ,وإذ وجدت روايات في بعضها ضعف فلا يضره ذلك بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ويجبرها أحاديث فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد وضع لهذا الكتاب القبول لدى المسلمين شرقا وغربا عامة وعلماء منذ خمسمائة عام ونيف ، وأما مؤلفه الذي طعنوا فيه والذي قالوا لا يعرف فهو الشريف الحسين محمد بن سليمان الجزولي الفقيه الصالح المتوفي سنة 870 وهو مترجم له في " ذيل ديباج " ابن فرحون وغيره ، وفي حديث أحمد : (( يا معشر من آمن لسانه ولما يؤمن قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين ولا عثراتهم فإن من تتبع عثرات المسلمين تتبع الله عثرته , ومن تتبع الله عثرته يفضحه ولو في جوف بيته )) ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في الأنساب والنياحة على الميت )) ، وتكفير أهل القبلة هو شنشنة الخوارج ، وفي رسالة موجهة إلى أهل مكة في الفتح السعودي الأول قال صاحبها : " وأما التوسل وهو أن يقول القائل : اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك … فهذا من أقسام البدع المذمومة كرفع الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الآذان " ، وقد أبطل الإمام المحقق المرحوم الشيخ يوسف الدجوي المتوفي سنة 1376 في مجلة الأزهر ما زعموا من بدعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان ،

ج- كراهتهم لتسويده صلى الله عليه وسلم : حفظ الوهابية السيد الله فكرهوا تسويده صلى الله عليه وسلم وتجاهلوا أن قائل هذا هو القائل : (( أنا سيد ولد آدم )) ، (( أنا سيد الناس يوم القيامة )) ، (( سيد الشهداء حمزه ورجل قام عند إمام جائز فأمره ونهاه فقتله )) كما في " مستدرك الحاكم " : (( أن ابني هذا سيد )) ، (( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة )) , (( أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين النبين والمرسلين )) , (( قوموا لسيدكم )) , (( من سيدكم يا بني سلمة )) ، وفي المستدرك عن جابر قال : صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : من أنا ؟ فقلنا : رسول الله ,قال : نعم ولكن من أنا ؟قلنا : محمد بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف . قال : (( أنا سيد ولد آدم ولا فخر )) ، وفي مسند أحمد عن سهل بن حنيف يقول : مررنا بسيل فدخلت واغتسلت منه فخرجت محموما فنمى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( مروا أبا ثابت فليتعوذ . قلت : يا سيدي والرقى الصالحة فقال : لا رقية إلا من نفس أو حمة أو لدغة )) ، .. وقال الفاروق : " أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا " , وقال تعالى في سيدنا يحيي : { وسيدا وحصورا } ، وشبيه بقول السيد المولى والله سبحانه وتعالى يقول : { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير } ، فقد سمي الله كلا من جبريل وصالح المؤمنين مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان الصحابة ينادون بعضهم بالتكريم والإجلال فكان أبو هريرة يقول : إذا سلم على الحسن " السلام على سيدي " كما في مستدرك الحاكم ، وقد سبق في فصل (6) أن موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المخاطبين كان يرعى فيه حالة المخاطب بما يقضي به رسوخ الاعتقاد أو نقصه حسب حالة المخاطبين 0 فلا غرابة إن قال لمخاطب : (( السيد الله )) ، سداً لباب أن يسبق إلى الوهم أن أحداً يساوى الباري في سيادته ، وأن يقول لآخر : (( أنا سيد ولد آدم )) إلى آخر ما تقدم من أحاديث : حيث الأمن من ذلك ، ووظيفة العلماء هو الجمع بين المختلفات ، والمؤمن من آمن بالنصوص كلها متجنباً ما يهوى ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( قولوا اللهم صل على محمد )) لا يفيد منعنا لتسويده صلى الله عليه وسلم ، بل هو المناسب لتواضعه من أن يقول لأمته سودوني في الصلاة ما دام قد أرشدهم إلى أنه السيد فمن امتثل ظاهر الأمر فقد أحسن ومن سود فقد سلك مسلك الأدب كما هي القاعدة المعروفة ( أيهما أرجح امتثال الأمر أو سلوك الأدب ) ؟ ، وما روي من حديث : ( لا تسودوني في الصلاة ) فهو موضوع كما نص عليه الكثيرون من المحدثين والعلماء ، وأما الاحتجاج لعدم ذكر السيادة في التشهد بقوله : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) فلا حجة فيه لأن الراد بما ليس من أمره هو ما لم يشهد الشرع باعتباره ، أما ما شهد الشرع باعتباره فهو من أمره ولا شك أن توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه هو مما شهد الشرع باعتباره وسيأتيك مزيد من التحقيق عند تعرضنا في فصل خاص لبيان معنى البدعة والمحدث ، وحديث المستدرك السابق عن جابر في ترديده صلى الله عليه وسلم على المنبر : من أنا ؟ حتى قال أخيراً : (( أنا سيد ولد آدم ولا فخر )) هو إرشاد إلى تسويده صلى الله عليه وسلم ، وقد أفتى إمام الحرمين بذكر لفظ السيادة في التشهد ، وقال المحلي : هذا من التزام الأدب وهو الأرجح ، واسمع ما يقول أحد المتطرفين ، ففي ( الضياء الشارق ) ص ( 56) لابن سحمان ( يمنع من إطلاق لفظ السيد لمن يعتقد فيه فلا يقال مولانا ولا يا سيد فلان فمن قال هذا بهذا المعنى فهو كافر) اهـ ، وهكذا اتسع الخرق على الراقع ، والسيادة عندهم غلو في رسول الله صلى الله عليه ولكنها سائغة مقبولة عندهم إذا قيل في ابن تيمية وابن عبدالوهاب شيخ الإسلام ، وقدس الله روحه ، ونور ضريحه ، ولا باس أن يقال صاحب الجلالة ، وصاحب الفخامة ، وصاحب المقام الرفيع ، وصاحب المعالى ، وصاحب المعالى ، وصاحب الفضيلة ، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ممنوع ومنكر وكفر عند أمثال ابن سحمان ، ومما تجب ملاحظته أنه لا سواء بين انسان يترك التسويد في الصلاة بنية التمسك بالوارد وبين انسان يرى في اطلاق السيادة عليه صلى الله عليه وسلم كفراً وشركاً كما يؤخذ من كلام ابن سحمان 0 وأمثاله كثير ،

د – إنكارهم التبرك بالآثار : في صحاح الأحاديث والسير أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتبركون بماء وضوئه صلى الله عليه وسلم وبريقه وبشعره ملابسه وبردته وما له تعلق به ، ولم ينكر عليهم صلى الله عليه وسلم في حياته ولا أنكره الصحابة ولا التابعون بعد وفاته ، بل فعلوه بأنفسهم ، وكان من لم يصبه وضوئه صلى الله عليه وسلم أخذ من بلل صاحبه ودلك به ما استطاع من بدنه ، وصح عن عروة بن مسعود الثقفي في ما رواه البخاري وغيره أنه قال في نصيحته لقريش حين رجع من سفارته لقريش في صلح الحديبة ( أي قومي ، والله وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي ، وما رأيت أحداً ما يعظم أصحاب محمد محمداً أنه لا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم ولا توضأ وضوءً إلا اقتتلوا على وضوئه يتبركون به ) ، وصح عند البخاري وغيره أنهم ازدحموا على الحلاق عند حلق رأسه الشريف واقتسموا شعره ، وفي صحيح مسلم أنه لما حلق أعطى أبا طلحة شعره وقال اقسمه بين الناس ، وكان عند خالد بن الوليد شعرات من شعره صلى الله عليه وسلم وضعهن في قلنسوة له يلبسها إذا تعذر عليه الفتح فلا يلبث أن يسرع إليه الفرج ، وفي صحيح مسلم وشمائل الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يأتونه بإناء إلا غمس يده الشريفة فيه ولا يردهم خائبين ، وأخرج ابن ماجه والترمذي وحسنه عن امرأة من الأنصار يقال لها كبشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها قربة معلقة فشرب منها وهو قائم فقطعت فم القربة تبتغي بركة موضع فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان له صلى الله عليه وسلم إناء يبول فيه بالليل ، فكان إذا أصبح أراقه بيده الكريمة فأصبح ذات يوم فلم ير فيه شيئاً ، فسأل فقالت أم أيمن رضي الله عنها : عطشت من الليل يا نبي الله فشربته فقال : (( صحة يا أم أيمن )) ، وفي رواية أنه قال : (( لن يلج النار بطنك )) ، وكانوا يستشفون بغسالة ما ادخروه من ملابسه فيأتي الشفاء ، وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنها أخرجت لهم جبة لرسوا الله صلى الله عليه وسلم وقالت : هذه كانت عند عائشة ولما توفيت قبضتها فنحن نغسلها للمرضي يستشفي بها ، وفي( الجمع بين الصحيحين) للحميدي قال عبد الله بن وهب : أرسلني أهلي إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بقدح من ماء فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث بإناء إليها فخضخضت له فشرب منه ، وفي ( الشفاء ) للقاضي عياض أن ابن عمر رضي الله عنه كان يضع يده على مقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم يضعها على وجهه وفي( طبقات ابن سعد ) أيضاً رواية ذلك ، وهذا تبرك بمن مس ثيابه ، وكذلك روي عنه أنه كان يضع يده على رمانة المنبر مكان يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمسح بها وجهه ، وفي طبقات ابن سعد أيضاً : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد مسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم وفي مصنف ابن أبي شيبة 3 : 450 : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمانة المنبر القرعاء ( أي الملساء ) فمسحوها ودعوا ، ونقل الحافظ القرافي أن أحمد بن حنبل أجاز تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأن أحمد تبرك بالشرب من ماء غسل الإمام الشافعي بل روى ابن تيمية نفسه تبرك أحمد بآثار الشافعي ، وفي ( الحكايات المنثورة ) للإمام المحدث الحافظ الضياء المقدسي أن الحافظ عبد الغني الحنبلي أصيب بداء أعجزه علاجه فمسح به قبر الإمام أحمد بن حنبل تبركاً فبرئ ، وفي ( تاريخ الخطيب ) أن الإمام الشافعي كان يتبرك بغسالة قميص الإمام أحمد وكان يأخذ منها ما يمسح به وجهه وأعضاءه ، وفي( سيرة أعلام النبلاء ) للذهبي 11 : 212 : ( قال عبدالله بن أحمد : رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي فيضعها على فيه يقبلها 0 وأحسب رايته يضعها على عينه ، ويغمسها في الماء ، ويشربه يستشفي به 0 ورأيته أخذ مضقة النبي صلى اله عليه وسلم فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها قلت : أين المتنطع المنكر على أحمد ، وقد ثبت أن عبدالله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمس الحجرة النبوية 0 فقال : لا أرى بذلك بأساً ، أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع ) اهـ ،
وما حرص أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الدفن بجواره صلى الله عليه وسلم إلا للتبرك به ، ومرجع هذا كله طلب البركة وفيه توجه إلى الله بما له تعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر أحبابه ، وإذا صح استنزال الرحمة بما هو من الجمادات لتعلقه من قرب أو من بعد بذاته الشريفة وذوات أحباب الله يصح التوسل بالأول بذاته الشريفة وذوات سائر أحبابه تعالى ، قال الخافجي في شرحه للشفاء : إن هذا يدل على جواز التبرك بالأنبياء والصالحين وآثارهم وبما يتعلق بهم ولا عبرة بمن أنكر ذلك من جهلة عصرنا 0 وقطع عمر للشجرة التي وقعت عندها بيعة الحديبة إنما كان لقرب عهد كثير من الناس يومئذ بالجاهلية لا منعاً للتبرك إذ هو نفسه رصي الله عنه قد طلب أن يدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن تصيبه بركة ذلك ، وبعد أن روينا لك ما تقدم من آثار فلا يجوز بعد ذلك أن يتهم من يريد أن يتبرك بأي آثار من آثاره صلى الله عليه وسلم سواء في مسجده أو منبره أو محرابه أو شبك قبره أو خارج ذلك ،

هـ -محاولة استئصالهم للاعتقاد في الصالحين : رغم زعم الوهابيين أنهم يثبتون الولاية وكرامات الأولياء تراهم يخاطبون أتباعهم بكلمات لا يخفي أن هدفها هو أن يستأصلوا من قلوبهم أي اعتقاد في الولاية والأولياء ، واستمع إلى بعض ذلك مما اخترناه من كلمات مؤسس الدعوة الوهابية محمد بن عبدالوهاب ، "الدرر السنية ج1 ص 79 " : اعلم 000 أن الشرك هو الذي ملأ الأرض ، يسمونه الناس الاعتقاد في الصالحين ، " الدرر السنية ج 1 ص35 " : التوحيد الذي جحدوه ( أي المشركون السابقون ) هو توحيد العبادة الذي في زماننا الاعتقاد 0000 وإنما يعني المشركون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد ، " الدرر السنية ج 1 ص 28 –40" : وبالجملة فالذي أنكره الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره 00 وأنا أنصحكم لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنا والسرقة ، بل هو عبادة الأصنام من فعله كفر وتبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " الدرر السنية ج2 ص 59 " : اعلم أن الألوهية التي تسميها العامة في زماننا السر والولاية فالإله معناه الولي الذي فيه السر ، وهو الذي يسمونه الفقير والشيخ وتسميه العامة السيد وأشباه هذا 000 وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة ، ,ان الإنسان يلتجئ إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم ويجعلهم وساطة بينه وبين الله 0 فالذي يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم هم الذين يسميهم الأولون الإله والواسطة هو الإله فقول الرجل لا إله إلا الله إبطال الوسائط ) أهـ ، ولعل المسلم بعد هذه العبارات لا يستغرب من أين جاء لعامتهم الاستهتار بالأولياء وتوجيه ما لا يليق من الألفاظ إليهم لأنهم فهموا أن الاعتقاد فيهم هو الشرك ، وهو عبادة الأصنام وأن الولي الذي فيه السر والفقير والشيخ والسيد هو الذي كان يسميه المشركون الإله وهكذا ،

و- زعمهم أن المساجد عند قبور الصالحين هو من اتخاذ القبور مساجد : روى الشيخان واللفظ لمسلم : (( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون من قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك )) ، وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها حين ذكر له صلى الله عليه وسلم تصاوير في كنيسة بالحبشة فقال : (( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا تلك الصور أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ )) كل ذلك لا يدل على منع زيارته صلى الله عليه وسلم لوقوع القبر في المسجد ولا يدل كذلك على منع أن يتخذ مسجد في جوار رجل صالح قصد التبرك بالقرب منه ، بل المقصود من النهي في الحديثين هو أن يقصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما يقصد المسجد تعظيماً للقبر أو للمدفون فيه كما هو فعل اليهود والنصارى كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم وصالحيهم ، ولما صوره من صورهم كما يسجد للأوثان فهذا هو الذي يكون ذريعة للشرك ، ولذا فإن هجو الموسوسين للمساجد التي فيها قبر وتسميتها مساجد الشرك وزعم أن الصلاة فيها شرك وذريعة للشرك إنما هو تعمق في الجهل وإغراق لسوء الفهم للأحاديث ، فإن هذه المساجد لم تبن إلا لما بنيت له المساجد من التعبد وليس ذلك بمحرم ولا مكروه ، ولذا بنيت في القرون الأولى مساجد عند القبور من غير أن تكون صلاة إلى القبر أو عليه ولو كان المراد بالحديثين هو النهي من اتخاذ المساجد في جوار قبر رجل صالح بقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا التوجه نحوه أو هجر المساجد لأجل القبر فبها لوجب أن يهجر مسجده صلى الله عليه وسلم بعد إدخال القبر فيه ، ولما أصبح مما تشد إليه الرحل والصلاة فيه بألف صلاة مع علمه صلى الله عليه وسلم بأنه سيدفن في هذا الموضع لما جاء في رواية البزار بسند صحيح والطبراني (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) ولأنكر الصحابة والتابعون على عمر بن عبد العزيز إدخاله حجر أمهات المؤمنين في المسجد لتوسيعه ولكنهم لم ينكروا ولم ينزل المسجد الشريف في أنظارهم باشتماله على القبور فيه بل ما زالوا ومن بعدهم يتوافدون لزيارته صلى الله عليه وسلم في مسجده ، ولوكان في الأمر ما هو منكر لغير ذلك عمر بن عبدالعزيز لما آلت إليه الخلافة وهو الذي أحيا سنة جده عمر بن الخطاب ولما أقر علماء التابعين فاطمة بنت الحسين على ضربها قبة على قبر الحسن بن على بن أبي طالب واقامت به سنة كما رواه البخاري معلقاً وهي لا محالة تقيم فيها عبادتها من صلاة وذكر وتلاوة وهي ومن معها ، والعصر كان عصر الفقه وإنكار المنكر فالمراد من النهي على ذلك هو قصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما بقصد المسجد تعظيماً للقبر أو ممن فيه ، قال الإمام البيضاوي في شرحه الطوالع ( لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثاناً لعنهم ومنع المسلمين من مثل ذلك ، فأما من اتخذ مسجداً في جوار رجل صالح وقصد التقرب بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد ) ، ونقل ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وأقره ، ومما يجب أن يعلم أنه لو وقع استقبال القبر في الصلاة من غير قصد إلى تعظيمه أو تعظيم صاحبه لم يكن على المصلي بأس وليس ذلك من جعل القبر مسجداً في شيء ، قال ابن القاسم : كان مالك لا يرى بأساً من الصلاة في المقابر بينما من يصلي في المقبرة تكون القبور بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله 0 قال مالك : وبلغني أن بعض الصحابة كانوا يصلون في المقبرة 0 ولذا فإن الدعوة المحمومة لإخراج القبر الشريف من المسجد والتي نشرت قبل حين في بعض الصحف لا يحمل عليها إلا جهل أو غيظ متأصل تنطوي عليه القلوب ، نساله تعالى السلامة والإخلاص وحسن الإيمان 0

زـ اعتبارهم البناء ونحوه على القبور يصيرها أوثاناً تعبد : علل الوهابية منع البناء على القبور بأن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله ، وقد سبق في مقدمة هذه الرسالة أن محمد بن عتيق ( قد جعل من اسباب كفر أهل مكة هو عدم هدمهم للقباب ) ، وجهلوا أن المؤدي إلى الشرك هو اتخاذ القبور مساجد بمعنى قصد القبر لعبادته أو عبادة من فيه كما يقصد المسجد وذلك بالعكوف عليها وتصوير الصور فيها ، والمسلمون بحمد الله ليس تعظيمهم للقبور ، وإنما تعظيم من فيها من الأنبياء والصالحين إذا لم يتجاوز التعظيم مراتبهم من العبودية ، ولا يوجد إن شاء الله من زوار الأنبياء والصالحين من هو عابد لهم ولا متخذهم مع الله آلهة ، ولا من يقصد الصلاة إلى قبورهم فالحمد الله على حفظ دينه ، وقد علمت أن التوسل والاستغاثة بهم ليس من العبادة في شيء ، وأن التشريك والتكفير بذلك هو نتيجة جهل بمعنى العبادة ، وللعلماء في الأبنية على القبور ثلاثة أقوال : فمنهم من كره البناء في الأرض سواء كانت مملوكة أو مسبلة ، ومنهم من كره البناء في المملوكة وحرمه في المسبلة ، ومنهم من أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين وجعل ذلك مستثنى من أحاديث النهي عن البناء ، واعلم أن من منع البناء من الأئمة والعلماء لم يجعل علة المنع أن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله كما زعم الوهابية ، بل عللوا المنع بخوف التضيق على الناس لئلا يحجر عليهم موضع القبر فلا يدفن أحد فيه فيضيق ذلك بالناس لا لأن البناء شرك أو ذريعة للشرك ،

أحاديث النهي عن البناء : من كره البناء استدل بحديث مسلم عن أبي الهياج الأسدي أن علياً رضي الله عنه قال له : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أن أدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته )) ، واستدلوا أيضاً على الكراهة بحديث مسلم وأبي داود عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر أو يبنى عليه وأن يكتب عليه ، زاد أبو داود أو يزاد عليه أي على ترابه ، والقائلون بالمنع قد اختلفوا : فمنهم من كره البناء سواء كانت مملوكة أو مسبلة ولكنه لا يقول بهدمه إذا بني مستنداً إلى وجود البناء على قبر الشيخين في الحجرة فإنها غير مملوكة حيث أن الأنبياء لا يورثون ولم يقل بهدمه أحد ن ومنهم من كره البناء في المملوكة ولم يهدمه إذا بني وحرمه في المسبلة وقال بهدمه فيها ، قال الشافعي في الأم : ( قد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني فيها فلم أر الفقهاء يعبون ذلك قال : فإن كانت القبور في الأرض يملكها الموتى في حياتهم أو ورثتهم بعدهم لم يهدم شيء منها ، وإنما يهدم إن هدم ما لا يملكه أحد فهدمه لئلا يحجر على الناس موضع القبر فلا يدفن فيه أحد فيضيق على الناس ) ا هـ ، فأنت تراه لا يحتم الهدم في غير المملوكة بل يقول : إن هدم ولا يقول بالهدم فيما بني على أرض مملوكة لأنه بني بحق ولا يذهب في تعليل منع البناء في غير المملوكة إلا إلى خوف التضيق به على الناس ولم يقل أن البناء على القبور شرك ولا ذريعة للشرك ، ولم يقل كذلك ولا أحد من أهل العلم الذي يقتدى بهم أن البناء على القبر يصيره طاغوتاً وصنماً يعبد من دون الله ، وأنه شرك وأن الذاهب لزيارة هذا القبر مشرك وعابد صنم حتى جاء ابن تيمية المتوفي في القرن الثامن فقال بهذا وتبعه على ذلك من تبعه من الوهابيين فكفروا الأمة الإسلامية كما رايته في فتوى ابن عتيق ، وقال ابن مفلح في كتاب الجنائز ص 681 – 682 ( القبة والحظيرة والتربة إن كانت في ملكه فعل ما شاء وإن كانت في مسبلة كره للتضيق ) 0

أدلة من قال أن أحاديث النهي عن البناء مخصصة بغير قبور الأنبياء والصالحين : ومن أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين ذهب إلى أحاديث النهي عن البناء على القبور ليست عامة في جميع القبور ، بل يستثني منها قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين ، فقالوا يجوز البناء عليها واستدلوا على تخصيص ذلك من أحاديث النهي بأن الصحابة قد دفنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة موضع ما قبض لما روي لهم من قوله صلى الله عليه وسلم : (( ما دفن نبي إلا في مكانه الذي توفي فيه )) ، ودفن في الحجرة بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وبنى عمر ابن الخطاب في حائطاً عليها وبنت عائشة رضي الله عنها كذلك القبور الثلاثة وكانت تسكنها وتصلي فيها قبل الحائط وبعده ، وبناها عبدالله بن الزبير أيام خلافته ثم سقط حائطها فبناها عمر بن عبدالعزيز ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بإدخال حجر أمهات المؤمنين فيه بني الحجرة التي فيها القبور الثلاثة وأزرها بالرخام ولم ينكر عليه من وجد من الصحابة ولا فقهاء التابعين ، واستحسان بعضهم إبقاء الحجرة على ما كانت دون هدمها هو لميلهم أن يبقى البناء القديم عظة لما كان عليه سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بساطة وبناء بالطين ويسقف من الجريد غير المرتفع ، وعمر بن عبد العزيز في خلافته مع حرصه على إبطال المنكرات أقر الحجرة على ما بنيت عليه فدل ذلك على أن البناء على القبر غير منكر ولم يزل الأمر على ذلك يتنافس في عمارتها أمراء المسلمين وتفصيل ذلك في (وفاء الوفاء ) ولو كان البناء على القبور شركاً لهدموا الحجرة قبل دفنه بها ولما أحدث عمر وعائشة وغيرهما فيها بناء ، ولما أعادوا بناءها بعد الانهدام أي من الصحابة الموجودين والتابعين ، ولذلك لم يهدم المسلمون بعد فتحهم بيت المقدس وبلاد الشام ما وجد من المباني على قبر الخليل وقبور أولاده إسحاق ويعقوب وغيرهما من صالحي أهل بيته ، ومما على قبر داود وغيره في بيت المقدس ولم يأمر عمر ولا الصحابة ولا التابعون بهدم ذلك 0 والمقصود أنه لذلك كله ذهبت طائفة من العلماء إلى جواز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين مستندين في ذلك إلى إبقاء حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم المحيطة بقبره وقبر صاحبيه وتجديد بنائها في العصور الفاضلة وعدم إنكار الأئمة على ذلك وإلى عدم هدم المسلمين بعد فتح الشام ما على قبور الأنبياء من المباني كما إنه قد بنيت مباني في القرون الأولى على قبور بعض علماء هذه الأمة كما يؤخذ من ( وفاء الوفاء ) ، فتخصيص أحاديث النهي عن البناء باستثناء قبور الأنبياء والصالحين والعلماء بالعمل المتوارث في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، وفي ترك الأبنية على القبور على حالتها بعد فتح الشام ، وعدم هدمها هو أمر له وجه قوي إذ استنباط معنى يعود على حكم العام أو المطلق بالتخصيص أو التقييد إذا قام الدليل على ذلك هو أمر شائع بين العلماء ولا مؤاخذة فيه ، علاوة على أن البناء على القبر هو بمثابة تعليمه بعلامة كما روى ابن ماجه وأبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قد علم قبر عثمان بن مظعون بصخرة وقال : أتعلم به قبر أخي 0 ولا يلزم تعيين هذه العلامة وإنما المراد هو ما يفيد معرفة القبر حيث علل رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم وضعها بأنها لمعرفة القبر ، ورأي من أجاز البناء على القبور أنه مما تشمله العلامة ، إذ لما وقعت حوائط الحجر لم يكتفوا بوضع حجر عند قبر الصديق والفاروق بل أدخلوهما في بنائها ورفعوا البناء وأحكموه حتى يكون علامة باقية ، قال التوربشتي : ( وقد أباح السلف البناء على قبور المشايخ والعلماء المشهورين ليزورهم الناس وليستروحوا بالجلوس فيه ) ، وفي حاشية ابن حمدون المالكي على شرح عبارة لمنظومة ابن عاشر وإذا جاز عند القصار ومن تبعه بناء البيت على مطلق القبور في الأرض المملوكة وفي المباحة إن لم يضر بأحد كان البناء بقصد تعظيم من يعظم شرعاً أجوز ) ، وقال عبدالقادر الفاسي ( لم يزل الناس يبنون على مقابر الصالحين وأئمة الإسلام شرقاً وغرباً كما هو معلوم ، وفي ذلك تعظيم حرمات الله واجتلاب مصلحة عباد الله وانتفاعهم بزيارة أوليائه ، وفي ذلك المحافظة على تعين قبورهم وعدم اندراسها ، وما اندرست قبور الأنبياء والأولياء من الأمم المتقدمة إلا من قلة العناية بأمرهم ) اهـ ، قلت : بل لذلك لم يبقي قبر مقطوع به من قبور الأنبياء إلا قبه صلى الله عليه وسلم ، وفي التحفة من باب الوصية ( إجازة الوصية بالبناء على قبر نحو عالم في المملوكة وكذلك تسوية قبره ) اهـ ، وفي النهاية في باب الجنائز الوصية بالتسوية وعمارة قبور الأنبياء والصالحين حتي في المسبلة ) اهـ ، قلت : والغاية من البناء حفظ قبورهم من الاندثار وأن تعرف فيزورهم الناس تبركاً بهم واستظلال الزائرين بها وتيسير مكثهم للذكر والتلاوة وحفظاً للقبر الذي ثبتت حرمته من دخول الدواب واكلاب ووقوع القاذورات ،

لا خلاف إذا كان البناء لغرض صحيح شرعي : واعلم أن الخلاف في منع البناء بالكراهة والتحريم والتفريق بين المسبلة والمملوكة ووجوب الهدم أو عدمه محله إذا لم يكن للبناء غرض صحيح شرعي 0 أما إذا وجد الغرض الشرعي فلا حرمة ولا كراهة ولا هدم يستوي في ذلك المسبلة والمملوكة ، كأن دعت حاجة إلى البناء خوف نبش سارق أو سبع أو خرق سيل للقبر ، وما كان هذا شأنه لا يجوز هدمه بعد بنائه لأنه قد بني بحق ، وعلى العموم من قال بحرمة البناء إلى قبور الصالحين فقد خصصه بالمسبلة وبعدم الحاجة إليه ، وعلل الحرمة بعدم التضييق على الناس نتيجة احتكار القبر فلا ينتفع المسلمون بموالاة الدفن فيه وليست العلة أن البناء يصير القبر طاغوتاً وصنماً كما قال الوهابيون ،

الكتابة على القبر وكسوته : وأما الكتابة على القبر : فقال الحاكم في مستدركه على حديث جابر بخصوص منع الكتابة ( ليس العمل عليها عن أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب يكتب على قبورهم أخذ به الخلف عن السلف ) اهـ ، وقال الذهبي في تخليصه للمستدرك : ( لا نعلم صحابياً فعل ذلك وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين من بعدهم ولم يبلغهم النهي ) اهـ ، قلت : عدم علمه بشيء لا ينفي العلم مطلقاً ، وعدم بلوغ النهي للتابعين من بعدهم وهم ألوف عديدة بعيد عادة ، وذكر المالكية في كتبهم أن أبا بكر بن العربي ضعف في ( عارضته ) رواية النهي عن الكتابة وقال : لما لم يكن النهي وارداً من طرق صحيحة تسامح الناس فيه ولا فائدة فيها إلا تعليم القبر ، وعند المالكية الكتابة على القبور مكروهة تنزيهاً وحرام إن كانت للمباهاة بها ، وجوزها بعضهم على قبور الصالحين ، وعند الشافعية جواز الكتابة بقدر الحاجة وللتعريف باسم الميت مستحبة ولا سيما على قبور الأولياء والصالحين فإنها لا تعرف إلا بذلك عند تطاول السنين ، ويحمل النهي فيها على ما قصد به الزينة والمباهاة والصفات الكاذبة ، وكتابة النظم والنثر عليها مكروه كراهة تنزيه وكتابة القرآن وكل أسم معظم عليه حرام ، وعند الحنابلة الكتابة على القبر مكروهة كراهة تنزيه ، وعند الحنفية لا بأس بالكتابة على القبر حتى لا يذهب الأثر ولا يمتهن ، وأما كسوة القبر : ففي (كشاف القناع ) أن تغشية قبور الأنبياء والصالحين بغاشية ليس مشروعاً في الدين ) اهـ ، وقال ابن عابدين في آخر تنقيح الحامدية ما نصه : ( وضع الستور والعمائم والثياب على قبور الصالحين والأولياء كرهه الفقهاء حتى قال في فتاوى الجة ( وتكره الستور على القبور ) ا هـ

التمسح بالقبور : لسنا نرى التمسح بالقبور وما أشبه ذلك أنه شرك أو ذريعة للشرك ، وإنما العلة أنه يجب التأدب مع المقبورين فيها ممن عظم الله قدرهم ، فحرمتهم أحياء كحرمتهم أمواتاً ، وللعلماء في التمسح بالقبور وتقبيلها ثلاثة أقوال : الكراهة والجواز بقصد التبرك والتفصيل بين نفي الكراهة لمن غلبه الشوق وترك ذلك لمن لم يغلبه ، ومستند القول الأخير : ما نقل عن السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بعد وفاة أبيها جاءت إلى القبر وأخذت من ترابه وشمته وأنشدت : ( ماذا على من شم تربة أحمد .... أن لا يشم مدى الدهور غواليا ) ، ما نقل عن بلال فقد روى ابن عساكر في ترجمته , وكذلك المقدسي في كتابه " الكمال " أنه رضي الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مناما وهو في دمشق يقول له : ما هذه الجفوة أما آن لك أن تزورني فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يبكي عنده , ويمرغ وجهه عليه إلى آخر القصة ، وما نقله نور الدين الهيثمي المتوفي في أواخر القرن التاسع في كتابه " مجمع الزوائد ومنبع الفوائد " ج 4 أنه قد روى عن أحمد والحاكم في المستدرك وصححه السيوطي وحسنه السمهودي أن أبا أيوب الأنصاري كان واضعا وجهه على القبر , وأنه لما جذبه مروان بن الحكم وهو أمير المدينة من قبل معاوية قال أبو أيوب : إني لم أقصد الحجر وإنما قصدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نقله أبو سعيد السمعاني عن علي رضي الله عنه قال : قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبره , وحثا من ترابه على رأسه وقال : يا رسول الله فسمعنا قولك , ووعيت عن الله سبحانه وتعالى ووعينا عنك , وكان فيما أنزل عليك : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك } الآية ، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي ، فنودي من القبر : أن قد غفر لك ، وقد نقل ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في ( مثير الغرام ) وابن النجار بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال : أتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته فجلست فجاء أعرابي إلخ ، قال الحافظ في الفتح في آخر باب ( من لم يستلم الركنين اليمانيين ) واستنبط بعضهم في مشروعية جواز تقبيل الأركان جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره فقد نقل عن أحمد أنه لم ير بأساً من تقبيل منبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل قبره ، قال ابن حجر : واستبعد صحة النقل عن أحمد بعض اتباعه قال ونقل عن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين ) اهـ ، ولعل من استبعد صحة النقل عن أحمد هو ابن تيمية أو أحد المتأثرين به ونقلهم فيما يوافق مشربهم لا يعول عليه لغلبة التعصب لآرائهم ، وليس غرضنا من ذكر كل هذه الأمور أن نشغل القارئ بتفاصيلها وإنما الذي يعنينا أن نعلن لكل من التبس عليه الأمر من طلبة الحق أن القول بأن ذلك شرك هو غلط من قائله أو مغالطة وأوهام حادت بصاحبها عن سواء الطريق ، وإذا كان الحكم مختلفاً بين العلماء اتسع الأمر على الأمة فإن اختلاف علمائها في الفروع رحمة لها ، والإنكار على فعل لم يجمع على تحريمه أو كراهته ممن قلد القائل بالجواز بمعزل عن الصواب ،

زيارة القبور : واعلم أن زيارة القبور مما أجمع عليه العلماء ودلت عليه صحاح السنة من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم 0 ففي صحيح مسلم وغيره حديث : (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجراً )) ن وأنه لقرب عهدهم بالجاهلية كانت عادتهم إظهار الجزع وتجديد النياحة والتعري فنهوا عن زيارتها فلما استقر الإسلام في النفوس نسخ هذا النهي إلى الأمر بها وبيان إنها ترقق القلب وتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة كما هو مصرح به في بعض الأحاديث الثابتة ، والأغراض من زيارتها تذكر الموت والآخرة والدعاء لأهلها والتبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الصلاح والخير ولأداء حق من له حق عليك براً به كزيارة الوالدين ، وهي مشروعة للرجال وللنساء وأما حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لعن الله زائرات القبور )) الذي أخرجه أصحاب السنن وأحمد والبزار والحاكم وابن حبان : فهو معارض بأقوى منه وذلك بما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : كيف أقول يا رسول الله ( يعني إذا زرت القبور ) قال : قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين ، وللحاكم أن السيدة فاطمة كانت تزور قبر سيدنا حمزة كل جمعة فتصلى وتبكي عنده ، علاوة على أن حديث : (( لعن الله زائرات القبور )) جاء من رواية أبي صالح عن ابن عباس ، وإن حسنه الترمذي فقد قيل : إن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس وتكلم فيه البخاري والنسائي وغيرهما كما في ( الترغيب ) للمنذري 0 والجمهور على أن أبا صالح هو مولى أم هانئ وهو ضعيف واسمه باذان أو باذام وقال ابن حبان : اسمه ميزان ،

ح ـ منعهم السفر لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم : جعل القوم السفر بقصد زيارة قبره صلى الله عليه وسلم بدعة بل وذريعة للشرك ، وأنه سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة ولا يباح الفطر فيه ، وفي حقيقة الأمر لا يحبذون الزيارة مطلقاً 0 ففي ( الدرر السنية ) ج 2 ص 3 –4 – 5- 6 من رسالة لمحمد عبد الوهاب قال فيها : لما كان اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها محرماً لم يكن من ذلك شيء على عهد الصحابة والتابعين ، وكان الخليل عليه السلام في المغارة التي دفن فيها وهي مسدودة لا أحد يدخلها ولا شد الصحابة الرحال إليه ولا إلى غيره من المقابر 000 وهذه البقاع وأمثلها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها ولا يزورونها فإنها محل الشرك 0 ولهذا توجد فيها الشياطين كثيراً وقد رآهم غير واحد على صورة الإنسان يتلون لهم رجال الغيب فيظنون أنهم رجال من الإنس غائبون عن أبصارهم وإنما هم جن ) اهـ ، وليس موضع شك أن إتيانه صلى الله عليه وسلم زائراً مستغفراً من أي مكان هو سبب للفوز بالغفران والرحمة قال تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما } ، وذلك يشمل إتيانه في الحياة وبعد الوفاة لأن الآية علقت الفوز على تحقق الزيارة والاستغفار ، واستغفاره صلى الله عليه وسلم لمن يأتيه وقدرته بعد الوفاة على الاستغفار متحقق لما روى البزار بسند صحيح قال صلى الله عليه وسلم : (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله وإن وجدت شراً استغفرت لكم )) ،

اتفاق العلماء على الزيارة بشد رحل وبدونه : واعلم أن زيارته صلى الله عليه وسلم من السنن المتوارثة الجمع عليها علماً وعملاً من قرب ومن بعد 0 بعد الحج وقبله وبدون الحج أيضاً من جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم سنيها ومبتدعيها عدا الطائفة التيمية والوهابية ، وفي إجماع الأمة ما يغني عن سرد الأدلة على المسألة دون حاجة إلى الدخول في مناقشة التمحك في رد أحاديث الزيارة ويكفي ما حكاه كل من أبي بكر الآجري المتوفي سنة 360 في كتابه ( الشريعة ) وأبي عبدالله بن بطة المتوفي سنة 387 في كتابه ( الإبانة من شريعة الفرقة الناجية ) : ( إنه من أحد من العلماء قديماً وحديثاً رسم كتاباً في المناسك إلا هو يأمر كل من قدم المدينة ممن يريد حجاً أو عمرة أو زيارة فقط كيف يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، والشيخين ) اهـ ، وكذلك كان الخليفة عمر بن عبد العزيز يرسل البريد من الشام إلى المدينة مع الزوار لرفع المقام الشريف ، فكل هذا يعني أن شد الرحل بقصد الزيارة من قرب ومن بعد قرناً بعد قرن من عهد الصحابة ومن لم يتسن له السفر يبعث بسلامه لحضرته مع الزوار ،

ابن تيمية هو أول من حرم شد الرحل للزيارة وادعى أن الزيارة مفضية للشرك : حتي إذا كان القرن الثامن ادعى ابن تيمية أن السفر للزيارة مفضية للشرك ليس لصاحبه رخص السفر وزعم أن أحاديث الزيارة كلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي موضوعة فأشبعه تقي الدين السبكي رداً على ذلك في ( شفاء السقام ) وتكلم على أحاديث الزيارة من طريق فن الرواية ، ثم زاد بأن تضافر الأحاديث عليها يزيدها قوة لا سيما حين يكون الطعن بالضعف ناشئاً من ضعف الحفظ لا من الاتهام بالكذب ، وزعم ابن تيمية أن الزيارة مفضية إلى الشرك لما فيها من تعظيم المزور الذي هو حق صلى الله عليه وسلم ، ولو كان الأمر كما زعم لم تشرع زيارة القبور ولم يفعلها رسول الله عليه وسلم ولا الصحابة في حق شهداء أحد والبقيع وغيرهم 0 وليس لأحد أن يحرم إلا ما حرمه الله ، وتخيل أن ذلك يفضي إلى محذور ومنعه بهذه الذريعة هو من باب معارضة الشارع فيما شرع وانتفاض ما ثبت للمزور من حق الزيارة ، ولما تخيل الرجل أن الناس بزيارتهم متعرضون للإشراك بالله حاول أن يدفع كل ما ينقص ذلك بتأويل كل دليل يرد عليه والاستدلال على رأيه بكل شبهة ، ولعله وأتباعه بما أشربوا في قلوبهم من دعاوى الشرك وذريعة الشرك أنهم قد أحسوا بذلك في أنفسهم حين تعظيم من عظم الله قدره ، وهكذا زعم ابن تيمية فيما هو سنة بالإجماع أنه حرام بلإجماع وفيما هو منبع لزيادة الإيمان أنه ذريعة للشرك ، وليقولوا ما شاء لهم الخيال ما دامت الشريعة قد فصلت ما يجب لله من التوحيد وما يجب لرسوله من التعظيم ، ومن دعاؤه صلى الله عليه وسلم : (( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد )) ودعاؤه لا شك مستجاب ، فما أعتقد أحد بحمد الله من زواره صلى الله عليه وسلم أنه شريك لله في شيء فضلاً عن أن يعبدوا قبره ويتخذوه وثناً ، وما القبر قصدوا ولكن تعظيم من في القبر وعلى رغم أنف من رضي أو سخط يتعقد المسلمون أنه صلى الله الله عليه وسلم الشفيع المشفع والسامع لسلامهم فيرد عليهم ،

استقبال القبر عند الدعاء : وفي إجابة مالك للمنصور في استقبال القبر بالدعاء بلاغ ، قال له مالك : ( أتصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة آدم إلى الله بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله ) وساق الآية : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } ، ويزعم ابن تيمية أن الحكايات كذب ، وأن الزيارة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا السلف ، وكذب زيارة بلال من الشام لرؤياه صلى الله عليه وسلم مناماً يحثه على زيارته ، ونقول : من ارتكب البهتان سقط الكلام معه ، ولقد جازاه الله بعدله فحكم عليه بما هو معروف ، والكلام على حكاية المنصور مع مالك في ( شرح الزرقاني على المواهب ) وقال : ( وكتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر مستقبلاً له مستدير القبلة ، وسمى طائفة من المالكية نصت على ذلك ، وقال : وإلى هذا ذهب الشافعي والجمهور ونقل عن أبي حنيفة ) اهـ ، وروى القاري في منسكه عن ابن المبارك قال : سمعت أبا حنيفة يقول ( قدم أيوب السختياني وأنا بالمدينة فجعل ظهره مما يلي القبلة ووجهه إلى القبر وبكى غير متباك فقام مقام فقيه ) اهـ ، وفي ( الشفاء ) قال مالك : في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف وجهه إلى القبر لا إلى القبلة ) اهـ ، قال السبكي : وحسبك ابن وهب فإن الناس بالمدينة كانوا يختلفون عن مالك فيسألون ابن وهب ، ونقل السبكي ما ينطبق على رواية ابن وهب عن أربعة من المالكية ابن حبيب وابن يونس واللخمي وابن بشير قال : وقال إبراهيم الحربي في ( مناسكه ) فيما ذكره عن الآجري : ( تولي ظهرك القبلة وتستقبل وسطه يعني القبر ، وذكر السلام والدعاء ، وفي كتاب ( المستوعب ) للسامري الحنبلي : يجعل القبر تلقاء وجهه والقبلة خلف ظهره ، قال السبكي وذكر كيفية الدعاء وظاهر ذلك أنه يستقبل القبر فيها جميعاً ) فكيف يحل لذي علم أن يدعي أن مذهب مالك بل مذهب جميع العلماء بخلاف الحكاية المذكورة ، وعندنا استقبال القبر أيضاً حسن ، لا سيما حالة الاستشفاع به ، وسفر بلال من الشام مروية في ترجمته عن ابن عساكر والكمال المقدسي وتهذيبه للمزي ، وتبع ابن تيمية على هذا الشذوذ من أصحابه ومن أغتر بهم من يروجها فصنف العلماء الكتب في بيان هذه المسألة وردد تلك البدعة من أهل المذاهب الأربعة المعاصرين له وغيرهم إلى عصرنا ، ومن أنفع هذه الكتب ( شفاء السقام في زيارة خير الأنام ) للتقي السبكي ، و (المقالة المرضية في الرد على منكري الزيارة النبوية ) للقاضي الأخنائي ، ويعلم العلماء أن رد ابن تيمية على هذه الرسالة مغالطات وشقشقة لسان ، ومن الردود ( التحفة المختارة في الرد على منكري الزيارة ) لعمر ابن اليمن التاج الفاكهاني ، وهؤلاء كلهم معاصرون لابن تيمية ، وكذلك من معاصريه ابن الحاج تعرض في مدخله لرد هذه البدعة دون أن يذكر ابن تيمية ، ومن أدق الردود ( الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم ) لابن حجر المكي 0

ليس في حديث ( لا تشد الرحال ) ما يمنع السفر للزيارة : وحديث : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا )) فإنه ما أختلف عن سائر المساجد بشد الرحال إليها لزيارتها إلا لأنها من مباني الأنبياء وأمكنة غالب عبادتهم فإذا طلبت زيارتها كانت زيارة أصحابها أولى بالطلب وأحق بشد الرحال إليها ، ومن فهم من هذا الحديث أن شد الرحال في الزيارة داخل في المنع فإنه قد جهل الاستثناء المفرغ يجب أن يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه فالمعنى لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيها إلا لهذه المساجد الثلاثة فلا فضيلة لشد الرحال إلى غيرها ، وقد ورد ذلك مصرحاً به في رواية أحمد ولفظه ( لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله لمسجد يبغي الصلاة فيه غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ) ، وإذا كان الحديث وارداً في قصد المساجد فإن قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان والتجارة والتنزه كلها وأمثالها غير داخل في الحديث ،

حديث : (( لا تجعلوا قبري عيداً )) إنما هو نهي عن سوء الأدب عند الزيارة : وحديث : (( لا تجعلوا قبري عيداً )) فالمراد منه النهي عن سوء الأدب عند زيارته عليه السلام باللهو واللعب والزينة كما يفعل في العيد ، وإنما يزار للسلام عليه والدعاء عنده ورجاء بركة نظره ودعائه ورد سلامه ، ومما يؤيد أن المقصود هو المنع من سوء الأدب إنكار علي بن الحسين رضي الله عنهما على رجل يأتي كل غداة إلى فرجة عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل فيها ويدعو كما رواه أبو يعلى فروى إنكار الحسين وفي آخر الحديث : (( صلوا علي وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم )) وذلك إزالة لجهلة وسوء أدبه إذ روى القاضي إسماعيل الحديث وقال فيه أن الرجل قد فعل ما انتهره عليه علي الحسين ،

حديث ما من أحد يسلم إلي إلا رد الله إلي روحي : وحديث أبي دواد وأحمد : (( ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي )) أحسن ما يفسر معناه رواية البيهقي : (( إلا وقد رد إلي روحي )) فتكون الجملة حالية ومعناها كما فسرها البيهقي ( أنه صلى الله عليه وسلم بعد ما مات ودفن رد الله عليه روحه لأجل رد سلام من يسلم عليه واستمرت في جسده صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه لو كان المراد هو تكرار مفارقة الروح لبدنه وتكرار رجوعها حين رد السلام لخالف ذلك القرآن إنه ليس إلا موتتان وحياتان ، قال الفاكهاني في كتابه ( الفجر المنير فيما فضل به البشير النذير ) حين أورد هذا الحديث قال : ( إن الحديث يدل أنه صلى الله عليه حي على الدوام لأنه محال أن يخلو الوجود كله من واحد مسلم عليه من ليل أو نهار ) اهـ 0

ط ـ منعهم التوسل به صلى الله عليه وسلم وبالصالحين ومنع سؤاله الشفاعة : ينكر القوم على من يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالصالحين ويستغيث بهم ويتشفع بهم ويكفرون المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بدعائم الأنبياء والصالحين مستغيثين أو مستشفعين أو متوسلين ، ويضيقون ذراعاً بمدحه صلى الله عليه وسلم بزعم أنها رفع لمنزلته إلى مقام الربوبية ، أما عند السواد الأعظم من علماء المسلمين فأن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالأنبياء والصالحين بأي صيغة جاءت سواء دعوت الوسيلة ليشفع ويدعو في قضاء الحوائج أو طلبت الحوائج من نفس الوسيلة . وبأي اسم سميت كل نوع من نهذه الأنواع فكلها في حقيقتها توسل بعضها أولى من بعض . والمقصد منها كلها في حقيقتها توسل بعضها أولى من بعض . والمقصد منها كلها في قلوب الأمة حتى في قلوب أجهل الجاهلين والجاهلات هو أن يتسبب الوسيلة في قضاء الحاجة بشفاعته ودعائه لربه ولا يعتقد أحد أنه يجب على الله شيء وإنما يعنون بالحق حرمتهم أو ما تفضل الله به عليهم من كرامة عنده . وكذلك لو سألت أجهل جاهل عن مراده من قوله : يا نبي الله أو يا ولي الله : اقضي حاجتي .لعلمت من جوابه على البديهة أنه إنما يريد بذلك أن يكون الوسيلة سببا في قضاء الحوائج من الله بشفاعته ودعائه من قبيل الإسناد المجازي في إقامة السبب وإرادة المسبب . وتوحيد المتوسل قرينه على إرادته هذا المجازي في إقامة السبب وإرادة المسبب . وتوحيد المتوسل قرينه على إرادته هذا المجاز وإن لم يعرفوا تسميته باسمه الاصطلاحي فهم بأي لفظ خرج منهم إنما يطلبون الشفاعة والدعاء والتسبب بأي نحو بما أعطاه الله مع اعتقادهم الجازم أن ذلك راجع إلى محض فضله تعالى , واعتقادهم كذلك أنه تعالى هو الرب وحده والإله المستحق للعبادة وحده , ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع , ولا يشاركه أحد في تأثير ولا في صفة من صفاته الخاصة به . . فأين في هذا عبادة غير الله بل إن ذلك عبادة لله وتذلل له تعالى ما دام هو الآمر بالوسيلة في كتاب الله وفي أحاديث رسوله مما ألف الناس فيه وقتلوا الأمر بحثا وإن كابر المكابرون وتنطعوا في رد الأحاديث وفي تأويل الآيات .وفي " الفتاوي الكبرى " لابن تيمية ج1 ص 105 وص 140 وج 3 ص 276 إجازته للتوسل ، وما جاء عنه خلاف ذلك وتفريق بين صيغة فذلك شأن شذوذه وتناقضه ،

كلام ابن الحاج في التوسل : قال ابن الحاج في مدخله في فضل زيارة القبور وهو معاصر لابن تيمية : " وأما عظيم جناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيأتي إليهم الزائر ويتعين عليه قصدهم من الأماكن البعيدة . فإذا جاء إليه فليتصف بالذل والانكسار … ويحضر قلبه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره … ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم … ثم يترحم على التابعين لهم … ثم يتوسل إلى الله تعالى في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم … فإنهم باب الله المفتوح وجرت سنته سبحانه وتعالى بقضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم ومن عجز عن الوصول إليه فليرسل بالسلام عليهم ويذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه فإنهم السادة الكرام لا يردون من يسألهم ولا من توسل بهم ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم ، قال : وأما في زيارة سيد الأولين والآخرين فكل ما ذكر يزيد أضعافه أعني في الانكسار والذل والمسكنة لأنه الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته ولا يخيب من قصده ولا من نزل بساحته ولا من استعان أو استغاث به …فمن توسل به أو استغاث به أو طلب حوائجه منه فلا يرد ولا يخيب لما شهدت به المعاينة والآثار . قال : وقال علماؤنا : إن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته إذ لا فرق بين موته وحياته أغنى في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم إلى أن قال : فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط كل أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا لأن بركته شفاعته صلى الله عليه وسلم وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب فليستبشر من زاره وليلجأ إلى الله تعالى بشفاعته من يزوره اللهم لا تحرمنا شفاعته بحرمته عندك آمين يا رب العالمين ومن اعتقد خلاف ظلك فهو المحروم ، ولعلك قد أدركت من هو المحروم الذي يشير إليه . ولعل مشايخ الوهابية الذين نقلوا كلام ابن الحاج في المولد سيصبح في نظرهم بعد أن نقلنا عنه هذه الكلمات في الزيارة والتوسل والاستغاثة وطلب الحوائج منه أشد كفرا من أبي جهل وأبي لهب وأبي بن خلف كما يردونه دائما في مخالفي مبادئهم كما سبق نقل عبارتهم في ذلك ، إنه لا منشأ لذلك إلا بغض كائن في قلوبهم لأولياء الله فإنهم لا يجدون غضاضة في نسب النفع للدواء ,والضرر للسم , فإذا سمعوا نسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو وليه اشمأزت قلوبهم وعبست وجوههم وادعوا أنهم يحمون بذلك جناب التوحيد ، والتوحيد عني عن حمايته بهذا السلاح الذي لا يسلونه إلا على الموحدين ولا يصلونه به إلا على خلص المقربين ، قال الإمام سلامة العزامي المتوفي سنة 1376 : ( إذا قلت : أشبعني الطعام وأرواني الماء وشفاني الدواء وقتل السم فلانا ولا يجدون حرجا ، فإذا قلت : أخذ سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي , أو نفعني الولي هاجوا عليك وما جوا وجن جنونهم ورموك بالخروج عن الملة ) أهـ ، قلت : وهم لا يكتفون بهذا بل يختلقون على المسلمين لترويج نحلتهم وتنقير الناس من توقيره صلى الله عليه وسلم

اختلاقهم على المسلمين أمورا لم يقولوها : فهذا شيخ من شيوخهم المدعو ابن منيع يتبرم في كتابه "الحوار " بالصفحات 36 و77 و123 وغيرها من إنشاد المدائح النبوية بزعم أن فيها ألفاظا ترفع منزلته صلى الله عليه وسلم إلى مقام الربوبية والألوهية والتفرد بكمال الجلال والتقديس والتفرد بالعبادة وجعله صمدا شريكا له تعالى في الملكوت والخلق والملك والتدبير والسلطة الكاملة والهيمنة الشاملة والقدرة والعلم المحيط والنفع والضر والمنع والعطاء , واعتباره ملجأ وملاذا مما هو محض حق لله لا يصلح لأحد غيره . وأن ذلك كله شرك لم يقل به أبو جهل وأبو لهب وأبي بن خلف وغيرهم من أئمة الكفر والشرك والطغيان والشرك إلخ هذيانه ، وليس في المسلمين حتى العامة من يزعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقام الربوبية والألوهية والتفرد بكمال الجلال والتقديس والتفرد بالعبادة وجعله صمدا شريكا له تعالى في الملكوت والخلق والملك والقدرة والعلم الذاتي المحيط فكل ذلك اختلافات على المسلمين , وتنفير عن توقيره صلى الله عليه وسلم , ووسوسة شيطان ، وأما التصرف وقضاء الحوائج فذلك لله استقلالا بقدره كن , وأما ما ظهر على يده صلى الله عليه وسلم كشفاء العاهات , وتبديل الأعيان كانقلاب العود سيفا , وتبديل الصفات ,وتكليم الجمادات والبهائم وشهادتها برسالته وطاعتها له , وتكثير الطعام والشراب القليل ونبع الماء من بين أصابعه وتكثيره فإنه وإن بدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فاعلها , فالمسلمون يعتقدون أن فاعلها هو الله , وأما الرسول فهو متسبب فيها ليس إلا وقعت بدعائه وبركته ، ومن طلب منه صلى الله عليه وسلم قضاء الحوائج أو طلب الشفاعة فالمقصد حتى في قلوب العوام أن يتسبب في قضاء الحاجة بشفاعته ودعائه وما نسبتها إليه صلى الله عليه وسلم إلا من قبيل الإسناد المجازي كما وضحناه ، والعالم حقا هو من يميز بين معاني الألفاظ ومدلولاتها حين تطلق على الله خلقا وإيجادا , ومعانيها ومدلولاتها حين تطلق على الخلق مجازا عقليا باعتبار تسببهم فيها .

اتفاق العلماء قبل ابن تيمية على جواز الاستغاثة : والعلماء قبل ابن تيمية على اتفاق بمشروعية زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين للتبرك بهم وندائهم والاستغاثة والتوسل بهم إلى الله ، وإن ذلك سبب لاجتلاب البركات واستنزال الرحمات واستجابة الدعوات وسرعة قضاء الحاجات ، فلما ظهر ابن تيمية منع ذلك وادعي أن ذلك شرك أو فيه شائبة شرك ، وزعم أن منع ذلك مجمع عليه من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة ، وكل ذلك مخترع للتهويل وترويج هذا الشذوذ 0 ولا أساس لذلك من الصحة وقد رد العلماء عليه وأزالوا غبار الشبه التي أثارها ، والمأثور عن العلماء قبله أن التوسل من سنن الدعاء كالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أول الدعاء وأثناءه وآخره فوضعوه في كتب السنن والكتب المؤلفة في عمل اليوم والليلة وغيرها وكلها متداولة بين أهل العلم فهل يجوز عاقل أن يروج دعاة الملة وفقهاء الأمة ما زعم ابن تيمية أنه شرك أو ذريعة له ؟ ، وسيد المرسلين الذي جاء لمحو الشرك ولما شكي إليه الضرير رفع ضره لم يقل له إن ذلك شرك بل علمه دعوة فيها التوسل وفيها النداء وتدل الرواية على أن ذلك النداء وقع في غيبته لما ورد في قول راوي الحديث : (( فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط )) ، وقد جاء في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم قال للأعمى : (( وإن كان لك حاجة فمثل ذلك )) وبذا اجتمع رسول الله صلى عليه وسلم بالتوسل به ونداءه في غيبته وعمل ذلك كلما عرضت حاجة فيشمل ذلك ما بعد الوفاة لإطلاق القول (( وإن لك حاجة فمثل ذلك )) كما فهمه راوي الحديث حيث أرشد صاحب الحاجة إلى عثمان رضى الله عنه أن يفعل ذلك حين دخوله عليه وذلك في خلافة عثمان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، وقد صحح القصة البيهقي والمنذري والهيثمي وقال الطبراني إنه حديث صحيح ، ولا مطعن لطاعن في صحة الحديث كما سيأتي في آخر هذا المبحث كما أنه يتبين بما قدمنا أنه لاشك في جواز التوسل بالحي والغائب والميت جميعا إذ المعنى الذي أجيز به التوسل بالحي هو مكانته عند ربه وقدرته على الدعاء , وذلك معنى لم يفارق المتوسل به لا غائبا ولا ميتا ، وبعد أن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة التي فيها التوسل والنداء وأوصى بفعلها عند الحاجات يكون رمي المسلمين بعد ذلك بالشرك - بزعم أن من نادى غير الله من غائب أو ميت كان معتقدا فيه علما محيطا وقدرة شاملة - مناهضة للحديث ، ولعل الزاعم لمس ذلك الاعتقاد في نفسه أو في أضغاث أحلامه ، أما إن ادعى أنه لمس ذلك في اعتقادات الناس , فإن لم يكن قد شق صدورهم فليوقن أنه مصاب بحمى التعصب وخيالاته , ومعاذ الله أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ما هو شرك أو ذريعة للشرك ، وأما جعلهم محور الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر على شيء وإنما هو سبب في قضاء الحاجة بالدعاء والتشفع ليقضيها الله ,وكلا الحي والميت لهم إدراكات وقدرة على الدعاء كما تقدم ، وكم طلب الصحابة منه صلى الله وسلم أمورا ليست في مقدور البشر عادة ولم يقل للطالب أشركت حين طلبت مني ما لا يقدر عليه إلا الله بل أجابهم إلى ما طلبوا بإذن الله , طلب قتاده رد عينه بعد أن سالت على خده في غزوة أحد فردها وكانت أحسن عينيه . وكما في البخاري شكا إليه ابو هريرة النسيان فأمره ببسط ردائه وقذف فيه بيده من الهواء ثم قال : ضمه , قال أبو هريرة : فما نسيت بعدها شيئا ، وكما في البخاري اشتكت امرأة إليه الصرع والتكشف فسألته أن لا تصرع ولا تتكشف فقال : (( إن شئت دعوت وإن شئت صبرت )) فطلبت منه الدعاء أن لا تتكشف فدعا لها بأن لا تتكشف ، وأخرج ابن عبد البر في " الاستيعاب " بسنده عن طاووس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتي بالمجانين فيضرب صدر أحدهم فيبرأ ، واستفاض في السنة مجيء الناس بمرضاهم إليه ليزيل أمراضهم عنهم بإذن الله فلا يرد أحدا خائبا بل مرة يدعو ويمسح على العلة فإذا الشفاء , ومرة يصب ماء وضوئه على العلة فيعود صحيحا بإذن الله ومرة يؤتي بالأرمد فيتفل في عينيه فإذا العافية ، وهكذا كان الصحابة إذا نزل بهم ما لا يطيقون فزعوا إليه وشكوا واستغاثوا واستشفعوا . وكان صلى الله عليه وسلم يستجيب لطلبات ما طلب منه من خوارق العادات كشفاء المرضى وإنزال المطر بلا سحاب , وقلب الأعيان والصفات ونبع الماء من بين الأصابع ,وتكثير الطعام وغير ذلك مما لا يدخل تحت قدرة البشر عادة , ولم يقل للطالبين إنكم أشركتم بطلبكم ما لا يقدر عليه إلا الله ، ؟ أفيكون الوهابيون أعلم بالتوحيد وما يخرج منه من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانوا يستغيثون به ويطلبون منه ما لا يقدر عليه إلا الله كان يعلم أنهم لا يعتقدون فيه ربوبيته أو استحقاق عبادة أو خلق شيء ,وإنما يريدون منه أن يتسبب في قضاء ذلك بما قدره الله عليه من دعاء وتشفع وما أعطاه الله من تصرف . وهكذا الناس حين يطلبون شيئا لا يقدر عليه إلا الله إنما مقصودهم التشفع إلى الله في ذلك ، فهم ما طلبوا منهم إلا ما أقدرهم الله عليه وملكهم إياه من التشفع ، فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على ما نطق به , وصدوره من الموحدين قرينة على مرادهم ،

طلب الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم : والشفاعة لا تعني إلا الدعاء 0 والدعاء مأذون فيه مقدور عليه ، وطلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في السنة كثير ، فيقول أنس رضى الله عنه كما في سنن الترمذي وحسنه : (( اشفع لي يوم القيامة )) فيقول صلى الله عليه وسلم (( أنا فاعل إن شاء الله )) ، وكذلك أخرج البيهقي في ( الدلائل ) وغيره قول سواد بن قارب : ( فكن لي شفيعاً يوم ذو شفاعة ... سواك بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب ) ، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لأنس ولا لسواد : أطلب الشفاعة من الله فإن طلبها مني شرك ، ولوكان طلب الشفاعة والاستغاثة والتوسل به فيما لا يقدر عليه عادة شركاً ولا كفراً كما توهموه لما جاز ذلك في حال من الأحوال لا في الحياة الدنيا ولا في الحياة الأحرى ولا يوم القيامة ولا قبلها فإن الشرك ممقوت عند الله في كل حال ، فإذا ثبت التوسل به صلى الله عليه وسلم والشكوى إليه والاستغاثة به في الملمات وطلب الشفاعة من في حياته الدينا ، دل ذلك على جوازه وطلقاً وعلى أنه لا كفر فيه ولا إشراك فيه 0 إذ ما هو كفر وشرك يختلف باختلاف الأزمان ولا الشرائع ولا الأحوال ، وسواء وقعت تلك الأمور في الأحياء أو الأموات فإن المقصود كما وضحنا هو التسبب في قضاء الحاجة بالدعاء والتشفع لا اعتقاد ربوبية أو خلق شيء 0 ولو كان في الأمر شيء من ذلك لما جاز في الحياة ولا بعد الموت 0 ولا يقول عاقل أنه جائز إذا كان حياً وأما بعد الحياة فشرك 0 فالشرك كما وضحناه مراراً هو اتخاذ الطلوب منه رباً أو اعتقاد صفاته فيه كما هو شأن عباد الأوثان مع أوثانهم 0 أما اتخاذ المعظم وسيلة إلى الله من غير ذلك الاعتقاد فلا يكون عبادة للوسيلة بل هو عبادة للأمر يجعله وسيلة ،

لا دليل في استسقاء عمر بالعباس بأنه لا يجوز الاستعانة بالميت : أما الاستناد في جواز ذلك بالحي ومنعه بالميت باستسقاء عمر بالعباس ، فذلك جهل بأنواع الاستسقاء التي لا بد فيها من وجود الحي ، فالحوار في الاستسقاء وفي رفع المطر حين يتأذون به كثيرة ، وحين يطلب من صلى الله عليه وسلم الاستسقاء ، كان تارة يدعو فيغاثون أو يرتفع الأذى ، استسقت به قريش لما أصابهم الجدب واستسقوا به في المدينة فوقع الغيث بدعائه ، وروى البيهقي في ( الدلائل ) عن أنس بسند ليس فيه متهم بالوضع أن اعرابياً قال له صلى الله عليه وسلم : ( أتيناك يا رسول الله وليس لنا بعير يئط ولا صبي يغط وأنشد : ( وليس لنا إلا إليك قرارنا ... وأين قرار الناس إلا إلى الرسل ) ، فقام صلى الله عليه وسلم إلى المنبر ودعا فما رد يديه حتي ألقت السماء بأرزاقها ، وفي البيهقي أيضاً أن وفداً زاره شكى الجدب إليه فأغاثهم بنحو ما سبق ، وإقراره صلى الله عليه وسلم لقول الأعرابي ليس لنا إلا إليك قرارنا ، وعدم عده لذلك شركاً أن المقصود هو أن القرار المرجو نفعه هو إليك لا إلى من دونك فهذه طريقة من الطرق التي كان يسلكها صلى الله عليه وسلم في إغاثتهم حين يطلبون السقي ، يدعو من غير خروج بهم ، وتارة يخرج بهم إلى المصلى في يوم مخصوص فيصلي بهم ركعتين بخطبتين كما في سنن أبي داود عن عائشة ، وهذا أتم أنواع الاستسقاء ، فطريقته إذا قحط الناس أن يخرج الإمام او نائبه بهم إلى المصلي في يوم مخصوص فيصلي بهم ركعتين ويخطب ويدعو .أي أن الاستسقاء بهذه الطريقة يتعلق بالأحياء .فكان عمر رضي الله عنه هو صاحب هذه المهمة بصفته إمام المسلمين ولكنه اختار أن يقوم في الدعاء قريبا من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كما في البخاري : (( إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا )) ، وأخرج الزبير بن بكار في "الأنساب " هذه القصة فذكر أن عمر قال للناس : اقتدوا أيها الناس برسول صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله ، ادع يا عباس ، وفي دعائه قال : قد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك … واحفظ نبيك في عمه , فأرخت السماء مثل وأقبل الناس على العباس يتمسحون به ويقولون له : هنيئا لك يا ساقي الحرمين ، وقال عمر حينذاك : هذا والله الوسيلة ، فقول عمر كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا إلخ يشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يخرج بهم إلى المصلى للاستسقاء لهم ، وهذا النوع من الاستسقاء إنما يكون حين وجوده صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم , ولما لم يكن هذا ممكنا بعد وفاته خرج عمر بالناس إلى المصلى فتأخر عن حقه , وقدم العباس للاستسقاء تعظيما لرسول الله وتوقيرا لقرابته وتقديما لعم رسول الله صلى الله وسلم على نفسه مبالغة في التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما استطاع ، فمن فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس ولم يتوسل بالنبي لأن العباس حي والنبي ميت فقد مات فهمه وغلب وهمه ، فإن عمر لم يتوسل بالعباس من حيث هو العباس ، بل من حيث هو قريب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالتوسل الذي أشار عمر بانقضائه بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : كنا نتوسل هو التوسل بخروجه بهم صلى الله عليه وسلم إلى المصلى ليباشر الاستسقاء بالصلاة والدعاء فإن ذلك لا يكون عادة إلا ممن هو حي بهذه الحياة الدنيوية ، وقول عمر رضي الله عنه في حق العباس : واتخذوه وسيلة إلى الله فيه أوضح البيان على أن الصحابة لم يكونوا يفهمون من الوسيلة التوسل بالأعمال فقط ، بل ذلك شامل للتوسل بالأنبياء والصالحين وما يتعلق بهم ، فالتوسل في الاستسقاء الذي انقضي بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو استسقاؤه صلى الله عليه وسلم بالخروج بهم إلى المصلى بالصلاة والدعاء أما الاستسقاء بغير خروج فالتوسل به صلى الله عليه وسلم لم ينقض بوفاته ، فقد أخرج ابن أبي شبيه بسند صحيح وكذلك البيهقي في "الدلائل " بسند صحيح أيضا ان بلال بن الحارث المزني حامل لواء مزينة في جيش الفتح : أن الناس قحطوا في عهد عمر فجاء بلال ووقف عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه بقوله : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا .فلم ينكر فعله أحد من الصحابة , ولم يقل أحد منهم أن هذا فعل القبوريين المشركين ، وأخرج الدارمي عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله التابعي قال : قحط أهل المدينة فشكوا إلى عائشة فقالت : انظروا قبر النبي صلى لله عليه وسلم فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا حتى تفتقت الإبل من الشحم فسمي عام الفتق ، والمقصود من ذكر كل هذا أن التوسل بالحي أو الميت فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لا يعني إلا طلب التسبب في قضاء الحاجة بالدعاء والتشفع , وذلك أمر مقدور عليه ويستوي فيه الأحياء والأموات لما لهم من إدراكات وقدرة على الدعاء ،

تكملة الكلام على حديث الأعمى : ومن حاول التشكيك في صحة حديث الأعمى بأن في سنده أبا جعفر لم يعرفه الترمذي , وذكر أنه غير الخطمي فإن سائر العلماء ، ومنهم ابن تيمية وابن عبد البر قالوا : هو أبو جعفر الخطمي الثقة وقال ابن حجر : إنه صدوق . قال ابن أبي خيثمة : أبو جعفر هذا الذي حدث عنه حماد بن سلمة اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة ، وهذا يعني أن جميع رجال السند معرفون لكبار أئمة الحديث على أن قولهم أن الترمذي ذكر أنه غير الخطمي فيه خطأ حيث جاء في بعض نسخ الترمذي قوله "هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخطمي وفي بعض النسخ وهو غير الخطمي وفي بعضها وليس هو الخطمي " ، وهذا من تصرفات الناسخين إذ ليس من عادة الترمذي أن يقول هو غير فلان ويتركه من غير بيان ، ويؤيد أنه الخطمي سند الحديث في الترمذي وغيره " عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف " لأن أبا جعفر الراوي عن عمارة الذي هو من شيوخ شعبه هو أبو جعفر عمير بن يزيد الخطمي المدني ثم البصري ولا يمكن أن يكون أبا جعفر الرازي المتوفي سنة 160 فإنه وإن كان من شيوخ شعبه أيضا إلا أنه لم يدرك عمارة المتوفي سنة 105 لأن رحلته إلى الحجاز كانت بعد وفاة عمارة بنحو تسع سنين . على أن طرقا أخرى للحديث عن الطبراني كما ساقه السبكي في " شفاء السقام " ينص في صلب السند على أن أبا جعفر الراوي للحديث عن عمارة هو الخطمي الثقة باتفاق . ورجال سند الترمذي كلهم ثقات وإنما أطلق عليه الترمذي أنه حسن صحيح غريب بموجب اصطلاحه . فلانفراد عثمان بن عمر عن شعبة وانفراد أبي جعفر عن عمارة سماه غريبا وهما ثقتان , وكم من حديث صحيح ينفرد به أحد الرواة كحديث (( إنما الأعمال بالنيات )) ، ولتعدد طرق الحديث بعد أبي جعفر وعثمان بن عمر سماه حسنا ولتكامل إثبات الصحة في رواته سماه صحيحا فقال عنه : حسن صحيح غريب , ثم إن الحاكم روى الحديث بسند على شرط الشيخين وأقره الذهبي ونص على صحة الحديث عدد كثير من الحفاظ فلم يبق مطعن لطاعن فيه ، وإرشاد عثمان بن حنيف لصاحب الحاجة إلى عثمان في خلافته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صححها البيهقي والمنذري والهيثمي وقال الطبراني : إنه حديث صحيح ، فلم يبق مطعن لطاعن في صحة الحديث ، ونص الدعاء الذي علمه صلى الله عليه وسلم للضرير من رواية الترمذي : (( اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي , اللهم فشفعه في )) ، فواضح من هذا الدعاء أنه كان توسلا بذاته صلى الله عليه وسلم وفي غيبته لما رواه النسائي في آخره : " فرجع وقد كشف الله عن بصره " ولما رواه الطبراني والبيهقي كذلك من طريقين : (( فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط )) ، وفيه النداء أيضا لما رواه ابن ماجه : (( يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي )) الحديث ، وادعاء ابن تيمية ومن تبعه أن توسل الضرير كان توسلا بدعائه لا بذاته ولا بجاهه وأن قوله : (( إني أتوجه إليك بنبيك )) وقوله (( إني توجهت بك إلى ربي )) هو على حذف مضاف أي بدعاء نبيك ، فذلك صرف لألفاظ الحديث عن ظاهر معناها وإبطال للسنة الصحيحة ، وادعاء أن الشفاء قد تم بدعاء الرسول للضرير لا بتوسل الضرير به فذلك غير مصرح به في الحديث , فذلك غير مصرح به في الحديث , ولكنه مع ذلك لا شأن لنا بأنه صلى الله عليه وسلم قد دعا أو لم يدع , ولا بأن الاستجابة قد وقعت بدعائه صلى الله عليه وسلم أو بدعاء الضرير الوارد في توسله ، بل الحجة هي نص الدعاء المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم حيث اشتمل صراحة على توسل بالذات وعلى نداء له صلى الله عليه وسلم في غيبته , ونداء الغائب عندهم كنداء الميت في عدم الجواز ، فادعاء منع التوسل بالميت تفريق لما أحلوه من استواء الميت والغائب في المنع . وتعليلهم للمنع بالميت بأن التوسل المشروع هو التوسل بدعاء الوسيلة , وأن الدعاء غير ممكن من الميت فذلك مناقض لما دلت عليه السنة الصحيحة من قدرة الأموات على الدعاء والاستغفار للأحياء كما سبق بيانه من حديث البزار وغيره : (( فإذا أنا مت فإن رأيت خيرا حمدت الله ,وإن رأيت شرا استغفرت لكم )) ، على أن طلب الدعاء من المتوسل به ليس مدلولا لغويا ولا شرعيا للتوسل فقد يدعو المتوسل به ويقضي الله الحاجة بمجرد التوسل . وحيث كان ظاهر ألفاظ الدعاء أنه توسل بالذات وأن الضرير قد قام به وهو غائب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دلت عليه رواية النسائي والطبراني والبيهقي ,وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أباح استعماله كلما دعت الحاجة إليه حيث جاء في بعض الروايات قوله : (( وإن كان لك حاجة فمثل ذلك )) ، وأن عثمان بن حنيف الصحابي قد أرشد شخصا إلى استعماله في زمن عثمان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقضى الله حاجته به , فكل ذلك ينقض قول ابن تيمية : " بأن التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم سواء في حضوره أو مغيبه او بعد موته " ليس مشروعا عند الصحابة وأن المتبادر إلى أذهانهم في معنى التوسل هو طلب الدعاء من المتوسل به , فكل هذا ادعاء محض ومحاولة للتخلص مما ورد عليهم من حديث الضرير وروايته ، وأما احتجاجهم على عدم جواز التوسل بفعل عمر في استسقائه بالعباس فقد وضحنا قبل ذلك بقليل لماذا فعل عمر ذلك , وأنه لا دليل فيه على عدم جواز الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ،

ى- استياء الوهابيين من إحياء ذكرى المولد وأشباهه : والوهابيون يستاؤون جدا من اجتماع الناس لإحياء ذكرى ميلاده صلى الله عليه وسلم واجتماعهم للاحتفالات التي يقوم بها المسلمون عند مناسبات معينة , كبدء العام الهجري , وذكرى فتح مكة , وغزوة بدر ونحو ذلك مما يتوخى منه تحقيق خير يعود إلى مصلحة الدين , فكل ذلك عندهم منكر عظيم , وكانوا يقيسونه كقياس المجتمعين على الفسق والفجور , واقتصر الأمر هذه الأيام على إصدار حولياتهم الموسمية في التشهير بتلك الاجتماعات , وتحريم المولد مستخدمين في ذلك كل وسائل الإعلام والمنابر في مهاجمته وإصدار المؤلفات في ذلك وتوزيعها مجانا على النحو الذي أشرنا إليه في مقدمة هذه الرسالة , ولا بأس عندهم من شن الغارة على إحياء هذه الذكرى بينما أباحوا إقامة أسبوع للاحتفال بذكرى محمد بن عبد الوهاب وآثاره ، ولا نطيل الآن القول في بحث مشروعيته المولد حيث خصصنا لذلك بحثا خاصا به ، ولعلك قد أيقنت بعد سماعك ما سردناه عليك من كلمات المتطرفين وتصرفاتهم " من خوض في مصير الأبوين ، وتذمر من جعل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وردا , وطعنهم في الكتب المؤلفة فيها وتضارب أقوالهم في إنكار حرقها والاعتراف به , وكراهتهم لتسويده صلى الله عليه وسلم الصالحين , وتهويشهم في البناء على القبور وجعل ذلك من دلائل الشرك , والتنفير من السفر لزيارته صلى الله عليه وسلم وغلق أبواب الأضرحة لمنع زيارة من فيها ومراقبة الزوار عند زيارتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وانتهارهم ومحاولة إخراج قبره من المسجد , ومحاولة محو ما يتعلق بآثاره صلى الله عليه وسلم ومنعهم التوسل به واستياؤهم من إحياء ذكرى مولده ومعراجه وما أشبه ذلك من المناسبات التي يتوخى منها تحقيق خير يوجه القلوب إلى الحماس للدين والإيمان وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل تلك التصرفات تشعر بأن الوهابيين قد طبعوا أتباعهم تحت ستار حماية جناب التوحيد على أن كل ما فيه إجلاله صلى الله عليه وسلم وتوقيره من قول أو فعل هو شرك وتأليه له صلى الله عليه وسلم وعبادة له , وأن كل من عظمه فهو عابد له أو مرتكب بدعة أو محظورا . وانظر في " الهدية السنية والتحفة الوهابية " رسالة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب التي وجهها إلى مكة بمناسبة فتحها لهم أول مرة وسترى فيها أن من قال يا رسول الله إني أتوسل بك أو اشفع لي فذلك شرك ,وإن قال اللهم إني أتوسل إليك بنبيك أو بجاهه فقد ارتكب بدعة شنيعة ، نسأل الله سلامة قلوبنا وهدايتها إلى الصراط المستقيم .

ما هو بدعة الضلالة وما ليس منها : [ موضوع البدعة خارج عن موضوعنا الذي نحن بصدد بيان قواعده ( تجديد علم التوحيد وفقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك ) ولكن لنفاسة الباب ، ومجمل الكتاب آثرت اتمام النقل عن الكتاب بتمامه لما فيه من التوسط والفقه في دين الله تعالى ، وأثره في ضبط أسماء وأحكام الملة ، بما فيها البدعة والسنّة ، وسيأتي بيان قواعد الاتباع والابتداع والسنّة والبدعة في كتاب التجديد الخامس : كتاب التجديد في الاتباع وتحقيق مسائل وأحكام السنّة والبدعة ]

1 - توسع العلماء في الاستنباط من النصوص : قبل البحث في البدعة نمهد لها بموجز في طريقة استنباط الأحكام فمن المعلوم أن هذه الشريعة خالدة شاملة 0 وسر الشمول فيها أن روعي في تعريف الأحكام فيها مجيئها في الكتاب والسنة على وجه كلى دون تعرض للتفاصيل والجزئيات إلا قليلاً ، فكانت نصوصها أحكاماً كلية وقواعد عامة وقضايا معنوية بوحدة تنظيم كثرة (( وهي العلة التي يدور معها الحكم حيثما وجدت )) وكذلك أشارت في كثير من نصوصها إلي مقاصد التشريع وأصوله العامة ولشمول النصوص بوجوهها الكلية ومقاصدها وعللها المتعدية اتسعت لبيان حكم الله في كل الحوادث ما وقع منها وما يجد مما لا يتناهى ولا ينحصر ولما كانت الحوادث التي يطلب فيها حكم الله لا تنتهي ولعدم مجيء كل الأحكام في النصوص بصريح العبارة لم يأل العلماء جهداً في توسيع النظر في النصوص لاستخراج الأحكام الشرعية منها ، 1 - فتارة ينظرون في ألفاظ النصوص بما تفيده أوضعها اللغوية والعرفية أو لوازمها من عبارة وإشارة وإيماء ودلالته واقتضاء وفحوى ومفهوم ، 2ويستنبطون كذلك مما تفيدها عللها المتعدية من نقل الحكم من الخصوص إلى العموم ، إما بأن تثبت علة الحكم في جزئية بنص أو إجماع فيعطى نفس الحكم للجزئيات الأخرى التي فيها نفس العلة وذلك يسمى عندهم تحقيق المناط والأخذ به متفق عليه ولا يعدونه قياساً ، وإما بأن يقوم المجتهد بتعدية الحكم من المنصوص إلى غير النصوص عليه قياساً بعد استنباط علة الحكم بما هو معروف عندهم بتنقيح المناط وتخريج المناط ، 3 - وقد يستنبط العلماء الحكم من القواعد الكلية وعمومات الشريعة أي مقاصدها ( المصالح والمفاسد ) المبثوثة في النصوص ، من ضروريات ترجع لحفظ الدين أو النفس أو العقل أو المال أو النسب أو النسل أو الأعراض وقد شرع الإسلام لذلك ما يلزم كالإيمان وتوابعه ، وأركان الإسلام والجهاد والحدود ، وأحكام الزواج والبيوع ونحوها ، ومن حاجيات ترجع إلى تيسير أنواع المعاملات والمبادلات وملاءمة التكليف لحالة الإنسان وقدرته : بالترخيص في حالات خاصة وظروف معنية بما يخفف التكليف العادي كالفطر في السفر ، وسقوط فرض الصلاة عن الحائض ، ومن تحسينات أو كماليات ترجع إلى ما لا بد منه لتحقيق المحاسن الفطرية والسير بالمجتمع نحو المثل الأعلى للحياة الطيبة 0 ومرجعها إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ورعاية الجمال والكمال كأحكام الطهارة وستر العورة ونحو ذلك ، وعلى العموم فالمصالح والمفاسد ترجع إلى إصلاح العقائد والآراء والأخلاق والعبادات والمعاملات ، أو بمعنى آخر : إصلاح كل مظاهر النشاط الإنساني سواء الفردي والجماعي ، أو النشاط النظري أو العملي ، والكلام على هذه المقاصد طويل لا مجال الآن لاستقصائه ، والمصالح المعتبرة هي التي لا تصادم نصاً ويشهد لها أصل شرعي بالاعتبار ، 4 - ومن باب اندراج الأمر في المصالح والمفاسد الأخذ بالمصلحة المناسبة عند عدم النص والإجماع 0 أي مناسبة العلة للحكم وكون الوصف من شأنه جلب نفع أو دفع ضرر والقول بالأخذ بها هو مذهب مالك ولكن أحداً من الفقهاء لم يستغن عن استعمالها عند استنباط الأحكام 0 فتراهم عند التفاريع يعللون بمطلق المصلحة ويعتمدون على مجرد المناسبة ، وهذا هو المصلحة المرسلة كما قال القرافي : والمسائل المولدة في الفقه التي حدثت بعد العهود الأولى التي لا نص فيها ولا إجماع كثيراً ما اعتمد الفقهاء في استنباط الأحكام لها على مجرد المصالح المناسبة والمفاسد لأن في تعطيل لأحكام كثير من الفروع الفقهية ، 5 - وقد يسلك الفقهاء طرقاً أخرى عند الاستنباط والتفاريع كالأخذ بالاستصحاب والاستحسان والتخريج والاقتران الشرطي وغير ذلك مما هو مدون في كتب الأصول ، وأختتم البحث بإيراد عدة أحاديث مكملة له إن شاء الله : 1 - فمن حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم )) ، 2 - ومن حديث البزار والطبراني بسنديهما عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ثم تلا : { وما كان ربك نسياً } )) ، 2 - ومن حديث الدارقطني بسنده عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وحرم أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها )) ، وهكذا الأمر دائماً فالحرام ما ورد نص بتحريمه أو دلت الشريعة على تحريمه باستعمال الأدلة الشريعة بلا تعسف ولا تكلف ، والفرض ما دلت الشريعة على فريضيته ، والمسكوت عنه على العفو إلا أن يرد حكم بشأنه من نص أو إجماع أو استنباط بأحد طرق الاستنباط المعتبرة عند الفقهاء ، ومعذرة (( إن لم أتوسع في الكلام عن طرق الاستنباط وضرب الأمثلة ) لضيق الرسالة عن الاستقصاء اعتمادا على أن المفترض في العلماء الذين لهم خبرة وممارسة بكتب الأصول واعتمادا كذلك على أن المقصود بيانه من ذلك هنا هو عدم التعصب بطلب النصوص الصريحة لحكم كل حادثة جوازا وتحريما , فإن ذلك يعطل أحكاما كثيرة أدلة لها منصوص عليها محدودة كل حادثة جوازا وتحريما فإن ذلك يعطل أحكاما كثيرة من وجود أدلة لها منصوص عليها إذ النصوص محدودة وحوداث البشر لا تنتهي , ومحال أن يتسع المتناهي لما لا يتناهى إلا بما سلكه الفقهاء من طرق الاستنباط من النصوص عبارة ودلالة وإشارة واقتضاء وإيماء ودرجا في العموم وقياسا واندراجا في باب المصالح والمفاسد والأخذ بالمصالح المرسلة عند عدم النص على الحادثة بخصوصها وعند عدم الإجماع عليها ،

2- تحرير البحث في المحدث والبدعة : اعلم أن السنة في مقابلة البدعة : تطلق على ما اندرج تحت النصوص الشرعية أو الأصول الشرعية من إجماع أو قياس أو اندراج تحت مصلحة ملائمة ولو لم يرد بذلك نص بشرط أن لا يصادم ذلك نصا أو أصلا شرعيا ، وينظم في سلك السنة عمل الخلفاء الراشدين والصحابة الأكرمين للثقة بأنهم لا يعملون إلا على بينة من أمر دينهم ولأن إتيانهم لأمر محدث (لم ينكره بعضهم )أمارة على أنه لا يصادم أصلاً من أصول الشريعة لمعرفتهم من طول عشرته صلى الله عليه وسلم بقوانين التشريع 0 ومثل ذلك ما حدث بعد عهد الصحابة في قرن التابعين وتابعيهم لما ورد من الثناء عليهم وللثقة بأنهم لا يعلمون إلا على بينة ، وأما البدعة فقد بالغ الوهابيين في إطلاق بدعة الضلالة على كل أمر جديد لم يكن في القرون الثلاثة ، وأنكروا على الفقهاء تقسيمهم للبدعة إلى مقبولة وإلى مردودة أو إلى حسنة وسيئة ، ولتحرير البحث ينبغي أن يعلم أن للمحدث والبدعة معنى خاصاً شرعياً ومعنى عاماً لغوياً ، فالبدعة : بالسان الشرع خاصة بكل محدث يخاف النصوص أو الأصول الشرعية إن لم يكن مستنداً إلى عمل القرون الثلاثة 0 فبهذه المخالفة يكون المحدث مخالفاً لشرعه صلى الله عليه وسلم وخارجاً عن أمره وطريقته وسنته ومنهج تشريعه ، وهذه هي بدعة الضلالة ولم يقسمها أحد بل كلها مذموم وهي المعنية في حديث : (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ، وفي حديث : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) ، وعمومها في الحديث إنما هو بحسب معناها الخاص الذي استعمله الشرع فيها ، وهو كل محدث بعد القرون الثلاثة يصادم النصوص أو الأصول الشرعية ، وأما المحدث والبدعة بمعناها اللغوي العام من الابتداع بمعنى الإحداث فتعني كل أمر مبتدأ من غير مثال سابق ، وهذه هي التي قسمها الفقهاء إلى مردودة وهي بدعة الضلالة السابقة ، وإلى مقبولة وهي الأمر المبتدأ الذي لا يصادم نصاً ولا أصلاً شرعاً وتتحقق بها مصلحة مناسبة للتشريع ، وهذه ليست من المحدث المذموم ، ولو وقعت بعد العهود الأولى ولا خارجة عن الشرع ولا عن أمره صلى الله عليه وسلم ، ولا عن طريقته وسنته ومنهج تشريعه فلا يشملها حديث : (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ولا حديث : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) ، بل إليها الإشارة بما رواه مسلم عن جرير وابن ماجه عن أبي جحيفة رصي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من سن في الإسلام سنة حسنة عمل بها بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )) ، فالحديث قد قسم الأمر المبتدأ من غير مثال أي المحدث بالاصطلاح اللغوي إلى مردود وإلى مقبول ، كما أن الحديث يشرع ابتداء الخير دون تقييد بعصر معين فيدل على أن عمل الخير ليس مقصوراً على أهل قرن بعينه ، ولا مقصوراً على ما أحدثه الصحابة والتابعون وتابعوهم كما يردد الوهابية ، ولأنهم يريدون صرف الأذهان عن الاستعمال الشرعي الخاص للمحدث والبدعة (ليندرج في بدعة الضلالة كل ما لم يفعله الصحابة ) فسروا هذا الحديث بما لا ينطبق على الفاظه فقالوا : المراد منه من احياء سنة مهجورة ، بينما الواضح من ألفاظ هذا الحديث أنه يحث على أنشاء سنن الخير 0 كما أن هناك أحاديث غيره تحث على إحياء السنن المهجورة وفرق بين إنشاء السنن وبين إحيائها ، واعلم أن من قال من العلماء أن البدعة لا تكون إلا سيئة أراد البدعة الشرعية ( أي الابتداع في الدين : بزيادة فيما تعبدنا الله به ، أو نقص منه أو اشتباه به ، أو نسبة شيء إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه من نصوص الشريعة أو قواعدها وأصولها ولو بالاندراج في باب المصالح والمفاسد عند عدم النص أو الإجماع على الحادثة بخصوصها ) ، وننقل لك من كلام العلماء ما يدل على تضافر أقوالهم على ما أوضحناه بخصوص البدعة الشرعية والبدعة اللغوية وضوابط المردود من ذلك والمقبول منه قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم " : المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه , وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه ببدعة وإن كان بدعة لغة " ، ثم قال : " من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلاله ، وأما ما وقع من كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية " ، قلت : البدعة الشرعية مذمومة كلها باتفاق إلا أنها قد أصبحت حقيقة شرعية في المحدث الذي يعارض النصوص والأصول . أما البدعة بالإطلاق اللغوي فالمراد منها هو بدعة الضلالة المعارضة للأصول والنصوص , والمقبول منها هو ما لا يعارض ذلك واندرج تحت مصلحة مناسبة عند عدم النص والإجماع ، وقال ابن حجر العسقلاني " البدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما " ، وقال مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي في رسالة له عن البدعة : " البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة . وأما البدعة التي قسمها العلماء إلى واجب وحرام إلخ . فهي البدعة اللغوية وهي أعم من الشرعية لأن الشرعية قسم منها ، وقال التفتازاني في شرحه على " المقاصد " : " من الجهلة من يجعل كل أمر لم يكن في عهد الصحابة بدعة مذمومة , وإن لم يقم دليل على قبحه تمسكا بقوله عليه السلام : إياكم ومحدثات الأمور " ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل من الدين ما ليس منه " ، وقال التفتازاني في شرحه على " المقاصد " : " من الجهلة من يجعل كل أمر لم يكن في عهد الصحابة بدعة مذمومة , وإن لم يقم دليل على قبحه تمسكا بقوله عليه السلام : (( إياكم ومحدثات الأمور )) ، ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل من الدين ما ليس منه " ، وروى البيهقي بإسناده في كتابه " مناقب الشافعي " أنه قال " المحدثات من الأمور ضربان : أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلالة , والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهذه محدثة غبر مذمومة " ، وقال ابن الأثير في " النهاية " : " البدعة بدعتان : بدعة هدى , وبدعة ضلالة فما كان في خلاف ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم , فهو في حيز الذم والإنكار , وما كان واقعا تحت عموم ما ندب إليه وحض عليه فهو في حيز المدح والبدعة الحسنة في الحقيقة سنة وعلى هذا التأويل : " يحمل حديث كل محدثة بدعة على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة " أهـ ، وقال الغزالي في الأحياء : " ليس كل ما أبدع منهيا عنه بل المنهي عنه بدعة على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة " أهـ ، وقال الغزالي في الأحياء ليس كل ما أبدع منهيا عنه بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابته وترفع أمرا من الشرع " ، وفي شرح الأربعين لابن حجر المكي : " البدعة لغة ما كان مخترعا , وشرعا ما أحدث على خلاف الشرع ودليلة الخاص والعام ، وفي شرح الأربعين لابن حجر المكي : " البدعة لغة ما كان مخترعا , وشرعا ما أحدث على خلاف الشرع ودليله الخاص والعام ، قلت : ويتبن من هذه النقول : أنه ليس العبرة في عدم قبول المحدث هو عدم سبق فعله , وإنما العبرة في رده هو أن يصادم أصلا من أصول الشريعة وقواعد الاستنباط وبهذه المعارضة يكون ليس من شرعة وعلى خلاف منهج تشريعه وهذا هو بدعة الضلالة وهي مذمومة كلها بحسب ما استعملت فيه شرعا ، وعلى هذا فإن من حمل الكلية على ما عارض النصوص وما لم يعارضها فقد غلط وخلط بين ما بنطق عليه الاستعمال الشرعي وبين ما لا ينطبق عليه من الاستعمال اللغوي من كل أمر مبتدأ على غير مثال مما لا يعارض نصا ولا أصلا , وكان مندرجا تحت مصلحة مناسبة عند عدم النص والإجماع فذلك مقبول وليس من المحدث المذموم ، حيث إن البدعة بالإطلاق اللغوي ما هو مقبول , ولو لم يحدث في العهود الأولى فإدراج هذا المقبول في بدعة الضلالة يعد خروجا عن الجادة وإهمالا لحديث : (( من سن سنة حسنة )) ، فمن أراد أن يدرج محدثا لم يفعله الصحابة والقرون الأولى في بدعة الضلالة عليه أن يكون متثبتا من النصوص والقرون الأولى في بدعة الضلالة عليه أن يكون متثبتا من النصوص الخاصة أو العامة أو الأصول الشرعية التي تصادم هذا المحدث وتقبحه ,وذلك لئلا يختلط ذلك بالمقبول من البدعة بالإطلاق اللغوي ولأن من أدرج شيئاً من ذلك في بدعة الضلالة فإنه يكون محرماً لذلك الشيء ، ومعلوم أن تحريم الشيء حكم شرعي لا بد فيه من دليل من كتاب أو سنة أو دليل معتبر ينطبق على المتنازع عليه وإلا كان تحريماً من عند أنفسنا ينطبق عليه ما ورد فيمن يحللون ويحرمون من عند أنفسهم ، وحسبنا احتياطاً في قبول الجديد بعد العهود الأولى أن لا يعارض نصوصاً ولا أصولاً ، ويندرج تحت مصلحة مناسبة لم يلغ الشارع مثلها وذلك عند عدم النص والإجماع ، وإننا نجد أموراً جدت على الأمة بعد العهود الأولى ولا تتعارض مع النصوص والأصول الشرعية تقبلها المسلمون ولم يجعلها أحد من بدع الضلالة ولم يقل أن حديث كل بدعة ضلالة يشملها ، من ذلك مثلاً : تشكيل آيات القرآن ونقط حروفه وتنظيم الأجزاء والأرباع والسجدات 0 ووضع العلامات على كل عشر آيات ، وعد سور القرآن وترقيم آياته ، وبيان المكي والمدني في رأس كل سورة ، ووضع العلامات التي تبين الوقف الجائز والممنوع ، وبعض أحكام التجويد كالإدغام والتنوين ونحوها ، وهذه كلها أمور وقعت بعد عهده صلى الله عليه وسلم على طول القرون بعد القرون الثلاثة ولم يقل أحد أن ذلك من محدثات البدع ، بل هي من المستحسنات لأنها لا تصادم نصاً ولا شيئاً من أسس التشريع ويتحقق بها مصلحة معتبرة وهي المحافظة على تيسير تلاوة القرآن وحفظه وحسن ترتيله ، وذلك من الضروريات التي ترجع إلى حفظ الدين ، فأصبحت مندرجة تحت تشريع عام يستحسنها ، وكل ما كان من هذا القبيل فإنه لا يشمله حديث : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) ، ولا حديث : (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ، وإطلاق المحدث والبدعة عليه هو إطلاق لغوي ، والاحتفاء بالمولد لا يخرج عن كونه لا يعارض نصاً ولا أصلاً شرعياً ويتحقق به مصلحة تشريعية معتبرة من الضروريات التي ترجع إلى حفظ الدين ، كغرس تعظيمه صلى الله عليه وسلم بالتذكير بفضائله ، وما وصل إلى الأمة على يده من الخير ، ومن المكابرة والمغالطة رد مثل هذا القول : ( إن التعظيم لا يكون بإتيان المحدثات المبتدعات ) لأن التسليم بأن المولد محدث ضلالة يتوقف على إثبات أن إقامته تصادم سنة حسنها الشرع أو تندرج تحت حكم قبحه الشرع ، وسيأتيك عند بحث المولد بيان حقيقته ، وأنه ليس في أفراده ما ينكر الشرع ، وبيان أهدافه وما يتحقق به من خير , فلا يشمله حديث : ((كل بدعة ضلالة )) الذي أوضحناه أن عمومه مقصود به المحدث بحسب الاستعمال الشرعي , وهو الذي يعارض النصوص والأصول , وذلك جمعا بينه وبين حديث : (( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة )) ، وبعد أن علمت الاتفاق على أن تقسيم البدعة والمحدث إلى حسن وسيىء هو تقسيم لذلك بالإطلاق اللغوي لا الشرعي فمن التكلف عناء الإنكار على التقسيم لتوهم أن المقسم هو البدعة والمحدث بالاصطلاح الشرعي أي المحدث الذى خالف نصاً أو صدم أصلاً شرعياً إن لم يكن مستنداً إلى عمل القرون الثلاثة ، بينما التقسيم وعدم التقسيم واردين على محلين مختلفين : التقسيم بالنسبة إلى الاستعمال اللغوى وعدم التقسيم بالنسبة إلى الاستعمال الشرعي ، وإلا فكيف يخطر ببال عاقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناقض فيقول : ((كل بدعة ضلالة )) ، ويقول في الوقت نفسه : (( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة )) ، وكيف يخطر ببال عاقل أن العلماء من أمثال الشافعي والبيهقي والغزالي والعز بن عبد السلام وابن الصلاح والقرافي والنووي وابن الأثير وعبدالحق الدهلوي وابن حجر المكي وملا على القاري وغيرهم أنهم يشاقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقسيم البدعة الشرعية التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ) بل هم أخذوا البدعة والمحدث بالمعنى اللغوي العام فقسموها إلى حسنة وسيئة مقتدين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة ) وأبقوا البدعة الشرعية على عمومها في كل ما يسميه الشرع محدثاً وبدعة باصطلاحه وعرفه وهو المخالف للنصوص والأصول الشرعية كما ضبطه الشافعي وغيره ، فتهويش صاحب (الحوار) بالكلية الواردة في حديث : (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ص 58 ، بقوله : التعبير بكل محدثة وكل بدعة ضلالة " هل يعني العموم أو التقسيم " , وبقوله ص 104 : " النصوص النبوية في رد البدعة نصوص عامة شاملة لا يمكن أن يخرج من أجزائها وأفرادها ما يعتبر حسنا لما في ذلك من اتهام الدين بالنقص والرسول بالتقصير " . وبقوله ص 104 : " النصوص النبوية في رد البدعة نصوص عامة شاملة لا يمكن أن يخرج من أجزائها وأفرادها ما يعتبر حسنا لما في ذلك من اتهام الدين بالنقص والرسول بالتقصير " . وبقوله ص 88 : " إن تلك الألفاظ صريحة واضحة جاءت بلفظ العموم والحصر فليس فيها تخصيص عموم ولا قيد إطلاق ولا استثناءات ولا تقسيمات " ، كل تلك تهويشات من باب تضليل الناس بصرف نظرهم عن الاستعمال الشرعي للمحدث والبدعة الذي يطلق شرعا على ما يصادم أصول التشريع . فالكلية سارية على كل محدث مما يسمى بلسان الشرع محدثا لا القسم المقبول بالإطلاق اللغوي العام من أمور تجد على الأمة بعد العهود الأولى ولا تتعارض مع النصوص والأصول الشرعية فإن هذا ليس مورد حديث " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " وإنما هو مورد حديث : " من سن سنة حسنة عمل بها بعده كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء " ، وكذلك تهويشات بجملته على الشافعي بقوله ص 20" فهل نترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من قول واضح ونص صريح ونقول : قال الشافعي , قال النووي , قال ابن الأثير , قال فلان , قال فلان حقا يوشك أن تنزل على أهل هذا الاتجاه حجارة من السماء مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد " ، بينما الشافعي ومن ذكرهم لم يأتوا برأي من عندهم في التقسيم وإنما قسموا الذي قسمه الرسول إلى حسن وسيء في حديث : " من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة " وغاية الأمر أن الشافعي قد وضح الضابط الذي يميز كل قسم عن الآخر ,فجعل السيء ما خالف النصوص والأصول والحسن ما لم يعارض شيئا من ذلك ، وإن وضع الضوابط والجمع بين المختلفات هو من مهمة العلماء الذين يعون ما يقولون ، وكذلك لمزة لجمهور العلماء وأكثريتهم لمجرد وهمه أن تقسيمهم كان للبدعة الشرعية فقال ص 69 بحقهم : " أنه قد أنكر عليهم من يقتدي بهم ويعترف لهم بالفضل والتقى والصلاح وسلامة الاتجاه وصحة المعتقد فضلا عما أتوه من بسطة العلم والفهم والإدراك من أمثال ابن تيمية والشاطبي وابن النحاس وابن رجب وابن حجر فهؤلاء لم يبدعوا كل محدثة " ، وبقوله في ص 57 " إن الثاني قد انحى بالملائمة على اتجاه الفريق الأول الذي فتح للبدع والمحدثات الأبواب على مصاريعها " أهـ ، وهكذا تخيل وجود معركة بين فريقين في البدعة الشرعية رغم أن الاتفاق تام على عدم تقسيمها , كما أن الاتفاق تام على عدم صحة معتقد الفريق المقسم الذي على رأسهم صلى الله عليه وسلم , والذي قال : (( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة )) ، وزعمه أن تقسيمهم قد فتح للبدع الأبواب على مصاريعها ، وليته تفطن إلى أن التقسيم منصب على البدعة بمعناها اللغوي لا الشرعي , فكان يغنيه ذلك عن إساءة الأدب مع الكبار وعن إدارة حرب في الهواء ، وأود أن نلفت نظرك أيها القارئ إلى مدحه ابن حجر هنا ببسطة العلم والفهم والإدراك لما تخيل أنه وافقه ثم في نقله في حقه ص 77 : " أنه حجة في النقل , ولكنه لم يؤت ما أوتي الأئمة المجتهدون من قوة الاستنباط " لما قال الحافظ عن المولد أنه بدعة حسنة ، وهكذا يتحكم الهوى عند هذا فثناء ببسطة العلم والفهم والإدراك عند تخيل الموافقة , وقدح يسلب قوة الاستنباط عند المخالفة ، ويتضح من كشف هذه التهويشات أن من سمى المقبول من البدعة بالإطلاق اللغوي أنها سنة حسنة فبرسول الله صلى الله عليه وسلم قد اقتدى في التسمية , وإن سماها بدعة حسنة فلم يجانب الإطلاق اللغوي للبدعة من الابتداع بمعنى الإحداث , أي كل أمر مبتدأ من غير مثال سابق , ومن تجنب تسميتها بدعة , فعلى رأي من لا يطلق البدعة إلا على طريق الشرعية ويسمى المقبول من البدعة بالاطلاق اللغوي سنة أو يسميها اتباعا وما أشبه ذلك ، ولو فحص كل ما قيل فيه أنه مستحدث , أوبدعة حسنة لوجد أنه مأذون فيه من الشارع إشارة أو مأذون من الشارع إشارة أو دلالة أو بتحقيق الشروط التي ذكرناها في المقبول من البدعة بالإطلاق اللغوي , أي لا تصادم نصوصا ولا أصولا شرعية مندرجة تحت مصلحة مناسبة عند عدم النص والإجماع ، وأختم القول في البدعة بكلمتين . إحداهما للمرحوم العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري المتوفي سنة 1371, والثانية للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ، قال الكوثري : " الشيء المبتكر النافع إذا لم يصادم سنة يكون بدعة حسنة كإنشاء المستشفياء والملاجئ والأربطة والمكتبات وتدوين الكتب في شتى العلوم النافعة للمجتمع عند جمهور أهل العلم لأنها داخلة أحاديث عمل الخير لصنوف الناس مع عدم مصادفة شيء منها لسنة متوارثة ، وأما الشيء المبتكر المصادم لسنة ثابتة فيحكم عليه في أول خطوة أنه سنة سيئة وإن تصور بعض العقول في ذلك النفع . وابتداع شيء من العبادات لا يكون إلا مصادما للمتوارث عن الشارع فلا يتصور أن يكون مثل هذا الابتداع بدعة حسنة أصلا ، فحسن البدعة يكون باندراجها تحت تشريع عام يستحسنها , وسيء البدعة يكون بمصادمتها لسنة حسنها الشرع أو باندراجها تحت حكم قبحه الشرع , وهذا ما عليه جمهور أهل الفقه في الدين على اختلاف مذاهبهم " ، قلت : وبدعة حسنة وبدعة سيئة إنما هو تقسيم للبدعة والمحدث بالإطلاق اللغوي العام لا المحدث والبدعة بالإطلاق الشرعي , فإنها لا تكون إلا سيئة , وقوله ابتداع شيء من العبادات لا يكون إلا بدعة سيئة يشير إلى المحدث يمارسه صاحبة على أنه داخل في بنية الدين وجزء منه . ويزيد هذا المعنى وضوحا بما كتبه البوطي في البدعة فقال ما مضمونه " ليس المراد بالبدعة معناها اللغوي في البدعة فقال ما مضمونه " ليس المراد بالبدعة معناها اللغوي الذي هو كل جديد طارئ على حياة المسلم مما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه , فالحياة ما تزال تتحول وربطها بسمار من الجمود وعلى حالة واحدة على مر الأزمنة والعصور غير ممكن " أهـ ، قلت : ولا يتناسب مع عموم الشريعة وعدم تناهي حوادث البشر التي لا بد لها من إحكام ، وقال البوطي : " فلا يعقل أن يكون المقصود بالبدعة معناها اللغوي بل ما رأينا واحدا علماء المسلمين وفقهائهم ذهب في تفسيرها وتعريفها هذا المذهب العجيب وإنما تنطوي الكلمة على معنى اصطلاحي خاص ، وبعد أن ذكر تعريف الشاطبي للبدعة " بأنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله عز وجل أو أنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية " ، " ويشير بتعريفه الأول إلى القول بحصر البدعة في العبادات وبتعريفه الثاني إلى القول بأنه قد يدخل في البدعة سائر أنواع السلوك والتصرفات دينية أو دنيوية" ، وقال البوطي : وعلى كلا التعرفين فلكي يأخذ السلوك معنى البدعة وحكمها يجب أن يمارسه صاحبه على أنه داخل في بنية الدين , وجزء منه فيكون حينئذ ليس من أمره صلى الله عليه وسلم أي ليس من دينه فمناط تسميته البدعة وإنكارها أن المبتدع يقحم في بنية الدين ما ليس منه ، ولما كان المشرع هو الله لم يبق مجال لأي تزيد أو تغيير على شرعه . والبدعة على هذا المفهوم لا تكون إلا ضلالة بضرورة أنها تعني التزيد على الدين والإضافة إليه وذلك لا يمكن أن يكون حسنا بحال من الأحوال ، أما سائر الأفعال والتصرفات الأخرى دون تصور أنها جزء من الدين وإنما يندفع إليها ابتغاء تحقيق هدف أو مصلحة دينية كانت أو دنيوية فهي أبعد ما تكون عن احتمال تسميتها بدعة ، وإن كانت مستحدثة في حياة المسلمين ، وإلحاق هذا بحديث : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) يؤدي إلى الدعوة إلى تجريد حياة المسلمين من كل ما يجد من الحوادث بعد عهده صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه فليجتنبوا كل ذلك إن كانوا يستطيعون " ثم قال : ( فإن كانت الأفعال والتصرفات التي تصدر من الإنسان مما لا يدخل في معنى البدعة التي تم بيانها تتعارض مع أوامر أو نواه ثابتة في الشرع فهي مخالفات ، وإن كانت غير معارضة ولا موافقة فهي تصنف من حيث أحكامها بلون الآثار والنتائج التي تحققها ، فما كان منها مودياً إلى تحقيق واحدة من المصالح الخمسة التي جاء الدين لرعايتها ( الدين والحياة والعقل والنسل والمال ) فهي من قبيل السنة الحسنة 0 وتتفاوت بين الندب والوجوب حسب شدة الحاجة لتحقيق تلك المصلحة ، وما كان منها متسبباً في هدم واحدة من تلك المصالح أو الإضرار بها فهي من نوع السنة السيئة ، وتتفاوت بين الكراهة والحرمة ، حسب مدى الضرر الذي تلحقه بتلك المصلحة 0 أما ما كان بعيداً عن أي تأثير ضار أو مفيد لتلك المصالح فهو من قبيل المباح أو من قبيل العفو كما جاء في الأحاديث التي سقناها في آخر بحث توسع العلماء في الاستنباط من النصوص ، وقال البوطي : ( ومن المفروغ منه أن ذلك كله مشروط بألا تستتبع هذه المحدثات آثاراً ضارة تؤدي بجدوي ما حققته من المصالح أو تلحق الضرر بمصلحة مقدمة عليها ، ثم قال : ( فاحتفالات المسلمين بذكرى مولده والمناسبات المشابهة لا تسمى بدعة قبل كل شيء لأن أحداً من القائمين عليها لا يعتقد أنها جزء من جوهر الدين أو أنها داخلة في قوامه وصلبه ، ولا يعتقدون فيمن تركها أنه يرتكب وزراً ، وإنما هي نشاطات اجتماعية يتوخى منها تحقيق خير ديني يعود إلى مصلحة دينية على مستوى الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات 0 وإذا رأينا من يخلطها بما يسىء إلى نتائجها فإن النبذ يجب أن يتجه إلى هذا الخلط لا إلى جوهر العمل في حد ذاته ، فكم من عبادة صحيحة مشروعة يؤديها اناس على غير وجهها فتؤدي إلى نقيض الثمرة المرجوة منها ، ولا يقول عاقل أن ذلك مبرر للتحذير من أدائها والقيام بها ، ثم قال البوطي : ( ولنفرض أننا مخطئون في معنى البدعة وأن ما يقولونه فيها بأنها كل ما استحدث بعد عهد النبي وأصحابه سواء أدخله الناس في جوهر الدين أم لم يدخلوه فإن المسالة تغدو من المسائل الخلافية المختلف في شأنها والخاضعة للاجتهاد حسب اختلاف المفهوم ، ومما هو معروف في آداب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن القائم بهذا الشأن ينبغي وقف في موقف عام أن ينهى عن المنكرات المجمع على أنها كذلك ولا ينصرف عنها إلى النهي عما اختلف فيه المسلمون من المسائل الاجتهادية ، فإن الإمعان في النهي عن هذه المسائل لا يؤدي إلا إلى شقاق وتصديع وحدة المسلمين وبث عوامل البغضاء بينهم ، وفي حياتنا من المنكرات والمفاسد التي لا خلاف فيها ما يكفي لأن يقضي الدعاة عمرهم في معالجتها , فلماذا التشاغل عن هذا الذي أجمعت الأمة على أنه من المنكر الذي لا عذر في السكوت عليه ثم نشتغل بالانتصار لاجتهاداتنا الشخصية ومحاربة ما يقابلها من الاجتهادات " ، قلت : ومجمل ما يتحصل مما نقلناه عن الكوثري والبوطي وغيرهما قديما وحديثا أنه لا ينكر من المستحدث بالإطلاق اللغوي ولا يرد إلا ما أثبتت الأدلة أنه يصادم سنة ثابتة حسنها الشرع , أو يندمج تحت حكم قبحه الشرع , وذلك هو المراد من المحدث والبدعة بالاصطلاح الشرعي ، وليس المراد من حديث : (( من أحدث في أمرنا ما ليس منه )) ، قصر المشروع على الحوادث التي كانت في عهدهم , بل المراد نبذ الحوادث التي لا توافق طريقهم في الاستنباط بمصادمة ذلك لما حسنه الشرع أو اندماجه تحت ما قبحه ، وما أظن عاقلا يخالف في هذا ولكن سبب الخلاف غلط من غلط في التطبيق بإدراجه المولد في بدعة الضلالة بزعم أنه من العبادات وأنه تزيد في الدين وتغير . أما حقيقته في الواقع وكذلك الاحتفالات الأخرى أنها نشاطات اجتماعية يتوخى منها تحقيق خير ديني يحقق مصلحة على مستوى الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات .فإن خالطه من ذلك ما هو سيء فالنقد متجه إلى ماخالطه لا إلى جوهر العمل وغايته . وستتكشف لك الأمور فيما يأتي من أبحاث حول المولد إن شاء الله تعالى ،

تكملة في إبطال تأويلات الوهابيين لحديث " من سن سنة حسنة " بما لا ينطبق على ألفاظه : روى مسلم عن جرير وابن ماجه عن أبي جحيفة رضي الله عنه عن سول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من سن في الإسلام سنة حسنة عمل بها بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص أجورهم شيء , ومن سن في الاسلام سنة حسنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )) ، ففي الحديث تقسيم للأمر المبتدأ من غير مثال " أي المحدث بالاصطلاح اللغوي " إلى مردود ومقبول ، والحديث كذلك يشرع ابتداء الخير دون تقيد بعصر مضى ، أي أن عمل الخير ليس مقصورا على ما أحدثه الصحابة والتابعون وتابعوهم كما يردد البعض ، وقد حاول بعضهم على ألفاظ الحديث واضحة في الحث على إنشاء سنن الخير . وكذلك هناك أحاديث غيرة تحث على إحياء السنن المجهورة ، وفرق بين إنشاء السنن وبين إحيائها ، وطلع علينا التويجري في كتابه " الرد القوي " ص 14- 36 : بمحامل للحديث تأباها ألفاظه ، فقال : " المراد بالنسبة فيه : ما سنه رسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون ، وأما ما سوى ذلك من محدثات الأمور التي لم تكن على عهده ولا على عهد الخلفاء الراشدين فقد حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أنها شر وضلالة " ، يريد بذلك حديث (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) وقد وضحنا أن المحدث الذي ذمة الشرع هو ما سماه محدثاً باصطلاحه ، وقد بينه الشافعي بأنه ما خالف نصاً أو أصلاً شرعياً كما تقدم وليس المراد به في الحديث : ( كل عمل مبتدأ ) كما نقلناه عن ابن تيمية ، وحديث : (( من سن سنة حسنة )) بشرع ابتداء الخير مطلقاً دون قصر على أهل قرن بعينه ، فقصره المحدث المقبول على محدث الخلفاء الراشدين تقييد للحديث بدون دليل ، فالشيء إن وقع في عهد الصحابة وقرون الخير فنعماً هو ، وإن حدث بعد