جديد الموقع

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله رسول الله صلى الله علية وعلى اله وسلم تسليما ، اما بعد :  فقد قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }  ، لقد اتت الآية بصيغة الاستثناء وبالأثبات بعد النفي وهو اقوى اساليب التوكيد البليغة الموجودة في اللغة وقولة تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } يختلف تماما اذا لو كان انا ارسلناك رحمة للعالمين فلو كان ذلك لكان هناك اهداف اخرى للرسالة سوى الرحمة ولكن اتت بصيغة ( الحصر ) فتدل على ان الهدف من الرسالة واحد هو الرحمة للعالمين والعالمون هم عموم الخلق ،  هذه الآية هي أحد أدلة العلماء على أفضلية الرسول صلى الله عليه وسلم على كافة الخلق لان من كان رحمة لعموم الخلق فلا بد ان يكون خيرهم ، بل مجرد وجوده صلى الله علية وسلم رحمة للكفار فكيف بالمؤمنين ، وقد قال تعالى { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } ،

الرحمة أخص اخلاق الرسول صلى الله علية وسلم قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الانبياء :107]  ،  وقال تعالى { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [ ال عمران 159 ] وقال تعالى { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ التوبة 128 ]

وهناك أحاديث تثبت لنا مدى رحمة النبي المختار ومدى اهمية الرحمة عنده صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن النُّعمان بن بشير رضي اللَّه عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ترى المؤمنين في تراحمهم ، وتوادِّهم ، وتعاطفهم ، كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا ، تداعى له سائر جسده بالسَّهر والحمَّى)) [ متفق عليه ]  ، وأخرج البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : (( جاء أعرابيٌّ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : تقبِّلون الصِّبيان فما نقبِّلهم ، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرَّحْمَة ؟)) [ أخرجه البخاري ] ،  وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال النَّبي صلى الله عليه وسلم : (( من لا يرحم لا يرحم ))   [ متفق عليه ]  ، وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( لا تنزع الرَّحْمَة إلَّا من شقيٍّ )) [ أخرجه الترمذي وحسنه الألباني ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن جرير بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من لا يرحم النَّاس لا يرحمه الله )) [ متفق عليه ]  ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا صلى أحدكم للنَّاس فليخفِّف ، فإنَّ في النَّاس الضَّعيف والسَّقيم وذا الحاجة)) [ أخرجه البخاري ] ، وحين تنعدم أخلاق الرحمة وتحل القسوة بدلا منها يبتعد الإنسان عن الله، قال الله تعالى : { فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ  } [ الزمر : 22 ] ،  وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :  (( وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي )) [ أخرجه الترمذي ] ،

وهنا يأتي السؤال ( لماذا كان رحمة للعالمين ) : ( أولاً ) بسبب : الشريعة الربانية التي جاء بها صلى الله عليه وسلم :  الشريعة التي جاء بها , شريعة رحمة , هذه الشريعة ! كل أوامرها , كل نواهيها , كل الحدود والعقوبات التي فيها منسوجة بنسيج الرحمة , شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أساس مبناها على رحمة العباد في المعاش والميعاد , فهي الرحمة كلها ,  ( ثانيا ) : النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالرحمة الشاملة :  سيدنا عيسى ماذا قال الله فيه : { ورحمة منا } ،  وهذه للتبعيض , إنما جاء لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقال : {  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ،  سيدنا عيسى ( بعض ) لأن رحمة سيدنا عيسى لمن اتبعه وآمن به وسار وراءه إلى أن بعث الحبيب المحبوب محمد صلى الله عليه وسلم , أما رحمة محمد فهي رحمة في الدنيا , ورحمة في العقبة ورحمة يوم الوقفة أمام الملك الأعلى سبحانه وتعالى ،  (  ثالثا ) : انضباط رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالموازين الحكيمة : لم تكن رحمة محمد الرحمة المفرطة ! لا  , إنها كانت الرحمة الحكيمة , أحيانا تكون القسوة هي غاية الرحمة , وأحياناً تكون الرحمة هي غاية القسوة , لذلك من إشارات القرآن الرائعة { وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ  } لماذا ؟ قال العلماء لأن رحمة الله لا يكون من وراءها إلا كل خير , ويوجد من الرحمة التي وراءها الكثير من الشر الكثير ! مثل رحمة أب مثلاُ بابنه المريض المعطوب المعدة الذي منعه الطبيب من بعض الطعام فهو رحمة بولده يطعمه ما شاء من الطعام !! وهذه رحمة مؤذية , أنت إذا عطفت على مجرم , رحمت إنسان يكيد لخلق الله تعالى فقد شجعت بذلك الضلالة والفسوق ، ولذلك من إشارات القرآن { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً } ، رحمة !! لأن رحمة من غير علم وبال ما بعده وبال ، والحاصل : النبي صلى الله عليه وسلم هو الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير صلى الله عليه وسلم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه عدد خلقك وزنة عرشك ومداد كلماتك ، محمد مجدي محمد ،  

الأربعاء, 12 كانون1/ديسمبر 2018 21:53

الجامع في علم التقديس والتنزيه - مجدي محمد علي

 

 

 

الجامع في علم التقديس والتنزيه

وقسم توحيد جناب الذات أهم أقسام التوحيد

 

جمــع وإعـداد

مجــدي بــن محمــد بـن علـي

حاصل على الشهادة العالمية في العلوم الشرعية الإسلامية

 

 

المقدمة

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران : 102] ،{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }[ النساء : 1 ] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[ الأحزاب:70-71 ] ، أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد   صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، ثم أما بعد :

بين يدي الرسالة :  هذه الرسالة تتناول مسائل التقديس والتنزيه ، وقد حوت– بحمد الله تعالى – على بضع وسبعين قاعدة رصينة ضابطة لمسائل التقديس والتنزيه قررها وأصلها الأئمة الثقات ، وقد جمعتها من أقوالهم ومؤلفاتهم ، وما كان عملي فيها إلاّ البحث والجمع والترتيب لما أتت به عقول العلماء المتخصصين في العقيدة ، ولا أدعي فيه الكمال فما كان فيه من صواب فهو من الله وبفضل الله وله الحمد والمنّة ، وما كان فيه من خطأ فهو مني ومن الشيطان وأستغفر الله منه ، وأسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن ينفع بها ، وإن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب ،

***

خطوط عريضة لأهم موضوعات الرسالة :  حوت الرسالة بحمد الله تعالى على مدخل وستة أبواب وخاتمة ، وتتمثل في :  [ مدخل إلى علم التقديس والتنزيه ] ، ويشتمل على تلك القواعد : القاعدة الأولى : أهمية علم توحيد الذات وخطورة الذهول عن علم التقديس ، القاعدة الثانية : عجز الحواس والعقل عن معرفة ذات اللّه تعالى ، القاعدة الثالثة : الطريق إلى معرفة الله تعالى هو معرفة قواعد علم التقديس ومعرفة الأسماء والصفات ، القاعدة الرابعة :  دور قواعد علم التقديس في عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف ، القاعدة الخامسة :  المقصود من علم التنزيه والتقديس هو منع تشبيه الله تعالى بأحد من خلقه ، ومنع الخوض في ذات الله تعالى ، [ الباب الأول : قواعد من أدلة الكتاب والسنة تمهد لفقه قواعد التقديس ] ، ويشتمل على تلك القواعد : القاعدة الأولى : الله خالق كل شيء ومن خلقه المكان والزمان والحد والمقدار ، القاعدة الثانية : الله تعالى هو الأول الآخر الظاهر الباطن ، القاعدة الثالثة : الله تعالى هو الواحد القهار ، القاعدة الرابعة : الله تعالى هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، القاعدة الخامسة : الله تعالى هو الغني الحميد ، القاعدة السادسة : الله تعالى هو الكبير المتعال ، القاعدة لسابعة : الله تعالى هو الحي القيوم العلي العظيم ، القاعدة الثامنة : الله تعالى هو القدوس الذي ليس كمثله شيء ، القاعدة التاسعة : فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى ، القاعدة العاشرة : دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه ، ، القاعدة الحادية عشرة : فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم ، القاعدة الثانية عشرة : خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه ، القاعدة الثالثة عشرة : رد المتشابهات إلى المحكمات فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات ، القاعدة الرابعة عشرة : لماذا يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه ، القاعدة الخامسة عشرة : ما يجب وما يجوز وما يستحيل على ذات الله تعالى ، [ الباب الثاني : قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى ] ، ويشتمل على تلك القواعد : القاعدة الأولى : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ، القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، القاعدة الرابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، القاعدة الثانية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ، القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل ، القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، القاعدة الخامسة عشرة : رؤية ذات الله تعالى في الآخرة ، [ الباب الثالث : قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العظيمة وأفعاله الحكيمة وربوبيته وألوهيته لجميع خلقه وعباده ] ، ويشتمل على تلك القواعد : القاعدة الأولى : تقديس وتوحيد وتنزيه الله تعالى في أسمائه الحسنى ليس كمثلها أسماء ، القاعدة الثانية : جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات محكمة لله ، القاعدة الثالثة  : باب الصفات أوسع من باب الأسماء ، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات ، القاعدة الرابعة : القول في الصفات فرع على القول في الذات وإثبات صفات الله تعالى تابعة للذات ، القاعدة الخامسة : أهمية العلم بصفات الله تعالى وأنّها هي الطريق إلى المعرفة بذات الله ، القاعدة السادسة : صفات الله تعالى توقيفية ، القاعدة السابعة : أقسام صفات الله تعالى ،القاعدة الثامنة : الصفات الواجبة لله تعالى من جهة العقل ومن جهة السمع ، القاعدة التاسعة : مسالك أهل السنّة والجماعة في فهم واعتقاد الصفات الخبرية ، القاعدة العاشرة : المقصود من توحيد الأفعال ، القاعدة الحادية عشرة : الكسب ومدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله وفق قاعدة توحيد الأفعال ، القاعدة الثانية عشرة : يتفرّع عن توحيد الأفعال توحيد الربوبية بجميع أقسامه ، القاعدة الثالثة عشرة : معنى الربوبية وما هو المقصود من توحيد الربوبية ، القاعدة الرابعة عشرة : أسس وركائز تمنع من الغلو في توحيد الربوبية ، القاعدة الخامسة عشرة : معنى العبودية والمقصود من توحيد العبودية ، القاعدة السادسة عشرة : أسس وركائز تمنع من الغلو في توحيد العبودية ،  [ الباب الرابع : تجديد فقه الصفات والأخبار ] : ويشتمل على تلك القواعد : ( القاعدة الأولى ) : تحديد دائرة المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار ، وبيان أنّ كل خبر يعارض الأدلة القطعية والآيات المحكمة فهو متشابه لا بد من رده إلى المحكم ، ( القاعدة الثانية ) : أبعاد مذهب السلف الحق في باب الصفات والأخبار المتشابهات ، وبيان أنّه تفويض المعنى المراد مع الحفاظ على علم التقديس والتنزيه ، ( القاعدة الثالثة ) : حل الإشكالات المتعلقة بعلم التنزيه وتصفية العلم من شوائب الحشو والتجسيم  والقضاء على أخطر شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه ، وتتناول : تحقيق القول في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل ، وتحقيق القول في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، وتحقيق القول في حديث النزول والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الحركة والسكون والكون في المكان ، وحل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم والجارحة والأعضاء كالوجه واليد والعين ، وحل اشكالية الاستواء والجهة والمكان ، وحل اشكالية الحدوث وحلول الحوادث والمجيء  ، [ الباب الخامس : التجديد في علم التقديس والتنزيه ] ، ويشتمل على تلك القواعد : القاعدة الأولى : مدارس أهل السنّة والجماعة الثلاث في باب العقيدة : الأثرية والأشعرية والماتريدية ، القاعدة الثانية : الأثرية هم الامتداد الحقيقي لمذهب السلف ، وبيان القواعد الأثرية في فهم الصفات الخبرية ، القاعدة الثالثة : الأشعرية والماتريدية هم المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وبيان قواعد التأسيس لعلم التقديس وقسم توحيد الذات ، [ الباب السادس : انتساب الحشوية إلى السلف نسبة خاطئة ، وأكثر متسلفة اليوم ليسوا على منهج السلف الحقيقي الصافي ] ، ويشتمل على تلك القواعد : القاعدة الأولى : الحشوية طائفة موجودة معروفة ولا سبيل إلى إنكار وجودها ، القاعدة الثانية  : أخطر مشاكل الحشوية عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام ، القاعدة الثالثة : تاريخ تسلسل ظهور الحشوية والإشارة إلى بعض أعلام ومصنفات الحشوية ، القاعدة الرابعة : تسرب مقالات التجسيم والحشو إلى كتب السنّة ، القاعدة الخامسة : براءة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله من انتساب الحشوية إليه ، القاعدة السادسة : تسرب بعض الأفكار الحشوية إلى الإمام ابن تيمية وتلامذته ، القاعدة السابعة : تقييم دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب وما تسرب إليها من أفكار الحشوية ، القاعدة الثامنة : خطورة تجديد أفكار الحشوية في الفكر الإسلامي المعاصر تحت مسمى السلفية ، القاعدة التاسعة : متسلفة اليوم ليسوا على منهج السلف الصافي وانتساب الحشوية إلى السلف نسبة خاطئة ، القاعدة العاشرة : ما سماه أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب توحيد الأسماء والصفات هو التشبيه والتجسيم عند أهل الاختصاص ، [ الخاتمة وأهم توصيات الرسالـة ] ،

***

 

 

مدخل إلى علم التقديس والتنزيه

 

 يشتمل المدخل على تلك القواعد

القاعدة الأولى : أهمية علم توحيد الذات وخطورة الذهول عن علم التقديس

القاعدة الثانية : عجز الحواس والعقل عن معرفة ذات اللّه تعالى

القاعدة الثالثة : الطريق إلى معرفة الله تعالى هو معرفة قواعد التقديس ومعرفة الأسماء والصفات

القاعدة الرابعة :  دور قواعد التقديس في عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف

القاعدة الخامسة :  المقصود من علم التنزيه والتقديس هو بيان العجز عن إدراك الذات

 

القاعدة الأولى

أهمية علم توحيد الذات وخطورة الذهول عن علم التقديس

 

( أ ) توحيد الذات هو أول وأولى قسم من أقسام التوحيد يدخل ضمن معاني شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) : إذ ليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود المعبود الحق المستحق لإفراد العبودية له ، والاعتراف بوجود الرب الخالق القادر المدبر المتصرف المهيمن ، والاعتراف بوجود الإله الذي له الكمال في كل شيء والذي له الجلال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء المنزه عن المثيل والند والشريك  سوى كلمة ( الإله ) ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح لجميع معاني الكمال في الذات والكمال في الصفات والكمال في الأفعال والكمال في الربوبية بشتى خصائصها والكمال في استحقاق العبودية والتأله ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله ) ، ولا قولنا : ( لا متصف بالأسماء الحسنى والصفات العلا إلا الله ) ، وما ذاك إلا لأنّ ، قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، فتوحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً : توحيد الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد الصفات العلى ، وتوحيد الأفعال المثلى ، وتوحيد الربوبية ، وتوحيد العبودية ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ، ومعنى ( لا إله إلا الله ) : نفي وإثبات : أي نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله الواحد الأحد ، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله ، واعتقاد أنه لا معبود بحق إلا الله فلا تصرف العبودية إلا له ، فلا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل له ولا رب على الحقيقة إلا هو ولا معبود بحق سواه ، ومعنى ( لا إله إلا الله ) : نفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والإلهية ، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه : توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية ،

( ب ) أقسام التوحيد : يحوي التوحيد أقسام عديدة تكاد تشمل الدين كله ، وقد اجتهد العلماء في تقسيم التوحيد تسهيلاً لتدريسه أو عرضه أو التأليف فيه ، ولا مشاحة في هذه التقسيمات مادامت تستوعب كل أقسام التوحيد ، وما دامت تتسم بالصواب وعدم الإفراط أو التفريط في تناول مباحث التوحيد ، لقد ركزت كل طائفة من طوائف العلماء على قسم من التوحيد وتخصصت في مباحث هذا القسم ، مما يستدعي بالضرورة جمع تلك المباحث وإعادة صياغتها بحيث تستوعب جميع الاقسام دون أن نهمل أي قسم منها ، ودون أن يكون هناك خلل بسبب إهمال أحد تلك الأقسام ، والتجديد الشامل لعلم التوحيد يأخذ من كل طائفة أحسن القول والعلم في مباحث التوحيد ، ويتجنب الغلو والخطأ والقصور الذي شاب بعض تلك الطوائف في مباحث التوحيد ، وبهذا نخرج بعلم راسخ للتوحيد يحيط بكافة جوانبه العظيمة ، ( تنبيه ) : تقسيم أي علم ، ومنه علم التوحيد إلى أقسام ، لا مشاحة منه ، لانّ الهدف من التقسيم هو استيفاء كافة الجوانب بغير قصور ، وعلى ذلك ، لا يوجد حرج من التقسيم ولكن الحرج يكون في إهمال قسم بالكامل ، أو الإفراط في قسم على حساب الأقسام الأخرى ، أو التفريط في قسم منها ، بما يعد خللاً في تناول علم التوحيد وهذا الخطأ هو ما وقعت فيه بعض طوائف أهل الإسلام ، ولهذا اجتهدت في إدخال كافة مباحث التوحيد في ستة اقسام عظيمة تتناول جميع مباحث التوحيد وتتمثل هذه الاقسام في : القسم الأول : توحيد الله تعالى في ذاته ، والقسم الثاني : توحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى ، والقسم الثالث : توحيد الله تعالى في صفاته ، والقسم الرابع : توحيد الله تعالى في أفعاله  ، والقسم الخامس : توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه ، والقسم السادس : توحيد العبادة ، وأعلم بيقين أن هناك تداخل لا يمكن فصله بين تلك الأقسام ، فلا يمكن فصل توحيد الصفات عن توحيد الذات لان توحيد الصفات متعلق بتوحيد الذات ، كما لا يمكن فصل توحيد الربوبية عن توحيد العبودية لأن الإله الحق هو من تكون له الربوبية على عباده ، ولانّ العبودية لا تصرف إلا لمن كانت له صفات الربوبية وإلا فلماذا عبدوه وتكلفوا له العبادة ، إلا إذا اعتقدوا له صفات الربوبية أو بعضها ، كما أنّ هناك تداخل بين توحيد الربوبية وتوحيد الافعال ،  ومع ذكر تداخل تلك التقسيمات السابقة يمكنني القول : إن التقسيم بغرض استيفاء مباحث العلم لا حرج فيه ، بشرط عرض الجميع بالشمول والاعتدال الذي حبى الله تعالى به دينه القيم الذي لا يقبل من عباده جميعا منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ديناً سواه ،

( ت ) القسم الأول من أقسام التوحيد : توحيد الذات : وهو علم التقديس والتنزيه : وهو أعظم أقسام التوحيد ، ، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد ، ( تنبيه ) : يصح إضافة كلمة (الذات) إلى الله عَزَّ وجَلَّ ؛ كقولنا : ذات الله ، أو : الذات الإلهي ، لكن لا على أنَّ (ذات) صفة له ، بل ذات الشيء بمعنى نفسه أو حقيقته ، وقد وردت كلمة (ذات) في السنة المشرفة ، ومن ذلك : ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ، اثنتين في ذات الله )) ، [ البخاري : ح : 3358 ، ومسلم : ح : 2371 ]  ، وما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة مقتل خبيب الأنصاري رضي الله عنه ، وقولـه : ((  ولَسْتُ أبالي حَيْنَ أُقْتَلُ مسلماً  * على أي شِقٍّ كان في الله مصْرعِي * وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشأْ  * يُبَارِكْ على أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَـزَّعِ )) [ البخاري : ح 3045 ] ،  وقد يضاف ( الذات ) إلى الشيء ويقصد به نفسه وحقيقته كقولنا ( ذاتُ الشيء ) : أي : نفسه وعينه وحقيقته وجوهره ، و ( ذات الرجل ) أي نفسه ، وفي اللغة ( أنا بالذات كنت حاضراً ) أي أنا نفسي كنت حاضراً ، و ( جاء بذاته ) أي جاء بنفسه ، و ( محب لذاته ) أي محب لنفسه ، ، وقد تضاف على انها وصف – وهذه تقبل التأنيث والتذكير كقولنا ( ذات مال ) أي تملك المال ، و ( ذو مال ) أي صاحب مال ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ } أي التي تحوي أوعية الثمر ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( فاظفر بذات الدين )) أي المتمسكة بدينها ، وعلى ذلك فلس المقصود من بحثنا ( توحيد الذات ) سوي ( توحيد ذات الله تعالى ) ، وبمعنى مرادف : ( توحيد الله تعالى ) لأن اسم الجلالة [ الله ] جل شأنه هو الاسم العلم على ذات الله عز وجل ، والمقصود من ( توحيد الذات )  هو اعتقاد الكمال لله في ذاته ، والتنزيه لذاته عن كل نقص ، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة ، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود ، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد ذات المعبود سبحانه ، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد ذات الله تعالى ، وذات الله حقيقته انقطع العلم دونها غير مدركة بالإحاطة وقد حجب الله تعالى عن الخلق كنه ذاته ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، لا مجال لمخلوق أن يعرف حقيقة  ذات الله تعالى ولا أن يحيط به ( سبحانه وتعالى ) علما لأنه سبحانه نفى عن نفسه كل مثيل فقال جل شأنه ( ليس كمثله شيء ) وقال تعالى ( ولا يحيطون به علما ) وقال تعالى ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) وقال تعالى ( هل تعلم له سميا ) أي مثيلا وقال تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) فالإيمان بذات الله تعالى ، و( توحيد الذات ) يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى لأنه كما هو مقرر في الأصول فيما يتعلق بذات الله تعالى (العجز عن درك الإدراك إدراك والخوض في معرفة كنه ذات الله كفر وإشراك ) وإنما المقصود من هذا الباب _ بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها _ هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض 

( ث ) إنّ علم التقديس والتنزيه هو أشرف علوم الإسلام وأعلاها لأنّه يتعلق بالعلم بالله تعالى ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه التي هي صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم ، ويشمل هذا العلم على معرفة توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وإذا كان أعظم العلوم والمعارف في دين الله تعالى بعد الإيمان هو التوحيد ، وإذا كان أجل أقسام التوحيد هو توحيد الذات .. فإن علم التقديس والتنزيه هو الفقه الحقيقي والعلم الراسخ بقسم توحيد الذات وما يجب له سبحانه من معاني التقديس والتنزيه ومن صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يجب تنزيه ذات الله تعالى عنه من معاني التشبيه وصفات النقص والعيب والحدوث والعجز والعيب وغيرها من النقائص التي يجب تنزيه الله تعالى عنها ، كما يشمل هذا العلم بيان قواعد التنزيه : التي ساهم في تأصيلها أهل الأصول المتخصصون في العقيدة من علماء أهل السنة ، هذه القواعد التي نتعلم من خلالها المستحيل في حق الله تعالى فيكون المرء على بينه من ربه وخالقه وإلهه الذي يعبده ويوحده ، وعلى علم راسخ وهو يتكلم فيما يتعلق بذات الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العظيمة وأفعاله الحكيمة ،  وتحدثا بنعمة الله الكريم أني ما إن استوعبت علم التنزيه وقواعده الرصينة حتى أحسست أنه العلم اللازم لتحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة والتجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ الإحاطة بعلم التقديس والتنزيه له أعظم الدور في تصحيح مفاهيم علم التوحيد ، وأعظم الأثر في تحقيق التقارب والتكامل والوحدة العقائدية والعلمية والعملية بين المسلمين عامة ، وبين طوائف أهل السنّة والجماعة خاصة ،

( ج ) توحيد الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي ، فالمقصود بالتسبيح هو التنزيه والتقديس لله ، وما أكثر الآيات القرآنية الدالة على التسبيح ، كما أن الصلاة لا تخلو من التسبيح في الركوع : ( سبحان ربي العظيم ) ، وفي السجود : ( سبحان ربي الاعلى ) ، ومن أعظم الأذكار قولنا : ‏(‏ سبحان الله‏)‏ ، ومعناه التنزيه لله‏ ,‏ وهو منصوب على صيغة المصدر كأن قائله يقول ‏:‏ أنزه الله تعالى وأنفي عنه كل ما لا يليق بجلاله وعظمته‏ ، وعلى ذلك فإن ( التسبيح ) عقيدة بالقلب وقول باللسان ، أهم ما تشمل عليه هو : تنزيه الله تعالى في ذاته بنفي الشريك والشبيه والمثيل والند ، وتنزيه ذات الله تعالى عن كل نقص وعيب وعجز ، وتنزيه ذات الله تعالى عن كل وصف لا يليق بجلاله وعظمته ، والحاصل مما سبق ان توحيد الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي الذي هو أعلى واجل من مجرد تسبيح اللسان ،

( ح ) توحيد الذات هو أساس التوحيد ، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه ، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى ، والمسمى هو ذات الله ، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات ، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات ، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال ، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى ، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات ، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين ، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده ، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد ، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات ، ومن هنا كان توحيد الذات هو أهم وأشرف أقسام التوحيد ، كما أنّه أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد ،

( خ ) خطورة الذهول عن توحيد الذات : الذهول عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد ، سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين الموحدين المنزهين المقدسين ، والذهول عن هذا القسم ( قسم توحيد الذات ) أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وأدى إلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس عند بعض طوائف أهل السنة والجماعة ، بل واعتقاد التجسيم وإن لم يشعروا بذلك ،

( د  ) خطورة التصدر للإفتاء في علم العقيدة قبل دراسة هذا العلم واستيعابه  : إن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل وأحكام هذا الباب ، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، من لا يعرف هذا العلم الراسخ ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ،

***

 

 

القاعدة الثانية

عجز الحواس والعقل عن معرفة ذات اللّه تعالى

 

 

( أ ) الله تعالى { ليس كمثله شيء } لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث حقيقة الذات والأسماء والصفات والأفعال ، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء ، فهو الأول بلا ابتداء ، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء ، وليس بعده شيء ، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، الرحمن على العرش استوى ، وهو قريب من كل شيء ، ومحيط بكل شيء ، وقاهر لكل شيء  ، وهو الكبير المتعال ، وهو العلي العظيم ، وهو الواحد القهار ، وهو الأحد الصمد ، وهو الحي القيوم ، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، ولما كانت هذه الذات بالحال التي ذكرنا, فإن العقل البشري يستحيل عليه إدراك كنه هذه الذات, لأنه لا يتصور إلا الأشياء التي تدركها حواسه المحددة ، فذات الله تعالى تقدس عن أن تدركه البصائر النافذة فضلا عن الأبصار ، وعظم عن أن تتوهمه الظنون أو تتصوره الأفكار ، و( الحواس) مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط ، عاجزة عن معرفة ما عداها ، ولهذا فهي لا تدرك حتى الروح التي لا تفارق جسد الإنسان ، كما قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 85 ] ، والله تعالى منزه عن المادة وكل ما يتعلق بالمادة ، لأنه خالق المادة ، وهو القائل سبحانه { ليس كمثلِه شيء} [سو رة الشورى: 11]، وفي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، فلا يشبه وجوده وجود شيء من خلقه ، وقال تعالى :{ وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، والوجود الذي لا يشبه وجود المخلوقين ، وقال الله تعالى :{ فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له ، لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :{ هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فوجوده سبحانه لا يشبه وجود خلقه وذاتُه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال الله تعالى :{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقال الله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام: 103]  ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك ، وقال الله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وقال تعالى : { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } والند هو العدل والمثل  والنظير والشبيه ، وعلى ذلك فلا تستطيع الحواس أن توصل الإنسان مباشرة إلى معرفة الله تعالى ،  و ( العقل ) كذلك يعجز عن معرفة ذات اللّه تعالى ، لأنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها ، والله تعالى منزّه عن الحدّود ، إذ هو الذي حدّ الحدود ، وقدّر المقادير ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ، كما أنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء ، والله تعالى لا يقاس بأحد ، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه ، وليس كمثله شيء ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ،  كما أنّ إمكانات العقل محدودة والله تعالى فوق الحد ، لا نهاية لكمالاته ، ولا نهاية لذاته ، ولا نهاية لصفاته ، إذ النهايات دليل على المخلوقات لانّ الله تعالى قهرها بالنهايات ، أما الواحد القهار ، الكبير المتعال تنزه عن الحد والنهاية ، وتعالى على الحدود والنهايات ، ولهذا يعجز العقل المخلوق المحدود عن معرفة كنه ذات الله تعالى ، لا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، فكلّ ما قدّره عقل فهو محدود ، والله تبارك وتعالى أجلّ وأعظم واكبر من أن تحيط بصفته العقول ، ( قلت ) : ولذلك ورد النهي الشرعي عن التفكير في ذات الله تعالى ، لأنّ الحواس تعجز عن معرفة الله تعالى ، والعقول يستحيل عليها معرفة كنه ذات الله تعالى ، فلا يجوز للمسلم أن يتخيل شكلاً لذات الله سبحانه وتعالى، لأن كل شكل يتخيله العقل أو يخطر بالبال ، فإن الله تعالى بخلافه ، والله تعالى منزه عن الأشكال والصور لأنّه سبحانه هو خالقها ،  كما أنّه لا يجوز شرعا أن يتفكر المسلم في ذات الله عز وجل أو يتصورها، وكل من يتوهم شيئا في مخيلته أو يرسم شكلا يتوهمه لله عز وجل، فإنه مشبه، والمشبه لا يعبد الله تعالى ، وإنما يعبد وثناً رسمه له خياله ووهمه ، ولهذا اتفق أهل السنة والجماعة على المنع من التفكر في ذات الله تعالى بمعنى تخيل شكلها ، قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي في "الرسالة": (لا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون.. يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في ماهية ذاته ) ، وقال أبو جعفر الطحاوي: ( لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام ) ، وقد ورد النهى عن التفكر في ذات الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : (( تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله )) [ رواه الطبراني في الأوسط ح ( 6456 ) واللالكائي في السنة ( 1 :  119 ) والبيهقي في الشعب ( 1 :  75 ) وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (ج 4 :  395 ) بعد ذكر شواهده : ( وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي ، و الله أعلم ) أهـ  ]

( ب ) كل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما ، وذلك لقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] ، وما كان كذلك يعجز الخلق عن ادراك ذاته والإحاطة بصفاته ، ليس كمثل ذاته ذات ، تنزه سبحانه عن المثيل والكفء والشبيه ،

( ت ) ذات الله تعالى لا يسري عليه قوانين الطاقة والمادة والأجسام ، لأنّ المادة والجسم مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وتغير وحدوث وظهور وأفول وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا يحده حد ولا يقدره مقدار ، ولا يقهره مكان فيحيط به ، ولا يقهره زمان فيجري عليه ، ولا يعتريه أفول ، ولا تغير وحدوث ، ولا يخضع لقوانين الحركة والسكون ، ولا تسري عليه مفاهيم الألوان والأشكال ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ،

***

 

 

 

القاعدة الثالثة

الطريق إلى معرفة الله تعالى هو معرفة قواعد التقديس

المتعلقة بالذات والأسماء والصفات والأفعال

 

 

الطريق إلى معرفة الله تعالى هو معرفة قواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تمنع من التمثيل والتشبيه ، ثم العلم الواسع بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا لأنه العلم الراسخ نحو المعرفة بالله ومن ثم توحيده في ذاته وصفاته وأفعاله وربوبيته وإلهيته لجميع خلقه : من رحمة الله تعالى بعباده أن أرسل إليهم الرسل وانزل عليهم الكتب ليتعرفوا إلى قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي تمنع من تمثيل الله تعالى بأحد من خلقه ، أو تشبيه الله تعالى بأحد من خلقه البشر ، ومن ثم التعرف على اسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى التي وردت في كتاب الله تعالى أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومنها يمكنهم معرفة الله واستشعار كمال وجلال وعظمة الله الواحد الاحد ، ومن تلك القواعد قواعد من أدلة الكتاب والسنة تمهد لفقه قواعد التقديس ، ومنها : أنّ الله تعالى خالق كل شيء ومن خلقه المكان والزمان والحد والمقدار ، وأنّ الله تعالى هو الأول الآخر الظاهر الباطن ، وأنّ الله تعالى هو الواحد القهار قهر الخلق بالحد والمقدار والكون في المكان وأن يجري عليهم الزمان وهو منزه عن ذلك كله وهو القاهر فوق عباده ، وأنّ الله تعالى هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وأنّ الله تعالى هو الغني الحميد له كمال الغنى والحمد ، وأنّ الله تعالى هو الكبير المتعال تعالى عن الحد والمقدار وعن الكون في المكان وأن يجري عليه زمان ، وأنّ الله تعالى هو الحي القيوم العلي العظيم ، وأنّ الله تعالى هو القدوس الذي ليس كمثله شيء ، وأنّ الله تعالى هو القريب المحيط الرحمن على العرش استوى ، ومن تلك القواعد : قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى ، ومنها : القاعدة الأولى : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ، القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، القاعدة الرابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، القاعدة الثانية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ، القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل ، القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، القاعدة الخامسة عشرة : رؤية ذات الله تعالى في الآخرة ، ومن تلك القواعد : قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العظيمة وأفعاله الحكيمة وربوبيته وألوهيته لجميع خلقه وعباده ، ومنها : تقديس وتوحيد وتنزيه الله تعالى في أسمائه الحسنى ليس كمثلها أسماء ، وأهمية العلم بصفات الله تعالى وأنّها هي الطريق إلى المعرفة بذات الله ، وأنّ القول في الصفات فرع على القول في الذات وإثبات صفات الله تعالى تابعة للذات ، وأنّ صفات الله تعالى توقيفية ، ولكن هناك صفات خبرية متشابه لابد من ردها إلى محكمها ، وأنّ جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات محكمة لله ، وأنّ باب الصفات أوسع من باب الأسماء ، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات ، وبيان أقسام صفات الله تعالى ، ومنها الصفات الواجبة لله تعالى من جهة العقل والسمع معاً ، والصفات الواجبة لله تعالى من جهة السمع فقط ، وبيان مسالك أهل السنّة والجماعة في فهم واعتقاد الصفات الخبرية ، وبيان المقصود من توحيد الأفعال ، وبيان معنى الكسب ومدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله وفق قاعدة توحيد الأفعال ، وبيان معنى الربوبية وما هو المقصود من توحيد الربوبية ، وبيان الأقسام الرئيسية لتوحيد الربوبية ، وبيان الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد الربوبية ، وبيان معنى العبودية والمقصود من توحيد العبودية ، وبيان الأقسام الرئيسية لتوحيد العبودية ، وبيان الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد العبودية ، ومن تلك القواعد : قواعد لفقه الصفات الخبرية : ومنها : تحديد دائرة المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار ، وبيان أنّ كل خبر يعارض الأدلة القطعية والآيات المحكمة فهو متشابه لا بد من رده إلى المحكم ،وبيان أبعاد مذهب السلف الحق في باب الصفات والأخبار المتشابهات ، وبيان أنّه تفويض المعنى المراد مع الحفاظ على علم التقديس والتنزيه ، وحل الإشكالات المتعلقة بعلم التنزيه وتصفية العلم من شوائب الحشو والتجسيم  وحل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم ، والقضاء على أخطر شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه ،  والقضاء على شبه المجسمة من اثبات الجارحة والصورة والشكل والأعضاء ، وإثبات الحد والجهة والمقدار ، وإثبات الحركة والسكون والكون في المكان ، وحل اشكاليات الاستواء والجهة والمكان والحدوث وحلول الحوادث ،  وقواعد التجديد في علم التقديس والتنزيه ومعرفة المدارس المتخصصة في باب العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، ومن تلك القواعد : بيان مدارس أهل السنّة والجماعة الثلاث في باب العقيدة : الأثرية والأشعرية والماتريدية ، وبيان أنّ الأثرية هم الامتداد الحقيقي لمذهب السلف ، وبيان القواعد الأثرية في فهم الصفات الخبرية ، وبيان أنّ الأشعرية والماتريدية امتداد السلف والمتخصصون في الرد على الطوائف الضالة ، وبيان فضل الطائفة السنية ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) على مر عصور الإسلام  ، وقواعد معرفة اللبس في انتساب الحشوية إلى السلف وبيان أنّ الكثير من متسلفة اليوم ليسوا على منهج السلف الحقيقي الصافي ،

***

 

 

القاعدة الرابعة

دور قواعد التقديس في عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف

 

 

قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه هي عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف ، وذلك للأسباب التالية : ( أ ) دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 103 ] ، وقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] ، ( ب ) دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى اعتقاد التنزيه ، وفقه التسبيح والتقديس المتعلق بالله تعالى  ، فقد تكرر التسبيح في القرآن أكثر من ثمانين موضعا من كتاب الله تعالى ومعناه التنزيه وقال تعالى : - في التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي - {  ولم يكن له كفوا أحد } و { ليس كمثله شيء }  و { هل تعلم له سميا } و { ولا يحيطون به علما }  ،  ( ت ) دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى اعتقاد اتصاف الذات بالكمال الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال ، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء ، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث ، فكذلك فإن علم توحيد الذات يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس ، لغلبة الحس عليهم ، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجودها لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله : ( هذا خلق الله ، فمن خلق الله ) ، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه ، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ،

***

 

 

القاعدة الخامسة

المقصود من علم التنزيه والتقديس

هو قطع الطمع عن إدراك حقيقة ذات الله تعالى

 

 

قواعد التنزيه والتقديس هي قواعد ربانية دل عليها الكتاب والسنة والعقل الصحيح ، وهذه القواعد ترسخ التقديس والتنزيه والتسبيح في عقل المسلم ووجدانه ، وتمنعه من أي تمثيل لله تعالى بشيء من خلقه لأنّه ليس كمثله شيء ، ومن أهم فوائد تلك القواعد التي تقدس لله وتنزه له ، أنها تقطع الطمع تماماً في إدراك ذات الله ، وأنها تصفي الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه ، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى - على لسان الملائكة - { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  }، وقواعد التوحيد والتقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لمسلم أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، بل يمكننا القول بأنّ المقصود من دراسة توحيد الذات هو وضع قواعد التقديس التي تمنع من الخوض في ذات الله  والتي توصل إلى قطع الطمع عن إدراك حقيقة ذات الله تعالى ، ومن أهم أهداف دراسة هذا العلم وتلك القواعد :  معرفة ما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم والتنزيه ومن صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم ، والوصول إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، ومعرفة دقائق العلم التي تصل بطالبه إلى الاعتراف بالعجز عن درك الإدراك ، وذلك بتصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله ، ولو في دقائق الصفات ، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني ، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات ،

****

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الأول

قواعد من أدلة الكتاب والسنة

تمهد لفقه قواعد التقديس

 

 

 

 

 

 

 

ويشتمل على تلك القواعد :

القاعدة الأولى : الله خالق كل شيء ومن خلقه المكان والزمان والحد والمقدار ،

القاعدة الثانية : الله تعالى هو الأول الآخر الظاهر الباطن ،

القاعدة الثالثة : الله تعالى هو الواحد القهار ،

القاعدة الرابعة : الله تعالى هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

القاعدة الخامسة : الله تعالى هو الغني الحميد ،

القاعدة السادسة : الله تعالى هو الكبير المتعال ،

القاعدة لسابعة : الله تعالى هو الحي القيوم العلي العظيم ،

القاعدة الثامنة : الله تعالى هو القدوس الذي ليس كمثله شيء ،

القاعدة التاسعة : فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى ،

القاعدة العاشرة : دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه ،

القاعدة الحادية عشرة : فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم ،

القاعدة الثانية عشرة : خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه ،

القاعدة الثالثة عشرة : رد المتشابهات إلى المحكمات فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات ،

القاعدة الرابعة عشرة : لماذا يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه ،

القاعدة الخامسة عشرة : ما يجب وما يجوز وما يستحيل على ذات الله تعالى

***

 

 

القاعدة الأولى من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

الله خالق كل شيء ومن خلقه المكان والزمان والحد والمقدار

 

 

الله تعالى خالق كل شيء ، وكل ما في الوجود خلقه ، ولهذا تكرر في القرآن الكريم ذكر تلك الحقيقة ، كما في قوله تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ  } [ الأنعام : 102 ] ، وقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، قوله تعالى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الزمر : 16 ] ، وقوله تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } [ غافر : 62 ] ، ، وقوله تعالى : { هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ لقمان : 11 ] ، وعلى ذلك فكل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور والمكان والزمان ، والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى ، ولا ينكر ذلك مسلم موحد لله تعالى ،

***

 

 

 

 

 

 

 

القاعدة الثانية من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

الله تعالى هو الأول بلا ابتداء الآخر بلا انتهاء

الظاهر ليس فوقه شيء الباطن ليس دونه شيء

 

 

عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى منزه عن أن يجري عليه زمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان ، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ  } دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ، وكذلك فإن له كمال الوجود المنزه من المكان  ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ،

***

 

 

القاعدة الثالثة من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

الله تعالى هو الواحد القهار قهر خلقه بالحدود والمقادير

وجعلها علامة على خلقهم وعجزهم ونقصهم

 

 

إنّ القرآن الكريم عندما يصف اللّه تعالى بالوحدانية ، يصفه سبحانه بعدها بصفة القهر ، وقد تكرر ذكر { الواحد القهار } في القرآن الكريم في ستة مواضع ، هي  قوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقوله تعالى : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [ إِبراهيم : 48 ] ، وقوله تعالى : {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ ص : 65 ] ، وقوله تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  وقوله تعالى : {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  } [ غافر : 16 ] ،  وقوله تعالى : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ يوسف : 39 ] ، فالله عز وجل هو وحده سبحانه الواحد القهار لأنه قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، وقهرها جميعها بالحد والمقدار ، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار ، لأن الخالق سبحانه هو الذي حد له حدوده ، وقدّر له مقداره ، وقهرها جميعها بالحد والمقدار ، فكل مخلوق - مهما كبر حجمه وعظم مقداره - محدود متناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، والدليل على ذلك : قوله تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، وقوله تعالى :{ جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقوله تعالى :{وإن من شيء إلاّ عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ،  وقوله تعالى : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ،  وقوله تعالى : { قد جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقوله تعالى : { وكل شيء عنده بمقدار } ، ومعنى هذه الآيات  أن الله عز وجل خص كل مخلوق ( بحد ومقدار ) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما  ، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار ، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث ،   وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى ،  أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار ، فإنه لما  كان قاهراً لجميع مخلوقاته ، لم تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه ، وهو خالق الحدود والمقادير ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، منزه عن المقدار ، لأنه سبحانه الواحد القهار لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار ، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب ، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر والقهار فوق جميع خلقه ، فهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه القاهر فوق المكان والمحيط بكل شيء ومنه المكان ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه خالق المكان والزمان ، وقاهر المكان الزمان ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ، تنزه عن الكون في مكان فلا يحيط به مكان ، كيف يحيط به المكان سبحانه وهو القائل : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  } [ النساء : 126 ] ( تنبيه ) : سيأتي بيان معنى الإحاطة وبيان تنزيه الله تعالى عن الاحاطة الحسية وبيان شرح الآية في القاعدة الثامنة من هذا الباب ، وهو سبحانه القائل : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، كما أنه سبحانه تنزه عن أن يجري عليه زمان ، وتحكمه قوانين الزمان ، فالماضي عنده حاضر والمستقبل عنده حاضر ، والجميع خلقه ، والجميع تقديره ، لا يغيب عن علمه وسمعه وبصره شيء من ماضٍ أو حاضرٍ او غيبٍ مستقبل ، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما وما قدرناه سبحانه حق قدره وهو الواحد القهار ، ولو كان الزمان يحكمه سبحانه ، لكان مثل مخلوقاته تجري عليهم قوانين الزمان ، جل عن ذلك وتعالى علواً كبيرا ،

***

 

 

 

 

 

القاعدة الرابعة من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

الله تعالى هو الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد

 

 

الله تعالى هو ( الواحد ) له ( الواحدية ) قال تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ، والله تعالى هو ( الأحد ) له تعالى : ( الأحدية ) ، قال تعالى { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ، والله تعالى [ واحد ] لا شريك ولا ند ولا كفء ولا مثيل له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ، والله تعالى [ أحد ] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، والتركيب مستحيل عليه سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف لا بالأحدية ولا بالصمدية ، ولا بكمال الغنى والقيومية ، والله تعالى هو الأحد الصمد الغني الحي القيوم منزه عن الجوارح والأجزاء ، إذ هو واحد لا شريك له ، أحد لا مثيل له ، لم يُخالف في ذلك من المسلمين من الفرق الثلاث وسبعين فرقة سوى المجسمة ، فقالوا بالأجزاء والأبعاض والجوارح ، تنزه الله تعالى عن قولهم علوا كبيرا ، ( أحدية الذات ) تعني نفي التبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى ، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته ، وهو توحيد في نفس الذات بعدم تصور الكثرة فيها أبدا ، ولا حتى تصورها والفكر فيها : { ليس كمثله شيء } ، و { ولم يكن له كفوا أحد } ، أما الوجه في قوله تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  } [ البقرة : 115 ] والعين في قوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] واليد في قوله تعالى : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ] ، فلم يقل أحدٌ من أهل السنة والجماعة أنها جوارح لله - حاش لله تعالى من هذا الظن والوصف سبحانه - ، وإنما صفات وليست جوارح ، ومن جعلها من باب الأجزاء والجوارح ، فهو مجسم خارج عن إطار أهل السنة والجماعة إلى الفرق الضالة التي تستحق الوعيد بالنار ، و ( واحدية الذات ) تعني نفي الشريك له ،  فالله تعالى واحد ، لا شريك له ، ولا نظير ، ولا يتصور له شبيه ، ولا مثيل ، ولا وزير ، ولا ند ، كما أنه تعالى لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، ولا صاحبة له ، ولا ولد ، ولا أب ، ولا أم ، ولا خالق له ،  بل كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [سورة الرعد 16] فالله تعالى واحد لا ثاني له تعالى في الوجود ، كل الوجود من خلقه فقير إليه ومحتاج إليه وهو سبحانه الواحد القهار ، وتوحيد ذات الله سبحانه يتضمن تنزيه الله تعالى ووصفه سبحانه بالأحدية والواحدية  ( الأحدية ) بتنزيه ذات الله تعالى عن التبعيض والتركيب وعن الجارحة والجسمية وكل ما يفيد الانقسام في ذاته و ( الواحدية ) بتنزيه الله تعالى عن الشريك والند والنظير والشبيه والمثيل والوزير والمعين ،  وتنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد والوالد فالله تعالى واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، ليس كمثله شيء ، ولا شريك له ، ولا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون و سبحانه وتعالى عما يصفون ، والتوحيد في الذات يعني ، إنه متفرّد ليس له مثل أو نظير  ، واجب الوجود الخالق المتعالي، له الأحدية المطلقة فلا يُمكن أن يكون مركباً أبداً ؛ لأنه كما ذكرنا فإنّ كل مركب بأي نوع من أنواع التركيب فهو محتاج في وجوده إلى أجزائه، وكُلُّ جزء محتاج إلى الجزء الاخر، في حين أنَّ كلَّ جزء علي هذا الأساس لابدّ وأن يكون محدوداً بمقدار، أو شكل ، والحاجة والمحدودية نقص وعيب، والنقص والعيب يستحيل أن يتطرق إلى ذات الغنيّ المطلق، وهو الله الغني عن العالمين. فنتج أنَّ الله منزه عن التركيب والجوارح ، وأما المعني الثاني للتوحيد والمستفاد من اسمه تعالى [ الواحد ] هو أن الله متفرّد ليس له مثل أو نظير أو كفء أو شبيه ، قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ْ} ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، [ الله الصمد ] : الله تعالى ( أحد ) له سبحانه أحدية الذات ، وهي تعني نفي التبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى ، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية وكل ما يفيد الانقسام في ذاته ، فإذا أضفنا إليها صفة الصمدية { اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ } ازداد التوحيد وضوحاً في أذهان الموحدين ، لأنّ الصمدية تعني أنه سبحانه هو السيد الغني الذي له كمال الغنى والمقصود على الدوام تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم لأنّه الغني المتصف بالكمال والمنزه عن الحاجه والنقصان ، وعلى ذلك فاسم الله تعالى [ الأحد ] معناه الذي لا نظير له ولا مثيل لأنه أحد في ذاته وصفاته وأفعاله وربوبيته وألوهيته ، واسم الله تعالى [ الصمد ] أي السيد الذي اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب ، و  { اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ } أي الله الذي لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه ، له الكمال المنزه عن النقصان والحاجه ، وجميع خلقه إليه محتاج ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } أنه تعالى خالق كل موجود ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، والنصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ] ، ومن فقه الآية { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد - ومن غيرها من الآيات كما سيأتي - تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث ، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ }:  ،  كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى : { وَلَمْ يُولَدْ } ، وسياتي تفصيل ذلك عند شرح قوله تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ } [ الانعام : 76 ] ، أي أن المتغير عن حاله الآفل الذي يقبل الحدوث والتغير من حال إلى حال ، لا يصلح أن يكون رباً خالقاً ، وإلهاً معبوداً ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، وهذه الآية من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : كقوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [ سورة الشورى :  11 ]، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، وكقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ سورة النحل :60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وكقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ سورة النحل : 74 ]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وكقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [ سورة مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وكقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام :100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وكقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه : 110] ولو كان له كفء أو شبيه أو مثيل لأحاطت به علوم البشر ، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات ، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، وهذا ما جعل الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول في عقيدته التي ذكرها  أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي ( لا يجوز أن يسمى جسما ، وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل " أهـ  [ العقيدة ج: 1 ص: 111 ] ، وقال عبدالباقي بن عبدالقادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ( فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه ، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء  ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ) أهـ [العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص:34- 36 ] ، والمستفاد أن الله تعالى تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا ،  وذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ، والحمد لله أنه لا خلاف بين المسلمين - عدا المشبهة - بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ، إذ { ليس كمثله شيء } و { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ، وخلاصة القول أن سورة الإخلاص { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } ، هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول وصف الله تعالى بالأحدية ( الله أحد ) والصمدية ( الله الصمد ) وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث ( لم يلد ) وعن الحدوث ( ولم يولد ) وعن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، فقوله تعالى ( أحد) يدل على الأحدية واستحالة تقدير الانقسام في ذاته تقدس وتنزه ، ويدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى : { الله الصمد } الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وسورة الإخلاص التي ورد فيها (الأحد) و(الصمد) تَعْدل ثُلُثَ القرآن ، ومما قيل في أَنَّها عَدَلَتْ ثُلُثَ القرآن أنَّه لأجل اسمي ( الأحد والصمد ) اللَّذان لم يوجدا في غيرها من السور ، ولما اشتمل عليه اجتماعهما معاً من التوحيد ( توحيد الذات ) والتقديس والتنزيه ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ،

***  

 

 

القاعدة الخامسة من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

الله تعالى هو الغني الحميد ومن كمال غناه استغناؤه عن كافة خلقه

 

 

الله تعالى هو الغني الحميد : قال تعالى : { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ الحج : 64 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر : 15 ] ، دلت الآية على كونه تعالى غني حميد ، له كمال الغنى ، وله كمال الحمد ، ولو كان جسماً مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان له كمال الغنى ، ولما كان حميدا ، لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وكل محتاج فليس بغني ، وكل من كان هذا حاله فليس له كمال الغنى والحمد ، وقال تعالى : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ، والقيوم مبالغة في كونه تعالى له كمال الغنى عن كل ما سواه ، قيوم على شؤون خلقه ، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء  لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف ،  ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً بحال ، فإذا أضفنا قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، نتج تمام التنزيه عن الجسمية ( المادة ) والجارحة والبعض والجزء ، لأنّه سبحانه لو كان جسما أو مادة أو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، تعالى الله عمّا يصفون ، وليس معنى ذلك أنّ ذات الله تعالى كلٌ لا جزء له ، تعالى الله عن الكل والجزء ، وعن كل ما تتصف به المواد والاجسام من الكل والجزء ، فالله تعالى خالق المواد والاجسام بما تحويه من كل وجزء ، وهو منزه عن مماثلتها ، { ليس كمثله شيء } ، ومن أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام ، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه ، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك ، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود ، ولا كمثل ذاته ذات ، ولا كمثل صفاته صفات ، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال ، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس ، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات ،

***  

 

 

 

 

 

القاعدة  السادسة من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

الله تعالى هو الكبير المتعال ، أكبر من كل تصور ، ومتعال على كل تصور

 

 

الله تعالى هو الكبير المتعال ، وهو سبحانه أكبر من كل تصور ، ومتعال على كل تصور : ولقد آتى الله تعالى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حجته في حوار المشركين ، واوضح لنا درراً من فقه اثبات التوحيد ووحدانية الله تعالى ، لقد استدل على اختيار الرب بأنه الاكبر المنزه عن التغير والافول ، قال تعالى : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) } [ الانعام : 78 ] ، فاستدل أولا على أن الشمس أكبر من القمر والكواكب ، فهي أحق بالربوبية ، ولكن شرط الإله أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، فلم تكن الشمس تصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، ومنه نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون أكبر من كل شيء ، وأكبر من كل تصور ، ومنه نستفيد تنزيه الله تعالى عن الحدود والمقادير لأنه أكبر من كل حد وأكبر من كل مقدار  ، ونعلم أنه سبحانه أكبر من المكان ، ومنه نعلم الخطأ الجسيم الذي وقع فيه من ظن أن العرش اكبر من الرحمن ، سبحانه وتعالى عما يدور بأوهامهم ، فالعرش مهما كان عظيما فهو محدود ، والله تعالى هو الذي حد حدود العرش ، وحد كافة الحدود فلا تجري عليه الحدود ، والعرش مهما كان عظيماً ، فإن له مقدار ، والله تعالى هو الذي قدره بالمقدار ، والله تعالى هو الذي خاطبنا بقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، فهو المحيط بكل شيء ، احاطة منزهة عمّا نتصوره في أذهاننا من احاطة الجسم بالجسم لأنه تعالى المنزه عن الجسمية وكل لوازم الجسمية من الحد والمقدار والكتلة والطول والعرض والعمق ، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، وعقول العباد قاصرة عن تصور مدى التقديس والتنزيه في حق الله تعالى ، { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } ، و { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  }  ، تعالى الرب عن الحد والمقدار ، وتنزه عن الحد والمقدار ، وهو أكبر من كل حد ، ومن كل مقدار ، ومن كل تصور في الوهم أو الخيال أو العقول والاذهان ، ومنه نعلم الفائدة في قول المسلم عند كل صلاة (( الله أكبر )) أي أكبر من كل تصور أو خيال ، ، لأن الله تعالى له الكمال الذي لا نهاية له ، وهو الكبير الذي لا نهاية لعظمته ، تعالى عن صفات الاجسام ، فليس كبره امتداد في الآفاق ، ولا كبره بالحجم والطول والعرض ، تعالى عن ذلك علواً كبيرا ، بل هو المتعالي على صفات الأجسام ، ولهذا قرن القرآن الكبير اسمه تعالى [ الكبير ] باسمه تعالى [ العلي ] ، واسمه تعالى [ المتعال ] لأنه في كبره متعالٍ عن صفات الأجسام ؟، عالٍ عن كل تصور لا يليق بالكبير المتعال ، قال تعالى : { فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } [ غافر : 12 ] ، وقال تعالى : { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ } [ الرعد : 9 ] ، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ الانبياء : 62 ] ، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ لقمان : 30 ] ، وقال تعالى : { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ سبأ : 23 ] ، تعالى العلي الكبير المتعال عن كل حد ومقدار ، وعن أن يقهره زمان أو ان يحيط به مكان ، والله أكبر من أن نتصور له حد أو مقدار أو زمان او مكان ، تنزه عن كل ما يخطر بالبال ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ،

( فائدة ) هناك طائفة يزعمون انهم يتبعون الكتاب والسنة وأنهم ينتسبون إلى السلف ، ثم هم يكيفون وجود الله تعالى ، وأن له حد ينتهى إليه كما تنتهي الاجسام ، وأن له مقدار ، وان مقداره وحده هو العرش ، وأنه - تعالى - أصغر من العرش بمقدار أصابع ، وانه سبحانه جالس على العرش كما يجلس الملك على كرسي الملك ، وانه يدبر المملكة من هناك ، وأن له الوجه والعينين واليدين والأصابع على معاني الاجزاء وليس الصفات ، فهو يرى بعينه ، ويخلق بيده ، ثم بعد ذلك يلوكون ألسنتهم بقولهم { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، وقلوبهم قد كيفت الخالق وجعلت له الحد والمقدار وتوهمت وجوده على سبيل الملك والمملكة في عرف الإنسان ، وإن قلت لهم إن علم التنزيه هو علم المسبحين والمقدسين من علماء المسلمين ، وهو أشرف العلوم لأنه يمنعك من تصور النقص والخطأ في ذات الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلى ، قالوا إنما هو علم الفلاسفة والملاحدة من أهل اليونان ، نقول يا قوم إنما هو علم القرآن والسنة ، وإنما هو الفقه بآيات التنزيه والتقديس ، وكما أن الفقه لا يدرك إلا بإعمال العقل والاجتهاد من جهابذة الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وهم أهل الكتاب والسنة ، ولكن للفقه شروط عسيرة لا بد وأن يستوفيها العالم حتى يكون فقيها ، ولا يجوز لأحد أن يقول هذا حلال ، وهذا حرام ، حتى يستوفي شروط العلم بالفقه ، وكذلك العقيدة - بل هي أشد - لذا لا يكفي سرد الآيات والأحاديث دون فقه لها ، ثم تبديع الآخرين وأنتم المخطئون ، والله إنا لنحب لكم الهداية ، كما نحبها لأنفسنا ، فلا تكونوا قطاع طريق على أهل العلم بالله ، ولا تكونوا صائلين على السنة بدلا من أن تكونوا صائلين لها ، الله تعالى أكبر من كل تصور ، والله تعالى اعظم من كل وهم أو خيال ،  يا قومنا إن أهم شروط التلقي في علوم الإلهيات هو تصفية العقل عن الاوهام والخيالات ، فنحن في الوهم لا نعقل شيئا في غير مكان ، ولا شيئا لا يجري عليه زمان ، لاننا مخلوقين تحكمنا تلك القوانين التي أوجدها الله تعالى لتقهرنا نحن المخلوقين ، لا أن تكون حاكمة وقاهرة على الله الخالق الواحد القهار الكبير المتعال ، كما اننا لا نعقل شيئا لا تحده الحدود ، ولا تقدره المقادير ، لان أذهاننا لم تتعود سوى على ذلاك ، لان كل ما حولنا مخلوق محدود مقدر ، ولكن الخالق غير ذلك ليس كمثله شيء ، تنتفي عنه البداية كما تنتفي عنه النهاية ، ونحن في الحس لا نتخيل موجود بلا بداية إذ تعودنا أن كل شيء له بداية ، ولذلك ياتينا الرجيم بوسوسة من خلق الله لان الحس يقضي بان كل موجود له بداية ، وطلب علم التنزيه لا يكون إلا بالتجرد عن الحس لأن هذا العلم يتناول ذات الباري الذي ليس كمثله شيء ، وهذا يذكرني بقول بقول الزرقاني رحمه الله في مناهل العرفان [ ج: 2 ص: 209 إلى ص :  212] :  ( لقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق وأتوا في حديثهم عنها وتعليقهم عليها بما لم يأذن به الله ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه وتحتمل الكفر والإيمان حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة وأشباههم بهذا ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون من ذلك قولهم إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية وله من الجهات الست جهة الفوق ويقولون إنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقا بمعنى أنه استقر فوقه استقرارا حقيقيا غير أنهم يعودون فيقولون ليس كاستقرارنا وليس على ما نعرف وهكذا يتناولون أمثال هذه الآية وليس لهم مستند فيما نعلم إلا التشبث بالظواهر ولقد تجلى لك مذهب السلف والخلف فلا نطيل بإعادته ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة ، أما نحن المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول ليس كمثله شيء ويقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له   كفوا أحد   ويقول إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ويقول يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف   ، ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز وقولهم بعد ذلك ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز فكأنهم يقولون إنه مستو غير مستو ومستقر فوق العرش غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت فإن أرادوا بقولهم الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن خصوصا في مقام التعليم والإرشاد وفي موقف النقاش والحجاج لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة الأمر الذي نهانا القرآن عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبغ أو بابن صبيغ وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء وقد مر بك هذا وذاك  لو أنصف هؤلاء لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده وبذلك يكونوه سلفيين حقا لكنها شبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم فلنعرضها عليك مع ما أشبهها والله يتولى هدانا وهداهم ويجمعنا جميعا على ما يحبه ويرضاه آمين ) أهـ [ مناهل العرفان : ج: 2 ص: 209 إلى ص :  212 ]

***  

 

 

 

 

القاعدة السابعة من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

فقه العلم  بآية الكرسي أعظم آية في القرآن الكريم

آية الكرسي وما فيها من التوحيد والتقديس والتنزيه

 

 

( 1 ) قال الله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ  } [ البقرة : 255 ] ، هذه الآية هي أعظم آية في القرآن ، وذلك لما اشتملت عليه من معاني التوحيد والتقديس والتنزيه ، ونفي النقائص عنه ، ولما اشتملت عليه من الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وهي تضم الكلمة الحسنى وكلمة التقوى شهادة التوحيد : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } ، وهي تضم خمسة أسماء جليلة من أسمائه تعالى منها اسم الله الأعظم ، وهي ، الله ، الحي ، القيوم ، العلي ، العظيم ، ولقد تعددت الأحاديث التي تذكر فضائل آية الكرسي وفضائل قراءتها ، وورد ذكر فضائل عظيمة على مداومة قراءتها دبر كل صلاة مكتوبة ، ففي صحيح مسلم عن أبي بن كعب قال : (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، قال : فضرب في صدري، وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج النسائي في السنن الكبرى عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :  (( مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ، إِلا الْمَوْتُ )) [  الحديث صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (1595) ]  ،  قال النووي : ( قال العلماء : إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة ، وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات )  اهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم : ج 6 ، ص 94 ] ،

( 2 ) { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } : { الله } عَلَمٌ على الذات الواحد الأحد القدوس ، صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات العلى  ، وهو الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا ، وهو الاصل وكل الأسماء تابعة إليه على سبيل الوصف ، قال تعالى : { ولله الأسماء الحسنى  } فبدأ به ، وأعظم آية في القرآن الكريم - وهي هذه الآية - بدأت به : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ، وما جاء اسم من الأسماء الحسنى إلا وتقدمها اسم الجلالة [ الله ] ، كما في سورة الإخلاص : { الله أحد الله الصمد } ، وفي خواتيم الحشر : { هو الله } ، وهو العلم الأخص على الذات : قال سبحانه وتعالى { فاعلم أنه لا اله إلا الله }، وقال الله تعالى { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } ، وبقية الأسماء تدل على صفات ، كالرحمن يدل على صفة الرحمة ، والعليم يدل على العلم وهكذا ، { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } :  الجمهور على أنّ اسم الله تعالى : { الله } مشتق من الإلهية ، وليس هناك في اللغة العربية كلمة تصلح للاعتراف بوجود المعبود الحق المستحق لإفراد العبودية له ، والاعتراف بوجود الرب الخالق القادر المدبر المتصرف المهيمن ، والاعتراف بوجود الإله الذي له الكمال في كل شيء والذي له الجلال في كل شيء و، الذي له التفرد في كل شيء المنزه عن المثيل والند والشريك  سوى كلمة ( الإله ) ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح لجميع معاني الكمال في الذات والكمال في الصفات والكمال في الأفعال والكمال في الربوبية بشتى خصائصها والكمال في استحقاق العبودية والتأله ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، وهي الشهادة الجامعة لتوحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، ومنه نعلم أنّ علم توحيد الذات - وهو المسمى علم التقديس والتنزيه - داخل في علوم شهادة التوحيد (لَا إِلَهَ إِلَّا الله ) وهو أهم علومها لأنّه العلم المتعلق بأصل التوحيد توحيد الذات ،

( 3 ) { الْحَيُّ الْقَيُّومُ } : { الحي } سبحانه هو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت ، وهو الحي بعد كل ميت ، له سبحانه كمال الحياة ، حياةً أزليةً أبديةً ، لم يسبقها عدم وليس بعدها فناء ، كمال الحياة المستلزم لكمال الصِّفات من العلم والقدرة والسَّمْع والبَصَر والكلام وغيرها من صفات الله العلا ، والحياة المستلزمة لكمال الأفعال من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ، فالحي الكامل المطلق هو الله يندرج تحت إدراكه جميع المدركات ويندرج تحت فعله جميع الموجودات لا يشذ عن علمه مدرك ولا عن فعله مفعول ، وكل حي سواه فحياته بقدر ما منّ عليه الحي المطلق سبحانه من علامات الإدراك والفعل ، حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت والفناء ، كما قال تعالى في هذه الآية : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } [ البقرة :  255 ]  ، وكما قال في سورة الفرقان : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ } [الفرقان: 58] ، و { القيوم } هو القائمُ بنفسه المقيمُ لغيره المستغني عن كل ما سواه من جميع مخلوقاته ، و ( القيوم ) هو الذي قامت به السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات ، يحتاجون إليه وهو الغني عنهم ، و ( القيوم ) هو القائم على كل نفس يدبر أمرها ويحفظها ويحاسبها ويجازيها ، كما في قوله تعالى : { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [ الرعد : 33] ، و ( القيوم ) مبالغة في القيام بحاجات خلقه ،  غنيٌ عن كل ما سواه ، قيوم لغيره  ، وكل ما سواه فقير محتاج إليه في كل شيء ، في وجوده ، وفي حياته  ، إذ هو القيوم على جميع من سواه ، وكل موجود سواه فهو من خلقه محتاج إليه ، والكل محفوف بعنايته ومحفوظ بحفظه ، والقيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق بما فيها من السموات والأرض والعرش العظيم  ، وهو مستغنٍ عنها ، رب كل شيء وهو رب العرش العظيم ، يظن الجهلاء بما لله تعالى من حقوق التقديس ، أنّ الاستواء معناه الجلوس على العرش وأنّ العرش يحمله - سبحانه - وأنّ للعرش أطيط من ثقل الرحمن ، وهذا جهل عظيم بما لله من حقوق التقديس ، فإن القيوم له كمال الغنى ، لا يحتاج إلى شيء يحمله ، ومهما بلغ اتساع العرش وكبره وعظمته وسعة ، فالله هو الكبير المتعال وهو أكبر من كل كبير ، والله هو الواسع فوق كل واسع ، والله بكل شيء محيط ، فأنى للعرش المخلوق المربوب أن يحمل الخالق القيوم ، وأنى للمحدود أن يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار ، بل العرش محمول بقدرة الله وحفظه وعنايته ، هو ربه وخالقه ، كما قال تعالى : { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } [ التوبة : 129 ] ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق وهو الغني عنها ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم سبحانك هذا بهتان عظيم ،

( 4 ) { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } له الحياة الكاملة والقيومية التامة على خلقه ، قدوس منزه عن كل نقص أو عجز أو عيب ، وقوله تعالى : { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } أصل في التقديس والتنزيه ، فكما أنّنا بها ننفي عن الله النوم والنعاس ، يجب علينا أن ننفي عنه سائر صفات النقص والعجز والعيب والحاجة ، فإذا كان الحد نقص نزهنا الله تعالى عنه لأنّه فوق الحدود والمقادير وهو الذي قدرها وحدها وجعلها علامة على نقص المخلوق وعجزه ، لأنّ كل مقدر يمكن افتراض ما هو أكبر منه في المقدار ، وكل محدود يمكن افتراض أكبر منه ، والله أكبر من كل تصور ومتعال على المحدودية ، فتنزيهه عن الحد يجعل نسبة المحدود إليه نسبة العدم إلى الوجود ، لأنّ ما لا حد له لا يُقارن بالمحدود ، كما لا تُقارن المخلوق بالخلاق ، ولا المربوب برب السموات والأرض ورب العالمين ، وإذا كان الكون في المكان نقص لأنّ ذلك معناه أن المكان أكبر من شاغله ، وأنّ المكان محيط بمن فيه ، وأنّ المكان مستغن عن الذي فيه ومن فيه محتاج إليه لوجود ذاته فيه ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، والله تعالى هو الكبير المتعال وهو بكل شيء محيط ، وهو خالق المكان ، وهو القيوم عليه وعلى من فيه ، فوجب تنزيه الله تعالى عن الكون في المكان ، وإذا كانت الجسمية صفة نقص لأنها تعني الحد والمقدار - إذ كل جسم محدود مقدر - ، وتعني الكون في المكان وتعني تجمع الأبعاض وتألف الأجزاء ، وتعني الحاجة إلى جميع أجزائه ، فوجب تنزيه الله تعالى عن الجسمية لأنّه خالق المكان المنزه عن الكون فيه ، ولأنّه الأحد المنزه عن الأبعاض والأجزاء ، ولأنّه القيوم المنزه عن الحاجة إلى شيء غيره ، والجسم محتاج إلى أجزائه وأبعاضه ، وإذا كان التقيد بالزمان عجز ونقص ، لأنّ الزمان يصير حاكما على من تقيد به ، فإن التنزيه عن الزمان لازم للملك القدوس خالق الزمان فلا يجري عليه مخلوقه وهو الزمان ، والعوام لا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان ، لأنّهم اعتادوا بحواسهم على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، ولكن أهل الأصول لا تتملكهم الحواس ولا تنطلق تصوراتهم في الإلهيات بالحواس لأنّ ذات الله تعالى لا تسري عليه سبحانه قوانين المحسوسات والمواد والاجسام ، لأنّها جميعها مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [ الشورى : 11 ] ، وقد ترد ها هنا شبهة مفادها أنّ الإنسان موصوف بالسمع والبصر ، فهل يلزم من ذلك نفي هذه الصفات عن الله تعالى لنفي المثلية ، والله تعالى يقول : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ، ونقول أنّ هناك خلط في تصور هؤلاء بين تشابه الذوات وتشابه الصفات ، فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، لا يشبه شيئاً من ذوات البشر ، لأنها ذوات المخلوقات ، وهي ذوات محدثة مخلوقة تتسم بالفقر والحاجة إلى الرب خالقها ، وذات الله تعالى ذات الخالق الواحد القهار الملك القدوس السلام و ( القدوس ) : يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول ، و ( السلام ) : يدل على صفة السلامة من النقص والتنزه عن كل ما يدل على النقص او الحدوث ، فلو تشابهت ذات الخالق مع المخلوق لجاز أن يكون الخالق مخلوقا والمخلوق خالقاً ، وهذا من أكبر الأدلة على بطلان زعم تشابه الذوات ، ولكن الصفات فمنها صفات كمال وصفات نقص ، فما كان من صفات الكمال كالعلم والسمع والبصر والكلام ، فهذه لله منها الكمال الأعلى الذي ليس بعده شيء ، وما كان من صفات النقص كالنسيان والجهل والضعف فالله تعالى منزهٌ عنها ،   أمّا الذات ، فأهل السنّة والجماعة مجمعون تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات المخلوقات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، فلو كان الله تعالى جسما - تعالى الله عن صفات العجز والنقص وعلامات الخلق الموجودة في الأجسام -  لكان كونه جسما ذاتا لا صفة، فإذا كان سائر الأجسام مساوية له في الجسمية ، التي من أخص خصائصها كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة، فحينئذ تكون سائر الأجسام مماثلة لذات الله تعالى في كونه ذاتا، والنصوص تنفي ذلك : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } فوجب أن لا يكون جسما ، وأن لا يكون متحيزاً ، ولا محدوداً ، ولا مقدراً ، ولا مجزئاً ، لأنها من خصائص الأجسام ،  ومن فقه العلم بالآية : { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } : نستفيد أنه يستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو الحاجة أو المشابهة للمخلوقات ، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه السنة والنوم ، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ، ، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ويستحيل عليه التغير والحدوث لأنها صفات نقص وعجز تضاد القدم والبقاء وتناقض معاني الأولية بلا ابتداء والأخروية بلا انتهاء ، وكذلك فإن المتغير إن تغير إلى كمال كان قبل الكمال ناقصاً ، وهذا تنزه الله تعالى عنه ، وإن تغير إلى نقص كان عجزاً يتنزه الله تعالى عنه ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق الدالة على نقصه وعجزه ، لأنّه إن حل به كمال كان قبل الكمال ناقصا وإن حل به نقص كان عاجزا عن دفع النقص ، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه الفناء والله تعالى هو الحي الباقي كل شيء هالك إلا وجهه ، ومن ذلك التقديس نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات قبل الفناء لأنّ الفناء صفة المحدثات ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، وقد اجمع علماء العقيدة من أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، ومن ذلك التقديس نفي الجوارح والابعاض ونفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية والصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ، ليس كمثله شيء لا تحيط بكنه ذاته الأفهام ولا تبلغه الأوهام وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه ،

( 5 ) { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } : الكل خلقه والكل ملكه والكل مربوب بتدبيره وتصريفه وحفظه ورعايته ، لا يشذ عن ذلك شيء ، هو الملك المالك لكلِّ ذلك ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ آل عمران : 26 ] ، كل شيء تحت تصرفه هو مالك الملك له ما في السموات وما في الأرض ،

( 6 ) { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } : له كمال الربوبية والإلهية ، لا يشفع أحد عنده أحدٌ إلا بإذنه ، حتى الملائكة الأطهار الذين لا ذنب لهم لا يعصون الله تعالى ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرن ، هؤلاء الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، قال عنهم سبحانه : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } [ الأنبياء : 28 ] ،

( 7 ) { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } : العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ، وهي صفة أزلية يعلم بها جميع الأشياء ، الواجبات والممكنات والمستحيلات ، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن كيف كان لو انه يكون ، ويعلم في الأزل من يدخل الجنة ومن يدخل النار ، ويعلم أفعال عباده ، وكل ما يكون منهم. عالم بكل شيء ، عليم بذات الصدور ، لا تخفى عليه خافية ، وعلم الله تعالى ذاتي لا يستفاد من المعلومات ، وعلم الله تعالى قديم كامل ، ولهذا وجدت المخلوقات على هذه الدقة المتناهية لا خلل فيها ولا فطور ، ووجد الكون على هذا الصنع البديع  ، وعلم الله تعـالى ليس كسبيا  ولا يوصف بكونه ضرورياً أو نظريا أو بديهياً أو يقينيا أو تصورياً أو تصديقياً ، لأنه صفة قديمة أزلية ليس لها نهاية ولا بداية يعلم بها الله تبارك وتعالى جميع الأشياء ، لا يضل ربي ولا ينسى ، وصفة العلم صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة  للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا ، لا يغيب عنه أي معلوم ، وهو بكل شيء عليم ، يعلم سبحانه تفاصيل الامور ، ودقائق الاشياء ، وخفايا الضمائر ، والنفوس ، لا يعزب عن ملكه مثقال ذرة ، فعلمه يحيط بجميع الاشياء ، أحاط بكل شيء علما ظاهره وباطنه دقيقه وجليله أوله وآخره عاقبته وفاتحته وهذا من حيث كثرة المعلومات وهي لا نهاية لها ثم يكون العلم في ذاته من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه ثم لا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة منه ، ليس كمثل ذاته ذات ولا كمثل صفاته صفات ، وهو بكل شيء عليم ، علمٌ أزلي قديم ليس كمثله علم ،

( 8 ) { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ } : فلا تُحيط الخلائق بشيء من علمه إلا بما شاء ، ولا يحيطون به علماً لأنّه الذي لا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأفهام ، فلا تبلغه الظنون والخيالات ، ولا يمكن للخلائق أن يدركوا حقيقة ذات الرب أو شيءٍ من صفاته ، قال تعالى: { لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } ، وقال تعالى: { وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } والله سبحانه وتعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } وكل ما خطر بالبال فإن الله تعالى بخلاف ذلك  ، وإنما فوائد قواعد التقديس وأصول علم توحيد الذات تتمثل في كونها : قواعد ربانية دل عليها الكتاب والسنة والعقل الصحيح ، تمنع من تشبيه الله تعالى في ذاته أو صفاته أو أفعاله بأحد من خلقه ، وهذه القواعد ترسخ التقديس والتنزيه والتسبيح في عقل المسلم ووجدانه ، وتمنعه من أي تمثيل لله تعالى بشيء من خلقه لأنّه ليس كمثله شيء ، تعالى عن الند والشبيه والمثيل والكفء والشريك والمعين والوزير والصاحبة والولد ، ومن أهم فوائد تلك القواعد التي تقدس لله وتنزه له ، أنها تقطع الطمع تماماً في إدراك ذات الله ، وأنها تصفي الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه ، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى - على لسان الملائكة - { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  }، أو يتمثل الكائنات من السموات والأرض والجبال وهي تتجاوب مع التقديس وتتألم لدعاوى التشبيه والتمثيل  من عالم البشر في حق الله تعالى كما في قوله تعالى : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } [ مريم : 89 إلى 93 ]  ، وقواعد التوحيد والتقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لمسلم أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، بل يمكننا القول بأنّ المقصود من دراسة توحيد الذات هو وضع قواعد التقديس التي تمنع من الخوض في ذات الله ،

( 9 ) { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ } : هذا اشارة إلى سعة ملك الله وعظيم كونه ، فإن الكرسيُّ خلق كبير عظيم خلقه الله تعالى يسع السماوات والأرض ، لحديث أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما السمواتُ السبعُ في الكرسيِّ إلا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ ، وفضلُ العرشِ على الكرسيِّ كفضلِ تلك الفلاةِ على تلك الحلْقةِ )) [ السلسلة الصحيحة للألباني : ح : 109 ] ، وقد نقل المفسرون عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعن سعيد بن جبير أنّ المراد بالكرسي في الآية هو (( العلم )) ، وممن رجح ذلك التفسير الطبري والقرطبي وغيرهما ، واستدلوا له بتكملة الآية : { وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا } ، وهذا لا يمنع من وجود الكرسي الذي هو خلق عظيم من خلق الله تعالى ، ونسبة السموات السبع إليه كنسبة الحلقة الملقاة في الصحراء ، لكبر حجم الكرسي إذا قورن بالسموات ، واما العرش فهو أعظم خلق الله تعالى ، وهو سبحانه رب العرش العظيم ، ومن أسماء  الله تعالى الحسنى ( الواسع ) ، وقد ورد في القرآن الكريم ثمان مرات  ، منها سبع مرات مع اسم الله تعالى ( العليم ) ، منها قوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ البقرة : 115 ] ، وورد مرة واحدة مع اسم الله تعالى ( الحكيم ) وهي قوله تعالى : { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا } [ النساء : 130 ] ، وجاء في القرآن الكريم وصف رحمة الله تعالى بالواسعة في قوله تعالى : { فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } [ الأنعام : 147 ] ، ووصف مغفرة الله تعالى بالواسعة في قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ  } [ النجم : 31 ، 32 ] ، و ( الواسع ) مشتق من السعة والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة وتضاف أخرى إلى الإحسان وبسط النعم وكيف ما قدر وعلى أي شيء نزل ، فالواسع المطلق هو الله سبحانه وتعالى لأنه إن نظر إلى علمه فلا ساحل لبحر معلوماته بل تنفد البحار لو كانت مدادا لكلماته ، وإن نظر إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته وكل سعة وإن عظمت فتنتهي إلى طرف والذي لا ينتهي إلى طرف فهو أحق باسم السعة والله سبحانه وتعالى هو الواسع المطلق لأن كل واسع بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيق وكل سعة تنتهي إلى طرف فالزيادة عليه متصورة وما لا نهاية له ولا طرف فلا يتصور عليه زيادة ، وهو الواسع المتصف بكمال السعة سبحانه

( 10 ) { وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا } : أي لا يصعب عليه حفظ السموات والأرض ولا ما فيهما ولا ما بينهما ، لأنّ الله عز وجل له القدرة التامة ، لا شيء صعب عليه ، لا يعجزه شيء ، وهو على كل شيء قدير ، و ( صفة القدرة ) : هي في حق الله عزّ وجلّ صفةٌ ذاتيةٌ وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ، يتأتّى بها أيجاد الممكن وإعدامه ، وهي تتعلّق بالممكن ولا تتعلّق بالواجب والمستحيل ، فالقدرة : تتعلّق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق ، إما لإيجاده أو لإعدامه ، ، ولا تتعلّق بالواجب في حق الله تعالى أو المستحيل في حقة سبحانه ، لأنها لو تعلّقت بالواجب في حق الله تعالى لإيجاده فهو موجود وجوباً ، ولو تعلقت بالواجب في حق الله تعالى لإعدامه فهو لا يقبل العدم ، ومثال ذلك تعلق قدرة الله تعالى بعلم الله تعالى ، فلا يجوز ، ولا يصح أن يقال : أن الله متى شاء أن يعلم فإنه يعلم ، ومتى شاء أن يجهل فإنه يجهل ، لأن العلم صفة واجبة لله تعالى ، لا تعلق للقدرة بها ، ولا تعلق للمشيئة بها ، لأنه بكل شيء عليم ، والجهل صفة مستحيلة في حق الله تعالى ، ، وبالتالي فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حقه سبحانه ، لأنها لو تعلّقت بالمستحيل لإيجاده فهو لا يقبل الوجود لاستحالة وجوده ، ولو تعلقت لإعدامه فهو معدوم أصلاً  ،  والله تعالى على كل شيء قدير ،  بمعنى إيجاد الممكن - وهو كل ما يتعلق بالمخلوق - وإعدامه ، وقدرة الله تعالى عامة لا يجوز تخصيصها ، قال تعالى : { إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة : 20] ، ولكن في مجالها المتعلق بجميع الممكنات وجميع المخلوقات ، فإن الله تعالى لو شاء أن يجعل العالم كله في حجم البيضة وأقل من ذلك لفعل لأنه على كل شيء قدير ، ولكن قدرة الله تعالى صفة من صفات الله تعالى الواجبة له ، فلا تعلق لها ببقية صفاته الواجبة له سبحانه كالعلم والسمع والبصر ، لا تتعلق بالواجب في حق الله تعالى لأنه موجود لا يقبل الفناء ، وكذلك فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى لأنه معدوم لا يقبل الوجود ، ( ب ) قدرة الله لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى ، كمثل شخص يقول : هل يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق مثل نفسه ؟  ، وهذا السؤال كفر والجواب عليه : لا نقول هو قادر ولا نقول غير قادر فالجوابان كفر فالذي يقول إن الله يستطيع أن يخلق مثله كفر والذي يقول أن الله غير قادر على أن يخلق مثله كفر ، ولكن الجواب الصحيح هو أن نقول أن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد المستحيل في حق الله تعالى ، والشيء المستحيل في حق الله تعالى لا يمكن أن يوجد ، لأنه لو خلقه كان مخلوقاً ، فلا يكون إلهاً ، ولا خالقاً ، ومثل ذلك تماماً ، زعم النصارى أن لله تعالى الولد ، وهذا مستحيل ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى ، العظيم جرماً نسبتها إلى الله ، يتضح ذلك في مواضع كثيرة من القرآن منها  قوله تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ] ، وقد  أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس ، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة ، فقالوا إن الله تعالى له صفة الكلام ، وجعلوها من صفات الفعل ، وهي صفة تابعة عندهم للمشيئة والقدرة ، بمعنى أنه يتكلم متى شاء بما شاء ، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى ، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالقدرة والمشيئة ، يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء ، - سبحانه عما يقولون - ، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية ، بل محدثة ، وبالتالي فالقرآن الكريم - على لازم قولهم - مخلوق لأنه كان بعد أن لم يكن ، والصواب ان صفة القدرة لا تعلق لها بصفة الكلام ، تماماً مثل عدم تعلق القدرة بصفة العلم ، وكما أنه لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يعلم ، كذلك لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يتكلم ، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى ، فلا حد لكلام الله تعالى ، قال تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 109 ] ، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث ، والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ولا محدث ،

( 11 ) { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } : اسم الله ( العلي ) مُشْتَقٌّ من العُلُوِّ؛ فهو العليُّ في ذاته ليس كمثله شيء ، له صفات العلو والاستواء والقرب والإحاطة ، قريب في علوه ، عالٍ في قربه وهو العلي العظيم ، وله  عُلُوُّ القدر، وهو عُلُوُّ صفاته وعظمتُها ، فلا يماثله صفةُ مخلوق ؛ وله سبحانه عُلُوُّ القَهْر والغَلَبة: فهو القَهَّارُ الذي قَهَرَ الخَلْقَ كُلَّهم ، فَنَواصيهم بيده، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولو اجتمع الخَلْقُ على إيجاد ما لم يَشَأْ الله أو مَنْع ما شاء، لم يَقْدروا ولم يَمْنعوا؛ وذلك لكمال اقتداره ونفوذ مشيئته وشدَّة افتقار المخلوقات كلِّها إليه من كُلِّ وَجْه ، وهو سبحانه ( الأعلى ) الذي له العُلُوُّ المطْلَقُ في ذاته دونَ إضافة إلى موجود من موجوداته ؛ أي لا يقارن بغيره ؛ فيقال: هو الأعلى وكُلُّ شيء تحتَ قَهْره وسُلْطانه وعَظَمَته؛ وهو الأعلى من كل تصور ، ليس كمثله شيء ، وهو ( المتعال ) على جميع خلقه والذي تعالى عمَّا نسبه إليه أهلُ الضلال من الصاحبة والولد ، وما لا يليق به سبحانه ، ومَنْ عَرَفَ مَعْنى الأسماء الثَّلاثة السَّابقة (العليّ، الأعلى ، المتعال)، عَرَفَ أنَّ الله عليٌّ بذاته عن المثيل والند والشريك ، علي بصفات الكمال والجلال ، متعال عن صفات النَّقْص والعيب والعجز سبحانه ، و (  العظيم ) من أسماء الله تعالى الحسنى ، ورد في القرآن الكريم تسع مرات  ، منها آية الكرسي أعظم آيات القرآن ، قال تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } و ( العظيم ) ذو العظمة ، ومعناه عظم شأنه وجلال قَدْره الذي جاوز حدودَ العقل؛ حتَّى لا تتصوَّر الإحاطة بكنهه وحقيقته ، وهو سبحانه العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه ، قال تعالى :{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ،

***  

 

 

 

 

القاعدة  الثامنة من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

فقه العلم بالتقديس والتنزيه والتسبيح ونفي المثلية في حق ذات الله تعالى

( القدوس السلام )

 

 

من أسماء الله تعالى الحسنى القدوس والسلام ،  واسم الله تعالى : ( القدوس ) :  أي الطاهر المطّهر المنزه عن العيوب والنقائص ، وهو ( القدوس ) المنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير ، وقد ورد اسم الله ( القدوس ) في موضعين من القرآن ، الأول في قوله تعالى : { هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [الحشر:23] ، والثاني في قوله تعالى : { يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ } [الجمعة : 1 ] ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده لأنه السبوح القدوس المنزه سبحانه ، والملائكة تقدس الله تعالى وتسبحه ، كما في قوله تعالى : {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [ البقرة : 30] ، واسم الله تعالى : ( السلام ) من أسماء الله تعالى الحسنى ، ورد في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله تعالى : { هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [الحشر:23] ، و ( السلام ) هو السالم من كل عيب و البريء من كلِّ آفة ، والسَّالم من مماثَلة خَلْقه ومن كلِّ ما يُنافي كمالَه ، وهو الذي تسلم ذاته عن العيب وصفاته عن النقص وأفعاله عن اللهو واللعب ، ومن أهم صفات الملائكة التسبيح والتقديس ، كما جاء في القرآن الكريم على لسان الملائكة { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } [ البقرة : 30 ] ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول فِي ركوعه وسجوده : (( سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ )) [ أخرجه مسلم ] ، والقدوس هو المنزه عن كل نقص أو عيب ، وهو المنزه عن كل مثيل أو شبيه أو كفء أو نظير ، وهو المنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير ، والملائكة تقدس الله تعالى عن كل ما لا يليق به من صفات المخلوقات العاجزة ، وكذا المسلم الموحد يقدس الله تعالى عن كل نقص كالحد والمقدار ، وعن أن يحده مكان أو يجري عليه زمان ، وعن أن يكون مماثلاً لمخلوقاته في شيء من سمات النقص أو العيب أو الآفة أو الحاجة ، والله تعالى هو السبوح يسبح له ما في السموات وما في الأرض ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، والمراد بالتسبيح هنا معناه الحقيقي وهو  تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله   وما أكثر الآيات القرآنية الدالة على التسبيح ، فمنها قوله تعالى { فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، وقوله تعالى : { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } ، وقوله تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } ، ومنها ما هو أمر بالتسبيح والتنزيه : كقوله تعالى { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } ، وقوله تعالى : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } ، كما أن الصلاة لا تخلو من التسبيح في الركوع : ( سبحان ربي العظيم ) ، وفي السجود : ( سبحان ربي الاعلى ) ، ومن أعظم الأذكار قولنا : ‏(‏ سبحان الله‏)‏ ، ومعناه التنزيه لله‏ تعالى بنفي الشريك والشبيه والمثيل والند ، وتنزيه الله تعالى عن كل نقص وعيب وعجز ، وتنزيه الله تعالى عن كل وصف لا يليق بجلاله وعظمته ، ونفي المثيل في حق ذات الله تعالى ، يتناوله قول الله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11]، وفي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، فلا يشبه وجوده وجود شيء من خلقه ، وقوله تعالى :(وللهِ المثَلُ الأعلى) [سورة النحل:60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، والوجود الذي لا يشبه وجود المخلوقين ، وقوله تعالى:{فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له ، لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقوله تعالى:{ هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم:65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فوجوده سبحانه لا يشبه وجود خلقه وذاتُه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى:{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقوله تعالى:{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام :100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقوله تعالى: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام : 103]  ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه :110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وقوله تعالى : { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون} والند هو العدل والمثل  والنظير والشبيه ، كما جاء في التفسير ، وقد احتج علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة قديما وحديثا بهذه الآيات على نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأعضاء والأجزاء أو حاصلا في المكان والجهة، وقالوا لو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، فيلزم حصول الأمثال والأشباه له، وذلك باطل بصريح هذه الآيات ،

***

 

 

القاعدة التاسعة من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى

 

 

عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة ومنزه عن الوهم والخيال ،

( 1 ) آيات القرب والمعنى المراد منها : جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : ] ، وقوله تعالى : { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) } [هود : 61 ] ، ، وقوله تعالى : { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) } [ سبأ : 50 ] ،، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) } [ الواقعة : 85 ] وما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال :  كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير فدنا منا فقال : ((  يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته )) [ متفق عليه ] ، وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده ، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ،

( 2 ) آيات الإحاطة والمعنى المراد منها : قال تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [ النساء : 126 ] ، وقال تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) } [ فصلت : 54 ] ، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء ، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ،

( 3 ) آيات الاستواء والمعنى المراد منها : الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }

آيات الاستواء ومفاتيح الفهم لها : ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن كما سيتبين .

الآية الاولى : قال تعالى  : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ادعوا ربكم تضرعا وخفية انه لا يحب المعتدين } [ الأعراف 54-55] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية

الآية الثانية : قال تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية  ، فقوله تعالى : ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية ، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير

الآية الثالثة : قال تعالى : { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الايات لعلكم بلقاء ربكم توقنون } [ الرعد 2 ] ، المفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى يدبر الأمر وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت ،

الآية الرابعة : قوله تعالى : { تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } [ طه 4،5، 6] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الخلق في قوله ممن خلق الأرض والسموات ، وقوله تعالى (له ما في السموات وما في الأرض) للدلالة على استواء الملك والتدبير أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، أما ما يزعمونه من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى عما يقولون علوا كبيراً ، ومثال ذلك تسمية الكعبة ببيت الله والمساجد بيوت الله والعقلاء فهموا من هذه التسمية أن له بيتاً يجب على عباده حجة وبيوتاً هي المساجد يجب أن يعمروها وفهموا منها أنه سبحانه نصب لهم مواضعاً يقصدونها لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه، وإنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش، أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد، فكان قوله: ( ثم استوى على العرش ) أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال ، فإن قيل: فإذا حمل قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير  وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً إستواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض.   قلنا: إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها. وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل، لأن إحياء زيد، وإماتة عمرو، وإطعام هذا و إرواء ذلك لا يحصل إلا عند هذه الأحوال، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال، صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع  ، ثم لا ننسى قوله تعالى:  (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [الحاقة:  17 ] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون ، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق  أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله. والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير .

الآية الخامسة : قال تعالى : { الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا } [ الفرقان 59 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما فهو الخالق بالكون بما فيه وهو ربه ومدبره فسأل بذلك خبيرا ، وثم تدل على التراخي والتأخر عن الفعل وتعلق الاستواء هاهنا واضح بالربوبية وما تستحقه من عبودية الخلائق فالله عز وجل خلق الخلق وأوجدهم من العدم ثم استوى استواء الرب لعباده ويدلنا على ذلك قوله تعالى في الآيات التالية وعباد الرحمن الذين يمشون هونا

الآية السادسة : وقال تعالى : { الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين } [ السجدة 4 إلى 7] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله ( ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع )

الآية السابعة : قوله تعالى : { له ملك السموات والأرض يحي ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } [الحديد: 2 إلى 5 ] ، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون ،  أولا: فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ،  ثانيا : قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن الظاهر يدل على العلو والباطن يدل على السفل والله تعالى خالق المكان بعلوه وسفله وهو منزه عن المكان وعن الاتحاد بالمخلوق أو الحلول فيه . وهذا يدل على بطلان قول الحشوية أنه في العلو على سبيل الحس دون السفل ونحن نقول أنه منزه عن العلو المحسوس والسفل المحسوس الذي يقاس بالمسافة ومع ذلك فهو أقرب إلى أحدنا من حبل وريده سبحانه ليس كوجوده وجود وليس كقربه قرب  ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ،  ثالثا : قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شي ء ، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى "المعية" وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون "  ،  رابعاً : جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية ) ، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر ، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف ، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع ، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي ، فلا القرب قرب الذات ، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق ، أو التفويض في الجميع ، قرب ليس كمثله شيء ، واستواء ليس كمثله شيء ، والحاصل أن القول الفصل في الاستواء  أنه على منهاج أهل السنة والجماعة ، لا يخرج عن ثلاثة أقوال جميعها عند أهل السنة صحيحة ، هي : أولا : أنه من باب الاستعارة التمثيلية (وهي أعلى مراتب البلاغة عند العرب) كالملك إذا كان ذا هيبة ومكانة عظيمة في بلده يعبرون عن علو قدره بأنه على كرسي الملك استوى وإلا فالاستواء بمعنى الجلوس ليس فيه أي إشارة إلى الكمال لأن الجلوس يتقنه كل أحد ، وعلى ذلك فالمقصود من الاستواء الدلالة على الاستعلاء والقهر وعلو الربوبية والتدبير بقرينة ( يدبر الأمر ) ، والتي تعقب ذكر الاستواء عادة والله تعالى أعلم ، وفي بيان الاستعارة التمثيلية جاء في فتح الباري : " قال الحافظ صلاح الدين العلائي : ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية وهي ان يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في اثبات المشترك قال وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسيم " أ هـ [فتح الباري ج: 13 ص: 431] ، والثاني : أنه ( استواء ) على مراد الله تعالى ومراد رسوله ، ليس كمثل استوائه استواء ، كما أنه ليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ، والثالث : معاملة صفات القرب والإحاطة والاستواء معاملة واحدة ، فإذا أثبتنا الاستواء أثبتنا القرب ، وأثبتنا الإحاطة ، وآنذاك ، يمتنع التكييف لأنه جمع بين الأضداد ، ويبقي ملاحظتان مهمتان :  الملاحظة الاولى  : استدلت المشبهة على أنّ الاستواء استواء جلوس على العرش ، واختلفوا هل بمماسة أو من غير مماسة ، وهل بحد ونهاية أم من غير حد ونهاية ، وهل إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أم لا ، وكل هذه المصائب العقائدية أتت عليهم من تكييف الاستواء ، وأنه يشبه جلوس الملك على كرسيه ، وتناسوا أن ليس كمثله شيء ، تعالى عن الحد والتشبيه والتمثيل والتكييف ، وهل عقول البشر المحدودة تستطيع أن تحيط علماً باستواء الرحمن على العرش ،  الملاحظة الثانية : استدلت الجهمية من هذه الآيات على أن الله موجود بذاته في كل مكان  لأنه الظاهر والباطن وأنه معنا حيث كنا فأنتصب العلماء للرد على هذه البدعة وأوضحوا أن كلمة  بذاته زيادة شنيعة زادتها الجهمية في دين الله وأن الله تعالى قريب لا يغيب عنه مكان ولا يبعد عنه مخلوق ولكنه منزه عن الحلول بذاته في أي مكان ، ثم ظهرت الحشوية وقالوا أن الله موجود في مكان دون مكان ومكانه العرش وقال بعضهم أن العرش مكانه وأنه أكبر من ذات الرحمن بمقدار أربعة أصابع استدلوا له بحديث لا يصح ولا يجوز أن نأخذ من مثله حكما في الوضوء والطهارة فضلاً عن حكم يتعلق بذات الرحمن فانتصب الأصوليون من هذه الأمة لهذه البدعة وفندوا أخطاءها وأظهروا عوارها وبينوا أن الأماكن كله محدودة والله لا حد له وأن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان تنزه عن الحاجة إلى العرش وما دونه من المخلوقات حي قيوم قائم بنفسه قائم على حاجات خلقه ليس كمثله شيء له كمال الغنى سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو سبحانه كما أثنى على نفسه ،  ملاحظة أخرى جديرة بالتسجيل : نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء كون الذات العلية مستوية مكاناً على العرش قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يمارى فيه إلا جهول مأفون  ،  وملاحظة أخرى : و نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء إلى السماء أنه الإنتقال من الأرض إلى السماء وذلك في قوله تعالى ((هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم )[ البقرة 29] أن  تصورهم الاستواء بهذه الصورة محض باطل وجهل عظيم ووقاحة في الإعتقاد ومشابهة لليهود في التجسيم والنصارى في الإتحاد والحلول لأنه يدل على حدوث العلو بعد السفل تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا والمعنى الصحيح الذي عليه الأئمة المفسرون أنه سبحانه قصد إلى خلق السماء  وليس صعد من الأرض إلى السماء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا  ، وأختم بنقلين جليلين في هذا الباب ، الأول للزرقاني رحمه الله والثاني للمكي الهاشمي رحمه الله  ،

النقل الأول : قول الزرقاني رحمه الله : قال في [ مناهل العرفان ج: 2 ص: 208 : 211] ( {الرحمن على   العرش استوى }  : فنقول يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على   العرش   وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيء منه سواء أكان مكانا يحل فيه أم غيره وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعا لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه وأثبت لنفسه الغنى عنهم فقال ليس كمثله شيء وقال هو الغني الحميد فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا   ثم اختلف السلف والخلف بعد ما تقدم فرأى السلفيون أن يفوضوا تعيين معنى الاستواء إلى الله هو أعلم بما نسبه إلى نفسه وأعلم بما يليق به ولا دليل عندهم على هذا التعيين ورأى الخلف أن يؤولوا لأنه يبعد كل البعد أن يخاطب الله عباده بما لا يفهمون وما دام ميدان اللغة متسعا للتأويل وجب التأويل ... إلى أن قال : لقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق وأتوا في حديثهم عنها وتعليقهم عليها بما لم يأذن به الله ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه وتحتمل الكفر والإيمان حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة وأشباههم بهذا ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون من ذلك قولهم إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية وله من الجهات الست جهة الفوق ويقولون إنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقا بمعنى أنه استقر فوقه استقرارا حقيقيا غير أنهم يعودون فيقولون ليس كاستقرارنا وليس على ما نعرف وهكذا يتناولون أمثال هذه الآية وليس لهم مستند فيما نعلم إلا التشبث بالظواهر ولقد تجلى لك مذهب السلف والخلف فلا نطيل بإعادته ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول ليس كمثله شيء ويقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويقول إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ويقول يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف   ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز وقولهم بعد ذلك ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز فكأنهم يقولون إنه مستو غير مستو ومستقر فوق   العرش   غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على   العرش   ليس هو الاستواء على   العرش   والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت فإن أرادوا بقولهم الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن خصوصا في مقام التعليم والإرشاد وفي موقف النقاش والحجاج لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة الأمر الذي نهانا القرآن عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبغ أو بابن صبيغ وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء وقد مر بك هذا وذاك  ، لو أنصف هؤلاء لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده وبذلك يكونوه سلفيين حقا لكنها شبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم فلنعرضها عليك مع ما أشبهها والله يتولى هدانا وهداهم ويجمعنا جميعا على ما يحبه ويرضاه " أهـ

النقل الثاني: قول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المكي الهاشمي رحمه الله : في كتابه السلفية المعاصرة مناقشات وردود :[ ص : 203 ] : ( ونورد هنا بعض ما ورد من المتشابهة ورده إلى المحكم مأخوذا من أقوال العلماء : ( 1 ) الرحمن على العرش استوى : قال العلامة الشيخ سلامة العزامي المتوفي سنة 1376في كتابه "البراهين الساطعة " ما مضمونه : أجاب مالك لما سئل عن الاستواء بقوله :" الاستواء معلوم والكيف غير معقول ". فأنت ترى أنه لو يفسر الاستواء بجلوس أواستقرار ,بل أحاط السائل علما بأن الاستواء معلومة معانيه في لغة العرب , فنهج بذلك منهج السلف في عدم تعيين المراد من تلك المعاني ,واعتبار أن تفسيره هو قراءته كما ورد .وفي قوله :" والكيف غير معقول " إشارة إلى التنزيه عن توهم أن المراد معنى ينطبق على صفات المخلوقين ,وأن من عرف ما يراد بالاستواء في حق الله لايجد محلا للكيف أو السؤال لا أن المراد أنه استقرار أو جلوس لا نعلم كيفيته ،  ثم إنه لو قيل :استوى على عرش المملكة , فمعناه تولى ملكها أوقيل :ثل عرشه فمعناه زال عنه الملك ,وفي الحالتين لايخطر بالبال قعود على العرش أوقيام عنه ,بل يسبق إلى الفهم المعنى المراد بهذا التركيب وهو أنه تولى الملك ولو لم يكن له عرش ، وإذا تقرر هذا في أساليب العرب ,فلا بدع أن خاطبهم القرآن بمثل أسلوبهم ,وكان مما شاع بين العرب الشرك على أنواع متنوعة ,فمنهم من يقول بخالقين أو أكثر ,ومنهم من يقول بأن له شركاء في ملك الأرض يتصرفون في الملك .فهدم الله تعالى ذلك الاعتقاد بقوله :" إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش " فبين بالجملة الأولى أنه الواحد في الخلق ثم بين في الثانية أنه المنفرد بالملك ,ثم أكد ذلك فختم الآية بقوله تعالى :" ألا له الخلق والأمر " والمعنى أن الخلق له لا لسواه وأن الأمر له لا لغيره .والأمر من لوازم الملك فحاصل الكلام أن ربكم هو الخالق لا خالق سواه ,وهو الملك المنفرد بالملك لا ملك سواه ، ومن الواضح ان الملك الذي هو التصرف من الملك في الأشياء إنما هو بعد إيجادها على ما شاء لها من أقدار وأشكال وصفات ، وترى القرآن في كل المواضع التي ذكر فيها الاستواء على العرض ما ذكره إلا بعد ذكر خلقه للعوالم أو رفعه السموات بغير عمد .والقرآن مع كونه كرر الاستواء في سبعة مواضع لم يأت بجلس ولا بعلا ولا نحوهما, وإنما اختار استوى ,فإن في معنى الاستواء على العرش فوق إفادة الملك إشارة إلى أنه تصرف فيما أوجد بالقسط والعدل ، فمن أين لهم : "إن هذا الاستواء يراد به جلوس جسم على جسم ,أو أنه يدل على أنه تعالى جهة الفوق جالس على عرشه ,أو أن أهل السماء أقرب إليه من أهل الأرض , بل قال عثمان الدارمي في كتابه " النقض " الذي طبع في مكة : أن من هو على ظهر الجبل أقرب إلى الله ممن هو في أسفله ,وكيف يمكن أن ينسب ذلك إلى كتاب الله الذي يقول :" واسجد واقترب " والذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أقرب ما يكون العبد من ربه وهوساجد " .والله تعالى يقول :" ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " ويخاطب الله سبحانه وتعالى الحاضرين عند المحتضر " ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ". فمن اعتقد في الله جهة الفوق أو الاستقرار على العرش أخذا من قوله تعالى :" ثم استوى على العرش " فقد أتى من قبل قلبه الأعمى وفهمه البليد  ، وفي المصباح في مادة سوى:" واستوى على سرير الملك كناية عن الملك وإن لم يجلس عليه ". قال :وآية الاستواء هي عمدة ما أثبتوا به الجهة لله والاستقرار في المكان , ونقلوا ما بين أهل العلم بالحديث أنه موضوع أو ضعيف ولا يحتج بمثله في الفروع فضلا على أن يحتج به في أصول الدين ويعتمد عليه في إثبات صفة الله لا تكون إلا لمخلوقاته ,وأضافوا إلى هذا نقولا عن السلف كذبوا في بعضها ولم يفهموا المراد من البعض الآخر كما علمت ".مضمون ما في "البراهين الساطعة". أهـ

[ بعض أقوال الأئمة العلماء في الاستواء ] :

قال بن كثير في تفسيره : ( وأما قوله تعالى "ثم استوى على العرش" فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه و"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير "[ تفسير بن كثير [ الاعراف:54 ]] أهـ  ، وقال رحمه الله : " وقوله ( الرحمن على العرش استوى ) تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضا وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل." [تفسير بن كثير  [طه  :  5 ]] أهـ   ،   

وقال مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات :  " ومن المتشابه الاستواء في قوله تعالى     الرحمن على العرش استوى     وقوله     ثم استوى على العرش     الأعراف 54 وهو مذكور في سبع آيات من القرآن فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى والإيمان به  ..ويروى عن الشعبي أنه سئل عن الإستواء فقال : هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه وعن الشافعي أنه قال لما سئل عن الإستواء آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض غاية الإمساك وعن أحمد بن حنبل أنه قال استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر      وكلام السلف مستفيض بمثل هذا "[ أقاويل الثقات ج: 1 ص: 120 : 121] أ هـ   ، 

وقال عبد الباقي بن إبراهيم الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر : " فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد  أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء  وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة " [ تفسير بن كثير  [ طه  :  5 ]] أهـ ، وقال رحمه الله : " وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه ولم يخبر كيف استوى ومن اعتقد أن الله مفتقر للعرش أو لغيره من المخلوقات أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوقات على كرسيه فهو ضال مبتدع فكان الله ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان " [ العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 60-61 ] أهـ   ،

وقال شيخ محدثي زمانه الإمام  البيهقي : _وهو يوضح مذهب السلف وأهل الحديث في الإستواء _ : " وقوله عز وجل وهو معكم أينما كنتم إنما أراد به بعلمه لا بذاته ثم المذهب الصحيح في جميع ذلك الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين وقالوا الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه أنا أبو محمد بن حيان ثنا أبو جعفر أحمد بن زيرك اليزدي قال سمعت محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري يقول سمعت يحيى بن يحيى يقول كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استوى فأطرق مالك رأسه ثم علاه الرحضاء ثم قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا فأمر به أن يخرج ، وعلى مثل هذا درج أكثر علمائنا في مسألة الاستواء وفي مسألة المجيء والإتيان والنزول قال الله عز وجل ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) وقال  ( هل ينظرون  إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام )  و..عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (  ينزل الله عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له )  وهذا حديث صحيح رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحاب الحديث فيما ورد به الكتاب والسنة من أمثال هذا ولم يتكلم أحد من الصحابة والتابعين في تأويله على قسمين منهم من قبله وآمن به ولم يؤوله ووكل علمه إلى الله ونفى الكيفية والتشبيه عنه ومنهم من قبله وآمن به وحمله على وجه يصح استعماله في اللغة ولا يناقض التوحيد   ، وقد ذكرنا هاتين الطريقتين في كتاب الأسماء والصفات في المسائل التي تكلموا فيها من هذا الباب ، وفي الجملة يجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين بائن من جميع خلقه وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يده ليست بجارحة وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف فقد قال ليس كمثله شيء وقال ولم يكن له كفوا أحد وقال هل تعلم له سميا ، أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا محمد بن بشر بن مطر ثنا الهيثم بن خارجة حدثنا الوليد بن مسلم قال : سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية     ،  أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن يزيد سمعت أبا يحيى البزار يقول سمعت العباس بن حمزة يقول سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول كل ما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه وإنما أراد به والله أعلم فيما تفسيره يؤدي إلى تكييف وتكييفه يقتضي تشبيهه له بخلقه في أوصاف الحدوث  "[ الاعتقاد للبيهقي ج: 1 ص: 114- 118] أ هـ   ،

وقال الزركشي في البرهان : " فصل في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات   وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق   أحدها أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا تؤول شيئا منها وهم المشبهة   والثاني أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف   والثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به   والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة فنقل الإمساك عن أم سلمة أنها سئلت عن الاستواء فقالت الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة إلا أنه زاد فيها أن من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه وكذلك سئل سفيان الثوري فقال أفهم من قوله الرحمن   على العرش استوى ما أفهم من قوله ثم استوى إلى السماء وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال الرحمن   على العرش استوى كما قال وإني لأراك ضالا وسئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أم قاعد فقال لا يمل القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم وأنت إلى هذا السؤال أحوج   قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها " [البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 78] أهـ  ، 

وقال السيوطي في الإتقان : "  وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها   أخرج أبو القاسم اللالكائي في السنن عن طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى الرحمن على   العرش   استوى قالت الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر..  وأخرج اللالكائي عن محمد بن الحسن قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه .. وقال الترمذي: .. المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم " [الإتقان ج: 2 ص: 14] أهـ  ،  وقال رحمه الله : " سأل رجل فقال  يا أبا عبد الله الرحمن   على العرش استوى   كيف استواؤه  فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال الرحمن   على العرش استوى   كما وصف نفسه ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه   قال  فأخرج الرجل   وأخرج البيهقي عن أحمد بن أبي الحواري قال  سمعت سفيان بن عيينة يقول  كلما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه   وأخرج البيهقي عن اسحق بن موسى قال  سمعت ابن عيينة يقول  ما وصف الله به نفسه فتفسيره قراءته ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسله صلوات الله عليهم "[ الدر المنثور ج: 3 ص: 474] أهـ  ، وقال في تفسير الجلالين :  "  (ثم استوى على العرش ) هو في اللغة: سرير الملك إستواء يليق به " [الجلالين : [ الاعراف:54 ]] أهـ ، وقال رحمه الله  "  هل تضارون بضم التاء وفي الراء التشديد والتخفيف ومعنى المشدد هل تضارون غيركم في حال الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر ومعنى المخفف هل يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر فإنكم ترونه كذلك معناه تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح وزوال الشك والمشقة والاختلاف الطواغيت جمع طاغوت وهي الأصنام فيأتيهم الله إلى آخره هذا من أحاديث الصفات فإما أن يوقف عن الخوض في معناه ويعتقد له معنى يليق بجلال الله تعالى مع الجزم بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن   التجسيم  والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوقين أو يؤول على ما يليق به فيجعل الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه ولأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان "[ الديباج ج: 1 ص: 232] أهـ ،

وقال الزرقاني في  مناهل العرفان:  " ومنها ما ورد من أن الإمام مالكا رضي الله عنه سأل عن الاستواء في قوله سبحانه الرحمن على   العرش   استوى فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني يريد رحمة الله عليه أن الاستواء معلوم الظاهر بحسب ما تدل عليه الأوضاع اللغوية ولكن هذا الظاهر غير مراد قطعا لأنه يستلزم التشبيه المحال على الله بالدليل القاطع والكيف مجهول أي تعيين مراد الشارع مجهول لنا لا دليل عندنا عليه ولا سلطان لنا به والسؤال عنه بدعة أي الاستفسار عن تعيين هذا المراد اعتقاد أنه مما شرعه الله بدعة لأنه طريقة في الدين مخترعة مخالفة لما أرشدنا إليه الشارع من وجوب تقديم المحكمات وعدم اتباع المتشابهات وما جزاء المبتدع إلا أن يطرد ويبعد عن الناس خوف أن يفتنهم لأنه رجل سوء وذلك سر قوله وأظنك رجل سوء أخرجوه عني    قال ابن الصلاح على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها " [الديباج ج: 1 ص: 232] أهـ

[ ابن الجوزي يبين مذهب السلف في الاستواء  ] : قال رحمه الله " ومنها قوله تعالي : " ثم استوي علي العرش " ..قلت : وجميع السلف علي امرار هذه الآية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل . قال عبد الله بن وهب : كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال : يا أبا عبد الله " الرحمن علي العرش استوي " كيف استوي ؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال : الرحمن علي العرش استوي كما وصف نفسه ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة فأخرجوه فأخرج ، ثم تكلم عن حشوية الحنابلة أبي حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى الذين يظنون أنهم على مذهب السلف والسلف بريئون منهم فقال : وقد حمل قوم من المتأخرين هذه الصفة علي مقتضي الحس فقالوا : " استوي علي العرش بذاته " ، وهي زيادة لم تنقل ، إنما فهموها من احساسهم ، وهو أن المستوي علي الشيء إنما تستوي عليه ذاته ، قال أبو حامد : الاستواء مماسته وصف لذاته ، والمراد به القعود ، قال : وقد ذهبت طائفة من أصحابنا إلي أن الله سبحانه وتعالي علي عرشه ما ملأ ، وانه يقعد فيه ، ويقعد نبيه الله صلى الله عليه وسلم معه علي العرش .قال أبو حامد : والنزول انتقال ، ( قلت ) : وعلي ما حكي تكون ذاته أصغر من العرش فالعجب من قول هذا ، ما نحن مجسمة ..؟ وقيل لابن الزاغوني : هل تجدون له صفة لم تكن له بعد خلق العرش ..؟ قال: لا إنما خلق العالم بصفة التحت ، فصار العالم بالإضافة إليه أسفل فإذا ثبت لإحدي الذاتين صفة التحت تثبت لأخري صفة استحقاق الفوق قال : وقد ثبت أن الأماكن ليست في ذاته ، ولا ذاته فيها ، فثبت انفصاله عنها ، ولا بد من شيء يحصل به الفصل ، فلما قال : " ثم استوي " علمنا اختصاصه بتلك الجهة ، قال بن الزاغوني : ولابد أن تكون لذاته نهاية وغاية نعلمها ، ( قلت ) : وهذا رجل لا يدري ما يقول لأنه إذا قدر غاية وفصلا بين الخالق والمخلوق فقد حدده ، وأقر بأنه جسم ، وهو يقول في كتابه أنه ليس بجوهر ، لأن الجوهر ما تحيز ثم يثبت له مكانا يتحيز فيه . قلت ( القائل ابن الجوزي ) : وهنا كلام جهل من قائله ، وتشبيه محض ، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق ، وما يستحيل عليه . فإن وجوده تعالي ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لابد لها من حيز ، والتحت والفوق إنما يكون فيما يقابل ويحازي ، ومن ضرورة المحازي أن يكون أكبر من المحازي أو أصغر أو مثله ، وإن هذا ومثله إنما يكون في الأجسام ، وكل ما يحازي الأجسام يجوز أن يمسها ، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث ، إذا ثبت أن الدليل علي حدوث الجواهر قبولها للمباينة والمماسة . فإذا أجازوا هذا عليه ، قالوا بجواز حدوثه ، وإن منعوا جواز هذا عليه ، لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر ، ومتي قدرنا مستغنيا عن المحل والحيز محتاجا إلي الحيز !!!!! ، ثم قلنا ، إما أن يكون متجاور ين ومتباين ، كان ذلك محالا . فإن المتجاور والمتباين من لوازم المتحيز في المتحيزات ، وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم المتحيز ، والحق سبحانه وتعالي لا يوصف بالتحيز ، لأنه لو كان متحيزا لم يخل إما أن يكون ساكنا في حيزه ، أومتحركا عنه ، ولا يجوز أن يوصف بحركة أو سكون ، ولا اجتماع ولا افتراق ، وما جاور أو باين ، فقد تناهي ذاتيا ، والمتناهي إذا خص بمقدار ، استدعي مخصصا ، وكذا ينبغي أن لا يقال ، ليس بداخل العالم ،  وليس بخارج منه لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات وهما كالحركة والسكون كسائر الأعراض التي تختص بالأجرام . وأما قولهم خلق الأماكن لا في ذاته ، فثبت انفصاله عنها ، ( قلنا ) : ذاته تعالي لا يقبل أن يخلق منها شيء ، ولا أن يحل فيها شيء ، ( والفصل من حيث الحس يوجب عليه ما يوجب علي الجواهر ، ومعني الحيز أن الذي يختص به يمنع مثله أن يوجد ، وكلام هؤلاء كله مبني علي الحس  ، وقد حملهم الحس علي التشبيه والتخليط حتي قال بعضهم : إنما ذكر الاستواء علي العرش لأنه أقرب الموجودات إليه . وهذا جهل أيضا . لأن قرب المساحة لا يتصور إلا في حق الجسم ،  وقال بعضهم : جهة العرش تحازي ما يقابله من الذات ولا تحازي جميع الذات وهذا صريح في التجسيم والتبعيض ) ، ويعز علينا كيف هذا القائل ينسب إلي مذهبنا ؟ واحتج بعضهم بأنه علي العرش بقوله تعالي : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " وبقوله تعالي " وهو القاهر فوق عباده " وجعلوا ذلك فوقيه حسية ، ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال : فلان فوق فلان ، ثم أنه كما قال : { فوق عباده } قال : { وهو معكم } ، فمن حملها علي العلم ، حمل خصمه الاستواء علي القهر . أخبرنا علي بن محمد بن عمر الدباس ، قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال : كان أحمد بن حنبل يقول : الاستواء صفة مسلمة وليست بمعني القصد ولا الاستعلاء . قال ابن حامد : الحق يختص بمكان دون مكان ومكانه الذي هو فيه وجود ذاته علي عرشه وقال : وذهبت طائفة أن الاستواء علي عرشه قد ملأ ، والأشبه أنه مماس للعرش الكرسي بوضع قدميه . قلت المماسة إنما تقع بين جسمين ، وما أبقي هذا في التجسيم بقية ..؟  فصل :  واعلم أن من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مده في تقدمه علي العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل. وقد ثبت أن جميع الجهات تتساوي بالإضافة إلي القائل بالجهة فاختصاصه ببعضها ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلي مخصص يخصصه ويكون الاختصاص بذلك المعني زائدا علي ذاته وما تطرق الجواز إليه استحال قدمه لأن القديم هو الواجب الوجود من جميع الجهات . ثم إن كل من هو في جهة يكون مقدرا محدودا وهو يتعالي عن ذلك وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلي جهة والجهة ليست في جهة وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ويوضحه أن المكان إذا كان يحيط بمن فيه والخالق لا يحويه شيء ولا تحدث له صفة ، فإن قيل : " فقد أخرج في الصحيحين عن شريك عن أبي نمر عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه ذكر المعراج فقال فيه : "فعلا به الجبار تعالي " فقال : " وهو في مكانه يا رب خفف عنا "  ، فالجواب : إن أبا سليمان الخطابي قال: هذه لفظة تفرد بها شريك ، ولم يذكرها غيره وهو كثير التفرد بمناكير الألفاظ ، والمكان لا يضاف إلي الله عز وجل ، إنما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم – ومعناه : مقامه الأول الذي أقيم فيه ، قال الخطابي : وفي هذا الحديث " فاستأذنت علي ربي وهو في داره ". توهم مكانا ، وإنما المعني ، في داره التي دورها لأوليائه ، وقد قال القاضي : أبو يعلي في كتابه المعتمد إن الله عز وجل لا يوصف بالمكان . فإن قيل نفي الجهات يحيل وجوده ، قلنا إن كان الوجود يقبل الاتصال والانفصال فقد صدقت ، فاما إذا لم يقبلها فليس خلوه من طرق النقيض بمحال ،  فإن قيل أنتم تلزموننا أن نقر بما لا يدخل تحت الفهم ، قلنا : أن أردت بالفهم التخيل والتصور فإن الخالق لا يدخل تحت ذلك إذ ليس بمحس ولا يدخل تحت ذلك إلا جسم له لون وقدر فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فهو لا يتوهم شيء إلا علي وفق ما رآه لأن الوهم من نتائج الحس ، وإن أردت أنه لا يعلم بالعقل فقد دللنا أنه ثابت بالعقل لأن العقل مضطر إلي التصديق بموجب الدليل ، واعلم أنك لما لم تجد إلا حسا أو عرضا وعلمت تنزيه الخالق عن ذلك بدليل العقل الذي صرفك عن ذلك فينبغي أن يصرفك عن كونه متحيزا أو متحركا أو متنقلا ، ولما كان مثل هذا الكلام لا يفهمه العامي قلنا : لا تسمعوه ما لا يفهمه ودعوا اعتقاده لا تحركوه بل يسروه أن لا يساكن الجبال ، ويقال إن الله تعالي استوي علي عرشه كما يليق به " [الباز الأشهب ص51-59]  أهـ   ، وقال رحمه الله _ في شرحه لحديث ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول : من يدعوني فأستجيب له_  "  قلت : وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا ، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير ، فيبقى الناس رجلين :  أحدهما المتأول له بمعنى : أنه يقرب رحمته . وقد ذكر أشباء بالنزول فقال تعالى :" وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد " . وإن كان معدنه  بالأرض وقال " وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج " ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ..؟ ، والثاني : الساكت عن الكلام في ذلك . روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا : أمروا هذه الأحاديث بلا كيف قلت : وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة ، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يقتقر إلي ثلاثة أجسام : جسم عالي ، وهو مكان الساكن ، وجسم سافل ، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل ، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا .  فإن قال العامي : فما الذي أراد بالنزول ؟ قيل : أراد به معني يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه ، فإن قال : كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا : قد علمت أن النازل إليك قريب منك ، فاقنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام ، قال ابن حامد : هوعلي العرش بذاته ، مماس له ، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل . قلت : وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي ، وقال القاضي : النزول صفة ذاتية ، ولا نقول نزوله انتقال . قلت وهذا مغالطة ، ومنهم من قال : يتحرك إذا نزل ، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق . وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه . ولو كان النزول صفة لذاته ، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة . " [الباز الأشهب ص95-96] أهـ

وقال القاضي بدر الدين بن جماعة : " واتفق السلف وأهل التأويل على أن ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاعتدال واختلفوا في تعيين ما يليق بجلاله من المعاني المحتملة كالقصد والاستيلاء فسكت السلف عنه وأوله المؤولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيز والمكان وكذلك لا يوصف بحركة أو سكون أو اجتماع وافتراق لأن ذلك كله من سمات المحدثات وعروض الأعراض والرب تعالى مقدس عنه " [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 103] أ هـ

 

***  

 

 

القاعدة العاشرة من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه

 

 

القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } [ النحل : 103 ] ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ،  وقال تعالى : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [ فصلت : 44 ] ،

ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان ، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين ، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول : ( ومن قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ) أهـ [ أسرار البلاغة : صـ ٣٦١ ] ، وقال الزركشي : ( ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن ) [ البرهان في علوم القرآن : ٢ : ٢٥٥ ] ، وقال السيوطي : (ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها ) أهـ [الإتقان ج: 2 ص: 97 ] ، وقال الشوكاني : ( المجاز واقع في لغة العرب عند جمهور أهل العلم وخالف في ذلك أبو إسحاق الإسفرائيني  ، وخلافه هذا يدل أبلغ دلالة على عدم اطلاعه على لغة العرب وينادي بأعلى صوت بأن سبب هذا الخلاف تفريطه في الاطلاع على ما ينبغي الاطلاع عليه من هذه اللغة الشريفة وما اشتملت عليه من الحقائق والمجازات التي لا تخفى على من له أدنى معرفة بها وقد استدل بما هو أوهن من بيت العنكبوت ، ..  وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة ) [ إرشاد الفحول : 50 ، 51 ] ، وقال الجرجاني في دلائل الاعجاز في علم المعاني : ( ثم إِنه اتّفاقٌ منَ العقلاء أن الوصف الذي به تَنَاهى القرآنُ إِلى حَدٍّ عَجِزَ عنه المخلوقون هو الفصاحةُ والبلاغة ،  .. ودَعْ هذا وهَبْ أنه لا يلزمُ شيءٌ منه ،  فإِنه يكفي في الدَّلالة على سقوطهِ وقلَّةِ تمييز القائل به أن يقتضيَ إِسقاطَ الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز والإيجاز جملة واطِّراحَ جميعها رأساً مع أنها الأقطابُ التي تَدورُ البلاغةُ عليها والأَعضادُ التي تستند الفصاحةُ إِليها والطِّلبةُ التي يتَنازعها المُحسِنون والرِّهان الذي تجرَّب فيه الجياد والنِّضال الذي تُعرفُ به الأيدي الشِّداد وهي التي نَوّه بذكرها البُلغاءُ ورفعَ من أقدارها العَلماءُ وصنَّفوا فيها الكتب ووكَّلوا بها الهِمَم وصرَفوا إِليها الخَواطرَ حتّى صارَ الكلامُ فيها نوعاً من العلم مُفرداً وصناعةً على حِدَة ولم يتعاطَ أحدٌ من الناس القولَ في الإِعجاز إِلاّ ذكرَها وجعلَها العُمُدَ والأركانَ فيما يوجب الفضلَ والمزية وخصوصاً الاستعارة والإِيجاز ،  فإِنكَ تراهم يجعلونَهما عنوانَ ما يذكرون وأولَ ما يُوردون وتراهم يذكرونَ من الاستعارة قولَه عزَّ وجل : { واشْتَعَلَ الرأْسُ شيباً } وقولَه : { وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِم العِجْلَ } وقولَه عز و جل : { وآيةٌ لَهُمْ اللّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار} وقوله عز و جل : { فاصْدَعْ بِمَا تُؤمَرُ } وقولَه : { فلما اسْتَيأسوا منه خَلَصوا نَجيَّاً } وقولَه تعالى : { حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا ؤ وقولَه : { فَما رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ } ، ومن الإيجاز قولَه تعالى : { وإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قومٍ خِيانةً فانْبذْ إِليهم عَلى سَوَاءٍ } وقولَه تعالى : { ولا يُنْبِئُك مِثْلُ خَبِيرٍ } وقولَه : { فشرِّدْ بِهم مِنْ خَلْفَهُمْ } ، وتراهم على لسانٍ واحدٍ في أن المجازَ والإِيجازَ من الأركانِ في أمرِ الإِعجاز ) أهـ [ دلائل الإعجاز : ج 1 ، صـ 378 ، 379 ] ،

القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك :  ( أ ) التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، وقوله تعالى : { الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ ابراهيم : 1 ] ، وقوله تعالى : { رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [ الطلاق : 11 ] ، ( ب ) التعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } [ النساء : 174 ] ، ( ت ) التعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر ، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما ، وهذا كما في قوله تعالى : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [ النمل : 80 ، 81 ] ، فسياق الآية يتناول الكفار الذين لا يهتدون ، وقوله تعالى : { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [ الإسراء : 72 ] ، ومعلوم أنّ المقصود بالعمى هو عمى القلب عن سماع الحق ورؤية الحقيقة ، وإلا فإنّ الآية لو أخذت على الحقيقة لا المجاز - كما ينكره من به عمى عن رؤية بلاغة اللغة العربية ومجازها - فإنّ كل أعمى البصر في الدنيا فإنه سيكون أعمى في الآخرة وأضل سبيلا ، وهذا لا يقول به عاقل ، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال ،

( ث ) التعبير عن الكفر الموجب لدخول النار بشفا الحفرة ، كما في قوله تعالى : { وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا } [ آل عمران : 103 ] ، وشفا الجرف الهار ، كما في قوله تعالى : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ التوبة : 109 ] ،  ( ج ) التعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 24 ] ، وقوله تعالى : { ) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه ، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ،  ( ح ) التعبير بالأخذ تارة عن الهلاك ، وتارة عن القبول والرضا ، وتارة عن الجد والاجتهاد في التمسك ، فمن التعبير عن الأخذ بالهلاك  كما في قوله تعالى : { فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً } [ الحاقة : 10 ] ، وقوله تعالى : { فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ آل عمران : 11 ] ، ، وقوله تعالى : { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } [ غافر : 5 ] ، ومن التعبير بالأخذ عن الجد والاجتهاد في التمسك ، قوله تعالى : { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } [ مريم : 12 ] ، وقوله تعالى : { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 63 ] ، ومن التعبير بالأخذ عن القبول والرضا قوله تعالى : { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [ التوبة : 104 ] ، وقوله تعالى : { فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [ الأعراف : 144 ] ،   ( خ ) التعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط تارة عن العدوان ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ } [ المائدة : 11 ] ، وتارة عن الغنى كما في قوله تعالى : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } [ الرعد : 26 ] ، كما يعبر بالقبض والبسط عن الغنى والفقر ، كما في قوله تعالى : { وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245 } [ البقرة : 245 ] ، وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [ الإسراء : 29 ] ، والتعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي غاية السخاء والكرم { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ،   ( د ) التعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } [ هود : 37 ] ، وقوله تعالى : { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [ المؤمنون : 27 ] ، وقوله تعالى : { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر : 13 ، 14 ] ، والسفينة لا تجري في أعين الله ، تعالى الله ، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة ، وقوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى ، { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ،   ( ذ ) التعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى } [ الأنفال : 70 ] ، أي في قهركم واستيلائكم ، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم ، وقوله تعالى : {  وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ المؤمنون : 5 ، 6 ] ، ومعلوم أنّ ملكة اليمين ليسن في اليمين ولكنه تعبير مجازي عن ما يملكه الإنسان ،  ومنه قوله تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الملك : 1 ] ، أي له القدرة التامة والقهر على عباده وخلقه ،   ( ر ) التعبير عن الذات باليد ، كما في قوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الروم : 41 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] ، والمقصود به مطلق ذنوب الناس لا ذنوب اليدين فقط ، كما في قوله تعالى : {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ الحج : 10 ] ، والتعبير عن الذات بالوجه ، كما في قوله تعالى : { إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ‘ 27 ] ، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه ، سبحان الله وتعالى عما يصفون ، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،  ( ز ) المجاز في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم : حديث الترمذي وابن ماجه ( إن الله تعالى لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي ) وفي حديث آخر ( إن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده )  وحديث أحمد ومسلم ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل )  قيل بسط اليد استعارة في قبول التوبة وإنما ورد لفظ اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بما يفهمونه وهو مجاز معروف في لغة العرب ، فإن يد الجارحة مستحيلة في حقه تعالى ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الجارحة وعن اليد بمعنى الجارحة والجزء من الذات ، تعالى الله عما يتوهمه المجسمون ،

***

 

 

 

القاعدة الحادية عشرة من القواعد التي تُمهد لعلم التقديس

فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم

 

 

( 1 ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا   :   قال تعالى: {قل هو الله أحد} [ الإخلاص : 1 ] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال  ، جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله التي رواها أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي ( ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه ..ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع ) [ العقيدة للإمام أحمد ج 1 : ص 101] أهـ ، وجاء فيه أيضا :  " لا يجوز أن يسمى جسما  وأنكر ( أي الإمام أحمد ) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الأسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل  " أهـ [العقيدة ج 1  : ص 111] ،  وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات :  "  باب في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا     اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ (  ليس كمثله شيء ) إلى أن قال : وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية إنه  جسم   قال : وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى : (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) [النساء  : 171 ] "  [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 134\135] أهـ

***

( 2 ) فصل : ما جاء في الوجه  مضافاً إلى الله تعالى : وذلك في عشر آيات في القصص  (كل شيء هالك إلا وجهه ) وفي الروم  ( ذلك خير للذين يريدون وجه الله ) وفيها ( وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ) وفي الرحمن (ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام )  وفي البقرة ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) وفي الأنعام   (يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه )    وفي الكهف ( يريدون وجهه ) وفي سورة الرعد  ( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم )    وفي الانسان  ( إنما نطعمكم لوجه الله )    وفي الليل  ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى )

( 3 ) تمهيد : يتناول مجاز الوجه في القرآن : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار وسبب ذلك أن أول ما يستقبلك من الإنسان وجهه فلذلك استعير لفظ الوجه للنهار للدلالة على أوله ، والعرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ، قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وقد اتفق المفسرون على أن المعنى المقصود من الآية هو  أن يؤدي الشهود الشهادة كما حملوها على حقيقتها من غير تغيير لها ولا تحريف ولا خيانة ،  قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، وقوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [ النساء  : 125] ، وقوله تعالى { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام  : 79] ، قلت : نفهم من الآيات الكريمات السابقات أن توجه الوجه إلى الله تعالى هو أول المأمور به ومعلوم أن توجه القلب إلى الله تعالى أعظم فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ولها توجه إلى الله ، وهذا يدلنا على أن التعبير بتوجه الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، قال الطبري : " وأما قوله من   أسلم وجهه لله   فإنه يعني بإسلام الوجه التذلل لطاعته والإذعان لأمره   وأصل الإسلام الاستسلام لأنه من استسلمت لأمره وهو الخضوع لأمره   وإنما سمي المسلم مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه   كما حدثني المثنى قال ثنا إسحاق قال ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع ( بلى من أسلم وجهه لله )  يقول : أخلص لله   وكما قال زيد بن عمرو بن نفيل وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا يعني بذلك استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته المزن وانقادت له .. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه ( بلى من أسلم وجهه لله )  إنما يعني بلى من أسلم لله بدنه فخضع له بالطاعة جسده وهو محسن في إسلامه له جسده فله أجره عند ربه   فاكتفى بذكر الوجه من ذكر جسده لدلالة الكلام على المعنى الذي أريد به بذكر الوجه " [ تفسير الطبري ج: 1 ص: 493] أهـ ، وقال ابن كثير : " أسلم وجهه لله   وهو محسن أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له كما قال تعالى فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن الآية وقال أبو العالية والربيع :بلى من   أسلم وجهه لله   يقول من أخلص لله وقال سعيد بن جبير بلى من أسلم أخلص وجهه قال دينه " [تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 155]أهـ ، وقال السيوطي " بلى من أسلم وجهه لله  يقول  أخلص لله  وأخرج ابن جرير عن مجاهد ( من أسلم وجهه لله )   قال  أخلص دينه " [ الدر المنثور ج: 1 ص: 263] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي " أسلم وجهه لله   أخلص له نفسه أو قصده " [تفسير البيضاوي ج: 1 ص: 384] أهـ ، وقال القرطبي : " أسلم وجهه لله   معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة " [تفسير البيضاوي ج: 1 ص: 384] أهـ ، وقال ابن الجوزي " قوله تعالى ومن أحسن دينا ممن   أسلم وجهه لله   قال ابن عباس خير الله بين الأديان بهذه الآية وأسلم بمعنى أخلص وفي الوجه قولان   أحدهما أنه الدين والثاني العمل "[زاد المسير ج: 2 ص: 211] أهـ ، وقال الثعالبي " أسلم وجهه لله   أي أخلص مقصده وتوجهه " [تفسير الثعالبي ج: 1 ص:417] أهـ ، وقال أبو السعود " ومن أحسن دينا ممن   أسلم وجهه لله   أي أخلص نفسه له تعالى لا يعرف له ربا سواه " [تفسير أبي السعود ج: 2 ص: 236] أهـ ، وقال الواحدي " أسلم وجهه لله   انقاد لأمره " [ تفسير الواحدي ج: 1 ص: 125] أهـ ، وقال البغوي : " أسلم وجهه لله   أي أخلص دينه لله وقبل أخلص عبادته لله وقيل خضع وتواضع لله وأصل الإسلام الاستسلام والخضوع وخص الوجه لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه " [تفسير البغوي ج: 1 ص: 106] أهـ ، وقال الشوكاني " أسلم وجهه لله   ومعنى أسلم استسلم وقيل أخلص وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الأنسان ولأنه موضع الحواس الظاهرة وفيه يظهر العز والذل وقيل إن العرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء وأن المعنى هنا الوجه وغيره وقيل المراد بالوجه هنا المقصد أي من أخلص مقصده " [فتح القدير ج: 1 ص: 130] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين " (من أسلم وجهه لله )  أي انقاد وجهه لأمره وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء فغيره أولى " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 24] أهـ ، وقال النسفي "(من أسلم وجهه لله ) من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره " [ تفسير النسفي ج: 1 ص: 65] أهـ   وقال : "  أسلم وجهه لله   أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا يعرف لها ربا ولا معبودا سواه " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 250] أهـ  ، وقال الألوسي : " من   أسلم وجهه لله   أي إنقاد لما قضى الله تعالى وقدر او أخلص له نفسه أو قصده فلم يشرك به تعالى غيره أو لم يقصد سواه فالوجه إما مستعار للذات وتخصيصه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء ومعدن الحواس وإما مجاز عن القصد لأن القاصد للشيء مواجه له " [ روح المعاني ج: 1 ص: 360] أهـ  ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك بأحسن تفصيل ،  قوله تعالى :( اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ) [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم وسلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها بعد ما كان كل ذلك  ليوسف عليه السلام . فكان ذكر الوجه مجازاً لتصوير معنى إقباله عليهم لأن الرجل إذا أقبل على الشئ أقبل بوجهه ، قال أبو السعود في تفسيره : " أي يخلص لكم وجه أبيكم فيقبل عليكم بكليته ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا يساهمكم في محبته أحد فذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم " [تفسير أبي السعود ج: 4 ص: 256 ] أهـ ، وعلى هذا المعنى اتفق قول المفسرين ،  قوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة  ، 

***

( 4 ) الآيات التي ذكر فيها الوجه مضافاً إلى الله تعالى وبيان المعنى الذي سيقت لأجله  :

( أ ) قوله تعالى { وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ البقرة  : 115] ، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها : ( أ ) فثم قبلة الله يعني بذلك الوجهة والجهة التي وجههم إليها ومن معاني الوجه في اللغة القبلة لأننا نتوجه إليها بوجوهنا ، ( ب ) فثم الله تبارك وتعالى  يريد علمه معكم أينما كنتم ، فعبر بالوجه عن الذات كقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه ) وقوله تعالى (ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام ) ، ( ت ) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى كقوله تعالى (إنما نطعمكم لوجه الله) وقوله تعالى (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) أي لأجل رضا الله وابتغاء مرضاته ، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه ، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون ، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح ، ثم هؤلاء متناقضون لأنهم يثبتون الوجه على سبيل الجزء ، ثم يثبتون الفوقية الحسية على سبيل المسافة ويثبتون الاستواء على سبيل الحد والحيز والجهة ، والآية تهد عليهم مذهبهم في الجهة هدا ، وذلك لأن الآية تفيد نفي الجهة الواحدة إذ أينما تولوا وفي أي جهة تتوجهوا فثم وجه الله ، وإثبات الجهة الواحدة هو مذهبهم الذي بدعوا عموم علماء الأمة لأجله ، وعندما تنبه بعضهم لهذا قال : هذه الآية ليست من آيات الصفات وغيرها من آيات الصفات فتناقض وتلاعب بدينه وفرق بين الآيات بهواه نعوذ بالله من الهوى والزيغ ، وفي الحديث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : ( إن أحدكم إذا صلى فإن الله قبل وجهه ) وفي رواية أنس ( إن ربه بينه وبين القبلة ) وهذا الحديث دافع لمذهب الجهة فإن جهة فوق وقدام متضادان لا يجتمعان البتة فإن حملها على ظاهرهما محال على الله تعالى لا يجتمعان عقلا وعادة وشرعا وإن أول هذا دون ذلك فتحكم وإن أولهما فأهلا بالوفاق ،  تأويل الصحابة والتابعين للوجه في الآية : قال السيوطي في الدر المنثور : " وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس فأينما تولوا   فثم وجه الله   قال : قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا  وأخرج ابن ابي شيبة وعبد بن حميد والترمذي والبيهقي في سننه عن مجاهد   (فثم وجه الله)   قال : قبلة الله فأينما كنتم في شرق أو غرب فاستقبلوها " [الدر المنثور ج: 1 ص: 267] أهـ ، وقال الطبري في تفسيره : " واختلف في تأويل قوله   فثم وجه الله   فقال بعضهم تأويل ذلك فثم قبلة الله يعني بذلك وجهه الذي وجههم إليه عن مجاهد قال حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها   وقال آخرون معنى قول الله عز وجل   فثم وجه الله   فثم الله تبارك وتعالى   وقال آخرون معنى قوله   فثم وجه الله   فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم   وقال آخرون عنى بالوجه ذا الوجه وقال قائلوا هذه المقالة وجه الله صفة له " [ تفسير الطبري ج: 1 ص: 506] أهـ ، وقال البغوي في تفسيره : " فأينما تولوا   فثم وجه الله   يعني أينما تحولوا وجوهكم فثم أي هناك وجه الله قال الكلبي فثم الله يعلم ويرى وجه صلة كقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه ) أي إلا هو وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان فثم قبلة الله والوجه والوجهة والجهة القبلة وقيل رضا الله تعالى " [تفسير البغوي ج: 1 ص: 108] أهـ ، وقال بن كثير في تفسيره : "  وقال عكرمة عن ابن عباس فأينما تولوا   فثم وجه الله   قال قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا وقال مجاهد فأينما تولوا فثم وجه الله حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة " [تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 159] أهـ ، وقال ابن الجوزي في تفسيره : "  قوله تعالى فثم وجه الله فيه قولان أحدهما فثم الله يريد علمه معكم اين كنتم وهو قول ابن عباس و مقاتل والثاني فثم قبلة الله قاله عكرمة و مجاهد "[ زاد المسير ج: 1 ص: 134-135] أهـ  ، [ إتفاق أهل العلم على تأويل الوجه في الآية ] :  قال القرطبي في تفسيره : " اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله في القرآن والسنة فقال الحذاق  ذلك راجع إلى الوجود والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام إذ كان الوجه أظهر لأعضاء في الشاهد واجلها قدرا وقال ابن فورك  قد تذكر صفة الشيء والمراد بها الموصوف توسعا كما يقول القائل  رأيت علم فلان اليوم ونظرت إلى علمه وإنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى العالم كذلك إذا ذكر الوجه هنا والمراد من له الوجه أي الوجود وعلى هذا يتأول قوله تعالى  إنما نطعمكم لوجه الله لأن المراد به  لله الذي له الوجه وكذلك قوله  إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى أي الذي له الوجه قال ابن عباس :الوجه عبارة عنه عز وجل كما قال  ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وقال بعض الأئمة  تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى قال ابن عطية  وضعف أبو المعالي هذا القول وهو كذلك ضعيف وإنما المراد وجوده وقيل  المراد بالوجه هنا الجهة التي وجهنا إليها أي القبلة وقيل  الوجه القصد كما قال الشاعر  أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل وقيل  المعنى فثم رضا الله وثوابه كما قال  إنما نطعمكم لوجه الله أي لرضائه وطلب ثوابه " [ تفسير القرطبي ج: 2 ص: 83] أهـ ، وقال رحمه الله : " ويبقى وجه ربك أي ويبقى وجه الله فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه قال الشاعر :  ( قضى على خلقه المنايا *  فكل شيء سواه فاني ) ، وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا  ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم وقال ابن عباس  الوجه عبارة عنه كما قال  ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وقال أبو المعالي  وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى وهو الذي ارتضاه شيخنا ومن الدليل على ذلك قوله تعالى  ويبقى وجه ربك والموصف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى وقد مضى في البقرة القول في هذا عند قوله تعالى  فأينما تولوا   فثم وجه الله   وقد ذكرناه في الكتاب الأسني مستوفى قال القشيري  قام قوم هو صفة زائدة على الذات لا تكيف يحصل بها الإقبال على من أراد الرب تخصيصه بالإكرام والصحيح أن يقال  وجهه وجوده وذاته يقال  هذا وجه الأمر ووجه الصواب وعين الصواب "[ تفسير القرطبي ج: 17 ص: 165] أهـ  ،  وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط : " {فثمّ وجه الله}، هذا جواب الشرط، وهي جملة ابتدائية، فقيل: معناه فثمّ قبلة الله، فيكون الوجه بمعنى الجهة، وأضيف ذلك إلى الله تعالى حيث أمر باستقبالها، فهي الجهة التي فيها رضا الله تعالى، قاله الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل. وقيل: الوجه هنا صلة، والمعنى فثم الله أي علمه وحكمه. وروي عن ابن عباس ومقاتل: أو عبر عن الذات بالوجه، كقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك}، {كل شيء هالك إلا وجهه} وقيل: المعنى العمل لله، قاله الفراء، قال: ( أستغفر الله ذنباً لست محصيه  *  رب العباد إليه الوجه والعمل ) ، وقيل: يحتمل أن يراد بالوجه هنا: الجاه، كما يقال: فلان وجه القوم، أي موضع شرفهم، ولفلان وجه عند الناس: أي جاه وشرف. والتقدير: فثمّ جلال الله وعظمته ، قاله أبو منصور في المقنع. وحيث جاء الوجه مضافاً إلى الله تعالى، فله محمل في لسان العرب، إذ هو لفظ يطلق على معان، ويستحيل أن يحمل على العضو، وإن كان ذلك أشهر فيه. وقد ذهب بعض الناس إلى أن تلك صفة ثابتة لله بالسمع، زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى. وضعف أبو العالية وغيره هذا القول، لأن فيه الجزم بإثبات صفة لله تعالى بلفظ محتمل، وهي صفة لا يدرى ما هي، ولا يعقل معناها في اللسان العربي، فوجب إطراح هذا القول والإعتماد على ما له محمل في لسان العرب ، إذا كان للفظ دلالة على التجسيم فنحمله، إمّا على ما يسوغ فيه من الحقيقة التي يصح نسبتها إلى الله تعالى إن كان اللفظ مشتركاً، أو من المجاز إن كان اللفظ غير مشترك. والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين ، فالوقوف مع ظاهر اللفظ الدال على التجسيم غباوة وجهل بلسان العرب وأنحائها ومتصرّفاتها في كلامها، وحجج العقول التي مرجع حمل الألفاظ المشكلة إليها. ونعوذ بالله أن نكون كالكرامية، ومن سلك مسلكهم في إثبات التجسيم ونسبة الأعضاء لله، تعالى الله عما يقول المفترون علواً كبيراً. وفي قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ردّ على من يقول: إنه في حيز وجهة، لأنه لما خير في استقبال جميع الجهات دل على أنه ليس في جهة ولا حيز، ولو كان في حيز لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الأماكن. فحيث لم يخصص مكاناً، علمنا أنه لا في جهة ولا حيز، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه، فأي جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره. " [تفسير البحر المحيط [ البقرة  : 115]] أهـ ، وقال السيوطي في الإتقان : " ومن ذلك الوجه وهو مؤول بالذات   وقال ابن اللبان في قوله ( يريدون وجهه ) (إنما نطعمكم لوجه الله ) ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) المراد إخلاص النية  وقال غيره في قوله   فثم وجه الله   أي الجهة التي أمر بالتوجه إليها " [الإتقان ج: 2 ص: 17] أهـ ، وقال أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن : "   ( فثم وجه الله ) معناه فثم رضوان الله وهو الوجه الذي أمرتم بالتوجه إليه كقوله تعالى إنما نطعمكم لوجه الله يعني لرضوانه ولما أراده منا وقوله كل شيء هالك إلا وجهه يعني ما كان لرضاه وإرادته " [ أحكام القرآن 2 ج: 1 ص: 77] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره : " فثم وجه الله   أي فهناك جهته سبحانه التي أمرتم بها فأي جهة يتوجه المرء من الظاهر والباطن   فثم وجه الله   المتحلي بجميع الصفات المتجلي بما شاء منزها عن الجهات " [ روح المعاني ج: 1 ص: 365] أهـ ، وجاء في التعاريف : " قال الراغب : أصل الوجه الجارحة المعروفة ولما كان الوجه أول ما يستقبلك وأشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شيء وفي أشرفه ومبدئه   وجه الحق ما به الشيء حقا إذ لا حقيقة لشيء إلا به تعالى وهو المشار إليه بآية ( فأينما تولوا فثم وجه الله  ) وهو عين الحق المقيم لجميع الأشياء فمن رأى قيومية الحق للأشياء فهو الذي يرى وجه الحق في كل شيء  "[ التعاريف ج: 1 ص: 720] أهـ ، وقال الزركشي في البرهان : " وحكي الواحدي عن اكثر المفسرين في قوله تعالى فأينما تولوا   فثم وجه الله   أن الوجه صلة والمعنى فثم الله يعلم ويرى قال والوجه قد ورد صلة مع اسم الله كثيرا كقوله ويبقى وجه ربك إنما نطعمكم لوجه الله كل شيء هلك إلا وجهة   قلت والأشبه حمله على أن المراد به الذات كما في قوله تعالى بلى من اسلم وجهة الله "[ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 278] أهـ ،   

( ب ) وقوله تعالى { وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 272 ] ، وقوله تعالى {  وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ }‏[سورة الأنعام : 52 ] ، وقوله تعالى { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا }[ سورة الكهف : 28 ] ، وقوله تعالى { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } [سورة الروم : 39 ]  ، (( قلت )) : من تدبر ذكر الوجه في هذه الآيات (يريدون وجه الله ) و (تريدون وجه الله ) و (يريدون وجهه ) ، و (ابتغاء وجه ربهم ) و (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) و (إنما نطعمكم لوجه الله ) وجد أن المراد من سياق الآيات رضا الله تعالى ، وإليك نخبة من أقوال المفسرين في ذلك : قال القرطبي في تفسير قوله تعالى (يريدون وجهه ) : " يريدون وجهه   أي طاعته والإخلاص فيها أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره " [تفسير القرطبي ج: 6 ص: 432] أهـ ، وقال البيضاوي: " (يريدون وجهه) رضا الله وطاعته " [تفسير البيضاوي ج: 3 ص: 493] أهـ ، وقال أبو السعود: " وقوله تعالى   يريدون وجهه   حال من ضمير يدعون أي يدعونه تعالى مخلصين له فيه " [تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 139] أهـ ، وقال الواحدي: " يريدون وجهه   يطلبون ثواب الله " [تفسير الواحدي ج: 1 ص: 355]أهـ ، وقال البغوي : " يريدون وجهه   أي يريدون الله بطاعتهم قال ابن عباس رضي الله عنهما يطلبون ثواب الله " [ تفسير البغوي ج: 2 ص: 99] أهـ ، وقال رحمه الله : " يريدون وجهه   أي يريدون الله لا يريدون به عرضا من الدنيا " [تفسير البغوي ج: 3 ص: 159]أهـ ، وقال الشوكاني : " و   يريدون وجهه   في محل نصب على الحال والمعنى أنهم مخلصون في عبادتهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله تعالى أي يتوجهون  بذلك إليه لا إلى غيره "[ فتح القدير ج: 2 ص: 119] أهـ ، وقال رحمه الله : " ومعنى   يريدون وجهه   أنهم يريدون بدعائهم رضى الله سبحانه " [فتح القدير ج: 3 ص: 281]أهـ ، وقال ابن الجوزي : " قوله تعالى   يريدون وجهه   قال الزجاج أي يريدون الله فيشهد الله لهم بصحة النيات وأنهم مخلصون في ذلك " [زاد المسير ج: 3 ص: 47] أهـ ، وقال النسفي " ووسمهم بالإخلاص فى عبادتهم بقوله   يريدون وجهه   فالوجه يعبر به عن ذات الشئ وحقيقته " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 324] أهـ وقال : " يريدون وجهه   رضا الله " [ تفسير النسفي ج: 3 ص: 12] أهـ  ،  وقال الألوسي : " ( يريدون وجهه ) ..قيل وهو المشهور إنه الذات أي مريدين ذاته تعالى ومعنى إرادة الذات على ما قيل الإخلاص لها ..أي يدعون ربهم مخلصين له سبحانه فيه ..وقيل  المراد به الجهة والطريق والمعنى مريدين الطريق الذي أمرهم جل شأنه بإرادته وهو الذي يقتضيه كلام الزجاج وقيل  إنه كناية عن المحبة وطلب الرضا لأن من أحب ذاتا أحب أن يرى وجهه فرؤية الوجه من لوازم المحبة فلهذا جعل كناية عنها قاله الإمام وهو كما ترى   وجوز أيضا أن يكون ذكر الوجه للتعظيم كما يقال  هذا وجه الرأي وهذا وجهه الدليل والمعنى يريدونه " [روح المعاني ج: 7 ص: 160] أهـ ، وقال : " يريدون وجهه   أي يريدونه سبحانه بذاته وصفاته " [ روح المعاني ج: 7 ص: 166] أهـ ، وقال الطبري في تفسير قوله تعالى (يريدون وجه الله ) : " وقوله ذلك خير للذين   يريدون وجه الله   يقول تعالى ذكره إيتاء هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله عباده خير للذين يريدون الله بإتيانهم ذلك " [تفسير الطبري ج: 21 ص: 45] أهـ ، وقال البيضاوي : " يريدون وجه الله   ذاته أو جهته أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصا أو جهة التقرب إليه لا جهة أخرى " [تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 336]أهـ ، وقال أبو السعود " ذلك خير للذين   يريدون وجه الله   ذاته او جهته ويقصدون بمعروفهم إياه تعالى خالصا أو جهة التقرب إليه لا جهة أخرى " [تفسير أبي السعود ج: 7 ص: 62] أهـ ، وقال البغوي: " (يريدون وجه الله ) يطلبون ثواب الله بما يعملون " [تفسير البغوي ج: 3 ص: 484] أهـ ، وقال ابن الجوزي:"( يريدون وجه الله ) أي يطلبون بأعمالهم ثواب الله " [زاد المسير ج: 6 ص: 303] أهـ  ،  وجاء في الجلالين : " (يريدون وجه الله ) أي ثوابه بما يعملون "[ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 536] أهـ ، وقال النسفي : " ( يريدون وجه الله )  أي ذاته أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصا " [تفسير النسفي ج: 3 ص: 275] أهـ ، وقال الألوسي : " يريدون وجه الله   أي ذاته سبحانه أي يقصدونه عز وجل بمعروفهم خالصا أو جهته تعالى أي يقصدون جهة التقرب إليه سبحانه لا جهة أخرى والمعنيان كما في الكشف متقاربان ولكن الطريقة مختلفة "[ روح المعاني ج: 21 ص: 45] أهـ ، وقال الجصاص : " وما آتيتم من زكاة   تريدون وجه الله   فأولئك هم المضعفون أخبر الله تعالى في هذه الآيات أن الصدقات إذا لم تكن خالصة لله عارية من منٍ وأذى فليست بصدقة لأن إبطالها هو إحباط ثوابها فيكون فيها بمنزلة من لم يتصدق وكذلك سائر ما يكون سبيله وقوعه على وجه القربة إلى الله تعالى فغير جائز أن يشوبه رياء ولا وجه غير القربة فإن ذلك يبطله كما قال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وقال تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء فما لم يخلص لله تعالى من القرب فغير مثاب عليه فاعله " [ أحكام القرآن للجصاص ج: 2 ص: 173] أهـ ، وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) : " وجه ربه   الأعلى أي مرضاته وما يقرب منه " [ تفسير القرطبي ج: 20 ص: 89] أهـ ، وقال الطبري : " حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء   وجه ربه   الأعلى ولسوف يرضى يقول ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم إنما عطيته لله " [ تفسير الطبري ج: 30 ص: 228] أهـ ، وقال الواحدي: " ( إلا ابتغاء   وجه ربه   الأعلى ) أي طلب ثواب الله " [تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1209] أهـ ، وقال ابن الجوزي: "(إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) أي إلا طلبا لثواب ربه " [زاد المسير ج: 9 ص: 152] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى)أي طلب ثواب الله " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 811] أهـ ، وقال ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى ( إلا ابتغاء وجه الله ) " قوله تعالى وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله   قال الزجاج هذا خاص للمؤمنين أعلمهم الله أنه قد علم أن مرادهم ما عنده " [زاد المسير ج: 1 ص: 327] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين " وما تنفقون إلا   ابتغاء وجه الله   أي ثوابه لا غيره من أعراض الدنيا " [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 60] أهـ ، وفيه أيضا : "  (إبتغاء وجه ربهم ) يعني إبتغاء رضا ربهم " [ الدر المنثور ج: 4 ص: 637] أهـ ، وقال النسفي : " إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله ولطلب ما عنده " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 132]أهـ ، وقال القرطبي في تفسيره " (وجه ربه الأعلى) أي مرضاته وما يقرب منه " [تفسير القرطبي ج: 20 ص: 89] أهـ  ،  وقد أجمل القاضي بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل ما سبق بقوله : ( قوله تعالى ( يريدون وجهه) و ( ويبقى وجه ربك ) و ( كل شيء هالك إلا وجهه ) و (  يريدون وجه الله ) وما ورد فيه  ،   اعلم أنه أطلق الوجه في هذه الآيات والمراد به الذات المقدسة وعبر عنها بالوجه على عادة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يقول أحدهم فعلت لوجهك أي لك ، وإنما كنى عن الذات بالوجه لأنه هو المرئي الظاهر من الإنسان غالبا وبه يتميز الإنسان عن غيره ولأن الرأس والوجه موضع الفهم والعقل والحس المقصود من الذات ولأن الوجه مخصوص بمزيد الحسن والجمال ويظهر عليه ما في القلب من رضي وغضب فأطلق على الذات مجازا ، وقد يعبر بالوجه عن الرضا وسبب الكناية به عنه أن الإنسان إذا رضي بالشيء ومال إليه أقبل بوجهه عليه وإذا كرهه أعرض عنه فكنى بالوجه عن الرضا ،  إذا أثبت ذلك تعين صرف الوجه إلى الذات في قوله ( ويبقى وجه ربك ) و (كل شيء هالك إلا وجهه ) ولا يجوز إرادة ظاهره حقيقة لوجوه : ( الأول ) : أن الموصوف بالبقاء عند فناء الخلق إنما الذات المقدسة لا مجرد الوجه لأنه لو أريد ذلك لزم منه هلاك ما سوى الوجه تعالى الله عن ذلك وتقدس، ( الوجه الثاني ) : قوله ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) لو أريد الوجه نفسه لزم وجوده في جوانب الأرض ويلزم حصول ذات واحدة في أماكن كثيرة متفرقة متباعدة وهو محال اتفاقا ويأتي إن شاء الله تعالى في قسم الحديث أبسط من هذا ، ( الوجه الثالث ) : أنه وصف الوجه بذي الجلال والإكرام والموصوف بذلك هو الله تعالى بدليل قوله ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام )   فإنه صفة للرب وبدليل ما ورد في الدعاء يا ذا الجلال والإكرام فدل في تلك الآية على أنه وصف للذات لا للوجه خاصة لأن القرآن يفسر بعضه بعضا ، وقوله تعالى (  يريدون وجهه  ) و ( إنما نطعمكم لوجه الله  ) فالمراد بذلك والله أعلم تحصيل رضاه تعالى كما تقدم لأن الإرادة في قوله تعالى(يريدون وجهه) لا تتعلق بحصول نفس الذات بمجردها ولا نفس ظاهر الوجه بمجرده وإنما تتعلق بحصول مراد يحصل لهم دخوله في الوجود وذلك في الذات أو الوجه القديم الأزلي محال فدل على أن المراد حصول شيء منه وهو رضاه عنهم وعبر فيه بالوجه كما تقدم أن الراضي يقبل بوجه على من رضيه ، وقيل المراد بالوجه القصد ومنه قول الشاعر رب العباد إليه الوجه والعمل   ، وقيل في قوله تعالى( إنما نطعمكم لوجه الله  ) أي لرضاه كما تقدم أن المراد حصول رضاه ) [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 120-122] أهـ

( ت ) قوله تعالى { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، قلت : الآية تدعو إلى التوحيد وإخلاص الدعاء لله وتنهى عن الشرك ودعاء غير الله ، ومناسبة الآية أن تختم بأنه لا يبقى إلا العمل الصالح الخالص الذي أُريد به رضا الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فالمفهوم من سياق الآية أن المقصود بالوجه هو ما قصد به الله تعالى من التوحيد والعمل الصالح ، وعلى هذا التفسير تواترت أقوال العلماء والمفسرين وأهل اللسان العربي الفصيح  ،   جاء في لسان العرب : "  وقوله عز وجل  كل شيء   هالك إلا وجهه   قال الزجاج  أراد إلا إياه  " [لسان العرب ج: 13 ص: 555] أهـ ، وجاء في الدر المنثور : " وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما كل شيء   هالك إلا وجهه   إلا ما يريد به وجهه   وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه كل شيء   هالك إلا وجهه   قال  إلا ما أريد به وجهه   وأخرج البيهقي في شعب الايمان عن سفيان قال كل شيء   هالك إلا وجهه   قال  إلا ما أريد به وجهه من الاعمال الصالحة "[ الدر المنثور ج: 6 ص: 447] أهـ ، وقال الطبري : " واختلف في معنى قوله إلا وجهه فقال بعضهم معناه كل شيء هالك إلا هو   وقال آخرون معنى ذلك إلا ما أريد به وجهه " [ تفسير الطبري ج: 20 ص: 127] أهـ ، وقال رحمه الله : " لأنه كان ولا شيء موجود سواه وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها كما قال جل ثناؤه كل شيء   هالك إلا وجهه " [ تفسير الطبري ج: 27 ص: 215] أهـ ، وقال الواحدي : " (كل شيء هالك إلا وجهه)   أي إلا إياه "[ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 827] أهـ ، وقال البغوي : " (كل شيء هالك إلا وجهه)   أي إلا هو " [ تفسير البغوي ج: 1 ص: 108] أهـ ، وقال رحمه الله : " (كل شيء   هالك إلا وجهه )  أي هو وقيل إلا ملكه قال أبو العالية إلا ما أريد به وجهه  "[ تفسير البغوي ج: 3 ص: 459] أهـ ، وقال القرطبي : " (كل شيء هالك إلا وجهه)   قال مجاهد معناه إلا هو وقال الصادق  دينه وقال أبو العالية وسفيان  أي إلا ما أريد به وجهه أي ما يقصد إليه بالقربة قال  أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل وقال محمد بن يزيد  حدثني الثوري قال سألت أبا عبيدة عن قوله تعالى  كل شيء   هالك إلا وجهه   فقال  إلا جاهه كما تقول لفلان وجه في الناس أي جاه " [تفسير القرطبي ج: 13 ص: 322] أهـ ، وقال ابن كثير : " (كل شيء هالك إلا وجهه)كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله عز وجل كما قال كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " [ تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 594] أهـ ، وقال رحمه الله : " وقوله (كل شيء هالك إلا وجهه)   إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت كما قال تعالى كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فعبر بالوجه عن الذات وهكذا قوله هاهنا (كل شيء   هالك إلا وجهه )  أي إلا إياه وقد ثبت في الصحيح [تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 404] من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد إلا كل شيء ما خلا الله باطل وقال مجاهد والثورى: في قوله كل شيء   هالك إلا وجهه   أي إلا ما أريد به وجهه وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له " [تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 404] أهـ ، وقال البيضاوي : " هالك إلا وجهه   إلا ذاته فإن ما عداه ممكن هالك في حد ذاته معدوم له الحكم القضاء النافذ في الخلق " [تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 306] أهـ ، وقال الجصاص : " وقوله ( كل شيء هالك إلا وجهه)   يعني ما كان لرضاه وإرادته "[ أحكام القرآن للجصاص ج: 1 ص: 77] أهـ ، وقال رحمه الله : "كقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) يعني به ذاته " [ أحكام القرآن للجصاص ج: 3 ص: 362] أهـ  ،  وقال الشوكاني : " هالك إلا وجهه   أي إلا ذاته ..وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس :كل شيء   هالك إلا وجهه   قال إلا ما أريد به وجهه "[ فتح القدير ج: 4 ص: 189] أهـ ، وقال ابن الجوزي : " قولان أحدهما إلا ما أريد به وجهه رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الثوري والثاني إلا هو قاله الضحاك وأبو عبيدة " [زاد المسير ج: 6 ص: 252] أهـ ، وقال النسفي : " ( كل شيء هالك إلا وجهه ) أي إلا إياه فالوجه يعبر به عن الذات " [ تفسير النسفي ج: 3 ص: 249] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين : " (كل شيء هالك إلا وجهه )  إلا إياه  " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 520] أهـ ، وقال الألوسي : " وقيل  الوجه بمعنى الذات مثله في قوله تعالى( كل شيء هالك إلا وجهه) " [روح المعاني ج: 1 ص: 365] أهـ ، وقال رحمه الله : " ..وبقوله سبحانه  كل شيء   هالك إلا وجهه   حيث استثنى من كل شيء الوجه وهو بمعنى الذات.. "[ روح المعاني ج: 7 ص: 117] أهـ ، وقال القاسمي : " ( كل شيء هالك إلا وجهه) أي إلا إياه ، والوجه يعبر عن الذات ، كما قال : ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك)  " [ تفسير القاسمي [القصص :  88]] أهـ ، وقال الإمام الرازي رحمه الله : " {كل شيء هالك إلا وجهه}.. استدلت المجسمة بهذه الآية على أن الله تعالى جسم من وجهين الأول: قالوا الآية صريحة في إثبات الوجه وذلك يقتضي الجسمية والثاني: قوله: {وإليه ترجعون} وكلمة إلى لانتهاء الغاية وذلك لا يعقل إلا في الأجسام ، والجواب: لو صح هذا الكلام يلزم أن يفنى جميع أعضائه وأن لا يبقى منه إلا الوجه، وقد التزم ذلك بعض المشبهة من الرافضة. وهو بيان ابن سمعان وذلك لا يقول به عاقل، ثم من الناس من قال الوجه هو الوجود والحقيقة يقال وجه هذا الأمر كذا أي حقيقته، ومنهم من قال الوجه صلة، والمراد كل شيء هالك إلا هو، وأما كلمة إلى فالمعنى وإلى موضع حكمه وقضائه ترجعون."[ تفسير الرازى [ القصص  : 88 ]] أهـ

( ث ) قوله تعالى {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }  [ سورة الرحمن  : 26-27] ، قال القرطبي في تفسيره : ".. قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى ( ويبقى وجه ربك ) إنها عبارة عن الذات ، قيل العمل الذي يقصد به وجهه " [ تفسير القرطبي ج: 4 ص: 45] أهـ ، وقال رحمه الله : " يريدون وجهه أي طاعته والإخلاص فيها أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره " [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 432] أهـ ، وقال رحمه الله : " وأما ما كان منها لله فهو من الآخرة وهو الذي يبقى كما قال  ( ويبقى   وجه ربك   ذو الجلال والإكرام ) أي ما ابتغى به ثوابه ورضاه وإن الدارالآخرة لهي الحيوان أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها " [تفسير القرطبي ج: 13 ص: 362] أهـ ، وقال رحمه الله : " قوله تعالى  قال يا إبليس ما منعك أي صرفك وصدك أن تسجد أي عن أن تسجد لما خلقت بيدي أضاف خلقه إلى نفسه تكريما له وإن كان خالق كل شيء وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم فذكر اليد هنا بمعنى هذا قال مجاهد : اليد هاهنا بمعنى التأكد والصلة مجازه لما خلقت أنا كقوله  ( ويبقى وجه ربك )  أي يبقى ربك " [تفسير القرطبي ج: 15 ص: 228 ] أهـ ، وقال ابن كثير في تفسيره : " ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )فهو تعالى وحده الذي لا يموت والجن والإنس يموتون وكذلك الملائكة وحملة العرش وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخرا كما كان أولا "[ تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 435] أهـ ، وقال رحمه الله : " وقوله كل شيء هالك إلا وجهه إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت كما قال تعالى ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) فعبر بالوجه عن الذات وهكذا قوله هاهنا (كل شيء هالك إلا وجهه)  أي إلا إياه ..وقال مجاهد والثوري في قوله ( كل شيء هالك إلا وجهه ) أي إلا ما أريد به وجهه وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له قال ابن جرير : ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر  ( أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل ) وهذا القول لا ينافي القول الأول فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة للمطابقة للشريعة والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس فإنه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شئ " [ تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 404] أهـ ، وقال الزركشي في البرهان : " حكي الواحدي عن اكثر المفسرين في قوله تعالى فاينما تولوا فثم وجه الله ان الوجه صلة والمعنى فثم الله يعلم ويرى قال والوجه قد ورد صلة مع اسم الله كثيرا كقوله ( ويبقى وجه ربك )  إنما نطعمكم لوجه الله كل شيء هلك إلا وجهة   قلت والاشبه حمله على أن المراد به الذات كما في قوله تعالى بلى من اسلم وجهة الله وهو أولى من دعوى الزيادة " [ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 278] أهـ ، وجاء في معاني القرآن : " ومعنى أسلمت وجهي لله أسلمت نفسي لله كما قال تعالى ( ويبقى وجه ربك )  أي ويبقى ربك " [معاني القرآن ج: 1 ص: 373] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي في تفسيره : " ويبقى   وجه ربك   ذاته " [ تفسير البيضاوي ج: 5 ص: 276] أهـ ، وقال أبو السعود في تفسيره " ( ويبقى وجه ربك )  أي ذاته عز وجل " [ تفسير أبي السعود ج: 8 ص: 180] أهـ ، وقال الشوكاني في تفسيره : " قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أي ما صرفك وصدك عن السجود لما توليت خلقه من غير واسطة وأضاف خلقه إلى نفسه تكريما له وتشريفا مع أنه سبحانه خالق كل شيء كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد قال مجاهد : اليد هنا بمعنى التأكيد والصلة مجازا كقوله ( ويبقى وجه ربك )   وقيل أراد باليد القدرة يقال مالي بهذا الأمر يد ومالي به يدان أي قدرة ومنه قول الشاعر: تحملت من ذلفاء ما ليس لي يد * ولا للجبال الراسيات يدان " [فتح القدير ج: 4 ص: 445] أهـ ، وقال رحمه الله :  ويبقي   وجه ربك   ذو الجلال والإكرام الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده وقد نقدم في سورة البقرة بيان معنى هذا وقيل معنى ( يبقى وجه ربك ) تبقى حجته التي يتقرب بها إليه " [فتح القدير ج: 5 ص: 136] أهـ ، وقال بن الجوزي في تفسيره : " ( ويبقى وجه ربك )  أي ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام "[ زاد المسير ج: 8 ص: 114] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين:" ( ويبقى وجه ربك ) ذاته ذو الجلال العظمة والإكرام "[ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 710] أهـ ، وقال النسفي في تفسيره : " ( يخل لكم وجه أبيكم يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم لأن الرجل إذا أقبل على الشئ أقبل بوجهه وجاز أن يراد بالوجه الذات كما قال ( ويبقى وجه ربك ) " [تفسير النسفي ج: 2 ص: 180] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره : " ( ويبقى وجه ربك )  أي ذاته عز وجل والمراد هو سبحانه وتعالى فالإضافة بيانية وحقيقة الوجه في الشاهد الجارحة واستعماله في الذات مجاز مرسل كاستعمال الأيدي في الأنفس وهو مجاز شائع وقيل  أصله الجهة واستعماله في الذات من باب الكناية " [روح المعاني ج: 27 ص: 108] أهـ ، وجاء في تفسير التحرير والتنوير: " ..والوجه يعبر عن الجملة والذات وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي وهو الجزء الذي في الرأس ، واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه . وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى ، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجري  على قواعد علم المعاني ، فزال الخفاء واندفع الجفاء وكلا الفريقين خيرة الحنفاء " [التحرير والتنوير : ج 27ص253] أهـ ، وقال الرازي رحمه الله :  " ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ) ..الوجه يطلق على الذات والمجسم يحمل الوجه على العضو وهو خلاف العقل والنقل أعني القرآن لأن قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) يدل على أن لا يبقى إلا وجه الله تعالى، فعلى القول الحق لا إشكال فيه لأن المعنى لا يبقى غير حقيقة الله أو غير ذات الله شيء وهو كذلك، وعلى قول المجسم يلزم أن لا تبقى يده التي أثبتها ورجله التي قال بها.." [تفسير الرازى [ الرحمن : 27-28]] أهـ  ،  وقال ابن الجوزي رحمه الله : " قال الله تعالى " ويبقي وجه ربك ذي الجلال والإكرام " قال المفسرون : يبقي ربك ، وكذا قالوا في قوله " يريدون وجهه ". أي يريدونه ، وقال الضحاك و أبو عبيدة في قوله " كل شئ هالك إلا وجهه " أي إلا هو ، وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى أن الوجه صفة باسم زائد علي الذات ، قلت ( القائل ابن الجوزي رحمه الله )  : فمن أين قالوا هذا وليس لهم دليل إلا ما عرفوه من الحسيات .....؟ وذلك يوجب التبغيض ، ولو كان كما قالوا :كان المعنى : أن ذاته تهلك إلا وجهه . وقال بن حامد : أثبتنا لله وجها ولا نجوز إثبات الرأس . قلت : ولقد اقشعر بدني من جراءته علي ذكر هذا فما أعوزه في التشبيه غير الرأس ." [ الباز الأشهب صـ؟؟؟] أهـ ، وخلاصة القول في الوجه في القرآن لمن تدبره أنه دلالة على ذات الله ورضاه وضرورة إخلاص العمل ابتغاء مرضاة الله ،

***

( 5  ) فصل ما جاء في العين مضافاً إلى الله تعالى

( أ ) جاءت  العين مضافةً إلى الله تعالى في خمس آيات : في سورة هود ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا )   وفي سورة المؤمنون ( فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا)   وفي سورة طه  ( وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني )   وفي سورة الطور ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا )   وفي سورة القمر ( تجري بأعيننا )

( ب ) تمهيد : مجاز العين في القرآن: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، والوجه في حسن هذا المجاز : أن من عظمت عنايته بشيء وميله إليه ، ورغبته فيه ، كان كثير النظر إليه ، فجعل لفظ العين ـ التي هي آلة لذلك النظر ـ كناية عن شدة العناية ، فإذا جمعت العين دلت على كمال الحفظ والمبالغة فيه ، ولما اتفقت الأمة على تنزيه الله تعالى عن العين الجارحة لأنها تحمل معنى التجزؤ والتبعض والتصور وغير ذلك من سمات المخلوقين المحتاجين في النظر إلى جارحة العين والله تعالى له الأحدية والصمدية وكمال القيومية والغنى ، فهو منزه في إبصاره للخلق ونظره إليهم من جارحة العين وغيرها بل هو السميع البصير بلا جارحة أذن أو عين ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، وسيأتي طائفة كثيرة من أقوالهم في هذا المبحث إن شاء الله تعالى ، فقوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني ) [قال الألوسي : " وعلى عينى أي بمرأى منى وهو استعارة تمثيلية للحفظ والصون فان المصون يجعل بمرأى والصنع الإحسان قال النحاس  يقال صنعت الفرس إذا أحسنت إليه والمعنى وليفعل بك الصنيعة والإحسان وتربى بالحنو والشفقة وأنا وراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به [  روح المعاني ج: 16 ص: 190]] معناه أي بمرأى منى كناية عن الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية والمراقبة ، وقوله تعالى ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك

( ت ) الآيات التي ذكرت فيها العين مضافةً إلى الله تعالى وبيان المعنى الذي سيقت لأجله : قوله تعالى { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ }  [سورة هود : 37] ، وقوله تعالى (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ [سورة المؤمنون : 27] ، وقوله تعالى { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ } [ سورة القمر : 13-14] ، قال البغوي في تفسيره : " ( واصنع الفلك بأعيننا )  قال ابن عباس : بمرأى منا  وقال مقاتل : بعلمنا  وقيل  يحفظنا "[ تفسير البغوي ج: 2 ص: 382] أهـ ، وقال رحمه الله: "(فإنك بأعيننا ) أي بمرأى منا قال ابن عباس : نرى ما يعمل بك وقال الزجاج : معناه أنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك " [ تفسير البغوي ج: 4 ص: 243] أهـ ، وقال ابن الجوزي في زاد المسير : " وفي قوله  بأعيننا  ثلاثة أقوال أحدها بمرأى منا قاله ابن عباس والثاني بحفظنا قاله الربيع   والثالث بعلمنا قاله مقاتل قال ابن الأنباري إ نما جمع على مذهب العرب في إيقاعها الجمع على الواحد تقول خرجنا إلى البصرة في السفن وإنما جمع لأن من عادة الملك أن يقول أمرنا ونهينا " [زاد المسير ج: 4 ص: 101] أهـ ، وقال الواحدي : " واصنع الفلك   بأعيننا   بمرأى منا وتأويله بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك " [تفسير الواحدي ج: 1 ص: 520] أهـ ، وقال الثعالبي : " وقوله تعالى تجري   بأعيننا   معناه بحفظنا وتحت نظر منا" [تفسير الثعالبي ج: 4 ص: 235] أهـ ، وقال الجصاص في أحكام القرآن : " واصنع الفلك بأعيننا ووحينا يعني بحيث نراها فكأنها ترى بأعين على طريق البلاغة والمعنى بحفظنا إياك " [أحكام القرآن للجصاص ج: 4 ص: 377] أهـ ، وقال النسفي : "  تجرى بأعيننا بمرأى منا أو بحفظنا ، أو ( بأعيننا ) حال من الضمير في تجرى أي محفوظة بنا " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 195] أهـ ، وقال الشوكاني : " واصنع الفلك   بأعيننا   ووحينا أي اعمل السفينة متلبسا   بأعيننا   أي بمرأى منا والمراد بحراستنا لك وحفظنا لك وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هى التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب وجمع الأعين للتعظيم لا للتكثير وقيل المعنى   بأعيننا   أي بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على حفظك وقيل   بأعيننا   بعلمنا وقيل بأمرنا " [ فتح القدير ج: 2 ص: 497] أهـ ، وقال رحمه الله : " بأعيننا   أي بمرأى ومنظر منا وفي حفظنا وحمايتنا فلا تبال بهم قال الزجاج إنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك " [فتح القدير ج: 5 ص: 102] أهـ ، وقال رحمه الله : " بأعيننا   أي بمنظر ومرأي منا وحفظ لها كما في قوله واصنع الفلك   بأعيننا " [فتح القدير ج: 5 ص: 123] أهـ  ، وقال البيضاوي : " واصنع الفلك   بأعيننا   ملتبسا   بأعيننا   عبر بكثرة آلة الحس الذي يحفظ به الشيء ويراعى عن الاختلال والزيغ عن المبالغة في الحفظ والرعاية على طريق التمثيل " [تفسير البيضاوي ج: 3 ص: 233] أهـ ، وقال رحمه الله : " ( أن اصنع الفلك بأعيننا )  بحفظنا نحفظه أن تخطئ فيه أو يفسده عليك مفسد " [تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 152] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين : " بأعيننا بمرأى منا وحفظنا " [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 448] أهـ ، وقال الألوسي : " والأعين حقيقة في الجارحة وهي جارية مجرى التمثيل كأن لله سبحانه أعينا تكلؤه من تعدي الكفرة ..والجمع للمبالغة ..وقيل  إن ملابسة العين كناية عن الحفظ وملابسة الأعين لمكان الجمع كناية عن كمال الحفظ والمبالغة فيه ونظير ذلك بسط اليد وبسط اليدين فإن الأول كناية عن الجود والثاني عن المبالغة فيه " [روح المعاني ج: 12 ص: 49] أهـ ، وقال رحمه الله : "  فإنك بأعيننا في إفادة العناية والحفظ "[ روح المعاني ج: 17 ص: 74] أهـ ، وقال رحمه الله : " فإنك بأعيننا أي في حفظنا وحراستنا فالعين مجاز عن الحفظ ويتجوز بها أيضا عن الحافظ وهو مجاز مشهور وفي الكشاف هو مثل أي بحيث نراك ونكلؤك وجمع العين هنا لإضافته إلى ضمير الجمع ووحد في طه لإضافته إلى ضمير الواحد ولوح الزمخشري في سورة المؤمنون إلى أن فائدة الجمع للدلالة على المبالغة في الحفظ كأن معه من الله تعالى حفاظا يلكؤونه بأعينهم " [ روح المعاني ج: 27 ص: 40] أهـ ، وقال : "  تجري بأعيننا بمرأى منا وكني به عن الحفظ " [روح المعاني ج: 27 ص: 83] أهـ ، وقال الكرماني : " ( تجري بأعيننا ) أي بمرأى منا وهو محمول على الحفظ إذن لدليل مانع عن إرادة العضو ، وأما الجمع فهو للتعظيم " [شرح الكرماني على البخاري ج :25ص116] أهـ   ،  وقوله تعالى { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ سورة الطور: 48] : قال البغوي : "  فإنك   بأعيننا   أي بمرأى منا قال ابن عباس نرى ما يعمل بك وقال الزجاج معناه أنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك " [تفسير البغوي ج: 4 ص: 243] أهـ ، وقال القرطبي : "  ( بأعيننا ) أي بمرأى منا وحيث نراك وقال الربيع بن أنس  بحفظنا إياك حفظ من يراك وقال ابن عباس رضي الله عنهما  بحراستنا والمعنى واحد فعبر عن الرؤية بالأعين لأن الرؤية تكون بها ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير كما قال تعالى فنعم القادرون فنعم الماهدون وإنا لموسعون وقد يرجع معنى الأعين في هذه وغيرها إلى معنى عين كما قال ولتصنع على عيني وذلك كله عبارة عن الإدراك والإحاطة وهو سبحانه منزه عن الحواس والتشبيه والتكييف لا رب غيره وقيل  المعنى  (بأعيننا)   أي بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على حفظك ومعونتك فيكون الجمع على هذا التكثير على بابه وقيل ( بأعيننا )  أي بعلمنا قاله مقاتل  وقال الضحاك وسفيان : ( بأعيننا )  بأمرنا وقيل  بوحينا وقيل  بمعونتنا لك على صنعها ووحينا أي على ما أوحينا إليك من صنعته "[ تفسير القرطبي ج: 9 ص: 30] أهـ ، وقال رحمه الله : " قوله تعالى  ( فإنك بأعيننا )  أي بمرأى ومنظر منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل وقيل  بحيث نراك ونحفظك ونحوطك ونحرسك ونرعاك والمعنى واحد ومنه قوله تعالى لموسى عليه السلام  ( ولتصنع على عيني ) أي بحفظي وحراستي "[ تفسير القرطبي ج: 17 ص: 78] أهـ ، وقال ابن كثير : "  ( بأعيننا )  أي بمرأى منا " [تفسير ابن كثير ج: 2 ص: 445] أهـ ، وقال رحمه الله : " وقوله تجري   بأعيننا   أي بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا " [تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 265] أهـ ، وقال الزركشي في البرهان : "  فكأنه سبحانه يقول ولتصنع على أمن لا تحت خوف وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلأ وأما قوله ( تجري بأعيننا )  ( واصنع الفلك بأعيننا ) فإنه إنما يريد في رعاية منا وحفظ ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم " [ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 87] أهـ ، وقال رحمه الله : " ومنها جعل الشيء للشيء وليس له من طريق الأدعاء والاحاطة به نافعة في آيات الصفات كقوله تعالى ( تجري بأعيننا ) وقوله ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه )  ويسمى التخييل قال الزمخشري ولا تجد بابا في علم البيان أدق ولا أعون في تعاطي المشبهات منه " [البرهان في علوم القرآن ج: 3 ص: 440] أهـ ، وقال الثعالبي : "  وقوله   بأعيننا   يمكن أن يريد بمرأى منا فيكون عبارة عن الإدراك والرعاية والحفظ ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير كما قال عز من قائل فنعم القادرون والعقيدة أنه تعالى منزه عن الحواس والتشبيه والتكييف لا رب غيره ويحتمل قوله   بأعيننا   أي بملائكتنا " [ تفسير الثعالبي ج: 2 ص: 204] أهـ ، وقال أبو السعود : "  بأعيننا   ملتبسا بحفظنا وكلاءتنا كأن معه عليه السلام منه عز وعلا حفاظا وحراسا يكلئونه بأعينهم من التعدي " [تفسير أبي السعود ج: 6 ص: 131] أهـ ، وقال رحمه الله : "  فإنك   بأعيننا   أى في حفظنا وحمايتنا بحيث نراقبك ونكلؤك وجمع العين لجمع الضمير والإيذان بغاية الاعتناء بالحفظ " [ تفسير أبي السعود ج: 8 ص: 153] أهـ ، وقال الشوكاني : " ( بأعيننا ) أي بمرأى ومنظر منا وفي حفظنا وحمايتنا فلا تبال بهم قال الزجاج إنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك " [ فتح القدير ج: 5 ص: 102] أهـ ، وقال رحمه الله : " بأعيننا   أي بمنظر ومرأي منا وحفظ لها كما في قوله (واصنع الفلك بأعيننا )  وقيل بأمرنا وقيل بوحينا .. " [فتح القدير ج: 5 ص: 123] أهـ ، وقال الألوسي : "  فإنك بأعيننا في إفادة العناية والحفظ " [روح المعاني ج: 17 ص: 74] أهـ ، وقال رحمه الله : " فإنك بأعيننا أي في حفظنا وحراستنا فالعين مجاز عن الحفظ ويتجوز بها أيضا عن الحافظ وهو مجاز مشهور ، وفي الكشاف هو مثل أي بحيث نراك ونكلؤك وجمع العين هنا لإضافته إلى ضمير الجمع ووحد في طه لإضافته إلى ضمير الواحد ولوح الزمخشري في سورة المؤمنون إلى أن فائدة الجمع للدلالة على المبالغة في الحفظ " [روح المعاني ج: 27 ص: 40] أهـ ، وقال الزرقاني : " وتارة تجيء التسلية عن طريق وعد الله لرسوله بالنصر والتأييد والحفظ كما في قوله سبحانه في سورة الطور ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) " [ مناهل العرفان ج: 1 ص: 40] أهـ  ،  وقوله تعالى { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [سورة طه : 39] :  قال الشوكاني : " ولتصنع على عيني   أي ولتربى وتغذى بمرأى مني وتفسير على عيني بمرأى مني صحيح قال النحاس : وذلك معروف في اللغة ولكن لا يكون في هذا تخصيص لموسى فإن جميع الأشياء بمرأى من الله ، وقال أبو عبيدة وابن الأنباري : إن المعنى لتغذى على محبتي وإرادتي تقول أتخذ الأشياء على عيني أي على محبتي قال ابن الأنباري العين في هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار من قول العرب غدا فلان على عيني أي على المحبة مني" [فتح القدير ج: 3 ص: 365] أهـ ، وقال النسفي : "  ( فانك بأعيننا)  أي بحيث نراك ونكلؤك وجمع العين لان الضمير بلفظ الجماعة ألا ترى إلى قوله ( ولتصنع على عيني ) " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 187] أهـ ، وقال السيوطي :- وهو يتحدث عن مجاز القرآن -  " ومن ذلك العين وهي مؤولة بالبصر أو الإدراك   بل قال بعضهم إنها حقيقة في ذلك خلافا لتوهم بعض الناس أنها مجاز وإنما المجاز في تسمية العضو بها ،  وقال ابن اللبان نسبة العين إليه تعالى اسم لآياته المبصرة التي بها سبحانه ينظر للمؤمنين وبها ينظرون إليه قال تعالى فلما جاءتهم آياتنا مبصرة نسب البصر للآيات على سبيل المجاز تحقيقا لأنها المرادة بالعين المنسوبة إليه وقال ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ) قال فقوله ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا )  أي بآياتنا تنظر بها إلينا وننظر بها إليك "  [الإتقان ج: 2 ص: 17]أهـ ، وقال الألوسي : " وعلى عينى أي بمرأى منى وهو استعارة تمثيلية للحفظ والصون فان المصون يجعل بمرأى والصنع الإحسان قال النحاس  يقال صنعت الفرس إذا أحسنت إليه والمعنى وليفعل بك الصنيعة والإحسان وتربى بالحنو والشفقة وأنا وراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به " [روح المعاني ج: 16 ص: 190] أهـ ، وجاء في لسان العرب : " وقوله تعالى  ولتصنع على عيني فسره ثعلب فقال  لتربى من حيث أراك  " [لسان العرب ج: 13 ص: 301] أهـ ، وقال ابن الجوزي في الباز الأشهب : ( ومن ذلك قوله : ( ولتصنع علي عيني ) ( واصنع الفلك بأعيننا ) ، قال المفسرون بأمرنا ، أي بمرأى منا ، قال أبو بكر بن الأنباري : أما جمع العين ،  علي مذهب العرب في إيقاعها الجمع علي الواحد يقول: خرجنا في السفر إلي البصرة ، وإنما جمع لأن عادة الملك أن يقول : أمرنا ونهينا ، وقد ذهب القاضي [هو القاضي أبو يعلى الحنبلي ، وقد ألف الحافظ ابن الجوزي رسالته (الباز الأشهب) في الرد عليه وسماها دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه وهي بحق كذلك ، وقال في مقدمتها : ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد . وصاحبه القاضي ، وابن الزاغوني " فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس . فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته ، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات ، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين . وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس . وقالوا يجوز أن يمس ويمس ، ويدني العبد من ذاته . وقال بعضهم ويتنفس .وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم بلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث ، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل ، حتى قالوا صفة ذات ، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا لا نحملها علي توجيه اللغة مثل يد علي نعمة وقدرة ومجيء وإتيان علي معني بر ولطف ، وساق علي شدة ، بل قالوا نحملها علي ظواهرها ، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين ، والشيء إنما يجعل علي حقيقته إذا أمكن ، وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة ، وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام ، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم : يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط : " كيف أقول ما لم يقل " فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه ،  ثم قالوا في الأحاديث ، تحمل علي ظاهرها . وظاهر القدم الجارحة ، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال : استوي بذاته فقد أجراه مجري الحسيات ، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل . وهو العقل ، فإنه به عرفنا الله تعالى ، وحكمنا له بالقدم ، فلو أنكم قلتم : نقرأ الأحاديث]إلي أن العين صفة زائدة علي الذات وقد سبقه أبو بكر بن خزيمه . فقال لربنا عينان ينظر بهما [قال ابن حزم في [ الفصل في الملل ج: 2 ص: 128]ولا يجوز لأحد أن يصف الله عز وجل بأن  له  عينين لأن النص لم يأت بذلك ]   ، ( قلت ) : وهذا ابتداع لا دليل لهم عليه وإنما أثبتوا عينين من دليل الخطاب [دليل الخطاب ليس حجة في الفروع حتى يكون حجة في الأصول ولله در القاضي ابن جماعة حيث قال في إيضاح الدليل : - في حديث الدجال إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور-  "  تقدم أن الجوارح والأعضاء على الله تعالى محال فمعنى الحديث استحالة التناقص على الله تعالى وثبوت صفة النقص للدجال فصفة النقص دليل على عدم ربوبيته وبطلان قوله ، وليس المراد إثبات الجارحة للرب تعالى      وجعل بعض الحنابلة ذلك من باب دليل الخطاب وأثبت الجارحة لرب العزة سبحانه وتعالى عن سمات المخلوقين وهو تجسيم منهم وتجرؤ على الله تعالى وخطأ في الإستدلال  ، فإنا إذا قلنا القمر ليس بأعور لم يلزم منه أن يكون له عينان  ،  ودليل الخطاب ليس بحجة عند أكثر علماء الأصول في الفروع فكيف يحتج به في صفات الرب تعالى . [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 186] في قوله عليه الصلاة والسلام : "وإن الله ليس بأعور " ، وإنما أراد نفي النقص عنه ، ومتي ثبت أنه لا يتجزأ ، لم يكن لما يتخيل من الصفات وجه " [الباز الأشهب ص 42] أهـ ، وقال القاضي ابن جماعة في إيضاح الدليل : (  قوله تعالى  ( ولتصنع على عيني) ( واصنع الفلك بأعيننا ) ( تجري بأعيننا ) ( فإنك بأعيننا ) : اعلم أنه إذا ثبت تنزيه الله تعالى عن الجهة والجوارح كما تقدم وجب تأويل هذه الآيات بما يليق بجلاله تعالى ،   فالمراد والله أعلم مزيد الاعتناء والحراسة وأن ذلك بمرأى منا ، قال ابن الأنباري العرب تجمع الواحد إما لتعظيمه كقوله أمرنا ونهينا ومنه ( إنا نحن نحي الموتى ) ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ) ، أو لإقامة الجمع مقام الواحد كقول القائل : سكنت في دورنا وآذيت غلماننا وسرنا في السفن وإن كانت الدار والغلام والسفينة واحدا ، ولو حملت الآيات الواردة على ظاهرها لاستقبحت تلك العيون تعالى الله وتقدس عن ذلك وللزم أن يكون موسى عليه السلام متلصقا بالعين وعليها ولزم أن تكون الأعين آلة لعمل الفلك وأن تكون العين ظرفا للرسول عليه السلام ، وذلك لا يقوله عاقل فوجب المصير إلى تأويله وصرفه عن ظاهره إلى ما يليق بجلال الله تعالى ، ووجه التجوز بالعين عن شدة الاعتناء أن المعتني بالشيء لمحبة أو حاجة يكثر النظر فيه فجعلت العين التي هي آلة النظر كناية عن مزيد " [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 129]أهـ  ، وقال ابن حجر في فتح الباري :  " قوله باب قول الله تعالى ولتصنع على عيني تغذى ..قال بن التين هذا التفسير لقتادة ..وقوله تعالى تجري بأعيننا أي بعلمنا ..قال الراغب : العين الجارحة ويقال للحافظ للشيء المراعي له عين ومنه فلان بعيني أي أحفظه ومنه قوله تعالى واصنع الفلك بأعيننا أي نحن نراك ونحفظك ومثله تجري بأعيننا وقوله ولتصنع على عيني أي بحفظي قال وتستعار العين لمعان أخرى كثيرة وقال بن بطال احتجت المجسمة بهذا الحديث وقالوا في قوله وأشار بيده الى عينه دلالة على أن عينه كسائر الأعين وتعقب باستحالة الجسمية عليه لأن الجسم حادث وهو قديم فدل على أن المراد نفي النقص عنه انتهى وقد تقدم شيء من هذا في باب قوله تعالى وكان الله سميعا بصيرا  ، وقال البيهقي : منهم من قال العين صفة ذات كما تقدم في الوجه ومنه من قال المراد بالعين الرؤية فعلى هذا فقوله ولتصنع على عيني أي لتكون بمرأى مني وكذا قوله واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا أي بمرأى منا والنون للتعظيم ومال الى ترجيح الأول لأنه مذهب السلف ويتأيد بما وقع في الحديث وأشار بيده فان فيه إيماء الى الرد على من يقول معناها القدرة صرح بذلك قول من قال انها صفة ذات ، وقال بن المنير وجه الاستدلال على اثبات العين لله من حديث الدجال من قوله ان الله ليس بأعور من جهة أن العور عرفا عدم العين وضد العور ثبوت العين فلما نزعت هذه النقيصة لزم ثبوت الكمال بضدها وهو وجود العين وهو على سبيل التمثيل والتقريب للفهم لا على معنى اثبات الجارحة ، قال : ولأهل الكلام في هذه الصفات كالعين والوجه واليد ثلاثة أقوال أحدها انها صفات ذات أثبتها السمع ولا يهتدي إليها العقل والثاني ان العين كناية عن صفة البصر واليد كناية عن صفة القدرة والوجه كناية عن صفة الوجود والثالث امرارها على ما جاءت مفوضا معناها الى الله " [ فتح الباري ج: 13 ص: 388] أهـ

***

( 6 ) ما جاء في اليد مضافاً إلى الله تعالى :  ( أ ) وذلك في ثمان آيات بلفظ الوحدان في أربعة مواضع والتثنية في موضعين والجمع في موضعين ، ففي سورة المائدة ( بل يداه مبسوطتان )   وفي سورة ص ( يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) وفي سورة الأعراف ( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها  ) عيرهم بعدم هذه الصفات وفي سورة  يس ( أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما ) وفي سورة الفتح ( يد الله فوق أيديهم ) وفي سورة الحديد ( وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) وفي سورة الملك ( تبارك الذي بيده الملك ) وفي سورة آل عمران ( بيدك الخير انك على كل شيء قدير )

( ب ) مجاز اليد في القرآن : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها ؟، قال الحافظ بن كثير : " الضمير عائد على القرية أي فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم نكالا أي عاقبناهم عقوبة فجعلناها عبرة ..قال ابن عباس يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى ..وكذا قال سعيد بن جبير لما بين يديها وما خلفها قال من بحضرتها من الناس يومئذ "[ تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 108] أهـ   ، وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ } ، وقوله تعالى ( وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } ، وقوله تعالى { وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ }  ، وقوله تعالى { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }  ، وقوله تعالى { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ }‏ ، وقوله تعالى : { وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } ، وقوله تعالى { قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } ، فهل للقرآن يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا } ، وقوله تعالى : { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، قال أبو السعود في تفسيره : " بين يدى رحمته   استعارة بديعة أي قدام المطر والإلتفات إلى نون العظمة في قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا لإبراز كمال العناية بالإنزال " [ تفسير أبي السعود ج: 6 ص: 224] أهـ  ، وقال النسفي في تفسيره : " بين يدى رحمته أى قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة مليحة " [تفسير النسفي ج: 3 ص: 171] أهـ ، وقوله تعالى  { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، قوله تعالى : { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، قوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  قوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا } ، وقوله تعالى : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ، وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم  ، قال النسفي في بيان ذلك : " ما منعك أن تسجد ما منعك عن السجود لما   خلقت بيدي   إي بلا واسطة امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي وقد مر أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيده فغلبت العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب هو ما عملت يداك ..وحتى لم يبق فرق بين قولك هذا مما عملته وهذا مما عملته يداك ومنه قوله مما عملت أيدينا ولما خلقت بيدي " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 45 ] أهـ ،  قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  قوله تعالى : { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، ثم هاهنا لطيفة أخرى وهي قوله تعالى (نسوا الله فنسيهم ) فهل يحمل مؤمن النسيان على ظاهره في حق الله تبارك وتعالى عن النسيان وعن كل نقص , أم أن المعنى المفهوم من الآية تركوا أمر الله وطاعته فترك الله هدايتهم جزاءً وفاقا وكني عن الترك مجازاً بالنسيان للدلالة على بعد هداية المنافقين لأنهم أشر من الكافرين ،  قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب الاستعارة التمثيلية ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، قال الشوكاني في تفسير الآية : " قوله  ( يد الله مغلولة ) ..وهذه الآية هى على طريق التمثيل كقوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك والعرب تطلق غل اليد على البخل وبسطها على الجود مجازا ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف " [فتح القدير ج: 2 ص: 57] أهـ ،  ومن أقوال المفسرين حول الآية : قال الواحدي : " وقالت اليهود يد الله مغلولة مقبوضة عن العطاء وإسباغ النعم علينا ..فقالوا لعنهم الله على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة وقوله غلت أيديهم أي جعلوا بخلاء وألزموا البخل فهم أبخل قوم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان قيل معناه الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام وقيل معناه نعمه مبسوطة ودلت التثنية على الكثرة كقولهم لبيك وسعديك وقيل نعمتاه أي نعمة الدنيا ونعمة الاخرة مبسوطتان ينفق كيف يشاء يرزق كما يريد إن شاء قتر وإن شاء وسع " [تفسير الواحدي ج: 1 ص: 327] أهـ  ، وقال أبو السعود "  فإن كلا من غل اليد وبسطها مجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد وغل أو بسط ..(يداه مبسوطتان ) عطف على مقدر يقتضيه المقام أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود وإليه أشير بتثنية اليد فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم وقيل التثنية للتنبيه على منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة " [تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 58] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي " ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) أي هو ممسك يقتر بالرزق وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولا قصد فيه إلى إثبات يد وغل وبسط ولذلك يستعمل حيث لا يتصور ذلك كقوله جاد الحمى بسط اليدين بوابل شكرت نداه تلاعه ووهاده ونظيره من المجازات المركبة شابت لمة الليل ..( بل يداه مبسوطتان )   ثنى اليد مبالغة في الرد ونفي البخل " [تفسير البيضاوي ج: 2 ص: 345] أهـ ، وقال الزركشي : "وقوله (بل يداه مبسوطتان )  كناية عن كرمه وثنى اليد وان أفردت في أول الآية ليكون ابلغ في السخاء والجود " [البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 308] أهـ ، وقال النسفي : " وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ولا يقصد المتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط حتى أنه يستعمل في ملك يعطى ويمنع بالإشارة من غير استعمال اليد ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزلا لقالوا ما أبسط يده بالنوال وقد استعمل حيث لا تصح اليد يقال بسط البأس كفيه في صدري فجعل للبأس الذي هو من المعاني كفان ومن لم ينظر في علم البيان يتحير في تأويل أمثال هذه الآية وقوله غلت أيديهم دعاء عليهم بالبخل ومن ثم كانوا أبخل خلق الله أو تغل في جهنم فهي كأنها غلت و إنما ثنيت اليد في بل يداه مبسوطتان وهى مفردة في يد الله مغلولة ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 291] أهـ ، وجاء تفسير الجلالين  " يد الله   مغلولة مقبوضة عن إدرار الرزق علينا كنوا به عن البخل تعالى الله عن ذلك قال تعالى غلت أمسكت أيديهم عن فعل الخيرات دعاء عليهم ولعنوا بما قالوا ( بل يداه مبسوطتان ) مبالغة في الوصف بالجود وثني اليد لإفادة الكثرة إذ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه ينفق كيف يشاء من توسيع وتضييق لا اعتراض عليه "  [تفسير الجلالين  ج: 1 ص: 149] أهـ ، وقال الألوسي : " فان كلا من غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود أو كناية  عن ذلك وقد استعمل حيث لا تصح يد ..ومنه قوله تعالى وقالت اليهود   يد الله   الآية عنوا الوصف بالبخل ورد عليهم بأنه جل جلاله جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط " [روح المعاني ج: 6 ص: 180] أهـ ، وقال الثعالبي "  وقوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان )  العقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله سبحانه وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يشبه لا يكيف ولا يتحيز ولا تحله الحوادث تعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا " [تفسير الثعالبي ج: 1 ص: 473] أهـ ، وقال ابن الجوزي : " والمراد بقوله بل يداه مبسوطتان أنه جواد ينفق كيف يشاء وإلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري قال ابن عباس إن شاء وسع في الرزق وإن شاء قتر " [زاد المسير ج: 2 ص: 393] أهـ ، وقال الطبري : " يقول تعالى ذكره وقالت اليهود من بين إسرائيل يد الله مغلولة يعنون أن خير الله ممسك وعطاءه محبوس عن الاتساع عليهم كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ، وإنما وصف تعالى ذكره اليد بذلك والمعنى العطاء لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضا إذا وصفوه بجود وكرم أو ببخل وشح وضيق بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه كما قال الأعشى في مدح رجل : ( يداك يدا مجد فكف مفيدة * وكف إذا ما ضن بالزاد تنفق ) فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يحصى   فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم .. يقول ( بل يداه مبسوطتان ) بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه غير مغلولتين ولا مقبوضتين "[ تفسير الطبري ج: 6 ص: 299] أهـ ،   وقال القرطبي :"قوله تعالى بل يداه مبسوطتان ابتداء وخبر أي بل نعمته مبسوطة فاليد بمعنى النعمة قال بعضهم  هذا غلط لقوله  بل يداه مبسوطتان فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد فيكون مثل قوله عليه السلام  مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين فأحد الجنسين نعمة الدنيا والثاني نعمة الآخرة وقيل  نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة كما قال وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه  النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك والباطنة ما ستر عليك من سيء عملك .. وقيل  إن النعمة للمبالغة كقول العرب : لبيك وسعديك وليس يريد الاقتصار على مرتين وقد يقول القائل :ما لي بهذا الأمر يد أي قوة قال السدي : معنى قوله يداه قوتاه بالثواب " [تفسير القرطبي ج: 6 ص: 239] أهـ  ، وقال رحمه الله :" لفظ التثنية يرد والمراد به الكثرة كقوله تعالى  بل   يداه مبسوطتان "[ تفسير القرطبي ج: 16 ص: 323] أهـ ، وقال رحمه الله :" فالاخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل والاصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله ولهذا قال الامام مالك بن أنس رضي الله عنه  من وصف شيئا من ذات الله عزوجل مثل قوله  وقالت اليهود ( يد الله   مغلولة فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه لأنه شبه الله تعالى بنفسه " [تفسير القرطبي ج: 11 ص: 256] أهـ ، وقال ابن كثير : " قال تعالى بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء أي بل هو الواسع الفضل الجزيل العطاء الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له " [تفسير ابن كثير ج: 2 ص: 76] أهـ ، وقال الجصاص في أحكام القرآن : " واليد في اللغة تنصرف على وجوه منها الجارحة وهي معروفة ومنها النعمة تقول لفلان عندي يد أشكره عليها أي نعمة ومنها القوة فقوله أولي الأيدي فسروه بأولي القوى ومنها الملك ومنه قوله الذي بيده عقدة النكاح يعني يملكها ومنها الاختصاص بالفعل كقوله تعالى خلقت بيدي أي توليت خلقه ومنها التصرف كقوله هذه الدار في يد فلان يعني التصرف فيها بالسكنى أو الإسكان ونحو ذلك وقيل أنه قال تعالى بل يداه على وجه التثنية لأنه أراد نعمتين أحدهما نعمة الدنيا والأخرى نعمة الدين والثاني قوتان بالثواب والعقاب على خلاف قول اليهود لأنه لا يقدر على عقابنا وقيل إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقولك لبيك وسعديك " [ أحكام القرآن 2 ج: 4 ص: 104-105 ] أهـ ،  وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ الفتح : 10 ]  ، قال الطبري : " وفي قوله   يد الله فوق أيديهم وجهان من التأويل أحدهما   يد الله   فوق أيديهم عند البيعة لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صلى الله عليه وسلم والآخر قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسوله صلى الله عليه وسلم لأنهم إنما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصرته على العدو " [تفسير الطبري ج: 26 ص: 76] أهـ ، وقال الواحدي:" يد الله فوق أيديهم نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة " [تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1008] أهـ ، وقال أبو السعود : "  وقوله تعالى يد الله فوق أيديهم حال أو استئناف مؤكد له على طريقة التخييل والمعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله وقرىء إنما يبايعون الله " [تفسير أبي السعود ج: 8 ص: 106] أهـ ، وقال رحمه الله : "وأما على طريقة المجاز العقلي بأن ينسب إليه تعالى ما حقه أن ينسب إلى الرسول أبانة لمكانته عنده تعالى كما ينبئ عنه قوله تعالى ( أن الذين يبايعونك أنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) " [ تفسير أبي السعود ج: 1 ص: 41] أهـ ، وقال الثعالبي : " وقوله تعالى يد الله قال جمهور المتأولين اليد بمعنى النعمة إذ نعمة الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها فوق أيديهم التي مدوها لبيعتك وقيل المعنى قوة الله فوق قواهم في نصرك ت وقال الثعلبي   يد الله   فوق أيديهم أي بالوفاء والعهد وقيل بالثواب وقيل   يد الله   في المنة عليهم فوق أيديهم في الطاعة عند المبايعة وهذا حسن قريب من الأول "[ تفسير الثعالبي ج: 4 ص: 174] أهـ ، وقال بن الجوزي : " يد الله   فوق أيديهم فيه أربعة أقوال   أحدها   يد الله   في الوفاء فوق أيديهم والثاني   يد الله   في الثواب فوق أيديهم والثالث   يد الله   عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة ..والرابع قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم "[ زاد المسير ج: 7 ص: 427] أهـ ، وقال القرطبي : " يد الله فوق أيديهم قيل  يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء ويده في المنة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة وقال الكلبي  معناه نعمة الله عليهم " [تفسير القرطبي ج: 16 ص: 267] أهـ ، وقال بن كثير : " ثم قال عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم تشريفا له وتعظيما وتكريما إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله كقوله جل وعلا من يطع الرسول فقد أطاع الله   يد الله   فوق أيديهم أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم " [ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 186] أهـ ، وقال الشوكاني : " يد الله   فوق أيديهم مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق التخييل " [ فتح القدير ج: 5 ص: 47] أهـ ، وقال السيوطي : " يد الله فوق أيديهم التي بايعوا بها النبي أي هو تعالى مطلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 680] أهـ ، وقال النسفي : " الله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام و إنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كقوله ( من يطع الرسول فقد اطاع الله )  "[ تفسير النسفي ج: 4 ص: 154] أهـ ، وقال الألوسي " يد الله  فوق أيديهم استئناف مؤكد لما قبله لأنه عبارة عن المبالغة قال في الكشاف لما قال سبحانه  إنما يبايعون الله أكده على طريقة التخييل فقال تعالى ( يد الله فوق أيديهم ) وأنه سبحانه منزه عن الجوارح وصفات الأجسام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما وفي المفتاح أما حسن الأستعارة التخييلية فبحسب حسن الأستعارة بالكناية متى كانت " [روح المعاني ج: 26 ص: 96] أهـ وقال رحمه الله : عند تفسير قوله تعالى { يد الله فوق أيديهم } ، " والسلف يمرون الآية كما جاءت مع   تنزيه الله   عز وجل عن الجوارح وصفات الأجسام وكذلك يفعلون في جميع المتشابهات ويقولون  إن معرفة حقيقة ذلك فرع  معرفة حقيقة الذات وأني ذلك وهيهات هيهات " [روح المعاني ج 26 ص97] أهـ ،  وقوله تعالى { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ آل عمران : 26 ] ، يفهم من سياق الآية أن بقدرة الله تعالى كل شي فلا يملك تقدير الأمور إلا هو سبحانه فلا يطلب الخير إلا منه لأنه سبحانه بيده الخير ، وحمل معنى سياق قوله تعالى ( بيدك الخير ) على القدرة لا على الجارحة هو ما اعتادته العرب من بلاغتها وهو الصحيح المحكم بقرينة ختم الآية بقوله (إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أي بعموم القدرة لله وحده ، قال أبو السعود في تفسير الآية " بيدك الخير   تعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر للتخصيص أي بقدرتك الخير كله لا بقدرة أحد غيرك "[ تفسير أبي السعود ج: 2 ص: 21] أهـ ، وقال الطبري " بيدك الخير   إنك على كل شيء قدير ..بيدك القدرة التي تفعل هذه الأشياء وتقدر بها على كل شيء " [تفسير الطبري ج: 3 ص: 227] أهـ ، وقال بن كثير " يقول تعالى منبها على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء كما قال قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء   بيدك الخير "[ تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 233] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي " بيدك الخير   إنك على كل شيء قدير ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات والشر مقضي بالعرض إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا أو لمراعاة الأدب في الخطاب " [تفسير البيضاوي ج: 2 ص: 24] أهـ  ،  وقوله تعالى { قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ آل عمران :73 ] ، وقوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  )[ سورة الملك : 1] ، وهاهنا التعبير القرآني (بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) كناية عن القدرة بقرينة ختم الآية بقوله تعالى { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  ولا يقصد بهذا الأسلوب العربي البليغ إثبات جارحة اليد وهذا لا يفهمه إلا شخص بعيد عن جمال اللغة وبديعها ، ولو كان المراد إثبات اليد على حقيقتها المعروفة لنا كجارحة لجاء التعبير المحكم بقوله إعلموا أن لله يد ، أو آمنوا بأن لله يد وهكذا كما جاءت الآيات المحكمات تترا بمثل قوله تعالى (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيد ٌ) و (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) و (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ، قال الزركشي :- وهو يتحدث عن مجاز القرآن – "  السادس عشر إطلاق اسم المحل على الحال   كقوله ( فليدع نادية)   وقوله تعالى ( وفرش مرفوعه ) اي نساؤه بدليل قوله ( إنا انشأناهن انشاء )  وكالتعبير باليد عن القدرة كقوله( بيده الملك ) "[ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 281] أهـ ، وقال السيوطي :- وهو يتحدث عن مجاز القرآن – " ومنه التعبير باليد عن القدرة نحو   بيده الملك " [ الإتقان ج: 2 ص: 101] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي في التفسير " ( تبارك الذي بيده الملك )   بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها " [تفسير البيضاوي ج: 5 ص: 360] أهـ ، وقال أبو السعود في تفسيره : " واليد مجاز عن القدرة التامة والاستيلاء الكامل أي تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما سواه ذاتا وصفة وفعلا الذي بقبضة قدرته التصرف الكلي في كل الأمور " أهـ ، وقال النسفي في تفسيره : "  تبارك تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين الذي   بيده الملك   أي بتصرفه الملك والاستيلاء عل كل موجود وهو مالك الملك يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء  " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 262] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره : " بيده الملك ..  استعارة تمثيلية لذلك ..أو إن الملك على حقيقته واليد مجاز عن الإحاطة والاستيلاء .. بيده الملك   البركة النماء والزيادة ..ومن الناس من حمل الملك على الموجودات وجعل اليد مجازا عن القدرة فيكون المعنى في قدرته الموجودة وتعقبه بعضهم بأن فيه ركاكة وأشار إلى أن الخلاص منها إما بجعل اليد مجازا عن التصرف أو بتفسير الملك بالتصرف وقيل المراد من كون الملك بيده تعالى أنه عز وجل مالكه فمعنى   بيده الملك   مالك الملك " [روح المعاني ج:29 ص: 3-4] أهـ ، وقال الطبري في تفسيره : " يعني بقوله تعالى ذكره تبارك تعاظم وتعالى الذي   بيده الملك   بيده ملك الدنيا والآخرة وسلطانهما نافذ فيهما أمره وقضاؤه " [تفسير الطبري ج: 29 ص: 1]أهـ ، وقال ابن كثير في تفسيره : " يمجد تعالى نفسه الكريمة ويخبر أنه   بيده الملك   أي هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله ولهذا قال تعالى وهو على كل شيء قدير " [تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 397] أهـ  ،  وقوله تعالى { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، وقوله تعالى { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } ، ( قلت ) : اليد تجمع على أيد قال تعالى { ألهم أيد يبطشون بها } وقال تعالى { والسماء بنيناها بأيد } و على أيدي قال تعالى { مما عملت أيدينا } ، فلا التفات إلى من زعم أن اليد لا تجمع على أيد لأن ذلك مما جاء في القرآن والقرآن نزل بلسان عربي مبين ، والمراد بالآية هاهنا  إثبات القوة والقدرة ، مثالها في ذلك تماما قوله تعالى { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } وقوله تعالى  { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ،  فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح مع أن جميع البشر بما فيهم الكفار والفجار لهم أيدي وأبصار ، أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو قوتهم في الطاعة وجدهم وتشميرهم للعبادة  ، واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل . فلا شك أن المعنى المقصود هو الثاني ،  وهاهنا في الآية { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } نفس المقصود إذ لم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه فصاحب اليد ( الجارحة ) يحتاج إلى يده لتناوله الأشياء وصاحب الرجل (الجارحة ) يحتاج إلى رجله ليتحرك بها وصاحب العين ( الجارحة ) يحتاج إلى عينه ليبصر بها وهكذا فالمتجزيء يحتاج إلى جزئه والمتبعض يحتاج إلى بعضه والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإثبات الجارحة ليس فيه أي معنى للكمال الإلهي المتصف بكمال الأحدية وكمال الصمدية وكمال القيومية وكمال الغنى ، بل هو نقص يتنزه الله تعالى عنه ويضاد جميع تلك الصفات العلا  ، ونعود إلى الآية فنقول : تأويل الأيد في الآية بالقوة ثابت عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما ، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد )  قال: بقوة   ، [تأويل التابعين للأيد في الآية بالقوة ] ،  فقد أخرج ابن جرير عن مجاهد و قتادة  والسدي وغيرهم من التابعين وأخرج البيهقي وغيره عن مجاهد في قولهم (والسماء بنيناها بأيد ) قالوا : يعني بقوة  ،  [وقد تواترت أقوال العلماء والمفسرين واللغويين على تأويل اليد بالقوة ] ، قال الطبري " ذا الأيد ويعني بقوله ذا الأيد ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته ..قال ابن زيد في قوله داود ذا الأيد قال ذا القوة في عبادة الله الأيد القوة وقرأ والسماء   بنيناها بأيد   قال بقوة " [تفسير الطبري ج: 23 ص: 136] أهـ ، وقال رحمه الله : " حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله والسماء   بنيناها بأيد   يقول بقوة   حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله بأيد قال بقوة   حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة " [تفسير الطبري ج: 27 ص: 7]أهـ ، وقال رحمه الله " ..عن ابن عباس قوله والسماء   بنيناها بأيد   يقول بقوة  ..عن مجاهد قوله بأيد قال بقوة   ..عن قتادة والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة " [ تفسير الطبري ج: 27 ص: 7] أهـ ، وقال القرطبي : " قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد )   ..ومعنى بأيد أي بقوة وقدرة " [تفسير القرطبي ج: 17 ص: 52] أهـ ، وقال البيضاوي :" والسماء   بنيناها بأيد   بقوة "[ تفسير البيضاوي ج: 5 ص: 241] أهـ ، وقال السيوطي في الدر المنثور "   وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله والسماء   بنيناها بأيد   قال  بقوة   وأخرج آدم بن أبي إياس والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله والسماء   بنيناها بأيد   قال  يعني بقوة " [ الدر المنثور ج: 7 ص: 623] أهـ ، وقال في التفسير : " والسماء   بنيناها بأيد   بقوة " [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 695] أهـ ، وقال بن كثير : "   كقوله تعالى والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة " [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 695] أهـ ، وقال رحمه الله : " يقول تعالى عن عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد والأيدي القوة في العلم والعمل عن ابن عباس رضي الله عنهما والسدي وابن زيد الأيدي القوة وقرأ ابن زيد والسماء   بنيناها بأيد   وإنا لموسعون وقال مجاهد الأيدي القوة في الطاعة "[ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 30] أهـ ، وقال أبو السعود : " والسماء   بنيناها بأيد   إي بقوة " [تفسير أبي السعود ج: 8 ص: 142]أهـ ، وقال البغوي : " والسماء   بنيناها بأيد   بقوة وقدرة " [تفسير البغوي ج: 4 ص: 234]أهـ ، وقال الشوكاني : "  والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة وقدرة ... وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبن عباس في قوله والسماء   بنيناها بأيد   قال بقوة " [ فتح القدير ج: 5 ص: 91] أهـ ، وقال بن الجوزي : "   والسماء بنيناها المعنى وبنينا السماء   بنيناها بأيد   أي بقوة وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر المفسرين واللغويين بأيد أي بقوة " [زاد المسير ج: 8 ص: 40] أهـ ، وقال الزركشي : " وقوله والسماء   بنيناها بأيد   أراد بالأيد القوة " [البرهان في علوم القرآن ج: 3 ص: 445]أهـ ، وقال النسفي : " بنيناها بأيد   بقوة والايد القوة " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 181] أهـ ، وقال الألوسي : " ويحتمل أنه جمع باعتبار كونه عظيم الشأن جليل القدر كجمع اليد بمعنى القدرة على قول في قوله تعالى  والسماء   بنيناها بأيد " [ روح المعاني ج: 23 ص: 35] أهـ ، وقال رحمه الله : " والسماء أي وبنينا السماء بنيناها بأييد أي بقوة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة "[ روح المعاني ج: 27 ص: 17] أهـ  ،  وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ( قلت ) : فصحاء العرب وأهل البلاغة فيه يعلمون من قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين .هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) وأيد جمع يد لقوله تعالى (ألهم أيد يبطشون بها ) فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، ولا عبرة لمن اعترض على ذلك بأن إبليس كان بوسعه أن يقول وأنا خلقتني بيدك لأن الأمر بالسجود لم يكن بعلة تميز آدم بالخلق باليدين ولكن لتمحيص المطيع بالأمر من المتكبر عنه ولذلك جاء في الآية الأخرى (.. أن تسجد إذ أمرتك ) ، ولا عبرة لمن قال : لو لم يكن لآدم مزية علي سائر الحيوانات باليد التي هي صفة لما عظمه بذكرها وأجله فقال ( بيدي ) ولو كانت القدرة لما كانت له مزية ، وقولهم : ميزه بذلك عن الحيوان فقد قال عز وجل : {خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ولم يدل هذا علي تمييز الأنعام علي بقية الحيوان وقال الله تعالي  { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون } أي بقوة ولم يدل ذلك على تميز السماء على بقية المخلوقات ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   فإن تواضعوا للعلم وقالوا فما معنى الآية ( لما خلقت بيدي ) قلنا : لا يليق بالخالق أن يحتاج إلى أن يفعل بواسطة ، لأن له الأحدية والغني المطلق بذاته منزه عن الأعضاء والاجزاء ، فلا ينبغي أن نتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه الباريء سبحانه من التعظيم بإثبات الأحدية { قل هو الله أحد } ونفي المثلية { ليس كمثله شيء } وذلك بنفي الأجزاء و الأبعاض والجوارح ، ونفي المماثلة في الأفعال بمس الطين ومعالجته حتى ظن بعض الجهلاء بما يجوز وما لا يجوز في حق الله تعالى  أن الله _تعالى_ مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته ، والمس قرين الاتحاد والحلول فما يقبل المس يقبلهما  ، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا ،  فسياق الآية يدل على أن المراد من قوله تعالى { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره { وعلم آدم الأسماء كلها } ، وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين .هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،  قال إمام الحرمين في العقيده النظامية : " وقد اختلف مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة 0 وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها  وإجراؤها على موجب ما تبتدره أفهام أرباب اللسان منها ، فرأى بعضهم تأويلها والتزام هذا المنهج في آي الكتاب ، وما يصح من سنن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل ، وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها الى الرب تعالى 0 والذي نرتضيه رأيا : وندين الله به عقلا : اتباع سلف الأمة 0 فالأولى الاتباع ، وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك : أن إجماع الأمة حجه متبعة ، وهو مستند معظم الشريعة ، وقد درج صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضى عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها ، وهم صفوة الإسلام ، والمستقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها ، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها 0 فلو كان تأويل هذه الآي والظواهر مسوغا ، ومحتوما ، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة 0واذا انصرم عصرهم ، وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع 0 فحق على ذي دين : أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ، ولا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى الرب تبارك وتعالى ، وعد إمام القراء وسيدهم : الوقوف على قوله تبارك وتعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله } من العزائم ، ثم الابتداء { والراسخون في العلم } [ آل عمران : 7 ]  ومما استحق من كلام امام دار الهجرة –رضى الله عنه – وهو مالك بن أنس رضى الله عنه 0 أنه سئل عن قوله تبارك وتعالى { الرحمن على العرش استوى } [ طه : 5 ] فقال ( الاستواء معلوم 0 والكيفية مجهولة 0 والسؤال عنه بدعه ) ، فلتجري آية الاستواء والمجيء وقوله ( لما خلقت بيدي ) [ص : 75] وقوله ( ويبقى وجه ربك )[الرحمن :  27] وقوله ( تجرى بأعيننا ) [ القمر  : 14] وما صح من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه فهذا ما يجب لله تبارك وتعالى ." [العقيده النظاميه ص 32] أهـ  ،  وإليك بعض أقوال العلماء في تفسير الآية :  قال الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسيره محاسن التأويل  " ( لما خلقت بيدي ) أي بنفسي من غير توسط كأب وأم " [محاسن التأويل : ج15 :  328] أهـ ، قلت : وذلك لأن إبليس من الجن فليس الأصل أما آدم فهو أصل الإنسان ، وقال النسفي في تفسيره : " ما منعك أن تسجد ما منعك عن السجود لما   خلقت بيدي   أي بلا واسطة امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي وقد مر أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيده فغلبت العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب هو ما عملت يداك وحتى قيل لمن لا يدين له يداك أو كنا وفوك نفخ وحتى لم يبق فرق بين قولك هذا مما عملته وهذا مما عملته يداك ومنه قوله مما عملت أيدينا ولما خلقت بيدي " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 45] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي : " قوله تعالى  ( لما خلقت بيدي ) اعلم أن اليد لغة حقيقة في الجارحة المعروفة وتستعمل مجازا في معان متعددة ..وإذا ثبت بالدليل العقلي تنزيه الله تعالى عن الجوارح لما فيه من التجزيء المؤدي إلى التركيب وجب حمل اللفظ على ما يليق بجلاله تعالى من المعاني المستعملة بين أهل اللسان وهي النعمة والقدرة والإحسان  " [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 122] أهـ    ، وجاء في تفسير البحر المحيط : " {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} معتقد أهل الحق أن الله تعالى ليس بجسم ولا جارحة له، ولا يشبه بشيء من خلقه، ولا يكيف، ولا يتحيز، ولا تحله الحوادث، وكل هذا مقرر في علم أصول الدين. والجمهور على أن هذا استعارة عن جوده وإنعامه السابغ، وأضاف ذلك إلى اليدين جارياً على طريقة العرب في قولهم: فلان ينفق بكلتا يديه. ومنه قوله:  ( يداك يدا مجد فكف مفيدة * وكفّ إذا ما ضنّ بالمال تنفق  ) ويؤيد أنّ اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق." [ البحر المحيط تفسير قوله تعالى (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)] أهــ ، وقال الكرماني في الكواكب الدراري: " والمقصود من الباب " لما خلقت بيدي " بيان ماورد في اليد مضافة إلى الله تعالى وهذا وأمثاله من الوجه والعين ونحوها من المتشابهات والأمة فيها طائفتان مفوضه ومؤولة فمن وقف على قوله تعالى : " إلا الله " ، وجعل " الراسخون " ابتداء كلام أخر فوض حكمها إلى الله تعالى ومن لم يقف وعطف أولها بما يليق به لأن البرهان قائم على امتناع حملها على حقائقها اللغوية فأولوا اليد بالقدرة فهو من صفات الذات ويقال هو في قبضتي أي في قدرتي ويقال أعمل مثل هذا بأصبعي إذا أراد القدرة عليه على سبيل استحقاره فإن قلت القدرة واحدة فما معنى بيدي ؟ قلت : هذا تمثيل إذ من اعتنى بشيء واهتم بإكماله باشره بيده ." [الكواكب الدراري ج12ص126] أهـ  ، قلت : أي والمراد فيستفاد من ذلك ان العناية بخلق آدم كانت أتم من العناية بخلق غيره ولا شك ،  وقال القرطبي في تفسيره : " واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى  وخذ بيدك ضغثا وهذا محال على الله تعالى وتكون للنعمة تقول العرب  كم يد لي عند فلان أي كم من نعمة لي قد أسديتها له وتكون للقوة قال الله عز وجل : { واذكر عبدنا داود ذا الأيد } أي ذا القوة وتكون للملك والقدرة قال الله تعالى : { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } وتكون بمعنى الصلة قال الله تعالى : { مما عملت أيدينا أنعاما } أي مما عملنا نحن وقال  أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح أي الذي له عقدة النكاح وتكون بمعنى التأييد والنصرة ومنه قوله عليه السلام (( يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم )) وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عنه تشريفا له وتكريما ، قال الله تعالى { يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } ،  فلا يجوز أن يحمل على الجارحة لأن الباري جل وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض " أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 238] ،  وقال الإمام ابن جماعة في كتابه إيضاح الدليل  : " الآية العاشرة قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) و ( يد الله فوق أيديهم ) و ( بل يداه مبسوطتان ) و ( بيده ملكوت كل شيء) و ( بيدك الخير ) : اعلم أن اليد لغة حقيقة في الجارحة المعروفة وتستعمل مجازا في معان متعددة كما سنذكره إن شاء الله تعالى , وإذا ثبت بالدليل العقلي تنزيه الله تعالى عن الجوارح لما فيه من التجزؤ المؤدي إلى التركيب وجب حمل اللفظ على ما يليق بجلاله تعالى من المعاني المستعملة بين أهل اللسان وهي النعمة والقدرة والإحسان  ، أما النعمة فكقولهم لفلان عندي يد لا أطيق شكرها ولفلان علي أياد يعجز عن شكرها والمراد نعم وإحسان يريدون التجوز واستعماله أن اليد آلة الإعطاء غالبا فأطلقت على النعمة بإطلاق السبب على المسبب ، وأما القدرة فكقولهم هذه البلدة في يد السلطان ويقال امري بيدك وفلان بيده الأمر والنهي ومنه قوله تعالى ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) والمراد في ذلك كله القدرة والتمكن من التصرف إذ ليس البلد والأمر والنهي وعقدة النكاح في حقيقة يد السلطان والولي التي هي عفو فتعين ان المراد قدرته وتصرفه  ، وقد تستعمل اليد مثله للتأكيد في التقدم كقوله تعالى ( بين يدي رحمته ) و ( قدموا بين يدي نجواكم صدقة ) ولا يد للرحمة والنجوى  ، إذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) فله ثلاثة أجوبة : ( أحدها ) : أن المراد مزيد العناية بنعمة عليه في خلقه وإيجاده وتكريمه كما يقال خذ هذا الأمر بكلتا يديك وأخذت وصيتك بكلتا يدي      ولا شك أن الاعتناء بخلق آدم حاصل بإيجاده وجعله خليفة في الأرض وتعليمه الأسماء وإسكانه الجنة وسجود الملائكة له فلذلك خصه بما يدل لغة على مزيد الاعتناء  ، (  الجواب الثاني ) : أن المراد بيدي القدرة لأن غالب قدرة الإنسان في تصرفاته بيده وثنيت اليد مبالغة في عظم القدرة فإنها باليدين أكثر منها بالواحدة  ،  الثالث : أن يكون ذكر اليدين صلة لقصد التخصيص به تعالى ومعناه لما خلقت أنا دون غيري ومنه قوله تعالى ( ذلك بما قدمت يداك ) أي بما قدمت أنت ومنه قولهم يداك أوكتا أي أنت فعلت ، وأما قوله تعالى  ( يد الله فوق أيديهم ) فقد قال الحسن وغيره أي منته وإحسانه ، وأما قوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان ) فلا يشك عاقل أن المراد بذلك الجود والإنعام لأنه ورد ردا على اليهود في قولهم ( يد الله مغلولة ) ولا يشك عاقل أنهم لم يقصدوا بذلك الفعل المعروف وإنما قصدوا إمساك نعمه عنهم وحبسها بإمساك المطر ونحو ذلك فرد عليهم بقوله ( بل يداه مبسوطتان ) أي بالخير وإفاضة النعم لمن شاء ولذلك قال ( ينفق كيف يشاء ) فبين المراد به  ، وأما إرادة بسط الجوارح المعروف حقيقة فلا يتوهمه عاقل فضلا عن اعتقاده ،  فإن قيل : إن كان المراد بخلقت بيدي القدرية لم يكن لآدم مزية لأن الخلق كلهم بقدرته ، قلنا المراد مزيته بالخلق في الإكرام بالأنواع التي ذكرناها ، وكذلك قوله تعالى (  مما عملت أيدينا ) فليس لها مزية على غيرها باعتبار الخلق وحده بل بإعتبار ما جعل في خلقها من المنافع المعدومة في غيرها ، فإن قيل فالقدرة شيء واحد لا يثنى ولا يجمع وقد ثنيت وجمعت ، قلنا هذا غير ممنوع فقد نطقت العرب بذلك بقولهم مالك بذلك يدان  ،    وفي الحديث عن يأجوج ومأجوج ما لأحد يدان بقتالهم  ،  فثنوا عند قصد المبالغة ومنه ،( بين يدي نجواكم صدقة ) و ( بين يدي رحمته ) وأيضا فقد جاء ( يد الله)  وجاء ( يداه مبسوطتان ) وجاء ( بأيدينا  )  فلو لم يحمل على القدرة وحمل على الظاهر لزم من تصوير ذلك ما يتعالى الله عنه  وقول بعضهم إن اليدين في قوله تعالى (خلقت بيدي)  صفتان قائمتان بذات الرب تعالى والمسلم يعقل معناها فقد تقدم الجواب عنه والرد عليه "[ ايضاح الدليل لابن جماعة] أهـــ    ،  وقال الإمام الحنبلي مرعي بن يوسف في كتابه أقاويل الثقات  : " ومن المتشابه اليد في قوله تعالى ( يد الله فوق أيديهم ) [ الفتح 10]  ( لما خلقت بيدي ) [ص 75]  ( بل يداه مبسوطتان ) [ المائدة 64] ) مما عملت أيدينا(  [ يس 71  ]  ( قل إن الفضل بيد الله  ) [ آل عمران 73  ]    وتأويله أن المراد باليد القدرة      وقال الأشعري اليد صفة ورد بها الشرع والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فإن في اليد تشريفا لازما ،  وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة قال الله ( يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي )    [ص : 75 ]  وقال   { بل يداه مبسوطتان  }  [ المائدة  : 64] وذكر الأحاديث الصحاح في ذلك كحديث يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده وحديث أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده وفي لفظ وكتب لك التوراة بيده وذكر أحاديث كثيرة مثل والخير بيديك ، وقال البيهقي قال بعض أهل النظر قد تكون اليد بمعنى القوة كقوله { داود ذا الأيد  }  [ ص : 17 ] ذا القوة وبمعنى الملك والقدرة كقوله  { إن الفضل بيد الله }[ آل عمران :  73 ]  وبمعنى النعمة كقولهم لي عند فلان يد وتكون صلة أي زائدة كقوله  { مما عملت أيدينا أنعاما } [  يس : 71 ] أي مما عملناه نحن وبمعنى الجارحة كقوله { وخذ بيدك ضغثا } [ ص : 44 ]  قال فأما قوله {  لما خلقت بيدي } فلا يحمل على الجارحة لأن البارئ واحد لا يتبعض ولا على القوة والقدرة والملك والنعمة والصلة لأن الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس ويبطل ما ذكره من تفضيله عليه لبطلان معنى التخصيص إذ الشياطين والأباليس وجماعة الكفرة خلقهم الله بقدرته ونعمه على آدم غير منحصرة فلم يبق إلا أن يحملا على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة وليس لذلك التخصيص وجه غير ما بينه الله تعالى في قوله     لما خلقت بيدي    انتهى ( أي كلام البيهقي )   تنبيه      من هذا النمط حديث الترمذي وابن ماجه ( إن الله تعالى لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي ) وفي حديث آخر ( إن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده )  وحديث أحمد ومسلم ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسييء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل )  قيل بسط اليد استعارة في قبول التوبة وإنما ورد لفظ اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بما يفهمونه وهو مجاز فإن يد الجارحة مستحيلة في حقه تعالى ، ومن المتشابه القبضة واليمين في وقوله تعالى ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه  ) [ الزمر 67 ]   وحديث البخاري ومسلم ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض )  وحديث مسلم ( يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ) الحديث     وحديث مسلم أيضا ( يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه فيقول أنا الله ويبسطها أنا الملك )   قال البيهقي المتقدمون من هذه الأمة لم يفسروا ما ورد من الآي والأخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله واحد لا يجوز عليه التبعيض  ، قال وذهب بعض أهل النظر إلى أن اليمين يراد به اليد واليد لله صفة بلا جارحة فكل موضع ذكرت فيه من الكتاب أو السنة فالمراد بذكرها تعلقها بالمكان المذكور معها من الطي والأخذ والقبض والبسط والقبول والإنفاق وغير ذلك تعلق الصفة الذاتية بمقتضاه من غير مباشرة ولا مماسة وليس في ذلك تشبيه بحال ، وهذا مذهب الحنابلة ، قال الخطابي وليس معنى اليد عندنا الجارحة وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى بها الكتاب والأخبار الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة     وقال بعض أهل التأويل كما في البيضاوي وغيره في الآية هو تنبيه على عظمته وكمال قدرته على الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين لا حقيقة ولا مجازا  ،  وقال بعضهم هو لبيان عظمة الله وجلاله وقدرته وأن المكونات كلها منقادة لإرادته ومسخرات بأمره ، وذهب آخرون إلى أن القبض قد يكون بمعنى الملك والقدرة كقولهم ما فلان إلا في قبضتي أي قدرتي ويقولون الأشياء في قبضة الله أي في ملكه وقدرته وعلى هذا التأويل مخرج الآية والحديث  ، ( تنبيه ) :  في حديث مسلم وغيره (( إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ))  قال النووي هو من أحاديث الصفات إما نؤمن بها ولا نتكلم بتأويل ونعتقد أن ظاهرها غير مراد وأن لها معنى يليق بالله تعالى أو تؤول على أن المراد بكونهم على اليمين الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة   وقوله (( وكلتا يديه يمين ))  فيه تنبيه على أنه ليس المراد باليمين الجارحة وأن يديه تعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال تنقص عن اليمين ، .. وقال الخطابي ليس فيما يضاف إلى الله سبحانه من صفة اليدين شمال لأن الشمال محل النقص والضعف والله أعلم " أهـــ [ أقاويل الثقات ج: 1 ص: 149إلى 158]

***

( 7  ) فصل ما جاء في الساق مضافاً إلى الله تعالى  :  ( أ ) الساق في مجاز اللغة يحمل على الشدة و الكرب : تقول العرب : قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها ، جاء في مختار الصحاح ج: 1 ص: 135 : ( قوله تعالى يوم   يكشف عن ساق   أي عن شدة ) ، وجاء في لسان العرب ج: 10 ص: 168 : ( يوم يكشف عن ساق إنما يريد به شدة الأمر كقولهم قامت الحرب على ساق ) ، وجاء في التبيان في تفسير غريب القرآن ج: 1 ص: 422 : (  يوم   يكشف عن ساق   إذا اشتد الأمر والحرب قيل كشف الأمر عن ساقه )  ،  ( ب ) الآية التي ذكرت فيها الساق ، والحديث الذي ذكر فيه الساق مضاف إلى الله تعالى وبيان المعنى المراد من الساق : قال الله تعالى : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ } [ القلم : 42 ] ، وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري الحديث ، وفيه : (( فيقولُ : هل بينَكم وبينَه آيةٌ فتَعْرِفونَه بها ؟ فيقولون : نعم ، فيُكْشَفُ عن ساقٍ ، فلا يَبْقَى من كان يسجدُ للهِ مِن تِلقاءِ نفسِه إلا أَذِنَ اللهُ له بالسجودِ . ولا يَبْقَى من كان يسجدُ اتقاءً ورياءً إلا جعل اللهُ ظَهرَه طبقةً واحدةً . كُلَّما أراد أن يَسجدَ خَرَّ على قفاهُ . ثم يَرفعونَ رؤوسَهم  )) [ أخرجه مسلم ح : 183 ] ، وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري الحديث نفسه ، وفيه : (( فيقول : هل بينكم وبينه آية تعرفونه ، فيقولون : الساق ، فيكشف عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة ، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا )) [ أخرجه البخاري : ح 7439 ] ، والملاحظ أنّ الآية : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } بصيغة المبني للمجهول ، وحديث مسلم : ((فيُكْشَفُ عن ساقٍ )) بنفس صيغة المبني للمجهول ، وحديث البخاري : ((فيكشف عن ساقه )) بصيغة المعلوم ، وقد نص الحافظ ابن حجر في الفتح ( 8  :  664 ) نقلا عن الحافظ الاسماعيلي وأقره : ( وأما لفظة " ساقه " بإثبات الهاء فهي لفظة غير محفوظة ) ثم قال الحافظ ابن حجر  : ( وهو من رواية سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم فأخرجها الإسماعيلي كذلك ثم قال في قوله " عن ساقه " نكرة . ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ " يكشف عن ساق " قال الإسماعيلي : هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة , لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين , تعالى الله عن ذلك ليس كمثله شيء ) أهـ [ فتح الباري : ج 8 ، صـ 664 ] ، وقال الألباني : .. ، ومع ذلك فلا ضير من صيغة المعلوم لأنا نري قول الله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ الحجر : 28 ، 29 ] ، وقوله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وكذلك قوله تعالى : { وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } [ التحريم : 12 ] ، وقد أجمع المسلمون على أنّها روح مخلوقة وأضافها الله تعالى إليه إضافة تشريف ، ونعود إلى قضية الساق ، فأقول : إنّ المعنى المراد من قوله تعالى : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ  } ، أي يُكشف عن شدة يوم القيامة وكربها ويدعى المنافقون إلى السجود لله فلا يستطيعون ، وبهذا قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وجمع غفير من التابعين ، وسار على ذلك العلماء والفقهاء والمتخصصون في العقيدة ، حتى من أثبت بها صفة الساق فقد نزه الله تعالى عن جارحة الساق وإلا صار مجسماً مشبهاً خارجاً عن أهل السنّة والجماعة الناجية ولا كرامة ،   (  ت ) تأويل الصحابة والتابعين للساق : قال شيخ المفسرين الطبري في تفسيره : " القول في تأويل قوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى لسجود فلا يستطيعون ) يقول تعالى ذكره ( يوم يكشف عن ساق ) قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل يبدو عن أمر شديد ، ذكر من قال ذلك 1) حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال ثنا عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس : يوم   يكشف عن ساق   قال هو يوم حرب وشدة  ، 2) حدثنا ابن حميد قال ثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن عباس يوم   يكشف عن ساق   قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق ، 3) حدثنا ابن حميد قال ثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم ( يوم يكشف عن ساق)   ولا يبقى مؤمن إلا سجد ويقسو ظهر الكافر فيكون عظما واحدا   وكان ابن عباس يقول يكشف عن أمر عظيم إلا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق ، 4) حدثني محمد بن سعد قال ثني أبي قال ثني عمي قال ثنا أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله يوم   يكشف عن ساق   يقول حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه ، 5) حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثنا معاوية عن ابن عباس قوله يوم   يكشف عن ساق   هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة ، 6) حدثني محمد بن عبيد المحاربي وابن حميد قالا ثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن مجاهد قوله  يوم   يكشف عن ساق   قال شدة الأمر وجده قال ابن عباس هي أشد ساعة في يوم القيامة ، 7) حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله يوم   يكشف عن ساق   قال شدة الأمر قال ابن عباس هي أول ساعة تكون في يوم القيامة غير أن في حديث الحارث قال وقال ابن عباس هي أشد ساعة تكون في يوم القيامة ، 8) حدثنا ابن حميد قال ثنا مهران عن سفيان عن عاصم بن كليب عن سعيد بن جبير قال عن شدة الأمر ، 9) حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله يوم   يكشف عن ساق   قال عن أمر فظيع جليل ، 10) حدثنا ابن عبد الأعلى قال ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة في قوله يوم   يكشف عن ساق   قال يوم يكشف عن شدة الأمر ، 11) حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول ثنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله يوم   يكشف عن ساق   وكان ابن عباس يقول كان أهل الجاهلية يقولون شمرت الحرب عن ساق يعني إقبال الآخرة وذهاب الدنيا .. ، 12)حدثنا ابن حميد قال ثنا ابن المبارك عن أسامة بن زيد عن عكرمة في قوله يوم   يكشف عن ساق   قال هو يوم كرب وشدة  وذكر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك يوم تكشف عن ساق بمعنى تكشف القيامة عن شدة شديدة والعرب تقول كشف هذا الأمر عن ساق إذا صار إلى شدة ومنه قول الشاعر : ( كشفت لهم عن ساقها       وبدا من الشر الصراح )    " [تفسير الطبري ج: 29 ص: 38] أهـ  ،  وقال السيوطي في الدر المنثور : " 1) أخرج الفريابي وسعيد بن مصور وابن منده والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق إبراهيم النخعي في قوله  يوم   يكشف عن ساق   قال  قال ابن عباس يكشف عن أمر عظيم ثم قال  قد قامت الحرب على ساق ..، 2) وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله  يوم   يكشف عن ساق   قال  إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر :  ( أصبر عناق أنه شر باق * قد سن لي قومك ضرب الأعناق * وقامت الحرب بنا على ساق ) قال ابن عباس  هذا يوم كرب وشدة ، 3) وأخرج الطستي في مسائلة عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله  يوم   يكشف عن ساق   قال  عن شدة الآخرة قال  وهل تعرف العرب ذلك  قال  نعم أما سمعت قول الشاعر  قد قامت الحرب بنا على ساق ، 4) وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس يوم   يكشف عن ساق   قال  هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة ، 5) وأخرج ابن مندة عن ابن عباس في قوله  يوم   يكشف عن ساق   قال  عن شدة الآخرة ، 6) وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مندة عن مجاهد في قوله  يوم   يكشف عن ساق   قال  عن شدة الأمر وجده قال  وكان ابن عباس يقول  هي أشد ساعة تكون يوم القيامة ، 7) وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قرأ يوم   يكشف عن ساق   قال  يريد القيامة والساعة لشدتها ، 8) وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله  يوم   يكشف عن ساق   قال  حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه ، 9) وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مندة من طريق عمرو بن دينار قال  كان ابن عباس يقرأ  يوم   يكشف عن ساق    بفتح التاء قال أبو حاتم السجستاني  أي تكشف الآخرة عن ساقها يستبين منها ما كان غائبا ..  ، 10) وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن عكرمة أنه سئل عن قوله  يوم   يكشف عن ساق   قال  إن العرب كانوا إذا اشتد القتال فيهم والحرب وعظم الأمر فيهم قالوا لشدة ذلك  قد كشفت الحرب عن ساق فذكر الله شدة ذلك اليوم بما يعرفون ، 11) وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله  يوم   يكشف عن ساق   فغضب غضبا شديدا وقال  إن أقواما يزعمون أن الله يكشف عن ساقه وإنما يكشف عن الأمر الشديد   "[ الدر المنثور ج: 8 ص: 254-255] أهـ  ،  ( 12 ) وقال البغوي في تفسيره : (يوم   يكشف عن ساق   قيل عن ساق قيل عن أمر فظيع شديد قال ابن عباس هو أشد ساعة في القيامة قال سعيد بن جبير يوم   يكشف عن ساق   عن شدة الأمر ) أهـ [ تفسير البغوي ج: 4 ص: 381 ] ، وقال ابن كثير في تفسيره : ( يوم   يكشف عن ساق   قال هو يوم القيامة يوم كرب وشدة رواه ابن جرير ثم قال حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن مسعود أو ابن عباس الشك من ابن جرير يوم   يكشف عن ساق   قال عن أمر عظيم ، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد يوم   يكشف عن ساق   قال شدة الأمر ) أهـ [ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 409 ] ، وقال القرطبي في تفسيره : (  وقريء يوم نكشف بالنون وقرأ ابن عباس يوم   يكشف عن ساق   بتاء مسمى الفاعل أي تكشف الشدة أو القيامة عن ساقها كقولهم  شمرت الحرب عن ساقها قال الشاعر  فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمر ، وذكر ابن المبارك قال  أخبرنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى  يوم   يكشف عن ساق   قال  عن كرب وشدة ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 249 ] ، ( 13 ) وقال فقيه الحنابلة ابن الجوزي في كتابه القيم الباز الأشهب - وهو يرد على حشوية الحنابلة والمحدثين - : (  ومنها قوله تعالي " يوم يكشف عن ساق " قال ( ابن عباس ومجاهد وابراهيم النخعي وقتادة ) وجمهور العلماء يكشف عن شدة ، وأنشدوا : " وقامت الحرب بنا علي ساق " ، وقال آخرون : إذا شمرت عن ساقها الحرب شمر ا ، قال ابن قتيبة : وأصل هذا أن الرجل إذا  وقع في أمر عظيم يحتاج إلي معاناه الجد فيه ، شمر عن ساقه ، فاستعيرت الساق في موضع الشدة . وبهذا قال الفراء وأبو عبيدة ، وثعلب واللغويون ، وروي البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي –صلي الله عليه وسلم - : " إن الله عز وجل يكشف عن ساقه " ، هذه إضافه إليه معناها : يكشف عن شدته وأفعاله المضافة إليه ومعني يكشف عنها يزيلها ، وقال عاصم بن كليب : رأيت سعيد بن جبير . غضب وقال : يقولون يكشف عن ساقه ، وإنما ذلك عن أمر شديد وقد ذكر أبو عمر الزاهد ان الساق بمعني" النفس " وقال ومنه قول علي رضي الله عنه لما قالت البغاة : لاحكم إلا الله فقال : لابد من محاربتهم ولو بلغت ساقي .... فعلي هذا يكون المعني يتجلي لهم ، وفي حدبث أبي موسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يكشف لهم الحجاب فينظرون إلي الله تعالي فيخرون سجدا ، ويبقي أقوام في ظهورهم كصياصي البقر ، يريدون السجود فلا يستطيعون " فذلك قوله تعالي " يوم يكشف عن ساق ويدعون إلي السجود فلا يستطيعون " ، وقد ذهب القاضي إلي أن الذات صفة ذاتية . وقال في مثله في يضع قدمه في النار : وحكي بن مسعود : ويكشف عن ساقه اليمني فتضيء من نور ساقه الأرض ، قلت : وذكر الساق مع القدم تشبيه محض وما ذكر عن بن مسعود محال ولا تثبت لله صفة بمثل هذه الخرافات ، ولا يوصف ذاته بنور شعاع تضيء به الأمكنة ، واحتجاجه بالإضافة ليس بشيء لأنه إذا كشف عن شدته ، فقد كشف عن ساقه ، وهؤلاء وقع لهم أن معني يكشف " يظهر " وإنما المعني يزيل ويرفع " . قال بن حامد : يجب الإيمان بأن لله تعالي ساقا صفة لذاته ، فمن جحد ذلك فقد كفر ، قلت : لو تكلم بهذا عامي جلف كان قبيحا ، فكيف بمن ينسب إلي العلم ؟ فإن المتأولين أعذر منهم لأنهم ردوا الأمر إلي اللغة ، وهؤلاء أثبتوا ساقا للذات ، وقدما حتي يتحقق التجسيم والصورة ) أهـ [الباز الأشهب ص 48-51] ،

(  ث  ) قلت وهكذا سواد المفسرين الأعظم على ذلك وانتظر - خشية الإطالة - البرهان للزركشي في علوم القرآن ج: 2 ص: 84 ، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج: 1 ص: 346 ، وتفسير الثعالبي ج: 4 ص: 330 ، وتفسير الواحدي ج: 2 ص: 1124 ، وتفسير أبي السعود ج: 9 ص: 18 ، وزاد المسير ج: 8 ص: 341 ، وتفسير النسفي ج: 4 ص: 271 ، وروح المعاني للألوسي ج: 29 ص: 35 ، وقال فيه : (  والمراد يوم يكشف عن أصل الأمر فتظهر حقائق الأمور وأصولها بحيث تصير عيانا .. وفي الساق على هذا المعنى استعارة تصريحية وفي الكشف تجوز آخر أو هو ترشيح للاستعارة باق على حقيقته وتنكير ساق قيل للتهويل على الأول وللتعظيم على الثاني وقيل لا ينظر إلى شيء منهما على الأول لأن الكلام عليه تمثيل وهو لا ينظر فيه للمفردات أصلا، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالساق ساقه سبحانه وتعالى وإن الآية من المتشابه واستدل على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد قال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا وأنكر ذلك سعيد بن جبير أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه سئل عن الآية فغضب غضبا شديدا وقال إن أقواما يزعمون أن الله سبحانه يكشف عن ساقه وإنما يكشف عن الأمر الشديد وعليه يحمل ما في الحديث على الأمر الشديد أيضا " أهـ ،  وقال الرازي في تفسيره للآية : ( { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } ، في تفسير الساق وجوه: الأول: أنه الشدة، وروي أنه سئل ابن عباس عن هذه الآية، فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر: ( سن لنا قومك ضرب الأعناق * وقامت الحرب بنا على ساق )  ثم قال: وهو كرب وشدة ، وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة، وأنشد أهل اللغة أبياتاً كثيرة منها : ( فإن شمرت لك عن ساقها  * فدنها ربيع ولا تسأم ) ، ومنها : ( كشفت لكم عن ساقها وبدا من الشر الصراح ) ، وقال جرير: ( ألا رب سام الطرف من آل مازن * إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا ) ، وقال آخر: ( في سنة قد شمرت عن ساقها حمراء تبرى اللحم عن عراقها ) ، وقال آخر: ( قد شمرت عن ساقها فشدوا * وجدت الحرب بكم فجدوا ) ، ثم قال ابن قتيبة أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه، يشمر عن ساقه، فلا جرم يقال في موضع الشدة: كشف عن ساقه، واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعمال الساق في الشدة مجاز ، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى، يستحيل أن يكون جسماً، فحينئذ يجب صرف اللفظ إلى المجاز ، .. القول الثاني: وهو قول أبي سعيد الضرير: {يوم يكشف عن ساق}، أي عن أصل الأمر، وساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر، وساق الإنسان، أي يظهر يوم القيامة حقائق الأشياء وأصولها ، القول الثالث: يوم يكشف عن ساق جهنم، أو عن ساق العرش، أو عن ساق ملك مهيب عظيم، واللفظ لا يدل إلا على ساق، فأما أن ذلك الساق ساق أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه ، والقول الرابع: وهو اختيار المشبهة، أنه ساق الله، تعالى الله عنه روى عن ابن مسعود عنه عليه الصلاة والسلام: «أنه تعالى يتمثل للخلق يوم القيامة حين يمر المسلمون، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله فيشهدهم مرتين أو ثلاثاً ثم يقول: هل تعرفون ربكم، فيقولون: سبحانه إذا عرفنا نفسه عرفناه، فعند ذلك يكشف عن ساق، فلا يبقى مؤمن إلا خر ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم كالطبق الواحد  كأنما فيها السفافيد )) ، واعلم أن هذا القول باطل لوجوه أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم محدث، لأن كل جسم متناه، وكل متناه محدث ولأن كل جسم فإنه لا ينفك عن الحركة والسكون، وكل ما كان كذلك فهو محدث، ولأن كل جسم ممكن، وكل ممكن محدث وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن، أما لو حملناه على الشدة، ففائدة التنكير الدلالة على التعظيم، كأنه قيل: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة، أي شدة لا يمكن وصفها وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه ) أهـ  ، وقال في موضع آخر - وهو يذكر الإلزامات على مذهب المجسمة من اثبات الساق كجارحة -  : ( إن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها وإما أن يزيد عليها :فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } [ القصص :88 ] ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله تعالى: { تجرى بأعيننا } [ القمر:14 ] ، وأن يثبت له جنبا واحداً لقوله تعالى { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] وإن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى{ مما عملت أيدينا } [يس:71] ، وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله {وكلتا يديه يمين} وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى { يوم يكشف عن ساق } [القلم: 42] ، فيكون الحاصل من هذه الصورة مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة, وجنب واحد؛ ويكون عليه أيد كثيرة, وساق واحد؛ ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور ولو كان هذا عبداً لم يرغب أحد في شرائه ، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة ؟!  وإن كان الثاني وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن بل يزيد وينقص على وفق التأويلات فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر ولابد له من قبول دلائل العقل ) أهـ [ مفاتيح الغيب : ج 7 ، صـ 148 ] ، وقال مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات : ( ومن المتشابه الساق في قوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود } [ القلم : 42 ] ،  وقوله عليه السلام في حديث البخاري ومسلم : (( قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة وفيه فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها فيقول نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه الحديث ، وفي بعض طرق مسلم يكشف ربنا عن ساقه ، قال الخطابي : هذا الحديث مما تهيب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهر لفظه ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقيف عند تفسير كل ما لا يحيط العلم بكنهه من هذا الباب ، وقال أهل التأويل هذا يؤول على معنى شدة الأمر وهوله ، قال الجوهري وغيره في قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق } ، أي عن شدة كما يقال قامت الحرب على ساق  ، وروى الحاكم في المستدرك من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى : {يوم يكشف عن ساق } ، فقال إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه من الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر  : ( قد سن لي قومك ضرب الأعناق * وقامت الحرب بنا على ساق )  قال ابن عباس هذا يوم كرب وشدة  ، وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } قال هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة  ، وقال بعض الأعراب وكان يطرد الطير عن الزرع في سنة جدبة  : " عجبت من نفسي ومن إشفاقها  * ومن طرادي الطير عن أرزاقها * في سنة قد كشفت عن ساقها " ) أهـ [ أقاويل الثقات ج: 1 ص: 173 ] ،

***

 

 

القاعدة الثانية عشرة

خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه

 

 

( أ ) قال القرطبي رحمه الله - في درة من كلامه - : " اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته  (( المجسمة  ))  الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك " أهـ [ تفسير القرطبي ج:4 ص:14 ] ،

( ب ) هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة ، لأنّ علم الله تعالى قديم ، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون ، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ *  وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ  }، وقوله تعالى : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، ، وقوله تعالى : { الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى : { ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، وقوله تعالى :  {  أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، قال الطبري في تفسير قوله تعالى : { إلا لنعلم من يتبع الرسول} " معنى : يعلم أوليائي وحزبي " أهـ   ، وقال البيضاوي : [ ج: 1 ص: 418 ] " ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه " أهـ  ، وقال القرطبي : [ ج: 2 ص: 156 ] "  المعنى إلا لتعلموا أننا نعلم فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها .. وقيل  المعنى إلا ليعلم النبي وأتباعه وأخبر تعالى بذلك عن نفسه كما يقال فعل الأمير كذا وإنما فعله أتباعه " أهـ  ، وقال أبو السعود في تفسيره  "  والمراد بالعلم ما يدور عليه فلك الجزاء من العلم الحالي أي ليتعلق علمنا به موجودا بالفعل وقيل المراد علم الرسول عليه السلام والمؤمنين وإسناده إليه سبحانه لما أنهم خواصه " أهـ [تفسير أبي السعود  ج: 1 ص: 173 ] ، وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى : { ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم  } "  ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ويكون ذلك كقوله تعالى : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } ، وكقوله تعالى : { وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } ، إلى أمثال ذلك من العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لامحالة ولهذا قال بعد هذا ، { وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } " أهـ  [تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 434]

( ت ) وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى ، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) } [ التوبة : 67 ] ، وقوله تعالى : { فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ السجدة : 14 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، قال القرطبي : " نسوا الله   فنسيهم   أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب " أهـ [ تفسير القرطبي ج: 2 ص: 68 ] ، وقال البيضاوي : " نسوا الله غفلوا عن ذكر الله وتركوا طاعته   فنسيهم   فتركهم من لطفه وفضله " أهـ [ تفسير البيضاوي ج: 3 ص: 156 ] ، وقال ابن كثير : وقوله فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا أي يعاملهم معاملة من نسيهم لأنه تعالى لا يشذ عن عمله شيء ولا ينساه كما قال تعالى : {في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } ، وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كقوله : {نسوا الله فنسيهم } ، وقال  : { كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } وقال تعالى : { وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } ، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا قال نسيهم الله من الخير ولم ينسهم من الشر وقال علي بن أبي طلحة عن أبي عباس قال نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا وقال مجاهد نتركهم في النار وقال السدي نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا " أهـ [ تفسير ابن كثير ج: 2 ص: 220 ] ، وقال البغوي : نسوا الله   فنسيهم   تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته في الآخرة وتركهم في عذابه " أهـ [ تفسير البغوي ج: 2 ص: 309 ] ، وقال السيوطي " فنسيهم  : تركهم من ثوابه وكرامته " [ الإتقان ج: 1 ص: 343 ] ،

( ث ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، قال الطبري في تفسيره : "  وأما تأويله فإنه وعيد من الله لعباده وتهدد كقول القائل الذي يتهدد غيره ويتوعده ولا شغل له يشغله عن عقابه لأتفرغن لك وسأتفرغ لك بمعنى سأجد في أمرك وأعاقبك وقد يقول القائل للذي لا شغل له قد فرغت لي وقد فرغت لشتمي أي أخذت فيه وأقبلت عليه وكذلك قوله جل ثناؤه سنفرغ لكم سنحاسبكم ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة  " أهـ  [تفسير الطبري ج: 27 ص: 136 ] ، وقال القرطبي : "  قوله تعالى : { سنفرغ لكم أيها الثقلان } ، يقال  فرغت من الشغل أفرغ فروغا وفراغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته ، والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده  إذا أتفرغ لك أي أقصدك وفرغ بمعنى قصد "  [ تفسير القرطبي ج: 17 ص: 168 ] ، وجاء في البرهان في علوم القرآن : "  قوله تعالى : { سنفرغ لكم أيها الثقلان } فرغ يأتي بمعنى قطع شغلا أتفرغ لك أي أقصد قصدك والآية منه أي سنقصد لعقوبتكم ونحكم جزاءكم  " أهـ [ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 84 ] ،

( ج ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وقوله تعالى : { قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } [ مريم : 9 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، جاء في لسان العرب : " {وهو أهون عليه } ، أي كل ذلك هين على ا وليست للمفاضلة لأنه ليس شيء أيسر عليه من غيره " أهـ [ لسان العرب ج: 13 ص: 438] ، وقال القرطبي : " المعنى أن الإعادة أهون عليه أي على الله من البداية أي أيسر وإن كان جميعه على الله تعالى هينا وقاله ابن عباس ووجهه أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء " أهـ [ تفسير القرطبي ج: 14 ص: 21 ] ، وقال الواحدي : " وهو أهون عليه   أي هين عليه وقيل هو أهون عليه عندكم وفيما بينكم لأن الإعادة عندنا أيسر من الابتداء " أهـ [ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 841 ] ، وقال الشوكاني : " وهو أهون عليه   أي هين عليه لا يستصعبه أو أهون عليه بالنسبة إلى قدرتكم وعلى ما يقوله له بعضكم لبعض وإلا فلا شيء في قدرته بعضه أهون من بعض بل كل الأشياء مستوية يوجدها بقوله كن فتكون قال أبو عبيد من جعل أهون عبارة عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله وكان ذلك على الله يسيرا وبقوله ولا يئوده حفظهما " أهـ [  فتح القدير ج: 4 ص: 221 ] ، وجاء في تفسير الجلالين :  "وهو أهون عليه   من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطبين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه وإلا فهما عند الله تعالى سواء في السهولة " أهـ [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 534 ] ، وقال الألوسي : " و أهون للتفضيل أي والإعادة أسهل على الله تعالى من المبدأ والأسهلية على طريقة التمثيل بالنسبة لما يفعله البشر مما يقدرون عليه فإن إعادة شيء من مادته الأولى أهون عليهم من إيجاده إبتداء والمراد التقريب لعقول الجهلة المنكرين للبعث وإلا فكل الممكنات بالنسبة إلى قدرته تعالى عز وجل سواء فكأنه قيل    وهو أهون عليه   بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم " أهـ [ روح المعاني ج: 21 ص: 36 ] ، فلا يظن مسلم أن الأمر بالنسبة لله تعالى فيه شيء هَيِّن وشيء أَهْوَن، وشيء شاقّ، فالمراد بهذه الألفاظ تقريب المعنى إلى أذهاننا ، والله تعالى لا يعجزه شيء ولا يعييه خلق ، بل يقول للشيء كُنْ فيكون: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [يس: 82] ، وظاهر الآيات محال على الله تعالى ،

( ح ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ معناه أنّ العالم كله محاط بالرحمن وأنّ الكون بما فيه داخل الرحمن ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [ النساء : 126 ] ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) } [ فصلت : 54 ] ، وهذه الادلة ظاهرها يفيد إحاطة الله تعالى الذاتية بكل شيء ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ،  واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى تقدس وتنزه عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى : { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ الطلاق : 12 ] ، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم ، وسع ربي كل شيء علما ،

( خ ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومنزه عن القرب الحسي بالذات ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : ] ، وقوله تعالى : { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } [هود : 61 ] ، ، وقوله تعالى : { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } [ سبأ : 50 ] ،، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ،

( د ) وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته ، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها كما ذكرناها في الباب الأول : القاعدة الثامنة : فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى ، بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ، ومثال ذلك قوله تعالى : { له ملك السموات والأرض يحي ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } [الحديد: 2 إلى 5 ] ، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله تعالى : { له ملك السموات والأرض} ، وقوله تعالى : {خلق السموات والأرض } ثم قوله تعالى : { له ملك السموات والأرض } ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون ، أولا: فقوله تعالى : { الأول والآخر } تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ، ثانيا : قوله تعالى : { الظاهر والباطن } تنزيه عن المكان لأن الظاهر يدل على العلو والباطن يدل على السفل والله تعالى خالق المكان بعلوه وسفله وهو منزه عن المكان وعن الاتحاد بالمخلوق أو الحلول فيه . وهذا يدل على بطلان قول الحشوية أنه في العلو على سبيل الحس دون السفل ونحن نقول أنه منزه عن العلو المحسوس والسفل المحسوس الذي يقاس بالمسافة ومع ذلك فهو أقرب إلى أحدنا من حبل وريده سبحانه ليس كوجوده وجود وليس كقربه قرب  ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، ثالثا : قوله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } دليل على قربه ، وليس القرب بأولى بالتأويل من الاستواء ، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى "المعية" ، رابعاً : جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية ) ، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر ، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف ، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع ، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي ، فلا القرب قرب الذات ، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق ، أو التفويض في الجميع ، قرب ليس كمثله شيء ، واستواء ليس كمثله شيء ، والحاصل أن القول الفصل في الاستواء  أنه على منهاج أهل السنة والجماعة ، لا يخرج عن ثلاثة أقوال جميعها عند أهل السنة صحيحة ، هي : أولا : أنه من باب الاستعارة التمثيلية (وهي أعلى مراتب البلاغة عند العرب) كالملك إذا كان ذا هيبة ومكانة عظيمة في بلده يعبرون عن علو قدره بأنه على كرسي الملك استوى وإلا فالاستواء بمعنى الجلوس ليس فيه أي إشارة إلى الكمال لأن الجلوس يتقنه كل أحد ، وعلى ذلك فالمقصود من الاستواء الدلالة على الاستعلاء والقهر وعلو الربوبية والتدبير بقرينة (يدبر الأمر )والتي تعقب ذكر الاستواء عادة والله تعالى أعلم ، وفي بيان الاستعارة التمثيلية جاء في فتح الباري : " قال الحافظ صلاح الدين العلائي : ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية وهي ان يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في اثبات المشترك قال وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسيم " أ هـ [فتح الباري ج: 13 ص: 431] ، والثاني : أنه ( استواء ) على مراد الله تعالى ومراد رسوله ، ليس كمثل استوائه استواء ، كما أنه ليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ، والثالث : معاملة صفات القرب والإحاطة والاستواء معاملة واحدة ، فإذا أثبتنا الاستواء أثبتنا القرب ، وأثبتنا الإحاطة ، وآنذاك ، يمتنع التكييف لأنه جمع بين الأضداد ، ويبقي ملاحظتان مهمتان ذكرتهما في الباب الأول ولأهمية فقههما أعيد ذكرهما هاهنا  : الملاحظة الاولى  : استدلت المشبهة على أنّ الاستواء استواء جلوس على العرش ، واختلفوا هل بمماسة أو من غير مماسة ، وهل بحد ونهاية أم من غير حد ونهاية ، وهل إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أم لا ، وكل هذه المصائب العقائدية أتت عليهم من تكييف الاستواء ، وأنه يشبه جلوس الملك على كرسيه ، وتناسوا أن ليس كمثله شيء ، تعالى عن الحد والتشبيه والتمثيل والتكييف ، وهل عقول البشر المحدودة تستطيع أن تحيط علماً باستواء الرحمن على العرش ، الملاحظة الثانية : استدلت الجهمية من هذه الآيات على أن الله موجود بذاته في كل مكان  لأنه الظاهر والباطن وأنه معنا حيث كنا فأنتصب السلف للرد على هذه البدعة وأوضحوا أن كلمة  بذاته زيادة شنيعة زادتها الجهمية في دين الله وأن الله تعالى قريب لا يغيب عنه مكان ولا يبعد عنه مخلوق ولكنه منزه عن الحلول بذاته في أي مكان ، ثم ظهرت الحشوية وقالوا أن الله موجود في مكان دون مكان ومكانه العرش وقال بعضهم أن العرش مكانه وأنه أكبر من ذات الرحمن بمقدار أربعة أصابع استدلوا له بحديث لا يصح ولا يجوز أن نأخذ من مثله حكما في الوضوء والطهارة فضلاً عن حكم يتعلق بذات الرحمن فانتصب الأصوليون من هذه الأمة لهذه البدعة وفندوا أخطاءها وأظهروا عوارها وبينوا أن الأماكن كله محدودة والله لا حد له وأن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان تنزه عن الحاجة إلى العرش وما دونه من المخلوقات حي قيوم قائم بنفسه قائم على حاجات خلقه ليس كمثله شيء له كمال الغنى سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو سبحانه كما أثنى على نفسه ، ملاحظة أخرى جديرة بالتسجيل : نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء كون الذات العلية مستوية مكاناً على العرش قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يمارى فيه إلا جهول مأفون ، وملاحظة أخرى : و نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء إلى السماء أنه الإنتقال من الأرض إلى السماء وذلك في قوله تعالى ((هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم )[ البقرة 29] أن  تصورهم الاستواء بهذه الصورة محض باطل وجهل عظيم ووقاحة في الإعتقاد ومشابهة لليهود في التجسيم والنصارى في الإتحاد والحلول لأنه يدل على حدوث العلو بعد السفل تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا والمعنى الصحيح الذي عليه الأئمة المفسرين أنه سبحانه قصد إلى خلق السماء  وليس صعد من الأرض إلى السماء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا  ،

( ذ ) وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس -  يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء ، كالوجه واليد والعين ، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم ، وعلى الوجه الذي يدل على الكمال ، مع تنزيه الله تعالى عن أوجه النقص فيها ، مع الاحتراس عن نفي ما أثبته الله تعالى ، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة ، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله ، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى : {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ، وقوله تعالى ( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة  : 115] ، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها : ( أ ) فثم قبلة الله ، ( ب ) فثم الله تبارك وتعالى يريد علمه معكم أينما كنتم ، ( ت ) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى كقوله تعالى (إنما نطعمكم لوجه الله) وقوله تعالى (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) أي لأجل رضا الله وابتغاء مرضاته ، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه ، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون ، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح ،   وكذلك جاءت الآيات في العين مضافاً إلى الله تعالى : والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، والوجه في حسن هذا المجاز : أن من عظمت عنايته بشيء وميله إليه ، ورغبته فيه ، كان كثير النظر إليه ، فجعل لفظ العين ـ التي هي آلة لذلك النظر ـ كناية عن شدة العناية ، فإذا جمعت العين دلت على كمال الحفظ والمبالغة فيه ، ولما اتفقت الأمة على تنزيه الله تعالى عن العين الجارحة لأنها تحمل معنى التجزؤ والتبعض والتصور وغير ذلك من سمات المخلوقين المحتاجين في النظر إلى جارحة العين والله تعالى له الأحدية والصمدية وكمال القيومية والغنى ، فهو منزه في إبصاره للخلق ونظره إليهم من جارحة العين وغيرها بل هو السميع البصير بلا جارحة أذن أو عين ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، وسيأتي طائفة كثيرة من أقوالهم في هذا المبحث إن شاء الله تعالى ، فقوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني }  معناه أي بمرأى منى كناية عن الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية والمراقبة ، وقوله تعالى ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، وكذلك جاءت الآيات في اليد مضافاً إلى الله تعالى ، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : {  بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } ،  فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ الفتح : 10 ]  ، فإن سياق الآية يدل على الرضا ببيعتهم ، والآية لم ترد للإخبار عن الله بأن له يداً ، وأن يده هذه فوق الصحابة المبايعين ، وإنما وردت لبيان قضية أكبر من ذلك والإخبار عن مسألة أعظم ، ألا وهي تأكيد هذه البيعة وتعظيم أمرها والإخبار عن شرفها  وعلو مقامها ، وربطها بالله سبحانه وتعالى مباشرة لتقوية روابطها وتوثيق عراها  لذلك بدأت الآية بالبيعة فقال : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) ثم تَدرج إلى التنبيه إلى أن البيعة مع الله فقال : ( إنما يبايعون الله ) ثم صوَّر هذا المعنى لتقريبه إلى الأذهان فقال: (يد الله فوق أيديهم ) تعظيماً وتبريكا ، ثم بين ما يترتب على قضية اليد للمبايعة والمبايَعَة من الالتزام بالعهد والميثاق وخطر الخيانة ، وأن الذي يخون إنما يخون الله فقال : ( ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ) ، وقد تقدم ذكر أقوال المفسرين التي تؤيد ذلك ، وقوله تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  } [ سورة الملك : 1] وهاهنا التعبير القرآني (بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) كناية عن القدرة بقرينة ختم الآية بقوله تعالى { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  ولا يقصد بهذا الأسلوب العربي البليغ إثبات جارحة اليد وهذا لا يفهمه إلا شخص بعيد عن جمال اللغة وبديعها ، ولو كان المراد إثبات اليد على حقيقتها المعروفة لنا كجارحة لجاء التعبير المحكم بقوله إعلموا أن لله يد ، أو آمنوا بأن لله يد وهكذا كما جاءت الآيات المحكمات تترا بمثل قوله تعالى (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيد ٌ) و (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) و (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ، وقوله تعالى { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، وقوله تعالى { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } ، واليد تجمع على أيد قال تعالى { ألهم أيد يبطشون بها } وقال تعالى { والسماء بنيناها بأيد } و على أيدي قال تعالى { مما عملت أيدينا } ، فلا التفات إلى من زعم أن اليد لا تجمع على أيد لأن ذلك مما جاء في القرآن والقرآن نزل بلسان عربي مبين ، والمراد بالآية هاهنا  إثبات القوة والقدرة ، مثالها في ذلك تماما قوله تعالى { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } وقوله تعالى  { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ،  فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح مع أن جميع البشر بما فيهم الكفار والفجار لهم أيدي وأبصار ، أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو قوتهم في الطاعة وجدهم وتشميرهم للعبادة  ، واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل . فلا شك أن المعنى المقصود هو الثاني ، وهاهنا في الآية { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } نفس المقصود إذ لم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه فصاحب اليد ( الجارحة ) يحتاج إلى يده لتناوله الأشياء وصاحب الرجل (الجارحة ) يحتاج إلى رجله ليتحرك بها وصاحب العين ( الجارحة ) يحتاج إلى عينه ليبصر بها وهكذا فالمتجزيء يحتاج إلى جزئه والمتبعض يحتاج إلى بعضه والله تعالى أحد منزه عن البعضية ، صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإثبات الجارحة ليس فيه أي معنى للكمال الإلهي المتصف بكمال الأحدية وكمال الصمدية وكمال القيومية وكمال الغنى ، بل هو نقص يتنزه الله تعالى عنه ويضاد جميع تلك الصفات العلا  ، وقوله تعالى { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ، قلت : فصحاء العرب وأهل البلاغة فيه يعلمون من قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين .هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبعض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) وأيد جمع يد لقوله تعالى (ألهم أيد يبطشون بها ) فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، ولا عبرة لمن اعترض على ذلك بأن إبليس كان بوسعه أن يقول وأنا خلقتني بيدك لأن الأمر بالسجود لم يكن بعلة تميز آدم بالخلق باليدين ولكن لتمحيص المطيع بالأمر من المتكبر عنه ولذلك جاء في الآية الأخرى (.. أن تسجد إذ أمرتك ) ، ولا عبرة لمن قال : لو لم يكن لآدم مزية علي سائر الحيوانات باليد التي هي صفة لما عظمه بذكرها وأجله فقال ( بيدي ) ولو كانت القدرة لما كانت له مزية ، وقولهم : ميزه بذلك عن الحيوان فقد قال عز وجل : {خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ولم يدل هذا علي تمييز الأنعام علي بقية الحيوان وقال الله تعالي  { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون } أي بقوة ولم يدل ذلك على تميز السماء على بقية المخلوقات ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن ، ولا يليق بالخالق أن يحتاج إلى أن يفعل بواسطة ، لأن له الأحدية والغني المطلق بذاته منزه عن الأعضاء والاجزاء ، فلا ينبغي أن نتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه الباريء سبحانه من التعظيم بإثبات الأحدية { قل هو الله أحد } ونفي المثلية { ليس كمثله شيء } وذلك بنفي الأجزاء و الأبعاض والجوارح ، ونفي المماثلة في الأفعال بمس الطين ومعالجته حتى ظن بعض الجهلاء بما يجوز وما لا يجوز في حق الله تعالى  أن الله _تعالى_ مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته ، والمس قرين الاتحاد والحلول فما يقبل المس يقبلهما  ، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا ، فسياق الآية يدل على أن المراد من قوله تعالى { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره ، وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين .هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } ، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،

[ أقوال العلماء في أنّ ظواهر المتشابهات غير مرادة  ]  :  نقل النووي عن القاضي عياض المالكي : " أنه لا خلاف بين المسلمين قاطبه فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظائرهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله تعالى : {ءأمنتم من في السماء}  ونحوه ليس على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم " أهـ [ شرح مسلم 5 : 24  ] ،  وقال النووي في المجموع : " وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة حين يبقى من ثلث الليل الآخر يقول من يدعو فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له )) رواه البخاري ومسلم وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران أحدهما تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين والثاني الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد   تنزيه الله   بحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى ليس كمثله شيء وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم " [ المجموع ج: 4 ص: 51 ] ، وقال القرطبي رحمه الله : " اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته   المجسمة   الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك " أهـ [ تفسير القرطبي ج: 4 ص: 14 ] ، وقال رحمه الله في المفهم : " ( يمين الله ملأى ) : نسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية عبر بها عن كثرة العطاء والقدرة عليه وحمل هذه الاستعارة عادة التخاطب وحصول التفاهم ومنه قوله تعالى ( لأخذنا منه باليمين ) واليد عبارة عن القدرة وتسميتها باليمين على ما تعارفناه فيما بيننا من أن القوة والبطش والتصرف إنما هو باليمين ولأنه مشتق من اليمين والبركة ، وكذلك قال في حديث آخر : ( وكلتا يديه يمين ) نافيا لتوهم النقص والقصور في حقه تعالى وكذلك كل ما أطلق على الله تعالى مما يدل على الجوارح والأعضاء كالأعين والأيدي والجنب والأصبع وغير ذلك مما يلزم من ظاهره التجسيم الذي تدل العقول بأوائلها على استحالته فهي كلها متأولة في حقه تعالى لاستحالة حملها على ظواهرها " أهـ [ المفهم ج3ص37 ] ،  وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره : " { ثم استو ى على العرش } وللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها , وإنا نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح .مالك الأوزاعي , والثوري ,والليث ابن سعد ,والشافعي ,وأحمد ,واسحاق بن راهوية , وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا ,وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل , والظاهر المتبادر الى أذهان المشبهين , منفي عن الله , لا يشبهه شيء من خلقه { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } " أهـ  [ تفسير بن كثير الآية 54 سورة الأعراف ] ،   وقال العلامة القاضي ابن جماعة : في كتابه القيم إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل " واتفق السلف وأهل التأويل على أن ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاعتدال واختلفوا في تعيين ما يليق بجلاله من المعاني المحتملة كالقصد والاستيلاء فسكت السلف عنه وأوله المؤولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيز والمكان وكذلك لا يوصف بحركة أو سكون أو اجتماع وافتراق لأن ذلك كله من سمات المحدثات وعروض الأعراض والرب تعالى مقدس عنه  " أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 103 ] ،  وقال الزركشي في البرهان في علوم القرآن : " النوع السابع والثلاثون  في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات   وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق   أحدها أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا تؤول شيئا منها وهم المشبهة   والثاني أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف   والثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به   والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة " أهـ [  البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 78 ] ،  وقال عبد الله بن عبد الرحمن المكي الهاشمي : " عقيدة الهدى في تفسير ما يوهم تشبيها من صفاته تعالى : بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بماهي عليه من قدر معين " في حجمه وأجزائه وشكله ومكانه وزمانه وصفاته وخفة وثقل ونور وظلمة وعلو وسفل وحركة وسكون وصعود ونزول وأمكنة وجهات وقرب وبعد , إلى سائر خصائص المادة ، قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } وقال تعالى : { جعل الله لكل شيء قدرا ؤ وقال تعالى : { وإن من شيء إلاّ عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ، فهذه الآيات تعطيك أن كل مقدر بقدر محدود هو مخلوق ,وتجعل ذلك التقدير سمة من سمات حدوثه ، وبرهانا على كونه مخلوقا , وأن موجده ومخصصه بقدرة الذي هو عليه هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته أو أن يوصف تعالى بما هو من خصائص الأجسام ولوازمها كالتركيب والأجزاء والصورة والشكل والمكان والجهة والقرب والبعد والصعود والنزول والحركة والسكون . فاحتج الله على خلق الإنسان بتركيبه وصورته إذ قال : { في أي صورة ما شاء ركبك } ، وإمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام الذي قال ربه : {وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } ، احتج على قومه لإبطال ألوهية الكواكب بحركتها ونقلتها لدلالتها على حدوث المتحرك ومخلوقيته وخص هذا النوع من الحركة لأنه أظهر للمخاطبين في الاستدلال على المقصود ، فيتعالى عن الجسمية ولوازمها :كالتركيب والأجزاء والصورة والمكان والجهة والقرب والبعد والحركة والسكون , من قال : {سبحان ربك رب العزة عما يصفون } ، ومن قال : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير  } ،  ومن جوز الحركة والنقلة أو الجسمية ولوازمها فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه من الصابئة والوثنيين ، ولما كان الوصف بذلك بمعزل عن قدسه الأعلى لدلالتها على الحدوث والافتقار أطبق الصحابة ومن بعدهم من محققي سلف الأمة وخلفها على أن ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة مما يوهم التشبيه بخلقه تعالى مصروف عن ظاهره الحسي المتعارف ، فلا يفسر الاستواء بالجلوس والاستقرار على العرش ,ولا يفسر الوجه والعين والقدم واليد والساق وسواها من الجوارح والأعضاء ، وحسبك أنهم سموها صفات ولم يسموها أعضاء ، ولا يفسر العلو والنزول والانتقال على المعنى الظاهر الحسي الذي هو من لوازم الأجسام ،  وبعد اتفاق سواد العلماء سلفهم وخلفهم على أن المعنى الظاهر الحسي الذي هو من لوازم الأجسام غير مراد فهذا يعني اتفاق السلف والخلف على التنزيه , وعلى آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة التي توهم تشبيها مصروفات عن كل ما يخطر في أوهام الواهمين ,وما يرد على قلوب أولي التشبيه والتجسيم ، غير أن أغلب أحوال السلف بعد هذا التنزيه هو عدم تعيين المراد بل اكتفوا بقراءة ألفاظها كما وردت لا يبدلون لفظا بمقاربة ولا يتبعون ذلك بزيادة ولا تفسير . وذلك هو معنى قولهم:" أمروها كما جاءت" وبقولهم :" نؤمن بها بلا كيف وبلا تشبيه " فإن نفي الكيف ونفي التشبيه وتسميتهم الوجه واليد ونحوهما صفات لا أجزاء ولا أعضاء مع ما أثر عنهم من قولهم : " قراءتها تفسيرها " صريح في براءة ساحة أئمة الدين مما ألصقه بهم أهل التشبيه والتجسيم ، وتوقفهم في بيان المعنى المراد منها لم يكن عن جهل منهم بما يصح أن يراد بها في المعاني اللائقة به تعالى , وإنما لأن باب اللغة فقد يكون للفظ معنيان صحيحان فكان الحذر عندهم من تعيين المراد أسلم ,على أنهم في كثير من الحالات قد أوضحوا فيها المعاني اللائقة به تعالى دفعاً في نحور المبتدعين الذين يدخلون في عقول الضعفاء أنه لامعاني لهذه المتشابهات إلا تفسيرها بظواهرها المحالة على الله من المعاني الحسية والجسمية التي هي من دلائل حدوث من قامت به كتفسير الاستواء بالاستقرار على العرش , والوجه واليد بالأعضاء والجوارح , والنزول بالنزول الحسي المتعارف ، فأفصح أحمد لما سئل في محنته عن قوله تعالى: { وجاء ربك }  بأن المراد مجيء أمره ،  وأفصح مالك عن حديث نزول الرب تعالى فقال : هو نزول رحمته لا نزول نقله .وفي هذا دلالة على أن من تأول النصوص بالمعاني الظاهرة التي تخطر بأوهام العوام فليس هو من السلف ولا أتباعهم أما في عهد من بعد السلف ممن سموهم بالخلف فقد كثر المبتدعة ولج الجهلة في طلب تأويل هذه المتشابهات وبيان المراد منها ,ودفعاً في صدور الذين كانوا يفسرونها بظواهرها من المعاني الحسية الجسمية ويزعمون أن تفسيراتهم العامية هذه هو ما كان عليه الأنبياء والمرسلون وأئمة هذا الدين مما كذبوا في بعض ما نقلوه عنهم ومما أخطأوا في فهم الصواب والمراد مما صح نقله كما نقلناه عن السلف في قولهم أمروها كما جاءت وقولهم : نؤمن بها بلا كيف وبلا تشبيه وقولهم : قراءتها تفسيرها ، فلكل هذه الأسباب كانت طريقة أكثر الخلف هو تعيين المراد من تلك النصوص طبق ما تقتضيه اللغة العربية التي نزل بها القرآن ،وما دام تعيين المراد يسير وفق ما تقتضيه اللغة العربية في تصرفاتها ووجوه استعمالاتها فلا يخرج عن أساليب اللغة من تمثيل وتصوير ومجاز وكناية حسب ما تقتضيه القرائن اللفظية والحالية وجزالة المعنى وفحامته ،  قال الإمام ابن دقيق العيد :" إن كان التأويل من المجاز البين الشائع فالحق سلوكه من غير توقف ,وإن كان من المجاز البعيد الشاذ فالحق تركه ,وإن استوى الأمران فالاختلاف في جوازه وعدم جوازه مسألة فقهية اجتهادية ، الأمر فيها ليس بالخطأ بالنسبة للفريقين " يريد المؤولين والمفوضين ، وأنت إذا استقريت ما جاء في الكتاب وصحاح الأحاديث من هذه المتشابهات وجدت جلها من القسم الأول في كلام ابن دقيق العيد وهو المجاز البين الشائع الذي قامت القرينة اللفظية والحالية على عدم إرادة الحقيقة اللغوية منه .وعل العموم فإنه إذا كان للآية أو الحديث معنيان وقد قامت القرائن ونطقت البراهين بأن أحد المعنيين غير مراد فلا يحمل لفظ الكتاب أو الحديث على الحقيقة غير اللائقة بقدسه تعالى عند قيام القرائن على المعنى المجازي أو الكنائي إلا من انسلخ عن العربية وما عقل عن الله تعالى معنى ما أراد ،  قال الشريف الجرجاني في " شرحه على المواقف " :" من كان له رسوخ قدم في علم البيان حمل أكثر ما ذكر من الآيات والأحاديث المتشابهة على التمثيل والتصوير , وبعضها على الكناية ,وبعضها على المجاز مراعيا لجزالة المعنى وفخامته فعليك بالتأمل فيها وحملها على ما يليق بها " وقد علمت أن من أظهر دلائل حدوث الذات وأنها مخلوقة أن تكون ذات أجزاء فجزء وجه , وآخر عين , وثالث يد , ورابع رجل وهكذا , وأن تكون ذات جهة ومكان وحركة وانتقال وتحول من حال إلى حال ، وقد علمت أن من قال أن التأويل هو طريقة الخلف وليس طريقة السلف إنما هو من ضيق اطلاعه , بل إن التأويل قد سلكه كلا الفريقين وغلب على السلف تركه لعدم الحاجة إليه ,ومن سلكه منهم أو ممن بعدهم فإنما سلكوه لشدة الحاجة إليه كما نقلناه عن مالك في النزول ,وعن أحمد في قوله : { وجاء ربك }  وقلته وكثرته إنما تكون لقلة الحاجة أو كثرتها حسب ما يفشو في المجتمع من بدع وانحرافات كما علمت أن من أول أو فوض قائل بالتنزيه أي أن المعنى الظاهر الحسي الذي هو من لوازم الأجسام غير مراد ، فمن قال بتركيب ذات الله من الأجزاء ,وحمل الوارد من ذلك على الأعضاء , ونسب إليه تعالى الاستقرار على العرش أو الجلوس عليه ,أو حمل العلو الحسيّ والنزول على النزول الحسي, واعتقد فيه سبحانه الجهة والمكان وجوز عليه الحركة والانتقال الحسي والصورة أو اعتقد أن ما ورد بحقه تعالى من الرحمة واللذة والألم والفرح والحزن والحقد والغضب والتعجب والمكر ونحو ذلك من الكيفيات مراد بها المعنى المتعارف في الخلق الذي هو انفعالات ولم يفطن إلى أن المراد غاياتها فجرى التعبير عن إضافة الجود بالرحمة وعن الرضا والسخط باللذة والألم والفرح والحزن ونحو ذلك ، ومن ذهب إلى تلك المعاني الظاهرة الحسية والجسمية في كل ما ذكرناه فإنه ما فهم معنى ما ورد ولا تابع السلف كما يدعي لأن كتاب الله ينادي بأن كل مقدر حادث مخلوق فوجب عليه ذلك دليلا على الحدوث منزها عما هو من خصائص الأجسام ولوازمها ,ويتعالى عنها جميعا بموجب آيات التنزيه الكثيرة ، والله تعالى الذي يقول :{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ؤ لو كانت ذاته مقدرة بقدر أو مركبة من أجزاء لكان له من خلقه أمثال لا تحصى , تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا " أهـ [ السلفية المعاصرة مناقشات وردود صـ181 إلى صـ  184]  ،  وقال القضاعي في فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان : " وهكذا اتفق سلف هذه الأمة الصالح وخلفها الموفق على صرف هذه المتشابهات عن هذه الظواهر المادية ، لا خلاف في ذلك بين أوائلهم وأواخرهم رضي الله عنهم، وسموا من فسرها بتلك الظواهر بالمجسمة والحشوية إيماء منهم رضي الله عنهم إلى أن ما أتى به هؤلاء من التفسير من اللغو الذي لا يلتفت إليه ، والحشو الذي لا يعول أهل العلم بالكتاب والسنة عليه  ، ( تتمة ) : ونختم هذا الفصل بذكر فتوى في هذا الموضوع صدرت من شيخ الإسلام بحق ، ورأس المحققين الأعلام ، أستاذ الأساتذة ، الشيخ سليم البشري تغمده الله برحمته وأعلى في الفراديس درجاته ، ونص السؤال والجواب نقلاً عن كتاب شمس الحقيقة والهداية في الرد على أهل الضلالة والغواية للعلامة المحقق والنقي الموفق الشيخ أحمد بن العلامة الكبير الشيخ علي بدر ، شيخ معهد بلصفورة ، وهو رافع السؤال إلى شيخ الإسلام رضي الله عنهما ، ( قال ) : ما قولكم دام فضلكم في رجل من أهل العلم هنا من الذين يوصفون بالتفقه في الدين تظاهر باعتقاد ثبوت جهة الفوقية لله سبحانه وتعالى ، ويدعي أن ذلك مذهب السلف ، وتبعه على ذلك البعض القليل من الناس ، وجمهور أهل العلم ينكرون عليه   ، والسبب في تظاهره بهذا المعتقد كما عرض علي هو بنفسه ذلك عثوره على كتاب لبعض علماء الهند نقل فيه صاحبه كلاما كثيرا عن ابن تيمية في إثبات الجهة للباري سبحانه وتعالى  ، وليكن معلوماً أنه يعتقد الفوقية الذاتية له جل ذكره ، يعني أن ذاته سبحانه فوق العرش بمعنى ما قابل التحت مع التنزيه ، ويخطئ أبا البركات الدردير رضي الله عنه في قوله في خريدته :منزه عن الحلول والجهة والاتصال الانفصال والسفه ، يخطئه في موضعين من البيت : قوله والجهة ، وقوله والانفصال  ، والشيخ اللقائي في قوله :ويستحيل ضد ذي الصفات في حقه كالكون في الجهات ، وبالجملة هو يخطئ كل من يقول بنفي الجهة مهما كان قدره ، ويستدل أيضاً بنص كتاب آخر غير الكتاب المتقدم ذكره ، وهو تفسير الشيخ الآلوسي المسمى بروح المعاني ، عند قوله تعالى ( وهو القاهر فوق عباده ) مع أن المطلع على عبارة الآلوسي يجده في آخر عبارته ذكر ما يؤخذ منه أنه غير جازم بذلك . ويستدل على ذلك بمثل قوله تعالى ( وهو القاهر فوق عباده ) ( يخافون ربهم من فوقهم ) ( إليه يصعد الكلم الطيب ) وبقوله صلى الله عليه وسلم للجارية التي أراد سيدها عتقها : أين الله ؟ فقالت في السماء . مع ما هو معلوم لفضيلتكم من أنها كانت خرساء وأشارت إلى السماء كما هو منصوص ، وفي بعض مؤلفات حجة الإسلام الغزالي رضي الله عنه ، وقد تعرض لذلك السيد محمد مرتضى في شرحه للإحياء ، ويستدل أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : اللهم اشهد ، وأشار بإصبعه إلى السماء ، ويورد على من ينازعه في ذلك سؤال الكرامية المشهور وهو قولهم إن نفيه عن الجهات الست إخبار عن عدمه ، ولا يخفى على فضيلتكم أن الكلام في مسألة الجهة شهير ، إلا أنه من المعلوم أن قول فضيلتكم سيما في مثل هذا الأمر هو الفصل، وأرجو أن يكون عليه إمضاؤكم بخطكم والختم ولا مؤاخذة .لا زلتم محفوظين ولمذهب أهل السنة والجماعة ناصرين آمين ،  وهذا نص جوابه حفظه الله : إلى حضرة الفاضل العلامة الشيخ أحمد علي بدر خادم العلم الشريف ببلصفورة : قد أرسلتم بتاريخ 22 محرم سنة 1325 هـ . مكتوباً مصحوباً بسؤال عن حكم من يعتقد ثبوت الجهة له تعالى ، فحررنا لكم الجواب الآتي وفيه الكفاية لمن اتبع الحق وأنصف ، جزاكم الله عن المسلمين خيراً  : إعلم أيدك الله بتوفيقه وسلك بنا وبك سواء طريقه ، أن مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنيون أن الله تعالى منزه عن مشابهة الحوادث مخالف لها في جميع سمات الحدوث ، ومن ذلك تنزهه عن الجهة والمكان كما دلت على ذلك البراهين القطعية ، فإن كونه في جهة يستلزم قدم الجهة أو المكان وهما من العالم وهو ما سوى الله تعالى ، وقد قام البرهان القاطع على حدوث كل ما سوى الله تعالى بإجماع من أثبت الجهة ومن نفاها ، ولأن المتمكن يستحيل وجود ذاته بدون المكان مع أن المكان يمكن وجوده بدون المتمكن لجواز الخلاء فيلزم إمكان الواجب ووجوب الممكن وكلاهما باطل  ، ولأنه لو تحيز لكان جوهراً لاستحالة كونه عرضاً ، ولو كان جوهراً فإما أن ينقسم وإما أن لا ينقسم ، كلاهما باطل ، فإن غير المنقسم هو الجزء الذي لا يتجزأ وهو أحقر الأشياء ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . والمنقسم جسم وهو مركب والتركيب ينافي الوجوب الذاتي ، فيكون المركب ممكناً يحتاج إلى علة مؤثرة ، وقد ثبت بالبرهان القاطع أنه تعالى واجب الوجود لذاته ، غني عن كل ما سواه ، مفتقر إليه كل ما عداه ، سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير  ، هذا وقد خذل الله أقواماً أغواهم الشيطان وأزلهم، اتبعوا أهواءهم وتمسكوا بما لا يجدي فاعتقدوا ثبوت الجهة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، واتفقوا على أنها جهة فوق إلا أنهم افترقوا فمنهم من اعتقد أنه جسم مماس للسطح الأعلى من العرش ، وبه قال الكرامية واليهود ، وهؤلاء لا نزاع في كفرهم ، ومنهم من أثبت الجهة مع التنزيه ، وأن كونه فيها ليس ككون الأجسام وهؤلاء ضلال فساق في عقيدتهم ، وإطلاقهم على الله ما لم يأذن به الشارع . ولا مرية أن فاسق العقيدة أقبح وأشنع من فاسق الجارحة بكثير سيما من كان داعية أو مقتدى به ،  وممن نسب إليه القول بالجهة من المتأخرين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي من علماء القرن الثامن ، في ضمن أمور نسبت إليه خالف الإجماع فيها عملاً برأيه وشنع عليه معاصروه بل البعض منهم كفروه ، ولقي من الذل والهوان ما لقي ، وقد انتدب بعض تلامذته للذب عنه وتبرئته مما نسب إليه وساق له عبارات أوضح معناها ، وأبان غلط الناس في فهم مراده ، واستشهد بعبارات له أخرى صريحة في دفع التهمة عنه ، وأنه لم يخرج عما على الإجماع وذلك هو المظنون بالرجل لجلالة قدره ورسوخ قدمه  ، وما تمسك به المخالفون القائلون بالجهة أمور واهية وهمية ، لا تصلح أدلة عقلية ولا نقلية ، قد أبطلها العلماء بما لا مزيد عليه ، وما تمسكوا به ظواهر آيات وأحاديث موهمة كقوله تعالى (الرحمن على العرش استوى ) وقوله ( إليه يصعد الكلم الطيب ) وقوله ( تعرج الملائكة والروح إليه ) وقوله ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) وقوله ( وهو القاهر فوق عباده ) وكحديث إنه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة ، وفي رواية في كل ليلة جمعة فيقول هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ وكقوله للجارية الخرساء : أين الله فأشارت إلى السماء ، حيث سأل بأين التي للمكان ولم ينكر عليها الإشارة إلى السماء ، بل قال إنها مؤمنة .، ومثل هذه يجاب عنها بأنها ظواهر ظنية لا تعارض الأدلة القطعية اليقينية الدالة على انتفاء المكان والجهة ، فيجب تأويلها وحملها على محامل صحيحة لا تأباها الدلائل والنصوص الشرعية ، إما تأويلاً إجمالياً بلا تعيين للمراد منها كما هو مذهب السلف، وإما تأويلاً تفصيلياً بتعيين محاملها وما يراد منها كما هو رأي الخلف ، كقولهم : إن الإستواء بمعنى الإستيلاء كما في قول القائل :" قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق " ، وصعود الكلم الطيب إليه قبوله إياه ورضاه به ، لأن الكلم عرض يستحيل صعوده   ، وقوله : من في السماء ، أي أمره وسلطانه أو ملك من ملائكته وكل بالعذاب   ، وعروج الملائكة والروح إليه : صعودهم إلى مكان يتقرب إليه فيه. وقوله : فوق عباده ، أي بالقدرة والغلبة فإن كل من قهر غيره وغلبه فهو فوقه أي عال عليه بالقهر والغلبة ، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان ، أي أنه أقدر منه وأغلب . ونزوله إلى السماء محمول على لطفه ورحمته وعدم المعاملة بما يستدعيه علو رتبته وعظم شأنه على سبيل التمثيل ، وخص الليل لأنه مظنة الخلوة والخضوع وحضور القلب ، وسؤاله للجارية ( بأين ( استكشاف لما يظن بها اعتقاده من أينية المعبود كما يعتقده الوثنيون ، فلما أشارت إلى السماء فهم أنها أرادت خالق السماء فاستبان أنها ليست وثنية ، وحكم بإيمانها  ، وقد بسط العلماء في مطولاتهم تأويل كل ما ورد من أمثال ذلك ، عملاً بالقطعي وحملاً للظني عليه ، فجزاهم الله عن الدين وأهله خير الجزاء  ، ومن العجيب أن يدع مسلم قول جماعة المسلمين وأئمتهم ويتمشدق بترهات المبتدعين وضلالتهم ، أما سمع قول الله تعالى ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ) فليتب إلى الله تعالى من تلطخ بشئ من هذه القاذورات ولا يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ، ولا يحملنه العناد على التمادي والإصرار عليه ، فإن الرجوع إلى الصواب عين الصواب والتمادي على الباطل يفضي إلى أشد العذاب { من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا } ، نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين  ، أملاه الفقير إليه سبحانه سليم البشري خادم العلم والسادة المالكية بالأزهر عفي عنه آمين آمين ،  ثم أضاف القضاعي معلقاً على رسالة البشري : وقول الشيخ رضي الله عنه : وذلك هو المظنون بالرجل لجلالة قدره ورسوخ قدمه . هو حسن ظن من الشيخ حمله عليه قول هذا التلميذ . والذي يطيل النظر في كتبه وكتب تلميذه ابن القيم كما فعلنا نحن لا يرتاب في قوله بالتجسيم والجهة والتشبيه ، ولكنه يتبرأ من اسمه ويقول بالتنزيه ، لكنه إنما يقول بلفظه ويتباعد عن القول بمعناه ، وليس أحد أعرف بهذا الرجل من علماء عصره ، ولا سيما الورع الحجة المحقق الإمام شيخ الإسلام التقي علي بن عبد الكافي وقد كان له معاصراً ورد عليه في حياته وبعد وفاته بعدة مصنفات ، ودونك عبارة شيخ الإسلام التقي في هذا المبتدع الغوي في خطبة كتابه (  الدرة المضية في الرد على ابن تيمية ) في قوله بعدم وقوع الطلاق المعلق على وجه اليمين ، وأنه خرق الإجماع بهذا القول ، وكذب على الصحابة والتابعين ومن بعدهم  ، قال رفع الله درجته في المهديين ما لفظه : أما بعد فإنه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد ، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد ، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة ، مظهراً أنه داع إلى الحق هاد إلى الجنة ، فخرج عن الإتباع إلى الإبتداع وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة ، وأن الإفتقار إلى الجزء ليس بمحال ، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى ، وأن القرآن محدث تكلم الله به بعد أن لم يكن ، وأنه يتكلم ويسكت ، ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات ، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم ، والتزمه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها ، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديماً ، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل ولا نحلة من النحل ، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة ، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة . وكل ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تقل جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع . انتهى  ، وهي رسالة نفيسة أجاد فيها رضي الله عنه الرد عليه وبيان الحق في المسألة وقد طبعت بدمشق . وفي التحقيق الدقيق الذي قام به العلامة الكوثري في كتابه تكملة الرد على نونية ابن القيم المطبوع مع السيف الصقيل ما يغنينا عن الإطالة في شرح حال هذا الرجل وشيعته . أجارنا الله وسائر المسلمين من اتباع الهوى ) . انتهى  ، وقال القضاعي في فرقان القرآن ص 17 : : ( ولهذه الفئة ولع شديد بافتراء الأباطيل ونسبتها إلى أكابر أئمة هذه الأمة ، ولو استقريت القرون منذ نجمت هذه البدعة لرأيت في كل قرن إلى زمانك هذا من هذه الطائفة فلولا تشاغب وتموه وبإزائهم جيوشاً من أهل السنة بحق تدافع وتبين ، بين مناظر يجادل عن الحق في المجالس الخاصة والعامة ، ومؤلف يزيل ظلمات شبههم بنور الحجج المعقولة ، حتى تركوا من هذه المؤلفات القيمة لطالب الهدى ثروة لا تنفد ، وكنوزاً لا تبيد على الأبد ، ومن هذه الكنوز الفائقة وتلك الثروات العظيمة كتاب الإمام الحافظ الثقة الحجة المبرز في علم الحديث رواية ودراية ، علم الفقهاء أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ، كثر في زمانه رضي الله عنه الخوض في أسماء الله تعالى وصفاته بما لا يليق بجنابه عز وجل ، فألف كتابه المسمى بالأسماء والصفات  ، قال الإمام تاج الدين السبكي : لا أعلم له في بابه نظيراً . وصدق رضي الله عنه فإنه عمد فيه إلى جمع الأحاديث التي تعلقت بها المبتدعة من المشبهة والحشوية ، فبين ما لا يصح الاحتجاج به منها بذكر ما فيه من علة ، وأزال الإشكال عما صح من متشابهها ، وضم إليها ما ناسبها من آيات الكتاب . وأضاف إلى ذلك ما قال أكابر العلماء ممن قبله ، فجزاه الله عن دينه وأمة نبيه صلى الله عليه وسلم خير الجزاء ، كأنه رضي الله عنه قصد بكتابه هذا غسل العار الذي ألحقه الحافظ ابن خزيمة بأهل الحديث ، فإنه ألف كتاباً سماه كتاب التوحيد ، وليته اقتصر فيه على جمع الأحاديث المتشابهة ، ولكنه فسرها بما لا يصح أن يعتقد في الله تعالى ، ولا يقول به المحققون من سلف ولا خلف ، وقد طعنه الإمام فخر الدين الرازي طعنة أردته قتيلاً ، حيث قال رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى ( ليس كمثله شئ ): واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه بالتوحيد ، وهو في الحقيقة كتاب الشرك ، واعترض عليه ، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات ، لأنه كان رجلاً مضطرب الكلام قليل الفهم ناقص العقل . انتهى ، ثم ساق كلامه وهو كلام لايقوله مؤمن محقق نافذ البصيرة في المعرفة بربه ، ولذلك ضربنا عن نقله ولئلا يتشوش به ضعيف ، ثم قال الإمام الفخر رضي الله عنه: وأقول هذا المسكين الجاهل إنما وقع في أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف حقيقة المثلية ، وعلماء التوحيد حققوا الكلام في المثلية ، إلى أن قال : وإن هذه الكلمات التي أوردها هذا الإنسان إنما أوردها لكونه كان بعيداً عن معرفة الحقائق ، فجرى على منهج كلمات العوام ، فاغتر بتلك الكلمات التي ذكرها ، ونسأل الله حسن الخاتمة . انتهى ،   ومن قرأ توحيد ابن خزيمة عذر هذا الإمام فيما قال ، وقد أسلفنا لك أن الإمامة في الحفظ والعلم بالعلل في متون الأحاديث وأسانيدها لا تقتضي الإمامة المطلقة في كل فن ، وذلك ظاهر لا يحتاج إلى بيان ، فلا ينبغي أن يقتدى به إلا فيما هو إمام فيه ، ومن خالف هذه القاعدة لم يسلم له دينه في أصول ولا في فروع ، فنصيحتي لك إذا أردت السلامة لنفسك أن تكون في عقائدك على ما دونه الإمام أبو منصور الماتريدي وأبو الحسن الأشعري ، فإنه هو ما يهدي إليه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من غير ميل إلى جانب إفراط أو تفريط ) . انتهى ،  وما ذكره القضاعي من رد الفخر الرازي على ابن خزيمة النيشابوري ، تجده مفصلاً في تفسير الرازي :27 :  150 - 153 من الطبعة الثالثة دار إحياء التراث العربي . وقد نقل الرازي كلام ابن خزيمة ومغالطته في معنى المثلية والتماثل لإثبات الجسمية لله تعالى ، شبيهاً بمغالطته المتقدمة في الفصل الأول لإثبات رؤية الله تعالى . وقد هاجمه الرازي بشدة تتناسب مع فداحة المغالطة وشرح معنى تماثل الأجسام وأثبت تنزيه الله تعالى عن مماثلتها . وقد اكتفينا عن إيراد كلام الرازي هنا ببحثه الذي سنورده في الفصل التالي في نفي الجسمية ، وينبغي أن نشير هنا إلى أن كبار علماء الوهابية يرشدون المسلمين إلى قراءة كتاب ( التوحيد ) لابن خزيمة ، وقد تبنوا نشره بين المسلمين بسبب أفكاره التجسيمية مع الأسف  ، وقال في فرقان القرآن ص 61 : ( فوجب أن يكون منزهاً عن التركب وقبول الإنقسام ، وكل ما هو من خصائص المادة والأجسام ، بذلك نطق كتاب الله لقوم يسمعون ، ونادت بهذا آياته من ألقى إليها السمع وهو شهيد ، وعلى ذلك أطبق أهل السنة الذين لم يصابوا بما أصيب به أهل الهوى من مرض التشبيه والتجسيم الذي أصيب به اليهود من قبلهم ووقع فيه النصارى من بعدهم ، والعجب أنك ترى إمام المدافعين عن بيضة أهل التشبيه وشيخ إسلام أهل التجسيم ممن سبقه من الكرامية وجهلة المحدثين الذين يحفظون وليس لهم فقه فيما يحفظون ، أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية ، يرمي إمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي بأنهما أشد كفراً من اليهود والنصارى ، في كتابه الموافقة المطبوع على هامش منهاجه ، لقولهما بالتنزيه ، وهما لم ينفردا به ، بل هو قول المحققين من علماء الملة الإسلامية من الصحابة فمن بعدهم إلى زمانه وكانت وفاته في القرن الثامن وإلى زماننا وإلى أن يأتي أمر الله  ، فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام : لن تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله  ، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث أنهم السواد الأعظم من أمته ، وسيأتي لنا كلام في خطر الإغترار بهذا الرجل ومصنفاته وشيعته ، ورأي المحققين من الجهابذة فيه وفيهم فانتظر ، [ بيان أن العلو المعنوي من المجاز الشائع في كلام العرب ]  :والعلو المعنوي منتشر في القرآن مستفيض في لغة العرب في وصف الخالق والمخلوق على ما يليق بكلٍّ ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ) . ( ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ). ( إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم ) . والظهور هنا هو العلو . ( إن فرعون علا في الأرض ) . ( وإنا فوقهم قاهرون ) ( وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين ) . ( وليتبروا ما علوا تتبيراً ) . ( لا تخف إنك أنت الأعلى ) ، ولما ذاق المشركون حلاوة النصر المؤقت يوم أحد قال قائلهم ( أعل هبل ) وهو اسم صنم لهم أجابهم المسلمون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم ( الله أعلى وأجل ) وفي شعر العرب :" ولما علونا واستوينا عليهم تركناهم مرعى لنسر وكاسر " ، ولو ذهبنا نستقصي ما في الكتاب العزيز من ذلك وما في كلام العرب لكان مجلداً ، وأين علو المكان من علو السلطان ؟ وهل العلو في المكان إلا كمال جسماني عرضي نازل كل النزول عن الكمال الذاتي الأصلي ؟ تعالى الله عما يخطر للواهمين ، وقال الإمام أبو جعفر ( الطبري ) في قوله تعالى ( كل شيء هالك إلا وجهه ) إلا هو . فانظر كيف حمل الوجه على الذات ولم يحك فيه خلافا لمن تقدمه  ، وقال البخاري في جامعه في تفسير سورة القصص ( كل شيء هالك إلا وجهه ) إلا ملكه ويقال : إلا ما أريد به وجه الله . انتهى . فقد حمل الوجه على الملك جازماً به. ولا أظن عاقلاً يرتاب في أن البخاري من خير السلف ، وقال البخاري أيضاً في تفسير سورة هود في قوله تعالى ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) في ملكه وسلطانه . انتهى  كلام البخاري رضي الله عنه . وقال الله تعالى ( والله واسع عليم ) فالسعة المتعارفة عظم امتداد الجسم ، فهل قال ذلك أحد من السلف ؟ حاشاهم من ذلك ،  واستمع الى ما قال الإمام الطبري وقال تعالى (الله نور السموات والأرض ) هل فهم أحد من السلف أنه هو ذلك النور الفائض على الحيطان والجدران المنتشر في الجو ؟ جل مقام العلماء بالله وكتابه أن يفهموا هذا المعنى الظاهر العامي  ، قال حبر الأمة ابن عباس فيما رواه عنه الطبري بالسند الصحيح : الله سبحانه هادي أهل السموات والأرض . وروي نحوه عن أنس بن مالك ، وروي عن مجاهد أن معناه المدبر ، ورجح الإمام الأول وزيف ما عداه ، وقد سمعت ما قاله في معنى الإحاطة وأنها مصروفة إلى إحاطة العلم والمشيئة والاقتدار ، وليس معناها ما يفهم من إحاطة جسم بجسم والتفافه حوله واشتماله عليه ، تعالى الله عن صفات الأجسام وسمات الحدوث   ، هذا ولو استقريت أقوال السلف من مظانها لرأيت الكثير الطيب من بيان المعاني اللائقة بالله تعالى على سبيل التعيين ، فمن نقل عدم التعيين مطلقاً عن السلف فما دقق البحث ولا اتسع اطلاعه  ، وهذا صحيح البخاري بين أيدينا وتفسير ابن جرير الطبري بين أظهرنا يناديان بما قلنا ، وإنما ذكرنا ما ذكرنا لك من ذلك على سبيل التمثيل لندلك بما سمعت على ما لم تسمع ، ولا نريد في هذا الوجيز الاستقصاء ، وعليك بكتاب الأسماء والصفات للحافظ البيهقي ، وبمراجعة ما قال العلماء في شروح الأحاديث المشكلة ، وما نقلوه عن أكابر السلف في ذلك فقد قدمنا لك نقل الإمام أبي بكر بن العربي عن مالك أنه قال في حديث النزول : هو نزول رحمة لا نزول نقلة ، ولعله رضي الله عنه لم يبلغه الحديث المفسر له أو لم يستحضره أو بلغه من طريق لا يعتمد عليه ، وقد أخرج النسائي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه : إن الله يمهل حتى إذا مضى شطر الليل أمر منادياً أن ينادي ألا من سائل فأعطيه ، الحديث . فتبين به أن إسناد النزول إليه تعالى إسناد مجازي ، فالمجاز في الإسناد وليس في الطرف وليس ذلك بغريب ، ففي القرآن العزيز ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) والمعنى إذا قرأه عليك جبريل بأمرنا ، كما يعلم ذلك من قرأ ما أخرج البخاري عن ابن عباس في بدء الوحي فقد أزيل الإشتباه في الحديث بهذه الرواية كما أزيل الإشتباه في الآية الأخرى ، وصح النقل عن حبر الأمة ابن عباس أنه فسر بالعلو ولم يفسره بالجلوس  ، وقد علمت ما قاله الإمام الطبري في معنى العلو ، ونقلنا لك عن الذهبي نفسه ما يفيد إجماع علماء الأمصار أنهم يقولون كلهم بلا كيف ، وشرحنا معناه بما يزيل عنك الإلتباس إن شاء الله تعالى  ، وبعد فقد سبقتنا أساطين العلماء رضي الله عنهم فدونوا في المتشابهات الكتب الكثيرة القيمة بين مطول مفيد ومقل مجيد ، فاملأ قلبك بتنزه الله تعالى عن هذا الظواهر الحسية الجسمية " أهـ [  فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان ص 72 المطبوع مع الأسماء والصفات للبيهقي  ] ،

***  

 

 

 

 

القاعدة الثالثة عشرة

رد المتشابهات إلى المحكمات

فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات

 

 

(  أ  ) من الآيات المتشابهة ما يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء ، كالوجه واليد والعين ، ومنها ما يوحي ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء ، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء ، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك ، 

(  ب  ) وهذه في حقيقة الأمر أخبار تتضمن عند اثباتها لله تعالى  كمالاً من جهة وتتضمن نقصاً من جهة أخرى ، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم ، وعلى الوجه الذي يدل على الكمال ، مع تنزيه الله تعالى عن أوجه النقص فيها ، مع الاحتراس عن نفي ما أثبته الله تعالى ، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها ،

(  ت  ) طرق الراسخين في العلم ، فيما يتعلق بالصفات الخبرية ثلاث طرق لا رابع لها ، ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات ، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص ،  مع الحذر - كل الحذر - من اثبات الوجه على أنه جزء من الذات ، فهذا تشبيه ، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة ، لما فيه من محاذير اثبات للحد والنهاية ، واثبات للجزء والبعض والجارحة ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والجارحة ومنزه عن الحد والنهاية ،

(  ث  ) ومثال الصفات الخبرية أيضا ( الاستواء ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية لذات الله ، وهذا وصف لذات الله تعالى بالنقص ، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن النهاية لأنها سمة المخلوق المحدود ، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وهو أكبر من الحدود ، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه ، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود ، كما أنّه الواحد القهار الذي قهر الحدود ، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات ، فإثبات الاستواء على معناه الظاهر ( الجلوس ) ، قد يوحي بالمقابلة أو المحايثة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب  ، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها ، إما اثبات الاستواء على سبيل الصفة لا سبيل الجلوس والاستقرار ، وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو علو الهيمنة والربوبية والتدبير  ، وإما تفويض علمه إلى الله ، ( استواء على مراد الله ومراد رسول الله ) مع المنع من تفسيره على ظاهره ( الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص المتمثل في الحد والنهاية والتكييف كجلوس الملك على كرسي عرشه ، مع الحذر من اثبات الاستواء على أته الجلوس ، فهذا تشبيه ، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة ، ومع الحذر من نفي ( الاستواء ) كأن يقول : ليس للرحمن صفة الاستواء على العرش ، فهذا تعطيل وخروج عن إطار أهل السنّة إلى الاعتزال ،

(  ج ) طرق علماء أهل السنّة والجماعة في اثبات الصفات الخبرية : الصفات الثبوتية الخبرية والتي في اثباتها على ظواهرها محاذير عظيمة ، وتحتاج إلى الرسوخ في العلم ، والفقه في الدين عند الحديث عنها :  وتتناول ثلاثة أقسام عريضة ، القسم الأول : ما يوحي بالجارحة والتجزؤ والتبعض في ذات الله ، وأظهرها الوجه واليد والعين ، والقسم الثاني : وهو ما يوحي بالتغير والحدوث والحد والنهاية وأظهرها الاستواء والنزول والمجيء ، والقسم الثالث وهو ما يوحي بالكيفيات الحسية والتغير والانفعال كالغضب والرضا والفرح والضحك والسرور ، ومجمل مسالك أهل السنة والجماعة في تفسيرها واعتقاد ما تحملها من معان وحاصله : أنّ هناك ثلاث مسالك معتمدة عند أهل السنة والجماعة ، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو ، و المسلك ( الاول ) : طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه ، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، و المسلك ( الثاني ) : اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة ، واثبات الاستواء صفة لله تعالى منزها عن الجلوس والتحيز والحد والجهة الحسية ، واثبات الضحك والغضب صفات لله تعالى منزهة عن التغير والحدوث والانفعالات الحسية ، وملخصه أنّ الاستواء ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بائن من جميع خلقه ، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان ، وأن مجيئه ليس بحركة ، وأن نزوله ليس بنقلة ، وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة ، وأن يده ليست بجارحة ، وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف لقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } وقوله تعالى : { هل تعلم له سميا } ، والمسلك ( الثالث ) : حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها ، ومثاله حمل الوجه على الذات ، وحمل اليد على مقتضي الآية ، ففي قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } تحمل على الكرم والجود والعطاء ، وفي قوله تعالى : { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى : { مما خلقت أيدينا أنعاما } ، وقوله تعالى : { والسماء بنيناها بأيد } ، وقوله تعالى : { إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، وهكذا ، وقد تقدم بيان ذلك ، وحمل الضحك في حديث (( يضحك ربنا )) إلى علامة الرضا وإرادة الثواب ، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة ، وما سوى ذلك فهو ميل إلى الاعتزال مثاله نفي الصفة ، كأن يقول ( ليس لله استواء ) أو يقول ( ليس لله وجه ) ، وفي المقابل ميل إلى الحشو والتشبيه ، ومثاله حمل تلك المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ، فيقولون الوجه جزء من الذات ، والاستواء صفة فعلية للذات على العرش ، والضحك تغير في الذات ،  

(  ح  ) آراء أهل السنّة والجماعة في المتشابهات كما ذكرنا ثلاثة ، والفرق بين هذه الآراء : أن الرأي الاول - مذهب السلف -  يعامل الآيات والأحاديث على أنها من المتشابه فلا يجزم بانه صفات أو أخبار ، فلا يفسر ولا يخوض ويرويها كما جاءت على مراد الله ومراد رسوله ، والرأي الثاني: يعامل الآيات والأحاديث على أنها تدل على صفات منزهة عن مشابهة المخلوقين ومنزهة عن المستحيلات في حق الله تعالى ، والرأي الثالث يعاملها على انها أخبار تحمل معاني محكمة وأخرى متشابهة فيتم حمل المتشابه على المحكم عملاً بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } فيفسرون الآية او الحديث بما سيق لأجله دون التعرض لمتشابه أو حمل المتشابه على المحكم ، فمثلاً حديث النزول سيق لبيان فضل الثلث الآخر وليس لبيان كيفية النزول ، فنفسره بذلك ، ولا نتعرض للنزول ، أو نجعل المقصود من النزول هو نزول الرحمة وقبول الدعاء ، مع عدم نفي خبر النزول  

(  خ  ) وبهذه الاقوال الثلاثة أقرّت وقَبِلت وأيدت مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة وهي مدارس الاثرية والأشعرية والماتريدبة ، وقالوا يجوز لكل مسلم أن يسلك أحد تلك المسالك الجائزة ولا تثريب عليه بها ، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه ، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه ،

(  د  ) درر من أقوال العلماء في بيان مذاهب أهل السنة والجماعة المعتمدة في باب الصفات الخبرية :  قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لحديث الرؤية : " اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين: أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق، وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم. والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفاً بلسان العرب وقواعد الأصول الفروع ذا رياضة في العلم " أهـ [شرح صحيح مسلم للنووى ج 3ص 19-20 ]  ،   وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597هـ) : ( الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال)  اهـ. [ دفع شبه التشبيه (ص : 58) ] ،  وقال مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات :  " ومن المتشابه الاستواء في قوله تعالى     : { الرحمن على العرش استوى } ، وقوله : { ثم استوى على العرش } ، وهو مذكور في سبع آيات من القرآن      فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى والإيمان به  .. ويروى عن الشعبي أنه سئل عن الاستواء فقال : هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه وعن الشافعي أنه قال لما سئل عن الاستواء آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض غاية الإمساك   وعن أحمد بن حنبل أنه قال استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر      وكلام السلف مستفيض بمثل هذا " [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 120 : 121] أ هـ  ،  وقال عبد الباقي بن إبراهيم الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر : " فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد  أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر      بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء      وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء  وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة " [ العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 34] أهـ ، وقال رحمه الله : " وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه ولم يخبر كيف استوى ومن اعتقد أن الله مفتقر للعرش أو لغيره من المخلوقات أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوقات على كرسيه فهو ضال مبتدع فكان الله ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان " أهـ [ العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 60-61 ] ، وقال شيخ محدثي زمانه الإمام  البيهقي : _ وهو يوضح مذهب السلف وأهل الحديث في الإستواء _ " وقوله عز وجل وهو معكم أينما كنتم إنما أراد به بعلمه لا بذاته ثم المذهب الصحيح في جميع ذلك الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين وقالوا الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز ، أخبرنا .. سمعت يحيى بن يحيى يقول كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استوى فأطرق مالك رأسه ثم علاه الرحضاء ثم قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا فأمر به أن يخرج  ، وعلى مثل هذا درج أكثر علمائنا في مسألة الاستواء وفي مسألة المجيء والإتيان والنزول .. وفي الجملة يجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين بائن من جميع خلقه وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يده ليست بجارحة وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف فقد قال ليس كمثله شيء وقال ولم يكن له كفوا أحد وقال هل تعلم له سميا ، أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا محمد بن بشر بن مطر ثنا الهيثم بن خارجة حدثنا الوليد بن مسلم قال : سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية ، وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن يزيد سمعت أبا يحيى البزار يقول سمعت العباس بن حمزة يقول سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول كل ما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه وإنما أراد به والله أعلم فيما تفسيره يؤدي إلى تكييف وتكييفه يقتضي تشبيهه له بخلقه في أوصاف الحدوث  " أ هـ   [ الاعتقاد للبيهقي ج: 1 ص: 114- 118 ] ، وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات :  "  باب  في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا     اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ (  ليس كمثله شيء ) إلى أن قال : وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية إنه  جسم   قال : وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى : { يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) [النساء  : 171 ] "  أهـ  [ أقاويل الثقات ج : 1 ص :  134 : 135 ] ، وقال الإمام الحنبلي مرعي بن يوسف في كتابه أقاويل الثقات  : " ومن المتشابه اليد في قوله تعالى ( يد الله فوق أيديهم ) [ الفتح 10]  ( لما خلقت بيدي ) [ص 75]  ( بل يداه مبسوطتان ) [ المائدة 64] ) مما عملت أيدينا(  [ يس 71  ]  ( قل إن الفضل بيد الله  ) [ آل عمران 73  ]    وتأويله أن المراد باليد القدرة      وقال الأشعري اليد صفة ورد بها الشرع والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فإن في اليد تشريفا لازما ،  وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة قال الله ( يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي )    [ص : 75 ]  وقال   { بل يداه مبسوطتان  }  [ المائدة  : 64] وذكر الأحاديث الصحاح في ذلك كحديث يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده وحديث أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده وفي لفظ وكتب لك التوراة بيده وذكر أحاديث كثيرة مثل والخير بيديك ، وقال البيهقي قال بعض أهل النظر قد تكون اليد بمعنى القوة كقوله { داود ذا الأيد  }  [ ص : 17 ] ذا القوة وبمعنى الملك والقدرة كقوله  { إن الفضل بيد الله }[ آل عمران :  73 ]  وبمعنى النعمة كقولهم لي عند فلان يد وتكون صلة أي زائدة كقوله  { مما عملت أيدينا أنعاما } [  يس : 71 ] أي مما عملناه نحن وبمعنى الجارحة كقوله { وخذ بيدك ضغثا } [ ص : 44 ]  قال فأما قوله {  لما خلقت بيدي } فلا يحمل على الجارحة لأن البارئ واحد لا يتبعض ولا على القوة والقدرة والملك والنعمة والصلة لأن الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس ويبطل ما ذكره من تفضيله عليه لبطلان معنى التخصيص إذ الشياطين والأباليس وجماعة الكفرة خلقهم الله بقدرته ونعمه على آدم غير منحصرة فلم يبق إلا أن يحملا على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة وليس لذلك التخصيص وجه غير ما بينه الله تعالى في قوله     لما خلقت بيدي    انتهى ( أي كلام البيهقي )   تنبيه      من هذا النمط حديث الترمذي وابن ماجه ( إن الله تعالى لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي ) وفي حديث آخر ( إن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده )  وحديث أحمد ومسلم ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسييء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل )  قيل بسط اليد استعارة في قبول التوبة وإنما ورد لفظ اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بما يفهمونه وهو مجاز فإن يد الجارحة مستحيلة في حقه تعالى ، ومن المتشابه القبضة واليمين في وقوله تعالى ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه  ) [ الزمر 67 ]   وحديث البخاري ومسلم ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض )  وحديث مسلم ( يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ) الحديث     وحديث مسلم أيضا ( يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه فيقول أنا الله ويبسطها أنا الملك )   قال البيهقي المتقدمون من هذه الأمة لم يفسروا ما ورد من الآي والأخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله واحد لا يجوز عليه التبعيض  ، ... قال الخطابي وليس معنى اليد عندنا الجارحة وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى بها الكتاب والأخبار الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة     وقال بعض أهل التأويل كما في البيضاوي وغيره في الآية هو تنبيه على عظمته وكمال قدرته على الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين لا حقيقة ولا مجازا  ،  وقال بعضهم هو لبيان عظمة الله وجلاله وقدرته وأن المكونات كلها منقادة لإرادته ومسخرات بأمره ، وذهب آخرون إلى أن القبض قد يكون بمعنى الملك والقدرة كقولهم ما فلان إلا في قبضتي أي قدرتي ويقولون الأشياء في قبضة الله أي في ملكه وقدرته وعلى هذا التأويل مخرج الآية والحديث " [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 149إلى 158] أهـــ  وسيأتي بيانها عند الحديث على توحيد الصفات ،

***

 

 

القاعدة الرابعة عشرة

لماذا يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه

 

 

( 1 ) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) } [ الأنعام : 103 ] ، وقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)} [ البقرة : 255 ] ، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي ، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42] :  (وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا  ) ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم توحيد الذات الذي هو أشرف العلوم لأنه علم التسبيح والتقديس والتنزيه  ،

(  2  ) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى اعتقاد التنزيه ، وفقه التسبيح والتقديس المتعلق بالله تعالى  ، فقد تكرر التسبيح في القرآن أكثر من ثمانين موضعا من كتاب الله تعالى ومعناه التنزيه وقال تعالى : - في التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي - {  ولم يكن له كفوا أحد } و { ليس كمثله شيء }  و { هل تعلم له سميا } و { ولا يحيطون به علما }  ،

(  3  ) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى اعتقاد اتصاف الذات بالكمال الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال ، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء ، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث ، فكذلك فإن علم توحيد الذات يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس ، لغلبة الحس عليهم ، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجودها لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله : ( هذا خلق الله ، فمن خلق الله ) ، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه ، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ،

(  4  ) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى الاعتراف بالعجز عن درك الإدراك ، وذلك بتصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله ، ولو في دقائق الصفات ، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني ، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات ، أمّا العامي ومن لم يطلب علم التنزيه وتوحيد الذات لأنه بمثابة العامي في علم الإلهيات - مهما بلغ من علوم الدين الأخرى - فقد يكيف المملكة بذهنه وهو يلوك بلسانه دون فهم { ليس كمثله شيء } وذهنه على التكييف بوجود حد ونهاية لذات الله تعالى تتمثل في حجم العرش ، وقد يكون العرش المربوب في ذهنه أكبر من ذات الله ، وهو يقول بلسانه في كل صلاة ( الله أكبر )  وفي مخيلته أنّ العرش أكبر  ، وأذكر أنني ناقشت واحدا منهم يصر على أنّ العرش يفضل عن ذات الله بمقدار أصابع ، يُجلس إلى جواره الرسول صلى الله عليه وسلم ، فساوى بين ذات الإله وذات الرسول ، وهو يظن أنّه بذلك يؤمن بالخبر ، وأنّ من يعارضه جهمي ضال ، ومع أنّ الخبر ضعيف ولا يصح الاحتجاج به ، ومع أنّ المحاور لا يعرف أصلاً علم الإلهيات وعلم التقديس ، ولا يفرق بين قديم الذات الذي لا تجوز عليه البداية ولا النهاية ، وبين المحدث الذي له بداية ونهاية ، وبين الخالق والمخلوق ، وبين ذات الله المنزهة عن الحد وبين المحدود ، وبين ما يجوز وما يستحيل نسبته إلى ذات الله ، وكثير مثل هذا ممن لم يدرس قواعد التنزيه فأنى له أن يشعر قلبه بحلاوة التقديس ، وهو أقل درجة من العامي في علم التقديس والتنزيه ، ثم الويل لك والويل لك إن لم تطعه على ما يقول وإلا رماك والبدعة والتعطيل أو بالشرك والإلحاد أو مسميات أخرى كثيرة جاهزة لاستحلال الدم ، فأمثال هؤلاء لا تزكو عقائدهم إلا بدراسة علم التقديس والتنزيه وأهمه علم توحيد الذات ليس كمثله شيء ، لأنّه يساعدهم على استيعاب ما فوق الحس من قضايا التوحيد ،

(  5  ) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى معرفة ما يجب لذات الله تعالى وما يستحيل علي ذات الله تعالى  ، وما يجوز في حق ذات الله سبحانه وتعالى جل شأنه وتعالت صفاته ، فالواجب في حقه عز وجل هو الذي لا يجوز عدمه بمعنى أنه لا يجوز أن تزول هذه الصفة عند الله تعالى وبمعنى أنه لا يجوز أن يتصف الله بضدها ، والمستحيل في حقه تعالى عز وجل ، بمعنى أنه لا يجوز أن يتصف بهذه الصفة ، ، والجائز في حقه عز وجل أي الذي يقبل الوجود والعدم على السواء ،

***   

 

القاعدة الخامسة عشرة

ما يجب وما يجوز وما يستحيل على ذات الله تعالى

 

 

( أ  ) الواجـــب في حق الله تعالى هو : ما لا يتصور عدمه مثل وجود الله تعالى وعلمه وقدرته ، والمستحيل في حق الله تعالى هو ما لا تتصور ثبوته مثل الفناء في حق الله تعالى أو الشريك أو الصاحبة والولد ، والجائز في حق الله تعالى هو كل ما يتصور وجوده أو عدمه كالخلق والرزق والإحياء والإماتة

(  ب  ) الصفات الواجبة في حق الله تعالى قسمان : قسم دل على وجوبه العقل وأيده الشرع ، وقسم دل عليه الشرع ، والقاعدة الجامعة في الباب أنّ كل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى دلّ على صفة من صفات الله تعالى فهي واجبة لله لأنّ الله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات الحسنى التي دلت عليها الأسماء الحسنى ،

(  ت  ) أما الصفات الواجبة بالعقل والشرع : فتتمثل في الوجود والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام ، وسيأتي بيانها - إن شاء الله تعالى - بالتفصيل مع ذكر قواعد التنزيه المتعلقة بها عند الحديث عن قسم الإيمان بالصفات وأقسام الصفات وتوحيد الصفات ،  

(   ث  ) وأما الصفات الواجبة لله تعالى والتي دل على وجوبها والشرع : فهي جميع الصفات التي دلّت عليها الأسماء الحسنى : ف ( الرحمن ) : يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله ، و ( الرحيم ) : يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي ، و ( الملك ) : يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي ، و ( القدوس ) : يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول ، و ( السلام ) : يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء ، وهكذا فإن كل اسم من الأسماء الحسنى يدل على صفة واجبة لله تعالى بطريق الشرع ، كما سيأتي بيانها - إن شاء الله تعالى - بالتفصيل عند الحديث عن قسم الإيمان بالصفات وأقسام الصفات وتوحيد الصفات ،  

(  ج  ) المستحيل في حق الله تعالى :  كل صفة وجبت لموصوف  استحال ضدها على ذلك الموصوف ، فكل ما وجب إجمالا يستحيل ضده إجمالا ، وكل ما وجب تفصيلا يستحيل ضده تفصيلا ، وقد وجب لله تعالى إجمالا : كل كمال يليق بذاته تعالى فيستحيل علية إجمالا كل نقص ، ووجب له تعالى تفصيلا الوجود ، والقدم والبقاء ، والمخالفة للحوادث ، والقيام بالنفس والوحدانية والقدرة ، والإرادة ، والعلم ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والكلام النفسي فيستحيل عليه تعالى تفصيلا :  أضدادها وهى  العدم ، والحدوث ، والفناء ، والمماثلة للحوادث ، وعدم القيام بالنفس ، والتعدد ، والعجز والكراهية بمعنى القهر وعدم الاختيار ،  والجهل ، والموت ، والصمم ، والعمى ، والبكم فيجب على المكلف أن يؤمن باستحالة هذه الأمور عليه تعالى ، ويدل على استحالة هذه الأمور على الله تعالى أنها نقائص تنافي كمال صفات الله تعالى ، ولأن الله تعالى قد وجب اتصافه بالصفات المضادة لهذه الأمور فتستحيل عليه تعالى تلك النقائص ،

(  ح ) ويستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو المشابهة للمخلوقات ، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه السنة والنوم ، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ، ، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات ، ويستحيل عليه التغير والحدوث ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق ، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه ، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ،  ليس كمثله شيء : لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل اولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الاحياء وانه القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على انشاء ما انشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شىء اخر ولا بأصعب عليه منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضر ولا يناله السرور واللذات ولا يصل اليه الاذى والآلام ليس بذى غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء

(  ج )  الجائز في حق الله تعالى : أما الجائز في حقه تعالى: ففعل كل ممكن أو تركه فهو متفضل بالخلق والإنعام والإمداد والإحسان لا عن وجوب ولا إيجاب فلا يجب عليه شيء مما ذكر، فهو المالك لكل شيء وللمالك أن  يتصرف في ملكه بما يشاء كما يشاء، فهو وحده الخالق للإيمان والطاعة فضلا منه وإحسانا ، وهو وحده الخالق للكفر والمعاصي عدلا منه سبحانه ، من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلا هادي له ، وهو الخالق للمرض والشفاء ، وهو الخالق للصحة والمرض ، وهو الخالق للغنى والفقر ، يعز من يشاء ويذل من يشاء ، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء ، قال تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار } [ القصص : 68 ] ، وقال تعالى : { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } [ البروج : 16 ] ، وقال تعالى : { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] ، فيكون الجائز في حقه تعالى: فعل كل ممكن أو تركه ،

 

 

 

الباب الثاني

قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

المتعلقة بذات الله تعالى

 

 

 

 

 

 

 

ويشتمل على تلك القواعد :

القاعدة الأولى : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ،

القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ،

القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ،

القاعدة الرابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ،

القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ،

القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ،

القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ،

القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته

القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق

القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ،

القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ،

القاعدة الثانية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ،

القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل ،

القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره

القاعدة الخامسة عشرة : رؤية ذات الله تعالى في الآخرة

***

 

 

القاعدة الأولى من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق

 

 

لا شك في أنّ أي شيء محدود له نهاية تحده ، والحد معناه التناهي ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لذاته ، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الحد والنهاية والمقدار ما يلي :

(  أ ) الله تعالى هو { الواحد القهار }  ، وقد تكرر ذكر { الواحد القهار } في القرآن الكريم في ستة مواضع ، هي  قوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [ إِبراهيم : 48 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ ص : 65 ] ، وقوله تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  وقوله تعالى : { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  } [ غافر : 16 ] ،  وقوله تعالى : { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ يوسف : 39 ] ، والله تعالى هو القاهر فوق عباده ، قال تعالى : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [ الأنعام 18 ] ، فالله تعالى هو الواحد القهار  ، وهو سبحانه القاهر فوق عباده ، قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير ، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص ، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود ، لأنّه مقهور عليها ، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار ، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار ، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير ، تنزه عن الحد والمقدار ، ( تنبيه ) :  كل مخلوق مهما كبر حجمه أو جل مقداره ، إلا أنّه محدود متناهي مقدر بمقدار ، مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، أما الله تعالى الواحد القهار فإنه لما  كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، فهو الواحد القهار لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار ،

( ب )بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بما هي عليه من قدر معين قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، وقال تعالى :{ جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقال تعالى :{وإن من شيء إلاّ عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ،  وقال تعالى : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ،  وقال تعالى : { قد جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقال تعالى : { وكل شيء عنده بمقدار } ، ومعنى هذه الآيات  أن الله عز وجل خص كل مخلوق ( بحد ومقدار ) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما  ، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار ، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث ،   وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته فلا حد لذات الله تعالى وتقدس ولا حد لصفات الله عز وجل .

( ت ) القاعدة تقول :كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،

( ث ) كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار ، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال ، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (( الله أكبر )) ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،

( ج ) المخلوقات جميعها محدودة وإن اختلفت حدودها  فمنها ما هو ضخم بالغ الضخامة كالعرش ومنها ما هو ضئيل بالغ الضآلة كالبعوضة إلا أنها جميعا تشترك في صفة الحد  والمحدودية لأنها جميعا مخلوقة والمخلوق محدود الذات والصفات  والله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته فليس له فيها حد وإلا شابه المخلوق وليس كمثله شيء في صفاته فليس له فيها حد

( ح )  كل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق  ، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ،

( خ )  الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز ، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه والقاعدة عند الرياضيين أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق _ ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال _ فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ، كما تصور البعض بأذهانهم السقيمة أن العرش أكبر من ذات الله ويفضله بأربعة أصابع وهم يقولون عند كل صلاة ( الله أكبر ) فكيف جاز لهم أن يجعلوا ذات العرش اكبر من ذات الله سبحانه تعالى الله عما يصفون ، ( تنبيه ) : ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق ،

( د ) الحدود مخلوقة والله عز وجل هو خالق الحدود فلا تجري الحدود على ذاته ، والنهايات علامات المخلوقات أنهاها الخالق بعلمه الذي ليس له حد {وسع كل شيء علما} وبقدرته التي ليس لها فيها حد {وكان الله على كل شيء مقتدرا }، لا انتهاء لقدرته ولا حد لعلمه فكذلك ذاته المقدسة تنزهت عن الحد والحصر والمقدار ، لأن الحد نقص والحصر عجز والمقدار خلق و ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال) على كل نهاية ومقدار ، حد الحدود وقدر المقادير على خلقه لا على ذاته سبحانه هو الواحد القهار .

( ذ ) وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ، فلا حد حسي ولا معنوي لذاته تنتهي إليه ، ولا مقدار لها يحدد قدرها ، لأنّ الحد مهما اتسع ، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق ، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه ، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك ، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر ، أو اعظم منه ، لأنّ من أسمائه الحسنى : الكبير  المتعال ، والعلي العظيم ، ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، وكما ذكرت فإنّ من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام ، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه ، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك ، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود ، ولا كمثل ذاته ذات ، ولا كمثل صفاته صفات ، تنزهت ذاته وصفاته عن كل حد ومقدار ، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام وجميع المخلوقات المحدودة المقدرة ، فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال ، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس ، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات ،

( ر ) قد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة من وجهين : الوجه الأول : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق وبين الغني عن الخلق والفقير إلى الله ( أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) والوجه الثاني للجواب : أن صفات السمع والبصر والعلم عند المخلوق محدودة مقدرة أما عند الله تعالى فهي صفات لا حد لها ولا نهاية وسع علمه جميع المعلومات ( ومعلومات الله ليس لها حد لأنه يعلم بكافة أحوال أهل الجنة من نعيم دائم لا ينقطع وهم فيها خالدون أبدا وكذلك بحال أهل النار وعذابهم الأبدي ) فلا حد لعلمه وكذلك لا حد لسمعه وسع سمعه جميع المسموعات ووسع سمعه أصوات أهل الجنة والنار وكذلك لا حد لبصره وسع بصره جميع المبصرات حتى يرى أهل الجنة والنار إلى ما لا نهاية له من الزمان المستقبل ، والحاصل أن الحد والحصر حاصل للمخلوق في ذاته وصفاته والتنزيه عن الحد والحصر والمقدار حاصل لله تعالى في ذاته وصفاته ، ( تنبيه ضروري ) : حتى لا يقع المسلم في تكييف ذات الله من حيث لا يدري فليس المقصود من قولنا تنزيه الله عن الحد إثبات مقدار إلى ما لا نهاية فالله تعالى منزه عن الحد والمقدار وهذا التنزيه ضروري لتصفية القلب عن كل شوائب التكييف والتشبيه ويعلم أن الجنس البشري عاجز عن إدراك كنه ذات الله ، والعجز عن درك الإدراك إدراك ،

( ز ) الكون جميعه من العرش إلى الفرش مهما اتسع محدود ، فالسماوات السبع وما فيها وما بينها والكرسي والعرش وغير ذلك مما لا نعلم من ملك الله على اتساعه العظيم مخلوق محدود سمته النقص والنهاية لأنه محدث مخلوق ، أما الخالق الذي له الكمال المطلق في ذاته المقدسة وأسمائه الحسنى وصفاته العلى فهو المنزه عن كل نهاية وحدود ( والله اكبر ) عن كل تصور محدود جل عن الإحاطة ، إذ كيف يحيط المخلوق المحدود علما بالخالق المنزه عن الحدود ( ولا يحيطون به علما ) و ( ليس كمثله شيء ) و ( لم يكن له كفوا احد ) ف ( لا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .

( س ) نسبة الغير محدود إلى المحدود هي نفسها نسبة الخالق إلى المخلوق ونسبة الإله الرب إلى العبد المربوب ، ومنه نعلم بعض الحكمة من قولنا عند كل صلاة وقيام وركوع وسجود ( الله أكبر ) أي عن كل تصور وحدود وعن كل عجز وعيب ونقص وقصور

( ش ) الله تعالى منزه عن الحد والمقدار وكل ما يفيد الحصر والنهاية لأن ذلك سمة المخلوق الذي حده خالقه على كمية ومقدار معين ، وعلى تنزيه الله تعالى عن الحد والمقدار إجماع أهل التنزيه من هذه الأمة ، حتى ما نقل عن البعض بإثبات الحد فإنما يقصد بالحد الحاجز بين الخالق والمخلوق لا أكثر ( أي الحد الذي يمنع الاتحاد والحلول ) وإلا فلا يصح أبداً إثبات الحد لله بمعنى المقدار الذي تنتهي إليه ذاته سبحانه فإن ذات الله ليس لها نهاية ، منزه سبحانه عن الحصر لأن الحصر والنهاية نقص يضاد الكمال الذي اتصف به ذات الله ، فإن الحد في اللغة على معنيين : الأول : الحد بمعنى الحاجز بين الشيئين وهذا لو أضيف إلى الله فالمقصود به حد الإلهية الذي يفصل بين المعبود سبحانه والعباد أو المقصود به حد الربوبية الذي يفصل بين الرب والمربوب فلا اتحاد ولا حلول بينهما ولا مماسة ولا اتصال بينهما بحال فالحد بهذا المعنى صحيح ، والثاني : الحد بمعنى الحصر والنهاية وحد الشيء منتهاه الذي ينتهي إليه ونهايته وهذا الحد هو صفة المخلوق التي يتنزه ويتقدس الخالق عنها [ انظر مختار الصحاح ج: 1 ص: 53 ] ،

( ص ) اتفق المسلمون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم ، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش ، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى { وهو رب العرش العظيم }  كما أنه رب العالمين جميعا ، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه ، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي ، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه : { ِإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [ فاطر : 41 ] ، هل يحتاج إلى شيء يحمله ، أو شيء يحيط به ويحويه ، مهما بلغ اتساعه وحجمه ، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق ، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش ، وهو الغني عنها ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها ، سبحانك هذا بهتان عظيم

( ض ) تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،

( ط ) يقول علماء الحساب والرياضيات أنه لا نسبة بين المحدود واللامحدود ، ولا تصح المقارنة بين المحدود مهما كان كبيرا أو عظيما وبين اللامحدود ، إذ نسبة المحدود مهما كان كبيرا إلى اللامحدود هي نفسها نسبة الصفر الذي لا يساوي شيئا إلى الذي لا يتناهى من الأشياء ، ولله المثل الاعلى ، إذ كيف تصح المقارنة بين الكون المخلوق المقدر المحدود – مهما بلغ اتساعه وهو عظيم كما قال تعالى : { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } –  وبين الخالق الواحد القهار المنزه عن الحد والمقدار ،  ومن ذلك نفهم وجه المقارنة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى أنه قال (  يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم  كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا  ، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ،  يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ) [ صحيح مسلم : 2577] ومعلوم أن المخيط لا ينقص من البحر شيئا ولله المثل الأعلى قال تعالى { وما قدروا الله حق قدره } ، وقال تعالى{ سبحان ربك رب العزة عما يصفون } ، سبحانك تقدست أسماؤك وتعالت عظمتك .

( ظ ) من فوائد هذا التنزيه عن الحد والحصر والمقدار على المسلم أن يعظم الله تعالى بقلبه ويفهم العظمة والجلال في جميع الآيات التي تدل على هيمنة الله تعالى على أرجاء الكون كقوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } ، مع قوله تعالى { فإني قريب } ، مع قوله تعالى { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } ، مع قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ، وقوله تعالى { وكان الله بكل شيء محيطا } ، لأننا نعبد المنزه عن الحد والحصر والمقدار ، ولا نقول كما قالت الحلولية والجهمية : إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان ، ولا نقول كما قالت الحشوية الجهوية : إن الله في مكان دون مكان ألا وهو العرش العظيم ، بل نقول إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان وأنه هو رب العرش العظيم ، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته [  هذه المقولة العظيمة نسبها الإمام أبو منصور البغدادي إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قال (كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه  كان ) وقال (إن الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانًا لذاته ) اهـ [الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي ص 333 ]  ، وأنه لا يُقال إن الله داخل الكون _ لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد  وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود _ ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب كما قال تعالى { ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون } وكما قال تعالى :{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ، وكما قال تعالى { واسجد واقترب } ، وكما قال الرسول الكريم _ وهو يبين قرب الرحمن _ (( إذا كَانَ أَحَدُكُم في صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربَّه فلا يَبْصُقَنَّ في قِبْلَتِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ )) [ أخرجه البخاري ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( أربعوا على أَنفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غَائِباً ، إنَّكم تَدْعُونَ سميعاً قَرِيباً ، والذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ )) [ أخرجه البخاري ] ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأنه سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة ، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته وصفاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر ، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن الزمان والمكان والحد والمقدار ، ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس حين يقول إذا قلنا أنه لا يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه فهذا هو التناقض ، نقول : هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه ، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل ، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال " لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل " لعدم التماثل بين العلم والحجر  ، ولله المثل الأعلى ، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق فالله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ، وليس كمثل أفعاله أفعال ، وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد ، فلا تناقض يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق ،

( ع ) من الأدلة الشرعية على تنزيه الله تعالى عن الحد :  قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11 ] ، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فإذا كانت المخلوقات جميعا لها حد تنتهي إليه وهو علامة نقصها ودليل خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عن الحد والحصر والمقدار ، قوله تعالى :  { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ سورة النحل :60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الحد والحصر والمقدار ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ سورة النحل : 74 ] ، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الحد والحصر والمقدار ، وقوله تعالى : { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [ سورة مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الحد والحصر والمقدار ، وقوله تعالى : { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } [ الحديد : 3 ]  فإذا كان سبحانه الاول فليس قبله شيء والآخر فليس بعده شيء والظاهر فليس فوقه شيء والباطن فليس دونه شيء ولا شيء أقرب إلى شيء منه فلا يكون كذلك إلا المنزه عن الحدود ، تعالى عن الحد والمقدار ، وقوله تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، فإذا فإذا كانت المخلوقات جميعا لها حد تنتهي إليه وهو علامة نقصها ودليل خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عن الحد والحصر والمقدار ، وقوله تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ } [ البقرة : 115] ولا يكون ذلك إلا لمن هو منزه عن الحد والمقدار  ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شىءٌ، وأنت الباطن فليس دونَك شيء ))  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن له حد .

( غ ) من درر العلماء في تنزيه الله تعالى عن الحد : قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه [ اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبى حنفية وأبي يوسف ومحمد بن حسن ] " تعالى الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات " أهــ ،  وجاء في اعتقاد الإمام المبجل ابن حنبل [ج: 1 ص: 307 ] وجاء في كتاب العقيدة [ ج: 1 ص: 127] نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل "  وسئل قبل موته بيوم عن احاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منه شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية  ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " أهـ  ، وقال العلامة ابن الجوزي الحنبلي رحمه الله في [ الباز الأشهب ص 57 ] " واعلم أن من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مده في تقدمه علي العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل. وقد ثبت أن جميع الجهات تتساوي بالإضافة إلي القائل بالجهة فاختصاصه ببعضها ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلي مخصص يخصصه ويكون الاختصاص بذلك المعني زائدا علي ذاته وما تطرق الجواز إليه استحال قدمه لأن القديم هو الواجب الوجود من جميع الجهات . ثم إن كل من هو في جهة يكون مقدرا محدودا وهو يتعالي عن ذلك وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلي جهة والجهة ليست في جهة وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ويوضحه أن المكان إذا كان يحيط بمن فيه والخالق لا يحويه شيء ولا تحدث له صفة " أهــ وقال في [ الباز الأشهب ص100-102] " وقوله : حجابه النور ، ينبغي أن يعلم أن هذا الحجاب للخلق عنه ، لأنه لا يجوز أن يكون محجوبا لأن الحجاب يكون أكبر مما يستره ، ويستحيل أن يكون جسما أو جوهرا أو متناهيا محاذيا إذ جميع ذلك من إمارات الحدث ، وإنما عرف الناس حدوث الأجسام من حيث وجودها متناهية محدودة محـلا للحوادث ، وكما أنه لا يجوز أن يكون لوجوده ابتداء ولا انتهاء لا يصح أن يكون لذاته انتهاء ، وإنمـا المراد : أن الخلق محجوبون عنه كما قال سبحانه وتعالي : " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " أ هــ  ، وقال النووي في [ شرح النووي على صحيح مسلم ج: 7 ص: 80] "  يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيء قال الامام المازرى هذا مما يتأول لان اليمين اذا كانت بمعنى المناسبة للشمال لا يوصف بها الباري سبحانه وتعالى لأنها تتضمن اثبات الشمال وهذا يتضمن التحديد ويتقدس الله سبحانه عن   التجسيم  والحد " أهـ  ، 

( ف ) لولا خشية الاطالة في تأصيل تلك القاعدة لأكثرت من ذكر أقوال علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة حولها ، ولتحرير مسألة تنزيه الله تعالى عن الحد والمقدار بأدلة الكتاب والسنة وأقوال علماء أهل السنة والجماعة أُحيل إلى كتابي  : ( تنزيه الله تعالى عن الحيز والحدود التي تحد المخلوق ) ، ففيه - إن شاء الله تعالى - الأدلة الوافية على بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة من تنزيه الله تعالى عن الحد والحيز والمقدار

***

 

 

القاعدة الثانية من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان

 

 

( أ ) عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كان الله ولم يكن شيء غيره ))  [ البخاري ( 3020 ) ] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال منزه عن الوجود الزماني ، وكمال منزه عن الوجود المكاني ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فوجوده قبل الزمان ، ووجوده بعد انقضاء الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، أزلي أبدي فلا يجري عليه زمان ، وله كمال الوجود المنزه من المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل ( الله ) تعالى شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ،

( ب ) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ،

( ت ) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، وقال تعالى : { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ،  ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان

( ث ) قوله تعالى { قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله } مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى : { وله ما سكن في الليل والنهار } يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان .

( ج ) وجود الله تعالى قبل خلق المكان ووجوده سبحانه بعد فناء المكان فلا يحويه مكان ، تنزه عن المكان وتعالى عن الجهات والأركان كان قديم السلطان قبل خلق المكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان قبل خلق المكان

( ح ) وجود الله تعالى قبل خلق الزمان ووجود الله تعالى منزه عن الزمان لا يجري عليه زمان ولا تحكمه قوانين الزمان إذ هو الخالق والحاكم المهيمن على كل مخلوق ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود تنزه عن الزمان والمكان تنزه الخالق على المخلوق وتنزه القاهر على المقهور( وهو القاهر فوق عباده )

( خ ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،

( د ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون : أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ( بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها ) والله تعالى خالق مقدِر ( بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها ) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود [ سياتي الحديث عن تنزيه الله تعالى عن الحيز والحد والمقدار في الباب التالي ( تنزيه الله تعالى في ذاته ليس كمثله شيء ) ] وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ

(  ذ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن المكان : أنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل متحيز فهو محدود يحتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به والله تعالى منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر والله تعالى هو الخالق المقدر لها، ومنزه عن أن يحيط به شيء لأنه بكل شيء محيط ، فتحتم من ذلك تنزيهه عن أن يحيزه شيء من خلقه وكل ما في الوجود سواه فهو خلقه الفقير إليه وهو الغني عنهم

(  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء

(  ز  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد

(  س ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،

(  ش  ) قوله تعالى ( الله الصمد ) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان ، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق

( ص  ) قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق

(  ض  ) قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق .

( ط ) قوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره.

(  ظ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ،

(  ع ) قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء

( غ ) الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام ، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري

(  ف ) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا

( ق ) أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ،

( ك ) وأخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً : عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا - بفهم سقيم بعيد عن التقديس  - هل هو  ( سبحانه ) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا ، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون

( ل ) وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق ، وأعظم به من منهاج ، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا  ( علم توحيد الذات ) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ،

( م ) وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ، ( تنبيه ) : تنزيه الخالق سبحانه عن المكان ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، والإحاطة في قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، ولا نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،

( ن  ) من أقوال علماء أهل السنّة والجماعة في تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان : علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في علم العقيدة متفقون على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، فلا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ، ومن أقوالهم في ذلك  ،  ( 1 ) قول الإمام الطحاوي - وهو من كبار أئمة السلف وهو أعلم بأقوالهم ومذاهبهم - قال : ( هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة والدين أبي حنيفة النعمان وصاحبيه أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني ... وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)  أهــ   [ متن العقيدة الطحاوية ]  ،  ( 2 ) وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني : (  وأجمعوا- أي أهل السنة- على أنه -  أي الله تعالى - لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان  ) أهـ [ الفرق بين الفرق صـ 333 ] ، ( 3 ) وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني : ( الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شىء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث " أهـ [  التبصير في الدين ص161 ] ، ( 4 ) وقال الإمام الشهرستاني الشافعي : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شىء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ سورة الشورى : 11 ] ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ) أهــ [ الملل والنحل للشهرستاني ] ، ( 5 ) وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره  : ( انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ) أهــ [ تفسير الرازي 29:216 ] ، ( 6 ) وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي (333 هـ) : ( إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الان، جل عن التغير والزوال والاستحالة )  اهـ. [كتاب التوحيد (ص :  69).] ،  ( 7 ) وقال القاضي أبو بكر محمد الباقلاني المالكي : ( ولا نقول إن العرش له- أي الله- قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان )  اهـ.[ الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص : 65).] ، ( 8 ) وقال الإمام أبو بكر ابن فورك  : ( لا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه محدودا ومتناهيا وذلك لاستحالة كونه محدثا ) أهـ.[  مشكل الحديث (ص :  57) ] ، ( 9 ) وقال الإمام ابن بطال المالكي (449 هـ) أحد شراح صحيح البخاري : ( غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه- أي تعاليه- مع تنزيهه عن المكان ) اهـ. [ فتح الباري (13 :  416) ] ، وقال أيضا : ( لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان، لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان " اهـ [  فتح الباري (13 :  433) ]  ،  ( 10 ) وقال الحافظ محمد بن حبان (453هـ) صاحب الصحيح المشهور بصحيح ابن حبان : ( الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان)  اهـ. [ الثقات (1 :  1) ] ،  ( 11 ) وقال الإمام ابن حزم الأندلسي (456 هـ) : ( وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة، قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } ، وقال { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } ، والزمان والمكان هما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام اهـ. [ أنظر كتابه علم الكلام: مسألة في نفي المكان عن الله تعالى (ص :  65) ]  ،  ( 12 ) وقال الحافظ البيهقي (458هـ) :  ( والذي روي في ءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان. واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء))، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان)  اهـ. [ الأسماء والصفات (ص :  400) ] ،  ( 13 ) وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي (476 هـ) : ( وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، فدل على أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان " اهـ.[ شرح اللمع : ج 1 : 101 ] ،  ( 14 ) وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (478 هـ) : ( البارئ سبحانه وتعالى قائم بنفسه ، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يقله ) اهـ. [ الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص :  53) ] ، وقال أيضا : ( مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات ) أهـ [الإرشاد (ص :  58) ] ، وقال أيضا : ( واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، وبتنزه عن الاختصاص بجهة ، وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت ءاراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسه ، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيما تقدم" اهـ [الشامل في أصول الدين : ص :  511 ] ،  ( 15 ) وقال الإمام أبو حامد الغزالي (505 هـ) : ( تعالى [ الله ] عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الان على ما عليه كان )  اهـ.[  إحياء علوم الدين: كتاب قواعد العقائد، (1 :  108) ] ، وقال أيضا : ( الأصل السابع: العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا، والاخر يقابله ويسمى رأسا، فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرِّجل، حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحت وإن كان في حقنا فوقًا. وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان. ثم قال: "فكيف كان في الأزل مختصًا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خلق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرّجل: وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصًا بالجهة: وإن اريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا اشاره إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال و الكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء" اهـ [ إحياء علوم الدين: (1 :  128) ]  ،  ( 16 ) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (543 هـ) : ( البارئ تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار )  اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( إن الله سبحانه منزه عن الحركـة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل ) اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 289 ] ، وقال أيضا : ( الله تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات ) أهـ [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( وان علم الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى  كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته " اهـ. [ عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي : ج 12 : 184 ] ، ( 17 ) وقال القاضي عياض المالكي : ( اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله او إلى الله فليس بدنو مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق: ليس بدُنو حد، صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء ) اهـ [ الشفا : ج1 : 205 ] ،  ( 18 ) وقال الإمام الشهرستاني (548هـ) : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }  ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان )  اهـ.[ نهاية الأقدام ص :  103] ، وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597هـ) : ( الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال)  اهـ. [ دفع شبه التشبيه (ص : 58) ] ، وقال في صيد الخاطر : ( فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل) اهـ [ صيد الخاطر : ص :  476 ] ، وقال في الباز الأشهب : ( كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان" اهـ.[ الباز الأشهب ص 57]  ،  ( 19 ) وقال الحافظ ابن عساكر (620 هـ) – في درة من تنزيهات العلماء – (  موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان ) اهـ [ طبقات الشافعية (8 :  186) ] ، وقال سلطان العلماء  عبد العزيز بن عبد السلام (660 ه) : ( ليس [ الله تعالى ] بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يُشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ [طبقات الشافعية : (8 :  219) ]  ،  ( 20 ) وقال الإمام المفسّر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (671هـ) : ( و"العليّ" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز)  أهـ [ الجامع لأحكام القرءان : (3 :  278)] ، وقال أيضًا ( والقاعدة تنزيهه سبحانه وتعالى عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة )  اهـ. [ المصدر السابق : (6 :  390) ] ، وقال أيضًا : ( ومعنى:{فوق عباده} [سورة الأنعام : 18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان" اهـ. [ المصدر السابق : (6 :  399) ] ، وقال أيضًا عند تفسير ءاية :{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام : 158] :  ( وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا ) اهـ. [  المصدر السابق : (7 :  145) ] ، وقال أيضًا : في تفسير آية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا} : ( والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز" اهـ. [  المصدر السابق : (20 : 55)] ، وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى:{ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك : 16] : ( والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) اهـ [ المصدر السابق: ( 18 : 216) ]  ،  ( 21 ) وقال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي (676هـ) :  ( إن الله تعالى ليس كمثله شىء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ) اهـ. [ شرح صحيح مسلم 3 : 19] ،  ( 22 ) وقال الإمام البيضاوي (685 هـ) : ( ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ) أهـ [ فتح الباري (3 :  31)] ، وقال الإمام المفسر النسفي (710 هـ ) :  (إنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان ) اهـ. [ تفسير النسفي : (ج2 : 2،48) ] ، وقال العلامة ابن منظور (711 هـ) : ( وفي الحديث: (( من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا ))   المراد بقرب العبد من الله عز وجل: القرب بالذكر والعمل الصالح لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس) [  لسان العرب ، مادة: ق رب (1 :  663- 664) ] ،  ( 23 ) وقال الإمام القاضي بدر الدين ابن جماعة (733 ه ) : ( كان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الان على ما عليه كان)  اهـ. [ إيضاح الدليل (ص :  103- 4. 1)] ، وقال أيضا : ( فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة. " قلنا: الموجود قسمان: موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله. فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلا، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له ) اهـ [ إيضاح الدليل (ص :  104- 105) ] ،  ( 24 ) وقال المفسِّر النحوي محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي (745 هـ) عند تفسير قوله تعالى :{ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه } : ( وعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة ) اهـ [ البحر المحيط (6 :  302)] ، وقال أيضا : ( قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة ) اهـ. [البحر المحيط: 16- 8 :  302) ] ،  ( 25 ) وقال الإمام الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826 هـ) : (  "وقوله أي النبي- "فهو عنده فوق العرش "لا بد من تأويل ظاهر لفظة "عنده " لأن معناها حضرة الشيء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده ) اهـ [ طرح التثريب (8 : ،84) ]  ،  ( 26 ) وقال إمام الدنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني (852 هـ)  : ( ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالا على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شىء علما جلّ وعز ) أهـ  [ فتح الباري(6 :  136) ] ،  ( 27 ) وقال الإمام العَيْني أحد شراح صحيح البخاري (855 هـ) : ( ولا يدل قوله تعالى :{ وكان عرشه على الماء }  على أنه - تعالى- حالّ عليه، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه " اهـ. [ عمدة القاري (مجلد 12 :  25 :  111) ] ، وقال أيضا : ( تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان ) أ ه [ عمدة القاري (مجلد 12 :  25 :  117) ] ،  ( 28 ) وقال الحافظ السخاوي (902 هـ ) : ( قال شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر-: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ) أهـ. [ المقاصد الحسنة (رقم 886، ص :  342) ] ،  ( 29 ) وقال الحافظ جلال الدين السيوطي (911 هـ) عند شرح حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) : ( قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى ) أهـ. [شرح السيوطي لسنن النساني (1 :  576) ] ،  ( 30 ) وقال الإمام القسطلاني  (933هـ) في شرحه على صحيح البخاري : ( ذات الله منزه عن المكان والجهة ) أهـ. [ إرشاد الساري (15 :  451) ] ، ( 31 ) وقال الإمام القاضي أبو زكريا الأنصاري (926 هـ) : ( إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان) أهـ [ حاشية الرسالة القشيرية (ص :  2) ] ، وقال أيضا : ( لا مكان له  - سبحانه - كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان) أهـ [ المصدر السابق : (ص :  5) ] ،

( ه ) ومن أقوال العلماء في تنزيه الله تعالى عن الزمان :  ( 1 ) ذكر عبد القاهر بن طاهر التميمى البغدادى رحمه الله في كتابه الفرق بين الفرق صـ333 إجماع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الزمان فقال رحمه الله : " وأجمعوا على أنه لا يحويه مكان ولا يجرى عليه زمان " أهـــ ،  ( 2 ) وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه : في كتابه (الفقه الأكبر صـ  17) (فصل ) : واعلموا أن الباري لا مكان له , والدليل عليه هو أن الله تعالى كان ولا مكان , فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلق المكان ,لا يجوز عليه التغيير في ذاته , والتبديل في صفاته , ولأن ماله مكان وله تحت متناهي الذات محدود , والمحدود مخلوق , تعالى الله عن ذلك , ولهذا المعنى استحال عليه الزوجة , والولد في حقه تعالى محال : " فإن قيل " قال الله تعالى :{  الرحمن على العرش استوى } ، يقال له : إن هذه الآية من المتشابه التي يحار في الجواب عنها , وعن أمثالها لمن يريد التبحر في العلم أن يمر بها كما جاءت , ولا يبحث عنها , ولا يتكلم فيها لأنه لا يأمن الوقوع في الشبهة , والورطة إذا لم يكن راسخا في العلم , ويجب أن يعتقد في صفة الباري ما ذكرناه , وأنه لا يحويه مكان , ولا يجري عليه زمان منزه عن الحدود والنهايات , مستغن عن المكان والجهات . (ليس كمثله شيء) " أهــ  ،  ( 3 ) وقال إمام أهل السنة الماتريدي : (ولا يوصف شيء بالقرب إلى الله من طريق المسافة والمساحة ولا هو بالقرب إلى شيء من ذلك الوجه إذ ذلك جهة الحدود والتقدير بالأمكنة وقد كان ولا مكان فهو على ما كان يتعالى عن الزمان والمكان إذ إليهما ترجع حدود الأشياء ونهايتها ولا قوة إلا بالله ) أهـ [ التوحيد للماتريدي ج: 1 ص: 106 ]  ، ( 4 ) وقال الإمام بن حزم : ( الله تعالى لا في مكان ولا في زمان أصلا وهو قول الجمهور من أهل السنة وبه نقول وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان كل ما عداه ولقوله تعالى : { ألا أنه بكل شيء محيط } ، فهذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطا به من جهة ما أو من جهات وهذا منتف عن الباري تعالى بنص الآية المذكورة والمكان شيء بلا شك فلا يجوز أن يكون شيء في مكان ويكون هو محيطا بمكانه هذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإنه لا يكون في مكان إلا ما كان جسما أو عرضا في جسم هذا الذي لا يجوز سواه ولا يتنكل في العقل والوهم غيره البتة وإذا انتفى أن يكون الله عز وجل جسما أو عرضا فقد انتفى أن يكون في مكان أصلا وبالله تعالى نتأيد  ) أهـ [  الفصل في الملل ج: 2 ص: 98 ]  ،  ( 5 ) وقال حجة الإسلام الغزالي ر حمه الله - في درة من علم التنزيه - :  (  أنه ( سبحانه ) في ذاته واحد لا شريك له فرد لا مثيل له صمد لا ضد له منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له أزلي لا بداية له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له قيوم لا انقطاع له دائم لا انصرام له لم يزل موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم  ، وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستوي على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إذا لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان " أهــ [ الغزالي قواعد العقائد ]   ، ( 6 ) وجاء في مناهل العرفان : ( فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول ليس كمثله شيء ويقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويقول إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ويقول يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف " أهــ  [ مناهل العرفان :  ج2 ص 210 ]  ،  ( 7 ) وقال ابن الجوزي الحنبلي في الباز الأشهب : ( واعلم أن من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مده في تقدمه علي العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل ) أهـ [الباز الأشهب ص 57 ]  ، ( 8 ) وقال القرطبي في التفسير : ( المكان لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان ...) [ تفسير القرطبي ج18 ص 315 تفسير سورة تبارك ] ، ( 9 ) وجاء في الفواكه الدواني :  ( قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم وقوله تعالى وهو معكم أينما كنتم فإن المراد الإشارة إلى إحاطة علمه بجميع الأمكنة وما احتوت عليه والمراد بالمعية المصاحبة بالعلم لا المصاحبة في المكان لتنزهه عن الزمان والمكان ) أهـ  [ الفواكه الدواني ج: 1 ص: 49 ] ، وجاء فيه أيضاً : ( وقد جل الله تعالى عن الأمكنة والأزمنة ) أهـ [الفواكه الدواني ج: 1 ص: 50 ] ،  ( 10 ) وجاء في أقاويل الثقات : ( باب في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا  ، اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ ليس كمثله شيء ) [ أقاويل الثقات ج: 1 ص: 134 ]

***

 

 

القاعدة الثالثة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء

 

 

( أ  ) الله تعالى له كمال الوجود الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء ،  كما في قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء ، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم ]   ، فهو سبحانه الأزلي القديم بذاته ، منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت ، وهو الحي بعد كل ميت ،حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت والفناء، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } [ البقرة :  255 ]  ، وقوله تعالى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان : 58 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، 

(  ب  ) من تنزيه الله تعالى عن الحدوث والفناء ، وعدم قبول الذات للحدوث أو الفناء نستفيد أنّ ذات الله تعالى القديم الأزلي الباقي الأبدي لا يقبل الحدوث أو التغير والأفول أو قبول المحدثات ، وذلك لأنه في علم الأصول فإن القديم الذاتي لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، وسوف يأتي زيادة بيان للمسألة عند الحديث على القاعدة الثامنة ( تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق )

***  

 

 

 

 

 

القاعدة الرابعة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه

 

 

(  أ  ) الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات ، ولا هو يشبه شيئاً منها ، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 } ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، وقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل : 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام : 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه : 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل .

(  ب  ) وعلى ذلك : فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ، والحمد لله أنه لا خلاف بين المسلمين - عدا المشبهة - بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ، إذ { ليس كمثله شيء } ،

 

***

 

القاعدة الخامسة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق

 

 

(  أ  ) ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها .

(   ب  ) ( الجسمية ) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها : الحد والمقدار ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص ، ومنها التحيز والكون في المكان ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه ، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله ، والله تعالى لا يحيط به شيء ،  ألا إنه بكل شيء محيط .

(  ت ) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث .

( ث  ) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،

(  ج  ) الجسم مادة ، وذات الله تعالى لا تسري عليه قوانين المادة ، لأنّ المادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه

(    ) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم : 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون ، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى}  [سورة النحل:60]  قال المفسرون  أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية ، وقوله تعالى { فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل ، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات ، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون ، وقوله تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } [سورة البقرة : 22] ، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل ،

(  ج  ) قوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } من أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجسمية فقوله تعالى ( أحد) يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله { أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله { أحد } منافي للجسمية وقوله تعالى { الله الصمد } فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم لأن كل جسم مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها ، وأما قوله تعالى { ولم يكن له كفواً أحد } فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة فلو كان تعالى جسما لكان مثلاُ لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية  ،

( ح  ) ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { والله الغنى وأنتم الفقراء }دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقوله تعالى { لا إله إلا هو الحى القيوم ؤ والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره ، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه ،  وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق ، وقوله تعالى { القدوس السلام } والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه  ، والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه القدوس سبحانه ، وهي ( الجسمية ) ضد الكمال الذي يتصف به ذات القدوس ، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه  ، والسلام عز وجل هو الذي سلم من جميع النقائص والعيوب والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه السلام سبحانه ،والسلام عز وجل هو الذي سلم ذاته عن المثل والسمي والشبيه ، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والسلام  هو الذي سلم ذاته عن أن يكون له مثيل أو شبيه  ،

(  خ ) ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار  ، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مقدَراً متناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا ، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى عما يشركون ، وقوله تعالى { هو الأول والأخر والظاهر والباطن } ، ( هو الأول والأخر ) فهو يقتضى أن يكون منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون الجسم أولا أبدا ، (والظاهر والباطن ) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ، وقوله تعالى ( ولا يحيطون به علماً ) وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان العلم محيطاً به فإن قيل : لما لا يجوز أن يقال أنه وإن كان جسماً لكنه جسماً كبيراً فلهذا المعنى لا يحيط به العلم ؟ قلنا : لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسماوات ولا بالجبال ولا بالبحار ولا بالمفاوز فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط بأطرافها والعلو لا تصل الى تمام أجزائها ولو كان الأمر كذلك لما كان فى تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة ، وقوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان الإدراك بالأبصار محيطاً به حتى لو كان جسما كبيرا

( د  ) ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب } ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده ، وقوله تعالى  { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [سورة ق : 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول

(  ذ  ) أقوال العلماء على تنزيه الله تعالى عن الجسمية أكثر من أن تحصر ، منها على سبيل المثال : جاء في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل : " بسم الله الرحمن الرحيم  ،  نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل :  أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادي رحمه الله في الدنيا والآخرة إجازة قال حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن محمد بن علي البغدادي بها قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أخبرنا عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي بجميع هذا الاعتقاد وقال جملة اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه والذي كان يذهب إليه   مجمل الاعتقاد  ...لا يجوز أن يسمى جسما ،    وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الأسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجىء في الشريعة ذلك فبطل " [العقيدة ج : 1 ص : 111] ، وقال الإمام البيهقي في كتابه مناقب الإمام أحمد : " عن رئيس الحنابلة وابن رئيسها أبي الفضل أبي الفضل التميمي أنه قال :أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة ,وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف ,والله تعالى خارج عن ذلك كله ,فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية , ولم يجئ في الشريعة ذاك فبطل ." أهـ [مناقب الإمام أحمد للبيهقي ص42] ، وقال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: " فصل  :  ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال " أهـ[العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص:34- 36 ]  ،  وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لحديث الرؤية : " اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين:  أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناه بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعقتد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى    ليس كمثله شيء    وأنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائرصفات المخلوق " أهـ [شرح صحيح مسلم للنووى ج 3ص 19-20 ]  ، قال الحافظ بن عبد البر رحمه الله : " قد قال الله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك مما هو موجود نازل به ولا مجيء لبان لك وبالله العصمة والتوفيق " أهـ[التمهيد لابن عبد البر ج: 7 ص: 137]  ،  وقال بن الجوزي الحنبلي في زاد المسير : " ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة لأن ذلك يختص بالأجسام والله منزه عن ذلك   " أهـ [ زاد المسير ج: 8 ص: 65 ] ،  وقال القرطبي رحمه الله : " اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته   المجسمة   الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى أعتقدوا أن الباريء تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك " أهـ[تفسير القرطبي ج:4 ص:14 ]  ،  وقال القاضي بن جماعة في إيضاح الدليل " " واتفق السلف وأهل التأويل على أن ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاعتدال واختلفوا في تعيين ما يليق بجلاله من المعاني المحتملة كالقصد والاستيلاء فسكت السلف عنه وأوله المؤولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيز والمكان وكذلك لا يوصف بحركة أو سكون أو اجتماع وافتراق لأن ذلك كله من سمات المحدثات وعروض الأعراض والرب تعالى مقدس عنه " أهـ [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 103]  ،  وقال حافظ الدنيا ابن حجر رحمه الله :  " " قال البيهقي صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول وعروج الملائكة هو الى منازلهم في السماء وأما ما وقع من التعبير في ذلك بقوله الى الله فهو على ما تقدم عن السلف في التفويض وعن الأئمة بعدهم في التأويل وقال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر وقد تقرر ان الله ليس بجسم فلا يحتاج الى مكان يستقر فيه فقد كان ولا مكان وانما أضاف المعارج اليه إضافة تشريف ومعنى الارتفاع اليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان انتهى "   أهـ [فتح الباري ج: 13 ص: 416]  ، وقال الزرقاني في مناهل العرفان : " فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك أهــ [ مناهل العرفان ج: 2 ص: 210]

*** 

 

 

 

 

 

 

القاعدة السادسة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق

 

 

(  أ  ) ذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة

( ب  ) الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )

(  ت  ) ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام ، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال ، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء  ، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ،

(  ث  ) الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ،

(  ج  ) من أقوال العلماء على تنزيه الله تعالى عن الصورة أكثر من أن تحصر منها على سبيل المثال : جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله :" نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل .. ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه ..ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع (( أهـ [العقيدة ج 1  : ص 110 ] وجاء فيه أيضا :  " لا يجوز أن يسمى جسما  وأنكر ( أي الإمام أحمد ) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل  " أهـ [العقيدة ج 1  : ص 111 ] ، وقال شيخ المحدثين الحافظ البيهقي :  "قال أبو سليمان الخطابي :وأما ذكر الصورة في هذه القصة ؛فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، فإن الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية " أهـ [الأسماء والصفات :297] ، وقال رحمه الله :  " وأما السمعي فهو ما كان طريق إثباته الكتاب والسنة فقط كالوجه واليدين والعين وهذه أيضا صفات قائمة بذاته لا يقال فيها إنها هي المسمى ولا غير المسمى ولا يجوز تكييفها فالوجه له صفة وليست بصورة واليدان له صفتان وليستا الجارحتين والعين له صفة وليست بحدقة وطريق إثباتها له صفات ذات ورود خبر الصادق به " أهـ [الاعتقاد ج1 ص 71ـ72] وجاء في كتاب الفقه الأكبر المنسوب للإمام الشافعي[ صـ10] "فصل : واعلموا أن الصور والتركيب تستحيل على الله تعالى للمعنى الذي ذكرنا في الجسم , ولأن ذا الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص هو فاعله , وخالقه , ومن يكون له صورة أيضا مخلوق لا إشكال فيه , ولأن الصورة لا تشبه المصور , والله تعالى خالق الصور (ليس كمثله شيء ) وقال الله تعالى { هو الله الخالق البارئ المصور } " أهـ [الفقه الأكبر المنسوب للإمام الشافعي صـ10] وقال الإمام الحافظ أبى بكر بن فورك  " فصل :  واعلم أن بعض أصحابنا المتكلمين في تأويل هذا الخبر حاد على وجه الصواب ، وسلك طريق الخطأ والمحال فيه ، وهو ابن قتيبه توهما أنه مستمسك بظاهره غير تارك له ، فقال : ( إن لله عز وجل صوره لا كالصور كما أنه شئ لا كالأشياء ) فأثبت لله تعالى صوره قديمه قديمه ، زعم أنها لا كالصور ، وأن الله خلق آدم على تلك الصوره ، وهذا جهل من قائله 0 وتوغل في تشبيه الله تعالى بخلقه "  أهـ [مشكل الحديث وبيانه ص 67 إلى 69] ، وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم : " قال المازري هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ورواه بعضهم ان الله خلق آدم على صورة الرحمن وليس بثابت عند اهل الحديث وكأن من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له وغلط في ذلك قال المازري وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره وقال لله تعالى صورة لا كالصور وهذا الذي قاله ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا .. قال له ايضا إن أردت بقولك صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقة وليست اللفظة على ظاهرها " أهـ [شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 166] ، وجاء في إكمال المعلم : " قال القاضي عياض : هذا حديث ثابت عند أهل النقل ، وقد رواه بعضهم أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ولا يليق هذا عند أهل النقل واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره ، وقال : فإن الله سبحانه له صور لا كالصور وأجرى الحديث على ظاهره ، والذي قاله لا يخفي فساده لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب وما ليس بمركب فليس بمصور وهذا من جنس قول المبتدعة أن الله الباري جل وعز جسم لا كالأجسام "  أهـ [إكمال المعلم ج8 من ص90:87] ، وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات : "  وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح .. وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم ومنهم من قال إنه على قدر مسافة العرش لا يفضل من أحدهما عن الأخر شيء   تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى : (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) [النساء  : 171 ] "  أهـ [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 135] ، وجاء في مرقاة المفاتيح(باب الحوض والشفاعة) : " وفي رواية أبي هريرة فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه ( فإذا جاء ربنا ) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها ) أهـ [مرقاة المفاتيح(باب الحوض والشفاعة)] ، وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل :  ومن قال بأن لله تعالى صورة وخلق آدم عليها فمردود عليه لما فيه من التجسيم     وكذلك من قال صورة لا كالصور "  أهـ [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 155] ، وقال رحمه الله : " الحديث الثاني حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا ) الحديث :  اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة )  أهـ  [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 159]

***

 

القاعدة السابعة

تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق

 

 

( أ  ) الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا ، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب

(  ب  ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال

(  ت  ) الأدلة النقلية المجملة على تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء  والأجزاء كثيرة منها : قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقوله تعالى ( لا إله إلا هو الحي القيوم ) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء  لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف ،  ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً ، وقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح

(  ث   ) ومن أقوال العلماء في تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء : قال النووي " قال المازري وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره وقال لله تعالى صورة لا كالصور وهذا الذي قاله ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا ..قال له ايضا إن أردت بقولك صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقة وليست اللفظة على ظاهرها" أهـ  [  شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 166 ] ، وقال ابن فورك : " ( إن الله كان سميعا بصيرا ) إن الفائدة فيه إنكاره قول من ذهب إليه من البدع إلى إثبات جارحة ، ولكن على أن معنى العين ما وصف به جل وعز أنه سميع بصير ... ولم يرد صلى الله عليه وسلم إثبات جارحة لاستحالة وصفه بالجوارح ) ابن فورك ص431 ، وقال القسطلاني : "  وتؤول الاصبع هنا بالقدرة إذ إرادة الجارحة مستحيلة " [ إرشاد الساري :ج15ص381] أهــ ، وجاء في البحر المحيط : " {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} معتقد أهل الحق أن الله تعالى ليس بجسم ولا جارحة له، ولا يشبه بشيء من خلقه، ولا يكيف، ولا يتحيز، ولا تحله الحوادث، وكل هذا مقرر في علم أصول الدين. والجمهور على أن هذا استعارة عن جوده وإنعامه السابغ، وأضاف ذلك إلى اليدين جارياً على طريقة العرب في قولهم: فلان ينفق بكلتا يديه. ومنه قوله: ( يداك يدا مجد فكف مفيدة   وكفّ إذا ما ضنّ بالمال تنفق ) ، ويؤيد أنّ اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق." [تفسير البحر المحيط قوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء )] أهـــ ، وقال الرازي في التفسير : ( لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز ... وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صونا لهذه النصوص عن التعطيل ( أي تحت تسخيره وتدبيره ) وحاصل القول في القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة " [التفسير الكبير ج27ص16] أهـــ  ، وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات :  "  باب  في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا     اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ (  ليس كمثله شيء ) إلى أن قال : وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية إنه  جسم   قال : وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى : (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) [النساء  : 171 ] " [أقاويل الثقات ج: 1  ص: 134\135] ،  وأختم هذه القاعدة بدرة للإمام القرشي التيمي مجدد القرن السادس حفيد الصديق أبي بكر رضي الله عنه الإمام فخر الدين الرازي - في درة من علم التقديس والتنزيه عن الجسمية والجوارح والأعضاء والأجزاء - قال في تفسيره : ( المسألة الرابعة : احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى } في إثبات يدين لله تعالى ، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه ، فوجب المصير إليه ، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية ، فوجب القطع به  ، واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأجزاء والأعضاء ، قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتا جارية مجرى الإلزامات الظاهرة ، ( فالأول ) : أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء ، فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها ، وإما أن يزيد عليها ، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح ، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله : { كل شيء هالك إلا وجهه  } ،  [  القصص : 88 ] ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله : { تجرى بأعيننا } [ القمر : 14 ] وأن يثبت جنبا واحدا لقوله تعالى : { ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله } [ الزمر : 56 ] وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى : { مما عملت أيدينا } [ يس : 71 ] وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله عليه وسلم : (( وكلتا يديه يمين )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الحجر الأسود يمين الله في الأرض )) وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } [ القلم : 42 ] فيكون الحاصل من هذه الصورة ، مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة ، وجنب واحد ويكون عليه أيد كثيرة وساق واحد ، ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور ، ولو كان هذا عبدا لم يرغب أحد في شرائه ، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة ، وأما القسم الثاني : وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن ، بل يزيد وينقص على وفق التأويلات ، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر ، ولا بد له من قبول دلائل العقل ، ( الحجة الثانية ) : في إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى ، فإن أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل وأن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى ، وإن نفوهما فهو خصي أو عنين ، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، ( الحجة الثالثة  ) : أنه في ذاته سبحانه وتعالى ، إما أن يكون جسما صلبا لا ينغمز البتة ، فيكون حجرا صلبا ، وإما أن يكون قابلا للانغماز ، فيكون لينا قابلا للتفرق والتمزق . وتعالى الله عن ذلك ، ( الحجة الرابعة ) : أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان كالزمن المعقد العاجز ، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان محلا للتغيرات ، فدخل تحت قوله : { لا أحب الآفلين } [ الأنعام : 76 ] ، ( الحجة الخامسة ) : إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان كالميت ، وإن كان يفعل هذه الأشياء ، كان إنسانا كثير التهمة محتاجا إلى الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل ، ( الحجة السادسة ) : أنهم يقولون إنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء الدنيا ، فنقول لهم حين نزوله : هل يبقى مدبرا للعرش ويبقى مدبرا للسماء الدنيا حين كان على العرش ، وحينئذ لا يبقى في النزول فائدة ، وإن لم يبق مدبرا للعرش فعند نزوله يصير معزولا عن إلهية العرش والسموات  ، ( الحجة السابعة  ) : أنهم يقولون إنه تعالى أعظم من العرش ، وإن العرش لا نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسي ، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة بالنسبة إلى البحر ، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيرا بحيث تسعه السماء الدنيا ، وإما أن يقال إن السماء الدنيا تصير أعظم من العرش ، وكل ذلك باطل  ، ( الحجة الثامنة ) : ثبت أن العالم كرة ، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كانت تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل ، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل ، فحينئذ يكون جسما محيطا بهذا العالم من كل الجوانب ، فيكون إله العالم على هذا القول فلكا من الأفلاك، ( الحجة التاسعة ) : لما كانت الأرض كرة ، وكانت السموات كرات ، فكل ساعة تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل في حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض ، فلو نزل من العرش في ثلث الليل وجب أن يبقى أبدا نازلا عن العرش ، وأن لا يرجع إلى العرش البتة ، ( الحجة العاشرة ) : أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من العيوب أولها : كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض وثانيها : كونه محدودا متناهيا وثالثها : كونه موصوفا بالحركة والسكون والطلوع والغروب ، فإذا كان إله المشبهة مؤلفا من الأعضاء والأجزاء كان مركبا ، فإذا كان العرش كان محدودا متناهيا ، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان موصوفا بالحركة والسكون ، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للإلهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها ، وذلك يبطل قول المشبهة ، وإن لم تكن منافية للإلهية فحينئذ لا يقدر أحد على الطعن في إلهية الشمس والقمر ، ( الحجة الحادية عشرة ) : قوله تعالى : { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة ، وذلك ينافي كونه مركبا من الأجزاء والأبعاض ، ( الحجة الثانية عشرة ) : قوله تعالى : { والله الغني وأنتم الفقراء } [ محمد : 38 ] ولو كان مركبا من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجا إليها وذلك يمنع من كونه غنيا على الإطلاق ، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ) أهـ [ تفسير مفاتح الغيب : ج 13 : ص 212 إلى 214 ] ،

***   

 

 

 

القاعدة الثامنة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث

وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق

 

 

(  أ  ) الله عز وجل هو الأول فليس قبله شيء ، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته ، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث وحلول الحوادث نقص يتنزه عنه كمال الذات ،

(  ب  ) من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى ، قوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ومنها أنه يستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل :60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال }  [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ، ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى:  { هل تعلمُ لهُ سميًّا }  [سورة مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث .

(  ت  ) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب قال تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام ، قال تعالى : { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ،  ومعناه  إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين .

(  ث  ) الأفول معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى ، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة

(  ج  ) كما أن ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث ، فإنه سبحانه منزه عن قبول الحوادث ، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من الذات حادثا وهذا محال لأن الله تعالى أحدي الذات صمدي الصفات لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث والأول الأزلي منزه عن أي حادث وإلا كان حادثا ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه

(  ح  ) قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات .

(  خ  ) دليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث الحوادث هو ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة ، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر ،  والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث ، والله تعالى منزه عن التغير والأفول ، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة ، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية ، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ،

(  د   ) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ          القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق ، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه متعلق بمشيئة الله وان الله سبحانه تكلم به متى شاء ولم يكن قديما من الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا : إن القرآن محدث وليس قديما ، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله ، بمعنى أنه لا يجوز القول : أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء ، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال ، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق  بأفعال الله ولا بإرادة الله ، ،  وهم جعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء ، ويرزق من يشاء متى شاء ، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم  محدثا مخلوقا ، فانظر هداك الله الفرق بين المذهبين ، مذهب التنزيه والفقه في دين الله ، ومذهب التكييف والجهل في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [ آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى ، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) .

***

 

 

 

 

القاعدة التاسعة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول

 وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق

 

 

(  أ  ) الله تبارك وتعالى منزه عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق وبيان ذلك : ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله ، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا

(  ب  ) أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ، قال ابن كثير _ عند قوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) _  " يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد وهما منفيان بالإجماع تعالى الله وتقدس " أهـ [ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 224]، وقال الحافظ السخاوي (902 هـ ) : ( قال شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر-: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ) أهـ. [ المقاصد الحسنة (رقم 886، ص :  342) ] ،

***

 

 

القاعدة العاشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق

 

 

(  أ  ) المقصود بالأعراض مثل الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح التي تتصف به ذات المخلوق ، والمقصود بالكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته ، والندم والتردد على معنى  التغير في ذاته ،

(  ب  ) الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، ومنزه وأي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،

(  ت  ) من أدلة تنزيه الله عن الكيفيات المحسوسة : أنها من خواص الجسم والله تعالى منزّه عن الجسمانية ، وأنها حادثة ، لكن الباري غير حادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث ، وهي تستلزم التغير والانفعال ،  والله منزّه من التغير في ذاته

(  ث  ) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

***

 

 

 

القاعدة الحادية عشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق

 

 

(  أ  ) الله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ،

(  ب  ) تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق : هو ما نطق به القرآن الكريم ، ولا يخالف في ذلك مسلم أصلا ، ومما يدل على نفي السنة والنوم قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } [ البقرة : 255 ] ، ومما يدل على نفي العجز والتعب ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } [ ق : 38 ] ،  ومما يدل على نفي النسيان قوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [ مريم : 64 ] ، وقوله تعالى : { قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى } [ طه : 52 ] ، ومما يدل على نفي الظلم ، قوله تعالى : { وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [ الكهف : 49 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا رَبُّكُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] ، والقاعدة أنّ كل كمال نطق به الكتاب والسنّة فالله متصف به وكل نقص يضاد هذا الكمال فالله تعالى منزه عنه ، وكل جلال وإكرام نطق به الكتاب والسنّة فالله تعالى متصف به ، ومنزه عن كل عيب يضاده ،

***

 

 

القاعدة الثانية عشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة

 

 

(  أ  ) تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 101 ]

(  ب  ) من الأشياء التي يستحيل نسبتها إلى الله تعالى ( الوالد والصاحبة والولد ) لأنّه تعالى خالق لكل موجود ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ،

(  ت  ) النصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، وند له ، ومثيل لذاته ، وشبيه بذاته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ]

(  ث  ) من فقه الآية { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد - ومن غيرها من الآيات كما سيأتي - تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث ، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ }:  ،  كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى : { وَلَمْ يُولَدْ } ، وسياتي تفصيل ذلك عند شرح قوله تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) } [ الانعام : 76 ] ، أي أن المتغير عن حاله الآفل الذي يقبل الحدوث والتغير من حال إلى حال ، لا يصلح أن يكون رباً خالقاً ، وإلهاً معبوداً

(  ج  ) خلاصة ما سبق أنّ الله تعالى يستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، فيستحيل في حقه الزوجة والوالد والولد ، وأنّه تعالى خالق كل شيء واتخاذ الولد ليس خلقاً بل هو انفصال جزء من الوالد وهو ينافي أحدية الله وواحدية الله وصمدية الله وكونه الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء ، ولهذا كان اعتقاد الولد لله من أفسد العقائد على وجه الأرض ، حتى أن الجماد ليتأذى منها ، قال تعالى : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } [ مريم : 89 إلى 93 ]  ،

***

 

 

القاعدة الثالثة عشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل

 

 

قد سبق تقرير هذه القاعدة ولأهميتها في التنزيه أورد ها هنا الأدلة الموجزة عليها ، ومنها قوله تعالى : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، وهذه الآية من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : كقوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى : 11]، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، وكقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل : 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وكقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وكقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وكقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام :100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وكقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه : 110] ولو كان له كفء أو شبيه أو مثيل لأحاطت به علوم البشر ، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات ، وكافة الماديات والحسيات والمرئيات والعقليات والنفسيات والروحانيات ، وكافة التصوزرات والمعلومات والتهيئات والتوهمات ، لأنّ الذات لا تُدرك ، وإذا كان المخلوق لا يحيط علماً بالروح التي تسكنه ، { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الاسراء : 85 ] فأنى له أن يُدرك شيئا عن ذات الإله ،

***

 

 

القاعدة الرابعة عشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره

 

 

( أ ) الإسلام دين التوحيد ، و الشرك ضد التوحيد ، والشرك اتخاذ الشركاء مع الله ، أو اعتقاد وجود الشريك مع الله تعالى ، وقد عالج القرآن الكريم قضية الشريك بأوضح بيان ، ومن ذلك قوله تعالى { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }[ الأنبياء : 22] فإنه لو كان لله شريك في الملك والخلق والأمر وتدبير الكون لفسد النظام الكوني برمته  ،  كما في قوله تعالى {  مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ المؤمنون:91] ، وقوله تعالى { قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا } [ الإسراء:42، 43] ، ولهذا خاطب الله تعالى البشرية جمعاء بقوله تعالى :  { فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } [الحج : 34] ، وقوله تعالى { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الْأَنعام : 102 ] ،  

( ب ) إذا كان للتوحيد أقسام عديدة ، منها توحيد الذات وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الله تعالى في ربوبيته ، وفي إلهيته واستحقاقه وحده للعبودية ، فإنّ للشرك الأكبر نفس الأقسام  الشرك في الذات والشرك في الأسماء والصفات والأفعال ، والشرك في ربوبية الله تعالى لخلقة ، والشرك في إلهيته واستحقاقه وحده للعبودية :

( ت ) توحيد الذات ، وهو أعلى مراتب التوحيد لتعلقه بذات الله عز وجل ، والمفهوم الدقيق لتوحيد الذات هو أن الله تعالى واحد لا يتصور له ثاني ، وأحد صمد لا شبيه له ولا نظير ولا مثيل ، فلا يشبه شيء ، و لا هو يشبه شيئا ، وعمدة هذا التوحيد قوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقوله تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ، وقوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى : 11]، وقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل : 60] ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام : 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه : 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  } [ الحديد : 3 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم]  ، وتوحيد الذات يشمل وصف الله تعالى بالكمال في ذاته وتنزيه الذات عن الشريك والند والكفء والمثيل ، وتنزيه الله تعالى عن كل نقص ، ومن ذلك تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار ، وتنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، وتنزه ذات الله تعالى عن أن يحيط بها مكان وتنزه ذات الله تعالى عن أن يجري عليها زمان وتنزيه ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه وتنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق وتنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل وعن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق وتنزيه ذات الله تعالى عن التحيّز والاختصاص بالجهات وتنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث وتنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث لأنها صفات المخلوق وتنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، وتنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق ، وتنزيه ذات الله تعالى عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ونزيه ذات الله تعالى عن كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، واعتقاد التنزيه والتقديس والإقرار بالعجز عن الإدراك والإقرار أن ذات الله تعالى فوق الحس والعقل والخيال والوهم والفكر ، لا نحيط به علما ، وقد تقدم في قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه بيان ذلك ، ومن الشرك الأكبر في ذات الله تعالى وتقدس : اعتقاد الشريك ،  كالقول بإلهين اثنين ، قال تعالى { وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } [ النحل : 51 ]  ، واعتقاد أن غير الله تعالى هو الإله مثل قول النصارى في نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام ، قال تعالى { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [ المائدة : 72 ] واعتقاد أن ذات الله تعالى منقسمة إلى أقانيم مثل قول النصارى أن الله تعالى ثالث ثلاثة ، قال تعالى { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ المائدة : 73 ] ، واعتقاد أن الله تعالى له أبناء أو بنات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا كقول النصارى بأن المسيح ابن الله وقول اليهود بان عزير ابن الله وقول مشركي العرب بأن الملائكة بنات الله ، قال تعالى { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا *  لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ سورة مريم : 88 ، 95 ] ، وكاعتقاد مشركي العرب في الجن ، كما في قوله تعالى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام : 100 ] ،

( ث ) وإذا كان توحيد الأسماء والصفات : هو اعتقاد انفراد الله تعالى بالأسماء الحسنى والصفات العلا  صفات الكمال والعظمة والجلال والإكرام ، ونفي النقص والعيب والعجز ، وكل ما ينافي الكمال عن ذات الله تعالى وصفاته ، وعمدة هذا التوحيد : قوله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ، وتوحيد الصفات معناه الاعتقاد بكون صفات الله تعالى تابعة لذاته ليس كمثلها صفات وتنقسم إلى قسمين الأول : صفات الذات التي تتعلق بالذات كالوجود والقدم والبقاء والحياة والعلم والقدرة والعزة والحكمة ونحوها ، والقسم الثاني : صفات الفعل التي تتعلق بالمخلوق : كالخلق والرزق والإحياء والإماتة  ونحوها ، فهذه صفات أفعاله لا ذاته، والكمال في الصفات الاخيرة هي قدرته عليها ، ثم الضابط في الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل، هو : أن صفات الذات هي ما اتصف الله تعالى بها، وامتنع اتصافه بضدّها، كالعلم والقدرة والحياة ونحوها، فإنه لا يجوز أن يقال أن الله عالم بكذا غير عالم بكذا، أو قادر علي كذا وغير قادرٍ علي كذا ونحو ذلك ، وامّا صفات الفعل فهي ما يتصف الله تعالى بها وبضّدها ،كالخالقية والرازقية فإنّه يجوز أن يقال: أنّ الله تعالى خلق فلاناً ، ولم يخلق فلاناً في حال عدم وجود الثاني ، يجوز أن يقال: أن الله تعالى أحيى  فلاناً  وأمات فلاناً ونحو ذلك ، والصفات السلبية: وهي الصفات التي تسلب النقص عنه تعالى ـ وهو المنزّه عن كلّ نقص ـ تبارك وتعالى، وينزَّه عنها لأنها من الصفات المختصة بالمخلوقات، ولا يمكن أن يقاس الله علي أحد من مخلوقاته، وأهمها خمس صفات: القدم، والبقاء، والقيام بالنفس، ومخالفة الحوادث، والوحدانية ، فالقدم يسلب عنه سبحانه الحدوث وقبول الحوادث ، والبقاء يسلب عنه الفناء والنقص والقيام بالنقس يسلب عنه الحاجة إلى خلقه ، ومخالفة الحوادث يسلب عنه مشابهة الخلق والوحدانية تسلب عنه الشريك والند والكفء والمثيل ، ووحدانية الصفات تنفى التعدد في حقيقة كل صفة منها فعلم الله تعالى ليس له ثانٍ يماثله بل هو تعالى يعلم المعلومات التي لا نهاية لها بعلم واحد لا عدد له ولا ثانٍ له أصلا وقس على هذا سائر صفات مولانا جلّ وعز ،  فإن الشرك في الأسماء والصفات يكون بالإلحاد في الأسماء وتسمية المعبودات من دون الله تعالى بأسماء الله تعالى ، كتسمية العزى من العزيز ، ونسبة صفات الكمال التي لا تنبغي إلا لله لما يعبدون من دون الله  ، أو نسبة صفات العجز أو العيب أو النقص إلى الله تعالى ،

( ج ) وإذا كان توحيد الأفعال يكون باعتقاد أنّه لا يكون في ملك الله تعالى إلا ما خلقه الله ، وإلا ما شاء الله ، وعمدة هذا التوحيد : قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ] ، وقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، ، قوله تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31) } [ الإنسان : 31 ] ، قوله تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير : 29 ] ، فمن الشرك في الأفعال : اعتقاد وجود مؤثر آخر من دون الله تعالى في الكون ومتصرف آخر غير الله تعالى مستقل عنه ، فمن اعتقد بأن لله شريكاً في التأثير أو التدبير على سبيل الاستقلال ، فهذا شرك يضاد توحيد الأفعال ،

( ح ) ومن التوحيد : توحيد الربوبية ، وتوحيد الربوبية مصطلح شامل يحمل اعتقاد معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا مسمى توحيد الربوبية ، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا ، وتتمثل تلك الاعتقادات فيما يلي :اعتقاد أنه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين ،واعتقاد أنه لا رازق على الحقيقة في الكون كله إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا مالك ولا متصرف بيده ملكوت كل شيء ولا مدبر للكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا شفيع في شيء من أمور الكون كله إلا من بعد إذن الواحد الأحد الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا شريك للرب الواحد الأحد الله رب العالمين في شيء من تلك المعاني التي يشملها توحيد الربوبية ، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا بحصر معاني الربوبية في اللّهِ وحده ، ولا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا لله رب العالمين وحده لا شريك له ، فمن صرف شيئا من تلك الاعتقادات التي تمثل توحيد الربوبية إلى غير الله تعالى ، فقد وقع في شرك الربوبية ، ومن الآيات التي تنهى عن الشرك في الربوبية : قوله تعالى { لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 38 ] ، وقوله تعالى { وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 42 ] ، وقوله تعالى { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }[ يوسف : 39 ، 40 ] ، وقوله تعالى { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [آل عمران : 64 ] ، وقوله تعالى { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 79 ، 80 ] ، وقوله تعالى { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }[  التوبة : 31 ] ، وقوله تعالى { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }[ الأنعام : 164 ]  ،

( خ ) ومن التوحيد : توحيد الألوهية : ومعناه اعتقاد استحقاق الله تعالى للعبادة وحده لأنّه هو الرب الإله الحق ، فلا تصرف العبادات إلا إليه ، وعمدة هذا التوحيد قوله تعالى : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [ آل عمران : 64 ] ، و قوله تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [ الْأَنْبياء : 25 ] ، وقوله تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [ النحل : 36 ] ، وقوله تعالى { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ الْأَعراف : 59 ] ، وقوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [ الذاريات : 56 ] ، وقوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، والشرك الأكبر المناقض لتوحيد الالوهية : يتمثل في صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية ، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله ، أو شفاعة ملزمة على الله ، أو استحقاق أن يعبد من دون الله ، فمن صرف السجود أو غيره من مفردات العبادة لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في ألوهية الله تعالى ، وأتى بالشرك الأكبر الناقض لأصل التوحيد ، وهو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه ، ومن صرفها بغير اعتقاد الشراكة مع الله تعالى في أي من صفات الربوبية أو الألوهية ، فقد أتي بالشرك العملي الناقض للتوحيد الواجب ، ووجب عليه التوبة إلى الله وتصحيح التوحيد بإفراد الله تعالى بمفردات العبادة وصورها التي لا ينبغي أن تصرف إلا لله ، ولابد من القول بأنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة : فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر  ، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة ،  ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى )) [ أخرجه مسلم ] ، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل ، ألا وهو النية  ، والنية هي الاعتقاد القلبي ، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة : فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله ، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة ،

(  د  ) أما تنزيه الله تعالى عن الوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، فالأدلة عليه كثيرة منها قوله تعالى : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً } [الإسراء 111] ، فالله تعالى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ، ثم قال تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ  } ، أي ولم يكن له ناصر ولا وزير ولا معين يعينه  من ضعف وعجز  وذل ، فيحتاج إلى ناصر ، ثم قال تعالى : { وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً } ، أي عظمه عظمة تامة عن اتخاذ الولد والشريك والوزير والمعين ، وقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } [الكهف 26] ، {ما لهم }  أي لأهل السموات والأرض { من دونه من ولي } ناصر ومعين لأنه لكمال قدرته غني عن المعين ، { ولا يشرك في حكمه أحدا } لأنه غني عن الشريك ،

***

 

 

القاعدة الخامسة عشرة : رؤية الله تعالى في الآخرة

 

 

اتفق أهل السنّة والجماعة على رؤية ذات الله تعالى في الآخرة ، وأنها رؤية بغير احاطة ، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة ، وقولهم هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح

(  1  ) الأدلة على رؤية الله سبحانه من الكتاب : أدلة متعددة نذكر منها :  ( أ ) قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } [ القيامة:22، 23 ] ، قال ابن عباس في تفسير الآية : ( تنظر إلى وجه ربها ) ، ( ب )وقوله تعالى: {  كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [ المطففين : 15  ] ، قال الإمام الشافعي : ( وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ ) ، بدليل لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين ) أهـ ، ( ت ) وقوله تعالى :  { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس : 26 ] ، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية ، كما أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم ، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ، ألم تدخلنا الجنة ، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ، ثم تلا هذه الآية : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ،  ( ث ) وقوله تعالى : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ ق: 35] فقد فسر المفسرون ومنهم الطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم : المزيد في هذه الآية بأنه النظر إلى الله تعالى ،  ( ج ) وقوله تعالى: { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 143] ،  والدليل على جواز الرؤية أنّ نبي الله  موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل ، لأنّ الأنبياء أعلم الناس بما يجوز وما يمتنع على الله ، ولا شك أنّ نبي الله موسى عليه السلام أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل في حقه من المعتزلة والإمامية والأباضية الذين منعوا من رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة ، كما أن الله تعالى أجابه بقوله { لَن تَرَانِي } وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: ( لست بمرئي ) ، أو ( لا تجوز رؤيتي ) أو ( إن الرؤية تستحيل في حقي ) ولكان آنذاك تصحيحاً واجبا للعقيدة وللخطأ في طلب الرؤية التي لا تجوز في حق الإله ، وكل هذا لم يحدث ، فدل على جواز المبدأ ( إمكانية رؤية الله ) ، كما أنّ الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز ، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية جائزة ،

(  2  ) الأدلة على رؤية الله سبحانه من السنّة : تواترت الأدلة من السنّة على رؤية الله تعالى في الآخرة منها :  ( أ ) ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: فإنكم ترونه كذلك )) [ أخرجه مسلم ]  ،  ( ب ) وأخرج البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنكم سترون ربكم عيانا )) [ أخرجه البخاري ] ،  ( ت ) وحديث مسلم السابق عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } )) [ أخرجه مسلم ] ، ( ث ) وما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن )) [ متفق عليه ] ، وما أخرجه البخاري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه )) [ أخرجه البخاري ] ، 

(  3  ) والأحاديث الواردة في رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة متواترة ، ذكر هذا التواتر الكتاني في نظم المتناثر ، و ابن حجر في فتح الباري ، و العيني في عمدة القاري، و ابن حزم في الفصل ، و ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل وغيرهم ، والحمد لله أنّ على رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة إجماع أهل السنة والجماعة المقتدى بهم في الدين ، نقله عنهم ابن تيمية فقال : ( أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة ) [ مجموع الفتاوى 6 : 512 ] ، 

(  4  ) وقد اتفقت كلمة مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة ( المدرسة الأثرية والمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية ) على رؤية الله تعالى في الآخرة ، ومنع منها المعتزلة والإمامية والإباضية ، وحججهم في الباب واهية لا تقوى على معارضة الأدلة من الكتاب والسنة والعقل ،

(  5  ) إمكانية رؤية الله تعالى عقلاً : رؤية الله تعالى غير ممتنعة عقلاً للأسباب التالية :  (  أ ) الله تعالى موجود ، وكل موجود تصح رؤيته ، لأنّ المصحح للرؤية الوجود ، وليس الجسم والشكل والصورة ، وإذا كان الله تعالى منزها عن ذلك كله ، لأنّه الخالق لها ، فليس يعني ذلك انتفاء الرؤية لأنّ المصحح للرؤية هو الوجود والله تعالى موجود ، وكما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك للناس في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى على ما هو عليه من غير جهة ولا مقابلة كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعينهم يسمى ذلك الإدراك رؤية تتعلق به تعالى على ما يليق به ، فهذه لا يحيلها العقل وقد جاء الشرع بإثباتها ، فوجب اثباتها والايمان بها ، مع ما يتعلق بها من تقديس وتنزيه ،  (  ب  ) المانعون من الرؤية عقلا كان دليلهم هو أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن المكان وسائر الأمكنة والجهات إليه سواء ، والرؤية لا تكون إلا في جهة ومكان ، والمكان مستحيل على الله لأنّ الله تعالى خالق المكان ، ولا يحل الخالق في المخلوق ، نقول نعم للتنزيه ، ولكن ما علاقة الرؤية بالمكان والجهة ، لأننا نقول رؤيته - سبحانه - لا في جهة ولا في مكان ، لأنّ جميع المؤمنين لا يضامون في رؤيته والمعنى لا يتزاحمون لرؤيته ، فالكل يراه لا في جهة ولا في مكان ، قال تعالى { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  } [ البقرة : 115 ] ، فالأماكن كلها عند الله تعالى سواء ،  (  ت  ) المانعون من الرؤية عقلا كان دليلهم هو أنّ الرؤية لا تكون إلا بشعاع متصل بين العين والشيء المرئي ، وهذا محال على الله لأنّه منزه عن قوانين المادة والجسم ، والشعاع المتصل يكون بين الأجسام المادية ، ونقول نعم للتنزيه والتقديس ، ولكن لا علاقة أيضاً لإمكانية الرؤية بالأجسام والمواد واتصال الأشعة البصرية ، فالرؤية ممكنة بغير تلك الأسباب ، والله تعالى خالق الأسباب والمسببات ، وعلى ذلك نؤمن بالرؤية بلا مقابلة ، ولا اتصال أشعة البصر ، ولا إحاطة بصر ،  (  ث  ) المانعون من الرؤية كان دليلهم من الشرع هو قوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ  } [ الأنعام : 103 ] ، فقالوا ما لا تدركه الأبصار فليس بمرئي ، وهذا فهم خاطئ للآية لأنّه لو كان المقصود نفي الرؤية لجاءت الآية ( لا تراه الأبصار ) ، ولكن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية ،  { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ  } ونحن نقول بجواز الرؤية  ولكن بغير احاطة ، إذ هناك مخلوقات محدودة من خلق الله تعالى كالبحر نراها ولا نحيط بها ، فكيف نحيط برؤية الله وهو المنزه عن الحدود ، لا تدركه الأبصار لأنّه منزه عن الحد والمقدار ، واسع لا حد له ، ولا نهاية لذاته ، أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن تحيط به رؤية المحدود المخلوق ،

(  6  ) تنزيهات متعلقة بالرؤية : (  أ  ) رؤيه الله لا تحيط بذات الله ، وكيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود ، وكيف يحيط المخلوق المحدث برؤية الخالق القديم ، لا تدركه الأبصار لأنّه منزه عن الحد والمقدار ، واسع لا حد ولا نهاية لذاته ، أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن تحيط به رؤية المحدود المخلوق ، (  ب  ) رؤية الله تعالى ليست في جهة ولا في مكان لأنّ ذات القدوس تنزه عن المكان ، لا تحيط به الجهات والأركان ، فهي رؤية منزهة عن الجهة والمكان والحد والمقدار ، منزهة عن الوصف ، (  ت  ) ورؤية الله ناشئة عن تجلى الرحمن الذي ليس كمثله شيء ، وناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار ، لأنّ الحجب تحجب رؤيتنا للعلي الجبار ، وهي تحجب المخلوق عن رؤية خالقه ، و إلا فذات الله تعالى ظاهرة لا يحجبها شيء أبدا ، إذ لا يحجب الحجاب المخلوق خالقة القاهر للحدود والواسع على كل محدود ، وإنما هي حُجُب تحجب أبصار المخلوقين المحدودة عن رؤية الخالق الجليل الكبير المتعال ، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم ، نسأل الله الكريم بوجهه الكريم أن يتفضل علينا برؤية وجهه الكريم في دار النعيم ،

 

 

 

 

الباب الثالث

قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه

المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله

وربوبيته وإلهيته لجميع خلقه وعباده

 

 

 

 

 

 

قد اشتمل هذا الباب على تلك القواعد :

القاعدة الأولى : تقديس وتوحيد وتنزيه الله تعالى في أسمائه الحسنى ليس كمثلها أسماء ،

القاعدة الثانية : جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات محكمة لله

القاعدة الثالثة  : باب الصفات أوسع من باب الأسماء ، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات

القاعدة الرابعة : القول في الصفات فرع على القول في الذات وإثبات صفات الله تعالى تابعة للذات

القاعدة الخامسة : أهمية العلم بصفات الله تعالى وأنّها هي الطريق إلى المعرفة بذات الله

القاعدة السادسة : صفات الله تعالى توقيفية ،

القاعدة السابعة : أقسام صفات الله تعالى ،

القاعدة الثامنة : الصفات الواجبة لله تعالى من جهة العقل ومن جهة السمع

القاعدة التاسعة : مسالك أهل السنّة والجماعة في فهم واعتقاد الصفات الخبرية

القاعدة العاشرة : المقصود من توحيد الأفعال

القاعدة الحادية عشرة : الكسب ومدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله وفق قاعدة توحيد الأفعال

القاعدة الثانية عشرة : يتفرّع عن توحيد الأفعال توحيد الربوبية بجميع أقسامه

القاعدة الثالثة عشرة : معنى الربوبية وما هو المقصود من توحيد الربوبية

القاعدة الرابعة عشرة : أسس وركائز تمنع من الغلو في توحيد الربوبية

القاعدة الخامسة عشرة : معنى العبودية والمقصود من توحيد العبودية

القاعدة السادسة عشرة : أسس وركائز تمنع من الغلو في توحيد العبودية

  

 

 

القاعدة الأولى

تقديس وتوحيد وتنزيه الله تعالى في أسمائه الحسنى ليس كمثلها أسماء

 

 

( 1 ) قال تعالى - في بيان توحيد الأسماء - { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى  } [ سورة طه : 8 ] و قال تعالى { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ سورة الْأَعراف : 180 ] و قال تعالى { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا *  وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [ سورة الإسراء : 110 إلى 111 ] وقال تعالى { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ *  هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ سورة الحشر : 22 إلى 24 ] وقال صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) [ متفق عليه ]

( 2 ) وتوحيد الأسماء الحسنى يكون بإفراد الله عز وجل بالأسماء الحسنى لا يشاركه سبحانه فيها بإطلاقها غيره ، إذ جل عن الشريك والكفء والسمي ، قال تعالى : { ولم يكن له كفواً أحد } ، وقال تعالى : { هل تعلم له سمياً } ،  وقال تعالى : { ليس كمثله شيئاً } ، وتوحيد الأسماء الحسنى يكون بإثباتها لله وحده بما دلت عليه من صفات الكمال لله تعالى كما تليق بكمال الله تعالى وجلاله وإكرامه ، سبحانه لا يقدره حق قدره إلا هو سبحانه لا نحصى ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه تعالت عظمته وتقدست ذاته وأسماؤه الحسنى وصفاته العلى ، 

( 3 ) وهذا التوحيد لا يثبت إلا في حق الله وحده ، وهو يستلزم افراد الله تعالى بما دلت عليه الأسماء الحسنى من كمال الصفات ، إذ كل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة علية يتصف بها الله عز وجل فالرحيم سبحانه متصف بالرحمة التي يرحم بها عباده والقدير جل شأنه متصف بالقدرة التي يدبر بها ملكه فلا يعجزه شيء والغفور تبارك وتعالى متصف بالمغفرة التي بها يغفر للتائبين والمنيبين ، لا إله إلا هو ، العليم الذي كمال العلم ، العزيز الذي له العزة التي لا تضام ، العظيم الذي له العظمة التي لا ترام ، القدير الذي له القدرة المطلقة والمشيئة النافذة ، الجبار الذي له الجبروت والانتقام وهو مع ذلك الرحمن الرحيم الذي سعت رحمته كل شيء وسبقت غضبه تعجز الكلمات عن حمد ذاته وعن وصف صفاته منصف بصفات الكمال والإجلال والإكرام منزه عن أدنى عيب أو نقص أو ذم ،

( 4 ) عدد الأسماء الحسنى لا يحصيه إلا الله تعالى ، واتَّفَقَ أكثر علماءُ أهل السنة والجماعة على أنَّ أسماءَ الله تعالى غيرُ محصورة بعدد ، وعلى أنها أكثرُ من تسعة وتسعين معيَّن ، إذ أن صفاته تعالى لا حد لها وكمالاته لا تنتهي ، لذا لا يجوز أن تكون أسماؤه محصورة بعدد محدد ، كما أن لله تعالى أسماءً وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ ، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ )) [رواه أحمد في مسنده (3784) والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والحاكم، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (ح : 3528 ) ] ،

( 5 ) من أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))  [متفق عليه ] ، ومقصود الحديث أن من أحصى هذا القدر من أسماء الله الحسنى ( مائة إلا واحداً ) دخل الجنة ، وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في هذا العدد ، وذلك لأن أسمائه الحسنى سبحانه كما جاء في الحديث السابق ((  أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ  ))  لا يحصيها إلا الله عز وجل ، كما أنّ أسماء الله  الحسنى ثناء عليه ، ولا يحصي الثناء على الله إلا الله . وقد جاء في الحديث (( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) [ صححه الألباني في صحيح الجامع رقم ( 1291 ) وفي صحيح أبو داود (823 ) ] ، أما الحكمة في الاقتصار على هذا العدد المخصوص ، فربما كان والله تعالى أعلم أنّ الأسماء وإن كثرت إلاّ أنّ معانيها قد ترجع في أصلها إلى التّسعة والتّسعين اسماً التي من أحصاها دخل الجنة ،

( 6 ) المقصود بإحصاء الاسماء الحسنى التسعة والتسعين : قد يكون المقصود من الإحصاء هو ( الحفظ ) ، ومعنى (أحصاها) أي ( حفظها ) ، وهو الاقرب لمقصد الحديث بدليل الرواية التي أخرجها مسلم وفيها بدلاً من ( من أحصاها دخل الجنة ) ، بلفظ ((مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) ، والمعنى : من حفظ من أسماء الله تعالى الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة ، وقد يكون المراد من الإحصاء ( الفهم ) أي فهم معانيها والمراد منها في بيان كمال أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى ، وقد يكون المراد بالإحصاء هو ( الدعاء ) بها والتوسل إلى الله تعالى بها دعاء الطلب والمسألة ودعاء الثناء والعبادة ، وقد يكون المراد بالإحصاء هو ( العمل بها ) ، كما جاء في فتح الباري "  الإحصاء للأسماء العمل بها لا عدها وحفظها ؛ لأن ذلك قد يقع للكافر المنافق كما في حديث الخوارج (( يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم )) ، وقال ابن بطال الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والمتعال والقدير ونحوها ، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها ، وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها : كالرحيم والكريم والعفو ونحوها ، فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها فبهذا يحصل الإحصاء العملي ، وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها ولو شارك المؤمن غيره في العد والحفظ ، فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها  " أهـ

( 7 ) وأسماء الله الحسنى توقيفية لا مجال للاجتهاد إذ العقل قاصر عن الاجتهاد فيما لا يدركه لقوله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } [ الإسراء : 36 ] ، وقوله تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [ الأعراف: 33 ] ، والمذهب عند أهل السنة والجماعة أن أسماءَ الله تعالى الحسنى توقيفية لا يجوز الاجتهاد فيها أو القياس ،  لأنها من الأمور الغيبية التي لا تُعلم بها إلا عن طريق الوحي [ الكتاب والسنة ] ،

( 8 ) أسماءُ الله تعالى كلُّها حسنى ، ومعنى ذلك أنها بالغة الحسن لأنها أسماء الله تعالى ، ولأنها تدل على صفات الكمال والجلال والإكرام لله تعالى ، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم  بالحسنى في أربعة مواضع من القرآن الكريم ، منها قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى  } [ سورة طه : 8 ] ، وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ سورة الْأَعراف : 180 ] ، والعلم بأسماء الله تعالى الحسنى أشرفُ العلوم لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته العلى ،

( 9 ) والأسماء الحسنى نخلص بها الدعاء لله وحده قال تعالى { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) [ الأعراف : 180 ] والدعاء نوعين ، الأول : دعاءَ المسألة والطَّلَب والثاني : دعاءَ العبادة والثناء؛ فلا ينبغي أن ندعوه أو نسأله أو نُثْني عليه إلا بأسمائه الحُسنى وصفاته العلى ، فدعاءُ المسألة والطَّلَب : مثل أن نقول: يا غفور اغفر لي ،  و يا رحيم ارحمني. و يا حفيظ احفظني ، ونحو ذلك ، ومن تدبَّر الأدعيةَ الواردةَ في القرآن أو في السُّنَّة يجد أنه ما من دعاء منها يختم بشيء من أسماء الله الحسنى إلا ويكون في ذلك الاسم ارتباطٌ وتناسُبٌ مع الدُّعاء المطلوب؛ كقوله تعالى: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ، وقوله تعالى : { قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) } [ يوسف : 98 ] ، ودعاءُ العبادة والثَّناء : هو أن تتعبَّد لله تعالى بمقتضى هذه الأسماء ، فتقوم بالتوبة إليه لأنه التواب، وندعوه لأنَّه السميع المجيب ، وعلى هذا النَّحْو في كلِّ أسمائه.

( 10 ) الإلحاد في الأسماء الحسنى يكون بإثبات المشاركة لأحد من الخلق في هذه الأسماء أو بعضها بنفس معناها ومدلولها ، أو يكون بالعدول عن معانيها أو يكون بوصفه جل وعلا بما يليق به من الأسماء ، والإلحاد في أسماء الله سبحانه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها ، قال تعالى : { وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ سورة الْأَعراف : 180 ] ، ( أ ) فمن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى بإثبات المشاركة لأحد من الخلق في هذه الأسماء أو بعضها بنفس معناها ومدلولها ،أن تسمى المعبودات الباطلة بما تسمى به الله تعالى من الأسماء الحسنى ، وذلك  كتسمية المشركين اللات من الإله، والعزَّى من العزيز، ومنَاةَ من المنَّان، وتسميتهم للأصنام آلهة ، يضاهئون بذلك أسماء الله تعالى الحسنى ، ومنها اعتقادهم أن من أسماء آلهتهم العزيز والنصير ، وأن من صفات آلهتهم النصرة والعزة ، كما قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)  } [ يس : 74 ] ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) } [ مريم : 81 ] ،( ب ) ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى أيضاً أن يسمى الله تعالى بما لا يليق به من الاسماء ،  ومن ذلك تسميةُ النَّصارى له ( الأب ) ، وتسميتهم له  ( الابن ) ، وهو تعالى أحد صمد كما قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ، وكتسمية الفلاسفة إياه ( العلة الفاعلة ) ، ( ت ) ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى أيضاً العدول عن معاني الأسماء ، وتعطيلها عن كمال معانيها المستحقة لله وحده ،  كزعم  القدرية  أنه ( الخالق ) ، ولكنه لا يخلق  عمل الإنسان ، ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى أيضاً زعم الفلاسفة والمعطلة أنّ الأسماء ألفاظٌ مجرَّدةٌ لا تَدُلُّ على معان، ولا تتضمن صفات ، تعالى الله عما يقولون ، ( ث ) ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى أيضاً  تَشْبيهُ ما  تضمَّنَتْه أسماءُ الله الحسنى من صفات تامة عظيمة لها منتهى الكمال بصفات المخلوقين ، كأن يقولون الله تعالى سميع ، ويسمع بأذن ، أو يقولون الله بصير ، ويحتاج إلى العين في إبصاره ، وينسبون له الجوارح ، تعالى الله عما يقولون علواً عظيما ، له كمال الغنى منزه عن الجوارح والأعضاء والاجزاء ، وهو الأحد الصمد الذي لم يكن له كفوا أحد ، والله تعالى يقول: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ،

( 11 ) الأسماء الحسنى على كثرتها ليست مترادفة ، فإن كل منها يتضمن معنى لا يتضمنه غيره ، وللإمام أبي حامد الغزالي رسالة قيمة كاملة في شرح أسماء الله الحسنى  سماها : ( المقصد الأسنى في أسماء الله الحسنى )  نص فيها على أن الأسماء الحسنى، على كثرتها، ليست مترادفة، وأوجب أن يتضمن كل اسم منها معنىً لم يتضمنه غيره، ذلك لأن : " الأفعال كثيرة والإضافات كثيرة والسلوب كثيرة ويكاد يخرج جميع ذلك عن الحصر ثم يمكن التركيب من مجموع صفتين أو صفة وإضافة أو صفة وسلب أو سلب وإضافة ويوضع بإزائه اسم فتكثر الأسامي بذلك وكان مجموعها يرجع إلى ما يدل منها على الذات أو على الذات مع سلب أو على الذات مع إضافة أو على الذات مع سلب وإضافة أو على واحد من الصفات أو على صفة وسلب أو على صفة وإضافة أو على صفة فعل أو على صفة فعل وإضافة أو سلب فهذه عشرة أقسام:  الأول: ما يدل على الذات كقولك: «الله»، ويقرب منه اسم «الحق» إذا أريد به الذات من حيث هي واجبة الوجود ، والثاني: ما يدل على الذات مع سلب مثل القدوس والسلام والغني والأحد ونظائره فإن القدوس هو المسلوب عنه كل ما يخطر بالبال ويدخل في الوهم، والسلام هو المسلوب عنه العيوب، والغني هو المسلوب عنه الحاجة، والأحد هو المسلوب عنه النظير والقسمة ، والثالث: ما يرجع إلى الذات مع إضافة كالعلي والعظيم والأول والآخر والظاهر والباطن ونظائره فإن العلي هو الذات التي هي فوق سائر الذوات في المرتبة فهي إضافة، والعظيم يدل على الذات من حيث تجاوز حدود الإدراكات، والأول هو السابق على الموجودات، والآخر هو الذي إليه مصير الموجودات، والظاهر هو الذات بالإضافة إلى دلالة العقل، والباطن هو الذات مضافة إلى إدراك الحس والوهم، وقس على هذا غيره ، والرابع: ما يرجع إلى الذات مع سلب وإضافة كالملك والعزيز فإن الملك يدل على ذات لا تحتاج إلى شيء ويحتاج إليه كل شيء. والعزيز هو الذي لا نظير له وهو ما يصعب نيله والوصول إليه ، والخامس: ما يرجع إلى صفة كالعليم والقادر والحي والسميع والبصير ، والسادس: ما يرجع إلى العلم مع إضافة كالخبير والشهيد والحكيم والمحصي فإن الخبير يدل على العلم مضافا إلى الأمور الباطنة، والشهيد يدل على العلم مضافا إلى ما يشاهد، والحكيم يدل على العلم مضافا إلى أشرف المعلومات، والمحصي يدل على العلم من حيث يحيط بمعلومات محصورة معدودة التفصيل ، والسابع: ما يرجع إلى القدرة مع زيادة إضافة كالقهار والقوي والمقتدر والمتين فإن القوة هي تمام القدرة والمتانة شدتها والقهر تأثيرها في المقدور بالغلبة ، والثامن: ما يرجع إلى الإرادة مع إضافة أو مع فعل كالرحمن والرحيم والرؤوف والودود فإن الرحمة ترجع إلى الإرادة مضافة إلى قضاء حاجة المحتاج الضعيف، والرأفة شدة الرحمة، وهي مبالغة في الرحمة، والود يرجع إلى الإرادة مضافا إلى الإحسان والإنعام، وفعل الرحيم يستدعي محتاجا، وفعل الودود لا يستدعي ذلك، بل الإنعام على سبيل الابتداء يرجع إلى الإرادة مضافا إلى الإحسان وقضاء حاجة الضعيف وقد عرفت وجه ذلك فيما تقدم ، والتاسع: ما يرجع إلى صفات الفعل كالخالق والبارئ والمصور والوهاب والرزاق والفتاح والقابض والباسط والخافض والرافع والمعز والمذل والعدل والمغيث والمجيب والواسع والباعث والمبدئ والمعيد والمحيي والمميت والمقدم والمؤخر والوالي والبر والتواب والمنتقم والمقسط والجامع والمانع والمغني والهادي ونظائره ، والعاشر: ما يرجع إلى الدلالة على الفعل مع زيادة كالمجيد والكريم واللطيف فإن المجيد يدل على سعة الإكرام مع شرف الذات، والكريم كذلك، واللطيف يدل على الرفق في الفعل " أهــ  [ باختصار يسير ] ،

( 12 ) اسمُ الله الأعظمُ : لله تعالى اسمٌ أعظم من كُلِّ أسمائه الحسنى إذا سُئلَ به أعطى وَإذا دُعي به أجَابَ ، فقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن بُرَيْدة الأَسْلميِّ رضي الله عنه أَن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سَمعَ رَجُلاً يَقُولُ: (( اللهُمَّ إنِّي أَسألكَ أَني أَشهَدُ أَنكَ أنتَ اللهُ لاَ إله إلا أنتَ الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لمْ يَلدْ وَلَمْ يُولد ولم يَكنْ لَهُ كُفوًا أحدٌ )) فقال صلى الله عليه وسلم : (( لَقدْ سَأَلتَ  اللهَ بالاسم الذي إذا سُئلَ به أعطى وَإذا دُعي به أجَابَ ))  [أبو داود، ح ( 985 ) ، والترمذي ، ح ( 3475 ) ، وابن ماجه، ح ( 3857 ) ،  والنسائي في الكبرى، 4 :  394، ح (  7619 ) ، وأحمد 38 :  64، ح ( 22965 ) ،  وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، 3 : 163، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ح ( 1640 ) ] ، وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أنس رضي الله عنه أنهُ كَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جَالسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعَا: (( اللهُمَّ إنَّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَاَ إِلاَّ أَنْتِ المنَّانُ بَديعُ السَّموات وَالأَرْض يَا ذَا الجلال وَالإكْرَام يَا حَيُّ يَا قّيُّومُ )) فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : (( لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِه الْعَظيم الذي إذا دُعي به أجَابَ وإذَا سُئل به أعطى )) [أبو داود ح (1497) ، والترمذي ح (3889) ، وابن ماجه ح (3991) ، ومسند أحمد ح (12534) ، صححه ابن حبان والحاكم والذهبي والألباني في صحيح الترمذي ح ( 3544 ) ] ، وأخرج ابن ماجة عَنْ أَبي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اسْمُ اللهِ الأَعظَمُ الذي إِذَا دُعي به أَجَابَ في سُوَر ثَلاثَ البَقَرة وآلِ عِمْرَانَ وَطَهَ )) [ ابن ماجه (3988) وحسنه الألباني ، وانظر صحيح الجامع ح ( 979 ) ] ،

( 13 ) معرفة اسمُ الله الأعظمُ : لقد اختلف العلماء في تحديده اختلافا كبيرا ، فقال أكثر العلماء الاسم الأعظم هو ( الله ) ؛ إذ هو الاسم الجامع لله تعالى الذي يدل على جميع أسمائه وصفاته تعالى ، وهو اسم لم يُطلق على أحد غير الله تعالى ، وكذلك فإنه ورد في جميع أحاديث الاسم الأعظم  ، ، واختلف الآخرون على أقوال أشهرها أنه : ( الرحمن الرحيم ) ، أو (الحي القيوم ) أو ( الأحد الصمد ) أو (الحنان المنان ) أو (بديع السماوات والأرض ) أو (ذو الجلال والإكرام ) أو (الله لا إله إلا هو ) أو (لا اله إلا أنت سبحانك ) أو (هو مخفي في الأسماء الحسنى ) وقالوا : إن الحكمة من إخفاء الاسم الأعظم هي تحفيز المؤمن على طلب كلِّ الأسماء الحسنى بالثَّناء والدُّعاء ، والبحث عنه والاجتهاد في معرفته ، ولعلها نفس الحكمة من إخفاء ليلة القدر وساعة الإجابة يوم الجمعة ،

( 15 ) الأسماء الحسنى جميعها تدل على صفات محكمة لله تعالى ، فكل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى يدل على صفة محكمة من صفات الله تعالى ، ولهذا يجوز أن يشتق من كل اسم من الأسماء الحسنى  صفة لله عز وجل ، فالعليم يشتق منه صفة العلم، والحكيم يشتق منه صفة الحكمة ، والعظيم يدل على صفة العظمة ، والقدير يدل على صفة القدرة ، والغفور يدل على صفة المغفرة ، والرحيم يدل على صفة الرحمة ، وهكذا ، فإذا كان يمكن احصاء تسعة وتسعين اسما لله تعالى ، فإن هذه الاسماء الحسنى تدل على صفات علا محكمة لله تعالى ، وعلى ذلك فإن إحصاء الأسماء الحسنى هو من أعظم أبواب العلم بالله تعالى وصفاته العظيمة وأفعاله الحكيمة ،

( 16 ) أصح الروايات في إحصاء الأسماء الحسنى هي رواية ( الوليد بن مسلم ) أخرجها التِّرْمذيُّ في سُنَنه ح (3642)، كتاب الدَّعَوات ، وابن حبان ح (2384)، والحاكم في المستدرك ، (1 : 16) ، والبيهقي في (السنن) (10 : 27)، و في (الأسماء والصفات) (ص15 – 16) ، وفي (الاعتقاد) (ص50)، والبغوي في (شرح السنة) (5 : 32),  قال الإمام الترمذي : حدثنا إبْرَاهيمُ بنُ يَعْقُوب الجوزجاني ، أَخبرنا صَفْوَانُ بنُ صَالِح ، أخبرنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ ، أخبرنا شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةَ ، عَن أبي الزِّنَادِ ، عَن الأَعْرَجِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ لله تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً غيرَ وَاحِدَةٍ مَنْ أَحْصَاها دَخَلَ الجَنَّة ، هُوَ الله الَّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ المَلِك القُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّر الخَالِقُ البَارِىءُ المُصَوِّرُ الغَفَّارُ القَهَّارُ الوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الفتَّاحُ العَلِيمُ القَابِضُ البَاسِطُ الخافضُ الرَّافِعُ المعزُّ المذِل السَّمِيعُ البَصِيرُ الحَكَمُ العَدْلُ اللّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ الشَّكُورُ العَلِيُّ الكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ الرَّقِيبُ المُجِيبُ الْوَاسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ البَاعِثُ الشَّهِيدُ الحَق الوَكِيلُ القَوِيُّ المَتِينُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ المُحْصِي المُبْدِيءُ المُعِيدُ المُحْيِي المُمِيتُ الحَيُّ القَيُّومُ الوَاجِدُ المَاجِدُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ القَادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ الأوَّلُ الآخِرُ الظَّاهِرُ البَاطِنُ الوَالِي المُتَعَالِي البَرُّ التَّوَّابُ المنتَقِمُ العَفُوُّ الرَّؤُوف مَالِكُ المُلْكِ ذُو الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ المُقْسِط الجَامِعُ الغَنِيُّ المُغْنِي المَانِعُ الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ الهَادِي البَدِيعُ البَاقِي الوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُور ))  [ قال الترمذي : هَذا حديثٌ غَرِيبٌ حَدّثَنا بِهِ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ صَفْوَانَ بنِ صَالِحٍ وَلاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بنِ صَالحٍ وهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحدِيثِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم وَلا نَعْلَمُ في كَبِيرِ شَيْءٍ مِنَ الرّوَايَاتِ له إسناد صحيح ذكر إلا ذِكْرَ الأسْمَاءِ إلاّ في هَذَا الحَدِيثِ ) أهـ ، كما أخرجها الحاكم في المستدرك ، (1 : 16) وقال - بعد تخريج الحديث من طريق صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم - ( صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بسياق الأسماء الحسنى، والعلة فيه عندهما تفرد الوليد بن مسلم قال: ولا أعلم خلافاً عند أهل الحديث أن الوليد أوثق وأحفظ وأجل وأعظم من بشر بن شعيب وعلي بن عياش وغيرهما من أصحاب شعيب] ،

( 17 ) ضعف الطرق التي فيها سرد الأسماء  : اختلف أهل العلم بالحديث بين مصحح للرواية وآخذ بما فيها من الأسماء الحسنى ، وبين مضعف لها ، وبين متردد في حالها بين القبول والرد ، فممن أخذ بها وقبلها وصححها جمع من المحدثين منهم ابن حبان والحاكم ، وحسّنها النوويُّ في الأذكار، وأيَّده الشوكاني في تحفة الذاكرين ، وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين : (  ولا يخفاك أنَّ هذا العدد قد صحّحه إمامان ، وحسّنه إمام، فالقول أنَّ بعض أهل العلم جمعها من القرآن غير سديد ) [ تحفة الذاكرين للشوكاني ص 70 ] ، وممن قبلها ضمناً كل من عوَّل عليها في شرح الأسماء الحسنى ، وهم غالب من شرح الأسماء الحسنى كابن مَنْدَهْ وابن العربي والبيهقي والغزالي والقرطبي والرازي وغيرهم ، وممن ضعفها ولم يقر بها ابن تيمية حيث قال في  [ مجموع الفتاوى (6 : 379) ] - بعد ذكر روايتي الترمذي وابن ماجه : ( وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسراً في بعض طرق حديثه ) أهـ ، وممن تردد في قبولها من علماء الحديث البيهقي وابن العربي وابن حجر ، قال البيهقي في [ الأسماء والصفات (ص19) ] : (ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة, وكذلك في حديث الوليد بن مسلم , ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح) أهـ ، وقال ابن العربي في [ عارضة الأحوذي ج 13 ، ص 34 ] : ( صححه أبو عيسى [ الترمذي ] ، ولم يدخله أحد من أهل الصحة الذين شرطوها ، ويحتمل أن يكون ذلك تفسير النبي صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون ذلك من غيره وهو الظاهر عندي ) أهـ ، وقال الحافظ ابن حجر في [ الفتح (11 : 215) ] : ( واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر عن بعض الرواة، فمشى كثير منهم على الأول، واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم , لأن كثيراً من هذه الأسماء كذلك ، وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه ) أهـ ،  

( 18 ) ما دام هناك احتمال قائم  - لا سبيل إلى علاجه - على أن يكون الإحصاء لم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو اجتهاد من الرواة الثلاثة في إحصاء الأسماء الحسنى ، ومن ثم ألحقوها بالحديث الوارد عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، يبقى الامر بين علماء أهل السنة والجماعة على السعة والاجتهاد في احصاء الاسماء الحسنى - من الكتاب والسنة - رغبة فيما عند الله تعالى من العلم والثواب المترتب عليها ، وقد تتبّع ابن حجر ما ورد في القرآن بصيغة الاسم ممّا لم يذكر في رواية الترمذيّ ، وهي سبعة وعشرون اسمًا ، وضمّ إليها الأسماء الَّتي وقعت في رواية الترمذيّ ممّا ورد في القرآن بصيغة الاسم فصارت تسعة وتسعين اسمًا وكلّها في القرآن وهي : اللَّهُ ، الرَّحْمَنُ ، الرَّحِيمُ ، الْمَلِكُ ، الْقُدُّوسُ ، السَّلامُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ ، الْمُتَكَبِّرُ ، الْخَالِقُ ، الْبَارِئُ ، الْمُصَوِّرُ ، الْغَفَّارُ ، الْقَهَّارُ ، التَّوَّابُ ، الْوَهَّابُ ، الخلاّقُ ، الرَّزَّاقُ ، الْفَتَّاحُ ، الْعَلِيمُ ، الْحَلِيمُ ، الْعَظِيمُ ، الْوَاسِعُ ، الْحَكِيمُ ، الْحَيُّ ، الْقَيُّومُ ، السَّمِيعُ ، الْبَصِيرُ ، اللَّطِيفُ ، الْخَبِيرُ ، الْعَلِيُّ ، الْكَبِيرُ ، المحيطُ ، القديرُ ، المولى ، النّصيرُ ، الْكَرِيمُ ، الرَّقِيبُ ، القريبُ ، الْمُجِيبُ ، الْوَكِيلُ ، الْحَسِيبُ ، الْحَفِيظُ ، الْمُقِيتُ ، الْوَدُودُ ، الْمَجِيدُ ، الْوَارِثُ ، الشَّهِيدُ ، الْوَلِيُّ ، الْحَمِيدُ ، الْحَقُّ ، المبينُ ، الْقَوِيُّ ، الْمَتِينُ ، الْغَنِيُّ ، المالكُ ، الشّديدُ ، الْقَادِرُ ، الْمُقْتَدِرُ ، القاهرُ ، الكافي ، الشّاكرُ ، المستعانُ ، الفاطرُ ، الْبَدِيعُ ، الغافرُ ، الأَوَّلُ ، الآخِرُ ، الظَّاهِرُ ، الْبَاطِنُ ، الكفيلُ ، الغالبُ ، الْحَكَمُ ، العالِمُ ، الرّفيعُ ، الحافظُ ، الْمُنْتَقِمُ ، القائمُ ، الْمُحْيِي ، الْجَامِعُ ، المليكُ ، الْمُتَعَالِي ، النُّورُ ، الْهَادِي ، الْغَفُورُ ، الشَّكُورُ ، الْعَفُوُّ ، الرؤوف ، الأكرمُ ، الأعلى ، الْبَرُّ ، الحفيُّ ، الربُّ ، الإلهُ ، الْوَاحِدُ ، الأحدُ ، الصَّمَدُ الَّذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد ، [فتح الباري 11 : 219 ] ،

( 19 ) اجتهادي في إحصاء الأسماء الحسنى وطريقتي في الإحصاء : إنّ إحصاء الأسماء الحسنى هو باب توحيد الأسماء الحسنى ، وهو باب العلم بالله تعالى ، وهو أوسع الابواب نحو أشرف العلوم التي منحها الله تعالى أهل الإسلام ، حيث أنه الطريق الواضح المبين نحو العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله وربوبيته لخلقه وألوهيته سبحانه لا إله إلا هو ، ولهذا اجتهدت في احصاء الاسماء الحسنى ، ما كنت احسب أنه يبلغ بي ذلك الجهد ، وذلك بسبب حرصي الشديد على الاستفادة من الأسماء الحسنى الواردة في حديث الترمذي لأنه أصح ما في الباب ، على الرغم من أنها تركت أسماءً حسنى لله تعالى لا يمكن تركها بحال لأنها وردت في القرآن الكريم على سبيل الإطلاق كأسماء الله تعالى (( الرب والإله والأحد والقريب والمولى والنصير ))  إلا أنني وجدتها في رواية عبد الملك بن محمد الصَّنعاني عند ابن ماجة  ، فأكملت السهو الموجود في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي ، ثم نظرت في جهود العلماء السابقين والمعاصرين الذين تحرروا من قيود الاعتماد على روايات سرد الأسماء الحسنى وانطلقوا يجمعونها من الكتاب وصحيح السنة  ، فاجتمع لدي من الأسماء الحسنى العدد الكبير الذي لا يمكن الاستغناء عن شيء منه لأنّ أكثرها صحيح ينبغي أن يدخل في أي إحصاء للأسماء الحسنى ، فعمدت إلى طريقة جعلتني أستفيد من كل ما تقدم من جهود للعلماء في إحصاء الاسماء الحسنى ، فقد لاحظت أنني : ( أ ) إذا أحصيت الأسماء المقترنة على أنها اسم واحد ، ومثال ذلك : (القَابِضُ البَاسِطُ ) و (الخافضُ الرَّافِعُ ) و ( المعزُّ المذِل ) و (  المُبْدِيءُ المُعِيدُ ) و ( المُحْيِي المُمِيتُ ) و (المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ) و ( المنتَقِمُ العَفُوُّ) و ( المَانِعُ المعطي ) و ( الضَّارُّ النَّافِعُ ) ولهذا وجه قوي لان هذه الأسماء المقترنة لا يجوز أن تطلق على الله تعالى مفردةً ؛ لأنّها تجري مجرى الاسم الواحد الَّذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض ؛ فالمانع يجب أن يقرن بالمعطي ، وهكذا الضارّ بالنّافع ، والمذلّ بالمعزّ ، والمحيي بالمميت ؛ وذلك لأنّ هذه الأسماء لا تدلّ على الحسن المطلق إلاّ إذا قرن كلّ اسم بما يكمله ، ( ب ) إذا أحصيت الأسماء المترادفة على أنها اسم واحد ، ومثال ذلك ( الملك - المليك - مالك الملك ) و ( العالم - العليم - علاّم الغيوب ) و ( القادر - القدير - المقتدر ) و ( العلي - الأعلى - المتعال ) و ( القاهر - القهار ) و ( الكريم - الأكرم ) و ( الوالي - الولي - المولى ) و ( الشاكر -الشكور )  ، ( ت ) وأنا ها هنا لا أزعم أنّ هذا منهجاً دقيقاً لأنني أعلم أنّ الأسماء المترادفة قد يعني كلٌ منها معنى زائداً على الآخر ، ولكنني وجدت أنني إذا فعلت هذا وذاك كان بالإمكان الاستفادة من جهود السابقين واللاحقين من علماء اهل السنة والجماعة في احصاء الاسماء الحسنى ، وتدارك القصور الواضح في الروايات التي سردت الاسماء الحسنى دون ذكر بعضها مما هو مذكور في القرآن الكريم على سبيل الإطلاق ، مع ادخال الأسماء الحسنى التي وردت على سبيل الإطلاق في السنة النبوية الصحيحة ،  وبهذا نجزم بحمد الله تعالى أنّ من أحصى هذا العدد الكبير من أسماء الله الحسنى أنّه قد أحصى أسماء الله تعالى الحسنى الواردة في الحديث (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) [ متفق عليه ] ، والله تعالى أعلم  ، ( ث ) وقد بدأت الإحصاء وجعلت العمدة فيه رواية الوليد بن مسلم في سنن الترمذي لأنها أصح شيء في الباب ولأنّ الإحصاء فيها جاء على أنّه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولأنها قد تلقتها الأمة على مر عصورها بالقبول ، ولم ينكرها أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة مع شهرتها العارمة في شتى الاقطار حتى حفظها المسلمون جيلاً بعد جيل ، فلهذه الأسباب [مع تتبعي لبيان الأسماء الحسنى التي وردت في رواية الترمذي من القرآن الكريم ازداد يقيني في اعتماد تلك الرواية على أنها الأصل في إحصاء الأسماء الحسنى لأنه ما من اسم ذكر فيها إلا وكان له دليله القوي الواضح من كتاب الله تعالى ، وما من اسم ذكر فيها إلا وكان غاية الحسن وغاية الكمال في نسبته إلى الله تعالى ، لاسيما الأسماء المقترنة التي يظهر مع اقترانها كمال الحسن في أسماء الله تعالى] اعتمدت رواية الترمذي ثم أدخلت في الإحصاء الجديد - بعد حساب الأسماء المقترنة على أنها اسم واحد  - الأسماء الحسنى التي لا يمكن تركها بحال لأنها وردت في القرآن الكريم على سبيل الإطلاق : (( كالرب والإله والأحد والقريب والمولى والنصير والمحيط ))  ، وأدخلت الأسماء التي وردت في الأحاديث الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي لها كمال الحسن عند إضافتها إلى الله تعالى كأسماء (( الشافي والوتر والمحسن والجميل والمنان ))  ، وهكذا اكتملت المرحلة الأولى من الإحصاء ألا وهي سرد الأسماء الحسنى ثم يأتي بعد ذلك الأهم وهو اعتقاد كمالها لله مع فهم معناها وافراد الله تعالى بها وبكمال حسنها ، ومن ثم العمل بمقتضاها لأنّ ذلك هو المقصود من توحيد الأسماء ، ( ج ) تنبيه : أسماء الله تعالى غير محصورة في عدد معيّن ، وكذلك فإنّ أسماء الله الحسنى المذكورة في الكتاب والسُّنَّة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من تسعة وتسعين اسماً كما قرَّر ذلك الكثير من علماء أهل السنة والجماعة ، وعليه فإنّ اجتهاد المرء في جمع تلك الأسماء من الكتاب والسنّة لا حرج فيه ، ولا يعني إحصاؤها في سرد معين أنّه مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، بل هو اجتهاد في إطار الالتزام بالكتاب والسنة بالضرورة لأنّ أسماء الله تعالى الحسنى توقيفية ، فقد نجتهد في تصحيح حديث ، وهو لا يصح ، والعلم اليقيني عند الله ، وقد نسهو عن حديث صحيح ، والكمال لا يدرك ،  وقصارى الأمر أنّه اجتهاد في احصاء الأسماء من الكتاب والسنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، والله المستعان ،      

( 20 ) سرد الأسماء الحسنى من خلال اجتهادي في جمعها : وذلك بعد اعتبار الأسماء المقترنة على أنها اسم واحد ، وبعد ادخال الأسماء الأخرى الواردة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، كان كالتالي : [[ ( 1 ) الله ، ( 2 ) الرحمن الرحيم ، ( 3 )  المالك - المليك - مالك الملك - الملك :، ( 4 ) القدوس ، ( 5 ) السلام ، ( 6 )  المؤمن ،( 7 ) المهيمن ،( 8 )  العزيز ،( 9 ) الجبار ،( 10 ) الكبير - المتكبر ،( 11 ) الخلاق - الخالق ،( 12 ) البارئ ،( 13 ) المصور ،( 14 ) الغفور - الغفار ،( 15 ) القاهر - القهار ،( 16 ) الوهاب ،( 17 ) الرازق - الرزاق ،( 18 ) الفتاح ،( 19 )  العليم ،( 20 ) القابض - الباسط ،( 21 ) الخافض - الرافع  ،( 22 ) المعز - المذل  ،( 23 ) السميع ،( 24 ) البصير ،( 25 ) الحكم - الحكيم ،( 26 ) العدل ،( 27 ) اللطيف ،( 28) الخبير ،( 29 ) الحليم ،( 30 ) العظيم ،( 31 ) الشاكر - الشكور ،( 32 ) الأعلى - المتعال- العلي ،( 33 ) الحافظ - الحفيظ ،( 34 ) المقيت ،( 35 ) الحسيب  ،( 36 ) الجليل ،( 37 ) الأكرم - الكريم  ،( 38 ) الرقيب ،( 39 ) المجيب ،( 40 ) الواسع ،( 41 )  الودود ،( 42 ) الماجد - المجيد ،( 43 ) الباعث ،( 44 ) الشهيد ،( 45 ) الحق ،( 46 ) الوكيل ،( 47 ) القوي ،( 48 ) المتين ،( 49 ) الوال - الولي ،( 50 ) الحميد ،( 51 ) المحصي ،( 52 ) المبدئ المعيد ،( 53 ) المحيي المميت ،( 54 ) الحي ،( 55 ) القيوم ،( 56 ) الواجد ،( 57 ) الواحد - الأحد  ،( 58 ) الصمد ،( 59 ) القادر القدير المقتدر ،( 60 ) المقدم والمؤخر ،( 61 ) الأول - الآخر ،( 62 ) الظاهر- الباطن ،( 63 ) البر ،( 64 )  التواب ،( 65 ) المنتقم - العفو ،( 66 ) الرؤوف ،( 67 ) ذو الجلال والإكرام ،( 68 ) المقسط ،( 69 ) الجامع ،( 70 ) الغني المغني ،( 71 ) المانع - المعطي ،( 72 ) الضار النافع  ،( 73 ) نور السموات والارض - النور ،( 74 ) الهادي ،( 75 ) بديع السموات والارض - البديع ،( 76 ) القديم - الباقي  ،( 77 ) الوارث ،( 78 ) الرشيد ،( 79 ) الصبور ،( 80 ) الرب ،( 81 ) الإله ،( 82 ) القريب ،( 83 ) النصير ،( 84 ) الكافي ، ( 85 ) المحيط ،( 86 ) الشافي ،( 87 ) المبين ،( 88 ) السيد ،( 89 ) الرفيق ،( 90 ) الوتر ،( 91 ) السبوح ،( 92 )  الطيب ، ( 93 ) المنان ،( 94) المحسن ،( 95 ) الجميل ، ( 96 ) المسعر ، ( 97 ) الديان ،( 98 ) الحيي ،( 99 ) الستير ]] ،

***

 

القاعدة الثانية

جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات محكمة لله

 

 

إنّ جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات محكمة لله ، ، وعلى هذه القاعدة اتفق أهل العلم من أهل السنة والجماعة ، ومعنى ذلك أنّ جميع الاسماء الحسنى تدل على صفات علا  تليق بذات الله تعالى ، ليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ،  ( فالرحمن ) : يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله ، و ( الرحيم ) : يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي ، و ( الملك ) : يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي ، و ( القدوس ) : يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول ، و ( السلام ) : يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء ، و ( المؤمن ) : يدل على صفة التأمين والصدق مع عباده فيما وعدهم به من الأجر والثواب ، و ( المهيمن ): يدل على صفة الهيمنة والرعاية والوقاية والصيانة والرقابة والحفظ لكل خلقه ، والقيام على خلقه بأعمالهم ، وأرزاقهم ، وآجالهم، و ( العزيز ) : يدل على صفة العزة التي لا ترام والقوة التي لا تقهر ، والغلبة على كل شيء ، و ( الجبار ) : يدل على صفات العظمة والجبروت والقهر ونفاذ المشيئة ، و ( المتكبر ) : يدل على صفة التفرد بالعظمة والكبرياء والتعالي عن مشابهة الخلق ، و( الخالق ): يدل على صفة التقدير والإيجاد لكل شيء والخلق لكل موجود سواه ،  و ( البارئ ) : يدل على صفة إبراز خلقه إلى الوجود بقدرته لا عن مثال سابق ، و ( المصور ) : يدل على صفة التصوير ، وأنه هو الذي صور جميع الموجودات، ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها ، و ( الغفار ) : يدل على صفة المغفرة الذي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا والاخرة ، و ( القهار ): يدل على صفة القهر والغلبة والتصريف على كل خلقه بسلطانه وقدرته ، و ( الوهاب ) : يدل على صفات الوهب والإنعام والعطاء ، فهو المنعم على العباد، الذي يهب بغير عوض ويعطي الحاجة بغير سؤال، كثير النعم، دائم العطاء ، و ( الرزاق ) : يدل على صفة الرزق والإمداد فهو الذي خلق الارزاق واعطى كل الخلائق أرزاقها، و ( الفتاح ) : يدل على صفات الفتح والتيسير والمنح فهو الذي يفتح مغلق الامور، ويسهل العسير، و ( العليم ) : يدل على صفة العلم بكل معلوم فهو الذي يعلم تفاصيل الامور، ودقائق الاشياء وخفايا الضمائر، والنفوس، لا يغرب عن ملكه مثقال ذرة، فعلمه يحيط بجميع الاشياء ، و ( القابض الباسط ) : يدلان على صفات المشيئة ، والقدرة ، وقبض الرزق والعطاء عمن يشاء من الخلق بعدله وحكمته، وبسط الرزق وتوسيعه لمن يشاء من عباده بجوده ورحمته ، و ( الخافض الرافع ) : يدلان على صفات المشيئة والقدرة ، يخفض بالذل لكل من طغى وتجبر وخرج على شريعته وتمرد، ويرفع بالعز عباده المؤمنين بالطاعات ، و( المعز المذل ): يدلان على صفات المشيئة ، والقدرة ، والغلبة والإعزاز  لمن شاء من عباده ، والإذلال لمن يشاء ، و ( السميع ) : يدل على صفة السمع لكل مسموع فهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو المحيط بكل مسموع مهما كان دقيقا ، و ( البصير ) : يدل على صفة الرؤية والبصر لكل ما كان مرئيا فهو الذي يرى الاشياء كلها ظاهرها وباطنها وهو المحيط بكل المبصرات ، و ( الحكم ) : يدل على صفة فصل القضاء بين خلقه لا راد لقضائه ولا معق لحكمه ، و ( العدل ) : يدل على صفة العدالة في الحكم بين خلقه ، والتنزه عن الظلم والجور في كل شيء ، و ( اللطيف ) : يدل على صفة اللطف والبر والرفق والتيسير والإحسان على عباده ، و ( الخبير ) : يدل على صفة الخبرة والعلم بدقائق الامور ، لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عن علمه شيء ، و ( الحليم ) : يدل على صفة الحلم والصبر وستر الذنوب وتأخير العقوبة ، و ( العظيم ) : يدل على صفات العظمة والجلال ، و ( الغفور ) : يدل على صفة الغفران والتجاوز عن الذنوب والخطايا ، و ( الشكور ) : يدل على صفات الشكر وتزكية القليل ومضاعفة الأجور ، و ( العلي ) : يدل على صفات العلو والرفعة ،  ، و ( الأعلى ) : يدل على صفات التعالي عن كل حد ومقدار ، و ( المتعال ) : يدل على صفات التعالي عن الانداد والاضداد والتعالي على الوصف فلا يحيط به وصف ، و ( الكبير ) : يدل على صفات الكبر والعظمة والجلال ، و ( الحفيظ ) : يدل على صفة الحفظ فلا يعزب عن حفظه شيء ، و ( المقيت ) : يدل على صفات التكفل بالأقوات والحفظ والتقدير والإمداد ، و ( الحسيب )  : يدل على صفات الكفاية وهو الذي عليه الاعتماد يكفي العباد بفضله ، و ( الجليل ) : هو العظيم المطلق المتصف بجميع صفات الكمال والمنعوت بكمالها المنزه عن كل نقص ، و ( الكريم ) : يدل على صفات الكرم والجود والعطاء والخير والشرف والفضل ، و ( الرقيب ) : يدل على صفات الرقابة والإحصاء والحفظ ، و ( المجيب ) : يدل على صفات الإجابة والقبول والكرم والعطاء ، و ( الواسع ) : يدل على السعة في جميع الصفات ، سعة العلم وسعة القدرة وسعة الكرم والرحمة والجود ، وسعت رحمته كل شيء ، و ( الحكيم ) : يدل على صفات العلم والخبرة والحكمة والحق واللطف وحسن التقدير ، و ( الودود ) : يدل على صفات المحبة والمودة لأوليائه ، و ( المجيد ) : يدل على صفات العزة والعظمة والمجد ونهاية الإحسان ، و ( الباعث ) : يدل على صفات البعث والنشور ، باعث الخلق يوم القيامة، وباعث رسله إلى العباد ، وباعث المعونة إلى العبد ، و ( الشهيد ) : يدل على صفات العلم والسمع والبصر والشهادة والحضور والاطلاع على كل شيء فهو الحاضر الذي لا يغيب عنه شيء، وهو المطلع على كل شيء والعليم بتفاصيله ، و ( الحق ) : يدل على صفات العدل والحق والصدق ، و ( الوكيل ) : يدل على صفات التكفل بالعباد وتولي أمورهم ، و ( القوي ) : يدل على صفات القوة والقدرة والغلبة والقهر ، و ( المتين ) : يدل على صفات الشدة والقوة والقدرة ، و ( الولي ) : يدل على صفات المحبة والنصرة والتولي لأمر أوليائه ، و ( الحميد ) : يدل على استحقاق صفات الحمد والثناء ،و ( المحصي ) : يدل على صفات العلم والإحصاء ،و ( المبدئ المعيد ) : يدل على صفات الخلق والإفناء والبدء والإعادة ، ويدل على صفات القدرة والمشيئة ، الذي بدأ الخلق ، والذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة ، و ( المحيي المميت ) : يدل على صفات الإحياء والإماتة ، خالق الحياة ومعطيها لمن شاء، يحيي الخلق من العدم ثم يحييهم بعد الموت وهو مقدر الموت قهر عباده بالموت متى شاء وكيف شاء ، و ( الحي ) : يدل على صفة الحياة ، هو المتصف بالحياة الابدية التي لا بداية لها ولا نهاية فهو الباقي ازلا وابدا وهو الحي الذي لا يموت، و ( القيوم ) : يدل على صفة القيومية والقيام بالنفس والقيام على الخلق ، هو القائم بنفسه، الغني عن غيره، وهو القائم بتدبير امر خلقه في انشائهم ورزقهم ، و ( الواجد ) : يدل على صفة الوجود والغنى الكامل فهو الذي لا يعوزه شيء ولا يعجزه شيء يجد كل ما يطلبه، ويدرك كل ما يريده ، و (  الماجد ) : يدل على صفات المجد والعز في الاوصاف والافعال ، و ( الواحد ) : يدل على صفات الوحدانية والتفرد في ذاته وصفائه وافعاله ، واحد في ملكه لا ينازعه أحد، واحد في ربوبيته لا رب سواه ، واحد في ألهيته لا شريك له سبحانه ، و ( الصمد ) : يدل على صفات الغنى المطلق يقصد اليه في الحوائج ، و ( القادر المقتدر ) : يدل على كمال صفات القدرة والقوة ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، و ( المقدم المؤخر ) : يدل على كمال صفات المشيئة والهيمنة والحكمة والقدرة فهو الذي يقدم من استحق التقديم وهو الذي يؤخر لمن شاء من الفجار والكفار وكل من يستحق التأخير ، و ( الأول الآخر ) : يدل على صفة  الأولية  بلا ابتداء إذ هو القديم بذاته ، والأخروية بلا انتهاء ، إذ هو الباقي بعد فناء خلقه فليس بعده شيء ، وتلازم الاسمين يدل على كمال الوجود المنوه عن الزمان فلا يجري عليه زمان لأنه قبل الزمان وبعد الزمان ، و ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة الظهور فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء ، وعلى صفة القرب لأنّه الباطن الذي ليس دونه شيء وهو اقرب الينا من حبل الوريد ، وتلازم الاسمين يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، و( الوالي ) : يدل على صفات الولاية والتملك والتصريف والتدبير كيفما يشاء ، و ( البر ) : يدل على صفات البر والرحمة والعطف والصدق فيما وعد ، و ( التواب ) : يدل على صفات التوبة والرحمة والمغفرة وقبول التوبة ، و ( المنتقم العفو) : يدل المنتقم على صفات العقوبة والانتقام من الطغاة ، وتشديد العقوبة على العصاة ، ويدل العفو على صفات العفو والكرم والمغفرة وترك المؤاخذة على الذنوب ونسيان العيوب فهو يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي ، وتلازم الاسمين يدل على كمال المشيئة ، و ( الرؤوف ) : يدل على صفات الرأفة والعطف وستر العيوب ، و ( مالك الملك ) : يدل على صفات الملك والتملك والتصرف في ملكه كيف يشاء لا راد لحكمه، ولا معقب لأمره ، و ( ذو الجلال والاكرام ) : يدل على صفات الجلال والإكرام ، هو المتصف بصفات الجلال والكمال والعز والكبرياء العظمة ، المختص بالإكرام والمن والعطاء ، و ( المقسط ) : يدل على صفات القسط والعدل والحق وانصاف المظلوم من الظالم ، و ( الجامع ) : هو المتصف بجميع الكمالات كلها، ذاتا ووصفا وفعلا، وهو الذي يجمع بين الخلائق ، والذي يجمع الأولين والاخرين ، و( الغني ) : يدل على صفات الغنى والاستغناء ، فهو الذي لا يحتاج إلى شيء، وهو المستغني عن كل ما سواه، وهو الذي يفتقر اليه كل من عاداه ، و ( المغني )  : يدل على صفات العطاء والإغناء والكفاية ، فهو معطي الغنى لعباده، يغني من يشاء غناه، وهو الكافي لمن شاء من عباده ، و ( المانع المعطي ) : هو المتصف بمنع العطاء عن من يشاء ابتلاء أو حماية ، وهو المتصف بالعطاء لمن يشاء من عباده ، و ( الضار النافع ) : هو المتصف بتقدير الضر  على من أراد كيف أراد،  والمتصف بتقدير النفع والخير لمن اراد كيف اراد كل ذلك على مقتضى حكمته سبحانه ، و ( النور ) : هو المتصف بتنوير السموات والأرض وما بينهما وما فيهما ، وهو الهادي لجميع خلقه ، وهو المنير لقلوب عباده بالإيمان ، و ( الهادي ) يدل على صفات الهداية لخلقه والرشاد ل ، المبين للخلق طريق الحق ، و( البديع ) : يدل على صفات الإبداع والإيجاد على غير مثال ، و ( القديم الباقي) : يدل على صفات الديمومة والقدم والبقاء ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، وهو وحده له البقاء ، الدائم الوجود الموصوف بالقدم الأزلي والبقاء الابدي ، غير قابل للفناء ، و ( الوارث ) : يدل على صفات البقاء ، فهو الباقي الدائم الذي يرث الخلائق بعد فناء الخلق ، وهو يرث الأرض ومن عليها ، و ( الرشيد ) : يدل على صفات الرشاد والهداية لمن شاء إرشاده ، متصف بعظيم الحكمة بالغ الرشاد ، و ( الصبور ) : يدل على صفات الصبر والحلم لا يعاجل العصاة بالنقمة، بل يعفوا ويصفح ، ويؤخر العقوبة لمن شاء ، و ( الرب )  يدل على صفات الربوبية من الخلق والرزق والتصريف والتدبير والحكم والتشريع ، و ( الإله ) يدل على صفات الإلهية واستحقاق العبودية وحده لا شريك له ، والقريب : يدل على صفات القرب من عباده فليس أحدٌ من عباده عنه ببعيد ، ولأوليائه قرب خاص بهم هو قرب العباية والمحبة والنصرة والتأييد ، و ( النصير ) : يدل على صفات النصرة لأوليائه المتقين وعباده الصالحين ، و ( الكافي ) : يدل على صفات الكفاية لعباده فهو الكافي لكل من التجأ إليه ، وتوكل عليه واكتفى به عمّن سواه ، و ( المحيط ) : يدل على صفات الإحاطة محيط بعلمه ، ومحيط بسمعه ، ومحيط ببصره ، ومحيط بقدرته ، أحاطت قدرتُه بجميع خلقه؛ أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كلَّ شيء عددًا، وهو المحيطُ الذي لا سبيل إلى الفرار منه إلا إليه ، و ( الشافي ) : يدل على صفات العافية والشفاء لمن شاء من عباده ، و ( المبين ) : يدل على صفات البيان والتعليم ، خلق الإنسان علمه البيان وهو البَيِّنُ أمره المبين لعباده سبيلَ الرَّشاد والموضِّح لهم الأعمال الموجبة لثوابه والأعمال الموجبة لعقابه، و ( السيد ) : يدل على صفات السِّيادة والشرف على الإطلاق ، و ( الرفيق ) : يدل على صفات الرفق والتيسير إذ هو الرفيق ، المُيسر والمُسهل لأسباب الخير كلها ، و ( الوتر ) يدل على صفات الوحدانية والتفرد ، إذ هو الفرد الذي لا شفع له ، ولا مثل له ، له انفراد الصفات فهو العزيز بلا ذل ، والقدير بلا عجز ، والقوي بلا ضعف ، والعليم بلا جهل ، وهو الحي الذي لا يموت ، القيوم الذي لا ينام ، ليس له ند ولا ضد واحد أحد وتر صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، و ( السُبُّوح )  : يدل على صفات التقديس والتنزيه عن كل ما لا ينبغي له وعن كل ما لا يليق به ، و ( المنان ) : يدل على صفات المن والعطاء والإحسان ، و ( المسعر ) :  يدل على صفات التسعير ، وتصريف أرزاق العباد وترتيب أسبابهم ، يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر وهو على كل شيء قدير، و ( الحيي )  : يدل على صفات الحياء والكرم والجود ، حياؤه تعالى يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه؛ فالعبد يجاهره بالمعصية ويستعين بنعمه على معصيته؛ ولكنَّ الرَّبَّ الحيي الستير  - سبحانه - مع كمال غناه وتمام قدرته على العبد يستحيي من هَتْك سَتره وفضيحته ، و ( الستير ) : يتصف بصفات الرحمة والستر  يستر على عباده العيوب والذنوب والفضائح، وبعد فهذه الاسماء الحسنى جميعها تدل على صفات الله تعالى التي تؤدي إلى المعرفة الصحيحة بالله تعالى ، ومن عرف الله تعالى افرد له الربوبية والإلهية وكمال المحبة والتذلل والانقياد ،

***

 

 

القاعدة الثالثة

باب الصفات أوسع من باب الأسماء ، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات

 

 

( أ ) باب الصفات أوسع من باب الأسماء : سبق أن ذكرنا أنّ كل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى يتضمن صفة من صفات الله تعالى فالعليم يشتق منه صفة العلم، والحكيم يشتق منه صفة الحكمة ، ولكن ليس كل صفة يؤخذ منها اسم لله , مثل الكلام صفة لله عز وجل ولكن الله سبحانه ليس من أسمائه المتكلم ، ومثل المشيئة ، فهي صفة لله تعالى ، يضل من يشاء ، ويهدي من يشاء ، ولكن الله سبحانه ليس من أسمائه الشائي ، ومثل الإرادة ، فهي صفة لله تعالى ، ولكن الله سبحانه ليس من أسمائه المريد ،  ومن أجل ذلك كان باب الصفات أوسع من باب الأسماء ، فالله يوصف بصفات كالكلام، والإرادة، والمشيئة ، وغيرها ، ولكن لا يشتق له منها أسماء ، فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نسميه بها لأنّ باب الصفات أوسع من باب الأسماء

( ب ) باب الأخبار أوسع من باب الصفات : باب الأخبار أوسع من باب الصفات : وذلك لأن باب الأسماء والصفات توقيفي ، فلا يسمى الله تعالى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، لا نتجاوز القرآن والحديث ، فباب الأسماء والصفات توقيفي ، يتوقف في ألفاظه على ما جاء في الشرع ، فلا يسمى الله ولا يوصف إلا بما جاء في الكتاب والسنة ، أما باب الإخبار عنه سبحانه وتعالى فقد يتناول الصفات وقد لا يتناولها حسب سياق الأيات وقرائن الفهم الصحيح لها ، فإنّ قوله تعالى : { فأينما تولوا فثم وجه الله } يدل يقينا على قبلة الصلاة ، وليس بالضرورة أن يدل على صفة الوجه ، وإلا كان الوجه كالفلك المحيط بالعالم ، وقوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } يدل على فناء المخلوق وبقاء الخالق ، وليس بالضرورة أن يدل على صفة الوجه وإلا لهلكت الذات وبقي الوجه ، وقوله تعالى : { تجري بأعيننا } ، يدل يقيناً على العناية والحفظ والرعاية ، وليس بالضرورة أن يدل على صفة العين ، وإلا كانت السفينة تجري في عين الله ، وقوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } ، يدل يقينا على غاية الكرم والعطاء ، وليس بالضرورة أن يدل على صفة اليد ،

(  ت ) إثبات صفات الله تعالى تابعة للذات : اختلفت فرق المسلمين في هذا الامر ، فقالت المعتزلة :  ليس للّه صفة، وإنّما ذاته تعالى هي التي تقوم مقام الصفة فهو سبحانه عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته، لا عالم بعلم ، ولا قادر بقدرة ، ولا حي بحياة ، وهذا القول يعارض كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فالقرآن والسنّة يثبتان الصفات لله، ولا يوجد أيّ دليل لصرف هذه النصوص عن ظواهرها ، كما أننا لو قلنا بأنّ صفات الله عين ذاته لما صح عندئذ حمل أيّة صفة من الصفات على الذات; لأنّه يشترط في صحة حمل شيء على شيء أن يكون هناك نوع تغاير بينهما ، وإلاّ لكان من قبيل حمل الشيء على نفسه، وهو باطل ، كما أنّه لو كان العلم نفس الذات ، والقدرة نفس الذات ، لكان العلم نفس القدرة ، وهذا واضح البطلان لأنّ مفهوم العلم مغاير لمفهوم القدرة ، كما أنّ مفهوم السمع مغاير لمفهوم البصر ، وهكذا ، وقالت الكرامية : إنّ صفات الله تعالى غير ذاته ، وأجازوا أن تكون منها صفات حادثة قائمة بذاته ، وهذا القول باطل لأنّ معنى حدوث الصفة أنها لم تكن موجودة ، ثم أوجدها الله ، وفي هذا نسبة النقص إلى صفات الله تعالى قبل أن يوجدها الله  ، ثم يلزم من اتّصاف الله تعالى بصفات حادثة افتقاره تعالى إلى شيء محدث ، والله تعالى منزّه عن جميع أنواع الاحتياج والافتقار ، وعن جميع أنواع النقص قبل التمام ، ثم كيف للقديم أن يقبل الحادث ، إذ القديم هو صفات الخالق والحادث صفات المخلوق أياً كان الحادث ، إذ معنى الحادث : الموجود الذي أوجده الله تعالى بعد عدمه ، وهو نفس المعنى المقصود بالمخلوق ، فلا يصح أبدا قبول القديم للحادث ولا قبول الحادث للقديم ، وإلا جاز الاتحاد والحلول بين الخالق والمخلوق ، وهذا مستحيل ، وكذلك فإن قبل القديم الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء ، لأنّ الحادث يقبل الفناء ، وقال أهل السنة والجماعة : أنّ الله تعالى كما أنّ له الذات القديم الباقي الأزلي الأبدي سبحانه ، فإن له صفات قديمة تابعة للذات ، فهو عالم بعلم ، وقادر بقدرة ، ومريد بإرادة ، لا نقول هي عين الذات ( بمعنى نفي الصفات ) ولا نقول أنّها غير الذات ، ( رفضاً لمقولة تعدد القدماء ) إذ لا قديم إلا الواحد القهار سبحانه ، فهم يثبتون الصفات ، ويثبتون قدم الصفات لأنها تابعة للذات تأخذ حكمها ، ثم كما قالوا : إنما الأسماء للمسمى لا هي هو ولا هي غيره ، كان قولهم - لله درهم - إنما الصفات للذات لا هي هو ولا هي غيره ، فهم يثبتون الصفات ولا ينفونها كما فعل أهل الاعتزال ، ويثبتون قدم الصفات ، فلا هم يقولون بما ينافي المعقول والمنقول كقول الكرامية من جواز حدوث الصفات في ذات الباري تعالى ،  ثم هم يثبتون وحدانية الأول الآخر القديم الباقي ، ولا يقولون بتعدد القدماء ،

***

 

 

القاعدة الرابعة

القول في الصفات فرع على القول في الذات وإثبات صفات الله تعالى تابعة للذات

 

 

القول بأنّ صفات الله هي السبيل لمعرفة الله لا يعني أنّ هذه الصفات قادرة على بيان كنه وحقيقة الذات ، بل هذه الصفات مفاهيم وُضِعت لترشد العباد إلى معرفة إجمالية بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله ، والقول في الصفات كالقول في الذات تماماً ، فكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن الحد والمقدار ، والمثيل والكف والند والشبيه ، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه ، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات ، فعلمه لا حد له ، ولا نهاية لمعلوماته ، ولو كان لعلمه حد ، لما اتصف بالكمال ، لانّ ما له حد فإنه يقبل الزيادة والنقصان ، فإن قبل الزيادة ، فقد كان قبل الزيادة ناقصاً ، وإن قبل النقصان فليس بالكمال ، وهكذا القول في جميع الصفات ، تابعة للذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى له الكمال المطلق منزه عن الكف والمثيل ، فكذلك الصفات تابعة للذات ، ليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ، لا ندرك من معانيها إلا ما تحتمله عقولنا ، وأنى للعقول المحدودة والأفهام المخلوقة أن تحيط علماً بالصفات المنزهة عن التناهي والحدود ، ولهذا كانت القاعدة التنزيهية أنّ الله تعالى أجلّ من أن تدرك صفاته ، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته ، قال تعالى : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [ الزمر : 66 ] ، ومثال ذلك : أننا نصف الله تعالى بكمال العلم ، وننزهه سبحانه عن الجهل ، ولكن يستحيل على الإنسان مهما بلغ علمه أن يعرف كنه وحقيقة معنى ( علم الله ) إذ لا سبيل إلى إدراك كيفية علم الله تعالى القديم التام الكامل الذي لا أول له ولا آخر ، والذي يحيط بكل شيء علماً في الماضي والحاضر والمستقبل إلى أبد الأبد حيث خلود أهل الجنّة وخلود أهل النار ، وعلم الله تعالى محيط بكل ذلك ، ولا يقبل الزيادة او النقصان ، إذ لو قبل الزيادة لم يكن قبل الزيادة كاملاً بل كان به بعض الجهل بمقدار تلك الزيادة ، ولو قبل النقصان لم يكن لينسب إلى عالم الغيب والشهادة الذي بكل شيء عليم ، وعلى ذلك فليس لنا من توحيد الصفات سوى نسبة كمال الصفة إلى الله تعالى ، وتنزيهه سبحانه عن نقيضها ، مع اعتقاد أن ليس كمثل صفاته صفات كما أنّه ليس كمثل ذاته ذات ،

***

 

 

 

 

 

القاعدة الخامسة

أهمية العلم بصفات الله تعالى وأنّها هي الطريق إلى المعرفة بذات الله

 

 

( أ ) أهمية العلم بصفات الله تعالى :  جعل الله تعالى أسماءه الحسنى وصفاته العلا سبيلاً ليتعرّف العباد عليه، فلو كانت معرفة صفات الله غير ممكنة، لم يبق للعبد سبيلاً لمعرفة ربّه، فتنسد أبواب عبودية الله تعالى لأنّ العبودية لا يمكن القيام بها إلاّ بعد معرفة المعبود ، وقد ذكر الله تعالى أسماءه الحسنى وصفاته العلا في كتابه الكريم وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم لكي يتدبّر فيها العباد ، فتكون طريقهم إلى العلم بالله

( ب ) معرفة صفات الله هي الطريق إلى معرفة الله : الغاية من معرفة صفات الله هي معرفة الله ، لأنّ الصفات عبارة عن سُبُل للتعبير عن الله وبيان صفات ذاته تعالى ، فصفة العلم تدلا على الله العليم بكل شيء ، لا يغيب عن علمه شيء ، وصفة الرحمة تدل على أنّ الله تعالى رحيم بعباده وأنّ رحمته وسعت كل خلقه ووسعت كل شيء ، وهكذا فإنّ معرفة صفات الله تعالى العلا هي باب المعرفة الواسع نحو العلم بالله ،

***

 

 

 

 

 

 

 

القاعدة السادسة

صفات الله تعالى توقيفية

ولكن هناك صفات خبرية متشابه لابد من ردها إلى محكمها

 

 

( أ ) صفات الله تعالى توقيفية : بمعنى أنّه لا يجوز وصف الله تعالى إلاّ بما وصف به نفسه في كتابه الكريم أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، إذ كيف يمكن الاجتهاد في أمر تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والعقول عن الإحاطة به ، جلّ عن كل مثيل ، وتعالى عن كل شبيه ، ومن وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه في الكتاب والسنة فقد تقول على الله تعالى بغير علم ، وأعظم الفرية على الله ، كما قال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 33 ] ، وقال تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } [ هود : 18 ] ، نعم : يجب إعمال العقل والفهم فيما يُنسب إلى الله تعالى من صفات ، لأنّ الله تعالى أخبرنا أنّ هناك آيات محكمات وهناك آيات متشابهات وأنّه يجب رد المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم بما يتفق وقواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم ، وإلا كانت المحصلة الزيغ والضلال ونسبة ما لا يجوز نسبته إلى الله ، مما يدل على العجز أو النقص أو يوقع في بدع التشبيه والتجسيم او بدع التجهم والاعتزال والتعطيل  ، وقد مر بنا أمثلة على ذلك ، ومنها أنّ العلم في اللغة صفة وفي القرآن صفة ، فكانت صفة محكمة لله تعالى دل عليها العقل والسمع ، والرحمة في اللغة صفة وفي القرآن صفة ، فكانت صفة محكمة لله تعالى دل على وجوب اعتقادها لله تعالى السمع ، إذ من أسماء الله تعالى الحسنى التي ما أكثر ما تكررت في القرآن الكريم الرحمن الرحيم ، أما الوجه والعين واليد فهي في اللغة تطلق على الجارحة وهي جزء الذات وليست - أي في أصل اللغة - صفة من صفات الذات ، ولهذا كان إطلاقها لله تعالى لا يجوز إلا على سبيل الصفة ، وليس سبيل الجزء والجارحة لأنّ محكمات الكتاب دلت على أنّالله تعالى أحد صمد منزه عن الجارحة والجزئية والبعضية أحد صمد ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ،

( ب ) ولكن هناك صفات خبرية متشابه لابد من ردها إلى محكمها ، فإطلاق ألفاظ الوجه والعين واليد ، على أنّها صفات ، فإنّما هو من قبل مجاز اللغة – لأنها في اللغة  وضعت أجزاء من ذوات وليست صفات لها ، وهذا التنبيه بالغ الضرورة لأنّه قد ذهل عنه بعض الأكابر فانحرف وزل في هذا العلم وانجرف إلى تيار الحشو والتجسيم -  ودليل أنها من مجاز اللغة ما جاء في القرآن الكريم - وهو كتاب اللغة الأول -  أنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار وسبب ذلك أن أول ما يستقبلك من الإنسان وجهه فلذلك استعير لفظ الوجه للنهار للدلالة على أوله ، والعرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين ، وقد جاء الوجه مضافاً إلى الله تعالى : وذلك في عشر آيات في القصص  (كل شيء هالك إلا وجهه ) وفي الروم  ( ذلك خير للذين يريدون وجه الله ) وفيها ( وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ) وفي الرحمن (ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام )  وفي البقرة ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) وفي الأنعام   (يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) وفي الكهف ( يريدون وجهه ) وفي سورة الرعد  ( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم )    وفي الانسان  ( إنما نطعمكم لوجه الله )    وفي الليل  ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) ،  وخلاصة القول في الوجه في القرآن لمن تدبره أنه دلالة على ذات الله ورضاه وضرورة إخلاص العمل ابتغاء مرضاة الله ،  [  وأما مجاز العين في القرآن ] : فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، والوجه في حسن هذا المجاز : أن من عظمت عنايته بشيء وميله إليه ، ورغبته فيه ، كان كثير النظر إليه ، فجعل لفظ العين ـ التي هي آلة لذلك النظر ـ كناية عن شدة العناية ، فإذا جمعت العين دلت على كمال الحفظ والمبالغة فيه ،