×

خطأ

COM_CWTRAFFIC_MSG_MISSING

 

البصيرة في الدين -  فقه مسائل علم التقديس والتنزيه بغير إفراط ولا تفريط - للقضاء على بدع التعطيل والتجسيم والاعتزال والحشو

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : فقه مسائل علم التقديس والتنزيه بغير إفراط المعتزلة والجهمية ولا تفريط الحشوية والمجسمة ، أقول وبالله التوفيق :

علم التقديس والتنزيههو أشرف علوم الإسلام وأعلاها لأنّه يتعلق بالعلم بالله تعالى ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه التي هي صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم ، ويشمل هذا العلم على معرفة توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وإذا كان أعظم العلوم والمعارف في دين الله تعالى بعد الإيمان هو التوحيد ، وإذا كان أجل أقسام التوحيد هو توحيد الذات ، فإن علم التقديس والتنزيه هو الفقه الحقيقي والعلم الراسخ بقسم توحيد الذات وما يجب له سبحانه من معاني التقديس والتنزيه ومن صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يجب تنزيه ذات الله تعالى عنه من معاني التشبيه وصفات النقص والعيب والحدوث والعجز والعيب وغيرها من النقائص التي يجب تنزيه الله تعالى عنها ، وتحدثا بنعمة الله الكريم أني ما إن استوعبت علم التنزيه وقواعده الرصينة حتى أحسست أنه العلم اللازم لتحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة والتجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ الإحاطة بعلم التقديس والتنزيه له أعظم الدور في تصحيح مفاهيم علم التوحيد ، وأعظم الأثر في تحقيق التقارب والتكامل والوحدة العقائدية والعلمية والعملية بين المسلمين عامة ، وبين طوائف أهل السنّة والجماعة خاصة ،

علم التقديس هو توحيد جناب الذات ، وتوحيد جناب الذات هو أساس التوحيد ، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه ، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى ، والمسمى هو ذات الله ، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات ، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات ، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال ، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى ، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات ، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين ، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده ، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فتوحيد جناب الذات أصل لكل أقسام التوحيد ، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات ، ومن هنا كان توحيد الذات هو أهم وأشرف أقسام التوحيد ، كما أنّه أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد ، إنّ الذهول عن دراسة علم التقديس ، والذهول عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد ، سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه ، إذ هذا العلم هو ذروة سنام عقائد أهل الإسلام ،  والذهول عن هذا العلم سيؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وسيؤدي  إلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس ، إن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل وأحكام هذا الباب ، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، من لا يعرف هذا العلم الراسخ ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، ولذا استعنت بالله في جمع مختصر موجز عن لبنات هذا العلم على هيئة نقاط موجزة لعلها أن تفتح قلوبا أغلقها الجهل وآذانا أصمتها البدعة والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ،

[  1  ]  التوحيد تعبير شرعي جاء في القرآن والسنة  ،  ففي القرآن الكريم جاء قوله تعالى: { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } [ الْأَعراف : 70 ] ، و قوله تعالى: { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } [الزمر : 45 ] ، و قوله تعالى: { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } [غافر : 84 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن (( إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى )) [ أخرجه البخاري ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( من وحّد الله، وكفر بما يعبد من دونه، حرُمَ ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل )) [ أخرجه مسلم ] ،

[  2  ]  إطلاق لفظ الذات على الله عز وجل تعبير شرعي : أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ، اثنتين في ذات الله )) ، [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة مقتل خبيب الأنصاري رضي الله عنه ، وقولـه : ((  ولَسْتُ أبالي حَيْنَ أُقْتَلُ مسلماً  * على أي شِقٍّ كان في الله مصْرعِي * وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشأْ  * يُبَارِكْ على أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَـزَّعِ )) [ أخرجه البخاري ] ، ومنه يصح إضافة كلمة ( الذات ) إلى الله عَزَّ وجَلَّ ؛ كقولنا : ذات الله ، أو : الذات الإلهي ، والمقصود ذات الشيء بمعنى نفسه ، وذلك  كقولنا ( ذاتُ الشيء ) : أي : نفسه وعينه وحقيقته ، و ( ذات الرجل ) أي نفسه ، و ( جاء بذاته ) أي جاء بنفسه ،

[  3  ]  ما هو المقصود من توحيد الذات : ذات الله حقيقته انقطع العلم دونها غير مدركة بالإحاطة وقد حجب الله تعالى عن الخلق كنه ذاته ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، لا مجال لمخلوق أن يعرف حقيقة  ذات الله تعالى ولا أن يحيط به ( سبحانه وتعالى ) علما لأنه سبحانه نفى عن نفسه كل مثيل فقال جل شأنه ( ليس كمثله شيء ) وقال تعالى ( ولا يحيطون به علما ) وقال تعالى ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) وقال تعالى ( هل تعلم له سميا ) أي مثيلا وقال تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) فالإيمان بذات الله تعالى ، و( توحيد الذات ) يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى لأنه كما هو مقرر في الأصول فيما يتعلق بذات الله تعالى (العجز عن درك الإدراك إدراك والخوض في معرفة كنه ذات الله كفر وإشراك ) وإنما المقصود من هذا الباب بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص والتسبيح الدائم ،

[  4  ]  توحيد الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي ، فالمقصود بالتسبيح هو التنزيه والتقديس لله ، وما أكثر الآيات القرآنية الدالة على التسبيح ، كما أن الصلاة لا تخلو من التسبيح في الركوع : ( سبحان ربي العظيم ) ، وفي السجود : ( سبحان ربي الاعلى ) ، ومن أعظم الأذكار قولنا : ‏( ‏ سبحان الله‏)‏ ، ومعناه التنزيه لله‏ ,‏ وهو منصوب على صيغة المصدر كأن قائله يقول ‏:‏ أنزه الله تعالى وأنفي عنه كل ما لا يليق بجلاله وعظمته‏ ، وعلى ذلك فإن ( التسبيح ) عقيدة بالقلب وقول باللسان ، أهم ما تشمل عليه هو : تنزيه الله تعالى في ذاته بنفي الشريك والشبيه والمثيل والند ، وتنزيه ذات الله تعالى عن كل نقص وعيب وعجز ، وتنزيه ذات الله تعالى عن كل وصف لا يليق بجلاله وعظمته ، والحاصل مما سبق ان توحيد الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي الذي هو أعلى واجل من مجرد تسبيح اللسان ،

[  5  ]  توحيد الذات هو أساس التوحيد ، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه ، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى ، والمسمى هو ذات الله ، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات ، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات ، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال ، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى ، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات ، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين ، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده ، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد ، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات ، ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد ،

[  6  ]  توحيد الذات هو أهم قسم من أقسام التوحيد ، وهو علم التقديس والتنزيه ، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد ، والمقصود من ( توحيد الذات )  هو اعتقاد الكمال لله في ذاته ، والتنزيه لذاته عن كل نقص ، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة ، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود ، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد ذات المعبود سبحانه ، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد ذات الله تعالى ،

[  7  ]  خطورة الذهول عن توحيد الذات : الذهول عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد ، سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين الموحدين المنزهين المقدسين ، الذين ضربوا في التوحيد مثالا تقصر الكلمات دون بيان مدى تقديسه لذات الإله ، الذي نسب إليه المشركون الوالد والولد والصاحبة والند والشريك والكفء والمثيل ، تعالى الله عمّا يصفون ، وتعالى الله عمّا يقولون علواً كبيرا ، والذهول عن هذا القسم ( قسم توحيد الذات ) أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وأدى إلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس عند بعض طوائف أهل السنة والجماعة ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ،

[  8  ]  الله تعالى خالق كل شيء هو الواحد القهار ، خلق الخلق أجمعين ، ثم قهرهم بالحد والمقدار ، والكون في المكان وأن يجري عليهم زمان ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار ، قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار ، لا تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه ، وهو خالق الحدود والمقادير ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء ، لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب ، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر فوق جميع خلقه ، وهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً ، وعليه حاكما ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه الواحد القهار ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ،

[  9  ]  الله تعالى هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، وهو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، لقوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  له تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ،

[  10  ]  الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) منزه عن كل ما ينافي الأحدية من الأجزاء والأبعاض والجوارح والأركان ، ( الأحدية ) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى ، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته ، وهو توحيد في نفس الذات ،  لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا ، ولا حتى تصورها والفكر فيها ، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد ، و ( الصمدية  ) تعني كمال الغنى والحمد والتنزه عن الحاجة ، وهي تنفي عن جناب الله تعالى التركيب ، فلا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ،  منزه عن التغير والحدوث { وَلَمْ يُولَدْ } ، لا نظير له بوجه من الوجوه، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ، وهذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول ، ( الأول ) : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة ( الله أحد ) ، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام ، منزه عن الأجزاء والابعاض ، ولا كل ولا بعض، ولا يمين له ولا يسار ، ولا فوق له ولا تحت ، ولا أمام له ولا وراء ، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، و ( الثاني ) : وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة ( الله الصمد ) ، ومعناها كمال الحياة والقيومية ، وتمام الغنى والحمد ، له الحياة والقيومية على الدوام ، وله الغنى التام والحمد على الدوام ، منزه عن الحاجة ، ( صمد ) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج ، و ( الثالث ) تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث ( لم يلد ولم يولد ) ، و ( الرابع ) : تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن ،

[  11  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس أزلي لا ابتداء لوجوده ، وأبدي لا انتهاء لوجوده ، هو الأول بلا ابتداء ، فليس قبله شيء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فليس بعده شيء ، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، وأجراه ، ولو شاء أوقفه وأفناه ، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، سبحانه ، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته ، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق ، فكل المخلوقات مقهورة بقوانين الزمان ، لا فكاك لها عن الزمان ، فلابد وأن يجري عليها زمان ، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، كيف وهو الخالق للزمان ولقوانين الزمان ، وهو القاهر للزمان ولقوانين الزمان ، سبحانه هو القائل : {  قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وهو القائل : { سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ، سبحانه قاهر للزمان ، ولو شاء أوقفه وأفناه ،  سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق ، كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ،

[  12  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار ، فلا انتهاء لجناب ذاته ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  والقاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،  ثم  كيف يصف المسلم ربه تعالى بالحد والمقدار ، وهو يقول (( الله أكبر )) عند تكبيرة الاحرام ، وعند  كل حركة وانتقال ، وفي جميع الاذكار ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  وكل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق المقدر لجميع المخلوقات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ، القاعدة عند الأصوليين : أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق ، ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال ، فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ،  وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، وقد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق ، وبين القديم وبين المحدث وبين الغني المنزه عن الحدود وبين الفقير المحدود ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر : 15 ] ،

[  13  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان ، المكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، والمكان محدث مخلوق ، والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، خلق المكان ، وقهر جميع خلقه بالكون في المكان ، أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان ،  والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن ، والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ،  الله تعالى موجود بلا كيف ، والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، ليس كمثله شيء ، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، و كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان ، إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان ، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل : قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني : حادث، والحادث محدود ، والله تعالى منزه عن الحدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،   وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالكون في المكان متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو نرد المتشابه إلى محكمه كما هو فعل الراسخين في العلم ، فنحمله على المكانة ، وليس المكان ،  ومثاله : حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار ، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  فلا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات الصحيحة ، ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة التي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

[  14  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه :   لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة  ، قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى : 11 ] ، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ النحل : 60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، وقال تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ النحل : 74 ] ، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [  مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقال تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام : 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقال تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ولا له كفء ولا شبيه ، وليس له مثال يقاس عليه ، ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ،

[  15  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحدوث أو الفناء ، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق : الله تعالى منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ، فإن الذي يقبل الحوادث حادث ، والله تعالى أول بلا ابتداء ، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء ، تنزه عن قبول الحوادث ، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، و كل ما يقوله أهل البدعة والضلالة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

[  16  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، لانّ ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، والجسمية تناقض الأحدية ، والله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ] ،  الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، و ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  كما أنّ من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ،

[  17  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق :  من أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً حميدا بإطلاق ، فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ،

[  18  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات ،  لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ،

[  19  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الاتحاد والحلول ، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، وبيان ذلك  أنه ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والحلول في المواضع والأماكن عرض لا يقوم به إلا من يقبل الحوادث ، وقبول الحوادث لا يليق بقديم الذات الصفات ، كما أن الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا  ، وقد أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[  20  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ،  الأعراض من الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح وغيرها من الأعراض ، والكيفيات الحسية كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والحركة والسكون والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، فإن الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،  وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء ، وغير ذلك مما يوحي بالتغير والحدوث إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[  21  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق : سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وعن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ،

[  22  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الوالد والولد والصاحبة :  تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فيستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 101 ] ، والنصارى ضالون من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، وند له ، ومثيل لذاته ، وشبيه بذاته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ]  ،

[  23  ]  خطأ اعتماد ظواهر النصوص المتشابهات في فهم علم التقديس والتنزيه : لقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، ومنه الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة ، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم ، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى ، ولا يمكن اعتماد ظواهر النصوص المتشابهات لبناء العقيدة ، وذلك لأن هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، لأنّ علم الله تعالى قديم ، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ،  والمعنى : { سنفرغ لكم } أي سنحاسبكم ، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء والمعنى : أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء ،  وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، واعتقاد هذا الظاهر ضلال ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومنزه عن القرب الحسي بالذات ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة : ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، كما أنّ هناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته ، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه والمكان محدود مهما كبر والله تعالى لا حد لجناب ذاته ، ولا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ،  

[  24  ]  رد المتشابهات إلى المحكمات فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات : من الآيات المتشابهة ما يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء ، كالوجه واليد والعين ، ومنها ما يوحي ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء ، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء ، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك ، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم ، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها : ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات ، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن الجارحة والجزء ،

[  25  ]  الرسوخ في علم التقديس ، وحل اشكاليات الظواهر الموهمة للتشبيه  : وذلك في عشرة أمثلة تصلح كقانون عام لحل المتشابهات وردها إلى أمهاتها من المحكمات ، ( أولاً ) حل إشكالية الوجه في مثل قوله تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  } ، ( ثانياً ) حل إشكالية اليد في مثل قوله تعالى : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } ، ( ثالثاً ) حل إشكالية العين في مثل قوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي }  ، ( رابعاً ) حل إشكالية كل ما يوحي بالجوارح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  كالساق والقدم واليمين والأصابع ، ( خامساً ) حل إشكالية الاستواء في سبعة آيات ذكر فيها الاستواء في القرآن الكريم ، ( سادساً )  حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في مثل قوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} ، ( سابعاً ) حل اشكالية المكان في مثل قوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } ، ( ثامناً )  حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في حديث : ((  أين الله )) ، ( تاسعاً ) حل اشكالية الصورة في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته )) ، ( عاشراً ) حل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) ،

[  26  ]  حل إشكالية الوجه ، في مثل قوله تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  } [ البقرة : 115 ] ، ورد متشابهه إلى المحكم من قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ، المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة ، والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة ، وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [ يوسف : 9 ] ، فكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ، وقوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [ الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } [ النساء  : 125] ، ومعلوم أن توجه القلب إلى الله تعالى أعظم من توجه الوجه ، فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ولها توجه إلى الله ، وهذا يدلنا على أن التعبير بتوجه الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، وهكذا نحمل الوجه في قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ،

[  27  ]  حل إشكالية اليد ، في مثل قوله تعالى : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ] ورد متشابهه إلى المحكم من قوله تعالى : { قل هو الله أحد } : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، فهل ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ، وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ن فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، وقوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } ، فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، 

[  28  ]  حل إشكالية العين في مثل قوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] ، ورد متشابهه إلى المحكم من قوله تعالى : { قل هو الله أحد } : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، تجري مجرى المجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ،

[  29  ]  حل إشكالية كل ما يوحي بالجوارح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  كالساق والقدم واليمين والأصابع ، لم يقل أحدٌ من أهل السنة والجماعة أنها جوارح لله ، حاش لله تعالى من هذا الظن والوصف سبحانه ، وإنما صفات على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وليست جوارح ، ومن جعلها من باب الأجزاء والجوارح ، فهو مجسم خارج عن إطار أهل السنة والجماعة إلى الفرق الضالة التي تستحق الوعيد بالنار ، ومن جعلها على معناها الظاهر المستعمل في اللغة ، وفوض كيفيتها إلى الله تعالى ، فهو حشوي لا يدري شيئا عن قانون المتشابه في القرآن ووجوب تفويض علمه إلى الله تعالى ، أو رده إلى المحكم من الكتاب والسنة ، والمعنى الظاهر لهذه الألفاظ كالوجه واليد والعين ، هي الأجزاء من الذات والجزئية معارضة بالأحدية التي تعدل ثلث القرآن ، والرسوخ في العلم ، فيما يتعلق بما يوهم الأجزاء والجوارح : أنّ كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،

[  30  ]  حل إشكالية الاستواء في سبعة آيات ذكر فيها الاستواء في القرآن الكريم ، عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة ومنزه عن الوهم والخيال ، فقد جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : 186 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } [هود : 61 ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ  } [ الواقعة : 85 ] ، وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده ، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، جاء في الاحاطة آيات عديدة منها قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وقال تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء ، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر ، وقد حمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، الجميع متفق على حمل القرب على قرب الصفات من العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها أهل الحشو والتجسيم على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ، ولم لا يكون استواء صفات من الربوبية والقهر  والتدبير والتصريف كما أن القرب قرب صفاته من علم وسمع وبصر وقدرة ، وقد قال الله تعالى مرشدا عباده أن الأماكن كلها ملك لله : {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء صفاته من الملك والقهر والتدبير والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن كما سيتبين ، ( ومفاتيح الفهم للآية الاولى ) : قوله تعالى  : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ الأعراف 54-55] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية ، و ( الآية الثانية ) : قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير ، و ( الآية الثالثة ) : قوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } [ الرعد 2 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى يدبر الأمر وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير ، وبيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، و ( الآية الرابعة ) : قوله تعالى : { طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } [ طه 4،5، 6] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء رحمة وملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الاستواء مقرونا باسم الله تعالى وتقدس ( الرحمن ) ، وهو استواء ربوبية وخلق وتدبير ، بقرينة قوله تعالى : { تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى } ، وقوله تعالى {  لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } ، للدلالة على استواء الملك والهيمنة والتدبير ، و ( الآية الخامسة ) : قوله تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان 59 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية ورحمة بدلالة قوله { خلق السموات والأرض وما بينهما } ، ودلالة ارتباط الاستواء باسمه الأقدس ( الرحمن ) { مَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } ، فهو الخالق للكون بما فيه وهو ربه ومدبره ، وسعت رحمته كل شيء ، و ( الآية السادسة ) : قوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ } [ السجدة 4 إلى 7] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما ، و ( الآية السابعة ) : قوله تعالى : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد: 2 إلى 5 ] ، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون ،  فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان ، وقوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان ، وقوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه ، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية ) ، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون ،

[  31  ]  حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في مثل قوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , وقوله تعالى : {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [ الشورى : 51 ] ، والله تعالى له العلو المطلق المنزه عن التقيد بالمكان ، فلا يحصره مكان ، وهو المنزه عن الحد والتناهي ، ولا يحيط به مكان ، وهو بكل شيء محيط ، سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق ، كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ، والعلو المطلق لا يتقيد بالمكان لقوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  } [ آل عمران : 139 ] ، والمقصود هو علو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع ، ومثله قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام : { قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى } ، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر ، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي ، والله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته ، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان ، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط ، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض ،  والله تعالى قريب ، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته ، : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا  } [ المجادلة : 7 ] ، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة ، والمسلم حين يقول وهو ساجد . { سبحان رَبِّيَ الأعلَى } ، معناه : سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً ،  وهناك شبهة أخرى يستدلون بالمتشابه من قوله تعالى :{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، وفي الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ، الفوقية ترد لمعنيين  : أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا حشو وتجسيم ،  وثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير والأمير فوق الوزير وهكذا ،  وأما قوله تعالى : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، فهي فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم بالربوبية ، بقرائن ذكر القهر والعبودية  ،  وهناك شبهة أخرى يستدلون بالمتشابه من قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، والمعنى المراد : مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  } أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم ، وصعود الكلم إليه تعالى مجاز بتشبيه القبول بالصعود ، وهناك شبهة أخرى يستدلون بالمتشابه من قوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ]  ، والمعنى الصحيح : أي إلى مكان كرامته في السماء ، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله ، ولأنها منزهة عن معاصي العباد ، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء ، ليس مكان منها بعيد عن الله ، وهو من جميع عباده قريب ، هناك شبهة أخرى يقولون : التصريح بتنزيل الكتاب منه ، كما في قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} [ آل عمران : 7 ] , وهذه من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى:  { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } [ البروج : 21، 22 ] ، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ، قوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } [ الدخان : 3 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [ القدر : 1 ] ، وقوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  } [ البقرة : 185 ] ، فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض ، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله ، تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه ، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود ، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر ، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء ، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وهناك شبهة أخرى يستدلون بالمتشابه من قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , والمراد من العندية ، هي عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ،

[  32  ]  حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في مثل قوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، والآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في العلو إشارة إلى علو الرتبة والعظمة والقدرة , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى الرتبة ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي من في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، ولو كان المراد اثبات المكان لجاءت الآية بلفظ أأمنتم من على السماء لأن حرف ( على ) أقوي في اثبات المكان من حرف ( في ) فدل على أن المقصود من في العلو العظمة بصفات ذاته تعالى وتقدس ،  وكذلك هناك تعارض بين الآية وآيات الاستواء في أذهان الحشوية ؟ فهل هو في السماء أم على العرش ، ولا يصح لمن كان فوق العرش ، والعرش أعظم من السماء آلاف آلاف المرات أن بقول انه في السماء إلا أن قصد به العلو والسمو ،  فإن قصد المكان يلزم التناقض لا محالة  لأن العرش خارج السموات ، وكذلك فإن السموات كروية لقيام الدليل على ذلك فإن كان كذلك فقد جعله أهل الحشو  كفلك منها تعالى الله عما يصفون ، فيكون المراد بالسماء العلو والرفعة والعظمة لا محالة ،

[  33  ]  حل اشكالية المكان في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث  : ( المفتاح الأول ) : اضراب روايات حديث الجارية ، فقد جاءت بثلاثة ألفاظ مختلفة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ،  والثانية جاء بلفظ ( من ربك ) أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان ، وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ،  والرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرجها الإمام مسلم ،  والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها ، إذن قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، إضافة إلى أن لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ، ( المفتاح الثاني )  أنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن الكون في المكان ، و ( المفتاح الثالث ) يحمل السؤال : ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

[  34  ]  حل اشكالية الصورة في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) ، و ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، و ( المفتاح الثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول الحافظين : ابن حجر وابن خزيمة  ، و ( المفتاح الثالث ) : إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، و ( المفتاح الرابع ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى الاحد , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه وركبه على وفق مشيئته ، كما في قوله تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] , فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، إذ الصورة تقتضي الكيفية والتركيب ، والكيفية عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، والصورة تقتضي التركيب وهو مستحيل على الأحد المنزه عن الانقسام ، لذلك فإن كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة ، كما يقول العربي ما صورة الأمر ويقصد صفته ، وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث ، والذي يجب على كل مسلم أن يعلم أن الله تعالى ليس بذي صورة ولا هيئة ،

[  35  ]   حل اشكالية الصورة في حديث القيامة الطويل في صحيح البخاري في جمع الله الناس إلى قوله : (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله : (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث ، فهم لا يعرفون صورة مسبقة ، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط ، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة ، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها ، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال : فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له ،  جاء في مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة) : " وفي رواية أبي هريرة فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه ( فإذا جاء ربنا ) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها ) أهـ [مرقاة المفاتيح ( باب الحوض والشفاعة ) ] ، وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل :  ( حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا ) الحديث :  اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة )  أهـ  [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 159] ،

[  36  ]   حل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) [ متفق عليه ]  ، للنزول الحقيقي لوازم فاسدة : منها أنه يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها ، ومنها الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ويلزم منه وصف الله تعالى بالسفل  وهو كفر وضلال ، ومنها : أن النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا ، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين ،  وللحديث مفاتيح : ( المفتاح الاول ) أن الحديث أخرجه النسائي بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله ، ( المفتاح الثاني ) : أنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن التغير والحدوث وعن الحد والتناهي وعن الكون في المكان ، و ( المفتاح الثالث ) : أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر ،  وبعد فهذه امثلة عشرة لبيان الرسوخ في علم العقيدة والتقديس ، حل إشكالية تتبع المتشابهات ، مما يؤول إلى الزيغ والبدعة والضلالة ،

[  37  ]  خاتمة التقديس وحاجتنا إلى علم التقديس :  الموجودات ثلاثة :  ( الأول ) :  أزلي أبدي : وهو الله تعالى فقط ، لا بداية ولا نهاية لوجوده  ، لأنه الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء ، و ( الثاني ) أبدي لا أزلي : له بداية ولا نهاية له وهو الجنة والنار فهما مخلوقتان ، أي لهما بداية إلاّ أنه لا نهاية لهما أي أبديتان فلا يطرأ عليهما خراب أو فناء لمشيئة الله بقاءهما ، و ( الثالث ) لا أزلي ولا أبدي : محدث فان له بداية وله نهاية وهو كل ما في هذه الدنيا الفانية ،  كما أنّ أحكام العقل ثلاثة : ( الأول ) : الواجب العقلي: هو ما لا يتصور في العقل عدمه أو ما لا يقبل الانتفاء لذاته وهو وجود الله تعالى بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، و ( الثاني ) المستحيل العقلي : هو ما لا يتصور في العقل وجوده كوجود الشريك لله تعالى  ، و ( الثالث ) الجائز العقلي : وهو ما يقبل الوجود والعدم ، وهو سائر الخلق ،  والصفات الواجبة في حقه تعالى ثلاث عشرة صفة ، الوُجود ، والقِدَم ، والمخالفة للحوادث ، والبقاء ، وقيامه بنفسه ، والحياة ، والوحدانية ، والقدرة ، والعِلْم ، والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، والصفات المستحيلة في حق الله تعالى أضدادها ، واجب الوجود فيستحيل في حقه العدم ، قديم الذات والأسماء والصفات فيستحيل عليه الحدوث أو التغير أو الأفول أو قبول الحوادث ، ليس كمثله شيء فيستحيل في حقه مشابهة الحوادث ، هو الباقي فيستحيل في حقه الفناء  ، وهو القيوم ، قائم بذاته فيستحيل في حقه الاحتياج ، له كمال الحياة فيستحيل في حقه السنة والنوم والموت ، إله واحد لا شريك له فيستحيل في حقه الشريك ، وهو على كل شيء قدير فيستحيل في حقه العجز ، وهو بكل شيء عليم فيستحيل في حقه  الجهل والنسيان ، له سبحانه كمال الإرادة والمشيئة فيستحيل في حقه القهر والجبر ، سميع له كمال السمع فيستحيل في حقه الصمم أو اختلاط الأصوات ، بصير له كمال البصر فيستحيل في حقه العمى واختلاط المبصرات ، متكلم  له صفة الكلام ، وهي صفة ذاتية قديمة فيستحيل في حقه العي والبكم وانتهاء الكلمات ، سبحانه : { أحد } لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، لا جزء له ، ولا كل ، إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية المطلقة ، والله تعالى أحد : لا يمين له ولا يسار له ، ولا فوق له ، ولا تحت ، ولا أمام له ولا وراء ، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، { صمد } يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف بالصمدية ، ولا بكمال الغنى والقيومية ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، لا ينفصل منه شيء ، ولم ينفصل من شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه ، بائن من خلقه ، كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ، لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء  ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ، تقدس أن يكون له مثيل او شبيه ، هو الخالق ومن عداه مخلوق ، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق ، هو القديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، تقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث أو الفناء ، وتقدس عن قبول الحوادث ، ولو قبل الحوادث لم يكن قديما ، ولو قبل الحوادث لكان جزء منه حادث ، ولو قبل الحوادث لقبل الفناء ، وكيف يقبل شيء وهو الاحد المنزه عن الانقسام وقبول الاجزاء والأبعاض ، تعالى منزه عن الحدود ، وتقدس أن يقهره حد أو يحده مقدار ، وهو الذي قهر خلقه بالحدود والمقادير ، تقدس المحدد أن يكون محددا ، وتنزه المقدر أن يكون مقدرا ، وجل القاهر أن يكون مقهورا ، وهو القاهر لكل شيء ، ومن عداه مقهور لحكمه وقضائه ، ، تقدس أن يكون له مثيل ، ليس كمثله شيء ، من عداه متماثل في الخلق والحدوث والفناء ، ليس كمثل وجوده وجود ، موجود بلا كيف وبلا مكان ولا يجرى عليه زمان ، كيف وهو الموجود في الأزل قبل المكان والزمان ، كيف وهو القاهر للمكان والزمان ، كيف وهو الخالق لقوانين المكان والزمان ، والمكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، فهل يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، وهو سبحانه منزه عن الاتحاد والحلول ، إذ تقدس الخالق أن يحل في شيء من خلقه ، وأنى للقديم الباقي أن يحل في المحدث الفاني ، سبحانه رب العالمين ، ومن عداه عبد مربوب ، إله غني قادر قاهر ومن عداه عبد ضعيف فقير مقهور ، هو الخالق البارئ المصور ، ومن عداه مخلوق مصور ، تقدس المصور أن يكون مصورا  ، والصور لا تنشأ إلا بالتركيب ، { في أي صورة ما شاء ركبك }  ، والأحد منزه عن التركيب ، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الأجزاء والأبعاض والأشكال والألوان والتخاطيط ، والصور إنما تنشأ باجتماع الأجزاء والألوان ، والصور دليل على الخلق والحدوث ، لذا تقدس المصور ان يكون مصورا وتقدس المركب أن يكون مركبا ، وتقدس القاهر لخلقه بالصور والأشكال أن يكون مقهورا بها ،  يستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه السنة والنوم ، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ، ، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات ، ويستحيل عليه التغير والحدوث ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق ، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه ، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، ،  لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل اولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الاحياء وانه القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على انشاء ما انشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شىء اخر ولا بأصعب عليه منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضر ولا يناله السرور واللذات ولا يصل اليه الاذى والآلام ليس بذى غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء ، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو ،

[  38  ]  ما أشد حاجة المسلمين إلى التجديد في ( علم التقديس ) أو ( علم توحيد الذات ) أو ( علم التنزيه ) أو قل إن شئت ( علم التسبيح ) :  وذلك بجمع قواعد التقديس والتوحيد والتنزيه ، التي تمنع من الخلل في علم العقيدة ، والتي تمنع من الاعتزال والتجهم والتعطيل ، وفي نفس الوقت تمنع من الحشو والتشبيه والتجسيم ، قواعد رصينة مستنبطة من الكتاب والسنة تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يجب وبما يجوز وبما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله تعالى وتقدس ، فإن العامة بمعزل عن تصور هذا العلم يجهلونه الجهل البسيط ، وأهل الحشو أهل جهل مركب ، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس ، والعامة  يجهلونه الجهل البسيط ، لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه ، فإنه يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع جناب ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن جناب ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ،  إن المقصود الرئيس من علم التنزيه والتقديس هو قطع الطمع عن إدراك حقيقة جناب ذات الله تعالى وتصفية الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه ، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى - على لسان الملائكة - { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  }،  وأهل الحشو أهل جهل مركب ، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس ، ويتصدرون للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، ويتصدرون للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، 

[  39  ]  وجوب تدريس قواعد التنزيه والتقديس المستمدة من الكتاب والسنة : يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس  : لأنها  تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 103 ] ، وقوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ آية الكرسي ] ، وقوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقد أكرمني الله تعالى بجمع وشرح قواعد التقديس في  كتاب التجديد الأول ( التجديد في علم التقديس ) ، وأهم تلك القواعد : القاعدة الأولى : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ،  القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ،  القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، القاعدة الرابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، لقاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، القاعدة الثانية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ، القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكفء والمثيل ، القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، القاعدة الخامسة عشرة : رؤية المؤمنين لجناب ذات الله تعالى في الجنة ، وهذا الكتاب موجود على موقع : دار الإصلاح والتجديد على شبكة النت ،

[  40  ]  رؤية جناب ذات الله تعالى في الآخرة : اتفق أهل السنّة والجماعة على رؤية ذات الله تعالى في الآخرة ، وأنها رؤية بغير احاطة ، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة ، وقولهم هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح  ،  فمن الأدلة على رؤية الله سبحانه من كتاب الله تعالى : قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } [ القيامة : 22 ، 23 ] ، وقوله تعالى :  { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس : 26 ] ، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية ، كما أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم ، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ، ألم تدخلنا الجنة ، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ، ثم تلا هذه الآية : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ،  وقوله تعالى : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ ق: 35] والمزيد في هذه الآية هو النظر إلى الله تعالى ،  وقوله تعالى: {  كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [ المطففين : 15  ] ، لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين ،  وقوله تعالى: { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 143] ،  والدليل على جواز الرؤية أنّ نبي الله  موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل ، لأنّ الأنبياء أعلم الناس بما يجوز وما يمتنع على الله ، ولا شك أنّ نبي الله موسى عليه السلام أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل في حقه من المعتزلة والإمامية والأباضية الذين منعوا من رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة ، كما أن الله تعالى أجابه بقوله { لَن تَرَانِي } وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: ( لست بمرئي ) ، أو ( لا تجوز رؤيتي ) أو ( إن الرؤية تستحيل في حقي ) ولكان آنذاك تصحيحاً واجبا للعقيدة وللخطأ في طلب الرؤية التي لا تجوز في حق الإله ، وكل هذا لم يحدث ، فدل على جواز المبدأ ( إمكانية رؤية الله ) ، كما أنّ الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز ، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية جائزة ، وقد تواترت الأدلة من السنّة على رؤية الله تعالى في الآخرة منها :  ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: فإنكم ترونه كذلك )) [ أخرجه مسلم ]  ،  وأخرج البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنكم سترون ربكم عيانا )) [ أخرجه البخاري ] ،  وأخرج مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن )) [ متفق عليه ] ، كما أنّ رؤية الله تعالى غير ممتنعة عقلاً ، لأن الله تعالى موجود ، وكل موجود تصح رؤيته ، لأنّ المصحح للرؤية الوجود ، وكما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك للناس في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى ، كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعينهم يسمى ذلك الإدراك رؤية تتعلق به تعالى على ما يليق به ، فهذه لا يحيلها العقل وقد جاء الشرع بإثباتها ، فوجب اثباتها والايمان بها ، وقد اتفقت كلمة مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة ( المدرسة الأثرية والمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية ) على رؤية الله تعالى في الآخرة ، ومنع منها المعتزلة والإمامية والإباضية ، وحججهم في الباب واهية لا تقوى على معارضة الأدلة من الكتاب والسنة والعقل ، وأبرز أدلتهم : أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن المكان وسائر الأمكنة والجهات إليه سواء ، والرؤية لا تكون إلا في جهة ومكان ، والمكان مستحيل على الله لأنّ الله تعالى خالق المكان ، ولا يحل الخالق في المخلوق ، نقول نعم للتنزيه ، ولكن ما علاقة الرؤية بالمكان والجهة ، لأننا نقول رؤيته - سبحانه - لا في جهة ولا في مكان ، لأنّ جميع المؤمنين لا يضامون في رؤيته والمعنى لا يتزاحمون لرؤيته ، فالكل يراه لا في جهة ولا في مكان ، قال تعالى { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  } [ البقرة : 115 ] ، فالأماكن كلها عند الله تعالى سواء ،  كما أنهم يقولون : أنّ الرؤية لا تكون إلا بشعاع متصل بين العين والشيء المرئي ، وهذا محال على الله لأنّه منزه عن قوانين المادة والجسم ، ونقول : الرؤية ممكنة بغير تلك الأسباب ، والله تعالى خالق الأسباب والمسببات ، وعلى ذلك نؤمن بالرؤية بلا مقابلة ، ولا اتصال أشعة البصر ، ولا إحاطة بصر ،  و المانعون من الرؤية يستدلون بقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ  } [ الأنعام : 103 ] ، فقالوا ما لا تدركه الأبصار فليس بمرئي ، وهذا فهم خاطئ للآية لأنّه لو كان المقصود نفي الرؤية لجاءت الآية ( لا تراه الأبصار ) ، ولكن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية ،  { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ  } ونحن نقول بجواز الرؤية  ولكن بغير احاطة ، إذ كيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود ، ورؤية الله ناشئة عن تجلى الرب الرحمن ، وناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار ، لأنّ الحجب تحجب رؤيتنا للعلي الجبار ، وهي تحجب المخلوق عن رؤية خالقه ، و إلا فذات الله تعالى ظاهرة لا يحجبها شيء أبدا ، إذ لا يحجب الحجاب المخلوق خالقة المنزه عن الحدود ، وإنما هي حُجُب تحجب أبصار المخلوقين المحدودة عن رؤية الخالق الجليل الكبير المتعال ، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم ، كما تجلى للجبل في الدنيا فجعله دكا ، فيرونه وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ، ولا مسافة ، نراه بقدرته بلا كيف ، سبحانه ليس كمثله شيء ، نسأل الله الكريم أن يتفضل علينا برؤيته في دار النعيم ، اللهم بصرنا بديننا يا رب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

 

البصيرة في الدين -  فقه مسائل وأحكام السياسة الشرعية بغير إفراط ولا تفريط – لمنع الهرج والمرج وسف دماء المسلمين 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : فقه مسائل وأحكام السياسة الشرعية بغير إفراط ولا تفريط   ،

ولاشك أن علم السياسة الشرعية  علم عظيم ومهم لا يتقنه إلا الراسخون في العلم الحريصون على امة النبي صلى الله عليه وسلم الرحماء بهم ، ذلك العلم الذي يضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الافتئات عليها ، فيتفرغ الحاكم والعالم كلٌ لأداء مهامه ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وهو علم يساهم مساهمة حقيقية في فتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة ، وعلى حكمة وموعظة حسنة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ،  

إنّ مسألة العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والرعية في بلاد المسلمين تحتاج إلى فقه عظيم بدين الله تعالى ، لذا لابد من الفقه السديد للآيات الكريمة التي تتناول العلاقة بين أولياء الأمور والرعية ، والفقه السديد للأحاديث النبوية الشريفة في بيان العلاقة بين الأنظمة الحاكمة والشعوب المسلمة ، وبيان الفقه السديد لحدود طاعة الحاكم المسلم ، وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، وفقه الدعوة في إنكار المنكر على ولاة الأمور ، ومعرفة ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام، وبيان القواعد الشرعية السديدة التي تضبط حقوق الحكام  كما حفظها لهم الإسلام ، وكذلك لابد من معرفة القواعد الشرعية التي تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام والمسلمين ، وكذلك لابد تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله ، وبيان أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله نوعان : ( كفر أكبر ) للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، و ( كفر دون كفر ) لمن لم يجحد حكم الله ولم يستحل الحكم بغير ما أنزل الله ، فلا ينبغي الافراط ولا التفريط في هذا الباب ، وكذلك لابد من معرفة قواعد الشريعة العامة اللازمة لضبط مسائل واحكام التكفير حتى لا ينفرط عقد التكفير بين المسلمين ، فهذا كله مما يتعلق بأبواب السياسة الشرعية الحكيمة التي تعصم دماء المسلمين ، وتمنع من استحلال بعضهم دماء بعض ، وسأحاول بيان لبنات هذا العلم الجليل من خلال تناول تلك النقاط

[ 1 ] قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } [ النساء : 59 ] ، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله ، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم ، { فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، أي إلى كتاب الله وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وقد جعلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم : طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ،  وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) ] ، وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم ، منها : ما أخرجه الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ، وما أخرجه مسلم أيضا عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، إذن ، ونحن نتناول فقه آيات من كتاب الله تعالى تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، نجد الأمر الرباني : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } [ النساء : 59 ] ، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في كل ما يأمرون به إلا أن يأمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة ، فعدم الطاعة مقصور على المعصية ،   

[ 2 ] قال تعالى - آمراً نبي الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام - : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ويؤيده قوله تعالى : { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى }[ النازعات : 17 إلى 19 ] ، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه فقد جعل أهل مصر شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم ، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون ، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى ، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم ، وذلك لأنّه الاقرب إلى استجابة الحاكم للنصيحة والعمل بها ، وليس مقصود النصيحة سوى ذلك ، والشدة والغلظة في القول مع الحاكم لا تؤتي ثمارها ، لأنّ السلطة بيده ، فالشدة لا تناسبه ، وقد تعني تهديده ووعيده ، وهذا يصرفه عن سماع النصيحة إلى البطش بالناصح أو على أقل تقدير عدم الاستفادة من نصيحته ،

[ 3 ] قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ البقرة : 258 ] ، فالقرآن الكريم يعلمنا كيف يكون الحوار مع الملوك ، والملك هبة يؤتيها الله تعالى من يشاء من عبادة ، لا ينبغي لآحاد المسلمين أن يتطلع إليها ، ولا أن يزاحم أهلها فيها ، وذلك حتى يستتب الأمر ويظهر الأمن ويتفرغ الحاكم والمحكوم كلٌ لأداء مهامه التي يحاسبه الله تعالى عليها ، وقد أخرج مسلم في صحيحه ، كتاب الإمارة ، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها ، عن أبي موسى رضي الله عنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : (( إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه )) ، الشاهد من الآية : أنّ نبي الله تعالى إبراهيم عليه السلام  يخاطب الملك الكافر بمنتهى الحكمة واللين ، وهو خليل الرحمن وأبو الأنبياء عليه السلام ولو دعا على الملك الكافر دعوة لأنهى ملكه وسلطانه ، ولكنها حكمة النبوة في معاملة الحكام والملوك ، إذن كيف ينبغي أن يكون الحال عندما ينصح من هو أقل شأنا من الخليل عليه السلام ينصح من هو يقينا أحسن شأنا من النمرود الكافر ، الصواب أنه لابد من الحكمة واللين والموعظة الحسنة في معاملة أولياء الأمور ،

[ 4 ]  قال تعالى : - حكاية على لسان نبي الله يوسف عليه السلام - : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [ يوسف : 101 ] ، فدل ذلك على أنّ الملك منّة ونعمة من الله تعالى ، يؤتيه من يشاء ، ويوسف عليه السلام ، دعا به ربه عز وجل ، لما تمت النعمة عليه ، بالنبوة والملك ، سأل ربه عز وجل كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة ، وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه ، وأن يلحقه بإخوانه من النبيين والمرسلين ،

[ 5 ] قال تعالى - في قصة طالوت وجالوت وإيتاء الله تعالى الملك لنبيه داود عليه السلام - : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [ البقرة : 251 ] ، فقد امتن الله تعالى على بني اسرائيل بأنّه سبحانه آتى دواد الملك والحكمة والعلم ، ثم قال سبحانه : { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } ، أشار المفسرون في تفسير هذه الآية إلى أهمية الملك ، وأنه لولاه ما استتب أمر العالم ، معناه : لولا أن الله تعالي أقام السلطان في الأرض لتواثب الناس بعضهم على بعض ، ثم أمتن الله تعالي على عباده بإقامة سلطان لهم بقوله { وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ } ، فوجود الحاكم منّة ونعمة من الله تعالى ، لأن في وجوده استتباب المصالح ، وفي غيابه فساد الأرض ، ولهذا قيل : ( ستون سنة في ظل حاكم ظالم أهون من ساعة في غيابه ) ،

[ 6 ] أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا : أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا ، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا  )) - إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية - ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (( وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ  )) ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، فهذا معنى البواح ، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط ، (( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ ))

[ 7 ] أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ، ما كانوا مسلمين ،

[ 8 ] أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ، قَالُوا : قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم ، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد ، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط ، (( قَالَ : لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ )) ، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد ، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة  (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) ،

[ 9 ] أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث السابق : (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [ أخرجه مسلم (1856) ] ،

[ 10 ] أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا : يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا )) [ أخــرج مسلم (1854) ] ، وهذا الحديث يدلنا على فقه انكار المنكر المتعلق بالحكام المسلمين الجائرين ، فمن كره مناكرهم ولم يتابعهم عليها فقد برئت ذمته (( فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ )) ، ومن ناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقد سلم من غضب الله تعالى على مرتكبي المنكر (( وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ  )) ، ومن رضي بمنكرهم وتابعهم على ظلمهم وفسادهم فعليه ما عليهم من السخط والعذاب ((وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ  )) ، ثم وضح الحديث الشريف ضابط الخروج عليهم ومقاتلتهم ، ألا وهو ترك الصلاة ، لأنها صلة العبد المسلم بربه ، فمن تركها فقد كفر ، وترك الصلاة وإن كان عند جماهير الفقهاء كفر دون كفر ، إلا أنّ تركها يدل على مبلغ الفساد والفسوق والظلم الذي لا يصلح معه المرء أن يكون حاكما للمسلمين ، ولكن لا يكون الخروج إلا مع استيفاء شروط القدرة ووجود الإمام البديل الذي يجتمع عليه أهل الحل والعقد من المسلمين ، وإلا فالصبر مع الجهر بالحق وانكار المنكر أولى من المجازفة بالمسلمين وإيرادهم المهالك ،  

[ 11 ] أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ : سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية ، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية ، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم ، ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) ،

[ 12 ] أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري ( 7053 ) ، ومسلم (1851) ] ، وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم ، ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر  )) ، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية ، ((مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) ،

[ 13 ] أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) [أخرج مسلم (1836) ] ، يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم ، ((  وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) ،  [ الـحديث التاسع ] : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام  للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً ،

[ 14 ] أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ، وفيه دليل على أنّ طاعة أولى الأمر من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعصية أولى الأمر من معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الطاعة مقيدة بما إذا لم يأمروا بمعصية الله تعالي فإذا أمروا بمعصية فلا يطاعون في هذه المعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وقد شهدت السنة بهذا القيد في أحاديث عديدة يأتي إن شاء الله ذكرها ، 

[ 15 ] أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) كتاب الأحكام » باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ] ، وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة ، مبالغة في الأمر بالطاعة ، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة ، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش ، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا ،

[ 16 ] أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا ، 

[ 17 ] أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول : (( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) [ أخرجه البخاري ح  ( 6673 )، ومسلم ح  ( 1847 ) ] ، وفيه اولوية التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام ،

[ 18 ] أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )) [ أخرجه مسلم ح ( 1853 ) ] ، والحديث يدل على خطورة الأمر وأنّه لا هزل فيه ، وأنّ سفك دم الخارج على الحاكم أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج ، 

[ 19 ] أخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان )) [ أخرجه مسلم ح ( 1852 ) ] ، والحديث فيه الأمر بقتال من خرج على الحاكم المسلم ، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ، [ الحديث السادس عشر  ] : أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم )) [ أخرجه البخاري ح ( 3268 ) ، ومسلم ( 1842 ) ] ، والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان ، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم ، الله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم ،

[ 20 ] أخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا )) [ أخرجه مسلم ح ( 1298 ) ] ، والمراد هاهنا كما ذكر النووي في شرح الحديث : ( فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى ، يعني له اسم الاسلام وحكمه ، فله حق السمع والطاعة ، يقول النووي : قال العلماء : معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم ، ولا يشق عليهم العصا ، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا ) أهـ [ شرح النووي على مسلم ج 9 /47 ] ، وقال السندي رحمه الله: ( يقودكم بكتاب الله : فيه إشارة إلى أنه لا طاعة له فيما يخالف حكم الله تعالى والله تعالى أعلم ) [ حاشية السندي على النسائي ج 7/154 ] ، فمعنى الحديث إن قادكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا، وإن لم يقدكم بكتاب الله؛ أي: إن أمركم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة ، قلت : وقد فهم البعض خطأً أنّ المقصود من الحديث الخروج على الحكام إن لم يحكموا بكتاب الله ، وهذا خطأ لأنّ المقصود هو الالتزام المجمل بالإسلام وبكتاب الله تعالى واعتقادهما ، وإلا فكل جائر أو ظالم أو فاسق فإنه لم يحكم بكتاب الله ، فهل يجوز الخروج عليه بمجرد جوره ومخالفته لكتاب الله تعالى ، والتفصيل في الأمر : أنّ عدم الحكم بما أنزل الله قد يرجع إلى الكفر به ، والكافر قد سقطت ولايته بالكلية لقوله تعالى : { وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النساء : 59 ] ، ف ( منكم ) تدل على أنّه لا يكون إلا مسلما ، وإلا لم يعد ولياً للأمر ووجب الخروج عليه عند توافر القدرة ، وقد يرجع عدم الحكم بكتاب الله تعالى إلى جور أو ظلم أو فسوق ، والجائر والظالم والفاسق هم من المسلمين ما اعتقدوا كتاب الله تعالى بقلوبهم وحكموا بغيره ، وهنا لهم الطاعة في كل ما ليس بمعصية ، فإن خالف كتاب الله ، فلا سمع ولا طاعة له فيما خالف فيه كتاب الله تعالى ، ولا ننزع اليد من طاعته فيما سوى ذلك ، مع النصح والصدع بالحق وإنكار المنكر في اطار الاعتراف بولايته ،

[ 21 ] أخرج البخاري عن الزبير بن عدي قال : (( أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ ، فقال : اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم )) [ أخرجه البخاري : ح : 7068 ] ، وفيه الأمر بالصبر على جور الحكام ،

[ 22 ] أخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال : (( قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها ، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها ؟ قال قلتُ : فما تأمرني ؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها . فإن أدركتَها معهم فصلِّ  ، فإنها لكَ نافلةً )) [ أخرجه مسلم ح ( 648 ) ]، وفيه الحرص على ملازمة الحكام ، حتى في الهيئة والصورة العامة ((فإن أدركتَها معهم فصلِّ  )) ، وذلك حتى لا تختلف الكلمة عليهم ، 

[ 23 ] أخرج مسلم عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا : لمن ؟ قال : للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم )) [ أخرجه مسلم ح ( 55 ) ] ، وفيه الامر بإخلاص النصيحة للحكام والحرص على مصالحهم ،

(( تنبيه )) ليس الهدف من ذكر تلك الأحاديث مداهنة الحاكم ، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم ، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ،  فإن معاداة الحكام لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ،  

جميع ما سبق من الأدلة يتواتر على الأمر بالصبر على جور الحكام المسلمين ، وعدم الخروج عليهم ، وهناك أحاديث قد  يُفهم منها الإنكار على الحكام وعدم السكوت على أخطائهم  ، ولذا وجب بيان مفاتيح الفهم السديد لتلك الأحاديث :

[  الحديث الأول ] : قوله صلى الله عليه وسلم : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))  [ أخرجه الترمذي ، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1 / 886 ، ح رقم 491) ] ، والفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط : ( الضابط الأول ) : أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية ، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات ، ( الضابط الثاني ) : الهدي القرآني في معاملة الحكام ، قال تعالى - آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام - : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ( الضابط الثالث ) : منطوق الحديث وفيه ((كلمة عدل عند )) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان ، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب ، وتقويض دعائم الحكم وهيبته ، ( الضابط الرابع ) : أن تكون كلمة حق صادقة ، فكم من كلمة حق أريد بها باطل ، فكل من له طمع بالملك لا ينبغي له أن يأمر أو ينهى حتى يعلم الحاكم أن ليس له طمع في كرسي الملك وأنّ الآمر الناهي القائل بكلمة الحق لم يخلع يداً من طاعة ، وإنما قالها انتصاراً لدين الله تعالى ، خالصاً لله وحده ، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته ، ( الضابط الخامس ) : منطوق الحديث (( كلمة عدل )) أو في الرواية الثانية (( كلمة حق )) ، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه ، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة ، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله ، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته ،

[ الحديث الثاني ] : أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) [  صحيح مسلم ح ( 50 ) ] ،  قال ابن رجب في شرح الحديث : (  هذا يدل على جهاد الأمراء باليد وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود وقال هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة  ، [ قلت ] : يحتاج هذا الحديث إلى عدة توضيحات تبين المراد منه ، ( الأول ) : الحديث لم يذكر جهاد الأمراء صراحة ، فهو يتناول جهاد الفرق الضالة كالخوارج وغيرهم ، ويتناول الطوائف المنحرفة كالمنافقين والزنادقة ، ( الثاني ) الحديث يتناول الأمم السابقة كما يدل على ذلك نصه ، ولا يمنع دخول أمة الإسلام في الخطاب ، بخصوصية معاملة حكام المسلمين لأنّ الأحاديث الصحاح الكثيرة - وقد تقدم جزء منها - على ضرورة الصبر على جور الحكام وعدم الخروج عليهم بالسلاح ما أقاموا الصلاة وما لم نر منهم كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ، ( الثالث ) هذا الحديث بالرغم من وجوده في صحيح مسلم إلا أنّ الإمام أحمد ابن حنبل تكلم فيه ، ، فقد جاء في مسائل الإمام أحمد : أنّه سئل عن هذا الحديث فقال : ( الحارث بن فضيل - وهو من رواة الحديث - ليس بمحمود الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود , ابن مسعود يقول قال رسول الله : (( اصبروا حتى تلقوني )) ، [ مسائل الإمام أحمد  صـ 307 ] ، ( قلت ) : وقد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ( ج 1/ 346  ) ، ولم يخرجه في الصحيح ، ولعله لتلك العلة ترك تخريجه في الصحيح  ، قال ابن الصلاح : إن هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاري وقد أنكره أحمد بن حنبل فيما بلغنا عن أبي داود السجستاني في مسائله عن أحمد قال : الحارث بن فضيل ليس بمحفوظ الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وذكر أحمد قوله صلى الله عليه وسلم (( اصبروا حتى تلقوني )) [ صيانة صحيح مسلم (209) ] ،  ( الرابع ) : لابد من التفريق بين نوعين من الإنكار  ، فأما الإنكار بمعنى الخروج عليهم وخلع بيعتهم ؛ ففي هذه الحالة لا يجوز الإنكار عليهم إلا بشرطين : ( أولهما ) : أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل ، و ( الثاني ) : أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق ؛ لما يُفضي على الأمة من الشرور ، ولما يولد من المفاسد ، ولما ينتج عنه من محو لرسوم الدين، قال النووي : (  وأما الخروج عليهم، وقتالهم ؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين؛ فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 229 ) ] ، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالصبر ، وتنهى عن الخروج ، وقد تقدم ذكرها ، وأما الإنكار الثاني ، فهو الإنكار في ظل احترام البيعة له ، والتزام السمع والطاعة له في غير معصية ، ويتمثل في : الإنكار بصورة اسداء النصيحة له بإخلاص ، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، قال الحافظ أبو عَمْرو ابن الصلاح: "وما ورد في هذا الحديث مِن الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان : فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة. على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظه ذِكر هذه الأمة. والله أعلم" اهـ [  صيانة صحيح مسلم صـ 209 ] ، 

[ الحديث الثالث ] :  حديث أبي سعيد الخدري : قال صلى الله عليه وسلم : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) [ أخرجه مسلم ]  ، وهذا الحديث عام في بيان مراتب إنكار المنكر ، ولكن لفقهاء أهل السنّة والجماعة تفصيل في باب الإنكار على الأمراء ، وأنّه لا يجوز أن يتعدى الإنكار باللسان حتى لا يؤول إلى منكر أكبر ، ولا يكون بالتحزب وحمل السلاح ، وغير ذلك من الضوابط التي دلت عليها السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة ، ومن أهم ذلك ، أن يكون مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، كما أنّه  ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وضياع الأمن ومصالح المسلمين ، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين ، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين ،  وحديث (( من رأي منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )) ، فهذا حديث خطاب لجميع الأمة ، وعموم الحديث يقضي بمشروعية الإنكار باليد لمن قدر عليه ، ولكن هذا مشروط بشروط منها : ألا يفضي إنكاره هذا إلي منكر اشد منه ، وأن لا يكون الإنكار باليد مما اختص السلطان به شرعاً كإقامة حد ، أو شهر سيف ، ونحو ذلك ، وهذا كله فيما إذا كان صاحب المنكر غير السلطان ، فإن كان السلطان ، قال ابن النحاس في تنبيه الغافلين ( ص 46 ) : ( فليس لأحد منعه بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أواناً لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد ، وغير ذلك مما لا يخفي )  ، وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله - : ( لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول ) [ الآداب الشرعية ( 1/ 197 ) ] ،  قال ابن مفلح في  الآداب الشرعية : (( ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك. ذكره القاضي، وغيره ، والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير وإلا سقط وكان حكم ذلك كغيره ، والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين : التعريف والوعظ فأما تخشين القول نحو : يا ظالم ، يا من لا يخاف الله ، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز ، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء ، قال : والذي أراه المنع من ذلك )) أهـ [ الآداب الشرعية ( 1/195-197 ) ] ، وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ص 64 ) ( ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها ) اهـ ، 

[  الحديث الرابع ] : حديث أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تقرؤون هَذِهِ الْآيَةَ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ  )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه والنسائي وابن حبان في صحيحه وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي وصحيح الجامع الصغير ] ( قلت ) : الحديث عام في كل ظالم ((  إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ  )) ، ولكنه مخصوص في الحاكم الظالم ، فيستثنى من عموم الحديث ، وسبب ذلك  هو عموم الأحاديث التي تأمر بالصبر على الحاكم الظالم وتنهى من الخروج عليه ، وما قيل في الأحاديث السابقة يُقال هنا : من أنّ انكار منكر الأمراء له أحكام تختلف عن عامة الرعية ، وله ضوابط عديدة لا ينبغي تجاوزها وإلا آل الامر إلى الفتنة ووقوع مناكر أشد من المنكر المراد تغييره ،  [ الحديث الخامس ]قوله  صلى الله عليه وسلم  : (( لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرًا ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم )) [ رواه أبو داود ، ح رقم (4336) و (4337) ، والترمذي وحسنه ، ح رقم (3050) ، وابن ماجه ، ح رقم (4006) ، وأحمد 1/391 ] ، ( قلت ) : الحديث عام في إنكار المنكر على كل ظالم ، وهذا على وجه العموم ، ولكن إن تعلق الأمر بولاة الأمور ، فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالكَف ، والصبر ، وتنهى عن الخروج ، وأنّه لا يجوز إلا بشرطين : ( أولهما ) : أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل ، و ( الثاني ) : أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق ؛ لما يُفضي على الأمة من الشرور ، قال النووي : (  وأما الخروج عليهم، وقتالهم ؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء : وسبب عدم انعزاله ، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين؛ فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 229 ) ]  ، وبعد هذه هي  السياسة الشرعية التي تعلمنا تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الأفراد ، وكل تلك الأحاديث النبوية التي تأمر بالصبر على جور الحكام وظلمهم ، قالها النبي صلى الله عليه وسلم لترسيخ مفهوم السياسة الشرعية التي تقدم مصلحة المجتمع عند التعارض  على مصلحة الأفراد ، والتي تقدم مصلحة الأمة على مصلحة بعض طوائفها  عند التعارض  بين تلك المصالح ، والمتدبر للسياسة الشرعية النبوية يعلم يقينا مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ابعاد الأمة عن كل ما يجلب الفتنة وسفك دماء المسلمين واستحلال محارمهم ، إذن ليس الهدف من ذكر هذه الضوابط في معاملة أولياء الأمور تبرير أخطاء الحكام ، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين  ، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والرعية وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، إذ لا بد للناس من حاكم ، وستون سنة في حكم حاكم ظلوم غشوم أهون من ساعة بلا ولي أمر فيؤول الأمر إلى الهرج والمرج وسفك الدماء واستحلال المحارم ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ،  وأهل العلم ورجال الدعوة مطالبون بالصدع بأمر الله ، قال تعالى :{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [ الحجر : 94 ، 95 ] ، ومطالبون بتبليغ شرع الله ، قال تعالى : { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أحدا إِلَّا اللَّهَ } [الأحزاب: 39] ، ولا يجوز لهم كتمان الشرع ولا العلم ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ  }[ البقرة : 174 ، 175 ]  ، وأهل العلم ورجال الدعوة نهاهم الله تعالى عن المداهنة ، والركون إلى الظالمين ، قال تعالى : {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [ القلم : 9 ] ، وانطلاقا من هذا : يلزم الجهر بالحق ، ولكن لكل مقام مقال ، وهل الحسبة على الأبناء تشبه الحسبة على الوالدين والأمراء ، شتان ما بين هذا وذاك ، ولكل درجاته التي لا يصح أن يتعداها المرء ، إذن فيما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمر الله تعالى العلماء والدعاة بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ،  بالرفق واللين وعدم نزع اليد من البيعة والطاعة ، وهذا حد الحسبة مع أولي الامر ، مع  مراعاة السمع والطاعة لهم في غير معصية ، ومع مراعاة توقيرهم واحترامهم ، وبذل الطاعة لهم في كل ما يأمرون به أو ينهون عنه إلا أن يكون معصية ، وبذل النصيحة لهم ، والدعاء لهم بصلاح الأحوال ، والهداية إلى سبيل الرشاد ، أمّا اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم ، فهذا ما نهت عنه الشريعة إلا بضوابطه السديدة : إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ،  فإن معاداة الحكام المسلمين لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ،

شبهات في الباب يتحتم بيان معانيها وحل مشكلاتها :  يستدل البعض على جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر أو المبتدع ، بعدة شبهات يظنونها ادلة وهي في الحقيقة شبهات لابد من ردها إلى امهاتها من المحكمات ، سوف أتناولها بالتفصيل والتعقيب ، 

[  الشبهة الأولى  ] : استدلالهم بقول ابن حزم في الفصل : ( إنّ سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك .. وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكل من معه من الصحابة ، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير ، وكل من كان معهم من الصحابة ، وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير ، وغيرهم ممن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم ، كأنس بن مالك ، وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين .. ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ، ومن بعدهم كعبدالله بن عبدالعزيز بن عبدالله بن عمر ، وكعبدالله بن عمر ، ومحمد بن عجلان ، ومن خرج مع محمد بن عبدالله بن الحسن ، وهاشم بن بشر ، ومطر الوراق ، ومن خرج مع إبراهيم بن عبدالله ، وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء ، كأبي حنيفة ، والحسن بن حي ، وشريك ، ومالك ، والشافعي ، وداود وأصحابهم ، فإن كل من ذكرنا من قديم أو حديث إما ناطق بذلك في فتواه ، وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا ) [ الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/171، 172 ] ، هذا النقل عن ابن حزم في مسألة الخروج على الحاكم يحتاج إلى تفصيل ، فإن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، كان هو الأمير ، فكيف يستدل بفعله على جواز الخروج على الأمير ، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير رضي الله عنهما لم يخرجا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقصد ابطال امامته ، وإنما كانوا يطالبون بدم عثمان رضي الله عنه ، ولم يبدؤا قتالا ، وكذلك كان حال معاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير ، فلا يصح الاستدلال بعمل هؤلاء الصحابة على جواز الخروج على الحاكم المسلم ، وهل كان أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه جائرا ، وحاشاه ، حتى يسوغ الخروج عليه ، بل يمكن الاستدلال بالعكس وهو أنّه يجوز للإمام الخروج بالجيش لتأديب الفئة الباغية المتحزبة على خلاف ما يأمر به ، وهذا ما فعله أمير المؤمنين على رضي الله عنه ، والحاصل أنّ  استدلال ابن حزم بفعل بعض الصحابة وتابعيهم على وجوب الخروج على الحكام بمجرد الجور والظلم  كل هذا من غرائب ابن حزم ومن سار على قوله ، ومعلوم عند أكثر الفقهاء أن مخالفات ابن حزم لا تخرق الإجماع في الفقه لأنّه - مع علمه الواسع - ظاهري لا يدرك القياس ولا الفقه ، هذا في الفقه فكيف في أمور السياسة الشرعية التي ينشأ عن أدنى خطأ فيها سفك الدماء واستحلال الحرمات مع الويلات والفوضى مما يغيظ القريب ويرضي العدو ، ثم استدلاله بخروج الحسين رضي الله عنه على يزيد ، وهل في الدنيا آنذاك وبعده مثل سيدنا الحسين سيد شباب أهل الجنّة حتى يخرج على الحاكم الجائر ، ثم نظرنا إلى نتيجة خروجه وما أعقبها من مآسي على آل البيت رضي الله عنهم والمسلمين جميعا ، وسيأتي تفصيل ذلك عند الحديث على الشبهة السادسة ، وهل خروج العباسيون على الأمويين كان خيرا مع ما كان فيه من سفك لدماء الكثير من المسلمين ، ونحن نعلم أنهم انقلبوا بعد ذلك على آل البيت بأشد مما فعل الأمويون ، إنّ التاريخ لهو خير عبرة على نتائج الخروج المسلح على حكام المسلمين على مر عصور التاريخ ، وقد مر بنا نهي الرسول صلى الله عليه وسلم الشديد من الخروج على ولاة أمر المسلمين ما أقاموا فيهم الصلاة وكانوا مسلمين لم يأتوا بكفر بواح لا يختلف عليه أحد من علماء أهل السنّة والجماعة كاستحلال ما حرّم الله ، أو جحد ما فرض الله من فرائض ، 

[ الشبهة الثانية ] : استدلالهم بقول الله تعالى : { فَقَاتِلوُا التّيِ تَبْغِي حَتىّ تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ } ، يقولون : قد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية ، وقد علق الحكم على وصف البغي ، وهو دليل بيـّن على أن السلطة إن تحقق فيها هذا الوصف يجــب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله ، وقالوا بأن عموم الآية يتناول سلطة البغي ، المنحاز إليها طائفة البغي ، الظالمة لبقية المسلمين ، فهي طائفة بلا ريب ، وهي باغية بلا شك ، فوجب الانقياد للأمر الإلهي بقتالها ، عملا بظاهر القـــــرآن ، وهذا تعسف في الاستدلال لأنّ الأمر موجه في الآية إلى أولي الامر بالأولوية ، وهم المكلفون بقتال الفئة الباغية ، كما أنهم المكلفون بإقامة الحدود والحكم بين المسلمين ، ثم كيف يستقيم لعامة المسلمين مقاتلة أولى الأمر  بغير إمام يقودهم ، وكيف يأتي هذا الإمام ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)) [ أخرجه مسلم : ح (1853) ] ، ومعلوم أنّ البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين ،  يبايعه أهل الحل والعقد ، فإذا بايعوه ثبتت ولايته ، وبعدها يجب على عامة الناس أن يلزموا طاعته في غير معصية الله تعالى ، فكيف يتسنى تنزيل الآية على قتال حكام المسلمين ما كانوا على الإسلام ،

[  الشبهة الثالثة ] : استدلالهم بالنصوص النبوية التي أمرت بالأخذ على يد الظالمين ، فمن ذلك : حديث : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))  ، وحديث : (( إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم  )) ، وحديث : (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) ، وحديث : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) ، وحديث : (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ  )) ، وحديث : (( لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرًا ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم )) ، ( قلت ) : وقد تقدم بيان فقه هذه الأحاديث ، وأنّها تُفهم في إطار إنكار المنكر العام ، ولكن إذا تعلق الأمر بالحكام وولاة الأمور ، فلابد من فهم الحديث في إطار أحكام إنكار المنكر على الولاة والتي قررها الفقهاء ، من خلال فهم قوله تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } [ النحل : 125 ] ، وقوله تعالى : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 44 ] ، ومن خلال الأحاديث الصحيحة المحكمة ، والتي تدعو إلى الصبر على جور الحكام ، مراعاة للمصالح العامة للمسلمين ، وقد نقل النووي إجماع أهل السنّة والجماعة على تحريم الخروج على الحكام ، وإن كانوا فسقة ظالمين ،

[ الشبهة الرابعة ] : استلالهم بأقوال بعض الفقهاء في وجوب خلع الحاكم إن طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة ، ومن ذلك قول القاضي عياض : ( فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229 ] ، ( قلت ) مفتاح فهم نصوص الفقهاء بداخلها ، فعند الكفر البواح تسقط الطاعة ويجب الخروج والخلع فإن تحقق العجز وجبت الهجرة والفرار بالدين ، وعند البدعة يجوز بشرط القدرة ، وإلا لا يجوز ، وهنا أذكر قول الفقهاء في بيان تلك الحالة ، فالفقهاء فصلوا في الأمر تمام التفصيل ، وفرقوا بين الحاكم الكافر والحاكم الجائر والحاكم الذي ازداد جوره وفساده بحيث عرّض الدين والبلاد والعباد لخطر لا يمكن السكوت عليه ، فالأول : وهو الحاكم الكافر أو الذي طرأ عليه الكفر البواح فأوجبوا الخروج عليه ، وجعلوه من باب الجهاد ، قال النووي :  ( قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل .. فلو طرأ عليه كفر .. خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر .. فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229 ] ، وقال ابن حجر: ( فإن أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه ) أهـ [ فتح الباري : 13/8 ] ،  وقال أيضاً : ( ينعزل بالكفر إجماعاً فيجب على كل مسلم القيام في ذلك؛ فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض ) أهـ [ فتح الباري: 13/123] ، والثاني : وهو الحاكم المسلم الجائر ، فأوجبوا في حقه النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن منعوا من الخروج عليه ، فأما النصيحة فلقوله صلى الله عليه وسلم : ((  ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ : إِخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ )) [ أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني] ،  فالأولى لعلماء المسلمين إذا رأوا في ولي أمرهم ما ينكَر عليه أن يبادروا إلى نصحه، وأن يكونوا عوناً له على سلوك الطريق المستقيم ولا يكونوا عوناً للشيطان عليه، ولا يسعوا في تأليب العامة عليه ولا ينزعوا يداً من طاعة ما لم يرَ المسلمون منه كفراً بواحاً  كما جاء في الحديث المتفق عليه عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال:  (( دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا : أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسـرنا ويسـرنا وأثرة علينـا، وأن لا ننازع الأمرَ أهلَه، إلا أن تروا كفراً بواحاً ، عندكم من الله فيه برهان )) [متفق عليه] ، ومعنى كفراً بواحاً: أي الكفر الظاهر الذي لا خفاء به. قال ابن حجر: ( قال الخطابي: معنى قوله: بواحاً، يريد ظاهراً بادياً؛ من قولهم: باح بالشيء يبوح به بوحاً وبواحاً إذا أذاعه وأظهره... قوله: عندكم من الله فيه برهان: أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل؛ ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل ) [ فتح الباري : 13/8] ، وقال ابن بطال: ( فيه ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم، والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلِّب طاعته لازمة، ما أقام الجُمُعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ) [ شرح صحيح البخاري لابن بطال: 10/8 ] ،  قال النووي في شرح حديث (( إلا أن تروا كفراً بواحاً ))  : ( ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) أهـ [ شرح النووي : ج 12 : 229 ] ، وأمّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو واجب لا يسقطه وجوب الطاعة في المعروف ، فإذا ترك ولي الأمر بعض ما يجب عليه من حقوق الرعية ، أو قصر في تحصيلها، أو صدر منه ما منعت منه الشريعة، فإنه يؤمَر بالمعروف ويُنهَى عن المنكر حسبما دلت على ذلك نصوص الشريعة ، والثالث : وهو الحاكم الذي ازداد جوره وظلمه وفسقه بحيث يعرض الدين والبلاد والعباد في خطر لا يمكن السكوت عليه بحال ،  فهاهنا يجب الموازنة بين عزله والخروج عليه ، وبين بقائه وتحمل مصائبه ، من حيث المصالح والمفاسد قال إمام الحرمين الجويني: ( فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة ، ووضحت الخيانة ، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه ، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور ، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم فإنْ أمكنَ كفُّ يدِه , وتوليةِ غيرِه بالصفاتِ المعتبَرَةِ , فالبِدارَ البِدارَ , وإن لَم يُمكن ذلك لاستظهارِه بالشوكةِ إلا بإراقةِ الدماءِ , ومصادمةِ الأهوالِ , فالوجهُ أن يقاسَ ما الناسُ مندفعون إليه , مُبْتَلُونَ به بما يعرضُ وقوعُه , فإنْ كانَ الواقعُ الناجزُ أكثرَ مما يُتَوقَّعُ , فيجبُ احتمالُ المتوقَّعِ , وإلا فلا يَسُوغُ التشاغلُ بالدّفع , بل يتعيَّنُ الصبرُ والابتهالُ إلى الله تعالى  .. وإن علمنا أنه لا يتأتَّى نصب إمام دون اقتحامِ داهية وإراقةِ دماء، ومصادمةِ أحوال جمَّة الأهوال، وإهلاكِ أنفسٍ ونزفِ أموال، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلَون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدَّر وقوعه في روم الدفع، فيجب احتمال المتوَّقع له لدفع البلاء الناجز وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه، فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع ) أهـ [ غياث الأمم في التياث الظلَم، ص 106 - 110 ]  ، ولأنّ الأمر جد خطير ، والتعرض للحاكم شر مستطير ، استدرك الجويني على كلامه السابق بقوله : ( ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضحاته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة، وتبدُّد دعائم الإسلام، ولم نجد مَنْ ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة ، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا؛ فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاعٌ ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً؛ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فَلْيمضِ في ذلك قُدُماً. والله نصيره على الشرط المقدَّم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ويرتفع بما يتوقع  ) أهـ [ غياث الأمم في التياث الظلم، ص 115 - 116 ] ، ومنه نعلم خطورة ترك آحاد الناس يثورون على الحاكم " فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن " ، ولكن لابد من الاتفاق مسبقاً على أمير يناضلون تحت لوائه ، ولا يكون ذلك كله إلا عند القدرة والأمن من الفتنة والهرج والمرج ، لأنّ الدماء آنذاك كلها دماء المسلمين ، 

[  الشبهة الخامسة ] : استدلالهم بخروج سيدنا الحسينَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما ، وخروج  سيدنا عبد الله ابن الزبير رضي الله عنهما ومَن تابعهما من خيار المسلمين على يزيد ، وعلى بني أمية زمان الحجاج , والرد على هذه الشبهة يكون من عدة أوجه : الوجه الأول : أن الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تمنع من الخروج على الحكام بسبب الجور أو الظلم أو الفسوق أو العصيان ، ولم تستثنِ إلا الكفر البواح الذي لا خلاف عليه ، وقد تقدم ذكر ثلاثين حديثاً في هذا الباب تدعو إلى الصبر على جور الحكام ، والسمع والطاعة لهم فيما ليس من معصية الله ، وعدم مفارقة جماعتهم ، وعدم الخروج عليهم إلا في حالة الكفر البواح الذي لا يختلف عليه عالمان ، والوجه الثاني : أن الحسين وابن الزبير رضي الله عنهما ، قد خالفهم الصحابةُ في ذلك , فقد أخرج البخاري عن نافع , قال : لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال : إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة » , وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله , وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم ينصب لـه القتال , وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه )) [ أخر جه البخاري ح ( 7111 ) ] ، وقال العلامة ابن الأثير عن خروج الحسين رضي الله عنه : ( فأتاه كتب أهل الكوفة وهو بمكة , فتجهز للمسير , فنهاه جماعة , منهم : أخوه محمد ابن الحنفية وابن عمر وابن عباس وغيرهم ) أهـ [ أسد الغابة 2/28 ] ، وقال ابن كثير – عن خروج الحسين – رضي الله عنه –  : ( ولما استشعر الناس خروجه : أشفقوا عليه من ذلك , وحذروه منه , وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة لـه بعدم الخروج إلى العراق , وأمروه بالمقام بمكة , وذكروا ما جرى لأبيه وأخيه معهم ) أهـ [ البداية والنهاية 8/161 ] ، وذكر ابن كثير آثاراً عديدة تدل على نصيحة الصحابة للحسين رضي الله عنه بعدم الخروج ، منها ، قول عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما : ( استشارني الحسين بن علي – رضي الله عنهما – في الخروج فقلت : لولا أن يزري بي الناس وبك , لنشبت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب ) أهـ [ البداية والنهاية 8/178 ] ، وقول ابن عمر رضي الله عنهما له ولابن الزبير رضي الله عنهما : ( اتقيا الله ، ولا تفرقا بين جماعة المسلمين ) [ البداية والنهاية 8/158 ] ، وقال لـه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : ( اتق الله والزم بيتك ولا تخرج على إمامك ) أهـ [ البداية والنهاية 8/ 176 ] ، وقال أبو واقد الليثي رضي الله عنه : ( بلغني خروج الحسين بن علي رضي الله عنهما فأدركته بملل , فناشدته بالله ألاّ يخرج , فإنه يخرج في غير وجه خروج , إنما خرج يقتل نفسه , فقال : لا أرجع ) أهـ [ البداية والنهاية 8/ 176 ] ، و الوجه الثالث : أن الإجماع استقرّ بعد ذلك على منع الخروج على الحاكم ؛ إلا في حالة الكفر الصريح فقط ، قال النووي - بعد الكلام عن خروج الحسين وابن الزبير وخروج بعض التابعين - : (  قال القاضي : وقيل إن هذا الخلاف كان أولاً ؛ ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم : ج 11 ، ص 433 ، ح : ( 4748)  ] ، وقال ابن حجر في التهذيب عند ترجمة : الحسن بن صالح بن حي : ( وقولهم : ( وكان يرى السيف ) يعني أنه كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور , وهذا مذهبٌ للسلف قديم . لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه ؛ ففي وقعة الحرّة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظةٌ لمن تدبّر ) أهـ [التهذيب 1/399 ] ، والوجه الرابع : خروج الزبير والحسين رضي الله عنهما كان فتنة وابتلاء ، ولا يصح الاستدلال بالفتنة على توثيق حكم شرعي ، 

[ الشبهة السادسة ] : استدلالات عقلية تتمثل في ( قولهم ) : العجب ممن يحرمون خلع السلطة الجائرة ، فيكونون سببا لبقاء الظلم الذي كتب الله تعالى تعجيل عقوبته ، وتستفيد السلطة الظالمة المستبدة من توقيعاتهم على جورها ، ليبقى ويزداد كما وكيفا ، ويتخـذ أشكالا وألوانا ، ( وقولهم ) : ثم العجب منهم والله كل العجب ، أنهم يدندنون على دوران الشريعة على حفظ الضروريات الخمس ، حفظ الدين ، والعقل ، والعرض ، والمال ، والنفس ، ثم يٌقِرّون بقاء سلطة تنقض هذه الضروريات نقضا ، فيعطّلون أعظم مقاصد الشريعة العادلة التي ما أنزل الله تعالى إلا لبسط العدل على الناس ، وإزالة الظلم ، وحفظ الحياة من الفساد ، ( وقولهم ) : فأي تناقض تأتي به شريعة قـط ، أعظم من هذا التناقض ، أن لو كان إقرار السلطة الجائرة ، وتركها تنشر الظلم ،بلا نكير ، ولا تغيير ، من أصولها !! ( وقولهم ): وأيَّ معنى  لشريعة قط إن خلت من تحقيق العدل ، وإزالة الظلم ؟! وإنها لجناية على دين الإسلام أعظم جناية ، وتشويه يصدّ عن سبيله أيّ تشويه ، أن يقال في هذا الزمان الذي تثور فيه الشعوب مطالبة بحقوقها فتحصل عليها ، وتكف يد الظالمين عن الأموال ، والأعراض ، والدماء ، وعن العبث بمقدرات الأمة ، وأن يقال : إن شريعة الله تعالى تأمر المسلمين أن يكونوا عونا للظلم بسكوتهم عليه ، وإقرارهــم له ، قالوا : وكيف يحقّ لكم ـ أيها المحرمون خلع السلطات الجائرة بالقوة لــوم الشعوب أن تطلب الخَلاَصات السياسية ، في غير هذه الشريعة ، إن كنتم تقولون لهم إنّ فقهها السياسي قائم على إقرار الظلم ، بل تشريع أسباب بقاءه بتحريم تغييره ؟!! ، ( ثم قولهم ):  وإذا تبيّن أن القول بتحريم خلع السلطة الجائرة ، معارض لمقاصد الشريعة ، وهو ذريعة لصدّ الناس عن اتباعها فيما هو من أعظم حاجاتهم الحياتية ، علم بطلان هذا المذهب وفساده ، وتناقضه ، والحمد لله ، والرد على هذا الاستدلال العقلي من جانبين : الأول : شرعي يتمثل في أمر الشريعة الحكيمة بالصبر على جور الحكام المسلمين والنهي عن الخروج عليهم بالسلاح وغيره لغاية عظيمة هي حقن الدماء ومنع الفوضى واعانة الحكام على تولي مهامهم الجسام ، وحتى لا يكون الخروج عليهم عون للشيطان عليهم فيسفكون الدماء ، ويؤدي انكار المنكر عليهم إلى وقوع مناكر عظيمة ما أغنانا عنها لو التزمنا الشريعة الحكيمة ، والجانب الثاني : عقلي واقعي يتمثل في النظر على مر تاريخ الإسلام لم يؤد الخروج إلا إلى سفك الدماء واستحلال الحرمات والهرج والمرج والفشل الذريع في غالب الأحيان ، ومن استقرأ التاريخ بإنصاف علم ذلك يقيناً ، ثم إنّ من شروط الخروج القدرة ، وهل تتيسر القدرة اليوم في ظل اقتصار احتكار الأسلحة الثقيلة والفتاكة في أيدي الحكام وأنظمتهم ، وآنذاك فإنّ القول بجواز الخروج عليهم ما هو إلا تغرير بأهل الإسلام وأمة النبي صلى الله عليه وسلم ،

وبعد فهذا ما تيسر فيما يتعلق ببيان الهدي الإسلامي في علم السياسة الشرعية وقد أكرمني الله تعالى بزيادة تفصيل في كتاب التجديد في علم السياسة الشرعية ، وفي حلقات الإصلاح والتجديد في علم السياسة الشرعية لمن أراد الاستزادة ، والله من وراء القصد  وهو يهدي السبيل ، اللهم بصرنا بديننا يا رب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

البصيرة في الدين -  معرفة اطار أهل السنة والجماعة الناجية بغير إفراط ولا تفريط – للتمسك بإطار النجاة والبعد عن بدع الفرق الضالة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : معرفة اطار أهل السنة والجماعة الناجية بغير إفراط ولا تفريط  ،

صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، أخرج الإمام أحمد وأبو داود : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [  أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وأخرج الترمذي : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح2 ص 334 ] ، وأخرج أبو داود  : عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ، فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ، وقد صحح عموم روايات الافتراق جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي والألباني ،

ولا تكون النجاة في العقيدة إلا لأهل السنة والجماعة الناجية  ، ولا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة :

[ السبب الأول ] : أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، وجمعه أبو بكر رضي الله عنه ، ونسخه إلى الأمصار عثمان رضي الله عنه ،  وتواتر نقله من الصحابة إلى التابعين ، فمن بعدهم ، والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين ، هم أهل السنة والجماعة ،  وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين ، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب إلى قراء أهل السنة والجماعة الناجية ، 

[ السبب الثاني ] :  أهل السنة والجماعة هم  أهل الحديث وخاصته  ، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين ، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة  ومعرفة السنّة ، 

[ السبب الثالث ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين ، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة ، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع  والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين ، هم أهل السنة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع ،

[ السبب الرابع ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي ،  لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة ، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية ، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس : ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، وبها اكتملت علوم العقيدة ، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب ، وهي  : المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وبها اكتملت علوم الفقه ، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان ، فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ، وبهذا التخصص العلمي الرصين : صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، 

[ السبب الخامس ] : أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين : أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه ، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه ، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه ، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة  وآل البيت رضي الله عنهم  بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض ، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية التجديد سوى راية أهل السنّة والجماعة ، أهل التوسط والاعتدال ، 

[ السبب السادس ] : هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق  الصحيحة ، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود وصححه الألباني ] ،  لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة) ، ( فأهل السنة ) : لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، ( وأهل الجماعة ) : لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال ، 

[ السبب السابع ] : أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه ، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " ، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ شذ في النار )) ، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى ( أهل السنة والجماعة ) ، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية الإصلاح والتجديد سوى راية أهل السنة والجماعة ،

والإطار العلمي الدقيق للفرقة الناجية يمثله : في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة ، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم ، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار ، وعلامتهم أنهم : لا ينتسبون إلا إلى السنة والجماعة ، ولا يتلبسون ببدع الشيعة ولا المعتزلة ولا الخوارج ولا الحشوية ، ويوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا ، ويؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم ,  ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفضل الصحابة الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وضي الله عنهم ، رضي الله عنهم أجمعين ، ولا يتعرضون لما حدث بينهم ، ويقولون هم السادة الكبار ، أخطاؤهم مغمورة في بحار حسناتهم ، ويقولون كما أمرهم القرآن : {  رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ الحشر : 10 ] ،

احترام المدارس العلمية المتخصصة المعبرة عن علوم الدين على منهاج أهل الحق والعدل ، اهل الرسوخ في العلم ، أهل السنة والجماعة الناجية ، إنّ احترام التخصص العلمي والرد في علوم الشريعة إلى أهلها المتخصصين ،  ضرورة علمية  ، وطلب العلم بالدين لا يتأتى أبداً إلا باحترام التخصص العلمي ، واتباع أحسن ما أنتجه المتخصصون في علومهم ، وقد أمرنا الله تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه ، ومظانه عند أهل التخصص فيه ، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث ، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه ، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة ، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها ، وهكذا ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ،  إذن لابد لطالب العلم من معرفة مدارس العلم المتخصصة في كل فرع من فروعه ، قبل أن يهجم على العلم فيقع في البدعة أو الخلل بسبب عدم طلب العلم على اهله المتخصصين فيه ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ،   لقد تطرق القرآن الكريم إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد ، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات ، ثم ترك جمع القواعد والأصول لكافة علوم الدين للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا  ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ،  وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها ، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص ،  فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ، ( احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه ) : فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين : مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها ، وظهرت داخلها علوم القراءات ، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل ، وصار أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، لا يشاركهم في جمع القرآن وضبطه غيرهم من فرق الإسلام ، وجميع فرق المسلمين عالة عليهم في القرآن وعلومه ، وصار لهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، منها سبع قراءات مشهورة ، وجميعهم من أهل السنة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب القرآن ، ومنه نعلم لماذا لا يكون طلب علم القرآن إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة ، ( ثم احتاج الناس إلى الحديث ) ، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث : البخاري ، ومُسْلِم ، أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ،  والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج ، ويحيى بن سعيد القَطَّان ، وعبدالرحمن بن مهدي ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المَديني ، وأحمد بن حنبل ، وأبو زرعة الرازي ، وأبو حاتم الرازي ، وابن أبي حاتم ، فهؤلاء وأمثالهم ومن جاء بعدهم من تلامذتهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب السنّة وحفظ السنّة  ، ومنه نعلم لماذا لا يكون طلب العلم الحديث إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة : ، ( ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام ) فظهرت مدرسة الفقه ، وانتسب إليها طلاب العلم ، وعرفوا باسم الفقهاء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه ، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين (( مذاهب )) ولم تسمى (( فرق )) ، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية ؛ وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع : وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد ، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا ، والاختلاف فيها لا يدخل في الاختلاف المذموم ، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين ، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل الكتاب والسنّة ، مع العلم بأنّها ( المذاهب الفقهية ) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم ، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي ، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الفقه بالدين ، ومنه نعلم لماذا لا يكون طلب علم الفقه إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة ،  ( ثم استفحل أمر الفرق الضالة  ) والتي كان أهم أسباب ظهورها هو الجهل بالدين ، أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق ، وأصول الفرق الضالة هم ( الخوارج ) و ( الشيعة ) و ( المعتزلة ) و ( الحشوية ) و ( المرجئة ) ،   ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة ، لبيان عقائد الفرقة الناجية ، والرد على الفرق الضالة ، فظهرت مدارس العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة  : وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم : الإمام أحمد ابن حنبل ، والإمام أبو الحسن الأشعري ، والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين ، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة ، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والجهمية والمرجئة ، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم ، وامتزجت علومهم ، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام ، ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل التقديس والتنزيه ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، من هاجم مدرسة منها فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة وعلوم العقيدة ، ومنه نعلم لماذا لا تكون راية التجديد هي راية أهل السنة والجماعة الناجية ، ( ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) كمدارس متخصصة في العقيدة ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) كمدارس متخصصة في الفقه ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس : 9-10 ] ، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك")) [ أخرجه مسلم ] ، وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، والمهم المضمون في هذا الباب ، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن ، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق ، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التزكية والإحسان ، ومنه نعلم لماذا لا يكون طلب علم التزكية الصحيح إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة ، وعلى ذلك استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة : في العقيدة ثلاث مذاهب أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية ، والثانية : الأشعرية ، والثالثة : الماتريدية ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل هؤلاء ، وهم سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص ، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة ، خلاصة القول : طلب العلم الصحيح لا يكون إلا من خلال احترام التخصص العلمي عند أهل السنّة ،  إن الخطوة العملية الصحيحة الأولى نحو تصحيح المسار العلمي يتمثل في : احترام التخصص العلمي الذي يؤدى حتماً إلى تقارب الصفوف وتكاملها ، ومعرفة المدارس العلمية المتخصصة في أبواب العلم على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وتحديد المرجعية العلمية إليها دون غيرها ، ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف ، لقد كان من ثمرة التخصص في العقيدة ظهور ثلاث مدارس متخصصة في الأصول على منهاج أهل السنّة والجماعة لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، وكان من ثمرة التخصص في علم الفقه ظهور المذاهب الأربعة ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، والمهم المضمون في هذا الباب ، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما ، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ،  والإسلام يدعو إلى احترام التخصص العلمي ، قال تعالى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] ، أوضحت الآية أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة ، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة ، لذا جاء الأمر الرباني باحترام أفهام المتخصصين لأدلة الكتاب والسنة ، فقال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، أوضحت الآية الثانية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، وزاد القرآن الكريم الأمر تأكيدا ، وذلك بقوله تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة في كافة أبواب العلم ، والواجب على كل مسلم أن يطلب علم الدين من خلال مدارسه المتخصصة فيه على منهاج أهل السنة الجماعة ،

أهم رؤوس البدع الضالة التي خالفت اهل السنّة والجماعة الناجية :  تتمثل في بدع التشيع ، والخروج ، و الاعتزال ، والحشو ، ومن خلال تلك البدع ظهرت الفرق الضالة عن مذهب أهل السنّة والجماعة ، ومن كل فرقة منهم انشطر العديد من الفرق بعدد أفكار الضلال ، وتمايز عنهم أهل الفرقة الناجية باسم أهل السنة والجماعة ،

[  أبرز أصول البدع الضالة عند الشيعة ] :  تتمثل في : المغالاة في الإمامة وجعلها الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم  ، ومن لم يعتقد بأئمتهم كافر الكفر الأكبر ، ومن أصول الضلال عندهم : بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم وتكفيرهم وسبهم ولعنهم والبراءة منهم  وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الكرام البررة ، هم خير أصحاب الأنبياء وصفهم الله تعالى بالصدق والإخلاص ، حملوا دين الإسلام ونشروا رسالته إلى أرجاء الأرض ونصروا عقائده وشرائعه وأخلاقه ، وبسطوا سلطانه ورفعوا رايته ، عاشوا حياتهم كلها لله دعوة وحسبة وجهاداً ، يضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل مرضاته ، راجين رحمته وخائفين من عذابه ، امتدحهم الله تعالى في قرآنه الكريم ، ومن أصول الضلال عندهم : التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم ، حيث يقوم مذهبهم على تكفير الصحابة والبرآة منهم ، ولما كان للصحابة رضي الله عنهم الفضل الأعظم  بعد الله ورسوله  في تبليغ القرآن الكريم وفي جمعه وكتابته بين دفتي المصحف ، ولما كان القرآن الكريم تمتلئ آياته بالثناء عليهم والترضي عليهم ، كان الشيعة في مأزق عسير : إما أن يتوبوا إلى الله من ضلالاتهم ويجزموا بصحة القرآن وصيانته ويترضوا عمن ترضى عنهم القرآن وعمن حملوا لنا القرآن وحفظوه وجمعوه وبالتالي ينسفوا مذهبهم الباطل من أساسه ، وإما أن يكفروا الكفر البواح ويعلنوا أن القرآن الذي جمعه الصحابة وحفظوه وقد حرف وزيد فيه ونقص وحذفت منه آيات تنص على الولاية لعلي رضي الله عنه وحذفت منه آيات تفضح أولئك الذين قام المذهب على سبهم ولعنهم وتكفيرهم  ، ومن أصول الضلال عندهم : عدم اعترافهم بدواوين السنّة المشرفة  ، وقد دعاهم إلى إنكار السنة التي جمعها أئمة الحديث عند أهل السنّة والجماعة أسباب  أهمها : أنّهم يكفرون أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  ولذلك فهم يشككون ، بل وينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي  صلى الله عليه وسلم  إلينا ، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم ألغوا السنة النبوية بكاملها وألغوا كافة أثارها إذ لم يحمل إلينا السنة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم ، والسبب الثاني : أنّهم يضللون كل من يقدم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الإمام علي رضي الله عنه ، ولذلك فهم يضللون الحفاظ المحدثين الذين سجلوا حديث النبي  صلى الله عليه وسلم  وحفظوه لمن بعدهم وإلى قيام الساعة ، والشيعة ينكرون كل حديث صدر منهم ، ولذلك نجدهم يكذبون حديث النبي  صلى الله عليه وسلم الموجود في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول لاسيما ما وجد منها في الصحيحين البخاري ومسلم ثم ما تلاهما من كتب الحديث كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وما تلاها من المستدركات على الصحيحين والمسانيد والجوامع ، وهم ينكرون كل هذه الأحاديث ، ولذلك لم يبق لهم من علم الحديث شيء وصار واقعهم العملي الحقيقي هو إنكار سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبها ، ومن أصول الضلال عندهم : وقوع الشيعة الإمامية  في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق ، وأسباب ذلك : استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي  صلى الله عليه وسلم  الكرام البررة واستحلالهم السب والشتيمة على عامة المسلمين إلا من كان على نفس ضلالهم ، وهذا المعتقد عندهم سهل الشتيمة على ألسنتهم حتى صار اللعان والسباب صفة متأصلة تملأ صدورهم ، واستحلالهم دماء وأموال وأعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة السائرين على هدي النبي  صلى الله عليه وأصحابه الكرام البررة ، واستحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان ، واستحلالهم الزنا في صورة المتعة حتى أنهم من خلالها أعاروا الفروج وغرقوا في الفاحشة ، نسأل الله العافية ،

و الخوارج : وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (( يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم )) ، وأنّهم : ((  يقتلون أهل الاسلام و يدعون أهل الأوثان )) ، والتكفير واستحلال حرمات أهل القبلة عنصر متأصل في أفكار ومعتقدات جميع الخوارج ومن  [  أبرز ضلالات الخوارج ] :  تكفيرهم أصحاب الكبائر من أمة الإسلام ، ويقولون كل ذنب مغلط كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان ، ويغالون في حق أنفسهم : يقرون لأنفسهم بالإيمان ويشهدون لأنفسهم بالجنة ، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار  ، يعتبرون دارهم دار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم  حتى وإن كان على مذهبهم  كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم ، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ، ودار مخالفيهم دار شرك وطغيان ، والخوارج فرق عديدة تمكنت منها أهواؤها ويميز كل فرق منهم بإعجابه برأيه واتباع هواه ،

والمعتزلة :  المعتزلة فرقة منتشرة بأفكارها الضالة ومن [  أبرز ضلالات المعتزلة ] أصول خمسة للضلال: الأصل الأول عندهم : يسمونه التوحيد وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي ، وقد وصلوا من خلال هذا المبحث إلى نفي جميع صفات الله تعالى من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر ، ووصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثباتاً ،  والأصل الثاني عندهم : يسمون العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به ، وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى فوقعوا في وصفه سبحانه بالعجز  تعالى الله عن ضلال المعتزلة علواً كبيراً  والأصل الثالث عندهم : ويسمونه الوعد والوعيد : وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء ، ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي  صلى الله عليه وسلم  ، وتحكم غير صحيح في مشيئة الله تعالى الذي إن شاء عذّب وإن شاء عفى ، والأصل الرابع عندهم : ويسمونه المنـزلة بين المنـزلتين : وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة ، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين ، والأصل الخامس عندهم : ويسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر : وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين ، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين ،

[ أبرز ضلالات الحشوية ]  :  الحشوية : لقب أطلق على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والكون في المكان ، والفرق بينهم وبين المجسمة ، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم ، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى ، أمّا الحشوية ،  فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم ، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم ، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة ، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف ( زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء ) ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، والحشوية لهم مواصفات معينة ، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، يعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف ، والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد ، واعتبارها من علوم اليونان ، وهم لا يعلمون : لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان ، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة ، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه ، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، وذلك في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، وهم ينتسبون إلى السلف ، والسلف برآء منهم ، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية ، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة - وهم أهل السلف الحقيقيون - بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم ، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية ، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية ، وقد سماهم أهل العلم بالحشوية : ( أ ) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية ، وبكل ما يخالف صريح العقل ، وهم أبعد الناس عن العقل ، فالشيعة على بدعهم ، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء ، من  نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى ، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى ، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم ، ويجيزون علي الله تعالى الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، ( ب ) ولأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة ، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف ، ( ت ) ولأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات : لأنّهم أهل التناقض ، فهم يبدعون المؤولة ، ثم يتأولون  القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة ، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية ، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع ، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أ  سقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته ، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة ، وهذا المكان هو العرش على ظنهم ، وأنّه بذاته فوق عرشه ، فأتو بلفظ ( ذاته ) من عند أنفسهم ، وجعلوا الاستواء حسيا ، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس كمثل وجوده وجود ، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش ، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان ، والملك والملكوت ، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون ، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم ، ويقولون " لا يعقل " وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول ، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول ، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات ، ( ث ) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء ، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء ، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة ، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح ، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين ، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء ، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ،  والحشوية لديهم بدع أخرى سوى الحشو في باب التنزيه  ، ومن ذلك  : بدعة الغلو في مسائل التكفير ، وبدعة الغلو في مسائل الشرك ، وبدعة الغلو في مسائل التبديع ،  [الغلو في مسائل التكفير ] :  إذ التكفير عنصر متأصل في أفكار ومعتقدات الكثير من طوائف الحشوية  ، و[  الغلو في مسائل الشرك  ] ، والسبب في ذلك الغلو ، هو الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة وذلك بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في تحديد الضابط الشرعي الدقيق والصحيح لمسمى العبادة ، وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، في أعمال قد تسبب فيها الجهل أو البدعة ، أو مجرد الخلاف الفقهي المشروع ، وأدى ذلكم الغلو إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون تحل دماؤهم واعراضهم ، و [الغلو في مسائل التبديع ] :  لقد حدث الغلو في مسائل التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب الغلاة في التبديع في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، لقد حدث غلو شديد في مسائل التبديع ، وصار  الغلاة يبدعون حتى في المسائل الفقهية الاجتهادية التي قال بها الأئمة المجتهدين ، وصار الغلاة يبدعون حتى المدارس الأصولية التى ارتضاها أهل السنّة والجماعة مدارس معبرة عن آرائهم ، وهي الأثرية والأشعرية والماتريدية ، تلك المدارس المتخصصة التي حفظ الله تعالى بها عقائد أهل السنّة والجماعة بعيدا عن الاعتزال والحشو والتجسيم ،  وأحمد الله تعالى أن أكرمني بالرد عليهم وإظهار تلبيسهم وتدليسهم وباطلاهم ، وذلك في حلقات التجديد في علم التقديس ، وحلقات التجديد في علم التوحيد ، وحلقات التجديد في علم الاتباع ،  على أن هناك بدع ضالة أخرى ولكنها أقل انتشارا وأقل تاثيرا وأقل عددا ،

والمرجئة ، فرقة ضالة في الاعتقاد ، لهم مقالات تدل على إهمال قيمة عمل الجارحة بالكلية منها قول بعضهم ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة ) وقول بعضهم ( المعصية لا تضر صاحب التوحيد ) وقول بعضهم ( لا يدخل النار مؤمن ) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام ، وأهل السنة يقولون لا يخلد في النار مؤمن ، والفارق بينهما عظيم فالمرجئة يقولون بعدم دخوله النار ابتداءً وهذا إهمال عظيم لعمل الجوارح وإهدار عظيم للطاعات واستهتار واضح بالمعاصي والذنوب ، أما أهل السنة فيقولون بأنه في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار ، ويمكثون في النار ما شاء الله ، إلا أن أهل التوحيد لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين ،

والجهمية فرقة ضالة ، و[ أبرز ضلالات الجهمية ] :  يقوم ضلالها على : الأصل الأول : تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل ، والأصل الثاني : القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر ، والأصل الثالث : القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة ، والأصل الرابع : القول بفناء الجنة والنار ، والأصل الخامس : إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى وعذاب القبر ، وبعد فتلك أصول الفرق الضالة عن منهاج أهل السنة والجماعة ، تتمثل في بدع التشيع ، والخروج ، و الاعتزال ، والحشو ، والارجاء والتجهم ومن خلال تلك البدع ظهرت الفرق الضالة ، وتمايز عنهم أهل الفرقة الناجية باسم أهل السنة والجماعة ،

[ بيان الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة  ] : ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات ، ومن مسائل الشريعة الغراء التي تبين هدي علماء الجماعة الناجية في معاملة أهل البدعة

[ 1 ]  ( مسألة تكفير المبتدع ) : لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها : ( الشرط الأول ) : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، ( الشرط الثاني ) : أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه ، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين ، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة : أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه ، ( الشرط الثالث ) : قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء ،

[ 2 ]  ( مسالة قتل المبتدع ) : الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله ، وفي الحديث (( لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث : - الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة )) ،  وقد قال الله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً ) ، وقال العلماء في شرحه  : الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره , والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول

[ 3 ]  ( مسألة بغض المبتدع ) : يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة ، والمبتدع مسلم ، نحبه لإسلامه , ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة , نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان , ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار , ( مسألة معاداة أهل البدع ) : المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم ،  وندعو لهم بالهداية ، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان ، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين ،

[ 4 ]  (  مسألة البراءة من أهل البدع ) : تجب البراءة من البدعة نفسها , والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته ، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء ،

[ 5 ]  ( مسألة الصلاة على أهل البدع ) : الأصل أن المبتدع الذي بقي معه أصل الإسلام يصلى عليه , لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن ,

[ 6 ]  ( مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة ) : المبتدع يدعى له ويستغفر له , لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه , فيدعى ويستغفر له , بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة ,

[ 7 ]  (  مسألة السلام على أهل البدع  ) : الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه ، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه , وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا , لأنهم مسلمون ، وإذا  كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز ،

[ 8 ]  (  مسالة هجر المبتدع ) : يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر ، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر, لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته, وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية , فإن كان لا يحققها فلا يشرع ,

[ 9 ]  ( مسألة الصلاة خلف المبتدع ) : تصح الصلاة خلفه , وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون : القرآن مخلوق ,

[ 10 ]  ( مسألة حكم غيبة المبتدع ) : الأدلة من الكتاب والسنة حرمت غيبة المسلم كما قال تعالى { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره  )) فالأصل هو تحريم غيبة المسلم , ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته ، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته , والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها ،

[ 11 ]  ( مسالة مجالسة أهل البدع ) : جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة ،  وكلها محمولة على أتباع الفرق الضالة الداعين إليها ، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة ، ومحمولة على العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب اهل الحق ، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة ، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك بل هو من باب الجهاد بالكلمة لإظهار الحق ,  كان هذا ما تيسر في بيان الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، أمّا ما يفعله المغالون اليوم من استحلال دماء وحرمات أهل البدع من المسلمين فإنه من الغلو المقيت الذي يعود على صاحبه بالهلاك ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( هلك المتنطعون ، قالها ثلاثا )) [ أخرجه مسلم ]

وحتى لا ينفرط عقد الولاء للمسلمين وحتى لا يقع سيف الاستحلال فيما بين فرق المسلمين ، قام علماء اهل السنة بوضع قواعد من اجل  تقنين الخلاف بين المسلمين ومن تلك القواعد :

[ 1 ] : الإسلام دين الله تعالى على الأرض ، ولا يقبل الله تعالى من العباد بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة دينا سواه ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }   ، هذا الدين يُطالب به الناس كافة ، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،  وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله ، لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وبينت انهم كافرون حقا ، لا مراء في كفرهم لجحدهم نبوة النبي ورسالته ، وإذا تعلقت بأهل الكتاب فهي في حق غيرهم أولى ، قال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ،

[  2  ]  المسلمون هم المؤمنون بالله ورسوله ، وهم جميعا داخلون في الاصطفاء ، لقوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، وجميعهم مآلهم  إلى رضوان الله تعالى وجنته ، وإن لبث بعض العصاة منهم أحقابا في النار  ، لكونهم مسلمون ، ومن عداهم كافرون مخلدون في نار جهنم ، وأمة الإسلام خير الأمم وأكرمها على الله عز وجل ، قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [ آل عمران : 110 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ )) [ أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ )) [ أخرجه أحمد ] ،و ( المسلم ) : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : معتقدا لها ، مصدقا لها بلسانه ، ومنقادا لها بقلبه ، وهذا المسلم ، لا يخرج من الإسلام  بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[ 3 ] : المسلمون – كل المسلمين - أمة واحدة من دون الأمم ، هم – وحدهم - المؤمنون بالله ورسوله ، لذا يجب فيما بينهم الولاء العام على الإسلام ، والاجتماع على أركانه وأصوله ، والمحبة العامة على الإسلام ، كما يجب عليهم التآلف والتكامل فيما بينهم ، وأن يكون ولاؤهم فيما بينهم تجمعهم وحدة الإسلام والقرآن ، وأن يكونوا أمة واحدة من دون الناس جميعا ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، فالفتنة في الأرض والفساد الكبير هما آثار فرقة المسلمين وعدم وجود الولاء العام فيما بين جميع المسلمين ،

[  4  ] المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  ونواقض الشهادتين : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وتتمثل في : إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، أو الطعن في دين الله تعالى أو شيء منه ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ،

[  5 ] المسلم : لا يجوز تكفيره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا لازم القول ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، المسلم هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، والتكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[  6 ] المسلم : كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ،

[  7  ] : افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده ، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ،

[ 8 ] : أهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم : وأبرز رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة  : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، وبدعة الإرجاء ، وبدعة التجهم ، ومع ذلك : فأهل هذه البدع الضالة مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم ، ويجب أن يعم الولاء العام بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه ] ، وأهل الفرق الضالة لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام ، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ، وجميعهم داخلون في الاصطفاء والاجتباء وهم أهل الإسلام ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،

[  9  ] : خطورة تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ، والتسرع في التكفير صفة أهل الضلال ، وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها ، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع :  (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ،  ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد )) [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله علية وسلم : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقتل المسلم أهون من تكفيره ، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93 ] ،

[  10 ] لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ،

[  11  ] : لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين ، قال تعالى :  { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ،  وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الانفال : 73 ] ،  وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن ، فقال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 55-56 ] , وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، قال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس ،  وأنهم أمة واحدة من دون الأمم ،

[ 12 ] : وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين ، يجب أن يعم الإخاء والوفاق بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ، قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، والرحمة لا تكون إلا مع الوفاق ، لقوله تعالى : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } [ هود : 118 ، 119 ] ، كما قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 102 ، 103 ] ، و قال تعالى :  { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقال تعالى :  { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ] : فإصلاح ذات بين المسلمين من شروط الإيمان  ، وقال تعالي : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) [ متفق عليه ] ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))  [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة ) [ أخرجه أبو داوود والترمذي وقال حديث صحيح ] ، ففساد ذات بين المسلمين يحلق الدين لما يورثه من البغضاء والتحاسد والتباغض ، إذن لا بديل عن وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين ،

[  13  ] الذي تتفق عليه الامة أكبر بكثير مما تختلف عليه ، فينبغي الالتقاء على الأصول التي لا خلاف عليها من أركان الدين ومحكماته ،  دون ما تختلف فيه لتضييق فجوة الخلاف بينهم ، فالمسلمون جميعا يؤمنون بإلٰه واحد ، ويتبعون نبيّاً واحداً ، ويتمسكون بكتاب واحد ويحجون بيتاً واحداً ويستقبلون قبلة واحدة، وقد اتفقوا على أركان الإسلام جميعاً ، وقد اتفقوا على أركان العبادات من الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وقد اتفقوا على وجوب طاعة الله ورسوله ، وهذه هي أصول الدين ومحكماته   ، ومعنى ذلك أن أصول ما يتفق عليه المسلمون أكثر بكثير مما يختلفون فيه ، وبعد تلك الأصول تبقى جزئيات محل اجتهاد ، والاجتهاد ما كان قائما على شروطه ، فالمجتهد لا يحرم الأجر ، ما كان مؤهلا للاجتهاد صادقا في طلب الحق ، 

[ 14  ] قضايا ومسائل الخلاف لا تطرح على العوام لأنها تبلبل أفكارهم ولا يستوعبوا أبعادها ، وإنما تطرح على بساط البحث بين العلماء ، في مجالات التخصص العلمي ومؤسساته وجامعاته ، والمدقق في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان يدعو الناس إلى أصول الدين ومحكماته ، من الالتزام المجمل بدين الله تعالى ، ومن الإيمان بالله وإسلام الوجه لله ، والإحسان في دين الله ، وكان يكتفي من المسلم بالشهادتين والتزام ما تقتضيانه عقيدة وعملاً  ، ولم يكن يشغل الصحابة وهم أنصع الناس فطرة بأي من المسائل الخلافية التي تشغل عن العمل وتعطل عن الانطلاق لنصرة دين الله تعالى ،

[ 15 ] لابد من أجل تقنين الاختلاف ، أن يمتنع التكفير والتبديع والتضليل إلا وفق ضوابط دقيقة ، لا يقوم بها إلا العلماء ،  مع تفادى التجريح ، والالتزام بأدب الإسلام في معاملة المسلم ، وتبني مناهج معتدلة تدعو إلى الوحدة والوئام ، والولاء العام لكل المسلمين ،

[  16  ]  ينبغي طي صفحة الماضي في تاريخ الأمُة ،  بحيث لا تنبش الفتن التي نجمت في القرن الأول مهما تأتى ذلك ، فإن الماضي لا يدرك ، وقد مضى فلا معنى لاجترار أحداثه ، وهل يورث ذلك إلا تعميق الجراح وتنفير القلوب وإيغار الصدور ؟ وقد أرشدنا إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ البقرة : ١٣٤  ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ الحشر : 10 ] ، والحاضر والمستقبل للأمة يحمل تحديات تفوق الوصف ، فلا مجال ولا وقت لاجترار أحداث الماضي ، وإن دعت الضرورة لبحث ذلك الماضي فإنه يجب أن يكون في مجالس البحث العلمي المتخصصة ، بطريقة منصفة عادلة لا تخضع لما عند طائفة من المواريث الفكرية ، وإنما يحكم فيها القرآن لأنه محل إجماع الجميع ،

[  17  ] يجب أن لا تنزل الأدلة الظنية ( سواء أكانت ظنية الثبوت أو الدلالة ) ، مكان الأدلة القطعية ( قطعية الثبوت والدلالة معا ) فإن البون شاسع بين هذين النوعين من الأدلة، فمن خالف الدليل القطعي ثبوتا ودلالة هلك ، أما الظني فلا يهلك من خالفه إن كان في خلافه غير متبع لهواه، وإنما ترجح عنده دليل آخر تصوره أقوى منه ، وأهل العلم بالأصول قالوا : في العام بأنه:  ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن وذلك لكثرة ما يرد عليه من التخصيص ، وجميع الأحكام والقضايا التي لم تثبت بالنص القطعي ثبوتا ودلالة لا يصح أن تجعل مفصالا بين الحق والباطل ، بل يتسع فيها الإعذار ، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم ،  لأن مخالفة القطعي ثبوتا ودلالة فقط هو الموجب للكفر المخرج من الملة ، ولا يوجد مثل ذلك إلا في المعلوم من الدين بالضرورة ، وهذا يتفق عليه جميع المسلمين ،  ثم حتى لو حدث ذلك فهناك موجبات درء التكفير بشبهات الجهل والتأويل ، ومن تدبر الأمر وجد سعة لا سيما في القضايا الظنية وهي أكثر قضايا الخلاف في الأمة ، وهذا يعني ضرورة التسامح بين الأُمة فيما اختلفوا فيه من الأمور الفرعية التي ثبتت بالأدلة الظنية ، سواء من جهة الثبوت او الدلالة ، وبعد فتلك بعض قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين التي تمنع من وقوع سيف التكفير فيما بينهم ، فإذا أضفنا إليها ، قواعد الشريعة العامة التي تحفظ دم المسلم وعرضه وماله ، وضوابط للتكفير بين صفوف الأمة ، والهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، يمتنع الغلو في التكفير ، ويتقنن الخلاف في إطار الحوار ، بعيدا عن استحلال الدماء والأموال والأعراض ،  اللهم بصرنا بديننا يارب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

البصيرة في الدين -  فقه مسائل وأحكام السنة والبدعة بغير إفراط ولا تفريط  - للقضاء على فوضى التبديع بين المسلمين

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك بغير إفراط ولا تفريط  ،

إنّ الجهل بعلم الاتباع والابتداع ( علم السنة والبدعة ) ، وعدم فقه مسائله وأحكامه ، أدى ذلك إلى الغلو في التبديع ، وتبديع ما ليس بمبتدع ، وتبديع طوائف برمتها ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، بل وتبديع الأكابر من علماء المسلمين ، في مسائل أخطأ فيها أهل الغلو لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، ويرغب هؤلاء في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ،

[  1  ]  هناك نصوص عديدة في القرآن الكريم تشير إلى اكتمال الدين وتحذر من الإبتداع في الدين ، ولكن لابد من فقهها الفقه الصحيح منها :  قوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ سورة المائدة الآية 3 ] ، وفي الآية يمتن الله تعالى على عباده المسلمين بكمال الدين وتمام النعمة به ، ولكن الآية الكريمة { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } لا يُفهم منها أن نصوص الكتاب والسنة قد أحاطت بكل الجزئيات ، وإنما أحاطت بالأصول ، فهذا مما اتفق عليه فقهاء أهل السنة والجماعة أن نصوص الكتاب والسنة أحاطت بأصول المسائل وطرق الاستنباط بل وكثير من الجزئيات ولذلك اعتمدوا القياس كأصل رابع للإجتهاد بعد الكتاب والسنة والإجماع ، ، وعلى أهل العلم أن يستنبطوا من نصوص الكتاب والسنة ما يحقق مقاصدهما بما يتفق وروحَ هذين المصدرين الكتاب والسنة ، ومن الأدلة على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله فرض فرائض وفيه : (( وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان )) ، [ حسّنه النووي في " الأربعين النووية "] ،  إذن معنى الآية الصحيح أن الله تعالى أكمل لنا قواعد الدين وأصوله ومبادئه ، وترك لفقهاء الإمة المجتهدين أن يستنبطوا منها الحكم الشرعي الذي يلائم كل محدثة تجد على حياة المسلمين ،  وهذا يدل على صواب من استدل بالآية على تبديع وتضليل كل محدثة في الدين ليس لها أصل في دين الله ،  وخطـأ من استدل بالآية على تبديع كل محدثة في الدين ولو كانت مستمدة من أصول الدين وقواعده لأنه باتفاق علماء أهل السنة أن من شروط البدعة أن لا يكون لها أصل من كتاب الله لقوله صلى الله عليه وسلم : (( من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد ( ) [ متفق عليه ] ، معناه : من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فهو مردود عليه ، ومما يستفاد من الحديث الشريف معرفة شرطين للبدعة : الأول : أن ينسب إلى الدين ، والثاني : أن لا يكون له أصل من دين الله يشهد له الحديث ، فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا ) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( ما ليس منه ) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه ،  ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم ( فهو رد ) ،   إذن معنى الآية الصحيح أن الله تعالى أكمل لنا قواعد الدين وأصوله ومبادئه ، وترك لفقهاء الإمة المجتهدين  أن يستنبطوا منها الحكم الشرعي الذي يلائم كل محدثة تجد على حياة المسلمين ،    كما أن قوله تعالى : { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } (( الحديد : 27 ))  ، فهو دليل على وجود البدعة الحسنة ، فالآية تعبّـر عن الرهبانية بأنّها كانت من مبتدعات الرهبان ولم تكن مفروضة عليهم من قبل ، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم ابتغاء مرضاة الله ،وأن الله تعالى قد تقبل منهم هذه البدعة وألزمهم به ،  وإنما عاب على أولئك الذين جاءوا من بعدهم فلم يراعوها حق رعايتها ،

[  2  ]  فقه الأحاديث الواردة في ذم البدعة : قوله صلى الله عليه وسلم : (( أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدَثاتها ، وكل محدَثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة )) [ أخرجه مسلم ] ، هذا الحديث العظيم يستدل به البعض على ضلال كل محدثة في الدين وعلى أنه لا توجد بدعة في الدين تكون حسنة ، ووجه الدلالة فيه : أن لفظ ( كل )  في الحديث يفيد العموم فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ،  ولكن هل من الممكن أن تأتي ( كل ) على معنى الغالب والأكثر وليس جميع مفردات البدع والمحدثات ، وبالتالي يكون التحذير من بدع الضلالة التي تمثل غالب المحدثات والكثرة الكاثرة منها ، ولا يمنع ذلك من وجود محدثات لها أصل من الشرع وتدل على خير لا خلاف لأحد فيه ، فإنّ الذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك أن كلمة (( كل )) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، وقد تأتي (( كل ))  والمراد بها تعميم هو دون التعميم الشامل لكل ما يصدق عليه اللفظ ، ومن ذلك قوله تعالى : { بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ } ، أي تدمر كل شيء أرسلت بهلاكه ، لأنها لم تدمر هوداً عليه السلام ومن كان آمن به ، ولم تدمر مساكنهم ، ومن ذلك  قوله تعالى : { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } ، ( وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء ) أي من الأمور التي يحتاج إليها الملك في تدبير أمور المملكة ، ومن ذلك  قوله تعالى : { يأخذ كل سفينة عصبا } ، والمعنى كل سفينة سليمة عصبا بدليل أنه لم يأخذ سفينة الخضر ، ومن ذلك  قوله تعالى عن ملكة سبأ : { وأوتيت من كل شيء } ، ولم تؤت ملك السموات ولا الأرض ، وإنما المعنى وأوتيت من كل شيء يحتاج إليه اهل الملك ، وعلى هذا يمكن أن نفهم من قوله صلى الله عليه وسلم (( وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) هو الغالب أو العام المخصوص ، والمعنى أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً ، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة ،  فإن قال قائل : لم لا نحمل هذا اللفظ الوارد في الحديث الشريف على العموم ؟ ! فالجواب : أنه إذا حملناه على العموم الشامل بإطلاق فإن هذا يؤدي إلى مخالفة ما كان عليه الهدي النبوي كما سيأتي عند بيان فقه قوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ )) [ أخرجه مسلم ] ، وقال النووي في شرح الحديث : " وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلّ مُحْدَثَة بِدْعَة وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة ) , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُحْدَثَات الْبَاطِلَة وَالْبِدَع الْمَذْمُومَة " أهـ ، وما فعله النووي هو الفقه في دين الله حتى لا تتعارض النصوص ويضرب بعضها بعضا ، والقاعدة الأصولية تنص على أن الجمع بين الادلة مقدم على الترجيح بينها ، 

[  3  ]  من الأحاديث الدالة على إمكانية وجود البدعة الحسنة : ( 1 ) ما أخرجه مسلم في صحيحه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ )) قال النووي : في شرح الحديث : " وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم  كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) , وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة " أهـ ، وقال أيضا : " قوله صلى الله عليه وسلم : ( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة ) الحديث وفي الحديث الآخر ( من دعا إلى الهدى ومن دعا إلى الضلالة ) ،  هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة , وتحريم سن الأمور السيئة , وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه , أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه , سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه , أم كان مسبوقا إليه ,  ( 4 ) وأخرج البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب خرج ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر نعم البدعة هذه  ) [ صحيح البخاري مع الفتح 5 : 155 ] ، فهذا نص صحيح عن عمر ، بوجود بدعة محمودة شرعا ، تقابل البدعة المذمومة شرعا ، قال بن حجر في شرح الحديث : [ والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق , وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة , والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة ] أهـ. [ صحيح البخاري مع الفتح 5 : 155-156 ] ، ( 7 ) وأخرج البخاري في صحيحه : عن رِفاعة بن رافع قال : (( كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رفع رأسه من الركعة قال : " سمع الله لمن حمده" ، قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه ، فلما انصرف قال : " من المتكلم" قال : أنا ، قال : " رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" )) ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث : " واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور" اهـ [ فتح الباري : كتاب الصلاة (312 : 8) ] ،

[  4  ]  موقف فقهاء الأمة من تلك الأحاديث : ( الفريق الأول من الفقهاء ) : يرى بأنّ كل المحدثات الدينية بدعة وأنها جميعها ضلالات ، وأنه لا توجد بدعة حسنة ، ولكنّهم لفقههم في الدين جعلوا لكون المحدثة بدعة ضلالة ضابطان : ( الاول ) : أن يكون مجالها في الدين ، فالابتداع لا يكون إلا في الدين ، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع ، و ( الثاني ) : أن لا يكون لها أصل في الشرع ، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ، فإما ان تكون سنة أو مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة ، أو فعل خير يؤجر عليه ، وممن نُسب إليه هذا القول : إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله وعدد من المالكية والحنابلة والمحدثين منهم الطرطوشي والشاطبي ، وهؤلاء جعلوا لفظ البدعة يتعلق بالدين فقط ، ويحمل معنى الذم والضلال ، وفي المقابل وسعوا في معنى المصالح المرسلة ووضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشروطها الربانية الهادية التي  استنبطوها من فقه الكتاب والسنة ، الشرط الأول : أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى ، والشرط الثاني : أن تخالف الشرع ، والشرط الثالث : ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله  صلى الله عليه وسلم ، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة : ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين ، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع ، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست, أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف ، و ( الفريق الثاني من الفقهاء ، وهم جمهور الفقهاء  ) : يثبت وجود البدعة الحسنة ، ويجزم بأن الدين تام كامل بأصوله وقواعده ولكن هذه الأصول والقواعد أشارت إلى وجود المحدث النافع والبدعة الحسنة التي تعود على المسلمين بالخير والأجر ، واستدلوا لمذهبهم بالكثير من الأيات والأحاديث وأقوال الصحابة وأعمالهم ، وهؤلاء فهموا من أدلة الشرع ما يدل على تقسيم المحدث إلى حسن يوافق الكتاب والسنة وقبيح يخالف الكتاب والسنة ، وقالوا : أن الدليل الأول على تقسيم البدعة هو تقسيم الرسول صلى الله عليه وسلم لها بقوله ( من سن في الإسلام سنة حسنة .....ومن سن في الإسلام سنة سيئة ) ،  ويؤيده ما جاء عن فقيه قريش الإمام الشافعي الذي ملأ الأرض علما رحمه الله : حيث روى الحافظ البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل : قال الشافعي رحمه الله " البدعة بدعتان بدعة  خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه " أهـ ، ومن أكابر العلماء الذين نصروا هذا الرأي : الإمام الشافعي ، وبه قال عامة الشافعية والأحناف والمالكية وعدد من فقهاء الحنابلة ، وقد نقل بعض المالكية إجماع المالكية عليه ، ونص عليه الكثير من علماء الأمة والمحدثين ، منهم على سبيل المثال : الإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وسلطان العلماء الإمام العز بن عبدالسلام والإمام القرافي والفقيه الرباني الإمام النووي وأمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والإمام الزرقاني والأمام الكرماني وابن عابدين الشامي والإمام الحافظ ابن العربي المالكي والعلامة ابن الأثير الجزري والإمام شهاب الدين أبو شامة وغيرهم كثير وهؤلاء هم ورثة النبوة وأركان العلم عند أهل السنة والجماعة فمن بدع هؤلاء الفقهاء في فهمهم لتقسيم البدعة فليراجع عقله أو يراجع دينه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وهؤلاء العلماء الربانيون وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا يُطلق على المحدثة في الدين لفظ الحسنة إلا بشروط ربانية هادية استنبطوها من فقه الكتاب والسنة ، الشرط الاول : أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه ، والشرط الثاني : أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ،  فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة ، والشرط الثالث : أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، وسيأتي تباعا بيان أقوال الجميع وأدلتهم على ما قالوا وما استنبطوا به شروطهم الضابطة لباب الاتباع والابتداع ، والفريق الأول حق بضوابطه ، والفريق الثاني حق بضوابطه ، ولكن الخلل في المعاصرين من الأتباع ، وذلك في عدم تطبيق القيود والضوابط فينفرط عقد البدعة ويحدث التشدد أو يحدث التساهل ،

[  5  ]  الخلل التبديعي يكمن في أنصاف المتفيقهين ممن لم يشموا رائحة الفقه في هذا الباب ، ولم يفهموا ضوابط البدعة ، أو لم يفعلوا تلك الضوابط ، وإنما يكمن العلاج في أمرين : أولهما : تفعيل الضوابط الفقهية السديدة للبدعة عند الطرفين وحينها ينتظم الأمر للجميع بوحدة علمية عملية صحيحة في مجال البدعة ، والثاني : حمل ذم الفريق الأول للبدعة على أنها بدعة الضلالة ( على المعنى الشرعي ) التي يكون مجالها في الدين ، ولا يكون لها أصل معتبر في الشرع ، وحمل مدح الفريق الثاني للبدعة الحسنة ( على المعنى اللغوي ) أو اسمها الحقيقي السنّة الحسنة ( على معناها الشرعي ) وذلك للحديث (( من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها )) بشروطها الصحيحة المعتبرة ،وهي أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، وأن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، فإن تم لنا ذلك صار الخلاف لفظيا ، 

[ 6 ]  كل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع ، فإنّ المقصود به إنما هو بدع الاعتقاد التي تؤول بأصحابها إلى اعتقاد الضلالة ، والتي تشق صف الأمة ، ولا يُحمل أبدا على الخلافات الفقهية  ، وأصول تلك البدع الضالة التي تُخرج من إطار أهل السنّة والجماعة الناجية تتمثل في بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والحشوية والمرجئة والجهمية الجبرية ، وفيها جاءت أحاديث الافتراق ، ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ]  ، وكل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع المقصود به بدع الاعتقاد التي تشق صف الأمة ، ولا يُحمل على الخلافات الفقهية أبدا ،

[  7  ]  قاعدة  : (  لا تبديع ولا تفسيق ولا إنكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ، ولا يجوز التشنيع عليها ، ومن صنع شيئاً من ذلك فهو المبتدع ، نعم يجوز بيان ما يراه المجتهد أنه راجحا وله أن يبين أن قول معارضه مرجوح ، ولكن في ظل احترام رأي الآخرين ، بدون تبديع ولا تفسيق ،  كما لا يجوز له مهما بلغ علمه واجتهاده ، أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده ، وهذه القاعدة " قاعدة : ( لا إنكار ولا تبديع ولا تفسيق في مسائل الخلاف الفرعية ) " تعتبر من أهم القواعد الفقهية التي تصبغ المجتمع المسلم بالتراحم والألفة والتراضي ، وهي تتعلق بالأساس بالمذاهب السنية المتخصصة سواء في العقيدة أو في الفقه أو في التزكية ، لأنّها مدارس مؤصلة روجعت آراؤها على أيدي آلاف المجتهدين الأئمة العلماء فكانت في مأمن من البدعة والضلالة والخطأ الجسيم ، وتعددها رحمة بالأمة واستيعاب لجميع الاجتهادات الصحيحة التي تخضع لقواعد اللغة والشريعة ، كما أن الاختلاف في تلك المسائل الفرعية سعة ورحمة ، لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق ، وما دام المختلفون أئمة يقتدى بهم ، فلا بأس بالاقتداء بأحدهم ، وأولى المذاهب بذلك مدارس العقيدة الثلاث على منهاج أهل السنة والجماعة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) فهي متفقة في الأصول ، والخلاف بينها في فروع لا توجب تبديعا ولا تفسيقا ، وأولى المذاهب بذلك مدارس الفقه الأربعة ، وهي متفقة في الأصول ، والخلاف بينها في فروع لا توجب تبديعا ولا تفسيقا ، وهذا ما جعل الإمام النووي ، رحمه الله يقول : ( إنما ينكرون ما أجمع عليه ، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه ، لأنه على أحد المذهبين : كل مجتهد مصيب ، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم ، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه ) [ شرح النووي على مسلم،2/ 23 ] ،  (( ح )) لا مناص من الاختلاف في فروع العلم : لأسباب عديدة ، منها : التفاوت والتباين الذي فطر الله تعالى عليه البشر من حيث تفاوتهم في القدرة على الإدراك والاستيعاب ، بما فضل الله به  بعضهم على بعض من الفهم والعلم والحفظ وسَعة الاطلاع ، ومنها : الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته وذلك تبعاً للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم , ومنها :  الاختلاف في فهم النص:  بسبب كونه مشتركا بين معانٍ كثيرة ، أو مجملاً لم يبين معناه ، وإذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية ، فلا يوجد أي داع لتبديع المخالف ولا تفسيقه ، والخلافات الفرعية بين علماء المذاهب الأربعة هي من باب الاجتهاد وليست من باب البدع ، ولا يبدع بها إلا حشو ضال وقع في الغلو في باب السنة والبدعة بسبب جهله بضوابط أهل الحق في هذا الباب ، والمجتهد في هذه الأمور الفرعية مأجور في كل حال ، سواء أخطأ أو أصاب ما كان مالكا لأدوات الاجتهاد ، المصيب له فيها أجران والمجتهد المخطئ له اجر واحد ، وهذا الاختلاف يُحمل على الحديث : (( إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ )) [ متفق عليه ] ، والمذاهب الأربعة مذاهب مؤصلة جمعت علوم الفقه الإسلامي ، وهذه المذاهب معروفة ، وأقوال منضبطة مدونة محررة منتشرة ، تخرج من خلالها آلاف الفقهاء ، وقد صارت هذه المذاهب - بفضل الجهود الجماعية لعلمائها - بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في العلم ، أقوالها منضبطة مؤصلة ، مصححة مرت على مئات العلماء المجتهدين ، لقد كان وراء بناء تلك المذاهب ألف حسيب ورقيب ، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها ، ولهذا اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز الاحتساب ولا التبديع في مسائل الفقه المختلف عليها عند تلك المذاهب إذ لكل فقيه أدلته ،   أمور فقهية اجتهادية مجالها الفقه وليس باب السنة والبدعة ما كانت ضمن إطار الخلاف المعتبر ، والمجتهد في هذه الأمور الفرعية مأجور في كل حال ، سواء أخطأ أو أصاب ما كان مالكا لأدوات الاجتهاد ، المصيب له فيها أجران والمجتهد المخطئ له اجر واحد ، وهذا الاختلاف يُحمل على الحديث : (( إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ )) [ متفق عليه ] ،

[  8  ] لا يجوز التبديع بعمل ورد فيه حديث ضعيف  : إن الفقه السديد في مسألة العمل بالحديث الضعيف له دور عظيم في ضبط مفهوم السنة والبدعة   ، والحديث الضعيف : هو ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول أو من شروط الحديث المقبول ، وهذا يعني أن نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نسبة ضعيفة ، وليس معنى حكم العلماء على الحديث بالضعف أنَّ النبي لم يقله ، فهذا ما لا يستطيع أحدٌ أن يجزم به ،  نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى في كثيرٍ من كتبه كالروضة  والأذكار والإرشاد والتقريب ، اتفاق المحدثين والفقهاء على جواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعا ، (( ب  )) شروط الحديث الضعيف الذي أجاز الفقهاء والمحدثون العمل به : ( أحدها ) : أن يكون الضعف غير شديد ، فيخرج من انفرد من الكذابين ، والمتهمين بالكذب ، ومن فحش غلطه ، ( الثاني ) : أن يندرج تحت أصل معمول به ، ( الثالث ) : أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته ، بل يعتقد الاحتياط ، وقد اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة المتخصصة في الشريعة على العمل بالحديث الضعيف بشروطه ، وعلى أنه لا يُعمل بالحديث الضعيف في الأحكام والعقائد ، ولكن يُعمل به في فضائل لأعمال والترغيب والترهيب والتفسير والمغازي والسير بشروط اعتمدها الأئمة الثقات ،  ولا يجوز التبديع بعمل ورد فيه حديث ضعيف  : لعدة أسباب منها:   ( أ ) احتمال ثبوته بوجه من الوجوه ، ( ب ) أن العمل بالضعيف مستحب عند بعض الأئمة احتياطاً حتى لو اشتدّ ضعفه ، ( ت ) إثبات الأئمة هذه الأحاديث بأسانيدهم فما من كتاب إلا فيه ضعيف عدا الصحيحين والموطأ على خلاف في الموطأ  ، ( ث ) دخول الضعيف في مسائل الاجتهاد وليس في المحدثات ،

[  9  ] لا يجوز التبديع بالسنة التركية : إن الفقه السديد في مسألة الترك له دور عظيم في ضبط مفهوم السنة والبدعة  : ( أ ) فالسّنة عند أهل الأصول ، تعني ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل أو تقرير ، وعلى ذلك فهي ثلاثة أقسام : السنن القولية ، والسنن الفعلية ، والسنن التقريرية ،  وأما الترك المجرد من القرائن فهو عدم فعل ، والعدم ليس بشيء ، ولا يصلح دليلاً لجواز شيء أو حرمته ، وقد حذرنا الله تعالى من التشريع والتحريم بغير هدى من الله وبما لم يأذن به الله ، كما في قوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } [ النحل : 116 ] ، وقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 33 ] ، فكيف إذا كان تحريم المباح يعقبه الاتهام بالبدعة والضلالة لانّ كل بدعة ضلالة ، إن هذا لهو من أسوأ التقول على دين الله تعالى بما ليس فيه ، فالزعم بأن الترك المجرد سنّة فهذا ادخال في الدين ما ليس فيه ، ولم يقل به أحد من الأئمة المجتهدين المقتدى بهم في الدين ، وهو تقول على دين الله بغير علم ، وبما لم يأذن به الله ، وهو في حد ذاته بدعة بإدخال ما ليس من الدين إليه ،  ( ب )  الدليل على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي ، ما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم : (( دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم  )) [ متفق عليه ] ، دليل على أنّ الترك لا يدل على أمر أو نهي أو تشريع ، وإلا لما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم  بقوله : (( دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم )) ، ففرق بين الترك والنهي والأمر ، ففي الترك قال : (( دعوني ما تركتكم )) وفي النهي قال : (( فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه )) ، وفي الامر قال : (( وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم )) ، ( ت ) من الأدلة على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي ، ما أخرجه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه )) [ أخرجه مسلم ]  ( ذروني ما تركتكم )  دليل على أن الأصل عدم الوجوب ، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع ، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا  ) أهـ  ،  ( ج ) ترك النبي صلى الله عليه وسلم أفعالاً كثيرة تعد من المستحبات والطاعات عمداً لاعتبارات عديدة ، فقد كان يترك بعض العبادات والطاعات خشية أن تفرض على الناس فيعجزوا عنها ، مع أنها من الطاعات وعمل الخير ، وهذه الامور تركها الرسول ، ولكنها في شرع الله تعالى من الطاعات والقربات ، ( ح ) ترك النبي صلى الله عليه وسلم  بعض العبادات والطاعات التي ثبتت فضيلتها حتى لا يشق على المسلمين ، رفقاً بهم ، ومن ذلك تركه للخروج في جميع السرايا للجهاد في سبيل الله ، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة : قوله صلى الله عليه وسلم : ((  والذي نفس محمد بيده : لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً ، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ، ولا يجدون سعة ، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني ، والذي نفس محمد بيده : لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ، ثم أغزو فأقتل ، ثم أغزو فأقتل )) [ أخرجه مسلم ]  ،  ( خ ) ترك النبي صلى الله عليه وسلم  بعض العبادات والطاعات التي ثبت أنها أفضل الطاعات  لشيء في علم الله تعالى ولعله حتى لا يشق على المسلمين رفقاً بهم أن يقتدوا به ، ومن ذلك صيام يوم وافطار يوم ، وقد نص حديثه صلى الله عليه وسلم  على أن أفضل الصيام صيام داود ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. ومع ذلك تركه النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عنه قط أنه كان يصوم هكذا ، مع أنّه أفضل الصيام بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ،  ( د ) ترك النبي صلى الله عليه وسلم الخلوة التي كان يواظب على فعلها قبل البعثة ، مع أنّه أجازها للمسلم عند فساد الزمان ، فهل تركه لها يدل على بطلانها وأنها لا تجوز ، أم أنّ الترك في هذه الحالة لا يدل إلا على أن الفعل المتروك لم يعد مستحباً ، فيعود جائزاً مباحاً ، إلا أن يأتي دليل على الكراهية أو التحريم ،  ( ز ) قد يترك النبي بعض العمل لاعتبارات كثيرة أخرى منها ما نعلم سببه ، ومنها ما لا نعلم سببه ، والترك في جميع الأحوال عدم فعل ، والعدم لا يصلح دليلاً على شيء في الشرع مطلقاً ، إلا أن يصاحبه نهي أو أمر من الشارع بشيء ،  ( س ) لقد تسبب اعتماد مبدأ ( السنة التركية ) كدليل على التبديع إلى غلو شنيع في مسائل التبديع ، أخرجها عن إطار التوسط والاعتدال إلى مجال الغلو والتنطع ، ( ط ) خلاصة الأمر أنّ مسألة ترك النبي صلى الله عليه وسلم ، هو على الإباحة الأصلية المطلقة ، حتى يأتي دليل من دين الله تعالى بترجيح الترك أو الفعل ، ولا يجوز أبداً استعمال هذا الأمر ( السنّة التركية ) للتبديع والتفسيق ورمي الناس بالبدعة والضلالة ،

[  10  ] لا يجوز التبديع بكل ما جاز فيه وجه من وجوه الاجتهاد إما بالفهم لما نص عليه أو بالاستنباط ، فكل دليل ظني في ثبوته أو دلالته أو ما لم يرد فيه دليل جاز الاجتهاد فيه إلا ما ورد التحريم من الخوض فيه أو التعرض إليه، ولك أن تعجب ممن يرى اجتهاده حقاً واجتهاد غيره جهلاً وضلالاً ،

[  11  ] لا يجوز التبديع بشيء ما ثبت عن أحد الصحابة أو بعضهم فعله أو قوله  : لأن الصحابة كلهم ثقات عدول لا يجوز إطلاق البدعة على أفعالهم لاقترابهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهم من الفهم ما لا تدركه مفاهيمنا، وثبت عندهم ما لم يصلنا، نعم قد يخالفه صحابة آخرون ولكن ما دام الصحابي متمسكاً برأيه ولم يرجع عنه فليس لأحد أن يعتبر فعله خارجاً عن السنة ما لم يرد فيه دليل على تخطئة صاحب هذا الفعل كحديث الفئة الباغية وحديث إسرائيل قد يكون فعل الصحابي مرجوحاً ولكن وسمه بالبدعة أو من يفعل فعله جريمة وشناعة، اشتهر بها الرافضة والخوارج ،

[  12  ] لا يجوز التبديع بعمل يكون منتسباً إلى أصل من الكتاب أو السنة أو متفرعاً عنهما أو نابعاً منهما أو منطلقاً من مقاصدهما : من هذا المنطق رأينا الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ينطلقون دون حرج في ذلك وهو يقرّهم على ذلك كالصحابي الذي حمد الله بعد الرفع من الركوع بثناء جاء به من عنده منطلقاً من أصل الحمد في هذا الموضع من الصلاة فامتدح الرسول فعله وأخبره بأن الملائكة نزلت لترفعها، وكما فعل بلال رضي الله عنه يوم كان يصلي لكل وضوء ركعتين فسمع الرسول خشخشة نعليه في الجنة وأمثلة لا تحصى في هذا الباب،

[  13  ]  لابد من التفريق بين البدعة الإضافية و البدعة الحقيقية ،  [ البدعة الحقيقية ]  : هي البدعة التي أُحدثت بأصلها ووصفها ، لذا فهي تُعارض السنّة من كل وجه ، وينطبق عليها تعريف بدعة الضلالة من كل وجه كما تنطبق عليها ضوابط البدعة التي لا تكون إلا بدعة ضلالة ، ألا وهي : الأول : أن يكون مجالها في الدين ، والثاني : أن لا يكون لها أصل في الشرع ، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ، ومثال تلك البدعة غالب البدع العقائدية كبدع التشيع والخروج والاعتزال والتجسيم والتشبيه والقدر والتجهم والجبر ، فإنّها بدع من جميع وجوهها ، خارجة عن الشرع من كل وجه ، وهي بدع ضلالة تستحق الوعيد بالنار ،  [ أما البدعة الإضافية ] : فهي البدعة التي لها أصل في الدين ترجع إليه ولكنها تزيد على الأصل بتخصيص وصف معين ، وذلك كتخصيصها بوقت محدد أو هيئة محددة ، وعلى ذلك فهي بدعة في وصفها لا أصلها ، لأنها مستندة إلى دليل ، وشتان ما بين البدعة الحقيقية التي لا اصل لها في الدين بل تُعارضه وتضاد سننه ، وما بين البدعة الإضافية التي لها أصل في الدين ، وخلاصة الفقه فيها : أنّ ما كان أقرب إلى التشريع منه إلى التنظيم والترتيب والتزام الأوراد ، فهذا لا يجوز ولا يصح فعله ، ومثال ذلك : الأذان للعيدين ، وأمّا ما كان اقرب إلى التنظيم والترتيب والتزام الأوراد ، فهذا لا يكون بدعة ضلالة بحال ومثاله التزام أذكار مخصوصة بصفة منتظمة على سبيل الاجتهاد في العبادة كمن يجعل له ورداً بختم جزء قرآن مثلاً بعد صلاة الفجر ، أو يجعل له ورد تسبيح ألف تسبيحة  بعد صلاة العصر مثلاً ، فهذا لا حرج منه البتة ، لأنّه ليس من باب التشريع وإنّما من باب تنظيم العبادة والاجتهاد فيها ، هذا حتى لو كان له أتباع يقلدونه فيما يفعل ويلتزمون به ، فإنّه لما جاز له جاز لغيره ، ومنه أيضاً الاجتماع للذكر أو للعلم في وقت معين يتفق عليه الجميع ، ويُلحق به الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم عقب الآذان ، فإنّه في أصله سنّة ولكن اختلفت الهيئة من السر إلى الجهر ، فإن كان فاصل يفصل بين الآذان والصلاة على الرسول فلا بأس ولا حرج لأنّها تذكر الناسي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الآذان ،

[ 14 ] من القواعد التي تضبط باب السنة والبدعة وتمنع من الغلو فيه : التحذير من التوسع في باب سد الذرائع ، فإنه لا يجوز تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة ، لأنّ الله تعالى يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [ الصف : 3 ] ، فالقول إن شيئاً مما أحله الله لا يجوز ، مثل القول : إن شيئاً مما حرمه الله يجوز ، وهذا من القول على الله بغير علم ، وقد قال الله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } [ النحل : 116 ] ،  والأصل في الأشياء الإباحة : لقول الله تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا } [ سورة البقرة : 29 ] ، وقوله تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ } [ سورة الجاثية : 13 ] ، وكل قضية سكت عنها الدين قضية مباحة : فلا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح صريح ، وكل قضية سكت عنها الدين مباحة ، ما لم يرد في تحريمها نص شرعي ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته )) [ أخرجه الحاكم (3419) ، وصححه ووافقه الذهبي  ] ، وتحريم القول بأن هذا حلال وهذا حرام من دون دليل قطعي ، وذلك لقوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } [ النحل : 116 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون)) [ أخرجه مسلم ] ، إذ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر ، والمتنطعون هم الذين يسارعون أن يقولوا كلمة " حرام " على ما أحله الله ، وقد قال الفقهاء : أجرؤكم على الفتية أجرؤكم على النار ،

[ 15 ] من القواعد التي تضبط باب السنة والبدعة وتمنع من الغلو فيه : التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية ، الأمر العادي : هو ما يجرى بين الناس من تصرفات لتحقيق المصلحة فيها مما لا يقصد به التـــقرب إلى الله تعالى ولكنها تحقق المقاصد التي يراعيها الشرع ، وهو بخلاف الأمر  التعبدي القائم على أســاس الانقيـــاد والخضوع لدين الله تعالى والسير وفق ما أمر به شرع الله , وقد وضع بذاته للتقرب إلى الله تعالى, كالذكر, والصلاة ، والابتـــداع المنهى عنه هو مـــا يدخل في الأمور التعبدية , وأما الأمور غير التعبدية, أي العادية , المحدثة لتحقيق منفعة لا ينهى عنها الشرع فــلا حرج منها , فما دام الأمر العادي لا ينهى عنه الشرع ، ولا يضر بالمصلحة , ولا يخرج على مقاصد الشرع ، ولا يُعد تشبهاً منهيا عنه بالكفار

[  16  ] الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة : ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها : ( الشرط الأول ) : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، ( الشرط الثاني ) : أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه ، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين ، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة : أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه ، ( الشرط الثالث ) : قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء ،  إلى ها هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية هذا المقال عن فقه مسائل وأحكام السنة والبدعة بغير إفراط ولا تفريط ، اللهم بصرنا بديننا يارب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

البصيرة في الدين -  فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك بغير إفراط ولا تفريط – للقضاء على فوضى الغلو في اتهام المسلمين بالشرك

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك بغير إفراط ولا تفريط  ،

لقد انحرف أهل الغلو في باب التوحيد بسبب اتباع المتشابهات من آيات التوحيد والشرك ، فأتوا بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين ، وما دروا حقيقة الإسلام ، ولا ما هو إطاره الواسع الذي يدخل فيه كل مسلم ، اصطفاه الله تعالى للإسلام ، وما هي حقوق المسلم على المسلم ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول  : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول  : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، والاعتقاد القلبي له ركنان ، ( قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة ، وعمل القلب ، وهو الانقياد القلبي لها ،  هذا المسلم : لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، أما أهل الغلو في باب التوحيد والشرك : فأتوا بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين ، وما دروا حقيقة حقيقة الشرك ، ولا حقائق التوحيد ، لقد أكرم الله تعالى مذاهب أهل السنة والجماعة الناجية المتخصصة في العقيدة بفقه مسائل وأحكام علم التوحيد ، وذلك بفهم المعنى الشامل المراد من توحيد الألوهية ، وأنه يشمل الدين كله ، إذ توحيد الإلهية هو المرادف لشهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله ) ، وما ذاك إلا لأنّ قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، ف ( لا إله إلا الله )  يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ، لقد أكرم الله تعالى  أهل السنة بجمع تلك المباحث وصياغتها بحيث تستوعب جميع الاقسام دون أن تهمل أي قسم منها ، ودون أن يكون هناك خلل بسبب إهمال أحد تلك الأقسام ، ووضعوا لكل قسم ضوابطه التي تمنع من الغلو فيه ، وبهذا يخرج دارس علم التوحيد على علم راسخ للتوحيد يحيط بكافة جوانبه العظيمة ، بلا غلو ولا تقصير ، وبلا إفراط ولا تفريط ،

[  1  ]  إن استيعاب علم التوحيد وفقه مسائله وأحكامه على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة من أهم العلوم التي يؤدي غيابها إلى وجود خلل الفكري والعقدي عند بعض فرق المسلمين ، وهو علم بالغ الأهمية للقضاء على فوضى الغلو في اتهام الامة بالشرك الأكبر ومن ثم استحلال حرمات ومحارم أهل الإسلام ، إنّ فقه مسائل وأحكام التوحيد على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة يحتم علينا استيعاب  عدة معان تستوفيها شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) : أولها : توحيد الله تعالى في جناب ذاته ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وثانيها : توحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى ، وثالثها : توحيد الله تعالى في صفاته ، ورابعها : توحيد الله تعالى في أفعاله ،  وخامسها : توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه ، فلا رب للعالمين سواه ، وسادسها : توحيد الله تعالى في عبوديته ، فلا معبود بحق إلا إياه ، وسابعها : البراءة من الشرك في الإلهية بأقسامها الستة : توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، وذلك بالبراءة من الشرك فيما يتعلق بجناب الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، فهذه المعاني جميعها يدخل في توحيد الإلهية ، الذي يشهد به كل مسلم عند قوله : (( أشهد أن لا إله  إلا الله )) ، لقد تسبب الذهول ( أولا ) عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد عند بعض أهل الغلو ، إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة باهم جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين الموحدين المنزهين المقدسين ، والذهول عن هذا القسم ( قسم توحيد الذات ) أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وأدى إلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس عند بعض طوائف أهل السنة والجماعة ، بل واعتقاد التجسيم وإن لم يشعروا بذلك ، إنّ دراسة علم التقديس هي عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف  :  وذلك لأنّ دراسة هذا العلم يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق جناب ذات الله سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 103 ] ، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء ، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث ، فكذلك فإن هذا العلم يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس ، لغلبة الحس عليهم ، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجودها لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله : ( هذا خلق الله ، فمن خلق الله ) ، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه ، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ، 

أيضا فإن الذهول عن فقه توحيد العبودية خطير  ، لأنّ الفقيه ينبغي أن يفرق بين أصل العبادة الذي هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ، وبين صور العبادة التي تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر عند الفقهاء ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ، إنّ التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له ، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة ، فمن صرفها لله وحده فهو موحد ، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً ، والعبادة ( أي عبادة ) ، لها أصل وصورة ، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه ، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل ، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين ، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود ، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله ، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله ، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها ، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ،  لقد أخطأ أهل الغلو في باب التوحيد والشرك في تفسير العبادة ، ففسروها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع ، وذهلوا عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله  ، أو لمن يعتقده رباً له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله ، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم ، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم ، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له ، أو اعتقاد ألهيتهم من دون الله ، وقد كانوا يسمونها آلهة ويعبدونها ويظنون فيها النصر والعزة ، قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)  } [ يس : 74 ] ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  } [ مريم : 81 ]  ، وقال تعالى حكاية عن اعتقادهم { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ، إنّ من أعظم الخلل في باب التوحيد والشرك المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين : المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله ، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء ، والمسلم يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله ، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله ، ويقول : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا ، لقوله تعالى : { قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً }[الزمر : 44]  وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله ، وإنما لمن ارتضى ، لقوله تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  } [ الأنبياء : 28 ] ، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة - على اعتقادهم الباطل - مع الله ،  ويدل عليه قوله تعالى : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } [ الأنعام : 94 ] ، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى : { فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} [ فاطر : 10 ] ، والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى : { وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً  } [ مريم  : 81 ] ، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين ، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) معتقدين لها ، والمشرك لا يؤمن بالرسول ، ويقول - كما حكاه عنه القرآن الكريم - : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } [ ص : 4 إلى 8 ] ،  ولذلك لا يصح مقارنة أفعال المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً قد تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال ، كالطواف حول القبور ، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه ، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية  والربوبية  أو شيء من صورهما ، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر ، واستحلال دمائهم وأموالهم ، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر ، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي ، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله ، وهذا لا يكون من مسلم أبدا ،  كان هذا ما تيسر ، وفي الحلقة المقبلة أتناول الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد الربوبية ، و الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد العبودية ، إلى ذلك الملتقى ، أستودعكم الله ، وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

[  2  ]  أسس وركائز تمنع من الغلو في توحيد الربوبية : المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية : مفردات الربوبية كثيرة تشمل الخلق والرزق والتدبير والتصريف والرعاية والهداية والحفظ والسيادة والقهر والحكم والأمر ، وتوحيد الربوبية لا يطلق إلا على من اعتقدها خالصة لله ليس له فيها شريك ولا معين ، وقد كان المشركون على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق ، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور ، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الألوهية والربوبية في اعتقادهم ، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله ، كما أنه لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد العبودية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى الشرك الواقع في الربوبية عند الأمم السابقة في العديد من الآيات منها قوله تعالى { وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ } [ آل عمران : 64 ]  ، وقوله تعالى : { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا } [ آل عمران :80  ] ، وقوله تعالى : { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ )[ التوبة : 31 ،]  ، وقوله تعالى : { أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ يوسف : 39  ] ، والأدلة على كون المشركين في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية كثيرة ( منها ) : اعتقادهم بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا يعني ربوبيتها وهذا شرك في توحيد الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله  ،   في مثل قوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم : 81 ]  ، وقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، وقوله تعالى : { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ } [ هود : 101 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ } [ الأنبياء : 43  ]  ، وقد كانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى : { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ } [ هود : 54] ، وقوله تعالى : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر : 36 ] ، وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة معاداة الأوثان ، وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ، و ( منها ) : اعتقاد المشركين بوجود الشريك الذي له  تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [ الإسراء : 111 ] ،  وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة ، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير ، و ( منها ) : اعتقاد المشركين بوجود الند لله : ، والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير ، والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله ، قال تعالى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ } [ ابراهيم : 30] ، وقال تعالى : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ فصلت : 9]، وقوله تعالى : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 22 ]، وقال تعالى : { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [ الشورى : 9]، و ( منها ) : أنهم كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية والربوبية : قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار : { قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ *  تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء: 96 إلى 98 ] فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه ، ونستفيد مما سبق أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً ، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك ،

[  3  ]  ما هو معنى العبودية وما هو المقصود من توحيد العبودية : العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية واستحقاق العبودية ، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية ، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق ، أو المعبودات الباطلة من دون الله ، إن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة ، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى { وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } [الاِسراء :24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة ، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم ، الهيئة واحدة هي هيئة السجود ( وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع ) ، الفعل واحد هو السجود ، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم ، إذ قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } لم يكن سجود عبادة لآدم وإنما سجود تكريم لم أكرمه الله تعالى بالعلم ، فشتان ما بين السجود للتكريم ، والسجود بنية العبادة ، كذلك : الفرق بين سجود نبي الله يعقوب وبنيه لله وسجودهم ليوسف عليه السلام ، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف في قوله تعالى : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَ‍قًّا  } ، وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة  فشتان ما بين السجود للتكريم ، والسجود بنية العبادة ، ومن سجد بنية العبادة ، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده إلها وربا ومعبودا ، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة ، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة : فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله ، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة ،

[  4  ]  خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة ( اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود ) : العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ولها ( للعبادة ) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ،

[  5  ]  خلاصة الأمر في تعريف العبادة : التعريف الصحيح للعبادة ينبغي أن يشتمل على الضابط الذي يمنع من اتهام المسلم بالشرك الاكبر وهو لم يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر ،  ويكون التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الألوهية والربوبية واستحقاق العبودية في حقّ المخضوع له ، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة ، فمن صرفها لله وحده فهو موحد ، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً ، والعبادة ( أي عبادة ) ، لها أصل وصورة ، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه ، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل ، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين ، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود ، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله ، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله ، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها ، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد

[  6  ]  أسس وركائز مهمة تمنع من الغلو في توحيد العبودية( أ ) الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة : فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر  ، ( ب ) الفقه في مفهوم مفردات العبادة التي من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر: العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر ، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان  : الركن الأول : الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة ، والركن الثاني : العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد ، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر ، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ،  ( ت ) الفقه في مفهوم ( السجود ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له - كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة ، ( ث ) الفقه في مفهوم ( الدعاء ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء ، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر ، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه ، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل ، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله ، ( ج ) الفقه في مفهوم ( الذبح ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في السجود يقال مثله في الذبح ، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة ، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر ، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام ، وكذلك كل من ذبح بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له ، فهذا كله لا يدخل في باب الشرك الاكبر ، ، ( ح ) الفقه في مفهوم ( النذر ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في السجود يقال مثله في النذر ، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها ، فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر ، وإن كان النذر خاليا من ذلك الاعتقاد فليس بعبادة ، ( خ ) الفقه في مفهوم ( الشفاعة ) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة ، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة ، فهذا من الشرك الأكبر ، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده ، فهذه عقيدة أهل الإسلام ، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ، السجود يقال مثله في الذبح ، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة ، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة لللازمة على الله تعالى ، فهذا الشرك الاكبر ،  ( د ) الفقه في مفهوم ( الاستعانة ) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة  ، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية او بعضها ، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية ، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده ، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك ، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة ، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل ، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى ، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج ، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء ، ويجعل من يشاء عقيما ، وهكذا ، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله ، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] ، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده ، والقصد على وجه الاستقلال ، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو ، وكما علمنا القرآن الكريم  توحيد الاستعانة بالله تعالى ، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة ، كما في قوله تعالى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } [ البقرة : 45 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [ البقرة : 153 ] ، وضابط الاستعانة ، أنّ من اعتقد أنّ أحداً  له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة ، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له ، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير ، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله ، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده ،  ولكنّه ـ مع ذلك  أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره ،  والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله ،  وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده ، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله ، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية ( لأنهما متلازمان ) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله ، وإن خلت من النية والاعتقاد ، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر ، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب ، ( ذ ) التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة : إنّ التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية ، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح ، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين ، وقد شاب تعريف ( العبادة ) قصور عند بعض العلماء ، ولهذا لابد من تصحيح هذا التعريف لما يترتب عليه من آثار تتعلق بالتوحيد والشرك ، ومعرفة متى يكون المرء موحداً ، ومتى يكون مشركا ،

[ 7 ] التعريف الصحيح الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الألوهية : إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية ، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله ، أو شفاعة ملزمة على الله ، أو استحقاق أن يعبد من دون الله ، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى ، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه ، 

[ 8 ]  ضابط الشرك الأكبر المحبط للعمل  :  الشرك قسمان : أكبر يتعلق بالقلب والاعتقاد ، وأصغر يتعلق بالعمل والجوارح ، وهذا من أعظم الفقه في دين الله تعالى ومن الموازين الربانية لضبط مسائل وأحكام الشرك ، وإلا دخلت الأمة في فوضى التشريك والتكفير واستحلال دماء وأموال وحرمات أهل القبلة ، واتهام أهل الجهل والبدعة بالشرك الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله ،  وشرك العبادة الأكبر شرك اعتقاد : ويتناول اعتقاد إلوهية أو ربيوبية أو استحقاق عبودية غير الله ، وعلى ذلك فمناط الشرك الأكبر هو الاعتقاد القلبي ، وإن الاضطراب الحاصل في تحديد حقيقة الشرك الأكبر أوقع الكثير من المنتسبين للعلم في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ لأنها خالية من اعتقاد شريك مع الله في ألوهيته أو ربوبيته أو استحقاقه للعبودية ، ومن أعظم قواعد أهل السنة والجماعة في ضبط مسائل الشرك : قولهم أنّ : الشرك الأكبر اعتقادي والشرك الأصغر عملي : فلا يكون العمل الشركي دالا على الشرك الأكبر إلا باعتقاد ألوهية غير الله أو ربوبيته أو استحقاق غيره للعبادة ، وهذا الضابط هو العاصم من التكفير واتهام المسلم بالشرك الاكبر المخرج من الملة ، بمعنى أنه كل من يقول أنا لا أعبد إلا الله وما أقوم به ليس عبادة لغير الله ، لا يمكن أن يقال له : لا بل أنت مشرك ، أنت تعبد غير الله لأننا نحن نعرف معنى العبادة وأنت لم تعرفها ، هو مسلم بمجرد اعتقاده بأن العبادة لا تكون إلا لله ولم يقصد غير الله بالأعمال العبادية ، وكل مقر بلسانه بكلمة التوحيد مسلم ليس لنا أن تتهمه بالشرك ما دام يأبى الشرك بالله ، والاتهام بالشرك أخطر أنواع التكفير والمقر بلسانه بكلمة التوحيد( لا إله إلا الله ) مسلم ، ليس لنا أن تتهمه بغير ذلك ، ما كان مقرا بأن الله هو الخالق المدبر المعبود وحده لا شريك ولا يمكن أن نحكم بكفره إلا إذا أنكر ما هو ضروري من الدين مع انتفاء الشبهة في حقه ، وقد ردع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتهام اي مسلم بالشرك او الكفر . ففي صحيح مسلم : (( إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما )) [ صحيح مسلم ج1 ص 79 ] ،

[  9  ]  أخطاء في باب الشرك  : ومن ذلك خطأ المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين : المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله ، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء ، والموحد يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله ، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله ، ويقول : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ، والمسلم يعتقد أنّ : { ُ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، والمشرك ينسب إليه الولد والوالد والصاحبة والبنات ، والمسلم يوحد الله تعالى  في أسمائه وصفاته وأفعاله ، ولا يرى له مثيلاً ولا نظيراً في الأسماء والصفات والاَفعال فهو المتفرِّد في أسمائه وصفاته وأفعاله ، والمشرك يلحد في أسمائه ويشتق منها أسماء لآلهته ، كالعزى من العزيز ، ويلحد في صفاته وأفعاله ، وينسب إلى آلهته صفات القدرة والنفع والضر والإعزاز والإذلال ، ويسوي الاَصنامَ بربّ العالمين كما في قوله تعالى - وهم يتعاتبون في النار - : {تَاللّه ِإِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين } [ الشعراء  : 97 ، 98 ] ، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا ، لقوله تعالى : { قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً }[الزمر : 44]  وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله ، وإنما لمن ارتضى ، لقوله تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  } [ الأنبياء : 28 ] ، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة - على اعتقادهم الباطل - مع الله ،  ويدل عليه قوله تعالى : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } [ الأنعام : 94 ] ، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى : { فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً}  (فاطر : 10) والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى : { وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً  } [ مريم  : 81 ] ، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين ، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) معتقدين لها ، والمشرك لا يؤمن بالرسول ، ويقول - كما حكاه عنه القرآن الكريم - : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } [ ص : 4 إلى 8 ] ،  ولذلك لا يصح مقارنة أفعال جهلاء المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال ، كالطواف حول القبور والتبرك بالصخور ، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه ، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية  والربوبية أو شيء من صورهما ، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر ، واستحلال دمائهم وأموالهم ، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر ، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي ، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله ، وهذا لا يكون من مسلم أبدا ، 

[  10  ]  ومن الأخطاء في باب الشرك  :  خطأ من اعتقد أن الشفاعة الإسلامية لها علاقة بالشرك : الشفاعة معتقد صحيح في دين الله ولا علاقة لشفاعة المسلمين بالشرك : هناك فرق أصيل بين عقيدة المسلمين في الشفاعة وعقيدة المشركين في الشفاعة ، فالمسلم يعتقد أنّ الشفاعة تكون للصالحين فيما يأذن به الله ويرضاه سبحانه ، كما في قوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا  } [ طه : 109 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } [ الأنبياء : 28 ] ، وقوله تعالى { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ }  [ يونس : 3  ] ، واعتقاد الشفاعة بهذه الضوابط لا يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر ، بل هو على النقيض من ذلك توحيد وطاعة ووسيلة إلى رضا الله تعالى ، أما المشركون فيعتقدون شفاعة آلهتهم ومعبوداتهم إلزاما على الله تعالى بموجب شراكتهم لله تعالى في ملكه وربوبيته وألوهيته ، فهذه شفاعة شرك وكفران ، ودليل ذلك قوله تعالى : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } [ الأنعام : 94 ] ، فالمشركون - كما تدل الآية - : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ  } يزعمون أن شفاعة معبوداتهم واجبة بما لها من شراكة مع الله ، تعالى الله عما يشركون ،  مما سبق يعلم خطا من جعل ضابط الشرك الأكبر في الآية هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء ،

[  11  ]  ومن الأخطاء في باب الشرك  : خطأ المقارنة بين التوسل وبين الشرك بالله : ( أ ) التوسل هو التقرب إلى الله ، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ المائدة : 35 ] ، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته ، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل ، قال تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } [ الإسراء : 57 ] ، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته ، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل ، وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } [ النساء : 64 ] ، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي ، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية ، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فقط ، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة ، قال المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم ، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة ) : إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وسلم في قبره لحال أمته ، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته ، ومن فرق بين حياته وموته صلى الله عليه وسلم فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريمة ، ( ب ) الخطأ في فهم المقصود من التوسل : ظن البعض أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل ، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك ، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد ، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله ، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا ،  وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل ، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا ، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل في المسالة ، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل ، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل ، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه ، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه ، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل ، والمسألة فقهية بابها الفقه وليس العقيدة والتوحيد والشرك ، والمعنى المقصود من ( التوسل ) إذا قاله المسلم ، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام ، اللهم بصرنا بديننا يارب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

 

البصيرة في الدين -  فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر بغير إفراط ولا تفريط – للقضاء على فوضى التكفير بين المسلمين 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر بغير إفراط ولا تفريط   ،

لقد انحرفت الفرق الضالة في باب الإيمان بسبب اتباع المتشابهات من آيات الإيمان ، فغالت المعتزلة والخوارج حتى سلبوا المؤمن إيمانه عند ارتكاب الكبيرة ، واستدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة ، وقصرت المرجئة والجهمية حتى جعلوا صاحب الكبيرة إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل عليهما السلام ، واستدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة ، وهدى الله تعالى أهل السنة والجماعة إلى القول العدل الوسط ، فلم يغالوا ولم يقصروا ، وردوا المتشابه إلى امهاته من المحكم ، وفرقوا بين ثلاثة أنواع من الإيمان ، النوع الأول ( أصل لا يصح الإيمان إلا به ) ، ونقصانه يعني زوال الإيمان بالكلية والوقوع في الكفر الأكبر ، وهذا الإيمان لا يمنع من دخول النار لأنّ صاحبه مقصر في واجبات الإيمان ، ولكنه يمنع من الخلود الأبدي في النار ،  وعناصر هذا الأصل ثلاثة لا رابع لها وهي قول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) و إقرار اللسان ، والنوع الثاني من الإيمان ( واجب لا يتم الإيمان إلا به ) ، ونقصانه يعني نقصان الإيمان ولكنه لا يزول بالكلية , وعناصره - إضافة إلى عناصر النوع السابق - أداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات ، والنوع الثالث من الإيمان : الإيمان الكامل المستحب ) الذي يتم به الكمال , وهذا النوع من الإيمان يؤهل لصاحبة لنيل الدرجات العلى من الجنة ، والمقصر فيه ينزل منه إلى الإيمان الأقل وهو الإيمان الواجب ، وعناصر هذا القسم – إضافة إلى عناصر النوعين السابقين -  أداء السنن والمندوبات والكف عن المكروهات ، لقد أكرم الله تعالى علماء اهل السنة والجماعة بالتحديد الدقيق لعناصر كل قسم من أقسام الإيمان الثلاثة الخاصة به ، فلا تداخل بين عناصر الأصل وبين عناصر الواجب وبين عناصر المستحب ، كل وفق ما جاء في الكتاب والسنة ، دونما إفراط أو تفريط ، فمن لم يحقق عناصر أصل الإيمان فهو كافر الكفر الأكبر المستحق للخلود الأبدي في النار ، ومن حقق عناصر الأصل واقتصر عليها فهو مؤمن ولكن إيمانه ناقص يستحق بسبب نقص إيمانه دخول النار إلا أنه لا يخلد فيها خلود الكافرين ، ويخرج من النار إلى الجنة بشفاعة الرحمن ، وهم أصحاب القبضة ، الذين جاء الحديث أنهم دخلوا الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، ومن زاد على عناصر الإيمان الأصل ولكنه لم يبلغ الإيمان الواجب فهو ظالم لنفسه ، لعدم بلوغه الإيمان الواجب ، إلا أنه تحت المشيئة إن شاء الله تعالى أدخله النار وإن شاء عفى عنه ، ولكنه إن دخل النار فلا يخلد فيها ، ولكن يخرج منها متى شاء الله تعالى بشفاعة الشافعين من الأنبياء والعلماء والشهداء والصالحين ، وإن حقق عناصر الإيمان الواجب فإنه في مأمن من دخول النار ، ويدخل الجنة ابتداء ، بفضل ما حقق من عناصر الإيمان الواجب ، فإن اجتهد وزاد ودخل في عناصر الإيمان المستحب وما أكثرها ترقى في درجات الجنة وفق ما أتى من أعمال الإيمان المستحب ، وهكذا فإن دراسة الإيمان على تلك الطريقة من الدقة والوضوح ، يتم من خلالها ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً ، دونما أدنى خلل سواء بالإفراط أو التفريط ، 

إنّ أهم قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة في ضبط باب الإيمان والكفر ، هي تلك القاعدة التي تتعلق بمعرفة أصل الإيمان وعناصره التي من أتى بها فلا يجوز تكفيره الكفر الأكبر الموجب لاستحلال دمه وماله ، وهي في حقيقة أمرها حصيلة فقه المحققين الأئمة من علماء أهل السنّة لضبط باب الإيمان والكفر وفقه مسائلهما وأحكامهما ، ألا وهي :  الإيمان قول وعمل ,  والإيمان أصل وفرع والأصل قول وعمل والفرع قول وعمل , وعمل الأصل يختلف عن عمل الفرع ، فإن عمل الأصل هو عمل القلب من الانقياد والاذعان والتعظيم ، وعمل الفرع هو كافة أعمال الجوارح التي تدخل في مسمى الإيمان ، وعناصر أصل الإيمان في الشرع ثلاثة ( قول القلب وعمل القلب وإقرار اللسان ) وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان , 

( أولاً ) : مسألة التفريق بين مطلق الإيمان ( أصل الإيمان ) الذي لا يصح الإيمان  إلا به وبه يأخذ المسلم اسم الإيمان وحكمه ، وبين الإيمان المطلق الذي يستحق المسلم به الثناء ،

( الإيمان المطلق ) هو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً من غير عذاب ، و ( مطلق الإيمان أو أصل الإيمان ) وهو أدنى ما يصح به الإيمان وينجي فقط من الخلود الأبدي في النار  ، إذ هو لا يمنع من دخول النار  ، ولكن يمنع من الخلود في النار خلود الكافرين ، ( فإننا ) كثيراً ما نجد القرآن الكريم ينفي عن مسلم ما -  يشهد الشهادتين -  صفة الإيمان ، وذلك كقوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الحجرات : 14 ] ، فهل نفي الإيمان هنا معناه نفي أصل الإيمان ( مطلق الإيمان ) وبالتالي وصف المنفي عنه الإيمان بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، أم معناه نفي الإيمان الواجب الذي معناه نزول العبد من مرتبة الإيمان إلى الإسلام وليس إلى الكفر الأكبر ، الآية دلت على نفي الإيمان ودلت على اثبات مسمى الإسلام ، وفقه الآية يوجب التفريق بين إيمانين ، الأول الإيمان المطلق ، وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً ، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها ، والمنفي عنه هذا الإيمان ( المطلق ) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ،  والثاني هو  ( مطلق الإيمان ) : وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار ، 

وكذلك كثيراً ما نجد القرآن الكريم  يفصل بين الإيمان والعمل وذلك بعطف العمل على الإيمان مع أن العمل من الإيمان ، وقد تكرر كثيرا في القرآن الكريم قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، وإذا كان الإيمان يشمل العمل فإن التفريق في الآيات بين الإيمان والعمل يوجب التفريق بين إيمانين ، أصل وفرع ، أصل لا يصح الإيمان بغيره ، وفرع يضاف إليه فيزيده ، وقد فهم فقهاء أهل السنّة والجماعة من هذا الفصل أن المقصود بالإيمان الأصل المقتضي للعمل ،

وكذلك كثيراً ما نجد نفي الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان عن أشخاص مسلمين ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )) [ أخرجه مسلم ] ، فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق ، ولا يسلب مطلق الإيمان ، ولذلك كان من فقه أحكام ومسائل الإيمان على مذهب أهل السنّة والجماعة تقسيم الإيمان إلى ( إيمان مطلق ) و( مطلق الإيمان ) والتفريق بينهما : ( الإيمان المطلق ) : وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً ، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها ، والمنفي عنه هذا الإيمان ( المطلق ) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ،  والمصطلح الثاني ( مطلق الإيمان ) : وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، وليس بعده إلا الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار،  وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً ( أصل الإيمان ) أو ( الحد الأدنى من الإيمان ) ،

وأجمع علماء أهل السنّة والجماعة على أنّ العاصي والفاسق من أهل القبلة لا ينفي عنه مطلق الإيمان بعصيانه وفسوقه ولا يوصف بالإيمان المطلق ، ولكن هو مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم ،

الإيمان المطلق يدخل صاحبه في مثل قوله تعالى ( والله ولي المؤمنين ) و قوله ( قد أفلح المؤمنون ) وقـوله ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) وقوله ( أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )  فالإيمان المطلق يستحق أهله به الثواب بلا عقاب ، ومطلق الإيمان يدخــل صاحبه في قوله تعالى ( فتحرير رقبة مؤمنة ) وفي قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) وفي قوله ( لا يقتل مؤمن بكافر ) وأمثال ذلك مما يثبت مجرد الإيمان وإن استحق أهله الوعيد بالعقاب ، (  خ  ) قد ينف الإيمان المطلق عن قوم مسلمين لهم مطلق الإيمان كما في قوله تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } إلى قوله تعالى { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } فالأعراب مسلمون جفاة نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاءً لا نفاقاً وكفراً أمرهم الله تعالى بحسن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ووعدهم خيرا إن أطاعوا الله والرسول :{ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم } ، ومثاله من السنة نفى النبي صلى الله عليه وسلم " الإيمان المطلق " عن الزاني وشارب الخمر والسارق وإن لم ينف عنه " مطلق الإيمان " في قوله ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق ، ولا يسلب مطلق الإيمان ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( من غشنا فليس منا ومن حمل السلاح علينا فليس منا ) فهذا كله نفي للإيمان المطلق وليس نفيا لمطلق الإيمان ، وصاحب ( مطلق الإيمان )  يصح أن يقال : هو  مؤمن باعتبار ما أتى به من أصل الإيمان ، ويصح أن يقال ليس مؤمناً باعتبار تفريطه في الإيمان الواجب ،  ومن أبرز فوائد التفريق بين الإيمانين الإيمان المطلق و مطلق الإيمان : أنّه إذا نفى الشرع الإيمان عن أحد فهل المقصود به كفره الكفر الأكبر المخرج من الإسلام أم المقصود به الكفر دون كفر والفسوق والعصيان ، فتجري عليه أحكام المسلمين ، ومعرفة هذا من الفقه الراسخ في دين الله تعالى ،

( ثانياً ) : من فقه أحكام ومسائل الإيمان معرفة أقسام الإيمان الثلاثة  :  ( الأصل ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه ، و ( الواجب ) الذي أوجبه الله تعالى على عباده ، و ( المستحب ) الذي به كمال الإيمان :  القسم الأول : وهو أصل الإيمان ومطلق الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار ،  والقسم الثاني  : وهو الإيمان الواجب المأمور به ، وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها ، وهذا الإيمان يسميه العلماء " الإيمان الواجب " وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها ، والقسم الثالث : وهو الإيمان المستحب ويكون بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه ، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل ، والإيمان المطلق الواجب هو الذي يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهي صاحبه لدخول الجنة ابتداء ، أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين ، وحدود الإيمان المطلق الواجب : أداء الفرائض والكف عن المحرمات والوقوف عند حدود الله دون تعد لها ، ودرجات الإيمان المطلق المستحب عديدة : تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات والتنزه عن الشبهات والمكروهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح ، وضد الإيمان الأصل : الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ومن أتى بأصل الإيمان وصح له هذا الأصل فهو في مأمن من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وضد الإيمان الواجب الكفر ولكن في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرب المتروك منه أو بعده عن الإيمان الأصل ، فالأقرب للإيمان الأصل كالصلاة فإن تركها كفر ولكن دون كفر ، وما كان بعيدا عن الأصل فإن ضده العصيان ، فإن تكرر كان ضده الفسوق ، وأياً كان المتروك من الإيمان الواجب ،  فلا يبلغ منه شيء أن يخرج من الملة بكفر أكبر حتى يأتي على أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد على وجه الإجمال حين الإجمال ، والتفصيل حين التفصيل ،

( ثالثا ) فقه الإيمان على هدي الكتاب والسنة جعل علماء أهل السنة والجماعة  يقسمون العمل إلى قسمين عمل القلب وهو القبول والانقياد القلبي والاذعان ، وعمل الجوارح من صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر العبادات والطاعات ، وأدخلوا القسم الأول ( عمل القلب ) في أصل الإيمان ، وأدخلوا القسم الثاني ( عمل الجوارح ) فيما زاد عن الأصل من الإيمان الواجب  والمستحب ،  وهذا الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يتميزون عن كافة الفرق الضالة في مسائل واحكام الإيمان سواء بالتفريط أو الافراط ، فهم تميزوا عن المرجئة المفرطة في مسائل الإيمان فأدخلوا العمل ( عمل القلب ) في أصل الإيمان ، لأنّ المرجئة لا يدخلون أي عمل في الإيمان الأصل ، وتميزوا عن الخوارج والمعتزلة الغالية في مسائل وأحكام الإيمان بإدخال عمل الجارحة في الأصل وبالتالى غالوا في تكفير المسلمين بغير حق ،

( رابعا ) : إذن عناصر أصل الإيمان ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان ، (2)  قول القلب ( التصديق )  ، (3) عمل القلب ( الإنقياد ) ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان , وبعضها يدخل في الإيمان الواجب وهو أداء الفرائض والكف عن المحرمات ، وبعضها يدخل ضمن عناصر الإيمان المستحب وهو أداء النوافل والكف عن المكروهات ، وبالرجوع إلى كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم سنجد الكتاب والسنة يؤكدان ذلك ويؤيدانه تمام التأكيد ،

من الأدلة من كتاب الله عز وجل على صحة هذه القاعدة : أنّ الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل : منها قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 7 ] ، فهذه الآيات التي فيها عطف العمل على الإيمان , والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما ، وكثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة ،  فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح ، فالإيمان هاهنا المقصود به الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه ، والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء ، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب : كقوله تعالى : {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } ، وكقوله تعالى : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } ، وقوله تعالى : {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [ الحجرات : 14 ] ،  وقوله تعالى : {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } [ المجادلة : 22 ] ، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( التقوى هاهنا )) ، ويشير إلى صدره ثلاثاً ، وكقوله صلى الله عليه وسلم ، (( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )) [ أخرجه البخاري ] وكقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله عز وجل : (( أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان )) [ أخرجه البخاري ] ، فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تدلنا على أن أهم الإيمان وأصله هو ما وقر في القلب وأن هذا الأصل هو الفاروق بين الخلود الأبدي في النار وعدم الخلود فيها ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الأدلة من الكتاب والسنة على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب :  ومن ذلك قوله تعالى : {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ }وقوله تعالى :{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } وقوله تعالى :{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى :{ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ .. إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ }فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : أنّ الإيمان جاء في كتاب الله عز وجل مقروناً بالعمل الصالح وجاء أيضاً مقروناً بضده : ومثاله قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا }[ الحجرات : 9 ] فعبر القرآن الكريم عن المقتتلين بلفظ الإيمان مع أن الحديث الصحيح مفاده ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) فعلينا عند الجمع بين الآية والحديث أن المقتتلين من المسلمين لهم مسمى الإيمان بما أتوا به من الأصل وأن كفرهم في إطار الملة وليس خارجها ، ومثاله أيضاً قوله تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ..}[ البقرة : 178 ] فجاء التعبير القرآني بإثبات أخوة القاتل لولي الدم ولا شك أنه قد أتى بضد العمل الصالح الذي هو من قبيل الإيمان الواجب وهذا بخلاف من انتفى عنه التصديق ـ مثلاً ـ فأولئك قال عنهم الله عز وجل :{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } [ البقرة : 8 - 9 ]  وحكم عليهم القرآن الكريم بالنفاق وجعل الدرك الأسفل من النار مأواهم يوم القيامة ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الأدلة من السنة على صحة هذه القاعدة  :  1) ما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة )) [ مسلم : ح 44 ] .والحديث يدل على أن الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما سبب لدخول الجنة وإن دخل النار بذنوبه فإنه لا يخلد فيهما خلود الجاحدين لأن مآله إلى الجنة ، 2) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار )) [ مسلم : ح 47 ]فمن أقر بالشهادتين واعتقدهما حرم الله عز وجل عليه الخلود الأبدي في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ هو مذهب أهل السنة والجماعة لا يعرفون غيره فيقولون بأن أصحاب الكبائر في المشيئة ، وقد دلت الأخبار الصحيحة على أن بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط ، 3) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة (([ صحيح مسلم : ح 52 ] . ففي الحديث دلالة على أن كل من شهد الشهادتين معتقداً لهما ومات على ذلك فإن مآله إلى الجنة ، 4) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار ، قال ( أي معاذ ) يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال : " إذا يتكلوا " فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً))[ صحيح مسلم : ح 53 ]  ،  5) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(( ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت –    أي راوي الحديث وهو أبو ذر – رضي الله عنه – وإن زنى وإن سرق قال : ( وإن زنى وإن سرق ) ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبي ذر ) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبي ذر)) " [ صحيح مسلم : ح 154 ] ، وبعد فهذه بعض الأحاديث التي تدل على صحة ما ذكرناه من كون أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار الإقرار بالشهادة مع اعتقادها ، واعتقادها يشمل قول القلب أي تصديقه وعمل القلب بالانقياد لها إذ لا تصح الشهادة إلا بذاك ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : [ أحاديث الشفاعة ] : فإنها تبين الحد الأدنى من الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه ، لأنها تتحدث عن آخر أهل الجنة دخولاً للجنة ، والجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة ، وما دام هؤلاء قد دخلوا الجنة فقد حازوا مسمى الإيمان ، ولما كان هؤلاء آخر أهل الجنة دخولاً للجنة كان عندهم أدنى الإيمان الذي يأخذ به اسم الإيمان وحكمه وكان عندهم أصل الإيمان الذي أتاح له دخول الجنة ، لذلك ذهب الفقهاء إلى جمع هذه الأحاديث من كتب الصحاح والسنن وتتبعها والتوفيق بينها لبيان الحد الواضح لأدنى الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار ، وقد بينت هذه الأحاديث أن للشفاعة مراحل عدة : المرحلة الأولى :شفاعات المؤمنين وهذه  للمصلين يعرفونهم بأثر السجود فالنار لا تأكل  منهم أثر السجود ، والمرحلة الثانية : شفاعات الملائكة لمن بقي من المصلين لا يعرفهم المؤمنون فيخرجونهم أيضاً ويعرفونهم بأثر السجود ، والمرحلة الثالثة : شفاعات النبيين وهي ولا شك لمن كان حالهم أدنى وأسوأ من سابقيهم ممن أخرجهم المؤمنون والملائكة ، والمرحلة الرابعة : شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثلاث تنال آخرها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجهم من النار ، والمرحلة الأخيرة : وفيها يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل الشفاعة الرابعة له وهي في حق من اقتصر على قول لا إله إلا الله معتقداً لها مجردة عن الأعمال ، فيقـول الله عـز وجـل كما جاء في الحديث : (( لـيس ذاك إليـك وعزتي وكبريـائي وعظمـتي وجبريائي لأخرجـن مـن قال لا إله إلا الله ))  ، [ متفق عليه واللفظ لمسلم ] ، وما أخرجه البخاري– رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه وفيه : " يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار : بقيت شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا ، فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن ، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه )) [ صحيـح البخاري ك التوحيد باب / 24 ح 7439 ] ، وما أخرجه مسلم–  رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أيضاً وفيه : " فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومـاً لم يعملوا خـيراً قـط ,, يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه " [ صحيـح مسلم كتاب الإيمان باب 81 ح 302 ] ، فالشفاعة الرابعة تدل على خروج الأعمال عن حد إيمان أصحاب القبضة ويؤكد ذلك حديث مسلم رحمه الله : (( فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط ))[ مسلم : ح 302 ] ، فالحديث صريح الدلالة على أن إيمان أصحاب القبضة كان مجرداً عن الأعمال لقوله صلى الله عليه وسلم(( لم يعملوا خيراً قط )) وفيه نفي مؤكد بلفظ ( قط ) بمعنى لم يعملوا خيراً أبداً ، ويؤيد ذلك ويؤكده مجموع الأدلة المأخوذة من الأحاديث السابقة لهذا الحديث ، فكلها قد تضافرت على إثبات إيمان مجرد من الأعمال لأصحاب القبضة الذين هم أقل الخلق إيماناً وآخر أهل الجنة دخولاً ، وما أقوله من الاستدلال بهذه الأحاديث على هذا النحو ليس بدعاً من القول بل هو ما قاله العلماء منذ تعرضهم لشرح أحاديث الشفاعة والاستدلال بها ،  إذن حصيلة فقه المحققين الأئمة من علماء أهل السنّة لضبط باب الإيمان والكفر وفقه مسائلهما وأحكامهما ، ألا وهي :  الإيمان قول وعمل ,  والإيمان أصل وفرع والأصل قول وعمل والفرع قول وعمل , وعمل الأصل يختلف عن عمل الفرع ، فإن عمل الأصل هو عمل القلب من الانقياد والاذعان والتعظيم ، وعمل الفرع هو كافة أعمال الجوارح التي تدخل في مسمى الإيمان ، وعناصر أصل الإيمان في الشرع ثلاثة ( قول القلب وعمل القلب وإقرار اللسان ) وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان ,  فمما يدل على أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق : قوله عز وجل { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}[ البقرة : 8 - 9 ] ، وقوله جل شأنه : {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[ المنافقون : 1 ] ، ومما يدل على أنه لا يصح الإقرار والتصديق إلا بالانقياد القلبي : ما جاء في كتاب الله تعالى عن كفر إبليس الرجيم مع أنه يقيناً كان مصدقاً وإنما أتى كفره من قبل عدم الانقياد وليس من قبل التكذيب كما ذكر ذلك المولى تعالى في سورة البقرة بقوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [ البقرة : 34 ] وفي سورة الإسراء نجد قول الله تعالى : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 61 - 62 ] . في الآيات دلالة واضحة على أن كفر إبليس إنما هو لمعاندة أمر الله تعالى وليس لتكذيبه والمعاندة واضحة في قوله ( أأسجد لمن خلقت طيناً ) ، فهذا معاندة للأمر واستكبار عن اتباعه وليس هو من باب التكذيب أبداً  ، وفي سورة ص نجد قول الله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }[ ص : 71 - 85 ] . وفي هذه الآيات دلالات عديدة على تصديق إبليس وأنه إنما أتي من قبل انتفاء عمل القلب وهو انقياده وإذعانه لأمر الله ، وبالتالي استكباره عن طاعة الله وهذا هو كفر إبليس الحقيقي ، ومعصية إبليس لم تكن في ترك السجود وإلا فقد أكل آدم من الشجرة بعد أن نهاه الله تعالى عنها ولكنه عصى الله بجوارحه وقلبه منقاد لأمر الله يعلم أنه ما كان ينبغي له مخالفة أمر الله في شيء ولذلك لما تاب وأناب تاب الله تعالى عليه ، أما إبليس فلم يكن تركه للسجود معصية جارحة وإنما هو استكبار القلب وعناده وخلوه عن الانقياد لأمر الله فاستحق الكفر والرجم  ، ولو نظرنا إلى الآيات لوجدناه يخاطب الله عز وجــل بقوله " رب فأنظرني إلى يوم يبعثون " فهو مصدق بالله بربوبيته له وللعالمين أجمعين ، ولم يكن مكذباً بشيء من ذلك أبداً بل هو يحلف بعزة الله ويعلم أنها صفة جليلة للرحمن سبحانه فيقول " فبعزتك لأغوينهم أجمعين " ومن ذلك كله نعلم يقيناً أن التصديق المجرد لا ينفع بشيء حتى يضاف إليه انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لأمر الله  ، وعلى ذلك : فعناصر الأصل ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان (2)  قول القلب ( التصديق ) (3) عمل القلب ( الإنقياد ) ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب ، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار ، وهذه من أعظم ضوابط أهل السنة والجماعة في الباب ، ، وقد اتفقت المدارس المتخصصة في العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) بعلمائها وهم على مر عصور الإسلام سواد أهل العلم الأعظم ، على أن حد الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار هو قول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، ونسب غالبهم هذا التحديد إلى دلالات الكتاب والسنة وإلى قول السلف ويشيرون إلى أنه مذهب أهل الحق الفرقة الناجية ، قال الشافعي : (  الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو مـن الخلـود في النـار ويدخل الجنـة ) [نقله البدر العيني في كتابه عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ] ،   وقال الإمام النووي ( ت 676 هـ ) : " واتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ، ونطق بالشهادتين فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً " [ شرح مسلم ج1/2 11 ] ، وقال ابن حجر العسقلاني  :  السلف قالوا هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص  ، وخلاصة القول : عناصر أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان (2)  قول القلب ( التصديق ) (3) عمل القلب ( الانقياد والتعظيم ) ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب ، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار ، وهذه من أعظم ضوابط أهل السنة والجماعة في الباب ، 

[  خامسا  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم

[ 1 ] أنّ الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى ، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية ، والملة بالكلية ، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان ،  وإنما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم { بالكفر } ليدلنا على وخامة هذا الفعل وخطورة عاقبته التي قد تؤول بصاحبه إلي خذلان الله عز وجل له فيضرب على قلبه قبل الموت ، فيموت كافراً ، نسأل الله السلامة وحسن الختامة ، وليس بعد هذا التحذير النبوي البليغ من تحذير ، وليس بعد ترهيبه من هذا الفعـل مـن ترهيب ، إلا أن الكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية ،

[  2  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر ، ف ( الكفر الأكبر ) : هو الكفر المناقض لأصل الإيمان ( الإقرار والتصديق والانقياد ) ، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد الانقياد : فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق ، وكفر الجحود يضاد الإقرار ، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد ، وكفر الشك يضاد التصديق ، وكفر النفاق يضاد التصديق ، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق ، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر ، والكفر الأكبر  : يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فيجب تفريق زوجته المسلمة عنه ولا يحل لها البقاء تحت سلطانه ، ويجب تفريق أولاده القصر عنه لأنه لا يؤتمن عليهم ويخشى أن يؤثر عليم بكفره ، ويجب أن يحاكم إلى قضاء المسلمين وتقام عليه الحجة فإن تاب وإلا قتل رٍدّة ، إذا مات أو قتل رٍدّة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يورث كما أنه لا يرث إذا مات مورث له ، والكفر الأكبر يوجب الخلود الأبدي في النار ـ فصاحبه من أصحاب النار الذين لهم  الخلود الأبدي في النار فلا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا هم منها بمخرجين ، وهم في النار لا يجوز لهم شفاعة ولا تنفعهم شفاعة ولا هم تحت المشيئة بل هم أصحاب النار خالدون فيها أبداً وبئس المصير ، وأما ( الكفر دون الكفر الأكبر ) : وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر ، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان ، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة ، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان ، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وصاحب الكفر دون الكفر الأكبر مفرط في الإيمان الواجب من أصل الإيمان فهو يكاد ويوشك أن يقع فيما ينقض أصل الإيمان ، ومن أمثلة هذا الكفر قتل المسلمين وقتالهم لأنه قريب من اعتياد ذلك واستحلاله ، واستحلاله كفر أكبر ، ومن أمثلته النياحة على الميت لأنه قريب من اعتياد الاعتراض على قضاء الله وقدره ، والظن السيئ بالله ، وهو بذلك قريب من الكفر الأكبر ، ومن أمثلته تكفير المسلم لأخيه المسلم بغير وجه حق لأنه قريب إلى استحلال دمه وماله وعرضه بغير وجه حق ، وهكذا فكل ما حكم الشرع بكونه كفر دون كفر ، فهو دلالة على قربه من الكفر الأكبر وأنّ اعتياده طريق إلى الكفر الأكبر المضاد لأصل الإيمان والموجب للخلود الأبدي في النار ، " قلت " ، ومن أمثلته أيضاً عند جمهور السلف والخلف وغالب الفقهاء ترك الصلاة لأنّه قريب من اعتياد ذلك وجحوده فيختم لهم بسوء الخاتمة ، نسأل الله عز وجل التثبيت وحسن الخاتمة ، 

[  3  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الكفر الأكبر : كفر اعتقاد وجحود ، والكفر دون كفر : كفر عمل مجرد عن الاعتقاد  :  هذه القاعدة : ( الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً  أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله ) قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء ، فكل ما كان من الكفر  يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة ، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر  ، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف وسب الدين ، وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة ، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده ، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر ، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله ،

[  4  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة [ الإقرار – التصديق – الانقياد ]  ، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة ، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار ، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر : ومنه عدم الإقرار بالشهادتين أصلاً أو التلفظ بكلمة الكفر الناقضة للإقرار أو إقرار الكفر المناقض للإيمان أو جحود شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه  صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة ، ويدخل فيه سبّ الله أو سب رسوله أو دينه أو كتابه لأن ذلك ناقض لأصل الإقرار إذ الإقرار ينبئ عن التصديق والانقياد والسب ينبئ عن التكذيب أو الاستكبار أو كليهما ، ويدخل فيه أيضاً الاستهزاء بالله أو برسوله أو بدينه أو بكتابه إذ الإقرار ينبئ عن التعظيم والاحترام والاستهزاء ينبئ عن الاستخفاف وعدم الاحترام فلذا كان ناقضاً للإقرار ، وكل ما كان ناقضاً للتصديق فهو كفر أكبر : ومنه الشك وهو عدم التصديق الجازم بل التردد بين التصديق والتكذيب ومنه التكذيب ومنه النفاق وهو إظهار التصديق باللسان مع تبطن الكفر ، وكل ما كان ناقضاً للانقياد كان كفراً أكبر : ومنه العناد والكبر والإباء والاستكبار ، وكـل ما كـان مصاحبـاً بانتفـاء عناصـر الإيمـان الثلاثـة كـان كفـراً أكبـر ، ومنه كفر الجهل بجهل الإقرار والتصديق والانقياد ، وكفر الإعراض وهو الإعراض عن الإقرار والتصديق والانقياد والفرق بينهمـا أن الأول لم يسمـع بالرسالـة فهـو جاهـل والثاني سمع عنها فأعرض ، وهكذا فالكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها : كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب ، وأعمال الجوارح لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب ، وبعضها أقرب من بعض إلى أصل الإيمان ، وأقربها إلى أصل الإيمان إقامة الصلاة ، ولهذا غلّظ الشرع في تركها ووصف تاركها بالكفر وهو عند جمهور المحققين - وغيره من أعمال الجوارح من باب الأولى - داخل في إطار كفر دون كفر ، وصاحبه لا يخرج من الملة بالكلية وإن كان يُخشى عليه ذلك لكونه على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر ، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق ، فلا يخرج من الملة بالكلية ، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين ،

[  5  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه ،  وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب ،

[  6  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح ، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط : وهذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها علماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه ، فإنّ   المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة ، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً ، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها ، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين ، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار إبتداءً ، وله - أيضاً - كلام طيب ممتلئ حكمة يؤكد صحة هذه القاعدة ، ذكر في بدايته أن نفي الإيمان في كتاب الله يتناول نفي الإيمان الواجب وأن صاحبه وإن نفي عنه الإيمان الواجب إلاّ أن له اسم الإيمان وحكمه وما ذلك إلاّ لأنه لم يتول بالكلية عن الطاعة مادام قد أتى بطاعة الاعتقاد وبالتالي فهو في إطار الملة ولكنه من أهل الوعيد ،

[  7  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله ،  كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ، وقوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، من أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله ، فقد حكم بقبله بما أنزل الله ، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر ، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة ، ومن جحد حكم الله بقلبه ، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ولذلك اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم على التفصيل في المسألة ، قال حبر الأمة عبد الله بن عباس قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به فهو ظالم فاسق [ تفسير الطبري جـ6/257 ] ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، 

[  8  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ، ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب { جحد الصلاة } ، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة  ،  و كل ما قيل في مسألة ( ترك الحكم بما أنزل الله ) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر ، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة ، بل هو في مسألة ( تارك الصلاة ) أظهر وأولى ،  وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة ، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني ( حـ2/157 ) والنووي في المجموع ( حـ3/14 )  والشوكاني في نيل الأوطار ( حـ1/291 ) وهو  أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية لأن به يحصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن ، ومنه الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم : (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) وبين قوله – صلى الله عليه وسلم – (( خمس صلوات افترضهن الله على العباد … من أتى بهن … ومن لم يأت بهم لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة )) ولا يكون تحت المشيئة إلا مؤمن ، ولهذا قال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر : ( ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث ) ، انتهي ،

[  9  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ موالاة الكافرين على المؤمنين كفر لنص الشرع عليه ، قال تعالى : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ، ولكنه كفر أكبر إذا كانت الموالاة على دينهم ،  وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد والإقرار واقتصرت الموالاة على الظاهر ،  ودليله ما أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ،

[ 10 ] نستفيد مما سبق : أن من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى ، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية ، وأن من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر ، الكفر الأكبر  : يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما ( الكفر دون الكفر الأكبر ) : فهو داخل إطار الملة وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان ، وصاحيه له اسم الإيمان وحكمه ، وإن من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الكفر الأكبر : كفر اعتقاد وجحود ، والكفر دون كفر : كفر عمل مجرد عن الاعتقاد ، وأن نعلم أنّ الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة [ الإقرار – التصديق – الانقياد ]  ، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة ، وبالتالي لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة شهد بالشهادتين : مقرا لهما بلسانه ، معتقدا لهما بقلبه ، هذا المسلم : لا يجوز تكفيره الكفر الاكبر بعمل حتى يأتي على أصل إيمانه واعتقاده ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ،  إلى ها هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية هذا المقال عن فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر بغير إفراط ولا تفريط ، اللهم بصرنا بديننا يارب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

 

البصيرة في الدين -  فقه معاني الانتساب إلى دين الإسلام - للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين المسلمين

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : فقه معاني الانتساب إلى دين الإسلام - للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين المسلمين ، أقول وبالله التوفيق :

إنّ أهم العلوم التي ينبغي اظهارها بين أهل الإسلام : ( علم معرفة إطار الإسلام ) للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين أهل القبلة ، ويمكن تحقيق ذلك من خلال : بيان تلك النقاط :

[ أولا ] أساسيات يجب أن يعرفها كل مسلم عن الإسلام ،

[ ثانيا ]  بيان من هو المسلم وما هو إطاره وما هي حقوق المسلم على أخيه المسلم ،

[ ثالثاً ] بيان قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات كل مسلم ،

[ رابعا ] قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين ،

[ خامسا ] معرفة الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ،

[ سادسا ] بيان أهمية الوحدة وعوامل التآلف والتكامل والتراحم بين أهل الإسلام ،

[ سابعا ] بيان ان المستقبل للإسلام والمسلمين ولوكره الكافرون والمشركون ،

****

[ أولا ] أساسيات يجب أن يعرفها كل مسلم عن الإسلام

[ 1 ]  إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، وهذا الدين يُطالب به الناس كافة ، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،  وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله ، لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ، وإذا كان هذا هو حال أهل الكتاب أنهم إذا سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به انهم كفار ، فغيرهم من عبدة الاوثان والاصنام أولى ،

[ 2 ]  الإسلام لغة هو الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة ، فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه فهو المسلم ، وبهذا المعنى نجد أنّه دين الأنبياء والمرسلين جميعا من لدن آدم وإلى رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الأنبياء إخوة من علات ، وأمهاتهم شتى ، ودينهم واحد )) [ أخرجه مسلم ] ، فالدين واحد ، هو الإسلام ، وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام ، وأول الرسل الكرام نوح عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى - على لسان نوح عليه السلام - : { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }  [ يونس : 72  ] ، وإبراهيم أبو الأنبياء  عليه السلام كان مسلما وجميع الأنبياء من بعده كانوا مسلمين ، قال تعالى : { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 130 إلى 133 ] ، وموسى عليه السلام كان مسلما ،  قال تعالى  : { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } [ يونس : 84 ] ، وعيسى عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ المائدة : 52 ]  ، فالدين واحد هو الإسلام وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام ، ودين الإسلام الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا واحد من حيث اتفاقه على عقيدة التوحيد وإفراد الله عز وجل بالإلهية والربوبية والعبودية والأسماء والصفات ، ولكنه يختلف سعة وشمولا وفق رسالة الرسول ويختلف تشريعا من رسول إلى أخر ، حتى وصل إلى منتهاه الأسمى وكمال الرباني الأعلى متمثلا في دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم الذي أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة ورضي دينه الذي جاء به من عند ربه عز وجل ، قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] ، ودين الإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة يعني الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والطاعة لله رب العالمين وحده لا شريك له ولا يكون ذلك الانقياد ولا تلك الطاعة إلا من طريق واحد هو طريق متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية إسلام الوجه له وحده ،  وهذا المعنى السابق لدين الإسلام يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،

[ 3 ] كل من جحد نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته بعدما بلغته ، فهو كافر ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ، وأهل الكتاب جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، ولذلك أجمعت الامة على انهم من الكافرين حقا ، فأما اليهود فقد آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد ، وأما النصارى فقد آمنوا بموسى وعيسى وكفروا بمحمد ، فأنزل الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } ، فوضحت الآية أن من يفرق بين رسل الله تعالى فيؤمن ببعض ويكفر ببعض أنه كما قال تعالى : {  أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } ، والناس كما أخبر القرآن الكريم قسمان مؤمن وكافر ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ التغابن : 2 ] ، وأدنى الكفار هم أهل الكتاب ، لأنهم أهل كتاب ، وهم كفار لجحدهم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وهم كفار لنسبتهم الولد إلى الله ، قال تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ التوبة : 30 ] ، وقال تعالى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ } [المائدة : 72 ] ، وهم كفار لقولهم بأن الله تعالى ثالث ثلاثة ، قال تعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ } [المائدة : 73 ] ، وكفرهم لا تتحمله السموات ولا الأرض ولا الجبال ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *  تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا }

[ 4 ] أهم خصائص دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم  سبعة :  ( أولها ) أنّه الدين الخاتم الذي ختمت به الرسالات جميعا والأديان جميعا ، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء لا نبي بعده وفي ذلك يقول الله تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [ الأحزاب : 40] ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ))   وأنا خاتم النبيين  )) [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، و ( الثاني ) أنّه إلى الناس كافة ، قال تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الاعراف ، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون )) [ أخرجه مسلم ]  ، و ( الثالث ) أنه إلى قيام الساعة ، لان النبي صلى الله عليه وسلم هو الخاتم ، ورسالته هي الخاتمة الصالحة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة ، قال تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28 ] ، فهو مرسل إلى كافة الناس منذ بعثته وإلى قيام الساعة ، و ( الرابع ) أنّه الدين الناسخ لما سبقه من الأديان والمهيمن عليه جميعا ، قال تعالى : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } [ المائدة : 48 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار)) [ أخرجه مسلم ] ، وهو دليل واضح على أن  أهل الكتاب فمن دونهم من الكفار والمشركين مطالبين بالدخول في دين الإسلام والالتزام بشريعته الناسخة المهيمنة على ما سبقها من الرسالات وإلا كان من أصحاب النار ، و ( الخامس ) أنّه محفوظ بحفظ الله عز وجل له إلى قيام الساعة ، فقد تكفل الله عز وجل بحفظ هذا الدين القيم ، وذلك بحفظ مصادره الأساسية القرآن والسنة ، فالقرآن الكريم : حفظه الله جل وعلا من أي تبديل أو تحريف أو زيادة أو نقصان ومن اعتقد غير ذلك خرج من دين الإسلام إلى الكفر ، قال تعالى { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت : 42 ] ، والسنة النبوية الشريفة : حفظها المولى تبارك وتعالى وسخر لها الجهابذة الحفاظ من العلماء النابغين الناقدين الذي أفنوا أعمارهم في حفظها وتمييز الثابت منها ونفي المردود عنها ، ووضعوا لذلك قواعد وضوابط تضبط قبول روايتها ، وحفظ السنة من لوازم حفظ القران فهي المبنية لمعاينة والمفصلة لمجملة والمتممة لأحكامه ، واتصال السند للسنة الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم دونما انقطاع خصيصة في خصائص الحفظ الإلهي لهذه السنة الشريفة وإعجاز إلهي في حفظ دينه جل وعلا حيث لم تعرف الأمم غيرنا سندا متصلا لأقوال أنبيائها ورسلها وإنها كانت أقوال وأخبار يرويها الأحبار والرهبان بالمعنى يزيدون فيها وينقصون ويحرفون يشترون بذلك ثمنا قليلا ، فلا غنى للقرآن من السنة وكلاهما محفوظ بحفظ الله تعالى لهما ، قال تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] ،  و ( السادس ) أنّه الدين الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه ، فإنّه لما كان دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الناسخ لما قبله من شرائع والرسالات وهو المهيمن عليها جميعا ، لذلك لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه السلام وإلى قيام الساعة دينا سواه ، قال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، ومن عبد الله عز وجل بغير شرع الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى وقد سمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم فعبادته مردودة عليه لا يقبلها الله عز وجل ، لان دينه هو الدين المعتبر عند الله عز وجل ، و ( السابع ) أنه دين كامل تام تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة ، يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة ، لا نقص في شيء من جوانبه ، قال تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل : 89 ] ،

[ 5 ] المسلم هو كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى : قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ،

[ 6 ] تعريف ( المسلم ) عند الفقهاء : هو كل من قال ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، والاعتقاد القلبي له ركنان ، ( قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة ، وعمل القلب ، وهو الانقياد القلبي لها ،  هذا المسلم : لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، ولما كان حال القلب لا يطلع عليه إلا الله ، فإن المسلم عندنا هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على أي مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[ 7 ] أصل الإسلام وبابه الاوحد هو الشهادة (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله ) ، هي باب الإسلام الأوحد ، وهي أعظم العلم بدين الله ، ولها في الشرع منزلة عظيمة ، أخرج مسلم عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنه قال (( أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله ، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك بهما إلاّ دخل الجنة )) ، وأخرج مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) ، ومن تدبر الحديثين عرف منزلة الشهادتين من دين الإسلام ، ومعنى شهادة (( أنّ لا إله إلا الله )) : أي أقر وأعترف وأجزم وأرى وأُوقن دون شك أو تردد أنّه ( لا إله إلا الله ) ، و ( الإله ) : هو الرب وهو المعبود وليس هناك في اللغة  كلمة تصلح لجميع معاني الكمال في الذات والكمال في الصفات والكمال في الأفعال والكمال في الربوبية بشتى خصائصها والكمال في استحقاق العبودية والتأله ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، وإذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، ليس له شريك في الملك ، جلّ عن أن تحيط به العقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، وأكبر من كل تصور ، فلا تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ومعنى شهادة ( أنّ محمداً رسول الله ) : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه ، من آمن به نجا ومن كفر به خاب وخسر ، قال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115] ،

[ 8 ]  مراتب دين الإسلام : مراتب الدين ثلاث : الأولى : مرتبة الظالم لنفسه ، وهي مرتبة ( الإسلام ) ، والثانية : مرتبة المقتصد ، وهي مرتبة ( الإيمان ) والثالثة : مرتبة السابق بالخيرات ، وهي مرتبة ( الإحسان ) : قال تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، ومن الآية نعلم : أن عباد الله الذين اصطفاهم الله تعالى واختارهم لدين الإسلام ثلاث مراتب تبدأ من الأدنى إلى الأعلى ، فالمرتبة الأولى ( الأدنى ) هي مرتبة الظالم لنفسه ، أي المقصر في بعض حقوق الله تعالى عليه ، والمرتبة الثانية هي مرتبة المقتصد وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات لا يزيد ولا ينقص ، والمرتبة الثالثة ( المرتبة الأعلى ) هي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله ، وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات ويزبد على ذلك بالتقرب إلى الله تعالى بالمندوبات والمستحبات ، وجميعهم ( أي أصحاب المراتب الثلاث ) داخل بحمد الله تعالى في الاصطفاء والاختيار لدين الله ، وأخرج مسلم في صحيحه عن الفاروق عمر رضي الله عنه  قال : (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر السفر و لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه و وضع كفّيه على فخذيه ، و قال : يا محمّد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله و أ نّ محمّدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا . قال صدقت . فعجبنا له يسأله ويصدقه ! ، قال : فأخبرني عن الإيمان ،قال : أن تؤمن بالله و ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و تؤمن بالقدر خيره و شرّه . قال : صدقت ، قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال : فأخبرني عن أماراتها . قال : أن تلد الأمة ربّتها و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان . ثم انطلق فلبثت مليا ، ثم قال : يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت الله و رسوله أعلم ، قال : إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم )) [ أخرجه مسلم ] ،   ونزول جبريل عليه السلام في هيئة رجل يراه الصحابة رضي الله عنهم ويجلس أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان بقصد تعليم المسلمين أمر دينهم ليس بالأمر الهين ، بل هو أمر عظيم يدل على أهمية ومنزلة هذه الأسئلة من دين الله عز وجل فقد اشتمل على بيان أصول الدين وقواعده ومراتبه , ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث :  ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) , فجعل ما في هذا الحديث بمنزلة الدين كله  ، والمستفاد من الحديث : أن مسمى مراتب الدين الثلاثة هي : الإسلام والإيمان والإحسان ، وأن هذه المراتب عظيمة جدًا تحيط بكافة جوانب الدين وعراه ، ويعلم من ذلك الحديث العظيم : أهمية معرفة المسلمين لتلك المراتب وأركانها وحدودها ، فعلى تلك المراتب وأركانها وحدودها يبنى الفهم الصحيح والعلم الراسخ لدين الإسلام ، ولولا أهمية العلم بتلك المراتب وأركانها وحدودها ومنزلتها من دين الله تعالى لما أرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصدقه ، والصحابة رضي الله عنهم يسمعون باهتمام ، وبعدما انصرف جبريل عليه السلام ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. ، فجعل صلى الله عليه وسلم تعليم الدين هو بمثابة معرفة تلك المراتب ومعرفة أركانها وحدودها ، وبين هذه المراتب ارتباط وثيق ، فدائرة الإسلام أوسع هذه الدوائر ، تليها دائرة الإيمان فالإحسان ، وبالتالي فإن كل محسن مؤمن ، وكل مؤمن مسلم ، والمسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين هذه المراتب الثلاث ، ( أ ) : [ صاحب مرتبة الإسلام ] : وهو الواقف على أركان الإسلام ولكنه يفرط في أداء بقية الفرائض والواجبات ويقع في الكبائر والمحرمات فهذا هو الظالم لنفسه ، ولكنه مسلم في دائرة الإسلام ،   وأركان المرتبة الأولى ( مرتبة الإسلام ) هي أركان الدين الخمسة الظاهرة الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، مَن أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلمًا حقاً ، مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حُكماً، فإذا دخل في الإسلام بذلك، أُلزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين ، خرج من الإسلام ، وهذه المرتبة إذا اقتصر المسلم عليها لا يتعداها ، صار ظالما لنفسه لأن في الدين واجبات أخرى ينبغي أن تؤدى سوى الأركان الخمس ، ( ب ) : [ صاحب مرتبة الإيمان ] : وهو المؤدي لما عليه من الأركان والفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها فهذا هو المقتصد ، وأركان المرتبة الثانية ( مرتبة الإيمان) هي ستة أركان : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقدر خيره وشره من الله تعالى وكل ركن منها يلزمه تصديق بالقلب وقول اللسان وعمل بالجوارح ، وذلك لأن الإيمان قول وعمل ، وعقيدة في القلب تصدقها الجوارح ، وهذه المرتبة هي ( مرتبة المقتصد) ، الذي يؤدي حق المرتبة السابقة ( أركان مرتبة الإسلام )  ثم يؤدي ما افترضه الله تعالى عليه من واجبات وينتهي عن الكبائر والمحرمات ، ( ت ) : [ صاحب مرتبة الإحسان ] : هو المؤدي لكل ما يقوم به المقتصد صاحب مرتبة الإيمان ولكنه يزيد على ذلك بالمسابقة بما ينال رضا الله عز وجل من الأعمال والأقوال والنوافل والمندوبات وبالتنزه عن المكروهات وبالتورع عن بعص الحلال خوفا من الوقوع في الشبهات ، وبالسير في طريق إحسان العمل وإخلاصه التام لله رب العالمين، وهذا هو السابق بالخيرات بإذن الله ،  وهذه المرتبة الثالثة العالية هي أعلى مراتب الدين وأشرفها ، فقد اختص الله أهلها بالعناية ، وأيدهم بالنصر ، قال عز وجل : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل : 128 ] ، وهي درجات عظيمة وأحوال مهيبة ومقامات عديدة ومنازل عالية ، أولها : المراقبة (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، وأعلاها : اليقين والشهادة ((  فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، ( ث ) : المسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين هذه المراتب الثلاث ، لكن ينبغي التنبه إلى أمور : ( الأمر الأول )  : خطورة التقصير في حق المرتبة الأولى ( مرتبة الإسلام الظاهر) وذلك بالتقصير في ركن من أركانها لأنه بتلك الأركان يوزن إسلام المرء فهي العلامات الظاهرة التي تشير إلى إسلام الفرد وإسلام المجتمعات ، وبها يقاس قرب العبد وبعده عن دين الإسلام ، فالحذر كل الحذر من التهاون في تحقيق أركان تلك المرتبة التي هي أدنى المراتب وإلا لكان المقصر فيها والمتهاون في تحقيقها على شفا حفرة من الخطر الجسيم ، ( الأمر الثاني )  : خطورة أن يدعي المسلم مرتبة ليست له أو لم يستوف أركانها وحدودها وإذا كان الله عز وجل قد نهانا أن نزكي أنفسنا بما هو فينا لمجرد التزكية فإن النهي أشد وأعظم عندما نزكي أنفسنا بما لا نستحقه ، قال تعالى { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، فقد ذم الله عز وجل أولئك الذين ادعوا مرتبة الإيمان ولم يقوموا بحقوقها ، والصحابة رضي الله عنهم مع أنهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين ومع أنهم أئمة المحسنين والمقربين والسابقين بالخيرات بإذن الله إلا أنهم كانوا يتحرجون من ادعاء الإيمان مخافة تزكية النفس ، فكان أكثرهم يقول إني مسلم أو إني مؤمن إن شاء الله وذلك لا شكا في الإيمان حاش لله فهم أرسخ الناس إيمانا وأعمقهم يقينا في الله ولكنه تواضعا لله وخوفا من عاقبة الأمور كما وصفهم الله تعالى بقوله : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } ، فالأمور والأعمال  بخواتيمها والله عز وجل أعلم بالعواقب ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون نسأل الله حسن الخاتمة ،  ولذلك :  يجب على المسلم أن يقول إني مسلم معتزا بإسلامه لله وحده ، والأفضل له عند ذكر الإيمان أن يقول إني مؤمن إن شاء الله لأنه قد لا يكون استكمل واجبات وحدود مرتبة الإيمان فيكون كمن ادعى ما ليس له ، وإن استكمل حدود المرتبة فهو لا يدري الخاتمة والأعمال بخواتيمها  ، ( الأمر الثالث ) : لا يحق لمسلم أن يقول إني محسن يقصد بذلك بلوغه الإحسان لان ذلك لا شك تزكية للنفس والله عز وجل ينهى عن ذلك قال تعالى : {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }  ولأن مرتبة الإحسان مرتبة عظيمة لا يصل إليها إلا أقل القليل ،

[ 9 ]  نواقض دين الإسلام : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وهذه النواقض تكاد تجتمع في أربعة نواقض رئيسية هي : الشرك الأكبر : وهو اعتقاد وجود آلهة مع الله تُصرف لها مفردات الربوبية والعبودية أو أي منها ، والكفر الأكبر : بإنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، والنفاق الاعتقادي : بإظهار الإسلام وإبطان الكفر ، والردة بعد الإسلام : وذلك يكون بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم ، أو الطعن في رسالته صلى الله عليه وسلم ، أو في شيء منها ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ، ومن أتى بناقض فعليه أن يأتي بالشهادة مع التوبة مما كان سببا في الحكم عليه بالردة ، مع العلم بأن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، والمسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، ولا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، ولا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه ، لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من اهل الإسلام ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ، ويجب ترجيـح جانب حسـن الظـن بكل مسلم ، وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ، وترك ألف كافر بشبهة أهون من تكفير مسلم واحد بمجرد شبهه لا تبلغ حد اليقين ،

***

[ ثانيا ]  بيان من هو المسلم ، وما هي حقوق المسلم على أخيه المسلم

[ 1 ]  المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، والاعتقاد القلبي له ركنان ، ( قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة ، وعمل القلب ، وهو الانقياد القلبي لها ،  هذا المسلم : لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، ولما كان حال القلب لا يطلع عليه إلا الله ، فإن المسلم عندنا هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  ونواقض الشهادتين : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وتتمثل في : إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، أو الطعن في دين الله تعالى أو شيء منه ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ، والتكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، والمسلم هو كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ،

[ 2 ] المسلمون أمة واحدة من دون الأمم ،  هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [ النساء : 150 إلى 152 ] ، نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، والكفار والمشركون هم شر البرية ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 6 ] ،

[  3  ] الأصل بين المسلمين هو وحدة التآلف والتكامل والتراحم ، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين ، قال تعالى { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون : 52 ] ،  وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 102 ، 103 ] ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقال تعالى :  { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ]  ،  ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الواردة في هذا الأمر : قوله صلى الله عليه وسلم ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) [ متفق عليه ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )  [ أخرجه مسلم  ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أخُو المُسْلم : لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، التَّقْوَى هاهُنَا - ويشير إِلَى صدره ثلاث مرات - بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ أخرجه مسلم ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا ، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة ، ومن سَتَر على مسلم ، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه )) [ أخرجه مسلم ] ،

[  4  ]  وقد وضح الشرع الحكيم حقوق المسلم على المسلم ، روى البخاري (1240) ومسلم (2162) عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ : رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ  ) [ متفق عليه ] ، ورواه مسلم (2162) أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ ) قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ : قَالَ ( إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ  ) [ أخرجه مسلم ] ، وروى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِم سِتّ بِالْمَعْرُوفِ : يُسَلِّم عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ , وَيُجِيبهُ إِذَا دَعَاهُ , وَيُشَمِّتهُ إِذَا عَطَسَ وَيَعُودهُ إِذَا مَرِضَ وَيَتْبَع جَنَازَته إِذَا مَاتَ , وَيُحِبّ لَهُ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ  )) [ أخرجه الترمذي ] ، وروى الإمام أحمد في ( المسند:ج2ص224ر7086) ، قال النبي صلى الله عليه و سلم : (( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه )) [ وصححه الأرنؤوط ] ، وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة في (ج2ص379ر8918) عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم )) [ قال الأرنؤوط : إسناده قوي وقال الألباني: حسن صحيح ] ، وروى الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب  )) [ وصححه الأرنؤوط ] ، هذا هو المسلم ، وهذه بعض حقوق المسلم على أخيه المسلم ،

***

[ ثالثاً ] بيان قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات كل مسلم

[ القاعدة الأولى ] : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر لما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) [ أخرجه مسلم ] ، صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال ( لا إله إلا الله ) إلاّ تقية وهرباً من القتل ، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : (( بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم  ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً  ، قال ، فقال : (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم ))  [ صحيح مسلم ] ، وفي رواية أخرى عند مسلم : قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم  : أقتلته ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ، قال : يا رسول الله ! استغفر لي ، قال : وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟  قال : فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله )) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،  ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين ، أنه يفعل ما يشاء ،  فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها ، مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ،

[ القاعدة الثانية ] : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ،  لما جاء في حديث الشفاعة ، وفيه : (( ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ متفق عليه ]  ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان )) [ أخرجه البخاري] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة ))[ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر  رضي الله عنه: (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة ، فقال أبو ذر : وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سـرق ، ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) [ أخرجه مسلم ] ،

[ القاعدة الثالثة ] : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[ القاعدة الرابعة ] : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره ، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية ، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء ، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة : ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي   صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل ] ، ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ،

[ القاعدة الخامسة ] : العذر بالجهل يمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، لقد جعلت الشريعة أعذارا شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، من أهمها العذر بالجهل ، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول ، لقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] ، وقوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] ، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل ، إذ لم يسمع بالدليل ، والدليل على عذره  : قوله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] ، والمعنى : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان ، وقوله تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[ النساء : 115 ] ، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416 ] ، والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه ,

[ القاعدة السادسة ] العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة  ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة ، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ،  وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] ، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، وحديث مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما لحق رجلاً من المشركين ـ كان قد أثخن على المسلمين فلما تمكن منه  قال ( لا إله إلاّ الله ) ، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وسلم  أسامه رضي الله عنه بتأويله ، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة  ، والحديث أخرجه البخاري ،  ولذلك فإن جماهير أهل الفقه والأصول على الاعذار بالتأويل ، ويستدلون لذلك بالأدلة السابقة ، وأدلة أخرى منها : ( أ ) عدم تكفير الصحابة ومن بعدهم للخوارج الذين هم أكثر من تأول النصوص واستحلوا أشد المحرمات القطعية وهو قتل المسلمين وذلك بتأويل منهم ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن علياً الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما دفع بغيهم ، ( ب )  عدم تكفير عبد الرحمن بن ملجم مستحل قتل علي وقاتله ، فقد أوصى علي بالقصاص منه ولم يتحدث عن ردته أو قتله لكفره  ، ( ت )  عدم تكفير قدامة بن مظعون وأبو جندل بن سهيل وضرار بن الخطاب ، وهم من الصحابة قد شربوا الخمر مستحلين لها بتأويل ، لذلك أقام عليهم عمر عقوبة الشرب ولم يحكم عليهم بالردة  ،

[ القاعدة السابعة ] : لا يجوز التكفير بلازم المذهب :  فلا يحكم على اصحاب المذاهب بالكفر بناء على ما يلزم عن كلامهم ويترتب عليه لا سيما إن كانوا ينفونه ، فلا يجوز تكفير المجسمة لأنهم عبدوا جسماً ، وهو غير الله فهم عابدون لغير الله ، ومن عبد غير الله كفر ، ولا يجوز تكفير المعتزلة لأنهم وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات ويلزم من إنكار الصفات إنكار أحكامها ، ومن أنكر أحكامها فهو كافر ،  فإننا لو عاملنا كل مبتدع بلازم قوله كفرنا كل مبتدع ، وفي هذا من الغلو ما فيه ، والصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من علماء المسلمين لم يكفروا الخوارج الذين قتلوا المسلمين وانتهكوا محارمهم ، مع ان لازم قولهم استحلال قتل المسلمين ، ومن استحل المحرمات كفر ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن علياً رضي الله عنه الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما اكتفى بدفع بغيهم ،

[ القاعدة الثامنة ] العذر بالإكراه نص عليه القرآن الكريم ، قال تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] ، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك ،

[ القاعدة التاسعة ] : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير ، قال تعالى  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون ، وتقوم عليهم الحجة بذلك ، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[ المائدة : 93 ] ، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : ( الضابط الأول ) : الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] ، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، لقوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] ، وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، و ( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه ، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً ، عاقلاً ، عالماً بأن فعله مكفر ، متعمداً قاصداً لفعله ، مختاراً له بإرادته ، والقسم الثاني : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، و القسم ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع ، و ( الضابط الثالث ) : فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره ، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم ،

[ القاعدة العاشرة ] : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ،  لا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير ، وانتفاء موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة ، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   أن نحكم عليها بأنها في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

***

[ رابعا ] قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين

[ 1 ] : الإسلام دين الله تعالى على الأرض ، ولا يقبل الله تعالى من العباد بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة دينا سواه ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }   ، هذا الدين يُطالب به الناس كافة ، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،  وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله ، لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وبينت انهم كافرون حقا ، لا مراء في كفرهم لجحدهم نبوة النبي ورسالته ، وإذا تعلقت بأهل الكتاب فهي في حق غيرهم أولى ، قال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ،

[  2  ]  المسلمون هم المؤمنون بالله ورسوله ، وهم جميعا داخلون في الاصطفاء ، لقوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، وجميعهم مآلهم  إلى رضوان الله تعالى وجنته ، وإن لبث بعض العصاة منهم أحقابا في النار  ، لكونهم مسلمون ، ومن عداهم كافرون مخلدون في نار جهنم ، وأمة الإسلام خير الأمم وأكرمها على الله عز وجل ، قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [ آل عمران : 110 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ )) [ أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ )) [ أخرجه أحمد ] ،و ( المسلم ) : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : معتقدا لها ، مصدقا لها بلسانه ، ومنقادا لها بقلبه ، وهذا المسلم ، لا يخرج من الإسلام  بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[ 3 ] : المسلمون – كل المسلمين - أمة واحدة من دون الأمم ، هم – وحدهم - المؤمنون بالله ورسوله ، لذا يجب فيما بينهم الولاء العام على الإسلام ، والاجتماع على أركانه وأصوله ، والمحبة العامة على الإسلام ، كما يجب عليهم التآلف والتكامل فيما بينهم ، وأن يكون ولاؤهم فيما بينهم تجمعهم وحدة الإسلام والقرآن ، وأن يكونوا أمة واحدة من دون الناس جميعا ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، فالفتنة في الأرض والفساد الكبير هما آثار فرقة المسلمين وعدم وجود الولاء العام فيما بين جميع المسلمين ،

[  4  ] المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  ونواقض الشهادتين : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وتتمثل في : إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، أو الطعن في دين الله تعالى أو شيء منه ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ،

[  5  ] المسلم : لا يجوز تكفيره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا لازم القول ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، المسلم هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، والتكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[  6  ] : افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده ، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ،

[ 7 ] : أهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم : وأبرز رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة  : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، وبدعة الإرجاء ، وبدعة التجهم ، ومع ذلك : فأهل هذه البدع الضالة مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم ، ويجب أن يعم الولاء العام بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه ] ، وأهل الفرق الضالة لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام ، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ، وجميعهم داخلون في الاصطفاء والاجتباء وهم أهل الإسلام ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،

[  8  ] : خطورة تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ، والتسرع في التكفير صفة أهل الضلال ، وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها ، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع :  (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ،  ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد )) [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله علية وسلم : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقتل المسلم أهون من تكفيره ، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93 ] ،

[ 9 ] لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ،

[  10  ] : لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين ، قال تعالى :  { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ،  وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الانفال : 73 ] ،  وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن ، فقال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 55-56 ] , وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، قال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس ،  وأنهم أمة واحدة من دون الأمم ،

[ 11 ] الذي تتفق عليه الامة أكبر بكثير مما تختلف عليه ، فينبغي الالتقاء على الأصول التي لا خلاف عليها من أركان الدين ومحكماته ،  دون ما تختلف فيه لتضييق فجوة الخلاف بينهم ، فالمسلمون جميعا يؤمنون بإلٰه واحد ، ويتبعون نبيّاً واحداً ، ويتمسكون بكتاب واحد ويحجون بيتاً واحداً ويستقبلون قبلة واحدة، وقد اتفقوا على أركان الإسلام جميعاً ، وقد اتفقوا على أركان العبادات من الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وقد اتفقوا على وجوب طاعة الله ورسوله ، وهذه هي أصول الدين ومحكماته   ، ومعنى ذلك أن أصول ما يتفق عليه المسلمون أكثر بكثير مما يختلفون فيه ، وبعد تلك الأصول تبقى جزئيات محل اجتهاد ، والاجتهاد ما كان قائما على شروطه ، فالمجتهد لا يحرم الأجر ، ما كان مؤهلا للاجتهاد صادقا في طلب الحق ،

[  12  ] قضايا ومسائل الخلاف لا تطرح على العوام لأنها تبلبل أفكارهم ولا يستوعبوا أبعادها ، وإنما تطرح على بساط البحث بين العلماء ، في مجالات التخصص العلمي ومؤسساته وجامعاته ، والمدقق في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان يدعو الناس إلى أصول الدين ومحكماته ، من الالتزام المجمل بدين الله تعالى ، ومن الإيمان بالله وإسلام الوجه لله ، والإحسان في دين الله ، وكان يكتفي من المسلم بالشهادتين والتزام ما تقتضيانه عقيدة وعملاً  ، ولم يكن يشغل الصحابة وهم أنصع الناس فطرة بأي من المسائل الخلافية التي تشغل عن العمل وتعطل عن الانطلاق لنصرة دين الله تعالى ،

[ 13 ] لابد من أجل تقنين الاختلاف ، أن يمتنع التكفير والتبديع والتضليل إلا وفق ضوابط دقيقة ، لا يقوم بها إلا العلماء ،  مع تفادى التجريح ، والالتزام بأدب الإسلام في معاملة المسلم ، وتبني مناهج معتدلة تدعو إلى الوحدة والوئام ، والولاء العام لكل المسلمين ،

[  14  ]  ينبغي طي صفحة الماضي في تاريخ الأمُة ،  بحيث لا تنبش الفتن التي نجمت في القرن الأول مهما تأتى ذلك ، فإن الماضي لا يدرك ، وقد مضى فلا معنى لاجترار أحداثه ، وهل يورث ذلك إلا تعميق الجراح وتنفير القلوب وإيغار الصدور ؟ وقد أرشدنا إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ البقرة : ١٣٤  ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ الحشر : 10 ] ، والحاضر والمستقبل للأمة يحمل تحديات تفوق الوصف ، فلا مجال ولا وقت لاجترار أحداث الماضي ، وإن دعت الضرورة لبحث ذلك الماضي فإنه يجب أن يكون في مجالس البحث العلمي المتخصصة ، بطريقة منصفة عادلة لا تخضع لما عند طائفة من المواريث الفكرية ، وإنما يحكم فيها القرآن لأنه محل إجماع الجميع ،

[  15  ] يجب أن لا تنزل الأدلة الظنية ( سواء أكانت ظنية الثبوت أو الدلالة ) ، مكان الأدلة القطعية ( قطعية الثبوت والدلالة معا ) فإن البون شاسع بين هذين النوعين من الأدلة، فمن خالف الدليل القطعي ثبوتا ودلالة هلك ، أما الظني فلا يهلك من خالفه إن كان في خلافه غير متبع لهواه، وإنما ترجح عنده دليل آخر تصوره أقوى منه ، وأهل العلم بالأصول قالوا : في العام بأنه:  ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن وذلك لكثرة ما يرد عليه من التخصيص ، وجميع الأحكام والقضايا التي لم تثبت بالنص القطعي ثبوتا ودلالة لا يصح أن تجعل مفصالا بين الحق والباطل ، بل يتسع فيها الإعذار ، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم ،  لأن مخالفة القطعي ثبوتا ودلالة فقط هو الموجب للكفر المخرج من الملة ، ولا يوجد مثل ذلك إلا في المعلوم من الدين بالضرورة ، وهذا يتفق عليه جميع المسلمين ،  ثم حتى لو حدث ذلك فهناك موجبات درء التكفير بشبهات الجهل والتأويل ، ومن تدبر الأمر وجد سعة لا سيما في القضايا الظنية وهي أكثر قضايا الخلاف في الأمة ، وهذا يعني ضرورة التسامح بين الأُمة فيما اختلفوا فيه من الأمور الفرعية التي ثبتت بالأدلة الظنية ، سواء من جهة الثبوت او الدلالة ، وبعد فتلك بعض قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين التي تمنع من وقوع سيف التكفير فيما بينهم ، فإذا أضفنا إليها ، قواعد الشريعة العامة التي تحفظ دم المسلم وعرضه وماله ، وضوابط للتكفير بين صفوف الأمة ، والهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، يمتنع الغلو في التكفير ، ويتقنن الخلاف في إطار الحوار ، بعيدا عن استحلال الدماء والأموال والأعراض ، اللهم ألف بين قلوب المسلمين ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهم ، وَاهْدِهم سُبُلَ السَّلَامِ ، يا رب العالمين ،

***

[ خامساً ] :  الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة

[ 1 ]  الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد ، إذ ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات ،

[ 2 ]  أحكام فقهية تتعلق بالمبتدع : ( أ ) ( مسألة تكفير المبتدع ) : لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها : ( الشرط الأول ) : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، ( الشرط الثاني ) : أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه ، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين ، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة : أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه ، ( الشرط الثالث ) : قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء ، ( ب ) ( مسالة قتل المبتدع ) : الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله ، وفي الحديث (( لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث : - الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة )) ،  وقد قال الله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً ) ، وقال العلماء في شرحه  : الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره , والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول ، ( ت ) ( مسألة بغض المبتدع ) : يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة ، والمبتدع مسلم ، نحبه لإسلامه , ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة , نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان , ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار , ( ث ) ( مسألة معاداة أهل البدع ) : المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم ،  وندعو لهم بالهداية ، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان ، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين ،  ( ج ) (  مسألة البراءة من أهل البدع ) : تجب البراءة من البدعة نفسها , والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته ، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء ، ( ح ) ( مسألة الصلاة على أهل البدع ) : الأصل أن المبتدع الذي بقي معه أصل الإسلام يصلى عليه , لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن ,  ( خ ) ( مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة ) : المبتدع يدعى له ويستغفر له , لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه , فيدعى ويستغفر له , بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة , ( د ) (  مسألة السلام على أهل البدع  ) : الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه ، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه , وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا , لأنهم مسلمون ، وإذا  كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز ، ( ذ ) (  مسالة هجر المبتدع ) : يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر ، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر, لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته, وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية , فإن كان لا يحققها فلا يشرع ,  ( ر ) ( مسألة الصلاة خلف المبتدع ) : تصح الصلاة خلفه , وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون : القرآن مخلوق , ( ز ) ( مسألة حكم غيبة المبتدع ) : الأدلة من الكتاب والسنة حرمت غيبة المسلم كما قال تعالى { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره  )) فالأصل هو تحريم غيبة المسلم , ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته ، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته , والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها ،  ( س ) ( مسالة مجالسة أهل البدع ) : جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة ،  وكلها محمولة على أتباع الفرق الضالة الداعين إليها ، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة ، ومحمولة على العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب اهل الحق ، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة ، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك بل هو من باب الجهاد بالكلمة لإظهار الحق ,  كان هذا ما تيسر في بيان الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، أمّا ما يفعله المغالون اليوم من استحلال دماء وحرمات أهل البدع من المسلمين فإنه من الغلو المقيت الذي يعود على صاحبه بالهلاك ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( هلك المتنطعون ، قالها ثلاثا )) [ أخرجه مسلم ] ،  إلى هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية ما يتعلق بالعلم الثاني ( علم معرفة إطار أهل الإسلام وحقوق اهل القبلة ) ، وللحديث بقية فيما يتعلق بعلم الإيمان ومعرفة ضوابط تكفير المسلم ،

***

[ سادسا ] بيان أهمية الوحدة وعوامل التآلف والتكامل والتراحم بين أهل الإسلام

[ 1 ] نقاط الالتقاء والتفاهم بين الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها ، ونقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا ، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر في الانتماء إلى الإسلام ،  نقاط الالتقاء كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها ، الدين واحد والإله واحد والرسول واحد والقرآن واحد ، وشهادة الانتساب إلى الدين واحدة : (( شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه )) ، وأركان الدين واحدة والعبادات واحدة ، العدو المشترك لها واحد ، هذه بعض أصول الوحدة ونقاط الالتقاء ، أما نقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا ، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر ، وبعضها يقوم على نصوص ظنية الدلالة ، وكل ما هو ظني فإنما يخضع للاجتهاد ، والقاعدة في الاجتهاد هي حديث النبي (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر  ))  [ متفق عليه ] ، فلا يصح أن يكون مجال الاجتهاد سببا للتفرقة والمبادرة إلى سل سيف التكفير لمن أخطأ،  تكمن المشكلة في أن البعض من المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع يتركون نقاط الاتفاق ، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق ، وينسون مواطن‏ الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام ،

[ 2 ]  إنّ عوامل الوحدة والتكامل بين صفوف الأمة الإسلامية أكثر من أن نعددها ، وهي أصول الدين وأسسه وتكفي لبناء أعظم أمة وأقوى وحدة ، ومن ذلك : ( العامل الاول ) : الأمة دينها واحد هو الإسلام ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  } ، وقد تفضل اللّه على المسلمين بإتمام النعمة وإكمال الدين، وهو الأساس، فلا داعي للابتعاد عنه بسبب الخلاف في ‏الفروع ، قال اللّه تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا } ، وجاءت النصوص القرآنية تؤكد ضرورة الالتقاء على أصول الدين، فقال اللّه تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه حق ‏تقاته، ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا } ، ، و قال تعالى :  { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ،  و ( العامل الثاني )  : الأمة إلهها واحد وربها واحد ومعبودها واحد ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، وقال تعالى : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ  } ، وقال تعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  } ، والمسلمون جميعاً يؤمنون باللَّه الرحمن الرحيم الواحد الأحد الفرد الصمد ، ويقدسونه وينزهونه وينفون عنه الشبيه والند والمثيل ، والصاحبة والوالد والولد ،  {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ،  و ( العامل الثالث )  : الأمة رسولها واحد ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : والمسلمون جميعاً يؤمنون به رسولاً ونبياً أرسله اللَّه تعالى، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي من بعده ، وهو صاحب الشفاعة يوم الدين ، معصوم عن الخطأ في تبليغ رسالة ربه ، وقد بلَّغ ما أمر به بلاغاً تاماً ، قال تعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  } ، وقال تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } ،  و ( العامل الرابع )  : الأمة قرآنها واحد ، القرآن الكريم : وهو كتاب اللَّه تعالى المنزل على محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  بواسطة جبريل عليه السلام ، بلسان عربي مبين ، المتعبد بتلاوته، المحفوظ من التحريف والتبديل ، المبدوء بالفاتحة، المختوم بسورة الناس، الموجود بين دفتي المصحف وصلنا متواتراً كما أُنزل على النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ،،لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،  قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ، والمسلمون جميعاً على الإيمان بذلك كله ،  و ( العامل الخامس )  : الأمة قبلتها واحدة : وهي الكعبة المشرفة بمكة المكرمة، وتسمى البيت الحرام، فالمسلمون جميعاً يتوجهون إليها في صلاتهم عملاً بقول اللَّه تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ، وهي أول بيت وضع للناس ، قال تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً، وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر فإن اللَّه غني عن العالمين  } ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، و ( العامل السادس )  : الأمة جميعا عندها شهادة الانتساب إلى الدين واحدة : وهي ، ( شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه ) ، ويجب النطق بها للدخول في الإسلام لمن لم يكن مسلماً ،  والمسلمون، بمختلف مذاهبهم، في الماضي والحاضر ، على أنها أصل الدين وبابه الاوحد ، ومتفقون على أنه لا يجزئ عنها شيء سواها ، ومتفقون على أنه لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ كان من أهل الجنة ، و ( العامل السابع )  : أمة الإسلام جميعهم متفقون على أركان الإيمان ، من إيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر ، و متفقون على أركان الإسلام ، وأركان الإسلام عندهم واحدة ، إنها شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا من المسلمون ، وبحمد الله الأمة عباداتها واحدة ، ( الصلاة ) ، فلا خلاف حول الصلاة المفروضة وعدد ركعاتها ولا حول ركوعها وسجودها وبقية أركانها ، ب- والصيام ، في شهر رمضان حيث يجمع المسلمون على صيام نهاره طيلة أيامه ، ج-  والزكاة، وهي النصيب الذي فرضه اللَّه للفقراء في أموال الأغنياء ، يتفق عليه جميع المسلمين ، والنصاب واحد عند جميع الفرق والمذاهب الإسلامية ، د- والحج، يجتمع المسلمون – كل المسلمين – في زمان واحد هو أشهر الحج ، وفي مكان واحد مكة المكرمة بزي واحد لأداء مناسك واحدة ،  و ( العامل الثامن )  : الأمة جميعا لها مصادر تشريع واحدة ، تتمثل في طاعة الله ورسوله ، قال تعالى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ، لقد توافرت للأمة الإسلامية ‏ وحدة التشريع، بما حفظه اللّه لها في مصدريها الأصليين، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وحتى المصادر الأخرى الاجتهادية ، فهي متقاربة ، والحلال في شرع الإسلام بين ، والحرام‏ بين ، والفرائض معلومة والواجبات معروفة  ، والمنهيات واضحة والكبائر يعلمها الصغير والكبير من المسلمين ،  و ( العامل التاسع )  : الأمة جميعا  لها انتماء واحد ، هو أنها أمة الإسلام ، ، قال تعالى { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون : 52 ] ،  والمسلمون، في أنحاء العالم ، من جميع الاجناس والألوان واللغات ، ينتمون لأمة واحدة ، دينها واحد وعقيدتها واحدة ، صهر الإسلام الجميع في بوتقة واحدة هي الانتماء للأمة الإسلامية ، ذات التاريخ الواحد، والرابطة الواحدة ، قال تعالى : { إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا اللّه لعلكم ترحمون }  ، و قال صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ،  و ( العامل العاشر )  : الأمة جميعا  أمامها عدو واحد مشترك : هو الكفر وأهله ، قال تعالى { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، الذين كفروا يوالي بعضهم بعضا في حرب الاسلام وأهله بالتنسيق فيما بينهم فهم على دين الاسلام وجربه أولياء ،  والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم ، هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والكفر ملة واحدة ، والكفار يوالى بعضهم بعضا على المسلمين ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، وقال تعالى : {  وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } [ البقرة : 120 ] ، ولهذا نهى الله تعالى الأمة عن موالاة هؤلاء ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ، وقال تعالى : { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ]  فإن لم يوال أهل الإسلام بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا ويعاون بعضهم بعضا ستحدث الفتنة والفساد الكبير ، والأمة جميعا أمامها عدو واحد مشترك : هو الكفر وأهله ، ولابد من الوحدة والتكامل من اجل مواجهة أخطاره ، إذن هذه عشرة عوامل تشكل إطار الوحدة ، ونقاط الالتقاء والتفاهم بين جميع الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية ، والعناصر التي تشكل عامل فرقة وانقسام إنما تطال الفروع لا الأصول ،  و المشكلة تكمن في أن البعض من المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع يتركون نقاط الاتفاق ، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق ، وينسون مواطن‏ الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام ، مع أن تلك الخلافات ليست خلافات في الجوهر والأصول : وإنما هي خلافات في الجزئيات‏ والفروع ، ودائرة الخلاف فيها تضيق بحق إذا حسنت النية، وتحقق التفاهم، وإذا كان الخلاف الاجتهادي بين أهل الاجتهاد محمودا، فان‏ التعصب المقيت ، والتورط في التكفير هو طامة الامة ، ومشكلة الأمة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ))   [ أخرجه مسلم ] ، إذن الخوف على الأمة يتمثل في الفرقة والاختلاف والعداوة والبغضاء بين المسلمين ، فيقع التكفير والسيف بينهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ،

***

[ سابعا ] بيان ان المستقبل للإسلام والمسلمين ولو كره الكافرون والمشركون

كتب الله تعالى لدينه الظهور ولو كره الكافرون والمشركون ، قال تعالى : { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } [ غافر:51 ]  ، و قال تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ النور:55 ] ، و قال تعالى : { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم:47 ] ،  و قال تعالى : { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ الصف:13 ] ، وقال تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة : 32 ، 33 ] ، و قال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 8 ، 9 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر ))   ، [ أخرجه أحمد والحاكم ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِىَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِى سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِى مِنْهَا )) [رواه مسلم (8 / 171 ) ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ )) [رواه مسلم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِى الأَرْضِ؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِى الآخِرَةِ نَصِيبٌ )) [ أخرجه أحمد في مسنده ، وقال الهيثمي ورجال أحمد رجال الصحيح ، وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ] ، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم  المسلمين بفتح قسطنطينية وروميه ، أخرج أحمد  والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : (( بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولاً ، يعني قسطنطينية )) ،  وقد فتحت قسطنطينية بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح ، وسيتحقق الفتح الثاني ولا بد  ،  كما بشر صلى الله عليه وسلم  بالنصر على اليهود ،  قال صلى الله عليه وسلم: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ )) [ أخرجه مسلم ] ،  ولا تقوم الساعة حتى يظهر المهدي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم: (( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً )) [ أخرجه أحمد في مسنده (1/376)  وأبو داود في سننه (4282) والترمذي في جامعه (2231) ] ،  ولا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى عليه السلام حكما عدلا وإماما مقسطا ، يدق الصليب ويذبح الخنزير ، ويحكم بشرع الإسلام ، وقد بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ )) [ متفق عليه ] ، ولا تقوم الساعة حتى تعود خلافة الإسلام ، قال صلى الله عليه وسلم : (( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة )) [ رواه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ] ، وهذا يدل على أن المستقبل للإسلام والمسلمين ، ولو كره الكافرون ولو كره المشركون ، نعم يمر المسلمون – اليوم - بمرحلة عصيبة من أحلك مراحل تاريخهم الطويل ، حيث تكالبت عليهم الأمم من كل صوب ، مع اتساع الفارق في القوة المادية والعدة والعتاد بين المسلمين وأعدائهم ، ولكن الله هو سند أهل الإسلام وحافظهم وناصرهم ، وهو القوي المتين ، وهو القائل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [ محمد : 7 ] ، وقال تعالى : { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ  } [ آل عمران : 126 ] ، فلابد من اليقين في نصر الله ، ولا بد لكل مسلم أن يكون واثقاً بوعد الله تعالى ، مستبشراً بمستقبل رسالته الخاتمة ودعوته الخالدة ، فالنصر قريب ، وهو بحمد الله تعالى كائن لا محالة بأيدينا أو بأيدي أبناءنا أ بأيدي أحفادنا ، فهو كائن لا محالة ، لأنه وعد الله  ، ولكن القضية تتعلق بنا ومدى فهمنا لدين الله ، ومدى تمسكنا بدين الله ، ومدى سعينا لمرضاة الله ، قال تعالى  : { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ، و قال تعالى : { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ  } ،  اللهم بصرنا بديننا يارب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

سلسلة الأخلاق الإسلامية ( 8 ) القيم والمبادئ الأخلاقية الإسلامية العالية - مجدي محمد

موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com

القيم الأخلاقية وفيها سبعة دروس أخلاقية :

( الدرس الأول ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية الأولى طاعة أولياء الأمر ،

( الدرس الثاني ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية الثانية بر الوالدين ،

( الدرس الثالث ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية الثالثة الخيرية للأهل والأزواج والأولاد ،

( الدرس الرابع ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية الرابعة صلة الأرحام ،

( الدرس الخامس ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية الخامسة الاحسان إلى الجار ،

( الدرس السادس ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية السادسة إكرام الضيف ،

( الدرس السابع ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية السابعة بناء لبنات المجتمع الإسلامي الفاضل ،

المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية ، وفيها أربعة دروس أخلاقية ،

( الدرس الأول ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية المبدأ الأول العدل ،

( الدرس الثاني ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الثاني الإحسان ،

( الدرس الثالث ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الثالث إيتاء ذي القربى ،

( الدرس الرابع ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الرابع النهي عن الفحشاء ،

***

 

الدرس الأول : القيم الأخلاقية العالية  : القيمة الأولى طاعة أولياء الأمر

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فإنّ الإسلام قيم أخلاقية عالية تضمن للمجتمع المسلم الفلاح والنجاح والأمن والسلام والمحبة والوئام ، واخترت للحديث عن هذا الموضوع سبعة قيم لابد من ترسيخ وجودها في المجتمع الإسلامي الفاضل ، القيمة الأولى : وتتمثل في : طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم ، والقيمة الثانية : الإحسان إلى الوالدين وبرهم ، والقيمة الثالثة : الخيرية للأهل والأزواج والأولاد ، والقيمة الرابعة : صلة الأرحام ، والقيمة الخامسة : الاحسان إلى الجار ، والقيمة السادسة : إكرام الضيف ،  والقيمة السابعة : بناء لبنات المجتمع الرباني الفاضل الذي تتوفر فيه كل معاني الأخلاق العظيمة من التحاب في الله و التآخي في الله ، والبر ، والإحسان ، والإيثار ، والتعاطف ، والتعاون ، والتناصر ، والتآلف ، وتعظيم حرمات المسلمين وحفظ حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم ، والتكافل فيما بينهم ، وخفض الجناح لهم وحسن الخلق معهم ، والحلم والأناة والرفق بهم ، وحسن الظن بعموم المسلمين والعفو عن المسيء منهم ، والستر على العصاة والمذنبين والمقصرين حتى لا تشيع الفاحشة بينهم ، هذه قيم سبعة أساسية حرص شرع الإسلام على ترسيخ وجودها في المجتمع الإسلامي الفاضل ، وفي هذا الدرس  أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة الأولى من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم  : إنّ المجتمع الإسلامي مجتمع متماسك اللحمة يعرف أنّ طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم والصبر على أخطائهم من أبرز القيم الإسلامية التي تحقق للمجتمع تماسكه وأمنه واستقراره ، إن المجتمع الإسلامي يعيش في ظل السياسة الشرعية الحكيمة التي تعرف لأولياء الأمور حقوقهم ولا تفتئت على صلاحياتهم ، تلك السياسة الشرعية الحكيمة التي تحفظ لحكام المسلمين حقوقهم ، وتحفظ على المؤمنين حرماتهم ، مع الصبر على جور الحكام وظلمهم ، وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنّة على ذلك ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } [ النساء : 59 ] ، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله ، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم ، { فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، أي إلى كتاب الله وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وقد جعلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم : طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ،  وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) ] ، وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة ، مبالغة في الأمر بالطاعة ، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة ، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش ، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا ، وما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام  للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً ،  ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم ، منها : ما أخرجه الإمام مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ، قَالُوا : قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم ، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد ، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط ، (( قَالَ : لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ )) ، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد ، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة  (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) ، وما  أخرجه مسلم أيضا عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ، ما كانوا مسلمين ،  وما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا : أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا ، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا  )) - ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (( وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ  )) ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، فهذا معنى البواح ، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط ، (( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) ،  وما أخرجه مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ : سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية ، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية ، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم ، ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) ، وما أخرجه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري ( 7053 ) ، ومسلم (1851) ] ، وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم ، ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر  )) ، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية ، ((مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) ، وما أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) [أخرج مسلم (1836) ] ، يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم ، ((  وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) ،  وما أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا ،  وهذه الأحاديث ليس الهدف من ذكرها تبرير أخطاء الحكام ، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين  ، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ، كما سيأتي بيانها ، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم ، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ،  فإن معاداة الحكام المسلمين لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ، والمجتمع الإسلامي الراشد يعرف حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، هو أقرب ما يكون من حالة إنكار المنكر على أحد الوالدين ، فلا يتعدى النصح باللين والرفق ،

السياسة الشرعية الحكيمة جعلت وجب اسداء النصيحة للحاكم  فيما يتعلق بأمر الإسلام والمسلمين في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، وأنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ،  قال ابن مفلح في  كتابه الآداب الشرعية  : (( ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة ، ويحرم بغير ذلك )) أهـ [ الآداب الشرعية ( 1/195-197 ) ] ، وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ص 64 ) ، (( ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها ))  اهـ ، وقال الشوكاني في [ السيل الجرار (4/556 ) ] : ( ينبغي لمن ظهر له غلط في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد ، بل كما ورد في الحديث : أنه يأخذ بيده ويخلوا به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله ، وقد قدمنا : أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعني متواترة ، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ،ويعصيه في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) أهـ ،  ( قلت ) : ويؤيد ذلك : ما  أخرجه الترمذي في [ سننه : ح ( 2225 ) ] : قال : حدثنا بندار : حدثنا أبو داود : حدثنا حميد بن مهران، عن سعد بن أوس، عن زياد بن كسيب العدوى، قال : كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق -، فقال أبو بلال : انظر إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق ! فقال أبو بكرة : اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( من أهان سلطان الله في الأرض  أهانه الله )) ، قال الترمذي : حسن غريب  اهـ ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (5/42 ) من الطريق نفسه دون ذكر القصة ولفظه : (( من أكرم سلطان الله في الدنيا، أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله في الدنيا، أهانه الله يوم القيامة )) ، وما أخرجه ابن أبي شيبة في [ المصنف  ( 15/74- 75 )  ] ،  وسعيد بن منصور في (( سننه ( 4/1660 ) )) عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، قال : قال عبد الله : (( إذا أتيت الأمير المؤمر، فلا تأته على رؤوس الناس ))  ، ولله در الإمام النووي حيث يقول : ( التأدب مع الكبار، وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه، ولا يجاهرون فقد يكون في المجاهرة به مفسدة ) اهـ [ شرح النووي : 7/148] ، إذن  الفقه السديد في إنكار المنكر على ولاة الأمور :  أن يكون باللسان  ، وباللين وبالحكمة والموعظة الحسنة ، وأن تكون النصيحة في إطار إظهار البيعة وعدم نزع اليد من الطاعة ، وإظهار الحرص على مصلحة الحاكم والرعية ، مع ضرورة ترك النصيحة في الملأ : وهو أصل عظيم، وقاعدة جليلة في الإنكار على أصحاب النفوذ ، وإذا كانت النصيحة أو الإنكار في الملأ من الأمور المكروهة عند عامة الناس ،  فهى أشد كراهة في حق أصحاب النفوذ، وهى أكثر شدة عليهم ممن عداهم ، فلا ينبغي النصح في الملأ ،  ولا أن تطول النصيحة ، ولابد وأن تكون بألين عبارة ، وأوجز خطاب وأحسن أسلوب ، وينبغي أن تخرج النصيحة مخرج المذاكرة والتعريض ، ولا مخرج التعليم والإفادة ؛ لأن المعلم أفضل وأعلى من المتعلم ، فلا ينبغي وضع الحاكم في تلك الصورة التي تظهر كانه تلميذ لدى معلمه ، فهذه حالة ينبغي إجلال السلطان عنها ، مع الحرص أعظم الحرص على ترك التخشين في الموعظة ) : فإن الواعظ لن يكون خيرا من موسى وهارون ، والموعوظ لن يكون شرا من فرعون ، ومع ذلك لما بعثهما إلى فرعون قال لهما : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر و يخشى } ،  قد يكون العالم أو الداعية يطمع في أجر حديث : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))  [ أخرجه الترمذي ، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1 / 886 ، ح رقم 491) ] ، ولكن الفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط : ( الضابط الأول ) : أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية ، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات ، ( الضابط الثاني ) : الهدي القرآني في معاملة الحكام ، قال تعالى - آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام - : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ( الضابط الثالث ) : منطوق الحديث وفيه ((كلمة عدل عند )) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان ، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب ، وتقويض دعائم الحكم وهيبته ، ( الضابط الرابع ) : أن تكون كلمة حق صادقة ، قالها انتصاراً لدين الله تعالى ، خالصاً لله وحده ، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته ،  ( الضابط الخامس ) : منطوق الحديث (( كلمة عدل )) أو في الرواية الثانية (( كلمة حق )) ، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه ، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة ، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله ، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته ، ( الضابط السادس ) : قائل الحق المجرد من أهواء النفس إن سلمت له الضوابط السابقة ، إن كان يلحق بالدين او بالمسلمين غيره مفاسد عظيمة بسبب إنكاره ، كأن ينتقم الحاكم من طائفة من المسلمين بسببه ، وآنذاك لا يكون جهره بالحق جائزا ، بل له أن يُسر النصيحة إلى الحاكم دون الجهر بها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ )) [ أخرجه أحمد (15333) ] ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثاني : القيم الأخلاقية العالية : القيمة الثانية بر الوالدين

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة الثانية من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام : الإحسان إلى الوالدين وبرهم  : لقد أولى القرآن الكريم بر الوالدين عناية فائقة ببر الوالدين ، والنهي عن عقوقهما ،  لقد فطر الله تعالى قلب الوالدين على العاطفة الصادقة والمودة الكاملة للأبناء وعلى البذل والتضحية والعطاء لهم بلا كلل لا ملل ، نجدهما يتحملان الجوع والتعب والمعاناة من أجل تربية الأبناء في مرحلة مليئة بالآلام، والمعاناة والسهر، والصبر، والتحمل، والتجمل ، والعطاء والرعاية ، والعناية التي فطر الله تعالى عليها قلب الوالدين ، وفي المقابل أمر الله تعالى الأبناء ببر الوالدين والإحسان إليهما ، في آيات عديدة قرن الله تعالى فيها بر الوالدين بعبادة الله ، منها قوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  } [ النساء : 36 ] ، وقوله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، وقال تعالى – عند ذكر وصايا القرآن - :  { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ الأنعام : 151 ] ،   كما جاءت ببرهما الوصية في قوله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  } [ لقمان : 14 ، 15 ] ، وقوله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ العنكبوت : 8 ] ، وقوله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [ الأحقاف : 15 ] ،  وقد تواترت الأحاديث على بر الوالدين والإحسان إليهما ، ومن ذلك : ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) [ متفق عليه ] ، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي قال : (( أمك )). قال ثم من قال : )) ثم أمك )) . قال ثم من قال : (( ثم أمك )) . قال ثم من قال (( ثم أبوك ))  [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد ، أبتغى الأجر من الله. قال : (( فهل من والديك أحد حي ؟ )) . قال نعم بل كلاهما. قال : (( فتبتغى الأجر من الله ؟ )). قال نعم. قال : (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال : (( أحي والداك ؟ )) . قال : نعم . قال : (( ففيهما فجاهد )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جئت أبايعك على الهجرة ، وتركت أبوي يبكيان ، فقال : (( ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما )) [ أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني ] ،  وأخرج النسائي عن معاوية بن جاهمة السلمي : (( أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك ، فقال : هل لك من أم ؟ قال : نعم ، قال : فالزمها ، فإن الجنة تحت رجليها ))  [ أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه الألباني ] ،  وأخرج مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال : (( كان جريج يتعبد في صومعة فجاءت أمه. قال حميد فوصف لنا أبو رافع صفة أبى هريرة لصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمه حين دعته كيف جعلت كفها فوق حاجبها ثم رفعت رأسها إليه تدعوه ، فقالت : يا جريج أنا أمك كلمني. فصادفته يصلى فقال : اللهم أمي وصلاتي. فاختار صلاته فرجعت ثم عادت في الثانية ، فقالت : يا جريج أنا أمك فكلمني. قال اللهم أمي وصلاتي. فاختار صلاته ، فقالت : اللهم إن هذا جريج وهو ابني وإني كلمته فأبى أن يكلمني اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات. قال : ولو دعت عليه أن يفتن لفتن. قال : وكان راعى ضأن يأوي إلى ديره قال فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها الراعي فحملت فولدت غلاما ، فقيل لها : ما هذا ؟ قالت : من صاحب هذا الدير. قال : فجاءوا بفئوسهم ومساحيهم فنادوه فصادفوه يصلى ، فلم يكلمهم ، قال : فأخذوا يهدمون ديره ، فلما رأى ذلك نزل إليهم فقالوا له : سل هذه قال : فتبسم ثم مسح رأس الصبي فقال : من أبوك ؟ قال : أبى راعى الضأن. فلما سمعوا ذلك منه ، قالوا : نبنى ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة. قال : لا ولكن أعيدوه تراباً كما كان ، ثم علاه )) [ أخرجه مسلم  ] ،  وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن : دعوة الوالد على ولده ، ودعوة المظلوم ، ودعوة المسافر ))  [ أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني ] ،  وأخرج مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما : (( أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه ، إذا مل ركوب الراحلة وعمامة يشد بها رأسه ، فبينا هو يوماً على ذلك الحمار ، إذ مر به أعرابي ، فقال : ألست ابن فلان بن فلان ؟ قال : بلى . فأعطاه الحمار وقال : اركب هذا ، والعمامة ، قال : اشدد بها رأسك ، فقال له بعض أصحابه : غفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حماراً كنت تتروح عليه ، وعمامة كنت تشد بها رأسك! فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (( إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه ، بعد أن يولي )) . وإن أباه كان صديقا لعمر  [ أخرجه مسلم ] ، وقد ورد النهي في الكتاب والسنة عن عقوق الوالدين ، كما جاء في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [ الرعد : 25 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [ البقرة : 26 ، 27 ] ، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على أنّ عقوق الوالدين من أكبر الكبائر  ، ما أخرجه الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (( إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ , وَمَنْعًا وَهَاتِ , وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ : وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ )) [ أخرجه البخاري ] ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا ؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ , فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ (( [ متفق عليه ] ، وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِي كَتَبَهُ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : (( وَأَنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ , وَالْفِرَارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ , وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ , وَأَكْلُ الرِّبَا , وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ))  [ الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ] ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ , وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ ))  ،  وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالنَّسَائِيِّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( ثَلَاثَةٌ حَرَّمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ الْجَنَّةَ : مُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَالْعَاقُّ , وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ الْخَبَثَ فِي أَهْلِهِ )) ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : { مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ , وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ { أَنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ . قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ , وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ ، وأخرج َالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : (( أَرْبَعٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَهُمْ الْجَنَّةَ وَلَا يُذِيقَهُمْ نَعِيمَهَا : مُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَآكِلُ الرِّبَا , وَآكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ , وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ  )) ،  وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ  : (( جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَهِدْت أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ , وَصَلَّيْت الْخَمْسَ , وَأَدَّيْت زَكَاةَ مَالِي , وَصُمْت رَمَضَانَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا , وَنَصَبَ أُصْبُعَيْهِ مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ )) ، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ : (( أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ قَالَ لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْت وَحُرِّقْت , وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْك وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ ))  الْحَدِيثَ ، وأخرج الحاكم وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ  والطبراني عن أَبِي هُرَيْرَةَ مرفعا (( مَلْعُونٌ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ )) ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا : (( كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا شَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ )) ،  إنّ بر الوالدين من أعظم القيم الأخلاقية التي حث عليها الإسلام ، وقرن القرآن الكريم بينها وبين عبادة الله تعالى ، فقال سبحانه : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، اللهم ارزقنا البر بالوالدين وارحمهما{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، كما ربيانا صغارا ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثالث : القيم الأخلاقية العالية : القيمة الثالثة الخيرية للأهل والأزواج والأولاد

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة الثالثة  من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  الخيرية للأهل [ الأولاد والأزواج ]  :  وهي تتناول بيان حرص الإسلام على تربية الأولاد على منهج الله أعظم الحرص ، وبيان حرص الإسلام على اختيار الزوج الصالح والزوجة الصالحة لضمان صلاح الذرية ، وبيان مقياس الخيرية في شرع الإسلام وأنه الخيرية للأهل من الأولاد الزوجات ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة ] ،   أولاً : بيان حرص الإسلام على تربية الأولاد : لقد حرص الإسلام على تربية الأولاد على منهج الله أعظم الحرص ، ولذلك أشار القرآن الكريم إلى حرص الأنبياء والمرسلين على تربية أهليهم وأولادهم ، قال الله تعالى – عند ذكر حرص نوح على هداية ولده - : { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) } [ هود : 42 إلى 47 ] ، فنبي الله نوح عليه السلام كان شديد الحرص على هداية ولده والدعاء له حتى أعلمه الله تعالى أنه كافر فلا يصح أن يتعلق القلب به ولا الدعاء له ،  وقال تعالى – عند ذكر حرص إبراهيم عليه السلام على هداية ذريته - : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } [ البقرة : 124 ] ، فلما بشره الله تعالى بالإمامة في الدين طلبها لذريته من بعده ، فأخبره الله تعالى أنها لا تكون للظالمين ، وقوله تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [ البقرة : 127 ، 128 ] ، فالدعاء للذرية يتمثل في قول إبراهيم واسماعيل عليهما السلام : { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ } ، دعَوَا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام ، وقوله تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 131 ، 132 ] ، أمره الله تعالى بالإسلام فأطاع ، ثم وصى بنيه وذريته باتباع دين الإسلام وكذلك وصى يعقوب عليه السلام بنيه بذلك ،  )يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ( أي: اختاره وتخيره لكم، رحمة بكم، وإحساناً إليكم، فقوموا به، واتصفوا بشرائعه، وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك، فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه ، وكذلك قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } [ إبراهيم : 35 ] ،  إبراهيم عليه السلام يدعو ربه أن يرزقه وبنيه التوحيد ويجنبهم الشرك وعبادة الأصنام : { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } ، ولما أمره الله تعالى بترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل في مكة المكرمة وكانت آنذاك صحراء جرداء ، لم ينس ذريته فدعا ربه قائلا : { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } [ إبراهيم : 37 إلى 40 ] ،  حرص على إقامة الصلاة : { رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ  } ، وحرص على شكر الله : { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } ، وحمد لله على الذرية الصالحة لأنها من أعظم النعم : {  الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } ، قد كان حريصا على أن ينال تلك النعمة أشد الحرص ، لذا كثيرا ما دعا الله تعالى بهذا الدعاء : { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ } [ الصافات : 100 ، 101 ] ،  وكذلك نبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام : كان يتعاهد أهله وذريته بالصلاة عبادة الله : قال تعالى : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا } [ مريم 54 ، 55 ] ، ونبي الله زكريا عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام كان حريصا على أن يرزقه الله تعالى الذرية الطيبة ، قال تعالى : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ  } [  آل عمران : 38 ] ، و قال تعالى : { وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [ الأنبياء : 89 ، 90 ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، أمره اللَّه تعالى بقوله : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } [ طه : 132 ] ، أي: حثّ أهلك على الصلاة ، وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا  بإقامتها، بحدودها وأركانها وآدابها وخشوعها ، كما أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الناس بذلك بقوله : ((مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِع)) [ أخرجه أحمد : ح  6756 ،  وأبو داود : ح 495، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (2/ 401) : إسناده حسن صحيح ] ،  كما خاطب الله تعالى المؤمنين بما خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(  } [ التحريم : 6 ] ،  )قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا( موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة، ووقاية الأنفس بإلزامها أمر اللَّه، والقيام بأمره امتثالاً، ونهيه اجتنابًا، والتوبة عما يسخط اللَّه، ويوجب العذاب، ووقاية الأهل، والأولاد، بتأديبهم، وتعليمهم، وإجبارهم على أمر اللَّه، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر اللَّه به في نفسه ، وفيما يدخل تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممن هو تحت ولايته وتصرفه ، ووصف اللَّه النار بهذه الأوصاف، ليزجر عباده عن التهاون بأمره فقال تعالى : { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ } أي : غليظة أخلاقهم، عظيم انتهارهم، يفزعون بأصواتهم ويخيفون بمرآهم، ويهينون أصحاب النار بقوتهم، ويمتثلون فيهم أمر اللَّه، الذي حتم عليهم العذاب، وأوجب عليهم شدة العقاب،  { لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ،  لقد شرح لنا القرآن الكريم أهم الأسس التربوية على لسان  لقمان الحكيم ، في قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } [ لقمان : 12 إلى 19 ] ، ففي هذه الآيات وصف اللّه تعالى لقمان بالحكمة ، وذكر بعض ما يدلّ على حكمته في وعظه لابنه ، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال : ) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ (،والوعظ يكون بالنصيحة والإرشاد والأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب ، فأمره بالإخلاص والإيمان ، ونهاه عن الكفر والشرك ، وأمره ببر الوالدين والإحسان إليهما وأمره بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأمره بالصبر على طاعة الله ، وأمره بأصول الأخلاق العظيمة من التواضع وحسن معاملة الخلق والقصد في المشي وخفض الصوت ، ونهاه عن الكبر والاختيال والفخر ،  ولقد وضح لنا القرآن الكريم حرص عباد الرحمن على صلاح الأزواج والذرية ، وذلك في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا(  } [ الفرقان : 74 إلى 76 ] ،  { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } أي : تقر بهم أعيننا ، من رؤيتهم مطيعين لربهم ، ووضح لنا القرآن الكريم حرص المؤمنين على صلاح ذريتهم ، قال تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } [ الأحقاف : 16 ، 17 ] ، ففي الآيات التوصية ببر الوالدين ، { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا } ثم الدعاء بصلاح الذرية : { وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي } ، دعا لذريته أن يصلح اللَّه أحوالهم، )أُولَئِكَ( الذين ذكرت أوصافهم )الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا(، وهو الطاعات ، { وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ } فِي جملة )أَصْحَابِ الْجَنَّةِ(،) وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ( وعد صادق من أصدق القائلين الذي لا يخلف الميعاد ، ثانيا : بيان حرص الإسلام على اختيار الزوج الصالح والزوجة الصالحة لضمان صلاح الذرية : لقد شرع الإسلام الزواج ؛ قال تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} [ النحل : 72 ] ، وقد جعل الإسلام الزواج واجبا على من خاف على نفسه من الوقوع في الزنا، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبَصَرِ وأحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ )) [ متفق عليه ، أخرجه البخاري ، ح 5065، ومسلم ، ح 1400 ] ، ثم إنَّ الإسلام قد حثَّ الرجل المسلم على البحث عن الزوجة الصالحة؛ لأنها شريكة حياته ، وهي التي سوف تربي أولاده ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )) [ متفق عليه أخرجه البخاري ح 5090، ومسلم ح 1466 ] ، فينبغي أن يتخيّر الرجل المرأة الصالحة ذات الخلق الحميد والدين القويم، فلا يكون همه الجمال وحده، فقد تكون هذه المرأة سببُ تنغيصٍ وشقاوةٍ على الإنسان، ومن ثم ينشأ أولاده على: الفسق، والعصيان، وسوء الأخلاق، أما المرأة الصالحة، فهي تربي أجيالاً صالحين، وقد أرشد إليها الرسول صلى الله عليه وسلم  وأخبر أنها خير متاع ، فقد أخرج مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ )) [ أخرجه مسلم، ح 1467 ] ،  أي أن الدنيا متاع زائل، وخير ما في هذا المتاع المرأة الصالحة؛ لأنها تُسعد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة ، وأخرج النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( خَيْرُ النِّساء مَن إذَا نَظَرْتَ إليْهَا سَرَّتْكَ، وإذَا أمَرْتَها أطَاعَتْكَ، وإذا أقْسَمْتَ عليْهَا أبَرَّتْكَ، وإِذَا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في نَفْسِها ومالِك )) [  أخرجه النسائي في الكبرى ح 8961 )، والحاكم  ح  2682 ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي ] ، وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم  أهم أخلاق الزوجة بقوله : (( خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صالحُ نِساءُ قُرَيشٍ، أَحْنَاهُ على ولَدٍ في صِغرهِ، وَأَرْعَاهُ على زَوْجٍ في ذَاتِ يَدِهِ )) [  متفق عليه ، أخرجه البخاري ، ح 5082، ومسلم ، ح  2527 ] ، والزوجة الصالحة راعية في بيتها ، ومسؤولة عن رعيتها ، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ على أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ على بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ )) [ متفق عليه ، أخرجه البخاري ،  ح 893 ، ومسلم ، ح 1829 ]  ، فحريٌّ بالرجل أن يبحث عن الزوجة الصالحة التي تراقب الله في بيتها وزوجها وأولادها ، تلك الزوجة التي تعلم أن طاعة زوجها من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله، فهي تُنَفِّذ أمر الله وتطيع زوجها في غير معصية الله تبارك وتعالى ، وعلى المرء المسلم أن يسأل الخالق الذي يعلم الغيب ويعلم ما تُكنُّ الضمائر، أن يرزقه زوجةً صالحةً، وأن يكون أكثر دعائه {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} [ البقرة : 201 ] ، وحسنة الدنيا ، وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة كما ذكر ذلك أهل التفسير ،  وقد ندب الشرع إلى طلب الودود الولود ، فإنّ إنجاب الأولاد هدف عظيم لأنهم في المستقبل حملة الدين ، خدام الشريعة ، وقد أخرج أبو داود بسنده عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: (( تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ )) [  أخرجه أبو داود ، كتاب النكاح، باب النهي عن التزوج من لم يلد من النساء ، ح 2050، والحاكم (2/176، رقم 2685)، والبيهقي في سننه الكبرى (7/81 رقم 13253)، وصححه الحاكم ونقل تصحيحه المنذري في ترغيبه (3/31 رقم 2958) وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 2940. وقال في صحيح سنن أبي داود (1/574 رقم 2050): حسن صحيح ] ،  كما اعتبرت الشريعة الإسلامية الأولاد من مصادر النفع والخير في الحياة الدنيا ، وبعد الممات. فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : (( إذا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلا من ثَلَاثَةٍ: إلا من صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له )) [  أخرجه مسلم ، ح 1631 ] ،  وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قوله : ((  إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك  )) [  أخرجه أحمد في المسند  ح 10610 ، وابن ماجه ، ح 3660 وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (3/214)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 1598 ] ، وفضل تربية البنات والإحسان إليهن ثابت في الأحاديث الصحيحة ،  أخرج مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :  ((  من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه  )) [ أخرجه مسلم ، كتاب البر والصلة، باب الإحسان إلى البنات، برقم 2631 ] ،  وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن ماجة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: ((  من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته كُنَّ له حجاباً من النار يوم القيامة  )) [ أخرجه ابن ماجه، كتاب الأدب، باب بر الولد والإحسان إلى البنات، برقم 3669، والبخاري في الأدب المفرد ( رقم 76)، وصححه الألباني في الصحيحة، برقم 294، وفي صحيح ابن ماجه (3/215)، وصحيح الأدب المفرد (ص57) ] ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن ماجة أيضا عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  ما من مسلم تدركه ابنتان فيُحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة   )) [ البخاري في الأدب المفرد (رقم 77) ، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب بر الولد والإحسان إلى البنات، برقم 3670، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص 57)، وفي صحيح ابن ماجه (3/215)، وفي الصحيحة، رقم 2775 ] ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن جابر بن عبدالله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  من كان له ثلاث بنات يؤويهنَّ، ويكفيهنَّ، ويرحمهنَّ، فقد وجبت له الجنة البتة» فقال رجل من بعض القوم: واثنتين يا رسول الله؟ قال: واثنتين  )) [ البخاري في الأدب المفرد، برقم 78، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص 58)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 294، 2492 ] ،  وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ((  لا يكون لأحد ثلاثُ بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أُختانِ، فيتقي الله فيهنَّ، ويُحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة  )) [ أبو داود، ح 5147، 5148، والترمذي، ح 1912، 1916، وأحمد في المسند ح 11384، و ح  11924 ، وقال عنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 2/429: «صحيح لغيره»  وأخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم 79، وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص 58): «حسن» . وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 294، (1/183) ] ، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ((  من عال ابنتين، أو ثلاثاً، أو أختين، أو ثلاثاً حتى يَبِنَّ أو يموت عنهنَّ كنتُ أنا وهوَ في الجنةِ كهاتَيْنِ ، وأشار بأصبعهِ الوُسطى والتي تليها  )) [ أخرجه أحمد في المسند  ح 12498، و ح 12593 ، وابن حبان في صحيحه ح 447، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان (2/191): « إسناده صحيح على شرط الشيخين» . وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/428): «صحيح» ] ، وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرةً؛ لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صَنَعَتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال:  ((  إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار  )) [ أخرجه مسلم ، ح  2630 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت عليَّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرةٍ، فأعطيتها إيَّاها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت وخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم  فأخبرته فقال:  ((  من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهنّ كنَّ له ستراً من النار  )) [ متفق عليه : البخاري ح 1418، ومسلم ، ح  2629 ] ، فالأولاد نعمة من الله تعالى، وهبة من هباته، قال الله تعالى : {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُور * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير} [ الشورى : 49 ، 50 ] ، وقوله تعالى: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا}أي : يجمع لمن يشاء سبحانه بين الذكور والإناث فضلاً منه وإحساناً ، فنفع الأولاد الصالحين يعود على الوالدين في الدنيا والآخرة، والآيات والأحاديث في الحث على طلب الأولاد كثيرة جداً ، وإذا كان الإسلام قد حث على طلب الزوجة الصالحة ، فإنه كذلك حث الآباء على تزويج بناتهم رجالاً صالحين ، أخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  إذا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ )) [  أخرجه الترمذي ، ح  1084 ، والحاكم : ح 2695) وصححه، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي ح 1084 ، و ح 1085 : حسن صحيح ] ،  فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم  ما سيحدث للآباء من الأخطار الجسيمة، والمفاسد الكبيرة التي تنتظرهم إذا لم يختاروا لبناتهم أو أخواتهم من يرضون دينه وخلقه ، فإنها أمانة ، وعلى كل طالب للزواج أن يطلب ذات الدين وأن يتأكد من صلاحها في دينها وخلقها ، وأن يتأكد ولي أمر الزوجة من صلاح خلق ودين الزوج ، ثالثا: بيان مقياس الخيرية في شرع الإسلام : أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة  ] ،  وفي هذا الحديث دليل عظيم على محاسن الإسلام التي جاء بها ، ومن جملتها أنه جعل الإحسان إلى الزوجة والعيال من أفضل الأعمال والقربات ، وفاعله من خيرة الناس ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( خيركم خيركم لأهله )) : أي لعياله ، وذوي رحمه ، وأزواجه ، وأقاربه ، وذلك لدلالته على حسن الخلق ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( وأنا خيركم لأهلي )) دلالة على أن من خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم أنّه  كان أحسن الناس عشرة لأهله ، و كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على حسن الخلق فقد كان يدعو الله أن يهديه لأحسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها و يستعيذ بالله من منكرات الأخلاق و يدعو الله أن يحسن خلقه ، و أثنى الصحابة على حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه عائشة تقول عنه صلى الله عليه وسلم : (( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً و لا متفحشاً ولا صخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة و لكن يعفو ويصفح )) [ أخرجه الترمذي ] ، و تقول عنه أيضاً : (( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله )) [ أخرجه مسلم ] ، و هذا انس يقول "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط  وما قال لي لشيء صنعته : لم صنعته؟ ولا لشيء تركته : لم تركته ؟ و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً )) [ متفق عليه ] ،  و هذه خديجة رضي الله عنها تقول له حينما قال لها لقد خشيت على نفسي تقول (( كلا و الله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الدهر) [ متفق عليه ] ، إذن الحديث يدعو إلى الخيرية مع الأهل عامة من الأولاد والزوجات والأقارب ، لقد كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم النموذج الكامل في خلقه ومعاملته ، بعث رحمة للناس كافة ، ولأهله وآل بيته خاصة فكانت معاملته لهم كلها رحمة ورفق وتربية وتزكية وتعليم ، يتودد صلى الله عليه وسلم لأهله ويتحبب لهم ، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة ، والمسلم يأخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم  حسن خلقه ، ويقتدي بخيريته لأهله ورحمته بهم حتى يكون من خير الناس  ،  إن هذا الحديث العظيم يضع النبراس للمسلمين في أنّ مقياس الخيرية يتمثل في الخيرية أولاً للأهل وحسن التربية والتزكية والمعاملة للزوجة والأولاد والوالدين وسائر ذوي الرحم ،  فقد أخرج مسلم : عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرْفُوعًا : (( أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ , وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : بَدَأَ بِالْعِيَالِ . ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمُ اللَّهُ أَوْ يَنْفَعُهُمْ اللَّهُ بِهِ وَيُغْنِيهِمْ . [ أخرجه مسلم ح ( 994 ) ] ، وأخرج مُسْلِمٌ  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : (( دِينَارٌ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَدِينَارٌ أَنْفَقْته فِي رَقَبَةٍ , وَدِينَارٌ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ , وَدِينَارٌ أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك , أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك )) [ أخرجه مسلم ح ( 995 ) ] ، وَفِي صحيح البخاري  وصحيح مسلم عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْت عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك } أَيْ فِي فَمِهَا )) [ متفق عليه ، البخاري (1295) ومسلم   (1628) ] ، إنّ الأسرة هي نواة المجتمع فإذا صلحت صلح المجتمع كله ، وإذا فسدت فسد المجتمع كله ، وإذا صلحت الأسرة - ولا صلاح لها إلا بالإسلام وأخلاق الإسلام - ستخرج لنا أجيالا صالحة مصلحة قادرة على المساهمة في تغيير المجتمع والسير به نحو الإصلاح والتجديد ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الرابع : القيم الأخلاقية العالية :  القيمة الرابعة صلة الأرحام

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة الرابعة : من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  صلة الأرحام  :  صلة الأرحام: معناها الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول : فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة ، وتارة بالسلام ، وتارة بطلاقة الوجه، وتارة بالنصح، وتارة برد الظلم، وتارة بالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة على حسب القدرة والحاجة والمصلحة ، وقطيعة الأرحام معناها : هجر الأقارب ، وترك وصلهم ، وترك الإحسان إليه ، وصلة الأرحام من أعظم الواجبات, وأفضل الطاعات، وقطيعتها من أعظم الذنوب وأخطر الآفات؛ للأدلة من الكتاب والسنة ، قال تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 36 ، 37 ] ، و قال تعالى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ  كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } [ الإسراء : 26 إلى 28 ] ، و قال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، و قال تعالى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  } [ البقرة : 215 ] ، و قال تعالى : { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنفال : 75 ] ، وقال تعالى  : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [ النساء : 1 ] ، وقال تعالى  : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } [ الأحزاب : 6 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) [  متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (7/96) برقم 5986 ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2557 ] ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من سره أن يُبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه)) [  البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، برقم 5985 ] ،  وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراةٌ في المال، مَنْسَاةٌ في الأثر)) [  أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في تعليم النسب (4/351)، برقم 1979، وأحمد في المسند (2/374)، والحاكم وصححه(( (( ووافقه الذهبي (4/161)، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 276: ((إسناده جيد، ورجاله ثقات)) ] ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول على المنبر: (( تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم؛ لأوزعه ذلك عن انتهاكه)) [ أخرجه البخاري في الأدب المفرد في باب: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم (ص 39)، برقم 72، وحسن إسناده الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص 55) ] ، وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا قرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة)) [  أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (4/161)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 277 ] ، إنّ واصل الرحم لا يخزيه الله تعالى، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها قولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((  كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقريء الضيف، وتعين على نوائب الحق...)) [  متفق عليه: البخاري، ح برقم 3، ومسلم، ح 160 ] ، وصلة الأرحام من أهم أسباب دخول الجنة ، أخرج البخاري عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم)) [  البخاري، كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم (7/95)، برقم 5983 ] ، وأخرج ابن ماجة عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام, تدخلوا الجنة بسلام)) [  أخرجه ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، برقم 3251، واللفظ له، والترمذي, كتاب صفة القيامة، باب حدثنا محمد بن بشار، وقال: هذا حديث صحيح، برقم 2485، وأحمد في المسند (1/165)، و(2/391) وصححه الألباني في إرواء الغليل (3/239)، وفي صحيح سنن ابن ماجه (1/223) وفي صحيح سنن الترمذي (2/303) ] ، وصلة الأرحام هي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (( أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير: أوصاني أن لا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين, والدنوِّ منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأوصاني أن أكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة)) [  ابن حبان في صحيحه (2/194)، برقم 449، والطبراني في المعجم الكبير (2/156) برقم 1648، وفي الأوسط والصغير (7/236) [مجمع البحرين] برقم 4377، وصححه شعيب الأرنؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2/669) ] ، وصلة الأرحام من أهم أسباب النجاة من العقوبة ؛ لأن قطيعة الرحم تسبب العقوبة في الدنيا والآخرة ، أخرج أبو داود والترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مَعَ ما يَدَّخرُ له في الآخرة: من البغي, وقطيعة الرحم)) [  أخرجه أبو داود, كتاب الأدب, باب في النهي عن البغي (4/276) برقم 4902، والترمذي، كتاب صفة القيامة, بابٌ: حدثنا علي بن حجر (4/664) برقم 2511، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح))، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب عقوبة قاطع الرحم في الدنيا (1/147) برقم 67، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 917، 976. وفي صحيح الأدب المفرد (ص 53) ] ، و أخرج البخاري ومسلم  وأبو داود عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يدخل الجنة قاطع)) [  متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب إثم القاطع (7/95)، برقم 5984، ومسلم،  بلفظه، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1981) برقم 2556 ] ، وفي رواية مسلم (( يعني قاطع رحم ))، ولفظ أبي داود: ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) [أبو داود, كتاب الأدب، بابٌ في صلة الرحم برقم 1696 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذِ بك من القطيعة)) ، قال : (( نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟)) قالت: بلى يا رب، قال: ((فهو لك))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا إن شئتم : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ *  أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } )) [متفق عليه: البخاري كتاب الأدب ، باب من وصل وصله الله (7/96)، برقم 5987، ومسلم بلفظه، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1980) برقم 2554، والآيات من سورة محمد 22 – 24 ] ، وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)) [ مسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1981) برقم 2556 ] ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله عز وجل: أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بَتَتُّهُ )) [ البخاري في الأدب المفرد، باب فضل صلة الرحم (ص 33)، برقم 53، بلفظه, وأبو داود, في كتاب الزكاة, باب في صلة الرحم (2/133) برقم 1694، والترمذي، وصححه في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم (4/315)، برقم 1907، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 520، وصحيح الأدب المفرد (ص 49) ] ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الرحم شجنة, من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلتُه، ومن قطعك قطعتُهُ )) [ البخاري، ح 5988 ] ، وأخرج البخاري أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الرحم شجنة, فمن وصلها وصلتُهُ، ومن قطعها قطعتهُ)) [  البخاري، كتاب الأدب، بابٌ: من وصل وصله الله برقم 5989 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جهاراً غير سرٍّ يقول: ((إن آل أبي – يعني – فلاناً، ليسوا لي بأولياء، إنما ولييَ اللهُ وصالحُ المؤمنين، ولكن لهم رَحِمٌ أبُلُّها ببلالها)) يعني أصلها بصلتها [ والحديث متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب: من وصل وصله الله برقم 5990, ومسلم، كتاب الإيمان، باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم، برقم 215 ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديثه في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقريش حينما جمعهم وقام على الصفا، وفيه: ((  يا بني هاشم انقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدالمطلب انقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رَحِماً، سأبلُّها ببلالها )) [ أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، ح  204 ] ، وأجر صلة الأرحام العظيم التام الكامل إنما هو للمسلم الذي يصل من قطعه ، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: ((لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَّ ، ولايزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)) [  مسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2558] ، وأخرج البخاري عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وصلها)) [ البخاري، كتاب الأدب، بابٌ: ليس الواصل بالمكافئ, (7/97)، برقم 5991 ] ، وصلة الأرحام من أخلاق المؤمنين بالله واليوم الآخر؛ أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)). وفي لفظ: ((فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت)) [ متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه، برقم 6138، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير، وكون ذلك كله من الإيمان، برقم 47] ، والصدقة على ذي الرحم: اثنتان: صدقة وصلة ، أخرج أحمد والترمذي والنسائي عن سليمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي الرحم اثنتان: صدقةٌ, وصلةٌ)) [  أخرجه أحمد في مسنده (2/17، 18، 214)، والترمذي وحسنه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة، (3/38) برقم 658، والنسائي، كتاب الزكاة، باب الصدقة على الأقارب برقم 2582، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة برقم 1844، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي [1/202] ] ، وقاطع الرحم مفسد خاسر ، قال تعالى : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [ البقرة : 27 ] ، وقاطع الرحم ملعون مطرود من رحمة الله ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ  } [ الرعد : 25 ] ، اللهم إنا نسألك صلة الأرحام ونعوذ بك من قطعها ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الخامس : القيم الأخلاقية العالية : القيمة الخامسة الاحسان إلى الجار

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة الخامسة من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام : الاحسان إلى الجار :  أوصى الإسلام بالإحسان إلى الجار ، وحرم أذاه بالقول والفعل ، وجعل منع الأذى عنه من خصال الإيمان، ونفى الإيمان عن من لا يأمنه جاره، وأخبر أن خير الجيران عند الله خيرهم لجاره، ومن أدلة الإحسان إلى الجار في الكتاب والسنّة  : قول الله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النساء : 36 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 369، 370) ،ومسلم (2624، 2625) ] ، وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :  : (( يا أبا ذر إذا طبخت مرقة  فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك )) [  رواه مسلم ، مسلم (4/ 2025) رقم حديث الباب (142، 143) ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  : (( والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن )) [  قيل من يا رسول الله ؟ قال :  : (( الذي لا يأمن جاره بوائقه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 370، 371) ومسلم (46) ] ، وفي رواية لمسلم :  : (( لا يدخل الجنة من لا يأمن من جاره بوائقه )) ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  : (( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 372) ومسلم (1030) ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  : (( لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره )) [  متفق عليه ، البخاري (5/ 79، 80) ومسلم (1609) ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليسكت )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 373) ومسلم (47) ] ، وأخرج مسلم عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت )) [  رواه مسلم ، مسلم (48) ] ، وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال :  : (( إلى أقربهما منك بابًا )) [  رواه البخاري (10/ 374) ] ، وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  :صلى الله عليه وسلم  : (( خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره )) [  أخرجه الترمذي (1945) وقال : حديث حسن ، وأخرجه أحمد (2/ 168) والحاكم وصححه (4/ 164) ووافقه الذهبي ] ، والجار إذا كان مسلماً قريباً فله ثلاثة حقوق، حق الإسلام وحق الجوار وحق القرابة، وإذا كان مسلما وليس له قرابة فله حقان، حق الإسلام وحق الجوار، وإذا كان كافرا فله حق واحد وهو حق الجوار، ومن أهم حقوق الجار بدؤُهُ بالسلام والسؤال عن حاله ومعاونته عند الحاجة وعيادته إذا مرض وتعزيته وتهنئته وستره وغض البصر عن حريمه والتلطف مع أولاده وإرشادهم إلى الخير وأن ينصره إذا استنصره، وأن يعينه إذا استعانه ، وأن لا يؤذيه بشيء ، وخير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران خيرهم لجاره ، ويعظم حق الجار إذا كان فقيرا أو مسكينا أو يتيما أو أرملة ، والذي يؤذي جاره في النار لما أخرجه أحمد : أن الصحابة ذكروا للرسول صلى الله عليه وسلم امرأة تصلي الكثير وتصوم الكثير ولكنها تؤذي جيرانها فقال هي في النار [ رواه أحمد والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد ] ، وإذا ابتلى المسلم بجار سوء فليصبر عليه ، فقد أخرج أبو داود بسنده : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال له :  : (( اصبر، ثم قال له في الثالثة أو الرابعة اطرح متاعك في الطريق ، فطرحه فجعل الناس يمرون به ويقولون ما لك؟ فيقول، آذاني جاري، فيلعنون جاره حتى جاءه وقال له رد متاعك إلى منزلك فإني والله لا أعود )) [  أخرجه أبو داود ] ، وإذا كان الأذى بغير حق محرما ، فإنّه في حق الجار أشد تحريمًا ، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل : أي الذنب أعظم ؟ قال: (( أن تجعل لله ندًا وهو خلقك ،  قيل : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ،  قيل : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن المقداد بن الأسود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  : (( ما تقولون في الزنا ؟ قالوا : حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره ، قال : فما تقولون في السرقة ؟ قالوا : حرام حرمها الله ورسوله فهي حرام قال : لأن يسرق الرجل من عشر أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره )) [ أخرجه أحمد (23905) والبخاري في الأدب (103) ، وقال المناوي : إسناده صحيح : التيسير بشرح الجامع الصغير 2/561 ] ، وفي صحيح البخاري عن أبي شريح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  : (( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قيل من يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة أيضًا قال : قيل يا رسول الله إن فلانة تصلي بالليل وتصوم النهار وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة قال :  لا خير فيها هي في النار ، وقيل له : إن فلانة تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق ، وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحدا قال : هي في الجنة )) [  أخرجه أحمد : ولفظه : ولا تؤذي بلسانها جيرانها ، والحاكم ] ، وحد الجار قال الشافعي [ انظر المجموع شرح المهذب 15/462 الفتاوى الكبرى للهيتمي 4/7 ] ، وطائفة من السلف والعلماء : حد الجوار أربعون دارًا، مستدار أربعين دارًا من كل جانب ، وفي مراسيل الزهري :  : (( أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جارًا له، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن ينادي : ألا إن أربعين دارًا جار )) ، قال الزهري : أربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا، يعني ما بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، أخرج الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  : (( ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع )) [ أخرجه الحاكم ] ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : واسم الجار يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق والصديق والعدو والغريب والبلدي والنافع والضار والقريب والأجنبي والأقرب دارا والأبعد وله مراتب بعضها أعلى من بعض فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك فيعطى كل حقه بحسب حاله وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي ) أهــ [ فتح الباري 10/441 ] ، وبعد فهذا ما يتعلق بالجار في زمان أُهمل فيه حق الجيران نسأل الله تعالى السلامة ، اللهم إنا نسألك الإحسان إلى الجيران ونعوذ بك من الإساءة إلى أحد منهم ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس السادس : القيم الأخلاقية العالية : القيمة السادسة إكرام الضيف

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة السادسة : من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  إكرام الضيف  :  إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام ، وهو من جميل الخصال التي تحلَّى بها الأنبياء ، واتصف بها الأجواد الكرماء ، والعرب لم تكن تعدُّ الجودَ إلا قِرَى الضَّيف، وإطعام الطعام، ولا تعدُّ السَّخيَّ من لم يكن فيه ذلك ،  وقد جاء القرآن الكريم والسنّة النبوية المشرفة بما يدل على أنّ إكرام الضيف من أعظم قيم الإسلام الأخلاقية ، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن من لم يكرم ضيفه ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) [ متفق عليه ] ،  أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي شُرَيحٍ خُويْلد بن عمرو رضي الله عنه قال: أبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعتْهُ أذناي حين تكلم به، قال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفَهُ جائزتَهُ ، قالوا : وما جائزتُه ؟ قال: يومٌ وليلةٌ ، والضيافة ثلاثة أيام ، وما كان بعد ذلك فهو صدَقةٌ عليه ))  [ متفق عليه ] ، وفي رواية أخرى لمسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الضيافةُ ثلاثة أيام، وجائزتُه يوم وليلة، ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يُؤثمه  قالوا : يا رسول الله وكيف يؤثمُهُ ؟ قال: يقيم عنده ولا شيء له يقْرِيه به )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (( إن لزَوْرِك عليك حقًّا )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الترمذي إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي على قوله لأبي الدرداء: (( إن لضيفك عليك حقًّا )) [ أخرجه الترمذي ح 2350 ] ، والحديث بتمامه لفائدته ، (( آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَبَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكِ مُتَبَذِّلَةً ؟ قَالَتْ : إِنَّ أَخَاكَ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا ، قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا ، فَقَالَ : كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ ، قَالَ : مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ ، قَالَ : فَأَكَلَ ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيَقُومَ ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : نَمْ ، فَنَامَ ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ ، فَقَالَ لَهُ : نَمْ ، فَنَامَ ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ : قُمِ الْآنَ فَقَامَا فَصَلَّيَا ، فَقَالَ : " إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ " , فَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَا ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ : صَدَقَ سَلْمَانُ )) [ قَالَ الترمذي : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهودٌ ، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءٌ. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهنَّ مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق. فقال: "من يُضيف هذا الليلة رَحمه الله" فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله ، فانطلق به إلى رحْلِهِ فقال لامرأته: هل عندك شيءٌ ؟ قالت: لا إلا قُوتُ صِبياني. قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فاطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السِّراج حتى تُطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال:  قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة ))  [ متفق عليه ] ، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تبوك فقال : ما من الناس مثل رجل آخذ بعنان فرسه، فيجاهد في سبيل الله، ويجتنب شرور الناس، ومثل رجل في غنمه يقري ضيفَهُ ويؤدِّي حقَّهُ )) [ أخرجه أحمد في مسنده ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلةٍ فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟  قالا : الجوع يا رسول الله ، قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا ، فقاموا معه ، فأتى رجلاً من الأنصار ، فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأتهُ المرأة قالت: مرحبًا وأهلاً وسهلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين فلان ؟ قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء. إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمدُ لله، ما أحدٌ اليوم أكرَمَ أضيافًا مني ، قال : فانطلق فجاءهم بعذق فيه بُسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المُدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياك والحَلُوب"، فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا )) [ أخرجه مسلم ] ، إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام ، وهو من جميل الخصال التي تحلَّى بها الأنبياء ، لنا وقفة مع موقف الخليل إبراهيم عليه السلام مع أضيافه ، قال تعالى : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } [ الذاريات : 25 إلى 28 ] ، والمتدبر لموقف الخليل إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يجد أموراً ومواقف تدل على مبلغ الغاية في إكرام الضيوف ، فالتعبير القرآني يأخذنا إلى بيان ذلك ، تبدأ آيات سورة الذاريات بقوله تعالى : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ } ، إذ هم محل إكرام وترحيب من أبي الأنبياء إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، ثم قوله تعالى ( إذ دخلوا عليه ) فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أنه عليه الصلاة والسلام كان قد عرف بإكرام الضيفان ، واعتياد قِراهم فبقي منزله مضيفة مطروقًا لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان ، بل استئذان الداخل دخوله وهذا غاية ما يكون من الكرم ، ثم قوله لهم (سلامٌ ) بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب والسلام بالرفع أكمل ، فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد ، فإبراهيم حيَّاهم أحسن من تحيتهم ، ثم إنّه لما أنكر هيئتهم ولم يعرف أنهم ملائكة ولم يعرف ماذا يريدون  احتشم من مواجهتهم بلفظ مباشر ينفر الضيف فقال : ( سلام قوم منكرون ) على التنكير وليس التعريف " بنى الفعل على نائب الفاعل وليس الفاعل " ليكون ألين في الحديث معهم ، ثم جاء التعبير القرآني العظيم : { فراغ إلى أهله } ، والروغان : هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف ، وهذا من كرم ربِّ المنزل المضيف أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي ، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام بخلاف من يسمع ضيفه ، ويقول له أو لمن حضر : مكانكم حتى آتيكم بالطعام ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه ، ثم جاء التعبير القرآني العظيم : { فجاء بعجل سمين } ، الفاء للتعقيب والسرعة ، فلم يمهل الضيفان حتى أتاهم بالعجل ، وكانوا ثلاثة كما جاء في التفسير ، وكان يكفيهم قدر قليل من اللحم ، ولكنه عليه السلام جاء بعجل كامل بالإضافة إلى أنه عجل سمين  فدل ذلك على تمام الكرم ، ثم جاء التعبير القرآني العظيم : { فقربه إليهم } ، والفاء تدل على التعقيب والسرعة ، والخدمة للضيوف كانت من المضيف نفسه وهذا من تمام إقراء الضيف ، والعرب كانوا يرون خدمةُ الضيف بالنفس من تمام إقراء الضيف وكانوا يقولون : لا يَذِلُّ من خدَم أضيافه ، وكان إكرام الضيف عندهم من أهم مبادئ الأخلاق القيم ، ثم جاء الإسلام ليتمم مكارم هذه الأخلاق ، قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (( إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ )) [ أخرجه الإمام أحمد (2/381)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ( 45 ) ] ، وكذلك فإن التقريب كان للطعام إليهم وليس العكس ، لأنّ هذا ابلغ في إكرام الضيف ، أن يجلس الضيف ثم يقرب الطعام إليه ويحمله إلى حضرته ، ولا يضع الطعام في ناحية ثم يأمر الضيف بأن يتقرب إليه ، ثم جاء التعبير القرآني العظيم : { ألا تأكلون } ، وهذا عرض وتلطف في القول وهو أحسن من قوله : " تفضلوا " أو " كلوا " ، ثم لما رآهم لا يأكلون ، (أوجس منهم خيفة) أي : أحسها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم ، فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا : { لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } ، فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام ، وهو من جميل الخصال التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم ، قال الإمام النووي – رحمه الله- :" الأحاديث متظاهرة على الأمر بالضيافة والاهتمام بها وعظيم موقعها وقد أجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام " [ الشرح على صحيح مسلم (12/30 ) ] ، وإن من إكرام الضيف طيبُ الكلام، وطلاقة الوجه، والخدمةُ بالنفس فإنه لا يَذِلُّ من خدَم أضيافه، كما لا يعِزُّ من استخدمهم ، أو طلب لِقرَاه أجرًا ، والكرام يقبلون على ضيوفهم ، ويرفعون من قدرهم، ويُعلون من منزلتهم ، والتقربُ تجمُّلُ الحديث، والبسطُ ، والتأنيسُ ، والتلقّي بالبشر من حقوق القِرَى ، ومن تمام الإكرام ، وقد قالت العرب وقد عرف من أخلاقهم إكرام الضيف ، قالوا : من تمام الضيافة الطلاقة عند أوَّلِ وهْلَةٍ، وإطالةُ الحديث عند المأكلة ، وأن يقبل المضيف بوجهه على ضيفه وأن يلتمس راحته ورضاه ، وقد قال حاتم الطائي: ( سَلِي الجـائـعَ الغَرْشـان يا أُمَّ مُنـذرِ ... إذا ما أتـاني بَين ناري ومجْـزري ... هل أبسطُ لـه وجُهي إنـه أولُ القِرَى ... وأبـذل معـروفـي له دُونَ مُنْكَري ) ، وقال آخر: ( وإني لطلق الــوجـــه للمـبـتــغـي القِــرَى ... وإن فـنـائـي للقِـــرى لَرَحـيـــبُ ... أضــاحـك ضَيـفــي قـبـل إنـزال رَحْـــلهِ ... فيخصـبُ عندي والمكانُ جديبُ ... وما الخَصْبُ للأضياف أن يكثر القِـرَى ... ولكنَّمـا وجُــهُ الكـريــم خصيـبُ ) ،  وقال آخر : ( يـا ضيفنا لـو زرتنا لوجدتنـا ... نحن الضيوف وأنت رب المنزل  ) ، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأسوة ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم الناس لضيوفه ، وكان يعطي كل واحدٍ من ضيوفه نصيبَهُ ، حتى لا يحسبُ ضيفُهُ أن أحدًا أكرمُ عليه منه ، وقد نفى صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الذي لا يكرم ضيفه ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) [ متفق عليه ] ، اللهم ارزقنا الجود والكرم وإكرام الضيوف ، اللهم إنا نسألك خلق إكرام الضيوف ونعوذ بك من التقصير في حق أحد منهم ، اللهم إنا نعوذ بك من الشح والبخل واللؤم ودسائس الأخلاق  ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس السابع : القيم الأخلاقية العالية : القيمة السابعة بناء لبنات المجتمع الإسلامي الفاضل

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة السابعة من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  المجتمع الرباني الفاضل الذي تتوفر فيه كل معاني الأخلاق العظيمة من التحاب في الله و التآخي في الله ، والبر ، والإحسان ، والإيثار ، والتعاطف ، والتعاون ، والتناصر ، والتآلف ، ومن تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم ، والتكافل فيما بينهم ، ومن التواضع وخفض الجناح للمؤمنين وحسن الخلق معهم ، والحلم والأناة والرفق بهم ، وحسن الظن بعموم المسلمين والعفو عن المسيء منهم ، والستر على العصاة والمذنبين والمقصرين حتى لا تشيع الفاحشة بينهم ، إنّ المجتمع الإسلامي الصادق مجتمع رباني أهم قوامه بعد العقيدة الصحيحة الخلق العظيم والتحلي بمكارم الأخلاق ، إنّ من أَجَلّ الغايات التي تسعى الرسالة الإسلاميَّة إلى تحقيقها : أن يتحلى المجتمع المسلم  بالأخلاق الكريمة ، ولهذا قال النبي : (( إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ )) [ أخرجه الإمام أحمد (2/381)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ( 45 ) ] ، ونبينا الكريم كان أعظم الخلق خلقا ، ولهذا مدحه الله تعالى بقوله : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ، ثم أمرنا القرآن الكريم بامتثال أخلاقه ، فقال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  } [ الأحزاب : 21 ] ،  ومن أهم تلك الأخلاق الربانية العالية التي لابد وأن يتحلى بها المجتمع المسلم :  التحاب في الله  : قال الله تعالى : {وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [ الحشر : 9 ] ، أخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((  لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه   )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الشيخان  عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار )) [ متفق عليه ] ، وأرشد الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين ، إلى سبل هذه المحبة ، وأسباب قيامها بينهم ، ورسوخها في قلوبهم ، وأرواحهم ، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم  )) [ رواه مسلم ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : التآخي في الله : قال الله تعالى : {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [ الحجرات : 10 ] ، وقال تعالى : {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : {وَالّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاّ لّلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَآ إِنّكَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ} [ الحشر : 10 ] ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ، يحث أصحابه على التآخي في الله ، والارتباط برباط الإسلام والإيمان ، أخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه ب‍ها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة  )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ، ولا يكذبه ، ولا يخذله ، كل المسلم على السلم حرام عرضه وماله ودمه ، التقوى ههنا ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم  ))  [ رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن ] ، وأخرج مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( المؤمن أخو المؤمن ، فلا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه ، حتى يذر  )) [ رواه مسلم ] ، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إذا لقي أحدكم أخاه ، فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة ، أو جدار ، أو حجر ، ثم لقيه ، فليسلم عليه  )) [ أخرجه أبوداود ] ، وأخرج مسلم عن ثوبان رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم ، لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع  ، قيل : يا رسول الله : وما خرفة الجنة ؟  قال : جناها  )) [ رواه مسلم ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : الإيثار : قال تعالى : { وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [ الحشر : 9 ] ، لقد بلغ الصحابة رضي الله عنهم هذه المرتبة العظيمة من المحبّة والإيثار بفضل ما كان يحثّهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرغّبهم فيه من المحبّة والأخوة والإيثار ، أخرج الإمام أحمد : عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فقال له سعد : أي أخي ، أنا أكثر أهل المدينة مالاً ، فانظر شطر مالي ، فخذه ، وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلني على السوق  )) الحديث [ أخرجه أحمد ، وأصله في الصحيحين ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : (( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود ، فأرسل إلى بعض نسائه ، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماء ، ثم أرسل إلى أخرى ، فقالت : مثل ذلك ، حتى قلن كلهن مثل ذلك : لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( من يضيف هذا الليلة؟  )) ، فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله ، فانطلق به إلى رحله ، فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية : قال لامرأته : هل عندك شيء؟ ، فقالت : لا ، إلاّ قوت صبياني ، قال : علليهم بشيء ، وإذا أرادوا العشاء ، فنوميهم ، وإذا دخل ضيفنا ، فاطفئي السراج ، وأريه أنا نأكل ، فقعدوا وأكل الضيف ، وباتا طاويين ، فلما أصبح ، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : (( لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة  ))[ متفق عليه ] ،  وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية ، فهم مني وأنا منهم  ))[ متفق عليه ]  ، ومن أهم تلك الأخلاق : التعاطف : قال الله تعالى : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : {مّحَمّدٌ رّسُولُ الله وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [ الفتح : 29 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى  ))[ متفق عليه ] ، وأخرج أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويعرف حق كبيرنا   ))[ أخرجه أبوداود والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ] ، ومن التعاطف الذي أوصى الله تعالى به ورسوله ، وقام عليه المجتمع الإسلامي الأول في أكمل صورة ، وأجمل مقام ، بر الوالدين وصلة الأرحام ، والوصية بالجار ، وإكرام الضيف ، قال الله تعالى : {وَقَضَى رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذّلّ مِنَ الرّحْمَةِ وَقُل رّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبّيَانِي صَغِيراً} [ الإسراء : 23 ،24 ] ، وقال تعالى : {وَالّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} [ الرعد : 21 ] ، وقال تعالى : {وَاعْبُدُواْ الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [ النساء : 36 ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( رغم أنف ، ثم رغم أنف ، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر ، أحدهما أو كليهما ، فلم يدخل الجنة  ))[ رواه مسلم ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم ، قامت الرحم : فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك؟ ، قالت : بلى ، قال : فذلك لك  )) ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اقرأوا إن شئتم : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ في الأرْضِ وَتُقَطّعُوَاْ أَرْحَامَكُمْ ، أَوْلَـَئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [ محمد : 22 ،23 ]  [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ليس الواصل بالمكافيء ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها  ))[ رواه البخاري ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : التعاون : قال الله تعالى : {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرَّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} [ المائدة : 2 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلف غازياً في أهله بخيرٍ فقد غزا  ))[ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه  ))  [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( كل سلامى من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس ، تعدل بين اثنين صدقة ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها ، أو ترفع له عليها متاعه صدقة  ))  [ متفق عليه ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً   وشبّك بين أصابعه )) [ متفق عليه ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : التناصر : التناصر هو نصرة المسلمين ظالمين أو مظلومين ، أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم  قوله : (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً  )) ، فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً ، أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ ، قال : (( تحجزه من الظلم فإن ذلك نصره  ))[ رواه البخاري ] ، ما أحوج المجتمع المسلم إلى صفة التناصر وإلى عقيدة الولاء والبراء في الله تعالى ، يتولى بعضهم بعضا ، كما جاء في قوله تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ، لقد بنى الرسول صلى الله عليه وسلم ، المجتمع المسلم الأول ، على الإخاء ، والحب ، والتعاون ، والتراحم والتناصر الولاء في الله والبراء في الله ، وأرسى تلك المبادئ في ذلك الميثاق النبوي العظيم ، الذي كتبه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، أول وصوله إلى المدينة ، ليكون رباط حب وإخاء ، وعهد فداء وولاء ، وأساساً متيناً من أسس ذلك البناء المسلم الذي يشد بعضه بعضاً ، ويقوم على التناصر والتآزر ، قال ابن إسحاق : (( وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه يهود ، وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم ، وشرط لهم ، واشترط عليهم : (( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم ، فلحق بهم ، وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة من دون الناس ، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، وبنو عوف على ربتعم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، . ، وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظلم ، أو إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين وإن أيديهم عليه جميعاً ، ولو كان ولد أحدهم ، ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ، ولا ينصر كافراً على مؤمن ، وإن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره  )) اهـ .  [  ابن هشام ـ السيرة النبوية ـ 1/501 ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : البِرُّ :  البِرُّ : هو الصِّدق والطَّاعة والخير والفضل ، وإسداء المعروف ، والمبالغة في الإحسان ،  قال تعالى : { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}  [ البقرة : 177 ] ، وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم معنى البر ، وأنه حسن الخلق ، أخرج مسلم عن الـنَّـوَّاسِ بن سمعانَ رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البِرِّ والإثم ، فقال : (( البِرُّ حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع عليه النَّاس )) [ أخرجه مسلم : 2553 ] ، ويدخل فيه احتمال الأذى ، وقلَّة الغضب ، وبسط الوجه ، وطيب الكلام ، وأخرج ابن ماجة عن ثوبانَ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يزيد في العمر إلَّا البِرُّ ، ولا يردُّ القدر إلَّا الدُّعاء ، وإنَّ الرَّجل ليُحْرَم الرِّزق بخطيئة يعملها)) [ أخرجه ابن ماجة ح 18 ، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ] ، والبر ها هنا هو كل ما دل عليه الشرع من خير وطاعة ، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( عليكم بالصِّدق ؛ فإنَّ الصِّدق يهدي إلى البِرِّ .  وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنَّة .  وما يزال الرجل يصدُق ، ويتحرَّى الصِّدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا .  وإيَّاكم والكذب ؛ فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور .  وإنَّ الفجور يهدي إلى النَّار .  وما يزال الرَّجل يكذب ، ويتحرَّى الكذب حتَّى يُكتب عند الله كذابًا )) [ متفق عليه ، البخاري ( 6094 ) ، و مسلم ( 2607 ) ] ، والخلاصة أن البر اسم جامع لكل معاني الخير والإحسان ،  وقد خاطب عباده بقوله سبحانه : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } [ آل عمران : 92 ] ، فلن يصل المسلم إلى مرتبة البر إلا بالنفقة مما يحب من كرائم أمواله قربة إلى الله ،  ومن أهم تلك الأخلاق : الإحسان : قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ، والإحْسَان نوعان :  إحسان في عبادة الخالق سبحانه : بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه ، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث جبريل عليه السلام ما يدل على هذا المعنى ، وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحْسَان ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( أن تعبد الله كأنَّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) [ أخرجه مسلم ] ، وهذا الإحسان معناه الجِدُّ في القيام بحقوق الله ، والنوع الثاني من الإحسان هو : الإحسانٌ في حقوق الخَلْق ، وهو بذل جميع المنافع لهم والانعام عليهم ، قال سبحانه { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [ القصص : 77 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [ الأعراف : 56 ] ، وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال)) إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء )) [ مسلم : 1955 ] ،  إن الإحسان من أعظم المبادئ الأخلاقية التي أمر الشرع الإسلامي بها ، ويكفي في بيان فضيلته ، قوله تعالى : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصِّلت : 34 ، 35 ] ، وقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [ القصص : 54 ] ، ونفهم من الآيتين : أن هذا الإحسان في حق من أساء إلينا ، فكيف يُتصور الإحسان مع من لم يسيء إلينا ، بل كيف يُتصور الإحسان مع من أحسن إلينا ، أو من لهم حقوق علينا كأولياء الأمور والوالدين والأهل والأولاد ، وذوي الرحم ، والجيران ، والضيفان وابن السبيل ، والمحتاجين من المسلمين بل وعموم المسلمين ، فالإحسان إلى أولياء الأمور يكون بطاعتهم في المعروف ، أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ،  ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ،  والإحسان للوالدين يكون ببرِّهما ، وإيصال الخير المستطاع إليهما ، والدُّعاء والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، قال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [ الإسراء : 23-24 ] ، وقال تعالى : { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [ لقمان : 14 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) [ متفق عليه ] ، والإحسان إلى الأهل والعيال : يكون بالخيرية لهم ، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة  ] ،  والإحسان للأقارب وذوي الرحم يكون  ببرِّهم ورحمتهم والعطف عليهم ، وفعل ما يَجْمُل فعله معهم ، وترك ما يسيء إليهم ،  تارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة ، وتارة بالسلام ، وتارة بطلاقة الوجه، وتارة بالنصح، وتارة برد الظلم، وتارة بالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة ، قال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) [  متفق عليه : البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (7/96) برقم 5986 ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2557 ] ، والإحْسَان إلى الجار فرض واجب ، فقد أوصى الإسلام بالإحسان إلى الجار ، وحرم أذاه بالقول والفعل ، وجعل منع الأذى عنه من خصال الإيمان، ونفى الإيمان عن من لا يأمنه جاره، وأخبر أن خير الجيران عند الله خيرهم لجاره، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 369، 370) ،ومسلم (2624، 2625) ] ، والإحسان إلى الضيوف من أهم مكارم الأخلاق ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :   (( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) [ متفق عليه ] ، والإحسان إلى اليتامى يكون بالمحافظة على أموالهم ، وصيانة حقوقهم ، وتأديبهم وتربيتهم بالحسنى ، والمسح على رؤوسهم ، والإحسان إلى المساكين يكون بسدِّ جوعهم ، وستر عورتهم ، قضاء حوائجهم ، والإحسان إلى ابن السَّبيل بقضاء حاجته ، وسدِّ خلَّته ، ورعاية ماله ، وصيانة كرامته ، وبإرشاده إن استرشد ، وهدايته إن ضلَّ ، والإحسان إلى عموم المسلمين بالتَّلطُّف في القول لهم ، ومجاملتهم في المعاملة ، وبإرشاد ضالِّهم ، وتعليم جاهلهم ، والاعتراف بحقوقهم ، وبإيصال النَّفع إليهم ، وكفِّ الأذى عنهم ، اللهم ارزقنا الإحسان في كل شيء ، ومن أهم تلك الأخلاق : التآلف : التآلف هو الأنس والمحبة ، والالتئام والاجتماع واتِّفاق الآراء مع المودة والمحبة ،  ومنه قوله تعالى : {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [ آل عمران : 103 ] ، وقوله تعالى{ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [ ال عمران : 103 ] ، وقال سبحانه :  { وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}  [ الأنفال : 62-63 ] ، والمجتمع المسلم الحقيقي مجتمع إلف متآلف ، أخرج الإمام أحمد والحاكم والبيهقي عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف ، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف )) [ المسند ح ( 9187 ) ، الحاكم ج 1 ص 73 ، والبيهقي ح ( 21627 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح ( 425 ) ] ، فالمؤمن يأْلَف ويُؤْلَف لحسن أخلاقه وسهولة طباعه ولين جانبه ، ومن أهم تلك الأخلاق : التَّودُّد : التَّودُّد من الوُدِّ ، والوُدُّ : هو الحُبُّ ، والتواد : التحاب ، قال تعالى{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [ مريم : 96 ] ، أي سيجعل لهم الرحمن المحبة  يحبهم ويحبونه كما في قوله تعالى : { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } ، وأخرج الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألا أخبركم بمن يحرم على النَّار ، وبمن تحرم النَّار عليه؟ على كلِّ هيِّن ليِّن قريب سهل)) [ أخرجه الترمذي ح ( 2488 ) ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النُّعمان بن بَشير رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى)) [ متفق عليه ، البخاري ح ( 6011 ) ، ومسلم ( 2586 ) ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : البَشَاشَة :  وهي طلاقة الوجه ، مع الفرح ، والتَّبسُّم ، وحسن الإقبال ، واللُّطف في المسألة  ، والبشاشة : إشراقه الوجه حين مقابلة الخلق ، وهو ضدُّ العبوس ، وهي أيضًا : السُّرور بمن تلقاه ،  أخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه ، قال : قال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم  : ((  لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق  )) [ أخرجه مسلم : ح ( 2626 ) ، وأخرج الترمذي وأحمد عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كلُّ معروف صدقة ، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق )) [ أخرجه الترمذي ح ( 1970 ) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ] ، وأخرج الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة ، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة ، وإرشادك الرَّجل في أرض الضَّلال لك صدقة ، وبصرك للرَّجل الرَّديء البصر لك صدقة ، وإماطتك الحجر والشَّوكة والعظم عن الطريق لك صدقة ، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)) ، [ أخرجه الترمذي ح ( 1956 ) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ] ، والنبي  صلى الله عليه وسلم معروف  بَشَاشَته عند مقابلته للناس ، ففي الصحيحين عن جرير رضي الله عنه قال (( ما حجبني النَّبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي)) [ البخاري ح ( 3035 ) ، ومسلم ح ( 2475 ) ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم ، لقول الله تعالى : { وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه } [ الحج : 30 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } [ الحج : 32 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ الحجر : 88 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ : قَبَّلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحَسَنَ بْنَ عَليٍّ رضي الله عنهما ، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِس ، فَقَالَ الأقْرَعُ : إن لِي عَشرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَداً ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : (( مَنْ لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ ! ))  مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ لاَ يَرْحَم النَّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ الله )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ للنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ ، فَإن فيهِم الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبيرَ ، وَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه البخاري عن أَبي قَتادةَ الحارثِ بن رِبعِي رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاة ، وَأُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأسْمَع بُكَاءَ الصَّبيِّ فَأَتَجَوَّزَ في صَلاتي كَرَاهية أنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ )) رواه البخاري ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَنَاجَشُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْع بَعْض ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً ، المُسْلِمُ أخُو المُسْلم : لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، التَّقْوَى هاهُنَا - ويشير إِلَى صدره ثلاث مرات - بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم خَمْسٌ : رَدُّ السَّلامِ ، وَعِيَادَةُ المَريض ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَة ، وتَشْميتُ العَاطِسِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وفي رواية لمسلم : (( حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ : إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ ، وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ ، وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ )) ،  ومن أهم تلك الأخلاق :  التكافل : لقول الله تعالى : { وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } [ سبأ : 39 ] ، وقوله تَعَالَى : {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 272 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } [ البقرة : 273 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أنَّ رَجُلاً سَألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : ((  تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً ، وَمَا تَواضَعَ أحَدٌ لله إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ عز وجل )) رواه مسلم ، ومن أهم تلك الأخلاق : التواضع وخفض الجناح للمؤمنين : لقول الله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، وقوله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ }   [ المائدة : 54 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((  إنَّ الله أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ ، وَلاَ يَبْغِي أحَدٌ عَلَى أحَدٍ )) رواه مسلم ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ : ((  مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زادَ اللهُ عَبْداً بعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ )) رواه مسلم ، ومن أهم تلك الأخلاق :  حسن الخلق : لما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قال : كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ النَّاس خُلُقاً . متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قَالَ : مَا مَسِسْتُ دِيبَاجاً وَلاَ حَرِيراً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلاَ شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سنين ، فما قَالَ لي قَطُّ : أُفٍّ، وَلاَ قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ : لِمَ فَعَلْتَه ؟ وَلاَ لشَيءٍ لَمْ أفعله : ألاَ فَعَلْتَ كَذا ؟ متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قَالَ : لَمْ يكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَاحِشاً وَلاَ مُتَفَحِّشاً ، وكان يَقُولُ : ((  إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقاً )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الترمذي عن أَبي الدرداءِ رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ،  وما أخرجه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((  أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ، ومن أهم تلك الأخلاق : الحلم على المسلمين والأناة والرفق بهم  : لقول الله تعالى : { وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ } [ آل عمران : 134 ] ، وقوله تَعَالَى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ } [ الأعراف : 199 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصلت : 34-35 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  إنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ في شَيْءٍ إِلاَّ  زَانَهُ ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه مسلم عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يقولُ : ((  مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (( مَا خُيِّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إِلاَّ أَخَذَ أيْسَرَهُمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ إثماً ، فَإنْ كَانَ إثماً ، كَانَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ ، إِلاَّ أن تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله ، فَيَنْتَقِمَ للهِ تَعَالَى ))  متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  ألا أخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار ؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار ؟ تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ ، هَيّنٍ ، لَيِّنٍ ، سَهْلٍ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) ، ومن أهم تلك الأخلاق : العفو عن المسيء والإعراض عن الجاهل  : نجد قول الله تعالى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ } [ الأعراف : 199]، وقوله تَعَالَى : { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } [ الحجر : 85 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألاَ تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ } [ النور : 22 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ } [ آل عمران : 134 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما كذبته قريش وثقيف أتاه مَلَكُ الجِبَالِ ، فَسَلَّمَ عَلَيَّه ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ سَمِع قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَأنا مَلَكُ الجِبال ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ، فَمَا شِئْتَ ، إنْ شئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ )) . فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ((  بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً )) [ والحيث متفقٌ عَلَيْهِ ] ، وما أخرجه مسلم عنها رضي الله عنها ، قالت : مَا ضَرَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ ، وَلاَ امْرَأةً وَلاَ خَادِماً ، إِلاَّ أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ ، إِلاَّ أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى ، فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى . رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قَالَ : كُنْتُ أمشي مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَبذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدةً ، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، مُر لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ . فَالتَفَتَ إِلَيْهِ ، فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ . متفقٌ عَلَيْهِ ، ومن أهم تلك الأخلاق : حسن الظن بالمسلمين : ومعناه هو ترجيح جانب الخير على جانب الشَّر في حق المسلمين ، قال الله تعالى : { لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ}[ النور : 12 ] ، وقال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } [ الحجرات : 12 ] ، أخرج البخاري في الأدب المفرد والإمام أحمد في المسند عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : (( إيَّاكم والظَّن ، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث ، ولا تحسَّسوا ، ولا تجسَّسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله إخوانًا ))  [ الأدب المفرد : 6064 ، والمسند : 8103 ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : السَّتْرُ : حتى لا تشيع الفاحشة بين المؤمنين ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [ النُّور : 19 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [ الحجرات : 12 ] ، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرَّجل الشَّيء ،لم يقل : ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ وهذا مشهور عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كلُّ أمَّتي معافى إلا المجَاهرين ، وإنَّ من المجَاهرة : أن يعمل الرَّجل باللَّيل عملًا ، ثمَّ يصبح وقد سَتَره الله عليه ، فيقول : يا فلان ، عملت البارحة كذا وكذا .  وقد بات يَسْتُره ربُّه ، ويصبح يكشف سِتْر الله عنه)) [ متفق عليه ، البخاري ح ( 6069 ) ، ومسلم ( 2990 ) ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا ، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة ، ومن سَتَر على مسلم ، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه )) [ أخرجه مسلم ، ح ( 2699 ) ] ، وأخرج أبو داود والإمام أحمد في مسنده عن أبي برزة الأسلمي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا معشر من آمن بلسانه ، ولم يدخل الإيمان قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عَورَاتهم ، فإنَّه من اتَّبع عَوراتهم يتَّبع الله عَوْرته ، ومن يتَّبع الله عَوْرته يفضحه في بيته))  [ أخرجه أبو داود ، ح ( 4880 ) ، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود : حسن صحيح ] ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

***

 

المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية :  وفيها أربعة دروس أخلاقية ،

 

( الدرس الأول ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية المبدأ الأول العدل ،

( الدرس الثاني ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الثاني الإحسان ،

( الدرس الثالث ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الثالث مكارم الأخلاق ( إيتاء ذي القربى )

( الدرس الرابع ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الرابع النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ،

***

 

الدرس الاول :  المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : المبدأ الأول : العدل في كل أمر

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فإنّ أهم المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية يشملها قول الله تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 89 ، 90 ] ، قرأ الحسن البصري : هذه الآية : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }  ثمَّ وقف فقال: إنَّ الله جمع لكم الخير كلَّه والشَّر كلَّه في آية واحدة، فو الله ما ترك العدل والإحْسَان شيئًا مِن طاعة الله عزَّ وجلَّ إلَّا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي مِن معصية الله شيئًا إلَّا جَمَعه ) [ حلية الأولياء ، ج 2 ، ص 158 ] ، إذن أهم المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : تشملها هذه الآية وتتناول : أربعة مبادئ ربانية عظيمة : أولها العدل في كل أمر وثانيها :الإحسان في كل شيء ، وثالثها إيتاء ذي القربى جميعهم حقوقهم ، ورابعها النهي عن كل دسائس الأخلاق مما يدخل في عموم الفحشاء والمنكر والبغي ، وفي هذه الحلقة أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان المبدأ الأول من المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : العدل :  العَدل: إعطاء كل ذي حق حقه من غير إفراط أو تفريط ، والعدل من أوجب الواجبات في التشريع الإسلامي ، وهو فضيلةٌ أمر الله تعالى بها : قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ، وقال سبحانه : { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } ، وقال تعالى : { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } (الأنعام:152 ) ، وقال الله تعالى في الحديث القدسي : (( يا عبادي ؛ إني حرمت الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرماً ، فلا تَظالموا )) أي : لا يظلم بعضكم بعضاً ، [ والحديث أخرجه مسلم ] ، ومن أسمائه سبحانه ( العدل ) ، و ( العدل ) هو الحكم العدل المنزه عن الجور والظلم ، ولهذا ركز القرآن الكريم على هذه القضية بقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ يونس : 44 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } [ النساء : 40 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [ الكهف : 49 ] ، سبحان الله الحكم العدل الذي لا يظلم أحداً ،  ومن أسمائه سبحانه ( المقسط ) ، قال تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ آل عمران : 18] ، و ( قائماً بالقسط ) أي حاكماً بالعدل ، وقوله تعالى : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } [ الأنبياء : 47 ]  ، و ( نضع الموازين القسط ) أي موازين العدل ، و ( المقسط ) سبحانه هو الذي ينتصف للمظلوم من الظالم ، ، فإذا رجع الظالم عن ظلمه وتاب إلى الله أكرمه الله المقسط بأن يضيف إلى إرضاء المظلوم إرضاء الظالم وذلك غاية العدل والإنصاف ، ولما كان الله تعالى هو ( المقسط ) فإنه يحب من عباده المقسطين الذين ينصفون الناس حتى من أنفسهم ، قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم  : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [ المائدة : 42 ] ، وقال تعالى مخاطباً جميع المؤمنين : { وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [ الحجرات : 9 ] ، والله تعالى كما أنه عادل مقسط فهو قد أوجب العدل والقسط على عباده ، وأعلى منزلة العادلين والمقسطين ، فقال سبحانه { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  } (المائدة:42 ) (الأعراف : الآية29) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( إن المقسطين يوم القيامة عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن – وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا )) [  أخرجه مسلم  ] ، وكما بيَّن  صلى الله عليه وسلم منزلة العادلين ، فهو صلى الله عليه وسلم  إمام أهل العدل والقسط ، قد التزم العدل في نفسه وأهله والناس أجمعين ، أما مع نفسه ؛ فقد كان يعطي لنفسه حقها من العبادة ، ومن الراحة ، ومن الطعام والشراب والحاجة ، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم [  أخرجه البخاري ] ، وأما مع أهله ؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : ((  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك )) يعني القلب  [  رواه أبوداود (2/242) ، والحاكم(2/204) ، وصححه ] ، لقد ضرب لنا الرسول الكريم أروع الأمثلة في كمال العدل ، ومن ذلك :  ورد (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ، وفي يده قدح يعدل به القوم ، فمر بسواد بن غزيَّة حليف بني عدي ابن النجار قال : وهو مستنتل  من الصف ، فطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدح في بطنه ، وقال : استو يا سواد .  فقال : يا رسول الله ، أوجعتني ، وقد بعثك الله بالعدل ، فأقدني .  قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : استقد .  قال : يا رسول الله ، إنَّك طعنتني ، وليس عليَّ قميص .  قال : فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ، وقال : استقد  قال : فاعتنقه ، وقبَّل بطنه ، وقال : ما حملك على هذا يا سواد؟ قال : يا رسول الله ، حضرني ما ترى ، ولم آمن القتل ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك .  فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له بخير))  ،  وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنَّ قريشًا أهمَّهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ، فقالوا : من يكلِّم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم .  فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلمه فيها أسامة بن زيد ، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول الله .  فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال أما بعد : فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وإني -والذي نفسي بيده- لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) ،  ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها  ، وضد العدل الظلم ، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه المختص به ، وما أكثر الآيات الواردة في ذم الظلم والظالمين كثيرة ومتنوعة فمنها : آيات وردت في تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم ، قال تعالى : {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ }[ غافر : 31 ] ، وقال :{ وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [ فصلت : 46  ] ، وقال : {وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ } [ آل عمران : 108 ] ، وقال سبحانه : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا }[ النساء : 40 ] ، وقال : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }[ يونس : 44 ] ، ومنها آيات تتحدث عن إهلاك الله تعالى للظالمين ، وتوعدهم بعقوبات في الدنيا والآخرة ، يقول تعالى : {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [ هود : 102 ] ،  وقوله تعالى : {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ } [ سبأ : 42 ] ، وقال الله تعالى :{ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ } [ غافر : 18 ] ، وقال تعالى : {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [ الحج :71 ] ، {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [ هود :18 ] ، {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } [ الزمر :24 ] ،{ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [ الأنعام : 21 ] ، وقال : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ المائدة : 51 ] ، ومنها آيات جاء فيها وصف المعاصي بالظلم : ومنها قوله تعالى : {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } [ الطلاق : 1 ] ، وقوله تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [ النساء : 10 ] ،  ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الظلم وأهله ، : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( قال الله تبارك وتعالى : يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا  ))  ،  وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( اتَّقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتَّقوا الشحَّ؛ فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم ))  [ صحيح مسلم]  ، وعن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الله ليُملي للظالم ، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : 102 ] ))   [ متفق عليه ]  ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة ))  ،  ومن آثار الظلم وعواقبه : أن الظالم مصروف عن الهداية : قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ المائدة : 51 ] ، وأن الظالم لا يفلح أبدًا : قال تعالى :{ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [ الأنعام :21 ] ، وأن الظالم عليه اللعنة من الله : يقول الله عزَّ وجلَّ : {يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [ غافر : 52 ] ، وأن الظالم يحرم من الشفاعة :  قال تعالى : {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [ غافر : 18 ] ، وأن الظالم تصيبه دعوة المظلوم ولا تخطئه : قال صلى الله عليه وسلم : (( واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ))  ، كما أن الظلم سبب للبلاء والعقاب : قال تعالى : {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } [ الحج :45 ] ، وقال تعالى : {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [ هود :102 ] ، وقال سبحانه :{ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [ الكهف : 59 ] ، إذن الله تعالى هو الحكم العدل ، ومن أهم المبادئ الأخلاقية السامية التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم  خلق العدل ، اللهم ارزقنا العدل وجنبنا الظلم والظالمين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

***

 

الدرس الثاني :  المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : المبدأ الثاني : الإحسان إلى كل شيء

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : المبدأ الثاني من المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : الإحسان : والإحْسَان ضِدُّ الإساءة ، والإحسان من أعظم المبادئ الأخلاقية التي أمر الشرع الإسلامي بها ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ،

والإحْسَان نوعان :  إحسان في عبادة الخالق سبحانه : بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه ، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث جبريل عليه السلام ما يدل على هذا المعنى ، وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحْسَان ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( أن تعبد الله كأنَّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) [ أخرجه مسلم ] ، وهذا الإحسان معناه الجِدُّ في القيام بحقوق الله ، وهذا الإحسان هو خلق الصديقين والسابقين والمقربين والمسارعين إلى عمل الخيرات والمتنافسين في القرب من رب العباد ونيل رضوانه ، وهو خلق العارفين بالله السالكين طريقه الخائفين من مقامه وعذابه والطامعين في رضوانه والراجين لرحمته ،  والإحسان بهذا المعنى هو إحسان الاعتقاد في الله وإحسان عبادة الله ، وإحسان العمل لوجه الله ، وهو تصويب العمل وإخلاصه وإتقانه ابتغاء مرضاة الله ، وأول منازل هذا المعنى من الإحسان ( المراقبة ) لقوله صلى الله عليه وسلم (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ويندرج المحسن في منازل المراقبة حتى يبلغ مرتبة ( المشاهدة ) وهي كما قال صلى الله عليه وسلم (( أن تعبد الله كأنك تراه )) . فالمراقبة تكون بمراقبة الله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة مع اليقين الدائم بأن الله يراك في كل حين فتحسن العمـل وتخلصـه وتتقنـه لله . ويدرج المحسن بعد ذلك في منازل الإحسان عن طريق إتقان مقامات القلوب من التوبة والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا وإحسان أعمال القلوب من التقوى والمحبة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والصبر والشكر والتقوى ، وعن طريق العبادات والقربات والطاعات من الصلاة والصيام والصدقة والإنفاق والقيام وتلاوة القرآن ، وعن طريق التنـزه عن المكروهات فضلاً عن المحرمات ، واتقاء الشبهات واجتناب الصغائر فضلاً عن الموبقات ، فبإحسـان أعمال القلب ، وبإحسـان أعمال اللسان ، وبإحسـان أعمـال الجـوارح لا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يُنعم عليه بمنازل الإحسان ، وأخلاق المحسنين ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } ، 

والنوع الثاني من الإحسان هو : الإحسانٌ في حقوق الخَلْق ، وهو بذل جميع المنافع لهم والانعام عليهم ، قال سبحانه { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [ القصص : 77 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [ الأعراف : 56 ] ، وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال)) إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء )) [ مسلم : 1955 ] ،  وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما- قال : (( أقبل رجلٌ إلى نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد ، أبتغي الأجر مِن الله .  قال : فهل مِن والديك أحدٌ حيٌّ؟ قال : نعم ، بل كلاهما .  قال : أفتبتغي الأجر مِن الله؟ قال : نعم ، قال : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما )) [ مسلم ح : 2549 ] ، وأخرج الترمذي وابن ماجة عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ؛ قال : حدَّثني أبي ، أنَّه شهد حجَّة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .  فحمد الله وأثنى عليه ، وذكَّر ووعظ .  فذكر في الحديث قصةً فقال (( ألا واستوصوا بالنِّساء خيرًا ، فإنَّما هنَّ عَوَان عندكم ليس تملكون منهنَّ شيئًا غير ذلك ، إلَّا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنَة ، فإن فعلن فاهجروهنَّ في المضاجع ، واضربوهنَّ ضربًا غير مُبَرِّح ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلًا .  ألا إنَّ لكم على نسائكم حقًّا ، ولنسائكم عليكم حقًّا .  فأمَّا حقُّكم على نسائكم فلا يُوطِئْن فرشكم مَن تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون .  ألا وحقُّهنَّ عليكم أن تحسنوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامهنَّ )) [ أخرجه الترمذي ح 1163 وقال حسن صحيح ، وابن ماجة : ح 1851 ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع : ح 7880 ] ،

إن الإحسان من أعظم المبادئ الأخلاقية التي أمر الشرع الإسلامي بها ، ويكفي في بيان فضيلته ، قوله تعالى : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصِّلت : 34 ، 35 ] ، وقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [ القصص : 54 ] ، ونفهم من الآيتين : أن هذا الإحسان في حق من أساء إلينا ، فكيف يُتصور الإحسان مع من لم يسيء إلينا ، بل كيف يُتصور الإحسان مع من أحسن إلينا ، أو من لهم حقوق علينا كأولياء الأمور والوالدين والأهل والأولاد ، وذوي الرحم ، والجيران ، والضيفان وابن السبيل ، والمحتاجين من المسلمين بل وعموم المسلمين ،

فالإحسان إلى أولياء الأمور يكون بطاعتهم في المعروف ، فطاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ، أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ،  وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) ] ، وما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام  للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً ،  ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ،  

والإحسان للوالدين يكون ببرِّهما ، وإيصال الخير المستطاع إليهما ، والدُّعاء والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، قال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [ الإسراء : 23-24 ] ، وقال تعالى : { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [ لقمان : 14 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي قال : (( أمك )). قال ثم من قال : )) ثم أمك )) . قال ثم من قال : (( ثم أمك )) . قال ثم من قال (( ثم أبوك ))  [ متفق عليه ] ،

والإحسان إلى الأهل والعيال : يكون بالخيرية لهم ، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة  ] ،  ومن جملة الخيرية  الإحسان إلى الزوجة والعيال وقوله صلى الله عليه وسلم : (( وأنا خيركم لأهلي )) دلالة على أن من خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم أنّه  كان أحسن الناس عشرة لأهله ، فهذه عائشة رضي الله عنها تقول : (( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله )) [ أخرجه مسلم ] ، و هذا انس يقول "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط  وما قال لي لشيء صنعته : لم صنعته؟ ولا لشيء تركته : لم تركته ؟ و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً )) [ متفق عليه ] ،  و هذه خديجة رضي الله عنها تقول له حينما قال لها لقد خشيت على نفسي تقول (( كلا و الله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الدهر) [ متفق عليه ] ، 

والإحسان للأقارب وذوي الرحم يكون  ببرِّهم ورحمتهم والعطف عليهم ، وفعل ما يَجْمُل فعله معهم ، وترك ما يسيء إليهم ،  تارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة ، وتارة بالسلام ، وتارة بطلاقة الوجه، وتارة بالنصح، وتارة برد الظلم، وتارة بالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة على حسب القدرة والحاجة والمصلحة ، قال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) [  متفق عليه : البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (7/96) برقم 5986 ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2557 ] ،

والإحْسَان إلى الجار فرض واجب ، فقد أوصى الإسلام بالإحسان إلى الجار ، وحرم أذاه بالقول والفعل ، وجعل منع الأذى عنه من خصال الإيمان، ونفى الإيمان عن من لا يأمنه جاره، وأخبر أن خير الجيران عند الله خيرهم لجاره، ومن أدلة الإحسان إلى الجار في الكتاب والسنّة  : قول الله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النساء : 36 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 369، 370) ،ومسلم (2624، 2625) ] ، وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :  : (( يا أبا ذر إذا طبخت مرقة  فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك )) [  رواه مسلم ، مسلم (4/ 2025) رقم حديث الباب (142، 143) ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  : (( والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن )) [  قيل من يا رسول الله ؟ قال :  : (( الذي لا يأمن جاره بوائقه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 370، 371) ومسلم (46) ] ، 

والإحسان إلى الضيوف من أهم مكارم الأخلاق ، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن من لم يكرم ضيفه ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :   (( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) [ متفق عليه ] ، والإحسان إلى اليتامى يكون بالمحافظة على أموالهم ، وصيانة حقوقهم ، وتأديبهم وتربيتهم بالحسنى ، والمسح على رؤوسهم ، والإحسان إلى المساكين يكون بسدِّ جوعهم ، وستر عورتهم ، قضاء حوائجهم ، والإحسان إلى ابن السَّبيل بقضاء حاجته ، وسدِّ خلَّته ، ورعاية ماله ، وصيانة كرامته ، وبإرشاده إن استرشد ، وهدايته إن ضلَّ ، قال تعالى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ  كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } [ الإسراء : 26 إلى 28 ] ، وقال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، والإحسان إلى الأجير يكون بإتيانه أجره قبل أن يجفَّ عرقه ، وبعدم إلزامه ما لا يلزمه ، أو تكليفه بما لا يطيق ، وبصون كرامته ، واحترام شخصيَّته ، والإحسان إلى عموم المسلمين بالتَّلطُّف في القول لهم ، ومجاملتهم في المعاملة ، وبإرشاد ضالِّهم ، وتعليم جاهلهم ، والاعتراف بحقوقهم ، وبإيصال النَّفع إليهم ، وكفِّ الأذى عنهم ، ، والإحسان إلى الحيوان يكون بإطعامه إن جاع ، ومداواته إن مرض ، وبعدم تكليفه ما لا يطيق ، وحمله على ما لا يقدر ، وبالرِّفق به إن عمل ، وإراحته إن تعب ، لقد بلغ من الاهتمام بالإحسان في الإسلام أنّ الشرع الحكيم أوصى بالإحسان إلى الحيوان ، قال صلى الله عليه وسلم )) إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة )) ، ودخل رجل الجنة لإحسانه إلى كلب كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : (( بينما رجل يمشي بطريق ، اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا فنزل فيها ، فشرب ثم خرج ، فإذا كلب يلهث ، يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي ، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ، قالوا : يا رسول الله ، وإن لنا في البهائم أجرا ؟ فقال : في كل ذات كبد رطبة أجر )) ، فحسن الخلق فى الإسلام يمتد ليشمل كل الكائنات الحية ولذلك غفر الله لبغى من بنى إسرائيل سقت كلباً يلهث من العطش ، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض [ أخرجه البخاري ] ، والإحسان في العمل يكون  بإجادة العمل مراعة حق صاحب العمل فيه ، والإحسان في الصناعة يكون بإتقان الصَّنعة ، والبراءة من الغش فيها ، إن الإحسان خلق عام ومبدأ شامل يدخل فيه الإحسان في كل أمر والإحسان في كل شيء ، اللهم ارزقنا الإحسان في كل شيء ، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثالث : المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : المبدأ الثالث : التحلي بمكارم الأخلاق

إيتاء ذي القربى

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : المبدأ الثالث من المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : التحلي بمكارم الأخلاق ، وأولها :  إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى :   و ( إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) : يشتمل على الوالدين والأولاد والأهل وذوي القرابة والرحم ، ففيما يتعلق بالوالدين ،  فقد أولى شرع الإسلام  عناية فائقة ببر الوالدين ، والنهي عن عقوقهما ،  لقد قرن القرآن الكريم  في آيات عديدة بر الوالدين بعبادة الله ، منها قوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  } [ النساء : 36 ] ، وقوله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، وقد تواترت الأحاديث على بر الوالدين والإحسان إليهما ، ومن ذلك : ما أخرج