جديد الموقع

محاضرات في علم الإلهيات ( 25 ) مناهج السلف والخلف في المتشابهات - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة بيان مناهج السلف الصالح والخلف العدول في التعامل مع المتشابهات ،  أقول وبالله التوفيق : 

[ ]  القرآن به المحكم وبه المتشابه ، اختبارا من الله تعالى لنا ،  وقد امرنا أن نتمسك بالمحكم ولا نتتبع المتشابه ، لان تتبعه زيغ وضلال ،  قال تعالى : {  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ متفق عليه ]

[ ]  وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، لقد حذرنا الله تعالى من تتبع المتشابه ، لذا وجب ان نعلم حدود المتشابه وان نعلم من الذي يعلم المتشابه ،  وما هي طريقة الصحابة الكرام في معاملة المتشابهات ، وما هي طريقة المذاهب المتخصصة في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة والتي هي امتداد للصحابة في معاملة المتشابهات ،

[ ]  الأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ،

[ ]  [ من الذي يعلم المتشابه ] :  جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، فمن قال منهم : أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، قال : لا يعلم المتشابه إلا الله وحده ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول : عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين ،  ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال : إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه ، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين ، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ] ، وعند التحقيق فإن الخلاف لفظي  : فإن من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة جناب الذات الإلهي سبحانه ، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم فيه إلى الله وحده ، لأن جناب الذات الإلهي غيب الغيوب لا يدرك ، لا قبل لمخلوق محدود في إدراك جناب ذات الخالق المقدس عن الحدود ، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بحمله ما أمكن على محكمه ، فيقل أثر المتشابه في احداث الزيغ والفتنة ،  ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص ، وحمل المتشابه على المحكم ،  ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ،  ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على : لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على : ( الراسخون في العلم ) ، ولكن وفق طبيعة المتشابه ، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده ، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط ، 

[ ]   الآيات التي تتعلق بالصفات أكثرها آيات محكمات تدل على الكمال المطلق ، ومرجع أكثرها إلى الأسماء الحسنى ، فكل اسم من الأسماء الحسنى يدل على صفة محكمة لله تعالى ، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته ، فمن المحكم - على سبيل المثال - ( صفة العلم ) وهي صفة كمال من كل وجه ، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، و ( صفة القدرة ) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها  ( العجز ) ، وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، أما المتشابهات فهي ( الأخبار ) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ، ومن تلك المتشابهات : متشابهات توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى جناب ذات الله تعالى  كالوجه والعين واليد ، وهي تعارض الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الاجزاء والأبعاض ، وهناك متشابهات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء ، وهي معارضة بالقدم الأزلي والكمال المطلق لله ، ونسبة حقائق تلك الألفاظ كما هي في اللغة محال على جناب الله الأحد الصمد الذي له الكمال المطلق  ، والقدم الأزلي ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه ،

[ ]   طريقة الصحابة والسلف الكرام في معاملة المتشابهات : للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، منهجان صحيحان : المنهج الأول : هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ ، [ المذهب الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ] : وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال ، ومذهب السلف الأول فيها : أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ولا تفسر ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ،  بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بالواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، و [ المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ] ، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم : والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ،  ومما يدل عليه  أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله : (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ،  ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو ، وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله ، ومن تأويلات تابعي التابعين : تأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  ( ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو ) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 10 5 ، شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 370 ] ، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [ البداية والنهاية لابن كثير 10  / 361  ] ، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر ] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ،   هذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز

[ ]  مناهج أهل السنة والجماعة في معاملة المتشابهات : هذه المتشابهات التي توحي بالتجزؤ والانقسام ، او التي توحي بالنقص أو الحد أو الحدوث : لأهل السنة فيها مذاهب صحيحة تتمثل في ثلاث مسالك معتمدة ، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو ،  المسلك ( الاول ) : إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير التعرض لمعناه ،  و المسلك ( الثاني ) : اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة ،  والمسلك ( الثالث ) : حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها ، ومثاله حمل الوجه على الذات ،  وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة ، وجميع تلك المسالك صحيح وبها قالت مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة وهي مدارس الاثرية والأشعرية والماتريدبة ، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه ، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه ، 

[ ]  طريقة رد المتشابهات إلى المحكمات فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات : من الآيات المتشابهة ما يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء ، كالوجه واليد والعين ، ومنها ما يوحي ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء ، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء ، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك ، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم ، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها : ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات ، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن الجارحة والجزء ،  مع الحذر - كل الحذر - من اثبات الوجه على أنه جزء من الذات ، فهذا تشبيه ، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة ، لما فيه من محاذير اثبات للحد والنهاية ، واثبات للجزء والبعض والجارحة ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والجارحة ومنزه عن الحد والنهاية ، إنّ علماء الأصول عندما تكلموا في المتشابه وقالوا ( الوجه ) من المتشابه كانوا يدركون معنى ما يقولون ، لان الوجه في اللغة جزء من ذات وصورة وشكل وتركيب وتخاطيط تعارض الأحدية المطلقة من منع قبول الأجزاء وتعارض الصمدية المطلقة من منع التركيب من الأجزاء والأبعاض ، اما ابن تيمية فقد اخطأ عندما ظن أن الوجه من المحكمات وأنه لا يجوز التفريق بينه وبين العلم والقدرة والسمع والبصر ، وكان يتهم من فرق بينهما أنه من المعطلة لصفات الله وهيهات ، ولنا ان نقول له أما القدرة والعلم فهي صفات في لغة العرب التي نزل بها القرآن وهي مشتقة من أسماء حسنى وأضادادها مستحيلة على الله من الجهل والعجز والصمم والعمى والبكم ، فاين تلك من تلك وأين الثرى من الثريا وقاتل الله الجهل كم أضل من الذين في قلوبهم زيغ ممن يتتبعون المتشابه ، ومثال الصفات الخبرية أيضا ( الاستواء ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية لذات الله ، وهذا وصف لذات الله تعالى بالنقص ، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن النهاية لأنها سمة المخلوق المحدود ، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وهو أكبر من الحدود ، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه ، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود ، كما أنّه الواحد القهار الذي قهر الحدود ، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات ، فإثبات الاستواء على معناه الظاهر ( الجلوس ) ، قد يوحي بالمقابلة أو المحايثة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب  ، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها ، إما اثبات الاستواء على سبيل الصفة لا سبيل الجلوس والاستقرار ، وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو علو الهيمنة والربوبية والتدبير  ، وإما تفويض علمه إلى الله ، ( استواء على مراد الله ومراد رسول الله ) مع المنع من تفسيره على ظاهره ( الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص المتمثل في الحد والنهاية والتكييف كجلوس الملك على كرسي عرشه ، مع الحذر من اثبات الاستواء على أته الجلوس ، فهذا تشبيه ، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة ، ومع الحذر من نفي ( الاستواء ) كأن يقول : ليس للرحمن صفة الاستواء على العرش ، فهذا تعطيل وخروج عن إطار أهل السنّة إلى الاعتزال ،

[ ]  الصفات الخبرية التي في اثباتها على ظواهرها محاذير عظيمة ، وتحتاج إلى الرسوخ في العلم ، والفقه في الدين عند الحديث عنها تتناول ثلاثة أقسام عريضة : القسم الأول : ما يوحي بالجارحة والتجزؤ والتبعض في ذات الله ، وأظهرها الوجه واليد والعين ، والقسم الثاني : وهو ما يوحي بالتغير والحدوث والحد والنهاية وأظهرها الاستواء والنزول والمجيء ، والقسم الثالث وهو ما يوحي بالكيفيات الحسية والتغير والانفعال كالغضب والرضا والفرح والضحك والسرور ، ومجمل مسالك أهل السنة والجماعة في تفسيرها واعتقاد ما تحملها من معان وحاصله : أنّ هناك ثلاث مسالك معتمدة عند أهل السنة والجماعة ، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو ، المسلك ( الاول ) : طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه ، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، و المسلك ( الثاني ) : اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ، والمسلك ( الثالث ) : حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها ، ومثاله حمل الوجه على الذات ، وحمل اليد على مقتضي الآية ، ففي قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } تحمل على الكرم والجود والعطاء ، وفي قوله تعالى : { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى : { مما خلقت أيدينا أنعاما } ، وقوله تعالى : { والسماء بنيناها بأيد } ، وقوله تعالى : { إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة ، وما سوى ذلك فهو ميل إلى الاعتزال مثاله المجازفة بنفي الصفة ، كأن يقول ( ليس لله استواء ) أو يقول ( ليس لله وجه ) ، وفي المقابل ميل إلى الحشو والتشبيه ، ومثاله حمل تلك المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ، فيقولون الوجه من صفات الأعيان ، وليس معنى ذلك سوى انها جزء من جناب الذات ، مع ان الأحدية تمنع من قبول الأجزاء ، ويقولون : الاستواء صفة فعلية للذات على العرش ،  والفرق بين هذه الآراء التي تعبر عن مذاهب اهل السنة والجماعة : أن الرأي الاول يعامل الآيات والأحاديث على أنها من المتشابه فلا يجزم بانه صفات أو أخبار ، فلا يفسر ولا يخوض ويرويها كما جاءت على مراد الله ومراد رسوله ، والرأي الثاني : يعامل الآيات والأحاديث على أنها تدل على صفات منزهة عن مشابهة المخلوقين ومنزهة عن المستحيلات في حق الله تعالى ، والرأي الثالث يعاملها على انها أخبار تحمل معاني محكمة وأخرى متشابهة فيتم حمل المتشابه على المحكم ، فيفسرون الآية او الحديث بما سيق لأجله دون التعرض لمتشابه أو حمل المتشابه على المحكم ، فمثلاً حديث النزول سيق لبيان فضل الثلث الآخر وليس لبيان كيفية النزول ، فنفسره بذلك ، ولا نتعرض للنزول ، أو نجعل المقصود من النزول هو نزول الرحمة وقبول الدعاء ، مع عدم نفي خبر النزول   ، وجميع هذه الاقوال : صحيحة ومقبولة عند علماء أهل السنة والجماعة ، وقالوا يجوز لكل مسلم أن يسلك أحد تلك المسالك الجائزة ولا تثريب عليه بها ، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه ، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى نصوص الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه ،  كان هذا ما تيسر في بيان مناهج السلف الصالح والخلف العدول في التعامل مع المتشابهات ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 24 ) لا مناص من التأويل لتعارض الأدلة - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة بيان أنه لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه ، وانه من الفقه في الدين ،  والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون بان التأويل شر من التعطيل ، وان المؤولة أشر من الجهمية المعطلة ، أقول وبالله التوفيق :

[ ]  لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه ، وهو من الفقه في الدين ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه التأويل  ، وهناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل وانه من باب الرسوخ في العلم ، وتكاد ترجع إلى خمسة ادلة : هي :   [ الدليل الأول ] : أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم  كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم ، [ الدليل الثاني ] : أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام ، وهو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات ، [  الدليل الثالث  ] : أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل  ، [  الدليل الرابع  ] : ما يدل على جواز التأويل المقبول أنّه تأويل ناشئ عن ضرورة ، [  الدليل الخامس  ] : ما يدل على جواز التأويل المقبول أنّه ليس تأويل بالهوى ، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه ، 

[ ]  أهل محاربة التخصص العقدي يحاربون التأويل ، ويعتبرونه أشد ضلالا من التعطيل ، قال ابن تيمية : في معرض ذمه للتاويل ،: (  التأويل : هو الذي استخدمه المعطلة في تحريف الكلم عن مواضعه ، وصرفوا معاني القرآن عن ظاهره بغير دليل  ، وقال ايضا : ( وهذا التأويل استحدثه الطوائف الضالة  ، وهو أن يصرفوا اللفظ الذي أراده رب العزة والجلال وأراد أن يفهم منه المخَاطَب شيئاً معيناً إلى معنىً آخر ، يقول صلى الله عليه وسلم : "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" فيقولون : المراد نزول الرحمة ) ،  فدل على انه يقصد السادة الأشاعرة ، وليس تأويلات الباطنية والزنادقة ، وقال عنه :  هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته ،  وقال أيضا : التحريف بالتأويل أقبح من التعطيل والتكييف والتمثيل ، لأنه ما حرَّف إلا لأنه عطَّل ، وما عطَّل إلا لأنه كيَّف ومثَّل" ، وقال ايضا :  وهو من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه ، وقال تلميذه ابن القيم  : َأَصْلُ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ ، وقال ابن أبي العز الحشوي في شرحه للطحاوية: التأويل هو  الذي أفسد الدنيا والدين ،

[ ]  ما هي مشكلة اهل الحشو ولماذا انكروا التاويل :  المشكلة الاولى : يجهلون قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، وهي كثيرة وقد أفردت لها مقدمات عديدة ، ومفادها  : تقديس جناب ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، و تقديس جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، و تقديس جناب ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ،

[ ]  المشكلة الثانية : تسربت إليهم بدع التجسيم ، وخلاصتها أن الله تعالى له مكان وهو العرش وله حد وحده التحتي العرش وكأن جناب الذات له سفل يحازي العرش ، وانه ينزل حقيقة ولا مانع من الحركة والسكون لانه حي والحركة والسكون من لوازم الحي ، وان له صفات أعيان بمعنى اجزاء من الذات كالوجه والعين واليد والساق على صورة الانسان ،  وها هنا لنا ملاحظة : كل ما تكلموا به متشابهات لاسباب عديدة :  الوجه والعين واليد أجزاء من ذات في اللغة وهم يسمونها صفات أعيان اي أجزاء من ذات وذهلوا عن الأحدية والصمدية ، وما فيهما من تقديس عن الاجزاء والابعاض ، ( الاستواء ) : لم لا يكون استواء تدبير كما قالوا في القرب والاحاطة ، ( النزول ) : لم لا يكون نزول رحمة ونزول صفات ، ( العلو ) لم لا يكون علو مكانة لا مكان لان نسبة المكان إلى الله محال ،   ( المكان ) دائما أكبر من المتكون فيه ، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده ، والمكان يحيط دائما بمن فيه ، والمكان اعلاه الظاهر وأدناه الباطن  ،  وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان ،  والكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان ، ولهذا جل الإله الواحد القهار الأحد الصمد الحي القيوم عن الكون في المكان ،  (  المكان  ) دائما أكبر من المتكون فيه ، والله اكبر من كل شيء وهو اكبر من المكان ، فلا يصح أن يحويه مكان ،   المكان يحيز من بداخله ويحده بحده ، والله منزه عن الحد والحيز ،   ( المكان ) يحيط دائما بمن فيه ، والله بكل شيء محيط ،  ( المكان ) محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن  والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء  وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان ،   الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان ، والله تعالى له الأحدية المطلقة ، و ( الاحدية المطلقة ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام ،   كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان ، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى  في مكان ،  إذن أنكر أهل الحشو التأويل ووصفوه بأشنع العبارات ، ولكن هل من نظرة منصفة إلى التأويل أقول وبالله التوفيق :

[ الدليل الأول ] : أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم  :  قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } ، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه ، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه ، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة فقال (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )) [ الحديث أصله في الصحيحين ، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد وصححه العراقي ] ، هذا هو التأويل الصحيح ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة  ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته اثنان من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا ما دعا به الرسول للحبر البحر ، ورد عن السلف الكرام ، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا  ،   لقد حذرنا الله تعالى من تتبع المتشابه ، لذا وجب ان نعلم حدود المتشابه وان نعلم من الذي يعلم المتشابه ،  وما هي طريقة الصحابة الكرام في معاملة المتشابهات ، وما هي طريقة المذاهب المتخصصة في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة والتي هي امتداد للصحابة في معاملة المتشابهات ،  إن الأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ،

[ ]   ( فائدة ) :  من الذي يعلم المتشابه ] : جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، قال : لا يعلم المتشابه إلا الله وحده ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول : عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين ،  ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال : إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه ، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين ، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ] ،  ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على : لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على : ( الراسخون في العلم ) ،  ولهذا صار للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، منهجان صحيحان : المنهج الأول : هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ ،  [ المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ] : وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال ، ومذهب السلف الأول فيها : أن يوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وهؤلاء كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بالواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، و [ المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ] ، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم ، وهذا قد ورد عن الحبر البحر ابن عباس رضي الله عنهما كما سيأتي في الدليل الثاني ،

[ ]  [ الدليل الثاني ] : أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام وفق ضوابط حكيمة ، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا  ، وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه : كتأويله للساق في قول الله تعالى { يوم يُكشف عن ساق } بالكرب شديـد [  الطبري ] ، وتأويله للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2  :  322 ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17  :  52 ] ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري (18 : 135) ] ،  فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ، وهو ثابت كذلك عن التابعين : تأويل مجاهد للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله[ تفسير الطبري (24  :  19) ] ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير وهم من أئمة التابعين للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر.[ تفسير الطبري (29  :  38 – 39) ] ،  وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله [  (الطبري 1  :  402 ] ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو [ دفع شبه التشبيه ص  :  113] ،  وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه [ تفسير البغوي 4  :  454 ] ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله. [ روح المعاني تفسير الآية 56 من سورة الزمر ] ،  وهو ثابت كذلك عن تابعي التابعين ، تأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  (ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ [ التمهيد 7  :  143، سير أعلام النبلاء 8  :  105 ، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص : 136، شرح النووي على صحيح مسلم 6  :  37، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص  :  82] ،  وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [البداية والنهاية لابن كثير 10  :  361  ] ،  ونقل الحافظ ابن الجوزي عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى ( أو يأتى أمر ربك ) ومثل هذا في القرآن ( وجاء ربك )  قال: إنما هو قدرته. [ دفع شبه التشبيه ص :  141 ] ،  وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر سـورة القصص، فتح البـاري 8  :  364] ،  وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة [ تفسير الطبري (16  :  123) ] ، وتأول ( العلو ) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته....علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) [ تفسير الطبري : (1  :  192) ] ،

[ ]  [  الدليل الثالث  ] : أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر :  إذ هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة ، لأنّ علم الله تعالى قديم ، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون ، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى ، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة : 67 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ،  وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ معناه أنّ الكون بما فيه داخل الرحمن ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [ النساء : 126 ] ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) } [ فصلت : 54 ] ، وهذه الادلة ظاهرها يفيد إحاطة الله تعالى الذاتية بكل شيء ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ،  واعتقاد هذا الظاهر كفر ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى : { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ الطلاق : 12 ] ، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم ، وسع ربي كل شيء علما  ،  وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ،  وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن ، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال وحشو وتجسيم ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء بل هو تكييف وتجسيم وحشو وضلالة , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ، وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس -  يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء ، كالوجه واليد والعين ، وهي في اللغة أجزاء من ذوات ، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض ، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها ، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة ، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله ، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى : {كل شيء هالك إلا وجهه } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ، وقوله تعالى ( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة /115] ، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها : ( أ ) فثم قبلة الله ، ( ب ) فثم علم الله ، ( ت ) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى ، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه ، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون ، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح ،  وكذلك جاءت الآيات في العين مضافاً إلى الله تعالى : والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، والوجه في حسن هذا المجاز : أن من عظمت عنايته بشيء وميله إليه ، ورغبته فيه ، كان كثير النظر إليه ، فجعل لفظ العين ـ التي هي آلة لذلك النظر ـ كناية عن شدة العناية ، فإذا جمعت العين دلت على كمال الحفظ والمبالغة فيه ، ولما اتفقت الأمة على تنزيه الله تعالى عن العين الجارحة لأنها تحمل معنى التجزؤ والتبعض والتصور وغير ذلك من سمات المخلوقين المحتاجين في النظر إلى جارحة العين والله تعالى له الأحدية والصمدية وكمال القيومية والغنى ، فهو منزه في إبصاره للخلق ونظره إليهم من جارحة العين وغيرها بل هو السميع البصير بلا جارحة أذن أو عين ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني ) معناه أي بمرأى منى كناية عن الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية والمراقبة ، وقوله تعالى ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ،   وكذلك جاءت الآيات في اليد مضافاً إلى الله تعالى : قوله تعالى : {  بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } ، بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، واليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ،  فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب الاستعارة التمثيلية ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ،  وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ الفتح : 10  ]  ، فإن سياق الآية يدل على الرضا ببيعتهم ، والآية لم ترد للإخبار عن الله بأن له يداً ، وأن يده هذه فوق الصحابة المبايعين ،  وقوله تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ سورة الملك/1] وهاهنا التعبير القرآني (بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) كناية عن القدرة بقرينة ختم الآية بقوله تعالى { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  ولا يقصد بهذا الأسلوب العربي البليغ إثبات جارحة اليد وهذا لا يفهمه إلا شخص بعيد عن جمال اللغة وبديعها ، ولو كان المراد إثبات اليد على حقيقتها المعروفة لنا كجارحة لجاء التعبير المحكم بقوله إعلموا أن لله يد ، أو آمنوا بأن لله يد وهكذا كما جاءت الآيات المحكمات تترا بمثل قوله تعالى (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) و (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ،  وقوله تعالى : { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } ، والمراد بالآية هاهنا  إثبات القوة والقدرة ، مثالها في ذلك تماما قوله تعالى { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } وقوله تعالى  { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، هل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح مع أن جميع البشر بما فيهم الكفار والفجار لهم أيدي وأبصار ، أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو قوتهم في الطاعة وجدهم وتشميرهم للعبادة  ، واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ، فلا شك أن المعنى المقصود هو الثاني ،  وقوله تعالى ( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }  ، كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين  ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ،  ما هذا الجمود والله تعالى يقول في كتابه : {بين يدي رحمته} إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ، ولم نذهب بعيدا وقد قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، إذن المتشابه كاليد والوجه والعين ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ، 

[ ]  أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر :  ولذلك يضطر منكروا  التأويل أنفسهم إلى التأويل ، يؤولون عند التعارض ، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا ، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا ، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل ،   ومن ذلك اضطرار ابن تيمية لتأويل المعية في قوله تعالى : { وهو معكم أين ما كنتم } بالعلم ، بقوله :  ( حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم ، عالم بكم ) ، وقال في شرح قوله  صلى الله عليه وسلم ) لصاحبه في الغار : (لا تحزن إن الله معنا)[ التوبة: 40]  )  فقد تاوله بالنصر والتأييد ،  زاعما أن هذا هو التفسير ، والنتيجة واحدة وهي التأويل ، ( تأويل المعية ) ، فيكون ابن تيمية هنا قد اختار في الحقيقة مسلك التأويل،   ومن الأمثلة على تأويل ابن تيمية قوله في الآية الكريمة: ( { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ) [ق: 16 ][6]: “هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله ” انتهى. ،  وهذا تأويل أيضا لأن ظاهر اللفظ يدل على إسناد القرب إلى الله عز وجل وتفسيره بقرب الملائكة صرف للفظ عن ظاهره ، فلماذا يمنعون أهل السنة مما يقومون هم به؟ ولم لا يقال في هذا الصرف إنه تعطيل لم وصف الله تعالى به نفسه كما يتهمون أهل السنة إن أولوا نصا مشابها؟ وما الفرق بين هذا وبين تأويل أهل السنة لقوله تعالى: (وجاء ربك) [الفجر: 22] أي أمره ؟  ومن تأويل ابن تيمية أيضا ما ذكره عند قول الله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } ) [المائدة: 64] قال : واليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل ! فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل وأخبر أن يديه مبسوطتان ، 

[ ]  إنّ الدعوة إلى التمسك بظاهر النصوص متعذر ، ولا يمكن الثبات على التمسك بجميع الظواهر، كما أننا مجبرون على التأويل في مواضع عديدة وإلا أصبحنا في تهافتٍ وتناقضٍ واضطرابٍ عجيب ، وذلك كقوله تعالى : {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص : 88 ]  ، وظاهر الآية هلاك الذات إلا الوجه ، ولا مناص من تأويل الوجه بالذات لأنّه يستحيل أن يهلك الذات إلا الوجه ، وقوله تعالى : { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [الطور : 48 ]   ، والمعنى بمرأى منا ولا تغيب عنا وليس المراد أنك بداخل أعيننا ، ولكن ظاهر الآية يدل على وجود النبي داخل العيون ، ، وقوله تعالى : { فإني قريب }[ البقرة : 186 ]  ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ،  وظاهر  الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته ، والمراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } [الحديد  : 4 ] ، وقوله تعالى : { لا تحزن إن الله معنا } [ التوبة : 4 ،  ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى معنا بذاته ، والمراد معيته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وقوله تعالى : { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } [ البروج : 2 ،  ] ، وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى محيط بذاته بكل شيء ، والمراد احاطته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، ، وقوله تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] ، وقوله تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان : 59 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى على العرش بذاته ، وليس تأويل آيات القرب والمعية والإحاطة بأولى من تأويل الاستواء ،  لا سيما وآيات القرب والمعية والإحاطة أكثر عددا ، والمراد استواؤه بالقدرة والربوبية والهيمنة ، إذ التمدح لا يكون بالجلوس ، وإنما بالهيمنة والقدرة ،

[ ]  [  الدليل الرابع  ] : ما يدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية : أنّه تأويل ناشئ عن ضرورة : الأصل في مذهب ( الأشاعرة والماتريدية ) هو مذهب السلف الحقيقي الصحيح ، والمتمثل في الإيمان بما ورد به الكتاب والسنة من المتشابه على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، دون التعرض لتأويله مع اعتقاد التقديس وأن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وأن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ ، ولكن قد يلجأ علماء الأصول إلى التأويل : لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والمشبهة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس ، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة ، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة ، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات ، قال الحافظ بن حجر : " أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها – آيات الصفات – إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته، وأكثر الخلف يؤولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس، لاضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم) اهـ. ،

[ ]   [  الدليل الخامس  ] : ما يدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية :  أنّه ليس تأويل بالهوى ، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه :  المقصود بالتأويل عند الأشاعرة والماتريدية هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح ، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في : ( أ ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية ،  ( ب ) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره ، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين ،  ( ت ) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا ،  ( ث ) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر ،  ( ج ) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره ، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ ،  ( ح ) أهلية الناظر للتأويل ، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية ، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم ، و الله عز و جل يقول : { ولا تقف ما ليس لك به علم } [ الإسراء : 36 ] ،  فتلك ضوابط التأويل عندهم ، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء  في نفوسهم كمجرى الدم في العروق ،  كان هذا ما تيسر في بيان أنه لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه ، وانه من الفقه في الدين ،  والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون بان التأويل شر من التعطيل ، وان المؤولة أشر من الجهمية المعطلة ، ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 23 ) جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك  ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ]  يظهر جهل الإنسان عندما يتعدى طوره ويحاول تكييف  ما لا يمكن له الوصول إليه ، ما أعظم جهل الإنسان عندما يحاول تكييف الوجود الإلهي المطلق ، وعندما يحاول الاحاطة بالكمال المطلق لجناب الذات الإلهي ، وعندما يحاول الإحاطة بالتقديس المطلق لجناب الذات الإلهي ، مع انه محدود العلم ، عاجز عن إدراك حقائق الروح التي لا تفارق جسده ، قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 85 ] ، 

[ ]  ( العقل ) لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها ، والله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود ، تعالى على الحدود والبدايات والنهايات ،  والغايات ، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ،  كل الخلائق عاجزة عن معرفة كنه الوجود الإلهي ، لأنها مخلوقة محدودة محدثة ، والمخلوق لا يدرك الخالق ، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود ، والمحدث لا يدرك كنه القديم ،

[ ]  قصة تصف حالي عندما كنت في بداية طلب العلم الشرعي ، مفاد هذه القصة ، كما جاءت في [ طبقات الشافعية الكبرى للغمام السبكي  ج: 9 ص: 42 ] :  يقول (  قال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي أني أسلمت جديدا  ) أهـ  ،   هذه القصة تصف حالي تماما عندما بدأت في طلب العلم الشرعي ، وكان الرواج في الساحة لمذهب اهل الحشو والتجسيم ،  وكان الصوت الاعلى علميا للمنتسبين للسلفية ، والمسمى عظيم ، والكل يتمنى الانتساب للسلف ، ولا ندري أبعاد الامر ، وأن المفردات المعروضة هي مفردات حشو وتجسيم ولا تمت للسلفية بصلة ،  في هذه الايام كان النهم الاعلى لقراءة كتب ابن تيمية وابن القيم ، وخرجت بعقيدة مفادها : أن الله تعالى له مكان ، وأن مكانه هو العرش وأنه من هناك يدير الملك والملكوت ، وان من انكر المكان لله فمداره على التعطيل وانه يعبد عدما لا وجود له إلا في ذهنه ، وان له حد يفصله عن العالم ، وانه فوق العالم والعالم كله تحته ، وأنه خلق الإنسان على صورته ، وان له الوجه والعينين واليدين والأصابع والأنامل والساق والرجل ، وانها صفات اعيان كما قال ابن تيمية ، وان له الاستواء المكاني بذاته على العرش ، وأنه ينزل حقيقة بذاته في الثلث الاخير من الليل إلى السماء الدنيا ، وانه لا مانع من اثبات لوازم النزول الحقيقي من الحركة والسكون وتغير المكان ، وانه يجيء ويذهب ، وأنه كما قال ابن تيمية يقبل الحوادث لتتجدد معلوماته باعمال العباد ، وتجدد مبصراته كل لحظة بالصور الحديثة وتجدد مسموعاته بالأصوات الحديثة ، وتجدد كلماته في الكون بقوله كن فيكون ، مليارات الاوامر تلقى إلى الكون بصورة لحظية والكون في حالة انصياع لتلك الأوامر المتجددة ،  كان هذا هو التكييف الذي وصلت إليه ، وكنت أظن انه الرسوخ في العلم ، وان ما عدا ذلك تعطيل وزندقة وجهل بالله ،

[ ]  وكنت أظن ان الوجه واليد والعين صفات محكمة من اقترب منها اشتم منه رائحة الإلحاد والزندقة ، وكنت أظن كما قال ابن تيمية أن اهل تفويض معاني هذه الأخبار إلى الله هو عين التجهيل وهو شر من التعطيل ، وان من تأولها فهو معطل وان التأويل هو كما كان يقول ابن تيمية  : (  استحدثه الطوائف الضالة  ) ، وكما كان يقول : ( التحريف بالتأويل أقبح من التعطيل والتكييف والتمثيل ، وكما كان يقول : ( هو من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه ) ، وكما كان يقول تلميذه ابن القيم  : َأَصْلُ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ )  ،

[ ]  كانت تلك هي العقيدة عندما كنا لا نستطيع ان نخرج عن حيز الحس والموهوم ، فلا نثبت إلا ما ثبت في اذهاننا بالحس ، كل موجود لابد له من مكان يكون فيه وإلا فهو العدم ، كل موجود لابد لذاته من حد ينتهي إليه ، وإلا اختلط ببقية الذوات ، كل موجود لابد له من صورة وشكل ، وإلا كان وهما وعدما ،

[ ]  كانت تلك هي العقيدة قبل أن يهدينا الله تعالى لتعلم العقيدة على أيدي المتخصصين ، وقبل ان نعلم معاني القدم الازلي لجناب الذات الإلهي وانه يمتنع عليه قبول المحدثات ، وقبل أن نعلم معاني الوجود الإلهي المطلق ، وانه يمتنع عليه الكون في المكان والحد والمقدار ، وقبل أن نعلم معاني الكمال المطلق لجناب الذات الإلهي ، وانه يمتنع عليه التغير والحدوث وقبول الزيادة أو النقصان ، وقبل أن نعلم معاني الأحدية المطلقة وتقديس الله تعالى عن الأجزاء والابعاض ، وقبل أن نعلم معاني الصمدية المطلقة وتقديس الله تعالى عن الصور والأشكال ، وقبل ان نعلم قواعد التقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي وانه مقدس عن الحد والمقدار وعن الكون في المكان وعن جريان الزمان وأنه مقدس عن الاجزاء والأبعاض والصور والاشكال والتغير والحدوث وكل معاني النقص والعيب والحاجة ، وأنه سبحانه غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك   ، وان كل ما كنت فيه كان تكييف وتجسيم لجناب الذات الإلهي ، مع انني كنت اكثر الناس قولا بلا تكييف ولا تجسيم ، وفعلا المرء عدو ما يجهل ،

[ ]  أعود للقصة :  يقول أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي أني أسلمت جديدا  ) كان يطن ان الله تعالى يحويه مكان بل جهة واحدة من جهات المكان ، وجود مقيد ، فلما من الله تعالى عليه بمعرفة قواعد التقديس وان لله تعالى الوجود المطلق المقدس عن المكان أحس بالإسلام النقي السليم اسلام التقديس والتنزيه ، فكتب إلى أصحابه اني قد اسلمت جديدا ، فعلا معرفة قواعد التقديس اسلام جديد ، فعلا فهم مقدمات الإلهيات اسلام جديد ، اسلام التقديس والتنزيه لا اسلام الحشو والتجسيم والتبديع والتضليل لأهل التخصص العلمي وصدق الله تعالى حيث يقول : { ولا ينبئك مثل خبير } ،

[ ]  جناب الذات الإلهي غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك  ، هناك عوامل تبلغ بالعبد هذا التقديس منها فهم معاني الآية { ليس كمثله شيء } فهما صحيحا ، وفهم معاني الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فهما صحيحا ، وفهم معاني القدم الازلي فهما صحيحا ، وفهم معاني الكمال المطلق فهما صحيحا ، وفهم معاني الوجود المطلق فهما صحيحا ،  وفهم قواعد التقديس فهما صحيحا ، كل ذلك يسهم في بلوغ التقديس وبلوغ مرتبة : جناب الذات الإلهي : غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك 

[[ أولا ]] فهم معاني الآية { ليس كمثله شيء } فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس  : الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات ،  أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ،   ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح ، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير  ، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير ، قال تعالى : {  إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان : 2 ] ، فدلت الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ،  يمكن أن تكون هناك مثلية في بعض معاني الصفات ، ولكن النفي المطلق للمثلية إنما هو في جناب الذات ،

[ ]  هذه الآية تقضي على كل أوهام الحشو ، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها ، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات ، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات ، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كانت أجزاء من ذات ، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض ،  فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد ، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات ، وتكييف الذات ، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله ، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى : { ثم استوى على العرش يدبر الأمر } ، كما أن القرب في قوله تعالى { فإني قريب } قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء ، كما أن المعية في قوله تعالى { وهو معكم أسنما كنتم } معية صفات ( صفات العلم والسمع والبصر } ،  كما أن الاحاطة في قوله تعالى { وهو بكل شيء محيط } إحاطة صفات العلم والسمع والبصر ، قال تعالى { احاط بكل شيء علما } ،  أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى { ولا يحيطون به علما } ،

[[ ثانيا ]] فهم معاني الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس :  الاحدية محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن ،  هناك فرق كبير في المعني بين اسم الله ( الأحد ) واسمه ( الواحد ) ، الله واحد لا شريك له ، قال تعالى : { وهو الواحد القهار } ،  الله احد لا جزء له لا يقبل الكثرة والانقسام ، قال تعالى : { قل هو الله أحد } ، 

[ ]  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا ، وكل من كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ،  وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ،

[ ]  { اللَّهُ أَحَدٌ } معنى الآية : أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  ، وهنا يقول أهل الحشو عندما يسمعون هذا التقديس : قف : أنت تعبد العدم ، لا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق ولا تحت  ولا أمام ولا وراء  ، عدم ، انتم تعبدون العدم ، نقول لهم : ((  الكل والبعض واليمين واليسار  والفوق والتحت  والأمام والوراء  صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  ، وليست صفات الأحد المقدس عن الجزئية ، أنتم تقيسون الله على الأجسام المنقسمة المحدودة المصورة ، التي تقبل الصور والأشكال والكون في المكان ، فإما الحشو والتكييف وإما أن تتهموننا بأننا نعبد العدم ، هل العدم يخلق هل العدم يرزق ، هل العدم له الكمال المطلق والوجود المطلق والتقديس المطلق ، هل العدم له القدم الازلي ، هل العدم له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، العدم عدم ، وأنتم تعبدون جسما مجسما يقبل الكون في المكان ويقبل الصور والاجسام ، واذا استوى على العرش ياخذ حيزا على العرش كما تأخذ الاجسام ، أنتم اهل تكييف وتجسيم ، ونحن لسنا ملاحدة نعبد العدم وانتم تعرفون ذلك بل نعبد الله على التقديس والتنزية ، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، { قل هو الله أحد }  : الله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، 

[ ]  { اللَّهُ الصَّمَدُ }  : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد ، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض ، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه ، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه ،  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة  ،  الصمدية المطلقة تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ،  ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء ،  جل المصور أن يكون مضورا ، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور ، { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته ، ( الصمد ) هو الإله الرب الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله ، من خصائص الصمدية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، الكمال المطلق لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ،  الكمال المطلق دائم لا يزول ، لا يفنى ولا يبيد ، الكمال المطلق لا يقبل تغير ولا حدوث ، لأنه إن تغير : تغير إلى زيادة أو نقصان ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن من صفات الإله الذي له الكمال المطلق ،

[[ ثالثا ]]  وفهم معاني القدم الازلي فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس : ( الله جل جلاله ) له القدم الأزلي : ( أول بلا ابتداء ) ، ( أول ) لا أول لوجوده تعالى لا يسبقه عدم ، لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ،  أظهر صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب ، قال تعالى : {  فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ، فالعلة في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب هي الأفول ، ( الآفلين ) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ،

[[ رابعا ]]  فهم معاني الكمال المطلق فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس :  من خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الحوادث ، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث ، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء ، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا ، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق ، لأنه قبل التغير من حال إلى حال ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية ،  لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، الحد معناه التناهي ، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ،  (  الكمال المطلق ) أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، والله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لجناب ذاته ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته ،

[[ خامسا ]] وفهم معاني الوجود المطلق فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس : الله تعالى له الوجود المطلق ، المقدس عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات ، والمقدس عن الكون في المكان ، وعن جريان الزمان ،  هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان ، تحكمه قوانين المكان ، من الكون في المكان والتحيز في جهة من جهات المكان ، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه ،   هذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل ، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل ،  أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود المطلق الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، فالله تعالى له الوجود المطلق ، هذا ( الوجود المطلق ) لا يتقيد بالمكان ، ولا يجري عليه زمان ، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] ، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ،

[[ سادسا ]] وفهم قواعد التقديس فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس   ،  ومن تلك القواعد : تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية من الأجزاء والأبعاض والصور والأشكال ، ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، و ( الجسمية ) تناقض الأحدية ، الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، و ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  ( الجسمية ) تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ،   وهو سبحانه مقدس  عن لوازم الجسمية من الاجزاء والابعاض والصور والأشكال ،

[ ] جلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى ,  كل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ،

[ ]  من محصلة :  فهم معاني الآية { ليس كمثله شيء } ، وفهم معاني الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة ، وفهم معاني القدم الازلي ، وفهم معاني الكمال المطلق ، وفهم معاني الوجود المطلق ، وفهم قواعد التقديس ،  تكون المحصلة : الله موجود بلا كيف ، الله موجود بلا حد ، الله موجود بلا مكان ، الله موجود لا يجرى على وجوده زمان ، جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك ، ( الحاصل ) : هو التقديس المطلق ، الله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا شكل ولا مكان ولا يجري عليه زمان ، ليس كمثله شيء وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه ،

[ ]  جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات ، والإحاطة بالكون احاطة صفات لا إحاطة ذات ، والاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات ، جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، ليس كمثله شيء ، غيب مطلق انقطع علم الخلق دونه ، قال تعالى : { ولا يحيطون به علما }  ،  وقال تعالى : {  لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ، هو الأول بلا ابتداء ، فليس قبله شيء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فليس بعده شيء ، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء ، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء ، قريب من كل شيء ، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده ، لا يغيب عنه شيء ، ولا يغيب هو عن شيء ، وهو بكل شيء محيط ، وهو بكل شيء عليم ، وهو على كل شيء قدير ، لا يعجزه شيء ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ،

[ ]  سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، أحد منزه عن الانقسام ، صمد منزه عن التركيب والاحتياج ، غني حميد ، أحديته المطلقة تمنع من الانقسام ، وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ،

[ ]  ( جناب الذات ) : { ليس كمثله شيء } ، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ، له الوجود الحق المطلق ، والعقول المحدودة لا تحيط بالمطلق المنزه عن الحدود ،

[ ]  الاحاطة به محال { ولا يحيطون به علما } ، لا منتهى لجناب ذاته ولا لعظيم صفاته ، سبحانه تقدس عن المكان ، فلا يتقيد بالمكان ، ولا يحويه مكان ، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن ، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، وتقدس عن جريان الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ،  كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، فلا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، لا يقبل التغير ولا الحدوث ، سبحانه كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ،

[ ]  هو الأول بلا ابتداء ، فليس قبله شيء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فليس بعده شيء ، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، وأجراه ، ولو شاء أوقفه وأفناه ، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق ، كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والتناهي، فلا انتهاء لجناب ذاته ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه :   لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى : 11 ] ،  وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقال تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام : 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقال تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر ، وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والاكرام ،

[ ]  الله تعالى له الكمال المطلق ، منزه عن كل ما ينافي الكمال المطلق لجناب الذات الإلهي ، كالحد والتناهي وكالكون في مكان والتقيد بالزمان ،  سبحانه منزه عن كل ما ينافي القدم الازلي من التغير والحدوث وقبول الحدث ،  سبحانه منزه عن كل ما ينافي الأحدية المطلقة من قبول الأجزاء والابعاض والجوارح ، سبحانه منزه عن كل ما ينافي الصمدية المطلقة من قبول الصور والأشكال

[ ]  الله تعالى موجود بلا كيف ،  الكيف مخلوق ، والكيف يستحيل على الله  ، الأحدية المطلقة تمنع من الكيف ، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف ، الكمال المطلق يمنع من الكيف ، نفي المثلية يمنع من الكيف ، القدم الأزلي يمنع من الكيف ، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف ، نفي الحد يمنع من الكيف ،  نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان ، يمنع من الكيف ، نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف ، 

[ ]  تقدس في وجوده المطلق عن الكيف ، فلا كيف ولا مكان ولا زمان ، لا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال ، ولا يقال في وجوده أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون ، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون ، والدخول والخروج ، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار ، ، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة ، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك ،  { ليس كمثله شيء } ، { ولم يكن له كفوا احد } ،

[ ]  جناب الذات لا يُدرك :   كل مسلم مقدس لله منزه له يفهم المراد من التسبيح يجب عليه الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ،

[ ]  كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان ،

[ ]  تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ،

[ ]  جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ، والله تعالى خالق مقدِر ،  تنزه سبحانه عن الحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ

[ ]  [ الخلاصة ]  : الله تعالى موجود بلا كيف ، الأحدية المطلقة تمنع من الكيف ، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف ، الكمال المطلق يمنع من الكيف ، نفي المثلية يمنع من الكيف ، القدم الأزلي يمنع من الكيف ، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف ، نفي الحد يمنع من الكيف ،  نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان ، يمنع من الكيف ، نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف ، ( الله موجود بلا كيف ) : تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف ، بلا كيف ، ولا مكان ولا زمان ، ولا حد ولا مقدار ، لا يحده مكان ولا يجري عليه زمان ، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، استواؤه على العرش استواء صفات الربوبية والدبير ، لا استواء ذات وقربه من الخلق قرب صفات لا قرب ذات ، وإحاطته بالخلق احاطة صفات لا احاطة جناب الذات ،

[ ]  كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، و  كل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما عارض القدم الازلي لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الأجزاء والابعاض لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم التغير والحدوث وقبول الحوادث فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه ، وكل ما أوهم الفوقية الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  الله موجود بلا كيف ، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان ، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء ، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، والعجز عن الإدراك إدراك ، ولا يحيطون به علما ، هذا هو ثمرة دراسة المقدمات الاعتراف بالعجز عن الادراك { لا تدركه الأبصار } ، وبلوغ التقديس المطلوب { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ، وتصفية الاعتقاد من شوائب الحشو والتكييف والتجسيم ، الله موجود بلا كيف ، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان ، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء ، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، والعجز عن الإدراك إدراك ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 22 ) بيان الزيغ الذي وصل إليه أهل الحشو بسبب تتبع المتشابهات - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة : بيان حال الحشوية وزيغهم وضلالهم بسبب اتباعهم للمتشابهات ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ]  القرآن الكريم به المحكم وبه المتشابه ، اختبارا من الله تعالى لنا ،  وقد امرنا أن نتمسك بالمحكم ولا نتتبع المتشابه ، لان تتبعه زيغ وضلال ،  قال تعالى : {  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ متفق عليه ]

[ ]  وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ،

[ ]  لقد حذرنا الله تعالى من تتبع المتشابه ، لذا وجب ان نعلم حدود المتشابه وان نعلم من الذي يعلم المتشابه ،  وما هي طريقة الصحابة الكرام في معاملة المتشابهات ، وما هي طريقة المذاهب المتخصصة في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة والتي هي امتداد للصحابة في معاملة المتشابهات ، وما هو حال الذين يتتبعون المتشابهات ،

[ ]  [ أولا : ما هي حدود المتشابه ]  :  الأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ،  ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ،   وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ،  وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ،

[ ]  هناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته ،  فمن المحكم - على سبيل المثال - ( صفة العلم ) وهي صفة كمال من كل وجه ، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، و ( صفة القدرة ) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها  ( العجز ) ، وهو مستحيل على جناب الله تعالى ،   أما المتشابهات فهي ( الأخبار ) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ، ومن تلك المتشابهات : متشابهات توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى جناب ذات الله تعالى  كالوجه والعين واليد ، وهي تعارض الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الاجزاء والأبعاض ، وهناك متشابهات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء ، وهي معارضة بالقدم الأزلي والكمال المطلق لله ، ونسبة حقائق تلك الألفاظ كما هي في اللغة محال على جناب الله الأحد الصمد الذي له الكمال المطلق  ، والقدم الأزلي ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه ،

[ ]  للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، منهجان صحيحان : المنهج الأول : هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ ،

[ ]  [ المذهب الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ] : وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال ، ومذهب السلف الأول فيها : أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ولا تفسر ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ،

[ ]  [ المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ] ، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم  ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ،  ومما يدل عليه  أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله : (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ،

[ ]  مناهج أهل السنة والجماعة في معاملة المتشابهات : لأهل السنة فيها مذاهب صحيحة تتمثل في ثلاث مسالك معتمدة ، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو ،  المسلك ( الاول ) : إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير التعرض لمعناه ، و المسلك ( الثاني ) : اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة ، والمسلك ( الثالث ) : حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها ، ومثاله حمل الوجه على الذات ،  وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة ، جميع تلك المسالك صحيح وبها قالت مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة وهي مدارس الاثرية والأشعرية والماتريدبة ، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه ، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه ، 

[ ]  مثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها : ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات ، وحمل اليد على مقتضي الآية ، ففي قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } تحمل على الكرم والجود والعطاء ، وفي قوله تعالى : { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم ، و فإنك بأعيننا } أي بحراستنا وحفظنا ،  ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن الجارحة والجزء ، 

[ ]  مثال الصفات الخبرية أيضا ( الاستواء ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية لذات الله ، وهذا وصف لذات الله تعالى بالنقص ، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن النهاية لأنها سمة المخلوق المحدود ، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وهو أكبر من الحدود ، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه ، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود ، كما أنّه الواحد القهار الذي قهر الحدود ، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات ، فإثبات الاستواء على معناه الظاهر ( الجلوس ) ، قد يوحي بالمقابلة أو المحايثة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب  ، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها ، إما اثبات الاستواء على سبيل الصفة لا سبيل الجلوس والاستقرار ، وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو علو الهيمنة والربوبية والتدبير  ، وإما تفويض علمه إلى الله ، ( استواء على مراد الله ومراد رسول الله ) مع المنع من تفسيره على ظاهره ( الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص المتمثل في الحد والنهاية والتكييف كجلوس الملك على كرسي عرشه ، مع الحذر من اثبات الاستواء على أته الجلوس ، فهذا تشبيه ، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة ، ومع الحذر من نفي ( الاستواء ) كأن يقول : ليس للرحمن صفة الاستواء على العرش ، فهذا خروج عن إطار أهل السنّة إلى الاعتزال ،

[ ]  حاصل مذهب الحشوية  التجسيم والتكييف : يقولون نثبت لله يدين حقيقيتين , وعينين حقيقيتين , ووجها حقيقيا , وساقًا حقيقية وأصابع حقيقية , صفات عينية ، ولا معنى للعينية إلا الجزئية ، ويقولون : نثبت له استواء حقيقيا على العرش فوق السماوات بذاته , وهو مستوٍ على العرش استواء استقرار , وواضع قدميه على الكرسي , والكرسي غير العرش , وأن الله تعالى متصف بجهة حقيقية هي جهة فوق , وأنه ينزل بذاته نزولا حقيقيا , ويجيء بذاته مجيئا حقيقيا , ويعجب ويضحك على الحقيقة , وإذا كان النزول الحقيقي والمجيء الحقيقي يستلزم الحركة فلا مانع من التزام هذا اللازم الظاهر ، وإذا كان التعجب والضحك يوجب التغير والحدوث فلا مانع من التزام هذا اللازم الظاهر ،

[ ]  نبذة مختصرة عن تاريخ تسلسل ظهور الحشوية والإشارة إلى بعض أعلام ومصنفات الحشوية  :  لقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، في أقوال المحدثين ورواياتهم ، حتى ظهر مقاتل بن سليمان (  المتوفي سنة 150 ه‍ )  فملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات ،  وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه ، أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار  من أئمة المحدثين قال :  ( مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه )  [ تاريخ بغداد 13 : 162] ، وقال ابن حبان :  ( كان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب في الحديث )  [ المجروحون 2 : 15 ] ،  للأسف بعد هذا المفسر الضال المبتدع أصبح التجسيم والتشبيه مدرسة متكاملة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده  من جهلاء المفسرين والمحدثين ، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية ، 

[ ]  ثم ظهر محمد بن كرام السجزي (  ت 255 هـ  )  ، وأتباعه هم الكرامية ، تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية ، يقول ابن السبكي :  (   مجسم باح بالتجسيم )  [ طبقات الشافعية لابن السبكي 2 : 35 ]  ، وأهم مقالاته تجسيم معبوده إذ زعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته وهي الجهة التي يلاقي منها العرش [ انظر الفرق بين الفرق للبغدادي 203 و الملل والنحل للشهرستاني 108 واعتقادات فرق المسلمين للرازي 17 ] ، ، وزعم أن الله تعالى مماس لعرشه من الصفحة العليا [ انظر الفرق بين الفرق للبغدادي 204 و الملل والنحل للشهرستاني 108 ]  ،  ومن الكرامية من قال إنه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم إن العرش قد امتلأ به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه بجهة فوق وأنه محاذ للعرش [ انظر الملل والنحل للشهرستاني 108 ] ،

[ ]  تسرب مقالات التجسيم والحشو إلى بعض المصنفات الحديثية :    أهل الحديث ليس لهم مذهب مستقل لا في الفقه ولا في الاعتقاد ،  وكتب الرجال تشهد بأن في رواة الحديث بعض اهل البدع من الحشوية والرافضة والخوارج ، ولم تخرجهم هذه ابدع من دائرة المحدثين، وإن حُكم عليهم بالبدعة ومخالفة السنة ، 

[ ]  كان هناك من جهلة المحدثين بالأصول من يثبت بعض الأخبار الواهية المنكرة التي لا تكاد تحتمل التأويل ، ومن هذا الفريق من ألف وجمع من هذه الأحاديث والأخبار التي يسمونها أخبار الصفات ، وعلى هؤلاء العمدة في تقرير ما يسمونه اليوم بعقيدة السلف ،  والسلف منها براء بل هي عقيدة الكرامية وأتباعهم من اهل الحشو والتجسيم ، وأذكر عشرة امثلة من أبرز رواد الحشوية الاوائل واهم مصنفاتهم :

[ ]  ( أولاً ) :  عثمان بن سعيد الدارمي : له كتابان في رد بدعة الاعتزال بالحشو والتجسيم ،  ( الكتاب الاول ) كتاب الرد على الجهمية و ( الكتاب الثاني ) كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد  :  أما كتاب الجهمية فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه ، وأنه ينزل بذاته في الليل إلى جنة عدن وانها مسكنه ، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه ، أما كتابه الآخر  [ نقض عثمان بن سعيد على المريسي  ]  أثبت فيه الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها ، وهذان الكتابان لهما منزلة عظيمة عند ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وقد أكثرا النقل عن هذين الكتابين ،

[ ]  ( ثانياً  ) :  كتاب السنة لابن أبي عاصم  :  هذا الكتاب لمؤلفه أبي بكر بن أبي عاصم ( 287هـ )  وكان مذهبه القول بالظاهر  ،  وأثبت في كتابه من الأخبار المنكرة :  أن الله خلق آدم على صورة وجهه ، وعلى صورة الرحمن ، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر ، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة ، 

[ ]  ( ثالثاً ) :  كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ( 290هـ  ) :  ،  واشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره ، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي ، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه ، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك مما تشيب له رؤوس المقدسين ،

[ ]  ( رابعاً ) :  كتاب السنة للخلال  :  ( 311هـ )   :  أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش ، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام ،

[ ]  ( خامساً ) :  كتاب التوحيد لا بن خزيمة  :  وفيه أبواب  بعناوين : إثبات الأصابع لله عز وجل، وباب في إثبات القدم، ونحو ذلك ،  وأخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة،

[ ]  ( سادساً ) :  كتاب الصفات المنسوب للدارقطني  :   ولا تصح نسبته إلى الدارقطني لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش قال الذهبي في ترجمته :  ( أقر بوضع حديث وتاب وأناب )  [ ميزان الإعتدال 1 : 259 ] ، ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي العشاري قال الذهبي في ترجمته :  ( أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي )  [ ميزان الإعتدال6 :  267وانظر ترجمته في لسان الميزان 5 : 302 ] ، وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن ونحو ذلك ،

[ ]  ( سابعاً  ) : كتاب التوحيد لابن مندة  :  ( 395هـ )   وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه ،  وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه،

[ ]  ( ثامنا ) :  كتاب العرش وما روي فيه  :  لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة ( 297هـ )   ،  وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى الله عز وجل في روضة خضراء ،

[ ]  ( تاسعا ) كتاب الأربعين في دلائل التوحيد للهروي الجاهل بعلم التقديس والتنزيه ،  وفيه : أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة ،  وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة ،

[ ]  ( عاشرا ) كتاب إبطال التأويلات لأبي يعلى الفراء ، وفيه طامات : أهونها أنه أثبت ( قعود النبي صلى الله عليه وسلم على العرش مع الله ) !! وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه ، وأن من لم يؤمن بذلك فهو من الفرق الهالكة ، وذكر في ذلك روايات كلها موضوعة ،  ثم قال أبو يعلى الفراء  في 2/485 معتمدا على الروايات الموضوعة : (( من ردها فهو من الفرق الهالكة )) ونقل عن بعضهم تكفير منكر ذلك !! ، ج1/ص72 و ج2/ص476  ، وأثبت ( الاستلقاء والاتكاء والقعود ، ورفع إحدى الرجلين على الأخرى ) !!  وذكر في  ذلك رواية موضوعة :  (( إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال : إنها لا تصلح لبشر )) [  1/73 ، وفي 1/187 ]  ،

وذكر ص188 عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا : (( هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى )) اهـ !! ، ثم قال ص190 :  (( اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء : منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه ، وأن له رجلين كما له يدان ، وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها )) اهـ !!! .  ، 

ثم لم يهدأ حتى وصف الله تعالى بأنه في صورة ( شاب ، أمرد ، أجعد ، في حلة حمراء ، عليه تاج ، ونعلان من ذهب ، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب ) !!  وكتب في ذلك صفحات كثيرة من الكتاب 1/133 ليثبت هذه الأوصاف لله ـ تعالى وتقدس عن إفكه ـ وكلها روايات موضوعة ، ونقل في 1/144 أن من لم  يؤمن بهذه الصفات العظيمة !! فهو : ( زنديق ) ، ( معتزلي ) ، ( جهمي ) ، ( لا تقبل شهادته ) ، ( لا يسلم عليه ) ، ( لا يعاد ) ، هذه بعض مخازي أبي يعلى الفراء ،

ولأن أبو يعلى حشوي جلد ، فإنه مغرم بنسبة كل شيء إلى الذات ! لا يتردد أبدا في ذلك فتراه يذكر في 1/227 رواية ( إن الله يدني العبد يوم القيامة ) فيقول : (( المراد من دنوه الدنو من الذات )) !! ، وفي 1/265 يذكر : (( نزول ذاته )) !! تعالى وتقدس ، يستدل لذلك بخبر موضوع : (( إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته )) !! وفي 1/266 يذكر : (( هبوط الذات )) !! ، وفي 2/297 : (( الدنو والقرب من الذات )) !!

 ثم أثبت الذراعين والصدر ) !! [  1/221 ] برواية مكذوبة باطلة ، نصها : (( خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر )) !! ( 2 ) ثم قال : (( الكلام في هذا الخبر في فصلين : أحدهما في إثبات الذراعين والصدر ، والثاني في خلق الملائكة من نوره )) اهـ !! فأثبت الذراعين والصدر والنور صفات ، وأثبت ( الفخذ والأمام والخلف لله تعالى سبحانه عن حشو المجسمة  ) !!!!   برواية باطلة : (( إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له : كن أمامي ، فيقول : رب ذنبي ، فيقول الله : كن   خلفي فيقول : رب ذنبي ذنبي ، فيقول الله له خذ بقدمي )) اهـ ، [  1/206  ] ورواية باطلة أخرى : (( إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول : ادن منا أزلفت لدينا )) اهـ ، ثم قال : ((  غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره ، لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا ، بل نثبت ذلك صفة ،  ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة ، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة … )) اهـ !!! ، 

إذا لم تستح فاصنع ما شئت ، جعل الفخذ صفة لله تعالى وتقدس ، والفخذ من العورة في شريعة الإسلام ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، ثم أثبت ( الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها ) !! بروايات لا يثبت بها شيء حتى في الوضوء ، فأثبت الإبهام صفة لله [ 1/210 ] ، مستدلا برواية منكرة باطلة : (( أوحى الله إلى داود : ارفع رأسك فقد غفرت لك .. ومحوت خطيئتك بإبهام يميني )) اهـ !! ، ثم قال أبو يعلى متحذلقا : (( وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام .. )) اهـ ، وقال في خبر تالف باطل [  2/316 ] : (( الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها )) اهـ ، ويقول في 2/335 : (( .. الخنصر وهو على ظاهره ، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته )) اهـ ، ثم أثبت ( اللهوات والأضراس ) !! صفاتا لله ، ففي [ 1/214 ] يذكر أبو يعلى خبرا باطلا نصه : (( يضحك الله .. حتى بدت لهواته وأضراسه )) اهـ !! ، ثم يقول : (( لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا ، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر ، وإن لم نعقل معناها )) اهـ ، 

ولم يكتف بذلك حتى أثبت ( الملل ) !! صفة لله ،  [ 2/369 ] برواية : (( إن الله لا يمل حتى تملوا )) فأثبت الملل له تعالى صفة ، لا على معنى السآمة والاستثقال .. )) اهـ !!! .  وأثبت ( الفم ) !!  بأثر باطل [  2/387 ] (( كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك )) اهـ ثم قال : (( اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه )) اهـ !! وأنه : (( صفة قد ورد الخبر بها )) اهـ !! ، وأثبت ( الجنب ) !!  صفة لله فقال [  2/427 ] : (( وأما قوله تعالى : ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) فحكى شيخنا أبو عبدالله رحمه الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله سبحانه )) اهـ !!! .

وعند إثبات الساق أورد روايات موضوعة مآلها كلها إلى التجسيم والعياذ بالله ، أورد أبو يعلى في كتابه 1/161 من طريق مقاتل بن سليمان قال : ((  ( يوم يكشف عن ساق ) يعني ساقه اليمين ، فيضيء من  نور ساقه الأرض ، فذلك قوله : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) ، يعني نور ساقه  اليمين )) اهـ !! ، قال محقق الكتاب وهو حشوي مثله  : (( إسناده ضعيف جدا ، ومقاتل بن سليمان متهم ورمي بالتجسيم )) اهـ  ،

ثم لم يتورع حتى أسند رواية إلى الجن بأن الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض كان مستقرا على الحوت  فقد أورد [  1/237 ]  ، قال ابن الأثير في أحداث سنة ( 459هـ ) حيث كانت وفاة أبي يعلى :  (( وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي ، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة .. وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة ، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض ، تعالى الله عن ذلك .. )) اهـ ،   وقد قال فيه معاصره أبو محمد رزق الله الحنبلي شيخ الحنابلة ورئيسهم في بغداد ، ما لفظه : (( لقد شان المذهب شينا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة )) اهـ  كما في ( دفع شبه التشبيه ) لابن الجوزي ص10 ،

وقال الحافظ أبي الفرج عبدالرحمن بن الجوزي الحنبلي في مقدمة كتابه ( دفع شبه التشبيه بأكف التنـزيه )  (( ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة : أبو عبدالله بن حامد ، وصاحبه القاضي أبو يعلى ، وابن الزاغوني ، فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب ، سمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات ، وعينين ، وفما ولهوات وأضراسا ، وأضواء لوجهه هي السبحات ، ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين ، إلى ان لعنهم في آخر الكتاب )) اهـ من ص67  ، 

[ ]  اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل ( ت241هـ )  ، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر ، ومن أكبر أئمّة الاسلام ، لكن قد انتسب إليه هؤلاء هو منهم بريء ، وهذا الإمام ابن الجوزي ، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله ، يُخاطب ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي وهم من كُبراء الحنابلة ، بقوله  : " ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة :  أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضيوابن الزاغوني فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، ويقولون  :  نحن أهل السنة ، وكلامهم صريح في التشبيه ،  وقد تبعهم خلق من العوام ،  فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم :  لا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه ،  ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم ..  )  [ دفع شبه التشبيه لابن الجوزي 30-33 ] ،

[ ]  تسرب الأفكار الحشوية إلى ابن تيمية  :  ابن تيمية  أسوا حالا من أبي يعلى الفراء ، كانت تنقصه دقة المتخصصين في العلم ، تفرغ لإحلال مذهب الحشو مكان مذهب أهل السنة والجماعة ، وأفنى عمره من اجل ذلك ، فهو المجدد لمذاهب الحشو والتجسيم ، مذاهب الحشوية والمجسمة كان لها وجود ضعيف قبل ظهور ابن تيمية ،  ولم يكن لها ضوابط تجمعها , حتى رتب أصولها وهذب شواردها ابن تيمية ، فكان بحق إمام الحشوية الابرز ، والحشوية في عصرنا هذا تبع لما صنفاه  , وعلى كتب هما مدار الدراسة عند الحشوية أدعياء السلفية  ،

[ ]  في مجال علوم العقيدة ، وقع في أخطاء أبرزها  :  (  أ  )  أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين ،

[ ]  (  ب  )  كذب على السلف ونسب إليهم مذهب الحشو ، وهو اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات ، وقد كان مذهبهم الصحيح : تفويض المعنى ، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك ، ولو كان له معنى لما كان متشابها ، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض - وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي - من شر مذاهب الفرق الضالة

[ ]  (  ت  )  شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض ، (  ج  )  بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء  ، (  خ  )  تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله ، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة ،

[ ]  (  د  )  نسب علم (  التقديس وقواعد التنزيه  المستمدة من الكتاب والسنّة  )  إلى علوم اليونان وفلسفتهم ، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة ، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام ، قال تعالى  :  { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }  [  النساء  :  84  ]  ، ولأنهم متخصصون علموه ، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه ، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين ،

[ ]  (  ذ  )  شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا ، وقطع طريق العلم عليهم ، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة ، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت ، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة ،  ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة ، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة ،

[ ]  (  ر  )   لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول ، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره ، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب ، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة ، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير ،

[ ]  (  ز  )   لم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك ، (  س  )  لم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في التبديع ،

[ ]  (  ش  )  انفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة ، ومن ذلك  :  إنكاره المجاز في القرآن واللغة مع أنّه معلوم من اللغة بالضرورة ، ولا يمن انكاره لا من اللغة ولا من القرآن بحال من الأحوال ، ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين ، وليس يفيده بحال ، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر - وهذا في السنّة كثير - ، ومع هذا الاحتمال ، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين ، لاشك أنّه يوجب العمل ، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد ،

[ ]  وفي مجال الفقه  :  كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة ، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء ، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم ، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، واتباع الكتاب والسنّة ، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم ، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية - على مر عصور الإسلام -  كل ما يتعلق بالفقه ومسائله ، 

[ ]  وفي مجال التزكية والتصوف  :  أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف ، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها ، وتجريح أكابرها ،  وفي مجال تعلق المسلمين بالرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيت الرسول  :  أفتى بحرمة شد الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم ، مع أنّه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وزيارة المقابر كلها مسنونة ، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم ،

[ ]  وفي مجال الموقف من آل البيت  رضوان الله تعالى عليهم  ، أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف عن آل البيت ، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير  المؤمنين خليفة المسلمين الرابع علي رضي الله عنه ، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة ، وحكم على أخرى بالوضع ، ولا تبلغ هذا الحد ، وخانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه ، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد ، وفي مجال المعاملة مع أكابر علماء عصره ، هاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم ، وصال عليهم وجال ، واحتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه حتى يحفظونه من شر نفسه ، ويحفظون الناس من غرائبه وتشدداته ، فهل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات  :  أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن السلفية والسلف ،

[ ]  لا ينبغي الاغترار برده على الأكابر في علم التقديس والتنزيه كالرازي وفحول الأشاعرة ، فردوده خواء عن معرفة مقصود تنزيههم لأنّه ولج علما لا يتقن أصوله ، فأخذ يحشو في الردود حشواً ، وما أسوأ ردّه على كتاب تقديس الرازي ، يرد الصواب بالخطأ ويجول ويصول ويجادل في اثبات خطأ الصواب وصواب الخطأ ،

[ ]  ولا ينبغي الاغترار بمحاولته اثباته عدم التعارض بين النقل والعقل ، بجر المعقول الذي عقله إلى فهمه الذي فهمه من المنقول ، فلا هو - يرحمه الله - يدرك المعقول على وجهه لأنّه غير متخصص فيه وهل أقل المعقول إلا معرفة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الخالق سبحانه ، وهل أقل المعقول إلا التفريق الأصولي بين القديم والمحدث وهو لا يدركه ، وهل أقل المعقول إلا معرفة قواعد التنزيه التي تمنع التمثيل والتشبيه والتجسيم والحشو عند الحديث عن ما يتعلق بالله تعالى ، وهو يرحمه الله لا يدرك ذلك البته ،

[ ]  مذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم ، والعالم المخلوق تحته ،  وهو موجود على عرشه ، وأنه متناه من جهة تحت ، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء  ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الذي لا ينقطع عن الارض لحظه كما دلت الدراسات اليقينية المعاصرة ، والمصيبة أنّ نزول الله تعالى - عنده - نزول حقيقي بذاته ، فقد قال ( وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته  )    ،  ودندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية ، ودندن حول حديث خلق آدم على صورته ، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن ، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى ، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم  وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء ، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد ،

[ ]  رؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام لجمهور علماء المسلمين ، ولأجلها اعتقل مرات عديدة ونفي إلى مصر وسجن ومات بسجنه  :  أهم تلك المسائل  :  (  أ  )  وجوب وصفه سبحانه بالصفات الخبرية المتشابهة كالوجه واليد والعين والمجيء والنزول والاستواء بنفس المعاني اللغوية من دون تصرّف ، وقد علمنا أنّها أمور متشابهة لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم ، وقد قام بذلك علماء الأصول مفاخر الإسلام ومعاقد الإيمان ، فضبطوا علمها وابن تيمية لا يعلم عن هذا العلم شيئاً ،

(  ب  )  تحريم  التوسّل بالأولياء والصالحين ، وتحريم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم لأنّها شرك بالله ، وقد علمنا أنّ الشرك ضد التوحيد ، والتوحيد هو افراد الله تعالى بالعبادة ، وأنّ للعبادة جانب أهم وهو اعتقاد الإلهية والربوبية في المعبود ، وجانب آخر هو العمل العبادي كالسجود والدعاء وغيرهما من مفردات العبادة ، فمن صرفها باعتقادها كان عابدا ، ومن صرفها بغير اعتقاد ، فهي أبعد ما تكون عن العبادة ومنه سجود الملائكة لآدم ، فأين كل هذا من التوسل بالصالحين إلى الله تعالى لنيل الشفاعة عند الله ، ومع ذلك وعلى سبيل التنزل فقصاراها مسائل خلافية لا يجوز الاحتساب فيها ، ولا الأمر والنهي فيما ومع ذلك أفنى ابن تيمية حياته في نصرتها في أوقات كانت الأمة تنزف دماءها بسبب ضعفها أمام الأعداء ، فهل كان صوابا أن يشغب على الأمة بمفردات حشوية لا تمت إلى الأصول بنسب ولا صلة ، 

(  ت  )  تحريم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك ، وهذا أطم الطامات ، حيث انفرد به عن علماء الإسلام ، وحمل حديث ((  لا تشد الرحال  ))  على غير محامله ، فقد سيق في بيان فضل المساجد الثلاث على غيرها ، فادخل فيها زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا علاقة للزيارة بالحديث ، بل علاقته أقرب إلى زيارة القبور ، وهي جائزة باتفاق ، وأولاها قبر سيد الأولين والآخرين الذي به صلى الله عليه وسلم أخرجنا الله تعالى من الظلمات إلى النور ، وما المانع أن يأتي بعده من يحرم شد الرحال للعمل أو طلب العلم ، لأنّ مآخذها ومآخذ الزيارة سواء ، وجميعها أجنبي عن فتوى تحريم شد الرحال ، إنّ المسلمين - على مر عصور الإسلام -  كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه ، ولم تك الزيارة في تلك العصور أبداً ذريعة إلى الشرك ، بل كان الهدف منها توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره ، وهو مطلب قرآني ، قال تعالى  :  { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } الآية ،  ولكن ابن تيمية ، يُخالف ذلك كله ،  ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم  تمسكاً بحديث غير دال على ما ذهب إليه  ، فما ذنب الإسلام إن كانت بعض الأفكار الحشوية والخاطئة قد تسربت إلى عقل ابن تيمية ومن ثم إلى أتباعه ،

[ ]  اهل العلم لا يجوز لهم كتمانه ، وقد قال تعالى : {  إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( من كتم علما يَعلمه جاء يوم القيامة مُلْجَمًا بِلِجَام من نار )) [ الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم ] ، 

[ ]  احقاقا للحق ، وعدم كتمان العلم ، فلابد من القول بان ابن تيمية وأتباعه أهل حشو ، وآل بهم تتبع المتشابهات والجهل بمقدمات الإلهيات وقواعد التقديس إلى الوقوع في بدع الحشو التجسيم ، على حساب التقديس ، وإلى الغلو في التكفير والتبديع فيما يتعلق بأمة الإسلام ،

[ ]  وللأسف السلفية المعاصرة إلا ما رحم الله ، هم أقرب إلى بدعة الحشوية منهم إلى أهل السنة والجماعة ، هم ادعياء سلفية ، والسلفية الحقة المباركة بريئة مما هم فيه من الجهل بالله تعالى وما يجب له من التقديس والتنزيه ، تسربت إليهم مفردات بدعة الحشو والتكييف ، كيفوا الوجود الإلهي وحدوه بالمكان والزمان ونسبوا إلى جناب ذاته الاقدس الحد والتناهي ونسبوا إليه صفات الاجسام المخلوقة من الصورة والشكل والحركة والسكون والتغير والحدوث ، وصاروا أقرب إلى المجسمة المبتدعة منهم إلى اهل السنة والجماعة الحقيقيين ، 

[ ]  [ أهل السنّة والجماعة ] لهم في باب العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، لقد أُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، من هاجم مدرسة منها فهو لا محالة متهم على عقله أو علمه أو دينه ،  اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 21 ) كل ما عارض المحكم القطعي فهو متشابه يجب رده إلى محكمه - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  بيان ان كل ما عارض المحكم القطعي من عقائد السلمين فهو متشابه يجب رده إلى محكمه  ،  أقول وبالله التوفيق : ذكرت في المحاضرة السابقة المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ،  واتكلم في هذه الحلقة عن بيان ان كل ما عارض المحكم القطعي فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وذكرت من المحكمات ما يلي :

[ ]  الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ، هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول ، ( الأول ) : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة ( الله أحد ) ، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام ، منزه عن الأجزاء والابعاض ، ولا كل ولا بعض، ولا يمين له ولا يسار ، ولا فوق له ولا تحت ، ولا أمام له ولا وراء ، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، و ( الثاني ) : وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة ( الله الصمد ) ، ومعناها كمال الحياة والقيومية ، وتمام الغنى والحمد ، له الحياة والقيومية على الدوام ، وله الغنى التام والحمد على الدوام ، منزه عن الحاجة ، ( صمد ) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج ، و ( الثالث ) تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث ( لم يلد ولم يولد ) ، {لَمْ يَلِدْ } لا ينفصل من شيء ، { وَلَمْ يُولَدْ }  ولم ينفصل منه شيء ، القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق ،  منزه عن التغير والحدوث ، و ( الأصل الرابع ) : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  }  لا نظير له بوجه من الوجوه، ، تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق ،

[ ]  الله تعالى خالق كل شيء وهو الواحد القهار ، خلق الخلق أجمعين ، ثم قهرهم بالحد والمقدار ، والكون في المكان وأجرى عليهم الزمان ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار ، قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار ، لا تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه ، وهو خالق الحدود والمقادير ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار

[ ]  الله تعالى له الكمال المطلق ،  من خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق ، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته ، الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ،  الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، الحد معناه التناهي ، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، 

[ ]  الله تعالى هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، أزلي لا ابتداء لوجوده ، وأبدي لا انتهاء لوجوده ، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، وأجراه ، ولو شاء أوقفه وأفناه ، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، سبحانه ، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته ، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق ، فكل المخلوقات مقهورة بقوانين الزمان ، لا فكاك لها عن الزمان ، فلابد وأن يجري عليها زمان ، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان ،  و ( الله ) تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ،  له تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان ، المكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، والمكان محدث مخلوق ، والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، خلق المكان ، وقهر جميع خلقه بالكون في المكان ، أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان ،  والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن ، والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ،  الله تعالى موجود بلا كيف ، والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، ليس كمثله شيء ، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، موجود قبل الخلق ، كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس له الوجود المطلق منزه عن الحد والمقدار ، التناهي نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال ،  كل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته ، فلا حد لجناب ذاته

ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، لان هذه صفات الأجسام المخلوقة ،  والله موجود بلا كيف ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ،  قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى : 11 ] ، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه ، ولا كفء له ولا شبيه ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحدوث أو الفناء ، وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، لانّ ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، والجسمية تناقض الأحدية ، والله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ] ،  الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، و ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة  ، من خصائص الجسم أن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، الأجسام محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس مقدس عن لوازم الجسمية من الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق  ،  ( قل هو الله أحد ) ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، وقوله تعالى ( الله الصمد )      الصمدية تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله لان الصمدية كمال مطلق وغنى مطلق ينفي الحاجة  ، وكل جسم مركب ، وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ،  فلا يكن صمداً مطلقاً 

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس مقدس عن لوازم الجسمية من الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات ،  لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة ، والله تقدس عن الحد والتناهي ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، لذلك فإن الذي يجب على كل مسلم أن يعلمه أن ربنا تعالى وتقدس ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وعن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار ، له الكمال المطلق في كل صفاته ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الوالد والولد والصاحبة :  أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ، {لَمْ يَلِدْ } لا ينفصل من شيء ، { وَلَمْ يُولَدْ }  ولم ينفصل منه شيء ، القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق ،  منزه عن التغير والحدوث ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  }  لا نظير له بوجه من الوجوه، ، 

[ ]  وبعد فهذا كله من المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ، وكل ما عارض المحكم القطعي من عقائد السلمين فهو متشابه يجب رده إلى محكمه  ،    كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات من الصور والاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه  ،  وكل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي ،  وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، كل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا مكان ولا زمان ، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ،

[ ]  من الخطأ الجسيم اعتماد ظواهر المتشابهات في فهم الإلهيات لان مبناها على نفي المثلية  : قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ،

[ ]  من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الحشوية من جهة التجسيم ،  حتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والكون في المكان والصور والأشكال والتغير والحدوث إلى جناب ذات الله ،

[ ]  لا يمكن اعتماد ظواهر النصوص المتشابهات لبناء العقيدة ، وذلك لأن هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، لأنّ علم الله تعالى قديم ،

وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ،  والمعنى : { سنفرغ لكم } أي سنحاسبكم ،

[ ]  وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء والمعنى : أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء ، 

[ ]  وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، واعتقاد هذا الظاهر ضلال ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومنزه عن القرب الحسي بالذات ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة : ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ،  كل هذا من اجل التقديس وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ،

[ ]  وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته ، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  الجميع متفق على حمل القرب على قرب الصفات من العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل المعية على معية الصفات من العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها أهل الحشو والتجسيم على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ، ولم لا يكون استواء صفات من الربوبية والقهر  والتدبير والتصريف كما أن القرب قرب صفاته من علم وسمع وبصر وقدرة ، وقد قال تعالى مرشدا عباده أن الأماكن كلها ملك لله : {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ،

[ ]  ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ،   

[ ]  من الآيات المتشابهة ما يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء ، كالوجه واليد والعين ، ومنها ما يوحي ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء ، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء ، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك ، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم ، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها : ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات ، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن الجارحة والجزء ،

[ ]  المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها  ،  ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، وليس للنهار وجه على الحقيقة ، والآية لا تفيد إثبات الوجه للنهار ، الصواب انه مجاز بلاغي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، وليس للشهادة وجه على الحقيقة ولكنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة ،  وكذلك قوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ } [ النساء  : 125] ، ومعلوم أن توجه القلب إلى الله تعالى أعظم من توجه الوجه ، وكذلك فإن بقية الجوارح عليها تكاليف وعبادات ولها توجه إلى الله ، وهذا يدلنا على أن التعبير بتوجه الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ،

[ ]  هكذا نحمل الوجه في قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ،

[ ]  والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ،   قوله تعالى : { نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟

[ ]  وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ،   [ ]  وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ،   [ ]  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كالأرجل والأعين والآذان ، كسب يسبب العذاب ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم ) 

[ ]  وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، المقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه  : بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ،

[ ]  وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ،

[ ]  وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ،

[ ]  سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ،

[ ]  ما الفارق بين قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ،

[ ]  فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا العربي يقول : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ، ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه  ، وقد قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن ،  

[ ]  وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، 

[ ]  والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، تجري مجرى المجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ،

[ ]  قوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  : أهل الحشو نسبوا إلى الله علو المكان ، الله تعالى له العلو المطلق المنزه عن التقيد بالمكان ، فلا يحصره مكان ، وهو المنزه عن الحد والتناهي ، ولا يحيط به مكان ، 

العلو المطلق لا يتقيد بالمكان لقوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  } [ آل عمران : 139 ] ، والمقصود هو علو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع ، ومثله قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام : { قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى } ، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر ، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي ، والله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته ،

[ ]  قوله تعالى :{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ،

[ ]  الفوقية ترد لمعنيين  : أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا حشو وتجسيم ،  وثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير والأمير فوق الوزير وهكذا ، 

[ ]  قوله تعالى : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، فهي فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم بالربوبية ، بقرائن ذكر القهر والعبودية  ، 

[ ]  قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، والمعنى المراد : مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  } أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم ،

[ ]  قوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ]  ، والمعنى الصحيح : أي إلى مكان كرامته في السماء ، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله ،

[ ]  قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , والمراد من العندية ، هي عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ،

[ ]  قوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، والآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في العلو إشارة إلى علو الرتبة والعظمة والقدرة , لأنّ السماء تأتي في اللغة على معنى الرتبة ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي من في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ،

[ ]  لو كان المراد اثبات المكان لجاءت الآية بلفظ أأمنتم من على السماء لأن حرف ( على ) أقوي في اثبات المكان من حرف ( في ) فدل على أن المقصود من في العلو العظمة بصفات ذاته تعالى وتقدس ، 

[ ]  حل اشكالية المكان في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث 

( المفتاح الأول ) : اضطراب روايات حديث الجارية ، فقد جاءت بثلاثة ألفاظ مختلفة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ،  والثانية جاء بلفظ ( من ربك ) أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان ، وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ،  والرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرجها الإمام مسلم ،    الروايات تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ، فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ،

( المفتاح الثاني )  أنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن الكون في المكان ،

و ( المفتاح الثالث ) يحمل السؤال : ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،   الحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

[ ]  حل اشكالية الصورة في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) ، و ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم : 

!!!!!

 ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المتخلفة كما يحدث لبني آدم

و ( المفتاح الثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول الحافظين : ابن حجر وابن خزيمة  ،

و ( المفتاح الثالث ) : إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ،

و ( المفتاح الرابع ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة ، لذلك فإن كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة ، كما يقول العربي ما صورة الأمر ويقصد صفته ،

[ ]  حل اشكالية الصورة في حديث القيامة الطويل في صحيح البخاري في جمع الله الناس إلى قوله : (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله : (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث ،  هم لا يعرفون صورة مسبقة ، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة ، وتكون الصفة التي أنكروها أولا شدة البطش والبأس ، والصفة التي قبلوا بها هي صفة الرحمة والرفق ،

[ ]  حل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) [ متفق عليه ]  ، للنزول الحقيقي لوازم فاسدة : منها أنه يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها ، ومنها الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ويلزم منه وصف الله تعالى بالسفل  وهو كفر وضلال ، وللحديث مفاتيح :

( المفتاح الاول ) أن الحديث أخرجه النسائي بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله

( المفتاح الثاني ) : أنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن التغير والحدوث وعن الحد والتناهي وعن الكون في المكان ،

و ( المفتاح الثالث ) : أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر ،  وبعد فهذه امثلة لبيان الرسوخ في علم العقيدة والتقديس ، وحل إشكالية تتبع المتشابهات ، مما يؤول إلى الزيغ والبدعة والضلالة ،  و بيان ان كل ما عارض المحكم القطعي من عقائد السلمين فهو متشابه يجب رده إلى محكمه  ،

سبحانه : { أحد } لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، لا جزء له ، ولا كل ، إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية المطلقة ، والله تعالى أحد : لا يمين له ولا يسار له ، ولا فوق له ، ولا تحت ، ولا أمام له ولا وراء ، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ،

سبحانه { صمد } له الغنى المطلق والكمال المطلق يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف بالصمدية ، ولا بكمال الغنى والقيومية ،

{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، لا ينفصل منه شيء ، ولم ينفصل من شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ،

{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، هو الخالق ومن عداه مخلوق ، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق ، هو القديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، تقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث أو الفناء ، وتقدس عن قبول الحوادث ، ولو قبل الحوادث لم يكن قديما ، ولو قبل الحوادث لكان جزء منه حادث ، ولو قبل الحوادث لقبل الفناء ، وكيف يقبل شيء وهو الاحد المنزه عن الانقسام وقبول الاجزاء والأبعاض

( الخلاصة ) : كل ما عارض المحكم فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات من الصور والاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه  ،  وكل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي ،  وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، كل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا مكان ولا زمان ، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، كان هذا ما تيسر في بيان ان كل ما عارض المحكم القطعي من عقائد السلمين فهو متشابه يجب رده إلى محكمه  ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

 

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 20 )  المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ]  الله تعالى هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، وهو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، لقوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  له تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ،

[ ]  الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) منزه عن كل ما ينافي الأحدية من الأجزاء والأبعاض والجوارح والأركان ، ( الأحدية ) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى ، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته ، وهو توحيد في نفس الذات ،  لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا ، ولا حتى تصورها والفكر فيها ، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد ، و ( الصمدية  ) تعني كمال الغنى والحمد والتنزه عن الحاجة ، وهي تنفي عن جناب الله تعالى التركيب ، فلا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ،  منزه عن التغير والحدوث { وَلَمْ يُولَدْ } ، لا نظير له بوجه من الوجوه، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ، وهذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول ، ( الأول ) : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة ( الله أحد ) ، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام ، منزه عن الأجزاء والابعاض ، ولا كل ولا بعض، ولا يمين له ولا يسار ، ولا فوق له ولا تحت ، ولا أمام له ولا وراء ، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، و ( الثاني ) : وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة ( الله الصمد ) ، ومعناها كمال الحياة والقيومية ، وتمام الغنى والحمد ، له الحياة والقيومية على الدوام ، وله الغنى التام والحمد على الدوام ، منزه عن الحاجة ، ( صمد ) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج ، و ( الثالث ) تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث ( لم يلد ولم يولد ) ، و ( الرابع ) : تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن ،

[ ]  الله تعالى خالق كل شيء هو الواحد القهار ، خلق الخلق أجمعين ، ثم قهرهم بالحد والمقدار ، والكون في المكان وأن يجري عليهم زمان ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار ، قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار ، لا تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه ، وهو خالق الحدود والمقادير ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء ، لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب ، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر فوق جميع خلقه ، وهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً ، وعليه حاكما ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه الواحد القهار ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ،

[ ]  الله تعالى له الكمال المطلق ،  من خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق ، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية ، لا رب سواه ولا معبود غيره ، الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل الحوادث ، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث ، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء ، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا ، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق ، لأنه قبل التغير من حال إلى حال ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية ،  لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، الحد معناه التناهي ، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، 

[ ]  كل ما يقبل النهاية يمكن ان يتصور ما هو أكبر منه ، ويمكن أن يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق  ، والكمال المطلق لله في جناب ذاته وفي صفاته يجعل قولنا ( الله اكبر ) كمالا مطلقا ، ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال) على كل نهاية ومقدار ، له الكمال المطلق الذي لا يقبل ابتداء ولا انتهاء ،

[ ]  قوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } : يدل على الكمال المطلق ، لان ما دون الكمال المطلق يمكن الاحاطة به ، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يُحاط به ، لانه فوق الحدود والغايات ،   وقوله تعالى : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } يدل على الكمال المطلق ، لان ما دون الكمال المطلق يمكن إدراكه ، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يدرك ، لأنه فوق الحدود والغايات ،

[ ]  أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي ، وذلك لما اشتملت عليه من معاني التوحيد والتقديس والتنزيه ، ونفي النقائص عن الله  ، { اللَّهُ لا إله إلا هو } : الله تعالى واحدٌ في إلهيته ، لا إله إلا هو ، ولا شريك له ، { الْحَيُّ الْقَيُّومُ } : { الحي } سبحانه ، له كمال الحياة ، حياةً أزليةً أبديةً ، لم يسبقها عدم وليس بعدها فناء ، فالحي الكامل المطلق هو الله ، له كمال الحياة ، و { القيوم } هو الذي قامت به السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات ، يحتاجون إليه وهو الغني عنهم ،  غنيٌ عن كل ما سواه ، قيوم لغيره  ،  ومن كمال قيوميته استغناؤه عن المحل فلا يحتاج في وجوده إلى مكان ، { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } قدوس منزه عن كل نقص أو عجز أو عيب ،  { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } : الكل خلقه والكل ملكه والكل مربوب بتدبيره وتصريفه وحفظه ورعايته ، لا يشذ عن ذلك شيء ، هو الملك المالك لكلِّ شيء ،

{ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } : له كمال الربوبية والإلهية ، لا يشفع أحد عنده أحدٌ إلا بإذنه ، حتى الملائكة الأطهار َلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ

{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } : العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ، وهي صفة أزلية يعلم بها جميع الأشياء ، الواجبات والممكنات والمستحيلات ، له كمال العلم المطلق ، عالم بكل شيء ، لا تخفى عليه خافية ، ولا يغيب عنه أي معلوم ، علمه يحيط بجميع الاشياء ، أحاط بكل شيء علما ،

{ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ } : فلا تُحيط الخلائق بشيء من علمه إلا بما شاء ، ولا يحيطون به علماً لأنّه الذي لا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأفهام ،

{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ } : هذا اشارة إلى سعة ملك الله وعظيم كونه ، فإن الكرسيُّ خلق كبير عظيم خلقه الله تعالى يسع السماوات والأرض ، وقد جاء في الحديث : (( ما السمواتُ السبعُ في الكرسيِّ إلا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ )) [ السلسلة الصحيحة للألباني : ح : 109 ] ، وقد نقل المفسرون عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّ المراد بالكرسي في الآية هو (( العلم )) ،

!!!!

وهذا موجود عند الطبري ورجح هذا التفسير ( وسع علمه السموات والأرض ، وممن رجح ذلك التفسير القرطبي أيضا وهما من شيوخ التفسير وأعلامه ،

{ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا } : أي لا يصعب عليه حفظ السموات والأرض ولا ما فيهما ولا ما بينهما ، لأنّ الله عز وجل له القدرة التامة ، لا شيء صعب عليه ، لا يعجزه شيء ،

{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } : له صفات العلو والعظمة ، وله صفات القَهْر والغَلَبة ، هو العلي بإلهيته وربوبيته عن صفات العجز والنقص ، وهو العلي عن المثيل والند والشريك ، علي بصفات الكمال والجلال ، متعال عن صفات النَّقْص والعيب والعجز سبحانه ، { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } (  العظيم ) ذو العظمة ، عظم الشان وجلال القدر ، سبحانه العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول المحدودة في تصور عظمته ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس أزلي لا ابتداء لوجوده ، وأبدي لا انتهاء لوجوده ، هو الأول بلا ابتداء ، فليس قبله شيء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فليس بعده شيء ، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، وأجراه ، ولو شاء أوقفه وأفناه ، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، سبحانه ، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته ، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق ، فكل المخلوقات مقهورة بقوانين الزمان ، لا فكاك لها عن الزمان ، فلابد وأن يجري عليها زمان ، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، كيف وهو الخالق للزمان ولقوانين الزمان ، وهو القاهر للزمان ولقوانين الزمان ، سبحانه هو القائل : {  قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وهو القائل : { سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ، سبحانه قاهر للزمان ، ولو شاء أوقفه وأفناه ،  سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق ، كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار ، فلا انتهاء لجناب ذاته ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  والقاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،  ثم  كيف يصف المسلم ربه تعالى بالحد والمقدار ، وهو يقول (( الله أكبر )) عند تكبيرة الاحرام ، وعند  كل حركة وانتقال ، وفي جميع الاذكار ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  وكل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق المقدر لجميع المخلوقات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ، القاعدة عند الأصوليين : أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق ، ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال ، فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ،  وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، وقد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق ، وبين القديم وبين المحدث وبين الغني المنزه عن الحدود وبين الفقير المحدود ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر : 15 ] ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان ، المكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، والمكان محدث مخلوق ، والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، خلق المكان ، وقهر جميع خلقه بالكون في المكان ، أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان ،  والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن ، والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ،  الله تعالى موجود بلا كيف ، والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، ليس كمثله شيء ، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، و كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان ، إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان ، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل : قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني : حادث، والحادث محدود ، والله تعالى منزه عن الحدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،   وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالكون في المكان متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو نرد المتشابه إلى محكمه كما هو فعل الراسخين في العلم ، فنحمله على المكانة ، وليس المكان ،  ومثاله : حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار ، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  فلا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات الصحيحة ، ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة التي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه :   لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة  ، قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى : 11 ] ، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ النحل : 60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، وقال تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ النحل : 74 ] ، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [  مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقال تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام : 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقال تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ولا له كفء ولا شبيه ، وليس له مثال يقاس عليه ، ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحدوث أو الفناء ، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق : الله تعالى منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ، فإن الذي يقبل الحوادث حادث ، والله تعالى أول بلا ابتداء ، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء ، تنزه عن قبول الحوادث ، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، و كل ما يقوله أهل البدعة والضلالة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، لانّ ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، والجسمية تناقض الأحدية ، والله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ] ،  الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، و ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  كما أنّ من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق :  لله تبارك وتعالى مقدس عن الأجزاء والأبعاض ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد ) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، وقوله تعالى ( الله الصمد )      الصمدية تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً حميدا بإطلاق ، فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات ،  لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الاتحاد والحلول ، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية ، وقد أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ،  الأعراض من الألوان والأحجام والأشكال ، والكيفيات الحسية كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والحركة والسكون والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، فإن الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ، وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال ،  وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء ، وغير ذلك مما يوحي بالتغير والحدوث إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق : سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وعن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الوالد والولد والصاحبة :  تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فيستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 101 ] ، والنصارى ضالون من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، وند له ، ومثيل لذاته ، وشبيه بذاته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ]  ،

وبعد فهذا كله من المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ،  ،  كان هذا ما تيسر في بيان المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 19 ) كلام الله تعالى صفة قديمة لا تشبه صفات المخلوقين - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  بيان أنّ كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ، والرد على من زعم أن الله يتكلم بحرفٍ وصوتٍ وأنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء  ، وان كلامة قديم النوع حادث الآحاد ، أقول وبالله التوفيق : 

[ ]  الله تعالى له القدم الأزلي والقدم الأزلي يمنع من قبول الحوادث ،  وصفات الله تعالى تابعة لجناب ذاته لها القدم الأزلي والكمال المطلق فلا تقبل التغير ولا الحدوث ولا تقبل الزيادة ولا النقصان ، وعلى ذلك معتقد أهل السنة والجماعة أن : كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا تقبل التغير ولا الحدوث ، وهي تامة كاملة ، لها الكمال المطلق فلا تقبل التغير ولا الحدوث ولا تقبل الزيادة ولا النقصان ،

[ ]  من أخطاء ابن تيمية في العقيدة  : - وهي أخطاء جسيمة – لأنه غير متخصص فيها ، قياسه كلام الله تعالى على كلام البشر ، وجعله من الحوادث التي تحدث في ذات الله تعالى ، فذكر من تلك الحوادث تجدد المعلومات والمسموعات والمبصرات وتعاقب الكلمات ،  قال في منهاج السنّة : " قولُنا بقيام الحوادث بالرَّبِّ إنما هو قولٌ له دليلُه من الشَّرْعِ والعقل " [ منهاج السُّـنَّةِ النبويَّة : ج1 : ص24] ،  وقال أيضاً في موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول :  ( والقولُ الحقُّ الصَّحِيحُ أنَّ الله لم يزلْ مُتَكَلِّمًا بحروفٍ متعاقبةٍ لا مجتمعة ) أهــ [ موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول : ج2 : ص151]  ، هذا في نظره وإلا فهو قول خطأ باطل ،  وقال في مجموع الفتاوى : (  الله يتكلَّم إذا شاء ويسكتُ إذا شاء )   [ مجموع الفتاوى : ج1 : ص255 : 256] ، وهذا كله جهل وضلال منشؤه من قياس كلام الله تعالى الذي ليس كمثله شيء بكلام المخلوق الذي يتكلم ثم يسكت  ،  نسي أنّ كلام الله تعالى من صفاته القديمة ، وأنّ صفات الله تعالى الذاتية لا تعلق للمشيئة والإرادة بها ، ومثال ذلك " صفة العلم " فإنّ الله تعالى بكل شيء عليم ، ولا يُقال أنّه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء ، وكذلك الكلام مثله في ذلك مثل العلم تماماً ، لذلك قال أهل السنّة : كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية ،  مطلقة لا حد ولا بداية ولا نهاية ، ولا يشبه كلام البشر ، كلامٍ مُبَعَّض يَسْـبِـقُ بعضُه بعضًا ويتَأَخَّرُ بعضُه عن بعض  ، ولا يُوصَفُ كلام الله تعالى بأنه يتعاقبُ أو يَتَقَطَّعُ  ،

[ ]  ما قاله ابن تيمية تكييف لكلام الله على كلام البشر ، لأنَّ الذي يَتَكَلَّمُ ثمَّ يسكتُ يستحيلُ في العقلِ أنْ يكونَ إلـٰـهًا  ، أليسَ السُّكُوتُ بعدَ الكلامِ علامةُ التغيُّر  ؟ وكَيْفَ يكونُ مَنْ يطرأ عليه تَغَـيُّـرٌ إلـٰـهًا  ،  اعتقادُ أهل السنّة - : أنَّ موسى سمعَ كلامَ الله الذَّاتيَّ الأزليَّ القائمَ بذاتهِ الْمُقَدَّسِ الْمُنَـزَّهَ عن الحُلُولِ في الآذان  ، 

[ ]  كلام الله ليس كمثله كلام ، فهو أزلي أبدي قديم منزه عن الحدوث ، ليس له بداية لأنّه متعلق بالأول الذي ليس قبله شيء ، وليس له نهاية لأنّه متعلق بالآخر الذي ليس بعده شيء ، لا يطرأ عليه سكوت ، ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى أزلي أبدي ليس بمخلوق

[ ]  ولا يقال عنه أنه من صفات الفعل ولا يقال عنه أنه يتعلق بالمشيئة لأن هذا تكييف قياسا على كلام البشر والله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه ولا يعلم الله على حقيقته إلا الله ، ولأنّ صفة الكلام قديمة وكل ما تعلق بالمشيئة محدث مخلوق ، فمن قال يتكلم متى شاء كيفما شاء فقد جعل الكلام مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن ، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان ، وهذا كله نقص عن الكمال يتقدس الله تعالى عنه

[ ]  الكيف يستحيل على الله  ، والله تعالى ليس كمثل كلامه كلام ،  له الكمال المطلق ، والكمال المطلق لا يقبل النقصان وإلا انعدم الكمال ، ولا يقبل الزيادة وإلا كان قبل قبول الزيادة ناقصا عن تلك الزيادة ، وكمال كلام الله تعالى كمال مطلق ككمال جناب ذاته وصفاته ، منزه عن أي نقص ، كمال يستحيل عليه الزيادة ولا النقصان  ، فلا يقبل زيادة كلمة من كلمات الله  ولا نقصانها  ، لأنه لو قبل زيادة شيء كان قبلها ناقصا عنها ويتقدس كلام الله تعالى عن قبول النقص ، ولو قبل النقص لما يكن كلاما أزليا له الكمال المطلق ، ومن صعب عليه تصور هذا التقديس فليعتزل التخصص في العقيدة ويدعها لأهلها المتخصصين فيها ،  قال تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 109 ] ، كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث ، وعن الزيادة والنقصان ،

[ ]  ليس كلام الله تعالى وتقدس من جنس كلام البشر بحرف وصوت ، لأنّها أعراض حادثة يستحيل عليها القدم ، ولا يوصف كلام الله تعالى بجهر ولا سر ولا تقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكوت ولا وصل ولا فصل، لأن هـذا كله من صفات الحوادث ، وهى محالة عليه تعالى ، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق ،

[ ]  القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله الأزلي القديم ، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم ، يسره الله تعالى لنا ، قال تعالى : { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [ سورة القمر ] ،

[ ]  لقد أخطأ ابن تيمية واتباعة ، وأخطأ أهل الحشو والتكييف خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس ، والحس لا يصلح في الإلهيات ، لان الإلهيات مبنية على نفي المماثلة ، لقد أخطؤا عندما قالوا : صفة الكلام من صفات الفعل ، وهي صفة تابعة للمشيئة والقدرة ، بمعنى أنه يتكلم متى شاء بما شاء ،

[ ]  الحشوية لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى ، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالقدرة والمشيئة ، يتكلم متى شاء ويسكت - سبحانه عما يقولون - متى شاء ، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية ، بل محدثة ، وبالتالي فالقرآن الكريم - على لازم قولهم – مخلوق محدث  كان بعد أن لم يكن ،

[ ]  الصواب أن صفة القدرة لا تعلق لها بصفة الكلام ، تماماً مثل عدم تعلق القدرة بصفة العلم ، وكما أنه لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يعلم ، كذلك لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يتكلم ، فينفون عنه صفة الكلام في حال السكوت على ظنهم ، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى ، فلا حد لكلام الله تعالى ، قال تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 109 ] ، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث ، والقرآن كلام الله تعالى غير محدث ولا مخلوق ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا ،

[ ]  من فوائد علم التقديس وقواعد التنزيه تصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله وعن ذات الله وعن صفات الله ، ولو في دقائق الصفات ، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التقديس العقلي والقلبي مع التقديس اللساني ، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور جناب الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات ، وتصور حقائق الصفات لأنّ ليس كمثل صفاته صفات ،

[ ]  ومن فوائد دراسة علم التقديس والتنزيه ، والفهم الصحيح  ولأمثل للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء لله تعالى ، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله تعالى ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة ،

[ ]  من فوائد دراسة علم التقديس تصفية الاعتقاد من أدران التشبيه والتجسيم والتمثيل والتكييف ، ووضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم ،

[ ]  كما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء ، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث ، فكذلك فإن علم التقديس والتنزيه  - على صعوبة هضمه وفهمه - يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس ، لغلبة الحس عليهم ، يصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ،  ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، ( العامة ) لا يتصورون ذاتا إلا له حد ينتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد له ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، ولعل هذا من اهم اسباب اقتناع العامة بمذهب الحشو والتجسيم ،   لنا ان نتعجب كيف ان الشيعة والاباضية والمعتزلة أكثر تقديسا من الحشوية مع ان الجميع أهل بدعة ، ولكن بدعة الحشو والتجسيم تنطلي على العامة أكثر ، لغلبة الحس عليهم ، لاسيما إذا اخذا في الحسبان تترس الحشوية والمجسمة بنسبة انفسهم إلى الكتاب والسنة وإلى السلف الصالح حتى لو كانت النسبة زائفة والتترس بالكتاب والسنة لا أساس لها ،

[ ]  العامة لا يتصورون كلاماً إلا يسبقه سكوت ويعقبه سكوت ، وهو في نفسه حادث له بداية وله نهاية ، وأنّه متعلق بالقدرة والمشيئة ، كما هو حال الإنسان يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء ، ولا يتصورون كلاما إلا بحرف وصوت ، كما هو جنس كلام البشر بحروف تقبل التقديم والتأخير واللحن والأعراب ، وأصوات قد تكون عذبة ، وقد تكون مستقبحة ، تعالى الله تعالى عن تلك الأضداد والأعراض

[ ]  العامي والجاهل بعلم التقديس لا يتصور كلاما إلا بصوت قد يكون خافتا أو جهورا ، هكذا لأنّه لم ير غير ذلك ، ولا يتصور غير ذلك ، وعقله الباطن يقيس كل ما غاب عنه بما يُشاهده ، فيحكم باستحالة أن يكون الكلام بغير صوت ،

[ ]  اهل الحشو يتشدقون بانه لا أساس للكلام النفسي الذي قال به أهل التخصص ، لانه لا مخرج لقدم صفة الكلام إلا بتبني ( الكلام النفسي ) الذي جاء ذكره في القرىن الكريم ،

[ ]  لو تدبر أهل الحشو قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ المجادلة : 8 ] ، فقد نسب الله تعالى إليهم القول : { وَيَقُولُونَ } ، ولم يكن بصوت ، { فِي أَنْفُسِهِمْ } ، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد ، ولكن سمعهم الله السميع العليم ، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت ، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر ، 

[ ]  لو تدبر أهل الحشو قوله تعالى : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ الملك : 13 ] ، لعلم أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع ، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع ، فقول النفس : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ } ، قول ليس بصوت ولا يُسمع ،  وقول الجهر بصوت يُسمع : { أَوِ اجْهَرُوا بِهِ } ، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة ، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا ، وهذا القرآن ينطق بذلك ،

[ ]  لو تدبر أهل الحشو قوله تعالى : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } [ يوسف : 77 ] ، لعلم أنّ من القول قول السر : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ } ، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقد ، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله : { قَالَ } ، ومثله تماماً قوله تعالى : { يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا } [ آل عمران : 154 ] ، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت ،

[ ]  لو تدبر أهل الحشو قوله تعالى : { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } [ الزخرف : 80 ] ، فالله تعالى يسمع السر وأخفى ، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت ، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص ،  قال بعض الحشوية  : ( نحن نستدل في الحرف والصوت بقوله تعالى { كهيعص }[مريم :1] ،  وخصومنا يستدلون بقول الأخطل النصراني  ( إن الكلام  لفي الفؤاد ) وهذا جهل لان الأدلة من القرآن على الكلام النفسي أبين من الشمس في رابعة النهار ،

[ ]  من جملة أخطاء ابن تيمية نسبته إلى أئمة الحديث وأهل السُّنة والجماعة مذهب الكرامية في مسألة الكلام ، ينقل عن أهل الستة أنهم يقولون : أن الله متكلم بصوت يحدث في ذات الله شيئا بعد شيء  ، وانه يتكلم بمشيئته وقدرته ، وان هناك فرق بين النوع ، قديم النوع حادث الآحاد ، وانه بحرف وصوت ،

يستدل ابن تيمية على الصوت بأحاديث لا يصح الاحتجاج بها في العقيدة ، أحاديث الصوت ليس فيها ما يصلح للاحتجاج به في العقائد ،

قال البيهقي في الأسماء والصفات  [  ص : 273 ] : " فليس في أحاديث الصوت - ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات " أهــ ،

للحافظ أبي الحسن المقدسي جزء مفصل في تبيين وجوه الضعف في أحاديث الصوت ، 

الحاصل : أحاديث الصوت ليس فيها ما يصلح للاحتجاج به في العقائد ، ولكن من باب العلم أقول

[ ]  روى البخاري  في الأدب المفرد بصيغة التمريض ، قال : ويُذكر ، وفيه :  ( فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ ، أنا الملك أنا الديّان )  ، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض من أجل راويه عبد الله بن محمد بن عقيل  ، وهو مختلف في ضبطه وحفظه ،  وأخرجه البخاري في صحيحه عند ذكر الصوت معلقا ،  ولا يكفي في مسائل الاعتقاد المعلق ، وذكره البخاري في كتاب العلم  بصيغة الجزم من غير ذكر الصوت ،

[ ]  وقد رجح ابن حجر صنيع البخاري لأنه عندما اشتمل على نسبة الحدث والعرض إلى الله تعالى وهو الصوت جعله معلقا لأنه لا تثبت الصفات إلا بأدلة لا اختلاف فيها ، قال البيهقي : اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه ، وعندما  لم يذكر الصوت وصل الحديث

[ ]  ثم اختلف الرواة ( فينادي بصوت بكسر الياء ، أم فينادى بصوت بفتح الياء ) ، وكلاهما يحمل على المَلَك ، ( فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ ، أنا الملك أنا الديّان )  

[ ]  قال بعض الأغبياء : لا وجه لحمل الحديث على ذلك لإن فيه : " أنا الديّان"  ، وليس يصدر هذا الكلام حقًّا وصدقًا إلا من رب العالمين ؟ قيل له : إن الملَكَ إذا كان يقول عن الله تعالى فالحكم يرجع إلى الله رب العالمين ، والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى :  ( إنًّنِي أَنَا الله )  ( سورة طه : 14 ) ، فليس يرجع إلى القارئ وإنما القارئ ذاكر لكلام الله تعالى ودالُّ عليه بأصواته وهذا بَيّنٌ )

[ ]  وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبي  ( صلّى الله عليه وسلّم ) : " يقول الله يوم القيامة : يا آدم ، فيقول : لبيّك وسعديك ، فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار"  ، هذا اللفظ رواه رواة البخاري على وجهين ، بعضهم رواه بكسر الدال وبعضهم رواه بفتح الدال ، ولا محذور في رواية الجمهور ، لإن قرينة قوله : إن الله يأمرك ، تدل ظاهرًا على أن المنادي ملك يأمره الله بأن ينادي   ،

[ ]  أخرج الدارقطني الحديث بلفظ : ( يبعث الله يوم القيامة مناديًا بصوت )   وهذا بمثابة المحكم الذي يجب أن نرد إليه المتشابه ،  وبالتالي تُحل المشكلة ، ونكون من الراسخين في العلم الذين يردون المتشابهات إلى امهاتها من المحكم ، في قوله تعالى : { هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات .............. الآية }

[ ]  لعدم تمرس ابن تيمية بعلم أصول الدين ، وعدم فهمه للمحالات أجاز : أن اللفظ الإلهي يكون حادثا شخصًا ويكون في نفس الوقت قديما نوعًا ، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا ، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع ، وكلامه بعيد أشد البعد عن تدقيق المتخصصين ، 

[ ]  وكلامه مما يضحك الثكلى في المتناقضات فإن الذي يقبل حدوث آحاده لا يكون قديما أبدا وكيف يكون قديما وهو يقبل المحدثات ، ولكن إذا لم يكن لديك تخصص فقل ماشئت ، على وزن إذا لم تستح فاصنع ما شئت ، وأعلم سياتي بعض أهل الحشو يغار على ابن تيمية في معرض بيان اخطائه ولا يغار على الله القديم الأزلي أن ننسب إليه الحدوث ، تعالى الله عن قبول الحوادث ، والأزل والقدم لصفة الكلام ينافي كونه محدثا ، وكذلك محال وجود النوع إلا في ضمن أفراده ، فادعاء قدم النوع مع الاعتراف بحدوث الأفراد ظاهر البطلان ،

[ ]  هناك حديث ءاخر  : ( إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفوان"  ، وهذا قد يحتج به المشبهة ، وليس لهم فيه حجة لأن الصوت خارجٌ من السماء ، فالحديث فسر الحديث بأن الصوت للسماء ، ورحم الله أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر عندما قال :  إن إسناد الصوت إلى الله ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة فيه نظر ،

!!!!!!!

[ ]  من استدلالات ابن تيمية العجيبة قوله : ( النداء لا يكون إلا بالصوت ، وذلك عند قوله تعالى : {  وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ،

قلنا ليس شرط النداء ان يكون بصوت ، قصاراه أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت ، وقد قال تعالى : {  ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا  } ، نداء خفيا ، فيكون تعارض بين زعمه أنه بصوت وبين قوله نداء خفيا أي لا يسمع له صوت ،  كثير من اهل اللغة  قالوا : النداء طلب الإقبالِ ،

وله مخرج لحسم مادة المتشابهات : ان يُحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره ، ومثل ذلك سائغ في الكلام غير مستنكر ، كما قال تعالى :  ( وَنَادَى فِرْعَونُ فِي قَوْمِهِ )  ( سورة الزخرف : 51 ) ، وإنما المراد نادى المنادي عن أمره ، وأصدر نداءه عن إذنه ،

[ ]  اتبع ابن تيمية الكرامية في زعمه : (( إن الله تعالى تقوم به كلمات تحدث في ذاته وقتا بعد وقت )) وفي زعمه أنّ كلام الله تعالى قديم النوع حادث الأفراد ، وينسب هذا المذهب الرديء الذي أخذه من الكرامية إلى أئمة أهل الحديث ،

وأئمة أهل الحديث على خلاف ما يدعيه وما يقول ، فإن معتقدهم أن ذات الله تعالى لا تحدث فيه صفة تتجدد من وقت إلى وقت ، تتجدد في مرور الأوقات ،

[ ]  زعم ابن تيمية وأتباعه من اهل الحشو أن كلام الله بحرف وصوت ، وقد ذكرت قول البيهقي وابن حجر العسقلاني : فليس في أحاديث الصوت - ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات " أهــ ، الحاصل : أحاديث الصوت ليس فيها ما يصلح للاحتجاج به في العقائد ، ولكن من باب العلم أقول

[ ]  أما الحرف ، فيكفي أهل السنة دليلأ على أن الله تعالى لا يتكلم بالحرف ما أنزله الله في القرءان وهو قوله تعالى :  ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ )  ( سورة التكوير : 19 ) ، يعني أن القرءان الذي هو اللفظ المنزل مقروء جبريل ليس مقروء الله ، هؤلاء قاسوا كلام الله الأزلي على كلام العباد ، وقاسوا صفاته بصفات خلقه فجعلوها حادثة ، مع انه يقول سبحانه   ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ،

[ ]  الحروف مسبوق بعضها ببعض ، والمسبوق لا يتقرر في العقول أنه قديم ، فإن القديم لا ابتداء لوجوده وما من حرف وصوت إلا وله ابتداء ، وصفات البارىء جلّ جلاله قديمة لا ابتداء لوجودها ، ومن تكلم بالحروف يترتب كلامه ومن ترتب كلامه يشغله كلام عن كلام ، والله تبارك وتعالى لا يشغله كلام عن كلام ،

الحاصل أنه ليس في إثبات الصوت لله تعالى حديث مع الصحة المعتبرة في أحاديث الصفات ، لأن أمر الصفات يُحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره ، و الحاصل أنه ليس في إثبات الحرف لكلام الله تعالى دليل ، بل قرآءة القرآن بالحرف والصوت هي قرأءة المخلوق لقوله تعالى : {   إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ }  ، يعني أن القرءان الذي هو اللفظ المنزل مقروء جبريل ليس مقروء الله ،

الحروف مسبوق بعضها ببعض ، والمسبوق لا يصلح ان يكون قديما ، فإن القديم لا ابتداء لوجوده ، ولا انتهاء لوجوده ، والحروف والاصوات لها ابتداء ولها انتهاء ، وصفات البارىء جلّ جلاله قديمة لا ابتداء لوجودها ، ومن تكلم بالحروف يترتب كلامه ومن ترتب كلامه يشغله كلام عن كلام ، والله تبارك وتعالى لا يشغله كلام عن كلام ، كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل التغير ولا الحدوث وبالتالي لا تقبل الزيادة ولا النقصان ،

الكمال المطلق يمنع التغير والحدوث  :  أهل الحشو يعتقدون قيام الحوادث بجناب ذات الله ، ومن العجب أنهم أعرضوا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام { لا أحب الآفلين } أي لا يصلح المتغير ان يكون إلها ،

هؤلاء خالفوا إجماع الأمة ، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله ، ويقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أو خلق مخلوق أوجد في ذاته  ، كافًا ونونًا ( كن ) وإرادة حادثة ، وعن ذلك تصدر المخلوقات ،

وهم يقولون : أنّ الحوادث التي  تحدث في جناب ذاته هي أقواله وإراداته وتجدد معلوماته وتجدد إدراكه للمسموعات والمبصرات ، ويزعمون ان علم الله يتجدد عندما يقوم عباده بما قدر عليهم من أعمال ، وان السمع والبصر يتجددان كذلك برؤيته لعباده وسمعه لكلامهم ، وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء ، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود ،

[ ]  القدم الأزلي لجناب الذات الإلهي يمنع من قبول الحوادث ، لا سبيل للحدوث إليه ، فليس في جناب ذاته شيء حادث ولا في صفاته شيء حادث ، (  شرط القديم ) أن يكون منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ،   وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ،  ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك تنبيها لقومه على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح شيء منها للإلهية ، 

[ ]  الكمال المطلق لله يمنع من التغير والحدوث ، لأن التغير اما إلى زيادة وإما إلى نقصان ، لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ،

[ ]  لله تعالى قدم الصفات ، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير ، له كمال العلم ، بلا غاية ولا نهاية ،  علم الله تعالى محيط بكل ذلك ، ولا يقبل التغير ولا يقبل الزيادة او النقصان ، وله كمال السمع يسمع كل مسموع منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل ، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة لا يجري على بصره زمان وهو بكل شيء شهيد ،  لا يتجدد له علم ولا سمع ولا بصر ، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك ، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته ، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ،

[ ] وكقدم صفاته من العلم والسمع والبصر فإن إرادته قديمة ، الإرادة عند الإنسان حادثة ، لان الإنسان كله حادث مخلوق ، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

[ ] وكقدم صفاته من العلم والسمع والبصر فإن كلامه قديم ، الكلام عند الإنسان حادث ، لان الإنسان كله حادث مخلوق ،مشكلة أهل الحشو أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ، كلام الله قديم ، صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله ، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق ، 

[ ]  مشكلة اهل الحشو أنهم دائما يقيسون الغائب على الحاضر مع انه ممتنع في حق الله تعالى لانه ليس كمثله شيء فلا يصح القياس ، ومشكلة اخرى انهم لا يفهمون معنى ( القـدم الأزلي ) الأولية بلا ابتداء ، ( القديم الذاتي ) لا يقبل الحدوث ، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء ،  والله تعالى هو الحي الباقي الذي لا يزول ، ولا يقبل الفناء ، و ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن التغير والحدوث ،

وقد أجمع العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ، قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات : له قدم العلم ، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء ، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، يقيسون الله على خلقه ،

( الخلاصة )   الله عز وجل متكلم بكلام قديم أزلي أبدي غير مخلوق ولا محدث ولا مخترع ، وصفة الكلام صفة كمال وضدها يستحيل على الله كالخرس والسكوت لأنه حد لصفة الكلام ، صفة الكلام لها الكمال المطلق ، والكمال لا يقبل زيادة ولا نقصان ولا يقبل التغير والحدوث ،

الكلام القائم بنفسه قديم وكذا جميع صفاته إذ يستحيل أن يكون محلا للحوادث داخلا تحت التغير بل يجب للصفات من نعوت القدم ما يجب للذات فلا تعتريه التغيرات ولا تحله الحادثات بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزها عن تغير الحالات ، لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، صفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة ،

لا مخرج للكلام الأزلي المنزه الحدوث والبدايات والنهايات سوى ما قاله أهل التخصص ( الكلام النفسي ) القائم بجناب الذات والتابع لقدمه الازلي وكماله المطلق ، وقد دل القرآن على وجوده بغير حرف ولا صوت  ،

قال تعالى : { وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ المجادلة : 8 ] ، فقد نسب الله تعالى إليهم القول : { وَيَقُولُونَ } ، ولم يكن بصوت ، { فِي أَنْفُسِهِمْ } ، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد ،

قال تعالى : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ الملك : 13 ] ، القول منه ما هو بصوت يُسمع ، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع ، فقول النفس : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ } ، قول ليس بصوت ولا يُسمع ،  وقول الجهر بصوت يُسمع : { أَوِ اجْهَرُوا بِهِ } ، فلماذا المكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا ، وهذا القرآن ينطق بذلك ،

قال تعالى : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } [ يوسف : 77 ] ، من القول قول السر : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ } ، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقد ، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله : { قَالَ } ،

قال تعالى : { يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا } [ آل عمران : 154 ] ، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت ،

قال تعالى : { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } [ الزخرف : 80 ] ، فالله تعالى يسمع السر وأخفى ، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت ،

لا مخرج للتقديس إلا بالقول ( بالكلام النفسي ) وقد اثبته القرآن ، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص ،  ولماذا يقول ابن القيم  : خصومنا يستدلون بقول الأخطل النصراني  ( إن الكلام  لفي الفؤاد ) ،  لماذا يقول ذلك والأدلة من القرآن على الكلام النفسي أبين من الشمس في رابعة النهار ،

والقرآن كلام الله تعالى فهو قديم لا كلامهم وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى كما في قوله تعالى    { وكلم الله موسى تكليما } ، وقد كان الله تعالى متكلما ولم يكن كلم موسى عليه السلام وقد كان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق

!!!!!!

فلما كلم الله موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل وصفاته كلها بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا ،  ويتكلم لا ككلامنا ويسمع لا كسمعنا ونحن نتكلم بالآلات والحروف و الله تعالى يتكلم بلا آلة ولا حروف والحروف مخلوقة وكلام الله تعالى غير مخلوق ،  كان هذا ما تيسر في بيان أنّ كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ، والرد على من زعم أن الله يتكلم بحرفٍ وصوتٍ وأنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء  ، وان كلامة قديم النوع حادث الآحاد ،  اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 18 )  الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة  : الوجه واليد والعين إذا اضيفت إلى جناب الذات الإلهي فهي صفات وليست اجزاء من ذات،  أقول وبالله التوفيق : 

[ ]  الوجه واليد والعين في اللغة اجزاء من ذات وليست صفات ، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات ، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى ، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو ( الجزئية والبعضية ) لان الله تعالى ليس كمثله شيء ، له الأحدية المطلقة ، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض ،  إذن : الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات ،

[ ]  في المدرسة السلفية المعاصرة اوهموا الناس بان الوجه واليد والعين صفات محكمة لله تعالى مثلها مثل صفات العلم والقدرة والسمع والبصر ، ثم أوهموا الناس أن من فرق بينهما فهو معطل ، وأنه من شر الفرق ، ثم كانت الطامة عندما زعموا أنها صفات أعيان ، ولا معنى للاعيان في اللغة إلا الأجزاء ، فكأنها دعوة إلى التجسيم ،  وفي هذه الحلقة إن شاء الله تعالى بيان مدي المغالطات في هذا الامر ،  نسأل  الله تعالى ان يهدينا للحق والصواب ،

[ ]  ابن تيمية دائما كان يلهج لسانه بذكر الصفات الخبرية (الوجه واليد والعين ) ، وارتكب أربع مغالطات ، الأولى : زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات ، وإنما أجزاء من ذات ، والأحدية المطلقة لله تمنع من قبول الأجزاء ، وهذه اخف المغالطات ، لأننا يمكن ان نحملها على صفات الله أعلم بمراده منها ، والمغالطة الثانية أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام ، بل هي متشابهة لأسباب عديدة سياتي بيانها ، والمغالطة الثالثة : أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم ، والمغالطة الرابعة : أنه اتهم من أولها وردها إلى محكماتها من الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة بالتعطيل وهذا تعدي على اهل العلم المتخصصين في العقيدة ،  وهذا ظلم لاهل العلم المتخصصين في العقيدة ، وتعدي على شرع الله ، وسيأتي بإذن الله تعالى كشف تلك المغالطات الواحدة تلو الأخرى ، ولا يصح إلا الصحيح ، وهو قول اهل التخصص وقد قال تعالى : { ولا ينبئك مثل خبير } ،

[ ] المغالطة الأولى : زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات ، لان هناك فرق بين الصفات وبين اجزاء الذات التي ترسم شكل الذات ، الصفات كالعلم والقدرة والسمع والبصر ، هذه صفات لا خلاف في ذلك ، ولكن الوجه واليد والعين ( في اللغة ) أجزاء من ذات وأبعاض من الذات ترسم شكل الذات ، وليست صفات ، فكان هذا من التدليس الذي لا يصح ، لأن من أظهر صفات الأحدية المطلقة منع الأجزاء والابعاض ، ومن أظهر صفات الصمدية المطلقة منع التركيب من الأجزاء والابعاض ،

[ ] المغالطة الثانية :   أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام ، بل هي متشابهة لأسباب عديدة ، من تلك الاسباب : ( أ ) أن معانيها في اللغة هي الأجزاء والابعاض ، وليس الصفات ( ب ) هذه الألفاظ لا تعود إلى أسماء حسنى ، فالقدير يعود إلى صفة القدرة ، ولكن (الوجه ( ث ) لم يأت نص في القرآن يشير إلى كونها محكمة ، فالمحكم نعلمه من مثل قوله تعالى { فاعلموا ان الله سميع عليم } ، و من مثل قوله تعالى { إن الله على كل شيء قدير } ، بالتأكيد على صفة القدرة ، وكل ما جاء في آيات الوجه واليد والعين أخبار لا تحمل معنى التأكيد ، كما أن استعمالها له مجاز معلوم في لغة العرب وهي دائما مصحوبة بقرائن تحتم حملها على المعنى المجازي وسيأتي بيان ذلك ، واليد والعين ) لا تعود إلى أي اسماء حسنى ، ( ت ) استعمالها في اللغة على أنها أبعاض من ذات ، والأحدية المطلقة تمنع من قبولا الأجزاء والابعاض ، والاحدية محكمة لانها تعدل ثلث القرآن ، فما عارض الاحدية متشابه لا مناص من ذلك ،

[ ] المغالطة الثالثة : أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم ، قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل صفات عينية ،  :  (( كلام الصحابة في إثبات الصفات العينية الخبرية التي تسميها نفاة الصفات تجسيما أكثر من أن يمكن سطره هنا ))  ، ومعنى كلامه : أنّ الصفات الخبرية ((اليد , العين , الوجه, الأصابع , الساق , الحقو هي عبارة عن صفات عينية أي ليست معنوية وإنما أعيان ، ولا معنى للأعيان إلا أن تكون أجزاء من جناب الذات ، وليس لها معنى غير ذلك ، لأن اليد غير العين والعين غير الساق والساق غير الحقو وكل من هذه أعيان  ، فوجود أكثر من عين يدل على التركيب لا محالة ، والتركيب تجسيم لا محالة ،

[ ] المغالطة الرابعة : أنه اتهم من أولها بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة ، وتعدي على شرع الله ، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح ، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء ، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم ،  أربع مغالطات لابد من التفطن إليها وحل مشكلاتها ،

[[ أولا ]] لماذا التدليس وتسميتها صفات مع انها في اللغة اجزاء من ذوات ، فليس الوجه واليد والعين سوى أجزاء ترسم شكل الذات ، والله تعالى له الاحدية المطلقة التي تمنع من الكثرة وقبول الانقسام ، فتسميتها ( صفات ) هو من باب المجاز ، وقد سماها بعض السلف صفات احترازا من الظن بانها أبعاض من الذات ، ولكن عاد ابن تيمية فسمها صفات اعيان ، فعادت لا معنى لها سوى الأبعاض ،

[[ ثانيا ]]  من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الجوارح والاجزاء والابعاض وعن الصور والأشكال ، قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ،  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان له صورة أو جارحة ، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال ، ، الأحدية تمنع من تصور الكثرة في جناب الذات أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء  هناك فرق في المعني بين اسم الله الأحد واسمه الواحد ، الله واحد لا شريك له ، قال تعالى : { وهو الواحد القهار } ،  الله احد لا جزء له ، قال تعالى : { قل هو الله أحد } ، 

( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ،

( الأحدية ) لها معنى و ( الاحدية المطلقة ) لها معنى أوسع ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والانسان قدرته محدودة ، وهو كذلك له الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما ،   (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء

الأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء  ،

[ ] كل ما ورد في الشرع مما يوحي الجارحة أو الصورة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن  ، 

[ ] ومثال ذلك ( الوجه ) فنحمله على جناب الذات أو رضا الرب ، إذ العرب يقولون نريد وجهك ويقصدون ذاتك أو يقصدون رضاك ، وقوله تعالى : { بلى من أسلم وجهه لله } ،  اسلام القلب هو الاهم ،  وعلى ذلك يحمل ( الوجه ) في قوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ‘ 27 ] ، فلا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه ، والمعنى كل شيء هالك إلا جناب الحق أو ما أريد به رضا الحق ،

[ ] { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام

[ ] { اللَّهُ الصَّمَدُ }  :  له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب من جوارح على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة  ،

[ ] (  الصمدية المطلقة ) : تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب من الجوارح ، ونفي التركيب تنزيه عن الصور لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور ،

{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  } : وصف الله تعالى بالقدم الأزلي وتقديسه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث  { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء ، ولا يكون منه شيء حادث ، { وَلَمْ يُولَدْ   } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث

{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } :  تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته ليس بجوهر ولا جسم لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  تقدس أن يكون له مثيل او شبيه  ،

[ ] سورة الإخلاص يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول : 

[ ] ( الأول ) : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة ( الله أحد ) ، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام ، منزه عن الأجزاء والابعاض ، [ ] ( الثاني ) : وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة ( الله الصمد ) ، ومعناها كمال الحياة والقيومية ، وتمام الغنى والحمد ، منزه عن الحاجة ، ( صمد ) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج ،  [ ] و ( الثالث ) تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث ( لم يلد ولم يولد ) ،  [ ] و ( الرابع ) : تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن ،

[ ]  أهل الحشو تعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ،  والإشكالية أن هذه الألفاظ تعني أجزاء من ذات وهذا استعمالها في اللغة أنها اجزاء من ذات وليست صفات ، فالعلم والقدرة والسمع والبصر صفات ومعاني ، أما الوجه واليد والعين فهي في حقيقة اللغة أجزاء من ذات والله تعالى هو الاحد الصمد المتصف بالأحدية  المطلقة ، من أخص خصائص الاحدية عدم قبول الكثرة والاجزاء والابعاض ، ولهذا صارت ألفاظ الوجه واليد والعين من المتشابهات لابد من فهم مجازاتها في اللغة العربية ، وفي القرآن الكريم ، لأنه أُنزل بلسان عربي مبين ،  

أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ،

[ ] [ مجاز الوجه في القرآن الكريم ] : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها :

[ ]  قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، ليس للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ والآية لا تفيد إثبات الوجه للنهار ، ولكنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ،

[ ]  العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين

[ ]  قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، ليس للشهادة وجه والآية لا تفيد إثبات الوجه للشهادة ، ولكنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ،

[ ]  قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ،

[ ]  لذلك تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،  

[ ]  المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ،

[ ]  قوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ،

[ ]  قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ،

[ ]  قوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ،

[ ]  قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ،

[ ]  قوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، هذه الآية الكريمة  توضح أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ،

[ ]  قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ،

[ ]  معنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ،

[ ]  قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ،

[ ]  قوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ،

[ ]  سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ،

[ ] فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا : يقول العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بصفة القدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن ،  

[ ]  على ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه

[ ]  بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ،

[ ]  استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتكييف والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،   

[ ]  وكذلك ( العين ) تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين ، والأحدية تمنع من قبول الأجزاء والابعاض ، لذا وجب رد المتشابه إلى أمهاته من المحكم ، فتفهم على معاني الحفظ والحراسة والرعاية ،

[ ]  أول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ،

[ ]  الساق في مجاز اللغة يحمل على الشدة و الكرب : تقول العرب : قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها ، والملاحظ أنّ الآية : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } بصيغة المبني للمجهول ، وحديث مسلم : ((فيُكْشَفُ عن ساقٍ )) بنفس صيغة المبني للمجهول ، وحديث البخاري : ((فيكشف عن ساقه )) بصيغة المعلوم ، وقد نص الحافظ ابن حجر في الفتح ( 8  :  664 ) نقلا عن الحافظ الاسماعيلي وأقره : ( وأما لفظة " ساقه " بإثبات الهاء فهي لفظة غير محفوظة ) ثم قال الحافظ ابن حجر  : (  عن ساق ) نكرة أصح لموافقتها لفظ القرآن, حتى لا يُظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين , تعالى الله عن ذلك ليس كمثله شيء ) أهـ [ فتح الباري : ج 8 ، صـ 664 ] ،

إذن :  المعنى المراد من قوله تعالى : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ  } ، أي يُكشف عن شدة يوم القيامة وكربها ويدعى المنافقون إلى السجود لله فلا يستطيعون ، وبهذا قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وجمع غفير من التابعين ، وسار على ذلك العلماء والفقهاء والمتخصصون في العقيدة ، حتى من أثبت بها صفة الساق فقد نزه الله تعالى عن جارحة الساق وإلا صار مجسماً مشبهاً خارجاً عن أهل السنّة والجماعة الناجية ولا كرامة ،   قال شيخ المفسرين الطبري في تفسيره :  قوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق ) :   قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل يبدو عن أمر شديد

[ ]  كل ما يوحي بالجوارح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  كالساق والقدم واليمين والأصابع ، لم يقل أحدٌ من أهل السنة والجماعة أنها جوارح لله ، حاش لله تعالى من هذا الظن والوصف سبحانه ، وإنما صفات على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وليست جوارح ، ومن جعلها من باب الأجزاء والجوارح ، فهو مجسم خارج عن إطار أهل السنة والجماعة إلى الفرق الضالة التي تستحق الوعيد بالنار ، ومن جعلها على معناها الظاهر المستعمل في اللغة ، وفوض كيفيتها إلى الله تعالى ، فهو حشوي لا يدري شيئا عن قانون المتشابه في القرآن ووجوب تفويض علمه إلى الله تعالى ، أو رده إلى المحكم من الكتاب والسنة ،

[ ] كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب الذات الإلهي تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

[ ] بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،

[ ] هناك ثلاث مسالك معتمدة عند أهل السنة والجماعة في معاملة المتشابهات ، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو ،  (  المسلك الاول ) : طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه ، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ،

و المسلك ( الثاني ) : اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ، ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا ، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة ،

والمسلك ( الثالث ) : حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها ، ومثاله حمل الوجه على الذات ، وحمل اليد على مقتضي الآية ، ففي قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } تحمل على الكرم والجود والعطاء ، وفي قوله تعالى : { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم وهكذا ،

[[ المغالطة الرابعة لابن تيمية في الباب ]] أنه اتهم من أول تلك المتشابهات بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة ، وتعدي على شرع الله ، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح ، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء ، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم ،

لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه ، وهو من الفقه في الدين ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه التأويل  ، وهناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل وانه من باب الرسوخ في العلم ، وتكاد ترجع إلى خمسة ادلة : هي :  

[ الدليل الأول ] : أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم  كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } ، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه ، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه ، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة فقال (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )) [ الحديث أصله في الصحيحين ، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد وصححه العراقي ] ،

[ الدليل الثاني ] : أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام ، وهو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات ،

التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام وفق ضوابط حكيمة ، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا  ،   وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه :   كتأويله للساق في قول الله تعالى { يوم يُكشف عن ساق } بالكرب شديـد [  الطبري ] ،   وتأويله للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري ] ،  وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2  :  322 ] ،  وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17  :  52 ] ، و تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري (18 : 135) ] ،   فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ،

[  الدليل الثالث  ] : أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل  ،  هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الأزلية الكاملة ،  ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ،  وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة : 67 ] ،

[ ]  هناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ،  وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ،

[ ]  هناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية ، اعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ معناه أنّ الكون بما فيه داخل الرحمن ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [ النساء : 126 ] ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) } [ فصلت : 54 ]  وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى : { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ الطلاق : 12 ] ، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم ، 

[ ]  هناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، واعتقاد هذا الظاهر باطل ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ،

[ ]  هناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن ، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال وحشو وتجسيم ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء بل هو تكييف وتجسيم وحشو وضلالة , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ،

[ ]  وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس -  يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء ، كالوجه واليد والعين ، وهي في اللغة أجزاء من ذوات ، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض ، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها ، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ،

[ ]  فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة ، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله ، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى : {كل شيء هالك إلا وجهه } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ،

[ ]  قوله تعالى ( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة /115] ، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها : ( أ ) فثم قبلة الله ، ( ب ) فثم علم الله ، ( ت ) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى ، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه ، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون ، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح ، 

[ ]  التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر :  ولذلك يضطر منكروا  التأويل أنفسهم إلى التأويل ، يؤولون عند التعارض ، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا ، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا ، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل ،

ومن ذلك اضطرار ابن تيمية لتأويل المعية في قوله تعالى : { وهو معكم أين ما كنتم } بالعلم ، بقوله : ( مطلع عليكم ، عالم بكم ) ، وقال في شرح قوله  صلى الله عليه وسلم ) لصاحبه في الغار: (لا تحزن إن الله معنا)[ التوبة: 40]  )  فقد تاوله بالنصر والتأييد ،  زاعما أن هذا هو التفسير ، والنتيجة واحدة وهي التأويل ، ( تأويل المعية ) ، فيكون ابن تيمية هنا قد اختار في الحقيقة مسلك التأويل،

ومن الأمثلة على تأويل ابن تيمية قوله في الآية الكريمة  : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }  ، قال :  هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله ” انتهى. ،  وهذا تأويل لأن ظاهر اللفظ يدل على إسناد القرب إلى الله عز وجل وتفسيره بقرب الملائكة صرف للفظ عن ظاهره ، فلماذا يمنعون أهل السنة مما يقومون هم به؟ ولم لا يقال في هذا الصرف إنه تعطيل لم وصف الله تعالى به نفسه كما يتهمون أهل السنة إن أولوا نصا مشابها؟ وما الفرق بين هذا وبين تأويل أهل السنة لقوله تعالى : { جاء ربك } أي جاء أمره ؟

ومن تأويل ابن تيمية أيضا ما ذكره عند قول الله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }  ، قال : واليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل ! فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل وأخبر أن يديه مبسوطتان ،

[  الدليل الرابع  ] : يلجأ علماء الأصول إلى التأويل : لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والمشبهة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس ، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة ، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة ، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات ،

[  الدليل الخامس  ] : التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية :  ليس تأويل بالهوى ، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه :  المقصود بالتأويل عند الأشاعرة والماتريدية هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح ، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في :

( أ ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية ،    ( ب ) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره ، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين ،   ( ت ) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا ،   ( ث ) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر ،    ( ج ) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره ، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ ،   ( ح ) أهلية الناظر للتأويل ، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية ، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم ، و الله عز و جل يقول : { ولا تقف ما ليس لك به علم } [ الإسراء : 36 ]  ،  فتلك ضوابط التأويل عندهم ، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء  في نفوسهم كمجرى الدم في العروق ،

لقد كان ابن تيمية دائما كان يلهج لسانه بذكر الصفات الخبرية (الوجه واليد والعين ) ، وارتكب أربع مغالطات ، الأولى : زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات ، وإنما أجزاء من ذات ، والأحدية المطلقة لله تمنع من قبول الأجزاء ، والمغالطة الثانية أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام ، بل هي متشابهة لمخالفتها الأحدية من جهة وعدم استمدادها من الأسماء الحسنى من جهة ثانية وعدم الأمر باعتقادها من جهة أخرى ، بل بفهم من السياق غير ذلك ، والمغالطة الثالثة : أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم ، والمغالطة الرابعة : أنه اتهم من أولها وردها إلى محكماتها من الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة بالتعطيل وهذا تعدي على اهل العلم المتخصصين في العقيدة ،

[ ]  لقد أراد ابن تيمية أن ينصر مذهب السلف ولكنه لم يدرس الإلهيات على متخصص ، ووثق بنفسه ، وهجم على هذا العلم بغير مدرس فآل به الحال إلى اعتناق مذاهب الحشوية الاوائل ، وهؤلاء ( الحشوية )  أهل جهل مركب في باب العقيدة ينسبون إلى الله تعالى الحد والمكان والصور والاشكال والتغير والحدوث ، ومذهب هؤلاء الحشوية المبتدعة : تحديد الوجود الإلهي المطلق وتكييفه ، مع انهم يقولون بلا كيف ، ولكنهم يكيفون الوجود ، ويحدونه بجهة واحدة من جهات الكون المخلوق ، وقالوا بسبب هذا التكييف الذي وقر في قلوبهم : أنّ الله تعالى موجود ( بذاته ) على عرشه ، فكيفوا جناب الذات وحدوه بالمكان وحدوه بالعرش المحدود ، مع أن قولهم : ( استوى بذاته )  لم يأت بها دليل من الشرع ، وإنما هي من افرازات بدعة الحشو والتكييف التي ترسخت في أذهانهم ، وهؤلاء يعتقدون أنه تعالى متناه لاسيما من جهة التحت ، حيث يقابل العرش بظنهم ، وأشنع بدعهم قولهم بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث ، وذهلوا عن دليل الخليل إبراهيم عليه السلام { لا أحب الآفلين } ، أي ان علة عدم الصلاحية للإلهية هي التغير وقبول الحوادث ، وديدنهم الحديث حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية ، ولا  يبقى لنا بعد تلك العقائد الزائغة شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتقديس ، 

و ( المصيبة ) أنهم يتدثرون بلباس أهل السنة وهم منها عراء ، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء ، 

أهل الحشو أهل جهل مركب ، يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بها على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، ولذلك فهم قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين ، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين ، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس ، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات ، ولذلك يلوكون ألسنتهم دائما بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات ، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا ، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات ، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كان جزءا من ذات ، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض ،  فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد ، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات ، وتكييف الذات ، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات ، قال تعالى : {  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع لهذه للمتشابهات : باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء ، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات ، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء ، قال العلماء : قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ ،  هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ { شيء } في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه ، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء ،

لقد تسربت إلى (   السلفية المعاصرة  ) مفردات الحشو القديمة ، حتى لا تكاد ترى سلفيا معاصرا إلا وهو متأثر ببدعة الحشو والتجسيم ، وان أنصحهم في الله ، وأقول لهم : لقد كنا على ما انتم عليه من الجهل حتى من الله تعالى علينا بالعلم ، ولا يجوز كتمان العلم ، وأقولها لكم :  حرام على من يجهل مقدمات  هذا العلم ( علم الإلهيات ) وقواعد علم التقديس : أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ،  والذهول عنه يؤدي إلى قصور واضح في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اجتنابه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ،  اللهم أحيينا مسلمين وامتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 17 ) فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة بيان أن فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان ، أقول وبالله التوفيق :

[ ]  المكان محال على الله  ، المكان دائما أكبر من المتكون فيه ، والله اكبر من كل شيء وهو اكبر من المكان ، فلا يصح أن يحويه مكان ، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده ، والله منزه عن الحد والحيز ، والمكان يحيط دائما بمن فيه ، والله بكل شيء محيط ، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن  والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء  وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان ، المكان محدث مخلوق والله تعالى له القدم الأزلي كان قبل المكان وهو على ما عليه كان ،

[ ]  الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان ، والله تعالى له الأحدية المطلقة ، و ( الاحدية المطلقة ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام ، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان ، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى  في مكان ،

[ ]  يستند الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بمتشابهات من الكتاب والسنّة ، وقد اخبرنا الله أن الذين يتتبعون المتشابه في قلوبهم زيغ ، أما اهل التخصص فهم الراسخون في العلم يردون تلك المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم القطعي من تقديس الله تعالى عن المكان وعن الزمان وعن الحد وعن التغير والحدوث ، قال الطحاوي رحمه الله : ((   تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ

[ ]  إنّ عدم تقديس الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء ، وإنّ عدم تقديس الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان ، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ، وإنّ عدم تقديس الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، والله تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،

[ ]  قوله تعالى ( قل هو الله أحد ) يعدل ثلث القرآن ، ومعناه تقديس عن المكان ، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض ، ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام ، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا لأنه متبعض بعضه يكون بيمين المكان ، وبعضه يكون بيسار المكان ، ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان ،

[ ]  قام ابن القيم بجمع شبهات أهل الحشو على نسبة الجهة والمكان إلى الله ، وأنا إن شاء الله أذكر الشبهة وأذكر مفتاحها ، وإلا فابن القيم لأنه لم يدرس مقدمات العقيدة وأصول التقديس ، فهو يظن أن نفي المكان نفي لوجود الرحمن وهذا بسبب الحشو الذي تسرب إلى معتقده ، وإلا فالله موجود بلا كيف ولا مكان ولا زمان ولا حد ولا مقدار ، وهذا ما لا يهضمه ابن القيم ،

[ ]  يستدل ابن القيم   بقوله تعالى  : { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، ( الفوقية ) ترد لمعنيين  : أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به إلا المجسمة ،  وثانيهما : بمعنى المرتبة كما في قوله تعالى : { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } ، إذن في الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ،

[ ]  يستدل ابن القيم    بقوله تعالى  : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [ الأنعام : 18 ] ، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير ، لا فوقية مكان كما يقول أهل اللغة :  السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة ،

يستدل ابن القيم  بقوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [ المعارج : 3 ، 4 ] ، عروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده ، لأنها مكان لا يعصى فيه الله تعالى ، فهو مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله

[ ]  يستدل ابن القيم   بقوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } [ فاطر : 10 ] ، { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  } أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم ،

[ ]  يستدل ابن القيم   بقوله تعالى : { بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ } [ النساء : 158 ]  , وقوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ] ، والمعنى في الآيتين : أي إلى مكان كرامته في السماء ، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله ، ولنا أن نقول :  من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية ، ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في جهة العلو في الجهة ، وهذا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية ،

[ ]  يستدل ابن القيم  بقوله تعالى :  { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] , وقوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام ، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام : { قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى } ، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر ، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي ، وأنّه أعلى مسافة منه ،   وكذلك قوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  } [ آل عمران : 139 ] ، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع ، وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها : ((  ونادَى أبو سفيان فقال ( اعْلُ هُبَل ) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم ( الله أعلَى وأَجَلُّ ) )) ، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة ، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة ، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته ، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان ، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط ، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض ،  والله تعالى قريب ، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده ، : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا  } [ المجادلة : 7 ] ، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة ، والمسلم حين يقول وهو ساجد . { سبحان رَبِّيَ الأعلَى } ، معناه : سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً ،

[ ]  يستدل ابن القيم بقوله تعالى : {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [ غافر : 2  ] ، على أن الله تعالى في مكان مرتفع ،  وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض ، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله ،  تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه ، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود ، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر ، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء ، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،

[ ]  يستدل ابن القيم      بقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , على اختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده بالمسافة وأن بعضها أقرب إليه من بعض ،  المراد من العندية : هي عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ،

[ ]  يستدل ابن القيم      بقوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء ، أي في علو الرتبة والمقام ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، كما يستحيل على القديم أن يقبل المحدث ، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي ، وقد أجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن التقيد بالمكان ، إذن المحكم من المعاني هو : { أأمنتم من في السماء } : أي من في العلو مكانته وقدرته وسلطانه ، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام ، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى ،  وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره ، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله ، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها نمن صفات العجز والنقص ، قال القاضي عياض : (  لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله ( ءأمنتم في السماء ) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم ) أهـ [ إكمال المعلم : ج2ص465]  ، وقال القرطبي : (  ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ،  كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ،

[ ]  يستدل ابن القيم      بحديث الترمذي : (( إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين )) [ صحيح الترمذي للألباني : ح ( 3556 ) ] ، على أن الله في جهة العلو ، والرد هو أنّ : السماء قبلة الدعاء ، كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة ، فترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء ، وقال الحافظ ابن حجر : ( السماء قِبْلة الدعاء كما أن الكعبة قِبْلة الصلاة ) أهـ  [فتح الباري (2 :  233)] ،  ونقول له لو كان الله على العرش بذاته ، فلم قال المولى تبارك وتعالى : {  الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا }  والإيمان هو اعتقاد الغيب ، فحملة العرش يؤمنون بالله والمسلمون يؤمنون بالله لان نسبة العرش إلى الله كنسبة الأرض إلى الله نسبة الخلق إلى الخالق ، لا نسبة إلا الطاعة ، وأقول لهم : إن الله خلق العرش إظهارا لعظمته لا مكانا لذاته لانه تقدس عن المكان ،

[ ]  يستدل ابن القيم      : بحديث : (( أين الله )) في حديث مسلم : (( قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : ح  (537) ] ، [  أقول ] : حديث الجارية له روايات عديدة مضطربة ، فيها من الاختلاف الكثير ، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان ، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) بقولها ( نعم ) و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) بقولها ( في السماء ) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا ، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا ، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم : الامام الحافظ البيهقي ، والامام الحافظ البزار ، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني ، وخلاصة الأمر : أن الحديث جاء صحيحا بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح بلفظ : (( أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت نعم ، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ قالت نعم ، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها ))  [ أخرجه الإمام في الموطأ [ 2 : 777 ح (1469) ] ،  وجاء بلفظ ( من ربك ) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ،  أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان بلفظ  : (( من ربك ؟ قالت الله ، قال: من أنا ؟ قالت : رسول الله ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة )) ، والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة ، ولعل هذا السبب ما حدا بأكثر النحويين إلى ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث ،  إذن قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ،  ( ثم ) من قال بصحة حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه يحمل لفظ ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة ،  فحديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار ،  فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

[ ]  يستدل ابن القيم      بحديث البخاري ومسلم : (( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له )) ، أقول :  للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها : منها قوله تعالى : { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } [ سورة الزمر ] ، ولم نر جملا نازلا من السماء ، وقوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } [ سورة الحديد ] ، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء ،   وللنزول الحقيقي لوازم فاسدة : من تلك اللوازم : ( أ ) الحلول في السماء ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، ( ب ) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال ، ( ت ) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا ، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين ، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم ( أربعة وعشرون ساعة نازل صاعد ) وهل يقول بهذا إلا أحمق مجنون ، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك ،   القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين ، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال ،  كما أنّ النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة ، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله ، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم ، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت ،  أمّا حل إشكالية حديث النزول فتتمثل فيما أخرجه النسائي لحديث النزول بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ،  وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا  ، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [ طه : 14 ] ، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده ، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك ، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام ، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى : ((  مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) ومعلوم أنّ العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره ، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر ، 

[ ]  يستدل ابن القيم    بالاستواء على انه استواء مكان بدليل قوله عن الذين قالوا أنه استواء تدبير بأنهم أخلوا العرش من الرحمن ويقولون ليس فوق العرش رب ، وأهل التكييف ومنهم ابن القيم متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ، وقد قال تعالى : { ثم استوى على العرش يدبر الأمر } فكان التدبير بمثابة المفتاح لفهم الاستواء ، الاستواء ذكر في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية ، أما جناب الذات لا يدرك ، غيب العيوب ليس كمثله شيء ،  موجود بلا كيف ولا حد ، ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان ، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ،

[ ]  تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف ، فلا كيف ولا مكان ولا زمان ، ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال ، ولا يقال أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون ، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون ، والدخول والخروج ، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار ، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك ،  { ليس كمثله شيء } ، { ولم يكن له كفوا احد } ،  جناب الذات لا يدرك ، غيب العيوب ليس كمثله شيء ،  موجود بلا كيف ولا حد ، ولا أين ، ولا متى ، لانه خالق المكان والزمان ،   من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام ، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه ، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك ، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود ، ولا كمثل جناب ذاته ذات ، ولا كمثل صفاته صفات ، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال ، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،  لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الإلهيات : تصفية الذهن عن المحسوسات والمرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ،   ( جناب الذات ) تعالى وتقدس   :  { ليس كمثله شيء } ،  غيب الغيوب ، لا يدرك ، لأنه فوق الحدود ،  وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ،

[ ]  أهل التنزيه في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة ، وهو جل شأنه القريب منا ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ولكنة قرب منزه عن الحلول والإتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير ) كما أن الإستواء إستواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين  ،  القرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والإستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله ، وكما أنه منزه عن الحلول والإتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه ، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في الأرض أو السماء أو العرش لأنها مخلوقاته ، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته ، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد ،

[ ]  عند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها  كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأمّا ما يزعم به اهل الحشو من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ،   قال تعالى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية  ، فقوله تعالى : ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية ، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير ،  كان هذا ما تيسر في بيان أن فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان ، ورحم الله الطحاوي حيث قال : ((   تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ  ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 16 )  استواء الله على العرش استواء صفات لا استواء ذات - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة بيان ان الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات ،  والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون استواء الله استواء ذات لا استواء صفات ،

[ ]  أقول وبالله التوفيق : الله تعالى غيب الغيوب لا يدرك ، موجود بلا كيف ، لا يجوز تكييف الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي ، لا يغيب عنه شيء ، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه وذاته ، مقدس عن الغايات والحدود ، وعن الكون في المكان المحدود ، استواؤه استواء صفات ، وقربه قرب صفات ، وإحاطته إحاطة صفات ،

[ ]  أهل التكييف متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ،

[ ]  الاستواء ذكر في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية ، أما جناب الذات لا يدرك ، غيب العيوب ليس كمثله شيء ،  موجود بلا كيف ولا حد ولا صورة ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان ، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ،

[ ]  تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف ، فلا كيف ولا مكان ولا زمان ، ولا صورة ولا شكل ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال ، ولا يقال أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون ، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون ، والدخول والخروج ، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار ، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك ،  { ليس كمثله شيء } ، { ولم يكن له كفوا احد } ،  جناب الذات لا يدرك ، غيب العيوب ليس كمثله شيء ،  موجود بلا كيف ولا حد ، ولا أين ، ولا متى ، لانه خالق المكان والزمان ،  من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام ، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه ، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك ، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود ، ولا كمثل جناب ذاته ذات ، ولا كمثل صفاته صفات ، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال ، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،  لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الإلهيات : تصفية الذهن عن المحسوسات والمرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ،  ( جناب الذات ) تعالى وتقدس   :  { ليس كمثله شيء } ،  غيب الغيوب ، لا يدرك ، لأنه فوق الحدود ،  وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ،

[ ]  هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة ، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا ، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات ، وهذه المعرفة من اعظم العلم ، أما ( المعرفة المستحيلة ) : هي الإحاطة علما بالحق ، والإنسان مهما أوتي من علم ، علمه محدود لأنه محدود ، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود ، ولا يستطيع الوقوف على كنهه ، لأن جناب الذات لا يحاط بها ولا يعرف كنهها ، لا في الذهن ولا في الخارج ، لأنه سبحانه مطلق ، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود ، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود ، قال تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ] ،

[ ]  التصور المطلق للحق محال ، لأننا محاطون بظواهر جسمانية وقيود زمانية ومكانية وأفكارنا محدودة محصورة بنوع من التفكير ، يستحيل علينا إدراك موجود مطلق قديم أزلي خال من أي قيد أو شرط ، فالمعرفة ممكنة ، والاحاطة محالة ، باب المعرفة مفتوح ، والوقوف على كنهه وحقيقته محال ،  و ( المقصود من علم التقديس ) : هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص والتسبيح الدائم ، { ليسَ كَمِثلِهِ شيء } غيب الغيوب لا يدرك ،

[ ]  نبدأ في حل اشكالية الاستواء : ( أ ) أهل التنزيه في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة ، وهو جل شأنه القريب منا ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ولكنة قرب منزه عن الحلول والإتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير ) كما أن الإستواء إستواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين ، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والإستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله ، وكما أنه منزه عن الحلول والإتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه ، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته ، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته ، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد ،

[ ]  عند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها  كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعم به اهل الحشو من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ،

[ ]  عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة ومنزه عن الوهم والخيال ، جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : 186 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } [هود : 61 ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) } [ الواقعة : 85 ] ، وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده ، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ،

[ ]  جاء في الإحاطة : قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء ، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ، 

[ ]  الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ،

[ ]  ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ،

[ ]  ( الآية الاولى ) : قال تعالى  : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ الأعراف 54-55] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية ،

[ ]  ( الآية الثانية ) : قال تعالى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية  ، فقوله تعالى : ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية ، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير ،

[ ]  ( الآية الثالثة ) : قال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } [ الرعد 2 ] ، المفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى يدبر الأمر وقوله تعالى بلقاء ربكم ، واضحة : الاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت ،

[ ]  ( الآية الرابعة ) : قوله تعالى : { طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } [ طه 4،5، 6] ،  والمفتاح : الاستواء في الآية استواء رحمة وملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الاستواء مقرونا باسم الله تعالى وتقدس ( الرحمن ) ، وهو استواء ربوبية وخلق وتدبير ، بقرينة قوله تعالى : { تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى } ، وقوله تعالى {  لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } ، للدلالة على استواء الملك والهيمنة والتدبير ، فإن قال أهل الحشو والبدعة والضلالة : إن حمل قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير  وجب أن يقال : الله لم يكن مستوياً استواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض ، قلنا : إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها ، وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل والمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض ، ثم لا ننسى قوله تعالى:  (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [الحاقة:  17 ] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون ، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق  أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله ،  والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير ،

[ ]  ( الآية الخامسة ) : قال تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان 59 ] ،  والمفتاح : الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية ورحمة بدلالة قوله { خلق السموات والأرض وما بينهما } ، ودلالة ارتباط الاستواء باسمه الأقدس ( الرحمن ) { مَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } ، فهو الخالق للكون بما فيه وهو ربه ومدبره ، وسعت رحمته كل شيء ،

[ ]  ( الآية السادسة ) : وقال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ } [ السجدة 4 إلى 7] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله ( ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ) ،

[ ]  ( الآية السابعة ) : قوله تعالى : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد: 2 إلى 5 ] ،  والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون ،  ( أولا ) : فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ، (  ثانيا ) : قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن الظاهر يدل على العلو والباطن يدل على السفل والله تعالى خالق المكان بعلوه وسفله وهو منزه عن المكان وعن الاتحاد بالمخلوق أو الحلول فيه . وهذا يدل على بطلان قول الحشوية أنه في العلو على سبيل الحس دون السفل ونحن نقول أنه منزه عن العلو المحسوس والسفل المحسوس الذي يقاس بالمسافة ومع ذلك فهو أقرب إلى أحدنا من حبل وريده سبحانه ليس كوجوده وجود وليس كقربه قرب  ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، ( ثالثا ) : قوله تعالى { وهو معكم أينما كنتم } دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شي ء ، ( رابعاً ) : جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية ) ، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر ، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف ، إنّ المنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع ، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي ، فلا القرب قرب الذات ، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق ، أو التفويض في الجميع ، قرب ليس كمثله شيء ، واستواء ليس كمثله شيء ، لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد  ، الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ،

[ ملاحظات مهمة ] ( ملاحظة أولى ) : استدلت الجهمية من هذه الآيات على أن الله موجود بذاته في كل مكان  لأنه الظاهر والباطن وأنه معنا حيث كنا فأنتصب العلماء للرد على هذه البدعة وأوضحوا أن كلمة  بذاته زيادة شنيعة زادتها الجهمية في دين الله وأن الله تعالى قريب لا يغيب عنه مكان ولا يبعد عنه مخلوق ولكنه منزه عن الحلول بذاته في أي مكان ، ثم ظهرت الحشوية وقالوا أن الله موجود في مكان دون مكان ومكانه العرش وقال الأغبياء منهم أن العرش مكانه وأنه أكبر من ذات الرحمن بمقدار أربعة أصابع استدلوا له بحديث لا يصح ولا يجوز أن نأخذ من مثله حكما في الوضوء والطهارة فضلاً عن حكم يتعلق بذات الرحمن ، فانتصب الأصوليون من هذه الأمة لهذه البدعة وفندوا أخطاءها وأظهروا عوارها وبينوا أن الأماكن كله محدودة والله لا حد له وأن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان تنزه عن الحاجة إلى العرش وما دونه من المخلوقات حي قيوم قائم بنفسه قائم على حاجات خلقه ليس كمثله شيء له كمال الغنى سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو سبحانه كما أثنى على نفسه ،  ( ملاحظة ثانية ) : نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء كون الذات العلية مستوية مكاناً على العرش قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له )) رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يمارى فيه إلا جهول مأفون ، ( ملاحظة ثالثة ) : و نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء إلى السماء أنه الإنتقال من الأرض إلى السماء وذلك في قوله تعالى ((هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم )[ البقرة 29] أن  تصورهم الاستواء بهذه الصورة محض باطل وجهل عظيم ومشابهة لليهود في التجسيم والنصارى في الإتحاد والحلول لأنه يدل على حدوث العلو بعد السفل تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا والمعنى الصحيح الذي عليه الأئمة المفسرين أنه سبحانه قصد إلى خلق السماء  وليس صعد من الأرض إلى السماء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ،

[ ]  كان هذا ما تيسر في بيان : أن : الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات ،  والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون استواء الله استواء ذات لا استواء صفات ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

 

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا