جديد الموقع

 

إثبات مجاز القرآن وبيان خطأ الحشوية  في نفي المجاز

[  1  ] : القرآن هو المعجزة التي جاءت في زمن الفصاحة والبيان ، تحدى بها الله تعالى بلغاء العرب وفصحائهم ، فعجزا عن الإتيان بمثل سورة واحدة من سوره الكريمة ،  مع أنّه نزل بلغتهم جاء على طرائقهم في البيان والكلام ، قال تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ يوسف : 2 ] ، وقال تعالى : { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ فصلت : 3 ] ، وقال تعالى : { قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ الزمر : 28 ] ، وكل ما اشتملت عليه اللغة من البلاغة والفصاحة فقد جاء القرآن بأعلى ما اللغة من جمال وبيان ، ومن ذلك ( المجاز ) الذي هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول : ( ومن قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ) أهـ [ أسرار البلاغة : صـ ٣٦١ ] ، وقال الزركشي : ( ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن ) [ البرهان في علوم القرآن : ٢/٢٥٥ ] ، وقال السيوطي : (ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها ) أهـ [ الإتقان ج: 2 ص: 97 ] ، وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط : ( والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين ) أهـ  [ تفسير البحر المحيط ، سورة البقرة ، آية 115 ] ، وقال الشوكاني : ( وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة ) [ إرشاد الفحول : 50 ، 51 ] ،

[  2  ] :  القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك : التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر ، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما ، وهذا كما في قوله تعالى : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [ النمل : 80 ، 81 ] ، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 24 ] ، وقوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه ، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي غاية السخاء والكرم { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } [ هود : 37 ] ، وقوله تعالى : { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر : 13 ، 14 ] ، والسفينة لا تجري في أعين الله ، تعالى الله ، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة ، وقوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى ، { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ، ومن أدلة القرآن الكريم على المجاز ، قوله تعالى : { قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ البقرة : 93 ] ، فلم نسمع عن شراب اسمه العجل ، ولم نسمع عن قلوب تشرب ، وإنما هو التعبير المجازي الذي يدل على أنّهم عبدوا العجل ، وأنّ قلوبهم قد امتلأت بحب العجل كإله من دون الله ، والمعنى المقصود وأشربوا في قلوبهم حب العجل بسبب كفرهم ، وقوله تعالى : { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [ الإسراء : 72 ] ، والعمى يُطلق في الحقيقة على البصر ، فهل من كان أعمى البصر في الدُنيا يكون أعمى في الأخرة ، وما ذنبه إن كان مؤمنا بالله ، أم أنّ المعنى المقصود : من كان في الدُنيا أعمى البصيرة كان في الآخرة أعمى البصر جزاء كفره ، وعلمنا ذلك بقرينة قوله تعالى : { وَأَضَلُّ سَبِيلًا } ، فالضلال يُلازم عمى البصيرة ولا علاقة له بعمى البصر ،

[  3  ] : أنواع المجاز في القرآن  : ( المجاز ) هو اللفظُ المستعملُ في غير ما وضعَ له في اصطلاحِ التخاطَب لعلاقةٍ ، مع قرينةٍ مانعةٍ من إرادة ِ المعنى الوضعيِّ  ، والعلاقةُ بينهما هي المناسبةُ بين المعنَى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ ، قد تكونُ ( المشابهةَ ) بين المعنيينِ ، وقد تكونُ غيرَها ،فإذا كانتِ العلاقةُ ( المشابهةَ ) فالمجازُ ( استعارةٌ ) ، وإلا فهو ( مجازٌ مرسلٌ ) ، والقرينةُ : هي المانعةُ من إرادة المعنى الحقيقيِّ ، و المجاز المرسل قسمان : القسم الأول : المجاز في التركيب ، ويسمّى المجاز العقلي ، أو مجاز الإسناد لأنّه يجري في الإسنادِ ، بمعنى أن يكونَ الإسنادُ إلى غير من هوَ لهُ ، ومنه الإسنادُ إلى المكانِ ، نحو قوله تعالى  : { وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ } ، فقد أسندَ الجريَ إلى الأنهار ، وهي أمكنةٌ للمياهِ ، وليستْ جاريةً بل الجاري ماؤُها وعلاقته الملابسة ، ونحو ، { ياهامان ابنِ لي } ، ( والبناء فعل العمال ) ، ونحو { وأخرجت الأرض أثقالها } ، ونحو { فما ربحت تجارتهم } ، والتجارة لا تربح فلما كان الربح فيها نسب الفعل إليها ، ونحو { أم أنزلنا عليهم سلطانا } ، أي برهاناً ؛ ونحو قوله تعالى ‏{‏وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا‏}‏ نسبت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكونها سببًا لها ، وكقوله تعالى : ‏{‏وأحلوا قومهم دار البوار‏}‏ نسب الإحلال إليهم لتسببهم في كفرهم بأمرهم إياهم به‏ ، وكقوله تعالى ‏{‏يومًا يجعل الولدان شيبًا‏}‏ نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه ، وكقوله ‏تعالى {‏حتى تضع الحرب أوزارها‏}‏ ‏، وكقوله تعالى {‏تؤتي أكلها كل حين‏}‏ ‏، وكقوله تعالى {‏فأمه هاوية‏}‏ فاسم الأم الهاوية مجاز‏:‏ أي كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع‏ ، والقسم الثاني : المجاز في المفرد، ويسمّى المجاز اللغوي وهو استعمال اللفظ في ما وُضع لـه أولاً ، وأنواعه كثيرة ، منها : إطلاق اسم الكل على الجزء نحو { يجعلون أصابعهم في آذانهم } ، أي أناملهم ، ونحو {  وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } ، أي وجوههم ؛ ونحو { من شهد منكم الشهر فليصمه } ، أي أول الشهر ، وإطلاق الجزء على الكل نحو { ويبقى وجه ربك } ، أي ذاته ، وإطلاق اسم الخاص على العام نحو { إنا رسول رب العالمين } ، أي رسولاه ، وإطلاق اسم العام على الخاص نحو { ويستغفرون لمن في الأرض } ، أي للمؤمنين ! ، وإطلاق اسم اللازم على الملزوم نحو { هل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدة } ، أي هل يفعل؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له ، وإطلاق المسبّب على السبب نحو { ينزل لكم من السماء رزقاً  } ، أي مطراً يتسبب عنه الرزق ، وإطلاق السبب على المسبّب نحو { ما كانوا يستطيعون السمع } ، أي القبول والعمل ، وتسمية الشيء باسم ما كان عليه نحو  { وآتوا اليتامى أموالهم } ، أي الذين كانوا يتامى ، وتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه { إني أراني أعصر خمراً  } ، أي عنباً يؤول إلى الخمرية ، وإطلاق اسم الحالّ على المحل نحو  { ففي رحمة الله هم فيها خالدون } ، أي في الجنة محل الرحمة ، وإطلاق اسم المحل على الحالّ نحو { فليدع ناديه } ، أي أهل ناديه. ومنه التعبير باليد عن القدرة { بِيَدِهِ الْمُلْكُ  } ، وتسمية الشيء باسم آلته نحو { واجعل لي لسان صدق } ، أي ثناءً لأن اللسان آلته ، وتسمية الشيء باسم ضده نحو { فبشرهم بعذاب أليم } ، والبشارة للخبر السار ، وإضافة الفعل إلى ما لا يصح منه، تشبيهاً نحو { جداراً يريد أن ينقض } ، وإطلاق الفعل والمراد مشارفته وإرادته { وإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن } ، أي قاربن البلوغ ، و { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا } ، أي أردتم القيام ؛ { وإذا قرأت القرآن فاستعذْ } ، أي أردت القراءة ، ومنه قلب الإسناد نحو { ما إنَّ مفاتحه لتنؤ بالعصبة } ، أي لتنوء العصبة بها ،  ومنه إقامة صيغة مقام أخرى ، منها ما هو إطلاق المصدر على الفاعل نحو {  فإنهم عدو لي } ، أو إطلاق المصدر على المفعول نحو { ولا يحيطون بشيء من علم } ، أي معلومه ، ومنها إطلاق الفاعل والمفعول على المصدر نحو { ليس لوقعتها كاذبة } ، أي تكذيب ، ومنها إطلاق فاعل على مفعول نحو { ماء دافق } ، أي مدفوق؛ { حجاباً مستورا } ، أي ساتراً ، ومنها إطلاق فعيل بمعنى مفعول نحو { وكان الكافر على ربه ظهيراً } ، ومنها إطلاق واحد من الفرد والمثنى والجمع على آخر نحو { والله ورسوله أحق أن يُرضوه } ، أي يرضوهما؛ ونحو { إنَّ الإنسان لفي خسر } ، أي الأناسي؛ ونحو { القيا في جهنم } ، أي القِ. ومنه كل فعل نُسب لشيئين وهو لأحدهما فقط نحو { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ، أي من الملح دون العذب؛ ونحو { جعل القمر فيهن نوراً } ، أي في إحداهن. ومثال إطلاق الجمع على المفرد { قال رب ارجعون } ، أي ارجعني! ومثال اطلاقه على المثنى { قالتا أتينا طائعين } ، ! { فقد صفت قلوبكما } ، أي قلباكما! { وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ... وكنا لحكمهم شاهدين } ، ‍‍ ومنها إطلاق الماضي على المستقبل لتحقق وقوعه نحو { أتى أمر الله } ، أي الساعة. وعكسه لإفادة الدوام والاستمرار فكأنه وقع واستمر نحو { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ، ؛ ونحو { فلِمَ تقتلون أنبياء الله } ، أي قتلتم ، ومنها إطلاق الخبر على الطلب أمراً أو نهياً أو دعاء مبالغة في الحث عليه حتى كأنه وقع، نحو { والوالدات يرضعن. والمطلقات يتربصن } ، الأمر بمعنى الخبر أبلغ من الخبر لتضمّنه اللزوم ، ومنها وضع النداء موضع التعجّب نحو { ياحسرة على العباد! } ، أي فيا لها حسرة ، والحسرة لا تنادى وإنما يُنادى الأشخاص ، ومنها وضع جَمْع القلة موضع الكثرة نحو { وهم في الغرفات آمنون } ، ! وغرف الجنة لا تحصى؛ ونحو { هم درجات عند الله } ، ورتب الناس عند الله أكثر من العشرة ، ومنها تذكير المؤنث على تأويله بمذكر نحو { فمن جاءَه موعظة من ربه } ، أي وعظ ! ونحو { وأحيينا به بلدةً ميتاً } ، ! على تأويل المكان؛ ونحو { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } ، أي الشمس! ونحو { إن رحمة الله قريب من المحسنين } ، ذكر الرحمة على معنى الإحسان! ونحو { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } ، أي لتلك الرحمة! ، ومنها التغليب وهو إعطاء الشيء حكم غيره نحو { وكانت من القانتين } ، والأصل القانتات ؛ ونحو { إلا امرأته كانت من الغابرين } ، والأصل من الغابرات ، فعدّت الأنثى من المذكر بحكم التغليب ، ونحو  { ياليت بيني وبينك بعد المشرقين } ، أي المشرق والمغرب! وغلب المشرق لأنه أشهر الجهتين! ونحو { مرج البحرين } ، أي الملح والعذب، والبحر خاص بالملح فغلب لكونه أعظم ؛ ونحو و { ولكلٍّ درجات مما عملوا } أي من المؤمنين والكفار ، فالدرجات للعلو، والدركات للسفل فاستعمل الدرجات من باب التغليب ،  وإنما التغليب من باب المجاز لأن اللفظ لم يُستعمل في ما وُضع له ، وهناك من المجاز : ( الاستعارة ) : هي استعمالُ اللفظُ في غير ما وضعَ له لعلاقةِ ( المشابهةِ ) بين المعنَى المنقولِ عنه والمعنِى المستعملِ فيهِ ، مع ( قرينةٍ ) صارفةٍ عن إرادةِ المعنَى الأصليِّ  ، وكلُّ مجازٍ يبنَى على التشبيهِ ( يسمَّى استعارةً ) ، وللاستعارةِ أجملُ وقعٍ في البلاغة ، لأنها تمنحُ الكلامَ قوةً ، وتكسوهُ حسناً ورونقاً ، وقرينةُ الاستعارةِ :  هي الأمرُ الذي ينصِّبُه المتكلمُ دليلاً على أنه أراد باللفظِ غيرَ معناهُ الحقيقيِّ  ، ويمكن تقسيمُ الاستعارة إلى تصريحية وإلى مكنية : فالاستعارةُ التصريحيةُ  : هي ما صُرَّحَ فيها بلَفظِ المشبَّه بهِ ، كقوله تعالى  : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }  ، والصراطُ الطريقُ  ،فقد شبَّه الدينَ بالصراطِ بجامعِ التوصيل إلى الهدفِ في كلٍّ منهما وحذفَ المشبَّه وهو الإسلامُ وأبقى المشبَّهَ بهِ  ، وقوله تعالى  : { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } ، فقد شبَّه الكفرَ بالظلماتِ  والإيمانَ بالنورِ وحذفَ المشبَّه وأبقى المشبَّهَ به ، والاستعارةُ المكنيَّةُ  : هي ما حُذِفَ فيها المشَبَّهَ بهِ ورُمِزَ لهُ بشيء مِنْ لوازمه ،  كقوله تعالى  : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } ، فقد شبَّه الذلَّ بالطائرِ  ، وحذف المشبَّه به ولكنْ رمزَ إليه بشيءٍ من لوازمهِ وهو الجناحُ  ، فلم يذكر من أركانِ التشبيه إلا الذلَّ وهو المشبَّهُ ، وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم  : (( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ ))  ، فقد شبَّه الإسلامَ بالبيتِ ،  ولكن حذف المشبَّهَ به وهو البيتُ وأبقى بعضاً من لوازمهِ الجوهريةِ وهو البناءُ ، وهناك من المجاز ( الكناية ) ، ومن أنواع الكناية : الكنايةٌ عن موصوفٍ :  كقوله تعالى  : {  وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ  } كناية عن السفينةِ والدسر هي المسامير ، والكناية عن الصفة ومنه قوله تعالى  : { وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } كناية علن الهيمنة والقدرة ، وقوله تعالى  : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  } ، كنايةٌ عن الربوبية والقهر وتمام القدرةِ ، وقوةِ التمكُّنِ والاستيلاءِ  ، وقوله تعالى  : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [ النحل : 112 ] ، فهل القرية يأتيها رزقها أم أهل القرية ، وهل للجوع لباس ، وهل للخوف مذاق ، أم أنّها بلاغة المجاز في تصوير حال الكافرين عندما أبدلهم الله تعالى الرزق والرغد بالجوع والأمن بالخوف ، وقوله تعالى  : { فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 26 ] ، فهل يستطيع أحد ان يخبرنا بطعم المخزي ومزاق الخزي في قوله تعالى : { فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ } ، أم أنّه المجاز على بيان عاقبة التكذيب ، ولو ذهبا نستطرد في ذكر المجاز في القرآن الكريم لما أسعفتنا  المجلدات ، ومن السخف والجهل باللغة والبلاغة والبيان إنكار المجاز من القرآن ،

[  4  ] : قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في كتابه الإمام في بيان أدلة الأحكام في الفصل التاسع من كتابه ( فصل في ضروب من المجاز )  : [[ يعبر عن الأجسام والأعراض والنسب تارة بالحقيقة وتارة بالمجاز ..كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مآثر الجاهلية (( إنها موضوعة تحت قدميه )) استهانة بالمآثر المخالفة للشرع ، ويتجوز بلفظ النور في الجلال والجمال وكذلك يعبر بلفظ العرض عن عرض آخر على ما سنصفه إن شاء الله تعالى  بألفاظ الأجسام عن المعاني ، [ اليد ] : فيد القديم سبحانه وتعالى ويمينه عبارة عن قدرته وبطشه وقوته { بيده الملك } أي في قدرته { مما عملت أيدينا } أي مما أحدثته قدرتنا ، { لما خلقت بيدي } أي لما كونته بقدرتي ، { لأخذنا منه باليمين } ، أي بالقوة والبطش ، { كنتم تأتوننا عن اليمين } أي بسبب قوتكم وقدرتكم علينا ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الصدقة : (( إلا أخذها الرحمن بيمينه )) فعبارة عن حسن القبول لأن الأخذ باليمين مسبب عنه ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم (( إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن )) عبر بذلك عن تكريمهم تقديرهم بمعنى أنه يعاملهم في الإكرام معاملة عظيم أجلس إنسانا على كرسي عن يمينه ، ويعبر ب [ العين ] عن إدراك المبصرات لأنها محل الإدراك كما يعبر باللسان عن الكلام وبالقلب عن العقل  فقوله : { فإنك بأعيننا } أي بمرأى منا وكذلك قوله : { تجري بأعيننا } ، وبالمجيء والإتيان عن التعريف بعد الجهالة والهداية بعد الضلالة تشبيها لما غاب عن البصيرة بما غاب عن البصر فإن البعد والعزوب سبب للغيبة عن الإدراك لمنعها منه والقرب والحضور سبب الإدراك والمشاهدة  ، وكذلك الوقوف قد يعبر به عن التعريف في قولك وقفته على كذا إذ عرفته به لأن الواقف على الشيء مدرك لما وقف عليه ومنه قوله تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ، أي عرفوه فعرفوه ، وكذلك يعبر بالمحبة والكراهة والسخط والرضى والقرب والبعد والإقبال والإعراض عن آثارها ولوازمها وكذلك التردد في مساءة المؤمن ذكر عبارة عن منزلته ثم ربه فإن من عز عليك وكانت له مصلحة في طي مساءة فإنك تتردد في ذلك لمنزلته لديك بخلاف من هان عليك فإنه يسهل عليك مساءة ولا تبالي بما ناله ..: { فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا  } ،أي لا يعز عليه ولا يصعب ، وقد تستعمل بعض أفعالنا المضافة إلى الله سبحانه المتعلقة به على نوع من هذا المجاز كقربنا إليه وبعدنا منه وإعراضنا عنه وإقبالنا إليه وذهابنا إليه كقوله : { إني ذاهب إلى ربي } ، { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، { فسحقا لأصحاب السعير } ، أي فبعدا لهم: {  فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم } ، { فأعرض فأعرض الله عنه } ، {  ومن أعرض عن ذكري } ، وأمثلة هذا وشواهده لا تحصى كثرة  ، وسأذكر شيئا من ضروب المجاز يستدل بما ذكرته على ما تركته ، فمن ذلك اليد وحقيقتها العضو اليد يعبر بها عن القهر والاستيلاء كقوله : { قل لمن في أيديكم من الأسرى } ، أي في قهركم واستيلائكم ويعبر بها عن القدرة وقد ذكرناه ، ومن ذلك الأخذ ويعبر به عن القهر والهلاك كقوله : { فأخذهم الله بذنوبهم  } ، { فأخذهم أخذة رابية } ، {  وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه } ، ويعبر عن الجد في التمسك ومعناه كقوله : { خذوا ما آتيناكم بقوة } ، {  خذ الكتاب بقوة } ، ويعبر به عن القبول كقوله : { ويأخذ الصدقات } ، وقوله عليه السلام: {  إلا أخذها الرحمن بيمينه } ، ويعبر به عن الأسر كقوله: {  خذوه فغلوه } ، {  وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد } ، ويعبر به عن الرضى كقوله : { فخذ ما آتيناك وكن من الشاكرين } ، { آخذين ما آتاهم ربهم } ،  ومن ذلك القبض ويعبر به عن تقتير الرزق والله يقبض ويبسط ويعبر به عن البخل : { ويقبضون أيديهم  } ،     ومن ذلك البسط ويعبر به عن الإغناء : { والله يقبض ويبسط } ،وعن كثرة البذل: { ولا تبسطها كل البسط } ، {  بل يداه مبسوطتان } ، ومن ذلك السعة ويعبر بها عن فلهذا كقوله : { والله واسع عليم  } ، { لينفق ذو سعة من سعته } ، وعن كثرة التعلق كقوله : { ربنا وسعت كل رحمة وعلما } ، {  وسع ربنا كل شيء علما } ، {  إن ربك واسع المغفرة } ،  ومن ذلك الضيق ويعبر به عن مشقة تحمل ما تكرهه النفوس من الفقر وسائر المكاره كقوله : { يجعل صدره ضيقا حرجا  } ، { ولا تك في ضيق مما يمكرون } ، { وضائق به صدرك  } ، ومن ذلك وصف الزمان والمكان بوصف ما يقع فيهما : { بلدا آمنا } ، {  قرية كانت ظالمة } ، {  من قريتك التي أخرجتك } ، {  قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } ، الآية : { بلدة طيبة } ، { القرية التي كانت تعمل الخبائث } ، أمرت بقرية تأكل القرى : { وهذا البلد الأمين } ، { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } ، { عذاب يوم عظيم  } ، { ويذرون وراءهم يوما ثقيلا } ، { وذلك يوم مشهود  } ، { يأكلن ما قدمتم لهن : { يوم عصيب } ، { يوم عقيم  } ، {  أيام نحسات } ، {  الشهر الحرام بالشهر الحرام  } ، ومن ذلك الغل ويعبر به عن البخل كقوله : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } ، {  وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم } ، ويعبر به عن التكاليف الشاقة ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وعن موانع الانقياد وموانع الإيمان إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا   ، ومن ذلك التعبير  عن الشيء بمحله أو بما قارب محله كقوله: { فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون } ، بها عبر بالقلب عن العقل والأذن فإنك بأعيننا تجري بأعيننا : { ولتصنع على عيني } ، {  إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } ، {  نزل به الروح الأمين على قلبك لما خلقت بيدي } ، {  مما عملت أيدينا أنعاما } ، {  السموات مطويات بيمينه } ، {  لأخذنا منه باليمين } ، { ونأى بجانبه } ، أي بنفسه ، ومن ذلك التعبير باللسان عن اللغة كقوله : { بلسان قومه } ، {  بلسان عربي مبين } ، { واختلاف ألسنتكم وألوانكم } ، وعن الثناء : { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } ، { وجعلنا لهم لسان صدق عليا  } ، ومن ذلك التمسك ويعبر به عن ملازمة الفعل والاعتماد عليه كقوله : { فاستمسك بالذي أوحي إليك } ، { والذين يمسكون الكتاب } ، { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ، ومن ذلك الاستقامة ويعبر بها عن تعاطي الأفعال الحسنة ، ومن ذلك الكفر والرين والغين والحجاب والغطاء والأكنة والغلف والأقفال والختم والطبع والغشاوة والغمرة ويعبر بذلك كله عن موانع المعرفة والإيمان وسواير البصيرة عن العرفان ، فالموانع هي الجهل والشك وفساد الاعتقاد لأن الشكوك والجهالة تحول بين البصيرة وبين إدراك المعقولات كما أن الأجسام الكثيفة حائلة بين البصر وبين إدراك المبصرات فصار المعنى الساتر للبصيرة كالجسم الساكر للبصر : { إن الذين كفروا } ، {  ألا إن ثمودا كفروا ربهم } ، { بل ران على قلوبهم  } ، { إنه ليغان على قلبي } ، {  حجابا مستورا } ، { ومن بيننا وبينك حجاب } ، { فكشفنا عنك غطاءك } ، { وجعلنا على قلوبهم أكنة } ، {  قلوبنا غلف } ، {  أم على قلوب أقفالها } ، { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة  } ، { وطبع على قلوبهم } ، {  وجعل على بصره غشاوة } ، {  فأغشيناهم فهم لا يبصرون } ، { بل قلوبهم في غمرة من هذا } ، { وختم على سمعه وبصره وجعل على بصره غشاوة } ، عبر عن مانع فهم ما يسمعه أو يتعقله بالختم وعن مانع الاعتبار بما يشاهده بعينيه بالغشاوة ، ومن ذلك الصدق ويعبر به عن الحسن كقوله : { قدم صدق } ، و: { مقعد صدق } ، و: { لسان صدق } ، ومن ذلك خفض الجناح ويعبر به عن التواضع ولين الجانب : { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } ، { اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } ، ومن ذلك اللين ويعبر به عن حسن التأني وسرعة الانقياد : { فبما رحمة من الله لنت لهم } ، المؤمنون هينون لينون ، ومن ذلك الانقلاب على الوجه وعلى العقب أصل انقلب على وجهه رجع على طريقه الذي جاء منه ويعبر به عن الرجوع إلى مثل ما كان عليه من الفعل والاعتقاد انقلب على وجهه رجع إلى دينه وأصل الانقلاب على العقب الرجوع إلى جهة العقب ويعبر به أيضا عما يعبر منه بالإنقلاب على الوجه : { انقلبتم على أعقابكم  } ، { يردوكم على أعقابكم } ، { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا } ، ومن ذلك العروة الوثقى و يتجوز بها عن الدين العاصم من العذاب ، ومن ذلك الحبل يتجوز به عن العهد : { واعتصموا بحبل الله جميعا  } ، {  إلا بحبل من الله وحبل من الناس } ،     إني بحبلك واصل حبلي    وبريش نبلك رائش نبلي ، ومن ذلك البناء و يعبر به عن تأليف الأجسام وأحكام تأليفها وإتقانه : { والسماء بنيناها بأيد } ، { والسماء وما بناها  } ، { كيف بنيناها وزيناها } ، ويعبر به عن أحكام الأمر والمكر وإبرامه : { فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم } ، عبر بذلك عن رجوع وبال مكرهم عليهم ، ومن ذلك  الشفا ويعبر به عن كفرهم الموجب لسقوطهم في النار : { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } ، وكذلك قوله : { على شفا جرف هار } ، عبر به عن نفاقهم الموجب لسقوطهم في النار وكذلك قوله : { فانهار به في نار جهنم  } ، ومن ذلك الشراء والبيع ويعبر سيما عن التكليف بشرط الثواب وعن البيع بالتزام التكليف : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ، أي بذل أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة : { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } ، {  إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ، {  لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } ، {  ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } ، ومن ذلك بين اليدين ويعبر به عن التقدم والسبق : { فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } ، { ومصدقا لما بين يديه من الكتاب } ، {  بين يدي عذاب شديد  } ، { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله اتقوا ما بين أيديكم } ، ومن ذلك النبذ والترك وراء الظهر ويعبر بهما عن الاستهانة والإعراض : { فنبذوه وراء ظهورهم  } ، { ويذرون وراءهم يوما ثقيلا  } ، { واتخذتموه وراءكم ظهريا  } ، { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم  } ، ويعبر بالثقل عن المشقة كقوله: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ، ويعبر به عن الشرف في قوله صلى الله عليه وسلم الثقلين ومنه الثقلان الجن والإنس لشرفهما بالعقل ، ومن ذلك فتح الباب ويعبر به عن النقل من الشدة إلى الرخاء ومن النعمة إلى البلاء : {  فتحنا عليهم أبواب كل شيء } ، أي من النعم : { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد } ، ويعبر بالفتح أيضا عن المعرفة بعد الجهالة في قوله : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ، على قول بعضهم وعن الحكم لأنه يفتح ما انغلق عن الخصمين: { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } ، {  ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } ، وعن إفادة الرزق : { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } ، ومن ذلك التعبير ببعض الشيء عن جملته ، يعبر عن الصلاة بالقرآن في قوله وقرآن الفجر وبالقيام في قوله: {  لا تقم فيه أبدا  } ، { من قام رمضان إيمانا واحتسابا  } ،وبالتسبيح في قوله : {  فسبح باسم ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ، وبالذكر في قوله : { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } ، وبالسجود في قوله : { ومن الليل فاسجد له } ، وقوله : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } ، وقوله : { يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } ، وبالركوع في قوله : { واركعوا مع الراكعين } ،  ويعبر باليد عن الجملة في قوله : { وذلك بما قدمت يداك } ،  : { فبما كسبت أيديكم  } ، {  مما ملكت أيمانكم  } ،  ، ويعبر بالعضد عن الجملة : { سنشد عضدك بأخيك } ، وقد يعبر بالعضد عن الناصر : { وما كنت متخذ المضلين عضدا  } ، ومن ذلك  الأخذ بالناصية ويعبر به عن القهر والاستيلاء كقوله : { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } ،   ومن ذلك وصف الشيء بصفة بعضه قد يوصف الشيء بصفة بعضه كقوله تعالى : { بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم } ، فإن جميع آياته لا تشتمل على البشارة ولا على النذارة ، ومن ذلك وصف الشيء بما كان عليه وبما يؤول إليه : { وآتوا اليتامى أموالهم } ، {  إنك ميت وإنهم ميتون } ، {  أعصر خمرا } ، ومن ذلك النسب المجازية : { إنهن أضللن كثيرا من الناس  } ، {  فأخرجهما مما كانا فيه } ، { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } ، {  أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم } ، {  ولما سكت عن موسى الغضب } ، ومن ذلك العلو والفوقية والدرجة والرفعة يعبر بها عن المجد والشرف : { وهو العلي العظيم } ، ويعبر بالعلو عن الغلبة : { وأنتم الأعلون } ، {  والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } ، { نرفع درجات من نشاء } ، { وفوق كل ذي علم عليم } ، { رفيع الدرجات } ، { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } ، { وهو القاهر فوق عباده } ، ومن ذلك الانسلاخ ويعبر به عن ترك العمل بعد التثبث به فانسلخ منها  ، ومن ذلك الكذب ويعبر به عن بطلان الدلالة وإبهامها : { وجاءوا على قميصه بدم كذب } ، ومن ذلك العلم ويعبر به عن الظن : { فإن علمتموهن مؤمنات } ، ويعبر بالظن عن العلم : { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم  } ، وكذلك الريب والقلق ومنه ريب المنون قال أمن المنون وريبها تتوجع ويعبر به عن الشك لأن القلق يلزمه  وكذلك الطيب اللذيذ والخبيث المستكره ويعبر بالطيب عن الحلال وعن ما حسن من الأقوال والأعمال وبالخبيث عن الحرام وعما قبح من الفعل والمقال كلمة طيبة : { ومثل كلمة خبيثة  } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: { دعوها فإنها منتنة } ، {  طبت وطاب ممشاك  } ، { الخبيثات للخبيثين والطيبات للطيبين  } ، { كانت تعمل الخبائث  } ، الأرجاس والأنجاس أعيان مستقذرة ويعبر بهما عن الأوصاف المستقبحة ليذهب عنكم الرجس إنما المشركون نجس وقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوها فإنها منتنة ، ومن ذلك   الطهارة إزالة الأنجاس ويعبر بها عن إزالة الأوصاف المستقبحة شرعا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ذلكم أزكى لكم وأطهر ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ويطهركم تطهيرا يتلوا صحفا مطهرة معناه من الباطل والكذب والزور ، ومن ذلك   الكتابة ويعبر بها عن الإثبات وعن دوام الحفظ كتب في قلوبهم الإيمان  سنكتب ما قالوا سنكتب ما يقول : النور والضياء ويعبر بهما عن الإبانة والمعرفة وضياء وذكرا للمتقين { قد جاءكم من الله نور } ، ويعبر أيضا بالسراج عن المعرف المظهر وسراجا منيرا ، ومن ذلك   الموت والظلمة ويعبر بهما عن الجهل أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات صم وبكم في الظلمات ، ويعبر بالظلمات عن الشدة قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ، ومن المجاز  مجيء ما لا يصح مجيئه بنفسه يعبر بالمجيء والإتيان والقدوم والحضور عن آثارها من حصول المعرفة وجاء ربك والملك صفا صفا يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه وقد يعبر بذلك عن مجيء بحله جاءتكم موعظة من ربكم جاءتهم البينات ، وكذلك يعبر بالصعود والنزول عن صعود المحل ونزوله وأنزلنا إليك الذكر وأنزلنا إليكم نورا مبينا ونزلناه تنزيلا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ، ومن ذلك الغمرة و يعبر بها عن الجهل وعن الشدة بل قلوبهم في غمرة من هذا ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت أي في شدائده الغامرة ، ومن ذلك العبرة فعلة من العبور وهو الانتقال من حيز إلى حيز ويعبر بها عن حسن الانتقال من الاغترار إلى الاتعاظ وعن الدلالة الناقلة من الجهل إلى العرفان إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ومن ذلك السكر ويعبر به عن شدة الخوف { وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ، ومن ذلك  العنت وإرهاق الصعود ويعبر بهما عن المشقة الشديدة لأن أصل العنت انكسار العظم بعد انجباره والصعود العقبة الشاقة { ذلك لمن خشي العنت منكم } ، { ولو شاء الله لأعنتكم } ، { سأرهقه صعودا  } ، ومن ذلك الشرعة والطريق والسبيل والصراط والشاكلة والمنهاج بمعنى واحد وهي الطرق ويعبر بها عن كل عمل أدى إلى خير أو شر لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ويصدون عن سبيل الله اهدنا الصراط المستقيم قل كل يعمل على شاكلته أي على طريقته ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ولتستبين سبيل المجرمين واتبع سبيل من أناب إلي صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض لنهدينهم سبلنا ، ومن ذلك الإخبار بالشيء عن ضده تهكما  إنك لأنت الحليم الرشيد ذق إنك أنت العزيز الكريم يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ، ومن ذلك التحميل والتحمل ويعبر بالتحميل عن التكليف وبالتحمل عن القبول والالتزام : { مثل الذين حملوا التوراة أي حملوا أحكام التوراة ثم لم يحملوها } أي لم يلتزموها ، { فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } ، ومن ذلك المرض والشفاء ويعبر بالمرض عن سوء الاعتقاد وبالشفاء عن الاهتداء { في قلوبهم مرض } ، و { قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور } ، ومن ذلك   الابتلاء والاختبار ويعبر به عن آثاره من العلم والمعرفة : { يوم تبلى السرائر } ، { تبلوا كل نفس ما أسلفت } ، أي تعلم كقوله علمت نفس ما أحضرت ونبلوا أخباركم أي نعلمها ، ويعبر بالابتلاء والفتنة عن كل فعل تصور بصورتهما من المعاملة بالنعم والنقم : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } ، { إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة } ، { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ، { وإن كنا لمبتلين } ، { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } ، وقوله : { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } : يحتمل الأمرين وكل بلاء حسن أبلانا ، ومن ذلك العثور ويعبر به عن الظن والعرفان : {فإن عثر على أنهما استحقا إثما  } ، ويعبر بالربط والختم عن الصبر : { وربطنا على قلوبهم } ، { لولا أن ربطنا على قلبها } ، { فإن يشأ الله يختم على قلبك }  أي يصبرك ، ويعبر بالشهوة والهوى عن المهوى والمشتهى: { زين للناس حب الشهوات } ، { من اتخذ إلهه هواه } ، { ونهى النفس عن الهوى } أي عن المهوى فإن الميل الطبيعي لا يمكن الانتهاء عنه بل ينهى عن اتباعه وقد صرح بذلك في قوله : { ولا تتبع الهوى } ، ومن ذلك الذوق إدراك المطعوم ويعبر به عن وجدان الآلام : { فذوقوا العذاب } ، { فذوقوا ما كنتم تكنزون } أي جزاءه ، { فأذاقهم الله الخزي } ، { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } ، ويعبر بالكبير والعظيم والغليظ عن شدة العذاب : { عذاب يوم كبير } ، { عذاب عظيم } ، { عذاب غليظ } ، ويعبر بالعريض عن الكثير : { فذو دعاء عريض } ، ويعبر بالإرادة عن الأمر للزومها له غالبا : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } أي لأمرهم بعبادتي على قول بعضهم ، { والله يريد الآخرة } أي يريد سعي الأخرة بمعنى فأمرهم بسعي الآخرة فحذف السعي وعبر بالإرادة عن الأمر  وقد يعبر بالإرادة عن المقاربة فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض أي قارب الانقضاض ، ويعبر بالدخول والخروج عن تبدل الأوصاف والتنقل عنها إلى غيرها : { يخرجكم من الظلمات إلى النور } ، { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ، { يدخلون في دين الله أفواجا   } ، ويعبر بالسماء عن المطر : { يرسل السماء عليكم مدرارا } ، وبالحنف عن الانتقال من الجهل إلى المعرفة : { حنيفا مسلما } أي عارفا بالله مائلا إليه بعد الجهل به ، ويعبر بعض اليد وتقليب الكف عن الندم : { فأصبح يقلب كفيه } ، { ويوم يعض الظالم على يديه } ، ويعبر بالمجالسة والمصاحبة عن آثارهما من الإحسان والرفق : (( أنا جليس من ذكرني )) ، (( اللهم أصحبنا في سفرنا )) ، (( اللهم أنت الصاحب في السفر )) ، (( ربنا صاحبنا في سفرنا فأفضل علينا  )) ، ويعبر بالسقوط عن ملابسة ما لا ينبغي : { ألا في الفتنة سقطوا  } ، ويتجوز ب على عن الوجوب لأن الواجب كشيء اعتلى فتقول على دين وصلاة وزكاة وصوم وحج وعمرة وشهادة ، وتستعمل من وعن في التعليل تجوزا لأن ابتداء صدور المعلول من علته وعن علته : { مما خطيئاتهم أغرقوا } ، { وما تتلوا فيه من قرآن } أي لأجله ، { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك } ، { وما ينطق عن الهوى } ، { يؤفك عنه من أفك } ، { رضي الله عنهم } متضمن معنى عفا وتجاوز فذلك عدى ب ( عن ) التي للمجاوزة ، ولما كان متعلق الأوصاف المتعلقة بمثابة المكان والمحل لتعلق المتعلق استعملت في ذلك أداة الظرفية وهي في ومن ذلك قوله تعالى : { وجاهدوا في الله حق جهاده } ، أي في طاعة الله جعلت الطاعة كالمحل للجهاد وكذلك قولك رغبت في زيد ورغبت في العلم كأنك جعلته محلا لرغبتك دون ما عداه وكذلك المودة في قوله : { إلا المودة في القربى } : جعل القربى محلا للمودة بمعنى أنها متعلق المودة ولذلك صح أن تستعمل في السببية في قوله : { لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم } للتعلق الذي بين السبب والمسبب وكذلك قوله : { وهو الله في السموات وفي الأرض } لما تعلقت قدرته وإرادته وعلمه وسمعه وبصره بهما وصارتا محلا لذلك التعلق ب في لما ذكرناه  ، والباء تستعمل في الإلصاق المعنوي والحقيقي ، فالمعنوي كالتعلق الذي بين السبب والمسبب فإن المسبب ملصق بسببه من جهة المعنى وكذلك قولك ( استعنت بالله ) لتعلق الاستعانة به وابتدأت بذكر الله ، وأنواع المجاز كثيرة في الحروف والظروف والاسماء والأفعال ، والتعبير عن الماضي بالمستقبل وعكسه وعن الخبر بالأمر وعكسه والنظر في كل نوع من هذه الأنواع على حياله وبيان العلاقة التي بين محل التجوز ومحل الحقيقة على التفضيل مما المطلوب ذكره ) أهـ [ الإمام في بيان أدلة الأحكام : ج: 1 ص:  235 إلى 273 ] ،

[  5  ] : خصائص المجاز : لاشك أن اللغة العربية الفصحى تتمتع بخصائص أدبية وبيانية وبلاغية منفردة عمّا سواها من اللغات مما أهلها لأنّ تحمل كلام الله تعالى لفظاً ومعنى  ، والمجاز قمة البلاغة والأدب والبيان  ،  ويدخل فيه بالضرورة : التشبيه ، والاستعارة ، الكناية ، وتلك هي أدوات تفوق لغة العرب على غيرها من اللغات ، وهي كذلك أدوات الإعجاز في بلاغة القرآن ، وكل تلك الفنون من علوم المجاز ، ولذلك فالمجاز يحتل الصدارة في إطار هذه الفنون ، حتى سماها بعض الأدباء " اللغة العربية لغة المجاز " وذلك لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة الى المعاني ، فيستمع العربي الى التشبيه فلا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلا ريثما ينتقل منها الى المقصود من معناه  ، لهذا كثر استعمال المجاز في لغة العرب شعرا ونثرا وصناعة ، وكان المجاز هو بلاغة اللغة التي يتبارى في اتقانها الشعراء والأدباء والفصحاء ، ونزل القرآن يتحداهم فيما أتقنوه وعرفوه ، فجاءهم بما أعجزهم وأخذ بألبابهم وتحداهم فأعجزهم ، قال تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [ البقرة : 23 ، 24 ] ، فإن فقدت اللغة مجازها فقد فقدت شطرها الحسن ، وإن منعنا القرآن مجازه فقد نادينا على أنفسنا بالجهل والغباء ، لأنّ أركان البلاغة جميعا قائمة على المجاز ، والقرآن قمة البلاغة وغاية البيان ،

[  6  ] : هناك من أنكر المجاز في القرآن ، وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، فإن المتكلم لا يعدل اليه الا اذا ضاقت به الحقيقة فيستعير ، وذلك محال على الله تعالى ، وهذا من الجهل باللغة ، فإنّ " من قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ، ويهدف لما لا يخفى " [ عبد القاهر ، أسرار البلاغة : ٣٦١ ] ،  والمجاز هو علم البيان بأجمعه ، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ لأن العبارة المجازية تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال حتى أنه ليسمح بها البخيل ويشجع الجبان ، ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي ، فالقرآن كتاب العربية الأكبر ، وقد كان إعجازه البياني موردا متأصلا من موارد إعجازه الكلي ، وتفوقه البلاغي حقيقة ناصعة من تفوقه في الفن القولي ، وقد وقف العرب عاجزين أمام حسّه المجازي ، وبعده التشبيهي ، ورصده الاستعاري ، وتهذيبه الكنائي ، وكل ما سبق من مفردات المجاز ، ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الاصيلة ، وليس الأمر كذلك ، ولذا قال الزركشي ( ت : ٧٩٤ هـ ) : - في رده على القول بمنع استعمال المجاز القرآني بقوله : « وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن ) [ الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ٢/ ٢٥٥ ] فاستعمال المجاز في القرآن نابع من الحاجة اليه في بيان محسنات القرآن البلاغية ، فهو والحقيقة يتقاسمان شطري الحسن في الذائقة البيانية كما أشار الزركشي ،

[  7  ] : وقفات فيها لفتات مع من أنكر المجاز  : مقال للشيخ عبد الله الغالبي في ملتقى اهل الحديث  : [ ما كان ينبغي أن يخالف في وجود المجاز ووقوعه سواءً أكان في اللغة أم في القرآن الكريم ، فإن شهرة المجاز أشهر من نار على علم ، ووضوحه أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار ، قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه اسرار البلاغة  : " ومن قدح في المجاز ، وهمَّ أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً ، وتهدف لما لا يخفى". أ هـ  ، وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم ، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام – ، وقد قال به علماء كُثر في مختلف تخصصاتهم وتعدد الفنون التي برعوا فيها ، منهم اللغويون والنحويون والمفسرون والمحدثون والأصوليون والأدباء والنقاد وأهل المنطق وعلماء البلاغة ، وتداولته ألسنة وأقلام الكتاب قديماً وحديثاً ، واستعملته العرب خلفاً عن سلف ، وكان الفضل في اتساع البحث في المجاز يرجع إلى اللغويين  والنحاة والأدباء والنقاد والاعجازيين أما مسائله وقضاياه ودقائقه فلم يحرر القول فيها إلا في مباحث البلاغيين بدءاً من الإمام عبد القاهر الجرجاني إلى الخطيب القزويني ومن كان بينهما ، وإنكار المجاز – بعد التحقيق – لا يكاد يوجد ، لأن من قال بإنكاره في القرآن لم يمنع وقوعه في اللغة ،  ، وثلاثة من العلماء أنكروه مطلقاً وهم الإمام أبو اسحق الاسفرائيني والإمام ابن تيمية وابن القيم الجوزية ،رحم الله الجميع وهم وإن أنكروه من جهة فقد أقرّوا به من جهات في كثير من كلامهم ولهذا يقال  : إنَّ إنكار المجاز لا يكاد يوجد ، ولكن في الحقيقة أن الاسفرائيني ثبت أنه لم ينكر المجاز ونسبة إنكار المجاز إلى أبي إسحاق وإن ورد ذكرها في كثير من كتب الأصول وغيرها فإنها لم تسلم من القدح والتشكيك ، فقد تعقب بعض العلماء هذه النسبة واستبعدوا صدورها من أبي إسحاق منهم إمام الحرمين أبو المعالي وحجة الإسلام الغزالي ، ويؤيد رأي هؤلاء العلماء ذلك النص الذي حكاه الأمام ابن القيم عن الأستاذ في مسألة " العام إذا خصص هل يكون حقيقة فيما بقى أم مجازاً ؟" وفيه اعتراف صريح من الأستاذ الاسفرائيني بالمجاز ، ونقل عنه إمام الحرمين أبو المعالي نصاً آخر في " البرهان" حول مسألة أصولية كذلك وهي : ما المراد بالظاهر عند علماء الأصول وفي ذلك يقول إمام الحرمين : " وقال الأستاذ أبو إسحق : الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى  ، وله عنده وجه التأويل مسوغ ، لا يبتدره الظن والفهم ، ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز" فهذا كلام من يقر بالمجاز لا من ينكره. فلم يبق منكراً له مطلقاً إلا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، وقد ألّف الدكتور عبد العظيم المطعني كتاب ( المجاز في اللغة والقرآن الكريم ) وهو بحث ممتع في جزئين في حوالي ألف ومائة وسبعين صفحة أقام الأدلة القاطعة على وجود المجاز في اللغة وفي القرآن ( الناشر مكتبة وهبة ) ، وقد عقد الشيخ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن فصلا في كتابه (المحكم والمتشابه) ج2 ص 522 للرد على إنكار الإمام ابن تيمية للمجاز  ، وكذا رد عليه الدكتور على العماري بكتاب (المجاز) وكذا فضيلة الشيخ/ محمد العزازي كتب رداً عليه في ذلك وكذا في كتاب للشيخ منصور عويس. أما الدكتور/ عبد العظيم المطعني فكتابه المذكور موسوعة شاملة أثبت فيه أن المجاز هو مذهب الكثرة الكاثرة التي لا تحصى عدداً من علماء الأمة في كل التخصصات أي أنه يكاد أن يكون إجماعاً أو هو كذلك بالفعل ، وأن المنكرين- بما فيهم ابن تيمية وابن القيم- لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين مع الشك الكبير في ثبوت هذا الإنكار عن بعضهم ، يقول الدكتور المطعني  : " ومن خلال قراءات متكررة ومتأنية للفصل الذي كتبه الإمام ابن تيمية بخصوص المجاز في كتابه " الإيمان " وجدناه قد اعتمد في إنكار المجاز في اللغة بعامة ، وفي القرآن الكريم بخاصة على ما يأتي : ( 1 ) أن سلف الأمة لم يقولوا به مثل الخليل ومالك والشافعي وغيرهم من اللغويين والأصوليين وسائر الأئمة ، فهو إذن قول حادث ؟! ، ( 2 ) إنكار أن يكون للغة وضع أول تفرع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما يقول مجوزوا المجاز ؟! ( 3 ) إنكار التجريد والإطلاق في اللغة. حتى يقال أن الحقيقة ما دلت على معناها عند الإطلاق والخلو من القرائن ، والمجاز ما دل على معناه بمعونة القيود والقرائن ، ( 4 )  مناقشة النصوص التي استدل بها مجوزو المجاز على وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم " أهـ [ (المجاز) ج2 ص 644 ] ، ثم ذكر الدكتور المطعني أن ابن تيمية له شبه أخرى ولكنها جزئيات تندرج تحت هذه الركائز الأربع ، وسنذكر هذه الركائز مع الإشارة إلى ما يبطلها وغالبه من كلام د. المطعني ،  [  الشبهة الأولى لابن تيمية ] : وحاصـلها : النـفي البـات أن يكـون أحد من السلف قد قال بالمجاز إلا الإمام أحمد بن حنبل تقسيم الألفاظ إلى حقائق ومجازات لم يحدث إلا بعد المائة الثالثة – محط الإنكار هو على وجود لفظ (المجاز) دون معناه … واعترف خلال ذلك بأن أبا يعلى وابن عقيل وأبا الخطاب الحنابلة قائلون بالمجاز تبعا لإمامهم ، هذا نص كلامه يقول  : كما في كتاب "الإيمان" : (( وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة ، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي ، وأبي حنيفة والشافعي ، بل أئمة اللغة والنحو ، كالخليل وسيبوية وعمرو بن العلاء وغيرهم )) ، ودعوى بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي  ، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة ، فلقد ثبت أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية ، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة المجاز ، فسيبويه ــ مثلا ــ وهو إمام النحاة يستعمل كلمة (التوسع) ففي الكتاب لسيبويه : ( ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى : { واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها } ، إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هنا ، ومثله { بل مكر الليل والنهار } ، وإنما المعنى : بل مكركم في الليل والنهار والأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف ، والثاني جعلوه نوعا من المجاز العقلي ، وغير سيبويه من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد الذين كانوا يسمون المجاز بالبديع كما نص على ذلك الجاحظ في البيان والتبيين ، ونواصل كلام المطعني والرد على ذلك من كلام المطعني : ( 1 ) لفظ ( المجاز ) مجرد مصطلح والمصطلحات غالبا ما تتأخر في الظهور عن موضوع الفن نفسه وخاصة في عصور تدوين العلوم ، وخير مثال على ذلك مصطلحات علمي النحو والصرف بل مصطلحات العلوم الشرعية نفسها من فقه وأصول فقه وحديث ومصطلح حديث وغير ذلك ، ( 2 ) أن التأويل المجازي يصرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر تدل عليه القرينة وله علاقة بالمعنى الظاهر ، قد عرف منذ القرن الأول وكثر تطبيقه على آيات الذكر الحكيم عند الثقات من علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة - على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم - والتابعون وقبلهم جميعاً المعلم الأكبر صلى الله عليه وسلم ، ومن تأويلاته المجازية : تأويله الخيطين الأبيض والأسود بالنهار والليل ، ( 3 ) أن سلف الأمة يفهمون معنى المجاز ويستعملونه وإن لم يذكر بعضهم اسمه المصطلح (المجاز) لعدم انتشاره في البداية بل كان بعضهم يطلق عليه (الاتساع في اللغة) كما ورد عن سيبويه (ت قبل 190 هـ) والشافعي (ت 205هـ) وها هو الإمام الشافعي يقول في (الرسالة) عن ألفاظ القرآن : » وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره « فهو بذلك قد عرّف المجاز وبين نوعي القرينة : اللفظية التي لها ذكر في الكلام ، والمعنوية التي تفهم من الأحوال وليس لها صورة في الكلام ، ( 4 ) ذكر بعض السلف ممن عاشوا في القرنين الثاني والثالث (المجاز) بمعناه الفني الاصطلاحي بلفظه وبمعناه وكذا (الاستعارة) وهي أظهر أنواع المجاز. نقل ذلك عنهم من النصف الأول للقرن الثاني الهجري. وإليك ستة نماذج لذلك : ( الأول ) : أبو عمر زبان بن العلاء (ت 154 هـ) أحد القراء السبعة ، ذكر (الاستعارة) نصاً على ما هو استعارة فعلاً ، ( الثاني ) : أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي (ت 170هـ) ذكر مصطلح (المجاز) وشرحه ونصَّ على وجوده في اللغة وفي القرآن الكريم وضرب لذلك أمثله من القرآن ومن أشعار العرب كامرئ القيس وغيره ، ( الثالث ) : أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 209هـ) ذكر تخريجات مجازية عديدة في كتابه (مجاز القرآن) وهذه الصور المجازية لا تنطبق إلا على المجاز الذي هو قسيم الحقيقة ، كما نقل عنه القول بالاستعارة في التعليق على شعر جرير ورد ذلك في كتاب (النقائض بين جرير والفردق ) ، ( الرابع ) : أبو عبد الله بن زياد ابن الأعرابي (ت 231هـ) شرح الاستعارة الموجودة في بيت شعر ونقل ذلك ابن رشيق في كتابه (العمدة ) ، ( الخامس ) : أحمد بن يحيى المعروف بـ (ثعلب) (ت 291هـ) أكثر من ذكر الاستعارة في كتابه (قواعد الشعر) محللا لها ومشيراً إلى المعنى الأصلي الخارجة عنه ، ( السادس ) : أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 231 هـ) الشاعر المشهور قال : لقد تركتني كأسها وحقيقيتي مجاز وصبح من يقيني كالظن ، قال الدكتور العماري تعليقا على هذا البيت :»  وأستطيع أن أؤكد أن هذا الاصطلاح : (المجاز) كان معروفا من زمن بعيد ، ذلك أن الشعراء ليسوا من أرباب وضع المصطلحات ، كما لا يمكن أن يقولوا ما ليس معروفا عند الناس ، فلابد أن تكون كلمة (مجاز) المقابلة للحقيقة معروفة مشهورة حتى يستعملها شاعر لم يعرف عنه أنه عني بالدراسات النحوية التي كانت سائدة في عصره " أهـ (المجاز) للدكتور العماري ص 25 ، (المجاز) للدكتور المطعني ص 714 ، يقول د. المطعني بعد أن بين خطأ الركيزة الأولى لابن تيمية : » ها نحن أولاء قد فرغنا من الرد على الإمام ابن تيمية في الشبهة الأولى من مجموع الشبه التي بني عليها رأيه في نفي المجاز عن اللغة ، وعن القرآن الكريم ، وهي : أن أحداً من سلف الأمة لم يقل به؟ قد واجهناه بنقيض دعواه. وبينا أن ثلاثة من الأئمة الفقهاء ، وهم الإمام الشافعي ، والإمام أبو حنيفة ، ومعه صاحباه ، والإمام أحمد ابن حنبل قد روى الرواة الثقات أنهم قالوا بالمجاز ، وتكرر ذلك منهم ، والإمام ابن تيمية يعترف بما ورد عن الإمام أحمد ، ولكنه سلك فيه مسلكين : ( أحدهما ) : تضعيف الرواية القوية ، وتقوية الرواية الضعيفة الموافقة لمذهبه ، و ( الثاني ) : تأويل قول الإمام بما يخرجه عن الاحتجاج به عليه على فرض صحته عنده ، كما رأينا كثيراً من اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والبلاغيين والإعجازيين ،والمفسرين والمحدثين ، والأصوليين والفقهاء قد قالوا بالمجاز ، وتوسع بعضهم فيه ، ونقلنا عن أبي عبيدة ، وابن الأعرابي وأبي عمرو بن العلاء وثعلب نصوصا صريحة تدفع دعواه هو في نفي المجاز « أهـ (المجاز) ص 715 ، [  الشبهة الثانية للإمام ابن تيمية ] : أنكر ابن تيمية أن يكون للألفاظ وضع أول يدل على معنى معين لكل منها ثم استعملت الألفـاظ في معانيــها بعد ذلك ويذهب إلى أن كـل لفظ قـد استعمل ابتداء فما أريد منه دون أن يتقدم وضع سابق ثم حاول أن يقدم تفسيراً مقنعا لذلك فقال : أن أصل اللغة إلهام من الله سبحانه ثم كان النطق بالألفاظ مباشرة مستعملة فيما أريد منها ، كل ذلك لأنه رأى مجوزي المجاز يقولون : إن المجاز ما نقلت فيه الكلمة من المعنى الوضعي فاستعملت في المعنى غير الوضعي وهذا النقل هو أهم ركن من أركان المجاز ، والرد على ذلك : ( 1 ) أطبق علماء الأمة في كل زمان ومكان وفي كل فرع من فروع علم اللغة : قواعد وتطبيقات على أن جميع الألفاظ لكل منها وضع أول ويدل على معنى معين. وفكرة المعاجم اللغوية – كما يقول د. المطعني - إنما نشأت لجمع الألفاظ اللغوية والوقوف على مدلولاتها التي كان عليها الحال عند العرب الخلص … وهذه المفردات اللغوية ومعناها العام المتعارف هو ما عرف بالدلالة الوضعية ، ( 2 ) أن البحث العلمي الحديث قد ضعّف تفسير نشأة اللغة بالإلهام ولم يوافق عليه. بل صفوة القول في ذلك أن هناك ثلاث نظريات تفسر نشأة اللغة : ( أ ) التوقيف من الله سبحانه ، واحتجوا بقوله سبحانه : { وعلّم آدم الأسماء كلها { .، ( ب ) الاصطلاح والمواضعة ، وفسروا الآية السابقة على أن الله أقدر آدم عليه السلام على وضع الأسماء ، ( ج ) المحاكاة والتقليد يقول السيوطي " وذهب قوم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوى الريح وجنين الرعد وخرير الماء وشجيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك ، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد " ، ويعلق ابن جنى على هذا المذهب فيقول : " وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل "  انظر المجاز للدكتور المطعني ص 735 ، قلت : وفي قصة ابني آدم التي حكاها القرآن ما يشير إلى اعتماد هذا الطريق في التعليم  { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخية } [ الآية 31 من سورة المائدة ] ، وهذه النظرية هي التي يكاد يجزم بصحتها الباحثون المعاصرون في علوم اللغة. وانظر ما ذكره د. علي عبد الواحد وافي في كتابيه : (علم اللغة) ، (نشأة اللغة عند الإنسان والطفل ) ، ( 3 ) الوضع والاستعمال متلازمان : يقول د. المطعني تحت هذا العنوان :  " وما يوهن دعوى الإمام ابن تيمية أن قوله بالإلهام لا يؤدي إلى إنكار الوضع ، وأن قوله بالاستعمال لا ينافي الوضع ، بل أن الوضع ملازم لكل مذهب قيل به في أصل اللغات. لأن المراد بالوضع هو النطق أول مرة باللفظة دالا على معناه سواء كان مصدره الإلهام أو المحاكاة أو التوقيف ، والخروج عن الدلالة الأولى للألفاظ مستساغ ومعقول. فبعد أن يستقر استعمال الكلمة في معناها الذي كانت هي من أجله يقع فيها التصرف باستعمالها في دلالة أخرى هي الدلالة المجازية. فسواء كان مصدر نشأة اللغة توقيفا كما يقول ابن فارس وغيره ، أو مواضعة كما يرى ابن جنى وآخرون أو إلهاما كما يؤكد ابن تيمية أو محاكاة كما يرى قوم أو غريزة زود بها النوع الإنساني كما يذهب بعض المحدثين فإن الوضع ملازم لهذه الفروض كلها ، لأن الوضع هو ورود اللفظ لأول مرة دالا على المراد منه ، وتلازم الوضع للاستعمال مثل تلازم الحياة للحي. ويستحيل استعمال لفظ بمعزل عن اللفظ نفسه ، كما يستحيل وضع لفظ بمعزل عن الاستعمال لأن الواضع يضع اللفظ ويعينه للدلالة على معنى. وتصور وضع لفظ دون أن تكون حقيقة معناه ومسماه ماثلة في ذهن الواضع مستحيل مستحيل ، فابن تيمية- مثلا- يرى أن أصل اللغة إلهام واستعمال لا وضع متقدم على الاستعمال. فحين ألهم الله الإنسان أن يستعمل كلمة (بحر) فلابد من أحد أمرين لصحة هذا الاستعمال؟ ( أحدهما ) : رؤية مجتمع الماء عيانا حين الاستعمال ، و ( الثاني ) : تخيل تلك الصورة إذا لم تكن حاضرة مرئية. وفي كلتا الحالتين فكلمة بحر اخترعت مقرونة بالاستعمال إما حسا وإما معنى. ومستحيل أن تخترع كلمة (بحر) أو توضع وليس في ذهن الواضع أو المخترع تصور لمسماها ، وهذا المثال صالح للتطبيق على كل النظريات المفروضة في أصل اللغات. فلا مناص من التسليم بالوضع إذن. فالوضع ملازم لكل نظرية ، وللاستعمال. لأن اللغة مظهر خارجي وليست فعلا من أفعال النفس يظل مكتوما بين طواياها ، فليكن الاستعمال ولا وضع كما يرى ابن تيمية. ولكن المجاز جائز ومستساغ حتى مع نفي الوضع وفرض الاستعمال ، فالكلمة في أول استعمال لها حقيقة. وحين تستعمل استعمالا ثانيا بينه وبين الاستعمال الأول صلة معتبرة ، ووجدت في السياق قرينة ترجح أو توجب الأخذ بمعنى الاستعمال الثاني دون الأول كان المجاز لا محالة"  أهـ [ المجاز ص 742- 743 ] ،  [  الشبهة الثالثة للإمام ابن تيمية ] : نفى أثر الإضافة في تحقيق المجاز فقال غفر الله له  : ( 1 ) أن كل الألفاظ في اللغة لم ترد إلا مقيدة بقيود وقرائن توضح المعنى المراد منها. فادعاء علماء اللغة ورود الألفاظ مجردة أو أنها بدون أية قرائن أو قيود تفيد معنى وبالتالي يكون المجرد منها حقيقة والمقيد بالقرائن مجاز هو خطأ غير معلوم من اللغة بل هو محال ، ( 2 ) التسوية بين الإضافات المختلفة لأي لفظ ، وقال بأنه ليس هناك إضافة لما حق اللفظ أن يضاف إليه وإضافة إلى ما ليس حق اللفظ أن يضاف إليه ، وهو في الحالتين ينكر رحمه الله ظاهرة تبادر المعنى الحقيقي للألفاظ عند سماعها مجردة من القرائن الصارفة عن هذا المعنى ، والرد على ذلك : ( 1 ) إنكاره ـ رحمه الله ـ للتجريد في الألفاظ يخالف نص القرآن الكريم :  { وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } [ الآية 31 من سورة البقرة ] ، ويخالف ما قرره العلماء والباحثون في أصول اللغة قديماً وحديثاً من أن أسماء الذوات وهي الألفاظ الدالة على الأشياء مثل : أرض-سماء-بحر- فرس- إنسان.. إلخ هي بداية تعلم اللغة وحين نطق الإنسان الأول بهذه الأسماء فمن المؤكد أنه نطق بها مجردة قاصدا بها الدلالة على الصورة المتكاملة – سمعية بصرية حسية- كما هي مختزنة في خياله على ما شرحه د. أحمد عكاشة ، ولم يكن في الوقت توصل إلى إطلاق الألفاظ الدالة على الأفعال ثم الحروف ثم الضمائر في فترات لاحقة كما أوضحه د. على عبد الواحد وافي من قبل ، ( 2 ) مدلول كلامه أن اللفظ إذا ذكر بمفرده خال من أية قيود أو إضافات لا ينتج المعنى المقصود منه وبطلان هذا الرأي من البدهيات وها هي معاجم اللغة تذكر الألفاظ ومعناها مجردة من أي قيد أو إضافة وقد ضرب د. المطعني نماذج لذلك من معاجم اللغة وقال في موضع آخر : وكذلك لما نزل قوله تعالى  : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن } [ الآية 45 من سورة المائدة ] ، لم يفهم المسلمون من العين إلا العضو الباصر ولا من الأنف إلا العضو الشامّ ، ولا من الأذن إلا العضو السامع ، ولا من السن إلا الجارحة القاطعة. مع أن هذه الألفاظ لم تضف إلى ما حقها أن تضاف إليه ، ولكنها عرفت تعريفا يؤدي نفس المعنى الذي تؤديه الإضافة. ولم ينصرف ذهن السامع إلى معنى آخر غير ما هو مراد في أصل اللغة. لأن هذه الألفاظ تخلو من القيود المؤذنة بصرفها عن الظاهر" أهـ [ (المجاز) ص 756- 757 ] ، يقول الإمام تاج الدين : وأما من أنكر المجاز في اللغة مطلقا فليس مراده أن العرب لم تنطق بمثل قولك للشجاع أنه (أسد) فإن ذلك مكابرة وعناد ولكن هو دائر بين أمرين : ( أ ) أحدهما أن يدعي أن جميع الألفاظ حقائق ويكتفي في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها وهذا مسلّم ويرجع البحث لفظيا ( أي خلاف لفظياً )فإنه حينئذ يطلق الحقيقة على المستعمل وإن لم يكن أصل الوضع ونحن لا نطلق ذلك ، ( ب ) وإن أراد بذلك استواء الكُلّ في أصل الوضع : فقال القاضي في مختصر التقريب (فهذه مراغمة لحقائق فإنا نفهم أن العرب ما وضعت اسم (الحمار) للبليد ، ولو قيل للبليد : حمار على الحقيقة كالدابة المعهودة وأن تناول الاسم لها متساو في الوضع ، فهذا دنو من جحد الضرورة ) ، وكذلك من زعم أن الجدار له إرادة حقيقة تمسكا بقوله تعالى : { جدارًا يريد أن ينقض } عد ذلك من مستشنع الكلام " أهـ [ انظر الإبهاج في شرح المنهاج 1/298 ، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/385 بألفاظ متقاربة ] ، ( 3 ) إذا قيل لماذا لا يحمل تعدد المعاني على أنه من المشترك اللفظي بدلا من القول بالمجاز؟ وهو أن اللفظ الواحد يستخدم للتعبير عن أكثر من معنى وعند إطلاقه بدون قرينة لا يتبادر إلى الذهن معنى واحد منهم بل الجميع على قدم المساواة أو كما عرفه الإمام الأصولي ابن الجزري هو الموضوع لحقيقتين فأكثر وضعا واحداً ، مثاله : كلمة (قرء) مشتركة بين الطهر والحيض ، وكلمة (جون) مشتركة بين السواد والبياض ، وكلمة (عسعس) مشتركة بين الإقبال والإدبار. قلنا : أولاً : المشترك خلاف الأصل ، لأنه لو كان المشترك هو الأصل لكان اللفظ عند إطلاقه بدون القرينة مجملا لا يعلم المراد منه ولما لم يكن كذلك بل تبادر إلى الذهن أحد هذه المعاني بمفرده فهذا يدل على أن الانفراد هو الأصل ، وأيضاً لو كان الاشتراك هو الأصل لما أمكن الاستدلال بالنصوص على حكم من الأحكام ، ثانياً : أن الاشتراك أقل من الانفراد واستقراء اللغة يدل على ذلك ، والقلة دليل المرجوحية ، ثالثاً : أن الوضع يتبع المصلحة والاشتراك فيه مفسدة بالنسبة للسامع وللمتكلم. للسامع لصعوبة الفهم إلا بالقرائن وللمتكلم لصعوبة التعبير واحتياجه إلى إضافة ما يحدد مقصوده وهذه المفسدة وإن كانت لا تمنع وجود المشترك فلا أقل من أن تقتضي كونه مرجوحا ، رابعاً : أن المجاز كثير جداً في اللغة وذلك ثابت بالاستقراء وعند تردد الأمر بين الاشتراك والمجاز فحمله على المجاز أولى من حمله على الحقيقة المؤدي إلى الاشتراك لأن المجاز أغلب من المشترك بالاستقراء والحمل على الأغلب أولى وكما يقول العلامة الإسنوي ( والكثرة تفيد الظن في محل الشك ) ، خامساً أن اللفظ يحمل على المعنى المجازي عند وجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي وعند عدم هذه القرينة فحمله على المعنى الحقيقي المتبادر للفهم الموضوع له ، بخلاف الاشتراك فإنه بدون القرينة يجب التوقف وإهمال اللفظ ، سادساً في حمل اللفظ على المعنى المجازي إثبات للعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه اللفظ وذلك أقرب إلى مراعاة قصد المتكلم ، سابعاً : في المجاز صور بلاغية رائعة سيتم إهمالها حين الأخذ بالاشتراك ، ويمكن الرجوع في هذه النقطة (المقارنة بين الاشتراك والمجاز) إلى كتاب ( المحكم والمتشابه) للدكتور إبراهيم عبد الرحمن ص 539 فما بعدها وكذا إلى كتب أصول الفقه ، ( 4 ) أن إثبات المجاز في اللغة لم يستند إلى التجرد المحض في الألفاظ يقول الدكتور المطعني : فمن قال بوقوع المجاز في اللغة لم يذهب إلى التجرد المحض في الألفاظ حتى يكون المقيد منها مجازاً والمجرد حقيقة ، وإنما أراد بالتجرد : التجرد من قيود خاصة إذا وجدت وجد المجاز وإذا خلا الكلام منها كان الكلام حقيقة  ، يشير العلامة بذلك إلى القرينة الدالة على المجاز وكذا العلاقة. وهذه القرينة عند علماء البيان مانعة قطعاً من إرادة المعنى الحقيقي ، مثل ( رأيت أسداً يرمى بالنشاب ) فإن الحيوان المعروف لا يرمى بالنشاب ، ومثل : ومن عجب أن الصوارم والقنا تحيض بأيدي القوم وهي ذكور فإن (الحيض) لغة لم يستعمل إلا في الدم السائل من أرحام النساء ، فهذا التعبير استعارة ومجاز والعلاقة إما اللون وإما مطلق السيلان ، وهذه القرائن منها لفظية لها صورا في الكلام ، ومنها حالية معنوية ليس لها صورة في الكلام بل تدرك من الأحوال التي عليها المتكلم ، ومصادر القرينة هي اللغة أو الشرع أو العقل أو العادة والعرف أو الحس والمشاهدة ، وقد توسع العلامة د. المطعني في شرح القرائن الدالة على المجاز وكذا الإضافات وضرب أمثلة قاطعة منها : قـــد رابـــني وهن المنى وانقــابضها وبسط جديد اليأس كفيه في صدري ، يقول د. المطعني :  وقد جعل الشاعر لليأس كفين وجعله ممسكا به يكاد يخنق أنفاسه ويحطم عظام صدره ، وكما نعلم فاليأس ليس له كفان ولا هو جسم من الأجسام ولكنه كما يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني  :  لما أراد له ذلك جعل لليأس كفين واستعارهما له ، فهل يستطيع الإمام ابن تيمية أن يقول أن إضافة الكفين إلى اليأس حقيقة! وهل هي نفس الإضافة في الأثر الذي رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع ، فأخرج كفاً له ضخمة كأنها كف بعير  ، [ حديث (973) الأدب المفرد ] ، فهل إضافة الكف إلى سلمة أو إلى البعير في هذا الخبر كإضافة الكفين إلى اليأس؟! أم أن الشاعر قد صور المعنى الذي يريد نقله في أقصر عبارة بحيث يجذب السامع ويلفت انتباهه؟ يقول أبو هلال العسكري : (وفضل هذه الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنها تفعل في نفس السامع مالا تفعل الحقيقة ) أهـ [ المجاز 269 للدكتور المطعني. ] ، وأنواع المجاز أربعة : 1- العقلي. 2- المرسل. 3- الاستعارة المفردة. 4- الاستعارة التركيبية ، وأركان المجاز أربعة أيضاً :1- المعنى الأصلي (الحقيقي) للفظ ، 2- المعنى الثاني (المجازي) للفظ ، 3- القرينة الدالة على منع إرادة المعنى الأصلي (الحقيقي ) ، 4- العلاقة المعتبرة بين المعنى الأصلي (الحقيقي) والمعنى الثاني (المجازي ) ، ولكن هل المعنى المجازي لأي لفظ يجب أن يكون منقولا عن العرب؟ يقول الإمام عبد الوهاب السبكي  ، فإن قلت إنما يكون من اللغة المجاز الذي تكلمت به العرب. قلت : تقدم أنه لا يشترط النقل في الآحاد وأن استعمال العرب لأصل العلاقة كاف في نسبة المجاز لها " [ كتاب رفع الحاجب 1/411 ] ، وذلك لأن الصور المجازية هي من إبداع خيال الشعراء والبلغاء وغير مقيدة بأن يكون غيرهم قد سبقهم إلى استخدام نفس هذا اللفظ في هذه الصورة وإلا لم يكن هناك إبداع. بل ما نقلته الأمة كلها عن العرب الخلّص هو استخدام اللفظ في هذا الموضع بغير قيود وفي موضع آخر يصنعون قيداً (قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي) في وجود علاقة بين المعنى الحقيقي وبين المعنى الجديد (المجازي ) ، مثال ذلك إذا قال أحدهم : (رأيت أسداً كبيراً) وقال آخر (رأيت أسداً يرمى بالنشاب) فلا يشك السامع أن الأول رأى الحيوان المعروف لعدم وجود صارف عن ذلك وأن الآخر رأى رجلا شجاعاً يرمي بالنشاب ، ويقول العلامة صدر الشريعة الحنفي  : واعلم أنه يعتبر السماع في أنواع العلاقات لا في أفرادها فإن إبداع الاستعارات اللطيفة من فنون البلاغة ، يقول الإمام سعد الدين التفتازاني شارحا ذلك : يعني أن المعتبر في المجاز وجود العلاقة المعلوم اعتبار نوعها في استعمالات العرب ، ولا يشترط اعتبارها بشخصها حتى يلزم في آحاد المجازات أن تنقل بأعيانها عن أهل اللغة ، وذلك لإجماعهم على أن اختراع الاستعارات الغريبة البديعة التي لم تُسمَعْ بأعيانها من أهل اللغة هو من طرق البلاغة وشعبها التي بها ترتفع طبقة الكلام ، فلو لم يصح لما كان كذلك ولهذا لم يدونوا المجازات تدوينهم للحقائق أ.هـ. انظر (شرح التلويح على التوضيح ) [ جـ1 ص 152-153 ] ، [  الشبهة الرابعة للإمام ابن تيمية ] : (قوله ببطلان أدلة جمهور الأمة على إثبات المجاز) وهي : الدليل الأول : قوله تعالى : { جداراً يريد أن ينقض } ، يقول رحمه الله  : فكل لفظ موجود في كتاب الله وسنة رسوله فإنه مقيد بما يبين معناه. فليس في شيء من ذلك مجاز بل حقيقة. ولهذا لما ادّعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازاً وذكروا ما يشهد لهم ، رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه. فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى : }جداراً يريد أن ينقض{ قالوا : والجدار ليس بحيوان ، والإرادة إنما تكون للحيوان فاستعمالها في ميل الجدار مجاز ، فقيل لهم لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد. وهو من مشهور اللغة : يقال (هذا السقف يريد أن يقع) ، و (هذه الأرض تريد أن تحرث) ، و(هذا الزرع يريد أن يسقى)  أهـ [ (الإيمان) ص 102-103.  ] ، والرد على ذلك : نقول : ( 1 ) سبق إبطال كلامه في إنكاره التجريد والإطلاق في الألفاظ ، ( 2 ) قوله (لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي ، وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد) وضربه أمثله لذلك ، ليس فيه دليل على تساوي استعمال اللفظ في الحالتين بل هو دليل على أن العرب قد نطقت بالحقائق وبالمجازات ، يقول الدكتور المطعني : ولو كانت إرادة الحيوانات والجمادات مثل إرادة الإنسان لما أهدر الشرع الأضرار التي تقع على الإنسان من العجماوات ولما قال عليه السلام (جرح العجماوات جبار) يعني لا تبعه عليها فيه ، ولكان القصاص من الحيوانات إذا رفصت إنساناً فمات ولم يقل بهذا أحداً ، وإذا كان جرح العجماوات هدراً وهي أرقى من الجمادات لما ركب فيها من إحساس وإدراك فإن جرح الجمادات أولى بعدم الإكثرات وليس بعد هذا الفرق من كلام أو نزاع " أهـ [ (المجاز ص 800 ) ] ، الدليل الثاني : قوله تعالى : ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } [ الآية 112 من سورة النحل ] ، يقول الإمام ابن تيمية : فإن من الناس من يقول : الذوق حقيقة في الذوق بالفم واللباس بما يلبس في البدن وإنما استعير هذا وهذا وليس كذلك. بل قال الخليل : الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشيء والاستعمال يدل على ذلك أهـ [ (الإيمان ص 104 ) ] ، والرد على ذلك : نقول : وهل يوجد الطعم في غير الفم ؟! يقول د. المطعني فكلمة طعم هذه خاصة بما يؤكل أو يشرب والطعام هو المأكول والطعم أثره في اللسان من حلاوة ومرارة ومزازة … فالخليل إذا لما قال : وجود طعم الشيء اكتفى بذكر (طعم) عن ذكر اللسان فأجمل إجمالا لا يخل بالفهم… نقول : إن عبارة الخليل لا تفيد الإمام ابن تيمية فهى حجة عليه وليست له " أهـ [ (المجاز ص 803- 804 ] ، الدليل الثالث : ذكر الأصوليون وبعض اللغويين من أدلة المجاز : قوله تعالى : { ومكروا مكراً ومكرنا مكراً } [ الآية 50 من سورة النمل ] ، قوله : {فيسخرون منهم ، سخر الله منهم } [  الآية 180 من سورة التوبة ] ، يقول الإمام ابن تيمية : " وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق كانت ظلماً له ، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً " أهـ [ الإيمان ص 107 ] ، والرد على ذلك : أن هذه الأمثلة كما يقول د. المطعني من باب المشاكلة وهي تسمية الشيء باسم غيره لوقوعه في صحبته لفظاً أو تقديراً ، ولا يتوقف تحقيقها على المجاز ، وإن وقع فيها مجاز فذلك ليس من شرطها ، وهنا نصوص أخرى من المشاكلة لا يستطيع نفي المجاز فيها ، من هذه النصوص ما يتعلق بالله سبحانه مثل : {وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } [ الآية 34 ، من سورة الجاثية ] ، { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم } [ الآية 14 من سورة السجدة ] ، { نسوا الله فنسيهم } [ الآية 67 ، من سورة التوبة ] ، ونحن لا نناقش هل الكفار يستحقون ذلك أم لا ، أو أن نسيان الله سبحانه وتعالى لهم عدل أم لا؟ لكننا نسأل هل يجوز إسناد النسيان إلى الله سبحانه وتعالى على وجه الحقيقة التي يعلمها الناطقون باللغة العربية وهي صفة نقص في المسندة إليه أم أن ذلك تعبير عن حرمانهم من فضله وإحسانه في ذلك اليوم فهو بذلك مجاز؟ وهناك نصوص أخرى من المشاكلة فيها المجاز جاءت في غير الله سبحانه فمنها قوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [ الآية 194 من سورة البقرة ] ، { وجزاء سيئة سيئة مثلها } [ الآية 40 من سورة الشورى ] ، { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن  ، قل أذن خير لكم } [ الآية 61 من سورة المائدة ] ، وقد شرح د. المطعني وجه المجاز في كل آية ، الدليل الرابع : وهو أشهر الأدلة التي يستدل بها جمهور الأمة وأعلامها يقول إمامنا الشافعي في (الرسالة) تحت عنوان : (الصنف الذي يبين سياقه معناه) : قال الله تبارك وتعالى : { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ، كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون } [ الآية 163 من سورة الأعراف ] ، فابتدأ جل ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر فلما قال : { إذ يعدون في السبت } ، دل على أنه إنما أراد أهل القرية لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره ، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون ، ثم قال : وقال تعالى : { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين. فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون } [ (الآيتان 11 ،12 من سورة الأنبياء) ] وهذه الآية مثل الآية قبلها فذكر قصم القرية فلما ذكر أنها ظالمة بان للسامع أن الظالم إنما هم أهلها دون منازلها التي لا تظلم. ولما ذكر القوم المنشئين بعدها وذكر إحساسهم البأس عند القصم أحاط العلم أنه إنما أحس البأس من يعرف البأس من الآدميين [ الرسالة ص 62-63 ] ، ومعلوم أن الإمام الشافعي حجة في اللغة  ، يقول العلامة د. المطعني :  وأكاد أجزم أنه أراد بالسياق ما فيه من قرينة دالة على التجوز وهي كما قال : إن القرية باعتبارها مكانا لا تكون فاسقة ولا عادية ولا تكون ظالمة ولا تحس ألم البأس وغير خاف أن الإمام الشافعي يحمل المطلق (القرية باعتبار المكان) على المقيد (القرية بمعنى من فيها من الأهل) وهذا غير ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية من إبقاء القرية على ظاهرها حين يتحدث عنها وقد بالغ في هذا حيث قال : (ونظير ذلك لفظ الإنسان يتناول الجسد والروح ثم الأحكام تتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمها ، فكذلك القرية إذا عذب أهلها خربت وإذا خربت كان عذابا لأهلها فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر كما ينال الجسد والروح ما يصيب أحدهما) فهل يا ترى يذهب الإمام ابن تيمية إلى القول بأن الخراب الواقع على القرية هو عقاب لها من حيث أنها قرية ومنازل ؟ أهـ [ المجاز ص 816- 817 ] ، قلت كان الأولى بابن تيمية في هذا النص أن يقول : فكذلك القرية إذا عذب أهلها عذبت وإذا خربت خرب جسد كل فرد من أهلها! وقد سبق له في كتاب الإيمان أن قال : فقيل لهم : لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال وكلاهما داخل في الاسم ثم قد يعود الحكم على الحالّ وهو السكان وتارة على المحل وهو المكان وكذلك في النهر يقال حفرت النهر وهو المحل وجرى النهر وهو الماء ووضعت الميزاب وهو المحل وجرى الميزاب وهو الماء " أهـ [ الإيمان 108 ] ، كل هذا كما قيل في الدليل الأول يثبت أن العرب كما قلنا نطقت بالحقيقة وبالمجاز واستعملت هذا وذاك من أساليبها وها هو يثبت في كلامه اعتبار العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي المنقول إليه عندما شبه القرية وسكانها بجسد الإنسان وروحه وهو يعترف بالقرائن الدالة على إرادة المعنى المجازي والصارفة عن المعنى الحقيقي فماذا لايقر بالمجاز لفظا ومعنى كباقي الأمة ؟ وانظر إلى كلام الإمام الشافعي يشير بلفظ (السياق) إلى القرينة اللفظية الموجودة في الكلام ثم ذكر النوع الآخر للقرينة وهي القرينة الحالية المعنوية فيقول تحت عنوان ( الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره) :  قال الله تبارك وتعالى وهو يحكي قول أخوة يوسف لأبيهم : { ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون} [ الآيتان 81 ، 82 من سورة يوسف ] ، فهذه الآية في مثل معنى الآية التي قبلها لا تختلف عند أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون أباهم بمساءلة أهل القرية وأهل العير ، لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم" [ الرسالة ص 64 ] ، والقرينة الحالية المعنوية هنا كما يقول الإمام (لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم) فهو رحمه الله يؤول لفظ القرية بأهلها ولفظ العير بأهلها أيضاً ولا يبقي اللفظ على ظاهره كما يفعل الإمام ابن تيمية ، ونحن نسأل لو قال قائل (ذهبت إلى قرية كذا) أو (ذهبت إلى العير) بدون أية قرينة أو إضافة أليس المتبادر إلى ذهن السامع أنه ذهب إلى القرية التي هي مكان وأبنية وأن الآخر ذهب إلى العير التي هي الجمال (الحيوانات) المعروفة؟ فكلام الإمام الشافعي والأمة كلها معه – يبين أن هذا هو المفهوم من اللفظ حيث إنه لا توجد قرينة تنفي هذا المفهوم ، أما على طريقة تقرير ابن تيمية فيجوز أنه ذهب إلى القرية التي هي مكان وأبنية ويجوز أنه ذهب إلى أهلها حتى وإن كانوا خارجها ! ، ومن ذهب إلى العير يجوز أنه ذهب إلى الحيوانات المعروفة ويجوز أنه ذهب إلى أصحابها في منازلهم بعيداً عن الحيوانات! وهل الإمام الشافعي القرشي الذي هو بإجماع أهل العلم حجة في اللغة العربية ، والمولود سنة مائة وخمسين من الهجرة وأدرك أتباع التابعين كالإمام مالك رضي الله عنه فبينه وبين الصحابة جيلين فقط ونشأ في مكة المكرمة وسط قريش أفصح العرب وتعلم لغة العرب من مصادرها النقية ، أقول هل هذا الإمام الفذ لا يعرف أساليب العرب في التعبير ولا يدرك ما اكتشفه الإمام ابن تيمة في القرن الثامن من أن الألفاظ السابقة ونظائرها حقائق على ظاهرها في جميع الاستعمالات؟ وكذا أبو عبيدة معمر بن المثني ومن قبله أبو زيد القرشي وأبو عمر بن العلاء وأبو حنيفة الذي عاصر أربعة من الصحابة وصاحباه وغيرهم مما يكاد أن يكون إجماعا من الأمة في ذلك العصر ، بل هو كذلك بالفعل فلم يكن الشافعي معبراً عن رأيه هو بل عن فكر الأمة كلها فهل كل هؤلاء أخطأوا ونقلوا لنا العربية بصورة غير صحيحة ؟! هل كان الإمام ابن تيمية يعتقد صحة كلامه في بطلان المجاز ؟  يلاحظ أن ابن تيمية مر بثلاث فترات كان له فيها موقف مختلف في موضوع المجاز ،  ( الفترة الأولى ) : في نشأة حياته العلمية : وألف فيها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) الذي أطراه وأثنى عليه كمال الدين بن الزملكاني ، واستخدم المجاز في الدفاع عن أئمة المذاهب في موضعين أشار إليهما د. المطعني ، ويبدو أنه ألف فيها أيضاً رسالة (الحقيقة والمجاز في صفات الله) ردا على سؤال لشيخ سماه (شمس الدين) ونشرها محمد عبد الرازق حمزة ، عقب الفتوى الحموية مباشرة وفيها يقر بالمجاز بدون تحفظ ، ( الفترة الثانية ) : وهي التي ألف فيها الفتوى الحموية وبدأ يتحفظ فيها في الكلام على المجاز وإن كان ظاهر كلامه الإقرار به في اللغة ومنع تطبيقه في مسائل صفات الله لما رأى تصادم آرائه في العقيدة مع إباحته للمجاز وفي خلال هذه الفترة تصاعدت خلافاته مع علماء عصره  ، ( الفترة الثالثة ) : إنكاره للمجاز مطلقاً في اللغة والقرآن والسنة وعلى نفس طريقته سار تلميذه ابن قيم الجوزية بعد وفاة ابن تيمية إذا ناقش موضوعات الصفات والنصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه تراه يسرع في إنكار المجاز وإبطاله بكل ما أوتي من قوة حتى يؤكد اسلوب تقرير العقيدة اللذي قرره الإمام ابن تيمية فإذا ناقش أفكاراً أخرى تحتاج جزماً إلى التأويل فيجنح إلى المجاز ، أورد الدكتور المطعني في كتابه تحت عنوان : (التأويل المجازي في أعمال ابن تيمية) حوالي سبعة عشر مثالا تغطى كل أنواع المجاز ومنها خمسة نماذج في صفات الله عز وجل منها تأويل (الرؤية والسمع) انظر ص 834 ، ثم ذكر ورود المجاز صريحاً في أعمال ابن تيمية فأورد عشرة أمثلة ذكر فيها المجاز نصا واعترف به ، فلا وجه لمتابعة الإمام ابن تيمية في هذا الخطأ فإنه تقليد خاطئ وتعصب مذموم لا يرضاه الإمام رحمه الله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه  ] انتهى من مقال للشيخ عبد الله الغالبي في ملتقى اهل الحديث   ،

[  8  ] : ما هي بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز ؟ : قال الشيخ عبد الواحد مصطفى عند تحقيقه لكتاب دفع شبه من شبه وتمرد ، ونسب ذلك إلى السيد الجليل الامام احمد ، تصنيف الإمام تقي الدين أبي بكر الحصني - عند مبحث : نفي ابن تيمية للمجاز - : قال تقي الدين الحصني : (ونفى المجاز في القرآن ، ، وهو من الجهل أيضاً فإن القرآن معجز ومحشو بالمجازات والاستعارات حتى إن أول حرف فيه ، فيه أنواع هذا المجاز ) ،  قال المحقق الشيخ عبد الواحد مصطفى : " بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز : ( أولاً ) مناصرته لعقيدة التجسيم تعالى الله عما يقول : فهو بإنكاره المجاز يريد أن يقول : إنه لا يقصد التجسيم ولا يريده ولكن ما حيلته والنصوص تفيد ذلك ؟ ثم يخرج من ذلك إلى أن جمهور الأمة المنزهين لله سبحانه ملاحدة أتباع ابن سينا وأرسطو ولا يؤمنون بالقرآن ولا بالسنة ! ( ثانياً ) : زعمه قيام الحوادث بالذات الإلهية المقدسة تعالى الله عما يقول ، وهذا كسابقه فهو ينكر المجاز المفضي إلى صحة التأويل الذي ينزه الله عن النقص ، ( ثالثاً ) : زعمه القدم النوعي للعالم : فبإنكاره المجاز يصوِّر جمهور الأمة المنكرين لعقيدة قدم العالم بأنهم ينكرون أن الله خالقٌ ! وقد سبق تفصيل ذلك ، ( رابعاً ) : تفرقته بين حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ووفاته في صحة التوسل به : كما سبق في (قدم العالم) فإن اشتقاق الأسماء من الصفات التي ستوجد في المستقبل أو تحققت في الماضي – كوصفه صلى الله عليه وسلم بـ (الرسول) – يكون على صورة المجاز ، فابن تيمية بنفيه المجاز ينفي رسالته صلى الله عليه وسلم بعد الوفاة وما يترتب على رسالته من جاهه ومكانته صلى الله عليه وسلم عند ربه بينما يثبت ابن تيمة ذلك له صلى الله عليه وسلم في حياته كما سيأتي في كلام المصنف ، ( خامساً ) : إنكاره عصمة الأنبياء : ينكر ابن تيمية عصمة الأنبياء سواء قبل النبوة أو بعدها من الخطأ أو الذنوب والمعاصي بما فيها الكفر والشرك بل فقط يعترف بأنهم يسارعون في التوبة ولا يستمرون في الذنب حتى العصمة في إبلاغ الرسالة تحفظ عليها وجعلها مشروطة بجواز وقوع الخطأ في إبلاغ الوحي عن الله مع عدم الاستقرار في ذلك الخطأ، وضرب مثــالا لذلك حـديث الغرانيق-  الذي طعن فيه محققوا العلماء- زاعما أنه منقول نقلا ثابتاً لا يمكن القدح فيه ، لذا عارض ابن تيمية بشدة واستنكار وحدّة كل تأويل للنصوص التي يفيد ظاهرها وقوع الذنب أو الخطيئة من الأنبياء عليهم السلام قال ابن تيمية :  " .. والرادُّون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد وهي من جنس تأويلات القرامطة والباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه .. "  إلخ  انظر مجموع الفتاوى 2/284 وانظر الباب الثالث من كتاب (ابن تيمية ليس سلفيا) ، ومن هنا كان نفيه الجازم لمسألة وقوع المجاز في اللغة أو في القرآن أو السنة وصولا إلى نفي تأويل هذه النصوص وإدانة الأنبياء عليهم السلام الذين هم صفوة الخلق ووسيلتنا إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، [ هل كان ابن تيمية يعتقد صحة كلامه في بطلان المجاز  ؟ ] : يلاحظ أن ابن تيمية مر بثلاث فترات كان له فيها موقف مختلف في موضوع المجاز ، الفترة الأولى : في نشأة حياته العلمية : وألف فيها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) الذي أطراه وأثنى عليه كمال الدين بن الزملكاني، واستخدم المجاز في الدفاع عن أئمة المذاهب في موضعين أشار إليهما د. المطعني، ويبدو أنه ألف فيها أيضاً رسالة (الحقيقة والمجاز في صفات الله) ردا على سؤال لشيخ سماه (شمس الدين) ونشرها محمد عبد الرازق حمزة، عقب الفتوى الحموية مباشرة وفيها يقر بالمجاز بدون تحفظ ، الفترة الثانية : وهي التي بدأ فيها مشاغباته في موضوعات العقيدة، وألف فيها الفتوى الحموية وبدأ يتحفظ فيها في الكلام على المجاز وإن كان ظاهر كلامه الإقرار به في اللغة ومنع تطبيقه في مسائل صفات الله لما رأى تصادم آرائه في العقيدة مع إباحته للمجاز وفي خلال هذه الفترة تصاعدت خلافاته مع علماء عصره وجدرت المناظرات التي كان أولها بسبب الفتوى الحموية وأفحمه العلماء في كل مرة ، الفترة الثالثة : وهنا فزع إلى إظهار إنكاره للمجاز وتلفيق الأسباب لهذا الإنكار حتى لو كان إنكار الضرورات العقلية التي لا يجحدها عاقل لو اتهم بالجنون، ولكي ينقل خلافه مع العلماء المناظرين له من مجال النصوص الشرعية التي تضعه في موقف، إما الاعتراف بالخطأ أو الاعتراف بكفره – إلى مجال الخلافات اللغوية وهو في نفسه يعلم أن المجاز حق بلا ريب ويظهر ذلك من سقطات كلامه حتى أثناء هجومه على المجاز في كتاب (الإيمان) و (الفتاوى) مما يؤكد أن إنكاره للمجاز واعـترافه به بل واستعماله- في تفســير النصـوص وتأويلها- بالمعنى وباللفـظ الصريح قد ترافقا في نفس الفترة الزمنية، وعلى نفس طريقته سار تلميذه ابن قيم الجوزية بعد وفاة ابن تيمية إذا ناقش موضوعات الصفات والنصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه تراه يسرع في إنكار المجاز وإبطاله بكل ما أوتي من قوة حتى يؤكد فكرة التشبيه والتجسيم فإذا ناقش أفكاراً أخرى تحتاج جزماً إلى التأويل فيجنح إلى المجاز فهما قد جحدا بالمجاز، واستيقنت صحته نفساهما ، وهذا ينفي أي احتمال لسوء الفهم في العقائد التي خالفا فيها جمهور الأمة أو إن شئت قلت إجماع الأمة بل هي مخالفة مع سبق الإصرار والترصد، وليس إنكار المجاز إلا ستاراً للدفاع عن عقائدهم الباطلة ، أورد الدكتور المطعني في كتابه تحت عنوان : (التأويل المجازي في أعمال ابن تيمية) حوالي سبعة عشر مثالا تغطى كل أنواع المجاز ومنها خمسة نماذج في صفات الله عز وجل منها تأويل (الرؤية والسمع) انظر ص 834 ، ثم ذكر ورود المجاز صريحاً في أعمال ابن تيمية فأورد عشرة أمثلة ذكر فيها المجاز نصا واعترف به ، إذا كان كذلك فمن هو سلف ابن تيمية في إنكار المجاز ؟  لا يقال إن سلفه في ذلك هو داود الظاهري أو غيره من علماء الأمة الذين لم يقصدوا سوى تحرير المسائل اللغوية أو الشرعية ولم يعتنقوا عقائد وأراء رتبت سلفا وأحضر لها إنكار المجاز كغطاء فقط بل من سبق إلى هذا السلوك المشين هم اليهود فهم الذين فسروا نصوص التوراة من قبل تحريفها على ظواهرها جنوحا إلى نسبة النقائص إلى الذات الإلهية المقدسة، بل وحاولوا ذلك في آيات القرآن الكريم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، لما نزلت الآية الكريمة  { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون } } الآية 255 من سورة البقرة { ذهب سيدنا أبو بكر إلى فنحاص وهو من كبار أحبار اليهود فدعاه للإيمان وقال  " اتق الله وآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا "  فقال فنحاص  " يا أبا بكر تزعم أن ربنا فقير يستقرضنا أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغنيّ إن كان ما تقول حقا فإن الله إذا فقير "  فأنزل الله تعالى { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ، سكنتب ما قالوا .. } إلى آخر الآية 181 من سورة آل عمران، روى ابن جرير الطبري هذا الخبر من طرق عند تفسيره للآية 181 من سورة آل عمران وكذا غيره فهو ثابت بمجموع طرقه ، فهذا اليهودي الذي ولد وعاش بين قبائل العرب لا يجهل أساليبهم في التعبير لكنه تمسك بظواهر النصوص مدعيا الجهل باللغة حتى يبيح لنفسه الخطأ في الذات الإلهية متهما القرآن وأهله بذلك كيف وقد استدل ابن تيمية نفسه- في الفتوى الحموية – على فكرة التشبيه والتجسيم باعتناق طائفتين لهذه العقيدة زاعما أن القرآن لم يعارضهما في ذلك بل عارض الأولى (مشركي العرب) في إنكارهم المعاد فقط وعارض الثانية (اليهود) في تحريفهم للتوراة وليس فيما عابه عليهم -حسب زعمه- التجسيم والتشبيه وبذلك يكون التجسيم والتشبيه هما عقيدة الرسول وهو ما أتى به القرآن ، ثم ختم عبارته بلفتة خطيرة صرح بها نصاً وهو أن ما يتفق القرآن والتوراة على ذكره وإقراره أصح وأشد ثبوتا وتأكيداً مما انفرد به القرآن وحده ! [ الفتوى الحموية ص 38 ، 39 ] ، وهذا تصريح واضح بأن ما أتى به القرآن عنده لا يصل إلى درجة الثبوت القطعي اليقيني الكامل وإلا لما زاد ثبوته بانضمام التوراة أو غيرها له! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم  ويتضح بذلك أن إنكار المجاز كما قلنا لم يكن إلا ستاراً يخفي وراءه عقائده التي ساير فيها أساتذته من اليهود كما سايرهم في أسلوب المغالطة والسلوكيات وسبق الإشارة إلى ذلك ، انتهى ،

*****

 

 

 

مجازات الوجه واليد والعين في القرآن الكريم

 يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ،  والإشكالية أن هذه الألفاظ تعني أجزاء من ذات وهذا استعمالها في اللغة أنها اجزاء من ذات وليست صفات ، فالعلم والقدرة والسمع والبصر صفات ومعاني ، أما الوجه واليد والعين فهي في حقيقة اللغة أجزاء من ذات والله تعالى هو الاحد الصمد المتصف بالأحدية  المطلقة ، وأخص خصائص الاحدية عدم قبول الكثرة والاجزاء والابعاض ، ولهذا صارت ألفاظ الوجه واليد والعين من المتشابهات لابد من فهم مجازاتها في اللغة العربية ، وفي القرآن الكريم ، لأنه أُنزل بلسان عربي مبين ،  وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ،

[ مجاز الوجه في القرآن الكريم ] : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ،  وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم ، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،  

[ مجاز اليد في القرآن الكريم ] : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها  ،  وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ،  على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،   

[ مجاز العين في القرآن الكريم ] : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد

 

حل إشكاليات المتشابهات من الكتاب والسنة و التي يتمسك بها اهل الحشو والتجسيم

( 1 ) حل اشكالية الصورة وتحقيق القول في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل  ،  ( 2 ) حل اشكالية المكان وتحقيق القول في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار  ،  ( 3 ) حل اشكالية النزول وتحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون  ،  (  4 ) حل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم والجارحة والأعضاء كالوجه واليد والعين ،  (  5  ) حل اشكالية الفوقية والاستواء والجهة والمكان  ،  (  6  ) حل اشكالية الحدوث وحلول الحوادث والمجيء والحركة والنزول

***

( 1 )  حل إشكالية الصورة  ،  وتحقيق القول في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته ))  ،  والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل

( أ ) روايات الحديث : الرواية الأولى للحديث : رواية صحيحة ، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن ))  [ أخرجه البخاري (6227)، ومسلم  ( 2841 ) ] ، والرواية الثانية للحديث : رواية صحيحة ، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) [ أخرجه مسلم (2612) ] ، والرواية الثالثة للحديث : رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال : أخرج عبدالله بن أحمد في السنة،(1 :  268) رقم( 498 ) , وابن أبي عاصم في السنة ( 417 ) , وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد وإثبات صفات الرب جل وعلا ( 1  :  85 ) , وأخرجه الآجري في كتاب الشريعة ( 2 :  107 ) و الدارقطني في الصفات(1 :  37)، رقم ( 45 , 48 ) , و البيهقي في الأسماء والصفات، (2 :  64)، رقم ( 640 ) كلهم من طريق جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت , عن عطاء , عن ابن عمر بلفظ : ((  لا تقبحوا الوجه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )) ، قلت : هذا الحديث لا يصح ولذلك ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ، وأعله بأربعة علل ، منها ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة في كتابه التوحيد ( 1 : 86 ) - وهو ممن تأول الحديث -  الأولى : أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده , فأرسله الثوري ولم يقل عن ابن عمر ، والثانية : أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت  ، والثالثة : أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء ، والرابعة ذكرها  الألباني ،  وهي : جرير بن عبدالحميد فإنه وإن كان ثقة , فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أنّه قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ ، ومما يؤيد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم ( 530 ) -  وكذا اللالكائي برقم ( 716 ) – بلفظ ((  على صورته )) ، ولم يذكر (( على صورة الرحمن )) ، ولفظ ((  على صورته )) هو الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة [ أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ] ، قلت : ومنه يتبين أنّ الحديث بلفظ (( على صورة الرحمن )) لا يصح البتة ، وأنّه مما رواه بعض الرواة بالمعنى لا باللفظ الصحيح ، ولا يبقى لنا إلا الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه بلفظه الصحيح ((  على صورته )) ومنه يتبين أنّ ما فعله حمود التويجري من المجازفة والخطأ من تصحيح الحديث في كتابه الذي سماه باسم الحديث " عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن " ، وقد حاول أن يجيب عن علل الحديث ، وفي جميع أجوبته نظر ، ثم ما الطائل وراء ذلك ؟ ، أهو ارغام المسلمين على اعتقاد التجسيم ثم ارداف اتلك العقيدة بقول ليس كمثله شيء ، وقد زعم أن الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قد صححا حديث ابن عمر رضي الله عنه الذي جاء فيه : (( إن الله خلق آدم على صورة الرحمن  ))  قائلاً : فلا ينبغي أن يلتفت إلى تضعيف ابن خزيمة له فصلاً عن تضعيف الألباني له تقليداً لابن خزيمة , وذلك لأن أحمد وإسحاق أعلم بالأسانيد والعلل ممن أقدم على تضعيف الحديث بغير مستند صحيح ) [ عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن  صـ 37 ] فإن تصحيح الإمام أحمد ليس لهذا الحديث ، وإنما لحديث ((  على صورته )) الذي أخرجه البخاري ومسلم ، ثم هب أنّ اسحاق أو غيره توهم صحته ، فماذا نفعل بتلك العلل التي يستحيل معها تصحيح الحديث ، ( قلت ) : هذا الحديث برواياته الثلاث هو أقوى ما استدل به المجسمة على التجسيم ، ولهذا سأتوسع في بيان مخارجه الصحيحة وبيان معانيه ، فإن سلم من شبهات المجسمة فما بعده أيسر ، ولما كان للحديث روايات ثلاث فلكل رواية مخرج صحيح ومعنى محكم لابد وأن يرد إليه المتشابه ،

( ب ) مفاتيح الفهم الصحيح للحديث : ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، ( المفتاح اثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول ابن حجر وقول ابن خزيمة كما سيأتي ، ( المفتاح الثالث ) : لفظ ((  لا تقبحوا الوجه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )) مع ضعفه البين ، فإن له - إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه - مخرجاً صحيحا يُحمل عليه ، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ الحجر : 28 ، 29 ] ، وقوله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من روحه المخلوقة ، فليست الصورة صورة الرحمن ، ولا الروح روح الرب الديان ، فقوله صلى الله عليه وسلم : ((خلق آدم على صورته)) يعني :  صورة من الصور التي خلقها الله وصورها ،  كما قال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ } [الأعراف:  11 ]   فآدم عل صورة الله ، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات ، كما قال تعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين : 4 ] ، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج الصحيح هو قول ابن خزيمة كذلك كما سيأتي ، ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح (  2665 ) ] ، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، لأنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك  رد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام ، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال ، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء  ، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، ولأنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، ومن الآيات المحكمة التي هي أم الكتاب وأصله ، والتي يُرد إليها المتشابه قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فإذا كانت المخلوقات جميعا لها صور وأشكال وهي علامة خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عنها لأنّه ليس كمثله شيء ، قوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل : 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الصور والأشكال، وقوله تعالى: { فلا تضربوا للهِ الأمثال}  [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الشكل والصورة والجارحة ، وقوله تعالى: { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الصور والأشكال ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه فلا يشبه ابن آدم ، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق ،

( ت ) حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله : (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله : (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث ، فهم لا يعرفون صورة مسبقة ، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط ، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة ، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها ، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال : فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له ، 

(  ث  ) من أقوال العلماء على تنزيه الله تعالى عن الصورة أكثر من أن تحصر منها على سبيل المثال : جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله :" نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل .. ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه ..ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع (( أهـ [ العقيدة ج 1  : ص 110 ]  ، وجاء فيه أيضا :  " لا يجوز أن يسمى جسما  وأنكر ( أي الإمام أحمد ) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل  " أهـ [ العقيدة ج 1  : ص 111 ] ، وقال شيخ المحدثين الحافظ البيهقي :  "قال أبو سليمان الخطابي :وأما ذكر الصورة في هذه القصة ؛فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، فإن الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية " أهـ [ الأسماء والصفات :297 ] ، وقال رحمه الله :  " وأما السمعي فهو ما كان طريق إثباته الكتاب والسنة فقط كالوجه واليدين والعين وهذه أيضا صفات قائمة بذاته لا يقال فيها إنها هي المسمى ولا غير المسمى ولا يجوز تكييفها فالوجه له صفة وليست بصورة واليدان له صفتان وليستا الجارحتين والعين له صفة وليست بحدقة وطريق إثباتها له صفات ذات ورود خبر الصادق به " أهـ [الاعتقاد ج1 ص 71ـ72] ، وجاء في كتاب الفقه الأكبر المنسوب للإمام الشافعي[ صـ10] "فصل : واعلموا أن الصور والتركيب تستحيل على الله تعالى للمعنى الذي ذكرنا في الجسم , ولأن ذا الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص هو فاعله , وخالقه , ومن يكون له صورة أيضا مخلوق لا إشكال فيه , ولأن الصورة لا تشبه المصور , والله تعالى خالق الصور (ليس كمثله شيء ) وقال الله تعالى : { هو الله الخالق البارئ المصور } " أهـ [الفقه الأكبر المنسوب للإمام الشافعي صـ10] ، وقال الإمام الحافظ أبى بكر بن فورك  " فصل :  واعلم أن بعض أصحابنا المتكلمين في تأويل هذا الخبر حاد على وجه الصواب ، وسلك طريق الخطأ والمحال فيه ، وهو ابن قتيبه توهما أنه مستمسك بظاهره غير تارك له ، فقال : ( إن لله عز وجل صوره لا كالصور كما أنه شئ لا كالأشياء ) فأثبت لله تعالى صوره قديمه قديمه ، زعم أنها لا كالصور ، وأن الله خلق آدم على تلك الصوره ، وهذا جهل من قائله 0 وتوغل في تشبيه الله تعالى بخلقه "  أهـ [مشكل الحديث وبيانه ص 67 إلى 69] ، وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم : " قال المازري هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ورواه بعضهم ان الله خلق آدم على صورة الرحمن وليس بثابت عند اهل الحديث وكأن من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له وغلط في ذلك قال المازري وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره وقال لله تعالى صورة لا كالصور وهذا الذي قاله ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا .. قال له ايضا إن أردت بقولك صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقة وليست اللفظة على ظاهرها " أهـ [شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 166] ، وجاء في إكمال المعلم : " قال القاضي عياض : هذا حديث ثابت عند أهل النقل ، وقد رواه بعضهم أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ولا يليق هذا عند أهل النقل واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره ، وقال : فإن الله سبحانه له صور لا كالصور وأجرى الحديث على ظاهره ، والذي قاله لا يخفي فساده لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب وما ليس بمركب فليس بمصور وهذا من جنس قول المبتدعة أن الله الباري جل وعز جسم لا كالأجسام "  أهـ [إكمال المعلم ج8 من ص90:87] ، وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات : "  وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح .. وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم ومنهم من قال إنه على قدر مسافة العرش لا يفضل من أحدهما عن الأخر شيء   تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى : (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) [النساء  : 171 ] "  أهـ [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 135] ، وجاء في مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة) : " وفي رواية أبي هريرة فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه ( فإذا جاء ربنا ) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها ) أهـ [مرقاة المفاتيح(باب الحوض والشفاعة)] ، وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل :  ومن قال بأن لله تعالى صورة وخلق آدم عليها فمردود عليه لما فيه من التجسيم     وكذلك من قال صورة لا كالصور "  أهـ [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 155] ، وقال رحمه الله : " الحديث الثاني حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا ) الحديث :  اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة )  أهـ  [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 159] ،

***

( 2 )  حل إشكالية المكان  ،  وتحقيق القول في حديث : ((  أين الله ))  والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار

( 1 ) حديث الجارية له روايات عديدة مضطربة ، فيها من الاختلاف الكثير ، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان ، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) بقولها ( نعم ) و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) بقولها ( في السماء ) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا ، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا لعل ذلك بسبب تصرف الرواة في بعض ألفاظه وهم يروونه بالمعني أو بما فهموه من الواقعة ، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم : الامام الحافظ البيهقي : قال في كتابه الأسماء والصفات " وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية ؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه ، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث " [ الأسماء والصفات للبيهقي ص ( 422 ) و انظر السنن الكبرى للبيهقي  7  :  388 ) ] والامام الحافظ البزار : قال " وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة " أهــ [ كشف الاستار 1  :  14] والحافظ ابن حجر العسقلاني : قال " وفي اللفظ مخالفة كثيرة " اه‍ [ التلخيص الحبير  3  :  223 ] ، والعجب ممن ترك الألفاظ المحكمة التي تسأل عن الشهادتين أو عن الله تعالى لإثبات الإيمان ثم ذهب إلى لفظة متشابهة قد تكون رويت بالمعنى ليبتغي بها الفتنة في دين الله من أجل اثبات المكان المخلوق المحدود لله الكبير المتعال المنزه عن الحد والمقدار والمنزه عن المكان والزمان وقد حذرنا الله من أولئك في كتابه الكريم بقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ  ) [ آل عمران : 8 ] وحذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح (  2665 ) ] ، وخلاصة الأمر :أن الحديث جاء صحيحا بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ، وجاء بلفظ ( من ربك ) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ، وجاء بلفظ ( أين الله ) وقد تكفل علماء أهل السنة شرح تلك الرواية أيضا بما يوافق قواعد التنزيه العامة وأصول الشريعة الغراء ، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

(  2  ) الروايات المختلفة للحديث والتي تدل على اضطراب الحديث : للحديث عدة روايات عكفت - بحمد الله تعالى - على جمعها من كتب الحديث ، وجمع أقوال علماء الحديث حولها وفق قواعد علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل ، ورأيت أنها تؤول إلى ثلاث روايات لواقعة واحدة اختلف الرواة في ألفاظها ،

(  3  ) الرواية الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) ، أخرج الإمام مالك عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود : أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت نعم ، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ قالت نعم ، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها ))  [ أخرجه الإمام في الموطأ [ 2 : 777(1469) ] وأخرجه الإمام أحمد في مسنده [مسند أحمد 3 : 451 ] وهو في مصنف عبد الرزاق [ 9 : 175 ] والمنتقى لابن الجارود [1 : 234(931) ] والتوحيد لابن خزيمة [ 122] وسنن البيهقي الكبرى [ 7 : 388(15046) ] وقال الذهبي في العلو [ 15] هذا حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة في التوحيد وقال ابن كثير في تفسيره[ 1 : 535 ] " وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره " أهــ   وصححه أيضاً ابن عبـد الـبر في التمهيد [ 9 : 114]]

(  4  ) الرواية الثانية بلفظ ( من ربك  ) ، أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال : (( من ربك ؟ قالت الله ، قال: من أنا ؟ قالت : رسول الله ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة )) [ أخرجه ابن حبان في صحيحه : 1 : 418(189) ، والإمام أحمد في مسنده : 4 : 222 و388 و389 ، وأبو داود في سننه : ص 477 (3283) ،  وصححه الألباني في صحيح أبي داود : 2\322 (  3283 ) ، والنسـائي في السنن الصغرى : 6 : 252 ،   وفي السنن الكبرى :  4 : 110 ، والدارمي في سننه : 2 : 244(2348) ، وابن خزيمة في كتابه التوحيد صـ 122 ، والطبراني في المعجم الكبير : 7 : 320(7257) ،  والبيهقي في سننه الكبرى:  7 : 388(15049)  ]

(  5  ) الرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرج الإمام مسلم بسنده عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال : (( بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال ومنا رجال يتطيرون قال ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم قال فلا يصدنكم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك ، قال : وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : 1 : 381 (537) (باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته ) ، والإمام أحمد في مسنده : 5\447( 23813) و5 : 448(23816) ، وأبو داود في سننه : 1 : 244(930) (931) ، والنسائي في السنن الكبرى : 1 : 362(1141) ، والبيهقي في السنن الكبرى : 7 : 387(15043) ، وفي الأسماء والصفات صـ  422 ، والتوحيد لابن خزيمة صـ 81 ، وصحيح ابن حبان : 1 : 383(165) ، والمعجم الكبير للطبراني : 19 : 398 (937) ]

(  6  ) روايات أخرى للحديث ، منها رواية تدل على أنها كانت خرساء وفيها : (( فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً )) ، وهذه الرواية أوردها الذهبي في كتابه (العلو) ص3 وذكر سندها الحافظ المزي في ( تحفة الأشراف) : 8 : 427 ، من طريق سعيد بن زيد عن توية العنبري عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية نفسه قال كانت لي جارية ترعى .. الحديث ، وفيه : (( فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء ؟ قالت الله. قال فمن أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مسلمة )) ، وفي هذه الرواية أشار النبي صلى الله عليه وسلم فقط .... [ وانظر العلو للعلي الغفار ص 120 ، وتحفة الأشراف :10\216 (11378) ] ، وإسناد هذه الرواية يرقى إلى مرتبة الحديث الحسن ، لأنّ سعيد بن زيد ثقة من رجال مسلم وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب وقال عنه البخاري والدرامي : صدوق حافظ، وإن كان يحيى بن سعيد وآخرون قد ضعفوه لذا ، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ، وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الظهار باب إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان ، وصلت من طريق عوف بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة : (( أن رجلا أتى النبي بجارية سوداء فقال : يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها : أين الله ? فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها : فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء تعنى أنت رسول الله. فقال رسول الله أعتقها فإنها مؤمنة )) ،  فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها فمد النبي يده إليها مستفهما فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين والله تعالى أعلم ، ورواية أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وفيها : (( فأشارت إلى السماء ))  [ مصنف عبد الرزاق 9\176( 16816) ] ،

( 7 ) الروايات السابقة تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة ، ولعل هذا السبب ما حدا بالنحويين - سوى ابن مالك - ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث ، ومن الملاحظ على تلك الروايات ما يلي : ( أ ) رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) ورواية ( من ربك ) في بعض الروايات سندهما واحد من حماد بن سلمة إلى الشريد بن سويد رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ب ) رواية ( من ربك ) ورواية ( أين الله ) في بعض الروايات سندهما واحد من هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ت  ) رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) ورواية ( أين الله ) في بعض الروايات سندهما واحد من عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ث  ) رواية ( أين الله ؟ قالت في السماء ) ورواية ( أين الله ؟ فأشارت إلى السماء ) في بعض الروايات سندهما واحد من رواية يحيى بن كثير القصة واحدة واللفظ مختلف ، (  ج ) رواية ( أين الله ) عند مسلم تختلف عن رواية ( أين الله ) عند مالك ، فعند مسلم : ( يقول وعلي رقبة أفأعتقها  وكان الجواب اعتقها فإنها مؤمنة ) وعند مالك : ( يقول فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا  أعتقها وكان الجواب أعتقها بدون ذكر فإنها مؤمنة ) والرواية الأولى تفيد أن عليه نذرا سابقا والرواية الثانية تفيد أنه إنما أعتقها تبرئة لذمته من ضربها ، (  ح  ) بعض روايات الحديث تنص على أن الجارية كانت متكلمة فصيحة وبعضها تنص على أنها كانت خرساء لا تفصح وفيها أن والجواب كان بالإشارة وهاهنا تكون الألفاظ تصرفا من الرواة ويؤيد ذلك ما ورد في بعض طرق الحديث (فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء ) ، (  خ  ) على اعتبار أن الجارية خرساء عجماء لا تفصح يستقيم السؤال بالإشارة أو بلفظ ( أين الله ) لمعرفة معبودها - وهاهنا يحل إشكال ألفاظ الحديث - لأن المشركين كانوا يعبدون آلهة في الأرض  ويدل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) [ سنن الترمذي5 : 519(3483) ] يقول الإمام الغزالي: (وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء فقد انكشف به أيضاً- يعني السر في رفع الأيدي إلى السماء- إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهيم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو وقد كان يُظن بها أنها من عبدة الأوثان ومَن يعتقد اللهَ في بيت الأصنام، فاستُنطقت عن معتقدها فعرَّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقد هؤلاء) [الاقتصاد في الاعتقاد صـ 33] ، ( د  ) قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل ( لأن الخلاف فيه بين خطأ وصواب ) دون الاعتقاد لأن الخلاف فيه بين حق وباطل وبين هدى وضلال وبين سنة وبدعة ) ، ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان حيث اشتمل على تسميت العاطس في الصلاة ومنعِ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الافعال ما يتعلق بتسميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث ، ( ذ  ) لفظ ( أين الله ) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه ، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ومصداق ذلك ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) [صحيح البخاري1 : 17(25) ] وما أخرجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) [  صحيح البخاري 2 : 505(1331)] ، (  ر  ) لفظ ( أين الله والجواب بأنه في السماء ) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ويؤيده ويدل عليه حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين : كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) [ سنن الترمذي5 : 519(3483) ] ، (  ز  ) لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين ومصداق ذلك أن النبي صلى الله عليه وأله وسلم بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء وإنما ذكر شهادة التوحيد ( لا لا له له لا الله = محمد رسول الله ) ويؤيدها كذلك حديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )  وقد نص غير واحد من العلمـاء على أنه حديـث متـواتر ، (  س  ) لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله )  هو الموافق لإجماع المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ، ( ش  ) ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: ( أين الله ) وأن الرواية الصحيحة التي ينبغي التعويل عليها هي رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها. ) ويؤيده  الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال ( الله في السماء ) بالدخول في الإسلام والإجماع المقابل على أن الدخول في الإسلام يكون بالشهادتين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله )) ، ( ص ) وأما من قال بصحة حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني: تأويله بما يليق به وهذا هو ما ذكره الإمام النووي عند شرحه للحديث في صحيح مسلم فقال ما نصه : " قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان : أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات. والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها :  هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.   أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ [ النووي في شرحه على صحيح مسلم (ج5  : ص22) ] ، ( ض  ) الحديث بلفظ ( أين الله ) فيه التشابه من وجهين : أحدهما : قولـه صلى الله عليه وسلم لها:( أين الله )  فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه ب ( أين ) على سبيل المكان الحسي وجوابه كما تقدم أنها كانت خرساء عجماء لا سبيل إلى معرفة إيمانها إلا بإشارتها أن معبودها ليس من الأوثان الموجودة في الأرض وإنما هو رب السماء والأرض ، أو أن السؤال محمول على المكانة العالية لا المكان الحسي الذي لا مدح فيه ، والوجه الثاني: قولها في السماء وهذا معناه علو المكانة وعظمة الصفات وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث، ليس كمثله شيء ولله در  الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث يقول في الفتح: "  فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر ، فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث. " أهــ ، ( ط  ) تقدم مما سبق أن تمسك البعض  برواية (( أين الله )) لإثبات المكان الحسي وإثبات الجهة الحسية لله هو أوهى من بيوت العنكبوت  وأن تمسكهم بهذه الرواية تمسك باطل لا وجه له , لأن الحديث الأولى حمله على رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله )  الموافقة للأصول وأنه إذا حكم بصحة رواية ( أين الله )  فالمقصود به السؤال عن المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة الحسيين , والحديث آنذاك ليس على ظاهره المؤدي إلى التمثيل والتحيز والحد والله تعالى منزه عن الكون في مكان وعن أن يجري عليه زمان وهو القاهر فوقهما وفوق كل خلقه { ليس كمثله شيء } ،

(  8  ) أقوال علماء أهل السنة في الفهم الصحيح لرواية ( أين الله ) على أساس ثبوتها : (  أ  ) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه : " قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها : هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين ، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان ) اهـ [ النووي في شرحه على صحيح مسلم (ج5  : ص22) ] ، (  ب  ) وقال الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري : ( قوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله قالت في السماء فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنـزيهه مما يقتضى التشبيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) أهـ [ فتح الباري ج13 : ص402] ،  (  ت   ) قال ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه - بعد أن ذكر استعمالات (أين)في الرتبة والمنزلة والدرجة في التقريب والتبعيد والإكرام والإهانة - ، قال : ( فإذا كان ذلك مشهوراً في اللغة احتمل أن يقال إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم (أين الله) استعلام لمنزلته وقدره عندها ، وفي قلبها ، وأشارت إلى السماء ودلت بإشارتها إلى السماء على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منزلة :فلان في السماء ، أي هو رفيع الشأن عظيم المقدار ، كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها على محله في قلبها ومعرفتها به ) أهـ [  مشكل الحديث وبيانه صـ 61 ] ، (  ث  ) قال ابن الجوزي في كتابه الباز الأشهب : ( الحديث السابع عشر : روي مسلم في افراده من حديث معاوية بن الحكم قال : (( كانت لي جارية كانت ترعي غنما لي ، فانطلقت ذات يوم ، فإذا الذئب قد ذهب شاه ، ( وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون ) فصككتها صكة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي ، فقلت ألا أعتقها ..؟ قال أئتني بها ، فأتيته بها ، فقال لها : أين الله ؟ قالت في السماء ، قال من أنا : قالت : أنت رسول الله ، قال أعتقها فإنها مؤمنة ))  قلت : قد ثبت عند العلماء ان الله تعالي لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار ، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها ) أهـ [ الباز الأشهب ص93-94 ] ، ( ج ) وقال محقق الكتاب محمد منير الإمام : ( حديث الجارية مؤول بأنه سؤال عن المكانة لا المكان ، وقولها : في السماء معناه علو المنزلة والقدر، أي أنه أعلي من كل شيء قدرا ، ومن لم يرض بذلك ، وأراد أن يحمله علي ظاهره  فأثبت المكان والحيز لله تعالى محتجاً بأنه لا يخرج عن الظاهر قيل له : لقد خرجت عن الظاهر في حديث أصح من هذا وهو حديث (( أربعوا علي أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنما تدعون سميعاً قريباً وهو أقرب إلي احدكم من عنق راحلته )) رواه البخاري ، فهذا لو حمل علي ظاهره لكان إثبات تحيزٍ لله بين الرجل وبين عنق راحلته ، وهذا ينقض معتقدكم أنه مستقر فوق العرش بمماسة أو بدون مماسة فماذا تفعلون ، والحق الذي لا محيد عنه أن لا يحمل حديث الجارية على ظاهره بل يؤول تأويلاً تفصيلياً، فيؤول هذا الثاني ايضاً على أن المراد به القرب المعنوي ليس القرب الحسي ) أهـ  [ الباز الأشهب ص93-94 ] ، (  ح  ) وقال القرطبي في تفسيره : ( أين ظرف يسأل به عن المكان وهو لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان ... وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم ، الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم هل هي ممن يعتقد أن معبودهم في بيت الأصنام أم لا فقال لها أين الله ؟ فقالت في السماء فقنع منها بذلك وحكم بإيمانها ، إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك ) أهـ [ تفسير القرطبي ج18 ص 315 ] ،

(  9  ) مخالفات رواية ( أين الله ) لأصول العقيدة من جوانب عديدة ، منها مخالفة من جهة اثبات الإيمان بالسؤال عن المكان ، ومخالفة من جهة أن هذا الحديـث معارض للقـواطع العقليـة والنقليـة الـدالة على تنزيه الله تعالى عن المكان لأنّه خالق المكان ، ومخالفة من جهة أنّ الحديث مضطرب في ألفاظه لا يصح اثبات عقيدة به ، ومخالفة من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثته وإلى انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى تلقين الإيمان والإسلام بإثبات المكان لله ،، ومخالفة من جهة اقرار المشركين بأنّ الله تعالى في السماء وهذا لا يكفي لإثبات الإيمان والتوحيد للمسلم ،، ومخالفة من جهة الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن المكان ، ومن جهة مخالفة تلك العقيدة لإجماع الأصوليين المتخصصين في علم التقديس والواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى من علماء أهل السنّة والجماعة الخبراء في العقيدة الناجية والمتفقين على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، فلا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ، (  أ  ) المخالفة الأولى من جهة اثبات الإيمان بالسؤال عن المكان ، وذلك لأنّ اعتقاد وجود الله تعالى في السماء لا يثبت توحيـداً ولا تنفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الجارية بما لا يكفـي للحكـم بإسلامها ، وهذا مما يعزز أنّ الرواية الحقيقية جاءت بلفظ (( أتشهدين أن لا إله إلا الله )) أو أنّها  كانت خرساء ، وكان الاستفهام بالإشارة لمعرفة من تعبد ، وليس إثبات المكان لله ، (  ب  ) المخالفة الثانية : أن هذا الحديـث معارض للقـواطع العقليـة والنقليـة الـدالة على تنزيه الله تعالى عن المكان لأنّه خالق المكان ، وتنزيه الله تعالى عن التحيز في جهة من الجهات ولو كانت جهة فوق لأنّ جميع الجهات خلقه وهي محدودة والله تعالى منزه عن الحد والنهاية  وقد أجمع المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن المكان ، ( ت  ) المخالفة الثالثة من جهة أنّ الحديث مضطرب لا يصح اثبات عقيدة به ، واضطرابه يسبب ضعف الاستدلال به في مسألة من مسائل الطهارة فضلاً عن أصول العقيدة التي لا ينبغي أن نمتحن الناس فيها بحديث مضطرب اختلفت رواياته ، والمحكم فيها بلفظ (( أتشهدين أن لا إله إلا الله )) أو بلفظ (( من ربك )) لأنّ هذا هو ما يوافق الأصول عند الحكم على الإيمان والكفر ، واللفظ الثالث (( أين الله )) متشابه ينبغي رده إلى محكمه الذي يثبت به الإيمان وإلا فما علاقة المكان بالإيمان ، وهذا اللفظ معارض بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة المتواترة ودلالة العقـل السليم واجماع أهل التخصص في مجال العقيدة ممن درسوا ما يجوز نسبته ، وما لا يجوز نسبته في حق الله تعالى ، (  ث  ) المخالفة الرابعة من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثته وإلى انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى تلقين الإيمان والإسلام بإثبات المكان لله ، ولو ثبت ذلك لتواتر عنه لأهميته في اثبات الإيمان ،  بل الثابت عنه تلقين كلمة الشهادة وبعثِ رسله بالدعوة إليها ، ولم يُذكر أن أحداً من رسله دعا الناس إلى الإيمان بوجود الله في السماء ولا استكشف عن إيمان أحد بسؤاله : (( أين الله )) سوى تلك الرواية المضطربة التي تعددت ألفاظها بحيث لا تستقر على لفظ واحد ، وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه  ، وتواتر عنه صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن هذه العقيـدة المزعومة ، كما تواتر عنه  صلى الله عليه وأله وسلم أنّه بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء التي يدافع عنها الذين يتبعون المتشابه ابتغاء فتنة المسلمين عن دينهم ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )) [  صحيح البخاري : ح 25  ] ، وما أخرجه عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال : (( ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم )) [ صحيح البخاري : ح 1331 ] ، فهذا هو الذي تواتر عنه صلى الله عليه وسلم ، (  ج  ) المخالفة الخامسة اقرار المشركين بأنّ الله تعالى في السماء وهذا لا يكفي لإثبات الإيمان والتوحيد للمسلم ، فالمشركون كانوا يقرون بأن الله تعالى في السماء فلا يكون جواب الجارية كافياً في الدلالة على التوحيد، ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي بسنده عن عمران بن حصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي : (( يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي : سبعة ، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء )) [  سنن الترمذي : ح 3483  ] ،

( 10 ) المخالفة السادسة الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن المكان ،  ومن تلك الأدلة قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كان الله ولم يكن شيء غيره ))  [ البخاري ( 3020 ) ] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال فوق الوجود الزماني ، وكمال فوق الوجود المكاني ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، له كمال الوجود الأعلى من الزمان ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فوجوده قبل الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، وله كمال الوجود الاعلى من المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، ( ب ) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، ( ت ) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، وقال تعالى : { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ،  ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ، ( ث ) قوله تعالى { قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله } مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى : { وله ما سكن في الليل والنهار } يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان ،  ( ج ) وجود الله تعالى قبل خلق المكان ووجوده سبحانه بعد فناء المكان فلا يحويه مكان ، تنزه عن المكان وتعالى عن الجهات والأركان كان قديم السلطان قبل خلق المكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان قبل خلق المكان ، ( ح ) وجود الله تعالى قبل خلق الزمان ووجود الله تعالى منزه عن الزمان لا يجري عليه زمان ولا تحكمه قوانين الزمان إذ هو الخالق والحاكم المهيمن على كل مخلوق ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود تنزه عن الزمان والمكان تنزه الخالق على المخلوق وتنزه القاهر على المقهور( وهو القاهر فوق عباده ) ، ( خ ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،  ( د ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون : أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ( بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها ) والله تعالى خالق مقدِر ( بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها ) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود [ سياتي الحديث عن تنزيه الله تعالى عن الحيز والحد والمقدار في الباب التالي ( تنزيه الله تعالى في ذاته ليس كمثله شيء ) ] وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ ، (  ذ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن المكان : أنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل متحيز فهو محدود يحتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به والله تعالى منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر والله تعالى هو الخالق المقدر لها، ومنزه عن أن يحيط به شيء لأنه بكل شيء محيط ، فتحتم من ذلك تنزيهه عن أن يحيزه شيء من خلقه وكل ما في الوجود سواه فهو خلقه الفقير إليه وهو الغني عنهم ، (  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء ، (  ز  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ، (  س ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ، (  ش  ) قوله تعالى ( الله الصمد ) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان ، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق ، ( ص  ) قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق ، (  ض  ) قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق ، ( ط ) قوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره ، (  ظ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ، (  ع ) قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء ،  ( غ ) الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام ، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري ، (  ف ) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا ، ( ق ) أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ، ( ك ) وأخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً : عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا - بفهم سقيم بعيد عن التقديس  - هل هو  ( سبحانه ) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا ، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ، ( ل ) وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق ، وأعظم به من منهاج ، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا  ( علم توحيد الذات ) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ،  ( م ) وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ( تنبيه ) : تنزيه أهل السنّة للخالق سبحانه عن المكان ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، والإحاطة في قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، ولا نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،

(  11  ) المخالفة السابعة : مخالفة تلك العقيدة لإجماع الأصوليين المتخصصين في علم التقديس والواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى من علماء أهل السنّة والجماعة الخبراء في العقيدة الناجية والمتفقين على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، فلا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ، ومن أقوالهم في ذلك  : ( 1 ) قول الإمام الطحاوي - وهو من كبار أئمة السلف وهو أعلم بأقوالهم ومذاهبهم - قال : ( هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة والدين أبي حنيفة النعمان وصاحبيه أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني ... وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)  أهــ   [ متن العقيدة الطحاوية ]  ، ( 2 ) وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني   : ( وأجمعوا- أي أهل السنة- على أنه -  أي الله تعالى - لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان  ) أهـ  [ الفرق بين الفرق صـ 333 ] ، ( 3 ) وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني : ( الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شىء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث " أهـ [  التبصير في الدين ص161 ] ،  ( 4 ) وقال الإمام الشهرستاني الشافعي : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شىء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ سورة الشورى : 11 ] ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ) أهــ [ الملل والنحل للشهرستاني ] ، ( 5 ) وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره  : ( انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ) أهــ [ تفسير الرازي 29:216 ] ، ( 6 ) وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي ( ت : 333 هـ) : ( إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الان، جل عن التغير والزوال والاستحالة )  اهـ. [كتاب التوحيد (ص :  69).] ، ( 7 ) وقال القاضي أبو بكر محمد الباقلاني المالكي : ( ولا نقول إن العرش له- أي الله- قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان )  اهـ.[ الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص : 65).] ، ( 8 ) وقال الإمام أبو بكر ابن فورك  : ( لا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه محدودا ومتناهيا وذلك لاستحالة كونه محدثا ) أهـ.[  مشكل الحديث (ص :  57) ] ، ( 9 ) وقال الإمام ابن بطال المالكي (449 هـ) أحد شراح صحيح البخاري : ( غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه- أي تعاليه- مع تنزيهه عن المكان ) اهـ. [ فتح الباري (13 :  416) ] ، وقال أيضا : ( لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان، لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان " اهـ [  فتح الباري (13 :  433) ] ، ( 10 ) وقال الحافظ محمد بن حبان (453هـ) صاحب الصحيح المشهور بصحيح ابن حبان : ( الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان)  اهـ. [ الثقات (1 :  1) ] ، ( 11 ) وقال الإمام ابن حزم الأندلسي (456 هـ) : ( وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة، قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } ، وقال { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } ، والزمان والمكان هما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام اهـ. [ أنظر كتابه علم الكلام: مسألة في نفي المكان عن الله تعالى (ص :  65) ] ، ( 12 ) وقال الإمام الحافظ البيهقي (458هـ) :  ( والذي روي في ءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان. واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء))، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان)  اهـ. [ الأسماء والصفات (ص :  400) ] ، ( 13 ) وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي (476 هـ) : ( وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، فدل على أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان " اهـ.[ شرح اللمع : ج 1 : 101 ] ، ( 14 ) وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (478 هـ) : ( البارئ سبحانه وتعالى قائم بنفسه ، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يقله ) اهـ. [ الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص :  53) ] ، وقال أيضا : ( مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات ) أهـ [الإرشاد (ص :  58) ] ، وقال أيضا : ( واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، وبتنزه عن الاختصاص بجهة ، وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت ءاراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسه ، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيما تقدم" اهـ [الشامل في أصول الدين : ص :  511 ] ، ( 15 ) وقال الإمام أبو حامد الغزالي (505 هـ) : ( تعالى [ الله ] عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الان على ما عليه كان )  اهـ.[  إحياء علوم الدين: كتاب قواعد العقائد، (1 :  108) ] ، وقال أيضا : ( الأصل السابع: العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا، والاخر يقابله ويسمى رأسا، فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرِّجل، حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحت وإن كان في حقنا فوقًا. وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان. ثم قال: "فكيف كان في الأزل مختصًا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خلق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرّجل: وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصًا بالجهة: وإن اريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا اشاره إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال و الكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء" اهـ [إحياء علوم الدين: (1 :  128) ] ، ( 16 ) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (543 هـ) : ( البارئ تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار )  اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( إن الله سبحانه منزه عن الحركـة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل ) اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 289 ] ، وقال أيضا : ( الله تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات ) أهـ [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( وان علم الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى  كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته " اهـ. [ عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي : ج 12 : 184 ] ، ( 17 ) وقال القاضي عياض المالكي ( 544 هـ ) : ( اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله او إلى الله فليس بدنو مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق: ليس بدُنو حد، صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء ) اهـ [ الشفا : ج1 : 205 ] ، ( 18 ) وقال الإمام الشهرستاني ( ت 548هـ) : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }  ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان )  اهـ.[ نهاية الأقدام ص :  103] ، وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597هـ) : ( الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال)  اهـ. [ دفع شبه التشبيه (ص : 58) ] ، وقال في صيد الخاطر : ( فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل) اهـ [ صيد الخاطر : ص :  476 ] ، وقال في الباز الأشهب : ( كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان" اهـ.[ الباز الأشهب ص 57] ، ( 19 ) وقال الحافظ ابن عساكر (620 هـ) – في درة من تنزيهات العلماء – (  موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان ) اهـ [ طبقات الشافعية (8 :  186) ] ، ( 20 ) وقال سلطان العلماء  عبد العزيز بن عبد السلام (660 ه) : ( ليس [ الله تعالى ] بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يُشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ [طبقات الشافعية : (8 :  219) ] ، ( 21 ) وقال الإمام المفسّر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (671هـ) : ( و"العليّ" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز)  أهـ [ الجامع لأحكام القرءان : (3 :  278)] ، وقال أيضًا ( والقاعدة تنزيهه سبحانه وتعالى عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة )  اهـ. [ المصدر السابق : (6 :  390) ] ، وقال أيضًا : ( ومعنى:{فوق عباده} [سورة الأنعام : 18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان" اهـ. [ المصدر السابق : (6 :  399) ] ، وقال أيضًا عند تفسير ءاية :{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام : 158] :  ( وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا ) اهـ. [  المصدر السابق : (7 :  145) ] ، وقال أيضًا : في تفسير آية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا} : ( والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز" اهـ. [  المصدر السابق : (20 : 55)] ، وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى:{ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك : 16] : ( والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) اهـ [ المصدر السابق: ( 18 : 216) ] ، ( 22 ) وقال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي (676هـ) :  ( إن الله تعالى ليس كمثله شىء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ) اهـ. [ شرح صحيح مسلم 3 : 19] ، ( 23 ) وقال الإمام البيضاوي (685 هـ) : ( ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ) أهـ [ فتح الباري (3 :  31)] ، ( 24 ) وقال الإمام المفسر النسفي (710 هـ ) :  (إنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان ) اهـ. [ تفسير النسفي : (ج2 : 2،48) ] ، ( 25 ) وقال العلامة ابن منظور (711 هـ) : ( وفي الحديث: (( من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا ))   المراد بقرب العبد من الله عز وجل: القرب بالذكر والعمل الصالح لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس) [  لسان العرب ، مادة: ق رب (1 :  663- 664) ] ، ( 26 ) وقال الإمام القاضي بدر الدين ابن جماعة (733 ه ) : ( كان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الان على ما عليه كان)  اهـ. [ إيضاح الدليل (ص :  103- 4. 1)] ، وقال أيضا : ( فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة. " قلنا: الموجود قسمان: موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله. فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلا، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له ) اهـ [ إيضاح الدليل (ص :  104- 105) ] ، ( 27 ) وقال المفسِّر النحوي محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي (745 هـ) عند تفسير قوله تعالى :{ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه } : ( وعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة ) اهـ [ البحر المحيط (6 :  302)] ، وقال أيضا : ( قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة ) اهـ. [البحر المحيط: 16- 8 :  302) ] ، ( 28 ) وقال الإمام الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826 هـ) : (  "وقوله أي النبي- "فهو عنده فوق العرش "لا بد من تأويل ظاهر لفظة "عنده " لأن معناها حضرة الشيء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده ) اهـ [ طرح التثريب (8 : ،84) ] ، ( 29 ) وقال إمام الدنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني (852 هـ)  : ( ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالا على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شىء علما جلّ وعز ) أهـ  [ فتح الباري(6 :  136) ] ، ( 30 ) وقال الإمام العَيْني أحد أكبر شراح صحيح البخاري (855 هـ) : ( ولا يدل قوله تعالى :{ وكان عرشه على الماء }  على أنه - تعالى- حالّ عليه، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه " اهـ. [ عمدة القاري (مجلد 12 :  25 :  111) ] ، وقال أيضا : ( تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان ) أ ه [ عمدة القاري (مجلد 12 :  25 :  117) ] ، ( 31 ) وقال الحافظ السخاوي (902 هـ ) : ( قال شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر-: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ) أهـ. [ المقاصد الحسنة (رقم 886، ص :  342) ] ، ( 32 ) وقال الحافظ جلال الدين السيوطي (911 هـ) عند شرح حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) : ( قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى ) أهـ. [شرح السيوطي لسنن النساني (1 :  576) ] ، ( 33 ) وقال الإمام القسطلاني  (933هـ) في شرحه على صحيح البخاري : ( ذات الله منزه عن المكان والجهة ) أهـ. [ إرشاد الساري (15 :  451) ] ( 34 ) وقال الإمام القاضي أبو زكريا الأنصاري (926 هـ) : ( إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان) أهـ [ حاشية الرسالة القشيرية (ص :  2) ] ، وقال أيضا : ( لا مكان له  - سبحانه - كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان) أهـ [ المصدر السابق : (ص :  5) ] ، وللمزيد حول حل إشكالية المكان ، وتحقيق القول في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، وبيان أقوال علماء أهل السنّة والجماعة حولها انظر كتابي : (  كتاب تقديس الله تعالى أن يحيط به مكان أو يجري عليه زمان )  ، وهو ضمن ( مجموعة الرسائل المتعلقة بالتقديس والتنزيه وفهم العقيدة الصحيحة )

***

( 3 )  تحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة ))  ،  والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون

( 1 ) أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) [ البخاري ح 1077 ]

وقال ابن حجر - في درة تنزيهية من كلامه - في شرح الحديث : ( قوله : ( ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ) استدل به من أثبت الجهة وقال : هي جهة العلو , وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك ،  وقد اختلف في معنى النزول على أقوال : فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم ، ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة , والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا , ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف , ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم , ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب , ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف , ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبا مستعملا في كلام العرب وبين ما يكون بعيدا مهجورا فأول في بعض وفوض في بعض , وهو منقول عن مالك وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد , قال البيهقي : وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه , ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم . وسيأتي مزيد بسط في ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى . وقال ابن العربي : حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث , وعن السلف إمرارها , وعن قوم تأويلها وبه أقول . فأما قوله ينزل فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته , بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه , والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني , فإن حملته في الحديث على الحسي فتلك صفة الملك المبعوث بذلك , وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة , فهي عربية صحيحة انتهى . والحاصل أنه تأوله بوجهين : إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره , وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه . وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا , ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ : (( إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل , ثم يأمر مناديا يقول : هل من داع فيستجاب له  ))  الحديث ، وفي حديث عثمان بن أبي العاص : (( ينادي مناد هل من داع يستجاب له )) الحديث . قال القرطبي : وبهذا يرتفع الإشكال , ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني : (( ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول : لا أسأل عن عبادي غيري ))  لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور . وقال البيضاوي : ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه , فالمراد نور رحمته , أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة ) أهـ [ فتح الباري  : ج: 3 ص: 30 ] ،

( 2 ) وأخرج البخاري أيضاً عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  ) [ البخاري  ح 6940 ] ، وقال ابن حجر - في درة تنزيهية من كلامه - في شرح الحديث : ( قد تقدم شرحه في  كتاب التهجد  في باب الدعاء في الصلاة في آخر الليل , وتقدم هناك مناسبة الترجمة لحديث الباب مع أن لفظه ( حين يبقى ثلث الليل ) ومضى بيان الاختلاف فيما يتعلق بأحاديث الصفات في أوائل " كتاب التوحيد " في باب وكان عرشه على الماء , والغرض منه هنا قوله " فيقول من يدعوني " إلى آخره وهو ظاهر في المراد سواء كان المنادي به ملكا بأمره أو لا ; لأن المراد إثبات نسبة القول إليه وهي حاصلة على كل من الحالتين , وقد نبهت على من أخرج الزيادة المصرحة بأن الله يأمر ملكا فينادي في " كتاب التهجد " وتأويل ابن حزم النزول بأنه فعل يفعله الله في سماء الدنيا كالفتح لقبول الدعاء وأن تلك الساعة من مظان الإجابة وهو معهود في اللغة , تقول : فلان نزل لي عن حقه بمعنى وهبه , قال : والدليل على أنها صفة فعل تعليقه بوقت محدود ومن لم يزل لا يتعلق بالزمان فصح أنه فعل حادث , وقد عقد شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي وهو من المبالغين في الإثبات حتى طعن فيه بعضهم بسبب ذلك في كتابه الفاروق بابا لهذا الحديث , وأورده من طرق كثيرة ثم ذكره من طرق زعم أنها لا تقبل التأويل , إلى أن قال : فهذه الطرق كلها ضعيفة وعلى تقدير ثبوتها لا يقبل قوله أنها لا تقبل التأويل فإن محصلها ذكر الصعود بعد النزول فكما قبل النزول التأويل لا يمنع قبول الصعود التأويل , والتسليم أسلم كما تقدم والله أعلم . وقد أجاد هو في قوله في آخر كتابه فأشار إلى ما ورد من الصفات وكلها من التقريب لا من التمثيل , وفي مذاهب العرب سعة , يقولون أمر بين كالشمس وجواد كالريح وحق كالنهار , ولا تريد تحقيق الاشتباه وإنما تريد تحقيق الإثبات والتقريب على الأفهام , فقد علم من عقل أن الماء أبعد الأشياء شبها بالصخر , والله يقول ( في موج كالجبال ) فأراد العظم والعلو لا الشبه في الحقيقة , والعرب تشبه الصورة بالشمس والقمر , واللفظ بالسحر , والمواعيد الكاذبة بالرياح , ولا تعد شيئا من ذلك كذبا ولا توجب حقيقة وبالله التوفيق ) أهـ [  فتح الباري ج: 13 ص: 468 ] ،

( 3 ) وأخرج مسلم في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )) [ مسلم : ح :1261 ] ،  وقال النووي - في درة من تنزيهاته - في شرح الحديث : ( قوله صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول : من يدعوني فأستجيب له )) هذا الحديث من أحاديث الصفات , وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين : أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى , وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد , ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق , وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني : مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي : أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها . فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما : تأويل مالك بن أنس وغيره معناه : تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال : فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره . والثاني : أنه على الاستعارة , ومعناه : الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف ، والله أعلم  ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم ] ،  وقال رحمه الله في المجموع : (  وعن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة» رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة حين يبقى من ثلث الليل الآخر يقول من يدعو فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» رواه البخاري ومسلم وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران : ( أحدهما ) تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين و ( الثاني ) : الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد   تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى { ليس كمثله شيء } وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم ) أهـ [ المجموع ج: 4 ص: 51 ] ،

( 4 ) ومن أقوال شرّاح الحديث في بيان معانيه ، دون الغوص في الحشو والتشبيه :  قال الإمام البيهقي في كتابه القيم (الاسماء والصفات ) - بعد أن نقل قول القتيبي : قد يكون  النزول بمعنى إقبالك على الشيء بالارادة والنية ، وقل الإمام أبي حنيفة عنه : ينزل بلا كيف ، وقول حماد بن زيد : نزوله إقباله  ، قال البيهقي : ( وأخبرنا عبدالله الحافظ , قال : سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني , يقول : حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة , وورد في التنزيل ما يصدقه , وهو قوله تعالى : {  وجاء ربك والملك صفا صفا } ، والمجىء والنزول صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة , والانتقال من حال الى حال , بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه , جل الله عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا ً ) أهـ [  الاسماء والصفات صـ317 ] ، وقال أيضاً :  ( قال أبو سليمان الخطابي في حديث النزول : وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال , فحاد عن هذه الطريقة _ طريقة السلف _ حين روى حديث النزول : أقبل على نفسه فقال : إن قال قائل :كيف نزل ربنا إلى السماء ؟ قيل له :ينزل كيف يشاء .فإن قال :هل يتحرك إذا نزل ؟ فقال : إن شاء يتحرك ,وإن لم يشألم يتحرك ، وهذا خطأ فاحش عظيم ,والله تعالى لا يوصف بالحركة ,لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد ,وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون , وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين , والله تبارك وتعالى متعال عنهما ( ليس كمثله شيء ) , فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل فيما لايعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش .قال : وإنما ذكرت هذا لكي يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع فإنه لايثمر خيرا ولا يفيد رشدا .ونسأل الله العصمة من الضلال , والقول بما لا يجوز من الفاسد والمحال  ) أهـ [ الأسماء والصفات : 454 ] ،  وقال الإمام العيني - في درة من تنزيهاته - في شرح حديث النزول من صحيح البخاري  :  (حمل صاحب (المفهم) الحديث على النزول المعنوي على رواية مالك عنه عند مسلم، فإنه قال فيها:  (( يتنزل ربنا )) ، بزيادة: تاء، بعد: ياء المضارعة، فقال: كذا صحت الرواية هنا، وهي ظاهرة في النزول المعنوي وإليها يرد (( ينزل )) على أحد التأويلات، ومعنى ذلك أن مقتضى عظمة الله وجلاله واستغنائه أن لا يعبأ بحقير ذليل فقير، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه لأن يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم، ويكون قوله: «إلى السماء الدنيا»، عبارة عن الحالة القريبة إلينا، والدنيا بمعنى: القربى، والله أعلم ،  ثم الكلام هنا على أنواع. الأول: احتج به قوم على إثبات الجهة لله تعالى، وقالوا: هي جهة العلو، وممن قال بذلك: ابن قتيبة وابن عبد البر، وحكي أيضا عن أبي محمد بن أبي زيد القيرواني، وأنكر ذلك جمهور العلماء لأن القول بالجهة يؤدي إلى تحيز وإحاطة، وقد تعالى الله عن ذلك ،   الثاني: أن المعتزلة أو أكثرهم: كجهم بن صفوان وإبراهيم بن صالح ومنصور بن طلحة والخوارج، أنكروا صحة تلك الأحاديث الواردة في هذا الباب، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما ورد من ذلك في القرآن وأنكروا ما ورد في الحديث إما جعلاً وإما عنادا... [و]الجمهور سلكوا في هذا  الباب الطريق الواضحة السالمة، وأجروا على ما ورد مؤمنين به منزهين لله تعالى عن التشبيه والكيفية، وهم: الزهري والأوزاعي وابن المبارك ومكحول وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم من أئمة الدين. ومنهم الأئمة الأربعة : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد. قال البيهقي في (كتاب الأسماء والصفات): قرأت بخط الإمام أبي عثمان الصابوني، عقيب حديث النزول: قال الاستاذ أبو منصور (يعني )الجمشاذي: وقد اختلف العلماء في قوله: «ينزل الله»، فسئل أبو حنيفة فقال: بلا كيف، وقال حماد بن زيد: نزوله إقباله. وروى البيهقي في (كتاب الاعتقاد) بإسناده إلى يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: لا يقال للأصل: لِمَ ولا كيف، وروى بإسناده إلى الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: الأصل كتاب أو سنة أو قول بعض أصحاب رسول الله  أو إجماع الناس ، ( قلت ) : لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منزه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو  من المتشابهات، فالعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة: يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله، عز وجل، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان. والثاني: المؤولة: يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى: ينزل الله: ينزل أمره أو ملائكته وبأنه استعارة، ومعناه: التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك، .. وقال القاضي البيضاوي، لما ثبت بالقواطع العقلية أنه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، فالمراد دنو رحمته، وقد روي: يهبط الله من السماء العليا إلى السماء الدنيا، أي: ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي  الأنفة من الأراذل وقهر الأعداء والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام للرأفة والرحمة والعفو، ويقال: لا فرق بين المجيء والإتيان والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والسكون والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا ليق به الانتقال والحركة، كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى. فالنزول: لغة، يستعمل لمعان خمسة مختلفة: بمعنى الانتقال: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 84 ] ، و: الإعلام {نزل به الروح الأمين} [ الشعراء: 391 ] أي: أعلم به الروح الأمين محمدا ، وبمعنى: القول {سأنزل مثل ما أنزل الله} [ الأنعام: 39 ] ، أي سأقول مثل ما قال، والإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم ، جار في عرفهم، يقولون: نزل فلان من مكارم الأخلاف إلى دنيها، ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض، وبمعنى: نزول الحكم، من ذلك قولهم: كنا في خير وعدل حتى نزل بنا بنو فلان، أي: حكم، وذلك كله متعارف عند أهل اللغة: وإذا كانت مشتركة في المعنى وجب حمل ما وصف به الرب جل جلاله من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعاني، وهو: إقباله على أهل الأرض بالرحمة ) أهـ  [ شرح العيني على صحيح البخاري : ج 3 : ص : 622 ، 623 ] ،

وقال السندي في شرحه للحديث علي سنن بن ماجة : ( قوله : (( ينزل ربنا ))  حقيقة النزول تفوض إلى علم الله تعالى نعم القدر المقصود بالإفهام يعرفه كل واحد وهو أن ذلك الوقت قرب الرحمة إلى العباد فلا ينبغي لهم إضاعته بالغفلة ) أهـ ،  وجاء في المنتقي شرح الموطأ : ( قوله صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا )) إخبار عن إجابة الدعاء في ذلك الوقت وإعطاء السائلين ما سألوه وغفرانه للمستغفرين , وتنبيه على فضيلة ذلك الوقت , وحض على كثرة الدعاء والسؤال والاستغفار فيه ومن هذا المعنى ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى إذا تقرب إلي عبدي شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإذا أتاني يمشي أتيت إليه هرولة ولم يرد به التقرب في المسافة فإن ذلك غير ممكن ولا موجود وإنما أراد التقرب بالعمل من العبد والقرب منه تعالى بالإجابة والقبول ومن ذلك يقال فلان قريب من فلان ويقولون في الرئيس هو قريب من الناس إذا كان كثير الإسعاف لهم والترحيب بهم وهو مشهور في كلام العرب وفي العتبية سألت مالكا عن الحديث الذي جاء في جنازة سعد بن معاذ في العرش فقال لا يتحدثن به وما يدعو الإنسان إلى أن يتحدث به وهو يرى ما فيه من التغرير , وحديث إن الله خلق آدم على صورته , وحديث الساق قال ابن القاسم لا ينبغي لمن يتقي الله أن يحدث بمثل هذا ) أهـ  ،  وقال الشيخ شهاب الدين القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري : ( قولـه : (( ينـزل ربنا )) تبارك وتعالى نزول رحمة ومزيد لطف وإجابة دعوة وقبول معذرة كما هـو ديدن الملوك الكرماء والسادة الرحماء إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين ملهوفين فقراء مستضعفين لا نزول حركة وانتقال لاستحالة ذلك على الله فهو نزول معنوي ، نعم يجوز حمله على الحسي ويكون راجعا إلى أفعاله لا إلى ذاته بل هو عبارة عن ملكه الـذي يـنـزل بأمره ونهيه ، قال الزركشي لكن روى ابن حبان في صحيحه: ينـزل الله إلى السماء فيقول لا يسأل عن عبادي غيري وأجاب عنه في المصابيح بأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عما صنع العباد ويجوز أن يكون الملك مأمورا بالمناداة ولا يسأل البتة عما كان بعدها فهو سبحانه وتعالى أعلم بما كان وبما يكون لا تخفى عليه خافية ، وقوله جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه وهو قوله:  ((كل ليلة إلى سماء الدنيا )) لأنه لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة أتى بما يدل على التـنـزيه حين يبقى ثلث الليل الآخر منه بالرفع صفة وتخصيصه بالليل وبالثلث الأخير منه لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله تعالى وافرة وذلك مظنة القبول والإجابة ) أهـ ،  وقال الشيخ ملا علي القاري في شرح الشفا : ( ورحم الله مالكا فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث الموهمة للتشبيه المحتاجة إلى التأويل المقتضي للتـنـزيه والمشكلة المعنى المبنية على استعارة في المبنى كحديث البخاري وغيره : (( ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول هل من داع فأستجيب له هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر لـه )) ، فإن نـزوله سبحانه وتعالى كناية عن تنـزلات رحمته وموجبات إجابة دعوته وأسباب مغفرته أو يقال إنه سبحانه وتعالى له نزول يليق بشأنه مع اعتقاد التـنـزيه لـه عن انتـقال وتـغـير ووجود مكان وزمان في ذاته وكذا الحكم في الآيات المتشابهات وسائر الأحاديث المشكلات فللسلف والخلـف مذهبان فالمتقدمون على التسليم والتوكيل ومنهم أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والمتأخرون على التأويل والكل قائلون بالتـنـزيه ومانعون عن التشبيه ) أهـ ، وقال الإمام ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه  : ( قوله تعالى : {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم } [ النحل 26 ] ،  وقوله تعالى { هل ينظرون إلا أن يأتهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } [ البقرة : 210 ] ، وقوله تعالى: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [ الفجر ] : اعلم أنه لا فرق بين الاتيان والمجيء والنزول إذا أضيف جميع ذلك إلى الأجسام التي تتحرك وتنتقل وتحازي مكانا ، إن جميع ذلك يعقل من ظاهرها ،والمعنى الذي هو الحركة والنقل ، التي هي تفريغ مكان وشغل مكان .وإذا أضيف إلى ما لايليق به الانتقال من مكان إلى مكان لاستحالة وصفه كان معنى ما يضاف إليه من الإتيان والمجيء على حسب ما يليق بنعته وصفته ، إذا ورد به الكتاب ، وكذلك إذا أضيف النزول إليه ، وورد الخبر الصحيح الموثوق بروايته ونقله وصحته ، في باب أنه يحمل على نحو ما حمل عليه معنى المجيء ، والإتيان إذا ذكرا في أوصافه في الكتاب ، وإذا كان كذلك تأملنا معنى ما ورد في الخبر من لفظ النزول ، ونزلناه على الوجه الذي يليق بوصفه ، وعلى المعنى الذي لا ينكر استعمال مثله في اللسان في مثل معناه ولا أن يرد الخبر بمثله ، فمن ذلك أنا وجدنا لفظة النزول في اللغة مستعملة على معان مختلفة ، ولم تكن هذه اللفظة مما يخص أمرا واحداً ، حتى لا يمكن العدول عنه إلى غيره بل وجدناه مشترك المعنى واحتمل التأويل والتخريج والترتيب ،فمن ذلك : النزول بمعنى الانتقال ، وذلك في قوله سبحانه : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) الفرقان على معنى النقلة والتحويل ،ومن ذلك النزول بمعنى الاعلام كقوله عز وجل : ( نزل به الروح الأمين  على قلبك ) الشعراء.أي اعلم به الروح الأمين محمداً صلى الله عليه وسلم ، والنزول مثل ما أنزل الله ) الأنعام ، والنزول أيضا بمعنى الإقبال على الشيء وذلك هو المستعمل في قولهم والجاري في عرفهم ، وهو أنهم يقولون : إن فلانا أخذ بمكارم الأخلاق ثم نزل منها إلى سفاسفها أي أقبل منها إلى رديئها ،ومثله في نقصان الدرجة والمرتبة لأنهم يقولون : نزلت منزله فلان عن فلان عما كانت عليه إلى ما دونها إذا انحط قدره عنده ،ومن ذلك أيضا النزول بمعنى نزول الحكم  من ذلك قول الناس قد كنا في عدل وخير ، حتى نزل بنا بنو فلان إلى حكمهم ، وكل ذلك في ذلك في معنى النزول متعارف بين أهل اللغة غير مرفوع عنهم اشتراك معناه ) أهـ [مشكل الحديث وبيانه ، ص200:202 ] ،

وقال ابن حزم في الفصل في الملل : (  وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن الله تعالى ينزل كل ليلة إذا بقي ثلث الليل إلى سماء الدنيا   قال أبو محمد وهذا إنما هو فعل يفعله الله تعالى في سماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء وان تلك الساعة من مظان القبول والإجابة والمغفرة للمجتهدين والمستغفرين والتائبين وهذا معهود في اللغة تقول نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لي وتطول به علي ومن البرهان على أنه صفة فعل لا صفة ذات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علق التنزل المذكور بوقت محدد فصح أنه فعل محدث في ذلك مفعول حينئذ وقد علمنا أن ما لم يزل فليس متعلقا بزمان البتة وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ الحديث المذكور ما ذلك الفعل وهو أنه ذكر عليه السلام أن الله يأمر مالكا ينادي في ذلك الوقت بذلك وأيضا فإن ثلث الليل مختلف في البلاد باختلاف المطالع والمغارب يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه فصح ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك الوقت لأهل كل أفق وأما من جعل ذلك نقلة ، فقد قدمنا بطلان قوله في أبطال القول  بالجسم بعون الله وتأييده ولو انتقل تعالي لكان محدودا مخلوقا مؤلفا شاغلا لمكان وهذه صفة المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد حمد الله إبراهيم خليله ورسوله وعبده صلى الله عليه وسلم إذ بين لقومه بنقلة القمر أنه ليس ربا فقال فلما أفل قال لا أحب الآفلين وكل منتقل عن مكان فهو آفل عنه تعالى الله عن هذا وكذلك القول في قوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا وقوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر فهذا كله علي ما بينا من أن المجيء والإتيان يوم القيامة فعل يفعله الله تعالى في ذلك اليوم يسمى ذلك الفعل مجيئا وإتيانا وقد روينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال وجاء ربك إنما معناه وجاء أمر ربك   قال أبو محمد لا تعقل الصفة والصفات في اللغة التي بها نزل بها القرآن وفي سائر اللغات وفي وجود العقل وفي ضرورة الحس إلا أعراضا محمولة في الموصوفين فإذا جوزوها غير أعراض بخلاف المعهود فقد تحكموا بلا دليل إذ إنما يصار إلى مثل هذا فيما ورد به نص ولم يرد قط نص بلفظ الصفات ولا بلفظ الصفة فمن المحال أن يؤتى بلفظ لا نص فيه يعبر به عن خلاف المعهود وقال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ثم قال تعالى فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون فلو ذكروا الأمثال مكان الصفات لذكر الله تعالى لفظة المثل لكان أولى ثم قد بين الله تعالى غاية البيان فقال فلا تضربوا لله الأمثال وقد أخبر الله تعالى بأن له المثل الأعلى فصح ضرورة انه لا يضرب له مثل إلا ما أخبر به تعالى فقط ولا يحل أن يزاد على ذلك سيء أصلا وبالله تعالى التوفيق ) أهـ [ الفصل في الملل ج: 2 ص: 132 ] ،   وقال الإمام بن جهبل وهو يرد على من زعم حقيقة النزول :  ( وكما تطلق العرب النزول على الانتقال تطلقه على غيره كما جاء في كتابه العزيز : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ، وقوله تعالى : { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ولم ير أحد قط قطعة حديد نازلة من السماء في الهواء ولا جملا يحلق من السماء إلى الأرض فكما جوز هنا أن النزول غير الانتقال من العلو إلى السفل فليجوزه هناك ) أهـ [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 51 ] ،  وقال الزرقاني في شرح حديث النزول في الموطأ : ( وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري عن أبي هريرة أن رسول الله قال : (( ينزل ربنا )) اختلف فيه فالراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا على طريق الإجمال منزهين لله تعالى عن الكيفية والتشبيه ،ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والليث والأوزاعي وغيرهم قال البيهقي وهو أسلم ويدل عليه اتفاقهم على أن التأويل المعين لا يجب فحينئذ التفويض أسلم   ، وحكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا قال الحافظ ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد أن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له الحديث  ، وحديث عثمان بن أبي العاص عند أحمد ينادي مناد هل من داع يستجاب له الحديث      قال القرطبي : وبهذا يرتفع الإشكال ولا يعكر عليه حديث رفاعة الجهني عند النسائي ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول لا أسأل عن عبادي غيري لأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عن صنع العباد بل يجوز أنه مأمور بالمناداة ولا يسأل البتة عما بعدها فهو أعلم سبحانه بما كان وما يكون انتهى  ، هذا وقد حمل المشبهة الحديث وأحاديث التشبيه كلها على ظاهرها تعالى الله عن قولهم  ، وأما المعتزلة والخوارج فأنكروا صحتها جملة وهو مكابرة والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا الأحاديث جهلا أو عنادا ) أهـ [شرح الزرقاني ج: 2 ص: 49 ، 50 ] ،   وقال العلامة ابن الجوزي ، وهو من خير الحنابلة وأعلمهم بعد الإمام أحمد : وهو يرد على حشوية الحنابلة ويصحح عقائدهم وذلك في كتابه القيم - الذي أنصح كل مسلم بقراءته - الباز الأشهب : ( ومنها قوله تعالي : {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } أي بظل ، وكذلك قوله تعالي : { وجاء ربك } ، ( قلت ) : قال القاضي أبو يعلي عن أحمد بن حنبل أنه قال : في قوله تعالي " يأتيهم " قال المراد به : قدرته وأمره ، قال : وقد بينه في قوله تعالي : { أو يأتي أمر ربك } ، ومثل هذا في التوراة : { وجاء ربك } قال إنما هو قدرته . قال بن حامد : هذا خطأ ، إنما ينزل بذاته بانتقال . ، ( قلت ) : وهذا الكلام في ذاته تعالي بمقتضي الحس ، كما يتكلم في الأجسام ، قال ابن عقيل في قوله تعالي { قل الروح من أمر ربي } ، قال : من كف خلقه عن السؤال عن مخلوق ، فكفهم عن الخالق وصفاته أولي ، و أنشده : " كيفية النفس ليس المرء يدركها  * فكيف كيفية الجبار في القدم " [ الباز الأشهب ص61 ] ، ( تنبيه ) : روى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال في قوله تعالي (وجاء ربك)جاءت قدرته بسند لا غبار عليه ،  وقال في نفس الكتاب [ ص95-96 ] : ( الحديث التاسع عشر : روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول :  من يدعوني فأستجيب له  )) ( قلت ) : وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا ، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير ، فيبقى الناس رجلين أحدهما المتأول له بمعنى : أنه يقرب رحمته . وقد ذكر أشباء بالنزول فقال تعالى : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ، وإن كان معدنه  بالأرض وقال { وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ومن  لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ..؟  و الثاني : الساكت عن الكلام في ذلك . ( روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا : أمروا هذه الأحاديث بلا كيف قلت : وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة ، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يقتقر إلي ثلاثة أجسام : جسم عالي ، وهو مكان الساكن ، وجسم سافل ، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل ، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا . ( فإن قال العامي : فما الذي أراد بالنزول ؟ قيل : أراد به معني يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه ، فإن قال : كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا : قد علمت أن النازل إليك قريب منك ، فاقنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام ، قال ابن حامد : هو علي العرش بذاته ، مماس له ، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل ، ( قلت ) : وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي ، وقال القاضي : النزول صفة ذاتية ، ولا نقول نزوله انتقال . ( قلت ) وهذا مغالطة ، ومنهم من قال : يتحرك إذا نزل ، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق ، وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه . ولو كان النزول صفة لذاته ، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة ) أهـ [ الباز الأشهب ص95-96 ] ،  ‏وقال الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن : ( قال القاضي عياض  إعلم أن الله ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى وإنما دنو النبي ص من ربه لقربه منه  إبناه عظيم منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبته وقدرته من الله تعالى له  مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول في قوله عليه السلام  ينزل ربنا إلى السماء الدنيا على أحد الوجوه  نزول إجمال وقبول وإحسان ) أهـ [تفسير القرطبي ج: 17 ص: 90 ] ،  وجاء في الفواكه الدواني  : ( من الصفات ما يصح أن يوصف به الخالق والمخلوق على وجه الحقيقة كالعلم بوحدانية الله تعالى فالله نعلم أنه واحد والعبد الموحد أيضا يعلم ذلك بطريق الحقيقة فيهما وكالعلم بحرارة النار وإن كان علم الله قديما وعلم العبد حادثا ومنها ما يوصف به تعالى حقيقة والعبد مجازا كالمعطي والرازق فإن العبد إذا أعطى غيره شيئا يقال له معط مجازا لحصول صورة العطاء منه كما يقال لصورة الفرس فرس ومن ثم أجات بعض المفسرين عن خير الرازقين وأحسن الخالقين مع أنه لا رازق ولا خلق إلا هو سبحانه وتعالى بأن الرازق يطلق على الله حقيقة وعلى المخلوق مجازا أو أن المراد خير من تزعمونهم رازقين ويجري نحو هذين الجوابيين في أحسن الخالقين ومنها ما يوصف به الباري بطريق الحقيقة ولا يوصف به المخلوق لا حقيقة ولا مجازا كالأزلي ومنها ما يوصف به العبد حقيقة ويوصف به الباري مجازا كالاستواء والنزول والمعية والفوقية ) أهـ [ الفواكه الدواني ج: 1 ص: 48 ]   ،  وقال القاضي ابن جماعة في كتابه القيم إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل - وهو يرد على اشكالات الحشوية : ( الحديث الرابع : عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر الحديث ورواه أبو سعيد إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب يتوب )) اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه : ( الأول ) : النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة أجسام منتقل ومنتقل عنه ومنتقل إليه وذلك على الله تعالى محال ، ( الثاني ) : لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله وتنقلات كثيرة لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم إلى قوم وعودة إلى العرش في كل لحظة على قولهم ونزوله فيها إلى سماء الدنيا ولا يقول ذلك ذولب وتحصيل ، (  الثالث ) :  أن القائل بأنه فوق العرش وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعة أو تضاؤل الذات المقدسة عن ذلك حتى تسعة ونحن نقطع بانتفاء الأمرين ، ( الرابع ) إن كان المراد بالنزول استماع الخلق إليه فذلك لم يحصل باتفاق وإن كان المراد به النداء من غير إسماع فلا فائدة فيه ويتعالى الله عن ذلك  ، إذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النزول مع قطعهم بأن مالا يليق بجلاله تعالى غير مراد و تنزيهه عن الحركة والانتقال ، قال الأوزاعي وقد سئل عن ذلك فقال يفعل الله ما يشاء   ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 163 ] ،  وقال العلامة عبد الباقي بن عبد القادر - في درة من كلامه - في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر : (  فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر  ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء      وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  ، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء  ، وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة ) أهـ [ عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 34 ، 36 ]  ، وقال رحمه الله : ( وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه ولم يخبر كيف استوى ومن اعتقد أن الله مفتقر للعرش أو لغيره من المخلوقات أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوقات على كرسيه فهو ضال مبتدع فكان الله ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ، ومنها نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبت الحنابلة ما أثبته رسول الله ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ، ويكلون علمه إلى الله تعالى      وكذلك ما أنزل الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى  : { وجاء ربك والملك } الآية ، وفي قوله : { ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام }  الآية ، ونؤمن بذلك بلا كيف فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل فانتهينا إلى ما أحكمه وكففنا عن الذي يتشابه ) أهـ [ العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 60 ] ،  وقال العلامة الكوثري - وهو يرد علي إستدلال البعض على العلو الحسي بحديث النزول - : (( قاتل الله الجهل ، ما أفتكه ، فمن الذي يجهل استمرار الثلث الأخير من الليل في البلاد باختلاف المطالع حتى يحمل النـزول إلى السماء الدنيا على النـزول الحسي ، وقد حمل حماد بن زيد النـزول في الحديث على معنى الإقبال ومن أهل العلم من حمل الحديث على أن الإسناد فيه مجازي من قبيل الإسناد إلى السبب الآمر ويؤيده حديث أبي هريرة في سنن النسائي وفيه ( ثم يأمر منادياً يقول هل من داع فيستجاب له ) وليس في استطاعة من يخاف الله غير أن يفوض معنى النـزول إلى الله مع التنـزيه أو أن يحمل الحديث على المجاز في الطرف أو في الإسناد ، بل الأخير هو المتعين لحديث النسائي المذكور فيخرج حديث النـزول من عداد أحاديث الصفات بالمرة عند من فكر وتدبر تعالى الله عن النقلة التي يقول بها المجسمــة )) أهـ [ السيف الصقيل ص 102 ]  ،  و قال الإمام القرشي التيمي مجدد القرن السادس حفيد الصديق أبي بكر رضي الله عنه الإمام فخر الدين الرازي - في درة من علم التقديس والتنزيه - : ( المسألة الرابعة : احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى } في إثبات يدين لله تعالى ، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه ، فوجب المصير إليه ، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية ، فوجب القطع به  ، واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأجزاء والأعضاء ، قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتا جارية مجرى الإلزامات الظاهرة ، ( فالأول ) : أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء ، فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها ، وإما أن يزيد عليها ، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح ، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله : { كل شيء هالك إلا وجهه  } ،  [  القصص : 88 ] ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله : { تجرى بأعيننا } [ القمر : 14 ] وأن يثبت جنبا واحدا لقوله تعالى : { ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله } [ الزمر : 56 ] وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى : { مما عملت أيدينا } [ يس : 71 ] وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله عليه وسلم : (( وكلتا يديه يمين )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الحجر الأسود يمين الله في الأرض )) وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } [ القلم : 42 ] فيكون الحاصل من هذه الصورة ، مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة ، وجنب واحد ويكون عليه أيد كثيرة وساق واحد ، ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور ، ولو كان هذا عبدا لم يرغب أحد في شرائه ، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة ، وأما القسم الثاني : وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن ، بل يزيد وينقص على وفق التأويلات ، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر ، ولا بد له من قبول دلائل العقل ، ( الحجة الثانية ) : في إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى ، فإن أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل وأن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى ، وإن نفوهما فهو خصي أو عنين ، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، ( الحجة الثالثة  ) : أنه في ذاته سبحانه وتعالى ، إما أن يكون جسما صلبا لا ينغمز البتة ، فيكون حجرا صلبا ، وإما أن يكون قابلا للانغماز ، فيكون لينا قابلا للتفرق والتمزق . وتعالى الله عن ذلك ، ( الحجة الرابعة ) : أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان كالزمن المعقد العاجز ، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان محلا للتغيرات ، فدخل تحت قوله : { لا أحب الآفلين } [ الأنعام : 76 ] ، ( الحجة الخامسة ) : إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان كالميت ، وإن كان يفعل هذه الأشياء ، كان إنسانا كثير التهمة محتاجا إلى الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل ، ( الحجة السادسة ) : أنهم يقولون إنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء الدنيا ، فنقول لهم حين نزوله : هل يبقى مدبرا للعرش ويبقى مدبرا للسماء الدنيا حين كان على العرش ، وحينئذ لا يبقى في النزول فائدة ، وإن لم يبق مدبرا للعرش فعند نزوله يصير معزولا عن إلهية العرش والسموات  ، ( الحجة السابعة  ) : أنهم يقولون إنه تعالى أعظم من العرش ، وإن العرش لا نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسي ، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة بالنسبة إلى البحر ، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيرا بحيث تسعه السماء الدنيا ، وإما أن يقال إن السماء الدنيا تصير أعظم من العرش ، وكل ذلك باطل  ، ( الحجة الثامنة ) : ثبت أن العالم كرة ، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كانت تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل ، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل ، فحينئذ يكون جسما محيطا بهذا العالم من كل الجوانب ، فيكون إله العالم على هذا القول فلكا من الأفلاك،
( الحجة التاسعة ) : لما كانت الأرض كرة ، وكانت السموات كرات ، فكل ساعة تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل في حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض ، فلو نزل من العرش في ثلث الليل وجب أن يبقى أبدا نازلا عن العرش ، وأن لا يرجع إلى العرش البتة ، ( الحجة العاشرة ) : أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من العيوب أولها : كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض وثانيها : كونه محدودا متناهيا وثالثها : كونه موصوفا بالحركة والسكون والطلوع والغروب ، فإذا كان إله المشبهة مؤلفا من الأعضاء والأجزاء كان مركبا ، فإذا كان العرش كان محدودا متناهيا ، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان موصوفا بالحركة والسكون ، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للإلهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها ، وذلك يبطل قول المشبهة ، وإن لم تكن منافية للإلهية فحينئذ لا يقدر أحد على الطعن في إلهية الشمس والقمر ، ( الحجة الحادية عشرة ) : قوله تعالى : { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة ، وذلك ينافي كونه مركبا من الأجزاء والأبعاض ، ( الحجة الثانية عشرة ) : قوله تعالى : { والله الغني وأنتم الفقراء } [ محمد : 38 ] ولو كان مركبا من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجا إليها وذلك يمنع من كونه غنيا على الإطلاق ، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ) أهـ [ تفسير مفاتح الغيب : ج 13 : ص 212 إلى 214 ] ،  وقال رحمه الله - في درة من كلامه - في كتابه الذي لم أر في التقديس كتاباً مثله ( كتاب أساس التقديس  ) : ( الفصل التاسع في المجيء والنـزول  احتجوا بقوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ، وبقوله تعالى :  { وجاء ربك } ، واحتجوا بالأخبار الواردة فمنها ما رواه صاحب شرح السنة رحمه الله في باب إحياء ءاخر الليل وفضله عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وتنـزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده )) ، ثم قال : (( إن الله تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأخير ينـزل إلى هذه السماء الدنيا فينادي هل من مـذنـب يتوب هل من مستغفر هل من داع هل من سائل إلى الفجر )) قال صاحب هذا الكتاب هذا حديث متفق على صحته، وفي هذا الباب أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينـزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ..  الحديث ، واعلم أن الكلام في قوله:  { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}  من وجهين : ( الأول ) : أن نبين بالدلائل القاهرة أنه سبحانه وتعالى منـزه عن المجيء والذهاب ، و ( الثاني ) : أن نذكر التأويلات في هذه الآيات،  أما النوع الأول فنقول: الذي يدل على امتناع المجيء والذهاب على الله تعالى وجوه : ( الأول ) : ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب فإنه لا ينفك عن المحدث وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب وجب أن يكون محدثا خلوقا فالإله القديم يستحيل أن يكون كذلك ، و ( الثاني ) : أن كل ما يصح عليه الانـتـقال من مكان إلى مكان فهو محدود متناه فيكون مختصا بمقدار معين مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص منه فحينئذ يكـون اختصاصه بذلك المقدار لأجل تخصيص مخصص وترجيح مرجح وذلك على الإله القديم محال ، و ( الثالث ) : وهـو أنا لو جوزنا فيما يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلها قديما أزليا فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي إلهية الشمس والقمر ، و ( الرابع ) : أنه تعالى حكى عن الخليل عليه السلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله : { لا أحب الآفلين} ، ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور ، فمن جوز الغيبة والحضور على الإله تعالى فقد طعن في دليل الخليل وكذب الله تعالى في تصديق الخليل في ذلك حيث قال : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } ، وأما النوع الثاني في بيان التأويلات المذكورة في هذه الآية فنقول فيه وجهان : ( الأول ) : المراد هل ينظرون إلا أن يأتيهم ءايات الله فجعل مجيء ءايات الله مجيئا له على التفخيم لشأن الآيات كما يقال جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته ، و ( الوجه الثاني ) : أن يكون المراد هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا أضاف فعلا إلى شيء فإن كان ظاهر تلك الإضافة ممتنعا فالواجب صرف ذلك الظاهر إلى التأويل كما قال العلماء في قوله تعالى: {إن الذين يحادون الله} المراد يحادون أولياءه وقد قال تعالى:  { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ }  والمراد أهل القرية فكذا قوله تعالى : { يأتيهم الله} ، أي يأتيهم أمر الله وليس فيه إلا حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وذلـك مجاز مشهور يقال ضرب الأمير فلانا وأعطاه والمراد أنه أمر بذلك والذي يؤكد صحة هذا التأويل وجهان : ( الأول ) : أن قوله تعالى:  { يأتيهم الله} ، وقوله:  { وجاء ربك‏ } ، إخبار عن حال القيامة ثم إن الله تعالى ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال:  { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك} ، فصار هذا مفسرا لذلك المتشابه لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض ، و ( الثاني ) : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { وقضى الأمر } ،  ولا شك أن الألف واللام للمعهود السابق وهذا يستدعي أن يكون قد جرى ذكره من قبل ذلك حتى يكون الألف واللام إشارة إليه وما ذاك إلا الذي أضمرناه من أن قوله : { يأتيهم الله}  أي يأتي أمر الله ، فأما الحديث المشتمل على النـزول إلى السماء الدنيا فالكلام عليه من وجهين : ( الوجه الأول ) : بيان أن النـزول قد يستعمل في غير الانتقال وتقريره من وجوه : ( أحدها ) : قوله تعالى:  { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ونحن نعلم بالضرورة أن الجمل والبقر ما نزل من السماء إلى الأرض على سبيل الانتقال ، وقال الله تعالى : { فأنزل الله سكينته على رسوله } ، والانتقال على السكينة محال ، وقال الله تعالى : { نزل به الروح الأمين على قلبك} ، والقرآن سواء قلنا إنه عبارة عن صفة قديمة أو قلنا إنه عبارة عن الحروف والصوت والانتقال عليه محال،  وقال الشافعي المطلبي رضي الله عنه : دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنـزلت ثم نزلت ولم يكن المراد من هذا النزول الانتقال ، و ( الثاني ) : أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى ، ( الثالث ) : أن القوم رأوا أن كل سماء في مقابلة السماء التي فوقها كقطرة في بحر وكدرهم في مفازة ثم كل السموات في مقابلة الكرسي كقطرة في البحر والكرسي في مقابلة العرش كذلك ثم يقولون إن العرش مملوء منه والكرسي موضع قدمه فإذا نزل إلى السماء الدنيا وهي في غاية الصغر بالنسبة إلى ذلك الجسم العظيم فإما أن يقال إن أجزاء ذلك الجسم العظيم يدخـل بعضـها في بعض وذلك يوجب القول بأن تلك الأجزاء قابلة للتـفرق والتمزق ويوجـب القول أيضا بتداخل الأجزاء بعضها في بعض وذلك يقتضي جواز تداخل جملة العالم في خردلة واحدة وهو محال وإما أن يقال إن تلك الأجزاء بليت عند النـزول إلى السماء الدنيا وذلك قول بأنه قابل للعدم والوجود وذلك مما لا يقوله عاقل في صفة الإله تعالى فيثبت بهذا البرهان القاهر أن القول بالنـزول على الوجه الذي قالوه باطل ، و ( الرابع ) : أنا قد دللنا على أن العالم كرة فإذا كان كذلك وجب القطع بأنه أبداً يكون الحاصل في أحد نصفي الأرض هو الليل، وفي النصف الآخر هو النهار، فإذا وجب نزوله إلى السـماء الدنيا في الليل، وقد دللنا على أن الليل حاصل أبداً فهذا يقتضي أن يبقى أبداً في السماء الدنيا إلا أنه يستدير على ظهر الفلك بحسب استدارة الفلك وبحسب انتقال الليل من جانب من الأرض إلى جانب ءاخر، ولو جاز أن يكون الشيء المستدير مع الفلك أبداً إلهاً للعالم فلم لا يجوز أن يكون إله العالم هو الفلك ومعلوم أن ذلك لا يقوله عاقل ، ( النوع الثاني ) : من الكلام في هذا الحديث بناؤه على التأويل على سبيل التفصيل، وهو أن يحمل هذا النـزول على نزول رحمته إلى الأرض في ذلك الوقت والسبب في تخصيص ذلك الوقت بهذا الفعل وجوه : ( الأول ) : أن التوبة التي يؤتى بها في قلب الليل الظاهر أنها تكون خالية عن شوائب الدنيا لأن الأغيار لا يطلعون عليها فتكون أقرب إلى القبول ، و ( الثاني ) : أن الغالب على الإنسان في قلب الليل الكسل والنوم والبطالة فلولا الجد العظيم في طلـب الدين والرغبة الشديدة في تحققه لما تحمل مشاق السهر ولما أعرض عن اللذات الجسمانية، ومتى كان الجد والرغبة والإخلاص أتم وأكمل كان الثواب أوفر ، و ( الثالث ) : أن الليل وقت الكسل والفتور فاحتيج في الترغيب في الاشتغال بالعبادة في الليل إلى مزيد أمور تؤثر في تحريك دواعي الاشتغال والتهجد، فيحسن أن الشارع يخص هذا الوقت بمثل هذا الكلام ليكون توفر الدواعي على التهجد أتم فهذه الجهات الثلاث تصلح أن تكون سبباً لتخصيص الشارع هذا الوقت بهذا التشريف ولأجلها قال الله تعالى : { وبالأسحار هم يستغفرون} ، وقال تعالى : { والمستغفرين بالأسحار } ، و ( الوجه الرابع ) : إن جمعا من أشراف الملائكة ينـزلون في ذلك الوقت بأمر الله تعالى فأضيف ذلـك إلى الله تعالى لأنه حصل بسبب أمر الله تعالى كما يقال: بنى الأمير داراً وضرب ديناراً. وممن ذهب إلى هذا التأويل من يروي الخبر بضم الياء تحقيقاً لهذا المعنى ، واعلم أن تمام التقرير في تأويل هذا الخبر أن من نزل من الملوك عند إنسان لإصلاح شأنه والاهتمام بأمره فإنه يكرمه جداً بل يكون نزوله عنده مبالغة في إكرامه فلما كان النـزول موجباً للإكرام أطلق اسم النـزول على الإكرام، وهذا أيضاً هو المراد بقوله تعالى : { وجاء ربــك والملك صفاً صفا } ، وذلك أن الملك إذا جاء وحضر لفصل الخصومات عظم وقعه واشتدت هيبته والله أعلم  ) أهـ

( 5 ) اللوازم الفاسدة للقول بالنزول الحقيقي : من تلك اللوازم : ( أ ) الحلول في السماء ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، ( ب ) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال ، ( ت ) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا ، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين ، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم ( أربعة وعشرون ساعة نازل صاعد ) وهل يقول بهذا إلا أحمق مجنون ، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك ، ( ث ) كما يقول الرازي : أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل ،  وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى ، ( ج ) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين ، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال ، ( ح ) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة ، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله ، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم ، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت ،

( 6 ) حل إشكالية حديث النزول : أخرج النسائي حديث النزول بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا  ، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [ طه : 14 ] ، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده ، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك ، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام ، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى : ((  مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) ،  قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في كتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية ما نصه : ( قال أهل التأويل إن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره وقال بعضهم إن قوله : (( ينـزل )) راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته المقدس فإن النـزول كما يكون في الأجساد يكون في المعاني أو راجـع إلى المَلَك الذي ينـزل بأمره ونهيه تعالى، فإن حمل النـزول في الأحاديث على الجسم فتلك صفة المـلَك المبعوث بذلك وإن حمل على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل سمى ذلـك نـزولا من مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة والحاصل أن تأويله على وجهين إما بأن المراد ينـزل أمره أو المَلَك بأمره وإما أنه استـعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، وقد حكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي يُنـزل ملكا قالوا ويقويه ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله عز وجل يُمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) قال القرطبي : صححه عبد الحق ، قالوا : وهذا يرفع الإشكال ويُـزيل كل احتمال والسنة يُفسر بعضها بعضا وكذا الآيات، قالوا : ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدس فإن الـحديـث فيه التصريح بتجدد النـزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب جل شأنه يجب اتصافها بالقدم وتنـزيهها عن التجدد والحدوث، قالوا : وكل ما لم يكن فكان أو لم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفة الأفعال، قالوا : فالنـزول والاستواء من صفات الأفعال " أهـ  ، وللمزيد حول تحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ، وبيان أقوال علماء أهل السنّة والجماعة حول الحديث : انظر كتابي : (  كتاب شرح حديث النزول في ضوء قواعد التنزيه )  ، وهو ضمن ( مجموعة الرسائل المتعلقة بالتقديس والتنزيه وفهم العقيدة الصحيحة )

***

( 4 )  حل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم  ،  والجارحة والأعضاء كالوجه واليد والعين

الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء في وجوده أو في ذاته أو في أسمائه أو في صفاته أو في أفعاله ، ليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تحتاج إلى مكان أو تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل موجود في مكان فهو محدود بهذا المكان يحيزه ويحيط به والله تعالى بكل شيء محيط ، وليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا ، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب

( أ  ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ] ،  وللرد على جهل هؤلاء ، أقول : أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ،  وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم ، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،   [ مجاز اليد في القرآن ] : والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها  ،  وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ،  على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،   [  وأما مجاز العين في القرآن ] : فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

***

 (  5  )  حل اشكالية الفوقية والعلو والاستواء والجهة والمكان

( 1 ) يستند الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بنصوص من الكتاب والسنّة تؤول إلى ثلاثة عشر دليلاً رئيسياً ، الدليل الأول : التصريح بالفوقية مقروناً بأداة ( من ) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، الدليل الثاني : ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة , قال تعالى:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، الدليل الثالث :  التصريح بالعروج  إلى الله تعالى ، كما في قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [ المعارج : 4 ] ، الدليل الرابع :  التصريح بالصعود إليه ، كما في قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، الدليل الخامس :  التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه , كما في قوله تعالى : {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [ النساء : 158 ]  , وقوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ] ، الدليل السادس :  التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً، قال تعالى:{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] , وقوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , وقوله تعالى : {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [ الشورى : 51 ] ، الدليل السابع :  التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} [ آل عمران : 7 ] , وقوله تعالى :  {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [ غافر : 2  ] ، الدليل الثامن :  التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , وقوله تعالى : {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[  الأنبياء : 19 ] ،  الدليل التاسع :  التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الدليل العاشر :  التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [ الأعراف : 54 ] ، الدليل الحادي عشر  : التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا ، لحديث البخاري ومسلم : (( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له ))  ، الدليل الثاني عشر : التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى ، لحديث الترمذي : (( إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين )) [ صحيح الترمذي للألباني : ح ( 3556 ) ] ، الدليل الثالث عشر : التصريح بلفظ (( أين الله )) في حديث مسلم : (( قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : ح  (537) ] ، وبعد فهذه هي الأدلة الرئيسة التي يستند إليها الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بنصوص من الكتاب والسنّة ،

(  2  ) هذه النصوص صحيحة ولكن تكمن المشكلة في الفهم الخاطئ لها من قبل هؤلاء الغير متخصصين في علم العقيدة ، وسوف اتناول كل دليل من تلك الادلة برد متشابهها إلى محكمها الذي يضبط الفهم الصحيح اللازم لها ،

(  3  ) حل اشكالية الدليل الأول : التصريح بالفوقية مقروناً بأداة ( من ) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، وفي الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ، قال القرطبي : ( ومعنى يخافون ربهم   من فوقهم   أي من عقاب ربهم وعذابه لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء وقيل  المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم ففي الكلام حذف ) أهـ [تفسير القرطبي ج: 10 ص: 113 ] ، وقال بن جهبل - وهو يرد على مثبت الجهة - : (  وأردفه بقوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم وتلك أيضا لا دلالة له فيها عن سماء ولا عرش ولا أنه في شيء من ذلك حقيقة  ، ثم الفوقية ترد لمعنيين  : أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به من لا يجسم وبتقدير أن يكون هو المراد وأنه تعالى ليس لجسم فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة ل يخافون ويكون تقدير الكلام يخافون من فوقهم ربهم   أي أن الخوف من جهة العلو وأن العذاب يأتي من تلك الجهة ،  وثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير   وكما يقال جلس فلان فوق فلان والعلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة   وقد وقع ذلك في قوله تعالى حيث قال ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ولم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر ومن ذلك قوله تعالى وإنا فوقهم قاهرون وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم  ) أهـ [ طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 47 ] ،

(  4  ) حل اشكالية الدليل الثاني : ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة , قال تعالى:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير ، قال القرطبي : (وهو القاهر   فوق عباده   القهر الغلبة والقاهرالغالب وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل قال الشاعر  تمنى حصين أن يسود جذاعه فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب ومعنى  { فوق عباده }  فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول  السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 399 ] ، وقال أبو السعود : (وهو القاهر   فوق عباده   أي هو المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة إلى غير ذلك ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 144 ] ، وقال البغوي : ( { وهو القاهر فوق عباده } : القاهر الغالب وفى القهر زيادة معنى على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد وقيل هو المنفرد بالتدبير يجبر الخلق على ماده   فوق عباده   هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل وهو الحكيم فى أمره الخبير بأعمال عباده ) أهـ [ تفسير البغوي ج: 2 ص: 89 ] ، وقال الشوكاني : (قوله وهو القاهر   فوق عباده   المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية ) أهـ [ فتح القدير ج: 2 ص: 124 ] ، وقال الألوسي : (وهو القاهر   فوق عباده   قيل هو استعارة تمثيلية وتصوير لقره سبحانه وتعالى وعلوه عز شأنه بالغلبة والقدرة وجوز أن تكون الاستعارة بالظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس وقيل  إنه كناية عن القهر والعلو بالغلبة والقدرة  إن فوق زائدة وصحح زيادتها وإن كانت اسما كونها بمعنى على وهو كما ترى والداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة والله تعالى منزه عنها لأنها محدثة باحداث العالم واخرجه من العدم إلى الوجود ويلزم أيضا من كونه سبحانه وتعالى في جهة مفاسد لا تخفي ) أهـ [ روح المعاني ج: 7 ص: 114 ] ، وقال الرازي : ((هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً)   اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته. وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} (الفتح: 10) ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله: {وهو القاهر فوق عباده} مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهوراً. وتقرير هذا القهر من وجوه: الأول: إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد، والثاني: أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى. فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات. والثالث: أنه قهار لكل ضده بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار. وتمام تقريره في قوله: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} (آل عمران: 26) ، وإذا عرفت منهج الكلام فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد فالفوق ضده التحت، والماضي ضده المستقبل، والنور ضده الظلمة، والحياة ضدها الموت، والقدرة ضدها العجز. وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبرا ًقادراً قاهراً منزهاً عن الضد والند، مقدساً عن الشبيه والشكل. كما قال: {وهو القاهر فوق عباده} والرابع: أن هذا  البدن مؤلف من الطبائع الأربع. وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول  الاجتماع. فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى، كما قال: {وهو القاهر فوق عباده} وأيضاً فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة. ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة، وجعل كل واحد منهما مستكملاً بصاحبه منتفعاً بالآخر. فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد  والتفرق، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية، والمعارف الإلهية، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع، كما قال {وهو القاهر فوق عباده} وأيضاً فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين، ومكنة المعارض فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجري مجرى القهر فكان قاهراً لعباده من هذه الجهة، وإذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى، كما قال: {وهو القاهر القاهر فوق عباده}.

(  5 ) حل اشكالية الدليل الثالث :  التصريح بالعروج  إلى الله تعالى ، كما في قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [ المعارج : 4 ] ، قوله تعالى :{ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [ المعارج : 3 ، 4 ] ، فعند حمل متشابه المعاني على محكمها نجد أنّ معنى قوله تعالى : { مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ } أي من الله تعالى ذي الفواضل والنعم والدرجات التي يمنحها للطائعين من عباده ، وقد يكون معناه من الله تعالى ذي العظمة والعلاء ،  قال الطبري : ( وقوله { ذي المعارج } يعني ذا العلو والدرجات والفواضل والنعم   وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل   ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله   ذي المعارج   يقول العلو والفواضل   حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة من الله   ذي المعارج   ذي الفواضل والنعم  ) أهـ [ تفسير الطبري ج: 29 ص: 70 ] ، وقال القرطبي : (  { من الله ذي المعارج } ،  أي ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم قاله ابن عباس وقتادة فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق وقيل ذي العظمة والعلاء وقال مجاهد  هي معارج السماء وقيل  هي معارج الملائكة لأن الملائكة تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك وقيل  المعارج الغرف أي إنه ذو الغرف أي جعل لأوليائه في الجنة غرفا ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 281 ] ، وقال ابن كثير : (من الله   ذي المعارج   قال الثوري عن الأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى   ذي المعارج   قال ذو الدرجات وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس   ذي المعارج   يعني العلو والفواضل ) أهـ [ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 419 ] ، أما قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } ، فعروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده تعالى أن يحويه مكان ، وقد تقدم أنّ وجوده أزلي قبل خلق المكان ، وأنّ المكان مخلوق محدود مهما اتسع ، وأنّ الله تعالى لا يحويه مكان لأنّه خالقه وخالق العرش فمن دونه ، قال الواحدي : ( تعرج الملائكة والروح يعني جبريل عليه السلام إليه إلى محل قربته وكرامته وهو السماء ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1132 ] ،

(  6  ) حل اشكالية الدليل الرابع :  التصريح بالصعود إليه ، كما في قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } [ فاطر : 10 ] ، { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  } أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم ، قال الطبري : ( قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } قال الحسن وقتادة لا يقبل الله قولا إلا بعمل من قال وأحسن العمل قبل الله منه ) أهـ [ تفسير الطبري ج: 22 ص: 120 ] ، وقال البغوي : ( وعن قتادة : {إليه يصعد الكلم الطيب } أي يقبل الله الكلم الطيب ) أهـ [ تفسير البغوي ج: 3 ص: 566 ] ، وقال البيضاوي : ( وصعودهما إليه مجاز عن قبوله اياهما ) أهـ [ تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 413 ] ، وقال النسفي : (ومعنى قوله إليه إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود أو إلى حيث لا ينفذ فيه الا حكمه ) أهـ [ تفسير النسفي ج: 3 ص: 337 ] ، وقال أبو السعود : ( وقوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح وصعودهما إليه مجاز عن قبوله تعالى إياهما أو صعود الكتبة بصحيفتهما ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 7 ص: 145] ، وقال الشوكاني : ( ومعنى صعوده إليه قبوله له أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف ) أهـ [ فتح القدير ج: 4 ص: 341 ] ، وقال ابن الجوزي : (فالمعنى والعمل الصالح يرفعه الله إليه أي يقبله ) أهـ [ زاد المسير ج: 6 ص: 478 ] ، وفي الجلالين : (والعمل الصالح يرفعه : يقبله ) [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 572 ] ، وقال الألوسي : (وصعود الكلم إليه تعالى مجاز مرسل عن قبوله بعلاقة اللزوم أو إستعارة بتشبيه القبول بالصعود ) أهـ [ روح المعاني ج: 22 ص: 174 ] ،

(  7  ) حل اشكالية الدليل الخامس :  التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه , كما في قوله تعالى : {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [ النساء : 158 ]  , وقوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ] ، والمعنى في الآيتين : أي إلى مكان كرامته في السماء ، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله ، ولأنها منزهة عن معاصي العباد ، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء ، ليس مكان منها بعيد عن الله ، وهو من جميع عباده قريب ، قال القرطبي - ولله دره - : (بل رفعه الله إليه   ابتداء كلام مستأنف أي إلى السماء والله تعالى متعال عن المكان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 10 ] ، وقال الواحدي : (بل رفعه الله إليه   أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سوى الله فيه حكم وكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعا إليه لأنه رفع عن أن يجري عليه حكم أحد من العباد ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 1 ص: 301 ] ، وفي تفسير الثعالبي : (وقوله تعالى   بل رفعه الله إليه   يعني إلى سمائه وكرامته وعيسى عليه السلام في السماء على ما تضمنه حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج ) أهـ [ تفسير الثعالبي ج: 1 ص: 431 ] ، وقال ابن جهبل وهو يرد على المستدل بالآية على اثبات المكان لله : (وأتبعها بقوله تعالى إني متوفيك ورافعك إلي وما أدري من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام أو هو شيء أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في العلو في الجهة فإن كان كما خطر له فذاك أيضا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية وإن لم يقل بهما فلا حقيقة فيما استدل به وإن قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة ولعله لم يسمع الرفع في المرتبة والتقريب في المكانة من استعمال العرب والعرف ولا فلان رفع الله شأنه ) [ طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 46 ] ،

(  8  ) حل اشكالية الدليل السادس :  التصريح بالعلو ، كما في قوله  تعالى:{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] , وقوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , وقوله تعالى : {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [ الشورى : 51 ] ، وقوله تعالى : { سَـبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } ،  ونقول المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام ، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام : { قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى } ، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر ، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي ، وأنّه أعلى مسافة منه ،   وكذلك قوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  } [ آل عمران : 139 ] ، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع ، وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها : ((  ونادَى أبو سفيان فقال ( اعْلُ هُبَل ) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم ( الله أعلَى وأَجَلُّ ) )) ، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة ، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة ، وهل إذا كان حراس الملك يحرسونه وهم في شرفة عالية ، هل هم الأعلون أم أنّ الملك وإن كان في السفل أعلى منهم ، لأنّه الملك الآمر الناهي ، هذا على سبيل تفهيم الأمر وأنّه لا علاقة لعلو المكان في بيان الربوبية والإلهية ، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته ، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان ، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط ، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض ،  والله تعالى قريب ، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته ، : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا  } [ المجادلة : 7 ] ، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة ، والمسلم حين يقول وهو ساجد . { سبحان رَبِّيَ الأعلَى } ، معناه : سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً ، سبحانه وتعالى، وليس المعنى أن الله تبارك وتعالى عالٍ بالمكان والحَيّز والجهة ،  وعلى هذ   ا الحمل للمتشابه على المحكم أطبق المتخصصون في العقيدة والعلماء الراسخون في العلم ، قال القرطبي في تفسيره : ( ووصفه تعالى بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ

(  9  ) حل اشكالية الدليل السابع :  التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} [ آل عمران : 7 ] , وقوله تعالى :  {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [ غافر : 2  ] وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى:  { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } [ البروج : 21، 22 ] ، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ، قوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } [ الدخان : 3 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [ القدر : 1 ] ، وقوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  } [ البقرة : 185 ] ، ولما أخرجه النسائي والحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم )) ، ولما أخرجه النسائي والحاكم من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: (( أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة  ثم  قرأ : { وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا } [ الإسراء :  105،  106] ، ثم تتابع نزول جبريل عليه السلام به من بيت العزة في السماء الأولى إلى الأرض منجماً في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع والحوادث، وحاجات الناس ، لقوله تعالى : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 193 إلى 195 ] ، وقوله تعالى : { وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا } [ الإسراء : 106 ] ، فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض ، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه ، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود ، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر ، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء ، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،

(  10  ) حل اشكالية الدليل الثامن :  التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , وقوله تعالى : {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[  الأنبياء : 19 ] ، المراد من العندية في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ }  ، وقوله تعالى : { وَمَنْ عِنْدَهُ } ، هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ، قال القرطبي : (لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده عن الزجاج وقال غيره  لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل  لأنهم رسل الله كما يقال  عند الخليفة جيش كثير وقيل  هذا على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 7 ص: 356 ] ، وقال رحمه الله : (قوله : { إن الذين   عند ربك } ، و { رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } ، و { إن الله لمع المحسنين } ونحو ذلك كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة لا إلى المكان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 10 ص: 312 ] ، وقال أبو السعود : (إن الذين   عند ربك   وهم الملائكة عليهم السلام ومعنى كونهم عنده سبحانه وتعالى قربهم من رحمته وفضله لتوفرهم على طاعته تعالى لا يستكبرون عن عبادته بل يؤدونها حسبما أمروا به ويسبحونه أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه وله يسجدون أي يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيئا ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 310 ] ، وقال الشوكاني : (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته المراد بهم الملائكة قال القرطبي بالإجماع قال الزجاج وقال : { عند ربك } ، والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده ) [ فتح القدير ج: 2 ص: 281 ] ( تنبيه ) : القصد من قوله : ( والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده ) : أنّه قريب ليس كمثله في قربه شيء ، وإلا فاللفظ المناسب هو أنّ الله تعالى منزه عن المكان لأنّ الأماكن كلها محدودة والله تعالى منزه عن الحدود ، وقال النسفي : (أن الذين   عند ربك   مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ) أهـ [تفسير النسفي ج: 2 ص: 53 ] ، وقال : ( { فان استكبروا فالذين عند ربك } أي الملائكة : { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون } لا يملون .. وعند ربك عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة ) أهـ [  تفسير النسفي ج: 4 ص: 91 ] ، وقال الألوسي : (قوله تعالى  إن الذين   عند ربك   وقوله سبحانه  حكاية ابن لي عندك بيتا وقوله تعالى  وإن الله لمع المحسنين إلى غير ذلك مما هو كناية عن المكانة لا عن المكان ) أهـ [ روح المعاني ج: 15 ص: 142 ] ، وقال ابن الجوزي فقيه الحنابلة ، وهو يرد على حشوية الحنابلة في كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب : (الحديث الخامس والأربعون : روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ((  لما قضي الله الخلق كتب في كتابه – فهو عنده فوق العرش – إن رحمتي غلبت غضبي ، وفي لفظ سبقت )) ، قال القاضي - يقصد به أبو يعلى - : ظاهر قوله عنده القرب من الذات ، واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام ، وقد قال سبحانه وتعالي " مسومة عند ربك " ) أهـ [ الباز الأشهب ص130-131 ] ، وقال القاضي ابن جماعة - وهو يرد على مثبت المكان بالعندية بكلام رصين محكم يكتب بماء الذهب - : ( الآية الخامسة قوله تعالى : { إن الذين عند ربك } ، { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ، { عند مليك مقتدر } ، { ابن لي عندك بيتا في الجنة} ، {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } ، { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، ورد ذلك في الحديث كثيرا كقوله : (( أنا عند ظن عبدي بي )) ، (( أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي )) ، كل ذلك ليس المراد به عندية الجهة بل عندية الشرف والكرامة والإعانة والجبر واللطف ، لا عندية الحيز والمكان فإن كون الرب تعالى عند الإنسان باعتبار الجهة والمكان محال بالإجماع ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 112 ] ،

(  11  ) حل اشكالية الدليل التاسع :  التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء ، أي في العلو إشارة إلى علو الذات والصفات , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على نعنى العلو ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث ، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي ، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء , تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ  ، ولما تقدم من اجماع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان ، وقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم وقد قيل هو جبريل عليه السلام لأنّه الموكل بالخسف ، أو يكون المعنى أأمنتم من في السماء : أي من في السماء أمره أو قضاؤه أو من في السماء ( أي العلو ) مكانته وقدرته وسلطانه ، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام ، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى ،  وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره ، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله ، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها نمن صفات العجز والنقص ، وإليك طائفة من أقوال الراسخين في علم العقيدة والمتخصصين فيها في فهم الآية ورد متشابهها إلى محكمه ، قال القاضي عياض : (  لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله ( ءأمنتم في السماء ) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم ) أهـ [ إكمال المعلم : ج2ص465] ، وقال القرطبي - في درة من تنزيهاته - : ( تقديره  :  أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض ، وقيل  هو إشارة إلى الملائكة وقيل  إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب ، قلت  : ويحتمل أن يكون المعنى  أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون فإذا هي تمور أي تذهب وتجيء والمور  الاضطراب بالذهاب والمجيء .. وقال المحققون  أمنتم من فوق السماء كقوله  فسيحوا في الأرض أي فوقها لا بالممارسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير وقيل  معناه أمنتم من على السماء كقوله تعالى  ولأصلبنكم في جذوع النخل أي عليها ومعناه أنه مديرها ومالكها كما يقال  فلان على العراق والحجاز أي واليها وأميرها والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 215 ، 216 ] ، وقال العلامة ابن الجوزي - وهو يرد على حشوية الحنابلة : ( ومن الآيات قوله تعالي : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } قلت : وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها ، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف ، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا ، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق ) أهـ [الباز الأشهب المنتفض على ص59 ] ، وقال أبو السعود في تفسيره : ( أأمنتم من في السماء أي الملائكة الموكلين بتدبير هذا العالم او الله سبحانه على تأويل من في السماء امره وقضاؤه او على زعم العرب حيث كانوا يزعمون انه تعالى في السماء اي   أأمنتم من   تزعمون انه في السماء وهو متعال عن المكان أن يخسف بكم الأرض بعدما جعلها لكم ذلولا تشمون في مناكبها وتأكلون من رزقه ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 9 ص: 7 ] ، وقال الواحدي في تفسيره : (أأمنتم من   في السماء قدرته وسلطانه وعرشه أن يخسف بكم الأرض ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1118 ] ، وقال النسفي في تفسيره : (أأمنتم من   في السماء أي من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته ومنها تنزل قضايا وكتبه وأوامره ونواهيه فكانه قال أأمنتم خالق السماء وملكه أو لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه وانه في السماء وان الرحمة والعذاب ينزلان منه فقيل لهم على حسب اعتقادهم أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان أن يخسف بكم الأرض كما خسف بقارون فإذا هي تمور تضطرب وتتحرك ) أهـ [ تفسير النسفي ج: 4 ص: 265 ] ، وجاء في تفسير الجلالين : (من في السماء   سلطانه وقدرته أن يخسف بدل من من بكم الأرض فإذا هي تمور تتحرك بكم وترتفع فوقكم  ) أهـ [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 756 ] ، وقال القاضي ابن جماعة في كتابه الفذ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل - وهو يحاول تصفية الأذهان عن الحشو والتجسيم - : (  وكذلك لا يصح أن يقال لمن هو فوق سطح يسع لدار عظيمة في وسطها من أسفل بيت صغير إنه في ذلك البيت مع أن نسبة العرش إلى السماء أضعاف أضعاف ذلك السطح بالنسبة إلى ذلك البيت  ، وأيضا فإن بعض الخصوم يقول إنه على العرش وقد قام الدليل القاطع عند العقلاء أن نسبة السماء إلى العرش وعظمته قليل جدا فكيف تسع مع لطفها بالنسبة إلى العرش من هو ملء العرش مع عظمته فإنه يلزم إما اتساع السماء أو تضاؤل الذات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، الثالث اعلم أن السموات كرية لقيام الدليل الحسي والنقلي على ذلك فإن كان في وجهها عندكم فقد جعلتموه كفلك منها وإن كان في جهة البعض فترجيح من غير مرجح ، فإن قيل المراد بالسماء الجنس لا المسمى الجميع قلنا يلزم التناقض لأن العرش خارج السموات وقلتم إنه على العرش وأيضا يلزم التجزئ أو كونه متحيز داخلا في حيزين كما سيأتي في قوله تعالى: {وهو الله في السموات } ، والكل محال تعالى الله عن ذلك ، إذا ثبت ذلك تعين أن المراد إما ملائكة في السماء مسلطون على من شاء الله من الكفار لأن اللفظة تحتمله أو أن المخاطبين كانوا يعتقدون اعتقاد المجسمة فقيل لهم بحسب ما كانوا يعتقدونه في زعمهم أو أن المراد التعظيم وعلو الرتبة والقدرة أي من في السماء ملكوته وسلطانه وملائكته فيكون المراد بالسماء العلو والرفعة ، فإن قيل في هاهنا بمعنى على كقوله تعالى : { في جذوع النخل } ، قلنا هذا مردود لوجهين : أحدهما : أن ذلك خلاف الأصل وموضوع اللغة التي نزل بها القرآن وممنوع عند المحققين من نحاة البصرة بل هو على بابه لتمكنهم على الجذوع تمكن المظروف من ظرفه لآنهم لم يكونوا مستعلين عليها بل كانوا معها ، الثاني لو أريد معنى على كان لفظه أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله : {من في السماء } ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 115، 116 ] ، وقال الشاطبي في الموافقات : (   والثالث قوله تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم } ، { أأمنتم من في السماء  } ، وأشباه ذلك إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيها على نفي ما ادعوه في الأرض فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة البتة ولذلك قال تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم } فتأمله واجر على هذا المجرى في سائر ) [ الموافقات ج: 3 ص: 351 ] ، وجاء في حاشية ابن عابدين - في بيان كفر من نسب المكان إلى الله - : ( قال الله تعالى في السماء عالم لو أراد به المكان كفر لا لو أراد به حكاية عما جاء في ظاهر الإخبار ) [ حاشية ابن عابدين ج: 3 ص: 720 ] ، وقال العلامة بن جهبل وهو يرد مثبت المكان والجهة : ( وأتبع ذلك قوله : { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض } وخص هذا المستدل من بالله تعالى ولعله لم يجوز أن المراد به ملائكة الله تعالى ولعله يقول إن الملائكة لا تفعل ذلك ولا أن جبريل عليه السلام خسف بأهل سدوم فلذلك استدل بهذه الآية ولعلها هي النص الذي أشار إليه ) أهـ [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 46 ] ، وقال القسطلاني - عند شرحة لحديث البخاري عن أم المؤمنين زينب رضي الله عنها وقولها ((إن الله أنكحني في السماء )) قال القسطلاني شارخ البخاري : ( وذات الله تعالى منزهة عن المكان والجهة ، فالمراد بقولها : (( في السماء )) الاشارة إلى علو الذات والصفات , وليس ذلك باعتبار أن محله تعالى في السماء , تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ ) أهـ

(  12  ) حل اشكالية الدليل العاشر :  التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [ الأعراف : 54 ] ، ( أ ) أهل التنزيه في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة ، وهو جل شأنه القريب منا ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ولكنة قرب منزه عن الحلول والإتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير ) كما أن الإستواء إستواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين ، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والإستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله ، وكما أنه منزه عن الحلول والإتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه ، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته ، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته ، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد ، وقد تقدم في في الباب الأول : باب قواعد من أدلة الكتاب والسنة تمهد لفقه قواعد التقديس ، في القاعدة التاسعة : فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى ، ذكر آيات الاستواء ومفاتيح فهمها الفهم الذي يمنع من الوقوع في بدعة التشبيه ، وانها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن

(  13  ) حل اشكالية الدليل الحادي عشر  : التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا ، لحديث البخاري ومسلم : (( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له )) قلت : قد تقدم في القاعدة الثالثة : القضاء على شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه ، مبحث تحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ، ما يشفي الغليل في هذا الباب ،

(  14 ) حل اشكالية الدليل الثاني عشر : التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى ، لحديث الترمذي : (( إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين )) [ صحيح الترمذي للألباني : ح ( 3556 ) ] ، وذلك لأن السماء قبلة الدعاء كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة ، فترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء ، قال القرطبي : ( الأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 216 ] ، وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي : ( وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة، ولله أن يَتعبَّد عبادَه بما شاء، ويوجههم إلى حيث شاء، وإن ظَنَّ من يظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجهًا في الصلاة ونحوها، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج" انتهى ثم ذكر تنـزيه الله عن الجهة ) أهـ [كتاب التوحيد (ص :  75 - 76)] ، وقال الحافظ الزبيدي  : ( فإن قيل : إذا كان الحقُّ سبحانه ليس في جهةٍ، فما معنى رفع الأيدي بالدعاء نحو السماء ؟. فالجواب : من وجهين ذكرهما الطُّرْطُوشي : أحدهما : أنه محلُّ التعبُّد، كاستقبالِ الكعبةِ في الصلاة، وإلصاق الجبهةِ بالأرضِ في السجود، مع تنـزُّهه سبحانه عن محلِّ البيت ومحلِّ السجود، فكأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاء ، وثانيهما : أنها لما كانَتْ مهبِط الرزقِ والوحيِ وموضعَ الرحمةِ والبركةِ، على معنى أن المطرَ يَنـزِلُ منها إلى الأرضِ فيخرج نباتًا، وهي مَسكنُ الملإ الأعلى، فإذا قَضَى اللهُ أمرًا ألقاه إليهم، فيُلقونه إلى أهلِ الأرض، وكذلك الأعمال تُرفَع، وفيها غيرُ واحد من الأنبياء، وفيها الجنةُ -وهي فوق السماء السابعة - التي هي غايةُ الأماني، فلما كانت مَعْدِنًا لهذه الأمور العِظام ومَعرِفةَ القضاءِ والقَدَر، تَصرَّفَت الهِممُ إليها، وتوفَّرَت الدواعي عليها ) أهـ  [إتحاف السادة المتقين (5 :  34 - 35)] ، وقال الحافظ ابن حجر : ( السماء قِبْلة الدعاء كما أن الكعبة قِبْلة الصلاة ) أهـ  [فتح الباري (2 :  233)] ، وقال الشيخ مُلاّ علي القاري الحنفي في كتابه شرح الفقه الأكبر  : ( السماء قِبْلة الدعاء بمعنى أنها محل نزول الرحمة التي هي سبب أنواع النعمة ، وهو مُوجِب دفع أصناف النقمة... وذكر الشيخ أبو معين النسفي إمام هذا الفن في "التمهيد" له من أن المحقّقين قرّروا أن رفع الأيدي إلى السماء في حال الدعاء تعبّد محض ) أهـ  [شرح الفقه الأكبر : ص  199) ] ، وقال العلّامة البَياضي الحنفي (1098هجري) في كتابه "إشارات المرام" : ( رفع الأيدي عند الدعاء إلى جهة السماء ليس لكونه تعالى فوق السمَوات العُلى بل لكونها قِبلة الدعاء، إذ منها يتوقع الخيرات ويستنـزل البركات لقوله تعالى: { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [سورة الذاريات : 22 ] مع الإشارة إلى اتصافه تعالى بنعوت الجلال وصفات الكبرياء، وكونه تعالى فوق عباده بالقهر والاستيلاء ) أهـ  [إشارات المرام (ص : 198)]

(  15  ) حل اشكالية الدليل الثالث عشر : التصريح بلفظ (( أين الله )) في حديث مسلم : (( قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : ح  (537) ] ، قلت : قد تقدم في القاعدة الثالثة : القضاء على شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه ، مبحث تحقيق القول في حديث : (( أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ، ما يشفي الغليل في هذا الباب ،

***

(  6  )  حل اشكالية الحدوث وحلول الحوادث وكل ما يوحي بذلك

( أ  ) الله تعالى له كمال الوجود الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء ،  كما في قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء ، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم ]   ، فهو سبحانه الأزلي القديم بذاته ، منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء ، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت ، وهو الحي بعد كل ميت ،حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت والفناء، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } [ البقرة :  255 ]  ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ،

(  ب  ) من تنزيه الله تعالى عن الحدوث والفناء ، وعدم قبول الذات للحدوث أو الفناء نستفيد أنّ ذات الله تعالى القديم الأزلي الباقي الأبدي لا يقبل الحدوث أو التغير والأفول أو قبول المحدثات ، وذلك لأنه في علم الأصول فإن القديم الذاتي لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، فالله عز وجل هو الأول فليس قبله شيء ، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته ، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث نقص ومماثلة للمخلوقات يتنزه عنه كمال الذات وبيان ذلك أن نقول :

(  ت  ) من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى ، قوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ومنها أنه يستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل :60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ، وقوله تعالى:  { هل تعلمُ لهُ سميًّا }  [سورة مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث .

(  ث  ) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب قال تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام ، قال تعالى : { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ،  ومعناه  إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين .

(  ج  ) الأفول معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى ، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة

(  ح  ) كما أن ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث ، فإنه سبحانه منزه عن قبول الحوادث ، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من الذات حادثا وهذا محال لأن الله تعالى أحدي الذات صمدي الصفات لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث والأول الأزلي منزه عن أي حادث وإلا كان حادثا ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه ، كما أنّ قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات .

(  خ  ) دليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث الحوادث هو ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة ، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر ،  والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث ، والله تعالى منزه عن التغير والأفول ، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة ، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية ، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ،

(  د   ) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق ، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه متعلق بمشيئة الله وان الله سبحانه تكلم به متى شاء ولم يكن قديما من الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا : إن القرآن محدث وليس قديما ، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله ، بمعنى أنه لا يجوز القول : أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء ، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال ، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق  بأفعال الله ولا بإرادة الله ، ،  وهم جعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء ، ويرزق من يشاء متى شاء ، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم  محدثا مخلوقا ، فانظر هداك الله الفرق بين المذهبين ، مذهب التنزيه والفقه في دين الله ، ومذهب التكييف والجهل في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [ آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى ، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) .

(  ز  ) من قواعد تنزيه الله تعالى عن النقص ومماثلة الخلائق قاعدة أنّ الله تعالى منزه عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، لأنها محدثات لا تكون إلا عند الذي يقبل الحوادث ، أما القديم الأزلي الأبدي فلا تقبل ذاته الحوادث فلا تقبل الكيفيات الحسية التي من أمثلتها الجلوس والاستقرار ولأنها لا تحدث إلا بالجوارح ، وتنزيه الله تعالى عن النزول الحسي والصعود الحسي على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، ولأنها صفات المحدود الذي يتحرك في المكان المحدود والمقهور بالمكان والزمان ، لأنّ الكون في المكان قهر من المكان ، ولأنّ الحركة قهر من الزمان ، لأنّ الزمان ما هو عند التحقيق إلا تغير يحدث في اطار السكون والحركة ، ولولاهما لما استطعنا تمييز الزمان ، والقهار لا يجري عليه زمان لأنّه قاهر الزمان والمكان ، وكذلك يتنزه سبحانه عن القبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته ، والندم والتردد على معنى  التغير في ذاته ، فالله تعالى منزه عن تلك الكيفيات الحسية ، ومنزه عن أي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ، ومن أدلة تنزيه الله عن الكيفيات المحسوسة : أنها من خواص الجسم والجوارح والله تعالى منزّه عن الجسمانية ، وأنها حادثة ، لكن الباري غير حادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث ، وهي تستلزم التغير والانفعال ،  والله منزّه من التغير في ذاته

(  س  ) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

( ش ) أقوال طائفة من علماء الأمة في تنزيه الله تعالى عن التغير والأفول وقبول الحوادث كالحركة والسكون ، قال الحافظ عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في كتابه "الباز الأشهب" بعد ذكر حديث النزول : ( يستحيل على الله عزَّ وجلَّ الحركة والنـقلة والتـغـيـيـر، وواجب على الخلق اعتقاد التـنـزيه وامتـناع تجويز النـقلة وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفـتـقر إلى ثلاثة أجسام جسم عال وهو مكان الساكن وجسم سافل وجسم ينـتـقل من علو إلى أسفل وهذا لا يجوز على الله قطعاً ، وقال الحافظ بن عبد البر : ( قد قال الله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك مما هو موجود نازل به ولا مجيء لبان لك وبالله العصمة والتوفيق ) [ التمهيد لابن عبد البر ج: 7 ص: 137 ] ، وقال ابن حزم : ( إن الحركة والسكون مدة , والمدة زمان وقد بينا فيما خلا من كتابنا أن الزمان محدث ، فالحركة محدثة ,كذلك السكون والباري تعالى لا يلحقه الحدث , إذ لو كان حدثا لكان من ثان , فالباري تعالى غير متحرك ولا ساكن ) أهـ [ الفصل في الملل والنحل ج : 2 صـ  280 ] ، وبعد فتلك تنزيهات من أقوال العلماء في تقديس الله تعالى وتنزيهه عن كل صور التغير والحدوث وقبول الحوادث ، ومن لم يجعل الله تعالى له نوراً فما له من نور ،  

***

خاتمة في ذكر قواعد التقديس من اجل القضاء على بدعة الحشو والتجسيم ،

أقول وبالله التوفيق :  علم التقديس هو قسم توحيد جناب الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي الذي هو أعلى واجل من مجرد تسبيح اللسان ،  وقسم توحيد الذات هو أساس التوحيد ، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه ، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى ، والمسمى هو ذات الله ، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات ، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات ، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال ، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى ، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات ، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين ، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده ، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد ، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات ، ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد ، كما أنّ توحيد الذات هو أهم قسم من أقسام التوحيد ، وهو علم التقديس والتنزيه ، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد ، والمقصود من ( توحيد الذات )  هو اعتقاد الكمال لله في ذاته ، والتنزيه لذاته عن كل نقص ، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة ، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود ، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد ذات المعبود سبحانه ، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد ذات الله تعالى ،  ولابد من الإشارة إلى خطورة الذهول عن توحيد الذات : لأن ذلك سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه ، كما سيؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وحتما سيؤول بأصحاب ذلك الخلل إلى الحشو على حساب التقديس ، وإلى اعتقاد بدعة التجسيم وإن لم يشعروا بذلك ،  وقد اخترت عشرة قواعد من أهم قواعد هذا العلم الجليل أجعلها مثلا يحتذى به في علم التقديس :  اتناولها باختصار شديد لتكون إشارة إلى ذلك العلم الجليل :

[ ( القاعدة الأولى ) ] :  تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ] :  (  أ  ) الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات ، ولا هو يشبه شيئاً منها ، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 } ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، وقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،  وسورة الإخلاص تقديس لله تعالى عن مشابهة خلقه ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، الله تعالى هو ( الأحد ) له تعالى : ( الأحدية المطلقة ) ، وهي تعني التنزه عن الانقسام ، فهو سبحانه [ أحد ] لا جزء له منزه عن الأجزاء والأبعاض ، وبالتالي منزه عن التركيب والجوارح وبالتالي منزه عن الجسمية ، إذ الجسمية أقلها يتركب من جزئين ، وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أجسم ، وكل الخلائق أجسام وأجزاء وأبعاض ، فلا يتصف بالأحدية المطلقة إلا الله ، [ الله الصمد ]  أي الغني الذي يحتاج إليه كل خلقه وهو الغني عن كل خلقه ، و ( الصمدية المطلقة ) تمنع من التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف بالصمدية المطلقة ، إذن الله تعالى [ أحد ] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، [ صمد ] غني حميد اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، لا ينفصل منه شيء ، ولم ينفصل من شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات ، ولما كانت جميع المخلوقات تتصف بالحدود والنهايات والمقادير ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، منزه عن الحد والنهاية والمقدار والغاية ، ولما كانت جميع المخلوقات تحتاج في وجودها إلى مكان يحويها ويحيط بها ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، فلا يحويه مكان ولا يحيط به مكان كيف وهو بكل شيء محيط ، ولما كانت جميع المخلوقات يقهرها زمان يجري عليها زمان يقهرها بقوانينه ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، فلا يجري عليه زمان ولا تقهره قوانين الزمان كيف وهو الواحد القهار ،  ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم ، والصور والأشكال ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، منزه عن الأطوال والاحجام والصور والأشكال ، ولهذا قال أئمة التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة : يجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه ، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فهو ضال مبتدع ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء  ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ،  ومن الأدلة من السنة النبوية على تقديس الله تعالى عن مشابهة خلقه ، قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل  ، (  ب  ) وعلى ذلك : فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم ، منزه في وجوده عن المكان فلا يحويه مكان ، ومنزه في وجوده عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومنزه في جناب ذاته عن الحد والنهاية ، فلا حد ولا تناهي ، كيف وهو القاهر لمخلوقاته بالحدود والنهايات ، ومنزه في جناب ذاته عن الصور والأشكال والألوان ، كيف وهو المصور لخلقه  والواهب لها الصور والأشكال ، جل المصور أن يكون مصورا ، وجل الخالق أن يكون مخلوقا ، وجل القديم أن يكون محدثا ، له كمال الذات والأسماء والصفات  ، وكل ما خطر ببال المخلوق فهو باطل لأنه مخلوق ، والمخلوق لا يحيط علما بالخالق ، والمحدث لا يحيط علما بالقديم ،  فسبحان الله عما يصفون ، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ،  

[ ( القاعدة الثانية ) :  تنزيه جناب الذات تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  لا شك في أنّ أي شيء محدود له نهاية تحده ، والحد معناه التناهي ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لذاته ، ( أ ) قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ،  والقاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،  ( ث ) ثم  كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار ، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال ، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (( الله أكبر )) ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  ( ج ) كل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق  ، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ، ( خ )  الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز ، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه والقاعدة عند الرياضيين أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق _ ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال _ فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ، ( تنبيه ) : ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق ،  ( ذ ) وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، ( ر ) قد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق وبين الغني المطلق والفقير المطلق ،  وإنما العلم بالتعلم ، قال تعالى : { فاسالوا } ، فلا مناص لمن تكلم في العقيدة أن يتواضع للعلم ويطلبه من أهله ، ولا ينبئك مثل خبير ،

[  القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ] : ( أ ) عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال منزه عن أن تحكمه قوانين المكان ولا الزمان ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ  } دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان ، { وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } تنزيه عن المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ( ب ) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، ( ت ) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ، (  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  (  ز  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  (  س ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،   (  ظ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ،  وهنا يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات ، ومن ذلك الاستواء وفهمهم السقيم المبتدع أنه استواء الذات على العرش ، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على القرب ، كقوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } ، فلم لا تحمل على قرب الذات ، قالوا : القرب قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة ، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على الاحاطة ، كقوله تعالى : { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } فلم لا تحمل على إحاطة الذات ، قالوا : الاحاطة : إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة ، قلنا : فما الاشكال أن نحمل الاستواء على استواء الصفات من صفات التدبير والتسخير والملك والقهر والهيمنة والربوبية للعالم ، إذن الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها أهل الحشو التجسيم على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ، قال تعالى  : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية  ، فقوله تعالى : ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش ) على أنه استواء تدبير وربوبية ، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير ، وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد: 2 إلى 5 ] ، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير لقرينة الخلق في قوله تعالى { خلق السموات والأرض } ،  ثانيا : جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية ) ، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر ، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف ، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع ، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي ، فلا القرب قرب الذات ، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق ، أو التفويض في الجميع ، قرب ليس كمثله شيء ، واستواء ليس كمثله شيء ، لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد ،  وقد يتمسك الحشوية بالمتشابهات ، في اثبات الفوقية الحسية من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، وفي الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ،  أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، وهو مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [ الأعراف : 206 ] , المراد من العندية هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء ، أي في العلو إشارة إلى المكانة والصفات لا الحيز والمكان ،  , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، وقد اجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان ،  لو أريد معنى على السماء ، لكان اللفظ  أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله : {من في السماء } لو اريد علو المكان ، ولذا قال القاضي عياض : (  لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله ( ءأمنتم في السماء ) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم ) أهـ [ إكمال المعلم : ج2ص465] ، ولكن ماذا نفعل وقد ابتليت الأمة بأهل الحشو الذين يدعون المحكم ويلهثون خلف المتشابه الذي حذرنا كتاب الله من تتبعه بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، وقد علمنا حبر الأمة الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله (( اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل )) ، أن حمل المتشابهات وان نردها إلى أمهاتها من المحكمات ، ولذا كان يقول رضي الله عنه أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون المتشابه ، ولما سئل عن قوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } ، كان من قوله :  يكشف عن شدة وكرب ، تقول العرب : كشفت الحرب عن ساقها ، ولا ساق لها وإنما هو الكرب والشدة ،   وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث ((  أين الله )) في صحيح مسلم ، وحديث الجارية له روايات عديدة مضطربة ، فيها من الاختلاف الكثير ، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة صحيحة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان ، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم : الامام الحافظ البيهقي في كتابه  الأسماء والصفات للبيهقي ص ( 422 ) ، والحافظ ابن حجر العسقلاني : قال " وفي اللفظ مخالفة كثيرة " اه‍ [ التلخيص الحبير  3  :  223 ] ، وخلاصة الأمر : أن الحديث جاء صحيحا بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ،  وجاء بلفظ ( من ربك ) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ،  أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان ، والرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرجها الإمام مسلم ،  والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها ، إذن قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما أنّ لفظ ( أين الله ) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه ، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ،  كما أنّ لفظ ( أين الله والجواب بأنه في السماء ) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ، كما أنّ  لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ، ( تنبيه ) من قال بصحة حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة ، فحديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار ،  فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ، 

[  القاعدة الرابعة  :  تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، وتنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ] :  ( أ  ) الله تعالى هو الأول الآخر القديم الباقي ، لا يقبل الحدوث أو التغير أو الأفول ، وكل ذلك نقص يتنزه عنه جناب القديم بذاته وأسمائه وصفاته ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، ولو قبل الحدوث لكان جزء منه حادث ، والحادث مخلوق ، والخالق منزه عن أن يكون شيء منه مخلوق ، والقديم منزه عن أن يكون شيء منه حادث ، وهو الأحد الذي لا تتجزأ ذاته ، كما أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات والأسماء والصفات ، فهو سبحانه الأزلي القديم بجناب ذاته ، منزه عن الحدوث إذ ليس لوجوده ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بجناب ذاته إذ ليس لوجوده انتهاء ، هو الأول فليس قبله شيء ، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته ، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث وحلول الحوادث نقص يتنزه عنه كمال الذات ،  ويوجد في الحديث الصحيح ما يدل على اسمه القديم ، ففي سنن أبي داود من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ قَالَ : (( أَعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ ، وَسُلطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ )) [ أخرجه أبو داود ح  (466) ،  وصححه الالباني في صحيح أبي داود وقال : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات ] ، والسلطان القديم لا يكون إلا لمن كان قديم الذات والأسماء والصفات ، هو الحي الذي لا يموت ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، (  ت  ) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه ، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، (  د   ) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،  وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث (( النزول )) في صحيح البخاري ]  ، وللرد عليهم نقول : للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها : منها قوله تعالى : { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } [ سورة الزمر ] ، ولم نر جملا نازلا من السماء ، وقوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } [ سورة الحديد ] ، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء ، وللنزول الحقيقي الذي يتبناه أهل الحشو  لوازم فاسدة : من تلك اللوازم : ( اللازم الأول ) الحلول في السماء ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، ( اللازم الثاني ) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال ، ( اللازم الثالث ) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا ، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين ، ( اللازم الرابع ) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة ، ( خ ) حل إشكالية حديث النزول : أخرج النسائي حديث النزول بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله ، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر ، وقد قال الشافعي حدثت أهل مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت حتى يفهموا كلامي ، وليس معنى ذلك أنه نزل من مكان عال إلى مكان أسفل ولكنها البلاغة ،

[ القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ] :   (  أ  ) ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ، (   ب  ) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، ( ث  ) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  (  ج  ) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، 

[ القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  (  أ  ) ذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ( ب  ) الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، (  ت  ) الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث ،  وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث الصورة : ((  خلق الله آدم على صورته )) ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث : ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، ( المفتاح الثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول الحافظين : ابن حجر وابن خزيمة  ، ( المفتاح الثالث ) : إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وطريقة أهل السنة في المتشابه :  رد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم ، وحمل الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الصور والأشكال ،  ، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق ، وأما حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله : (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله : (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث ، فهم لا يعرفون صورة مسبقة ، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط ، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة ، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها ، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال : فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له ، 

[ القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ] :  ( أ  ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ] ،  وللرد على جهل هؤلاء ، أقول : أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ،  وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم ، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،   [ مجاز اليد في القرآن ] : والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها  ،  وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ،  على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،   [  وأما مجاز العين في القرآن ] : فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

[ القاعدة الثامنة :  تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) المقصود بالأعراض مثل الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح التي تتصف به ذات المخلوق ، والمقصود بالكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، (  ب  ) الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، ومنزه وأي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،  (  ت  ) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[ القاعدة التاسعة : تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ] :  وبيان ذلك : ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله ، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا  ، (  ب  ) أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[ القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) الله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ، وبعد فتلك بعض قواعد التقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس ، أخترتها من بين ثلاثين قاعدة ذكرتها في كتابي : التجديد في علم التقديس ، وأنبه إلى عدة أمور : ( الأول ) دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه : لأن القرآن الكريم  نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ،  ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان ، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين ، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك :  التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ،  والتعبير عن الذات بالوجه ، كما في قوله تعالى : { إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ‘ 27 ] ، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه ، سبحان الله وتعالى عما يصفون ، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،  فهذا ما يتعلق بالأمر الأول : ألا وهو : ان دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه ، و ( الامر الثاني ) : خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه ] :  ( أ ) قال القرطبي رحمه الله - في درة من كلامه - : " اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته  (( المجسمة  ))  الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك " أهـ [ تفسير القرطبي ج:4 ص:14 ] ،   ( ب ) هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، منها قوله تعالى : { وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ *  وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ  } واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ علم الله تعالى قديم ، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، قال تعالى ، { وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } " أهـ  ، ( ت ) وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى ، منها قوله : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة : 67 ] واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى ، ( ث ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، منها قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ،واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء ، والمعنى : { سنفرغ لكم } أي سنحاسبكم ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة  ، ( ج ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وقوله تعالى : { قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } [ مريم : 9 ] ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء ، والمعنى : أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء ، ( ح ) ( خ ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة : ] ، واعتقاد هذا الظاهر ضلال ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومنزه عن القرب الحسي الذي تتصف به المخلوقات ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة ، ( د ) وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى استوى على عرشه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها كما ذكرناها في الحلقة السابقة  : بأن الاستواء المقصود هو استواء الصفات ، صفات الربوبية والملك والتدبير والقهر والتسخير والهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ، ( والأمر الثالث الذي أنبه إليه ) بيان طرق الراسخين في العلم ، فيما يتعلق بالصفات الخبرية كالوجه واليد والعين والاستواء ثلاث طرق لا رابع لها ، ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات ، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص ، ولا شك أنه يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس  : لأن أهم العلم وأعظمه العلم الراسخ بالله في جناب ذاته وتقديس الله وتسبيحه  وتنزيهه عن العيب والنقص ،  ودراسة قواعد التقديس تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) } [ الأنعام : 103 ] ، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي ، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42] :  (وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة ، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا  ) ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم قواعد علم التقديس ( علم توحيد الذات ) الذي هو أشرف العلوم ، وهذا العلم العظيم هو من جملة العلوم الغائبة عن هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى وقوع طوائف من الأمة في بدعة الحشو والتجسيم ، وأرى أنه لا مناص للأمة من تجديد الطلب لهذا العلم الجليل ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بالتقديس والتنزيه والتسبيح لجناب ذات الله تعالى تقدست ذاته وتعالت صفاته ولا إله إلا هو ، وأنه العلم المتعلق بالعلم بالله تعالى ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه ، وما يجب له من صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم ، وتحدثا بنعمة الله الكريم أني ما إن استوعبت علم التنزيه وقواعده الرصينة حتى أحسست أنه العلم اللازم لتحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة والتجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ الإحاطة بعلم التقديس والتنزيه له أعظم الدور في تصحيح مفاهيم علم التوحيد ، وأعظم الأثر في تحقيق التقارب والتكامل والوحدة العقائدية والعلمية والعملية بين المسلمين عامة ، وبين طوائف أهل السنّة والجماعة خاصة ، ( خ ) إنّ الذهول عن هذا العلم يؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، ويؤدي إلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم ،  ( د  ) إن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل وأحكام هذا الباب ، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، من لا يعرف هذا العلم الراسخ ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بالفهم الصحيح للمتشابهات من الآيات والاحاديث دون الوقوع في محاذير الخلل في العقيدة بسبب سوء الفهم لتلك المتشابهات ، وأنه العلم المتعلق بتأصيل مسائل وأحكام التقديس والتنزيه على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة ، والقيام على تدريس هذا العلم الجليل ثغرٌ عظيم يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين ، لأنه العلم الأهم المؤهل لجمع المسلمين وتوحيد كلمتهم على التوحيد والتقديس ، بعيدا عن الحشو والاعتزال ، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب ،  

 

 

 

القضاء على شبه الحشوية و المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه

( 1 ) حل اشكالية الصورة وتحقيق القول في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل  ،  ( 2 ) حل اشكالية المكان وتحقيق القول في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار  ،  ( 3 ) حل اشكالية النزول وتحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون  ،  (  4 ) حل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم والجارحة والأعضاء كالوجه واليد والعين ،  (  5  ) حل اشكالية الفوقية والاستواء والجهة والمكان  ،  (  6  ) حل اشكالية الحدوث وحلول الحوادث والمجيء والحركة والنزول

***

( 1 )  حل إشكالية الصورة  ،  وتحقيق القول في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته ))  ،  والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل

( أ ) روايات الحديث : الرواية الأولى للحديث : رواية صحيحة ، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن ))  [ أخرجه البخاري (6227)، ومسلم  ( 2841 ) ] ، والرواية الثانية للحديث : رواية صحيحة ، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) [ أخرجه مسلم (2612) ] ، والرواية الثالثة للحديث : رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال : أخرج عبدالله بن أحمد في السنة،(1 :  268) رقم( 498 ) , وابن أبي عاصم في السنة ( 417 ) , وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد وإثبات صفات الرب جل وعلا ( 1  :  85 ) , وأخرجه الآجري في كتاب الشريعة ( 2 :  107 ) و الدارقطني في الصفات(1 :  37)، رقم ( 45 , 48 ) , و البيهقي في الأسماء والصفات، (2 :  64)، رقم ( 640 ) كلهم من طريق جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت , عن عطاء , عن ابن عمر بلفظ : ((  لا تقبحوا الوجه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )) ، قلت : هذا الحديث لا يصح ولذلك ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ، وأعله بأربعة علل ، منها ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة في كتابه التوحيد ( 1 : 86 ) - وهو ممن تأول الحديث -  الأولى : أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده , فأرسله الثوري ولم يقل عن ابن عمر ، والثانية : أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت  ، والثالثة : أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء ، والرابعة ذكرها  الألباني ،  وهي : جرير بن عبدالحميد فإنه وإن كان ثقة , فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أنّه قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ ، ومما يؤيد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم ( 530 ) -  وكذا اللالكائي برقم ( 716 ) – بلفظ ((  على صورته )) ، ولم يذكر (( على صورة الرحمن )) ، ولفظ ((  على صورته )) هو الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة [ أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ] ، قلت : ومنه يتبين أنّ الحديث بلفظ (( على صورة الرحمن )) لا يصح البتة ، وأنّه مما رواه بعض الرواة بالمعنى لا باللفظ الصحيح ، ولا يبقى لنا إلا الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه بلفظه الصحيح ((  على صورته )) ومنه يتبين أنّ ما فعله حمود التويجري من المجازفة والخطأ من تصحيح الحديث في كتابه الذي سماه باسم الحديث " عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن " ، وقد حاول أن يجيب عن علل الحديث ، وفي جميع أجوبته نظر ، ثم ما الطائل وراء ذلك ؟ ، أهو ارغام المسلمين على اعتقاد التجسيم ثم ارداف اتلك العقيدة بقول ليس كمثله شيء ، وقد زعم أن الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قد صححا حديث ابن عمر رضي الله عنه الذي جاء فيه : (( إن الله خلق آدم على صورة الرحمن  ))  قائلاً : فلا ينبغي أن يلتفت إلى تضعيف ابن خزيمة له فصلاً عن تضعيف الألباني له تقليداً لابن خزيمة , وذلك لأن أحمد وإسحاق أعلم بالأسانيد والعلل ممن أقدم على تضعيف الحديث بغير مستند صحيح ) [ عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن  صـ 37 ] فإن تصحيح الإمام أحمد ليس لهذا الحديث ، وإنما لحديث ((  على صورته )) الذي أخرجه البخاري ومسلم ، ثم هب أنّ اسحاق أو غيره توهم صحته ، فماذا نفعل بتلك العلل التي يستحيل معها تصحيح الحديث ، ( قلت ) : هذا الحديث برواياته الثلاث هو أقوى ما استدل به المجسمة على التجسيم ، ولهذا سأتوسع في بيان مخارجه الصحيحة وبيان معانيه ، فإن سلم من شبهات المجسمة فما بعده أيسر ، ولما كان للحديث روايات ثلاث فلكل رواية مخرج صحيح ومعنى محكم لابد وأن يرد إليه المتشابه ،

( ب ) مفاتيح الفهم الصحيح للحديث : ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، ( المفتاح اثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول ابن حجر وقول ابن خزيمة كما سيأتي ، ( المفتاح الثالث ) : لفظ ((  لا تقبحوا الوجه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )) مع ضعفه البين ، فإن له - إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه - مخرجاً صحيحا يُحمل عليه ، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ الحجر : 28 ، 29 ] ، وقوله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من روحه المخلوقة ، فليست الصورة صورة الرحمن ، ولا الروح روح الرب الديان ، فقوله صلى الله عليه وسلم : ((خلق آدم على صورته)) يعني :  صورة من الصور التي خلقها الله وصورها ،  كما قال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ } [الأعراف:  11 ]   فآدم عل صورة الله ، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات ، كما قال تعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين : 4 ] ، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج الصحيح هو قول ابن خزيمة كذلك كما سيأتي ، ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح (  2665 ) ] ، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، لأنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك  رد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام ، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال ، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء  ، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، ولأنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، ومن الآيات المحكمة التي هي أم الكتاب وأصله ، والتي يُرد إليها المتشابه قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فإذا كانت المخلوقات جميعا لها صور وأشكال وهي علامة خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عنها لأنّه ليس كمثله شيء ، قوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل : 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الصور والأشكال، وقوله تعالى: { فلا تضربوا للهِ الأمثال}  [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الشكل والصورة والجارحة ، وقوله تعالى: { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الصور والأشكال ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه فلا يشبه ابن آدم ، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق ،

( ت ) حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله : (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله : (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث ، فهم لا يعرفون صورة مسبقة ، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط ، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة ، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها ، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال : فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له ، 

(  ث  ) من أقوال العلماء على تنزيه الله تعالى عن الصورة أكثر من أن تحصر منها على سبيل المثال : جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله :" نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل .. ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه ..ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع (( أهـ [ العقيدة ج 1  : ص 110 ]  ، وجاء فيه أيضا :  " لا يجوز أن يسمى جسما  وأنكر ( أي الإمام أحمد ) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل  " أهـ [ العقيدة ج 1  : ص 111 ] ، وقال شيخ المحدثين الحافظ البيهقي :  "قال أبو سليمان الخطابي :وأما ذكر الصورة في هذه القصة ؛فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، فإن الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية " أهـ [ الأسماء والصفات :297 ] ، وقال رحمه الله :  " وأما السمعي فهو ما كان طريق إثباته الكتاب والسنة فقط كالوجه واليدين والعين وهذه أيضا صفات قائمة بذاته لا يقال فيها إنها هي المسمى ولا غير المسمى ولا يجوز تكييفها فالوجه له صفة وليست بصورة واليدان له صفتان وليستا الجارحتين والعين له صفة وليست بحدقة وطريق إثباتها له صفات ذات ورود خبر الصادق به " أهـ [الاعتقاد ج1 ص 71ـ72] ، وجاء في كتاب الفقه الأكبر المنسوب للإمام الشافعي[ صـ10] "فصل : واعلموا أن الصور والتركيب تستحيل على الله تعالى للمعنى الذي ذكرنا في الجسم , ولأن ذا الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص هو فاعله , وخالقه , ومن يكون له صورة أيضا مخلوق لا إشكال فيه , ولأن الصورة لا تشبه المصور , والله تعالى خالق الصور (ليس كمثله شيء ) وقال الله تعالى : { هو الله الخالق البارئ المصور } " أهـ [الفقه الأكبر المنسوب للإمام الشافعي صـ10] ، وقال الإمام الحافظ أبى بكر بن فورك  " فصل :  واعلم أن بعض أصحابنا المتكلمين في تأويل هذا الخبر حاد على وجه الصواب ، وسلك طريق الخطأ والمحال فيه ، وهو ابن قتيبه توهما أنه مستمسك بظاهره غير تارك له ، فقال : ( إن لله عز وجل صوره لا كالصور كما أنه شئ لا كالأشياء ) فأثبت لله تعالى صوره قديمه قديمه ، زعم أنها لا كالصور ، وأن الله خلق آدم على تلك الصوره ، وهذا جهل من قائله 0 وتوغل في تشبيه الله تعالى بخلقه "  أهـ [مشكل الحديث وبيانه ص 67 إلى 69] ، وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم : " قال المازري هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ورواه بعضهم ان الله خلق آدم على صورة الرحمن وليس بثابت عند اهل الحديث وكأن من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له وغلط في ذلك قال المازري وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره وقال لله تعالى صورة لا كالصور وهذا الذي قاله ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا .. قال له ايضا إن أردت بقولك صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقة وليست اللفظة على ظاهرها " أهـ [شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 166] ، وجاء في إكمال المعلم : " قال القاضي عياض : هذا حديث ثابت عند أهل النقل ، وقد رواه بعضهم أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ولا يليق هذا عند أهل النقل واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره ، وقال : فإن الله سبحانه له صور لا كالصور وأجرى الحديث على ظاهره ، والذي قاله لا يخفي فساده لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب وما ليس بمركب فليس بمصور وهذا من جنس قول المبتدعة أن الله الباري جل وعز جسم لا كالأجسام "  أهـ [إكمال المعلم ج8 من ص90:87] ، وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات : "  وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح .. وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم ومنهم من قال إنه على قدر مسافة العرش لا يفضل من أحدهما عن الأخر شيء   تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى : (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) [النساء  : 171 ] "  أهـ [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 135] ، وجاء في مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة) : " وفي رواية أبي هريرة فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه ( فإذا جاء ربنا ) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها ) أهـ [مرقاة المفاتيح(باب الحوض والشفاعة)] ، وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل :  ومن قال بأن لله تعالى صورة وخلق آدم عليها فمردود عليه لما فيه من التجسيم     وكذلك من قال صورة لا كالصور "  أهـ [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 155] ، وقال رحمه الله : " الحديث الثاني حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا ) الحديث :  اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة )  أهـ  [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 159] ،

***

( 2 )  حل إشكالية المكان  ،  وتحقيق القول في حديث : ((  أين الله ))  والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار

( 1 ) حديث الجارية له روايات عديدة مضطربة ، فيها من الاختلاف الكثير ، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان ، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) بقولها ( نعم ) و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) بقولها ( في السماء ) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا ، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا لعل ذلك بسبب تصرف الرواة في بعض ألفاظه وهم يروونه بالمعني أو بما فهموه من الواقعة ، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم : الامام الحافظ البيهقي : قال في كتابه الأسماء والصفات " وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية ؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه ، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث " [ الأسماء والصفات للبيهقي ص ( 422 ) و انظر السنن الكبرى للبيهقي  7  :  388 ) ] والامام الحافظ البزار : قال " وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة " أهــ [ كشف الاستار 1  :  14] والحافظ ابن حجر العسقلاني : قال " وفي اللفظ مخالفة كثيرة " اه‍ [ التلخيص الحبير  3  :  223 ] ، والعجب ممن ترك الألفاظ المحكمة التي تسأل عن الشهادتين أو عن الله تعالى لإثبات الإيمان ثم ذهب إلى لفظة متشابهة قد تكون رويت بالمعنى ليبتغي بها الفتنة في دين الله من أجل اثبات المكان المخلوق المحدود لله الكبير المتعال المنزه عن الحد والمقدار والمنزه عن المكان والزمان وقد حذرنا الله من أولئك في كتابه الكريم بقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ  ) [ آل عمران : 8 ] وحذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح (  2665 ) ] ، وخلاصة الأمر :أن الحديث جاء صحيحا بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ، وجاء بلفظ ( من ربك ) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ، وجاء بلفظ ( أين الله ) وقد تكفل علماء أهل السنة شرح تلك الرواية أيضا بما يوافق قواعد التنزيه العامة وأصول الشريعة الغراء ، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

(  2  ) الروايات المختلفة للحديث والتي تدل على اضطراب الحديث : للحديث عدة روايات عكفت - بحمد الله تعالى - على جمعها من كتب الحديث ، وجمع أقوال علماء الحديث حولها وفق قواعد علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل ، ورأيت أنها تؤول إلى ثلاث روايات لواقعة واحدة اختلف الرواة في ألفاظها ،

(  3  ) الرواية الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) ، أخرج الإمام مالك عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود : أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت نعم ، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ قالت نعم ، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها ))  [ أخرجه الإمام في الموطأ [ 2 : 777(1469) ] وأخرجه الإمام أحمد في مسنده [مسند أحمد 3 : 451 ] وهو في مصنف عبد الرزاق [ 9 : 175 ] والمنتقى لابن الجارود [1 : 234(931) ] والتوحيد لابن خزيمة [ 122] وسنن البيهقي الكبرى [ 7 : 388(15046) ] وقال الذهبي في العلو [ 15] هذا حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة في التوحيد وقال ابن كثير في تفسيره[ 1 : 535 ] " وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره " أهــ   وصححه أيضاً ابن عبـد الـبر في التمهيد [ 9 : 114]]

(  4  ) الرواية الثانية بلفظ ( من ربك  ) ، أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال : (( من ربك ؟ قالت الله ، قال: من أنا ؟ قالت : رسول الله ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة )) [ أخرجه ابن حبان في صحيحه : 1 : 418(189) ، والإمام أحمد في مسنده : 4 : 222 و388 و389 ، وأبو داود في سننه : ص 477 (3283) ،  وصححه الألباني في صحيح أبي داود : 2\322 (  3283 ) ، والنسـائي في السنن الصغرى : 6 : 252 ،   وفي السنن الكبرى :  4 : 110 ، والدارمي في سننه : 2 : 244(2348) ، وابن خزيمة في كتابه التوحيد صـ 122 ، والطبراني في المعجم الكبير : 7 : 320(7257) ،  والبيهقي في سننه الكبرى:  7 : 388(15049)  ]

(  5  ) الرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرج الإمام مسلم بسنده عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال : (( بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال ومنا رجال يتطيرون قال ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم قال فلا يصدنكم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك ، قال : وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : 1 : 381 (537) (باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته ) ، والإمام أحمد في مسنده : 5\447( 23813) و5 : 448(23816) ، وأبو داود في سننه : 1 : 244(930) (931) ، والنسائي في السنن الكبرى : 1 : 362(1141) ، والبيهقي في السنن الكبرى : 7 : 387(15043) ، وفي الأسماء والصفات صـ  422 ، والتوحيد لابن خزيمة صـ 81 ، وصحيح ابن حبان : 1 : 383(165) ، والمعجم الكبير للطبراني : 19 : 398 (937) ]

(  6  ) روايات أخرى للحديث ، منها رواية تدل على أنها كانت خرساء وفيها : (( فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً )) ، وهذه الرواية أوردها الذهبي في كتابه (العلو) ص3 وذكر سندها الحافظ المزي في ( تحفة الأشراف) : 8 : 427 ، من طريق سعيد بن زيد عن توية العنبري عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية نفسه قال كانت لي جارية ترعى .. الحديث ، وفيه : (( فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء ؟ قالت الله. قال فمن أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مسلمة )) ، وفي هذه الرواية أشار النبي صلى الله عليه وسلم فقط .... [ وانظر العلو للعلي الغفار ص 120 ، وتحفة الأشراف :10\216 (11378) ] ، وإسناد هذه الرواية يرقى إلى مرتبة الحديث الحسن ، لأنّ سعيد بن زيد ثقة من رجال مسلم وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب وقال عنه البخاري والدرامي : صدوق حافظ، وإن كان يحيى بن سعيد وآخرون قد ضعفوه لذا ، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ، وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الظهار باب إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان ، وصلت من طريق عوف بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة : (( أن رجلا أتى النبي بجارية سوداء فقال : يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها : أين الله ? فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها : فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء تعنى أنت رسول الله. فقال رسول الله أعتقها فإنها مؤمنة )) ،  فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها فمد النبي يده إليها مستفهما فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين والله تعالى أعلم ، ورواية أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وفيها : (( فأشارت إلى السماء ))  [ مصنف عبد الرزاق 9\176( 16816) ] ،

( 7 ) الروايات السابقة تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة ، ولعل هذا السبب ما حدا بالنحويين - سوى ابن مالك - ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث ، ومن الملاحظ على تلك الروايات ما يلي : ( أ ) رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) ورواية ( من ربك ) في بعض الروايات سندهما واحد من حماد بن سلمة إلى الشريد بن سويد رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ب ) رواية ( من ربك ) ورواية ( أين الله ) في بعض الروايات سندهما واحد من هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ت  ) رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) ورواية ( أين الله ) في بعض الروايات سندهما واحد من عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ث  ) رواية ( أين الله ؟ قالت في السماء ) ورواية ( أين الله ؟ فأشارت إلى السماء ) في بعض الروايات سندهما واحد من رواية يحيى بن كثير القصة واحدة واللفظ مختلف ، (  ج ) رواية ( أين الله ) عند مسلم تختلف عن رواية ( أين الله ) عند مالك ، فعند مسلم : ( يقول وعلي رقبة أفأعتقها  وكان الجواب اعتقها فإنها مؤمنة ) وعند مالك : ( يقول فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا  أعتقها وكان الجواب أعتقها بدون ذكر فإنها مؤمنة ) والرواية الأولى تفيد أن عليه نذرا سابقا والرواية الثانية تفيد أنه إنما أعتقها تبرئة لذمته من ضربها ، (  ح  ) بعض روايات الحديث تنص على أن الجارية كانت متكلمة فصيحة وبعضها تنص على أنها كانت خرساء لا تفصح وفيها أن والجواب كان بالإشارة وهاهنا تكون الألفاظ تصرفا من الرواة ويؤيد ذلك ما ورد في بعض طرق الحديث (فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء ) ، (  خ  ) على اعتبار أن الجارية خرساء عجماء لا تفصح يستقيم السؤال بالإشارة أو بلفظ ( أين الله ) لمعرفة معبودها - وهاهنا يحل إشكال ألفاظ الحديث - لأن المشركين كانوا يعبدون آلهة في الأرض  ويدل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) [ سنن الترمذي5 : 519(3483) ] يقول الإمام الغزالي: (وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء فقد انكشف به أيضاً- يعني السر في رفع الأيدي إلى السماء- إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهيم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو وقد كان يُظن بها أنها من عبدة الأوثان ومَن يعتقد اللهَ في بيت الأصنام، فاستُنطقت عن معتقدها فعرَّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقد هؤلاء) [الاقتصاد في الاعتقاد صـ 33] ، ( د  ) قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل ( لأن الخلاف فيه بين خطأ وصواب ) دون الاعتقاد لأن الخلاف فيه بين حق وباطل وبين هدى وضلال وبين سنة وبدعة ) ، ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان حيث اشتمل على تسميت العاطس في الصلاة ومنعِ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الافعال ما يتعلق بتسميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث ، ( ذ  ) لفظ ( أين الله ) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه ، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ومصداق ذلك ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) [صحيح البخاري1 : 17(25) ] وما أخرجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) [  صحيح البخاري 2 : 505(1331)] ، (  ر  ) لفظ ( أين الله والجواب بأنه في السماء ) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ويؤيده ويدل عليه حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين : كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) [ سنن الترمذي5 : 519(3483) ] ، (  ز  ) لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين ومصداق ذلك أن النبي صلى الله عليه وأله وسلم بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء وإنما ذكر شهادة التوحيد ( لا لا له له لا الله = محمد رسول الله ) ويؤيدها كذلك حديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )  وقد نص غير واحد من العلمـاء على أنه حديـث متـواتر ، (  س  ) لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله )  هو الموافق لإجماع المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ، ( ش  ) ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: ( أين الله ) وأن الرواية الصحيحة التي ينبغي التعويل عليها هي رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها. ) ويؤيده  الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال ( الله في السماء ) بالدخول في الإسلام والإجماع المقابل على أن الدخول في الإسلام يكون بالشهادتين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله )) ، ( ص ) وأما من قال بصحة حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني: تأويله بما يليق به وهذا هو ما ذكره الإمام النووي عند شرحه للحديث في صحيح مسلم فقال ما نصه : " قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان : أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات. والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها :  هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.   أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ [ النووي في شرحه على صحيح مسلم (ج5  : ص22) ] ، ( ض  ) الحديث بلفظ ( أين الله ) فيه التشابه من وجهين : أحدهما : قولـه صلى الله عليه وسلم لها:( أين الله )  فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه ب ( أين ) على سبيل المكان الحسي وجوابه كما تقدم أنها كانت خرساء عجماء لا سبيل إلى معرفة إيمانها إلا بإشارتها أن معبودها ليس من الأوثان الموجودة في الأرض وإنما هو رب السماء والأرض ، أو أن السؤال محمول على المكانة العالية لا المكان الحسي الذي لا مدح فيه ، والوجه الثاني: قولها في السماء وهذا معناه علو المكانة وعظمة الصفات وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث، ليس كمثله شيء ولله در  الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث يقول في الفتح: "  فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر ، فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث. " أهــ ، ( ط  ) تقدم مما سبق أن تمسك البعض  برواية (( أين الله )) لإثبات المكان الحسي وإثبات الجهة الحسية لله هو أوهى من بيوت العنكبوت  وأن تمسكهم بهذه الرواية تمسك باطل لا وجه له , لأن الحديث الأولى حمله على رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله )  الموافقة للأصول وأنه إذا حكم بصحة رواية ( أين الله )  فالمقصود به السؤال عن المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة الحسيين , والحديث آنذاك ليس على ظاهره المؤدي إلى التمثيل والتحيز والحد والله تعالى منزه عن الكون في مكان وعن أن يجري عليه زمان وهو القاهر فوقهما وفوق كل خلقه { ليس كمثله شيء } ،

(  8  ) أقوال علماء أهل السنة في الفهم الصحيح لرواية ( أين الله ) على أساس ثبوتها : (  أ  ) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه : " قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها : هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين ، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان ) اهـ [ النووي في شرحه على صحيح مسلم (ج5  : ص22) ] ، (  ب  ) وقال الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري : ( قوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله قالت في السماء فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنـزيهه مما يقتضى التشبيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) أهـ [ فتح الباري ج13 : ص402] ،  (  ت   ) قال ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه - بعد أن ذكر استعمالات (أين)في الرتبة والمنزلة والدرجة في التقريب والتبعيد والإكرام والإهانة - ، قال : ( فإذا كان ذلك مشهوراً في اللغة احتمل أن يقال إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم (أين الله) استعلام لمنزلته وقدره عندها ، وفي قلبها ، وأشارت إلى السماء ودلت بإشارتها إلى السماء على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منزلة :فلان في السماء ، أي هو رفيع الشأن عظيم المقدار ، كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها على محله في قلبها ومعرفتها به ) أهـ [  مشكل الحديث وبيانه صـ 61 ] ، (  ث  ) قال ابن الجوزي في كتابه الباز الأشهب : ( الحديث السابع عشر : روي مسلم في افراده من حديث معاوية بن الحكم قال : (( كانت لي جارية كانت ترعي غنما لي ، فانطلقت ذات يوم ، فإذا الذئب قد ذهب شاه ، ( وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون ) فصككتها صكة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي ، فقلت ألا أعتقها ..؟ قال أئتني بها ، فأتيته بها ، فقال لها : أين الله ؟ قالت في السماء ، قال من أنا : قالت : أنت رسول الله ، قال أعتقها فإنها مؤمنة ))  قلت : قد ثبت عند العلماء ان الله تعالي لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار ، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها ) أهـ [ الباز الأشهب ص93-94 ] ، ( ج ) وقال محقق الكتاب محمد منير الإمام : ( حديث الجارية مؤول بأنه سؤال عن المكانة لا المكان ، وقولها : في السماء معناه علو المنزلة والقدر، أي أنه أعلي من كل شيء قدرا ، ومن لم يرض بذلك ، وأراد أن يحمله علي ظاهره  فأثبت المكان والحيز لله تعالى محتجاً بأنه لا يخرج عن الظاهر قيل له : لقد خرجت عن الظاهر في حديث أصح من هذا وهو حديث (( أربعوا علي أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنما تدعون سميعاً قريباً وهو أقرب إلي احدكم من عنق راحلته )) رواه البخاري ، فهذا لو حمل علي ظاهره لكان إثبات تحيزٍ لله بين الرجل وبين عنق راحلته ، وهذا ينقض معتقدكم أنه مستقر فوق العرش بمماسة أو بدون مماسة فماذا تفعلون ، والحق الذي لا محيد عنه أن لا يحمل حديث الجارية على ظاهره بل يؤول تأويلاً تفصيلياً، فيؤول هذا الثاني ايضاً على أن المراد به القرب المعنوي ليس القرب الحسي ) أهـ  [ الباز الأشهب ص93-94 ] ، (  ح  ) وقال القرطبي في تفسيره : ( أين ظرف يسأل به عن المكان وهو لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان ... وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم ، الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم هل هي ممن يعتقد أن معبودهم في بيت الأصنام أم لا فقال لها أين الله ؟ فقالت في السماء فقنع منها بذلك وحكم بإيمانها ، إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك ) أهـ [ تفسير القرطبي ج18 ص 315 ] ،

(  9  ) مخالفات رواية ( أين الله ) لأصول العقيدة من جوانب عديدة ، منها مخالفة من جهة اثبات الإيمان بالسؤال عن المكان ، ومخالفة من جهة أن هذا الحديـث معارض للقـواطع العقليـة والنقليـة الـدالة على تنزيه الله تعالى عن المكان لأنّه خالق المكان ، ومخالفة من جهة أنّ الحديث مضطرب في ألفاظه لا يصح اثبات عقيدة به ، ومخالفة من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثته وإلى انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى تلقين الإيمان والإسلام بإثبات المكان لله ،، ومخالفة من جهة اقرار المشركين بأنّ الله تعالى في السماء وهذا لا يكفي لإثبات الإيمان والتوحيد للمسلم ،، ومخالفة من جهة الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن المكان ، ومن جهة مخالفة تلك العقيدة لإجماع الأصوليين المتخصصين في علم التقديس والواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى من علماء أهل السنّة والجماعة الخبراء في العقيدة الناجية والمتفقين على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، فلا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ، (  أ  ) المخالفة الأولى من جهة اثبات الإيمان بالسؤال عن المكان ، وذلك لأنّ اعتقاد وجود الله تعالى في السماء لا يثبت توحيـداً ولا تنفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الجارية بما لا يكفـي للحكـم بإسلامها ، وهذا مما يعزز أنّ الرواية الحقيقية جاءت بلفظ (( أتشهدين أن لا إله إلا الله )) أو أنّها  كانت خرساء ، وكان الاستفهام بالإشارة لمعرفة من تعبد ، وليس إثبات المكان لله ، (  ب  ) المخالفة الثانية : أن هذا الحديـث معارض للقـواطع العقليـة والنقليـة الـدالة على تنزيه الله تعالى عن المكان لأنّه خالق المكان ، وتنزيه الله تعالى عن التحيز في جهة من الجهات ولو كانت جهة فوق لأنّ جميع الجهات خلقه وهي محدودة والله تعالى منزه عن الحد والنهاية  وقد أجمع المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن المكان ، ( ت  ) المخالفة الثالثة من جهة أنّ الحديث مضطرب لا يصح اثبات عقيدة به ، واضطرابه يسبب ضعف الاستدلال به في مسألة من مسائل الطهارة فضلاً عن أصول العقيدة التي لا ينبغي أن نمتحن الناس فيها بحديث مضطرب اختلفت رواياته ، والمحكم فيها بلفظ (( أتشهدين أن لا إله إلا الله )) أو بلفظ (( من ربك )) لأنّ هذا هو ما يوافق الأصول عند الحكم على الإيمان والكفر ، واللفظ الثالث (( أين الله )) متشابه ينبغي رده إلى محكمه الذي يثبت به الإيمان وإلا فما علاقة المكان بالإيمان ، وهذا اللفظ معارض بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة المتواترة ودلالة العقـل السليم واجماع أهل التخصص في مجال العقيدة ممن درسوا ما يجوز نسبته ، وما لا يجوز نسبته في حق الله تعالى ، (  ث  ) المخالفة الرابعة من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثته وإلى انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى تلقين الإيمان والإسلام بإثبات المكان لله ، ولو ثبت ذلك لتواتر عنه لأهميته في اثبات الإيمان ،  بل الثابت عنه تلقين كلمة الشهادة وبعثِ رسله بالدعوة إليها ، ولم يُذكر أن أحداً من رسله دعا الناس إلى الإيمان بوجود الله في السماء ولا استكشف عن إيمان أحد بسؤاله : (( أين الله )) سوى تلك الرواية المضطربة التي تعددت ألفاظها بحيث لا تستقر على لفظ واحد ، وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه  ، وتواتر عنه صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن هذه العقيـدة المزعومة ، كما تواتر عنه  صلى الله عليه وأله وسلم أنّه بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء التي يدافع عنها الذين يتبعون المتشابه ابتغاء فتنة المسلمين عن دينهم ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )) [  صحيح البخاري : ح 25  ] ، وما أخرجه عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال : (( ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم )) [ صحيح البخاري : ح 1331 ] ، فهذا هو الذي تواتر عنه صلى الله عليه وسلم ، (  ج  ) المخالفة الخامسة اقرار المشركين بأنّ الله تعالى في السماء وهذا لا يكفي لإثبات الإيمان والتوحيد للمسلم ، فالمشركون كانوا يقرون بأن الله تعالى في السماء فلا يكون جواب الجارية كافياً في الدلالة على التوحيد، ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي بسنده عن عمران بن حصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي : (( يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي : سبعة ، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء )) [  سنن الترمذي : ح 3483  ] ،

( 10 ) المخالفة السادسة الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن المكان ،  ومن تلك الأدلة قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كان الله ولم يكن شيء غيره ))  [ البخاري ( 3020 ) ] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال فوق الوجود الزماني ، وكمال فوق الوجود المكاني ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، له كمال الوجود الأعلى من الزمان ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فوجوده قبل الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، وله كمال الوجود الاعلى من المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، ( ب ) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، ( ت ) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، وقال تعالى : { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ،  ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ، ( ث ) قوله تعالى { قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله } مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى : { وله ما سكن في الليل والنهار } يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان ،  ( ج ) وجود الله تعالى قبل خلق المكان ووجوده سبحانه بعد فناء المكان فلا يحويه مكان ، تنزه عن المكان وتعالى عن الجهات والأركان كان قديم السلطان قبل خلق المكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان قبل خلق المكان ، ( ح ) وجود الله تعالى قبل خلق الزمان ووجود الله تعالى منزه عن الزمان لا يجري عليه زمان ولا تحكمه قوانين الزمان إذ هو الخالق والحاكم المهيمن على كل مخلوق ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود تنزه عن الزمان والمكان تنزه الخالق على المخلوق وتنزه القاهر على المقهور( وهو القاهر فوق عباده ) ، ( خ ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،  ( د ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون : أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ( بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها ) والله تعالى خالق مقدِر ( بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها ) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود [ سياتي الحديث عن تنزيه الله تعالى عن الحيز والحد والمقدار في الباب التالي ( تنزيه الله تعالى في ذاته ليس كمثله شيء ) ] وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ ، (  ذ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن المكان : أنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل متحيز فهو محدود يحتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به والله تعالى منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر والله تعالى هو الخالق المقدر لها، ومنزه عن أن يحيط به شيء لأنه بكل شيء محيط ، فتحتم من ذلك تنزيهه عن أن يحيزه شيء من خلقه وكل ما في الوجود سواه فهو خلقه الفقير إليه وهو الغني عنهم ، (  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء ، (  ز  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ، (  س ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ، (  ش  ) قوله تعالى ( الله الصمد ) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان ، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق ، ( ص  ) قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق ، (  ض  ) قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق ، ( ط ) قوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره ، (  ظ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ، (  ع ) قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء ،  ( غ ) الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام ، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري ، (  ف ) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا ، ( ق ) أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ، ( ك ) وأخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً : عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا - بفهم سقيم بعيد عن التقديس  - هل هو  ( سبحانه ) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا ، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ، ( ل ) وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق ، وأعظم به من منهاج ، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا  ( علم توحيد الذات ) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ،  ( م ) وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ( تنبيه ) : تنزيه أهل السنّة للخالق سبحانه عن المكان ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، والإحاطة في قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، ولا نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،

(  11  ) المخالفة السابعة : مخالفة تلك العقيدة لإجماع الأصوليين المتخصصين في علم التقديس والواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى من علماء أهل السنّة والجماعة الخبراء في العقيدة الناجية والمتفقين على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، فلا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ، ومن أقوالهم في ذلك  : ( 1 ) قول الإمام الطحاوي - وهو من كبار أئمة السلف وهو أعلم بأقوالهم ومذاهبهم - قال : ( هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة والدين أبي حنيفة النعمان وصاحبيه أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني ... وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)  أهــ   [ متن العقيدة الطحاوية ]  ، ( 2 ) وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني   : ( وأجمعوا- أي أهل السنة- على أنه -  أي الله تعالى - لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان  ) أهـ  [ الفرق بين الفرق صـ 333 ] ، ( 3 ) وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني : ( الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شىء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث " أهـ [  التبصير في الدين ص161 ] ،  ( 4 ) وقال الإمام الشهرستاني الشافعي : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شىء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ سورة الشورى : 11 ] ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ) أهــ [ الملل والنحل للشهرستاني ] ، ( 5 ) وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره  : ( انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ) أهــ [ تفسير الرازي 29:216 ] ، ( 6 ) وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي ( ت : 333 هـ) : ( إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الان، جل عن التغير والزوال والاستحالة )  اهـ. [كتاب التوحيد (ص :  69).] ، ( 7 ) وقال القاضي أبو بكر محمد الباقلاني المالكي : ( ولا نقول إن العرش له- أي الله- قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان )  اهـ.[ الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص : 65).] ، ( 8 ) وقال الإمام أبو بكر ابن فورك  : ( لا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه محدودا ومتناهيا وذلك لاستحالة كونه محدثا ) أهـ.[  مشكل الحديث (ص :  57) ] ، ( 9 ) وقال الإمام ابن بطال المالكي (449 هـ) أحد شراح صحيح البخاري : ( غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه- أي تعاليه- مع تنزيهه عن المكان ) اهـ. [ فتح الباري (13 :  416) ] ، وقال أيضا : ( لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان، لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان " اهـ [  فتح الباري (13 :  433) ] ، ( 10 ) وقال الحافظ محمد بن حبان (453هـ) صاحب الصحيح المشهور بصحيح ابن حبان : ( الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان)  اهـ. [ الثقات (1 :  1) ] ، ( 11 ) وقال الإمام ابن حزم الأندلسي (456 هـ) : ( وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة، قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } ، وقال { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } ، والزمان والمكان هما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام اهـ. [ أنظر كتابه علم الكلام: مسألة في نفي المكان عن الله تعالى (ص :  65) ] ، ( 12 ) وقال الإمام الحافظ البيهقي (458هـ) :  ( والذي روي في ءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان. واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء))، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان)  اهـ. [ الأسماء والصفات (ص :  400) ] ، ( 13 ) وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي (476 هـ) : ( وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، فدل على أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان " اهـ.[ شرح اللمع : ج 1 : 101 ] ، ( 14 ) وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (478 هـ) : ( البارئ سبحانه وتعالى قائم بنفسه ، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يقله ) اهـ. [ الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص :  53) ] ، وقال أيضا : ( مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات ) أهـ [الإرشاد (ص :  58) ] ، وقال أيضا : ( واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، وبتنزه عن الاختصاص بجهة ، وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت ءاراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسه ، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيما تقدم" اهـ [الشامل في أصول الدين : ص :  511 ] ، ( 15 ) وقال الإمام أبو حامد الغزالي (505 هـ) : ( تعالى [ الله ] عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الان على ما عليه كان )  اهـ.[  إحياء علوم الدين: كتاب قواعد العقائد، (1 :  108) ] ، وقال أيضا : ( الأصل السابع: العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا، والاخر يقابله ويسمى رأسا، فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرِّجل، حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحت وإن كان في حقنا فوقًا. وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان. ثم قال: "فكيف كان في الأزل مختصًا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خلق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرّجل: وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصًا بالجهة: وإن اريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا اشاره إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال و الكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء" اهـ [إحياء علوم الدين: (1 :  128) ] ، ( 16 ) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (543 هـ) : ( البارئ تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار )  اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( إن الله سبحانه منزه عن الحركـة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل ) اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 289 ] ، وقال أيضا : ( الله تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات ) أهـ [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( وان علم الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى  كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته " اهـ. [ عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي : ج 12 : 184 ] ، ( 17 ) وقال القاضي عياض المالكي ( 544 هـ ) : ( اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله او إلى الله فليس بدنو مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق: ليس بدُنو حد، صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء ) اهـ [ الشفا : ج1 : 205 ] ، ( 18 ) وقال الإمام الشهرستاني ( ت 548هـ) : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }  ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان )  اهـ.[ نهاية الأقدام ص :  103] ، وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597هـ) : ( الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال)  اهـ. [ دفع شبه التشبيه (ص : 58) ] ، وقال في صيد الخاطر : ( فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل) اهـ [ صيد الخاطر : ص :  476 ] ، وقال في الباز الأشهب : ( كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان" اهـ.[ الباز الأشهب ص 57] ، ( 19 ) وقال الحافظ ابن عساكر (620 هـ) – في درة من تنزيهات العلماء – (  موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان ) اهـ [ طبقات الشافعية (8 :  186) ] ، ( 20 ) وقال سلطان العلماء  عبد العزيز بن عبد السلام (660 ه) : ( ليس [ الله تعالى ] بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يُشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ [طبقات الشافعية : (8 :  219) ] ، ( 21 ) وقال الإمام المفسّر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (671هـ) : ( و"العليّ" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز)  أهـ [ الجامع لأحكام القرءان : (3 :  278)] ، وقال أيضًا ( والقاعدة تنزيهه سبحانه وتعالى عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة )  اهـ. [ المصدر السابق : (6 :  390) ] ، وقال أيضًا : ( ومعنى:{فوق عباده} [سورة الأنعام : 18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان" اهـ. [ المصدر السابق : (6 :  399) ] ، وقال أيضًا عند تفسير ءاية :{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام : 158] :  ( وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا ) اهـ. [  المصدر السابق : (7 :  145) ] ، وقال أيضًا : في تفسير آية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا} : ( والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز" اهـ. [  المصدر السابق : (20 : 55)] ، وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى:{ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك : 16] : ( والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) اهـ [ المصدر السابق: ( 18 : 216) ] ، ( 22 ) وقال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي (676هـ) :  ( إن الله تعالى ليس كمثله شىء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ) اهـ. [ شرح صحيح مسلم 3 : 19] ، ( 23 ) وقال الإمام البيضاوي (685 هـ) : ( ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ) أهـ [ فتح الباري (3 :  31)] ، ( 24 ) وقال الإمام المفسر النسفي (710 هـ ) :  (إنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان ) اهـ. [ تفسير النسفي : (ج2 : 2،48) ] ، ( 25 ) وقال العلامة ابن منظور (711 هـ) : ( وفي الحديث: (( من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا ))   المراد بقرب العبد من الله عز وجل: القرب بالذكر والعمل الصالح لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس) [  لسان العرب ، مادة: ق رب (1 :  663- 664) ] ، ( 26 ) وقال الإمام القاضي بدر الدين ابن جماعة (733 ه ) : ( كان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الان على ما عليه كان)  اهـ. [ إيضاح الدليل (ص :  103- 4. 1)] ، وقال أيضا : ( فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة. " قلنا: الموجود قسمان: موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله. فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلا، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له ) اهـ [ إيضاح الدليل (ص :  104- 105) ] ، ( 27 ) وقال المفسِّر النحوي محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي (745 هـ) عند تفسير قوله تعالى :{ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه } : ( وعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة ) اهـ [ البحر المحيط (6 :  302)] ، وقال أيضا : ( قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة ) اهـ. [البحر المحيط: 16- 8 :  302) ] ، ( 28 ) وقال الإمام الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826 هـ) : (  "وقوله أي النبي- "فهو عنده فوق العرش "لا بد من تأويل ظاهر لفظة "عنده " لأن معناها حضرة الشيء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده ) اهـ [ طرح التثريب (8 : ،84) ] ، ( 29 ) وقال إمام الدنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني (852 هـ)  : ( ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالا على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شىء علما جلّ وعز ) أهـ  [ فتح الباري(6 :  136) ] ، ( 30 ) وقال الإمام العَيْني أحد أكبر شراح صحيح البخاري (855 هـ) : ( ولا يدل قوله تعالى :{ وكان عرشه على الماء }  على أنه - تعالى- حالّ عليه، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه " اهـ. [ عمدة القاري (مجلد 12 :  25 :  111) ] ، وقال أيضا : ( تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان ) أ ه [ عمدة القاري (مجلد 12 :  25 :  117) ] ، ( 31 ) وقال الحافظ السخاوي (902 هـ ) : ( قال شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر-: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ) أهـ. [ المقاصد الحسنة (رقم 886، ص :  342) ] ، ( 32 ) وقال الحافظ جلال الدين السيوطي (911 هـ) عند شرح حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) : ( قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى ) أهـ. [شرح السيوطي لسنن النساني (1 :  576) ] ، ( 33 ) وقال الإمام القسطلاني  (933هـ) في شرحه على صحيح البخاري : ( ذات الله منزه عن المكان والجهة ) أهـ. [ إرشاد الساري (15 :  451) ] ( 34 ) وقال الإمام القاضي أبو زكريا الأنصاري (926 هـ) : ( إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان) أهـ [ حاشية الرسالة القشيرية (ص :  2) ] ، وقال أيضا : ( لا مكان له  - سبحانه - كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان) أهـ [ المصدر السابق : (ص :  5) ] ، وللمزيد حول حل إشكالية المكان ، وتحقيق القول في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، وبيان أقوال علماء أهل السنّة والجماعة حولها انظر كتابي : (  كتاب تقديس الله تعالى أن يحيط به مكان أو يجري عليه زمان )  ، وهو ضمن ( مجموعة الرسائل المتعلقة بالتقديس والتنزيه وفهم العقيدة الصحيحة )

***

( 3 )  تحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة ))  ،  والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون

( 1 ) أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) [ البخاري ح 1077 ]

وقال ابن حجر - في درة تنزيهية من كلامه - في شرح الحديث : ( قوله : ( ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ) استدل به من أثبت الجهة وقال : هي جهة العلو , وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك ،  وقد اختلف في معنى النزول على أقوال : فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم ، ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة , والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا , ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف , ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم , ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب , ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف , ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبا مستعملا في كلام العرب وبين ما يكون بعيدا مهجورا فأول في بعض وفوض في بعض , وهو منقول عن مالك وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد , قال البيهقي : وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه , ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم . وسيأتي مزيد بسط في ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى . وقال ابن العربي : حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث , وعن السلف إمرارها , وعن قوم تأويلها وبه أقول . فأما قوله ينزل فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته , بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه , والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني , فإن حملته في الحديث على الحسي فتلك صفة الملك المبعوث بذلك , وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة , فهي عربية صحيحة انتهى . والحاصل أنه تأوله بوجهين : إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره , وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه . وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا , ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ : (( إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل , ثم يأمر مناديا يقول : هل من داع فيستجاب له  ))  الحديث ، وفي حديث عثمان بن أبي العاص : (( ينادي مناد هل من داع يستجاب له )) الحديث . قال القرطبي : وبهذا يرتفع الإشكال , ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني : (( ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول : لا أسأل عن عبادي غيري ))  لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور . وقال البيضاوي : ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه , فالمراد نور رحمته , أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة ) أهـ [ فتح الباري  : ج: 3 ص: 30 ] ،

( 2 ) وأخرج البخاري أيضاً عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  ) [ البخاري  ح 6940 ] ، وقال ابن حجر - في درة تنزيهية من كلامه - في شرح الحديث : ( قد تقدم شرحه في  كتاب التهجد  في باب الدعاء في الصلاة في آخر الليل , وتقدم هناك مناسبة الترجمة لحديث الباب مع أن لفظه ( حين يبقى ثلث الليل ) ومضى بيان الاختلاف فيما يتعلق بأحاديث الصفات في أوائل " كتاب التوحيد " في باب وكان عرشه على الماء , والغرض منه هنا قوله " فيقول من يدعوني " إلى آخره وهو ظاهر في المراد سواء كان المنادي به ملكا بأمره أو لا ; لأن المراد إثبات نسبة القول إليه وهي حاصلة على كل من الحالتين , وقد نبهت على من أخرج الزيادة المصرحة بأن الله يأمر ملكا فينادي في " كتاب التهجد " وتأويل ابن حزم النزول بأنه فعل يفعله الله في سماء الدنيا كالفتح لقبول الدعاء وأن تلك الساعة من مظان الإجابة وهو معهود في اللغة , تقول : فلان نزل لي عن حقه بمعنى وهبه , قال : والدليل على أنها صفة فعل تعليقه بوقت محدود ومن لم يزل لا يتعلق بالزمان فصح أنه فعل حادث , وقد عقد شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي وهو من المبالغين في الإثبات حتى طعن فيه بعضهم بسبب ذلك في كتابه الفاروق بابا لهذا الحديث , وأورده من طرق كثيرة ثم ذكره من طرق زعم أنها لا تقبل التأويل , إلى أن قال : فهذه الطرق كلها ضعيفة وعلى تقدير ثبوتها لا يقبل قوله أنها لا تقبل التأويل فإن محصلها ذكر الصعود بعد النزول فكما قبل النزول التأويل لا يمنع قبول الصعود التأويل , والتسليم أسلم كما تقدم والله أعلم . وقد أجاد هو في قوله في آخر كتابه فأشار إلى ما ورد من الصفات وكلها من التقريب لا من التمثيل , وفي مذاهب العرب سعة , يقولون أمر بين كالشمس وجواد كالريح وحق كالنهار , ولا تريد تحقيق الاشتباه وإنما تريد تحقيق الإثبات والتقريب على الأفهام , فقد علم من عقل أن الماء أبعد الأشياء شبها بالصخر , والله يقول ( في موج كالجبال ) فأراد العظم والعلو لا الشبه في الحقيقة , والعرب تشبه الصورة بالشمس والقمر , واللفظ بالسحر , والمواعيد الكاذبة بالرياح , ولا تعد شيئا من ذلك كذبا ولا توجب حقيقة وبالله التوفيق ) أهـ [  فتح الباري ج: 13 ص: 468 ] ،

( 3 ) وأخرج مسلم في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )) [ مسلم : ح :1261 ] ،  وقال النووي - في درة من تنزيهاته - في شرح الحديث : ( قوله صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول : من يدعوني فأستجيب له )) هذا الحديث من أحاديث الصفات , وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين : أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى , وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد , ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق , وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني : مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي : أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها . فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما : تأويل مالك بن أنس وغيره معناه : تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال : فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره . والثاني : أنه على الاستعارة , ومعناه : الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف ، والله أعلم  ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم ] ،  وقال رحمه الله في المجموع : (  وعن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة» رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة حين يبقى من ثلث الليل الآخر يقول من يدعو فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» رواه البخاري ومسلم وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران : ( أحدهما ) تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين و ( الثاني ) : الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد   تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى { ليس كمثله شيء } وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم ) أهـ [ المجموع ج: 4 ص: 51 ] ،

( 4 ) ومن أقوال شرّاح الحديث في بيان معانيه ، دون الغوص في الحشو والتشبيه :  قال الإمام البيهقي في كتابه القيم (الاسماء والصفات ) - بعد أن نقل قول القتيبي : قد يكون  النزول بمعنى إقبالك على الشيء بالارادة والنية ، وقل الإمام أبي حنيفة عنه : ينزل بلا كيف ، وقول حماد بن زيد : نزوله إقباله  ، قال البيهقي : ( وأخبرنا عبدالله الحافظ , قال : سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني , يقول : حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة , وورد في التنزيل ما يصدقه , وهو قوله تعالى : {  وجاء ربك والملك صفا صفا } ، والمجىء والنزول صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة , والانتقال من حال الى حال , بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه , جل الله عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا ً ) أهـ [  الاسماء والصفات صـ317 ] ، وقال أيضاً :  ( قال أبو سليمان الخطابي في حديث النزول : وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال , فحاد عن هذه الطريقة _ طريقة السلف _ حين روى حديث النزول : أقبل على نفسه فقال : إن قال قائل :كيف نزل ربنا إلى السماء ؟ قيل له :ينزل كيف يشاء .فإن قال :هل يتحرك إذا نزل ؟ فقال : إن شاء يتحرك ,وإن لم يشألم يتحرك ، وهذا خطأ فاحش عظيم ,والله تعالى لا يوصف بالحركة ,لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد ,وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون , وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين , والله تبارك وتعالى متعال عنهما ( ليس كمثله شيء ) , فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل فيما لايعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش .قال : وإنما ذكرت هذا لكي يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع فإنه لايثمر خيرا ولا يفيد رشدا .ونسأل الله العصمة من الضلال , والقول بما لا يجوز من الفاسد والمحال  ) أهـ [ الأسماء والصفات : 454 ] ،  وقال الإمام العيني - في درة من تنزيهاته - في شرح حديث النزول من صحيح البخاري  :  (حمل صاحب (المفهم) الحديث على النزول المعنوي على رواية مالك عنه عند مسلم، فإنه قال فيها:  (( يتنزل ربنا )) ، بزيادة: تاء، بعد: ياء المضارعة، فقال: كذا صحت الرواية هنا، وهي ظاهرة في النزول المعنوي وإليها يرد (( ينزل )) على أحد التأويلات، ومعنى ذلك أن مقتضى عظمة الله وجلاله واستغنائه أن لا يعبأ بحقير ذليل فقير، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه لأن يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم، ويكون قوله: «إلى السماء الدنيا»، عبارة عن الحالة القريبة إلينا، والدنيا بمعنى: القربى، والله أعلم ،  ثم الكلام هنا على أنواع. الأول: احتج به قوم على إثبات الجهة لله تعالى، وقالوا: هي جهة العلو، وممن قال بذلك: ابن قتيبة وابن عبد البر، وحكي أيضا عن أبي محمد بن أبي زيد القيرواني، وأنكر ذلك جمهور العلماء لأن القول بالجهة يؤدي إلى تحيز وإحاطة، وقد تعالى الله عن ذلك ،   الثاني: أن المعتزلة أو أكثرهم: كجهم بن صفوان وإبراهيم بن صالح ومنصور بن طلحة والخوارج، أنكروا صحة تلك الأحاديث الواردة في هذا الباب، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما ورد من ذلك في القرآن وأنكروا ما ورد في الحديث إما جعلاً وإما عنادا... [و]الجمهور سلكوا في هذا  الباب الطريق الواضحة السالمة، وأجروا على ما ورد مؤمنين به منزهين لله تعالى عن التشبيه والكيفية، وهم: الزهري والأوزاعي وابن المبارك ومكحول وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم من أئمة الدين. ومنهم الأئمة الأربعة : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد. قال البيهقي في (كتاب الأسماء والصفات): قرأت بخط الإمام أبي عثمان الصابوني، عقيب حديث النزول: قال الاستاذ أبو منصور (يعني )الجمشاذي: وقد اختلف العلماء في قوله: «ينزل الله»، فسئل أبو حنيفة فقال: بلا كيف، وقال حماد بن زيد: نزوله إقباله. وروى البيهقي في (كتاب الاعتقاد) بإسناده إلى يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: لا يقال للأصل: لِمَ ولا كيف، وروى بإسناده إلى الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: الأصل كتاب أو سنة أو قول بعض أصحاب رسول الله  أو إجماع الناس ، ( قلت ) : لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منزه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو  من المتشابهات، فالعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة: يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله، عز وجل، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان. والثاني: المؤولة: يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى: ينزل الله: ينزل أمره أو ملائكته وبأنه استعارة، ومعناه: التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك، .. وقال القاضي البيضاوي، لما ثبت بالقواطع العقلية أنه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، فالمراد دنو رحمته، وقد روي: يهبط الله من السماء العليا إلى السماء الدنيا، أي: ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي  الأنفة من الأراذل وقهر الأعداء والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام للرأفة والرحمة والعفو، ويقال: لا فرق بين المجيء والإتيان والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والسكون والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا ليق به الانتقال والحركة، كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى. فالنزول: لغة، يستعمل لمعان خمسة مختلفة: بمعنى الانتقال: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 84 ] ، و: الإعلام {نزل به الروح الأمين} [ الشعراء: 391 ] أي: أعلم به الروح الأمين محمدا ، وبمعنى: القول {سأنزل مثل ما أنزل الله} [ الأنعام: 39 ] ، أي سأقول مثل ما قال، والإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم ، جار في عرفهم، يقولون: نزل فلان من مكارم الأخلاف إلى دنيها، ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض، وبمعنى: نزول الحكم، من ذلك قولهم: كنا في خير وعدل حتى نزل بنا بنو فلان، أي: حكم، وذلك كله متعارف عند أهل اللغة: وإذا كانت مشتركة في المعنى وجب حمل ما وصف به الرب جل جلاله من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعاني، وهو: إقباله على أهل الأرض بالرحمة ) أهـ  [ شرح العيني على صحيح البخاري : ج 3 : ص : 622 ، 623 ] ،

وقال السندي في شرحه للحديث علي سنن بن ماجة : ( قوله : (( ينزل ربنا ))  حقيقة النزول تفوض إلى علم الله تعالى نعم القدر المقصود بالإفهام يعرفه كل واحد وهو أن ذلك الوقت قرب الرحمة إلى العباد فلا ينبغي لهم إضاعته بالغفلة ) أهـ ،  وجاء في المنتقي شرح الموطأ : ( قوله صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا )) إخبار عن إجابة الدعاء في ذلك الوقت وإعطاء السائلين ما سألوه وغفرانه للمستغفرين , وتنبيه على فضيلة ذلك الوقت , وحض على كثرة الدعاء والسؤال والاستغفار فيه ومن هذا المعنى ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى إذا تقرب إلي عبدي شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإذا أتاني يمشي أتيت إليه هرولة ولم يرد به التقرب في المسافة فإن ذلك غير ممكن ولا موجود وإنما أراد التقرب بالعمل من العبد والقرب منه تعالى بالإجابة والقبول ومن ذلك يقال فلان قريب من فلان ويقولون في الرئيس هو قريب من الناس إذا كان كثير الإسعاف لهم والترحيب بهم وهو مشهور في كلام العرب وفي العتبية سألت مالكا عن الحديث الذي جاء في جنازة سعد بن معاذ في العرش فقال لا يتحدثن به وما يدعو الإنسان إلى أن يتحدث به وهو يرى ما فيه من التغرير , وحديث إن الله خلق آدم على صورته , وحديث الساق قال ابن القاسم لا ينبغي لمن يتقي الله أن يحدث بمثل هذا ) أهـ  ،  وقال الشيخ شهاب الدين القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري : ( قولـه : (( ينـزل ربنا )) تبارك وتعالى نزول رحمة ومزيد لطف وإجابة دعوة وقبول معذرة كما هـو ديدن الملوك الكرماء والسادة الرحماء إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين ملهوفين فقراء مستضعفين لا نزول حركة وانتقال لاستحالة ذلك على الله فهو نزول معنوي ، نعم يجوز حمله على الحسي ويكون راجعا إلى أفعاله لا إلى ذاته بل هو عبارة عن ملكه الـذي يـنـزل بأمره ونهيه ، قال الزركشي لكن روى ابن حبان في صحيحه: ينـزل الله إلى السماء فيقول لا يسأل عن عبادي غيري وأجاب عنه في المصابيح بأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عما صنع العباد ويجوز أن يكون الملك مأمورا بالمناداة ولا يسأل البتة عما كان بعدها فهو سبحانه وتعالى أعلم بما كان وبما يكون لا تخفى عليه خافية ، وقوله جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه وهو قوله:  ((كل ليلة إلى سماء الدنيا )) لأنه لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة أتى بما يدل على التـنـزيه حين يبقى ثلث الليل الآخر منه بالرفع صفة وتخصيصه بالليل وبالثلث الأخير منه لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله تعالى وافرة وذلك مظنة القبول والإجابة ) أهـ ،  وقال الشيخ ملا علي القاري في شرح الشفا : ( ورحم الله مالكا فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث الموهمة للتشبيه المحتاجة إلى التأويل المقتضي للتـنـزيه والمشكلة المعنى المبنية على استعارة في المبنى كحديث البخاري وغيره : (( ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول هل من داع فأستجيب له هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر لـه )) ، فإن نـزوله سبحانه وتعالى كناية عن تنـزلات رحمته وموجبات إجابة دعوته وأسباب مغفرته أو يقال إنه سبحانه وتعالى له نزول يليق بشأنه مع اعتقاد التـنـزيه لـه عن انتـقال وتـغـير ووجود مكان وزمان في ذاته وكذا الحكم في الآيات المتشابهات وسائر الأحاديث المشكلات فللسلف والخلـف مذهبان فالمتقدمون على التسليم والتوكيل ومنهم أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والمتأخرون على التأويل والكل قائلون بالتـنـزيه ومانعون عن التشبيه ) أهـ ، وقال الإمام ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه  : ( قوله تعالى : {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم } [ النحل 26 ] ،  وقوله تعالى { هل ينظرون إلا أن يأتهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } [ البقرة : 210 ] ، وقوله تعالى: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [ الفجر ] : اعلم أنه لا فرق بين الاتيان والمجيء والنزول إذا أضيف جميع ذلك إلى الأجسام التي تتحرك وتنتقل وتحازي مكانا ، إن جميع ذلك يعقل من ظاهرها ،والمعنى الذي هو الحركة والنقل ، التي هي تفريغ مكان وشغل مكان .وإذا أضيف إلى ما لايليق به الانتقال من مكان إلى مكان لاستحالة وصفه كان معنى ما يضاف إليه من الإتيان والمجيء على حسب ما يليق بنعته وصفته ، إذا ورد به الكتاب ، وكذلك إذا أضيف النزول إليه ، وورد الخبر الصحيح الموثوق بروايته ونقله وصحته ، في باب أنه يحمل على نحو ما حمل عليه معنى المجيء ، والإتيان إذا ذكرا في أوصافه في الكتاب ، وإذا كان كذلك تأملنا معنى ما ورد في الخبر من لفظ النزول ، ونزلناه على الوجه الذي يليق بوصفه ، وعلى المعنى الذي لا ينكر استعمال مثله في اللسان في مثل معناه ولا أن يرد الخبر بمثله ، فمن ذلك أنا وجدنا لفظة النزول في اللغة مستعملة على معان مختلفة ، ولم تكن هذه اللفظة مما يخص أمرا واحداً ، حتى لا يمكن العدول عنه إلى غيره بل وجدناه مشترك المعنى واحتمل التأويل والتخريج والترتيب ،فمن ذلك : النزول بمعنى الانتقال ، وذلك في قوله سبحانه : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) الفرقان على معنى النقلة والتحويل ،ومن ذلك النزول بمعنى الاعلام كقوله عز وجل : ( نزل به الروح الأمين  على قلبك ) الشعراء.أي اعلم به الروح الأمين محمداً صلى الله عليه وسلم ، والنزول مثل ما أنزل الله ) الأنعام ، والنزول أيضا بمعنى الإقبال على الشيء وذلك هو المستعمل في قولهم والجاري في عرفهم ، وهو أنهم يقولون : إن فلانا أخذ بمكارم الأخلاق ثم نزل منها إلى سفاسفها أي أقبل منها إلى رديئها ،ومثله في نقصان الدرجة والمرتبة لأنهم يقولون : نزلت منزله فلان عن فلان عما كانت عليه إلى ما دونها إذا انحط قدره عنده ،ومن ذلك أيضا النزول بمعنى نزول الحكم  من ذلك قول الناس قد كنا في عدل وخير ، حتى نزل بنا بنو فلان إلى حكمهم ، وكل ذلك في ذلك في معنى النزول متعارف بين أهل اللغة غير مرفوع عنهم اشتراك معناه ) أهـ [مشكل الحديث وبيانه ، ص200:202 ] ،

وقال ابن حزم في الفصل في الملل : (  وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن الله تعالى ينزل كل ليلة إذا بقي ثلث الليل إلى سماء الدنيا   قال أبو محمد وهذا إنما هو فعل يفعله الله تعالى في سماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء وان تلك الساعة من مظان القبول والإجابة والمغفرة للمجتهدين والمستغفرين والتائبين وهذا معهود في اللغة تقول نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لي وتطول به علي ومن البرهان على أنه صفة فعل لا صفة ذات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علق التنزل المذكور بوقت محدد فصح أنه فعل محدث في ذلك مفعول حينئذ وقد علمنا أن ما لم يزل فليس متعلقا بزمان البتة وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ الحديث المذكور ما ذلك الفعل وهو أنه ذكر عليه السلام أن الله يأمر مالكا ينادي في ذلك الوقت بذلك وأيضا فإن ثلث الليل مختلف في البلاد باختلاف المطالع والمغارب يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه فصح ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك الوقت لأهل كل أفق وأما من جعل ذلك نقلة ، فقد قدمنا بطلان قوله في أبطال القول  بالجسم بعون الله وتأييده ولو انتقل تعالي لكان محدودا مخلوقا مؤلفا شاغلا لمكان وهذه صفة المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد حمد الله إبراهيم خليله ورسوله وعبده صلى الله عليه وسلم إذ بين لقومه بنقلة القمر أنه ليس ربا فقال فلما أفل قال لا أحب الآفلين وكل منتقل عن مكان فهو آفل عنه تعالى الله عن هذا وكذلك القول في قوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا وقوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر فهذا كله علي ما بينا من أن المجيء والإتيان يوم القيامة فعل يفعله الله تعالى في ذلك اليوم يسمى ذلك الفعل مجيئا وإتيانا وقد روينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال وجاء ربك إنما معناه وجاء أمر ربك   قال أبو محمد لا تعقل الصفة والصفات في اللغة التي بها نزل بها القرآن وفي سائر اللغات وفي وجود العقل وفي ضرورة الحس إلا أعراضا محمولة في الموصوفين فإذا جوزوها غير أعراض بخلاف المعهود فقد تحكموا بلا دليل إذ إنما يصار إلى مثل هذا فيما ورد به نص ولم يرد قط نص بلفظ الصفات ولا بلفظ الصفة فمن المحال أن يؤتى بلفظ لا نص فيه يعبر به عن خلاف المعهود وقال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ثم قال تعالى فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون فلو ذكروا الأمثال مكان الصفات لذكر الله تعالى لفظة المثل لكان أولى ثم قد بين الله تعالى غاية البيان فقال فلا تضربوا لله الأمثال وقد أخبر الله تعالى بأن له المثل الأعلى فصح ضرورة انه لا يضرب له مثل إلا ما أخبر به تعالى فقط ولا يحل أن يزاد على ذلك سيء أصلا وبالله تعالى التوفيق ) أهـ [ الفصل في الملل ج: 2 ص: 132 ] ،   وقال الإمام بن جهبل وهو يرد على من زعم حقيقة النزول :  ( وكما تطلق العرب النزول على الانتقال تطلقه على غيره كما جاء في كتابه العزيز : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ، وقوله تعالى : { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ولم ير أحد قط قطعة حديد نازلة من السماء في الهواء ولا جملا يحلق من السماء إلى الأرض فكما جوز هنا أن النزول غير الانتقال من العلو إلى السفل فليجوزه هناك ) أهـ [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 51 ] ،  وقال الزرقاني في شرح حديث النزول في الموطأ : ( وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري عن أبي هريرة أن رسول الله قال : (( ينزل ربنا )) اختلف فيه فالراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا على طريق الإجمال منزهين لله تعالى عن الكيفية والتشبيه ،ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والليث والأوزاعي وغيرهم قال البيهقي وهو أسلم ويدل عليه اتفاقهم على أن التأويل المعين لا يجب فحينئذ التفويض أسلم   ، وحكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا قال الحافظ ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد أن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له الحديث  ، وحديث عثمان بن أبي العاص عند أحمد ينادي مناد هل من داع يستجاب له الحديث      قال القرطبي : وبهذا يرتفع الإشكال ولا يعكر عليه حديث رفاعة الجهني عند النسائي ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول لا أسأل عن عبادي غيري لأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عن صنع العباد بل يجوز أنه مأمور بالمناداة ولا يسأل البتة عما بعدها فهو أعلم سبحانه بما كان وما يكون انتهى  ، هذا وقد حمل المشبهة الحديث وأحاديث التشبيه كلها على ظاهرها تعالى الله عن قولهم  ، وأما المعتزلة والخوارج فأنكروا صحتها جملة وهو مكابرة والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا الأحاديث جهلا أو عنادا ) أهـ [شرح الزرقاني ج: 2 ص: 49 ، 50 ] ،   وقال العلامة ابن الجوزي ، وهو من خير الحنابلة وأعلمهم بعد الإمام أحمد : وهو يرد على حشوية الحنابلة ويصحح عقائدهم وذلك في كتابه القيم - الذي أنصح كل مسلم بقراءته - الباز الأشهب : ( ومنها قوله تعالي : {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } أي بظل ، وكذلك قوله تعالي : { وجاء ربك } ، ( قلت ) : قال القاضي أبو يعلي عن أحمد بن حنبل أنه قال : في قوله تعالي " يأتيهم " قال المراد به : قدرته وأمره ، قال : وقد بينه في قوله تعالي : { أو يأتي أمر ربك } ، ومثل هذا في التوراة : { وجاء ربك } قال إنما هو قدرته . قال بن حامد : هذا خطأ ، إنما ينزل بذاته بانتقال . ، ( قلت ) : وهذا الكلام في ذاته تعالي بمقتضي الحس ، كما يتكلم في الأجسام ، قال ابن عقيل في قوله تعالي { قل الروح من أمر ربي } ، قال : من كف خلقه عن السؤال عن مخلوق ، فكفهم عن الخالق وصفاته أولي ، و أنشده : " كيفية النفس ليس المرء يدركها  * فكيف كيفية الجبار في القدم " [ الباز الأشهب ص61 ] ، ( تنبيه ) : روى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال في قوله تعالي (وجاء ربك)جاءت قدرته بسند لا غبار عليه ،  وقال في نفس الكتاب [ ص95-96 ] : ( الحديث التاسع عشر : روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول :  من يدعوني فأستجيب له  )) ( قلت ) : وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا ، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير ، فيبقى الناس رجلين أحدهما المتأول له بمعنى : أنه يقرب رحمته . وقد ذكر أشباء بالنزول فقال تعالى : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ، وإن كان معدنه  بالأرض وقال { وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ومن  لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ..؟  و الثاني : الساكت عن الكلام في ذلك . ( روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا : أمروا هذه الأحاديث بلا كيف قلت : وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة ، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يقتقر إلي ثلاثة أجسام : جسم عالي ، وهو مكان الساكن ، وجسم سافل ، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل ، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا . ( فإن قال العامي : فما الذي أراد بالنزول ؟ قيل : أراد به معني يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه ، فإن قال : كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا : قد علمت أن النازل إليك قريب منك ، فاقنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام ، قال ابن حامد : هو علي العرش بذاته ، مماس له ، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل ، ( قلت ) : وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي ، وقال القاضي : النزول صفة ذاتية ، ولا نقول نزوله انتقال . ( قلت ) وهذا مغالطة ، ومنهم من قال : يتحرك إذا نزل ، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق ، وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه . ولو كان النزول صفة لذاته ، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة ) أهـ [ الباز الأشهب ص95-96 ] ،  ‏وقال الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن : ( قال القاضي عياض  إعلم أن الله ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى وإنما دنو النبي ص من ربه لقربه منه  إبناه عظيم منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبته وقدرته من الله تعالى له  مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول في قوله عليه السلام  ينزل ربنا إلى السماء الدنيا على أحد الوجوه  نزول إجمال وقبول وإحسان ) أهـ [تفسير القرطبي ج: 17 ص: 90 ] ،  وجاء في الفواكه الدواني  : ( من الصفات ما يصح أن يوصف به الخالق والمخلوق على وجه الحقيقة كالعلم بوحدانية الله تعالى فالله نعلم أنه واحد والعبد الموحد أيضا يعلم ذلك بطريق الحقيقة فيهما وكالعلم بحرارة النار وإن كان علم الله قديما وعلم العبد حادثا ومنها ما يوصف به تعالى حقيقة والعبد مجازا كالمعطي والرازق فإن العبد إذا أعطى غيره شيئا يقال له معط مجازا لحصول صورة العطاء منه كما يقال لصورة الفرس فرس ومن ثم أجات بعض المفسرين عن خير الرازقين وأحسن الخالقين مع أنه لا رازق ولا خلق إلا هو سبحانه وتعالى بأن الرازق يطلق على الله حقيقة وعلى المخلوق مجازا أو أن المراد خير من تزعمونهم رازقين ويجري نحو هذين الجوابيين في أحسن الخالقين ومنها ما يوصف به الباري بطريق الحقيقة ولا يوصف به المخلوق لا حقيقة ولا مجازا كالأزلي ومنها ما يوصف به العبد حقيقة ويوصف به الباري مجازا كالاستواء والنزول والمعية والفوقية ) أهـ [ الفواكه الدواني ج: 1 ص: 48 ]   ،  وقال القاضي ابن جماعة في كتابه القيم إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل - وهو يرد على اشكالات الحشوية : ( الحديث الرابع : عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر الحديث ورواه أبو سعيد إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب يتوب )) اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه : ( الأول ) : النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة أجسام منتقل ومنتقل عنه ومنتقل إليه وذلك على الله تعالى محال ، ( الثاني ) : لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله وتنقلات كثيرة لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم إلى قوم وعودة إلى العرش في كل لحظة على قولهم ونزوله فيها إلى سماء الدنيا ولا يقول ذلك ذولب وتحصيل ، (  الثالث ) :  أن القائل بأنه فوق العرش وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعة أو تضاؤل الذات المقدسة عن ذلك حتى تسعة ونحن نقطع بانتفاء الأمرين ، ( الرابع ) إن كان المراد بالنزول استماع الخلق إليه فذلك لم يحصل باتفاق وإن كان المراد به النداء من غير إسماع فلا فائدة فيه ويتعالى الله عن ذلك  ، إذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النزول مع قطعهم بأن مالا يليق بجلاله تعالى غير مراد و تنزيهه عن الحركة والانتقال ، قال الأوزاعي وقد سئل عن ذلك فقال يفعل الله ما يشاء   ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 163 ] ،  وقال العلامة عبد الباقي بن عبد القادر - في درة من كلامه - في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر : (  فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر  ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء      وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  ، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء  ، وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة ) أهـ [ عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 34 ، 36 ]  ، وقال رحمه الله : ( وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه ولم يخبر كيف استوى ومن اعتقد أن الله مفتقر للعرش أو لغيره من المخلوقات أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوقات على كرسيه فهو ضال مبتدع فكان الله ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ، ومنها نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبت الحنابلة ما أثبته رسول الله ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ، ويكلون علمه إلى الله تعالى      وكذلك ما أنزل الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى  : { وجاء ربك والملك } الآية ، وفي قوله : { ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام }  الآية ، ونؤمن بذلك بلا كيف فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل فانتهينا إلى ما أحكمه وكففنا عن الذي يتشابه ) أهـ [ العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 60 ] ،  وقال العلامة الكوثري - وهو يرد علي إستدلال البعض على العلو الحسي بحديث النزول - : (( قاتل الله الجهل ، ما أفتكه ، فمن الذي يجهل استمرار الثلث الأخير من الليل في البلاد باختلاف المطالع حتى يحمل النـزول إلى السماء الدنيا على النـزول الحسي ، وقد حمل حماد بن زيد النـزول في الحديث على معنى الإقبال ومن أهل العلم من حمل الحديث على أن الإسناد فيه مجازي من قبيل الإسناد إلى السبب الآمر ويؤيده حديث أبي هريرة في سنن النسائي وفيه ( ثم يأمر منادياً يقول هل من داع فيستجاب له ) وليس في استطاعة من يخاف الله غير أن يفوض معنى النـزول إلى الله مع التنـزيه أو أن يحمل الحديث على المجاز في الطرف أو في الإسناد ، بل الأخير هو المتعين لحديث النسائي المذكور فيخرج حديث النـزول من عداد أحاديث الصفات بالمرة عند من فكر وتدبر تعالى الله عن النقلة التي يقول بها المجسمــة )) أهـ [ السيف الصقيل ص 102 ]  ،  و قال الإمام القرشي التيمي مجدد القرن السادس حفيد الصديق أبي بكر رضي الله عنه الإمام فخر الدين الرازي - في درة من علم التقديس والتنزيه - : ( المسألة الرابعة : احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى } في إثبات يدين لله تعالى ، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه ، فوجب المصير إليه ، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية ، فوجب القطع به  ، واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأجزاء والأعضاء ، قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتا جارية مجرى الإلزامات الظاهرة ، ( فالأول ) : أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء ، فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها ، وإما أن يزيد عليها ، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح ، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله : { كل شيء هالك إلا وجهه  } ،  [  القصص : 88 ] ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله : { تجرى بأعيننا } [ القمر : 14 ] وأن يثبت جنبا واحدا لقوله تعالى : { ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله } [ الزمر : 56 ] وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى : { مما عملت أيدينا } [ يس : 71 ] وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله عليه وسلم : (( وكلتا يديه يمين )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الحجر الأسود يمين الله في الأرض )) وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } [ القلم : 42 ] فيكون الحاصل من هذه الصورة ، مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة ، وجنب واحد ويكون عليه أيد كثيرة وساق واحد ، ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور ، ولو كان هذا عبدا لم يرغب أحد في شرائه ، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة ، وأما القسم الثاني : وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن ، بل يزيد وينقص على وفق التأويلات ، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر ، ولا بد له من قبول دلائل العقل ، ( الحجة الثانية ) : في إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى ، فإن أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل وأن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى ، وإن نفوهما فهو خصي أو عنين ، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، ( الحجة الثالثة  ) : أنه في ذاته سبحانه وتعالى ، إما أن يكون جسما صلبا لا ينغمز البتة ، فيكون حجرا صلبا ، وإما أن يكون قابلا للانغماز ، فيكون لينا قابلا للتفرق والتمزق . وتعالى الله عن ذلك ، ( الحجة الرابعة ) : أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان كالزمن المعقد العاجز ، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان محلا للتغيرات ، فدخل تحت قوله : { لا أحب الآفلين } [ الأنعام : 76 ] ، ( الحجة الخامسة ) : إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان كالميت ، وإن كان يفعل هذه الأشياء ، كان إنسانا كثير التهمة محتاجا إلى الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل ، ( الحجة السادسة ) : أنهم يقولون إنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء الدنيا ، فنقول لهم حين نزوله : هل يبقى مدبرا للعرش ويبقى مدبرا للسماء الدنيا حين كان على العرش ، وحينئذ لا يبقى في النزول فائدة ، وإن لم يبق مدبرا للعرش فعند نزوله يصير معزولا عن إلهية العرش والسموات  ، ( الحجة السابعة  ) : أنهم يقولون إنه تعالى أعظم من العرش ، وإن العرش لا نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسي ، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة بالنسبة إلى البحر ، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيرا بحيث تسعه السماء الدنيا ، وإما أن يقال إن السماء الدنيا تصير أعظم من العرش ، وكل ذلك باطل  ، ( الحجة الثامنة ) : ثبت أن العالم كرة ، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كانت تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل ، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل ، فحينئذ يكون جسما محيطا بهذا العالم من كل الجوانب ، فيكون إله العالم على هذا القول فلكا من الأفلاك،
( الحجة التاسعة ) : لما كانت الأرض كرة ، وكانت السموات كرات ، فكل ساعة تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل في حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض ، فلو نزل من العرش في ثلث الليل وجب أن يبقى أبدا نازلا عن العرش ، وأن لا يرجع إلى العرش البتة ، ( الحجة العاشرة ) : أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من العيوب أولها : كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض وثانيها : كونه محدودا متناهيا وثالثها : كونه موصوفا بالحركة والسكون والطلوع والغروب ، فإذا كان إله المشبهة مؤلفا من الأعضاء والأجزاء كان مركبا ، فإذا كان العرش كان محدودا متناهيا ، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان موصوفا بالحركة والسكون ، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للإلهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها ، وذلك يبطل قول المشبهة ، وإن لم تكن منافية للإلهية فحينئذ لا يقدر أحد على الطعن في إلهية الشمس والقمر ، ( الحجة الحادية عشرة ) : قوله تعالى : { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة ، وذلك ينافي كونه مركبا من الأجزاء والأبعاض ، ( الحجة الثانية عشرة ) : قوله تعالى : { والله الغني وأنتم الفقراء } [ محمد : 38 ] ولو كان مركبا من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجا إليها وذلك يمنع من كونه غنيا على الإطلاق ، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ) أهـ [ تفسير مفاتح الغيب : ج 13 : ص 212 إلى 214 ] ،  وقال رحمه الله - في درة من كلامه - في كتابه الذي لم أر في التقديس كتاباً مثله ( كتاب أساس التقديس  ) : ( الفصل التاسع في المجيء والنـزول  احتجوا بقوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ، وبقوله تعالى :  { وجاء ربك } ، واحتجوا بالأخبار الواردة فمنها ما رواه صاحب شرح السنة رحمه الله في باب إحياء ءاخر الليل وفضله عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وتنـزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده )) ، ثم قال : (( إن الله تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأخير ينـزل إلى هذه السماء الدنيا فينادي هل من مـذنـب يتوب هل من مستغفر هل من داع هل من سائل إلى الفجر )) قال صاحب هذا الكتاب هذا حديث متفق على صحته، وفي هذا الباب أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينـزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ..  الحديث ، واعلم أن الكلام في قوله:  { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}  من وجهين : ( الأول ) : أن نبين بالدلائل القاهرة أنه سبحانه وتعالى منـزه عن المجيء والذهاب ، و ( الثاني ) : أن نذكر التأويلات في هذه الآيات،  أما النوع الأول فنقول: الذي يدل على امتناع المجيء والذهاب على الله تعالى وجوه : ( الأول ) : ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب فإنه لا ينفك عن المحدث وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب وجب أن يكون محدثا خلوقا فالإله القديم يستحيل أن يكون كذلك ، و ( الثاني ) : أن كل ما يصح عليه الانـتـقال من مكان إلى مكان فهو محدود متناه فيكون مختصا بمقدار معين مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص منه فحينئذ يكـون اختصاصه بذلك المقدار لأجل تخصيص مخصص وترجيح مرجح وذلك على الإله القديم محال ، و ( الثالث ) : وهـو أنا لو جوزنا فيما يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلها قديما أزليا فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي إلهية الشمس والقمر ، و ( الرابع ) : أنه تعالى حكى عن الخليل عليه السلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله : { لا أحب الآفلين} ، ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور ، فمن جوز الغيبة والحضور على الإله تعالى فقد طعن في دليل الخليل وكذب الله تعالى في تصديق الخليل في ذلك حيث قال : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } ، وأما النوع الثاني في بيان التأويلات المذكورة في هذه الآية فنقول فيه وجهان : ( الأول ) : المراد هل ينظرون إلا أن يأتيهم ءايات الله فجعل مجيء ءايات الله مجيئا له على التفخيم لشأن الآيات كما يقال جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته ، و ( الوجه الثاني ) : أن يكون المراد هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا أضاف فعلا إلى شيء فإن كان ظاهر تلك الإضافة ممتنعا فالواجب صرف ذلك الظاهر إلى التأويل كما قال العلماء في قوله تعالى: {إن الذين يحادون الله} المراد يحادون أولياءه وقد قال تعالى:  { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ }  والمراد أهل القرية فكذا قوله تعالى : { يأتيهم الله} ، أي يأتيهم أمر الله وليس فيه إلا حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وذلـك مجاز مشهور يقال ضرب الأمير فلانا وأعطاه والمراد أنه أمر بذلك والذي يؤكد صحة هذا التأويل وجهان : ( الأول ) : أن قوله تعالى:  { يأتيهم الله} ، وقوله:  { وجاء ربك‏ } ، إخبار عن حال القيامة ثم إن الله تعالى ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال:  { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك} ، فصار هذا مفسرا لذلك المتشابه لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض ، و ( الثاني ) : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { وقضى الأمر } ،  ولا شك أن الألف واللام للمعهود السابق وهذا يستدعي أن يكون قد جرى ذكره من قبل ذلك حتى يكون الألف واللام إشارة إليه وما ذاك إلا الذي أضمرناه من أن قوله : { يأتيهم الله}  أي يأتي أمر الله ، فأما الحديث المشتمل على النـزول إلى السماء الدنيا فالكلام عليه من وجهين : ( الوجه الأول ) : بيان أن النـزول قد يستعمل في غير الانتقال وتقريره من وجوه : ( أحدها ) : قوله تعالى:  { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ونحن نعلم بالضرورة أن الجمل والبقر ما نزل من السماء إلى الأرض على سبيل الانتقال ، وقال الله تعالى : { فأنزل الله سكينته على رسوله } ، والانتقال على السكينة محال ، وقال الله تعالى : { نزل به الروح الأمين على قلبك} ، والقرآن سواء قلنا إنه عبارة عن صفة قديمة أو قلنا إنه عبارة عن الحروف والصوت والانتقال عليه محال،  وقال الشافعي المطلبي رضي الله عنه : دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنـزلت ثم نزلت ولم يكن المراد من هذا النزول الانتقال ، و ( الثاني ) : أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى ، ( الثالث ) : أن القوم رأوا أن كل سماء في مقابلة السماء التي فوقها كقطرة في بحر وكدرهم في مفازة ثم كل السموات في مقابلة الكرسي كقطرة في البحر والكرسي في مقابلة العرش كذلك ثم يقولون إن العرش مملوء منه والكرسي موضع قدمه فإذا نزل إلى السماء الدنيا وهي في غاية الصغر بالنسبة إلى ذلك الجسم العظيم فإما أن يقال إن أجزاء ذلك الجسم العظيم يدخـل بعضـها في بعض وذلك يوجب القول بأن تلك الأجزاء قابلة للتـفرق والتمزق ويوجـب القول أيضا بتداخل الأجزاء بعضها في بعض وذلك يقتضي جواز تداخل جملة العالم في خردلة واحدة وهو محال وإما أن يقال إن تلك الأجزاء بليت عند النـزول إلى السماء الدنيا وذلك قول بأنه قابل للعدم والوجود وذلك مما لا يقوله عاقل في صفة الإله تعالى فيثبت بهذا البرهان القاهر أن القول بالنـزول على الوجه الذي قالوه باطل ، و ( الرابع ) : أنا قد دللنا على أن العالم كرة فإذا كان كذلك وجب القطع بأنه أبداً يكون الحاصل في أحد نصفي الأرض هو الليل، وفي النصف الآخر هو النهار، فإذا وجب نزوله إلى السـماء الدنيا في الليل، وقد دللنا على أن الليل حاصل أبداً فهذا يقتضي أن يبقى أبداً في السماء الدنيا إلا أنه يستدير على ظهر الفلك بحسب استدارة الفلك وبحسب انتقال الليل من جانب من الأرض إلى جانب ءاخر، ولو جاز أن يكون الشيء المستدير مع الفلك أبداً إلهاً للعالم فلم لا يجوز أن يكون إله العالم هو الفلك ومعلوم أن ذلك لا يقوله عاقل ، ( النوع الثاني ) : من الكلام في هذا الحديث بناؤه على التأويل على سبيل التفصيل، وهو أن يحمل هذا النـزول على نزول رحمته إلى الأرض في ذلك الوقت والسبب في تخصيص ذلك الوقت بهذا الفعل وجوه : ( الأول ) : أن التوبة التي يؤتى بها في قلب الليل الظاهر أنها تكون خالية عن شوائب الدنيا لأن الأغيار لا يطلعون عليها فتكون أقرب إلى القبول ، و ( الثاني ) : أن الغالب على الإنسان في قلب الليل الكسل والنوم والبطالة فلولا الجد العظيم في طلـب الدين والرغبة الشديدة في تحققه لما تحمل مشاق السهر ولما أعرض عن اللذات الجسمانية، ومتى كان الجد والرغبة والإخلاص أتم وأكمل كان الثواب أوفر ، و ( الثالث ) : أن الليل وقت الكسل والفتور فاحتيج في الترغيب في الاشتغال بالعبادة في الليل إلى مزيد أمور تؤثر في تحريك دواعي الاشتغال والتهجد، فيحسن أن الشارع يخص هذا الوقت بمثل هذا الكلام ليكون توفر الدواعي على التهجد أتم فهذه الجهات الثلاث تصلح أن تكون سبباً لتخصيص الشارع هذا الوقت بهذا التشريف ولأجلها قال الله تعالى : { وبالأسحار هم يستغفرون} ، وقال تعالى : { والمستغفرين بالأسحار } ، و ( الوجه الرابع ) : إن جمعا من أشراف الملائكة ينـزلون في ذلك الوقت بأمر الله تعالى فأضيف ذلـك إلى الله تعالى لأنه حصل بسبب أمر الله تعالى كما يقال: بنى الأمير داراً وضرب ديناراً. وممن ذهب إلى هذا التأويل من يروي الخبر بضم الياء تحقيقاً لهذا المعنى ، واعلم أن تمام التقرير في تأويل هذا الخبر أن من نزل من الملوك عند إنسان لإصلاح شأنه والاهتمام بأمره فإنه يكرمه جداً بل يكون نزوله عنده مبالغة في إكرامه فلما كان النـزول موجباً للإكرام أطلق اسم النـزول على الإكرام، وهذا أيضاً هو المراد بقوله تعالى : { وجاء ربــك والملك صفاً صفا } ، وذلك أن الملك إذا جاء وحضر لفصل الخصومات عظم وقعه واشتدت هيبته والله أعلم  ) أهـ

( 5 ) اللوازم الفاسدة للقول بالنزول الحقيقي : من تلك اللوازم : ( أ ) الحلول في السماء ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، ( ب ) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال ، ( ت ) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا ، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين ، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم ( أربعة وعشرون ساعة نازل صاعد ) وهل يقول بهذا إلا أحمق مجنون ، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك ، ( ث ) كما يقول الرازي : أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل ،  وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى ، ( ج ) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين ، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال ، ( ح ) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة ، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله ، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم ، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت ،

( 6 ) حل إشكالية حديث النزول : أخرج النسائي حديث النزول بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا  ، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [ طه : 14 ] ، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده ، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك ، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام ، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى : ((  مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) ،  قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في كتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية ما نصه : ( قال أهل التأويل إن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره وقال بعضهم إن قوله : (( ينـزل )) راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته المقدس فإن النـزول كما يكون في الأجساد يكون في المعاني أو راجـع إلى المَلَك الذي ينـزل بأمره ونهيه تعالى، فإن حمل النـزول في الأحاديث على الجسم فتلك صفة المـلَك المبعوث بذلك وإن حمل على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل سمى ذلـك نـزولا من مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة والحاصل أن تأويله على وجهين إما بأن المراد ينـزل أمره أو المَلَك بأمره وإما أنه استـعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، وقد حكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي يُنـزل ملكا قالوا ويقويه ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله عز وجل يُمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) قال القرطبي : صححه عبد الحق ، قالوا : وهذا يرفع الإشكال ويُـزيل كل احتمال والسنة يُفسر بعضها بعضا وكذا الآيات، قالوا : ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدس فإن الـحديـث فيه التصريح بتجدد النـزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب جل شأنه يجب اتصافها بالقدم وتنـزيهها عن التجدد والحدوث، قالوا : وكل ما لم يكن فكان أو لم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفة الأفعال، قالوا : فالنـزول والاستواء من صفات الأفعال " أهـ  ، وللمزيد حول تحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ، وبيان أقوال علماء أهل السنّة والجماعة حول الحديث : انظر كتابي : (  كتاب شرح حديث النزول في ضوء قواعد التنزيه )  ، وهو ضمن ( مجموعة الرسائل المتعلقة بالتقديس والتنزيه وفهم العقيدة الصحيحة )

***

( 4 )  حل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم  ،  والجارحة والأعضاء كالوجه واليد والعين

الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء في وجوده أو في ذاته أو في أسمائه أو في صفاته أو في أفعاله ، ليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تحتاج إلى مكان أو تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل موجود في مكان فهو محدود بهذا المكان يحيزه ويحيط به والله تعالى بكل شيء محيط ، وليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا ، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب

( أ  ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ] ،  وللرد على جهل هؤلاء ، أقول : أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ،  وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم ، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،   [ مجاز اليد في القرآن ] : والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها  ،  وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ،  على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،   [  وأما مجاز العين في القرآن ] : فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

***

 (  5  )  حل اشكالية الفوقية والعلو والاستواء والجهة والمكان

( 1 ) يستند الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بنصوص من الكتاب والسنّة تؤول إلى ثلاثة عشر دليلاً رئيسياً ، الدليل الأول : التصريح بالفوقية مقروناً بأداة ( من ) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، الدليل الثاني : ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة , قال تعالى:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، الدليل الثالث :  التصريح بالعروج  إلى الله تعالى ، كما في قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [ المعارج : 4 ] ، الدليل الرابع :  التصريح بالصعود إليه ، كما في قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، الدليل الخامس :  التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه , كما في قوله تعالى : {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [ النساء : 158 ]  , وقوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ] ، الدليل السادس :  التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً، قال تعالى:{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] , وقوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , وقوله تعالى : {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [ الشورى : 51 ] ، الدليل السابع :  التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} [ آل عمران : 7 ] , وقوله تعالى :  {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [ غافر : 2  ] ، الدليل الثامن :  التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , وقوله تعالى : {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[  الأنبياء : 19 ] ،  الدليل التاسع :  التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الدليل العاشر :  التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [ الأعراف : 54 ] ، الدليل الحادي عشر  : التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا ، لحديث البخاري ومسلم : (( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له ))  ، الدليل الثاني عشر : التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى ، لحديث الترمذي : (( إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين )) [ صحيح الترمذي للألباني : ح ( 3556 ) ] ، الدليل الثالث عشر : التصريح بلفظ (( أين الله )) في حديث مسلم : (( قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : ح  (537) ] ، وبعد فهذه هي الأدلة الرئيسة التي يستند إليها الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بنصوص من الكتاب والسنّة ،

(  2  ) هذه النصوص صحيحة ولكن تكمن المشكلة في الفهم الخاطئ لها من قبل هؤلاء الغير متخصصين في علم العقيدة ، وسوف اتناول كل دليل من تلك الادلة برد متشابهها إلى محكمها الذي يضبط الفهم الصحيح اللازم لها ،

(  3  ) حل اشكالية الدليل الأول : التصريح بالفوقية مقروناً بأداة ( من ) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، وفي الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ، قال القرطبي : ( ومعنى يخافون ربهم   من فوقهم   أي من عقاب ربهم وعذابه لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء وقيل  المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم ففي الكلام حذف ) أهـ [تفسير القرطبي ج: 10 ص: 113 ] ، وقال بن جهبل - وهو يرد على مثبت الجهة - : (  وأردفه بقوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم وتلك أيضا لا دلالة له فيها عن سماء ولا عرش ولا أنه في شيء من ذلك حقيقة  ، ثم الفوقية ترد لمعنيين  : أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به من لا يجسم وبتقدير أن يكون هو المراد وأنه تعالى ليس لجسم فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة ل يخافون ويكون تقدير الكلام يخافون من فوقهم ربهم   أي أن الخوف من جهة العلو وأن العذاب يأتي من تلك الجهة ،  وثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير   وكما يقال جلس فلان فوق فلان والعلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة   وقد وقع ذلك في قوله تعالى حيث قال ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ولم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر ومن ذلك قوله تعالى وإنا فوقهم قاهرون وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم  ) أهـ [ طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 47 ] ،

(  4  ) حل اشكالية الدليل الثاني : ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة , قال تعالى:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير ، قال القرطبي : (وهو القاهر   فوق عباده   القهر الغلبة والقاهرالغالب وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل قال الشاعر  تمنى حصين أن يسود جذاعه فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب ومعنى  { فوق عباده }  فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول  السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 399 ] ، وقال أبو السعود : (وهو القاهر   فوق عباده   أي هو المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة إلى غير ذلك ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 144 ] ، وقال البغوي : ( { وهو القاهر فوق عباده } : القاهر الغالب وفى القهر زيادة معنى على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد وقيل هو المنفرد بالتدبير يجبر الخلق على ماده   فوق عباده   هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل وهو الحكيم فى أمره الخبير بأعمال عباده ) أهـ [ تفسير البغوي ج: 2 ص: 89 ] ، وقال الشوكاني : (قوله وهو القاهر   فوق عباده   المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية ) أهـ [ فتح القدير ج: 2 ص: 124 ] ، وقال الألوسي : (وهو القاهر   فوق عباده   قيل هو استعارة تمثيلية وتصوير لقره سبحانه وتعالى وعلوه عز شأنه بالغلبة والقدرة وجوز أن تكون الاستعارة بالظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس وقيل  إنه كناية عن القهر والعلو بالغلبة والقدرة  إن فوق زائدة وصحح زيادتها وإن كانت اسما كونها بمعنى على وهو كما ترى والداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة والله تعالى منزه عنها لأنها محدثة باحداث العالم واخرجه من العدم إلى الوجود ويلزم أيضا من كونه سبحانه وتعالى في جهة مفاسد لا تخفي ) أهـ [ روح المعاني ج: 7 ص: 114 ] ، وقال الرازي : ((هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً)   اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته. وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} (الفتح: 10) ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله: {وهو القاهر فوق عباده} مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهوراً. وتقرير هذا القهر من وجوه: الأول: إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد، والثاني: أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى. فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات. والثالث: أنه قهار لكل ضده بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار. وتمام تقريره في قوله: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} (آل عمران: 26) ، وإذا عرفت منهج الكلام فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد فالفوق ضده التحت، والماضي ضده المستقبل، والنور ضده الظلمة، والحياة ضدها الموت، والقدرة ضدها العجز. وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبرا ًقادراً قاهراً منزهاً عن الضد والند، مقدساً عن الشبيه والشكل. كما قال: {وهو القاهر فوق عباده} والرابع: أن هذا  البدن مؤلف من الطبائع الأربع. وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول  الاجتماع. فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى، كما قال: {وهو القاهر فوق عباده} وأيضاً فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة. ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة، وجعل كل واحد منهما مستكملاً بصاحبه منتفعاً بالآخر. فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد  والتفرق، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية، والمعارف الإلهية، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع، كما قال {وهو القاهر فوق عباده} وأيضاً فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين، ومكنة المعارض فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجري مجرى القهر فكان قاهراً لعباده من هذه الجهة، وإذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى، كما قال: {وهو القاهر القاهر فوق عباده}.

(  5 ) حل اشكالية الدليل الثالث :  التصريح بالعروج  إلى الله تعالى ، كما في قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [ المعارج : 4 ] ، قوله تعالى :{ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [ المعارج : 3 ، 4 ] ، فعند حمل متشابه المعاني على محكمها نجد أنّ معنى قوله تعالى : { مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ } أي من الله تعالى ذي الفواضل والنعم والدرجات التي يمنحها للطائعين من عباده ، وقد يكون معناه من الله تعالى ذي العظمة والعلاء ،  قال الطبري : ( وقوله { ذي المعارج } يعني ذا العلو والدرجات والفواضل والنعم   وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل   ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله   ذي المعارج   يقول العلو والفواضل   حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة من الله   ذي المعارج   ذي الفواضل والنعم  ) أهـ [ تفسير الطبري ج: 29 ص: 70 ] ، وقال القرطبي : (  { من الله ذي المعارج } ،  أي ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم قاله ابن عباس وقتادة فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق وقيل ذي العظمة والعلاء وقال مجاهد  هي معارج السماء وقيل  هي معارج الملائكة لأن الملائكة تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك وقيل  المعارج الغرف أي إنه ذو الغرف أي جعل لأوليائه في الجنة غرفا ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 281 ] ، وقال ابن كثير : (من الله   ذي المعارج   قال الثوري عن الأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى   ذي المعارج   قال ذو الدرجات وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس   ذي المعارج   يعني العلو والفواضل ) أهـ [ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 419 ] ، أما قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } ، فعروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده تعالى أن يحويه مكان ، وقد تقدم أنّ وجوده أزلي قبل خلق المكان ، وأنّ المكان مخلوق محدود مهما اتسع ، وأنّ الله تعالى لا يحويه مكان لأنّه خالقه وخالق العرش فمن دونه ، قال الواحدي : ( تعرج الملائكة والروح يعني جبريل عليه السلام إليه إلى محل قربته وكرامته وهو السماء ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1132 ] ،

(  6  ) حل اشكالية الدليل الرابع :  التصريح بالصعود إليه ، كما في قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } [ فاطر : 10 ] ، { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  } أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم ، قال الطبري : ( قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } قال الحسن وقتادة لا يقبل الله قولا إلا بعمل من قال وأحسن العمل قبل الله منه ) أهـ [ تفسير الطبري ج: 22 ص: 120 ] ، وقال البغوي : ( وعن قتادة : {إليه يصعد الكلم الطيب } أي يقبل الله الكلم الطيب ) أهـ [ تفسير البغوي ج: 3 ص: 566 ] ، وقال البيضاوي : ( وصعودهما إليه مجاز عن قبوله اياهما ) أهـ [ تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 413 ] ، وقال النسفي : (ومعنى قوله إليه إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود أو إلى حيث لا ينفذ فيه الا حكمه ) أهـ [ تفسير النسفي ج: 3 ص: 337 ] ، وقال أبو السعود : ( وقوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح وصعودهما إليه مجاز عن قبوله تعالى إياهما أو صعود الكتبة بصحيفتهما ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 7 ص: 145] ، وقال الشوكاني : ( ومعنى صعوده إليه قبوله له أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف ) أهـ [ فتح القدير ج: 4 ص: 341 ] ، وقال ابن الجوزي : (فالمعنى والعمل الصالح يرفعه الله إليه أي يقبله ) أهـ [ زاد المسير ج: 6 ص: 478 ] ، وفي الجلالين : (والعمل الصالح يرفعه : يقبله ) [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 572 ] ، وقال الألوسي : (وصعود الكلم إليه تعالى مجاز مرسل عن قبوله بعلاقة اللزوم أو إستعارة بتشبيه القبول بالصعود ) أهـ [ روح المعاني ج: 22 ص: 174 ] ،

(  7  ) حل اشكالية الدليل الخامس :  التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه , كما في قوله تعالى : {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [ النساء : 158 ]  , وقوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ] ، والمعنى في الآيتين : أي إلى مكان كرامته في السماء ، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله ، ولأنها منزهة عن معاصي العباد ، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء ، ليس مكان منها بعيد عن الله ، وهو من جميع عباده قريب ، قال القرطبي - ولله دره - : (بل رفعه الله إليه   ابتداء كلام مستأنف أي إلى السماء والله تعالى متعال عن المكان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 10 ] ، وقال الواحدي : (بل رفعه الله إليه   أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سوى الله فيه حكم وكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعا إليه لأنه رفع عن أن يجري عليه حكم أحد من العباد ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 1 ص: 301 ] ، وفي تفسير الثعالبي : (وقوله تعالى   بل رفعه الله إليه   يعني إلى سمائه وكرامته وعيسى عليه السلام في السماء على ما تضمنه حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج ) أهـ [ تفسير الثعالبي ج: 1 ص: 431 ] ، وقال ابن جهبل وهو يرد على المستدل بالآية على اثبات المكان لله : (وأتبعها بقوله تعالى إني متوفيك ورافعك إلي وما أدري من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام أو هو شيء أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في العلو في الجهة فإن كان كما خطر له فذاك أيضا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية وإن لم يقل بهما فلا حقيقة فيما استدل به وإن قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة ولعله لم يسمع الرفع في المرتبة والتقريب في المكانة من استعمال العرب والعرف ولا فلان رفع الله شأنه ) [ طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 46 ] ،

(  8  ) حل اشكالية الدليل السادس :  التصريح بالعلو ، كما في قوله  تعالى:{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] , وقوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , وقوله تعالى : {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [ الشورى : 51 ] ، وقوله تعالى : { سَـبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } ،  ونقول المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام ، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام : { قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى } ، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر ، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي ، وأنّه أعلى مسافة منه ،   وكذلك قوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  } [ آل عمران : 139 ] ، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع ، وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها : ((  ونادَى أبو سفيان فقال ( اعْلُ هُبَل ) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم ( الله أعلَى وأَجَلُّ ) )) ، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة ، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة ، وهل إذا كان حراس الملك يحرسونه وهم في شرفة عالية ، هل هم الأعلون أم أنّ الملك وإن كان في السفل أعلى منهم ، لأنّه الملك الآمر الناهي ، هذا على سبيل تفهيم الأمر وأنّه لا علاقة لعلو المكان في بيان الربوبية والإلهية ، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته ، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان ، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط ، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض ،  والله تعالى قريب ، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته ، : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا  } [ المجادلة : 7 ] ، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة ، والمسلم حين يقول وهو ساجد . { سبحان رَبِّيَ الأعلَى } ، معناه : سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً ، سبحانه وتعالى، وليس المعنى أن الله تبارك وتعالى عالٍ بالمكان والحَيّز والجهة ،  وعلى هذ   ا الحمل للمتشابه على المحكم أطبق المتخصصون في العقيدة والعلماء الراسخون في العلم ، قال القرطبي في تفسيره : ( ووصفه تعالى بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ

(  9  ) حل اشكالية الدليل السابع :  التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} [ آل عمران : 7 ] , وقوله تعالى :  {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [ غافر : 2  ] وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى:  { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } [ البروج : 21، 22 ] ، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ، قوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } [ الدخان : 3 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [ القدر : 1 ] ، وقوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  } [ البقرة : 185 ] ، ولما أخرجه النسائي والحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم )) ، ولما أخرجه النسائي والحاكم من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: (( أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة  ثم  قرأ : { وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا } [ الإسراء :  105،  106] ، ثم تتابع نزول جبريل عليه السلام به من بيت العزة في السماء الأولى إلى الأرض منجماً في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع والحوادث، وحاجات الناس ، لقوله تعالى : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 193 إلى 195 ] ، وقوله تعالى : { وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا } [ الإسراء : 106 ] ، فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض ، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه ، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود ، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر ، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء ، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،

(  10  ) حل اشكالية الدليل الثامن :  التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , وقوله تعالى : {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[  الأنبياء : 19 ] ، المراد من العندية في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ }  ، وقوله تعالى : { وَمَنْ عِنْدَهُ } ، هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ، قال القرطبي : (لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده عن الزجاج وقال غيره  لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل  لأنهم رسل الله كما يقال  عند الخليفة جيش كثير وقيل  هذا على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 7 ص: 356 ] ، وقال رحمه الله : (قوله : { إن الذين   عند ربك } ، و { رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } ، و { إن الله لمع المحسنين } ونحو ذلك كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة لا إلى المكان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 10 ص: 312 ] ، وقال أبو السعود : (إن الذين   عند ربك   وهم الملائكة عليهم السلام ومعنى كونهم عنده سبحانه وتعالى قربهم من رحمته وفضله لتوفرهم على طاعته تعالى لا يستكبرون عن عبادته بل يؤدونها حسبما أمروا به ويسبحونه أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه وله يسجدون أي يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيئا ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 310 ] ، وقال الشوكاني : (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته المراد بهم الملائكة قال القرطبي بالإجماع قال الزجاج وقال : { عند ربك } ، والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده ) [ فتح القدير ج: 2 ص: 281 ] ( تنبيه ) : القصد من قوله : ( والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده ) : أنّه قريب ليس كمثله في قربه شيء ، وإلا فاللفظ المناسب هو أنّ الله تعالى منزه عن المكان لأنّ الأماكن كلها محدودة والله تعالى منزه عن الحدود ، وقال النسفي : (أن الذين   عند ربك   مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ) أهـ [تفسير النسفي ج: 2 ص: 53 ] ، وقال : ( { فان استكبروا فالذين عند ربك } أي الملائكة : { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون } لا يملون .. وعند ربك عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة ) أهـ [  تفسير النسفي ج: 4 ص: 91 ] ، وقال الألوسي : (قوله تعالى  إن الذين   عند ربك   وقوله سبحانه  حكاية ابن لي عندك بيتا وقوله تعالى  وإن الله لمع المحسنين إلى غير ذلك مما هو كناية عن المكانة لا عن المكان ) أهـ [ روح المعاني ج: 15 ص: 142 ] ، وقال ابن الجوزي فقيه الحنابلة ، وهو يرد على حشوية الحنابلة في كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب : (الحديث الخامس والأربعون : روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ((  لما قضي الله الخلق كتب في كتابه – فهو عنده فوق العرش – إن رحمتي غلبت غضبي ، وفي لفظ سبقت )) ، قال القاضي - يقصد به أبو يعلى - : ظاهر قوله عنده القرب من الذات ، واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام ، وقد قال سبحانه وتعالي " مسومة عند ربك " ) أهـ [ الباز الأشهب ص130-131 ] ، وقال القاضي ابن جماعة - وهو يرد على مثبت المكان بالعندية بكلام رصين محكم يكتب بماء الذهب - : ( الآية الخامسة قوله تعالى : { إن الذين عند ربك } ، { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ، { عند مليك مقتدر } ، { ابن لي عندك بيتا في الجنة} ، {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } ، { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، ورد ذلك في الحديث كثيرا كقوله : (( أنا عند ظن عبدي بي )) ، (( أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي )) ، كل ذلك ليس المراد به عندية الجهة بل عندية الشرف والكرامة والإعانة والجبر واللطف ، لا عندية الحيز والمكان فإن كون الرب تعالى عند الإنسان باعتبار الجهة والمكان محال بالإجماع ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 112 ] ،

(  11  ) حل اشكالية الدليل التاسع :  التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء ، أي في العلو إشارة إلى علو الذات والصفات , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على نعنى العلو ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث ، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي ، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء , تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ  ، ولما تقدم من اجماع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان ، وقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم وقد قيل هو جبريل عليه السلام لأنّه الموكل بالخسف ، أو يكون المعنى أأمنتم من في السماء : أي من في السماء أمره أو قضاؤه أو من في السماء ( أي العلو ) مكانته وقدرته وسلطانه ، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام ، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى ،  وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره ، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله ، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها نمن صفات العجز والنقص ، وإليك طائفة من أقوال الراسخين في علم العقيدة والمتخصصين فيها في فهم الآية ورد متشابهها إلى محكمه ، قال القاضي عياض : (  لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله ( ءأمنتم في السماء ) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم ) أهـ [ إكمال المعلم : ج2ص465] ، وقال القرطبي - في درة من تنزيهاته - : ( تقديره  :  أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض ، وقيل  هو إشارة إلى الملائكة وقيل  إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب ، قلت  : ويحتمل أن يكون المعنى  أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون فإذا هي تمور أي تذهب وتجيء والمور  الاضطراب بالذهاب والمجيء .. وقال المحققون  أمنتم من فوق السماء كقوله  فسيحوا في الأرض أي فوقها لا بالممارسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير وقيل  معناه أمنتم من على السماء كقوله تعالى  ولأصلبنكم في جذوع النخل أي عليها ومعناه أنه مديرها ومالكها كما يقال  فلان على العراق والحجاز أي واليها وأميرها والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 215 ، 216 ] ، وقال العلامة ابن الجوزي - وهو يرد على حشوية الحنابلة : ( ومن الآيات قوله تعالي : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } قلت : وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها ، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف ، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا ، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق ) أهـ [الباز الأشهب المنتفض على ص59 ] ، وقال أبو السعود في تفسيره : ( أأمنتم من في السماء أي الملائكة الموكلين بتدبير هذا العالم او الله سبحانه على تأويل من في السماء امره وقضاؤه او على زعم العرب حيث كانوا يزعمون انه تعالى في السماء اي   أأمنتم من   تزعمون انه في السماء وهو متعال عن المكان أن يخسف بكم الأرض بعدما جعلها لكم ذلولا تشمون في مناكبها وتأكلون من رزقه ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 9 ص: 7 ] ، وقال الواحدي في تفسيره : (أأمنتم من   في السماء قدرته وسلطانه وعرشه أن يخسف بكم الأرض ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1118 ] ، وقال النسفي في تفسيره : (أأمنتم من   في السماء أي من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته ومنها تنزل قضايا وكتبه وأوامره ونواهيه فكانه قال أأمنتم خالق السماء وملكه أو لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه وانه في السماء وان الرحمة والعذاب ينزلان منه فقيل لهم على حسب اعتقادهم أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان أن يخسف بكم الأرض كما خسف بقارون فإذا هي تمور تضطرب وتتحرك ) أهـ [ تفسير النسفي ج: 4 ص: 265 ] ، وجاء في تفسير الجلالين : (من في السماء   سلطانه وقدرته أن يخسف بدل من من بكم الأرض فإذا هي تمور تتحرك بكم وترتفع فوقكم  ) أهـ [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 756 ] ، وقال القاضي ابن جماعة في كتابه الفذ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل - وهو يحاول تصفية الأذهان عن الحشو والتجسيم - : (  وكذلك لا يصح أن يقال لمن هو فوق سطح يسع لدار عظيمة في وسطها من أسفل بيت صغير إنه في ذلك البيت مع أن نسبة العرش إلى السماء أضعاف أضعاف ذلك السطح بالنسبة إلى ذلك البيت  ، وأيضا فإن بعض الخصوم يقول إنه على العرش وقد قام الدليل القاطع عند العقلاء أن نسبة السماء إلى العرش وعظمته قليل جدا فكيف تسع مع لطفها بالنسبة إلى العرش من هو ملء العرش مع عظمته فإنه يلزم إما اتساع السماء أو تضاؤل الذات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، الثالث اعلم أن السموات كرية لقيام الدليل الحسي والنقلي على ذلك فإن كان في وجهها عندكم فقد جعلتموه كفلك منها وإن كان في جهة البعض فترجيح من غير مرجح ، فإن قيل المراد بالسماء الجنس لا المسمى الجميع قلنا يلزم التناقض لأن العرش خارج السموات وقلتم إنه على العرش وأيضا يلزم التجزئ أو كونه متحيز داخلا في حيزين كما سيأتي في قوله تعالى: {وهو الله في السموات } ، والكل محال تعالى الله عن ذلك ، إذا ثبت ذلك تعين أن المراد إما ملائكة في السماء مسلطون على من شاء الله من الكفار لأن اللفظة تحتمله أو أن المخاطبين كانوا يعتقدون اعتقاد المجسمة فقيل لهم بحسب ما كانوا يعتقدونه في زعمهم أو أن المراد التعظيم وعلو الرتبة والقدرة أي من في السماء ملكوته وسلطانه وملائكته فيكون المراد بالسماء العلو والرفعة ، فإن قيل في هاهنا بمعنى على كقوله تعالى : { في جذوع النخل } ، قلنا هذا مردود لوجهين : أحدهما : أن ذلك خلاف الأصل وموضوع اللغة التي نزل بها القرآن وممنوع عند المحققين من نحاة البصرة بل هو على بابه لتمكنهم على الجذوع تمكن المظروف من ظرفه لآنهم لم يكونوا مستعلين عليها بل كانوا معها ، الثاني لو أريد معنى على كان لفظه أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله : {من في السماء } ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 115، 116 ] ، وقال الشاطبي في الموافقات : (   والثالث قوله تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم } ، { أأمنتم من في السماء  } ، وأشباه ذلك إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيها على نفي ما ادعوه في الأرض فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة البتة ولذلك قال تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم } فتأمله واجر على هذا المجرى في سائر ) [ الموافقات ج: 3 ص: 351 ] ، وجاء في حاشية ابن عابدين - في بيان كفر من نسب المكان إلى الله - : ( قال الله تعالى في السماء عالم لو أراد به المكان كفر لا لو أراد به حكاية عما جاء في ظاهر الإخبار ) [ حاشية ابن عابدين ج: 3 ص: 720 ] ، وقال العلامة بن جهبل وهو يرد مثبت المكان والجهة : ( وأتبع ذلك قوله : { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض } وخص هذا المستدل من بالله تعالى ولعله لم يجوز أن المراد به ملائكة الله تعالى ولعله يقول إن الملائكة لا تفعل ذلك ولا أن جبريل عليه السلام خسف بأهل سدوم فلذلك استدل بهذه الآية ولعلها هي النص الذي أشار إليه ) أهـ [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 46 ] ، وقال القسطلاني - عند شرحة لحديث البخاري عن أم المؤمنين زينب رضي الله عنها وقولها ((إن الله أنكحني في السماء )) قال القسطلاني شارخ البخاري : ( وذات الله تعالى منزهة عن المكان والجهة ، فالمراد بقولها : (( في السماء )) الاشارة إلى علو الذات والصفات , وليس ذلك باعتبار أن محله تعالى في السماء , تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ ) أهـ

(  12  ) حل اشكالية الدليل العاشر :  التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [ الأعراف : 54 ] ، ( أ ) أهل التنزيه في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة ، وهو جل شأنه القريب منا ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ولكنة قرب منزه عن الحلول والإتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير ) كما أن الإستواء إستواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين ، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والإستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله ، وكما أنه منزه عن الحلول والإتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه ، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته ، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته ، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد ، وقد تقدم في في الباب الأول : باب قواعد من أدلة الكتاب والسنة تمهد لفقه قواعد التقديس ، في القاعدة التاسعة : فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى ، ذكر آيات الاستواء ومفاتيح فهمها الفهم الذي يمنع من الوقوع في بدعة التشبيه ، وانها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن

(  13  ) حل اشكالية الدليل الحادي عشر  : التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا ، لحديث البخاري ومسلم : (( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له )) قلت : قد تقدم في القاعدة الثالثة : القضاء على شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه ، مبحث تحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ، ما يشفي الغليل في هذا الباب ،

(  14 ) حل اشكالية الدليل الثاني عشر : التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى ، لحديث الترمذي : (( إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين )) [ صحيح الترمذي للألباني : ح ( 3556 ) ] ، وذلك لأن السماء قبلة الدعاء كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة ، فترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء ، قال القرطبي : ( الأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 216 ] ، وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي : ( وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة، ولله أن يَتعبَّد عبادَه بما شاء، ويوجههم إلى حيث شاء، وإن ظَنَّ من يظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجهًا في الصلاة ونحوها، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج" انتهى ثم ذكر تنـزيه الله عن الجهة ) أهـ [كتاب التوحيد (ص :  75 - 76)] ، وقال الحافظ الزبيدي  : ( فإن قيل : إذا كان الحقُّ سبحانه ليس في جهةٍ، فما معنى رفع الأيدي بالدعاء نحو السماء ؟. فالجواب : من وجهين ذكرهما الطُّرْطُوشي : أحدهما : أنه محلُّ التعبُّد، كاستقبالِ الكعبةِ في الصلاة، وإلصاق الجبهةِ بالأرضِ في السجود، مع تنـزُّهه سبحانه عن محلِّ البيت ومحلِّ السجود، فكأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاء ، وثانيهما : أنها لما كانَتْ مهبِط الرزقِ والوحيِ وموضعَ الرحمةِ والبركةِ، على معنى أن المطرَ يَنـزِلُ منها إلى الأرضِ فيخرج نباتًا، وهي مَسكنُ الملإ الأعلى، فإذا قَضَى اللهُ أمرًا ألقاه إليهم، فيُلقونه إلى أهلِ الأرض، وكذلك الأعمال تُرفَع، وفيها غيرُ واحد من الأنبياء، وفيها الجنةُ -وهي فوق السماء السابعة - التي هي غايةُ الأماني، فلما كانت مَعْدِنًا لهذه الأمور العِظام ومَعرِفةَ القضاءِ والقَدَر، تَصرَّفَت الهِممُ إليها، وتوفَّرَت الدواعي عليها ) أهـ  [إتحاف السادة المتقين (5 :  34 - 35)] ، وقال الحافظ ابن حجر : ( السماء قِبْلة الدعاء كما أن الكعبة قِبْلة الصلاة ) أهـ  [فتح الباري (2 :  233)] ، وقال الشيخ مُلاّ علي القاري الحنفي في كتابه شرح الفقه الأكبر  : ( السماء قِبْلة الدعاء بمعنى أنها محل نزول الرحمة التي هي سبب أنواع النعمة ، وهو مُوجِب دفع أصناف النقمة... وذكر الشيخ أبو معين النسفي إمام هذا الفن في "التمهيد" له من أن المحقّقين قرّروا أن رفع الأيدي إلى السماء في حال الدعاء تعبّد محض ) أهـ  [شرح الفقه الأكبر : ص  199) ] ، وقال العلّامة البَياضي الحنفي (1098هجري) في كتابه "إشارات المرام" : ( رفع الأيدي عند الدعاء إلى جهة السماء ليس لكونه تعالى فوق السمَوات العُلى بل لكونها قِبلة الدعاء، إذ منها يتوقع الخيرات ويستنـزل البركات لقوله تعالى: { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [سورة الذاريات : 22 ] مع الإشارة إلى اتصافه تعالى بنعوت الجلال وصفات الكبرياء، وكونه تعالى فوق عباده بالقهر والاستيلاء ) أهـ  [إشارات المرام (ص : 198)]

(  15  ) حل اشكالية الدليل الثالث عشر : التصريح بلفظ (( أين الله )) في حديث مسلم : (( قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : ح  (537) ] ، قلت : قد تقدم في القاعدة الثالثة : القضاء على شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه ، مبحث تحقيق القول في حديث : (( أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ، ما يشفي الغليل في هذا الباب ،

***

(  6  )  حل اشكالية الحدوث وحلول الحوادث وكل ما يوحي بذلك

( أ  ) الله تعالى له كمال الوجود الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء ،  كما في قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء ، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم ]   ، فهو سبحانه الأزلي القديم بذاته ، منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء ، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت ، وهو الحي بعد كل ميت ،حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت والفناء، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } [ البقرة :  255 ]  ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ،

(  ب  ) من تنزيه الله تعالى عن الحدوث والفناء ، وعدم قبول الذات للحدوث أو الفناء نستفيد أنّ ذات الله تعالى القديم الأزلي الباقي الأبدي لا يقبل الحدوث أو التغير والأفول أو قبول المحدثات ، وذلك لأنه في علم الأصول فإن القديم الذاتي لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، فالله عز وجل هو الأول فليس قبله شيء ، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته ، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث نقص ومماثلة للمخلوقات يتنزه عنه كمال الذات وبيان ذلك أن نقول :

(  ت  ) من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى ، قوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ومنها أنه يستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل :60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ، وقوله تعالى:  { هل تعلمُ لهُ سميًّا }  [سورة مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث .

(  ث  ) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب قال تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام ، قال تعالى : { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ،  ومعناه  إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين .

(  ج  ) الأفول معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى ، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة

(  ح  ) كما أن ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث ، فإنه سبحانه منزه عن قبول الحوادث ، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من الذات حادثا وهذا محال لأن الله تعالى أحدي الذات صمدي الصفات لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث والأول الأزلي منزه عن أي حادث وإلا كان حادثا ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه ، كما أنّ قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات .

(  خ  ) دليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث الحوادث هو ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة ، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر ،  والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث ، والله تعالى منزه عن التغير والأفول ، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة ، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية ، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ،

(  د   ) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق ، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه متعلق بمشيئة الله وان الله سبحانه تكلم به متى شاء ولم يكن قديما من الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا : إن القرآن محدث وليس قديما ، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله ، بمعنى أنه لا يجوز القول : أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء ، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال ، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق  بأفعال الله ولا بإرادة الله ، ،  وهم جعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء ، ويرزق من يشاء متى شاء ، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم  محدثا مخلوقا ، فانظر هداك الله الفرق بين المذهبين ، مذهب التنزيه والفقه في دين الله ، ومذهب التكييف والجهل في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [ آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى ، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) .

(  ز  ) من قواعد تنزيه الله تعالى عن النقص ومماثلة الخلائق قاعدة أنّ الله تعالى منزه عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، لأنها محدثات لا تكون إلا عند الذي يقبل الحوادث ، أما القديم الأزلي الأبدي فلا تقبل ذاته الحوادث فلا تقبل الكيفيات الحسية التي من أمثلتها الجلوس والاستقرار ولأنها لا تحدث إلا بالجوارح ، وتنزيه الله تعالى عن النزول الحسي والصعود الحسي على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، ولأنها صفات المحدود الذي يتحرك في المكان المحدود والمقهور بالمكان والزمان ، لأنّ الكون في المكان قهر من المكان ، ولأنّ الحركة قهر من الزمان ، لأنّ الزمان ما هو عند التحقيق إلا تغير يحدث في اطار السكون والحركة ، ولولاهما لما استطعنا تمييز الزمان ، والقهار لا يجري عليه زمان لأنّه قاهر الزمان والمكان ، وكذلك يتنزه سبحانه عن القبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته ، والندم والتردد على معنى  التغير في ذاته ، فالله تعالى منزه عن تلك الكيفيات الحسية ، ومنزه عن أي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ، ومن أدلة تنزيه الله عن الكيفيات المحسوسة : أنها من خواص الجسم والجوارح والله تعالى منزّه عن الجسمانية ، وأنها حادثة ، لكن الباري غير حادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث ، وهي تستلزم التغير والانفعال ،  والله منزّه من التغير في ذاته

(  س  ) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

( ش ) أقوال طائفة من علماء الأمة في تنزيه الله تعالى عن التغير والأفول وقبول الحوادث كالحركة والسكون ، قال الحافظ عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في كتابه "الباز الأشهب" بعد ذكر حديث النزول : ( يستحيل على الله عزَّ وجلَّ الحركة والنـقلة والتـغـيـيـر، وواجب على الخلق اعتقاد التـنـزيه وامتـناع تجويز النـقلة وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفـتـقر إلى ثلاثة أجسام جسم عال وهو مكان الساكن وجسم سافل وجسم ينـتـقل من علو إلى أسفل وهذا لا يجوز على الله قطعاً ، وقال الحافظ بن عبد البر : ( قد قال الله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك مما هو موجود نازل به ولا مجيء لبان لك وبالله العصمة والتوفيق ) [ التمهيد لابن عبد البر ج: 7 ص: 137 ] ، وقال ابن حزم : ( إن الحركة والسكون مدة , والمدة زمان وقد بينا فيما خلا من كتابنا أن الزمان محدث ، فالحركة محدثة ,كذلك السكون والباري تعالى لا يلحقه الحدث , إذ لو كان حدثا لكان من ثان , فالباري تعالى غير متحرك ولا ساكن ) أهـ [ الفصل في الملل والنحل ج : 2 صـ  280 ] ، وبعد فتلك تنزيهات من أقوال العلماء في تقديس الله تعالى وتنزيهه عن كل صور التغير والحدوث وقبول الحوادث ، ومن لم يجعل الله تعالى له نوراً فما له من نور ،  

***

خاتمة في ذكر قواعد التقديس من اجل القضاء على بدعة الحشو والتجسيم ،

أقول وبالله التوفيق :  علم التقديس هو قسم توحيد جناب الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي الذي هو أعلى واجل من مجرد تسبيح اللسان ،  وقسم توحيد الذات هو أساس التوحيد ، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه ، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى ، والمسمى هو ذات الله ، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات ، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات ، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال ، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى ، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات ، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين ، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده ، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد ، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات ، ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد ، كما أنّ توحيد الذات هو أهم قسم من أقسام التوحيد ، وهو علم التقديس والتنزيه ، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد ، والمقصود من ( توحيد الذات )  هو اعتقاد الكمال لله في ذاته ، والتنزيه لذاته عن كل نقص ، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة ، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود ، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد ذات المعبود سبحانه ، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد ذات الله تعالى ،  ولابد من الإشارة إلى خطورة الذهول عن توحيد الذات : لأن ذلك سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه ، كما سيؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وحتما سيؤول بأصحاب ذلك الخلل إلى الحشو على حساب التقديس ، وإلى اعتقاد بدعة التجسيم وإن لم يشعروا بذلك ،  وقد اخترت عشرة قواعد من أهم قواعد هذا العلم الجليل أجعلها مثلا يحتذى به في علم التقديس :  اتناولها باختصار شديد لتكون إشارة إلى ذلك العلم الجليل :

[ ( القاعدة الأولى ) ] :  تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ] :  (  أ  ) الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات ، ولا هو يشبه شيئاً منها ، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 } ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، وقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،  وسورة الإخلاص تقديس لله تعالى عن مشابهة خلقه ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، الله تعالى هو ( الأحد ) له تعالى : ( الأحدية المطلقة ) ، وهي تعني التنزه عن الانقسام ، فهو سبحانه [ أحد ] لا جزء له منزه عن الأجزاء والأبعاض ، وبالتالي منزه عن التركيب والجوارح وبالتالي منزه عن الجسمية ، إذ الجسمية أقلها يتركب من جزئين ، وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أجسم ، وكل الخلائق أجسام وأجزاء وأبعاض ، فلا يتصف بالأحدية المطلقة إلا الله ، [ الله الصمد ]  أي الغني الذي يحتاج إليه كل خلقه وهو الغني عن كل خلقه ، و ( الصمدية المطلقة ) تمنع من التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف بالصمدية المطلقة ، إذن الله تعالى [ أحد ] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، [ صمد ] غني حميد اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، لا ينفصل منه شيء ، ولم ينفصل من شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات ، ولما كانت جميع المخلوقات تتصف بالحدود والنهايات والمقادير ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، منزه عن الحد والنهاية والمقدار والغاية ، ولما كانت جميع المخلوقات تحتاج في وجودها إلى مكان يحويها ويحيط بها ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، فلا يحويه مكان ولا يحيط به مكان كيف وهو بكل شيء محيط ، ولما كانت جميع المخلوقات يقهرها زمان يجري عليها زمان يقهرها بقوانينه ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، فلا يجري عليه زمان ولا تقهره قوانين الزمان كيف وهو الواحد القهار ،  ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم ، والصور والأشكال ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، منزه عن الأطوال والاحجام والصور والأشكال ، ولهذا قال أئمة التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة : يجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه ، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فهو ضال مبتدع ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء  ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ،  ومن الأدلة من السنة النبوية على تقديس الله تعالى عن مشابهة خلقه ، قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل  ، (  ب  ) وعلى ذلك : فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم ، منزه في وجوده عن المكان فلا يحويه مكان ، ومنزه في وجوده عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومنزه في جناب ذاته عن الحد والنهاية ، فلا حد ولا تناهي ، كيف وهو القاهر لمخلوقاته بالحدود والنهايات ، ومنزه في جناب ذاته عن الصور والأشكال والألوان ، كيف وهو المصور لخلقه  والواهب لها الصور والأشكال ، جل المصور أن يكون مصورا ، وجل الخالق أن يكون مخلوقا ، وجل القديم أن يكون محدثا ، له كمال الذات والأسماء والصفات  ، وكل ما خطر ببال المخلوق فهو باطل لأنه مخلوق ، والمخلوق لا يحيط علما بالخالق ، والمحدث لا يحيط علما بالقديم ،  فسبحان الله عما يصفون ، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ،  

[ ( القاعدة الثانية ) :  تنزيه جناب الذات تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  لا شك في أنّ أي شيء محدود له نهاية تحده ، والحد معناه التناهي ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لذاته ، ( أ ) قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ،  والقاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،  ( ث ) ثم  كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار ، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال ، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (( الله أكبر )) ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  ( ج ) كل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق  ، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ، ( خ )  الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز ، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه والقاعدة عند الرياضيين أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق _ ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال _ فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ، ( تنبيه ) : ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق ،  ( ذ ) وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، ( ر ) قد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق وبين الغني المطلق والفقير المطلق ،  وإنما العلم بالتعلم ، قال تعالى : { فاسالوا } ، فلا مناص لمن تكلم في العقيدة أن يتواضع للعلم ويطلبه من أهله ، ولا ينبئك مثل خبير ،

[  القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ] : ( أ ) عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال منزه عن أن تحكمه قوانين المكان ولا الزمان ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ  } دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان ، { وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } تنزيه عن المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ( ب ) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، ( ت ) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ، (  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  (  ز  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  (  س ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،   (  ظ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ،  وهنا يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات ، ومن ذلك الاستواء وفهمهم السقيم المبتدع أنه استواء الذات على العرش ، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على القرب ، كقوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } ، فلم لا تحمل على قرب الذات ، قالوا : القرب قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة ، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على الاحاطة ، كقوله تعالى : { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } فلم لا تحمل على إحاطة الذات ، قالوا : الاحاطة : إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة ، قلنا : فما الاشكال أن نحمل الاستواء على استواء الصفات من صفات التدبير والتسخير والملك والقهر والهيمنة والربوبية للعالم ، إذن الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها أهل الحشو التجسيم على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ، قال تعالى  : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية  ، فقوله تعالى : ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش ) على أنه استواء تدبير وربوبية ، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير ، وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد: 2 إلى 5 ] ، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير لقرينة الخلق في قوله تعالى { خلق السموات والأرض } ،  ثانيا : جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية ) ، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر ، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف ، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع ، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي ، فلا القرب قرب الذات ، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق ، أو التفويض في الجميع ، قرب ليس كمثله شيء ، واستواء ليس كمثله شيء ، لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد ،  وقد يتمسك الحشوية بالمتشابهات ، في اثبات الفوقية الحسية من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، وفي الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ،  أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، وهو مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [ الأعراف : 206 ] , المراد من العندية هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء ، أي في العلو إشارة إلى المكانة والصفات لا الحيز والمكان ،  , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، وقد اجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان ،  لو أريد معنى على السماء ، لكان اللفظ  أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله : {من في السماء } لو اريد علو المكان ، ولذا قال القاضي عياض : (  لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله ( ءأمنتم في السماء ) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم ) أهـ [ إكمال المعلم : ج2ص465] ، ولكن ماذا نفعل وقد ابتليت الأمة بأهل الحشو الذين يدعون المحكم ويلهثون خلف المتشابه الذي حذرنا كتاب الله من تتبعه بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، وقد علمنا حبر الأمة الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله (( اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل )) ، أن حمل المتشابهات وان نردها إلى أمهاتها من المحكمات ، ولذا كان يقول رضي الله عنه أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون المتشابه ، ولما سئل عن قوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } ، كان من قوله :  يكشف عن شدة وكرب ، تقول العرب : كشفت الحرب عن ساقها ، ولا ساق لها وإنما هو الكرب والشدة ،   وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث ((  أين الله )) في صحيح مسلم ، وحديث الجارية له روايات عديدة مضطربة ، فيها من الاختلاف الكثير ، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة صحيحة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان ، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم : الامام الحافظ البيهقي في كتابه  الأسماء والصفات للبيهقي ص ( 422 ) ، والحافظ ابن حجر العسقلاني : قال " وفي اللفظ مخالفة كثيرة " اه‍ [ التلخيص الحبير  3  :  223 ] ، وخلاصة الأمر : أن الحديث جاء صحيحا بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ،  وجاء بلفظ ( من ربك ) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ،  أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان ، والرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرجها الإمام مسلم ،  والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها ، إذن قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما أنّ لفظ ( أين الله ) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه ، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ،  كما أنّ لفظ ( أين الله والجواب بأنه في السماء ) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ، كما أنّ  لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ، ( تنبيه ) من قال بصحة حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة ، فحديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار ،  فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ، 

[  القاعدة الرابعة  :  تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، وتنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ] :  ( أ  ) الله تعالى هو الأول الآخر القديم الباقي ، لا يقبل الحدوث أو التغير أو الأفول ، وكل ذلك نقص يتنزه عنه جناب القديم بذاته وأسمائه وصفاته ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، ولو قبل الحدوث لكان جزء منه حادث ، والحادث مخلوق ، والخالق منزه عن أن يكون شيء منه مخلوق ، والقديم منزه عن أن يكون شيء منه حادث ، وهو الأحد الذي لا تتجزأ ذاته ، كما أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات والأسماء والصفات ، فهو سبحانه الأزلي القديم بجناب ذاته ، منزه عن الحدوث إذ ليس لوجوده ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بجناب ذاته إذ ليس لوجوده انتهاء ، هو الأول فليس قبله شيء ، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته ، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث وحلول الحوادث نقص يتنزه عنه كمال الذات ،  ويوجد في الحديث الصحيح ما يدل على اسمه القديم ، ففي سنن أبي داود من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ قَالَ : (( أَعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ ، وَسُلطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ )) [ أخرجه أبو داود ح  (466) ،  وصححه الالباني في صحيح أبي داود وقال : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات ] ، والسلطان القديم لا يكون إلا لمن كان قديم الذات والأسماء والصفات ، هو الحي الذي لا يموت ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، (  ت  ) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه ، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، (  د   ) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،  وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث (( النزول )) في صحيح البخاري ]  ، وللرد عليهم نقول : للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها : منها قوله تعالى : { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } [ سورة الزمر ] ، ولم نر جملا نازلا من السماء ، وقوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } [ سورة الحديد ] ، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء ، وللنزول الحقيقي الذي يتبناه أهل الحشو  لوازم فاسدة : من تلك اللوازم : ( اللازم الأول ) الحلول في السماء ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، ( اللازم الثاني ) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال ، ( اللازم الثالث ) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا ، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين ، ( اللازم الرابع ) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة ، ( خ ) حل إشكالية حديث النزول : أخرج النسائي حديث النزول بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله ، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر ، وقد قال الشافعي حدثت أهل مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت حتى يفهموا كلامي ، وليس معنى ذلك أنه نزل من مكان عال إلى مكان أسفل ولكنها البلاغة ،

[ القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ] :   (  أ  ) ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ، (   ب  ) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، ( ث  ) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  (  ج  ) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، 

[ القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  (  أ  ) ذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ( ب  ) الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، (  ت  ) الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث ،  وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث الصورة : ((  خلق الله آدم على صورته )) ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث : ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، ( المفتاح الثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول الحافظين : ابن حجر وابن خزيمة  ، ( المفتاح الثالث ) : إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وطريقة أهل السنة في المتشابه :  رد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم ، وحمل الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الصور والأشكال ،  ، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق ، وأما حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله : (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله : (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث ، فهم لا يعرفون صورة مسبقة ، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط ، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة ، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها ، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال : فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له ، 

[ القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ] :  ( أ  ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ] ،  وللرد على جهل هؤلاء ، أقول : أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ،  وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم ، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،   [ مجاز اليد في القرآن ] : والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها  ،  وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ،  على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،   [  وأما مجاز العين في القرآن ] : فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

[ القاعدة الثامنة :  تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) المقصود بالأعراض مثل الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح التي تتصف به ذات المخلوق ، والمقصود بالكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، (  ب  ) الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، ومنزه وأي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،  (  ت  ) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[ القاعدة التاسعة : تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ] :  وبيان ذلك : ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله ، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا  ، (  ب  ) أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[ القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) الله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ، وبعد فتلك بعض قواعد التقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس ، أخترتها من بين ثلاثين قاعدة ذكرتها في كتابي : التجديد في علم التقديس ، وأنبه إلى عدة أمور : ( الأول ) دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه : لأن القرآن الكريم  نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ،  ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان ، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين ، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك :  التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّ