جديد الموقع

محاضرات في علم الإلهيات ( 14 ) فهم بلاغة القرآن فتح عظيم لفهم التقديس - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة : مجاز اللغة وبلاغة القرآن وان فهم هذه البلاغة فتح عظيم لعلم العقيدة لاسيما قسم ( الإلهيات ) وعلم التقديس  ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ]  القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } [ النحل : 103 ] ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ،  وقال تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ يوسف : 2 ] ، وقال تعالى : { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ فصلت : 3 ] ، وقال تعالى : { قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ الزمر : 28 ] ،

[ ]  ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان ، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين ، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ،  وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول : ( ومن قدح في المجاز ، فقد خبط خبطا عظيما ) أهـ [ أسرار البلاغة : صـ ٣٦١ ] ،  وقال السيوطي : ( ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن ) أهـ [الإتقان ج : 2 ص : 97 ]

[ ]  لقد اعتاد أهل اللغة على سرد أدلة المجاز من القرآن الكريم : فتراهم يذكرون قول الله عزَّ وجل : { واشْتَعَلَ الرأْسُ شيباً } والاشتعال لا يكون إلا للنار ، وقولَه تعالى : { وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِم العِجْلَ } أي حب العجل ، وقولَه عز و جل : { وآيةٌ لَهُمْ اللّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار} ، والسلخ يكون لجلد الحيوان عن الحيوان ، وقوله عز و جل : { حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا } والحرب لا تضع شيئا ، وقولَه تعالى  : { فَما رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ } ، والتجارة لا ربح لها وإنا يقع الربح والخسارة على أصحابها ، ولم يخطر ببال أحدهم ان يأتي احد فينكر المجاز

[ ]  لقد أنكر الامام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم المجاز في القرآن ، وقد جاء هذا الانكار بحجة أن المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، وهذا من الجهل باللغة ، فإنّ المجاز هو علم البيان بأجمعه ، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي ،   لقد وقف العرب عاجزين أمام حسّ القرآن المجازي ،  ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن الإضافات البيانية الاصيلة ، كالكناية والتشبيه والاستعارات وأنواع المجاز وهذه الأبواب هي اصل البلاغة ، التي كانت من عوامل اعجاز القرآن ، وأما ما استدل به من أن المجاز كذب لأنه يُنفي فيصدق نفيه ، فهذا مغالطة ، لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة ، فلا ينافي صدق إثبات المجاز ، فلا علاقة للمجاز بنفي الصدق ، إن وضوح المجاز أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار ،  وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم ، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام ،

[ ]  نتأتي الآن لبيان بعض المجاز في القرآن والسنة ، ثم نعرج على ذكر بواعث ابن تيمية لانكار المجاز ، [  أولا ] القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك : 

[ ]  التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، وقوله تعالى : { الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ ابراهيم : 1 ] ، وقوله تعالى : { رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [ الطلاق : 11 ] ،

[ ]  التعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ،  والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } [ النساء : 174 ] ،

 [ ]  التعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر ، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما ، وهذا كما في قوله تعالى : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [ النمل : 80 ، 81 ] ، فسياق الآية يتناول الكفار الذين لا يهتدون ، وقوله تعالى : { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [ الإسراء : 72 ] ، ومعلوم أنّ المقصود بالعمى هو عمى القلب عن سماع الحق ورؤية الحقيقة ، وإلا فإنّ الآية لو أخذت على الحقيقة لا المجاز - كما ينكره من به عمى عن رؤية بلاغة اللغة العربية ومجازها - فإنّ كل أعمى البصر في الدنيا فإنه سيكون أعمى في الآخرة وأضل سبيلا ، وهذا لا يقول به عاقل ، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال ،

[ ]  التعبير عن الكفر الموجب لدخول النار بشفا الحفرة ، كما في قوله تعالى : { وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا } [ آل عمران : 103 ] ، وشفا الجرف الهار ، كما في قوله تعالى : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ التوبة : 109 ] ،

[ ]  التعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 24 ] ، وقوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه ، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ،

[ ]  التعبير بالأخذ تارة عن الهلاك ، وتارة عن القبول والرضا ، وتارة عن الجد والاجتهاد في التمسك ، فمن التعبير عن الأخذ بالهلاك  كما في قوله تعالى : { فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً } [ الحاقة : 10 ] ، وقوله تعالى : { فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ آل عمران : 11 ] ، ، وقوله تعالى : { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } [ غافر : 5 ] ، ومن التعبير بالأخذ عن الجد والاجتهاد في التمسك ، قوله تعالى : { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } [ مريم : 12 ] ، وقوله تعالى : { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 63 ] ، ومن التعبير بالأخذ عن القبول والرضا قوله تعالى : { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [ التوبة : 104 ] ، وقوله تعالى : { فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [ الأعراف : 144 ] ،

[ ]  التعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  ( 67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط تارة عن العدوان ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ } [ المائدة : 11 ] ، وتارة عن الغنى كما في قوله تعالى : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } [ الرعد : 26 ] ، كما يعبر بالقبض والبسط عن الغنى والفقر ، كما في قوله تعالى : { وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ( 245 } [ البقرة : 245 ] ، وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [ الإسراء : 29 ] ،

[ ]  التعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي غاية السخاء والكرم { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ،

[ ]  التعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } [ هود : 37 ] ، وقوله تعالى : { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [ المؤمنون : 27 ] ، وقوله تعالى : { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر : 13 ، 14 ] ، والسفينة لا تجري في أعين الله ، تعالى الله ، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة ، وقوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى ، { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ،

[ ]  التعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى } [ الأنفال : 70 ] ، أي في قهركم واستيلائكم ، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم ، وقوله تعالى : {  وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ المؤمنون : 5 ، 6 ] ، ومعلوم أنّ ملكة اليمين ليسن في اليمين ولكنه تعبير مجازي عن ما يملكه الإنسان ،  ومنه قوله تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الملك : 1 ] ، أي له القدرة التامة والقهر على عباده وخلقه ،

[ ]  التعبير عن الذات باليد ، كما في قوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الروم : 41 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] ، والمقصود به مطلق ذنوب الناس لا ذنوب اليدين فقط ، كما في قوله تعالى : {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ الحج : 10 ] ،

[ ]  التعبير عن الذات بالوجه ، كما في قوله تعالى : { إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ‘ 27 ] ، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه ، سبحان الله وتعالى عما يصفون ، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

[ ]  ومن المجاز في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم : كحديث أحمد ومسلم ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل )  قيل بسط اليد استعارة في قبول التوبة وإنما ورد لفظ اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بما يفهمونه وهو مجاز معروف في لغة العرب ، فإن يد الجارحة مستحيلة في حقه تعالى ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الجارحة وعن اليد بمعنى الجارحة والجزء من الذات ، تعالى الله عما يتوهمه المجسمون ،

[ ]  أنكر الامام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم المجاز في القرآن ، وقد جاء هذا الانكار بحجة أن المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، وهذا من الجهل باللغة ، فإنّ المجاز هو علم البيان بأجمعه ، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي ، وقد وقف العرب عاجزين أمام حسّه المجازي ،  ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الاصيلة ، وأما ما استدل به من أن المجاز كذب لأنه يُنفي فيصدق نفيه ، فهذا مغالطة ، لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة ، فلا ينافي صدق إثبات المجاز ، فلا علاقة للمجاز بنفي الصدق ، إن وضوح المجاز أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار ،  وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم ، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام ،

[ ]  لقد ادعى ابن تيمية أنه لم يقل به احد من السلف ، وقد نسي أن الأمام أحمد يقول به وقد اكد ذلك من الحنابلة أبو يعلى وابن عقيل وأبو الخطاب ، وهم قائلون بالمجاز تبعا لإمامهم  ،  ودعوى بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي  ، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة ، فلقد ثبت أن التأليف في مجاز اللغة كان في قرون السلف ، وممن لهم رسالة في المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية ،  كما أن لفظ ( المجاز ) مجرد مصطلح والمصطلحات غالبا ما تتأخر في الظهور عن موضوع العلم نفسه ، وهذا في كل العلوم ، وليس في علوم اللغة فحسب ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أشرف من استعمل المجاز هو  عندما قال عن مآثر الجاهلية ( ( إنها موضوعة تحت قدميه الشريفتين صلى الله عليه وسلم ) )  ، وعندما تاول عليه الصلاة والسلام الخيطين الابيض والأسود بالليل والنهار ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( كل ربا الجاهلية موضوع ، وأول ما أضع ربا العباس )) ،  وما أكثر تطبيقات علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة - على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم - والتابعون وتابعو التابعين بعدهم ، وعلماء الامة على ذلك ، حتى قال الشوكاني انكار المجاز مكابرة ،

[ ]  مما ورد عن ابن عباس الحبر البحر ، في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) ، وشرحه رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) ، وشرحه رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي وتفسيره رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله : (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ،

[ ]  من استعمال التابعين للمجاز : قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد : في أمر الله، وقوله تعالى { يوم يكشف عن ساق }  قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة : أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد بن جبير : شدة الأمر ، و قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) قال مجاهد ( قبلة الله ) ، وقوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) قال الضحاك وأبو عبيدة : ( إلا هو ) ، وقوله تعالى : ( وجاء ربك ) قال الحسن البصري ( مجيء أمره وقضائه ) ، وقوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال الحسن : في طاعة الله ،

[ ]  من استعمال تابعي التابعين للمجاز : قول الإمام مالك بن أنس في شرح حديث النزول ،  :  ( ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو ) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 10 5 ، وقول الإمام أحمد في { وجاء ربك } ، قال جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه  ، وقول الإمام البخاري في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر ] ، وقول الإمام الطبري في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ،

[ ]  ما هي بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز ؟   ( الباعث الاول ) مناصرته لعقيدة التجسيم تعالى الله عما يقول : فهو بإنكاره المجاز يريد أن يقول : إنه لا يقصد التجسيم ولا يريده ولكن ما حيلته والنصوص تفيد ذلك ؟ فنصوص القرآن والسنة ذكرت الوجه واليدين والعينين والقدم والساق وهي على الحقيقة ، والنول وهو على حقيقته ولف فيه مجلد يهرف فيه بذكر الخلاف هل عند النزول يخلو العرش ام لا يخلو ، و ( الباعث الثاني )  : زعمه قيام الحوادث بالذات الإلهي تعالى وتقدس عما يقول ، لان النصوص ذكرت ما يدل على تجدد الارادة والعلم والسمع والبصر ، ونفي المجاز يقوي بدعته ،  و ( الباعث الثالث ) ثم يخرج من ذلك بمحصلة هي : أن جمهور الأمة السادة الأشاعرة المنزهين لله سبحانه مبتدعة ضالون معطلون للنصوص التي تدل على الوجه واليد والعين والساق ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، 

[ ]  ( الباعث الاول ) مناصرته لعقيدة التجسيم تعالى الله عما يقول : فهو بإنكاره المجاز يريد أن يقول : إنه لا يقصد التجسيم ولا يريده ولكن ما حيلته والنصوص تفيد ذلك ؟ فنصوص القرآن والسنة ذكرت الوجه واليدين والعينين والقدم والساق وهي على الحقيقة ، والنول وهو على حقيقته ولف فيه مجلد يهرف فيه بذكر الخلاف هل عند النزول يخلو العرش ام لا يخلو ،

[ ]  الرد على الباعث الأول : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة ، وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، وقوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وقوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم ، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وقوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، لذلك تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،  

[ ]  والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها  ، قوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ،  هذه الآيات الكريمات توضح أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً  النبي صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ،

[ ]  قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة { كن فيكون } ، إذن المعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ،

[ ]  ( الباعث الثاني في انكاره للمجاز )  : زعمه قيام الحوادث بالذات الإلهي تعالى وتقدس عما يقول ، لان النصوص ذكرت ما يدل على تجدد الارادة والعلم والسمع والبصر ، ونفي المجاز يقوي بدعته ، أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث ، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء ، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء ، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث ، ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ،  وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، الأفول معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى ، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة ، ( جناب الذات الإلهي ) منزه عن التغير والحدوث ، ومنزه عن قبول الحوادث ، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق ، قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات  ،  أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، ولو قبل الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء ، لأنّ الحادث يقبل الفناء ، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ،

[ ]  ( الباعث الثالث ) ثم يخرج من ذلك بمحصلة هي : أن جمهور الأمة السادة الأشاعرة المنزهين لله سبحانه مبتدعة ضالون معطلون للنصوص التي تدل على الوجه واليد والعين والساق ،  والذي ينبغي عليّ قوله ، وانا على قناعة تامة بما أقول  :  لقد اكرم الله تعالى الامة بالإمامين  : ( أبي الحسن الأشعري وأبي  منصور الماتريدي ) تخصصا في علوم العقيدة وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة ، وصار المذهبان هما جناحا أهل السنة والجماعة في العقيدة ، وعلماء المذهبين هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام ، ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل التقديس والتنزيه ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ،   وهذه المدارس هي :  ( المدرسة الأثرية ) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، وهذه المدرسة لا تخوض في المتشابهات وإنما تكل العلم بمعانيها إلى الله ، ولكن ابتليت هذه المدرسة بالأدعياء من اهل الحشو والتجسيم والزيغ فنازعوا منبرها وشغبوا على صفاء منهاجها فينبغي الحذر من مناهج هؤلاء ومنهم الشيخ ابن تيمية وأتباعه ، ومذهب هؤلاء هو الحشو والتجسيم ، مهما أنكروا ذلك ، ومذهبهم ( تكييف وجود الله ) وهذا التكييف مفاده : هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم ، وأن العالم المخلوق تحته ،  وانه موجود بذاته في مكان وفي جهة من جهات الكون ، وأنه بذاته على عرشه حقيقة ، وانه ينزل إلى السماء على الحقيقة ، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت ، حيث يحده العرش من تحته ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته ، كما دندن هؤلاء واكثروا حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية ، مع انها متشابهات تعارض الأحدية المطلقة التي تعدل ثلث القرآن ، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة التي تمنع من الأبعاض والأجزاء والجوارح ، كالوجه واليد والعين ، وهي في اللغة أجزاء من ذوات ، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض ، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها ، فالله تعالى ليس كمثله شيء ، ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  تقدس أن يكون له مثيل او شبيه  هو سبحانه  الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد   ،  إن آفة هؤلاء الحشوية أنهم لم يدرسوا قواعد التقديس ولم يطلبوا علم العقيدة على يد المتخصصين ، فالحذر الحذر أن يسير أحد من المسلمين خلف هؤلاء لانهم ليسوا من ذوي التخصص في العقيدة ،  لقد اكرم الله تعالى الامة الإسلامية بالتخصص العقدي ، متنثلا في المذهبين الأشعري والماتريدي ،  وصار ( المذهبان ) المذهب الأشعري والمذهب الماتريدي هما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج اهل الحق ، وصارا جناحا أهل السنة والجماعة في علوم العقيدة ، هم الذين ضبطوا مسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وردوا على جميع المخالفين من اهل البدع الضالة المضلة ،  الأشاعرة والماتريدية علماء متخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية ( أهل السنّة والجماعة ) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة ، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء لولاهم لمال البعض إلى الحشو والتجسيم كحال ابن تيمية واتباعة ، ولمال الآخرون إلى الاعتزال والتعطيل ولولاهم لما استطاع المسلمون إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة ، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات ، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة ، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك ، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع ، ولولاهم لما عرف المسلمون الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المتخصصة ، وبيان نظرتها إلى الطوائف المخالفة ، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم ، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء ، هم اهل الذكر في العقيدة ، والله تعالى يقول : { فاسالوا أهل الذكر غن كنتم لا تعلمون } ، تلك هي في الحقيقة بواعث ابن تيمية الثلاثة لإنكار المجاز ،

[ ] الخلاصة : القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ،  فما  كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان ، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين ، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ،  وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول : ( ومن قدح في المجاز ، فقد خبط خبطا عظيما ) أهـ [ أسرار البلاغة : صـ ٣٦١ ] ،  وقال السيوطي : ( ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن ) أهـ [الإتقان ج : 2 ص : 97 ] ، لقد أنكر الامام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم المجاز في القرآن ، وقد جاء هذا الانكار بحجة أن المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، وهذا من الجهل باللغة ، فإنّ المجاز هو علم البيان بأجمعه ، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي ،   أما  بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز ؟   ( الباعث الاول ) مناصرته لعقيدة التجسيم تعالى الله عما يقول : فهو بإنكاره المجاز يريد أن يقول : إنه لا يقصد التجسيم ولا يريده ولكن ما حيلته والنصوص تفيد ذلك ؟ فنصوص القرآن والسنة ذكرت الوجه واليدين والعينين والقدم والساق وهي على الحقيقة ، والنول وهو على حقيقته ولف فيه مجلد يهرف فيه بذكر الخلاف هل عند النزول يخلو العرش ام لا يخلو ، و ( الباعث الثاني )  : زعمه قيام الحوادث بالذات الإلهي تعالى وتقدس عما يقول ، لان النصوص ذكرت ما يدل على تجدد الارادة والعلم والسمع والبصر ، ونفي المجاز يقوي بدعته ، و ( الباعث الثالث ) ثم يخرج من ذلك بمحصلة هي : أن جمهور الأمة السادة الأشاعرة المنزهين لله سبحانه مبتدعة ضالون معطلون للنصوص التي تدل على الوجه واليد والعين والساق ، وقد رددنا على ذلك كلة والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ،   كان هذا ما تيسر في بيان مجاز اللغة وبلاغة القرآن وان فهم هذه البلاغة فتح عظيم لعلم العقيدة لاسيما قسم ( الإلهيات ) وعلم التقديس   ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 13 ) معاني التقديس المطلق لله تعالى وتقدس - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة معاني التقديس المطلق لله تعالى عن الشبيه  والمثيل ، وعن سمات النقص ،  أقول وبالله التوفيق : 

[ ]  تقديس الله تعالى هو حال الملائكة الكرام حيث قالوا كما ذكر القرآن الكريم عنهم : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ، ومن أسمائه الحسنى  : (  القدوس  ) أي الطاهر المنزه المقدس عن كل معاني النقص والحاجة وعن العيوب والآفات ، ومن أسمائه الحسنى : ( السّلام  ) أي السالم المنزه المقدس عن كل آفة وعيب وذم ونقص ينافي الكمال ، جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ليس كمثله شيء ، غيب الغيوب ، الغيب المطلق الذي انقطع علم الخلق دونه ، قال تعالى : { ولا يحيطون به علما }  ،  وقال تعالى : {  لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ، هو الأول بلا ابتداء ، فليس قبله شيء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فليس بعده شيء ، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء ، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء ، قريب من كل شيء ، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده ، لا يغيب عنه شيء ، ولا يغيب هو عن شيء ، وهو بكل شيء محيط ، وهو بكل شيء عليم ، وهو على كل شيء قدير ، لا يعجزه شيء ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ،

[ ]  سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، منزه عن كل مثيل أو كفء أو شبيه ، غيب الغيوب ، منزه عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات ، لأن الحدود نقص عن الكمال ، له الكمال المطلق ، أحد منزه عن الانقسام ، صمد منزه عن التركيب والاحتياج ، غني حميد ، أحديته المطلقة تمنع من الانقسام ، وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ،

[ ]  { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام  ، 

[ ]  { اللَّهُ الصَّمَدُ  } : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق والكمال المطلق ، وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ، ولا يكون إلها  ، 

[ ]  { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء لأحديته وصمديته ، { وَلَمْ يُولَدْ   } لقدمه الأزلي ، منزه عن الحدوث  ، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث

[ ]  { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } : تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ، ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  ، سبوح قدوس نعجز عن إدراك كنه جناب ذاته وحقائق صفاته ،

[ ]  ومن أسمائه الحسنى  : ( الغني ) و اسمه ( الحميد  ) لذا اقترنا في قوله تعالى : {  يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } ، هو الغني الذي كمل في غناه ، فلا يحتاج إلى أحد ، تقدس عن الحاجة والاحتياج ، وهو ( الحميد ) الذي استحق الحمد بجناب ذاته وعلو صفاته وكريم فعاله ،

[ ]  ومن أسمائه الحسنى : الأوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ ، وتلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على كمال الوجود القاهر للزمان ، تقدس وتنزه عن جريان الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على كمال الوجود القاهر للمكان ، تقدس وتنزه عن الحاجة إلى المكان ،فلا يحويه مكان ،

[ ]  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ ،  الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ لفظَ { شيء } في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه ، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء ،

[ ]  تنزه في وجوده عن الكيف ، فلا كيف ولا مكان ولا زمان ،  والأحدية المطلقة تنفي الكيف ونفي المثلية يمنع من التصور ، والحاصل هو العجز عن درك الادراك ،  { ليس كمثله شيء } ،  غيب الغيوب ، لا يدرك ، لأنه فوق الحدود ،  وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ،

[ ]  ( جناب الذات ) : { ليس كمثله شيء } ، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ، له الوجود الحق المطلق ، والعقول المحدودة لا تحيط بالمطلق المنزه عن الحدود ،

[ ]  الاحاطة به محال { ولا يحيطون به علما } ، لا منتهى لجناب ذاته ولا لعظيم صفاته ، سبحانه تقدس عن المكان ، فلا يتقيد بالمكان ، ولا يحويه مكان ، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن ، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، وتقدس عن جريان الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ،  كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، فلا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، لا يقبل التغير ولا الحدوث ، سبحانه كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس أزلي لا ابتداء لوجوده ، وأبدي لا انتهاء لوجوده ، هو الأول بلا ابتداء ، فليس قبله شيء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فليس بعده شيء ، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، وأجراه ، ولو شاء أوقفه وأفناه ، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق ، كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار ، فلا انتهاء لجناب ذاته ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، هو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية

[ ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه :   لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى : 11 ] ، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ النحل : 60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، وقال تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ النحل : 74 ] ، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [  مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقال تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام : 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقال تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر بالبال فهو باطل لأنه مخلوق في العقل والخاطر ، والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون

[ ]  الله تعالى له الكمال المطلق ، منزه عن كل ما ينافي الكمال المطلق لجناب الذات الإلهي ، كالحد والتناهي وكالكون في مكان والتقيد بالزمان ،  سبحانه منزه عن كل ما ينافي القدم الازلي من التغير والحدوث وقبول الحدث ،  سبحانه منزه عن كل ما ينافي الأحدية المطلقة من قبول الأجزاء والابعاض والجوارح ، سبحانه منزه عن كل ما ينافي الصمدية المطلقة من قبول الصور والأشكال

[ ]  سبحانه منزه عن الوالد والولد ،  { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء ، ولا يكون منه شيء حادث ، { وَلَمْ يُولَدْ   } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث ،  تقدس سبحانه عن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فيستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولا ينفصل منه شيء

{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } :  تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ، لا يشبه شيئا من خلقه ، ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  ،

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الاتحاد والحلول ، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات الأجسام المخلوقة المقدرة ، فلا يصح نسبة الاتحاد بين الخالق القديم الأزلي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، ولا يصح نسبة الحلول للخالق الذي تنزه وتقدس عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المخلوق ، 

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ،  الأعراض كالألوان والأحجام والأشكال ، والكيفيات الحسية كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والحركة والسكون والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، فإن الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، تقدس عن كل ما خطر بالبال ، وتقدس عن كل تغير وحدوث ،   

[ ]  سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان وتجدد العلم  ،  سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ،  سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ،

[ ]  سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ،   سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ،

[ ]  أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي ، وذلك لما اشتملت عليه من معاني التوحيد والتقديس والتنزيه ، ونفي النقائص عن الله  ،  { اللَّهُ لا إله إلا هو } : ( الله ) عَلَمٌ على جناب الذات ، وهو الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا ،  { لَا إِلَهَ إِلَّا هو } : معناها أنّ الله تعالى واحدٌ في إلهيته ، لا إله إلا هو ، ولا شريك له ، { الْحَيُّ الْقَيُّومُ } : { الحي } سبحانه ، له كمال الحياة ، حياةً أزليةً أبديةً ، لم يسبقها عدم وليس بعدها فناء ، فالحي الكامل المطلق هو الله ، له كمال الحياة ، و { القيوم } هو الذي قامت به السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات ، يحتاجون إليه وهو الغني عنهم ،  غنيٌ عن كل ما سواه ، قيوم لغيره  ،  { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } قدوس منزه عن كل نقص أو عجز أو عيب ،  { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } أصل في التقديس والتنزيه ، فكما أنّنا بها ننفي عن الله النوم والنعاس ، يجب علينا أن ننفي عنه سائر صفات النقص والعجز والعيب والحاجة ،  فإذا كان الحد نقص نزهنا الله تعالى عنه لأنّه فوق الحدود والمقادير وهو الذي قدرها وحدها وجعلها علامة على نقص المخلوق وعجزه ، لأنّ كل مقدر يمكن افتراض ما هو أكبر منه في المقدار ، وكل محدود يمكن افتراض أكبر منه ، والله أكبر من كل تصور ومتعال على المحدودية ، فتنزيهه عن الحد يجعل نسبة المحدود إليه نسبة العدم إلى الوجود ، لأنّ ما لا حد له لا يُقارن بالمحدود ، كما لا تُقارن المخلوق بالخلاق ، ولا المربوب برب السموات والأرض ورب العالمين ،  وإذا كان الكون في المكان نقص لأنّ ذلك معناه أن المكان أكبر من شاغله ، وأنّ المكان محيط بمن فيه ، وأن المكان سابق لمن بداخله ،  وأنّ المكان مستغن عن الذي فيه ، وان من فيه محتاج إليه لوجود ذاته فيه ، وان المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، والله تعالى هو الكبير المتعال وهو بكل شيء محيط ، وهو خالق المكان ، وهو القيوم عليه وعلى من فيه ، فوجب تنزيه الله تعالى عن الكون في المكان ،  وإذا كانت الجسمية صفة نقص لأنها تعني الحد والمقدار - إذ كل جسم محدود مقدر - ، وتعني الكون في المكان وتعني تجمع الأبعاض وتألف الأجزاء ، وتعني الحاجة إلى جميع أجزائه ، فوجب تنزيه الله تعالى عن الجسمية لأنّه خالق المكان المنزه عن الكون فيه ، ولأنّه الأحد المنزه عن الأبعاض والأجزاء ، ولأنّه القيوم المنزه عن الحاجة إلى شيء غيره ، والجسم محتاج إلى أجزائه وأبعاضه ،  وإذا كان التقيد بالزمان عجز ونقص ، لأنّ الزمان يصير حاكما على من تقيد به ، فإن التنزيه عن الزمان لازم للملك القدوس خالق الزمان فلا يجري عليه مخلوقه وهو الزمان ، والعوام لا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان ، لأنّهم اعتادوا بحواسهم على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، ولكن أهل الأصول لا تتملكهم الحواس ولا تنطلق تصوراتهم في الإلهيات بالحواس لأنّ ذات الله تعالى لا تسري عليه سبحانه قوانين المحسوسات والمواد والاجسام ، لأنّها جميعها مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ،  ومن فقه العلم بالآية : { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ } : نستفيد أنه يستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو الحاجة أو المشابهة للمخلوقات ، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه التغير والحدوث لأنها صفات نقص وعجز تضاد القدم والبقاء وتناقض معاني الأولية بلا ابتداء والأخروية بلا انتهاء ، وكذلك فإن المتغير إن تغير إلى كمال كان قبل الكمال ناقصاً ، وهذا تنزه الله تعالى عنه ، وإن تغير إلى نقص كان عجزاً يتنزه الله تعالى عنه ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق الدالة على نقصه وعجزه ، لأنّه إن حل به كمال كان قبل الكمال ناقصا وإن حل به نقص كان عاجزا عن دفع النقص ، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه الفناء والله تعالى هو الحي الباقي كل شيء هالك إلا وجهه ، ومن ذلك التقديس نفي الجوارح والابعاض ونفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية والصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ، ليس كمثله شيء لا تحيط بكنه ذاته الأفهام ولا تبلغه الأوهام ، { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } : الكل خلقه والكل ملكه والكل مربوب بتدبيره وتصريفه وحفظه ورعايته ، لا يشذ عن ذلك شيء ، هو الملك المالك لكلِّ شيء ،  { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } : له كمال الربوبية والإلهية ، لا يشفع أحد عنده أحدٌ إلا بإذنه ، حتى الملائكة الأطهار َلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } : العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ، وهي صفة أزلية يعلم بها جميع الأشياء ، الواجبات والممكنات والمستحيلات ، له كمال العلم المطلق ، عالم بكل شيء ، لا تخفى عليه خافية ، ولا يغيب عنه أي معلوم ، علمه يحيط بجميع الاشياء ، أحاط بكل شيء علما ، { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ } : فلا تُحيط الخلائق بشيء من علمه إلا بما شاء ، ولا يحيطون به علماً لأنّه الذي لا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأفهام ، { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ } : هذا اشارة إلى سعة ملك الله وعظيم كونه ، فإن الكرسيُّ خلق كبير عظيم خلقه الله تعالى يسع السماوات والأرض ، وقد جاء في الحديث : (( ما السمواتُ السبعُ في الكرسيِّ إلا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ )) [ السلسلة الصحيحة للألباني : ح : 109 ] ، وقد نقل المفسرون عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّ المراد بالكرسي في الآية هو (( العلم )) ، وممن رجح ذلك التفسير الطبري والقرطبي وغيرهما ، وسع علمه السموات والأرض  ، { وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا } : أي لا يصعب عليه حفظ السموات والأرض ولا ما فيهما ولا ما بينهما ، لأنّ الله عز وجل له القدرة التامة ، لا شيء صعب عليه ، لا يعجزه شيء ، { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } : له صفات العلو والعظمة ، وله صفات القَهْر والغَلَبة ، هو العلي عن صفات العجز والنقص ، وهو العلي عن المثيل والند والشريك ، علي بصفات الكمال والجلال ، متعال عن صفات النَّقْص والعيب والعجز سبحانه ، { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } (  العظيم ) ذو العظمة ، عظم الشان وجلال القدر ، سبحانه العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول المحدودة في تصور عظمته ،

[ ]  ( الخلاصة ) : من أهم معاني التقديس المطلق لله : تقديس الله تعالى عن الكيف ، لأن العجز عن الإدراك إدراك ، قال تعالى { ولا يحيطون به علما } ، وقال تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } ، والأحدية المطلقة تنفي الكيف ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } نفي المثلية التي يمنع من التصور ، والحاصل هو العجز عن درك الادراك ،  ،  غيب الغيوب ، لا يدرك ، لأنه فوق الحدود ،  وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله : تقديس الله تعالى عن المكان ، فلا يتقيد بالمكان ، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن ، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، وتقديس الله تعالى عن جريان الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ،  كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، فلا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، لا يقبل التغير ولا الحدوث ، سبحانه كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله : تقديس الله تعالى عن الحد والمقدار ، فلا انتهاء لجناب ذاته ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، هو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله : تقديس الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى : 11 ] ، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقال تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام : 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله : تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية  ،  فالجسم  :  هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، والجسمية تناقض الأحدية والصمدية ،  الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،   والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  ومن أهم معاني التقديس المطلق لله : تقديس الله تعالى عن الجوارح والأبعاض ، ( الأحدية المطلقة ) تعني تقديس الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   ،  فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات ، والصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا ، ومن أهم معاني التقديس المطلق لله : تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال ، ومن أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ،  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما كان له صورة أو جارحة ، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال ، ( الأحدية المطلقة ) تعني تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات ، لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، والتركيب يستحيل على الله الأحد الصمد ،  الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة التي تدل على الخلق والحدوث والتركيب { في أي صورة ما شاء ركبك } ، كل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،   لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، 

[ ]  كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الأجزاء والابعاض لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم التغير والحدوث وقبول الحوادث فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه ، وكل ما أوهم الفوقية الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الحد فهو مؤول بحد الربوبية والإلهية ، وكل ما تعلق بالاستواء فهو مؤول بالربوبية والتدبير والتسخير ، لقوله تعالى : { ثم استوى على العرش يدبر الامر } ، وكل ما أوهم الحركة والانتقال كقوله تعالى : { وجاء ربك } ، فهو مؤول بمجيء امره ومجيء حسابه وثوابه وعقابه ، لأن الحركة والانتقال لا تكون إلا لمحدود يتحرك فيما هو أكبر منه منه ، والله أكبر من كل شيء ، والله واسع عليم ، والحركة والانتقال لا تكون إلا في مكان محيط ، والله بكل شيء محيط ، و كل ما اوهم الاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه من الأحدية المطلقة ، الوجه والعين واليد في لغة العرب التي نزل بها القرآن : أجزاء من ذات وليست صفات لذا وجب فهمها في إطار التقديس  ،  واعتبارها متشابهات ترد إلى محكمها من الأحدية المطلقة والصمدية المطلقة والتقديس عن الجسمية ولوازم الجسمية ،  وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي ، الحد يوجب الحدوث ، والتغير يوجب الحدوث ، والحركة والسكون يوجبان الحدوث ، والاتحاد والحلول والاتصال والانفصال صفات الأجسام المحدودة المقدرة المخلوقة المحدثة ، قال الطحاوي : ( تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات ) أهــ ،  وقال الحافظ ابن عساكر : (  موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان ) اهـ [ طبقات الشافعية 8 :  186 ] ،

[ ]  الحاصل من معاني التقديس لله أنه سبحانه غيب الغيوب لا يدرك ، ليس له كيف ولا حد ولا صورة ولا بداية ولا نهاية ولا غاية ، ولا يكون في مكان ولا يجري عليه زمان ،  وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه ، لأن الخاطر مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ،  غيب الغيوب لا يدرك ، استواؤه على العرش استواء صفات لا استواء ذات ، وقربه من الخلق قرب صفات لا قرب ذات ، وإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات ، أما جناب الذات غيب لا يدرك ، موجود بلا كيف ، ولا مكان ولا زمان ، ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال ، ولا يقال أن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون ، ولا يقال انه متصل به ولا منفصل عنه لأن الدخول والخروج والاتصال والانفصال من صفات الاجسام ، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك ادراك ،  { ليس كمثله شيء } ، { ولم يكن له كفوا احد } ،  اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 12 ) معاني الكمال المطلق لله عز وجل - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة معاني الكمال المطلق لله تعالى ،  أقول وبالله التوفيق :  

[ ]  من خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق ، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وصفاته ،

[ ]  الكمال المطلق يمنع من وجود الند والشريك والمثيل والمعين ، الكمال المطلق يوجب لجناب الذات القدم الأزلي الذي يمنع من الحدوث وقبول الحوادث ،  ويوجب له العلم المطلق فلا يغيب عنه معلوم ، والسمع المطلق فلا يغيب عنه مسموع ، وله البصر المطلق فلا يغيب عنه شيء ، وله المشيئة المطلقة والإرادة النافذة ، والقدرة التامة فلا يعجزه شيء ،  ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ،  الصمد المطلق هو الغني الذي كمل في غناه ، وهو السيد الذي لا ملجأ عند الشدائد والحاجات إلا إليه ، وهو الذي تنزه وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين ، لا يأكل و لا يشرب ، لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد ،   ( الصمد ) هو الإله الرب الذي له الكمال المطلق في كل شيء ، هو الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية ، لا رب سواه ولا معبود غيره ، هو المتفرد بالإلهية : {اللَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }[ البقرة : 255]  ،  فهو الحي الذي لا يموت ، وهو القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع خلقه ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، وجميع ما في السَّماوات والأرض عبيده ، وتحت قهره وسلطانه ، أحاط علمه بكل شيء ،  ووَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ  ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل الحوادث ، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث ، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء ، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا ، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق ، لأنه قبل التغير من حال إلى حال ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية ،  لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، الحد معناه التناهي ، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، 

[ ]  الكمال المطلق أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لجناب ذاته ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته ،

[ ]  الكمال المطلق يضاد الحد والتناهي ، لان كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لكماله المطلق ، منزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية ،

[ ]  قولنا ( الله أكبر ) في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال ، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء يفيد الكمال المطلق ، ومعناه : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ، فدل ذلك على الكمال المطلق ، لأن ما له نهاية فإن النهاية علامة نقصه ، وكل ما له نهاية يمكن أن يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه

[ ]  القاعدة عند الأصوليين : أن كل ما يقبل النهاية يمكن ان يتصور ما هو أكبر منه ، ويمكن أن يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق  ، والكمال المطلق لله في جناب ذاته وفي صفاته يجعل قولنا ( الله اكبر ) كمالا مطلقا ، ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال) على كل نهاية ومقدار ، له الكمال المطلق الذي لا يقبل ابتداء ولا انتهاء ،

[ ]  قوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } : يدل على الكمال المطلق ، لان ما دون الكمال المطلق يمكن الاحاطة به ، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يُحاط به ، لأنه فوق الحدود والغايات ،

[ ]  قوله تعالى : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } يدل على الكمال المطلق ، لان ما دون الكمال المطلق يمكن إدراكه ، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يدرك ، لأنه فوق الحدود والغايات ،

[ ]  الأسماء الحسنى تدل على الكمال المطلق لله ،  فإن الله تعالى قد سمى نفسه بأسماء الكمال ، ومن أسمائه الحسنى  : (  القدوس  ) أي الطاهر المنزه عن العيوب والآفات ومظاهر النقص التي تنافي الكمال المطلق ، ومن أسمائه : ( السّلام  ) أي السالم من كل آفة وعيب وذم ونقص ينافي الكمال ، فإن له الكمال المطلق من جميع الوجوه ، وكماله من لوازم ذاته ، فلا يكون إلا كذلك ، والسلام يتضمن وسلامة ذاته من كل نقص وعيب ، وسلامة أسمائه من كل ذم ، وسلامة صفاته من مشابهة صفات المخلوقين ، وسلامة أفعاله من العبث والظلم وخلاف الحكمة ،   ومما يدل على كماله المطلق اسمه ( الغني ) و اسمه ( الحميد  ) لذا اقترنا في قوله تعالى : {  يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } ، هو الغني الذي كمل في غناه ، فلا يحتاج إلى أحد ، وهو الحميد الذي استحق الحمد بجناب ذاته وعلو صفاته وكريم فعاله ، هو المحمود في السراء والضراء ، وفي الشدة والرخاء ، لأنه الحكيم لا يجري على أفعاله الغلط ، ولانه الكريم الذي بيده الخير والخير كله بين يديه والشر ليس إليه ، ومن أسمائه : ( الصمد ) أي السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ ، والْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، والْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته ،

[ ]  الله تعالى له الأسماء الحسنى ، التي لها الكمال المطلق في الحسن والجلال والإكرام ، تقدست أسماؤه ، وتعالت صفاته ، قال تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى  } [ سورة طه : 8 ] ، كل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة كاملة لها الكمال المطلق يتصف بها الله عز وجل فالرحيم سبحانه متصف بكمال الرحمة التي يرحم بها عباده ورحمته وسعت كل شيء ، والقدير جل شأنه متصف بكمال القدرة التي يدبر بها ملكه فلا يعجزه شيء ، العليم الذي كمال العلم فلا يغيب عنه شيء ، والعزيز الذي له العزة التي لا تضام ، والعظيم الذي له العظمة التي لا ترام ، تعجز الكلمات عن حمد ذاته وعن عد أسمائه ،  وعن الاحاطة بصفاته لأنها لها الكمال المطلق الذي هو فوق الحد والحصر

[ ]  من كماله المطلق في أسمائه الحسنى : انه تقدست أسماؤه الحسنى عن العد والحصر ، ولهذا جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ )) [ أخرجه أحمد ] ، أسماؤه الحسنى سبحانه لا حد ولا غاية ولا نهاية ، لأنها أسماء الثناء على الله ، ولا يحصي الثناء على الله إلا الله . وقد جاء في الحديث (( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) [ أخرجه أبو داود  ] ، له كمال الرحمة لان من أسمائه الحسنى : الرَّحمنُ الرَّحيمُ ، وله كمال القدرة لان من أسمائه الحسنى : القادر والمقتدر والقدير ، وله كمال الملك لان من أسمائه الحسنى :  الملك والمالك ومالك الملك ، وله كمال العلم لان من أسمائه الحسنى : العليم وعلام الغيوب ، وعالم السر وأخفى ، وله كمال العظمة لان من أسمائه الحسنى : العظيم والجليل والكبير والعلي والمجيد ،  وله كمال الهيمنة والجلال لان من أسمائه الحسنى : المُهَيمِنُ والعَزِيزُ والجَبَّارُ والمُتَكَبِّر والقاهر والقهار ، وله كمال التدبير والتصريف  لان من أسمائه الحسنى : القَابِضُ البَاسِطُ والخافضُ الرَّافِعُ والمعزُّ المذِل ، والمُبْدِيءُ المُعِيدُ والمُحْيِي المُمِيتُ وله كمال الإكرام لان من أسمائه الحسنى : الكريم والصبور والشكور والغفار والغفور والحليم والمجيب والودود والحيي والستير ،  وله كمال الوجود المطلق لان من أسمائه الحسنى : الأوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ ، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ،  وله الكمال المطلق في مشيئته وإرادته لأنه فعال لما يريد ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون ، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، وله الكمال المطلق في شهوده وإحاطته بخلقه لأنه  الشهيد ولأنه السميع ولأنه البصير ولأنه القريب ولأنه المجيب ،  وله الكمال المطلق في أحديته وصمديته هو الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، 

[ ]  { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  } : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات ، ( الاحدية )  تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ،   { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام  ،   { اللَّهُ الصَّمَدُ  } : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق والكمال المطلق ، وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ، ولا يكون إلها  ،   { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء  { وَلَمْ يُولَدْ   } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث ،   { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } : تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ، ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  ،    

[ ] الله تعالى له الكمال المطلق في غناه لأنه الغني الحميد ولأنه الحي القيوم ،  وله الكمال المطلق في تفرده لأنه ليس كمثله شيء ، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ ،  الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ لفظَ { شيء } في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه ، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء ،  وله الكمال المطلق في ربوبيته ، لأنه الخالق البارئ المصور ولأنه الرزاق والفتاح ولأنه ، وله الكمال المطلق في إلهيته لا إله إلا هو ولا ند له ولا شريك له ، {  شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، له الأسماء الحسنى التي تدل على الكمال المطلق في كل صفاته ، قال تعالى : {  هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، وله سبحانه صفات الكمال الدلة على كماله المطلق ، وهي الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي ، وهي الصفات التي يستحيل نسبة أضدادها إلى الله تعالى ، ولهذا قال علماء الاصول أن : الصفات الواجبة لله تعالى عقلا هي :  الوجود والبقاء والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام ، لأن أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى ، ضد ( الوجود ) العدم ، وضد ( البقاء ) الفناء ، وضد ( الوحدانية ) وجود الشريك ، وضد ( الحياة ) الموت ، وضد ( القيام بالنفس ) الاحتياج ، وضد ( القدرة ) العجز ، وضد ( الإرادة ) الاضطرار ، وضد ( العلم ) الجهل ، وضد ( السمع ) الصمم ، وضد ( البصر ) العمى ، وضد ( الكلام ) البكم ،

[ ]  هناك فرق في الاصطلاح بين الحكم العقلي والحكم السمعي ، الحكم السمعي هو ما كان إثباته عن طريق الشرع ، ولا يلزم من اثباته استحالة ضده وانتفائه في حق الله تعالى ، إذ أنّ الشرع دل على ثبوت صفة الرحمة لله وثبوت ضدها وهو شدة العقاب ،  قال تعالى : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [  المائدة : 98 ] ، ومن هذا نعرف خطأ غير المتخصص عندما يخلط بين الواجب العقلي والواجب السمعي ، ويتهم السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة بأنّهم أثبتوا ثلاث عشرة صفة ، وألغوا بقيتها ، وحاشاهم من ذلك ، فإنّهم يتكلمون على الواجب العقلي الذي لا يُتصور في العقل عدمه ، وأما عند حديثهم على الواجب السمعي فإنّهم يجعلون جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله تعالى ،

[ ]   الصفات الواجبة لله تعالى عقلا هي :  الوجود والقدم والبقاء والحياة والمخالفة للحوادث والوحدانية والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام ،

[ ]  ( الصفة الأولى من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الوجود ) : فواجبٌ له تعالى (الوجود) الذاتي ، قال تعالى { أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي أن وجود السماوات والأرض بما فيهما من عجيب صنع الله لا يدع مجالا للشك في وجود الله ، وقديماً سُئل الأعرابي كيف عرفت ربك قال : البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير ، وجود الله ذاتي واجب لولاه لما وجد أي موجود ووجود جميع المخلوقات جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود ، وجود الله ذاتي ليس له ابتداء ولا انتهاء ، فهو الأول ليس قبله شيء وهو الأخر فليس بعده شيء ، ليس وجوده في مكان لأنه خالق المكان وليس وجوده في زمان لأنه خالق الزمان , فهو سبحانه قبل الزمان والمكان , الله موجود والخلائق موجودة ولكن وجودنا يسبقه عدم ويعقبه فناء وهو متعلق بإرادة الله يخلق ويعدم ويحي ويميت ويوجد ويفني أما وجوه سبحانه فهو ذاتي لا يقبل الحدوث ولا الفناء ، أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء ،

[ ]  (  الصفة الثانية من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القدم ) : والقـدم هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله )) [البخارى ومسلم ]،  ( هو الأول بلا ابتداء ) ،  ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((  أعوز بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم )) [ أخرجه أبو داود ح ( 466) ] ، وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه ، وذلك يستلزم قدم ذاته وأسماءه وصفاته ، والقِدمُ معناهُ الأزلية فإذا قيل الله قديمٌ معناه لا ابتداءَ لوجودِهِ ، هذا في حق الله أما في حق غيره إذا قيل قديم فمعناه مضى عليه زمانٌ طويلٌ ،  الله تعالى قديم أزلي لا بداية لوجوده ،  كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ، قال أهلُ العلم : الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ: القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، والقسمُ الثاني من الموجودِ: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها ، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء ، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا والله تعالى – وحده سبحانه – هو الأزليٌّ الأبديٌّ بذاته وأسمائه وصفاته ،  (والقِدم) صفة سَلْبِيَّة تَسلِب عن الله تعالى نقيصة الحدوث ،  و ( القِدم ) قد يطلق على ما طالت مدّته وتعاقب عليه الليل والنهار ، والقِدم بهذا المعنى مستحيل على الله جل وعز ، إذ يتعالى ربنا أن يكون وجوده زمانيا ، إذ الزمان والمكان من صفات الحوادث المحبوسين في سجن العالم، وأيضا الزمان والمكان حادثان مخلوقان فلا يتصف الباري بهما، إذ يستحيل على مولانا أن يتصف بالحوادث ، أما ( القِدم ) المقصود عند علماء العقيدة هو عدمُ الأوَّلِيَّة للوجود، ونفي سبْقِ العدمِ على الوجود، والقِدم بهذا المعنى هو الذي يجب لله تعالى ، ودليل وجوب القِدم لله تعالى ، فإنه لمّا ثبت وجوب الوجود لمولانا تعالى بوجوب افتقار جميع الكائنات إليه وجب أن يكون قديماً ، إذ لو لم يكن قديما لكان حادثا ، ولو كان حادثا لافتقر إلى محدِث , لوجوب افتقارِ كلّ حادثٍ إلى محدِث , وهلمّ جرا ، وحوادث لا أوّل لها محال ،

[ ]  ( الصفة الثالثة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة البقاء ) : يجب وصف البقاء لله تعالى ومعناه أنه تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد ، قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ } [ الرحمن : 25 ] ، ومعنى البقاء في حقه تعالى : نفي الآخرويّة ونفي العدم اللاحق ، كما أن معنى القِدم : نفي الأولية ونفي العدم السابق كما تقدم؛ قال الله تعالى:{ هو الأوَّلُ والآخِرُ والظاهِر والباطِن } [الحديد: 3]؛  فـ "الأوّل": القديم من غير بداية ، و"الآخر": الباقي من غير نهاية ،  و"الظاهر": المعروف بالأدلة، أي الذي أظهر أدلة معرفته بما أبدع من صنعته ، و"الباطن": الذي لا يُحَدُّ ولا يُكَيَّفُ ، يجب له سبحانه بقاء لا يشوبه عدم، بل لا نهاية له , إذ كل من ثبت قدمه استحال عدمه ،  وبرهان وجوب البقاء لله تعالى : أنه تعالى لو لم يجب له البقاء لكان يقبَل الوجودَ والعدمَ، وكل من يقبل الوجود والعدم وجوده جائزٌ لا واجب، وكل من وجوده جائز فهو حادِث فيفتقر إلى من يُرَجِّح وجودَهُ على عدمه ، فلو لم يكن تعالى باقيا لكان حادثا ، وكل من ثبت قدمه استحال عدمه ووجب بقاؤه ،

[ ]  ( الصفة الرابعة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة المخالفة للحوادث ) : ومعناها نفي المشابهة بين الله تعالى وبين خلقه  بأي وجه من الوجوه ،  قال الله تعالى  :{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء  }  ]سورة الشورى آية  11 ] ،  كل ما يخطر في البال فالله بخلاف ذلك ، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان ، منزه عن الحد والمقدار تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، قال تعالى : {  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ، { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  } : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات ، ( الاحدية )  تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ، { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام  ،  { اللَّهُ الصَّمَدُ  } : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الكمال المطلق ، والغنى المطلق ، وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ، ولا يكون إلها  ،  (  الصمدية المطلقة ) : تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور  ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  }  : وصف الله تعالى بالقدم أول بلا ابتداء  وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث  { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء  { وَلَمْ يُولَدْ   } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث ،  { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } : تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  ، ومن الادلة على ( صفة المخالفة للحوادث ) : قوله تعالى : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ، والثاني باطل ، لان الله تعالى يقول : {  ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، فدلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين  ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ،   قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ ،  هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ { شيء } في سياق النفي ، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه ، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء ،  الله تعالى مخالِفٌ لجميع الحوادث ، ومعني المخالَفة للحوادث, نفي الجِرْمِيَّة والعَرَضِيَّة عنه تعالى؛ أي ليس هو تعالى جِرْماً ولا عَرَضًا قائماً بالجرم ، ولا يوصف تعالى بحركة ولا سكون، ولا بمكان ولا بزمان، منزه عن الكيف، وعن القرب والبعد بالمسافة ، أقرب إلينا من ذواتنا ، { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ، قربه قرب صفاته من السمع والبصر والعلم والقدرة ، واستواؤه استواء صفاته { ثم استوى على العرش يدبر الامر } ، من التدبير والتصريف ،    وبرهان وجوب مخالَفته تعالى للحوادث أنه لو ماثل شيئا منها لكان حادثا مثلها، والحدوث عليه تعالى محال ،

[ ]  ( الصفة الخامسة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الحياة ) :  الله تعالى موصوف  بحياة أزلية أبدية ، وهى صفة قديمـة قائمـة بجناب ذات الله تعالى ، تصحح الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر، وجميع صفات الكمال والجلال والجمال الواجبة له تعالى ، و( الحي ) اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى : {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران : 2] ، وقال تعالى : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت} [الفرقان : 58] ، وحياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } [ البقرة :  255 ]  ، له سبحانه كمال الحياة ، سبحانه ( الاول فليس قبله شيء )) ، و ( الآخر فليس بعده شيء )) ، وهو الحي الذي لا يموت ، وبرهان اتصافه تعالى بالحياة : اتصافه تعالى بالصفات التي لا يمكن أن تقوم إلا بالحي؛ من العلم، والقدرة، والإرادة وغيرها، وأنه لو لم يكن حيا لم يوجد شيء من الحوادث، وهو خلاف المشاهَد،

[ ]  ( الصفة السادسة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القيام بالنفس ) :  فالله تعالى قيوم  مستغن عن كل ما سواه فلا يحتاج إلى أَحَد من خَلقه إذ الاحتياج للغير علامة الحدوث والله منزَّه عن ذلك وكلُّ شيء سوى الله مَحتاج إلى الله لا يَستغني عن الله طرفَة عَين،  قالَ تعالى : {  فَإِنَّ اللهَ غَنِي عَنِ العَالَمِيَن   } [ سورة آل عمران آية 98 ] ،  الله سبحانه قائم بنفسه مستغنٍ عمّن سواه ، له كمال الغنى والقيومية ، فهو سبحانه الغنيُ الغنى المطلق ، والحي القيوم ، فلا يحتاج إلى أحد والكل محتاج إليه ، فقير إلى فضله وغناه ،  يجب له تعالى قيامه بالنفس ، والمراد بالقيام بالنفس عدم افتقاره تعالى إلى المحل والمخصص والمكان ،  فأما عدم افتقاره إلى المحل فيراد به عدم افتقاره لذات يقوم بها ، لأنه لو افتقر إلى ذات لكان صفة ولو كان صفة لما اتصف بصفات المعاني ، وهي واجبة القيام به تعالى ، وإذا بطل كونه صفة بطل افتقاره إلى محل ، وثبت عدم الافتقار ،  ودليل عدم الافتقار إلى المخصص أنه لو افتقر إليه لكان حادثاً ، وقد ثبت وجوب وجوده ، وقدمه ، وبقائه ذاتاً وصفاتاً ، ودليل عدم الافتقار إلى المكان ، أنه قديم والمكان محدث ، كان ولا مكان ثم خلق المكان ، وهو على ما عليه كان ، منزه عن الحاجة  ، لذلك يستحيل أن يحتاج إلى مكان يؤويه أو زمان يحويه  أو عرش يحمله ، كان الله ولا شيء غيره أو قبله أو معه، فهو الواحد القهار  ، مستغنٍ عن كل شيء ، وكلُّ شيء سوى الله محتاجٌ إلى الله لا يستغني عن الله طرفةَ عينٍ، قال تعالى: {والله الغنيُّ وأنتم الفقراء } [سورة محمد] ،

[ ]  ( الصفة السابعة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الوحدانية ) :  الله تعالى واحد لا شريكَ لَه أي ليس له ثان ، واحد لا شريك له ولا ند له أحد لا جزء له ، يستحيل ان يكون بينه وبين احد من خلقه مشابهة ، لأن المخلوق مركب مؤلف مصور من أجزاء ، والله أحد مطلق لا نظير له تعالى في جناب ذاته ولا في حقائق صفاته ولا في حقائق أفعاله ،  فيجب اعتقاد وحدانية جناب الذات من جهة نفي الشريك في الخارج ونفي الكثرة في جناب الذات ، فذاته تعالي له الأحدية المطلقة منزه عن الكثرة والانقسام والأبعاض والأجزاء ،  منزه عن التركيب ، ولذلك قال الله تعالي عن نفسه : {  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] ، فالشيء قد يكون واحدا ومع ذلك يكون مركبا من أجزاء أما الله تعالي فهو سبحانه واحد لا شريك له ، أحد لا جزء له ،  الوحدانية واجبة لله تعالى في الذات والصفات والأفعال ، فأمّا وحدانية الذات, فهي عبارة عن نفي الكمِّ المتَّصِل والكم المنْفَصِل ،  ومعنى الكم المتصل: أن تكون ذاته مركَّبة من أجزاء تعالى الله عن ذلك ، والكم المنفصل: عبارة عن وجود نظيرٍ له تعالى في ذاته أو صفاته أو في أفعاله ،  فالوحدة في حقه تعالى عبارة عن نفي الكثرة في الذات والصفات والأفعال ،  فنفي الكثرة في الذات يستلزم أن لا يكون جسماً يقبل الانقسام، ويستلزم نفي نظير له في الألوهية ، ونفي الكثرة في الصفات يستلزم نفي النظير فيها، أي نفي أن يكون أحدٌ متصفا بمثل القدرة والإرادة ونحوهما من صفات الألوهية ، ونفي الكثرة في الأفعال يستلزم انفراده تعالى بها، فلا شريك له فيها ، فلا تأثير لشيء من العاديَّات ممّا جرت عادة الإله وسُنَّتُه أن يخلق عندها الشيء مقترِنا بها؛ كإيجاده تعالى الرّي عند الشرب، والشبع عند الأكل، والقطع عند اقتران السكين بالمقطوع أو المذبوح، واحتراق الشيء عند ملاقاة النار له، فهذه الأشياء وما ماثلها لا تأثير لها فيما قارنَته البتة بدليل انفراده تعالى بالفعل؛ { ألا له الخلق والأمر}  [ الأعراف: 54 ] ، وبصحة تخلُّفِه كما وقع وشوهد، شاهدٌ على ذلك: { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] ، أما برهان وحدانيته بمعنى نفي التركيب – وهو المراد بالكم المتصل–، فلأنه لو كانت ذاته العلية مركَّبة للزم أن يكون جسماً – تعالى عن ذلك –، ولو كان جسما لكان حادثا، وقد تقدم وجوب القِدم له تعالى، فلا يكون حادثاً لئلا يجتمع الضدان ، وأما برهان وحدانيته تعالى بمعنى نفي النظير في ذاته وصفاته وأفعاله – وهو المراد بالكم المنفصل– فلأنه تعالى لو كان معه ثان في الألوهية لما وُجِد شيء من الحوادث؛ إذ قادران على مقدور غير جلي، فلا يدخل المقدور الواحد تحت قدرتين؛ وذلك أنه لو فرض شريك له – سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا – فلا يخلو إما أن يتَّفِقا أو يختلفا: فإن اختلفا لزم العجز لاستحالة نفوذ قدرتهما؛ لأنّه إذا كان أحدهما يقول بإيجاد شيء والآخر يقول بإعدامه، فلا يمكن أن تنفذ إرادة كل منهما، وهو واضح ، وأمّا إن اتفقا فيلزم العجز أيضا؛ أمّا الذي لم تنفذ إرادته فعجزه واضح لأنه ترَك الفعلَ لمثله، وأمّا الذي نَفذَت إرادته فعاجز أيضا لأنهما فُرِضا مثلين، فحيث وجب العجزُ لأحدهما وجب للآخر. فتبين وجوب الوحدانية له تعالى والله تعالى أعلم ،

[ ]  ( الصفة الثامنة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القدرة  ) :  الله تعالى موصوف بقدرة قديمة أزلية أبدية يؤثر بها في الممكنات أي في كل ما يَجوز في العقل وجوده وعدمه ، قال تعالى : { وَهُوَ عَلَى كل شَيء ء قَدِير }  ]سورة المائدة آية 120 ] ، فالله تعالى لا يعجزه شيء ، ولو كان عاجزًا لَما وجدَ هذا العالم على هذا الاتساع وذلك الاتقان ، و ( القدرة ) عامة لا يجوز تخصيصها ، قال تعالى : { إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة : 20] ،  لكن القدرة مطلقة في مجالها المتعلق بجميع الممكنات وجميع المخلوقات ، فإن الله تعالى لو شاء أن يجعل العالم كله في حجم البيضة وأقل من ذلك لفعل لأنه على كل شيء قدير ، ولكن قدرة الله تعالى صفة من صفات الله تعالى الواجبة له ، فلا تعلق لها ببقية صفاته الواجبة له سبحانه كالعلم والسمع والبصر ، لا تتعلق بالواجب في حق الله تعالى لأنه موجود لا يقبل الفناء ، وكذلك فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى لأنه معدوم لا يقبل الوجود ، (  قدرة الله ) :  لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى ، كمثل شخص يقول : هل يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق مثل نفسه ؟  ، وهذا السؤال كفر والجواب عليه : لا نقول هو قادر ولا نقول غير قادر فالجوابان كفر والجواب الصحيح هو أن نقول أن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد المستحيل في حق الله تعالى ، والشيء المستحيل في حق الله تعالى لا يمكن أن يوجد ، لأنه لو خلقه كان مخلوقاً ، فلا يكون إلهاً ، ولا خالقاً ، ومثل ذلك تماماً ، زعم النصارى أن لله تعالى الولد ، وهذا مستحيل ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ] ، قال المصنف : (وقدرة) أي واجب له تعالى قدرة عظيمة, عامة التعلق بجميع الممكنات, إيجادا وإعداما وتأثيرا فيها، قديمة أزلية قائمة بالذات العلية، منزَّهة عن الكيفية ، وبرهان وجوب اتصافه تعالى بالقدرة, أنه لو لم يتصف بها لاتصف بالعجز، وهو محال لما يلزم عليه من عدم وجود الحوادث، وهو خلاف المشاهد ،

[ ]  ( الصفة التاسعة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الإرادة ) : الله تعالى موصوف بالإرادة وهي تعني (  المشيئة   ) يخصّص الله بها الممكن العقلي بصفة دون صفة ، وهي واجبة له تعالى وشاملة لجميع أعمال العباد الخير منها والشر ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لْم  يَشَأْ لْمَ يَكُنْ ، و ( الإرادة ) تتعلّق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق ، ولا تتعلّق بالواجب في حق الله تعالى أو المستحيل في حقة سبحانه ، ومثال ذلك تعلق إرادة الله تعالى بعلم الله تعالى ، فلا يجوز ، ولا يصح أن يقال : أن الله متى شاء أن يعلم فإنه يعلم ، ومتى شاء أن يجهل فإنه يجهل ، لأن العلم صفة واجبة لله تعالى ، لا تعلق للإرادة بها ، لأنه بكل شيء عليم ، والجهل صفة مستحيلة في حق الله تعالى ، ، وبالتالي فإن المشيئة تتعلق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لْم  يَشَأْ لْمَ يَكُنْ ، ( الإرادة ) تتعلق بالممكنات تعلُّق تخصيص ، وهي صفة يتأتّى بها تخصيص الممكن  بأحد الأمرين الجائزين عليه. ويرادف الإرادة المشيئة ، وهناك فرق بين الإرادة والرضا ، بمعنى أنه لا تلازم بين الأمر والإرادة, إذ قد يأمر تعالى ولا يريد ، فلا يقع ، كأمره تعالى أبا جهل وأبا لهب بالإيمان مع عدم إرادته له ،   ويريد ولا يأمر، ككفر الكافر وعصيان العاصي ، ويريد ويأمر, كإيمان أبي بكر رضي الله عنه ونحوه من المؤمنين ، ولا يريد ولا يأمر، كالذي علم الله أنه لا يوجد في كونه وملكه ، إذن الإرادة مغايرة للعلم ومغايرة للرضا ، لأنّ معنى الإرادة أعمّ من معنى الرضا والمحبة ، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ،  وبرهان وجوب اتصافه تعالى بالإرادة, أنه لو انتفى عنه القصد إلى تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه – الذي هو معنى الإرادة – لم توجد الحوادث وبقيت على عدمها، والمشاهَدةُ شاهِدةٌ بمنْع عدم وجود الحوادث ، وإرادته تعالى عامة التعلق بجميع الممكنات، فلا يقع شيء إلا بإرادته تعالى ، 

[ ]  (  الصفة العاشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي :  صفة العلم ) : الله تعالى يعلم بعلمه الأزلي كلَّ شيء ، يَعلَم ما كانَ وما يكون وما لا يكون ، قال تعالى :  { وَهُوَ بِكُل شيء عَلِيم  } ،  فعلم الغيب المطلق جميعه خاص بالله تعالى ، له كمال العلم ، فكل المعلومات من الازل حيث لا بداية وإلى  أبد الابد حيث لا نهاية منكشفة عليه ، كل العلم حاضر عنده ، لا يضل ربي ولا ينسى ،  كل المعلومات منكشفة عليه ولا يجري على علمه زمان ، كل العلم حاضر عنده ، لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ، يعلم السر وأخفى ، أحاط علمه بكل شيء ، يعلم ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ، أحاط علمه بالواجبات والممكنات والمستحيلات ، وعلم الله تعالى ذاتي لا يستفاد من المعلومات  ، بل هو قديم كامل حاضر ، لا يغيب عنه شيء ، ولهذا وجدت المخلوقات على هذه الدقة المتناهية التي لا خلل فيها ولا فطور ، ووجد الكون على هذا الصنع البديع ، لا يغيب عنه سبحانه أي معلوم ، وهو بكل شيء عليم ،  (وعلمه) تعالى القديم الأزلي متعلِّق بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات ،  قال تعالى: {أحاط بكل شيء علما } [الطلاق: 12] { وأحصى كل شيء عدداً } [الجنّ: 28] { وهو بكل شيء عليم } [ الحديد : 3 ] ، وإنما تعلَّق بالواجبات والمستحيلات لأن العلم ليس من صفات التأثير ، إذ الصفة يجب لها عموم التعلق بكل ما صلحت له ، وبرهان العلم : أنه تعالى لو لم يتصف بالعلم لاتصف بضده، وهو محال لما يلزم عليه من عدم وجود الحوادث؛ إذ لو انتفى العلم لانتفت الإرادة، ولو انتفت الإرادة لانتفت القدرة فلا يوجد شيء من الحوادث. كيف وهو الذي خلق السموات والأرض؟ { ألا يعلم من خلق } [الملك: 14] ، و ( العلم ) : صفة أزلية قديمة, لها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة به, على ما هو عليه دون سبق خفاء ،  ( ولا يقال مكتسَب ) ، لما يلزم منه سبق الجهل المستحيل عليه تعالى ،  إذ المكتسب هو الحاصل بعد النظر،

 [ ]  ( الصفة الحادية عشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الكلام ) :  الله تبارك وتعالى متكلم  بكلام  أزلي لا يشبه كلامَ المخلوقيَن ليس لكلامه ابتداء  ، وليس له انتهاء  ، لا يطرأ عليه سكوت أو تَقطّع  ، ليس بحرف ولا بصوت ، ولا بآلة ، قال تعالى : { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما } ، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم ، أزال الله المانعَ عن سُمع موسى ، فسَمعَ كلامَ الله من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى ، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود ، وصفة الكلام مطلقة لا حد لها ، قـال تعالى:{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 1.9 ] ، وقال تعالى : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } [لقمان : 27]  ،  وكلام الله تعالى ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى أزلي أبدي ليس بمخلوق ولا يقال عنه أنه من صفات الفعل ولا يقال عنه أنه يتعلق بالمشيئة لأن هذا تكييف قياسا على كلام البشر والله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه ولا يعلم الله على حقيقته إلا الله ، ولأنّ صفة الكلام قديمة وكل ما تعلق بالمشيئة محدث مخلوق ، فمن قال يتكلم متى شاء كيفما شاء فقد جعل الكلام مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن ، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان ، وهذا كله عجز ونقص يتنزه الله تعالى عنه ، ونحن لا نملك إلا أن نقول : العجز عن دَرَك الإدراك إدراكُ والكيف مخلوق ، والكيف يستحيل على الله  ، والله تعالى له كمال صفة الكلام ، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق ، والقرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم لا يوصف بالحدوث والخلق ، صفة قائمة بذات الله تعالى ، لا تقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق ، كما لا يقبل العدم ولا ما فى معناه من السكوت ولا التجديد ولا البعض ولا الكل ولا التقديم ولا التأخير ولا اللحن ولا الأعراب ولا سائر التغيرات ، ليس كمثل كلامه كلام ، لقد أخطأ أهل الحشو المشغبين على علماء العقيدة السادة الأشاعرة عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس ، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة ، فقالوا : صفة الكلام من صفات الفعل ، وهي صفة تابعة عندهم للمشيئة والقدرة ، بمعنى أنه يتكلم متى شاء بما شاء ، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى ، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالقدرة والمشيئة ، يتكلم متى شاء ويسكت - سبحانه عما يقولون - متى شاء ، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية ، بل محدثة ، وبالتالي فالقرآن الكريم - على لازم قولهم - مخلوق لأنه كان بعد أن لم يكن ، والصواب ان صفة القدرة لا تعلق لها بصفة الكلام ، تماماً مثل عدم تعلق القدرة بصفة العلم ، وكما أنه لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يعلم ، كذلك لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يتكلم ، فينفون عنه صفة الكلام في حال السكوت على ظنهم ، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى ، فلا حد لكلام الله تعالى ، قال تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 109 ] ، إذن من صفات المعاني الواجبة لله تعالى : (الكلام) النفسي الأزلي القائم بذاته العلية، المنزَّه عن الحروف، والأصوات، واللحن، والإعراب، والتقديم، والتأخير، والسكوت, وكلّ آفة ممّا هو من خواص الحوادث الذين كلامهم على حسب ما يساعد آلة اللسان من الترتيب. بل كلام الله تعالى صفةٌ من صفات ذاته دائمة لا تنقطع أبد الآباد، وإنّما لم نسمعه لما ضرب علينا من الحجاب، وإذا أراد تعالى إسماع كلامه لأحد من أولياءه في الآخرة, أو لبعض خواص أنبيائه في الدنيا أزال عنه الحجاب حتى يسمع كلاماً ليس له نظير ولا شبيه ولا يكيَّف ، ويتعلق ( الكلام ) بكل ما يتعلق به العلم من الواجبات والمستحيلات والجائزات، إلا أن تعلُّقَ العلم تعلّق انكشافٍ ، وتعلق الكلام تعلق دلالة  ، قال تعالى: { وكلم الله موسى تكليما } [النساء: 164]، وقال تعالى : { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأعراف: 144] ، – ولو لم يتصف تعالى بالكلام لاتصف بضده، وهو نقص، والنقص على المتصِف بصفات الجلال والكمال محال ،

[ ]  ( الصفة الثانية عشرة والثالثة عشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفتا السمع والبصر ) :  الله تعالى سميع له السمع المطلق ،  يسمع بسمع أزلي كلَّ المسموعات ، سمع الله تعالى مطلق قديم  ، له كمال السمع ، يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات من الازل وإلى أبد الأبد جملة واحدة ولا تختلط عليه الأصوات ، يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء ، قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى : 11 ] ، صفة السمع صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى والله موصوف بها أزلا وأبدا ، لا يغيب عنه أي مسموع مهما كان ،  لا يجري عليه في سمعه زمان ، وكل المسموعات عبر الزمان منكشفة على سمع الله ، والصفة الرابعة عشرة من صفات الكمال الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة البصر ) :   الله تبارك وتعالى يرى الحادثات برؤيته الأزلية  ، وبصره لا يشبه بَصرَ المخلوقات ، لأنه سبحانه يرى كلَّ المبصَرَات من غير حاجة إلى حَدَقة ولا إلى ضوء ، قال تعالى :  { وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير  } [ سورة الشورى : آية : 11 ] ، لا حد لبصره ولا يجري على بصره زمان ، له سبحانه كمال البصر المطلق والحاضر ، لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة ، لا يجري عليه في بصره زمان ، وكل المرئيات عبر الزمان منكشفة على بصر الله ، وهو بكل شيء شهيد ، وهو السميع البصير ، والله تعالى ليس كمثله شيء في بصره ورؤيته ، يرى سبحانه من غير واسطة ، ورؤيته أزلية وأبدية لا يطرأ عليها ضعف ولا انقطاع ،  لا يغيب عنه أي مرئي مهما كان ، { إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً } ، والرؤية والبصر معنى واحد يشمله صفةٌ البصر : قال تعالى : { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه : 46] ، وقال تعالى : { أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى } [العلق : 14] ،

 

[ ]  ( الخلاصة ) : من خصائص جناب الذات الإلهي : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : أي الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، وقوله تعالى { الله الصمد } أي الذي له الكمال المطلق ، هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته ،  قولنا ( الله أكبر ) في كل صلاة ، معناه : الكمال المطلق  لان ( الله أكبر ) تعني الله اكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل نهاية ، فدل ذلك على الكمال المطلق ، لأن كل ما له نهاية يمكن أن يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه ،  وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } : يدل على الكمال المطلق ، لان ما دون الكمال المطلق يمكن الاحاطة به ، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يُحاط به ، لانه فوق الحدود والغايات ، وقوله تعالى : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } يدل على الكمال المطلق ، لان ما دون الكمال المطلق يمكن إدراكه ، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يدرك ، لأنه فوق الحدود والغايات ، والأسماء الحسنى تدل على الكمال المطلق لله ،  فإن الله تعالى قد سمى نفسه بأسماء الكمال ، ومن أسمائه الحسنى  : (  القدوس  ) أي الطاهر المنزه عن العيوب والآفات ومظاهر النقص التي تنافي الكمال المطلق ، ومن أسمائه : ( السّلام  ) أي السالم من كل آفة وعيب وذم ونقص ينافي الكمال ، فإن له الكمال المطلق من جميع الوجوه ، وكماله من لوازم ذاته ، فلا يكون إلا كذلك ، والسلام يتضمن وسلامة ذاته من كل نقص وعيب ، وسلامة أسمائه من كل ذم ، وسلامة صفاته من مشابهة صفات المخلوقين ، وسلامة أفعاله من العبث والظلم وخلاف الحكمة ،  ومما يدل على كماله المطلق اسمه ( الغني ) و اسمه ( الحميد  ) لذا اقترنا في قوله تعالى : {  يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } ، هو الغني الذي كمل في غناه ، فلا يحتاج إلى أحد ، وهو الحميد الذي استحق الحمد بجناب ذاته وعلو صفاته وكريم فعاله ، هو المحمود في السراء والضراء ، وفي الشدة والرخاء ، لأنه الحكيم لا يجري على أفعاله الغلط ، ولانه الكريم الذي بيده الخير والخير كله بين يديه والشر ليس إليه ،  والكمال المطلق يمنع من وجود الند والشريك والمثيل لله ، الكمال المطلق يوجب لجناب الذات القدم الأزلي الذي يمنع من الحدوث وقبول الحوادث ،  ويوجب له العلم المطلق فلا يغيب عنه معلوم ، والسمع المطلق فلا يغيب عنه مسموع ، ويوجب له البصر المطلق فلا يغيب عنه شيء ،  والكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية ، والكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، والكمال المطلق لا يقبل الحوادث ، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث ، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء ، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا ، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق ، لأنه قبل التغير من حال إلى حال ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا ، ولو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، والكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ،  الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لجناب ذاته ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 11 ) معاني الوجود المطلق لله عز وجل - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة معاني الوجود المطلق لله تعالى ،  أقول وبالله التوفيق : 

[ ]  هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان ، تحكمه قوانين المكان ، من الكون في المكان والتحيز في جهة من جهات المكان ، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه ،   هذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل ، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل ، هذا الوجود المقيد هو صفة المخلوق مهما كبر أو صغر من الفرش إلى العرش ومن الأرض إلى السماوات كل الخلائق محكومة بهذا الوجود الزماني والمكاني مقهورة به لا انفكاك لها عنه ، لا تخرج عن قوانين المكان فهي إن كانت في مكان فهي تخضع لقرب وبعد المسافات ، قريبة من مكان وبعيدة عن الآخر ، ويجري عليها الزمان قهرا ، لا يمكنها التصرف في الزمان فلا توقف الحاضر ولا تعيد المستقبل ، أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود المطلق الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، فالله تعالى له الوجود المطلق ، 

[ ]  ( الوجود المطلق ) لا يتقيد بالمكان ، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن ، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، و ( الوجود المطلق ) لا يجري عليه زمان ، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] ،

[ ]  عند تدبر قوله تعالى { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] ،  مع قوله صلى الله عليه وسلم : (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء ))  [ أخرجه مسلم ] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال الوجود المطلق الذي لا يتقيد بالزمان ، وكمال الوجود المطلق الذي لا يتقيد بالمكان ،

[ ]  ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فوجوده قبل الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، أزلي أبدي فلا يجري عليه زمان ، له كمال الوجود المطلق المنزه من المكان ، المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن ، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، وهو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان ، المكان يحيط بمن فيه ، والله بكل شيء محيط ،  وله كمال الوجود المطلق المنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، كان قبل أن يخلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان ، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان

[ ]  الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي : معناه الأولية بلا ابتداء والأخروية بلا انتهاء ، لا قبل له ولا بعد ، والظهور المطلق الذي ليس فوقه شيء ، ولا يغيب عن شيء ، والقرب المطلق الذي ليس دونه شيء ، { وهو معكم أينما كنتم } ، أقرب إلي كل شيء من ذاته { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ، {  مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، أقرب إلينا من أنفسنا وذواتنا ، والوجود المطلق لجناب الذات الإلهي : معناه الإحاطة المطلقة بكل شيء { وهو بكل شيء محيط } ،  والشهود المطلق ، { وهو على كل شيء شهيد } ، فلا يغيب عن شيء ، ولا يغيب عنه شيء ، حاضر عند كل شيء ، ولا يخرج عن احاطته شيء ،

[ ]  الموجودات ثلاثة أقسام : واجب الوجود الذي لولاه لما وجد الوجود ، وهو الله تعالى ، وجوده أزلي أبدي سرمدي دائم ، وهو وجود مطلق لا يحويه مكان لان المكان مخلوق محدود ، والله مطلق منزه عن الحدود ، ولا يتقيد بزمان ، لأن الزمان متغير محدث ، والخالق منزه عن الحدوث ، هذا القسم الأول ، والقسم الثاني : جائز الوجود وهو وجود خلق الله ، والقسم الثالث مستحيل الوجود ، وهو الشريك لله ،  وقيل – أيضاً - : الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ : القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله عز وجل ، والقسمُ الثاني : أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها ، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء التام ، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا ، لان القديم الأزلي لا يقبل الفناء ،

[ ]  الخلائق عاجزة عن معرفة كنه الوجود الإلهي ، لأنها مخلوقة محدودة محدثة ، والمخلوق لا يدرك الخالق ، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود ، والمحدث لا يدرك كنه القديم ، و ( نحن ) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق جسد الإنسان ، إلا بآثار تلك الروح ، كما قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 85 ] ، و ( العقل ) لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها ، والله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود ، تعالى على الحدود والبدايات والنهايات ،  والغايات ، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ،

[ ]  ( الوجود المطلق أزلي أبدي لا يغيب عن شيء وهو محيط بكل شيء وقريب من كل شيء ، الله تعالى هو الأول بلا ابتداء له الازلية ، وهو الآخر بلا انتهاء له الأبدية ، وليس ذلك إلا لجناب الحق ، وجوده وجود ذاتي واجب مطلق لا يقبل الحدوث ولا الفناء ، لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء ،

[ ]  ( الله تعالى ) واجب الوجود ، وجوده ذاتي ، ، لولاه لما وجد أي موجود ، أما وجود المخلوقات فهو جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود ، وجودنا ممكن يسبقه عدم ويعقبه فناء وهو متعلق بإرادة الله يخلق ويعدم ويحي ويميت ويوجد ويفني أما وجوده سبحانه فهو وجود ذاتي واجب مطلق لا يقبل الحدوث ولا الفناء ، هو الأول بلا ابتداء ، وليس قبله شيء ، كما أنه الآخر بلا انتهاء ، وليس بعده شيء ، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، على العرش استوى ، وهو قريب من كل شيء ، ومحيط بكل شيء ، وقاهر لكل شيء  ، له الوجود الأزلي الابدي المطلق ، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ،

[ ]  الله تعالى له الوجود الأزلي والابدي ، الوجود الأزلي معناه : ( الأولية بلا ابتداء ) ،  والله تبارك وتعالى لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ،  والوجود الأبدي : معناه :  أنّ الله تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد ، قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ } [ الرحمن : 25 ] ، ( وجود الله تعالى وتقدس ) ذاتي لا يجوز عليه العدم أو الفناء ، ولا يجوز عليه أن يغيب عن شيء ولا ان يغيب عنه شيء ،   

[ ]  كل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وأن يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس مخلوق إلا ويجري عليه زمان ، كل مخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، أما الله عز وجل فهو الواحد القهار ، لا يقهره شيء ، هو الخالق لكل شيء ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، هو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ،

[ ]  ( الوجود المطلق ) لا يجري عليه زمان ، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء ، أزلي لا ابتداء لوجوده ، وأبدي لا انتهاء لوجوده ، هو الأول بلا ابتداء ، فليس قبله شيء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فليس بعده شيء ، لا يجري عليه زمان ، كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، وأجراه ، ولو شاء أوقفه وأفناه ، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، سبحانه ، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته ، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق ، فكل المخلوقات لا فكاك لها عن الزمان ، لابد وأن يجري عليها زمان ، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان ،  سبحانه كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ، 

[ ]  الوجود المطلق لله يعني ( الوحدانية ) واحد لا شريكَ لَه ، ولا ند له ، والوجود المطلق لله يعني ( الحياة المطلقة ) ، له سبحانه كمال الحياة ، هو الحي الذي لا يموت ،  ولا تأخذه سنة ولا نوم ، الوجود المطلق لله يعني ( القيومية ) ،   الله تعالى قيوم  مستغن عن كل ما سواه فلا يحتاج إلى أَحَد من خَلقه ، وكلُّ شيء سوى الله مَحتاج إلى الله لا يَستغني عن الله طرفَة عَين،  قالَ تعالى : {  فَإِنَّ اللهَ غَنِي عَنِ العَالَمِيَن   } [ سورة آل عمران آية 98 ] ،  وقال تعالى: {والله الغنيُّ وأنتم الفقراء } [سورة محمد] ،سبحانه هو الغنيُ الغنى المطلق ، والحي القيوم ، فلا يحتاج إلى أحد والكل محتاج إليه ، فقير إلى فضله وغناه ،  ومن كمال غناه وقيوميته  غناه تعالى عن المكان ، يستحيل أن يحتاج إلى مكان يؤويه أو زمان يحويه  أو عرش يحمله ، كان الله ولا شيء غيره أو قبله أو معه، فهو الواحد القهار  ،

[ ]  الوجود المطلق لله يعني ( كمال العلم ) يعلم بعلمه الأزلي كلَّ شيء ، يَعلَم ما كانَ وما يكون وما لا يكون ،  كل المعلومات من الازل حيث لا بداية وإلى  أبد الابد حيث لا نهاية منكشفة عليه ، كل العلم حاضر عنده ، لا يضل ربي ولا ينسى ،  لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ، يعلم السر وأخفى ، أحاط علمه بكل شيء ، ( علم ذاتي ) لا يستفاد من المعلومات  ، بل هو قديم كامل حاضر ، لا يغيب عنه شيء ،

[ ]  الوجود المطلق لله يعني ( السمع المطلق ) ،  يسمع بسمع أزلي كلَّ المسموعات ، سمع الله تعالى مطلق قديم  ، له كمال السمع ، يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات من الازل وإلى أبد الأبد جملة واحدة ولا تختلط عليه الأصوات ، وكل المسموعات عبر الزمان منكشفة على سمع الله القديم المطلق ،

[ ]  الوجود المطلق لله يعني ( البصر المطلق ) ،  الله تبارك وتعالى يرى الحادثات برؤيته الأزلية  ، من غير حاجة إلى حَدَقة ولا إلى ضوء ، لا حد لبصره ولا يجري على بصره زمان ، له سبحانه كمال البصر المطلق والحاضر ، لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة ، لا يجري عليه في بصره زمان ، وكل المرئيات عبر الزمان منكشفة على بصر الله ، وهو بكل شيء شهيد ، وهو السميع البصير ،

[ ]  الوجود المطلق لله يعني ابداء الراي في كل امر وفي كل فعل ، وهو المتمثل في صفة الكلام ، والله تبارك وتعالى متكلم  بكلام  أزلي لا يشبه كلامَ المخلوقيَن ليس لكلامه ابتداء  ، وليس له انتهاء  ، قال تعالى : { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما } ، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم ، أزال الله المانعَ عن سُمع موسى ، فسَمعَ كلامَ الله القديم من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى ، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود ، وصفة الكلام مطلقة لا حد لها ، قـال تعالى:{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 1.9 ] ، وقال تعالى : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } [لقمان : 27]  ، كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث ، وهناك فرق بين صفة العلم وصفة الكلام ، ( علم الله ) صفة انكشاف لكل معلوم ، و ( كلام الله ) صفة دلالة على الأمر والنهي والرأي والخبر وعلى ما يحبه الله ويرضاه ، وما يبغضه وينهى عنه ، كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث ، وعن الابتداء وعن الانتهاء لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية وليس كمثل كلامه كلام ، ومشكلة أهل الخلل انهم يقيسون كلام الله على كلام البشر فينسبون إلى الله الكلام والسكوت ، وهذا حد لصفة الكلام لو كانوا يعلمون ،

[ ]  ( الله موجود بلا كيف ) : تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف ، فلا كيف ولا مكان ولا زمان ، والأحدية المطلقة تنفي الكيف ونفي المثلية يمنع من التصور ، والحاصل هو العجز عن درك الادراك ،  الله موجود بلا كيف ولا حد ولا صورة ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان ، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، وأنّه يجب العلم بانّ  الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات ، وأنّه يجب العلم بانّ  القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات ، وأنّه يجب العلم بانّ  الإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات ، ،

[ ]  يجب العلم بانّ الله تعالى وتقدس موجود بلا كيف ، تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف ، فلا كيف ولا مكان ولا زمان ، ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال ، فلا يقال أن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون ، لأن الدخول والخروج من صفات الاجسام ، و ( الاجسام ) من صفاتها انها مخلوقة تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون ، والدخول والخروج ، والاتصال والانفصال والحد والمقدار ، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك ،  { ليس كمثله شيء } ، { ولم يكن له كفوا احد } ،

[ ]  الله تعالى موجود بجناب ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ليس كمثل وجودنه وجود ، فلا يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه ، لأنّه لا وجه للتماثل بين الخالق والمخلوق ، ( وقد يقول قائل ) : هذا من التناقض ، لابد للموجود أن يكون إما داخلا أو خارجا ، ( أقول ) يصح ان يكون من التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه ، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل ، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال " لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل " لعدم التماثل بين العلم والحجر  ، ولله المثل الأعلى ، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق فالله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود ، فلا تناقض أبدا ، يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق ، 

[ ]  الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال منزه عن الوجود الزماني ، وكمال منزه عن الوجود المكاني ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، وجوده قبل الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، فكيف يجري عليه زمان ، وهو القديم الأزلي فلا يقبل التغير والحدوث ، وله كمال الوجود المنزه عن المكان ، وجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ  ، 

[ ]  الله تعالى لا يجري عليه زمان ، الزمان مخلوق وهو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ،

[ ]  ( قد يقول البعض ) : لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له :  هذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن أو متحرك لهما أمثال كثيرة ، أو منزه عن السكون والحركة لا تماثل بينه وبينها ليس كمثله شيء ألا وهو الله تعالى وتقدس ، إنّ الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ،

[ ]  أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ،

[ ]  ( جناب الذات ) تعالى وتقدس   :  { ليس كمثله شيء } ،  غيب الغيوب ، لا يدرك ، لأنه فوق الحدود ،  وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ، 

[ ]  هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة ، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا ، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات ، وهذه المعرفة من اعظم العلم ، أما ( المعرفة المستحيلة ) : هي الإحاطة علما بالحق ، والإنسان مهما أوتي من علم ، علمه محدود لأنه محدود ، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود ، ولا يستطيع الوقوف على كنهه ، لأن جناب الذات لا يحاط به ولا يعرف كنهه ، لا في الذهن ولا في الخارج ، لأنه سبحانه مطلق ، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود ، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود ، قال تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ] ،

[ ]  ( جناب الذات ) : { ليس كمثله شيء } ، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ، له الوجود الحق المطلق ، والعقول المحدودة لا تحيط بالمطلق المنزه عن الحدود ،

الله تعالى لم يطلع العقول على حقائق جناب ذاته لانها لا تستطيع ذلك ، وفي نفس الوقت لم يحجبها عن واجب معرفته ، فإذا كانت عقولنا قاصرة عن كنه ذات الله فهناك مقدار واجب من المعرفة الممكنة لابد منه ، أما تصورنا لله المطلق فمحال ، فالمعرفة ممكنة ، والاحاطة محالة ، باب المعرفة مفتوح ، والوقوف على كنهه وحقيقته محال ،  والطريق إلى معرفة جناب الذات الإلهي : هو معرفة قواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تمنع من التمثيل والتشبيه ، ثم العلم الواسع بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا لأنه العلم الراسخ نحو المعرفة بالله ومن ثم توحيده في ذاته وصفاته وأفعاله وربوبيته وإلهيته لجميع خلقه ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 10 ) تقديس لله تعالى عن قبول الحوادث - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة تقديس الله تعالى عن قبول الحوادث ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ]  دين الله عز وجل احب إلينا من الأشخاص وليس من معصوم في الأمة سوى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقرب الناس صوابا هم المتخصصون كل في علمه ، وقد اجمع اهل العلم بالأصول على ان الله تعالى له القدم الذاتي الازلي ( الاول بلا ابتداء ) فيمتنع عليه قبول الحوادث ،  له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث ، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء ، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء ،  أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ،  شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، هذا اجماع اهل الأصول ، ولكن جاء ابن تيمية فعارض هذا الاجماع بشبهات لها حلولها عند أهل التخصص ، ولما لم يكن متخصصا وتكلم فيما لا يحسن اخطأ ، ومن أقبح أخطائه : قوله بقيام الحوادث بذات الله تعالى ،  قال في المنهاج : "  فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض ) أهــ  [  أنظر المنهاج  ( 1 :  210 )  ] ، وقال في المنهاج :  ( فإن قلتم لنا : فقد قلتم بقيام الحرادث بالرب ، قلنا لكم : نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع العقل ) أهــ [  أنظر الكتاب  ( 1 :  224 ) ] ،   وله در ابن السبكي حيث قال في الدرة المضية في الرد على ابن تيمية : أن ابن تيمية  نص على قيام الحوادث بجناب ذات الله ، ولم يوافق في قوله هذا أحدًا إلا المجسمة ، ( يقول ) : ومن العجب أن يقول هذا معرضا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام من احتجاجه بقيام دلائل الحوادث بالقمر والكوكب والشمس وهو التحول من حال إلى حال ، وان ذلك دليل على عدم ألوهيتها ، 

[ ]  لقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر ، و ( الكرامية ) خالفوا إجماع الأمة ، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله ، تعالى عن قولهم ، ويقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أوجد في ذاته كافًا ونونًا ( كن ) وإرادة حادثة ، وعن ذلك تصدر سائر المخلوقات المباينة لذاته ، ويقولون تعالى الله عن قولهم : أنّ الحوادث تحدث في جناب ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات ، وليس لابن تيمية سلف إلا الكرامية ونحوهم ، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح ، بل سلفه في هذه المسألة ( الكرامية المجسمة ) ، فإن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلاً للحوادث لم يخل منها ، وإذا لم يخل منها كان محدثًا مثلها ، ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام : ( لاَ أُحِبُّ الآَفِلينَ )  ، أي لا يصلح المتغير أن يكون إلها ،  فيكون بهذا القول خارجا عن  معتقد أهل السنة والجماعة ، أهل الحق ، إلى قول الكرامية المجسمة ، وحجج ابن تيمية في تبنيه لهذه البدعة : أن العلم بالشيء يتجدد عند الله ، فمثلا يزعم ان علم الله بعمل العبد يتجدد عندما يقوم العبد بهذا العمل ، وان السمع والبصر يتجددان كذلك وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء ، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود ، وكلها شبه زائفة أساسها الأول : ذهوله عن حجة الخليل وإبراهيم عليه السلام في سورة الأنعام ، وأساسها الثاني قياس الله على البشر وهو ممتنع لأن الله ليس كمثله شيء متصف بالقدم الأزلي في جناب ذاته وصفاته ،  والانسان مخلوق محدث ، فما تعلق بالقديم الأزلي قديم أزلي وما تعلق بالمخلوق المحدث مخلوق محدث ،

[ ]  ( جناب الذات الإلهي ) ( أول بلا ابتداء ) ، هذه الاولية التي لا ابتداء لها ولا انتهاء هي ( القـدم الأزلي ) قال تعالى : { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقال صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله )) [البخاري ومسلم ]،  ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم ،

[ ]  الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث ، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء ، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء ،  أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ،  شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ،

[ ]  تنزيه الله تعالى عن ( الافول ) أي عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ،

[ ]  الذي يقبل الحوادث حادث ، والله تعالى أول بلا ابتداء ، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء ، تنزه عن قبول الحوادث ، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي الكمال المطلق لله في جناب ذاته وصفاته ،

[ ]  الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، و

[ ]  كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ،

[ ]  كل ما يقوله أهل الجهل والبدعة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ،

[ ] القول بقبول جناب الذات الإلهي ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ،

[ ] القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

[ ]  جناب ذات الله تعالى القديم الأزلي الباقي الأبدي لا يقبل الحدوث أو التغير والأفول أو قبول المحدثات ، لأنه في علم الأصول : القديم الذاتي لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ،

[ ]  الله عز وجل هو الأول فليس قبله شيء ، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته ، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث وحلول الحوادث نقص يتنزه عنه كمال الذات ،

[ ]  قوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ومنها أنه يستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل :60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال }  [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ، ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى:  { هل تعلمُ لهُ سميًّا }  [سورة مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ،

[ ] أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث ، وقد نقل الإجماع في ذلك ، الإمام النووي ، والغزالي ، والرازي ، ومن السادة الحنابلة الإمام ابن الجوزي والامام عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري ، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر : " فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر ) أهـ [ العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج : 1 ص : 34 - 36 ] ، وكل متون العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث ، وتذكر أن : القديم الذاتي لا يقبل الحدوث ، وانه لو قبل الحدوث لم يكن قديما ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، وتذكر أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، وتذكر أن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي الكمال المطلق لله في جناب ذاته وصفاته ، لان الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له زيادة أو نقصًا ، و الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ،

[ ]  المدرسة السلفية المعاصرة للأسف تسير على كلام ابن تيمية وكانه معصوم ، وهذا أضر بهم ضررا بالغا ، وهم يتبعونه في أخطائه كما يتبعونه في صوابه ، أخطا عندما  قال في المنهاج : "  فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض ) أهــ  [  أنظر المنهاج  ( 1 :  210 )  ] ، وقال في المنهاج :  ( فإن قلتم لنا : فقد قلتم بقيام الحرادث بالرب ، قلنا لكم : نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع العقل ) أهــ [  أنظر الكتاب  ( 1 :  224 ) ] ،  ومن العجب أن يقول هذا ذاهلا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام من احتجاجه بقيام دلائل الحوادث بالقمر والكوكب والشمس وهو التحول من حال إلى حال ، وان ذلك دليل على عدم ألوهيتها ،  لقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر ، و ( الكرامية ) خالفوا إجماع الأمة ، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله ، تعالى عن قولهم ، ويقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أوجد في ذاته إرادة حادثة ، وعن ذلك تصدر سائر المخلوقات المباينة لذاته ، ويقولون – كما يقول ابن تيمية - تعالى الله عن قولهم : أنّ الحوادث تحدث في جناب ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات ، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح ، بل سلفه في هذه المسألة ( الكرامية المجسمة ) ، فإن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلاً للحوادث لم يخل منها ، وإذا لم يخل منها كان محدثًا مثلها ، ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام : ( لاَ أُحِبُّ الآَفِلينَ )  ، أي لا يصلح المتغير أن يكون إلها ،  فيكون بهذا القول خارجا عن  معتقد أهل السنة والجماعة ، أهل الحق ، إلى قول الكرامية المجسمة ،

[ ]  حجج ابن تيمية في تبنيه لهذه البدعة : أن العلم بالشيء يتجدد عند الله ، فمثلا يزعم ان علم الله بعمل العبد يتجدد عندما يقوم العبد بهذا العمل ، وان السمع والبصر يتجددان كذلك وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء ، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود ، وكلها شبه زائفة والرد عليها يسير ،

[ ]  أما شبهة العلم والسمع والبصر : فإن الله تعالى له سبحانه الكمال المطلق ، ( الكمال المطلق ) لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات  ، وكما أنّ جناب ذات الله تعالى له الكمال المطلق ، فكذلك الصفات تابعة للذات ، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير ، له كمال العلم ، بلا غاية ولا نهاية ،  علم الله تعالى محيط بكل ذلك ، ولا يقبل الزيادة او النقصان ، إذ لو قبل الزيادة لم يكن قبل الزيادة كاملاً بل كان به بعض الجهل بمقدار تلك الزيادة ، ولو قبل النقصان لم يكن لينسب إلى عالم الغيب والشهادة الذي بكل شيء عليم ،  وله كمال السمع يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل ، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة لا يجري على بصره زمان وهو بكل شيء شهيد ،  لا يتجدد له سبحانه لا علم ولا سمع ولا بصر ، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك ، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته ، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ،

[ ]  أما شبهة الإرادة ، فإن  الإرادة عند الإنسان حادثة ، لان الإنسان كله حادث مخلوق ، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

[ ]  أما شبهة الكلام ، فالمشكلة أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق ، على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه متعلق بمشيئة الله وان الله سبحانه تكلم به متى شاء ولم يكن قديما من الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا : إن القرآن محدث وليس قديما ، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله ، بمعنى أنه لا يجوز القول : أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء ، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال ، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق  بالإرادة ، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق ، 

[ ] أهل الحشو جعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء ، ويرزق من يشاء متى شاء ، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم  محدثا مخلوقا ، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [ آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى ، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ )

[ ]  مشكلة اهل الحشو أنهم دائما يقيسون الغائب على الحاضر مع انه ممتنع في حق الله تعالى لانه ليس كمثله شيء فلا يصح القياس ، ومشكلة اخرى انهم لا يفهمون معنى ( القـدم الأزلي ) الأولية بلا ابتداء ، ( القديم الذاتي ) لا يقبل الحدوث ، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء ،  والله تعالى هو الحي الباقي الذي لا يزول ، ولا يقبل الفناء ، و ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن التغير والحدوث ، والمتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، الذي يقبل التغير والحدوث لتغير حاله لا يصلح للإلهية ، وقد أجمع العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق ،

[ ]  قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات  ،  أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، ولو قبل الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء ، لأنّ الحادث يقبل الفناء ، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ، وقدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات : له قدم العلم ، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء ، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، يقيسون الله على خلقه سبحانك هذا بهتان عظيم ،   اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 15 ) الله موجود بلا كيف ولا حد ولا مكان - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أتناول في هذه المقدمة :  بيان : الله موجود بلا كيف ولا حد ولا مكان ، والعجز عن الادراك هو غاية الإدراك ،  لأنه لا تدركه الأبصار ولأنه لا يحيطون به علما ، أقول وبالله التوفيق :

[ ]  الله تعالى موجود بلا كيف ،  الكيف مخلوق ، والكيف يستحيل على الله  ، ( الأحدية المطلقة ) : تمنع من الكيف ، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف ، الكمال المطلق يمنع من الكيف ، نفي المثلية يمنع من الكيف ، القدم الأزلي يمنع من الكيف ، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف ، نفي الحد يمنع من الكيف ،  نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان ، يمنع من الكيف ، نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف ،  الأولية بلا ابتداء ، والأخروية بلا انتهاء ، كلاهما يمنع من الكيف ، قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] ،  يمنع من الكيف ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء ))  [  أخرجه مسلم ] ،  يمنع من الكيف ، تقدس في وجوده المطلق عن الكيف ، فلا كيف ولا مكان ولا زمان ، لا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال ، ولا يقال في وجوده أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون ، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون ، والدخول والخروج ، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار ، ، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة ، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك ،  { ليس كمثله شيء } ، { ولم يكن له كفوا احد } ، له الكمال المطلق ، أحد منزه عن الانقسام ، صمد منزه عن التركيب والاحتياج ، غني حميد ، أحديته المطلقة تمنع من الانقسام ، وما سواه اجسام محدودة منقسمة يمينها غير شمالها ، وفوقها غير تحتها ، وامامها غير خلفها ، أما هو سبحانه ليس كمثله شيء ، فليس له يمين ولا يسار ، ولا فوق ولا تحت ولا أمام ولا خلف ، إذ هذه صفات الأجسام المنقسمة إلى أجزاء وأبعاض ، وصمديته المطلقة ، تمنع من التركيب من الأجزاء والابعاض ، ومن الجوارح والصور والأشكال ، له الصمدية المطلقة التي تمنع من الحاجة ، والمركب محتاج في وجوده إلى اجزائه ، وينشأ عن تركبه ظهور الصور والأشكال ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على جناب الذات , وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، تقدس وتنزه عن الصور  الأشكال ، سبوح قدوس نعجز عن إدراك كنه جناب ذاته ، وهذا العجز هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي ، فالمقصود بالتسبيح هو التنزيه والتقديس لله ، والاعتراف بالعجز عن الادراك ، { لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } ،

[ ]  الأحدية المطلقة تمنع من الكيف ، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف : ( الله تعالى ) هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) : ثبت في الصحيحين أن قراءتها تعدل قراءة ثلث القرآن لذا وجب أن تكون من المحكمات وأن تشتمل على أعظم أصول الاعتقاد والتقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس ، واهم تلك الاصول أربعة :  ( الأصل الأول ) : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات ، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض ، فالاحدية المطلقة : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ،  و (  الأصل الثاني ) : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه ، له سبحانه تمام الغنى والحمد ، والصمدية المطلقة تنفي التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة  ، والصمدية المطلقة تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس الصور والاشكل ، لان الصمدية تعني نفي التركيب ونفي التركيب يعني نفي الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  ، قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ،  و ( الأصل الثالث ) : وصف الله تعالى بالقدم أول بلا ابتداء  وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث  { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء ، ولا يكون منه شيء حادث ، { وَلَمْ يُولَدْ   } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  ، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته التغير والحدوث ، و (  الأصل الرابع ) : نفي المثلية عن جناب الحق : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } :  تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  تقدس أن يكون له مثيل او شبيه  ،

[ ] { اللَّهُ أَحَدٌ } : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات ، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض ، ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ، ( الأحدية ) لها معنى و ( الاحدية المطلقة ) لها معنى أوسع ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والانسان قدرته محدودة وهكذا السمع والبصر سمع الإنسان محدود وبصره محدود فلا يسمع ولا يبصر إلا ما تقوى أجهزته السمعية والبصرية على استيعابه أما سمع الله تعالى فهو مطلق يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع هذا هو السمع المطلق وكذلك له البصر المطلق الذي لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة وهو بكل شيء شهيد وهو كذلك له الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما ، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء ، الأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء  ،  { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، { اللَّهُ الصَّمَدُ }  :  له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة  ،  (  الصمدية المطلقة ) : تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  } : تقديس الله تعالى عن الحدوث ، { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء ، ولا يكون منه شيء حادث ، { وَلَمْ يُولَدْ   } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } :  تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ، 

[ ]  الكمال المطلق يمنع من الكيف ، من خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }  (  المثل الأعلى ) : الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه ، الكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية ، لا رب سواه ولا معبود غيره ، الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث ، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، الكمال المطلق لا يقبل الحوادث ، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث ، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء ، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا ، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق ، لأنه قبل التغير من حال إلى حال ، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان ، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق ، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية ،  لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات ، الحد معناه التناهي ، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق ، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ،  الكمال المطلق أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لجناب ذاته ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته ، الكمال المطلق يضاد الحد والتناهي ، لان كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لكماله المطلق ، منزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية ،

[ ]  نفي المثلية يمنع من الكيف ، أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس  هي قوله سبحانه : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، هذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس ، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ،   { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ، والله الله تعالى يقول : {  ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، فدلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين  ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، وبالتالي فإن كل ما يوهم شكل جناب الذات فهو متشابه لابد من رده إلى محكمه ،  من قوله تعالى { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : { قل هو الله احد } ، { ليس كمثله شيء } يتناول نفي المساواة المتعلقة بجناب الذات من جميع الوجوه ، وصحة الاستثناء تقتضي دخول نفي كل أوجه الشبه بين جناب الحق في ذاته وبين خلقه ، فلو كان يصح عليه الحركة او السكون لشابه مخلوقاته في ذلك ، ولو كانت تصح عليه الحدود والأشكال والصور والالوان لشابه خلقه في ذلك ولما صح الاستثناء المطلق في الآية ، فلو كان متحركا لحصل من يماثله في الحركة  فحينئذ يبطل معنى الآية ولا يصح الاستثناء ، فدل ذلك كله على ان نفي المثليه في قوله تعالى { ليس كمثله شيء } يتعلق بجناب الذات ،

[ ]  القدم الأزلي يمنع من الكيف ، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف ، نفي الحد يمنع من الكيف ،  ( القـدم ) هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى:{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله )) [البخارى ومسلم ]،  ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم ،  أخص صفات ( القديم الذاتي ) أنه لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث ، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء ، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء ، ( القديم الذاتي ) يمنع من الحد والبداية والنهاية ، لان ما له حد فهو محدث لقبوله الحد ، وما له بداية فهو محدث لقبوله البداية ، وما له نهاية فهو محدث لقبوله النهاية ، ( القديم الذاتي ) يمنع من الصور والأشكال لان ما له صورة فهو محدث لقبوله التركيب لان الصور لا تنشأ إلا من التركيب ، قال تعالى : { في أي صورة ما شاء ركبك } ، ( القديم الذاتي ) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث ، ( شرط القديم ) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام ، قال تعالى : { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ، لا معنى للأفول إلا التغير والتبدل ، و ( جناب الذات الإلهي ) منزه عن التغير والحدوث ، ومنزه عن قبول الحوادث ، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق ، قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات  ،  أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، ولو قبل الحادث - وهذا محال - لم يؤمن عليه الفناء ، لأنّ الحادث يقبل الفناء ، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ،

[ ]  نفي الحد يمنع من الكيف  :  الحد معناه التناهي ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، الله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، الله متعالي عن الحد والنهاية ،  لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لذاته ،  الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار ، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث ،   وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته فلا حد لذات الله تعالى وتقدس ولا حد لصفات الله عز وجل ، (( الله أكبر )) ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز ، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه ،  ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق ، لحدود مخلوقة والله عز وجل هو خالق الحدود فلا تجري الحدود على ذاته ، والنهايات علامات المخلوقات أنهاها الخالق بعلمه الذي ليس له حد {وسع كل شيء علما} وبقدرته التي ليس لها فيها حد {وكان الله على كل شيء مقتدرا }، لا انتهاء لقدرته ولا حد لعلمه فكذلك ذاته المقدسة تنزهت عن الحد والحصر والمقدار ، لأن الحد نقص والحصر عجز والمقدار خلق و ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال) على كل نهاية ومقدار ، حد الحدود وقدر المقادير على خلقه لا على ذاته سبحانه هو الواحد القهار  ، ( تنبيه ) : ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ، فلا حد حسي ولا معنوي لذاته تنتهي إليه ، ولا مقدار لها يحدد قدرها ، لأنّ الحد مهما اتسع ، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق ، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه ، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك ، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر ، أو اعظم منه ، لأنّ من أسمائه الحسنى : الكبير  المتعال ، والعلي العظيم ، منزه عن الحدود ، أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ،

[ ]  نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان ، يمنع من الكيف ،   المكان دائما أكبر من المتكون فيه ، والله أكبر من كل كبير ، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده ، والله لا حد ولا غاية ، والمكان يحيط دائما بمن فيه ، والله بكل شيء محيط ، والمكان اعلاه الظاهر وأدناه الباطن  ، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء  ، مقدس عن المكان ،  الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان ، والأحدية المطلقة تمنع من التجزؤ والانقسام ، ولهذا جل الإله الواحد القهار الأحد الصمد عن الكون في المكان ، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات  ، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان ، الله تعالى هو الواحد القهار ، هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب ، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، تلازم الاسمين ( الأول الآخر ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان ، وتلازم الاسمين ( الظاهر الباطن ) : يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ، والله تعالى خالق مقدِر ،  تنزه سبحانه عن الحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ

[ ]  نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف ،  ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، والجسمية تناقض الأحدية ، ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  ( الجسمية )  تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ،   ( الجسمية ) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها : الحد والمقدار ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص ، ومنها التحيز والكون في المكان ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه ، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله ، والله تعالى لا يحيط به شيء ،  ألا إنه بكل شيء محيط .

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات ،  لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى ,   الأحدية المطلقة تعني تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   والصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا ،

[ ]  [ الخلاصة ]  : الله تعالى موجود بلا كيف ، الأحدية المطلقة تمنع من الكيف ، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف ، الكمال المطلق يمنع من الكيف ، نفي المثلية يمنع من الكيف ، القدم الأزلي يمنع من الكيف ، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف ، نفي الحد يمنع من الكيف ،  نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان ، يمنع من الكيف ، نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف ،   الأولية بلا ابتداء ، والأخروية بلا انتهاء ، يمنع من الكيف ، قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] ،  يمنع من الكيف ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء ))  [  أخرجه مسلم ] ،  يمنع من الكيف ،  ( الله موجود بلا كيف ) : تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف ، بلا كيف ، ولا مكان ولا زمان ، ولا حد ولا مقدار ، لا يحده مكان ولا يجري عليه زمان ، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، استواؤه على العرش استواء صفات الربوبية والدبير ، لا استواء ذات وقربه من الخلق قرب صفات لا قرب ذات ، وإحاطته بالخلق احاطة صفات لا احاطة جناب الذات ،

[ ]  كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، و  كل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما عارض القدم الازلي لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الأجزاء والابعاض لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  وكل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم التغير والحدوث وقبول الحوادث فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه ، وكل ما أوهم الفوقية الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ، وكل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،  اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 9 ) تقديس الله تعالى عن الجوارح والأجزاء - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذه هي المقدمة الأولى من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة ، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة ، وهي تتناول: معاني التقديس لله تعالى عن الأجزاء والأبعاض ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ]  الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا ، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب

[ ]  أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال

[ ]  من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال وعن الجوارح والاجزاء والابعاض ، قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ،  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما كان له صورة أو جارحة ، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال ، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء 

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء  ،

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات ، لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، والتركيب يستحيل على الله الأحد الصمد ،

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   ( لفظ الأحد ) مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض  فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى : { اللَّهُ الصَّمَدُ } ، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا ،

[ ]  ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ،

[ ]  قوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقوله تعالى ( لا إله إلا هو الحي القيوم ) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء  لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف ،  ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً ، وقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح

[ ]  يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ،  والإشكالية أن هذه الألفاظ تعني أجزاء من ذات وهذا استعمالها في اللغة أنها اجزاء من ذات وليست صفات ، فالعلم والقدرة والسمع والبصر صفات ومعاني ، أما الوجه واليد والعين فهي في حقيقة اللغة أجزاء من ذات والله تعالى هو الاحد الصمد المتصف بالأحدية  المطلقة ، وأخص خصائص الاحدية عدم قبول الكثرة والاجزاء والابعاض ، ولهذا صارت ألفاظ الوجه واليد والعين من المتشابهات لابد من فهم مجازاتها في اللغة العربية ، وفي القرآن الكريم ، لأنه أُنزل بلسان عربي مبين ،  وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ،

[ مجاز الوجه في القرآن الكريم ] : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها :

[ ]  قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ، 

[ ]  قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ،

[ ]  قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم ،

[ ]  قوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ،

[ ]  قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ،

[ ]  لذلك تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،   

[ ]  المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ،

[ ]  قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها 

[ ]  قوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ،

[ ]  قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ،

[ ]  قوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ،

[ ]  قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ،

[ ]  قوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ، 

[ ]  قوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ،  هذه الآيات الكريمات توضح أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ،

[ ]  قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ، 

[ ]  قوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ، 

[ ]  قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ،

[ ]  قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ،

[ ]  قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ،

[ ]  قوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة { ثم قال له كن فيكون } ، وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه

[ ]  بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، ولكن استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،  

[ ]  وكذلك ( العين ) تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين ، والأحدية تمنع من قبول الأجزاء والابعاض ، لذا وجب رد المتشابه إلى أمهاته من المحكم ، فتفهم على معاني الحفظ والحراسة والرعاية ،

[ ]  تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ،

[ ]  كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

[ ]  كان هذا ما تيسر في بيان المقدمة التاسعة : معاني التقديس لله تعالى عن الأجزاء والأبعاض   ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 9 ) تقديس الله تعالى عن الجوارح والأجزاء - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذه هي المقدمة الأولى من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة ، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة ، وهي تتناول: معاني التقديس لله تعالى عن الأجزاء والأبعاض ،  أقول وبالله التوفيق :

[ ]  الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا ، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب

[ ]  أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال

[ ]  من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال وعن الجوارح والاجزاء والابعاض ، قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ،  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما كان له صورة أو جارحة ، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال ، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء 

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء  ،

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات ، لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، والتركيب يستحيل على الله الأحد الصمد ،

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   ( لفظ الأحد ) مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض  فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى : { اللَّهُ الصَّمَدُ } ، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا ،

[ ]  ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ،

[ ]  قوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقوله تعالى ( لا إله إلا هو الحي القيوم ) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء  لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف ،  ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً ، وقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح

[ ]  يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ،  والإشكالية أن هذه الألفاظ تعني أجزاء من ذات وهذا استعمالها في اللغة أنها اجزاء من ذات وليست صفات ، فالعلم والقدرة والسمع والبصر صفات ومعاني ، أما الوجه واليد والعين فهي في حقيقة اللغة أجزاء من ذات والله تعالى هو الاحد الصمد المتصف بالأحدية  المطلقة ، وأخص خصائص الاحدية عدم قبول الكثرة والاجزاء والابعاض ، ولهذا صارت ألفاظ الوجه واليد والعين من المتشابهات لابد من فهم مجازاتها في اللغة العربية ، وفي القرآن الكريم ، لأنه أُنزل بلسان عربي مبين ،  وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ،

[ مجاز الوجه في القرآن الكريم ] : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها :

[ ]  قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ، 

[ ]  قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ،

[ ]  قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم ،

[ ]  قوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ،

[ ]  قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ،

[ ]  لذلك تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،   

[ ]  المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ،

[ ]  قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها 

[ ]  قوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ،

[ ]  قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ،

[ ]  قوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ،

[ ]  قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ،

[ ]  قوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ، 

[ ]  قوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ،  هذه الآيات الكريمات توضح أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ،

[ ]  قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ، 

[ ]  قوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ، 

[ ]  قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ،

[ ]  قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ،

[ ]  قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ،

[ ]  قوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة { ثم قال له كن فيكون } ، وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه

[ ]  بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، ولكن استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،  

[ ]  وكذلك ( العين ) تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين ، والأحدية تمنع من قبول الأجزاء والابعاض ، لذا وجب رد المتشابه إلى أمهاته من المحكم ، فتفهم على معاني الحفظ والحراسة والرعاية ،

[ ]  تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ،

[ ]  كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

[ ]  كان هذا ما تيسر في بيان المقدمة التاسعة : معاني التقديس لله تعالى عن الأجزاء والأبعاض   ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 8 ) تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذه مقدمة مهمة من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة ، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة ، وهي تتناول معاني التقديس لله تعالى عن الصور والأشكال ،أقول وبالله التوفيق :

[ ]  جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات ،  لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى ,

[ ]  صاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ،

[ ]  الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ،

[ ]  كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ،

[ ]  جناب الذات الإلهي سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء )

[ ]  من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال وعن الجوارح والاجزاء والابعاض ، قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ،  ( الاحدية ) : تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ، وكل ما كان له صورة أو جارحة ، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال ، (  الأحدية المطلقة  ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء 

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء  ،

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات ، لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، والتركيب يستحيل على الله الأحد الصمد ،

[ ]  الأحدية المطلقة تعني نفي تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   ( لفظ الأحد ) مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض  فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى : { اللَّهُ الصَّمَدُ } ، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا ،

[ ]  قوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ،

[ ]  قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه

[ ]  كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ،

[ ]  كل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه ،   لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ،

[ ]  حل اشكالية الصورة في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث ] : ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ،  و ( المفتاح الثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول الحافظين : ابن حجر وابن خزيمة  ، و ( المفتاح الثالث ) : لفظ ((  لا تقبحوا الوجه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )) مع ضعفه البين [[ رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال ، ولذلك ذكرها الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ، وأعلها بأربعة علل جعلتها لا تصلح للاستدلال ، فإن له - إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه - مخرجاً صحيحا يُحمل عليه ، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من روحه المخلوقة ، فليست الصورة صورة الرحمن ، ولا الروح روح الرب الديان ، فقوله صلى الله عليه وسلم : ((خلق آدم على صورته)) يعني :  صورة من الصور التي خلقها الله وصورها ،  كما قال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ } [الأعراف:  11 ]   فآدم على صورة الله ، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات ، كما قال تعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين : 4 ] ، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج الصحيح هو قول الحافظ ابن خزيمة ، و ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وطريقة أهل السنة في ذلك  رد المتشابه إلى أمه وأصله ،

[ ]  المحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام ، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال ، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء  ، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، ولأنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ،

[ ]  من الآيات المحكمة التي هي أم الكتاب وأصله ، والتي يُرد إليها المتشابه قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، فإذا كانت المخلوقات جميعا لها صور وأشكال وهي علامة خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عنها لأنّه ليس كمثله شيء ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه فلا يشبه ابن آدم ، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق ،   

[ ]  حل اشكالية الصورة في حديث القيامة الطويل في صحيح البخاري في جمع الله الناس إلى قوله : (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله : (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث ،  والملاحظ أنهم لا يعرفون صورة مسبقة ، و  الأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط ، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة ، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها ، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ،  فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة ، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها ، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ، ويؤيد ذلك ، قوله تعالى :  { يوم يكشف عن ساق }  فيكشف عن شدة وبطش ، ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له ، إلا المنافقون ، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ، فالقرآن يصدق بعضه بعض ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، كان هذا ما تيسر في بيان تلك المقدمة : معاني التقديس لله تعالى عن الصور والأشكال ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

محاضرات في علم الإلهيات ( 7 ) تقديس الله تعالى عن الجسمية - مجدي محمد علي

( حرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للحديث عن عقيدة أهل الإسلام ، لأن هذا هو الفقه الاكبر الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في عقائد المسلمين إلا وهو ملم به )

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذه هي المقدمة السادسة من المقدمات الواجبة لفهم عقيدة المسلمين عامة ، وفهم عقيدة أهل السنة والجماعة خاصة ، وهي تتناول معاني التقديس لله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية  ،  أقول وبالله التوفيق :

 [ ]  ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ،

[ ]  الجسمية تناقض الأحدية ، الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ] ،  الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، و ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ، 

[ ]  من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ،

[ ]  الجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ، 

[ ]  الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ،

[ ]  الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ،

[ ]  ( الجسمية ) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها : الحد والمقدار ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص ، ومنها التحيز والكون في المكان ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه ، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله ، والله تعالى لا يحيط به شيء ،  ألا إنه بكل شيء محيط .

[ ]  الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث .

[ ] الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،

[ ] الجسم مادة ، وذات الله تعالى لا تسري عليه قوانين المادة ، لأنّ المادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه

[ ] الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم : 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون ، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى}  [سورة النحل:60]  قال المفسرون  أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية ، وقوله تعالى { فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل ، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات ، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون ، وقوله تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } [سورة البقرة : 22] ، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل ،

[ ] قوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } من أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجسمية فقوله تعالى ( أحد) يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله { أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله { أحد } منافي للجسمية ، لان سمة الجسم الانقسام ، وقوله تعالى { الله الصمد } ، الصمدية تنافي الجسمية لأن كل جسم مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها ،

[ ]  قوله تعالى { ولم يكن له كفواً أحد } فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة فلو كان تعالى جسما لكان مثلاُ لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية  ،

[ ]  من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { والله الغنى وأنتم الفقراء }دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ،

[ ]  وقوله تعالى { لا إله إلا هو الحى القيوم ؤ والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره ، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه ،  وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق ، وقوله تعالى { القدوس السلام } والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه  ، والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه القدوس سبحانه ، ( الجسمية ) ضد الكمال الذي يتصف به ذات القدوس ، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه  ،

[ ]  السلام عز وجل هو الذي سلم من جميع النقائص والعيوب والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه السلام سبحانه ،والسلام عز وجل هو الذي سلم ذاته عن المثل والسمي والشبيه ، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والسلام  هو الذي سلم ذاته عن أن يكون له مثيل أو شبيه  ،

[ ]  من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار  ، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مقدَراً متناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا ، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى عما يشركون ، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية  : قوله تعالى { هو الأول والأخر والظاهر والباطن } ، ( هو الأول والأخر ) فهو يقتضى أن يكون منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون الجسم أولا أبدا ، (والظاهر والباطن ) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية : قوله تعالى : { ولا يحيطون به علماً } ، وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان العلم محيطاً به ، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية : قوله تعالى : { لا تدركه الأبصار }  وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان الإدراك بالأبصار محيطاً به حتى لو كان جسما كبيرا ، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب } ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده ، وقوله تعالى  { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [سورة ق : 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول ،

[ ]  الخلاصة : ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، والجسمية تناقض الأحدية ، ( الأحدية ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والجسمية تناقض الصمدية والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ، 

[ ]  من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ،

[ ]  الجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ،  و ( الجسمية )تعني الاحتياج لأن الجسم يتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،   و ( الجسمية )تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ،  و ( الجسمية )دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ، ( الجسمية ) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها : الحد والمقدار ، لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص ، ومنها التحيز والكون في المكان ، لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه ، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله ، والله تعالى لا يحيط به شيء ،  ألا إنه بكل شيء محيط  ،  و ( الجسمية )تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، و ( الجسمية )تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  و ( الجسمية )تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ،  سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ،

***

 

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا