جديد الموقع

البصيرة في الدين -  فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك بغير إفراط ولا تفريط – للقضاء على فوضى الغلو في اتهام المسلمين بالشرك

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك بغير إفراط ولا تفريط  ،

لقد انحرف أهل الغلو في باب التوحيد بسبب اتباع المتشابهات من آيات التوحيد والشرك ، فأتوا بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين ، وما دروا حقيقة الإسلام ، ولا ما هو إطاره الواسع الذي يدخل فيه كل مسلم ، اصطفاه الله تعالى للإسلام ، وما هي حقوق المسلم على المسلم ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول  : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول  : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، والاعتقاد القلبي له ركنان ، ( قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة ، وعمل القلب ، وهو الانقياد القلبي لها ،  هذا المسلم : لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، أما أهل الغلو في باب التوحيد والشرك : فأتوا بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين ، وما دروا حقيقة حقيقة الشرك ، ولا حقائق التوحيد ، لقد أكرم الله تعالى مذاهب أهل السنة والجماعة الناجية المتخصصة في العقيدة بفقه مسائل وأحكام علم التوحيد ، وذلك بفهم المعنى الشامل المراد من توحيد الألوهية ، وأنه يشمل الدين كله ، إذ توحيد الإلهية هو المرادف لشهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله ) ، وما ذاك إلا لأنّ قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، ف ( لا إله إلا الله )  يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ، لقد أكرم الله تعالى  أهل السنة بجمع تلك المباحث وصياغتها بحيث تستوعب جميع الاقسام دون أن تهمل أي قسم منها ، ودون أن يكون هناك خلل بسبب إهمال أحد تلك الأقسام ، ووضعوا لكل قسم ضوابطه التي تمنع من الغلو فيه ، وبهذا يخرج دارس علم التوحيد على علم راسخ للتوحيد يحيط بكافة جوانبه العظيمة ، بلا غلو ولا تقصير ، وبلا إفراط ولا تفريط ،

[  1  ]  إن استيعاب علم التوحيد وفقه مسائله وأحكامه على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة من أهم العلوم التي يؤدي غيابها إلى وجود خلل الفكري والعقدي عند بعض فرق المسلمين ، وهو علم بالغ الأهمية للقضاء على فوضى الغلو في اتهام الامة بالشرك الأكبر ومن ثم استحلال حرمات ومحارم أهل الإسلام ، إنّ فقه مسائل وأحكام التوحيد على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة يحتم علينا استيعاب  عدة معان تستوفيها شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) : أولها : توحيد الله تعالى في جناب ذاته ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وثانيها : توحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى ، وثالثها : توحيد الله تعالى في صفاته ، ورابعها : توحيد الله تعالى في أفعاله ،  وخامسها : توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه ، فلا رب للعالمين سواه ، وسادسها : توحيد الله تعالى في عبوديته ، فلا معبود بحق إلا إياه ، وسابعها : البراءة من الشرك في الإلهية بأقسامها الستة : توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، وذلك بالبراءة من الشرك فيما يتعلق بجناب الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، فهذه المعاني جميعها يدخل في توحيد الإلهية ، الذي يشهد به كل مسلم عند قوله : (( أشهد أن لا إله  إلا الله )) ، لقد تسبب الذهول ( أولا ) عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد عند بعض أهل الغلو ، إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة باهم جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين الموحدين المنزهين المقدسين ، والذهول عن هذا القسم ( قسم توحيد الذات ) أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وأدى إلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس عند بعض طوائف أهل السنة والجماعة ، بل واعتقاد التجسيم وإن لم يشعروا بذلك ، إنّ دراسة علم التقديس هي عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف  :  وذلك لأنّ دراسة هذا العلم يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق جناب ذات الله سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 103 ] ، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء ، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث ، فكذلك فإن هذا العلم يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس ، لغلبة الحس عليهم ، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجودها لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله : ( هذا خلق الله ، فمن خلق الله ) ، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه ، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ، 

أيضا فإن الذهول عن فقه توحيد العبودية خطير  ، لأنّ الفقيه ينبغي أن يفرق بين أصل العبادة الذي هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ، وبين صور العبادة التي تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر عند الفقهاء ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ، إنّ التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له ، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة ، فمن صرفها لله وحده فهو موحد ، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً ، والعبادة ( أي عبادة ) ، لها أصل وصورة ، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه ، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل ، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين ، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود ، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله ، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله ، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها ، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ،  لقد أخطأ أهل الغلو في باب التوحيد والشرك في تفسير العبادة ، ففسروها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع ، وذهلوا عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله  ، أو لمن يعتقده رباً له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله ، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم ، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم ، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له ، أو اعتقاد ألهيتهم من دون الله ، وقد كانوا يسمونها آلهة ويعبدونها ويظنون فيها النصر والعزة ، قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)  } [ يس : 74 ] ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  } [ مريم : 81 ]  ، وقال تعالى حكاية عن اعتقادهم { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ، إنّ من أعظم الخلل في باب التوحيد والشرك المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين : المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله ، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء ، والمسلم يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله ، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله ، ويقول : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا ، لقوله تعالى : { قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً }[الزمر : 44]  وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله ، وإنما لمن ارتضى ، لقوله تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  } [ الأنبياء : 28 ] ، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة - على اعتقادهم الباطل - مع الله ،  ويدل عليه قوله تعالى : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } [ الأنعام : 94 ] ، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى : { فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} [ فاطر : 10 ] ، والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى : { وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً  } [ مريم  : 81 ] ، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين ، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) معتقدين لها ، والمشرك لا يؤمن بالرسول ، ويقول - كما حكاه عنه القرآن الكريم - : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } [ ص : 4 إلى 8 ] ،  ولذلك لا يصح مقارنة أفعال المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً قد تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال ، كالطواف حول القبور ، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه ، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية  والربوبية  أو شيء من صورهما ، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر ، واستحلال دمائهم وأموالهم ، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر ، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي ، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله ، وهذا لا يكون من مسلم أبدا ،  كان هذا ما تيسر ، وفي الحلقة المقبلة أتناول الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد الربوبية ، و الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد العبودية ، إلى ذلك الملتقى ، أستودعكم الله ، وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

[  2  ]  أسس وركائز تمنع من الغلو في توحيد الربوبية : المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية : مفردات الربوبية كثيرة تشمل الخلق والرزق والتدبير والتصريف والرعاية والهداية والحفظ والسيادة والقهر والحكم والأمر ، وتوحيد الربوبية لا يطلق إلا على من اعتقدها خالصة لله ليس له فيها شريك ولا معين ، وقد كان المشركون على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق ، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور ، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الألوهية والربوبية في اعتقادهم ، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله ، كما أنه لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد العبودية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى الشرك الواقع في الربوبية عند الأمم السابقة في العديد من الآيات منها قوله تعالى { وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ } [ آل عمران : 64 ]  ، وقوله تعالى : { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا } [ آل عمران :80  ] ، وقوله تعالى : { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ )[ التوبة : 31 ،]  ، وقوله تعالى : { أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ يوسف : 39  ] ، والأدلة على كون المشركين في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية كثيرة ( منها ) : اعتقادهم بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا يعني ربوبيتها وهذا شرك في توحيد الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله  ،   في مثل قوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } [ مريم : 81 ]  ، وقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، وقوله تعالى : { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ } [ هود : 101 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ } [ الأنبياء : 43  ]  ، وقد كانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى : { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ } [ هود : 54] ، وقوله تعالى : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر : 36 ] ، وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة معاداة الأوثان ، وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ، و ( منها ) : اعتقاد المشركين بوجود الشريك الذي له  تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [ الإسراء : 111 ] ،  وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة ، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير ، و ( منها ) : اعتقاد المشركين بوجود الند لله : ، والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير ، والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله ، قال تعالى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ } [ ابراهيم : 30] ، وقال تعالى : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ فصلت : 9]، وقوله تعالى : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 22 ]، وقال تعالى : { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [ الشورى : 9]، و ( منها ) : أنهم كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية والربوبية : قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار : { قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ *  تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء: 96 إلى 98 ] فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه ، ونستفيد مما سبق أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً ، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك ،

[  3  ]  ما هو معنى العبودية وما هو المقصود من توحيد العبودية : العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية واستحقاق العبودية ، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية ، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق ، أو المعبودات الباطلة من دون الله ، إن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة ، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى { وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } [الاِسراء :24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة ، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم ، الهيئة واحدة هي هيئة السجود ( وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع ) ، الفعل واحد هو السجود ، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم ، إذ قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } لم يكن سجود عبادة لآدم وإنما سجود تكريم لم أكرمه الله تعالى بالعلم ، فشتان ما بين السجود للتكريم ، والسجود بنية العبادة ، كذلك : الفرق بين سجود نبي الله يعقوب وبنيه لله وسجودهم ليوسف عليه السلام ، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف في قوله تعالى : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَ‍قًّا  } ، وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة  فشتان ما بين السجود للتكريم ، والسجود بنية العبادة ، ومن سجد بنية العبادة ، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده إلها وربا ومعبودا ، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة ، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة : فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله ، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة ،

[  4  ]  خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة ( اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود ) : العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ولها ( للعبادة ) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ،

[  5  ]  خلاصة الأمر في تعريف العبادة : التعريف الصحيح للعبادة ينبغي أن يشتمل على الضابط الذي يمنع من اتهام المسلم بالشرك الاكبر وهو لم يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر ،  ويكون التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الألوهية والربوبية واستحقاق العبودية في حقّ المخضوع له ، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة ، فمن صرفها لله وحده فهو موحد ، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً ، والعبادة ( أي عبادة ) ، لها أصل وصورة ، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه ، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل ، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين ، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود ، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله ، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله ، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها ، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد

[  6  ]  أسس وركائز مهمة تمنع من الغلو في توحيد العبودية( أ ) الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة : فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر  ، ( ب ) الفقه في مفهوم مفردات العبادة التي من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر: العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر ، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان  : الركن الأول : الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة ، والركن الثاني : العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد ، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر ، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ،  ( ت ) الفقه في مفهوم ( السجود ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له - كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة ، ( ث ) الفقه في مفهوم ( الدعاء ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء ، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر ، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه ، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل ، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله ، ( ج ) الفقه في مفهوم ( الذبح ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في السجود يقال مثله في الذبح ، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة ، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر ، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام ، وكذلك كل من ذبح بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له ، فهذا كله لا يدخل في باب الشرك الاكبر ، ، ( ح ) الفقه في مفهوم ( النذر ) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في السجود يقال مثله في النذر ، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها ، فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر ، وإن كان النذر خاليا من ذلك الاعتقاد فليس بعبادة ، ( خ ) الفقه في مفهوم ( الشفاعة ) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة ، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة ، فهذا من الشرك الأكبر ، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده ، فهذه عقيدة أهل الإسلام ، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ، السجود يقال مثله في الذبح ، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة ، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة لللازمة على الله تعالى ، فهذا الشرك الاكبر ،  ( د ) الفقه في مفهوم ( الاستعانة ) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر : ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة  ، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية او بعضها ، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية ، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده ، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك ، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة ، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل ، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى ، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج ، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء ، ويجعل من يشاء عقيما ، وهكذا ، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله ، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] ، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده ، والقصد على وجه الاستقلال ، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو ، وكما علمنا القرآن الكريم  توحيد الاستعانة بالله تعالى ، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة ، كما في قوله تعالى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } [ البقرة : 45 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [ البقرة : 153 ] ، وضابط الاستعانة ، أنّ من اعتقد أنّ أحداً  له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة ، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له ، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير ، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله ، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده ،  ولكنّه ـ مع ذلك  أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره ،  والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله ،  وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده ، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله ، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية ( لأنهما متلازمان ) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله ، وإن خلت من النية والاعتقاد ، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر ، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب ، ( ذ ) التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة : إنّ التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية ، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح ، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين ، وقد شاب تعريف ( العبادة ) قصور عند بعض العلماء ، ولهذا لابد من تصحيح هذا التعريف لما يترتب عليه من آثار تتعلق بالتوحيد والشرك ، ومعرفة متى يكون المرء موحداً ، ومتى يكون مشركا ،

[ 7 ] التعريف الصحيح الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الألوهية : إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية ، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله ، أو شفاعة ملزمة على الله ، أو استحقاق أن يعبد من دون الله ، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى ، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه ، 

[ 8 ]  ضابط الشرك الأكبر المحبط للعمل  :  الشرك قسمان : أكبر يتعلق بالقلب والاعتقاد ، وأصغر يتعلق بالعمل والجوارح ، وهذا من أعظم الفقه في دين الله تعالى ومن الموازين الربانية لضبط مسائل وأحكام الشرك ، وإلا دخلت الأمة في فوضى التشريك والتكفير واستحلال دماء وأموال وحرمات أهل القبلة ، واتهام أهل الجهل والبدعة بالشرك الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله ،  وشرك العبادة الأكبر شرك اعتقاد : ويتناول اعتقاد إلوهية أو ربيوبية أو استحقاق عبودية غير الله ، وعلى ذلك فمناط الشرك الأكبر هو الاعتقاد القلبي ، وإن الاضطراب الحاصل في تحديد حقيقة الشرك الأكبر أوقع الكثير من المنتسبين للعلم في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ لأنها خالية من اعتقاد شريك مع الله في ألوهيته أو ربوبيته أو استحقاقه للعبودية ، ومن أعظم قواعد أهل السنة والجماعة في ضبط مسائل الشرك : قولهم أنّ : الشرك الأكبر اعتقادي والشرك الأصغر عملي : فلا يكون العمل الشركي دالا على الشرك الأكبر إلا باعتقاد ألوهية غير الله أو ربوبيته أو استحقاق غيره للعبادة ، وهذا الضابط هو العاصم من التكفير واتهام المسلم بالشرك الاكبر المخرج من الملة ، بمعنى أنه كل من يقول أنا لا أعبد إلا الله وما أقوم به ليس عبادة لغير الله ، لا يمكن أن يقال له : لا بل أنت مشرك ، أنت تعبد غير الله لأننا نحن نعرف معنى العبادة وأنت لم تعرفها ، هو مسلم بمجرد اعتقاده بأن العبادة لا تكون إلا لله ولم يقصد غير الله بالأعمال العبادية ، وكل مقر بلسانه بكلمة التوحيد مسلم ليس لنا أن تتهمه بالشرك ما دام يأبى الشرك بالله ، والاتهام بالشرك أخطر أنواع التكفير والمقر بلسانه بكلمة التوحيد( لا إله إلا الله ) مسلم ، ليس لنا أن تتهمه بغير ذلك ، ما كان مقرا بأن الله هو الخالق المدبر المعبود وحده لا شريك ولا يمكن أن نحكم بكفره إلا إذا أنكر ما هو ضروري من الدين مع انتفاء الشبهة في حقه ، وقد ردع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتهام اي مسلم بالشرك او الكفر . ففي صحيح مسلم : (( إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما )) [ صحيح مسلم ج1 ص 79 ] ،

[  9  ]  أخطاء في باب الشرك  : ومن ذلك خطأ المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين : المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله ، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء ، والموحد يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله ، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله ، ويقول : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ، والمسلم يعتقد أنّ : { ُ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، والمشرك ينسب إليه الولد والوالد والصاحبة والبنات ، والمسلم يوحد الله تعالى  في أسمائه وصفاته وأفعاله ، ولا يرى له مثيلاً ولا نظيراً في الأسماء والصفات والاَفعال فهو المتفرِّد في أسمائه وصفاته وأفعاله ، والمشرك يلحد في أسمائه ويشتق منها أسماء لآلهته ، كالعزى من العزيز ، ويلحد في صفاته وأفعاله ، وينسب إلى آلهته صفات القدرة والنفع والضر والإعزاز والإذلال ، ويسوي الاَصنامَ بربّ العالمين كما في قوله تعالى - وهم يتعاتبون في النار - : {تَاللّه ِإِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين } [ الشعراء  : 97 ، 98 ] ، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا ، لقوله تعالى : { قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً }[الزمر : 44]  وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله ، وإنما لمن ارتضى ، لقوله تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  } [ الأنبياء : 28 ] ، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة - على اعتقادهم الباطل - مع الله ،  ويدل عليه قوله تعالى : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } [ الأنعام : 94 ] ، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى : { فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً}  (فاطر : 10) والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى : { وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً  } [ مريم  : 81 ] ، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين ، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } [ يس : 74 ] ، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) معتقدين لها ، والمشرك لا يؤمن بالرسول ، ويقول - كما حكاه عنه القرآن الكريم - : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } [ ص : 4 إلى 8 ] ،  ولذلك لا يصح مقارنة أفعال جهلاء المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال ، كالطواف حول القبور والتبرك بالصخور ، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه ، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية  والربوبية أو شيء من صورهما ، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر ، واستحلال دمائهم وأموالهم ، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر ، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي ، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله ، وهذا لا يكون من مسلم أبدا ، 

[  10  ]  ومن الأخطاء في باب الشرك  :  خطأ من اعتقد أن الشفاعة الإسلامية لها علاقة بالشرك : الشفاعة معتقد صحيح في دين الله ولا علاقة لشفاعة المسلمين بالشرك : هناك فرق أصيل بين عقيدة المسلمين في الشفاعة وعقيدة المشركين في الشفاعة ، فالمسلم يعتقد أنّ الشفاعة تكون للصالحين فيما يأذن به الله ويرضاه سبحانه ، كما في قوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا  } [ طه : 109 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } [ الأنبياء : 28 ] ، وقوله تعالى { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ }  [ يونس : 3  ] ، واعتقاد الشفاعة بهذه الضوابط لا يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر ، بل هو على النقيض من ذلك توحيد وطاعة ووسيلة إلى رضا الله تعالى ، أما المشركون فيعتقدون شفاعة آلهتهم ومعبوداتهم إلزاما على الله تعالى بموجب شراكتهم لله تعالى في ملكه وربوبيته وألوهيته ، فهذه شفاعة شرك وكفران ، ودليل ذلك قوله تعالى : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } [ الأنعام : 94 ] ، فالمشركون - كما تدل الآية - : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ  } يزعمون أن شفاعة معبوداتهم واجبة بما لها من شراكة مع الله ، تعالى الله عما يشركون ،  مما سبق يعلم خطا من جعل ضابط الشرك الأكبر في الآية هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء ،

[  11  ]  ومن الأخطاء في باب الشرك  : خطأ المقارنة بين التوسل وبين الشرك بالله : ( أ ) التوسل هو التقرب إلى الله ، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ المائدة : 35 ] ، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته ، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل ، قال تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } [ الإسراء : 57 ] ، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته ، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل ، وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } [ النساء : 64 ] ، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي ، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية ، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فقط ، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة ، قال المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم ، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة ) : إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وسلم في قبره لحال أمته ، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته ، ومن فرق بين حياته وموته صلى الله عليه وسلم فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريمة ، ( ب ) الخطأ في فهم المقصود من التوسل : ظن البعض أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه ، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل ، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك ، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد ، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله ، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا ،  وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل ، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا ، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل في المسالة ، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل ، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل ، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه ، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه ، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل ، والمسألة فقهية بابها الفقه وليس العقيدة والتوحيد والشرك ، والمعنى المقصود من ( التوسل ) إذا قاله المسلم ، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً ، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام ، اللهم بصرنا بديننا يارب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

 

البصيرة في الدين -  فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر بغير إفراط ولا تفريط – للقضاء على فوضى التكفير بين المسلمين 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر بغير إفراط ولا تفريط   ،

لقد انحرفت الفرق الضالة في باب الإيمان بسبب اتباع المتشابهات من آيات الإيمان ، فغالت المعتزلة والخوارج حتى سلبوا المؤمن إيمانه عند ارتكاب الكبيرة ، واستدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة ، وقصرت المرجئة والجهمية حتى جعلوا صاحب الكبيرة إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل عليهما السلام ، واستدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة ، وهدى الله تعالى أهل السنة والجماعة إلى القول العدل الوسط ، فلم يغالوا ولم يقصروا ، وردوا المتشابه إلى امهاته من المحكم ، وفرقوا بين ثلاثة أنواع من الإيمان ، النوع الأول ( أصل لا يصح الإيمان إلا به ) ، ونقصانه يعني زوال الإيمان بالكلية والوقوع في الكفر الأكبر ، وهذا الإيمان لا يمنع من دخول النار لأنّ صاحبه مقصر في واجبات الإيمان ، ولكنه يمنع من الخلود الأبدي في النار ،  وعناصر هذا الأصل ثلاثة لا رابع لها وهي قول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) و إقرار اللسان ، والنوع الثاني من الإيمان ( واجب لا يتم الإيمان إلا به ) ، ونقصانه يعني نقصان الإيمان ولكنه لا يزول بالكلية , وعناصره - إضافة إلى عناصر النوع السابق - أداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات ، والنوع الثالث من الإيمان : الإيمان الكامل المستحب ) الذي يتم به الكمال , وهذا النوع من الإيمان يؤهل لصاحبة لنيل الدرجات العلى من الجنة ، والمقصر فيه ينزل منه إلى الإيمان الأقل وهو الإيمان الواجب ، وعناصر هذا القسم – إضافة إلى عناصر النوعين السابقين -  أداء السنن والمندوبات والكف عن المكروهات ، لقد أكرم الله تعالى علماء اهل السنة والجماعة بالتحديد الدقيق لعناصر كل قسم من أقسام الإيمان الثلاثة الخاصة به ، فلا تداخل بين عناصر الأصل وبين عناصر الواجب وبين عناصر المستحب ، كل وفق ما جاء في الكتاب والسنة ، دونما إفراط أو تفريط ، فمن لم يحقق عناصر أصل الإيمان فهو كافر الكفر الأكبر المستحق للخلود الأبدي في النار ، ومن حقق عناصر الأصل واقتصر عليها فهو مؤمن ولكن إيمانه ناقص يستحق بسبب نقص إيمانه دخول النار إلا أنه لا يخلد فيها خلود الكافرين ، ويخرج من النار إلى الجنة بشفاعة الرحمن ، وهم أصحاب القبضة ، الذين جاء الحديث أنهم دخلوا الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، ومن زاد على عناصر الإيمان الأصل ولكنه لم يبلغ الإيمان الواجب فهو ظالم لنفسه ، لعدم بلوغه الإيمان الواجب ، إلا أنه تحت المشيئة إن شاء الله تعالى أدخله النار وإن شاء عفى عنه ، ولكنه إن دخل النار فلا يخلد فيها ، ولكن يخرج منها متى شاء الله تعالى بشفاعة الشافعين من الأنبياء والعلماء والشهداء والصالحين ، وإن حقق عناصر الإيمان الواجب فإنه في مأمن من دخول النار ، ويدخل الجنة ابتداء ، بفضل ما حقق من عناصر الإيمان الواجب ، فإن اجتهد وزاد ودخل في عناصر الإيمان المستحب وما أكثرها ترقى في درجات الجنة وفق ما أتى من أعمال الإيمان المستحب ، وهكذا فإن دراسة الإيمان على تلك الطريقة من الدقة والوضوح ، يتم من خلالها ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً ، دونما أدنى خلل سواء بالإفراط أو التفريط ، 

إنّ أهم قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة في ضبط باب الإيمان والكفر ، هي تلك القاعدة التي تتعلق بمعرفة أصل الإيمان وعناصره التي من أتى بها فلا يجوز تكفيره الكفر الأكبر الموجب لاستحلال دمه وماله ، وهي في حقيقة أمرها حصيلة فقه المحققين الأئمة من علماء أهل السنّة لضبط باب الإيمان والكفر وفقه مسائلهما وأحكامهما ، ألا وهي :  الإيمان قول وعمل ,  والإيمان أصل وفرع والأصل قول وعمل والفرع قول وعمل , وعمل الأصل يختلف عن عمل الفرع ، فإن عمل الأصل هو عمل القلب من الانقياد والاذعان والتعظيم ، وعمل الفرع هو كافة أعمال الجوارح التي تدخل في مسمى الإيمان ، وعناصر أصل الإيمان في الشرع ثلاثة ( قول القلب وعمل القلب وإقرار اللسان ) وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان , 

( أولاً ) : مسألة التفريق بين مطلق الإيمان ( أصل الإيمان ) الذي لا يصح الإيمان  إلا به وبه يأخذ المسلم اسم الإيمان وحكمه ، وبين الإيمان المطلق الذي يستحق المسلم به الثناء ،

( الإيمان المطلق ) هو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً من غير عذاب ، و ( مطلق الإيمان أو أصل الإيمان ) وهو أدنى ما يصح به الإيمان وينجي فقط من الخلود الأبدي في النار  ، إذ هو لا يمنع من دخول النار  ، ولكن يمنع من الخلود في النار خلود الكافرين ، ( فإننا ) كثيراً ما نجد القرآن الكريم ينفي عن مسلم ما -  يشهد الشهادتين -  صفة الإيمان ، وذلك كقوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الحجرات : 14 ] ، فهل نفي الإيمان هنا معناه نفي أصل الإيمان ( مطلق الإيمان ) وبالتالي وصف المنفي عنه الإيمان بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، أم معناه نفي الإيمان الواجب الذي معناه نزول العبد من مرتبة الإيمان إلى الإسلام وليس إلى الكفر الأكبر ، الآية دلت على نفي الإيمان ودلت على اثبات مسمى الإسلام ، وفقه الآية يوجب التفريق بين إيمانين ، الأول الإيمان المطلق ، وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً ، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها ، والمنفي عنه هذا الإيمان ( المطلق ) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ،  والثاني هو  ( مطلق الإيمان ) : وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار ، 

وكذلك كثيراً ما نجد القرآن الكريم  يفصل بين الإيمان والعمل وذلك بعطف العمل على الإيمان مع أن العمل من الإيمان ، وقد تكرر كثيرا في القرآن الكريم قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، وإذا كان الإيمان يشمل العمل فإن التفريق في الآيات بين الإيمان والعمل يوجب التفريق بين إيمانين ، أصل وفرع ، أصل لا يصح الإيمان بغيره ، وفرع يضاف إليه فيزيده ، وقد فهم فقهاء أهل السنّة والجماعة من هذا الفصل أن المقصود بالإيمان الأصل المقتضي للعمل ،

وكذلك كثيراً ما نجد نفي الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان عن أشخاص مسلمين ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )) [ أخرجه مسلم ] ، فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق ، ولا يسلب مطلق الإيمان ، ولذلك كان من فقه أحكام ومسائل الإيمان على مذهب أهل السنّة والجماعة تقسيم الإيمان إلى ( إيمان مطلق ) و( مطلق الإيمان ) والتفريق بينهما : ( الإيمان المطلق ) : وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً ، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها ، والمنفي عنه هذا الإيمان ( المطلق ) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ،  والمصطلح الثاني ( مطلق الإيمان ) : وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، وليس بعده إلا الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار،  وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً ( أصل الإيمان ) أو ( الحد الأدنى من الإيمان ) ،

وأجمع علماء أهل السنّة والجماعة على أنّ العاصي والفاسق من أهل القبلة لا ينفي عنه مطلق الإيمان بعصيانه وفسوقه ولا يوصف بالإيمان المطلق ، ولكن هو مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم ،

الإيمان المطلق يدخل صاحبه في مثل قوله تعالى ( والله ولي المؤمنين ) و قوله ( قد أفلح المؤمنون ) وقـوله ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) وقوله ( أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )  فالإيمان المطلق يستحق أهله به الثواب بلا عقاب ، ومطلق الإيمان يدخــل صاحبه في قوله تعالى ( فتحرير رقبة مؤمنة ) وفي قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) وفي قوله ( لا يقتل مؤمن بكافر ) وأمثال ذلك مما يثبت مجرد الإيمان وإن استحق أهله الوعيد بالعقاب ، (  خ  ) قد ينف الإيمان المطلق عن قوم مسلمين لهم مطلق الإيمان كما في قوله تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } إلى قوله تعالى { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } فالأعراب مسلمون جفاة نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاءً لا نفاقاً وكفراً أمرهم الله تعالى بحسن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ووعدهم خيرا إن أطاعوا الله والرسول :{ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم } ، ومثاله من السنة نفى النبي صلى الله عليه وسلم " الإيمان المطلق " عن الزاني وشارب الخمر والسارق وإن لم ينف عنه " مطلق الإيمان " في قوله ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق ، ولا يسلب مطلق الإيمان ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( من غشنا فليس منا ومن حمل السلاح علينا فليس منا ) فهذا كله نفي للإيمان المطلق وليس نفيا لمطلق الإيمان ، وصاحب ( مطلق الإيمان )  يصح أن يقال : هو  مؤمن باعتبار ما أتى به من أصل الإيمان ، ويصح أن يقال ليس مؤمناً باعتبار تفريطه في الإيمان الواجب ،  ومن أبرز فوائد التفريق بين الإيمانين الإيمان المطلق و مطلق الإيمان : أنّه إذا نفى الشرع الإيمان عن أحد فهل المقصود به كفره الكفر الأكبر المخرج من الإسلام أم المقصود به الكفر دون كفر والفسوق والعصيان ، فتجري عليه أحكام المسلمين ، ومعرفة هذا من الفقه الراسخ في دين الله تعالى ،

( ثانياً ) : من فقه أحكام ومسائل الإيمان معرفة أقسام الإيمان الثلاثة  :  ( الأصل ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه ، و ( الواجب ) الذي أوجبه الله تعالى على عباده ، و ( المستحب ) الذي به كمال الإيمان :  القسم الأول : وهو أصل الإيمان ومطلق الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار ،  والقسم الثاني  : وهو الإيمان الواجب المأمور به ، وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها ، وهذا الإيمان يسميه العلماء " الإيمان الواجب " وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها ، والقسم الثالث : وهو الإيمان المستحب ويكون بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه ، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل ، والإيمان المطلق الواجب هو الذي يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهي صاحبه لدخول الجنة ابتداء ، أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين ، وحدود الإيمان المطلق الواجب : أداء الفرائض والكف عن المحرمات والوقوف عند حدود الله دون تعد لها ، ودرجات الإيمان المطلق المستحب عديدة : تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات والتنزه عن الشبهات والمكروهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح ، وضد الإيمان الأصل : الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ومن أتى بأصل الإيمان وصح له هذا الأصل فهو في مأمن من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وضد الإيمان الواجب الكفر ولكن في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرب المتروك منه أو بعده عن الإيمان الأصل ، فالأقرب للإيمان الأصل كالصلاة فإن تركها كفر ولكن دون كفر ، وما كان بعيدا عن الأصل فإن ضده العصيان ، فإن تكرر كان ضده الفسوق ، وأياً كان المتروك من الإيمان الواجب ،  فلا يبلغ منه شيء أن يخرج من الملة بكفر أكبر حتى يأتي على أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد على وجه الإجمال حين الإجمال ، والتفصيل حين التفصيل ،

( ثالثا ) فقه الإيمان على هدي الكتاب والسنة جعل علماء أهل السنة والجماعة  يقسمون العمل إلى قسمين عمل القلب وهو القبول والانقياد القلبي والاذعان ، وعمل الجوارح من صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر العبادات والطاعات ، وأدخلوا القسم الأول ( عمل القلب ) في أصل الإيمان ، وأدخلوا القسم الثاني ( عمل الجوارح ) فيما زاد عن الأصل من الإيمان الواجب  والمستحب ،  وهذا الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يتميزون عن كافة الفرق الضالة في مسائل واحكام الإيمان سواء بالتفريط أو الافراط ، فهم تميزوا عن المرجئة المفرطة في مسائل الإيمان فأدخلوا العمل ( عمل القلب ) في أصل الإيمان ، لأنّ المرجئة لا يدخلون أي عمل في الإيمان الأصل ، وتميزوا عن الخوارج والمعتزلة الغالية في مسائل وأحكام الإيمان بإدخال عمل الجارحة في الأصل وبالتالى غالوا في تكفير المسلمين بغير حق ،

( رابعا ) : إذن عناصر أصل الإيمان ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان ، (2)  قول القلب ( التصديق )  ، (3) عمل القلب ( الإنقياد ) ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان , وبعضها يدخل في الإيمان الواجب وهو أداء الفرائض والكف عن المحرمات ، وبعضها يدخل ضمن عناصر الإيمان المستحب وهو أداء النوافل والكف عن المكروهات ، وبالرجوع إلى كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم سنجد الكتاب والسنة يؤكدان ذلك ويؤيدانه تمام التأكيد ،

من الأدلة من كتاب الله عز وجل على صحة هذه القاعدة : أنّ الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل : منها قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 7 ] ، فهذه الآيات التي فيها عطف العمل على الإيمان , والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما ، وكثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة ،  فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح ، فالإيمان هاهنا المقصود به الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه ، والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء ، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب : كقوله تعالى : {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } ، وكقوله تعالى : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } ، وقوله تعالى : {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [ الحجرات : 14 ] ،  وقوله تعالى : {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } [ المجادلة : 22 ] ، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( التقوى هاهنا )) ، ويشير إلى صدره ثلاثاً ، وكقوله صلى الله عليه وسلم ، (( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )) [ أخرجه البخاري ] وكقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله عز وجل : (( أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان )) [ أخرجه البخاري ] ، فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تدلنا على أن أهم الإيمان وأصله هو ما وقر في القلب وأن هذا الأصل هو الفاروق بين الخلود الأبدي في النار وعدم الخلود فيها ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الأدلة من الكتاب والسنة على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب :  ومن ذلك قوله تعالى : {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ }وقوله تعالى :{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } وقوله تعالى :{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى :{ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ .. إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ }فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : أنّ الإيمان جاء في كتاب الله عز وجل مقروناً بالعمل الصالح وجاء أيضاً مقروناً بضده : ومثاله قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا }[ الحجرات : 9 ] فعبر القرآن الكريم عن المقتتلين بلفظ الإيمان مع أن الحديث الصحيح مفاده ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) فعلينا عند الجمع بين الآية والحديث أن المقتتلين من المسلمين لهم مسمى الإيمان بما أتوا به من الأصل وأن كفرهم في إطار الملة وليس خارجها ، ومثاله أيضاً قوله تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ..}[ البقرة : 178 ] فجاء التعبير القرآني بإثبات أخوة القاتل لولي الدم ولا شك أنه قد أتى بضد العمل الصالح الذي هو من قبيل الإيمان الواجب وهذا بخلاف من انتفى عنه التصديق ـ مثلاً ـ فأولئك قال عنهم الله عز وجل :{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } [ البقرة : 8 - 9 ]  وحكم عليهم القرآن الكريم بالنفاق وجعل الدرك الأسفل من النار مأواهم يوم القيامة ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الأدلة من السنة على صحة هذه القاعدة  :  1) ما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة )) [ مسلم : ح 44 ] .والحديث يدل على أن الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما سبب لدخول الجنة وإن دخل النار بذنوبه فإنه لا يخلد فيهما خلود الجاحدين لأن مآله إلى الجنة ، 2) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار )) [ مسلم : ح 47 ]فمن أقر بالشهادتين واعتقدهما حرم الله عز وجل عليه الخلود الأبدي في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ هو مذهب أهل السنة والجماعة لا يعرفون غيره فيقولون بأن أصحاب الكبائر في المشيئة ، وقد دلت الأخبار الصحيحة على أن بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط ، 3) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة (([ صحيح مسلم : ح 52 ] . ففي الحديث دلالة على أن كل من شهد الشهادتين معتقداً لهما ومات على ذلك فإن مآله إلى الجنة ، 4) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار ، قال ( أي معاذ ) يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال : " إذا يتكلوا " فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً))[ صحيح مسلم : ح 53 ]  ،  5) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(( ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت –    أي راوي الحديث وهو أبو ذر – رضي الله عنه – وإن زنى وإن سرق قال : ( وإن زنى وإن سرق ) ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبي ذر ) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبي ذر)) " [ صحيح مسلم : ح 154 ] ، وبعد فهذه بعض الأحاديث التي تدل على صحة ما ذكرناه من كون أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار الإقرار بالشهادة مع اعتقادها ، واعتقادها يشمل قول القلب أي تصديقه وعمل القلب بالانقياد لها إذ لا تصح الشهادة إلا بذاك ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : [ أحاديث الشفاعة ] : فإنها تبين الحد الأدنى من الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه ، لأنها تتحدث عن آخر أهل الجنة دخولاً للجنة ، والجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة ، وما دام هؤلاء قد دخلوا الجنة فقد حازوا مسمى الإيمان ، ولما كان هؤلاء آخر أهل الجنة دخولاً للجنة كان عندهم أدنى الإيمان الذي يأخذ به اسم الإيمان وحكمه وكان عندهم أصل الإيمان الذي أتاح له دخول الجنة ، لذلك ذهب الفقهاء إلى جمع هذه الأحاديث من كتب الصحاح والسنن وتتبعها والتوفيق بينها لبيان الحد الواضح لأدنى الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار ، وقد بينت هذه الأحاديث أن للشفاعة مراحل عدة : المرحلة الأولى :شفاعات المؤمنين وهذه  للمصلين يعرفونهم بأثر السجود فالنار لا تأكل  منهم أثر السجود ، والمرحلة الثانية : شفاعات الملائكة لمن بقي من المصلين لا يعرفهم المؤمنون فيخرجونهم أيضاً ويعرفونهم بأثر السجود ، والمرحلة الثالثة : شفاعات النبيين وهي ولا شك لمن كان حالهم أدنى وأسوأ من سابقيهم ممن أخرجهم المؤمنون والملائكة ، والمرحلة الرابعة : شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثلاث تنال آخرها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجهم من النار ، والمرحلة الأخيرة : وفيها يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل الشفاعة الرابعة له وهي في حق من اقتصر على قول لا إله إلا الله معتقداً لها مجردة عن الأعمال ، فيقـول الله عـز وجـل كما جاء في الحديث : (( لـيس ذاك إليـك وعزتي وكبريـائي وعظمـتي وجبريائي لأخرجـن مـن قال لا إله إلا الله ))  ، [ متفق عليه واللفظ لمسلم ] ، وما أخرجه البخاري– رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه وفيه : " يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار : بقيت شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا ، فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن ، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه )) [ صحيـح البخاري ك التوحيد باب / 24 ح 7439 ] ، وما أخرجه مسلم–  رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أيضاً وفيه : " فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومـاً لم يعملوا خـيراً قـط ,, يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه " [ صحيـح مسلم كتاب الإيمان باب 81 ح 302 ] ، فالشفاعة الرابعة تدل على خروج الأعمال عن حد إيمان أصحاب القبضة ويؤكد ذلك حديث مسلم رحمه الله : (( فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط ))[ مسلم : ح 302 ] ، فالحديث صريح الدلالة على أن إيمان أصحاب القبضة كان مجرداً عن الأعمال لقوله صلى الله عليه وسلم(( لم يعملوا خيراً قط )) وفيه نفي مؤكد بلفظ ( قط ) بمعنى لم يعملوا خيراً أبداً ، ويؤيد ذلك ويؤكده مجموع الأدلة المأخوذة من الأحاديث السابقة لهذا الحديث ، فكلها قد تضافرت على إثبات إيمان مجرد من الأعمال لأصحاب القبضة الذين هم أقل الخلق إيماناً وآخر أهل الجنة دخولاً ، وما أقوله من الاستدلال بهذه الأحاديث على هذا النحو ليس بدعاً من القول بل هو ما قاله العلماء منذ تعرضهم لشرح أحاديث الشفاعة والاستدلال بها ،  إذن حصيلة فقه المحققين الأئمة من علماء أهل السنّة لضبط باب الإيمان والكفر وفقه مسائلهما وأحكامهما ، ألا وهي :  الإيمان قول وعمل ,  والإيمان أصل وفرع والأصل قول وعمل والفرع قول وعمل , وعمل الأصل يختلف عن عمل الفرع ، فإن عمل الأصل هو عمل القلب من الانقياد والاذعان والتعظيم ، وعمل الفرع هو كافة أعمال الجوارح التي تدخل في مسمى الإيمان ، وعناصر أصل الإيمان في الشرع ثلاثة ( قول القلب وعمل القلب وإقرار اللسان ) وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان ,  فمما يدل على أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق : قوله عز وجل { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}[ البقرة : 8 - 9 ] ، وقوله جل شأنه : {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[ المنافقون : 1 ] ، ومما يدل على أنه لا يصح الإقرار والتصديق إلا بالانقياد القلبي : ما جاء في كتاب الله تعالى عن كفر إبليس الرجيم مع أنه يقيناً كان مصدقاً وإنما أتى كفره من قبل عدم الانقياد وليس من قبل التكذيب كما ذكر ذلك المولى تعالى في سورة البقرة بقوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [ البقرة : 34 ] وفي سورة الإسراء نجد قول الله تعالى : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 61 - 62 ] . في الآيات دلالة واضحة على أن كفر إبليس إنما هو لمعاندة أمر الله تعالى وليس لتكذيبه والمعاندة واضحة في قوله ( أأسجد لمن خلقت طيناً ) ، فهذا معاندة للأمر واستكبار عن اتباعه وليس هو من باب التكذيب أبداً  ، وفي سورة ص نجد قول الله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }[ ص : 71 - 85 ] . وفي هذه الآيات دلالات عديدة على تصديق إبليس وأنه إنما أتي من قبل انتفاء عمل القلب وهو انقياده وإذعانه لأمر الله ، وبالتالي استكباره عن طاعة الله وهذا هو كفر إبليس الحقيقي ، ومعصية إبليس لم تكن في ترك السجود وإلا فقد أكل آدم من الشجرة بعد أن نهاه الله تعالى عنها ولكنه عصى الله بجوارحه وقلبه منقاد لأمر الله يعلم أنه ما كان ينبغي له مخالفة أمر الله في شيء ولذلك لما تاب وأناب تاب الله تعالى عليه ، أما إبليس فلم يكن تركه للسجود معصية جارحة وإنما هو استكبار القلب وعناده وخلوه عن الانقياد لأمر الله فاستحق الكفر والرجم  ، ولو نظرنا إلى الآيات لوجدناه يخاطب الله عز وجــل بقوله " رب فأنظرني إلى يوم يبعثون " فهو مصدق بالله بربوبيته له وللعالمين أجمعين ، ولم يكن مكذباً بشيء من ذلك أبداً بل هو يحلف بعزة الله ويعلم أنها صفة جليلة للرحمن سبحانه فيقول " فبعزتك لأغوينهم أجمعين " ومن ذلك كله نعلم يقيناً أن التصديق المجرد لا ينفع بشيء حتى يضاف إليه انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لأمر الله  ، وعلى ذلك : فعناصر الأصل ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان (2)  قول القلب ( التصديق ) (3) عمل القلب ( الإنقياد ) ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب ، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار ، وهذه من أعظم ضوابط أهل السنة والجماعة في الباب ، ، وقد اتفقت المدارس المتخصصة في العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) بعلمائها وهم على مر عصور الإسلام سواد أهل العلم الأعظم ، على أن حد الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار هو قول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، ونسب غالبهم هذا التحديد إلى دلالات الكتاب والسنة وإلى قول السلف ويشيرون إلى أنه مذهب أهل الحق الفرقة الناجية ، قال الشافعي : (  الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو مـن الخلـود في النـار ويدخل الجنـة ) [نقله البدر العيني في كتابه عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ] ،   وقال الإمام النووي ( ت 676 هـ ) : " واتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ، ونطق بالشهادتين فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً " [ شرح مسلم ج1/2 11 ] ، وقال ابن حجر العسقلاني  :  السلف قالوا هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص  ، وخلاصة القول : عناصر أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان (2)  قول القلب ( التصديق ) (3) عمل القلب ( الانقياد والتعظيم ) ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب ، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار ، وهذه من أعظم ضوابط أهل السنة والجماعة في الباب ، 

[  خامسا  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم

[ 1 ] أنّ الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى ، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية ، والملة بالكلية ، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان ،  وإنما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم { بالكفر } ليدلنا على وخامة هذا الفعل وخطورة عاقبته التي قد تؤول بصاحبه إلي خذلان الله عز وجل له فيضرب على قلبه قبل الموت ، فيموت كافراً ، نسأل الله السلامة وحسن الختامة ، وليس بعد هذا التحذير النبوي البليغ من تحذير ، وليس بعد ترهيبه من هذا الفعـل مـن ترهيب ، إلا أن الكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية ،

[  2  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر ، ف ( الكفر الأكبر ) : هو الكفر المناقض لأصل الإيمان ( الإقرار والتصديق والانقياد ) ، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد الانقياد : فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق ، وكفر الجحود يضاد الإقرار ، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد ، وكفر الشك يضاد التصديق ، وكفر النفاق يضاد التصديق ، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق ، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر ، والكفر الأكبر  : يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فيجب تفريق زوجته المسلمة عنه ولا يحل لها البقاء تحت سلطانه ، ويجب تفريق أولاده القصر عنه لأنه لا يؤتمن عليهم ويخشى أن يؤثر عليم بكفره ، ويجب أن يحاكم إلى قضاء المسلمين وتقام عليه الحجة فإن تاب وإلا قتل رٍدّة ، إذا مات أو قتل رٍدّة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يورث كما أنه لا يرث إذا مات مورث له ، والكفر الأكبر يوجب الخلود الأبدي في النار ـ فصاحبه من أصحاب النار الذين لهم  الخلود الأبدي في النار فلا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا هم منها بمخرجين ، وهم في النار لا يجوز لهم شفاعة ولا تنفعهم شفاعة ولا هم تحت المشيئة بل هم أصحاب النار خالدون فيها أبداً وبئس المصير ، وأما ( الكفر دون الكفر الأكبر ) : وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر ، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان ، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة ، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان ، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وصاحب الكفر دون الكفر الأكبر مفرط في الإيمان الواجب من أصل الإيمان فهو يكاد ويوشك أن يقع فيما ينقض أصل الإيمان ، ومن أمثلة هذا الكفر قتل المسلمين وقتالهم لأنه قريب من اعتياد ذلك واستحلاله ، واستحلاله كفر أكبر ، ومن أمثلته النياحة على الميت لأنه قريب من اعتياد الاعتراض على قضاء الله وقدره ، والظن السيئ بالله ، وهو بذلك قريب من الكفر الأكبر ، ومن أمثلته تكفير المسلم لأخيه المسلم بغير وجه حق لأنه قريب إلى استحلال دمه وماله وعرضه بغير وجه حق ، وهكذا فكل ما حكم الشرع بكونه كفر دون كفر ، فهو دلالة على قربه من الكفر الأكبر وأنّ اعتياده طريق إلى الكفر الأكبر المضاد لأصل الإيمان والموجب للخلود الأبدي في النار ، " قلت " ، ومن أمثلته أيضاً عند جمهور السلف والخلف وغالب الفقهاء ترك الصلاة لأنّه قريب من اعتياد ذلك وجحوده فيختم لهم بسوء الخاتمة ، نسأل الله عز وجل التثبيت وحسن الخاتمة ، 

[  3  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الكفر الأكبر : كفر اعتقاد وجحود ، والكفر دون كفر : كفر عمل مجرد عن الاعتقاد  :  هذه القاعدة : ( الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً  أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله ) قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء ، فكل ما كان من الكفر  يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة ، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر  ، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف وسب الدين ، وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة ، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده ، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر ، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله ،

[  4  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة [ الإقرار – التصديق – الانقياد ]  ، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة ، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار ، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر : ومنه عدم الإقرار بالشهادتين أصلاً أو التلفظ بكلمة الكفر الناقضة للإقرار أو إقرار الكفر المناقض للإيمان أو جحود شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه  صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة ، ويدخل فيه سبّ الله أو سب رسوله أو دينه أو كتابه لأن ذلك ناقض لأصل الإقرار إذ الإقرار ينبئ عن التصديق والانقياد والسب ينبئ عن التكذيب أو الاستكبار أو كليهما ، ويدخل فيه أيضاً الاستهزاء بالله أو برسوله أو بدينه أو بكتابه إذ الإقرار ينبئ عن التعظيم والاحترام والاستهزاء ينبئ عن الاستخفاف وعدم الاحترام فلذا كان ناقضاً للإقرار ، وكل ما كان ناقضاً للتصديق فهو كفر أكبر : ومنه الشك وهو عدم التصديق الجازم بل التردد بين التصديق والتكذيب ومنه التكذيب ومنه النفاق وهو إظهار التصديق باللسان مع تبطن الكفر ، وكل ما كان ناقضاً للانقياد كان كفراً أكبر : ومنه العناد والكبر والإباء والاستكبار ، وكـل ما كـان مصاحبـاً بانتفـاء عناصـر الإيمـان الثلاثـة كـان كفـراً أكبـر ، ومنه كفر الجهل بجهل الإقرار والتصديق والانقياد ، وكفر الإعراض وهو الإعراض عن الإقرار والتصديق والانقياد والفرق بينهمـا أن الأول لم يسمـع بالرسالـة فهـو جاهـل والثاني سمع عنها فأعرض ، وهكذا فالكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها : كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب ، وأعمال الجوارح لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب ، وبعضها أقرب من بعض إلى أصل الإيمان ، وأقربها إلى أصل الإيمان إقامة الصلاة ، ولهذا غلّظ الشرع في تركها ووصف تاركها بالكفر وهو عند جمهور المحققين - وغيره من أعمال الجوارح من باب الأولى - داخل في إطار كفر دون كفر ، وصاحبه لا يخرج من الملة بالكلية وإن كان يُخشى عليه ذلك لكونه على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر ، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق ، فلا يخرج من الملة بالكلية ، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين ،

[  5  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه ،  وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب ،

[  6  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح ، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط : وهذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها علماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه ، فإنّ   المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة ، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً ، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها ، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين ، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار إبتداءً ، وله - أيضاً - كلام طيب ممتلئ حكمة يؤكد صحة هذه القاعدة ، ذكر في بدايته أن نفي الإيمان في كتاب الله يتناول نفي الإيمان الواجب وأن صاحبه وإن نفي عنه الإيمان الواجب إلاّ أن له اسم الإيمان وحكمه وما ذلك إلاّ لأنه لم يتول بالكلية عن الطاعة مادام قد أتى بطاعة الاعتقاد وبالتالي فهو في إطار الملة ولكنه من أهل الوعيد ،

[  7  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله ،  كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ، وقوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، من أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله ، فقد حكم بقبله بما أنزل الله ، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر ، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة ، ومن جحد حكم الله بقلبه ، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ولذلك اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم على التفصيل في المسألة ، قال حبر الأمة عبد الله بن عباس قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به فهو ظالم فاسق [ تفسير الطبري جـ6/257 ] ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، 

[  8  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ، ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب { جحد الصلاة } ، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة  ،  و كل ما قيل في مسألة ( ترك الحكم بما أنزل الله ) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر ، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة ، بل هو في مسألة ( تارك الصلاة ) أظهر وأولى ،  وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة ، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني ( حـ2/157 ) والنووي في المجموع ( حـ3/14 )  والشوكاني في نيل الأوطار ( حـ1/291 ) وهو  أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية لأن به يحصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن ، ومنه الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم : (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) وبين قوله – صلى الله عليه وسلم – (( خمس صلوات افترضهن الله على العباد … من أتى بهن … ومن لم يأت بهم لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة )) ولا يكون تحت المشيئة إلا مؤمن ، ولهذا قال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر : ( ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث ) ، انتهي ،

[  9  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ موالاة الكافرين على المؤمنين كفر لنص الشرع عليه ، قال تعالى : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ، ولكنه كفر أكبر إذا كانت الموالاة على دينهم ،  وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد والإقرار واقتصرت الموالاة على الظاهر ،  ودليله ما أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ،

[ 10 ] نستفيد مما سبق : أن من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى ، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية ، وأن من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر ، الكفر الأكبر  : يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما ( الكفر دون الكفر الأكبر ) : فهو داخل إطار الملة وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان ، وصاحيه له اسم الإيمان وحكمه ، وإن من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الكفر الأكبر : كفر اعتقاد وجحود ، والكفر دون كفر : كفر عمل مجرد عن الاعتقاد ، وأن نعلم أنّ الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة [ الإقرار – التصديق – الانقياد ]  ، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة ، وبالتالي لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة شهد بالشهادتين : مقرا لهما بلسانه ، معتقدا لهما بقلبه ، هذا المسلم : لا يجوز تكفيره الكفر الاكبر بعمل حتى يأتي على أصل إيمانه واعتقاده ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ،  إلى ها هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية هذا المقال عن فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر بغير إفراط ولا تفريط ، اللهم بصرنا بديننا يارب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

 

البصيرة في الدين -  فقه معاني الانتساب إلى دين الإسلام - للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين المسلمين

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، أهم ما تتطلبه الدعوة إلى الله وأهم ما يتطلبه العمل لدين الله تعالى ، هو البصيرة في الدين ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، ومن أهم جوانب البصيرة في دين الله عز وجل : فقه معاني الانتساب إلى دين الإسلام - للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين المسلمين ، أقول وبالله التوفيق :

إنّ أهم العلوم التي ينبغي اظهارها بين أهل الإسلام : ( علم معرفة إطار الإسلام ) للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين أهل القبلة ، ويمكن تحقيق ذلك من خلال : بيان تلك النقاط :

[ أولا ] أساسيات يجب أن يعرفها كل مسلم عن الإسلام ،

[ ثانيا ]  بيان من هو المسلم وما هو إطاره وما هي حقوق المسلم على أخيه المسلم ،

[ ثالثاً ] بيان قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات كل مسلم ،

[ رابعا ] قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين ،

[ خامسا ] معرفة الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ،

[ سادسا ] بيان أهمية الوحدة وعوامل التآلف والتكامل والتراحم بين أهل الإسلام ،

[ سابعا ] بيان ان المستقبل للإسلام والمسلمين ولوكره الكافرون والمشركون ،

****

[ أولا ] أساسيات يجب أن يعرفها كل مسلم عن الإسلام

[ 1 ]  إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، وهذا الدين يُطالب به الناس كافة ، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،  وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله ، لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ، وإذا كان هذا هو حال أهل الكتاب أنهم إذا سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به انهم كفار ، فغيرهم من عبدة الاوثان والاصنام أولى ،

[ 2 ]  الإسلام لغة هو الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة ، فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه فهو المسلم ، وبهذا المعنى نجد أنّه دين الأنبياء والمرسلين جميعا من لدن آدم وإلى رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الأنبياء إخوة من علات ، وأمهاتهم شتى ، ودينهم واحد )) [ أخرجه مسلم ] ، فالدين واحد ، هو الإسلام ، وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام ، وأول الرسل الكرام نوح عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى - على لسان نوح عليه السلام - : { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }  [ يونس : 72  ] ، وإبراهيم أبو الأنبياء  عليه السلام كان مسلما وجميع الأنبياء من بعده كانوا مسلمين ، قال تعالى : { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 130 إلى 133 ] ، وموسى عليه السلام كان مسلما ،  قال تعالى  : { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } [ يونس : 84 ] ، وعيسى عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ المائدة : 52 ]  ، فالدين واحد هو الإسلام وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام ، ودين الإسلام الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا واحد من حيث اتفاقه على عقيدة التوحيد وإفراد الله عز وجل بالإلهية والربوبية والعبودية والأسماء والصفات ، ولكنه يختلف سعة وشمولا وفق رسالة الرسول ويختلف تشريعا من رسول إلى أخر ، حتى وصل إلى منتهاه الأسمى وكمال الرباني الأعلى متمثلا في دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم الذي أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة ورضي دينه الذي جاء به من عند ربه عز وجل ، قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] ، ودين الإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة يعني الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والطاعة لله رب العالمين وحده لا شريك له ولا يكون ذلك الانقياد ولا تلك الطاعة إلا من طريق واحد هو طريق متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية إسلام الوجه له وحده ،  وهذا المعنى السابق لدين الإسلام يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،

[ 3 ] كل من جحد نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته بعدما بلغته ، فهو كافر ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ، وأهل الكتاب جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، ولذلك أجمعت الامة على انهم من الكافرين حقا ، فأما اليهود فقد آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد ، وأما النصارى فقد آمنوا بموسى وعيسى وكفروا بمحمد ، فأنزل الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } ، فوضحت الآية أن من يفرق بين رسل الله تعالى فيؤمن ببعض ويكفر ببعض أنه كما قال تعالى : {  أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } ، والناس كما أخبر القرآن الكريم قسمان مؤمن وكافر ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ التغابن : 2 ] ، وأدنى الكفار هم أهل الكتاب ، لأنهم أهل كتاب ، وهم كفار لجحدهم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وهم كفار لنسبتهم الولد إلى الله ، قال تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ التوبة : 30 ] ، وقال تعالى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ } [المائدة : 72 ] ، وهم كفار لقولهم بأن الله تعالى ثالث ثلاثة ، قال تعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ } [المائدة : 73 ] ، وكفرهم لا تتحمله السموات ولا الأرض ولا الجبال ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *  تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا }

[ 4 ] أهم خصائص دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم  سبعة :  ( أولها ) أنّه الدين الخاتم الذي ختمت به الرسالات جميعا والأديان جميعا ، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء لا نبي بعده وفي ذلك يقول الله تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [ الأحزاب : 40] ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ))   وأنا خاتم النبيين  )) [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، و ( الثاني ) أنّه إلى الناس كافة ، قال تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الاعراف ، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون )) [ أخرجه مسلم ]  ، و ( الثالث ) أنه إلى قيام الساعة ، لان النبي صلى الله عليه وسلم هو الخاتم ، ورسالته هي الخاتمة الصالحة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة ، قال تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28 ] ، فهو مرسل إلى كافة الناس منذ بعثته وإلى قيام الساعة ، و ( الرابع ) أنّه الدين الناسخ لما سبقه من الأديان والمهيمن عليه جميعا ، قال تعالى : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } [ المائدة : 48 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار)) [ أخرجه مسلم ] ، وهو دليل واضح على أن  أهل الكتاب فمن دونهم من الكفار والمشركين مطالبين بالدخول في دين الإسلام والالتزام بشريعته الناسخة المهيمنة على ما سبقها من الرسالات وإلا كان من أصحاب النار ، و ( الخامس ) أنّه محفوظ بحفظ الله عز وجل له إلى قيام الساعة ، فقد تكفل الله عز وجل بحفظ هذا الدين القيم ، وذلك بحفظ مصادره الأساسية القرآن والسنة ، فالقرآن الكريم : حفظه الله جل وعلا من أي تبديل أو تحريف أو زيادة أو نقصان ومن اعتقد غير ذلك خرج من دين الإسلام إلى الكفر ، قال تعالى { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت : 42 ] ، والسنة النبوية الشريفة : حفظها المولى تبارك وتعالى وسخر لها الجهابذة الحفاظ من العلماء النابغين الناقدين الذي أفنوا أعمارهم في حفظها وتمييز الثابت منها ونفي المردود عنها ، ووضعوا لذلك قواعد وضوابط تضبط قبول روايتها ، وحفظ السنة من لوازم حفظ القران فهي المبنية لمعاينة والمفصلة لمجملة والمتممة لأحكامه ، واتصال السند للسنة الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم دونما انقطاع خصيصة في خصائص الحفظ الإلهي لهذه السنة الشريفة وإعجاز إلهي في حفظ دينه جل وعلا حيث لم تعرف الأمم غيرنا سندا متصلا لأقوال أنبيائها ورسلها وإنها كانت أقوال وأخبار يرويها الأحبار والرهبان بالمعنى يزيدون فيها وينقصون ويحرفون يشترون بذلك ثمنا قليلا ، فلا غنى للقرآن من السنة وكلاهما محفوظ بحفظ الله تعالى لهما ، قال تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] ،  و ( السادس ) أنّه الدين الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه ، فإنّه لما كان دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الناسخ لما قبله من شرائع والرسالات وهو المهيمن عليها جميعا ، لذلك لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه السلام وإلى قيام الساعة دينا سواه ، قال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، ومن عبد الله عز وجل بغير شرع الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى وقد سمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم فعبادته مردودة عليه لا يقبلها الله عز وجل ، لان دينه هو الدين المعتبر عند الله عز وجل ، و ( السابع ) أنه دين كامل تام تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة ، يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة ، لا نقص في شيء من جوانبه ، قال تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل : 89 ] ،

[ 5 ] المسلم هو كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى : قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ،

[ 6 ] تعريف ( المسلم ) عند الفقهاء : هو كل من قال ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، والاعتقاد القلبي له ركنان ، ( قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة ، وعمل القلب ، وهو الانقياد القلبي لها ،  هذا المسلم : لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، ولما كان حال القلب لا يطلع عليه إلا الله ، فإن المسلم عندنا هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على أي مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[ 7 ] أصل الإسلام وبابه الاوحد هو الشهادة (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله ) ، هي باب الإسلام الأوحد ، وهي أعظم العلم بدين الله ، ولها في الشرع منزلة عظيمة ، أخرج مسلم عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنه قال (( أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله ، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك بهما إلاّ دخل الجنة )) ، وأخرج مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) ، ومن تدبر الحديثين عرف منزلة الشهادتين من دين الإسلام ، ومعنى شهادة (( أنّ لا إله إلا الله )) : أي أقر وأعترف وأجزم وأرى وأُوقن دون شك أو تردد أنّه ( لا إله إلا الله ) ، و ( الإله ) : هو الرب وهو المعبود وليس هناك في اللغة  كلمة تصلح لجميع معاني الكمال في الذات والكمال في الصفات والكمال في الأفعال والكمال في الربوبية بشتى خصائصها والكمال في استحقاق العبودية والتأله ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، وإذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، ليس له شريك في الملك ، جلّ عن أن تحيط به العقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، وأكبر من كل تصور ، فلا تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ومعنى شهادة ( أنّ محمداً رسول الله ) : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه ، من آمن به نجا ومن كفر به خاب وخسر ، قال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115] ،

[ 8 ]  مراتب دين الإسلام : مراتب الدين ثلاث : الأولى : مرتبة الظالم لنفسه ، وهي مرتبة ( الإسلام ) ، والثانية : مرتبة المقتصد ، وهي مرتبة ( الإيمان ) والثالثة : مرتبة السابق بالخيرات ، وهي مرتبة ( الإحسان ) : قال تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، ومن الآية نعلم : أن عباد الله الذين اصطفاهم الله تعالى واختارهم لدين الإسلام ثلاث مراتب تبدأ من الأدنى إلى الأعلى ، فالمرتبة الأولى ( الأدنى ) هي مرتبة الظالم لنفسه ، أي المقصر في بعض حقوق الله تعالى عليه ، والمرتبة الثانية هي مرتبة المقتصد وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات لا يزيد ولا ينقص ، والمرتبة الثالثة ( المرتبة الأعلى ) هي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله ، وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات ويزبد على ذلك بالتقرب إلى الله تعالى بالمندوبات والمستحبات ، وجميعهم ( أي أصحاب المراتب الثلاث ) داخل بحمد الله تعالى في الاصطفاء والاختيار لدين الله ، وأخرج مسلم في صحيحه عن الفاروق عمر رضي الله عنه  قال : (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر السفر و لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه و وضع كفّيه على فخذيه ، و قال : يا محمّد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله و أ نّ محمّدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا . قال صدقت . فعجبنا له يسأله ويصدقه ! ، قال : فأخبرني عن الإيمان ،قال : أن تؤمن بالله و ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و تؤمن بالقدر خيره و شرّه . قال : صدقت ، قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال : فأخبرني عن أماراتها . قال : أن تلد الأمة ربّتها و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان . ثم انطلق فلبثت مليا ، ثم قال : يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت الله و رسوله أعلم ، قال : إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم )) [ أخرجه مسلم ] ،   ونزول جبريل عليه السلام في هيئة رجل يراه الصحابة رضي الله عنهم ويجلس أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان بقصد تعليم المسلمين أمر دينهم ليس بالأمر الهين ، بل هو أمر عظيم يدل على أهمية ومنزلة هذه الأسئلة من دين الله عز وجل فقد اشتمل على بيان أصول الدين وقواعده ومراتبه , ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث :  ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) , فجعل ما في هذا الحديث بمنزلة الدين كله  ، والمستفاد من الحديث : أن مسمى مراتب الدين الثلاثة هي : الإسلام والإيمان والإحسان ، وأن هذه المراتب عظيمة جدًا تحيط بكافة جوانب الدين وعراه ، ويعلم من ذلك الحديث العظيم : أهمية معرفة المسلمين لتلك المراتب وأركانها وحدودها ، فعلى تلك المراتب وأركانها وحدودها يبنى الفهم الصحيح والعلم الراسخ لدين الإسلام ، ولولا أهمية العلم بتلك المراتب وأركانها وحدودها ومنزلتها من دين الله تعالى لما أرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصدقه ، والصحابة رضي الله عنهم يسمعون باهتمام ، وبعدما انصرف جبريل عليه السلام ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. ، فجعل صلى الله عليه وسلم تعليم الدين هو بمثابة معرفة تلك المراتب ومعرفة أركانها وحدودها ، وبين هذه المراتب ارتباط وثيق ، فدائرة الإسلام أوسع هذه الدوائر ، تليها دائرة الإيمان فالإحسان ، وبالتالي فإن كل محسن مؤمن ، وكل مؤمن مسلم ، والمسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين هذه المراتب الثلاث ، ( أ ) : [ صاحب مرتبة الإسلام ] : وهو الواقف على أركان الإسلام ولكنه يفرط في أداء بقية الفرائض والواجبات ويقع في الكبائر والمحرمات فهذا هو الظالم لنفسه ، ولكنه مسلم في دائرة الإسلام ،   وأركان المرتبة الأولى ( مرتبة الإسلام ) هي أركان الدين الخمسة الظاهرة الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، مَن أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلمًا حقاً ، مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حُكماً، فإذا دخل في الإسلام بذلك، أُلزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين ، خرج من الإسلام ، وهذه المرتبة إذا اقتصر المسلم عليها لا يتعداها ، صار ظالما لنفسه لأن في الدين واجبات أخرى ينبغي أن تؤدى سوى الأركان الخمس ، ( ب ) : [ صاحب مرتبة الإيمان ] : وهو المؤدي لما عليه من الأركان والفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها فهذا هو المقتصد ، وأركان المرتبة الثانية ( مرتبة الإيمان) هي ستة أركان : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقدر خيره وشره من الله تعالى وكل ركن منها يلزمه تصديق بالقلب وقول اللسان وعمل بالجوارح ، وذلك لأن الإيمان قول وعمل ، وعقيدة في القلب تصدقها الجوارح ، وهذه المرتبة هي ( مرتبة المقتصد) ، الذي يؤدي حق المرتبة السابقة ( أركان مرتبة الإسلام )  ثم يؤدي ما افترضه الله تعالى عليه من واجبات وينتهي عن الكبائر والمحرمات ، ( ت ) : [ صاحب مرتبة الإحسان ] : هو المؤدي لكل ما يقوم به المقتصد صاحب مرتبة الإيمان ولكنه يزيد على ذلك بالمسابقة بما ينال رضا الله عز وجل من الأعمال والأقوال والنوافل والمندوبات وبالتنزه عن المكروهات وبالتورع عن بعص الحلال خوفا من الوقوع في الشبهات ، وبالسير في طريق إحسان العمل وإخلاصه التام لله رب العالمين، وهذا هو السابق بالخيرات بإذن الله ،  وهذه المرتبة الثالثة العالية هي أعلى مراتب الدين وأشرفها ، فقد اختص الله أهلها بالعناية ، وأيدهم بالنصر ، قال عز وجل : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل : 128 ] ، وهي درجات عظيمة وأحوال مهيبة ومقامات عديدة ومنازل عالية ، أولها : المراقبة (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، وأعلاها : اليقين والشهادة ((  فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، ( ث ) : المسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين هذه المراتب الثلاث ، لكن ينبغي التنبه إلى أمور : ( الأمر الأول )  : خطورة التقصير في حق المرتبة الأولى ( مرتبة الإسلام الظاهر) وذلك بالتقصير في ركن من أركانها لأنه بتلك الأركان يوزن إسلام المرء فهي العلامات الظاهرة التي تشير إلى إسلام الفرد وإسلام المجتمعات ، وبها يقاس قرب العبد وبعده عن دين الإسلام ، فالحذر كل الحذر من التهاون في تحقيق أركان تلك المرتبة التي هي أدنى المراتب وإلا لكان المقصر فيها والمتهاون في تحقيقها على شفا حفرة من الخطر الجسيم ، ( الأمر الثاني )  : خطورة أن يدعي المسلم مرتبة ليست له أو لم يستوف أركانها وحدودها وإذا كان الله عز وجل قد نهانا أن نزكي أنفسنا بما هو فينا لمجرد التزكية فإن النهي أشد وأعظم عندما نزكي أنفسنا بما لا نستحقه ، قال تعالى { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، فقد ذم الله عز وجل أولئك الذين ادعوا مرتبة الإيمان ولم يقوموا بحقوقها ، والصحابة رضي الله عنهم مع أنهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين ومع أنهم أئمة المحسنين والمقربين والسابقين بالخيرات بإذن الله إلا أنهم كانوا يتحرجون من ادعاء الإيمان مخافة تزكية النفس ، فكان أكثرهم يقول إني مسلم أو إني مؤمن إن شاء الله وذلك لا شكا في الإيمان حاش لله فهم أرسخ الناس إيمانا وأعمقهم يقينا في الله ولكنه تواضعا لله وخوفا من عاقبة الأمور كما وصفهم الله تعالى بقوله : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } ، فالأمور والأعمال  بخواتيمها والله عز وجل أعلم بالعواقب ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون نسأل الله حسن الخاتمة ،  ولذلك :  يجب على المسلم أن يقول إني مسلم معتزا بإسلامه لله وحده ، والأفضل له عند ذكر الإيمان أن يقول إني مؤمن إن شاء الله لأنه قد لا يكون استكمل واجبات وحدود مرتبة الإيمان فيكون كمن ادعى ما ليس له ، وإن استكمل حدود المرتبة فهو لا يدري الخاتمة والأعمال بخواتيمها  ، ( الأمر الثالث ) : لا يحق لمسلم أن يقول إني محسن يقصد بذلك بلوغه الإحسان لان ذلك لا شك تزكية للنفس والله عز وجل ينهى عن ذلك قال تعالى : {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }  ولأن مرتبة الإحسان مرتبة عظيمة لا يصل إليها إلا أقل القليل ،

[ 9 ]  نواقض دين الإسلام : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وهذه النواقض تكاد تجتمع في أربعة نواقض رئيسية هي : الشرك الأكبر : وهو اعتقاد وجود آلهة مع الله تُصرف لها مفردات الربوبية والعبودية أو أي منها ، والكفر الأكبر : بإنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، والنفاق الاعتقادي : بإظهار الإسلام وإبطان الكفر ، والردة بعد الإسلام : وذلك يكون بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم ، أو الطعن في رسالته صلى الله عليه وسلم ، أو في شيء منها ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ، ومن أتى بناقض فعليه أن يأتي بالشهادة مع التوبة مما كان سببا في الحكم عليه بالردة ، مع العلم بأن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، والمسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، ولا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، ولا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه ، لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من اهل الإسلام ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ، ويجب ترجيـح جانب حسـن الظـن بكل مسلم ، وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ، وترك ألف كافر بشبهة أهون من تكفير مسلم واحد بمجرد شبهه لا تبلغ حد اليقين ،

***

[ ثانيا ]  بيان من هو المسلم ، وما هي حقوق المسلم على أخيه المسلم

[ 1 ]  المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، والاعتقاد القلبي له ركنان ، ( قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة ، وعمل القلب ، وهو الانقياد القلبي لها ،  هذا المسلم : لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، ولما كان حال القلب لا يطلع عليه إلا الله ، فإن المسلم عندنا هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  ونواقض الشهادتين : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وتتمثل في : إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، أو الطعن في دين الله تعالى أو شيء منه ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ، والتكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، والمسلم هو كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ،

[ 2 ] المسلمون أمة واحدة من دون الأمم ،  هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [ النساء : 150 إلى 152 ] ، نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، والكفار والمشركون هم شر البرية ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 6 ] ،

[  3  ] الأصل بين المسلمين هو وحدة التآلف والتكامل والتراحم ، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين ، قال تعالى { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون : 52 ] ،  وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 102 ، 103 ] ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقال تعالى :  { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ]  ،  ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الواردة في هذا الأمر : قوله صلى الله عليه وسلم ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) [ متفق عليه ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )  [ أخرجه مسلم  ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أخُو المُسْلم : لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، التَّقْوَى هاهُنَا - ويشير إِلَى صدره ثلاث مرات - بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ أخرجه مسلم ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا ، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة ، ومن سَتَر على مسلم ، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه )) [ أخرجه مسلم ] ،

[  4  ]  وقد وضح الشرع الحكيم حقوق المسلم على المسلم ، روى البخاري (1240) ومسلم (2162) عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ : رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ  ) [ متفق عليه ] ، ورواه مسلم (2162) أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ ) قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ : قَالَ ( إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ  ) [ أخرجه مسلم ] ، وروى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِم سِتّ بِالْمَعْرُوفِ : يُسَلِّم عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ , وَيُجِيبهُ إِذَا دَعَاهُ , وَيُشَمِّتهُ إِذَا عَطَسَ وَيَعُودهُ إِذَا مَرِضَ وَيَتْبَع جَنَازَته إِذَا مَاتَ , وَيُحِبّ لَهُ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ  )) [ أخرجه الترمذي ] ، وروى الإمام أحمد في ( المسند:ج2ص224ر7086) ، قال النبي صلى الله عليه و سلم : (( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه )) [ وصححه الأرنؤوط ] ، وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة في (ج2ص379ر8918) عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم )) [ قال الأرنؤوط : إسناده قوي وقال الألباني: حسن صحيح ] ، وروى الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب  )) [ وصححه الأرنؤوط ] ، هذا هو المسلم ، وهذه بعض حقوق المسلم على أخيه المسلم ،

***

[ ثالثاً ] بيان قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات كل مسلم

[ القاعدة الأولى ] : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر لما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) [ أخرجه مسلم ] ، صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال ( لا إله إلا الله ) إلاّ تقية وهرباً من القتل ، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : (( بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم  ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً  ، قال ، فقال : (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم ))  [ صحيح مسلم ] ، وفي رواية أخرى عند مسلم : قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم  : أقتلته ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ، قال : يا رسول الله ! استغفر لي ، قال : وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟  قال : فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله )) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،  ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين ، أنه يفعل ما يشاء ،  فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها ، مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ،

[ القاعدة الثانية ] : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ،  لما جاء في حديث الشفاعة ، وفيه : (( ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ متفق عليه ]  ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان )) [ أخرجه البخاري] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة ))[ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر  رضي الله عنه: (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة ، فقال أبو ذر : وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سـرق ، ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) [ أخرجه مسلم ] ،

[ القاعدة الثالثة ] : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[ القاعدة الرابعة ] : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره ، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية ، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء ، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة : ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي   صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل ] ، ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ،

[ القاعدة الخامسة ] : العذر بالجهل يمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، لقد جعلت الشريعة أعذارا شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، من أهمها العذر بالجهل ، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول ، لقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] ، وقوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] ، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل ، إذ لم يسمع بالدليل ، والدليل على عذره  : قوله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] ، والمعنى : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان ، وقوله تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[ النساء : 115 ] ، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416 ] ، والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه ,

[ القاعدة السادسة ] العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة  ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة ، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ،  وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] ، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، وحديث مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما لحق رجلاً من المشركين ـ كان قد أثخن على المسلمين فلما تمكن منه  قال ( لا إله إلاّ الله ) ، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وسلم  أسامه رضي الله عنه بتأويله ، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة  ، والحديث أخرجه البخاري ،  ولذلك فإن جماهير أهل الفقه والأصول على الاعذار بالتأويل ، ويستدلون لذلك بالأدلة السابقة ، وأدلة أخرى منها : ( أ ) عدم تكفير الصحابة ومن بعدهم للخوارج الذين هم أكثر من تأول النصوص واستحلوا أشد المحرمات القطعية وهو قتل المسلمين وذلك بتأويل منهم ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن علياً الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما دفع بغيهم ، ( ب )  عدم تكفير عبد الرحمن بن ملجم مستحل قتل علي وقاتله ، فقد أوصى علي بالقصاص منه ولم يتحدث عن ردته أو قتله لكفره  ، ( ت )  عدم تكفير قدامة بن مظعون وأبو جندل بن سهيل وضرار بن الخطاب ، وهم من الصحابة قد شربوا الخمر مستحلين لها بتأويل ، لذلك أقام عليهم عمر عقوبة الشرب ولم يحكم عليهم بالردة  ،

[ القاعدة السابعة ] : لا يجوز التكفير بلازم المذهب :  فلا يحكم على اصحاب المذاهب بالكفر بناء على ما يلزم عن كلامهم ويترتب عليه لا سيما إن كانوا ينفونه ، فلا يجوز تكفير المجسمة لأنهم عبدوا جسماً ، وهو غير الله فهم عابدون لغير الله ، ومن عبد غير الله كفر ، ولا يجوز تكفير المعتزلة لأنهم وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات ويلزم من إنكار الصفات إنكار أحكامها ، ومن أنكر أحكامها فهو كافر ،  فإننا لو عاملنا كل مبتدع بلازم قوله كفرنا كل مبتدع ، وفي هذا من الغلو ما فيه ، والصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من علماء المسلمين لم يكفروا الخوارج الذين قتلوا المسلمين وانتهكوا محارمهم ، مع ان لازم قولهم استحلال قتل المسلمين ، ومن استحل المحرمات كفر ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن علياً رضي الله عنه الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما اكتفى بدفع بغيهم ،

[ القاعدة الثامنة ] العذر بالإكراه نص عليه القرآن الكريم ، قال تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] ، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك ،

[ القاعدة التاسعة ] : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير ، قال تعالى  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون ، وتقوم عليهم الحجة بذلك ، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[ المائدة : 93 ] ، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : ( الضابط الأول ) : الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] ، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، لقوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] ، وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، و ( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه ، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً ، عاقلاً ، عالماً بأن فعله مكفر ، متعمداً قاصداً لفعله ، مختاراً له بإرادته ، والقسم الثاني : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، و القسم ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع ، و ( الضابط الثالث ) : فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره ، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم ،

[ القاعدة العاشرة ] : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ،  لا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير ، وانتفاء موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة ، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   أن نحكم عليها بأنها في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

***

[ رابعا ] قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين

[ 1 ] : الإسلام دين الله تعالى على الأرض ، ولا يقبل الله تعالى من العباد بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة دينا سواه ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }   ، هذا الدين يُطالب به الناس كافة ، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،  وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله ، لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وبينت انهم كافرون حقا ، لا مراء في كفرهم لجحدهم نبوة النبي ورسالته ، وإذا تعلقت بأهل الكتاب فهي في حق غيرهم أولى ، قال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ،

[  2  ]  المسلمون هم المؤمنون بالله ورسوله ، وهم جميعا داخلون في الاصطفاء ، لقوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، وجميعهم مآلهم  إلى رضوان الله تعالى وجنته ، وإن لبث بعض العصاة منهم أحقابا في النار  ، لكونهم مسلمون ، ومن عداهم كافرون مخلدون في نار جهنم ، وأمة الإسلام خير الأمم وأكرمها على الله عز وجل ، قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [ آل عمران : 110 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ )) [ أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ )) [ أخرجه أحمد ] ،و ( المسلم ) : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : معتقدا لها ، مصدقا لها بلسانه ، ومنقادا لها بقلبه ، وهذا المسلم ، لا يخرج من الإسلام  بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[ 3 ] : المسلمون – كل المسلمين - أمة واحدة من دون الأمم ، هم – وحدهم - المؤمنون بالله ورسوله ، لذا يجب فيما بينهم الولاء العام على الإسلام ، والاجتماع على أركانه وأصوله ، والمحبة العامة على الإسلام ، كما يجب عليهم التآلف والتكامل فيما بينهم ، وأن يكون ولاؤهم فيما بينهم تجمعهم وحدة الإسلام والقرآن ، وأن يكونوا أمة واحدة من دون الناس جميعا ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، فالفتنة في الأرض والفساد الكبير هما آثار فرقة المسلمين وعدم وجود الولاء العام فيما بين جميع المسلمين ،

[  4  ] المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  ونواقض الشهادتين : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وتتمثل في : إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، أو الطعن في دين الله تعالى أو شيء منه ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ،

[  5  ] المسلم : لا يجوز تكفيره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا لازم القول ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، المسلم هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، والتكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[  6  ] : افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده ، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ،

[ 7 ] : أهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم : وأبرز رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة  : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، وبدعة الإرجاء ، وبدعة التجهم ، ومع ذلك : فأهل هذه البدع الضالة مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم ، ويجب أن يعم الولاء العام بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه ] ، وأهل الفرق الضالة لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام ، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ، وجميعهم داخلون في الاصطفاء والاجتباء وهم أهل الإسلام ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،

[  8  ] : خطورة تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ، والتسرع في التكفير صفة أهل الضلال ، وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها ، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع :  (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ،  ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد )) [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله علية وسلم : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقتل المسلم أهون من تكفيره ، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93 ] ،

[ 9 ] لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ،

[  10  ] : لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين ، قال تعالى :  { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ،  وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الانفال : 73 ] ،  وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن ، فقال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 55-56 ] , وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، قال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس ،  وأنهم أمة واحدة من دون الأمم ،

[ 11 ] الذي تتفق عليه الامة أكبر بكثير مما تختلف عليه ، فينبغي الالتقاء على الأصول التي لا خلاف عليها من أركان الدين ومحكماته ،  دون ما تختلف فيه لتضييق فجوة الخلاف بينهم ، فالمسلمون جميعا يؤمنون بإلٰه واحد ، ويتبعون نبيّاً واحداً ، ويتمسكون بكتاب واحد ويحجون بيتاً واحداً ويستقبلون قبلة واحدة، وقد اتفقوا على أركان الإسلام جميعاً ، وقد اتفقوا على أركان العبادات من الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وقد اتفقوا على وجوب طاعة الله ورسوله ، وهذه هي أصول الدين ومحكماته   ، ومعنى ذلك أن أصول ما يتفق عليه المسلمون أكثر بكثير مما يختلفون فيه ، وبعد تلك الأصول تبقى جزئيات محل اجتهاد ، والاجتهاد ما كان قائما على شروطه ، فالمجتهد لا يحرم الأجر ، ما كان مؤهلا للاجتهاد صادقا في طلب الحق ،

[  12  ] قضايا ومسائل الخلاف لا تطرح على العوام لأنها تبلبل أفكارهم ولا يستوعبوا أبعادها ، وإنما تطرح على بساط البحث بين العلماء ، في مجالات التخصص العلمي ومؤسساته وجامعاته ، والمدقق في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان يدعو الناس إلى أصول الدين ومحكماته ، من الالتزام المجمل بدين الله تعالى ، ومن الإيمان بالله وإسلام الوجه لله ، والإحسان في دين الله ، وكان يكتفي من المسلم بالشهادتين والتزام ما تقتضيانه عقيدة وعملاً  ، ولم يكن يشغل الصحابة وهم أنصع الناس فطرة بأي من المسائل الخلافية التي تشغل عن العمل وتعطل عن الانطلاق لنصرة دين الله تعالى ،

[ 13 ] لابد من أجل تقنين الاختلاف ، أن يمتنع التكفير والتبديع والتضليل إلا وفق ضوابط دقيقة ، لا يقوم بها إلا العلماء ،  مع تفادى التجريح ، والالتزام بأدب الإسلام في معاملة المسلم ، وتبني مناهج معتدلة تدعو إلى الوحدة والوئام ، والولاء العام لكل المسلمين ،

[  14  ]  ينبغي طي صفحة الماضي في تاريخ الأمُة ،  بحيث لا تنبش الفتن التي نجمت في القرن الأول مهما تأتى ذلك ، فإن الماضي لا يدرك ، وقد مضى فلا معنى لاجترار أحداثه ، وهل يورث ذلك إلا تعميق الجراح وتنفير القلوب وإيغار الصدور ؟ وقد أرشدنا إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ البقرة : ١٣٤  ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ الحشر : 10 ] ، والحاضر والمستقبل للأمة يحمل تحديات تفوق الوصف ، فلا مجال ولا وقت لاجترار أحداث الماضي ، وإن دعت الضرورة لبحث ذلك الماضي فإنه يجب أن يكون في مجالس البحث العلمي المتخصصة ، بطريقة منصفة عادلة لا تخضع لما عند طائفة من المواريث الفكرية ، وإنما يحكم فيها القرآن لأنه محل إجماع الجميع ،

[  15  ] يجب أن لا تنزل الأدلة الظنية ( سواء أكانت ظنية الثبوت أو الدلالة ) ، مكان الأدلة القطعية ( قطعية الثبوت والدلالة معا ) فإن البون شاسع بين هذين النوعين من الأدلة، فمن خالف الدليل القطعي ثبوتا ودلالة هلك ، أما الظني فلا يهلك من خالفه إن كان في خلافه غير متبع لهواه، وإنما ترجح عنده دليل آخر تصوره أقوى منه ، وأهل العلم بالأصول قالوا : في العام بأنه:  ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن وذلك لكثرة ما يرد عليه من التخصيص ، وجميع الأحكام والقضايا التي لم تثبت بالنص القطعي ثبوتا ودلالة لا يصح أن تجعل مفصالا بين الحق والباطل ، بل يتسع فيها الإعذار ، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم ،  لأن مخالفة القطعي ثبوتا ودلالة فقط هو الموجب للكفر المخرج من الملة ، ولا يوجد مثل ذلك إلا في المعلوم من الدين بالضرورة ، وهذا يتفق عليه جميع المسلمين ،  ثم حتى لو حدث ذلك فهناك موجبات درء التكفير بشبهات الجهل والتأويل ، ومن تدبر الأمر وجد سعة لا سيما في القضايا الظنية وهي أكثر قضايا الخلاف في الأمة ، وهذا يعني ضرورة التسامح بين الأُمة فيما اختلفوا فيه من الأمور الفرعية التي ثبتت بالأدلة الظنية ، سواء من جهة الثبوت او الدلالة ، وبعد فتلك بعض قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين التي تمنع من وقوع سيف التكفير فيما بينهم ، فإذا أضفنا إليها ، قواعد الشريعة العامة التي تحفظ دم المسلم وعرضه وماله ، وضوابط للتكفير بين صفوف الأمة ، والهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، يمتنع الغلو في التكفير ، ويتقنن الخلاف في إطار الحوار ، بعيدا عن استحلال الدماء والأموال والأعراض ، اللهم ألف بين قلوب المسلمين ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهم ، وَاهْدِهم سُبُلَ السَّلَامِ ، يا رب العالمين ،

***

[ خامساً ] :  الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة

[ 1 ]  الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد ، إذ ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات ،

[ 2 ]  أحكام فقهية تتعلق بالمبتدع : ( أ ) ( مسألة تكفير المبتدع ) : لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها : ( الشرط الأول ) : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، ( الشرط الثاني ) : أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه ، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين ، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة : أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه ، ( الشرط الثالث ) : قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء ، ( ب ) ( مسالة قتل المبتدع ) : الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله ، وفي الحديث (( لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث : - الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة )) ،  وقد قال الله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً ) ، وقال العلماء في شرحه  : الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره , والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول ، ( ت ) ( مسألة بغض المبتدع ) : يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة ، والمبتدع مسلم ، نحبه لإسلامه , ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة , نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان , ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار , ( ث ) ( مسألة معاداة أهل البدع ) : المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم ،  وندعو لهم بالهداية ، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان ، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين ،  ( ج ) (  مسألة البراءة من أهل البدع ) : تجب البراءة من البدعة نفسها , والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته ، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء ، ( ح ) ( مسألة الصلاة على أهل البدع ) : الأصل أن المبتدع الذي بقي معه أصل الإسلام يصلى عليه , لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن ,  ( خ ) ( مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة ) : المبتدع يدعى له ويستغفر له , لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه , فيدعى ويستغفر له , بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة , ( د ) (  مسألة السلام على أهل البدع  ) : الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه ، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه , وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا , لأنهم مسلمون ، وإذا  كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز ، ( ذ ) (  مسالة هجر المبتدع ) : يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر ، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر, لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته, وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية , فإن كان لا يحققها فلا يشرع ,  ( ر ) ( مسألة الصلاة خلف المبتدع ) : تصح الصلاة خلفه , وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون : القرآن مخلوق , ( ز ) ( مسألة حكم غيبة المبتدع ) : الأدلة من الكتاب والسنة حرمت غيبة المسلم كما قال تعالى { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره  )) فالأصل هو تحريم غيبة المسلم , ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته ، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته , والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها ،  ( س ) ( مسالة مجالسة أهل البدع ) : جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة ،  وكلها محمولة على أتباع الفرق الضالة الداعين إليها ، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة ، ومحمولة على العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب اهل الحق ، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة ، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك بل هو من باب الجهاد بالكلمة لإظهار الحق ,  كان هذا ما تيسر في بيان الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، أمّا ما يفعله المغالون اليوم من استحلال دماء وحرمات أهل البدع من المسلمين فإنه من الغلو المقيت الذي يعود على صاحبه بالهلاك ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( هلك المتنطعون ، قالها ثلاثا )) [ أخرجه مسلم ] ،  إلى هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية ما يتعلق بالعلم الثاني ( علم معرفة إطار أهل الإسلام وحقوق اهل القبلة ) ، وللحديث بقية فيما يتعلق بعلم الإيمان ومعرفة ضوابط تكفير المسلم ،

***

[ سادسا ] بيان أهمية الوحدة وعوامل التآلف والتكامل والتراحم بين أهل الإسلام

[ 1 ] نقاط الالتقاء والتفاهم بين الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها ، ونقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا ، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر في الانتماء إلى الإسلام ،  نقاط الالتقاء كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها ، الدين واحد والإله واحد والرسول واحد والقرآن واحد ، وشهادة الانتساب إلى الدين واحدة : (( شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه )) ، وأركان الدين واحدة والعبادات واحدة ، العدو المشترك لها واحد ، هذه بعض أصول الوحدة ونقاط الالتقاء ، أما نقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا ، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر ، وبعضها يقوم على نصوص ظنية الدلالة ، وكل ما هو ظني فإنما يخضع للاجتهاد ، والقاعدة في الاجتهاد هي حديث النبي (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر  ))  [ متفق عليه ] ، فلا يصح أن يكون مجال الاجتهاد سببا للتفرقة والمبادرة إلى سل سيف التكفير لمن أخطأ،  تكمن المشكلة في أن البعض من المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع يتركون نقاط الاتفاق ، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق ، وينسون مواطن‏ الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام ،

[ 2 ]  إنّ عوامل الوحدة والتكامل بين صفوف الأمة الإسلامية أكثر من أن نعددها ، وهي أصول الدين وأسسه وتكفي لبناء أعظم أمة وأقوى وحدة ، ومن ذلك : ( العامل الاول ) : الأمة دينها واحد هو الإسلام ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  } ، وقد تفضل اللّه على المسلمين بإتمام النعمة وإكمال الدين، وهو الأساس، فلا داعي للابتعاد عنه بسبب الخلاف في ‏الفروع ، قال اللّه تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا } ، وجاءت النصوص القرآنية تؤكد ضرورة الالتقاء على أصول الدين، فقال اللّه تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه حق ‏تقاته، ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا } ، ، و قال تعالى :  { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ،  و ( العامل الثاني )  : الأمة إلهها واحد وربها واحد ومعبودها واحد ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، وقال تعالى : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ  } ، وقال تعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  } ، والمسلمون جميعاً يؤمنون باللَّه الرحمن الرحيم الواحد الأحد الفرد الصمد ، ويقدسونه وينزهونه وينفون عنه الشبيه والند والمثيل ، والصاحبة والوالد والولد ،  {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ،  و ( العامل الثالث )  : الأمة رسولها واحد ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : والمسلمون جميعاً يؤمنون به رسولاً ونبياً أرسله اللَّه تعالى، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي من بعده ، وهو صاحب الشفاعة يوم الدين ، معصوم عن الخطأ في تبليغ رسالة ربه ، وقد بلَّغ ما أمر به بلاغاً تاماً ، قال تعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  } ، وقال تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } ،  و ( العامل الرابع )  : الأمة قرآنها واحد ، القرآن الكريم : وهو كتاب اللَّه تعالى المنزل على محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  بواسطة جبريل عليه السلام ، بلسان عربي مبين ، المتعبد بتلاوته، المحفوظ من التحريف والتبديل ، المبدوء بالفاتحة، المختوم بسورة الناس، الموجود بين دفتي المصحف وصلنا متواتراً كما أُنزل على النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ،،لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،  قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ، والمسلمون جميعاً على الإيمان بذلك كله ،  و ( العامل الخامس )  : الأمة قبلتها واحدة : وهي الكعبة المشرفة بمكة المكرمة، وتسمى البيت الحرام، فالمسلمون جميعاً يتوجهون إليها في صلاتهم عملاً بقول اللَّه تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ، وهي أول بيت وضع للناس ، قال تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً، وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر فإن اللَّه غني عن العالمين  } ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، و ( العامل السادس )  : الأمة جميعا عندها شهادة الانتساب إلى الدين واحدة : وهي ، ( شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه ) ، ويجب النطق بها للدخول في الإسلام لمن لم يكن مسلماً ،  والمسلمون، بمختلف مذاهبهم، في الماضي والحاضر ، على أنها أصل الدين وبابه الاوحد ، ومتفقون على أنه لا يجزئ عنها شيء سواها ، ومتفقون على أنه لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ كان من أهل الجنة ، و ( العامل السابع )  : أمة الإسلام جميعهم متفقون على أركان الإيمان ، من إيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر ، و متفقون على أركان الإسلام ، وأركان الإسلام عندهم واحدة ، إنها شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا من المسلمون ، وبحمد الله الأمة عباداتها واحدة ، ( الصلاة ) ، فلا خلاف حول الصلاة المفروضة وعدد ركعاتها ولا حول ركوعها وسجودها وبقية أركانها ، ب- والصيام ، في شهر رمضان حيث يجمع المسلمون على صيام نهاره طيلة أيامه ، ج-  والزكاة، وهي النصيب الذي فرضه اللَّه للفقراء في أموال الأغنياء ، يتفق عليه جميع المسلمين ، والنصاب واحد عند جميع الفرق والمذاهب الإسلامية ، د- والحج، يجتمع المسلمون – كل المسلمين – في زمان واحد هو أشهر الحج ، وفي مكان واحد مكة المكرمة بزي واحد لأداء مناسك واحدة ،  و ( العامل الثامن )  : الأمة جميعا لها مصادر تشريع واحدة ، تتمثل في طاعة الله ورسوله ، قال تعالى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ، لقد توافرت للأمة الإسلامية ‏ وحدة التشريع، بما حفظه اللّه لها في مصدريها الأصليين، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وحتى المصادر الأخرى الاجتهادية ، فهي متقاربة ، والحلال في شرع الإسلام بين ، والحرام‏ بين ، والفرائض معلومة والواجبات معروفة  ، والمنهيات واضحة والكبائر يعلمها الصغير والكبير من المسلمين ،  و ( العامل التاسع )  : الأمة جميعا  لها انتماء واحد ، هو أنها أمة الإسلام ، ، قال تعالى { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون : 52 ] ،  والمسلمون، في أنحاء العالم ، من جميع الاجناس والألوان واللغات ، ينتمون لأمة واحدة ، دينها واحد وعقيدتها واحدة ، صهر الإسلام الجميع في بوتقة واحدة هي الانتماء للأمة الإسلامية ، ذات التاريخ الواحد، والرابطة الواحدة ، قال تعالى : { إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا اللّه لعلكم ترحمون }  ، و قال صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ،  و ( العامل العاشر )  : الأمة جميعا  أمامها عدو واحد مشترك : هو الكفر وأهله ، قال تعالى { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، الذين كفروا يوالي بعضهم بعضا في حرب الاسلام وأهله بالتنسيق فيما بينهم فهم على دين الاسلام وجربه أولياء ،  والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم ، هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والكفر ملة واحدة ، والكفار يوالى بعضهم بعضا على المسلمين ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، وقال تعالى : {  وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } [ البقرة : 120 ] ، ولهذا نهى الله تعالى الأمة عن موالاة هؤلاء ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ، وقال تعالى : { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ]  فإن لم يوال أهل الإسلام بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا ويعاون بعضهم بعضا ستحدث الفتنة والفساد الكبير ، والأمة جميعا أمامها عدو واحد مشترك : هو الكفر وأهله ، ولابد من الوحدة والتكامل من اجل مواجهة أخطاره ، إذن هذه عشرة عوامل تشكل إطار الوحدة ، ونقاط الالتقاء والتفاهم بين جميع الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية ، والعناصر التي تشكل عامل فرقة وانقسام إنما تطال الفروع لا الأصول ،  و المشكلة تكمن في أن البعض من المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع يتركون نقاط الاتفاق ، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق ، وينسون مواطن‏ الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام ، مع أن تلك الخلافات ليست خلافات في الجوهر والأصول : وإنما هي خلافات في الجزئيات‏ والفروع ، ودائرة الخلاف فيها تضيق بحق إذا حسنت النية، وتحقق التفاهم، وإذا كان الخلاف الاجتهادي بين أهل الاجتهاد محمودا، فان‏ التعصب المقيت ، والتورط في التكفير هو طامة الامة ، ومشكلة الأمة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ))   [ أخرجه مسلم ] ، إذن الخوف على الأمة يتمثل في الفرقة والاختلاف والعداوة والبغضاء بين المسلمين ، فيقع التكفير والسيف بينهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ،

***

[ سابعا ] بيان ان المستقبل للإسلام والمسلمين ولو كره الكافرون والمشركون

كتب الله تعالى لدينه الظهور ولو كره الكافرون والمشركون ، قال تعالى : { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } [ غافر:51 ]  ، و قال تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ النور:55 ] ، و قال تعالى : { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم:47 ] ،  و قال تعالى : { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ الصف:13 ] ، وقال تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة : 32 ، 33 ] ، و قال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 8 ، 9 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر ))   ، [ أخرجه أحمد والحاكم ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِىَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِى سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِى مِنْهَا )) [رواه مسلم (8 / 171 ) ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ )) [رواه مسلم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِى الأَرْضِ؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِى الآخِرَةِ نَصِيبٌ )) [ أخرجه أحمد في مسنده ، وقال الهيثمي ورجال أحمد رجال الصحيح ، وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ] ، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم  المسلمين بفتح قسطنطينية وروميه ، أخرج أحمد  والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : (( بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولاً ، يعني قسطنطينية )) ،  وقد فتحت قسطنطينية بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح ، وسيتحقق الفتح الثاني ولا بد  ،  كما بشر صلى الله عليه وسلم  بالنصر على اليهود ،  قال صلى الله عليه وسلم: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ )) [ أخرجه مسلم ] ،  ولا تقوم الساعة حتى يظهر المهدي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم: (( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً )) [ أخرجه أحمد في مسنده (1/376)  وأبو داود في سننه (4282) والترمذي في جامعه (2231) ] ،  ولا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى عليه السلام حكما عدلا وإماما مقسطا ، يدق الصليب ويذبح الخنزير ، ويحكم بشرع الإسلام ، وقد بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ )) [ متفق عليه ] ، ولا تقوم الساعة حتى تعود خلافة الإسلام ، قال صلى الله عليه وسلم : (( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة )) [ رواه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ] ، وهذا يدل على أن المستقبل للإسلام والمسلمين ، ولو كره الكافرون ولو كره المشركون ، نعم يمر المسلمون – اليوم - بمرحلة عصيبة من أحلك مراحل تاريخهم الطويل ، حيث تكالبت عليهم الأمم من كل صوب ، مع اتساع الفارق في القوة المادية والعدة والعتاد بين المسلمين وأعدائهم ، ولكن الله هو سند أهل الإسلام وحافظهم وناصرهم ، وهو القوي المتين ، وهو القائل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [ محمد : 7 ] ، وقال تعالى : { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ  } [ آل عمران : 126 ] ، فلابد من اليقين في نصر الله ، ولا بد لكل مسلم أن يكون واثقاً بوعد الله تعالى ، مستبشراً بمستقبل رسالته الخاتمة ودعوته الخالدة ، فالنصر قريب ، وهو بحمد الله تعالى كائن لا محالة بأيدينا أو بأيدي أبناءنا أ بأيدي أحفادنا ، فهو كائن لا محالة ، لأنه وعد الله  ، ولكن القضية تتعلق بنا ومدى فهمنا لدين الله ، ومدى تمسكنا بدين الله ، ومدى سعينا لمرضاة الله ، قال تعالى  : { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ، و قال تعالى : { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ  } ،  اللهم بصرنا بديننا يارب العالمين ، مجدي محمد على محمد المشرف العام على موقع دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ،

سلسلة الأخلاق الإسلامية ( 8 ) القيم والمبادئ الأخلاقية الإسلامية العالية - مجدي محمد

موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com

القيم الأخلاقية وفيها سبعة دروس أخلاقية :

( الدرس الأول ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية الأولى طاعة أولياء الأمر ،

( الدرس الثاني ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية الثانية بر الوالدين ،

( الدرس الثالث ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية الثالثة الخيرية للأهل والأزواج والأولاد ،

( الدرس الرابع ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية الرابعة صلة الأرحام ،

( الدرس الخامس ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية الخامسة الاحسان إلى الجار ،

( الدرس السادس ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية السادسة إكرام الضيف ،

( الدرس السابع ) : القيم الأخلاقية ) : القيمة الأخلاقية السابعة بناء لبنات المجتمع الإسلامي الفاضل ،

المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية ، وفيها أربعة دروس أخلاقية ،

( الدرس الأول ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية المبدأ الأول العدل ،

( الدرس الثاني ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الثاني الإحسان ،

( الدرس الثالث ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الثالث إيتاء ذي القربى ،

( الدرس الرابع ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الرابع النهي عن الفحشاء ،

***

 

الدرس الأول : القيم الأخلاقية العالية  : القيمة الأولى طاعة أولياء الأمر

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فإنّ الإسلام قيم أخلاقية عالية تضمن للمجتمع المسلم الفلاح والنجاح والأمن والسلام والمحبة والوئام ، واخترت للحديث عن هذا الموضوع سبعة قيم لابد من ترسيخ وجودها في المجتمع الإسلامي الفاضل ، القيمة الأولى : وتتمثل في : طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم ، والقيمة الثانية : الإحسان إلى الوالدين وبرهم ، والقيمة الثالثة : الخيرية للأهل والأزواج والأولاد ، والقيمة الرابعة : صلة الأرحام ، والقيمة الخامسة : الاحسان إلى الجار ، والقيمة السادسة : إكرام الضيف ،  والقيمة السابعة : بناء لبنات المجتمع الرباني الفاضل الذي تتوفر فيه كل معاني الأخلاق العظيمة من التحاب في الله و التآخي في الله ، والبر ، والإحسان ، والإيثار ، والتعاطف ، والتعاون ، والتناصر ، والتآلف ، وتعظيم حرمات المسلمين وحفظ حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم ، والتكافل فيما بينهم ، وخفض الجناح لهم وحسن الخلق معهم ، والحلم والأناة والرفق بهم ، وحسن الظن بعموم المسلمين والعفو عن المسيء منهم ، والستر على العصاة والمذنبين والمقصرين حتى لا تشيع الفاحشة بينهم ، هذه قيم سبعة أساسية حرص شرع الإسلام على ترسيخ وجودها في المجتمع الإسلامي الفاضل ، وفي هذا الدرس  أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة الأولى من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم  : إنّ المجتمع الإسلامي مجتمع متماسك اللحمة يعرف أنّ طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم والصبر على أخطائهم من أبرز القيم الإسلامية التي تحقق للمجتمع تماسكه وأمنه واستقراره ، إن المجتمع الإسلامي يعيش في ظل السياسة الشرعية الحكيمة التي تعرف لأولياء الأمور حقوقهم ولا تفتئت على صلاحياتهم ، تلك السياسة الشرعية الحكيمة التي تحفظ لحكام المسلمين حقوقهم ، وتحفظ على المؤمنين حرماتهم ، مع الصبر على جور الحكام وظلمهم ، وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنّة على ذلك ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } [ النساء : 59 ] ، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله ، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم ، { فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، أي إلى كتاب الله وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وقد جعلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم : طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ،  وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) ] ، وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة ، مبالغة في الأمر بالطاعة ، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة ، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش ، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا ، وما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام  للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً ،  ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ، فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية ، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم ، منها : ما أخرجه الإمام مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ : (( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ، قَالُوا : قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم ، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد ، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط ، (( قَالَ : لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ )) ، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد ، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة  (( أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) ، وما  أخرجه مسلم أيضا عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ : قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا ، ما كانوا مسلمين ،  وما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : (( دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا : أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا ، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ أخرج البخاري (7056) ، ومسلم (1843) ] ، وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا  )) - ، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (( وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ  )) ، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه ، فهذا معنى البواح ، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط ، (( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ )) ،  وما أخرجه مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ : سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية ، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية ، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم ، ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) ، وما أخرجه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري ( 7053 ) ، ومسلم (1851) ] ، وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم ، ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر  )) ، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية ، ((مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) ، وما أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) [أخرج مسلم (1836) ] ، يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم ، ((  وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ )) ،  وما أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا ،  وهذه الأحاديث ليس الهدف من ذكرها تبرير أخطاء الحكام ، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين  ، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ، كما سيأتي بيانها ، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم ، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ،  فإن معاداة الحكام المسلمين لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ، والمجتمع الإسلامي الراشد يعرف حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم ، هو أقرب ما يكون من حالة إنكار المنكر على أحد الوالدين ، فلا يتعدى النصح باللين والرفق ،

السياسة الشرعية الحكيمة جعلت وجب اسداء النصيحة للحاكم  فيما يتعلق بأمر الإسلام والمسلمين في اطار احترامه وحفظ هيبته  وعدم نزع اليد من طاعته ، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق ، بعيدا عن التشهير والتأليب ، وأنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد ، ولا أن يشهر عليه سلاحاً ، أو يجمع عليه أعواناً ،  قال ابن مفلح في  كتابه الآداب الشرعية  : (( ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة ، ويحرم بغير ذلك )) أهـ [ الآداب الشرعية ( 1/195-197 ) ] ، وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ص 64 ) ، (( ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها ))  اهـ ، وقال الشوكاني في [ السيل الجرار (4/556 ) ] : ( ينبغي لمن ظهر له غلط في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد ، بل كما ورد في الحديث : أنه يأخذ بيده ويخلوا به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله ، وقد قدمنا : أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعني متواترة ، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ،ويعصيه في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) أهـ ،  ( قلت ) : ويؤيد ذلك : ما  أخرجه الترمذي في [ سننه : ح ( 2225 ) ] : قال : حدثنا بندار : حدثنا أبو داود : حدثنا حميد بن مهران، عن سعد بن أوس، عن زياد بن كسيب العدوى، قال : كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق -، فقال أبو بلال : انظر إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق ! فقال أبو بكرة : اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (( من أهان سلطان الله في الأرض  أهانه الله )) ، قال الترمذي : حسن غريب  اهـ ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (5/42 ) من الطريق نفسه دون ذكر القصة ولفظه : (( من أكرم سلطان الله في الدنيا، أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله في الدنيا، أهانه الله يوم القيامة )) ، وما أخرجه ابن أبي شيبة في [ المصنف  ( 15/74- 75 )  ] ،  وسعيد بن منصور في (( سننه ( 4/1660 ) )) عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، قال : قال عبد الله : (( إذا أتيت الأمير المؤمر، فلا تأته على رؤوس الناس ))  ، ولله در الإمام النووي حيث يقول : ( التأدب مع الكبار، وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه، ولا يجاهرون فقد يكون في المجاهرة به مفسدة ) اهـ [ شرح النووي : 7/148] ، إذن  الفقه السديد في إنكار المنكر على ولاة الأمور :  أن يكون باللسان  ، وباللين وبالحكمة والموعظة الحسنة ، وأن تكون النصيحة في إطار إظهار البيعة وعدم نزع اليد من الطاعة ، وإظهار الحرص على مصلحة الحاكم والرعية ، مع ضرورة ترك النصيحة في الملأ : وهو أصل عظيم، وقاعدة جليلة في الإنكار على أصحاب النفوذ ، وإذا كانت النصيحة أو الإنكار في الملأ من الأمور المكروهة عند عامة الناس ،  فهى أشد كراهة في حق أصحاب النفوذ، وهى أكثر شدة عليهم ممن عداهم ، فلا ينبغي النصح في الملأ ،  ولا أن تطول النصيحة ، ولابد وأن تكون بألين عبارة ، وأوجز خطاب وأحسن أسلوب ، وينبغي أن تخرج النصيحة مخرج المذاكرة والتعريض ، ولا مخرج التعليم والإفادة ؛ لأن المعلم أفضل وأعلى من المتعلم ، فلا ينبغي وضع الحاكم في تلك الصورة التي تظهر كانه تلميذ لدى معلمه ، فهذه حالة ينبغي إجلال السلطان عنها ، مع الحرص أعظم الحرص على ترك التخشين في الموعظة ) : فإن الواعظ لن يكون خيرا من موسى وهارون ، والموعوظ لن يكون شرا من فرعون ، ومع ذلك لما بعثهما إلى فرعون قال لهما : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر و يخشى } ،  قد يكون العالم أو الداعية يطمع في أجر حديث : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))  [ أخرجه الترمذي ، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1 / 886 ، ح رقم 491) ] ، ولكن الفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط : ( الضابط الأول ) : أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية ، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات ، ( الضابط الثاني ) : الهدي القرآني في معاملة الحكام ، قال تعالى - آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام - : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، ( الضابط الثالث ) : منطوق الحديث وفيه ((كلمة عدل عند )) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان ، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب ، وتقويض دعائم الحكم وهيبته ، ( الضابط الرابع ) : أن تكون كلمة حق صادقة ، قالها انتصاراً لدين الله تعالى ، خالصاً لله وحده ، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته ،  ( الضابط الخامس ) : منطوق الحديث (( كلمة عدل )) أو في الرواية الثانية (( كلمة حق )) ، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه ، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة ، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله ، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته ، ( الضابط السادس ) : قائل الحق المجرد من أهواء النفس إن سلمت له الضوابط السابقة ، إن كان يلحق بالدين او بالمسلمين غيره مفاسد عظيمة بسبب إنكاره ، كأن ينتقم الحاكم من طائفة من المسلمين بسببه ، وآنذاك لا يكون جهره بالحق جائزا ، بل له أن يُسر النصيحة إلى الحاكم دون الجهر بها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ )) [ أخرجه أحمد (15333) ] ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثاني : القيم الأخلاقية العالية : القيمة الثانية بر الوالدين

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة الثانية من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام : الإحسان إلى الوالدين وبرهم  : لقد أولى القرآن الكريم بر الوالدين عناية فائقة ببر الوالدين ، والنهي عن عقوقهما ،  لقد فطر الله تعالى قلب الوالدين على العاطفة الصادقة والمودة الكاملة للأبناء وعلى البذل والتضحية والعطاء لهم بلا كلل لا ملل ، نجدهما يتحملان الجوع والتعب والمعاناة من أجل تربية الأبناء في مرحلة مليئة بالآلام، والمعاناة والسهر، والصبر، والتحمل، والتجمل ، والعطاء والرعاية ، والعناية التي فطر الله تعالى عليها قلب الوالدين ، وفي المقابل أمر الله تعالى الأبناء ببر الوالدين والإحسان إليهما ، في آيات عديدة قرن الله تعالى فيها بر الوالدين بعبادة الله ، منها قوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  } [ النساء : 36 ] ، وقوله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، وقال تعالى – عند ذكر وصايا القرآن - :  { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ الأنعام : 151 ] ،   كما جاءت ببرهما الوصية في قوله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  } [ لقمان : 14 ، 15 ] ، وقوله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ العنكبوت : 8 ] ، وقوله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [ الأحقاف : 15 ] ،  وقد تواترت الأحاديث على بر الوالدين والإحسان إليهما ، ومن ذلك : ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) [ متفق عليه ] ، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي قال : (( أمك )). قال ثم من قال : )) ثم أمك )) . قال ثم من قال : (( ثم أمك )) . قال ثم من قال (( ثم أبوك ))  [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد ، أبتغى الأجر من الله. قال : (( فهل من والديك أحد حي ؟ )) . قال نعم بل كلاهما. قال : (( فتبتغى الأجر من الله ؟ )). قال نعم. قال : (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال : (( أحي والداك ؟ )) . قال : نعم . قال : (( ففيهما فجاهد )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جئت أبايعك على الهجرة ، وتركت أبوي يبكيان ، فقال : (( ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما )) [ أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني ] ،  وأخرج النسائي عن معاوية بن جاهمة السلمي : (( أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك ، فقال : هل لك من أم ؟ قال : نعم ، قال : فالزمها ، فإن الجنة تحت رجليها ))  [ أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه الألباني ] ،  وأخرج مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال : (( كان جريج يتعبد في صومعة فجاءت أمه. قال حميد فوصف لنا أبو رافع صفة أبى هريرة لصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمه حين دعته كيف جعلت كفها فوق حاجبها ثم رفعت رأسها إليه تدعوه ، فقالت : يا جريج أنا أمك كلمني. فصادفته يصلى فقال : اللهم أمي وصلاتي. فاختار صلاته فرجعت ثم عادت في الثانية ، فقالت : يا جريج أنا أمك فكلمني. قال اللهم أمي وصلاتي. فاختار صلاته ، فقالت : اللهم إن هذا جريج وهو ابني وإني كلمته فأبى أن يكلمني اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات. قال : ولو دعت عليه أن يفتن لفتن. قال : وكان راعى ضأن يأوي إلى ديره قال فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها الراعي فحملت فولدت غلاما ، فقيل لها : ما هذا ؟ قالت : من صاحب هذا الدير. قال : فجاءوا بفئوسهم ومساحيهم فنادوه فصادفوه يصلى ، فلم يكلمهم ، قال : فأخذوا يهدمون ديره ، فلما رأى ذلك نزل إليهم فقالوا له : سل هذه قال : فتبسم ثم مسح رأس الصبي فقال : من أبوك ؟ قال : أبى راعى الضأن. فلما سمعوا ذلك منه ، قالوا : نبنى ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة. قال : لا ولكن أعيدوه تراباً كما كان ، ثم علاه )) [ أخرجه مسلم  ] ،  وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن : دعوة الوالد على ولده ، ودعوة المظلوم ، ودعوة المسافر ))  [ أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني ] ،  وأخرج مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما : (( أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه ، إذا مل ركوب الراحلة وعمامة يشد بها رأسه ، فبينا هو يوماً على ذلك الحمار ، إذ مر به أعرابي ، فقال : ألست ابن فلان بن فلان ؟ قال : بلى . فأعطاه الحمار وقال : اركب هذا ، والعمامة ، قال : اشدد بها رأسك ، فقال له بعض أصحابه : غفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حماراً كنت تتروح عليه ، وعمامة كنت تشد بها رأسك! فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (( إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه ، بعد أن يولي )) . وإن أباه كان صديقا لعمر  [ أخرجه مسلم ] ، وقد ورد النهي في الكتاب والسنة عن عقوق الوالدين ، كما جاء في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [ الرعد : 25 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [ البقرة : 26 ، 27 ] ، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على أنّ عقوق الوالدين من أكبر الكبائر  ، ما أخرجه الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (( إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ , وَمَنْعًا وَهَاتِ , وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ : وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ )) [ أخرجه البخاري ] ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا ؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ , فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ (( [ متفق عليه ] ، وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِي كَتَبَهُ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : (( وَأَنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ , وَالْفِرَارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ , وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ , وَأَكْلُ الرِّبَا , وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ))  [ الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ] ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ , وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ ))  ،  وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالنَّسَائِيِّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( ثَلَاثَةٌ حَرَّمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ الْجَنَّةَ : مُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَالْعَاقُّ , وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ الْخَبَثَ فِي أَهْلِهِ )) ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : { مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ , وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ { أَنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ . قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ , وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ ، وأخرج َالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : (( أَرْبَعٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَهُمْ الْجَنَّةَ وَلَا يُذِيقَهُمْ نَعِيمَهَا : مُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَآكِلُ الرِّبَا , وَآكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ , وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ  )) ،  وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ  : (( جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَهِدْت أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ , وَصَلَّيْت الْخَمْسَ , وَأَدَّيْت زَكَاةَ مَالِي , وَصُمْت رَمَضَانَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا , وَنَصَبَ أُصْبُعَيْهِ مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ )) ، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ : (( أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ قَالَ لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْت وَحُرِّقْت , وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْك وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ ))  الْحَدِيثَ ، وأخرج الحاكم وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ  والطبراني عن أَبِي هُرَيْرَةَ مرفعا (( مَلْعُونٌ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ )) ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا : (( كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا شَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ )) ،  إنّ بر الوالدين من أعظم القيم الأخلاقية التي حث عليها الإسلام ، وقرن القرآن الكريم بينها وبين عبادة الله تعالى ، فقال سبحانه : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، اللهم ارزقنا البر بالوالدين وارحمهما{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، كما ربيانا صغارا ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثالث : القيم الأخلاقية العالية : القيمة الثالثة الخيرية للأهل والأزواج والأولاد

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة الثالثة  من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  الخيرية للأهل [ الأولاد والأزواج ]  :  وهي تتناول بيان حرص الإسلام على تربية الأولاد على منهج الله أعظم الحرص ، وبيان حرص الإسلام على اختيار الزوج الصالح والزوجة الصالحة لضمان صلاح الذرية ، وبيان مقياس الخيرية في شرع الإسلام وأنه الخيرية للأهل من الأولاد الزوجات ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة ] ،   أولاً : بيان حرص الإسلام على تربية الأولاد : لقد حرص الإسلام على تربية الأولاد على منهج الله أعظم الحرص ، ولذلك أشار القرآن الكريم إلى حرص الأنبياء والمرسلين على تربية أهليهم وأولادهم ، قال الله تعالى – عند ذكر حرص نوح على هداية ولده - : { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) } [ هود : 42 إلى 47 ] ، فنبي الله نوح عليه السلام كان شديد الحرص على هداية ولده والدعاء له حتى أعلمه الله تعالى أنه كافر فلا يصح أن يتعلق القلب به ولا الدعاء له ،  وقال تعالى – عند ذكر حرص إبراهيم عليه السلام على هداية ذريته - : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } [ البقرة : 124 ] ، فلما بشره الله تعالى بالإمامة في الدين طلبها لذريته من بعده ، فأخبره الله تعالى أنها لا تكون للظالمين ، وقوله تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [ البقرة : 127 ، 128 ] ، فالدعاء للذرية يتمثل في قول إبراهيم واسماعيل عليهما السلام : { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ } ، دعَوَا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام ، وقوله تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 131 ، 132 ] ، أمره الله تعالى بالإسلام فأطاع ، ثم وصى بنيه وذريته باتباع دين الإسلام وكذلك وصى يعقوب عليه السلام بنيه بذلك ،  )يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ( أي: اختاره وتخيره لكم، رحمة بكم، وإحساناً إليكم، فقوموا به، واتصفوا بشرائعه، وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك، فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه ، وكذلك قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } [ إبراهيم : 35 ] ،  إبراهيم عليه السلام يدعو ربه أن يرزقه وبنيه التوحيد ويجنبهم الشرك وعبادة الأصنام : { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } ، ولما أمره الله تعالى بترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل في مكة المكرمة وكانت آنذاك صحراء جرداء ، لم ينس ذريته فدعا ربه قائلا : { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } [ إبراهيم : 37 إلى 40 ] ،  حرص على إقامة الصلاة : { رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ  } ، وحرص على شكر الله : { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } ، وحمد لله على الذرية الصالحة لأنها من أعظم النعم : {  الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } ، قد كان حريصا على أن ينال تلك النعمة أشد الحرص ، لذا كثيرا ما دعا الله تعالى بهذا الدعاء : { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ } [ الصافات : 100 ، 101 ] ،  وكذلك نبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام : كان يتعاهد أهله وذريته بالصلاة عبادة الله : قال تعالى : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا } [ مريم 54 ، 55 ] ، ونبي الله زكريا عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام كان حريصا على أن يرزقه الله تعالى الذرية الطيبة ، قال تعالى : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ  } [  آل عمران : 38 ] ، و قال تعالى : { وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [ الأنبياء : 89 ، 90 ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، أمره اللَّه تعالى بقوله : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } [ طه : 132 ] ، أي: حثّ أهلك على الصلاة ، وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا  بإقامتها، بحدودها وأركانها وآدابها وخشوعها ، كما أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الناس بذلك بقوله : ((مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِع)) [ أخرجه أحمد : ح  6756 ،  وأبو داود : ح 495، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (2/ 401) : إسناده حسن صحيح ] ،  كما خاطب الله تعالى المؤمنين بما خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(  } [ التحريم : 6 ] ،  )قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا( موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة، ووقاية الأنفس بإلزامها أمر اللَّه، والقيام بأمره امتثالاً، ونهيه اجتنابًا، والتوبة عما يسخط اللَّه، ويوجب العذاب، ووقاية الأهل، والأولاد، بتأديبهم، وتعليمهم، وإجبارهم على أمر اللَّه، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر اللَّه به في نفسه ، وفيما يدخل تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممن هو تحت ولايته وتصرفه ، ووصف اللَّه النار بهذه الأوصاف، ليزجر عباده عن التهاون بأمره فقال تعالى : { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ } أي : غليظة أخلاقهم، عظيم انتهارهم، يفزعون بأصواتهم ويخيفون بمرآهم، ويهينون أصحاب النار بقوتهم، ويمتثلون فيهم أمر اللَّه، الذي حتم عليهم العذاب، وأوجب عليهم شدة العقاب،  { لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ،  لقد شرح لنا القرآن الكريم أهم الأسس التربوية على لسان  لقمان الحكيم ، في قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } [ لقمان : 12 إلى 19 ] ، ففي هذه الآيات وصف اللّه تعالى لقمان بالحكمة ، وذكر بعض ما يدلّ على حكمته في وعظه لابنه ، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال : ) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ (،والوعظ يكون بالنصيحة والإرشاد والأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب ، فأمره بالإخلاص والإيمان ، ونهاه عن الكفر والشرك ، وأمره ببر الوالدين والإحسان إليهما وأمره بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأمره بالصبر على طاعة الله ، وأمره بأصول الأخلاق العظيمة من التواضع وحسن معاملة الخلق والقصد في المشي وخفض الصوت ، ونهاه عن الكبر والاختيال والفخر ،  ولقد وضح لنا القرآن الكريم حرص عباد الرحمن على صلاح الأزواج والذرية ، وذلك في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا(  } [ الفرقان : 74 إلى 76 ] ،  { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } أي : تقر بهم أعيننا ، من رؤيتهم مطيعين لربهم ، ووضح لنا القرآن الكريم حرص المؤمنين على صلاح ذريتهم ، قال تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } [ الأحقاف : 16 ، 17 ] ، ففي الآيات التوصية ببر الوالدين ، { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا } ثم الدعاء بصلاح الذرية : { وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي } ، دعا لذريته أن يصلح اللَّه أحوالهم، )أُولَئِكَ( الذين ذكرت أوصافهم )الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا(، وهو الطاعات ، { وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ } فِي جملة )أَصْحَابِ الْجَنَّةِ(،) وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ( وعد صادق من أصدق القائلين الذي لا يخلف الميعاد ، ثانيا : بيان حرص الإسلام على اختيار الزوج الصالح والزوجة الصالحة لضمان صلاح الذرية : لقد شرع الإسلام الزواج ؛ قال تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} [ النحل : 72 ] ، وقد جعل الإسلام الزواج واجبا على من خاف على نفسه من الوقوع في الزنا، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبَصَرِ وأحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ )) [ متفق عليه ، أخرجه البخاري ، ح 5065، ومسلم ، ح 1400 ] ، ثم إنَّ الإسلام قد حثَّ الرجل المسلم على البحث عن الزوجة الصالحة؛ لأنها شريكة حياته ، وهي التي سوف تربي أولاده ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )) [ متفق عليه أخرجه البخاري ح 5090، ومسلم ح 1466 ] ، فينبغي أن يتخيّر الرجل المرأة الصالحة ذات الخلق الحميد والدين القويم، فلا يكون همه الجمال وحده، فقد تكون هذه المرأة سببُ تنغيصٍ وشقاوةٍ على الإنسان، ومن ثم ينشأ أولاده على: الفسق، والعصيان، وسوء الأخلاق، أما المرأة الصالحة، فهي تربي أجيالاً صالحين، وقد أرشد إليها الرسول صلى الله عليه وسلم  وأخبر أنها خير متاع ، فقد أخرج مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ )) [ أخرجه مسلم، ح 1467 ] ،  أي أن الدنيا متاع زائل، وخير ما في هذا المتاع المرأة الصالحة؛ لأنها تُسعد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة ، وأخرج النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( خَيْرُ النِّساء مَن إذَا نَظَرْتَ إليْهَا سَرَّتْكَ، وإذَا أمَرْتَها أطَاعَتْكَ، وإذا أقْسَمْتَ عليْهَا أبَرَّتْكَ، وإِذَا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في نَفْسِها ومالِك )) [  أخرجه النسائي في الكبرى ح 8961 )، والحاكم  ح  2682 ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي ] ، وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم  أهم أخلاق الزوجة بقوله : (( خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صالحُ نِساءُ قُرَيشٍ، أَحْنَاهُ على ولَدٍ في صِغرهِ، وَأَرْعَاهُ على زَوْجٍ في ذَاتِ يَدِهِ )) [  متفق عليه ، أخرجه البخاري ، ح 5082، ومسلم ، ح  2527 ] ، والزوجة الصالحة راعية في بيتها ، ومسؤولة عن رعيتها ، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ على أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ على بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ )) [ متفق عليه ، أخرجه البخاري ،  ح 893 ، ومسلم ، ح 1829 ]  ، فحريٌّ بالرجل أن يبحث عن الزوجة الصالحة التي تراقب الله في بيتها وزوجها وأولادها ، تلك الزوجة التي تعلم أن طاعة زوجها من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله، فهي تُنَفِّذ أمر الله وتطيع زوجها في غير معصية الله تبارك وتعالى ، وعلى المرء المسلم أن يسأل الخالق الذي يعلم الغيب ويعلم ما تُكنُّ الضمائر، أن يرزقه زوجةً صالحةً، وأن يكون أكثر دعائه {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} [ البقرة : 201 ] ، وحسنة الدنيا ، وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة كما ذكر ذلك أهل التفسير ،  وقد ندب الشرع إلى طلب الودود الولود ، فإنّ إنجاب الأولاد هدف عظيم لأنهم في المستقبل حملة الدين ، خدام الشريعة ، وقد أخرج أبو داود بسنده عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: (( تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ )) [  أخرجه أبو داود ، كتاب النكاح، باب النهي عن التزوج من لم يلد من النساء ، ح 2050، والحاكم (2/176، رقم 2685)، والبيهقي في سننه الكبرى (7/81 رقم 13253)، وصححه الحاكم ونقل تصحيحه المنذري في ترغيبه (3/31 رقم 2958) وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 2940. وقال في صحيح سنن أبي داود (1/574 رقم 2050): حسن صحيح ] ،  كما اعتبرت الشريعة الإسلامية الأولاد من مصادر النفع والخير في الحياة الدنيا ، وبعد الممات. فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : (( إذا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلا من ثَلَاثَةٍ: إلا من صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له )) [  أخرجه مسلم ، ح 1631 ] ،  وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قوله : ((  إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك  )) [  أخرجه أحمد في المسند  ح 10610 ، وابن ماجه ، ح 3660 وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (3/214)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 1598 ] ، وفضل تربية البنات والإحسان إليهن ثابت في الأحاديث الصحيحة ،  أخرج مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :  ((  من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه  )) [ أخرجه مسلم ، كتاب البر والصلة، باب الإحسان إلى البنات، برقم 2631 ] ،  وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن ماجة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: ((  من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته كُنَّ له حجاباً من النار يوم القيامة  )) [ أخرجه ابن ماجه، كتاب الأدب، باب بر الولد والإحسان إلى البنات، برقم 3669، والبخاري في الأدب المفرد ( رقم 76)، وصححه الألباني في الصحيحة، برقم 294، وفي صحيح ابن ماجه (3/215)، وصحيح الأدب المفرد (ص57) ] ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن ماجة أيضا عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  ما من مسلم تدركه ابنتان فيُحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة   )) [ البخاري في الأدب المفرد (رقم 77) ، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب بر الولد والإحسان إلى البنات، برقم 3670، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص 57)، وفي صحيح ابن ماجه (3/215)، وفي الصحيحة، رقم 2775 ] ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن جابر بن عبدالله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  من كان له ثلاث بنات يؤويهنَّ، ويكفيهنَّ، ويرحمهنَّ، فقد وجبت له الجنة البتة» فقال رجل من بعض القوم: واثنتين يا رسول الله؟ قال: واثنتين  )) [ البخاري في الأدب المفرد، برقم 78، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص 58)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 294، 2492 ] ،  وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ((  لا يكون لأحد ثلاثُ بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أُختانِ، فيتقي الله فيهنَّ، ويُحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة  )) [ أبو داود، ح 5147، 5148، والترمذي، ح 1912، 1916، وأحمد في المسند ح 11384، و ح  11924 ، وقال عنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 2/429: «صحيح لغيره»  وأخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم 79، وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص 58): «حسن» . وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 294، (1/183) ] ، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ((  من عال ابنتين، أو ثلاثاً، أو أختين، أو ثلاثاً حتى يَبِنَّ أو يموت عنهنَّ كنتُ أنا وهوَ في الجنةِ كهاتَيْنِ ، وأشار بأصبعهِ الوُسطى والتي تليها  )) [ أخرجه أحمد في المسند  ح 12498، و ح 12593 ، وابن حبان في صحيحه ح 447، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان (2/191): « إسناده صحيح على شرط الشيخين» . وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/428): «صحيح» ] ، وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرةً؛ لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صَنَعَتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال:  ((  إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار  )) [ أخرجه مسلم ، ح  2630 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت عليَّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرةٍ، فأعطيتها إيَّاها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت وخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم  فأخبرته فقال:  ((  من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهنّ كنَّ له ستراً من النار  )) [ متفق عليه : البخاري ح 1418، ومسلم ، ح  2629 ] ، فالأولاد نعمة من الله تعالى، وهبة من هباته، قال الله تعالى : {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُور * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير} [ الشورى : 49 ، 50 ] ، وقوله تعالى: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا}أي : يجمع لمن يشاء سبحانه بين الذكور والإناث فضلاً منه وإحساناً ، فنفع الأولاد الصالحين يعود على الوالدين في الدنيا والآخرة، والآيات والأحاديث في الحث على طلب الأولاد كثيرة جداً ، وإذا كان الإسلام قد حث على طلب الزوجة الصالحة ، فإنه كذلك حث الآباء على تزويج بناتهم رجالاً صالحين ، أخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  إذا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ )) [  أخرجه الترمذي ، ح  1084 ، والحاكم : ح 2695) وصححه، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي ح 1084 ، و ح 1085 : حسن صحيح ] ،  فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم  ما سيحدث للآباء من الأخطار الجسيمة، والمفاسد الكبيرة التي تنتظرهم إذا لم يختاروا لبناتهم أو أخواتهم من يرضون دينه وخلقه ، فإنها أمانة ، وعلى كل طالب للزواج أن يطلب ذات الدين وأن يتأكد من صلاحها في دينها وخلقها ، وأن يتأكد ولي أمر الزوجة من صلاح خلق ودين الزوج ، ثالثا: بيان مقياس الخيرية في شرع الإسلام : أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة  ] ،  وفي هذا الحديث دليل عظيم على محاسن الإسلام التي جاء بها ، ومن جملتها أنه جعل الإحسان إلى الزوجة والعيال من أفضل الأعمال والقربات ، وفاعله من خيرة الناس ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( خيركم خيركم لأهله )) : أي لعياله ، وذوي رحمه ، وأزواجه ، وأقاربه ، وذلك لدلالته على حسن الخلق ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( وأنا خيركم لأهلي )) دلالة على أن من خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم أنّه  كان أحسن الناس عشرة لأهله ، و كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على حسن الخلق فقد كان يدعو الله أن يهديه لأحسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها و يستعيذ بالله من منكرات الأخلاق و يدعو الله أن يحسن خلقه ، و أثنى الصحابة على حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه عائشة تقول عنه صلى الله عليه وسلم : (( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً و لا متفحشاً ولا صخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة و لكن يعفو ويصفح )) [ أخرجه الترمذي ] ، و تقول عنه أيضاً : (( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله )) [ أخرجه مسلم ] ، و هذا انس يقول "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط  وما قال لي لشيء صنعته : لم صنعته؟ ولا لشيء تركته : لم تركته ؟ و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً )) [ متفق عليه ] ،  و هذه خديجة رضي الله عنها تقول له حينما قال لها لقد خشيت على نفسي تقول (( كلا و الله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الدهر) [ متفق عليه ] ، إذن الحديث يدعو إلى الخيرية مع الأهل عامة من الأولاد والزوجات والأقارب ، لقد كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم النموذج الكامل في خلقه ومعاملته ، بعث رحمة للناس كافة ، ولأهله وآل بيته خاصة فكانت معاملته لهم كلها رحمة ورفق وتربية وتزكية وتعليم ، يتودد صلى الله عليه وسلم لأهله ويتحبب لهم ، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة ، والمسلم يأخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم  حسن خلقه ، ويقتدي بخيريته لأهله ورحمته بهم حتى يكون من خير الناس  ،  إن هذا الحديث العظيم يضع النبراس للمسلمين في أنّ مقياس الخيرية يتمثل في الخيرية أولاً للأهل وحسن التربية والتزكية والمعاملة للزوجة والأولاد والوالدين وسائر ذوي الرحم ،  فقد أخرج مسلم : عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرْفُوعًا : (( أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ , وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : بَدَأَ بِالْعِيَالِ . ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمُ اللَّهُ أَوْ يَنْفَعُهُمْ اللَّهُ بِهِ وَيُغْنِيهِمْ . [ أخرجه مسلم ح ( 994 ) ] ، وأخرج مُسْلِمٌ  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : (( دِينَارٌ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَدِينَارٌ أَنْفَقْته فِي رَقَبَةٍ , وَدِينَارٌ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ , وَدِينَارٌ أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك , أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك )) [ أخرجه مسلم ح ( 995 ) ] ، وَفِي صحيح البخاري  وصحيح مسلم عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْت عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك } أَيْ فِي فَمِهَا )) [ متفق عليه ، البخاري (1295) ومسلم   (1628) ] ، إنّ الأسرة هي نواة المجتمع فإذا صلحت صلح المجتمع كله ، وإذا فسدت فسد المجتمع كله ، وإذا صلحت الأسرة - ولا صلاح لها إلا بالإسلام وأخلاق الإسلام - ستخرج لنا أجيالا صالحة مصلحة قادرة على المساهمة في تغيير المجتمع والسير به نحو الإصلاح والتجديد ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الرابع : القيم الأخلاقية العالية :  القيمة الرابعة صلة الأرحام

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة الرابعة : من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  صلة الأرحام  :  صلة الأرحام: معناها الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول : فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة ، وتارة بالسلام ، وتارة بطلاقة الوجه، وتارة بالنصح، وتارة برد الظلم، وتارة بالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة على حسب القدرة والحاجة والمصلحة ، وقطيعة الأرحام معناها : هجر الأقارب ، وترك وصلهم ، وترك الإحسان إليه ، وصلة الأرحام من أعظم الواجبات, وأفضل الطاعات، وقطيعتها من أعظم الذنوب وأخطر الآفات؛ للأدلة من الكتاب والسنة ، قال تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 36 ، 37 ] ، و قال تعالى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ  كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } [ الإسراء : 26 إلى 28 ] ، و قال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، و قال تعالى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  } [ البقرة : 215 ] ، و قال تعالى : { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنفال : 75 ] ، وقال تعالى  : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [ النساء : 1 ] ، وقال تعالى  : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } [ الأحزاب : 6 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) [  متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (7/96) برقم 5986 ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2557 ] ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من سره أن يُبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه)) [  البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، برقم 5985 ] ،  وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراةٌ في المال، مَنْسَاةٌ في الأثر)) [  أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في تعليم النسب (4/351)، برقم 1979، وأحمد في المسند (2/374)، والحاكم وصححه(( (( ووافقه الذهبي (4/161)، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 276: ((إسناده جيد، ورجاله ثقات)) ] ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول على المنبر: (( تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم؛ لأوزعه ذلك عن انتهاكه)) [ أخرجه البخاري في الأدب المفرد في باب: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم (ص 39)، برقم 72، وحسن إسناده الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص 55) ] ، وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا قرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة)) [  أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (4/161)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 277 ] ، إنّ واصل الرحم لا يخزيه الله تعالى، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها قولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((  كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقريء الضيف، وتعين على نوائب الحق...)) [  متفق عليه: البخاري، ح برقم 3، ومسلم، ح 160 ] ، وصلة الأرحام من أهم أسباب دخول الجنة ، أخرج البخاري عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم)) [  البخاري، كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم (7/95)، برقم 5983 ] ، وأخرج ابن ماجة عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام, تدخلوا الجنة بسلام)) [  أخرجه ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، برقم 3251، واللفظ له، والترمذي, كتاب صفة القيامة، باب حدثنا محمد بن بشار، وقال: هذا حديث صحيح، برقم 2485، وأحمد في المسند (1/165)، و(2/391) وصححه الألباني في إرواء الغليل (3/239)، وفي صحيح سنن ابن ماجه (1/223) وفي صحيح سنن الترمذي (2/303) ] ، وصلة الأرحام هي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (( أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير: أوصاني أن لا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين, والدنوِّ منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأوصاني أن أكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة)) [  ابن حبان في صحيحه (2/194)، برقم 449، والطبراني في المعجم الكبير (2/156) برقم 1648، وفي الأوسط والصغير (7/236) [مجمع البحرين] برقم 4377، وصححه شعيب الأرنؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2/669) ] ، وصلة الأرحام من أهم أسباب النجاة من العقوبة ؛ لأن قطيعة الرحم تسبب العقوبة في الدنيا والآخرة ، أخرج أبو داود والترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مَعَ ما يَدَّخرُ له في الآخرة: من البغي, وقطيعة الرحم)) [  أخرجه أبو داود, كتاب الأدب, باب في النهي عن البغي (4/276) برقم 4902، والترمذي، كتاب صفة القيامة, بابٌ: حدثنا علي بن حجر (4/664) برقم 2511، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح))، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب عقوبة قاطع الرحم في الدنيا (1/147) برقم 67، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 917، 976. وفي صحيح الأدب المفرد (ص 53) ] ، و أخرج البخاري ومسلم  وأبو داود عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يدخل الجنة قاطع)) [  متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب إثم القاطع (7/95)، برقم 5984، ومسلم،  بلفظه، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1981) برقم 2556 ] ، وفي رواية مسلم (( يعني قاطع رحم ))، ولفظ أبي داود: ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) [أبو داود, كتاب الأدب، بابٌ في صلة الرحم برقم 1696 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذِ بك من القطيعة)) ، قال : (( نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟)) قالت: بلى يا رب، قال: ((فهو لك))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا إن شئتم : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ *  أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } )) [متفق عليه: البخاري كتاب الأدب ، باب من وصل وصله الله (7/96)، برقم 5987، ومسلم بلفظه، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1980) برقم 2554، والآيات من سورة محمد 22 – 24 ] ، وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)) [ مسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1981) برقم 2556 ] ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله عز وجل: أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بَتَتُّهُ )) [ البخاري في الأدب المفرد، باب فضل صلة الرحم (ص 33)، برقم 53، بلفظه, وأبو داود, في كتاب الزكاة, باب في صلة الرحم (2/133) برقم 1694، والترمذي، وصححه في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم (4/315)، برقم 1907، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 520، وصحيح الأدب المفرد (ص 49) ] ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الرحم شجنة, من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلتُه، ومن قطعك قطعتُهُ )) [ البخاري، ح 5988 ] ، وأخرج البخاري أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الرحم شجنة, فمن وصلها وصلتُهُ، ومن قطعها قطعتهُ)) [  البخاري، كتاب الأدب، بابٌ: من وصل وصله الله برقم 5989 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جهاراً غير سرٍّ يقول: ((إن آل أبي – يعني – فلاناً، ليسوا لي بأولياء، إنما ولييَ اللهُ وصالحُ المؤمنين، ولكن لهم رَحِمٌ أبُلُّها ببلالها)) يعني أصلها بصلتها [ والحديث متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب: من وصل وصله الله برقم 5990, ومسلم، كتاب الإيمان، باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم، برقم 215 ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديثه في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقريش حينما جمعهم وقام على الصفا، وفيه: ((  يا بني هاشم انقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدالمطلب انقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رَحِماً، سأبلُّها ببلالها )) [ أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، ح  204 ] ، وأجر صلة الأرحام العظيم التام الكامل إنما هو للمسلم الذي يصل من قطعه ، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: ((لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَّ ، ولايزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)) [  مسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2558] ، وأخرج البخاري عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وصلها)) [ البخاري، كتاب الأدب، بابٌ: ليس الواصل بالمكافئ, (7/97)، برقم 5991 ] ، وصلة الأرحام من أخلاق المؤمنين بالله واليوم الآخر؛ أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)). وفي لفظ: ((فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت)) [ متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه، برقم 6138، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير، وكون ذلك كله من الإيمان، برقم 47] ، والصدقة على ذي الرحم: اثنتان: صدقة وصلة ، أخرج أحمد والترمذي والنسائي عن سليمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي الرحم اثنتان: صدقةٌ, وصلةٌ)) [  أخرجه أحمد في مسنده (2/17، 18، 214)، والترمذي وحسنه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة، (3/38) برقم 658، والنسائي، كتاب الزكاة، باب الصدقة على الأقارب برقم 2582، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة برقم 1844، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي [1/202] ] ، وقاطع الرحم مفسد خاسر ، قال تعالى : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [ البقرة : 27 ] ، وقاطع الرحم ملعون مطرود من رحمة الله ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ  } [ الرعد : 25 ] ، اللهم إنا نسألك صلة الأرحام ونعوذ بك من قطعها ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الخامس : القيم الأخلاقية العالية : القيمة الخامسة الاحسان إلى الجار

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة الخامسة من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام : الاحسان إلى الجار :  أوصى الإسلام بالإحسان إلى الجار ، وحرم أذاه بالقول والفعل ، وجعل منع الأذى عنه من خصال الإيمان، ونفى الإيمان عن من لا يأمنه جاره، وأخبر أن خير الجيران عند الله خيرهم لجاره، ومن أدلة الإحسان إلى الجار في الكتاب والسنّة  : قول الله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النساء : 36 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 369، 370) ،ومسلم (2624، 2625) ] ، وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :  : (( يا أبا ذر إذا طبخت مرقة  فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك )) [  رواه مسلم ، مسلم (4/ 2025) رقم حديث الباب (142، 143) ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  : (( والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن )) [  قيل من يا رسول الله ؟ قال :  : (( الذي لا يأمن جاره بوائقه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 370، 371) ومسلم (46) ] ، وفي رواية لمسلم :  : (( لا يدخل الجنة من لا يأمن من جاره بوائقه )) ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  : (( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 372) ومسلم (1030) ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  : (( لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره )) [  متفق عليه ، البخاري (5/ 79، 80) ومسلم (1609) ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليسكت )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 373) ومسلم (47) ] ، وأخرج مسلم عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت )) [  رواه مسلم ، مسلم (48) ] ، وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال :  : (( إلى أقربهما منك بابًا )) [  رواه البخاري (10/ 374) ] ، وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  :صلى الله عليه وسلم  : (( خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره )) [  أخرجه الترمذي (1945) وقال : حديث حسن ، وأخرجه أحمد (2/ 168) والحاكم وصححه (4/ 164) ووافقه الذهبي ] ، والجار إذا كان مسلماً قريباً فله ثلاثة حقوق، حق الإسلام وحق الجوار وحق القرابة، وإذا كان مسلما وليس له قرابة فله حقان، حق الإسلام وحق الجوار، وإذا كان كافرا فله حق واحد وهو حق الجوار، ومن أهم حقوق الجار بدؤُهُ بالسلام والسؤال عن حاله ومعاونته عند الحاجة وعيادته إذا مرض وتعزيته وتهنئته وستره وغض البصر عن حريمه والتلطف مع أولاده وإرشادهم إلى الخير وأن ينصره إذا استنصره، وأن يعينه إذا استعانه ، وأن لا يؤذيه بشيء ، وخير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران خيرهم لجاره ، ويعظم حق الجار إذا كان فقيرا أو مسكينا أو يتيما أو أرملة ، والذي يؤذي جاره في النار لما أخرجه أحمد : أن الصحابة ذكروا للرسول صلى الله عليه وسلم امرأة تصلي الكثير وتصوم الكثير ولكنها تؤذي جيرانها فقال هي في النار [ رواه أحمد والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد ] ، وإذا ابتلى المسلم بجار سوء فليصبر عليه ، فقد أخرج أبو داود بسنده : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال له :  : (( اصبر، ثم قال له في الثالثة أو الرابعة اطرح متاعك في الطريق ، فطرحه فجعل الناس يمرون به ويقولون ما لك؟ فيقول، آذاني جاري، فيلعنون جاره حتى جاءه وقال له رد متاعك إلى منزلك فإني والله لا أعود )) [  أخرجه أبو داود ] ، وإذا كان الأذى بغير حق محرما ، فإنّه في حق الجار أشد تحريمًا ، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل : أي الذنب أعظم ؟ قال: (( أن تجعل لله ندًا وهو خلقك ،  قيل : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ،  قيل : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن المقداد بن الأسود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  : (( ما تقولون في الزنا ؟ قالوا : حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره ، قال : فما تقولون في السرقة ؟ قالوا : حرام حرمها الله ورسوله فهي حرام قال : لأن يسرق الرجل من عشر أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره )) [ أخرجه أحمد (23905) والبخاري في الأدب (103) ، وقال المناوي : إسناده صحيح : التيسير بشرح الجامع الصغير 2/561 ] ، وفي صحيح البخاري عن أبي شريح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  : (( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قيل من يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة أيضًا قال : قيل يا رسول الله إن فلانة تصلي بالليل وتصوم النهار وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة قال :  لا خير فيها هي في النار ، وقيل له : إن فلانة تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق ، وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحدا قال : هي في الجنة )) [  أخرجه أحمد : ولفظه : ولا تؤذي بلسانها جيرانها ، والحاكم ] ، وحد الجار قال الشافعي [ انظر المجموع شرح المهذب 15/462 الفتاوى الكبرى للهيتمي 4/7 ] ، وطائفة من السلف والعلماء : حد الجوار أربعون دارًا، مستدار أربعين دارًا من كل جانب ، وفي مراسيل الزهري :  : (( أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جارًا له، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن ينادي : ألا إن أربعين دارًا جار )) ، قال الزهري : أربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا، يعني ما بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، أخرج الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  : (( ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع )) [ أخرجه الحاكم ] ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : واسم الجار يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق والصديق والعدو والغريب والبلدي والنافع والضار والقريب والأجنبي والأقرب دارا والأبعد وله مراتب بعضها أعلى من بعض فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك فيعطى كل حقه بحسب حاله وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي ) أهــ [ فتح الباري 10/441 ] ، وبعد فهذا ما يتعلق بالجار في زمان أُهمل فيه حق الجيران نسأل الله تعالى السلامة ، اللهم إنا نسألك الإحسان إلى الجيران ونعوذ بك من الإساءة إلى أحد منهم ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس السادس : القيم الأخلاقية العالية : القيمة السادسة إكرام الضيف

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة السادسة : من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  إكرام الضيف  :  إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام ، وهو من جميل الخصال التي تحلَّى بها الأنبياء ، واتصف بها الأجواد الكرماء ، والعرب لم تكن تعدُّ الجودَ إلا قِرَى الضَّيف، وإطعام الطعام، ولا تعدُّ السَّخيَّ من لم يكن فيه ذلك ،  وقد جاء القرآن الكريم والسنّة النبوية المشرفة بما يدل على أنّ إكرام الضيف من أعظم قيم الإسلام الأخلاقية ، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن من لم يكرم ضيفه ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) [ متفق عليه ] ،  أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي شُرَيحٍ خُويْلد بن عمرو رضي الله عنه قال: أبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعتْهُ أذناي حين تكلم به، قال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفَهُ جائزتَهُ ، قالوا : وما جائزتُه ؟ قال: يومٌ وليلةٌ ، والضيافة ثلاثة أيام ، وما كان بعد ذلك فهو صدَقةٌ عليه ))  [ متفق عليه ] ، وفي رواية أخرى لمسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الضيافةُ ثلاثة أيام، وجائزتُه يوم وليلة، ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يُؤثمه  قالوا : يا رسول الله وكيف يؤثمُهُ ؟ قال: يقيم عنده ولا شيء له يقْرِيه به )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (( إن لزَوْرِك عليك حقًّا )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الترمذي إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي على قوله لأبي الدرداء: (( إن لضيفك عليك حقًّا )) [ أخرجه الترمذي ح 2350 ] ، والحديث بتمامه لفائدته ، (( آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَبَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكِ مُتَبَذِّلَةً ؟ قَالَتْ : إِنَّ أَخَاكَ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا ، قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا ، فَقَالَ : كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ ، قَالَ : مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ ، قَالَ : فَأَكَلَ ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيَقُومَ ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : نَمْ ، فَنَامَ ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ ، فَقَالَ لَهُ : نَمْ ، فَنَامَ ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ : قُمِ الْآنَ فَقَامَا فَصَلَّيَا ، فَقَالَ : " إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ " , فَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَا ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ : صَدَقَ سَلْمَانُ )) [ قَالَ الترمذي : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهودٌ ، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءٌ. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهنَّ مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق. فقال: "من يُضيف هذا الليلة رَحمه الله" فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله ، فانطلق به إلى رحْلِهِ فقال لامرأته: هل عندك شيءٌ ؟ قالت: لا إلا قُوتُ صِبياني. قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فاطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السِّراج حتى تُطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال:  قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة ))  [ متفق عليه ] ، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تبوك فقال : ما من الناس مثل رجل آخذ بعنان فرسه، فيجاهد في سبيل الله، ويجتنب شرور الناس، ومثل رجل في غنمه يقري ضيفَهُ ويؤدِّي حقَّهُ )) [ أخرجه أحمد في مسنده ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلةٍ فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟  قالا : الجوع يا رسول الله ، قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا ، فقاموا معه ، فأتى رجلاً من الأنصار ، فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأتهُ المرأة قالت: مرحبًا وأهلاً وسهلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين فلان ؟ قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء. إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمدُ لله، ما أحدٌ اليوم أكرَمَ أضيافًا مني ، قال : فانطلق فجاءهم بعذق فيه بُسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المُدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياك والحَلُوب"، فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا )) [ أخرجه مسلم ] ، إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام ، وهو من جميل الخصال التي تحلَّى بها الأنبياء ، لنا وقفة مع موقف الخليل إبراهيم عليه السلام مع أضيافه ، قال تعالى : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } [ الذاريات : 25 إلى 28 ] ، والمتدبر لموقف الخليل إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يجد أموراً ومواقف تدل على مبلغ الغاية في إكرام الضيوف ، فالتعبير القرآني يأخذنا إلى بيان ذلك ، تبدأ آيات سورة الذاريات بقوله تعالى : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ } ، إذ هم محل إكرام وترحيب من أبي الأنبياء إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، ثم قوله تعالى ( إذ دخلوا عليه ) فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أنه عليه الصلاة والسلام كان قد عرف بإكرام الضيفان ، واعتياد قِراهم فبقي منزله مضيفة مطروقًا لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان ، بل استئذان الداخل دخوله وهذا غاية ما يكون من الكرم ، ثم قوله لهم (سلامٌ ) بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب والسلام بالرفع أكمل ، فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد ، فإبراهيم حيَّاهم أحسن من تحيتهم ، ثم إنّه لما أنكر هيئتهم ولم يعرف أنهم ملائكة ولم يعرف ماذا يريدون  احتشم من مواجهتهم بلفظ مباشر ينفر الضيف فقال : ( سلام قوم منكرون ) على التنكير وليس التعريف " بنى الفعل على نائب الفاعل وليس الفاعل " ليكون ألين في الحديث معهم ، ثم جاء التعبير القرآني العظيم : { فراغ إلى أهله } ، والروغان : هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف ، وهذا من كرم ربِّ المنزل المضيف أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي ، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام بخلاف من يسمع ضيفه ، ويقول له أو لمن حضر : مكانكم حتى آتيكم بالطعام ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه ، ثم جاء التعبير القرآني العظيم : { فجاء بعجل سمين } ، الفاء للتعقيب والسرعة ، فلم يمهل الضيفان حتى أتاهم بالعجل ، وكانوا ثلاثة كما جاء في التفسير ، وكان يكفيهم قدر قليل من اللحم ، ولكنه عليه السلام جاء بعجل كامل بالإضافة إلى أنه عجل سمين  فدل ذلك على تمام الكرم ، ثم جاء التعبير القرآني العظيم : { فقربه إليهم } ، والفاء تدل على التعقيب والسرعة ، والخدمة للضيوف كانت من المضيف نفسه وهذا من تمام إقراء الضيف ، والعرب كانوا يرون خدمةُ الضيف بالنفس من تمام إقراء الضيف وكانوا يقولون : لا يَذِلُّ من خدَم أضيافه ، وكان إكرام الضيف عندهم من أهم مبادئ الأخلاق القيم ، ثم جاء الإسلام ليتمم مكارم هذه الأخلاق ، قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (( إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ )) [ أخرجه الإمام أحمد (2/381)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ( 45 ) ] ، وكذلك فإن التقريب كان للطعام إليهم وليس العكس ، لأنّ هذا ابلغ في إكرام الضيف ، أن يجلس الضيف ثم يقرب الطعام إليه ويحمله إلى حضرته ، ولا يضع الطعام في ناحية ثم يأمر الضيف بأن يتقرب إليه ، ثم جاء التعبير القرآني العظيم : { ألا تأكلون } ، وهذا عرض وتلطف في القول وهو أحسن من قوله : " تفضلوا " أو " كلوا " ، ثم لما رآهم لا يأكلون ، (أوجس منهم خيفة) أي : أحسها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم ، فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا : { لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } ، فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام ، وهو من جميل الخصال التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم ، قال الإمام النووي – رحمه الله- :" الأحاديث متظاهرة على الأمر بالضيافة والاهتمام بها وعظيم موقعها وقد أجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام " [ الشرح على صحيح مسلم (12/30 ) ] ، وإن من إكرام الضيف طيبُ الكلام، وطلاقة الوجه، والخدمةُ بالنفس فإنه لا يَذِلُّ من خدَم أضيافه، كما لا يعِزُّ من استخدمهم ، أو طلب لِقرَاه أجرًا ، والكرام يقبلون على ضيوفهم ، ويرفعون من قدرهم، ويُعلون من منزلتهم ، والتقربُ تجمُّلُ الحديث، والبسطُ ، والتأنيسُ ، والتلقّي بالبشر من حقوق القِرَى ، ومن تمام الإكرام ، وقد قالت العرب وقد عرف من أخلاقهم إكرام الضيف ، قالوا : من تمام الضيافة الطلاقة عند أوَّلِ وهْلَةٍ، وإطالةُ الحديث عند المأكلة ، وأن يقبل المضيف بوجهه على ضيفه وأن يلتمس راحته ورضاه ، وقد قال حاتم الطائي: ( سَلِي الجـائـعَ الغَرْشـان يا أُمَّ مُنـذرِ ... إذا ما أتـاني بَين ناري ومجْـزري ... هل أبسطُ لـه وجُهي إنـه أولُ القِرَى ... وأبـذل معـروفـي له دُونَ مُنْكَري ) ، وقال آخر: ( وإني لطلق الــوجـــه للمـبـتــغـي القِــرَى ... وإن فـنـائـي للقِـــرى لَرَحـيـــبُ ... أضــاحـك ضَيـفــي قـبـل إنـزال رَحْـــلهِ ... فيخصـبُ عندي والمكانُ جديبُ ... وما الخَصْبُ للأضياف أن يكثر القِـرَى ... ولكنَّمـا وجُــهُ الكـريــم خصيـبُ ) ،  وقال آخر : ( يـا ضيفنا لـو زرتنا لوجدتنـا ... نحن الضيوف وأنت رب المنزل  ) ، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأسوة ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم الناس لضيوفه ، وكان يعطي كل واحدٍ من ضيوفه نصيبَهُ ، حتى لا يحسبُ ضيفُهُ أن أحدًا أكرمُ عليه منه ، وقد نفى صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الذي لا يكرم ضيفه ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) [ متفق عليه ] ، اللهم ارزقنا الجود والكرم وإكرام الضيوف ، اللهم إنا نسألك خلق إكرام الضيوف ونعوذ بك من التقصير في حق أحد منهم ، اللهم إنا نعوذ بك من الشح والبخل واللؤم ودسائس الأخلاق  ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس السابع : القيم الأخلاقية العالية : القيمة السابعة بناء لبنات المجتمع الإسلامي الفاضل

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : القيمة السابعة من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام :  المجتمع الرباني الفاضل الذي تتوفر فيه كل معاني الأخلاق العظيمة من التحاب في الله و التآخي في الله ، والبر ، والإحسان ، والإيثار ، والتعاطف ، والتعاون ، والتناصر ، والتآلف ، ومن تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم ، والتكافل فيما بينهم ، ومن التواضع وخفض الجناح للمؤمنين وحسن الخلق معهم ، والحلم والأناة والرفق بهم ، وحسن الظن بعموم المسلمين والعفو عن المسيء منهم ، والستر على العصاة والمذنبين والمقصرين حتى لا تشيع الفاحشة بينهم ، إنّ المجتمع الإسلامي الصادق مجتمع رباني أهم قوامه بعد العقيدة الصحيحة الخلق العظيم والتحلي بمكارم الأخلاق ، إنّ من أَجَلّ الغايات التي تسعى الرسالة الإسلاميَّة إلى تحقيقها : أن يتحلى المجتمع المسلم  بالأخلاق الكريمة ، ولهذا قال النبي : (( إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ )) [ أخرجه الإمام أحمد (2/381)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ( 45 ) ] ، ونبينا الكريم كان أعظم الخلق خلقا ، ولهذا مدحه الله تعالى بقوله : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ، ثم أمرنا القرآن الكريم بامتثال أخلاقه ، فقال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  } [ الأحزاب : 21 ] ،  ومن أهم تلك الأخلاق الربانية العالية التي لابد وأن يتحلى بها المجتمع المسلم :  التحاب في الله  : قال الله تعالى : {وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [ الحشر : 9 ] ، أخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((  لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه   )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الشيخان  عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار )) [ متفق عليه ] ، وأرشد الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين ، إلى سبل هذه المحبة ، وأسباب قيامها بينهم ، ورسوخها في قلوبهم ، وأرواحهم ، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم  )) [ رواه مسلم ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : التآخي في الله : قال الله تعالى : {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [ الحجرات : 10 ] ، وقال تعالى : {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : {وَالّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاّ لّلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَآ إِنّكَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ} [ الحشر : 10 ] ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ، يحث أصحابه على التآخي في الله ، والارتباط برباط الإسلام والإيمان ، أخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه ب‍ها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة  )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ، ولا يكذبه ، ولا يخذله ، كل المسلم على السلم حرام عرضه وماله ودمه ، التقوى ههنا ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم  ))  [ رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن ] ، وأخرج مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( المؤمن أخو المؤمن ، فلا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه ، حتى يذر  )) [ رواه مسلم ] ، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إذا لقي أحدكم أخاه ، فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة ، أو جدار ، أو حجر ، ثم لقيه ، فليسلم عليه  )) [ أخرجه أبوداود ] ، وأخرج مسلم عن ثوبان رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم ، لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع  ، قيل : يا رسول الله : وما خرفة الجنة ؟  قال : جناها  )) [ رواه مسلم ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : الإيثار : قال تعالى : { وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [ الحشر : 9 ] ، لقد بلغ الصحابة رضي الله عنهم هذه المرتبة العظيمة من المحبّة والإيثار بفضل ما كان يحثّهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرغّبهم فيه من المحبّة والأخوة والإيثار ، أخرج الإمام أحمد : عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فقال له سعد : أي أخي ، أنا أكثر أهل المدينة مالاً ، فانظر شطر مالي ، فخذه ، وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلني على السوق  )) الحديث [ أخرجه أحمد ، وأصله في الصحيحين ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : (( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود ، فأرسل إلى بعض نسائه ، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماء ، ثم أرسل إلى أخرى ، فقالت : مثل ذلك ، حتى قلن كلهن مثل ذلك : لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( من يضيف هذا الليلة؟  )) ، فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله ، فانطلق به إلى رحله ، فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية : قال لامرأته : هل عندك شيء؟ ، فقالت : لا ، إلاّ قوت صبياني ، قال : علليهم بشيء ، وإذا أرادوا العشاء ، فنوميهم ، وإذا دخل ضيفنا ، فاطفئي السراج ، وأريه أنا نأكل ، فقعدوا وأكل الضيف ، وباتا طاويين ، فلما أصبح ، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : (( لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة  ))[ متفق عليه ] ،  وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية ، فهم مني وأنا منهم  ))[ متفق عليه ]  ، ومن أهم تلك الأخلاق : التعاطف : قال الله تعالى : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : {مّحَمّدٌ رّسُولُ الله وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [ الفتح : 29 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى  ))[ متفق عليه ] ، وأخرج أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويعرف حق كبيرنا   ))[ أخرجه أبوداود والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ] ، ومن التعاطف الذي أوصى الله تعالى به ورسوله ، وقام عليه المجتمع الإسلامي الأول في أكمل صورة ، وأجمل مقام ، بر الوالدين وصلة الأرحام ، والوصية بالجار ، وإكرام الضيف ، قال الله تعالى : {وَقَضَى رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذّلّ مِنَ الرّحْمَةِ وَقُل رّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبّيَانِي صَغِيراً} [ الإسراء : 23 ،24 ] ، وقال تعالى : {وَالّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} [ الرعد : 21 ] ، وقال تعالى : {وَاعْبُدُواْ الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [ النساء : 36 ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( رغم أنف ، ثم رغم أنف ، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر ، أحدهما أو كليهما ، فلم يدخل الجنة  ))[ رواه مسلم ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم ، قامت الرحم : فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك؟ ، قالت : بلى ، قال : فذلك لك  )) ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اقرأوا إن شئتم : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ في الأرْضِ وَتُقَطّعُوَاْ أَرْحَامَكُمْ ، أَوْلَـَئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [ محمد : 22 ،23 ]  [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ليس الواصل بالمكافيء ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها  ))[ رواه البخاري ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : التعاون : قال الله تعالى : {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرَّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} [ المائدة : 2 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلف غازياً في أهله بخيرٍ فقد غزا  ))[ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه  ))  [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( كل سلامى من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس ، تعدل بين اثنين صدقة ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها ، أو ترفع له عليها متاعه صدقة  ))  [ متفق عليه ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً   وشبّك بين أصابعه )) [ متفق عليه ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : التناصر : التناصر هو نصرة المسلمين ظالمين أو مظلومين ، أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم  قوله : (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً  )) ، فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً ، أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ ، قال : (( تحجزه من الظلم فإن ذلك نصره  ))[ رواه البخاري ] ، ما أحوج المجتمع المسلم إلى صفة التناصر وإلى عقيدة الولاء والبراء في الله تعالى ، يتولى بعضهم بعضا ، كما جاء في قوله تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ، لقد بنى الرسول صلى الله عليه وسلم ، المجتمع المسلم الأول ، على الإخاء ، والحب ، والتعاون ، والتراحم والتناصر الولاء في الله والبراء في الله ، وأرسى تلك المبادئ في ذلك الميثاق النبوي العظيم ، الذي كتبه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، أول وصوله إلى المدينة ، ليكون رباط حب وإخاء ، وعهد فداء وولاء ، وأساساً متيناً من أسس ذلك البناء المسلم الذي يشد بعضه بعضاً ، ويقوم على التناصر والتآزر ، قال ابن إسحاق : (( وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه يهود ، وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم ، وشرط لهم ، واشترط عليهم : (( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم ، فلحق بهم ، وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة من دون الناس ، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، وبنو عوف على ربتعم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، . ، وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظلم ، أو إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين وإن أيديهم عليه جميعاً ، ولو كان ولد أحدهم ، ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ، ولا ينصر كافراً على مؤمن ، وإن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره  )) اهـ .  [  ابن هشام ـ السيرة النبوية ـ 1/501 ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : البِرُّ :  البِرُّ : هو الصِّدق والطَّاعة والخير والفضل ، وإسداء المعروف ، والمبالغة في الإحسان ،  قال تعالى : { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}  [ البقرة : 177 ] ، وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم معنى البر ، وأنه حسن الخلق ، أخرج مسلم عن الـنَّـوَّاسِ بن سمعانَ رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البِرِّ والإثم ، فقال : (( البِرُّ حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع عليه النَّاس )) [ أخرجه مسلم : 2553 ] ، ويدخل فيه احتمال الأذى ، وقلَّة الغضب ، وبسط الوجه ، وطيب الكلام ، وأخرج ابن ماجة عن ثوبانَ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يزيد في العمر إلَّا البِرُّ ، ولا يردُّ القدر إلَّا الدُّعاء ، وإنَّ الرَّجل ليُحْرَم الرِّزق بخطيئة يعملها)) [ أخرجه ابن ماجة ح 18 ، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ] ، والبر ها هنا هو كل ما دل عليه الشرع من خير وطاعة ، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( عليكم بالصِّدق ؛ فإنَّ الصِّدق يهدي إلى البِرِّ .  وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنَّة .  وما يزال الرجل يصدُق ، ويتحرَّى الصِّدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا .  وإيَّاكم والكذب ؛ فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور .  وإنَّ الفجور يهدي إلى النَّار .  وما يزال الرَّجل يكذب ، ويتحرَّى الكذب حتَّى يُكتب عند الله كذابًا )) [ متفق عليه ، البخاري ( 6094 ) ، و مسلم ( 2607 ) ] ، والخلاصة أن البر اسم جامع لكل معاني الخير والإحسان ،  وقد خاطب عباده بقوله سبحانه : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } [ آل عمران : 92 ] ، فلن يصل المسلم إلى مرتبة البر إلا بالنفقة مما يحب من كرائم أمواله قربة إلى الله ،  ومن أهم تلك الأخلاق : الإحسان : قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ، والإحْسَان نوعان :  إحسان في عبادة الخالق سبحانه : بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه ، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث جبريل عليه السلام ما يدل على هذا المعنى ، وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحْسَان ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( أن تعبد الله كأنَّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) [ أخرجه مسلم ] ، وهذا الإحسان معناه الجِدُّ في القيام بحقوق الله ، والنوع الثاني من الإحسان هو : الإحسانٌ في حقوق الخَلْق ، وهو بذل جميع المنافع لهم والانعام عليهم ، قال سبحانه { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [ القصص : 77 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [ الأعراف : 56 ] ، وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال)) إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء )) [ مسلم : 1955 ] ،  إن الإحسان من أعظم المبادئ الأخلاقية التي أمر الشرع الإسلامي بها ، ويكفي في بيان فضيلته ، قوله تعالى : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصِّلت : 34 ، 35 ] ، وقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [ القصص : 54 ] ، ونفهم من الآيتين : أن هذا الإحسان في حق من أساء إلينا ، فكيف يُتصور الإحسان مع من لم يسيء إلينا ، بل كيف يُتصور الإحسان مع من أحسن إلينا ، أو من لهم حقوق علينا كأولياء الأمور والوالدين والأهل والأولاد ، وذوي الرحم ، والجيران ، والضيفان وابن السبيل ، والمحتاجين من المسلمين بل وعموم المسلمين ، فالإحسان إلى أولياء الأمور يكون بطاعتهم في المعروف ، أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ،  ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ،  والإحسان للوالدين يكون ببرِّهما ، وإيصال الخير المستطاع إليهما ، والدُّعاء والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، قال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [ الإسراء : 23-24 ] ، وقال تعالى : { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [ لقمان : 14 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) [ متفق عليه ] ، والإحسان إلى الأهل والعيال : يكون بالخيرية لهم ، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة  ] ،  والإحسان للأقارب وذوي الرحم يكون  ببرِّهم ورحمتهم والعطف عليهم ، وفعل ما يَجْمُل فعله معهم ، وترك ما يسيء إليهم ،  تارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة ، وتارة بالسلام ، وتارة بطلاقة الوجه، وتارة بالنصح، وتارة برد الظلم، وتارة بالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة ، قال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) [  متفق عليه : البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (7/96) برقم 5986 ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2557 ] ، والإحْسَان إلى الجار فرض واجب ، فقد أوصى الإسلام بالإحسان إلى الجار ، وحرم أذاه بالقول والفعل ، وجعل منع الأذى عنه من خصال الإيمان، ونفى الإيمان عن من لا يأمنه جاره، وأخبر أن خير الجيران عند الله خيرهم لجاره، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 369، 370) ،ومسلم (2624، 2625) ] ، والإحسان إلى الضيوف من أهم مكارم الأخلاق ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :   (( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) [ متفق عليه ] ، والإحسان إلى اليتامى يكون بالمحافظة على أموالهم ، وصيانة حقوقهم ، وتأديبهم وتربيتهم بالحسنى ، والمسح على رؤوسهم ، والإحسان إلى المساكين يكون بسدِّ جوعهم ، وستر عورتهم ، قضاء حوائجهم ، والإحسان إلى ابن السَّبيل بقضاء حاجته ، وسدِّ خلَّته ، ورعاية ماله ، وصيانة كرامته ، وبإرشاده إن استرشد ، وهدايته إن ضلَّ ، والإحسان إلى عموم المسلمين بالتَّلطُّف في القول لهم ، ومجاملتهم في المعاملة ، وبإرشاد ضالِّهم ، وتعليم جاهلهم ، والاعتراف بحقوقهم ، وبإيصال النَّفع إليهم ، وكفِّ الأذى عنهم ، اللهم ارزقنا الإحسان في كل شيء ، ومن أهم تلك الأخلاق : التآلف : التآلف هو الأنس والمحبة ، والالتئام والاجتماع واتِّفاق الآراء مع المودة والمحبة ،  ومنه قوله تعالى : {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [ آل عمران : 103 ] ، وقوله تعالى{ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [ ال عمران : 103 ] ، وقال سبحانه :  { وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}  [ الأنفال : 62-63 ] ، والمجتمع المسلم الحقيقي مجتمع إلف متآلف ، أخرج الإمام أحمد والحاكم والبيهقي عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف ، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف )) [ المسند ح ( 9187 ) ، الحاكم ج 1 ص 73 ، والبيهقي ح ( 21627 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح ( 425 ) ] ، فالمؤمن يأْلَف ويُؤْلَف لحسن أخلاقه وسهولة طباعه ولين جانبه ، ومن أهم تلك الأخلاق : التَّودُّد : التَّودُّد من الوُدِّ ، والوُدُّ : هو الحُبُّ ، والتواد : التحاب ، قال تعالى{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [ مريم : 96 ] ، أي سيجعل لهم الرحمن المحبة  يحبهم ويحبونه كما في قوله تعالى : { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } ، وأخرج الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألا أخبركم بمن يحرم على النَّار ، وبمن تحرم النَّار عليه؟ على كلِّ هيِّن ليِّن قريب سهل)) [ أخرجه الترمذي ح ( 2488 ) ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النُّعمان بن بَشير رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى)) [ متفق عليه ، البخاري ح ( 6011 ) ، ومسلم ( 2586 ) ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : البَشَاشَة :  وهي طلاقة الوجه ، مع الفرح ، والتَّبسُّم ، وحسن الإقبال ، واللُّطف في المسألة  ، والبشاشة : إشراقه الوجه حين مقابلة الخلق ، وهو ضدُّ العبوس ، وهي أيضًا : السُّرور بمن تلقاه ،  أخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه ، قال : قال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم  : ((  لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق  )) [ أخرجه مسلم : ح ( 2626 ) ، وأخرج الترمذي وأحمد عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كلُّ معروف صدقة ، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق )) [ أخرجه الترمذي ح ( 1970 ) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ] ، وأخرج الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة ، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة ، وإرشادك الرَّجل في أرض الضَّلال لك صدقة ، وبصرك للرَّجل الرَّديء البصر لك صدقة ، وإماطتك الحجر والشَّوكة والعظم عن الطريق لك صدقة ، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)) ، [ أخرجه الترمذي ح ( 1956 ) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ] ، والنبي  صلى الله عليه وسلم معروف  بَشَاشَته عند مقابلته للناس ، ففي الصحيحين عن جرير رضي الله عنه قال (( ما حجبني النَّبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي)) [ البخاري ح ( 3035 ) ، ومسلم ح ( 2475 ) ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم ، لقول الله تعالى : { وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه } [ الحج : 30 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } [ الحج : 32 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ الحجر : 88 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ : قَبَّلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحَسَنَ بْنَ عَليٍّ رضي الله عنهما ، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِس ، فَقَالَ الأقْرَعُ : إن لِي عَشرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَداً ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : (( مَنْ لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ ! ))  مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ لاَ يَرْحَم النَّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ الله )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ للنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ ، فَإن فيهِم الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبيرَ ، وَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه البخاري عن أَبي قَتادةَ الحارثِ بن رِبعِي رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاة ، وَأُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأسْمَع بُكَاءَ الصَّبيِّ فَأَتَجَوَّزَ في صَلاتي كَرَاهية أنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ )) رواه البخاري ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَنَاجَشُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْع بَعْض ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً ، المُسْلِمُ أخُو المُسْلم : لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، التَّقْوَى هاهُنَا - ويشير إِلَى صدره ثلاث مرات - بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم خَمْسٌ : رَدُّ السَّلامِ ، وَعِيَادَةُ المَريض ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَة ، وتَشْميتُ العَاطِسِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وفي رواية لمسلم : (( حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ : إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ ، وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ ، وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ )) ،  ومن أهم تلك الأخلاق :  التكافل : لقول الله تعالى : { وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } [ سبأ : 39 ] ، وقوله تَعَالَى : {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 272 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } [ البقرة : 273 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أنَّ رَجُلاً سَألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : ((  تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً ، وَمَا تَواضَعَ أحَدٌ لله إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ عز وجل )) رواه مسلم ، ومن أهم تلك الأخلاق : التواضع وخفض الجناح للمؤمنين : لقول الله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، وقوله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ }   [ المائدة : 54 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((  إنَّ الله أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ ، وَلاَ يَبْغِي أحَدٌ عَلَى أحَدٍ )) رواه مسلم ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ : ((  مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زادَ اللهُ عَبْداً بعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ )) رواه مسلم ، ومن أهم تلك الأخلاق :  حسن الخلق : لما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قال : كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ النَّاس خُلُقاً . متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قَالَ : مَا مَسِسْتُ دِيبَاجاً وَلاَ حَرِيراً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلاَ شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سنين ، فما قَالَ لي قَطُّ : أُفٍّ، وَلاَ قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ : لِمَ فَعَلْتَه ؟ وَلاَ لشَيءٍ لَمْ أفعله : ألاَ فَعَلْتَ كَذا ؟ متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قَالَ : لَمْ يكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَاحِشاً وَلاَ مُتَفَحِّشاً ، وكان يَقُولُ : ((  إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقاً )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الترمذي عن أَبي الدرداءِ رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ،  وما أخرجه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((  أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ، ومن أهم تلك الأخلاق : الحلم على المسلمين والأناة والرفق بهم  : لقول الله تعالى : { وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ } [ آل عمران : 134 ] ، وقوله تَعَالَى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ } [ الأعراف : 199 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصلت : 34-35 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  إنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ في شَيْءٍ إِلاَّ  زَانَهُ ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه مسلم عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يقولُ : ((  مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (( مَا خُيِّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إِلاَّ أَخَذَ أيْسَرَهُمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ إثماً ، فَإنْ كَانَ إثماً ، كَانَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ ، إِلاَّ أن تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله ، فَيَنْتَقِمَ للهِ تَعَالَى ))  متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  ألا أخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار ؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار ؟ تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ ، هَيّنٍ ، لَيِّنٍ ، سَهْلٍ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) ، ومن أهم تلك الأخلاق : العفو عن المسيء والإعراض عن الجاهل  : نجد قول الله تعالى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ } [ الأعراف : 199]، وقوله تَعَالَى : { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } [ الحجر : 85 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألاَ تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ } [ النور : 22 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ } [ آل عمران : 134 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما كذبته قريش وثقيف أتاه مَلَكُ الجِبَالِ ، فَسَلَّمَ عَلَيَّه ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ سَمِع قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَأنا مَلَكُ الجِبال ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ، فَمَا شِئْتَ ، إنْ شئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ )) . فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ((  بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً )) [ والحيث متفقٌ عَلَيْهِ ] ، وما أخرجه مسلم عنها رضي الله عنها ، قالت : مَا ضَرَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ ، وَلاَ امْرَأةً وَلاَ خَادِماً ، إِلاَّ أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ ، إِلاَّ أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى ، فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى . رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قَالَ : كُنْتُ أمشي مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَبذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدةً ، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، مُر لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ . فَالتَفَتَ إِلَيْهِ ، فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ . متفقٌ عَلَيْهِ ، ومن أهم تلك الأخلاق : حسن الظن بالمسلمين : ومعناه هو ترجيح جانب الخير على جانب الشَّر في حق المسلمين ، قال الله تعالى : { لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ}[ النور : 12 ] ، وقال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } [ الحجرات : 12 ] ، أخرج البخاري في الأدب المفرد والإمام أحمد في المسند عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : (( إيَّاكم والظَّن ، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث ، ولا تحسَّسوا ، ولا تجسَّسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله إخوانًا ))  [ الأدب المفرد : 6064 ، والمسند : 8103 ] ، ومن أهم تلك الأخلاق : السَّتْرُ : حتى لا تشيع الفاحشة بين المؤمنين ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [ النُّور : 19 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [ الحجرات : 12 ] ، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرَّجل الشَّيء ،لم يقل : ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ وهذا مشهور عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كلُّ أمَّتي معافى إلا المجَاهرين ، وإنَّ من المجَاهرة : أن يعمل الرَّجل باللَّيل عملًا ، ثمَّ يصبح وقد سَتَره الله عليه ، فيقول : يا فلان ، عملت البارحة كذا وكذا .  وقد بات يَسْتُره ربُّه ، ويصبح يكشف سِتْر الله عنه)) [ متفق عليه ، البخاري ح ( 6069 ) ، ومسلم ( 2990 ) ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا ، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة ، ومن سَتَر على مسلم ، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه )) [ أخرجه مسلم ، ح ( 2699 ) ] ، وأخرج أبو داود والإمام أحمد في مسنده عن أبي برزة الأسلمي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا معشر من آمن بلسانه ، ولم يدخل الإيمان قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عَورَاتهم ، فإنَّه من اتَّبع عَوراتهم يتَّبع الله عَوْرته ، ومن يتَّبع الله عَوْرته يفضحه في بيته))  [ أخرجه أبو داود ، ح ( 4880 ) ، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود : حسن صحيح ] ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

***

 

المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية :  وفيها أربعة دروس أخلاقية ،

 

( الدرس الأول ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية المبدأ الأول العدل ،

( الدرس الثاني ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الثاني الإحسان ،

( الدرس الثالث ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الثالث مكارم الأخلاق ( إيتاء ذي القربى )

( الدرس الرابع ) : المبادئ الأخلاقية الإسلامية  المبدأ الرابع النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ،

***

 

الدرس الاول :  المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : المبدأ الأول : العدل في كل أمر

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فإنّ أهم المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية يشملها قول الله تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 89 ، 90 ] ، قرأ الحسن البصري : هذه الآية : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }  ثمَّ وقف فقال: إنَّ الله جمع لكم الخير كلَّه والشَّر كلَّه في آية واحدة، فو الله ما ترك العدل والإحْسَان شيئًا مِن طاعة الله عزَّ وجلَّ إلَّا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي مِن معصية الله شيئًا إلَّا جَمَعه ) [ حلية الأولياء ، ج 2 ، ص 158 ] ، إذن أهم المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : تشملها هذه الآية وتتناول : أربعة مبادئ ربانية عظيمة : أولها العدل في كل أمر وثانيها :الإحسان في كل شيء ، وثالثها إيتاء ذي القربى جميعهم حقوقهم ، ورابعها النهي عن كل دسائس الأخلاق مما يدخل في عموم الفحشاء والمنكر والبغي ، وفي هذه الحلقة أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان المبدأ الأول من المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : العدل :  العَدل: إعطاء كل ذي حق حقه من غير إفراط أو تفريط ، والعدل من أوجب الواجبات في التشريع الإسلامي ، وهو فضيلةٌ أمر الله تعالى بها : قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ، وقال سبحانه : { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } ، وقال تعالى : { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } (الأنعام:152 ) ، وقال الله تعالى في الحديث القدسي : (( يا عبادي ؛ إني حرمت الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرماً ، فلا تَظالموا )) أي : لا يظلم بعضكم بعضاً ، [ والحديث أخرجه مسلم ] ، ومن أسمائه سبحانه ( العدل ) ، و ( العدل ) هو الحكم العدل المنزه عن الجور والظلم ، ولهذا ركز القرآن الكريم على هذه القضية بقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ يونس : 44 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } [ النساء : 40 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [ الكهف : 49 ] ، سبحان الله الحكم العدل الذي لا يظلم أحداً ،  ومن أسمائه سبحانه ( المقسط ) ، قال تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ آل عمران : 18] ، و ( قائماً بالقسط ) أي حاكماً بالعدل ، وقوله تعالى : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } [ الأنبياء : 47 ]  ، و ( نضع الموازين القسط ) أي موازين العدل ، و ( المقسط ) سبحانه هو الذي ينتصف للمظلوم من الظالم ، ، فإذا رجع الظالم عن ظلمه وتاب إلى الله أكرمه الله المقسط بأن يضيف إلى إرضاء المظلوم إرضاء الظالم وذلك غاية العدل والإنصاف ، ولما كان الله تعالى هو ( المقسط ) فإنه يحب من عباده المقسطين الذين ينصفون الناس حتى من أنفسهم ، قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم  : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [ المائدة : 42 ] ، وقال تعالى مخاطباً جميع المؤمنين : { وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [ الحجرات : 9 ] ، والله تعالى كما أنه عادل مقسط فهو قد أوجب العدل والقسط على عباده ، وأعلى منزلة العادلين والمقسطين ، فقال سبحانه { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  } (المائدة:42 ) (الأعراف : الآية29) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( إن المقسطين يوم القيامة عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن – وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا )) [  أخرجه مسلم  ] ، وكما بيَّن  صلى الله عليه وسلم منزلة العادلين ، فهو صلى الله عليه وسلم  إمام أهل العدل والقسط ، قد التزم العدل في نفسه وأهله والناس أجمعين ، أما مع نفسه ؛ فقد كان يعطي لنفسه حقها من العبادة ، ومن الراحة ، ومن الطعام والشراب والحاجة ، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم [  أخرجه البخاري ] ، وأما مع أهله ؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : ((  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك )) يعني القلب  [  رواه أبوداود (2/242) ، والحاكم(2/204) ، وصححه ] ، لقد ضرب لنا الرسول الكريم أروع الأمثلة في كمال العدل ، ومن ذلك :  ورد (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ، وفي يده قدح يعدل به القوم ، فمر بسواد بن غزيَّة حليف بني عدي ابن النجار قال : وهو مستنتل  من الصف ، فطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدح في بطنه ، وقال : استو يا سواد .  فقال : يا رسول الله ، أوجعتني ، وقد بعثك الله بالعدل ، فأقدني .  قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : استقد .  قال : يا رسول الله ، إنَّك طعنتني ، وليس عليَّ قميص .  قال : فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ، وقال : استقد  قال : فاعتنقه ، وقبَّل بطنه ، وقال : ما حملك على هذا يا سواد؟ قال : يا رسول الله ، حضرني ما ترى ، ولم آمن القتل ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك .  فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له بخير))  ،  وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنَّ قريشًا أهمَّهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ، فقالوا : من يكلِّم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم .  فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلمه فيها أسامة بن زيد ، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول الله .  فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال أما بعد : فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وإني -والذي نفسي بيده- لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) ،  ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها  ، وضد العدل الظلم ، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه المختص به ، وما أكثر الآيات الواردة في ذم الظلم والظالمين كثيرة ومتنوعة فمنها : آيات وردت في تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم ، قال تعالى : {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ }[ غافر : 31 ] ، وقال :{ وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [ فصلت : 46  ] ، وقال : {وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ } [ آل عمران : 108 ] ، وقال سبحانه : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا }[ النساء : 40 ] ، وقال : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }[ يونس : 44 ] ، ومنها آيات تتحدث عن إهلاك الله تعالى للظالمين ، وتوعدهم بعقوبات في الدنيا والآخرة ، يقول تعالى : {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [ هود : 102 ] ،  وقوله تعالى : {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ } [ سبأ : 42 ] ، وقال الله تعالى :{ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ } [ غافر : 18 ] ، وقال تعالى : {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [ الحج :71 ] ، {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [ هود :18 ] ، {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } [ الزمر :24 ] ،{ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [ الأنعام : 21 ] ، وقال : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ المائدة : 51 ] ، ومنها آيات جاء فيها وصف المعاصي بالظلم : ومنها قوله تعالى : {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } [ الطلاق : 1 ] ، وقوله تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [ النساء : 10 ] ،  ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الظلم وأهله ، : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( قال الله تبارك وتعالى : يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا  ))  ،  وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( اتَّقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتَّقوا الشحَّ؛ فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم ))  [ صحيح مسلم]  ، وعن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الله ليُملي للظالم ، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : 102 ] ))   [ متفق عليه ]  ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة ))  ،  ومن آثار الظلم وعواقبه : أن الظالم مصروف عن الهداية : قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ المائدة : 51 ] ، وأن الظالم لا يفلح أبدًا : قال تعالى :{ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [ الأنعام :21 ] ، وأن الظالم عليه اللعنة من الله : يقول الله عزَّ وجلَّ : {يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [ غافر : 52 ] ، وأن الظالم يحرم من الشفاعة :  قال تعالى : {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [ غافر : 18 ] ، وأن الظالم تصيبه دعوة المظلوم ولا تخطئه : قال صلى الله عليه وسلم : (( واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ))  ، كما أن الظلم سبب للبلاء والعقاب : قال تعالى : {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } [ الحج :45 ] ، وقال تعالى : {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [ هود :102 ] ، وقال سبحانه :{ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [ الكهف : 59 ] ، إذن الله تعالى هو الحكم العدل ، ومن أهم المبادئ الأخلاقية السامية التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم  خلق العدل ، اللهم ارزقنا العدل وجنبنا الظلم والظالمين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

***

 

الدرس الثاني :  المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : المبدأ الثاني : الإحسان إلى كل شيء

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : المبدأ الثاني من المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : الإحسان : والإحْسَان ضِدُّ الإساءة ، والإحسان من أعظم المبادئ الأخلاقية التي أمر الشرع الإسلامي بها ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ،

والإحْسَان نوعان :  إحسان في عبادة الخالق سبحانه : بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه ، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث جبريل عليه السلام ما يدل على هذا المعنى ، وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحْسَان ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( أن تعبد الله كأنَّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) [ أخرجه مسلم ] ، وهذا الإحسان معناه الجِدُّ في القيام بحقوق الله ، وهذا الإحسان هو خلق الصديقين والسابقين والمقربين والمسارعين إلى عمل الخيرات والمتنافسين في القرب من رب العباد ونيل رضوانه ، وهو خلق العارفين بالله السالكين طريقه الخائفين من مقامه وعذابه والطامعين في رضوانه والراجين لرحمته ،  والإحسان بهذا المعنى هو إحسان الاعتقاد في الله وإحسان عبادة الله ، وإحسان العمل لوجه الله ، وهو تصويب العمل وإخلاصه وإتقانه ابتغاء مرضاة الله ، وأول منازل هذا المعنى من الإحسان ( المراقبة ) لقوله صلى الله عليه وسلم (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ويندرج المحسن في منازل المراقبة حتى يبلغ مرتبة ( المشاهدة ) وهي كما قال صلى الله عليه وسلم (( أن تعبد الله كأنك تراه )) . فالمراقبة تكون بمراقبة الله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة مع اليقين الدائم بأن الله يراك في كل حين فتحسن العمـل وتخلصـه وتتقنـه لله . ويدرج المحسن بعد ذلك في منازل الإحسان عن طريق إتقان مقامات القلوب من التوبة والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا وإحسان أعمال القلوب من التقوى والمحبة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والصبر والشكر والتقوى ، وعن طريق العبادات والقربات والطاعات من الصلاة والصيام والصدقة والإنفاق والقيام وتلاوة القرآن ، وعن طريق التنـزه عن المكروهات فضلاً عن المحرمات ، واتقاء الشبهات واجتناب الصغائر فضلاً عن الموبقات ، فبإحسـان أعمال القلب ، وبإحسـان أعمال اللسان ، وبإحسـان أعمـال الجـوارح لا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يُنعم عليه بمنازل الإحسان ، وأخلاق المحسنين ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } ، 

والنوع الثاني من الإحسان هو : الإحسانٌ في حقوق الخَلْق ، وهو بذل جميع المنافع لهم والانعام عليهم ، قال سبحانه { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [ القصص : 77 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [ الأعراف : 56 ] ، وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال)) إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء )) [ مسلم : 1955 ] ،  وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما- قال : (( أقبل رجلٌ إلى نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد ، أبتغي الأجر مِن الله .  قال : فهل مِن والديك أحدٌ حيٌّ؟ قال : نعم ، بل كلاهما .  قال : أفتبتغي الأجر مِن الله؟ قال : نعم ، قال : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما )) [ مسلم ح : 2549 ] ، وأخرج الترمذي وابن ماجة عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ؛ قال : حدَّثني أبي ، أنَّه شهد حجَّة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .  فحمد الله وأثنى عليه ، وذكَّر ووعظ .  فذكر في الحديث قصةً فقال (( ألا واستوصوا بالنِّساء خيرًا ، فإنَّما هنَّ عَوَان عندكم ليس تملكون منهنَّ شيئًا غير ذلك ، إلَّا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنَة ، فإن فعلن فاهجروهنَّ في المضاجع ، واضربوهنَّ ضربًا غير مُبَرِّح ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلًا .  ألا إنَّ لكم على نسائكم حقًّا ، ولنسائكم عليكم حقًّا .  فأمَّا حقُّكم على نسائكم فلا يُوطِئْن فرشكم مَن تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون .  ألا وحقُّهنَّ عليكم أن تحسنوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامهنَّ )) [ أخرجه الترمذي ح 1163 وقال حسن صحيح ، وابن ماجة : ح 1851 ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع : ح 7880 ] ،

إن الإحسان من أعظم المبادئ الأخلاقية التي أمر الشرع الإسلامي بها ، ويكفي في بيان فضيلته ، قوله تعالى : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصِّلت : 34 ، 35 ] ، وقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [ القصص : 54 ] ، ونفهم من الآيتين : أن هذا الإحسان في حق من أساء إلينا ، فكيف يُتصور الإحسان مع من لم يسيء إلينا ، بل كيف يُتصور الإحسان مع من أحسن إلينا ، أو من لهم حقوق علينا كأولياء الأمور والوالدين والأهل والأولاد ، وذوي الرحم ، والجيران ، والضيفان وابن السبيل ، والمحتاجين من المسلمين بل وعموم المسلمين ،

فالإحسان إلى أولياء الأمور يكون بطاعتهم في المعروف ، فطاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ، أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ،  وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة )) [ أخرجه البخاري ح ( 6723 ) ] ، وما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : (( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ )) [ أخرجه مسلم ح ( 1837 ) ، وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام  للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً ،  ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ،  

والإحسان للوالدين يكون ببرِّهما ، وإيصال الخير المستطاع إليهما ، والدُّعاء والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، قال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [ الإسراء : 23-24 ] ، وقال تعالى : { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [ لقمان : 14 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي قال : (( أمك )). قال ثم من قال : )) ثم أمك )) . قال ثم من قال : (( ثم أمك )) . قال ثم من قال (( ثم أبوك ))  [ متفق عليه ] ،

والإحسان إلى الأهل والعيال : يكون بالخيرية لهم ، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة  ] ،  ومن جملة الخيرية  الإحسان إلى الزوجة والعيال وقوله صلى الله عليه وسلم : (( وأنا خيركم لأهلي )) دلالة على أن من خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم أنّه  كان أحسن الناس عشرة لأهله ، فهذه عائشة رضي الله عنها تقول : (( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله )) [ أخرجه مسلم ] ، و هذا انس يقول "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط  وما قال لي لشيء صنعته : لم صنعته؟ ولا لشيء تركته : لم تركته ؟ و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً )) [ متفق عليه ] ،  و هذه خديجة رضي الله عنها تقول له حينما قال لها لقد خشيت على نفسي تقول (( كلا و الله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الدهر) [ متفق عليه ] ، 

والإحسان للأقارب وذوي الرحم يكون  ببرِّهم ورحمتهم والعطف عليهم ، وفعل ما يَجْمُل فعله معهم ، وترك ما يسيء إليهم ،  تارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة ، وتارة بالسلام ، وتارة بطلاقة الوجه، وتارة بالنصح، وتارة برد الظلم، وتارة بالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة على حسب القدرة والحاجة والمصلحة ، قال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) [  متفق عليه : البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (7/96) برقم 5986 ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2557 ] ،

والإحْسَان إلى الجار فرض واجب ، فقد أوصى الإسلام بالإحسان إلى الجار ، وحرم أذاه بالقول والفعل ، وجعل منع الأذى عنه من خصال الإيمان، ونفى الإيمان عن من لا يأمنه جاره، وأخبر أن خير الجيران عند الله خيرهم لجاره، ومن أدلة الإحسان إلى الجار في الكتاب والسنّة  : قول الله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النساء : 36 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 369، 370) ،ومسلم (2624، 2625) ] ، وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :  : (( يا أبا ذر إذا طبخت مرقة  فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك )) [  رواه مسلم ، مسلم (4/ 2025) رقم حديث الباب (142، 143) ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  : (( والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن )) [  قيل من يا رسول الله ؟ قال :  : (( الذي لا يأمن جاره بوائقه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 370، 371) ومسلم (46) ] ، 

والإحسان إلى الضيوف من أهم مكارم الأخلاق ، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن من لم يكرم ضيفه ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :   (( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) [ متفق عليه ] ، والإحسان إلى اليتامى يكون بالمحافظة على أموالهم ، وصيانة حقوقهم ، وتأديبهم وتربيتهم بالحسنى ، والمسح على رؤوسهم ، والإحسان إلى المساكين يكون بسدِّ جوعهم ، وستر عورتهم ، قضاء حوائجهم ، والإحسان إلى ابن السَّبيل بقضاء حاجته ، وسدِّ خلَّته ، ورعاية ماله ، وصيانة كرامته ، وبإرشاده إن استرشد ، وهدايته إن ضلَّ ، قال تعالى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ  كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } [ الإسراء : 26 إلى 28 ] ، وقال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، والإحسان إلى الأجير يكون بإتيانه أجره قبل أن يجفَّ عرقه ، وبعدم إلزامه ما لا يلزمه ، أو تكليفه بما لا يطيق ، وبصون كرامته ، واحترام شخصيَّته ، والإحسان إلى عموم المسلمين بالتَّلطُّف في القول لهم ، ومجاملتهم في المعاملة ، وبإرشاد ضالِّهم ، وتعليم جاهلهم ، والاعتراف بحقوقهم ، وبإيصال النَّفع إليهم ، وكفِّ الأذى عنهم ، ، والإحسان إلى الحيوان يكون بإطعامه إن جاع ، ومداواته إن مرض ، وبعدم تكليفه ما لا يطيق ، وحمله على ما لا يقدر ، وبالرِّفق به إن عمل ، وإراحته إن تعب ، لقد بلغ من الاهتمام بالإحسان في الإسلام أنّ الشرع الحكيم أوصى بالإحسان إلى الحيوان ، قال صلى الله عليه وسلم )) إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة )) ، ودخل رجل الجنة لإحسانه إلى كلب كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : (( بينما رجل يمشي بطريق ، اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا فنزل فيها ، فشرب ثم خرج ، فإذا كلب يلهث ، يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي ، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ، قالوا : يا رسول الله ، وإن لنا في البهائم أجرا ؟ فقال : في كل ذات كبد رطبة أجر )) ، فحسن الخلق فى الإسلام يمتد ليشمل كل الكائنات الحية ولذلك غفر الله لبغى من بنى إسرائيل سقت كلباً يلهث من العطش ، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض [ أخرجه البخاري ] ، والإحسان في العمل يكون  بإجادة العمل مراعة حق صاحب العمل فيه ، والإحسان في الصناعة يكون بإتقان الصَّنعة ، والبراءة من الغش فيها ، إن الإحسان خلق عام ومبدأ شامل يدخل فيه الإحسان في كل أمر والإحسان في كل شيء ، اللهم ارزقنا الإحسان في كل شيء ، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثالث : المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : المبدأ الثالث : التحلي بمكارم الأخلاق

إيتاء ذي القربى

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : المبدأ الثالث من المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : التحلي بمكارم الأخلاق ، وأولها :  إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى :   و ( إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) : يشتمل على الوالدين والأولاد والأهل وذوي القرابة والرحم ، ففيما يتعلق بالوالدين ،  فقد أولى شرع الإسلام  عناية فائقة ببر الوالدين ، والنهي عن عقوقهما ،  لقد قرن القرآن الكريم  في آيات عديدة بر الوالدين بعبادة الله ، منها قوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  } [ النساء : 36 ] ، وقوله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، وقد تواترت الأحاديث على بر الوالدين والإحسان إليهما ، ومن ذلك : ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) [ متفق عليه ] ، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي قال : (( أمك )). قال ثم من قال : )) ثم أمك )) . قال ثم من قال : (( ثم أمك )) . قال ثم من قال (( ثم أبوك ))  [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد ، أبتغى الأجر من الله. قال : (( فهل من والديك أحد حي ؟ )) . قال نعم بل كلاهما. قال : (( فتبتغى الأجر من الله ؟ )). قال نعم. قال : (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال : (( أحي والداك ؟ )) . قال : نعم . قال : (( ففيهما فجاهد )) [ أخرجه مسلم ] ، كما ورد النهي في الكتاب والسنة عن عقوق الوالدين ، كما جاء في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [ الرعد : 25 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [ البقرة : 26 ، 27 ] ، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على أنّ عقوق الوالدين من أكبر الكبائر  ، ما أخرجه الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (( إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ , وَمَنْعًا وَهَاتِ , وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ : وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ )) [ أخرجه البخاري ] ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا ؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ , فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ (( [ متفق عليه ] ،

وفيما يتعلق بالأولاد والذرية والأهل ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة ] ،   أولاً : بيان حرص الإسلام على تربية الأولاد : لقد حرص الإسلام على تربية الأولاد على منهج الله أعظم الحرص ، قال تعالى – عند ذكر حرص إبراهيم عليه السلام على هداية ذريته - : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } [ البقرة : 124 ] ، فلما بشره الله تعالى بالإمامة في الدين طلبها لذريته من بعده ، فأخبره الله تعالى أنها لا تكون للظالمين ، وقوله تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [ البقرة : 127 ، 128 ] ، فالدعاء للذرية يتمثل في قول إبراهيم واسماعيل عليهما السلام : { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ } ، دعَوَا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام ، وقوله تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 131 ، 132 ] ، أمره الله تعالى بالإسلام فأطاع ، ثم وصى بنيه وذريته باتباع دين الإسلام وكذلك وصى يعقوب عليه السلام بنيه بذلك ،  )يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ( أي: اختاره وتخيره لكم، رحمة بكم، وإحساناً إليكم، فقوموا به، واتصفوا بشرائعه، وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك، فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه ، وكذلك قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } [ إبراهيم : 35 ] ،  إبراهيم عليه السلام يدعو ربه أن يرزقه وبنيه التوحيد ويجنبهم الشرك وعبادة الأصنام : { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } ، ولما أمره الله تعالى بترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل في مكة المكرمة وكانت آنذاك صحراء جرداء ، لم ينس ذريته فدعا ربه قائلا : { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } [ إبراهيم : 37 إلى 40 ] ،  حرص على إقامة الصلاة : { رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ  } ، وحرص على شكر الله : { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } ، وحمد لله على الذرية الصالحة لأنها من أعظم النعم : {  الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } ، قد كان حريصا على أن ينال تلك النعمة أشد الحرص ، لذا كثيرا ما دعا الله تعالى بهذا الدعاء : { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ } [ الصافات : 100 ، 101 ] ،  وكذلك نبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام : كان يتعاهد أهله وذريته بالصلاة عبادة الله : قال تعالى : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا } [ مريم 54 ، 55 ] ، ونبي الله زكريا عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام كان حريصا على أن يرزقه الله تعالى الذرية الطيبة ، قال تعالى : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ  } [  آل عمران : 38 ] ، و قال تعالى : { وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [ الأنبياء : 89 ، 90 ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، أمره اللَّه تعالى بقوله : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } [ طه : 132 ] ، أي: حثّ أهلك على الصلاة ، وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا  بإقامتها، بحدودها وأركانها وآدابها وخشوعها ، كما أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الناس بذلك بقوله : ((مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِع)) [ أخرجه أحمد : ح  6756 ،  وأبو داود : ح 495، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (2/ 401) : إسناده حسن صحيح ] ،  كما خاطب الله تعالى المؤمنين بما خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(  } [ التحريم : 6 ] ،  )قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا( موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة، ووقاية الأنفس بإلزامها أمر اللَّه، والقيام بأمره امتثالاً، ونهيه اجتنابًا، والتوبة عما يسخط اللَّه، ويوجب العذاب، ووقاية الأهل، والأولاد، بتأديبهم، وتعليمهم، وإجبارهم على أمر اللَّه، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر اللَّه به في نفسه ، وفيما يدخل تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممن هو تحت ولايته وتصرفه ، ووصف اللَّه النار بهذه الأوصاف، ليزجر عباده عن التهاون بأمره فقال تعالى : { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ } أي : غليظة أخلاقهم، عظيم انتهارهم، يفزعون بأصواتهم ويخيفون بمرآهم، ويهينون أصحاب النار بقوتهم، ويمتثلون فيهم أمر اللَّه، الذي حتم عليهم العذاب، وأوجب عليهم شدة العقاب،  { لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ،  لقد شرح لنا القرآن الكريم أهم الأسس التربوية على لسان  لقمان الحكيم ، في قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } [ لقمان : 12 إلى 19 ] ، ففي هذه الآيات وصف اللّه تعالى لقمان بالحكمة ، وذكر بعض ما يدلّ على حكمته في وعظه لابنه ، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال : ) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ (،والوعظ يكون بالنصيحة والإرشاد والأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب ، فأمره بالإخلاص والإيمان ، ونهاه عن الكفر والشرك ، وأمره ببر الوالدين والإحسان إليهما وأمره بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأمره بالصبر على طاعة الله ، وأمره بأصول الأخلاق العظيمة من التواضع وحسن معاملة الخلق والقصد في المشي وخفض الصوت ، ونهاه عن الكبر والاختيال والفخر ،  ولقد وضح لنا القرآن الكريم حرص عباد الرحمن على صلاح الأزواج والذرية ، وذلك في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا(  } [ الفرقان : 74 إلى 76 ] ،  { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } أي : تقر بهم أعيننا ، من رؤيتهم مطيعين لربهم ، ووضح لنا القرآن الكريم حرص المؤمنين على صلاح ذريتهم ، قال تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } [ الأحقاف : 16 ، 17 ] ، ففي الآيات التوصية ببر الوالدين ، { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا } ثم الدعاء بصلاح الذرية : { وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي } ، دعا لذريته أن يصلح اللَّه أحوالهم، )أُولَئِكَ( الذين ذكرت أوصافهم )الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا(، وهو الطاعات ، { وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ } فِي جملة )أَصْحَابِ الْجَنَّةِ(،) وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ( وعد صادق من أصدق القائلين الذي لا يخلف الميعاد ، وكذلك حرص الإسلام على اختيار الزوج الصالح والزوجة الصالحة لضمان صلاح الذرية : فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )) [ متفق عليه أخرجه البخاري ح 5090، ومسلم ح 1466 ] ، وأخرج مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ )) [ أخرجه مسلم، ح 1467 ] ،  أي أن الدنيا متاع زائل، وخير ما في هذا المتاع المرأة الصالحة؛ لأنها تُسعد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة ، والزوجة الصالحة راعية في بيتها ، ومسؤولة عن رعيتها ، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ على أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ على بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ )) [ متفق عليه ، أخرجه البخاري ،  ح 893 ، ومسلم ، ح 1829 ]  ، كما بين الشرع الحكيم مقياس الخيرية في شرع الإسلام : وأنه يبدأ من الأهل ، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة  ] ،  وفي هذا الحديث دليل عظيم على محاسن الإسلام التي جاء بها ، ومن جملتها أنه جعل الإحسان إلى الزوجة والعيال من أفضل الأعمال والقربات ، وفاعله من خيرة الناس ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( خيركم خيركم لأهله )) : أي لعياله ، وذوي رحمه ، وأزواجه ، وأقاربه ، وذلك لدلالته على حسن الخلق ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( وأنا خيركم لأهلي )) دلالة على أن من خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم أنّه  كان أحسن الناس عشرة لأهله ، وهذه عائشة رضي الله عنها تقول : (( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله )) [ أخرجه مسلم ] ، و هذا انس يقول "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط  وما قال لي لشيء صنعته : لم صنعته؟ ولا لشيء تركته : لم تركته ؟ و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً )) [ متفق عليه ] ،  و هذه خديجة رضي الله عنها تقول له حينما قال لها لقد خشيت على نفسي تقول (( كلا و الله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الدهر) [ متفق عليه ] ، إذن الحديث يدعو إلى الخيرية مع الأهل عامة من الأولاد والزوجات والأقارب ، لقد كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم النموذج الكامل في خلقه ومعاملته ، بعث رحمة للناس كافة ، ولأهله وآل بيته خاصة فكانت معاملته لهم كلها رحمة ورفق وتربية وتزكية وتعليم ، يتودد صلى الله عليه وسلم لأهله ويتحبب لهم ، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة ، والمسلم يأخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم  حسن خلقه ، ويقتدي بخيريته لأهله ورحمته بهم حتى يكون من خير الناس  ،  إن هذا الحديث العظيم يضع النبراس للمسلمين في أنّ مقياس الخيرية يتمثل في الخيرية أولاً للأهل وحسن التربية والتزكية والمعاملة للزوجة والأولاد والوالدين وسائر ذوي الرحم ،  فقد أخرج مسلم : عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرْفُوعًا : (( أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ , وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : بَدَأَ بِالْعِيَالِ . ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمُ اللَّهُ أَوْ يَنْفَعُهُمْ اللَّهُ بِهِ وَيُغْنِيهِمْ . [ أخرجه مسلم ح ( 994 ) ] ، وأخرج مُسْلِمٌ  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : (( دِينَارٌ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَدِينَارٌ أَنْفَقْته فِي رَقَبَةٍ , وَدِينَارٌ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ , وَدِينَارٌ أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك , أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك )) [ أخرجه مسلم ح ( 995 ) ] ، وَفِي صحيح البخاري  وصحيح مسلم عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْت عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك } أَيْ فِي فَمِهَا )) [ متفق عليه ، البخاري (1295) ومسلم   (1628) ] ، إنّ الأسرة هي نواة المجتمع فإذا صلحت صلح المجتمع كله ، وإذا فسدت فسد المجتمع كله ، وإذا صلحت الأسرة - ولا صلاح لها إلا بالإسلام وأخلاق الإسلام - ستخرج لنا أجيالا صالحة مصلحة قادرة على المساهمة في تغيير المجتمع والسير به نحو الإصلاح والتجديد ، كما أنّ إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى : يشتمل على ذوي القرابة والرحم  ، وصلة الأرحام من أعظم الواجبات, وأفضل الطاعات، وقطيعتها من أعظم الذنوب وأخطر الآفات؛ للأدلة من الكتاب والسنة ، قال تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 36 ، 37 ] ، و قال تعالى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ  كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } [ الإسراء : 26 إلى 28 ] ، و قال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، و قال تعالى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  } [ البقرة : 215 ] ، و قال تعالى : { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنفال : 75 ] ، وقال تعالى  : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [ النساء : 1 ] ، وقال تعالى  : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } [ الأحزاب : 6 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) [  متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (7/96) برقم 5986 ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2557 ] ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من سره أن يُبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه)) [  البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، برقم 5985 ] ، إنّ واصل الرحم لا يخزيه الله تعالى، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها قولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((  كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقريء الضيف، وتعين على نوائب الحق...)) [  متفق عليه: البخاري، ح برقم 3، ومسلم، ح 160 ] ، وصلة الأرحام من أهم أسباب دخول الجنة ، أخرج البخاري عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم)) [  البخاري، كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم (7/95)، برقم 5983 ] ، وأخرج ابن ماجة عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام, تدخلوا الجنة بسلام)) [  أخرجه ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، برقم 3251، واللفظ له، والترمذي, كتاب صفة القيامة، باب حدثنا محمد بن بشار، وقال: هذا حديث صحيح، برقم 2485، وأحمد في المسند (1/165)، و(2/391) وصححه الألباني في إرواء الغليل (3/239)، وفي صحيح سنن ابن ماجه (1/223) وفي صحيح سنن الترمذي (2/303) ] ، وصلة الأرحام من أهم أسباب النجاة من العقوبة ؛ لأن قطيعة الرحم تسبب العقوبة في الدنيا والآخرة ، أخرج أبو داود والترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مَعَ ما يَدَّخرُ له في الآخرة: من البغي, وقطيعة الرحم)) [  أخرجه أبو داود, كتاب الأدب, باب في النهي عن البغي (4/276) برقم 4902، والترمذي، كتاب صفة القيامة, بابٌ: حدثنا علي بن حجر (4/664) برقم 2511، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح))، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب عقوبة قاطع الرحم في الدنيا (1/147) برقم 67، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 917، 976. وفي صحيح الأدب المفرد (ص 53) ] ، و أخرج البخاري ومسلم  وأبو داود عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يدخل الجنة قاطع)) [  متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب إثم القاطع (7/95)، برقم 5984، ومسلم،  بلفظه، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1981) برقم 2556 ] ، وفي رواية مسلم (( يعني قاطع رحم ))، ولفظ أبي داود: ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) [أبو داود, كتاب الأدب، بابٌ في صلة الرحم برقم 1696 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذِ بك من القطيعة)) ، قال : (( نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟)) قالت: بلى يا رب، قال: ((فهو لك))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا إن شئتم : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ *  أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } )) [متفق عليه: البخاري كتاب الأدب ، باب من وصل وصله الله (7/96)، برقم 5987، ومسلم بلفظه، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1980) برقم 2554، والآيات من سورة محمد 22 – 24 ] ، وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)) [ مسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1981) برقم 2556 ] ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله عز وجل: أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بَتَتُّهُ )) [ البخاري في الأدب المفرد، باب فضل صلة الرحم (ص 33)، برقم 53، بلفظه, وأبو داود, في كتاب الزكاة, باب في صلة الرحم (2/133) برقم 1694، والترمذي، وصححه في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم (4/315)، برقم 1907، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 520، وصحيح الأدب المفرد (ص 49) ] ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الرحم شجنة, من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلتُه، ومن قطعك قطعتُهُ )) [ البخاري، ح 5988 ] ، وأخرج البخاري أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الرحم شجنة, فمن وصلها وصلتُهُ، ومن قطعها قطعتهُ)) [  البخاري، كتاب الأدب، بابٌ: من وصل وصله الله برقم 5989 ] ، وأجر صلة الأرحام العظيم التام الكامل إنما هو للمسلم الذي يصل من قطعه ، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: ((لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَّ ، ولايزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)) [  مسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2558] ، وأخرج البخاري عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وصلها)) [ البخاري، كتاب الأدب، بابٌ: ليس الواصل بالمكافئ, (7/97)، برقم 5991 ] ، وصلة الأرحام من أخلاق المؤمنين بالله واليوم الآخر؛ أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)). وفي لفظ: ((فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت)) [ متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه، برقم 6138، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير، وكون ذلك كله من الإيمان، برقم 47] ، والصدقة على ذي الرحم: اثنتان: صدقة وصلة ، أخرج أحمد والترمذي والنسائي عن سليمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي الرحم اثنتان: صدقةٌ, وصلةٌ)) [  أخرجه أحمد في مسنده (2/17، 18، 214)، والترمذي وحسنه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة، (3/38) برقم 658، والنسائي، كتاب الزكاة، باب الصدقة على الأقارب برقم 2582، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة برقم 1844، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي [1/202] ] ، وقاطع الرحم مفسد خاسر ، قال تعالى : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [ البقرة : 27 ] ، وقاطع الرحم ملعون مطرود من رحمة الله ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ  } [ الرعد : 25 ] ، اللهم إنا نسألك بر الوالدين والخيرية للاهل والذرية ونسألك صلة الأرحام ونعوذ بك من قطعها ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الرابع : المبادئ الأخلاقية الإسلامية : المبدأ الرابع : التخلي عن دسائس الاخلاق

النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : المبدأ الرابع من المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية : النهي عن كل دسائس الأخلاق مما يدخل في عموم الفحشاء والمنكر والبغي ، قال الله تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 89 ، 90 ] ، قرأ الحسن البصري : هذه الآية : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }  ثمَّ وقف فقال: إنَّ الله جمع لكم الخير كلَّه والشَّر كلَّه في آية واحدة، فو الله ما ترك العدل والإحْسَان شيئًا مِن طاعة الله عزَّ وجلَّ إلَّا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي مِن معصية الله شيئًا إلَّا جَمَعه ) [ حلية الأولياء ، ج 2 ، ص 158 ] ،  إن من أهم خصائص النظام الأخلاقي في الإسلام : أنه  يمثل منظومة أخلاقية ربانية متكاملة تسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب القيم والعفة والفضيلة ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على حفظ كل الضرورات اللازمة لحفظ المجتمع ، وتتمثل في حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العرض وحفظ العقل وحفظ المال ، حفظ الدين بحفظ عقائده وشرائعه وأخلاقه العظيمة التي بها زكاة المجتمع ورضا الرحمن ، وحفظ النفس بتحريم كل ظلم يقع على النفس كالقتل والضرب والسب والإهانة ، وحفظ العرض بتحريم الزنا واللواط وكافة الفواحش والرذائل ، وحفظ العقل بتحريم كل مذهب للعقل من مسكر ومخدر ينزل بالإنسان إلى مرتبةٍ أخس من مراتب البهائم ، وحفظ المال بتحريم الربا والميسر ، وتحريم السرقة والغش ووكل صور أكل أموال الناس بالباطل والاحتيال ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على عفة المجتمع وطهارته من الرذائل والفواحش ، وذلك بعفة الفروج عن كافة أنواع الفاحشة كالزنا واللواط ، وتحريم كافة مقدمات الزنا ،  فنص الآية لا يأمر بتحريم الزنا فحسب ، وإنما نهى عن مجرد الاقتراب من مسبباته ، قال تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا } [ الإسراء : 32 ] ،  وعفة اللسان عن القذف ( رمي الغير بالزنا ) وعقوبته الجلد لئلا تعتاد الألسنة على هذا القول البذيء فتألفه ، وفي هذا تلويث للمجتمع وتسهيل لوقوع الفاحشة ، ولهذا كان عقابه غليظاً ولكنه عادل ويتفق ورعاية الأخلاق الفاضلة ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على سد كل ذريعة إلى الفواحش والرذائل ، ومن ذلك عدم جواز أن تخلو المرأة برجل غير زوجها أو من محارمها ، وإذا خرجت من بيتها فيجب أن يكون لباسها شرعياً ساتراً لجميع البدن - ما عدا كحد أدنى الوجه والكفين - وأن لا يصف ولا يشف ، ومن ذلك الأمر بغض البصر للرجال والنساء على السواء ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على كافة حقوق الإنسان التي تضمن له الكرامة ، ولهذا حرّم الإسلام كل صور انتهاك أي حق من حقوق الإنسان ،حتى حرّم  التجسس والغيبة والنميمة وشهادة الزور وجعلها من الكبائر ، وحرّم جميع صور الإهانة ومنها الضرب والسباب والشتم ، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على جعل جميع المعاملات بين البشر  يجب أن تقوم على الصدق والأمانة والأخوة فلا يجوز الخداع والتضليل والغش والكذب في أية معاملة بين الناس ، ولابد من مراعاة مظاهر الأخوة والتواد والتراحم والتعاون والتعاطف بين جميع المسلمين ، كما في قوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه : رواه البخاري ( 6011) ومسلم ( 2586 ) ] ، لقد أجمع الفقهاء على أن الآفات القلبية والأمراض الأخلاقية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر ، وأنه لابد من معالجة هذه الأمراض القلبية والأخلاق السيئة ، إن المنهج الأخلاقي في الإسلام منهج رباني متكامل يقوم على علاج تلك الدسائس والأخلاق الرديئة ، عبر تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من  الأخلاق السيئة ، عملاً بقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَعراف : 33 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَنعام : 151 ] ، وعبر تحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة التي تمحو أثر السيئات ، لقوله تعالى : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } ، وقوله تعالى : {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [ الشعراء : 88 ، 89 ] ، وقوله تعالى : { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } [ هود : 114 ] ،

أقول : ومن الأحاديث الجامعة في بيان الكبائر التي ينبغي للمسلم أن يجتنبها ثلاثة أحاديث جامعة :

[ الحديث الأول وشرحه ] : أخرج البخاري ومسلم عن النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قوله : (( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ )) [ متفق عليه ] ، وضح الحديث أن أكبرَ الكبائر ثلاثة : الشِّرك ، والعقوق ، وقول الزور ، ونلاحظ أنه قد كرَّر " كبيرة قول الزور " لأنّ الناس قد تستهين بها ، مع أنها من أكبر الكبائر ، ففي التكرار تنبيه إلى خطورتها وتدليل على قُبح فعلها ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : {  فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور } [ الحج : 30 ] ، فقد جمع القرآن بين عبادة الأصنام وبين قول الزور ، وفي الحديث قول الصحابي ( فما زال يُكرِّرها ؛ حتى قلنا : ليتَه سكَت ) أي : شَفقةً عليه ، وكراهية لِما يُزعجه ، وهذا يدل على عظيم محبة الصحابة للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، وما كانوا عليه من كثرة الأدب معه والمحبَّة له صلَّى الله عليه وسلَّم  ،  وأول تلك الكبائر : ( الشرك الأكبر بالله )  ، وهو أن تجعل لله ندا وشريكا في إلهيته أو ربوبيته أو استحقاقه وحده للعبودية ، قال تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [ المائدة : من الآية72 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: من الآية13 ] ، والشرك بالله أبغض إلى الله من جميع الكبائر والمعاصي وهو يوجب الخلود الأبدي في النار ، بخلاف بقية الكبائر ، فإنها داخلة تحت المشيئة ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } [ النساء:48 ] ، وثاني تلك الكبائر : ( عقوق الوالدين ) ، أخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد ، أبتغى الأجر من الله. قال : (( فهل من والديك أحد حي ؟ )) . قال نعم بل كلاهما. قال : (( فتبتغى الأجر من الله ؟ )). قال نعم. قال : (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال : (( أحي والداك ؟ )) . قال : نعم . قال : (( ففيهما فجاهد )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جئت أبايعك على الهجرة ، وتركت أبوي يبكيان ، فقال : (( ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما )) [ أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني ] ، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على أنّ عقوق الوالدين من أكبر الكبائر  ، ما أخرجه الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (( إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ , وَمَنْعًا وَهَاتِ , وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ : وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ )) [ أخرجه البخاري ] ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ , وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ ))  ،  وثالث تلك الكبائر : ( شهادة الزور ) ، والزور هو الكذب ، ولهذا أخرج أحمد والترمذي عن أيمن بن خُرَيم قال : قام رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خطيبًا، فقال : (( يا أيها الناس، عَدَلت شهادة الزور شِركًا بالله)) ثلاثًا، ثم قرأ:  { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } )) [ أخرجه أحمد والترمذي ] ، وها هنا في الحديث : قول النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ )) فجعل قول الزور من أكبر الكبائر ، وهذا يدلنا على عظم شأن شهادة الزور ، وخطورتها ، ولذا لما أراد التحذير منها جلس ، ثم كرر التحذير منها مراراً ، فإن شهادة الزور تسفك بها الدماء المعصومة وتلوث بها الأعراض الطاهرة ، وتسلب بها الأموال والحقوق ، وليس معنى اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الزور أنها أكبر من الشرك ولكن أراد التنبيه على عظم خطرها فإن شناعة الشرك والعقوق أمر متقرر في النفوس لكن شهادة الزور قد يتساهل فيها كثير من الناس لينفعوا أنفسهم أو من يحبون ، أو ليضروا ويؤذوا من يبغضون ، فاستلزم ذلك التنبيه على خطورة هذه الكبيرة ،   

[ الحديث الثاني وشرحه ] : ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم  : أي الذنب أعظم عند الله ؟  قال : (( أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت : إن ذلك لعظيم ، قلت : ثم أي ؟ قال : وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك ، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك )) [ متفق عليه ] ، لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم – يسألون النبي – صلى الله عليه وسلم - عن الذنوب ومراتبها كي يجتنبوها ، ويعلموا قبحها فيحذروها، وفي هذا الإطار سأل الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه – النبي – صلى الله عليه وسلم - عن أعظم الذنوب أي : أشدها إثماً وأعظمها قبحاً، فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أعظمها هو الشرك بالله، بأن يجعل الإنسان لله ندا وشريكاً يعبده من دون الله ، مع أنّ الله تعالى هو الذي خلقه ورزقه ، فسأله عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عما يلي ذنب الشرك من الذنوب في القبح وعظيم الإثم ؟ فقال له: أن يقتل المرء ولده خوفاً من أن يشاركه طعامه وشرابه ، وإذا كان القتل كبيرة عظيمة وجريمة شنعاء ، فكيف إذا امتدت إلى قتل الأبناء ، وهم أمانة في حق الآباء ، ثم إن هذه الجريمة تدل على اعتقاد فاجر خبيث ألا وهو مخافة أن يُطعم معه ، أليس الله تعالى هو الرزاق ، الذي تكفل برزق جميع خلقه ، إن هذا الجرم ينم عن تجرد عن الإنسانية ، مما يجعله في المرتبة الثانية بين أسوأ الذنوب وأفظعها عند الله ، ثم يسأل عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه - عما يلي هذين الذنبين فيجيبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه الزنا بزوجة الجار ، وتتجلى شناعة هذا الجرم في كون أن الزنا بنفسه فاحشة وساء سبيلا ، فكيف إذا اجتمع معه خيانة حق الجار  ، والجار مؤتمن على شرف جاره ، فالاعتداء على محارمه يعد خيانة لحق الجوار الذي عظمه الله ورسوله ،

[ الحديث الثالث وشرحه ] : ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلَّا باِلْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّباَ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَناَتِ الغَافِلاَتِ المؤمنات )) [ متفق عليه ] ، وقد شمل الحديث بيان أكبر الكبائر وأعظم الموبقات والمهلكات ، وأول تلك الكبائر والموبقات : ( الشرك الأكبر بالله )  ، وهو أن تجعل لله ندا وشريكا في إلهيته أو ربوبيته أو استحقاقه وحده للعبودية ، قال تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [ المائدة : من الآية72 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: من الآية13 ] ، والكبيرة التالية هي ( السحر ) ، قال تعالى : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } [ البقرة: من الآية102 ] ، وقال تعالى عن هاروت وماروت : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } [ البقرة: من الآية102 ] ، قال الإمام النووي: "عمل السحر حرام, وهو من الكبائر بالإجماع ، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفراً, ومنه ما لا يكون كفراً بل معصية كبيرة, فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا, وأما تعلمه وتعليمه فحرام. فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه, ولا يقتل فإن تاب قبلت توبته, وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر " أهـ ، والكبيرة التالية هي ( قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ) أي قتل النفس بدون سبب شرعي كالقصاص أو الزاني المحصن أو المرتد التارك لدينه ، قال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } [ النساء:93 ] ، وأخرج البخاري أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً )) [ أخرجه البخاري ] ، والكبيرة التالية هي ( أكل الربا ) : قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ آل عمران:130 ] , وقال تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة:275 ] ، أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي قد مسه الشيطان وصرعه ، والكبيرة التالية هي ( أكل مال اليتيم ) : اليتيم هو الذي مات أبوه وهو دون البلوغ، أي بدون حق شرعي ، قال الله تعالى : { وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } [ الإسراء: من الآية34 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } [ النساء:10] ، وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المعراج : (( فإذا أنا برجال وقد وكل بهم رجال يفكون لحاهم, وآخرون يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها بأفواههم, وتخرج من أدبارهم فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا )) [ أخرجه مسلم ] ،  والكبيرة التالية هي ( التولّي يوم الزحف ) : أي الفرار عن القتال يوم ازدحام الطائفتين ، قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ لأنفال:16 ] ، والكبيرة التالية هي ( قذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) : اللاتي أحصنهن الله تعالى وحفظهن من الزنا والقذف هو رمي النساء المحصنات المؤمنات بالزنا ، قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ النور:24 ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ النور:4 ] ، بين الله تعالى في الآية أن من قذف امرأة محصنةً حرة مؤمنة عفيفة بالزنا والفاحشة أنه ملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم , وعليه في الدنيا الحد ثمانون جلدة , وتسقط شهادته , ومعنى القذف أن يقول لامرأة حرة عفيفة مسلمة يا زانية , أو يقول: لزوجها يا زوج الزانية , أو يقول: لولدها يا ولد الزانية , فإذا قال ذلك وجب عليه الحد ثمانون جلدة ؛ إلا أن يقيم بينة بذلك, والبينة كما قال الله: أربعة شهداء يشهدون على صدقه فيما قذف به تلك المرأة , أو ذاك الرجل فإن لم يقم بينة فعليه حد الجلد ، وله في الدنيا والآخرة  اللعنة لقوله تعالى: { لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، ولا نقبل لهم شهادة لقوله تعالى: { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، وبعد فهذه هي السبع الموبقات ، وهي أكبر الكبائر ، (( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلَّا باِلْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّباَ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَناَتِ الغَافِلاَتِ المؤمنات )) [ متفق عليه ] ، وقد شمل الحديث بيان أكبر الكبائر وأعظم الموبقات والمهلكات ، وأما بقية الكبائر والفواحش والذنوب فكثيرة ، ومن رحمة الله تعالى أن جاء الشرع الحكيم بالتفريق بين الكبائر والصغائر ، قال تعالى : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) } [ النساء : 31 ] ، وقال تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } [ النجم : 31 ، 32 ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } [ الشورى : 37 ] ، و ( الكبائر ) جمع كبيرة وهي كل ما كبر من المعاصي وعظم من الذنوب والأقرب في تعريفها أنها كل ذنب رتب الشارع عليه حدا وصرح بالوعيد عليه ، كأن قرن فعلها بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب، وكفارة الكبائر هي التوبة إلى الله تعالى توبة نصوحا، ومرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة : مؤمنٌ ناقص الإيمان، قد نقص من إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، فلا يسلب اسم الإيمان بالكلية، ولا يعطى اسم الإيمان بإطلاق، فهو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وحكمه في الآخرة أنه تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له ابتداء وأدخله الجنة، وإن شاء عذّبه بقدر معصيته، ثم يخرجه ويدخله الجنة ، أما الخوارج الضالة فذهبوا إلى أن مرتكب الكبيرة كافر، وحكمه في الآخرة الخلود في النار ، وذهب المعتزلة إلى أن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو بمنزلة بين المنزلتين، أما في الآخرة فحكمه الخلود في النار، فخالفوا الخوارج في الاسم، ووافقوهم في الحكم ، وذهبت المرجئة الضالة إلى أنه لا يضر مع الإيمان معصية، فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار ابتداء ، وأما الصغائر : فهي ما عدا الكبائر من الذنوب، وللصغائر مكفرات أخرى غير التوبة مثل : اجتناب الكبائر وأداء العبادات والأعمال الصالحات ، فمن مكفراتها : الحج والعمرة وصوم رمضان والصلوات الخمس والجمعة وسائر الأعمال الصالحة ، ولكن لا ينبغي أن يستهين المسلم بالصغائر ، فإنها إن كثرت كانت في حكم الكبائر ، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قومٍ نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه)) [ أخرجه أحمد في المسند (5/331)، وصححه الألباني في الصحيحة (389) ] ، والكبائر كثيرة ، فقد ذكر سعيد بن جبير : ( إن رجلاً قال لابن عباس رضي الله عنهما : كم الكبائر أسبع هي؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار ) [ أخرجه عبد الرزاق والطبري في تفسيره عند قوله تعالى { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } [النساء: 31] ] ، وقد ذكر الإمام الذهبي في كتابه ( الكبائر ) : سبعين كبيرة : 1- الكبيرة الأولى: الشرك بالله، 2- قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وهي نفس المسلم المعصوم وقتل المعاهد ، 3- السحر؛ لأن الساحر لا بد وأن يكفر، وأن يشرك بالله تعالى ، 4- ترك الصلاة، وتأخيرها عن وقتها، والتخلف عن جماعتها ، 5- منع الزكاة ، 6- إفطار يوم من رمضان بلا عذر ، 7- ترك الحج مع القدرة عليه ، 8- عقوق الوالدين ومعصيتهما ، 9- هجر الأقارب ، 10- الزنا قال تعالى:  { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً } ، 11- اللواط: وهو عمل قوم لوط وهو إتيان الذكران من العالمين في أدبارهم ، 12- أكل الربا والمعاملة به: وقد لعن رسول الله  صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: (( هم سواء )) رواه مسلم وغيره ، 13- أكل مال اليتيم ظلمًا ، 14- الكذب على الله أو على رسوله  صلى الله عليه وسلم ، 15- الفرار من الزحف: وهو الإدبار عن الكفار وقت التحام القتال في سبيل الله ، 16- غش الإمام الرعية وظلمة لهم ، 17- الكبر والفخر والخيلاء والعجب، ويظهر ذلك في عدم قبول الحق واحتقار الناس ، 18- شهادة الزور: وهو الكذب ، 19- شرب الخمر: المسكر ، 20- القمار: وهو المراهنة والمغالبة، ومنه اللعب على عوض ، 21- قذف المحصنات الغافلات المؤمنات رميهن بالزنا ، 22- الغلول من الغنيمة: ومنه الأخذ من بيت المال من غير إذن الإمام أو من الزكاة قبل أن تقسم ، 23- السرقة: وهي أخذ المال خفية من حرز أو مثله من غير إذن صاحبه ، 24- قطع الطريق ، 25- اليمين الغموس: وهي التي يتعمد الكذب فيها، سميت غموسًا لأنها تغمس الحالف في الإثم، وقيل تغمسه في النار  ، 26- الظلم بأكل أموال الناس وأخذها ظلمًا، وظلم الناس بالضرب والشتم والتعدي والاستطالة على الضعفاء، ومن الظلم المماطلة بحق عليه مع قدرته على الوفاء، 27- المكّاس: والمكس: الجباية قال في المصباح: وقد غلب استعمال المكس فيما يأخذه أعوان السلطان ظلمًا عند البيع والشراء، والمكّاس: من أكبر أعوان الظلمة، بل هو من الظلمة أنفسهم فإنه يأخذ ما لا يستحق ويعطيه لمن لا يستحق، قال:  صلى الله عليه وسلم: (( لا يدخل الجنة صاحب مكس )) رواه أبو داود ، 28- أكل الحرام وتناوله على أي وجه كان سواء كان من سرقة أو غضب أو خيانة ، ويدخل في هذا الباب: المكّاس، والخائن، والسارق، وآكل الربا وموكله، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، ومن استعار شيئًا فجحده، وآكل الرشوة ومنقص الكيل والوزن ، ومن باع شيئًا فيه عيب فغطاه ، والمقامر والساحر، والمنجم ، والمصور، والزانية ، والنائحة ، وغير ذلك مما يُعد من أكل أموال الناس بالباطل ،  29- أن يقتل الإنسان نفسه: وهو الانتحار ، 30- الكذب في غالب أقواله قال  صلى الله عليه وسلم (( إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار )) [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، 31- القاضي السوء قال تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة: 44] ، 32- أخذ الرشوة على الحكم، وقد لعن رسول الله  صلى الله عليه وسلم (( الراشي والمرتشي في الحكم )) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن فالراشي هو الذي يعطي الرشوة، والمرتشي هو الذي يأخذ الرشوة، وهي من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله عنه في كتابه ، 33- تشبه المرأة بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء، وفي الصحيح (( لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء )) رواه البخاري وغيره، وهو عام في اللباس والكلام وغيره ، 34- الديوث: المستحسن على أهله، والقواد الساعي بين الاثنين بالفساد، وهو متوعد بالحرمان من الجنة، ونعوذ بالله من ذلك ، 35- المحلل والمحلل له: صح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم: (( لعن المحلل والمحلل له )) رواه النسائي والترمذي وغيرهما ، 36- عدم التنزه من البول، وهو من أسباب عذاب القبر، وفي الحديث (( استنْزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه )) رواه الدارقطني ، 37- الرياء بالأعمال، وهو أن يعمل عملاً مما يبتغي به وجه الله تعالى من أجل رؤية الناس له وثنائهم عليه، وهو يفسد العمل ، 38- التعلم للدنيا وكتمان العلم، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، وفي الحديث (( من تعلم علمًا مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة )) يعني ريحها رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه ، 39- الخيانة في الأمانة، وهي من أوصاف المنافقين والخيانة قبيحة في كل شيء وبعضها شر من بعض، وليس من خانك في فلس كمن خانك في أهلك ومالك وارتكب العظائم ، 40- المنَّان بما أعطى وهو الذي يعطي شيئًا أو يتصدق به ثم يمن به وهو يمحق الأجر ،  41- التكذيب بالقدر قال تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }[القمر: 49] والإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان الستة وهو أن تعلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، رفعت الأقلام وجفت الصحف { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً } ، 42- والتسمع على الناس ما يسرون قال تعالى: { وَلا تَجَسَّسُوا }[الحجرات: 12]  ، والتجسس: البحث عن عيوب المسلمين وعوراتهم قال  صلى الله عليه وسلم (( من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة )) أخرجه البخاري ،  والآنك: الرصاص المذاب ،  43- النَّمّام: وهو من ينقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد بينهم، والنميمة حرام بإجماع المسلمين ،  44- اللعان: ومعناه: الطرد والإبعاد عن رحمة الله قال  صلى الله عليه وسلم: (( لعن المؤمن كقتله )) أخرجه البخاري وغيره ، ويجوز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين المعروفين، كقولك: لعن الله الظالمين ، 45- الغدر وعدم الوفاء بالعهد ، 46- تصديق الكاهن والمنجم ، 47- نشوز المرأة على زوجها ومعصيتها له ما لم يأمرها بمعصية الله ، 48- التصوير قال  صلى الله عليه وسلم (( إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم ، أحيوا ما خلقتم )) [ متفق عليه ] ،  أقول : المقصود بالصور المحرمة في الحديث ذوات الأرواح المجسمة الكاملة ، ( أي النحت الكامل لذوات الأرواح ) والله تعالى أعلم ،  49- اللطم والنياحة، وشق الثوب، وحلق الرأس ونتفه والدعاء بالويل والثبور عند المصيبة ، 50- البغي: وهو التعدي على الناس بغير حق ظلمًا وعدوانًا ، 51- الاستطالة على الضعيف والمملوك والجارية والزوجة والخادمة والدابة فإن الله تعالى قد أمر بالإحسان إليهم ، 52- أذى الجار ، 53- أذى المسلمين وشتمهم ، 54- أذية عباد الله والتطول عليهم ، 55- إسبال الإزار واللباس والسراويل أسفل من الكعبين تعززًا وعجبًا وفخرًا وخيلاء ، 56- لبس الذهب والحرير للرجال، فمن استحله للرجال فهو كافر ، 57- إباق العبد ، 58- الذبح لغير الله ، 59- من ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه ، 60- الجدل والمراء واللدد والخصومة ( أي في الباطل ) ، 61- منع فضل الماء ، 62- نقص الكيل والميزان وما أشبه ذلك قال تعالى: { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } ، والمطفف هو الذي ينقص الكيل والوزن ، وذلك ضرب من السرقة والخيانة وأكل الحرام وقد توعد الله من فعل ذلك بالويل وهو شدة العذاب ، وقيل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره نعوذ بالله منه ،  63- الأمن من مكر الله ، 64- القنوط من رحمة الله وهو قطع الرجاء من رحمته، قال تعالى: { وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ }[الحجر: 56] ،  65- تارك الجماعة الذي يصلي وحده من غير عذر ،  66- الإصرار على ترك الجمعة من غير عذر ، 67- الإضرار في الوصية ، 68- المكر والخديعة: قال الله - عز وجل: { وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ }[فاطر : 43] ، 69- من جس على المسلمين ودل على عوراتهم ، 70 – الكبيرة السبعون: سب أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، فهذه الكبائر السبعين هي ما ذكرها الإمام الذهبي في كتابه ( الكبائر ) ، والكبائر أكثر من ذلك ،  أوصلها ابن حجر الهيثمي في كتابه القيم : " الزواجر عن اقتراف الكبائر " إلى سبع وستين بعد الأربع مائة كبيرة ، أي (  467 كبيرة ) ، ورتبها على أبواب الفقه ، وأقول هي أكثر من ذلك ، فقد بلغ بها حبر الأمة عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما إلى سبعمائة كبيرة ، فقد أخرج عبد الرزاق بسنده إلى سعيد بن جبير : قال : ( إن رجلاً قال لابن عباس رضي الله عنهما : كم الكبائر أسبع هي؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار ) [ أخرجه عبد الرزاق والطبري في تفسيره عند قوله تعالى { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } [النساء: 31] ] ،   اللهم جنبنا الكبائر والفواحش ما ظهر منها وما بطن ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، اللهم اصرف عنِّا سيئ الأخلاق لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ،  الباحث الشرعي : مجدي محمد على محمد ، حاصل على الشهادة العالمية في العلوم الشرعية الإسلامية ، [ موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com] ،

 

سلسلة الأخلاق الإسلامية ( 7 ) أصول الأخلاق في السنّة النبوية المشرفة - مجدي محمد

 

ويشتمل على تلك الدروس :

الدرس الأول : بيان القيم والمبادئ السامية من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ،

الدرس الثاني : بيان المناهي الأخلاقية من حديث النبي صلى الله عليه وسلم

الدرس الثالث : أحاديث نبوية جامعة في بيان أكبر الكبائر والموبقات

***

 

أصول الأخلاق في السنّة النبوية المشرفة

الدرس الأول : بيان القيم والمبادئ السامية من حديث النبي صلى الله عليه وسلم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول : بيان القيم والمبادئ السامية التي يجب أن يتحلى بها المجتمع المسلم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم من  كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله ، أقول وبالله التوفيق : [[ أفرد الإمام النووي في كتابه رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين أبوابا عديدة تتناول تلك القيم والمبادئ السامية التي يجب أن يتحلى بها المجتمع المسلم ،

ففي باب التعاون عَلَى البر والتقوى نجد قول الله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } [ المائدة : 2 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } [ العصر : 1-2 ] ،

وفي باب النصيحة والتناصح بين المسلمين نجد قول الله تعالى : { إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، وقوله تَعَالَى : إخباراً عن نوحٍ صلى الله عليه وسلم : { وَأنْصَحُ لَكُمْ } [ الأعراف : 62 ] ، وعن هود صلى الله عليه وسلم : { وَأنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أمِينٌ } [ الأعراف : 68 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( الدِّينُ النَّصِيحةُ )) قلنا : لِمَنْ ؟ قَالَ : (( لِلهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ )) رواه مسلم  ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ، قَالَ : بَايَعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى إقَامِ الصَّلاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( لا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحبُّ لِنَفْسِهِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ  ، وفي باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، نجد قول الله تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 104 ] ، وَقالَ   تَعَالَى : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر } [ آل عمران : 110 ] ، وَقالَ تَعَالَى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [ الأعراف : 199 ] ، وَقالَ تَعَالَى : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [ التوبة :71 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [ المائدة : 78 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف :29 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { فَاصْدَعْ بِمَا   تُؤْمَر } [ الحجر :94 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { فأَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } [ الأعراف : 165] ، ونجد قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ )) رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي الوليدِ عبادة بن الصامِت رضي الله عنه ، قَالَ : بَايَعْنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ ، والمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَعَلَى أنْ لاَ نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ إلاَّ أنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِيهِ بُرْهَانٌ، وَعَلَى أنْ نَقُولَ بالحَقِّ أيْنَمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ في اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ القَائِمِ في حُدُودِ اللهِ وَالوَاقعِ فِيهَا ، كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَصَارَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، وَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقهُمْ ، فَقَالُوا : لَوْ أنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقاً وَلَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنَا ، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا جَميعاً ، وَإنْ أخَذُوا عَلَى أيدِيهِمْ نَجَوا وَنَجَوْا جَميعاً )) رواه البخاري  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ في الطُّرُقَاتِ ! )) فقالوا : يَا رَسُول الله ، مَا لنا مِنْ مجالِسِنا بُدٌّ ، نتحدث    فِيهَا . فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( فَإذَا أبَيْتُمْ إلاَّ المَجْلِسَ ، فَأَعْطُوا الطَّريقَ حَقَّهُ )) . قالوا : وما حَقُّ الطَّريقِ يَا رسولَ الله ؟ قَالَ : (( غَضُّ البَصَرِ ، وَكَفُّ الأَذَى ، وَرَدُّ  السَّلامِ ، وَالأمْرُ بِالمَعْرُوفِ ، والنَّهيُ عن المُنْكَرِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ،

وفي باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم ، نجد قول الله تعالى : { وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه } [ الحج : 30 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } [ الحج : 32 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ الحجر : 88 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ : قَبَّلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحَسَنَ بْنَ عَليٍّ رضي الله عنهما ، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِس ، فَقَالَ الأقْرَعُ : إن لِي عَشرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَداً ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : (( مَنْ لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ ! ))  مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ لاَ يَرْحَم النَّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ الله )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ للنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ ، فَإن فيهِم الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبيرَ ، وَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه البخاري عن أَبي قَتادةَ الحارثِ بن رِبعِي رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاة ، وَأُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأسْمَع بُكَاءَ الصَّبيِّ فَأَتَجَوَّزَ في صَلاتي كَرَاهية أنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ )) رواه البخاري ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمُ ، لاَ يَخُونُهُ ، وَلاَ يَكْذِبُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِم حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالهُ وَدَمُهُ ، التَّقْوى هاهُنَا ، بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِم )) [ رواه الترمذي ، وَقالَ : ( حديث حسن ) ] ، وما أخرجه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَنَاجَشُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْع بَعْض ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً ، المُسْلِمُ أخُو المُسْلم : لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، التَّقْوَى هاهُنَا - ويشير إِلَى صدره ثلاث مرات - بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) رواه مسلم ، (( النَّجْشُ )) : أنْ يزيدَ في ثَمَنِ سلْعَة يُنَادَى عَلَيْهَا في السُّوقِ وَنَحْوه ، وَلاَ رَغْبَةَ لَهُ في شرَائهَا بَلْ يَقْصدُ أنْ يَغُرَّ غَيْرَهُ ، وهَذَا حَرَامٌ ، وَ(( التَّدَابُرُ )) : أنْ يُعْرضَ عَنِ الإنْسَان ويَهْجُرَهُ وَيَجْعَلهُ كَالشَيءِ الَّذِي وَرَاء الظَّهْر وَالدُّبُر  ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( لاَ يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لنَفْسِهِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم : (( انْصُرْ أخَاكَ ظَالماً أَوْ مَظْلُوماً )) فَقَالَ رجل : يَا رَسُول اللهِ ، أنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُوماً ، أرَأيْتَ إنْ كَانَ ظَالِماً كَيْفَ أنْصُرُهُ ؟ قَالَ : (( تحْجُزُهُ – أَوْ تمْنَعُهُ – مِنَ الظُلْمِ فَإِنَّ ذلِكَ نَصرُهُ )) رواه البخاري ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم خَمْسٌ : رَدُّ السَّلامِ ، وَعِيَادَةُ المَريض ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَة ، وتَشْميتُ العَاطِسِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وفي رواية لمسلم : (( حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ : إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ ، وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ ، وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ )) ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي عُمَارة البراءِ بن عازب رضي الله عنهما ، قَالَ : أمرنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ، ونهانا عن سبع : أمَرَنَا بعيَادَة المَرِيض ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ ، وتَشْمِيتِ العَاطسِ، وَإبْرار المُقْسِم، ونَصْرِ المَظْلُوم ، وَإجَابَةِ الدَّاعِي ، وَإِفْشَاءِ السَّلامِ ، ونَهَانَا عَنْ خَواتِيمٍ أَوْ تَخَتُّمٍ بالذَّهَبِ ، وَعَنْ شُرْبٍ بالفِضَّةِ ، وَعَن الميَاثِرِ الحُمْرِ ، وَعَن القَسِّيِّ ، وَعَنْ لُبْسِ الحَريرِ والإسْتبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وفي رواية : وَإنْشَادِ الضَّالَّةِ في السَّبْعِ الأُوَل ، و (( المَيَاثِرُ )) شيء يُتَّخَذُ مِنْ حرير وَيُحْشَى قطناً أَوْ غيره ، وَيُجْعَلُ في السَّرْجِ وَكُور البَعير يجلس عَلَيهِ الراكب ، و ((القَسِّيُّ)) : ثياب تنسج مِنْ حرير وَكتَّانٍ مختلِطينِ . (( وَإنْشَادُ الضَّالَّةِ )) : تعريفها ، 

وفي باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم : نجد قول الله تعالى : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الكهف : 28 ] ، وما أخرجه مسلم عن أنس رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ أَبُو بكر لِعُمَرَ رضي الله عنهما بَعْدَ وَفَاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم : انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أيْمَنَ رضي الله عنها نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَزُورُهَا ، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَيْهَا ، بَكَتْ ، فَقَالاَ لَهَا : مَا يُبْكِيكِ ؟ أمَا تَعْلَمِينَ أنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَتْ : مَا أبْكِي أَنْ لاَ أَكُونَ أَعْلَم أنَّ مَا عِنْدَ الله تَعَالَى خَيْرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولَكِنْ أبكي أنَّ الوَحْيَ قدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّماءِ ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى البُكَاءِ ، فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا . رواه مسلم  ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : (( أنَّ رَجُلاً زَارَ أَخَاً لَهُ في قَريَة أُخْرَى ، فَأرْصَدَ الله تَعَالَى عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً ، فَلَمَّا أتَى عَلَيهِ ، قَالَ : أيْنَ تُريدُ ؟ قَالَ : أُريدُ أخاً لي في هذِهِ القَريَةِ . قَالَ : هَلْ لَكَ عَلَيهِ مِنْ نِعْمَة تَرُبُّهَا عَلَيهِ ؟   قَالَ : لا ، غَيْرَ أنِّي أحْبَبْتُهُ في الله تَعَالَى ، قَالَ : فإنِّي رَسُول الله إلَيْكَ بَأنَّ الله قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أحْبَبْتَهُ فِيهِ )) رواه مسلم ، وَ(( المَدْرَجَةُ )) بِفْتْحِ الميمِ والرَّاءِ : الطَّرِيقُ ، ومعنى ( تَرُبُّهَا ) : تَقُومُ بِهَا ، وَتَسْعَى في صَلاحِهَا ، وما أخرجه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ عَادَ مَرِيضاً أَوْ زَارَ أخاً لَهُ في الله ، نَادَاهُ مُنَادٍ : بِأنْ طِبْتَ ، وَطَابَ مَمْشَاكَ ، وَتَبَوَّأتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً )) رواه الترمذي ، وَقالَ : (( حديث حسن )) ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( إِنَّمَا مَثلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ ، كَحَامِلِ المِسْكِ ، وَنَافِخِ الْكِيرِ ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ : إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ ، وَإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحاً طَيِّبَةً ، وَنَافِخُ الكِيرِ : إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً مُنْتِنَةً )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، ومعنى ( يُحْذِيكَ ) : يُعْطِيكَ ،

وفي باب فضل التحاب في الله ، نجد قول الله تعالى : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح : 29 ] إِلَى آخر السورة ، وقوله تَعَالَى : { وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } [ الحشر : 9 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإيمانِ : أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سَوَاهُمَا ، وَأنْ يُحِبّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إلاَّ للهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أنْ أنْقَذَهُ الله مِنْهُ ، كَمَا يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ : إمَامٌ عَادِلٌ ، وَشَابٌّ نَشَأ في عِبَادَةِ الله عز وجل ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ ، وَرَجُلاَنِ تَحَابّا في اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيهِ وتَفَرَّقَا عَلَيهِ ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ ، فَقَالَ : إنِّي أخَافُ الله ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ، فَأخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إنّ الله تَعَالَى يقول يَوْمَ القِيَامَةِ : أيْنَ المُتَحَابُّونَ بِجَلالِي ؟ اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلِّي )) رواه مسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أوَلاَ أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أفْشُوا السَّلامَ بينكم )) رواه مسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( قَالَ الله عز وجل : المُتَحَابُّونَ في جَلالِي ، لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ )) رواه الترمذي ، وَقالَ: (( حديث حسن صحيح )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( قَالَ الله تَعَالَى : وَجَبَتْ مَحَبَّتي لِلْمُتَحابين فيَّ ، وَالمُتَجَالِسينَ فيَّ ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فيَّ ، وَالمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ )) أخرجه مالك في الموطأ ،

وفي باب الكرم والجود والتكافل بين المسلمين : نجد قول الله تعالى : { وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } [ سبأ : 39 ] ، وقوله تَعَالَى : {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 272 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } [ البقرة : 273 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((  لا حَسَدَ إِلاَّ في اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً ، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقّ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ   حِكْمَةً ، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا )) متفقٌ عَلَيْهِ ، ومعناه : يَنْبَغي أنْ لاَ يُغبَطَ أحَدٌ إِلاَّ عَلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : ((  قَالَ الله تَعَالَى : أنفِق يَا ابْنَ آدَمَ يُنْفَقْ عَلَيْكَ)) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أنَّ رَجُلاً سَألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : ((  تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً ، وَمَا تَواضَعَ أحَدٌ لله إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ عز وجل )) رواه مسلم ،

وفي باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين : نجد قول الله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، وقوله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ }   [ المائدة : 54 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((  إنَّ الله أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ ، وَلاَ يَبْغِي أحَدٌ عَلَى أحَدٍ )) رواه مسلم ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ : ((  مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زادَ اللهُ عَبْداً بعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ )) رواه مسلم ،

وفي باب حسن الخلق : نجد قول الله تعالى : { وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ ن : 4 ] ، وقوله تَعَالَى :{ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ } [ آل عمران : 134 ] الآية ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قال : كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ النَّاس خُلُقاً . متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قَالَ : مَا مَسِسْتُ دِيبَاجاً وَلاَ حَرِيراً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلاَ شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سنين ، فما قَالَ لي قَطُّ : أُفٍّ، وَلاَ قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ : لِمَ فَعَلْتَه ؟ وَلاَ لشَيءٍ لَمْ أفعله : ألاَ فَعَلْتَ كَذا ؟ متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن النَّوَاس بنِ سمعان رضي الله عنه ، قَالَ : سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن البِرِّ وَالإثم ، فَقَالَ : ((  البِرُّ : حُسنُ الخُلقِ ، والإثمُ : مَا حاك في صدرِك ، وكَرِهْتَ أن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قَالَ : لَمْ يكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَاحِشاً وَلاَ مُتَفَحِّشاً ، وكان يَقُولُ : ((  إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقاً )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الترمذي عن أَبي الدرداءِ رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ،  ((  البَذِيُّ )) : هُوَ الَّذِي يتكلَّمُ بِالفُحْشِ ورديء الكلامِ ، وما أخرجه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ : سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : ((  تَقْوَى اللهِ وَحُسنُ الخُلُقِ )) ، وَسُئِلَ عَنْ أكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ : ((  الفَمُ وَالفَرْجُ )) رواه الترمذي، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ، وما أخرجه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((  أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ، وما أخرجه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ((  إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ )) رواه أَبُو داود ، وما أخرجه أبو داود عن أَبي أُمَامَة الباهِليِّ رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  أنَا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَض الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ ، وَإنْ كَانَ مُحِقّاً ، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ ، وَإنْ كَانَ مَازِحاً ، وَبِبَيْتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ )) رواه أَبُو داود ، وما أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ ، وَأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ ، أحَاسِنَكُم أخْلاَقاً ، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهقُونَ )) قالوا : يَا رسول الله ، قَدْ عَلِمْنَا (( الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ ))، فمَا المُتَفَيْهقُونَ ؟ قَالَ : ((  المُتَكَبِّرُونَ )) رواه الترمذي وقال : (( حديث حسن )) ،

وفي باب الحلم على المسلمين والأناة والرفق بهم  : نجد قول الله تعالى : { وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ } [ آل عمران : 134 ] ، وقوله تَعَالَى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ } [ الأعراف : 199 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصلت : 34-35 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] ، وما أخرجه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قَالَ : قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ : ((  إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ : الْحِلْمُ وَالأنَاةُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  إنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ ، وَيُعْطي عَلَى الرِّفق ، مَا لاَ يُعْطِي عَلَى العُنْفِ ، وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  إنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ في شَيْءٍ إِلاَّ  زَانَهُ ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه البخاري عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ : بَال أعْرَابيٌّ في المسجدِ ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيَقَعُوا فِيهِ ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ((  دَعُوهُ وَأرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ ، أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ ، فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ )) رواه البخاري ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يقولُ : ((  مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه البخاري عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : أوْصِني . قَالَ : ((  لاَ تَغْضَبْ )) ، فَرَدَّدَ مِرَاراً ، قَالَ : ((  لاَ تَغْضَبْ )) رواه البخاري ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (( مَا خُيِّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إِلاَّ أَخَذَ أيْسَرَهُمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ إثماً ، فَإنْ كَانَ إثماً ، كَانَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ ، إِلاَّ أن تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله ، فَيَنْتَقِمَ للهِ تَعَالَى ))  متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  ألا أخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار ؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار ؟ تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ ، هَيّنٍ ، لَيِّنٍ ، سَهْلٍ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) ،

وفي باب العفو عن المسيء والإعراض عن الجاهل  : نجد قول الله تعالى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ } [ الأعراف : 199]، وقوله تَعَالَى : { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } [ الحجر : 85 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألاَ تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ } [ النور : 22 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ } [ آل عمران : 134 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها : أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : هَلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ : ((  لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ ، وَكَانَ أشَدُّ مَا لَقيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيْلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ ، فَلَمْ يُجِبْني إِلَى مَا أرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ وَأنا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي ، فَلَمْ أسْتَفِقْ إِلاَّ وأنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، وَإِذَا أنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أظَلَّتْنِي ، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبريلُ عليه السلام ، فَنَادَاني ، فَقَالَ : إنَّ الله تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَد بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بمَا شِئْتَ فِيهِمْ . فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ سَمِع قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَأنا مَلَكُ الجِبال ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ، فَمَا شِئْتَ ، إنْ شئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ )) . فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ((  بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عنها رضي الله عنها ، قالت : مَا ضَرَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ ، وَلاَ امْرَأةً وَلاَ خَادِماً ، إِلاَّ أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ ، إِلاَّ أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى ، فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى . رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قَالَ : كُنْتُ أمشي مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَبذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدةً ، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، مُر لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ . فَالتَفَتَ إِلَيْهِ ، فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ . متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ : كأني أنظر إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نَبِيّاً مِنَ الأنبياءِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُه عَلَيْهِمْ ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأدْمَوْهُ ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ ، ويقول : ((  اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي ؛ فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ )) متفقٌ عَلَيْهِ ،

وفي باب احتمال أذى المسلمين والعفو عن المسيء منهم : نجد قول الله تعالى : { وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } [ آل عمران : 134 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله تَعَالَى عنه: أنَّ رَجُلاً ، قَالَ : يَا رسول الله ، إنّ لي قَرَابةً أصِلُهم وَيَقْطَعُونِي ، وَأُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إلَيَّ ، وَأحْلُمُ عَنهم وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ ! فَقَالَ : ((  لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ ، فَكأنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ ، وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ تَعَالَى ظَهيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ )) رواه مسلم ،

وفي باب مشاورة المسلمين : نجد قول الله تعالى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } [ آل عمران : 159 ] ، وقوله تَعَالَى : {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } [ الشورى : 38 ] أيْ : يَتَشَاوَرُونَ بَيْنَهُمْ فِيهِ ،

وفي باب الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة : نجد قول الله تعالى : { إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيهَا أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ يونس : 24 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً } [ الكهف : 45-46 ] ، وقوله تَعَالَى : { اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله ورِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ } [ الحديد : 20 ] ، وقوله تَعَالَى : { زُيِّنَ لِلْنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المآبِ } [ آل عمران : 14 ] ، وقوله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الْدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ } [ فاطر : 5 ] ، وقوله تَعَالَى : { ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } [ التكاثر : 1-5 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَمَا هذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [ العنكبوت : 64 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا عبيدة بنَ الجَرَّاح رضي الله عنه إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا ، فَقَدِمَ بمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بقُدُومِ أَبي عُبيْدَةَ ، فَوَافَوْا صَلاَةَ الفَجْرِ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا صَلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، انْصَرفَ ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ ، فَتَبَسَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حِيْنَ رَآهُمْ ، ثُمَّ قَالَ: (( أظُنُّكُمْ سَمعتُمْ أنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ؟ )) فقالوا : أجل ، يَا رسول الله، فقال : (( أبْشِرُوا وَأَمِّلْوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوالله مَا الفَقْرَ أخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَط الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أهْلَكَتْهُمْ )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ : جلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى    الْمِنْبَرِ ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ ، فقال : (( إنَّ ممَّا أخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه ومسلم عن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (( إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإنَّ الله تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ )) رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: (( اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشَ الآخِرَةِ )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن المُسْتَوْرِد بن شَدَّاد رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ! )) رواه مسلم ،  وما أخرجه مسلم عن جابر رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بالسُّوقِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ، ثُمَّ قَالَ : (( أَيُّكُم يُحِبُّ أنْ يَكُونَ هَذَا لَهُ بِدرْهَم ؟ )) فقالوا : مَا نُحِبُّ أنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ ؟ ثُمَّ قَالَ : (( أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ ؟ )) قَالُوا : وَاللهِ لَوْ كَانَ حَيّاً كَانَ عَيْباً ، إنَّهُ أسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ ميِّتٌ ! فقال : (( فوَ اللهِ للدُّنْيَا أهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ )) رواه مسلم ، قوله : (( كَنَفَتَيْهِ )) أيْ : عن جانبيه . وَ(( الأَسَكُّ )) : الصغير الأذُن ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً ، لَسَرَّنِي أنْ لاَ تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاَثُ لَيالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ ، وَالدِّرْهَمِ ، وَالقَطِيفَةِ ، وَالخَمِيصَةِ ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ )) رواه البخاري ، وما أخرجه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ )) رواه مسلم ، وما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قَالَ : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبَيَّ ، فقال : (( كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ ، أَو عَابِرُ سَبيلٍ )) ، وَكَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما ، يقول : إِذَا أمْسَيتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ . رواه البخاري ،  وما أخرجه الترمذي عن سهلِ بن سعد الساعدي رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ، مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) رواه الترمذي ، وقال : ((حديث حسن صحيح )) ،  وما أخرجه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : (( أَلاَ إنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا ، إِلاَّ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى ، وَمَا وَالاهُ ، وَعالِماً وَمُتَعَلِّماً )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسنٌ )) ، وما أخرجه مسلم عن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ - بكسر الشينِ والخاء المعجمتين - رضي الله عنه ، أنه قَالَ : أتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ يَقْرَأُ : { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } قَالَ : (( يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : مَالِي ، مالي ، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ؟! )) رواه مسلم  ، وما أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ : نَامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى حَصيرٍ ، فَقَامَ وَقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، لَوْ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً . فَقَالَ : (( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا ؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ، : هذا ما تيسر في بيان القيم والمبادئ السامية التي يجب أن يتحلى بها المجتمع المسلم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم من  كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

أصول الأخلاق في السنّة النبوية المشرفة

الدرس الثاني : بيان المناهي الأخلاقية من حديث النبي صلى الله عليه وسلم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول : بيان المناهي التي يجب أن يتخلى عنها المجتمع المسلم ، وذلك من حديث النبي صلى الله عليه وسلم من  كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله ، أقول وبالله التوفيق : [[  أفرد الإمام النووي في رياض الصالحين أبوابا عديدة تتناول تلك المناهي التي يجب أن يتخلى عنها المجتمع المسلم ، ومن ذلك :

[ باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان ] : قَالَ الله تَعَالَى : { وَلاَ يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } [ الحجرات : 12 ] ، وقال تَعَالَى : { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } [ الإسراء : 36]، وقال تَعَالَى : { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ } [ ق : 18 ] ، اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلاَّ كَلاَماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلاَمُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلاَمُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ ، والسَّلاَمَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ  ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ )) متفق عَلَيْهِ [ أخرجه : البخاري 8/125 (6475) ، ومسلم 1/49 (47) (74) ] ،  وهذا صَريحٌ في أنَّهُ يَنْبَغي أنْ لا يَتَكَلَّمَ إِلاَّ إِذَا كَانَ الكلامُ خَيراً ، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ ، ومَتَى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحَةِ ، فَلاَ يَتَكَلَّم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم : عن أَبي موسى رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ اللهِ أَيُّ المُسْلمِينَ أفْضَلُ ؟ قَالَ : (( مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ )) متفق عَلَيْهِ . أخرجه : البخاري 1/10 (11) ، ومسلم 1/48 (42) (66) ، وما أخرجه البخاري عن سهل بن سعد ، قَالَ : قَالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ )) [ أخرجه : البخاري 8/125 (6474) ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم : عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول : (( إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ )) متفق عَلَيْهِ . أخرجه : البخاري 8/125 (6477) ، ومسلم 8/223 (2988) (50) ] ، ومعنى : (( يَتَبَيَّنُ )) يُفَكِّرُ أنَّها خَيْرٌ أم لا ، وما أخرجه البخاري عنه ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ )) . [ أخرجه : البخاري 8/125 (6478) ] ، وما أخرجه مالك والترمذي عن أَبي عبد الرحمان بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَومِ يَلْقَاهُ ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ )). رواه مالك في المُوَطَّأ ، والترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح ))  [أخرجه : مالك في " الموطأ " (2818) برواية الليثي ، والترمذي (2319) ] ، وما أخرجه الترمذي عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ الله حدِّثني بأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ : (( قلْ : رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) قُلْتُ : يَا رسولَ اللهِ ، مَا أخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ : (( هَذَا )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) [  أخرجه : ابن ماجه (3972) ، والترمذي (2410) ] ، وما أخرجه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) [ أخرجه : الترمذي (2409) ] ، وما أخرجه الترمذي عن عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ : (( أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) [ أخرجه : الترمذي (2406) ] ، وما أخرجه الترمذي عن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تَكْفُرُ اللِّسانَ ، تَقُولُ : اتَّقِ اللهَ فِينَا ، فَإنَّما نَحنُ بِكَ ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا )) [ أخرجه : الترمذي (2407) ] ، وما أخرجه الترمذي عن مُعَاذٍ رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ ؟ قَالَ : (( لَقَدْ سَألتَ عَنْ عَظيمٍ ، وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً ، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ ، وتَصُومُ رَمَضَانَ ، وتَحُجُّ البَيْتَ )) ثُمَّ قَالَ : (( ألاَ أدُلُّكَ عَلَى أبْوابِ الخَيْرِ ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ )) ثُمَّ تَلا : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ } حَتَّى بَلَغَ { يَعْمَلُونَ } [ النور : 16 ] ثُمَّ قَالَ : (( ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأَمْرِ ، وَعَمُودِهِ ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ )) قُلْتُ : بَلَى يَا رسولَ اللهِ ، قَالَ : (( رَأسُ الأمْر الإسْلامُ ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ الجِهادُ )) ثُمَّ قَالَ : (( ألاَ أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ! )) قُلْتُ : بلَى يَا رَسولَ اللهِ ، فَأخَذَ بِلِسانِهِ وقال : (( كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا )) قُلْتُ : يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فقالَ : (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ! وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ؟ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) [أخرجه : ابن ماجه (3973) ، والترمذي (2616) ] ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ ؟ )) قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ ، قَالَ : (( ذِكْرُكَ أخَاكَ بِما يَكْرَهُ )) قِيلَ : أفَرَأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أقُولُ ؟ قَالَ : (( إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ ، فقد اغْتَبْتَهُ ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ )) [ أخرجه : مسلم 8/21 (2589) (70) ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي بَكْرة رضي الله عنه : أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ : (( إنَّ دِماءكُمْ ، وَأمْوَالَكُمْ ، وأعْرَاضَكُمْ ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ )) متفق عَلَيْهِ. [ البخاري 1/37 (105) ، ومسلم 5/108 (1679) (30) ] ، وما أخرجه أبو داود والترمذي عن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها ، قالت : قُلْتُ للنبيّ صلى الله عليه وسلم : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا . قَالَ بعضُ الرواةِ : تَعْنِي قَصيرَةً ، فقالَ : (( لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ! )) قالت : وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَاناً فَقَالَ : (( مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنْساناً وإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا )) . رواه أَبُو داود والترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) [  أخرجه : أبو داود (4875) ، والترمذي (2502) ] ، وما أخرجه أبو داود عن أنسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَومٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ : مَنْ هؤُلاءِ يَا جِبرِيلُ ؟ قَالَ : هؤُلاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ ، وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ ! )) . رواه أَبُو داود [أخرجه : أبو داود (4878) و(4879) ] ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ )) . رواه مسلم [  أخرجه : مسلم 8/10 (2564) ] ،

[ باب تحريم الكذب ] :  قَالَ الله تَعَالَى : { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإسراء : 36 ] . وقال تَعَالَى : {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 18 ]  ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً . وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّاباً )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا أؤْتُمِنَ خانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ )) . متفق عَلَيْهِ ، وما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ ، كُلِّفَ أنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْن وَلَنْ يَفْعَلَ ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَديثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ ، صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بنافِخٍ)) . رواه البخاري [البخاري 9/54 (7042) ] ، وما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قَالَ : قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : (( أَفْرَى الفِرَى أنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا )) [ أخرجه : البخاري 9/54 ( 7043 ) ] ، ومعناه : يقول : رأيتُ ، فيما لَمْ يَرَهُ ،

[ باب الحثّ عَلَى التثبت فيما يقوله ويحكيه ] : قَالَ الله تَعَالَى : { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإسراء : 36 ] وقال تَعَالَى : { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 18 ] ، وأخرج مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( كَفَى بالمَرْءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ )) [أخرجه : مسلم في مقدمة " صحيحه " 1/8 (5) ] ، وأخرج مسلم عن سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَديثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبينَ )) [أخرجه : مسلم في مقدمة " صحيحه " 1/7 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم وعن أسماء رَضِيَ اللهُ عنها : أنَّ امْرأةً قالت : يَا رسولَ الله ، إنَّ لِي ضَرَّةً فهل عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِيني ؟ فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : (( المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ )) [ متفق عَلَيْهِ ، أخرجه : البخاري 7/44 (5219) ، ومسلم 6/169 (2130) ] ، (( وَالمُتَشَبِّعُ )) : هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الشَّبَعَ وَلَيْسَ بِشَبْعَان . ومعناهُ هُنَا : أنْ يُظْهِرَ أنَّهُ حَصَلَ لَهُ فَضيلَةٌ وَلَيْسَتْ حَاصِلَةً . (( وَلابِسُ ثَوْبَي زُورٍ )) أيْ : ذِي زُورٍ ، وَهُوَ الَّذِي يُزَوِّرُ عَلَى النَّاسِ ، بِأنْ يَتَزَيَّى بِزِيِّ أهْلِ الزُّهْدِ أَو العِلْمِ أَو الثَّرْوَةِ ، لِيَغْتَرَّ بِهِ النَّاسُ وَلَيْسَ هُوَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ . وَقَيلَ غَيرُ ذَلِكَ واللهُ أعْلَمُ ،

[ باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر ] : قَالَ الله تَعَالَى : { إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، وقال تَعَالَى : { أذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنينَ أعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرينَ } [ المائدة : 54 ] ، وقال تَعَالَى : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } [ الفتح : 29 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه : أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( لاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَقَاطَعُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً ، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ )) [ متفق عَلَيْهِ ، أخرجه : البخاري 8/23 (6065) ، ومسلم 8/8 (2559) (23) ] ، وأخرج مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاثنين ويَوْمَ الخَمْيِسِ ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ، إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بينهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ فَيُقَالُ : أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ! أَنْظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ! )) [ أخرجه : مسلم 8/11 (2565) ] ، وفي روايةٍ لَهُ : (( تُعْرَضُ الأعْمالُ في كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ واثنين )) وذَكَرَ نَحْوَهُ  ،

[ باب النهي عن سوء الظنّ بالمسلمين من غير ضرورة ] :  قَالَ الله تَعَالَى : { يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ } [الحجرات : 12 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( إيَّاكُمْ والظَّنَّ ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ )) [ متفق عَلَيْهِ ] ،

[ باب تحريم احتقار المسلمين ] :  قَالَ الله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَومٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيْمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [ الحجرات : 11 ] وقال تَعَالَى : { وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لمزَةٍ } [ الهمزة : 1 ] ، وأخرج مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج مسلم أيضا عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ! )) فَقَالَ رَجُلٌ : إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً ، وَنَعْلُهُ حَسَنةً ، فَقَالَ: (( إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ ، الكِبْرُ : بَطَرُ الحَقِّ ، وَغَمْطُ النَّاسِ )) [أخرجه : مسلم 8/11 (2565) (35) و(36) ] ، ومعنى (( بَطَرُ الحَقِّ )) دَفْعُه ، (( وغَمْطُهُمْ )) : احْتِقَارُهُمْ ،  وأخرج مسلم عن جُندب بن عبدِ الله رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (( قَالَ رَجُلٌ : وَاللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ ، فَقَالَ اللهُ عز وجل : مَنْ ذا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ ! فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ ، وَاحْبَطْتُ عَمَلَكَ )) [ أخرجه : مسلم 8/36 (2621) (137) ] ،

[ باب النهي عن الغش والخداع ] : قَالَ الله تَعَالَى : { والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وإثْماً مُبِيناً } [ الأحزاب : 58 ] ، وأخرج مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا ، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا )) [أخرجه : مسلم 1/69 (101) (164) و1/69 (102) ] ، وفي رواية لَهُ : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أصابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ : (( مَا هذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ؟ )) قَالَ : أصَابَتهُ السَّمَاءُ يَا رسول الله . قَالَ : (( أفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوقَ الطَّعَامِ حَتَّى يرَاهُ النَّاسُ ! مَنْ غشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا )) ،

[ باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام ] : قَالَ الله تَعَالَى: { إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ } [ الحجرات: 10 ] ، وقال تَعَالَى: { وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالعُدْوَانِ } [ المائدة : 2 ]  ، وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تَقَاطَعُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً ، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَث ))  [ متفق عَلَيْهِ ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أَبي أيوبَ رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ : يَلْتَقِيَانِ ، فَيُعْرِضُ هَذَا ، وَيُعْرِضُ هَذَا ، وخَيْرُهُما الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ )) [ متفق عَلَيْهِ ، البخاري 8/26 (6077) ، ومسلم 8/8 (2560) ] ، وأخرج مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ في كلِّ اثْنَيْنِ وَخَمْيسٍ ، فَيَغْفِرُ اللهُ لِكُلِّ امْرِئٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً ، إِلاَّ امْرَءاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْنَاءُ ، فَيقُولُ : اتْرُكُوا هذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا )) [أخرجه : مسلم 8/12 (2565) ] ، وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ : (( إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ ، وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ )) [أخرجه : مسلم 8/138 (2812) ] ، (( التَّحْرِيشُ )) : الإفْسَادُ وتَغييرُ قُلُوبِهِمْ وتَقَاطُعُهُم ، وأخرج أبو داود عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ ، دَخَلَ النَّارَ ))  [ رواه أَبُو داود بإسناد عَلَى شرط البخاري ومسلم ، أخرجه : أحمد 2/392 ، وأبو داود (4914) ] ، وأخرج أبو داود عن أَبي خِراشٍ حَدْرَدِ بنِ أَبي حَدْرَدٍ الأسلميِّ . ويقالُ : السُّلمِيّ الصحابي رضي الله عنه: أنَّه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، يقولُ : (( مَنْ هَجَرَ أخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ ))  رواه أَبُو داود بإسناد صحيح [ أخرجه : أحمد 4/220 ، وأبو داود (4915) ] ، وأخرج أبو داود عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنًّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( لاَ يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَهْجُرَ مُؤْمِناً فَوقَ ثَلاَثٍ ، فإنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاَثٌ ، فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَإنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ فَقَدِ اشْتَرَكَا في الأجْرِ ، وَإنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإثْمِ ، وَخَرَجَ المُسَلِّمُ مِنَ الهِجْرَةِ )) . رواه أَبُو داود بإسناد حسن [أخرجه : البخاري في " الأدب المفرد " (414) ، وأبو داود (4912) ] ،

[ باب تغليظ تحريم الربا ] :  قَالَ اللهُ تَعَالَى : { الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بأنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأولئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } - إِلَى قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا } [ البقرة : 275- 278 ] ، وأخرج مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: لَعَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ ، رواهُ مسلم ، [  أخرجه : مسلم 5/50 (1597) (105) ، وأبو داود (3333) ] ،

[ باب تحريم الرياء ] : قَالَ الله تَعَالَى : { وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ } [ البينة : 5 ] ، وقال تَعَالَى : { لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ } [ البقرة : 264 ] ، وقال تَعَالَى : { يُرَاءونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً } [ النساء : 142 ] ، وأخرج مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ : (( قَالَ الله تَعَالَى : أنَا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ )) [ رواه مسلم ، مسلم 8/223 (2985) ] ، وأخرج مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إنَّ أَولَ النَّاسِ يُقْضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ ، فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ . قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ : جَرِيءٌ ! فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ ، وَقَرَأَ القُرآنَ ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا . قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ ، وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ ، قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ : عَالِمٌ ! وَقَرَأتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ : هُوَ قَارِئٌ ؛ فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ . وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ ، وَأعْطاهُ مِنْ أصْنَافِ المَالِ ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ ، فَعَرَفَهَا . قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ : كَذَبْتَ ، ولكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: جَوَادٌ ! فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ )) [أخرجه : مسلم 6/47 (1905) ] ، وأخرج أبو داود عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ عز وجل لاَ يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا ، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ )) يَعْنِي : رِيحَهَا [رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ ] ،

[ باب تحريم النظر إِلَى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية ] :  قَالَ الله تَعَالَى : { قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ } [ النور : 30 ] ، وقال تَعَالَى : {إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } [ الإسراء : 36 ] ، وقال تَعَالَى : { يَعْلَمُ خَائِنةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } [ غافر : 19 ] ، وقال تَعَالَى : { إنَّ رَبكَ لَبِالمِرْصَادِ } [ الفجر : 14 ] ، وأخرج البخاري ومسلم : عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( كُتِبَ عَلَى ابْن آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكُ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ : العَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ ، وَاللِّسَانُ زِناهُ الكَلاَمُ ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطْشُ ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا ، والقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ ))  [متفق عَلَيْهِ ، هَذَا لفظ مسلمٍ ، ورواية البخاري مختصرَةٌ  ، أخرجه : البخاري 8/67 (6243) ، ومسلم 8/52 (2657) ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أَبي سعيد الخُدريِّ رضي الله عنه ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( إيّاكُمْ والجُلُوس فِي الطُّرُقَاتِ ! )) قالوا : يَا رسولَ الله ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا . فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( فَإذَا أبَيْتُمْ إِلاَّ المَجْلِسَ ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ )) قَالُوا : وَمَا حَقُّ الطَّريقِ يَا رسولَ اللهِ ؟ قَالَ : (( غَضُّ البَصَرِ ، وَكَفُّ الأَذَى ، وَرَدُّ السَّلاَمِ ، والأمرُ بالمَعْرُوفِ ، والنَّهيُ عنِ المُنْكَرِ )) [ متفق عَلَيْهِ ] ، وأخرج مسلم : عن أَبي طلحة زيد بن سهل رضي الله عنه قَالَ : كُنَّا قُعُوداً بالأفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَجَاءَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : (( مَا لَكُمْ وَلِمَجَالسِ الصُّعُدَاتِ ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ)) فقُلْنَا : إنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأسٍ ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ ، وَنَتَحَدَّثُ . قَالَ : (( إمَّا لاَ فَأَدُّوا حَقَّهَا : غَضُّ البَصَرِ ، وَرَدُّ السَّلاَمِ ، وَحُسْنُ الكَلاَمِ )) [  أخرجه : مسلم 7/2 (2161) ] ، (( الصُّعُدات )) بضمِ الصاد والعين : أيْ الطُّرقَاتِ ، وأخرج مسلم عن أَبي سعيد رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( لاَ يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ ، وَلاَ المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ ، وَلاَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلاَ تُفْضي المَرْأةُ إِلَى المَرْأَةِ في الثَّوْبِ الواحِدِ )) . [أخرجه : مسلم 1/183 (338) ] ،

[ باب تحريم الخلوة بالأجنبية ] : قَالَ الله تَعَالَى : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسْألُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ } [ الأحزاب : 53] ، وأخرج البخاري ومسلم : عن عقبة بن عامر رضي الله عنه : أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ! )) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ : أفَرَأيْتَ الحَمْوَ ؟ قَالَ : (( الحَمْوُ المَوْتُ ! )) [ متفق عَلَيْهِ ، أخرجه : البخاري 7/48 (5232) ، ومسلم 7/7 (2172) ] ، (( الحَمْو )) : قَريبُ الزَّوْجِ كَأخِيهِ ، وابْنِ أخِيهِ ، وَابْنِ عَمِّهِ ، وأخرج البخاري ومسلم : عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( لاَ يَخْلُونَّ أَحَدكُمْ بامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ )) [ متفق عَليْهِ ، أخرجه : البخاري 4/72 (3006) ، ومسلم 4/104 (1341) ] ، وأخرج مسلم عن بُريدَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( حُرْمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ ، مَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ القَاعِدِيْنَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ المُجَاهِدِينَ في أهْلِهِ ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلاَّ وَقَفَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شَاءَ حَتَّى يَرْضى )) ثُمَّ التَفَتَ إلَيْنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (( مَا ظَنُّكُمْ ؟ )) [أخرجه : مسلم 6/42 (1897) (139) و6/43 (1897) ] ،

[ باب النَّهي عن إتيان الكُهّان والمنجِّمين ] : أخرج البخاري ومسلم : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : سأل رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَاسٌ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ : (( لَيْسُوا بِشَيءٍ )) فَقَالُوا : يا رَسُولَ اللهِ إنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أحْيَاناً بِشَيءٍ، فَيَكُونُ حَقّاً ؟ فقالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (( تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مئَةَ كَذْبَةٍ )) [ متفق عليه أخرجه : البخاري 7/48 (5232) ، ومسلم 7/7 (2172) ] ، وأخرج مسلم عن صَفِيَّةَ بِنتِ أبي عُبيدٍ ، عن بعض أزواجِ النَّبيِّ  صلى الله عليه وسلم ، ورَضِيَ اللهُ عنها ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قال : (( مَنْ أَتَى عَرَّافاً فَسَأَلَهُ عنْ شَيْءٍ فَصَدَّقَهُ ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أرْبَعِينَ يَوماً )) [أخرجه : مسلم 7/37 (2230) ] ،

[ باب تغليظ اليمين الكاذبة عمداً ] :  أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيرِ حَقِّهِ ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ )) قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ الله عز وجل : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً } إِلَى آخِرِ الآيَةِ [ آل عمران : 77] [  متفق عَلَيْهِ ، أخرجه : البخاري 3/145 (2356) و(2357) ، ومسلم 1/86 (138) ] ، وأخرج مسلم عن أَبي أُمَامَة إياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله عنه : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ . وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ )) فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : وَإنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رسولَ اللهِ ؟ قَالَ : (( وإنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أرَاكٍ )) [ رواه مسلم ] ، وأخرج البخاري عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاصِ رضي الله عنهما، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((الكَبَائِرُ : الإشْرَاكُ بِاللهِ ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، واليَمِينُ الغَمُوسُ )) [أخرجه : البخاري 8/171 (6675) و9/17 (6920) ] ، وفي روايةٍ لَهُ : أنَّ أعْرابِياً جَاءَ إِلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يا رسولَ اللهِ مَا الكَبَائِرُ ؟ قَالَ : (( الإشْرَاكُ بِاللهِ )) قَالَ : ثُمَّ مَاذا ؟ قَالَ : (( اليَمِينُ الغَمُوسُ )) قلتُ : وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ ؟ قَالَ : (( الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ! )) يعني بِيَمِينٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ ،

[ باب النهي عن الصلاة إِلَى القبور ] : أخرج مسلم عن أَبي مَرْثَدٍ كَنَّازِ بْنِ الحُصَيْنِ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ : (( لا تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ ، وَلاَ تَجْلِسُوا عَلَيْهَا )) [ أخرجه : مسلم 3/62 (972) ] ،

[ باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه ] : أخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قَالَ : نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يُجَصَّصَ القَبْرُ ، وأنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ ، وَأنْ يُبْنَى عَلَيْهِ [  أخرجه : مسلم 3/61 (970) ]

[ باب التغليظ في تحريم السحر ] : قَالَ الله تَعَالَى : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } [البقرة : 102 ] ، و أخرج البخاري ومسلم : عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ )) ، قالوا : يَا رسولَ اللهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : (( الشِّرْكُ باللهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبَا ، وأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ؛ وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ )) [ متفق عَلَيْهِ ، أخرجه : البخاري 4/12 (2766) ، ومسلم 1/64 (89) ]

[ باب التحذير من ارتكاب ما نهى الله عز وجل أَو رسوله صلى الله عليه وسلم عنه ] : قال الله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور : 63 ] ، وقال تعالى : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ } [ آل عمران : 30 ] ، و أخرج البخاري ومسلم : عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ : (( إنَّ اللهَ تَعَالَى يَغَارُ ، وَغَيْرَة اللهِ ، أنْ يَأْتِيَ المَرْءُ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ )) [ متفق عليه ]

[ باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهياً عنه ] : قال الله تعالى : { وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ } [ فصلت : 36 ] ، وقال تعالى : { إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } [ الأعراف : 201 ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلينَ } [ آل عمران : 135 - 136 ] ، وقال تعالى : { وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعَاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ النور : 31 ] ، كان ذلك ما تيسر من بيان المناهي التي يجب أن يتخلى عنها المجتمع المسلم ، وذلك من حديث النبي صلى الله عليه وسلم من  كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

أصول الأخلاق في السنّة النبوية المشرفة

الدرس الثالث : أحاديث نبوية جامعة في بيان أكبر الكبائر والموبقات

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : أحاديث نبوية جامعة في بيان أكبر الكبائر والموبقات ، أقول وبالله التوفيق :  من الأحاديث الجامعة في بيان الكبائر التي ينبغي للمسلم أن يجتنبها : ثلاثة أحاديث جامعة : [ الحديث الأول ] : ما أخرجه البخاري ومسلم النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  قوله : (( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ )) [ متفق عليه ] ، و [ الحديث الثاني ] : ما أخرجه البخاري ومسلم : عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم  : أي الذنب أعظم عند الله ؟  قال : (( أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت : إن ذلك لعظيم ، قلت : ثم أي ؟ قال : وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك ، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك )) [ متفق عليه ] ، و [ الحديث الثالث ] : ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلَّا باِلْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّباَ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَناَتِ الغَافِلاَتِ المؤمنات )) [ متفق عليه ] ،

[ الحديث الأول وشرحه ] : أخرج البخاري ومسلم عن النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قوله : (( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ )) [ متفق عليه ] ، وضح الحديث أن أكبرَ الكبائر ثلاثة : الشِّرك ، والعقوق ، وقول الزور ، ونلاحظ أنه قد كرَّر " كبيرة قول الزور " لأنّ الناس قد تستهين بها ، مع أنها من أكبر الكبائر ، ففي التكرار تنبيه إلى خطورتها وتدليل على قُبح فعلها ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : {  فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور } [ الحج : 30 ] ، فقد جمع القرآن بين عبادة الأصنام وبين قول الزور ، وفي الحديث قول الصحابي ( فما زال يُكرِّرها ؛ حتى قلنا : ليتَه سكَت ) أي : شَفقةً عليه ، وكراهية لِما يُزعجه ، وهذا يدل على عظيم محبة الصحابة للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، وما كانوا عليه من كثرة الأدب معه والمحبَّة له صلَّى الله عليه وسلَّم  ،  وأول تلك الكبائر : ( الشرك الأكبر بالله )  ، وهو أن تجعل لله ندا وشريكا في إلهيته أو ربوبيته أو استحقاقه وحده للعبودية ، قال تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [ المائدة : من الآية72 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: من الآية13 ] ، والشرك بالله أبغض إلى الله من جميع الكبائر والمعاصي وهو يوجب الخلود الأبدي في النار ، بخلاف بقية الكبائر ، فإنها داخلة تحت المشيئة ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } [ النساء:48 ] ، وثاني تلك الكبائر : ( عقوق الوالدين ) ، لقد أولى القرآن الكريم بر الوالدين عناية فائقة ببر الوالدين ، والنهي عن عقوقهما ، وفي آيات عديدة قرن الله تعالى فيها بر الوالدين بعبادة الله ، منها قوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  } [ النساء : 36 ] ، وقوله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، وقد تواترت الأحاديث على بر الوالدين والإحسان إليهما ، ومن ذلك : ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) [ متفق عليه ] ، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي قال : (( أمك )). قال ثم من قال : )) ثم أمك )) . قال ثم من قال : (( ثم أمك )) . قال ثم من قال (( ثم أبوك ))  [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد ، أبتغى الأجر من الله. قال : (( فهل من والديك أحد حي ؟ )) . قال نعم بل كلاهما. قال : (( فتبتغى الأجر من الله ؟ )). قال نعم. قال : (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال : (( أحي والداك ؟ )) . قال : نعم . قال : (( ففيهما فجاهد )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جئت أبايعك على الهجرة ، وتركت أبوي يبكيان ، فقال : (( ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما )) [ أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني ] ، وقد ورد النهي في الكتاب والسنة عن عقوق الوالدين ، كما جاء في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [ الرعد : 25 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [ البقرة : 26 ، 27 ] ، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على أنّ عقوق الوالدين من أكبر الكبائر  ، ما أخرجه الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (( إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ , وَمَنْعًا وَهَاتِ , وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ : وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ )) [ أخرجه البخاري ] ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ , وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ ))  ،  وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالنَّسَائِيِّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( ثَلَاثَةٌ حَرَّمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ الْجَنَّةَ : مُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَالْعَاقُّ , وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ الْخَبَثَ فِي أَهْلِهِ )) ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : { مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ , وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ { أَنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ . قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ , وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ ، وأخرج َالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : (( أَرْبَعٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَهُمْ الْجَنَّةَ وَلَا يُذِيقَهُمْ نَعِيمَهَا : مُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَآكِلُ الرِّبَا , وَآكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ , وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ  )) ،  وثالث تلك الكبائر : ( شهادة الزور ) ، والزور هو الكذب ، ولهذا أخرج أحمد والترمذي عن أيمن بن خُرَيم قال : قام رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خطيبًا، فقال : (( يا أيها الناس، عَدَلت شهادة الزور شِركًا بالله)) ثلاثًا، ثم قرأ:  { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } )) [ أخرجه أحمد والترمذي ] ، وجاء في الحديث المتفق عليه  : (( عليكم بالصدق فان الصدق يهدي الى البر وان البر يهدي الى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار ، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً )) [ متفق عليه ] ، وها هنا في الحديث : قول النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ )) فجعل قول الزور من أكبر الكبائر ، وهذا يدلنا على عظم شأن شهادة الزور ، وخطورتها ، ولذا لما أراد التحذير منها جلس ، ثم كرر التحذير منها مراراً ، فإن شهادة الزور تسفك بها الدماء المعصومة وتلوث بها الأعراض الطاهرة ، وتسلب بها الأموال والحقوق ، وليس معنى اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الزور أنها أكبر من الشرك ولكن أراد التنبيه على عظم خطرها فإن شناعة الشرك والعقوق أمر متقرر في النفوس لكن شهادة الزور قد يتساهل فيها كثير من الناس لينفعوا أنفسهم أو من يحبون ، أو ليضروا ويؤذوا من يبغضون ، فاستلزم ذلك التنبيه على خطورة هذه الكبيرة ،

[ الحديث الثاني وشرحه ] : ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم  : أي الذنب أعظم عند الله ؟  قال : (( أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت : إن ذلك لعظيم ، قلت : ثم أي ؟ قال : وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك ، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك )) [ متفق عليه ] ، لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم – يسألون النبي – صلى الله عليه وسلم - عن الذنوب ومراتبها كي يجتنبوها ، ويعلموا قبحها فيحذروها، وفي هذا الإطار سأل الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه – النبي – صلى الله عليه وسلم - عن أعظم الذنوب أي : أشدها إثماً وأعظمها قبحاً، فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أعظمها هو الشرك بالله، بأن يجعل الإنسان لله ندا وشريكاً يعبده من دون الله ، مع أنّ الله تعالى هو الذي خلقه ورزقه ، فسأله عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عما يلي ذنب الشرك من الذنوب في القبح وعظيم الإثم ؟ فقال له: أن يقتل المرء ولده خوفاً من أن يشاركه طعامه وشرابه ، وإذا كان القتل كبيرة عظيمة وجريمة شنعاء ، فكيف إذا امتدت إلى قتل الأبناء ، وهم أمانة في حق الآباء ، ثم إن هذه الجريمة تدل على اعتقاد فاجر خبيث ألا وهو مخافة أن يُطعم معه ، أليس الله تعالى هو الرزاق ، الذي تكفل برزق جميع خلقه ، إن هذا الجرم ينم عن تجرد عن الإنسانية ، مما يجعله في المرتبة الثانية بين أسوأ الذنوب وأفظعها عند الله ، ثم يسأل عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه - عما يلي هذين الذنبين فيجيبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه الزنا بزوجة الجار ، وتتجلى شناعة هذا الجرم في كون أن الزنا بنفسه فاحشة ومقت وساء سبيلا ، فكيف إذا اجتمع معه خيانة حق الجار  ، والجار مؤتمن على شرف جاره ، فالاعتداء على محارمه يعد خيانة لحق الجوار الذي عظمه الله ورسوله ، إذن أعظم الذنوب مرتبة عند الله  : ( الشرك الأكبر بالله )  ، وهو أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، والشرك مدعاة لتحريم دخول الجنة ووجوب عذاب النار ، قال تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [ المائدة : من الآية72 ] ، والشرك بالله أبغض إلى الله من جميع الكبائر والمعاصي وهو يوجب الخلود الأبدي في النار ، بخلاف بقية الكبائر ، فإنها داخلة تحت المشيئة ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } [ النساء:48 ] ، وثاني تلك أعظم الذنوب والكبائر : ( قتل  الأولاد مخافة الفقر) ، وإذا كان قتل النفس بدون سبب شرعي كالقصاص أو الزاني المحصن أو المرتد التارك لدينه ،عموما من أكبر الكبائر ، لقوله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } [ النساء:93 ] ، وقوله تعالى : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً } [ المائدة:32 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً )) [ أخرجه البخاري ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم قال : (( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء )) [ أخرجه البخاري : ح 6862 ] ،   وما أخرجه النسائي : عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا )) [ أخرجه النسائي: كتاب تحريم الدم، باب تعظيم الدم ] ،  هذا حال القتل المجرد ، فكيف حال (( أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ))  لا شك أنّ ذلك أعظم ذنبا وأحط خطيئة ، وقد أودع الله تعالى الولد عند أبيه ليربيه ويعلمه لا ليقتله ، ولهذا لما سأل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم  : عن أعظم الذنوب عند الله تعالى ، ذكر منها ثلاث : الأول : الشرك لأنه ليس بعد الشرك ذنب ، والثاني هو (( قتل الولد مخافة الفقر )) ، وهناك أمور لابد من التنبيه إليها منها أن الاجهاض بعد نفخ الروح في الجنين بسبب الفقر الحاجة يدخل في الحديث : ((أي الذنب أعظم عند الله ؟  قال : (( أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت : إن ذلك لعظيم ، قلت : ثم أي ؟ قال : وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك )) ، فالإجهاض آنذاك من أعظم الذنوب عند الله ،   وأمر آخر ألا وهو : أن هناك من يحدد النسل بوسائل طبية معروفة ، وإذا سألته عن السبب ذكر مخافة الفقر والحاجة ، ولذلك تكرر في القرآن الكريم النهي عن ذلك في موضعين : الأول : قوله تعالى في سورة الأنعام : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } [ الأنعام : 151 ] ، والثاني قوله تعالى في سورة الإسراء : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } [ الإسراء : 31 ] ، فدلت الآيتين على أنّ كثرة الذرية تزيد في الرزق ولا تقلله ، وتحديد النسل في شرع الإسلام محرم ، وتنظيم الناس مكروه ، ومخالف لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو القائل : (( تزوجوا الولود الودود ، فإني مكاثر بكم الأمم )) [ أخرجه أبو داود والنسائي والإمام أحمد في المسند  والبيهقي في السنن  ] ، وأخرج أحمد وسعيد بن منصور والطبراني في الأوسط والبيهقي من حديث أنس قال : كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ، ويقول : (( تزوجوا الوَدود الوَلود ، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة )) ، صححه ابن حبان ، والحاكم ، ولابن ماجه من حديث عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة رفعه : انكحوا فإني مكاثر بكم  ، وأخرج الشافعي عن ابن عمر : تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة ، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، فأما حديث: فإني مكاثر بكم؛ فصح من حديث أنس بلفظ: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة. أخرجه ابن حبان، وذكره الشافعي بلاغاً عن ابن عمر بلفظ: تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم ، وللبيهقي من حديث أبي أمامة : تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى. وورد: فإني مكاثر بكم أيضاً من حديث الصنابحي وابن الأعسر ومعقل بن يسار بن حنيف وحرملة بن النعمان وعائشة وعياض بن غنم ومعاوية بن حيدة وغيرهم، انتهى كلام ابن حجر في فتح الباري ،  وثالث تلك الذنوب والكبائر : ( الزنا بحليلة الجار) : والزنا كبيرة من أكبر الكبائر ، وفاحشة من أفحش الفواحش ، وذنب من أسوا الذنوب ، وخبث من أخبث الخبائث ، لما فيه من اختلاط الأنساب وهلاك النسل ، وضياع العفة والمرؤة والأخلاق ، نهى الله تعالى عن مجرد الاقتراب منه ، استدعاء دواعيه ، فقال تعالى : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } [ الإسراء : 32 ] ، ووصف القرآن الكريم أهله بالخبث ، فقال تعالى : { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات } [ النور : 26 ] ، ونفى النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحبه الإيمان فقال : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )) [ متفق عليه ] ، والزنا من أبشع الفواحش التي حرمها الله جل وعلا وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأجمعت الأمة قاطبة على تحريمه ، وقد رتب الشرع الحكيم عليه حداً صارماً وقاسياً ، وهو رجم الزاني بالحجارة حتى الموت إن كان متزوجاً ، والجلد والتغريب إن لم يكن متزوجاً ، ليحصل بذلك الارتداع والابتعاد عن هذه الفاحشة القبيحة ، وأدلة تحريم الزنا من القرآن الكريم كثيرة منها : قوله تعالى : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } ( الإسراء32 )  ،  و قوله تعالى :{ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مُهاناً } ( الفرقان68/69 ) ، و قوله تعالى :{ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذ كم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ( النور2 ) ، و قوله تعالى :{ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحُرم ذلك على المؤمنين } ( النور3 ) ، و قوله تعالى : { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم } ( النور26 ) ، فصاحب الزنا خبيث وصاحبة الزنا خبيثة والخبيث للخبيثة ، أما المؤمنون الطاهرون من هذه الفاحشة الشنيعة فهم الطيبون والطيبات فهؤلاء لبعضهم البعض ، وأدلة تحريم الزنا من السنة كثيرة منها : قوله صلى الله عليه وسلم : [ خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ] ( مسلم واحمد وغيرهما )  ، و قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة )) [ متفق عليه ]  ، و قوله صلى الله عليه وسلم : (( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابُ أليم : شيخٌ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر )) [ مسلم وأحمد والنسائي ] ، وقد أجمعت الأمة الإسلامية من عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا على تحريم الزنا وأن الزاني يُرجم إن كان محصناً ، ويجلد ويُغرب إن كان غير محصن ،  وقد اتخذت الشريعة كافة الاحتياطات لمنع هذه الفاحشة ، وأول ذلك عض البصر : قال تعالى : {  قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ } [ سورة النور : 30 ] ، ثم حرم الإسلام على المرأة أن تخرج أمام الرجال الأجانب وهي متخذة زينتها ، فقال تعالى : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ النور : 31 ] ، ونهى الشرع الحكيم من الدخول على النساء ، قال تعالى : { وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب } ثم ذكر المولى جل وعلا الحكمة البالغة من ذلك فقال : { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } [ الأحزاب : 53 ] ، ثم أمر المولى جلت قدرته عباده الذين لا ستطيعون النكاح ولا يجدون له طريقاً ومسلكاً ، أمرهم بالعفة إلى أن يكتب الله لهم ذلك ، فقال تعالى : { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله } [ النور : 33 ] ، ومنع النبي صلى الله عليه وسلم كل الأسباب المؤدية إلى الزنا ،  وجميع الدوافع الدافعة إليه ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية ))  [ أخرجه النسائي ] ، وحذر صلى الله عليه وسلم  من الدخول على النساء أو الاختلاط لأن ذلك مما قد يدفع ضعاف النفوس إلى ممارسة هذه الفاحشة العظيمة المشينة المحرمة ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( إياكم والدخول على النساء ، فذكر له رجل ، فقال : أرأيت الحمو يا رسول الله ، فقال : الحمو الموت )) [ متفق عليه ]،  والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج ممن ليس بمحرم للزوجة ، وعادة الناس المساهلة فيه، فيخلو الأخ بامرأة أخيه فهذا هو الموت ، لتساهل الناس بعواقبه ، كما منع الشرع من سفر المرأة بدون محرم : والمرأة هنا يقصد بها : الأم والأخت والبنت والزوجة والعمة والخالة وغيرهم من المحارم ، فيحرم سفر المرأة بدون محرم لأن ذلك يفضي إلى مفاسد عظيمة ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله : [ لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ] ( متفق عليه ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : (( لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما )) [ أخرجه احمد ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومين إلا مع ذي محرم )) [ متفق عليه ] ، إنّ انتشار الزنا له عواقب وخيمة على الأمة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( إذا ظهر الزنا والربا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله  )) [ الحاكم وصحح إسناده ي  ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا )) [ ابن ماجة ] ، ومن أشد العوامل التي تؤدي إلى إشاعة هذه الفاحشة : الاختلاط والخلوة والتبرج والسفور ، إذ كيف برجل يرى امرأة كاشفة الوجه واليدين والرجلين وحاسرة الرأس كاسية عارية تجوب الشوارع والأسواق بلا محرم ، ألا يطمع فيها من كان في قلبه مرض ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( صنفان من أهل النار لم أرهما : نساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها )) [ أخرجه مسلم ]، ولهذا أمر الشرع بالحجاب ومنع من السفور ، فقال تعالى : {  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [ الأحزاب : 59 ] ، ولهذا أيضا قال صلى الله عليه وسلم : (( لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم )) ، وقال عليه الصلاة والسلام : (( لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما )) ، وقال عليه الصلاة والسلام : (( لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون زوجاً أو ذا محرم )) [ أخرجه مسلم ] ،  والنبي صلى الله عليه وسلم : أعظم الخلق عفة كان لا يصافح النساء ، وكان يقول : ((  إني لا أصافح النساء )) ، وقالت عائشة رضي الله عنها : (( والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط ما كان يبايع النساء إلا بالكلام  )) ،  وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحجز صفوف الرجال عن النساء في الصلاة وهي عبادة بل أهم عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه ، فقال عليه الصلاة والسلام : (( خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها )) [ أخرجه مسلم ] ، وما ذاك إلا لقرب أول صفوف النساء من الرجال فكان شر الصفوف ،  إن الزنا خبث ونجس وفاحشة وساء سبيلا وما انتشر إلا وانتشرت معه الأمراض الفتاكة الخطيرة المهلكة ، أمراض نفسية من زوال العفة والأخلاق وانتشار الفواحش والرذائل ، وأمراض جسدية معدية مدمرة ، وأمراض اجتماعية تؤول إلى دمار الأمم والمجتمعات ،  هذا في حق الزنا بالأجنبية ، فكيف إذا اجتمع معه خيانة حق الجار  ، والجار مؤتمن على شرف جاره ، فالاعتداء على محارمه يعد خيانة لحق الجوار الذي عظمه الله ورسوله ، ولهذا جاء ها هنا في حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه – قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم  : أي الذنب أعظم عند الله ؟  قال : (( أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت : إن ذلك لعظيم ، قلت : ثم أي ؟ قال : وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك ، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك )) [ متفق عليه ] ، فإن الزنا بحليلة الجار حري أن يكون من أعظم الذنوب والخطايا ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت

[ الحديث الثالث وشرحه ] : ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلَّا باِلْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّباَ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَناَتِ الغَافِلاَتِ المؤمنات )) [ متفق عليه ] ، وقد شمل الحديث بيان أكبر الكبائر وأعظم الموبقات والمهلكات ، وأول تلك الكبائر والموبقات : ( الشرك الأكبر بالله )  ، وهو أن تجعل لله ندا وشريكا في إلهيته أو ربوبيته أو استحقاقه وحده للعبودية ، قال تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [ المائدة : من الآية72 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: من الآية13 ] ، والشرك بالله أبغض إلى الله من جميع الكبائر والمعاصي وهو يوجب الخلود الأبدي في النار ، بخلاف بقية الكبائر ، فإنها داخلة تحت المشيئة ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } [ النساء:48 ] ، والكبيرة التالية هي ( السحر ) ، والسحر هو عقد ورقى يتكلم به ، أو يكتبها الساحر تؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له ، قال تعالى : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } [ البقرة: من الآية102 ] ، وقال تعالى عن هاروت وماروت : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } [ البقرة: من الآية102 ] ، قال الإمام النووي: "عمل السحر حرام, وهو من الكبائر بالإجماع ، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفراً, ومنه ما لا يكون كفراً بل معصية كبيرة, فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا, وأما تعلمه وتعليمه فحرام. فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه, ولا يقتل فإن تاب قبلت توبته, وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر " أهـ ، والكبيرة التالية هي ( قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ) أي قتل النفس بدون سبب شرعي كالقصاص أو الزاني المحصن أو المرتد التارك لدينه ، قال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } [ النساء:93 ] ، وقال تعالى : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً } [ المائدة:32 ] ، وأخرج البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) [ أخرجه البخاري ح : 121 ] , وأخرج البخاري أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً )) [ أخرجه البخاري ] ، وأخرج البخاري أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء )) [ أخرجه البخاري : ح 6862 ] ،   وأخرج النسائي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا )) [ أخرجه النسائي: كتاب تحريم الدم، باب تعظيم الدم ] ،  وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين ...)) [ البخاري ح : (6675) ] ، والكبيرة التالية هي ( أكل الربا ) : قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ آل عمران:130 ] , وقال تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة:275 ] ، أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي قد مسه الشيطان وصرعه ، ذلك الذي أصابهم بأنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا ، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا  ، فإذا بعث الله الناس يوم القيامة خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم المصروع كلما قام صرع؛ لأنهم لما أكلوا الربا الحرام في الدنيا أرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم يوم القيامة فهم كلما أرادوا النهوض سقطوا , ويريدون الإسراع مع الناس فلا يقدرون, وهذا وعيد عظيم بالخلود في النار لمن عاد إلى الربا بعد الموعظة ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، أخرج الإمام أحمد والطبراني عن عبد الله بن حنظلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( درهم ربا يأكله الرجل  وهو يعلم  أشد من ستة وثلاثين زنية )) [ ذكره المنذري في الترغيب ، (3/7) ، وقال : رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح ] ، وأخرج الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الرباء ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم )) [ أخرجه الحاكم في المستدرك(2/37).وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ] ، وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء )) [ أخرجه مسلم ] ، وجاء في تفسير ابن كثير في تفسير الآية : قال ابن عباس رحمه الله : في تفسير قوله تعالى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } : آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق [تفسير ابن كثير(1/331) ]، وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } أي استيقنوا بحرب من الله ورسوله  ، يقال : يوم القيامة لآكل الربا: خذ بسلاحك للحرب " [ تفسير ابن كثير (1/327) ] ، والكبيرة التالية هي ( أكل مال اليتيم ) : اليتيم هو الذي مات أبوه وهو دون البلوغ، أي بدون حق شرعي ، قال الله تعالى : { وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } [ الإسراء: من الآية34 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } [ النساء:10] ، وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المعراج : (( فإذا أنا برجال وقد وكل بهم رجال يفكون لحاهم, وآخرون يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها بأفواههم, وتخرج من أدبارهم فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا )) [ أخرجه مسلم ] ،  وفي فضل كفالة اليتيم بالمعروف أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا, وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما )) [ أخرجه البخاري ] , وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار بالسبابة والوسطى )) [ أخرجه مسلم ] ، والكبيرة التالية هي ( التولّي يوم الزحف ) : أي الفرار عن القتال يوم ازدحام الطائفتين ، قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ لأنفال:16 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة  رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟! قال: الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات )) ،  وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال : (( لما نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين , فكتب الله عليهم , أن لا يفر عشرون من مائتين , ثم نزلت الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا , فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين , وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين فكتب أن لا يفر مائة من مائتين )) [ أخرجه البخاري ] ، والكبيرة التالية هي ( قذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) : اللاتي أحصنهن الله تعالى وحفظهن من الزنا والقذف هو رمي النساء المحصنات المؤمنات بالزنا ، قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ النور:24 ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ النور:4 ] ، بين الله تعالى في الآية أن من قذف امرأة محصنةً حرة مؤمنة عفيفة بالزنا والفاحشة أنه ملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم , وعليه في الدنيا الحد ثمانون جلدة , وتسقط شهادته , ومعنى القذف أن يقول لامرأة حرة عفيفة مسلمة يا زانية , أو يقول: لزوجها يا زوج الزانية , أو يقول: لولدها يا ولد الزانية , فإذا قال ذلك وجب عليه الحد ثمانون جلدة ؛ إلا أن يقيم بينة بذلك, والبينة كما قال الله: أربعة شهداء يشهدون على صدقه فيما قذف به تلك المرأة , أو ذاك الرجل فإن لم يقم بينة فعليه حد الجلد ، وله في الدنيا والآخرة  اللعنة لقوله تعالى: { لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، ولا نقبل لهم شهادة لقوله تعالى: { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، وقد شاع القذف في زماننا حتى على وجه اللغو واللعب والاستهزاء ، ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ، فقال له معاذ بن جبل: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ، فقال : ثكلتك أمك يا معاذ. وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم )) [ متفق عليه ] ، وبعد فهذه هي السبع الموبقات ، وهي أكبر الكبائر ، لما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلَّا باِلْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّباَ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَناَتِ الغَافِلاَتِ المؤمنات )) [ متفق عليه ] ، وقد شمل الحديث بيان أكبر الكبائر وأعظم الموبقات والمهلكات ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، الباحث الشرعي : مجدي محمد على محمد ، حاصل على الشهادة العالمية في العلوم الشرعية الإسلامية ، [ موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com] ،

****

 

سلسلة الأخلاق الإسلامية ( 6 ) أصول الأخلاق في القرآن الكريم - مجدي محمد علي

 

موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com

وفيها أربعة عشر درسا ،

( الدرس الأول ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم من سورة الحجرات ،

( الدرس الثاني ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة الفرقان ،

( الدرس الثالث ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة المؤمنون ( 1 ) ،

( الدرس الرابع ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة المؤمنون ( 2 ) ،

( الدرس الخامس ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة المعارج ،

( الدرس السادس ) :  أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة الانعام ،

( الدرس السابع ) :  أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة الإسراء ،

( الدرس الثامن ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة آل عمران ،

( الدرس التاسع ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة المائدة ،

( الدرس العاشر ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة الأحزاب ،

( الدرس الحادي عشر ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة الرعد ،

( الدرس الثاني عشر ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم آيات من سورة الشورى ،

( الدرس الثالث عشر ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم سورة الضحى ،

( الدرس الرابع عشر ) : أصول الأخلاق في القرآن الكريم سورة العصر

***

 

الدرس الاول : أصول الأخلاق في القرآن الكريم : سورة الحجرات

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،  وبعد : سورة الحجرات تسمى سورة الآداب ، وقد شملت ما ينبغي أن يتحلى به المؤمن من مكارم الأخلاق وفضائل العادات ، في علاقته بربه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم مع عامة المؤمنين في غيبتهم وحضورهم ، ثم مع الناس جميعا من كافة الأعراق الأجناس ، ومناسبة لما سبقها في السورة المتقدمة عليها ( سورة الفتح ) ، أن الله سبحانه وتعالى لما وصف في سورة الفتح  أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم " أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً " عقّب على ذلك في هذه السورة – الحجرات – بالصفات التي ينبغي أن يتحلى بها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ليكونوا أهلاً لهذه الصحبة النبوية في الدنيا والآخرة ،  لقد خاطب البارئ عزّ وجل المؤمنين في هذه السورة خمس مرات بـقوله : { يا أيها الذين آمنوا } ، في كل نداء من هذه النداءات توجيه إلى مكرمة خلق ينبغي التحلي به ، وتبدأ السورة في بيان كيف تكون الأخلاق مع الله تعالى ، وكيف يكون الأدب مع الله تعالى ، ثم كيف يكون مع رسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم كيف يكون الأدب مع المسلمين ، من وجوب التثبت من الأخبار ، { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ، ومن وجوب الإصلاح بين المؤمنين وأنهم أخوة في الدين ، { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ، وقوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } ( الحجرات 10 ) ، ثم حوت الأخلاق والآداب والنصائح التي تتعلق بالمجتمع المسلم : ومنها النهي عن السخرية واللمز والنبز ، ومنها وجوب اجتناب الظن السيء واجتناب التجسس والغيبة النميمة في تعامله مع إخوته المؤمنين ، ثم تناولت الأخلاق مع الناس جميعا ، ودعت إلى التعارف بين الإنسانية وإعلاء ميزان التفاضل بين الناس ، قال تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات 13  ) ، ثم تناولت الأخلاق مع دين الله تعالى : { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني : [[ سورة الحجرات ، مدنية وآياتها ثمان عشرة آية ، وهي على وجازتها سورة جليلة ضخمة ، تتضمن حقائق التربية الخالدة ، وأسس المدنية الفاضلة ، حتى سماها بعض المفسرين سورة الأخلاق ، ابتدأت السورة الكريمة بالأدب الرفيع الذي أدب الله به المؤمنين ، تجاه شريعة الله وأمر رسوله ، وهو ألا يبرموا أمرا ، أو يبدوا رأيا ، أو يقضوا حكما في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى يستشيروه ، ويستمسكوا بإرشاداته الحكيمة [ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ]  ، ثم انتقلت إلى أدب آخر وهو خفض الصوت إذا تحدثوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيما لقدره الشريف ، واحتراما لمقامه السامي ، فإنه ليس كعامة الناس بل هو رسول الله ، ومن واجب المؤمنين أن يتأدبوا معه في الخطاب مع التوقير والتعظيم والإجلال [ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي . . ] الآيات ، ومن الأدب الخاص إلى الأدب العام ، تنتقل السورة لتقرير دعائم المجتمع الفاضل ، فتأمر المؤمنين بعدم السماع للإشاعات ، وتأمر بالتثبت من الأنباء والأخبار ، لاسيما إن كان الخبر صادرا عن شخص غير عدل أو شخص متهم ، فكم من كلمة نقلها فاجر فاسق ، سببت كارثة من الكوارث ، وكم من خبر لم يتثبت منه سامعه ، جر وبالا ، وأحدث انقساما [ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا  . . ] الآيات ، ودعت السورة إلى الإصلاح بين المتخاصمين ، ودفع عدوان الباغين [ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما . . ] الآيات ، وحذرت السورة من السخرية والهمز واللمز ، ونفرت من الغيبة والتجسس ، والظن السيء  بالمؤمنين ، ودعت إلى مكارم الأخلاق ، والفضائل الاجتماعية ، وحين حذرت من الغيبة جاء النهي في تعبير رائع عجيب ، أبدعه القرآن غاية الإبداع ، صورة رجل يجلس إلى جنب أخ له ميت ينهش منه ويأكل لحمه [ ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ] الآية ويا له من تنفير عجيب إ! وختمت السورة بالحديث عن الأعراب الذين ظنوا الايمان كلمة تقال باللسان ، وجاءوا يمنون على الرسول إيمانهم ، وقد وضحت حقيقة الإيمان ، وحقيقة الإسلام ، وشروط المؤمن الكامل ، وهو الذي جمع الإيمان ، والإخلاص والجهاد ، والعمل الصالح [ إنما المؤمنون الذي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون . . ] إلى آخر السورة الكريمة  ،

[ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ] أي يا أيها المؤمنون ، يا من اتصفتم بالإيمان ، وصدقتم بكتاب الله ، لا تقدموا أمرا أو فعلا بين يدي الله ورسوله ، وحذف المفعول للتعميم ليذهب ذهن السامع إلى كل ما يمكن تقديمه من قول أو فعل ، أي لا تبرموا أمرا ، ولا تبدوا رأيا ، ولا تقضوا حكما في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم مثله إذا عرضت مسألة في مجلسه صلى الله عليه وسلم لا يسبقونه بالجواب ، وإذا حضر الطعام لا يبتدئون بالأكل ، وإذا ذهبوا معه إلى مكان ، لا يمشون أمامه ونحو ذلك ، قال ابن عباس : نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه صلى الله عليه وسلم وقال الضحاك : لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم وقال البيضاوي : المعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكم الله ورسوله به ، وقيل : المراد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر اسم الله تعظيما له وإشعارا بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله ، [ واتقوا الله إن الله سميع عليم ] أي واتقوا الله فيما أمركم به ، إن الله سميع لأقوالكم ، عليم بنياتكم وأحوالكم ، وإظهار الاسم الجليل ، لتربية المهابة والروعة في النفس . .  ثم أرشد تعالى المؤمنين إلى وجوب توقير الرسول صلى الله عليه وسلم ، واجلاله واحترامه فقال سبحانه :  

[ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ] صلى الله عليه وسلم أي إذا كلمتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخفضوا أصواتكم ، ولا ترفعوها على صوت النبي ، [ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ] أي ولا تبلغوا حد الجهر عند مخاطبته صلى الله عليه وسلم ، كما يجهر بعضكم في الحديث مع البعض ، ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا فتقولوا : يا محمد ، ولكن قولوا يا نبي الله ، ويا رسول الله ، تعظيما لقدره ، ومراعاة للأدب ، روى البخاري عن ابن أبى مليكة أنه قال : (كاد الخيران – أبا بكير ، وعمر - أن يهلكا ، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب (بني تميم ) فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ، وأشار الآخر برجل غيره ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافي - أي مخالفة رأي - فقال عمر : ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله [ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ] الآية ، قال ابن الزبير : فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه قال المفسرون : نزلت في بعض الأعراب الجفاة الذين كانوا ينادون رسول الله باسمه ، ولا يعرفون توقير الرسول الكريم ،  [ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ] أي خشية أن تبطل أعمالكم من حيث لا تشعرون ولا تدرون ! ! فإن رفع الصوت والجهر بالكلام قي حضرته صلى الله عليه وسلم استخفاف قد يودي إلى الكفر المحبط للعمل ، قال ابن كثير : روي أن ثابت بن قيس كان رفيع الصوت ، فلما نزلت الآية قال : أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنا من أهل النار ، حبط عملي ، وجلس في أهله حزينا ، فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلق بعض القوم إليه ، فقالوا له : تفقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما لك ؟ فقال : أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم ، حبط عملي ، أنا من أهل النار ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا بل هو من أهل الجنة وفي رواية أترضى أن تعيش حميدا ، وتقتل شهيدا ، وتدخل الجنة ؟ فقال : رضيت ببشرى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  

[ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ] أي إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى ، ومرنها عليها وجعلها صفة راسخة فيها ، قال ابن كثير : أي أخلصها للتقوى وجعلها أهلا ومحلا له ، [ لهم مغفرة وأجر عظيم ] أي لهم في الآخرة صفح عن ذنوبهم ، ثواب عظيم في جنات النعيم ، [ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ] : ( سبب النزول ) : ذكر المفسرون أن بعض الأعراب الجفاة جاءوا إلى حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه : يا محمد أخرج إلينا ، يا محمد أخرج إلينا فأنزل الله [ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ] ، ذم الله تعالى الأعراب الجفاة الذين ما كانوا يتأدبون في ندائهم للرسول صلى الله عليه وسلم فقال : [ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ] أي يدعونك من وراء الحجرات ، منازل أزواجك الطاهرات ، [ أكثرهم لا يعقلون ] أي أكثر هؤلاء غير عقلاء ، إذ العقل يقتضي حسن الأدب ، ومراعاة العظماء عند خطابهم ، سيما لمن كان بهذا المنصب الخطير ، قال البيضاوي : قيل إن الذي ناداه " عيينة بن حصين " و " الأقرع بن حابى " وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا من بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد ، فقالا : يا محمد أخرج إلينا ، [ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ] أي ولو أن هؤلاء المنادين ، لم يزعجوا الرسول صلى الله عليه وسلم بمناداتهم ، وصبروا حتى يخرج إليهم لكان ذلك الصبر خيرا لهم وأفضل ، عند الله وعند الناس ، لما فيه من مراعاة الأدب في مقام النبوة ، [ والله غفور رحيم ] أي الغفور لذنوب العباد ، الرحيم بالمؤمنين حيث اقتصر على نصحهم وتقريعهم ، ولم ينزل العقاب بهم ،

[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ] (سبب النزول ) : ذكر المفسرون أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث (الوليد بن عقبة) إلى الحارث بن ضرار ليقبض ما كان عنده من الزكاة التي جمعها من قومه ، فلما سار الوليد واقترب منهم ، خاف وفزع ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا وسول الله : إنهم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة ، فهم بعض الصحابة بالخروج إليهم وقتالهم ، فأنزل الله [ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا . . ] الآية حذر تعالى من الاستماع للأخبار بغير تثبت ، فقال سبحانه :  [ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ] أي إذا أتاكم رجل فاسق - غير موثوق بصدقه وعدالته - بخبر من الأخبار [ فتبينوا ] أي فتثبتوا من صحة الخبر ، [ أن تصيبوا قوما بجهالة ] أي لئلا تصيبوا قوما وأنتم جاهلون حقيقة الأمر ، [ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ] أي فتصيروا نادمين أشد الندم على صنيعكم ،

[ واعلموا أن فيكم رسول الله ] أي واعلموا - أيها المؤمنون - أن بينكم الرسول المعظم ، والنبي المكرم ، المعصوم عن اتباع الهوى ، [ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ] أي لو يسمع وشاياتكم ، ويصغي لإرادتكم ، ويطيعكم في غالب ما تشيرون عليه في الأمور ، لوقعتم في الجهد والهلاك ، قال ابن كثير : أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله ، فعظموه ووقروه ، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم ، ولو أطاعكم في جميع ما تختارونه ، لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم ، [ ولكن الله حبب إليكم الإيمان ] أي ولكنه تعالى - بمنه وفضله - نور بصائركم فحبب إلى نفوسكم الإيمان ، [ وزينه في قلوبكم ] أي وحسنه في قلوبكم ، حتى أصبح أغلى عندكم من كل شيء ، [ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ] أي ويغض إلى نفوسكم أنواع الضلال ، من الكفر ، والمعاصي ، والخروج عن طاعة الله ، والمراد بالفسوق الذنوب الكبار ، وبالعصيان جميع المعاصي ، [ أولئك هم الراشدون ] أي أولئك المتصفون بالنعوت الجليلة هم المهتدون ، الراشدون في سيرتهم وسلوكهم ، والجملة تفيد الحصر أي هم الراشدون لا غيرهم ، [ فضلا من الله ونعمة ] أي هذا العطاء تفضل منه تعالى عليكم وإنعام ، [ والله عليم حكيم ] أي عليم بمن يستحق الهداية ، حكيم في خلقه وصنعه وتدبيره ،  

[ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ] ، (سبب النزول ) : ذكر المفسرون عن أنس رضي الله عنه قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت " عبد الله بن ابى " - وهو رأس المنافقين - فانطلق إليه وركب حمارا ، وانطلق معه المسلمون يمشون ، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إليك عني - أي تنح وابتعد عني – فو الله لقد أذاني نتن حمارك ، فقال رجل من الانصار : والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك ، فغضب لعبد الله رجل من قومه ، وغضب للأنصاري آخرون من قومه ، فكان بينهم ضرب بالجريد ، والأيدي والنعال ، فأنزل الله [ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما . . ] الآية  ،  [ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ] أي وإن حدث أن فئتين وجماعتين من إخوانكم المؤمنين جنحوا إلى القتال فأصلحوا بينهما ، واسعوا جهدكم للإصلاح بينهما ، [ فإن بغت إحداهما على الأخرى ] أي فإن اعتدت إحداهما على الأخرى ، وتجاوزت حدها بالظلم والطغيان ، ولم تقبل الصلح ، وصممت على البغي ،  [ فقاتلوا التى تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ] أي فقاتلوا الفئة الباغية ، حتى ترجع إلى حكم الله وشرعه ، وتقلع عن البغي والعدوان ، وتعمل بمقتض اخوة الإسلام ، [ فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ] أي فإن رجعت وكفت عن القتال ، فأصلحوا بينهما بالعدل ، دون حيف على إحدى الفئتين ، واعدلوا في جميع أموركم ، [ إن الله يحب المقسطين ] أي يحب العادلين الذين لا يجورون في أحكامهم ، قال البيضاوى : والآية نزلت في قتال حدث بين " الأوس " و " الخزرج " في عهده صلى الله عليه وسلم كان فيه ضرب بالسعف والنعال ، وهي تدل على أن الباغي مؤمن ، وأنه إذا كف عن الحرب ترك ، وأنه يجب تقديم النصح والسعي في المصالحة ،  

[ إنما المؤمنون إخوة ] أي ليس المؤمنون إلا إخوة ، جمعتهم رابطة الإيمان ، فلا ينبغي أن تكون بينهم عداوة ولا شحناء ، ولا تباغض ولا تقاتل ، قال المفسرون : [ إنما ] للحصر فكأنه يقول : لا أخوة إلا بين المؤمنين ، ولا أخوة بين مؤمن وكافر ، وفي الآية إشارة إلى أن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب ، بحيث لا تعتبر أخوة النسب ، إذا خلت عن أخوة الإسلام ، [ فأصلحوا بين أخويكم ] أي فأصلحوا بين إخوانكم المؤمنين ، ولا تتركوا الفرقة تدب ، والبغضاء تعمل عملها ، [ واتقوا الله لعلكم ترحمون ] أي اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، لتنالكم رحمته ، وتسعدوا بجنته ومرضاته ،  

[ يا أيها الذين أمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ] أي يا معشر المؤمنين ، يا من اتصفتم بالإيمان ، ومذقتم بكتاب الله وبرسوله صلى الله عليه وسلم لا يهزأ جماعة بجماعة ، ولا يسخر أحد من أحد ، فقد يكون المستهزئ منه ، خيرا عند الله من الساخر (ورب أشعث أغبر ذو طمرين ، لو أقسم على الله لأبره ) ،  [ ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ] أي ولا يسخر نساء من نساء ، فعسى أن تكون المحتقر منها ، خيرا عند الله وأفضل من الساخرة ، [ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ] أي ولا يعب بعضكم بعضا ، ولا يذكر أو ينادي بعضكم بعضا بلقب السوء ، وإنما قال : [ أنفسكم ] لأن المسلمين كأنهم نفس واحدة ، [ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ] أي بئس أن يسمى الإنسان فاسقا بعد أن صار مؤمن ، قال البيضاوى : وفي الآية دلالة على أن التنابز فسق ، والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح ، [ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ] أي ومن لم يتب عن اللمز والتنابز ، فأولئك هم الظالمون بتعريض أنفسهم للعذاب ،

[ يا أيها الذين أمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ] أي ابتعدوا عن التهمة والتخون ، واساءة الظن بالأهل والناس ، وعبر بالكثير ليحتاط الإنسان في كل ظن ، ولا يسارع فيه بل يتأمل ويتحقق ، [ إن بعض الظن إثم ] أي إن في بعض الظن إثم وذنب ، يستحق صاحبه العقوبة عليه ، قال عمر رضي الله عنه : " لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا ، ولا تعتقدن بها شرا ، وأنت تجد لها في الخير حملا "  ، [ ولا تجسسوا ] أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين ، ولا تتبعوا معايبهم (( وفي الحديث : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته ، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته " أخرجه أبو داود وأحمد في المسند )) ،  [ ولا يغتب بعضكم بعضا ] أي لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته بما يكرهه ،  [ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ] تمثيل لشناعة الغيبة وقبحها بما لا مزيد عليه من التقبيح أي هل يحب الواحد منكم ، أن يأكل لحم أخيه المسلم وهو ميت ؟  [ فكرهتموه ] أي فكما تكرهون هذا طبعا ، فاكرهوا الغيبة شرعا ، فإن عقوبتها أشد من هذا . . شبه تعالى الغيبة بأكل لحم الأخ حال كونه ميتا ، ثم إذا كان الإنسان يكره لحم الإنسان - فضلا عن كونه أخا ، وفضلا عن كونه ميتا - وجب عليه أن يكره الغيبة بمثل هذه الكراهة أو أشد [ واتقوا الله ] أي خافوا الله واحذروا عقابه ، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، [ إن الله تواب رحيم ] أي إنه تعالى كثير التوبة ، عظيم الرحمة ، لمن اتقى الله وتاب وأناب ، وفي الآية حث على التوبة ، وترغي بالمسارعة إلى الندم ، والاعتراف بالخطأ لئلا يقنط الإنسان من رحمة الله تعالى ،

[ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ] الخطاب لجميع البشر أي نحن بقدرتنا خلقناكم من أصل! واحد ، وأوجدناكم من أب وأم ، فلا تفاخر بالآباء والأجداد ، ولا اعتداد بالحسب والنسب ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، [ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ] أي وجعلناكم شعوبا شتى وقبائل متعددة ، ليحصل بينكم التعارف والتآلف ، لا التناحر والتخالف ، قال مجاهد : ليعرف الإنسان نسبه فيقال فلان بن فلان من قبيلة كذا ، وأصل تعارفوا تتعارفوا حذفت إحدى التاءين تخفيفا ، قال شيخ زاده : والمعنى إن الحكمة التي من أجلها جعلكم على شعوب وقبائل ؟ هي أن يعرف بعضكم نسب بعض ولا ينسبه إلى غير آبائه ، لا أن تتفاخر بالآباء والأجداد ، والنسب وإن كان يعتبر عرفا وشرعا ، حتى لا تزوج الشريفة بالنبطي ، إلا إنه لا عبرة به عند ظهور ما هو أعظم قدرا منه وأعز ، وهو (الإيمان والتقوى) ، كما لا تظهر الكواكب عند طلوع الشمس ، [ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ] أي إنما يتفاضل الناس بالتقوى لا بالأحساب والأنساب ، فمن أراد شرفا في الدنيا ومنزلة في الآخرة ، فليتق الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم : (من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله ) وفي الحديث : " الناس رجلان : رجل بر تقى كريم على الله تعالى ، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى ، [ إن الله عليم خبير ] أي عليم بالعباد ، مطلع على ظواهرهم وبواطنهم ، يعلم التقي والشقي ،  والصالح والطالح [ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ] ،

[ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ] ( سبب النزول ) : ذكر المفسرون عن ابن عباس قال : جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، فقالوا يا رسول الله : أسلمنا ، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك ، واخذوا يمنون عليه فنزلت الآية الكريمة [ يمنون عليك أن أسلموا ] ،  [ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ] أي زعم الأعراب أنهم آمنوا قل لهم يا محمد : إنكم لم تؤمنوا بعد ، لأن الإيمان تصديق مع ثقة واطمئنان قلب ، ولم يحصل لكم ، وإلا لما مننتم على الرسول بالإسلام ، وترك المقاتلة ، ولكن قولوا : استسلمنا خوف القتل والسبي ، قال المفسرون : نزلت في نفر من بني أسد ، قدموا المدينة في سنة مجدبة ، وأظهروا الشهادتين ، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتيناك بالأثقال والعيال ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وفلان ، يريدون الصدقة ، ويمتون على الرسول ، وقد دلت الآية على أن الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام ، الذي هو الاستسلام والانقباد بالظاهر ، ولهذا قال تعالى : [ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ] أي ولم يدخل الإيمان إلى قلوبكم ، ولم تصلوا إلى حقيقته بعد ، ولفظة " لما " تفيد التوقع ، كأنه يقول : وسيحصل لكم الإيمان عند اطلاعكم على محاسن الإسلام ، وتذوقكم لحلاوة الإيمان ، قال ابن كثير : وهؤلاء الأعراب المذكورون في هذه الآية ليسوا منافقين ، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم ، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه ، فأدبوا في ذلك ، ولو كانوا منافقين - كما ذهب إليه البخاري - لعنفوا وفضحوا ، [ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ] أي وإن أطعتم الله ورسوله بالإخلاص الصادق ، والإيمان الكامل ، وعدم المن على الرسول صلى الله عليه وسلم ، لا ينقصكم من أجوركم شيئا ، [ إن الله غفور رحيم ] أي عظيم المغفرة ، واسع الرحمة ، لأن صيغة " فعول " و " فعيل " تفيد المبالغة . . ثم ذكر تعالى صفات المؤمنين الكمل ، الصادقين في إيمانهم ، فقال سبحانه :  

[ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ] أي إنما المؤمنون الصادقون في دعوى الإيمان ، الذين صدقوا الله ورسوله ، فأقروا لله بالوحدانية ، ولرسوله بالرسالة ، عن يقين راسخ ، وإيمان كامل ، [ ثم لم يرتابوا ] أي ثم لم يشتبهوا ويتزلزلوا في إيمانهم ، بل ثبتوا على التصديق واليقين [ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ] أي وبذلوا أموالهم ومهجهم في سبيل الله ، وابتغاء رضوانه ، [ أولئك هم الصادقون ] أي أولئك الذين صدقوا في ادعاء الإيمان . . وصف تعالى المؤمنين الكاملين بثلاثة أوصاف : الأول : التصديق الجازم بالله ورسوله الثاني : عدم الشك والارتياب الثالث : الجهاد بالمال والنفس ، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المؤمن الصادق ،  

[ قل أتعلمون الله بدينكم ] الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي قل لهم يا محمد : أتخبرون الله بما في ضمائركم وقلوبكم ؟ [ والله يعلم ما في السموات وما في الأرض ] أي وهو جل وعلا ، العليم بأحوال جميع العباد ، لا تخفى عليه خافية لا في السموات ولا في الأرض ، [ والله بكل شيء عليم ] أي واسع العلم رقيب على كل إنسان ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الكون ،

[ يمنون عليك أن أسلموا ] أي يعدون إسلامهم عليك يا محمد منة ، يستوجبون عليها الحمد والثناء ، [ قل لا تمنوا على إسلامكم ] أي قل لهم : لا تمتنوا على بإسلامكم ، فإن نفع ذلك عائد عليكم ، [ بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ] أي بل لله المنة العظمى عليكم ، بالهداية للأيمان والتثبيت عليه ، إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان ،  

[ أن الله يعلم غيب السموات والأرض ] أي يعلم ما غاب عن الأبصار في السموات والارض ، [ والله بصير بما تعملون ] أي مطلع على أعمال العباد ، لا تخفى عليه خافية . . كرر تعالى الإخبار بعلمه بجميع الكائنات ، وإحاطته بجميع المخلوقات ، ليدل على سعة علمه ، وشموله لكل صغيرة وكبيرة ، في السر والعلن ، والظاهر والباطن ،

[ خلاصة الأخلاق والآداب المستفادة من سورة (الأخلاق والآداب ) سورة الحجرات ] : قد جاء في هذه السورة الكريمة النداء بوصف الإيمان خمس مرات ، وفي كل مرة إرشاد إلى مكرمة من المكارم ، وفضيلة من الفضائل ، وهذه الآداب الرفيعة نستعرضها في فقرات :  أولا : وجوب الطاعة والانقياد لأوامر الله ورسوله ، وعدم التقدم عليه بقول أو رأي [ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ]  ، ثانيا : احترام الرسول وتعظيم شأنه [ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ] ، ثالثا : وجوب التثبت من الأخبار [ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا . . ] ، رابعا : النهي عن السخرية بالناس [ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم  ] ، خامسا : النهى عن التجسس والغيبة وسوء الظن [ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن  ] ، وكانت تسمى سورة الأخلاق وسورة الآداب لما حوته من أصول الأخلاق مع الله تعالى ومع الرسول كقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } ، ومن أخلاق ربانية مع دين الله تعالى ، كقوله تعالى : {  قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، ومع المسلمين ، كقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } ، ومع الناس جميعا كقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  } ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثاني : أصول الأخلاق في القرآن الكريم : آيات من سورة الفرقان

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان :  أصول الأخلاق في القرآن الكريم  : آيات من سورة الفرقان : قوله تعالى : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } ،  في هذه الآيات وصف الله تعالى : ( عباد الرحمن ) بأخلاق عظيمة هي التواضع والحلم والمحبة لله والخوف من مقام الله والتوحيد والبراءة من الشرك ، والبعد عن الكبائر والفواحش والموبقات والتوبة النصوح ، والصدق وعدم الكذب وعدم شهادة الزور وقبول المواعظ ، والابتهال إلى الله وجل ، والرجاء فيما عند الله ، تبدأ الآيات بقوله تعالى :

[ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ] : أول ما ورد في هذه الآيات أن وصفت الطائفة الأحب إلى الله تعالى ب ( عباد الرحمن) ،  وقد ورد لفظ ( العباد ) في القرآن الكريم أكثر ما ورد ، صفة للمخلصين من المؤمنين : { يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } [ الزخرف : 68 ] ، وقوله تعالى : { وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ } [ الحجر : 40 ] ، وقوله تعالى : {  جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا } [ مريم : 61 ] ، وقوله تعالى : {  قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى } [ النمل : 59 ] ،  كما أن الله تعالى نسبهم إلى اسمه الأقدس : ( الرحمن ) ، بما يفيد دخولهم في صفات الرحمة والمغفرة والإنعام ،  

[ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ] : أول صفات عباد الرحمن التواضع والحلم { يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا  } ، فالمؤمنون هينون لينون ، والمؤمن سمح ودود وفيق ، يتمثل بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ،  كما أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ، وكان يقول : إن من خياركم أحسنكم أخلاقا ) ، وأخرج الترمذي عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء )) [ الترمذي وابن حبان في صحيحه ] ، وأخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :  (( إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم والقائم )) [ أخرجه أبو داود ] ،

ومن أهم  علامات حسن الخلق : خلق التواضع : والتواضع من عظيم أخلاق المسلم ،  قال تعالى : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا } [ الفرقان : 63 ] ، وقال تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ آل عمران : 159 ]  ، كما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يلين جانبه للمؤمنين ، وأن يتواضع لهم ، فقال تعالى : {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [ الحجر : 88 ] ، وقال تعالى : {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [ الشُّعراء : 215 ] ،  ووصف الله تعالى أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنَّهم يظهرون التَّواضُع للمؤمنين ، ويظهرون الشِّدَّة والغلظة والتَّرفُّع على الكافرين ) حيث قال سبحانه : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } [ الفتح : 29 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [ المائدة : 54 ] ، وقد رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في خلق التَّواضُع وحثَّ عليه ، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله :  ))ما نقصت صدقة مِن مال ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلَّا عزًّا ، وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله ))  [ أخرجه مسلم ] ، فما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله ، جزاءً على تخلقه بخلق التواضع ، وأن يكون ذلك علو منزلته في الآخرة ، وأخرج مسلم : عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ ) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الترمذي عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَن ترك اللِّباس تواضعًا للَّه ، وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيِّره مِن أيِّ حلل الإيمان شاء يلبسها )) [ أخرجه الترمذي ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح : 6145 ] ،  وأخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب رضي الله عنه أنَّه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول : (( لا أخبركم بأهل الجنَّة؟ قالوا : بلى .  قال صلى الله عليه وسلم : كلُّ ضعيف متضعِّف ، لو أقسم على الله لأبرَّه .  ثمَّ قال : ألا أخبركم بأهل النَّار؟ قالوا : بلى .  قال : كلُّ عتلٍّ جوَّاظٍ  مستكبر)) [ متفق عليه ] ، وروى النسائي في السنن الكبرى : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : ( إنَّكم لتغفلون أفضل العبادة : التَّواضُع ) [ السنن الكبرى النسائي ح : 11852 ] ، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : ( لا يبلغ عبدٌ ذُرَى الإيمان حتى يكون التَّواضُع أحبَّ إليه مِن الشَّرف ، وما قلَّ مِن الدُّنْيا أحبَّ إليه ممَّا كَثُر ، ويكون مَن أحبَّ وأبغض في الحقِّ سواء ، يحكم للنَّاس كما يحكم لنفسه وأهل بيته ) [ رواه ابن المبارك في الزهد ] ، إنّ التواضع من أعظم أخلاق المسلم يرفعه بين المسلمين قدرًا ويحوز محبتهم في الدنيا والرفعة في الآخرة ، ويجعله من عباد الرحمن الذين قال الله تعالى فيهم : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا } [ الفرقان : 63 ] ، ومن الذين قال الله تعالى فيهم : {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [ القصص : 83 ] ،  ويتحقق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله ))  [ أخرجه مسلم ] ، وضد التواضع الكبر ، أخرج مسلم أيضا عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ! )) فَقَالَ رَجُلٌ : إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً ، وَنَعْلُهُ حَسَنةً ، فَقَالَ: (( إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ ، الكِبْرُ : بَطَرُ الحَقِّ ، وَغَمْطُ النَّاسِ )) [أخرجه : مسلم ح (2565) (35) و(36) ] ، ومعنى (( بَطَرُ الحَقِّ )) دَفْعُه ، (( وغَمْطُهُمْ )) : احْتِقَارُهُمْ ،  وأخرج مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ )) [ أخرجه مسلم ] ، اللهم إنا نعوذ بك من الكبر وأهله ، اللهم ارزقنا التواضع واجعلنا من عبادك المتواضعين ،

[ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ] أي وإذا خاطبهم السفهاء بغلظة وجفاء ، قالوا قولا يسلمون فيه من الإثم ، قال الحسن : لا يجهلون على أحد ، وإن جهل عليهم حلموا ، فيكون الحلم وطلب السلامة من السفهاء والامتناع عن معاملتهم بالمثل مصدا للجهل وترسا في مواجهة الجاهلين ، بمثل هذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعامل هذا الصنف من الناس ، وإلى هذا الأسلوب كان يرشد أتباعه رضي الله عنهم : أخرج البخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت : استأذن نفر من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : السام عليك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وعليكم " ، فقالت عائشة رضي الله عنها : فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وعليكم السام واللعنة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى يحب الرفق في الأمر كله " ، قالت : ألم تسمع ما قالوا؟ ، قال : قد قلت : وعليكم )) [ أخرجه البخاري ] ، وعباد الرحمن من أهم أخلاقهم الحلم ، وقد وردتْ آيات قرآنيَّة كثيرة تشير إلى صفة الحِلْم ، ووصف الله نفسه بالحِلْم ، وسمَّى نفسه الحليم ، ووردت آيات تدعو المسلمين إلى التَّحلِّي بهذا الخُلُق النَّبيل ، وعدم المعاملة بالمثل ومقابلة الإساءة بالإساءة ، والحثِّ على الدَّفع بالتي هي أحسن ، والتَّرغيب في الصَّفح عن الأذى والعفو عن الإساءة ، قال تعالى : {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ ُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [ آل عمران : 133- 134 ] ، وقال عزَّ وجلَّ : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [ الأعراف : 199 ] ، كما وصف الله عزَّ وجلَّ بعضَ أنبيائه بالحِلْم ؛ قال تعالى : {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} [ التَّوبة : 114 ] ،{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} [ هود : 75 ] ؛  وقال تعالى – عن خلق إسماعيل عليه السلام :{ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} [ الصافات : 101 ] ، وأخرج مسلم : قوله صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبد القيس : (( إنَّ فيك لخصلتين يحبُّهما الله : الحِلْم والأَنَاة)) ، [ أخرجه مسلم ] ،  والنبي صلى الله عليه وسلم سيد أهل الحلم ، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه بردٌ نجرانيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجبذه  بردائه جبْذَةً شديدةً، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت بها حاشية البُرْد مِن شدَّة جَبْذَته، ثمَّ قال: يا محمَّد! مُرْ لي مِن مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ ضحك، ثمَّ أمر له بعطاء))  [ أخرجه البخاري ( 3149 ) ] ،

[ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ] : عباد الرحمن يتصفون بقيام الليل ، قيام الليل نافلة ، فما الذي يحركهم على تلك الطاعة ؟ إنّه الحب لله ،  قال تعالى : { والذين آمنوا أشد حبا لله } ، والمحبة من أعظم الأخلاق مع الله ، ومحبة الله من أعظم مقامات العبادة التي تسوق المؤمن إلى القرب وترغبه في الإقبال على الله بالطاعات ومنها قيام الليل : { والذين يبيتون لربهم سجدا قياما } ، ،  والمؤمنون في خلق المحبة لله على مراتب ثلاث : المرتبة الأولى : كامل المحبة لله تعالى وهو من التزم السنن والواجبات واجتنب المكروهات والمحرمات. وهذا حال المحسنين والأصفياء من هذه الأمة ، ومنهم عباد الرحمن أصحاب الغرف العظيمة والمنازل العالية في الجنة ، والمرتبة الثانية : مقتصد المحبة لله تعالى وهو من اقتصد في عمله فواظب على الواجبات وترك المحرمات ولم يتزود من الصالحات ، وهذا حال المؤمنين الصالحين ، والمرتبة الثالثة : ناقص المحبة لله تعالى وهو من قصر في فعل الواجبات وارتكاب المحرمات وأسرف على نفسه بالسيئات ، وهذا حال أهل الغفلة والهوى من هذه الأمة ،  وخلق المحبة يحقق العبودية للرحمن ، ويحقق الولاية ومحبة الله تعالى للعبد ،  لقوله صلي الله عليه وسلم : (( إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر فيه ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعـطينه ولئن استعاذني لأعيذنه )) [ أخرجه البخاري ] ، وإذا نال العبد محبة الله سدد الله تعالى سمعه وبصره ويده ورجله وأيده بتوفيقه وصانه عن الرذائل فلا يستعمل جوارحه إلا في المباحات وإذا أحب الله عبدا حماه من فتنة الدنيا ،  ومحبة عباد الرحمن لله ساقتهم إلى قيام الليل ،  إن قيام الليل أفضل العبادات بعد المفروضات ، لأن العبد يخلو فيه إلى ربه دون رياء فتكون عبادته أشد إخلاصا ودعاؤه أكثر صدقا ، وموقفه من ربه أبلغ قربا ، كما ورد في حديث مسلم عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء ) ، أما إن كان السجود والدعاء والتضرع في جوف الليل كما ترشد إليه الآية الكريمة ، فذلك الفوز الكبير والنجح الوفير ؛ أخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له  ))  ، وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم عن عمرو بن عنبسة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن )) ، وأخرج  الترمذي أيضا عن أبي أمامة قال : قيل يا رسول الله ، أي الدعاء أسمع – أي أرجى عند الله تعالى- ؟ قال : (( جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات )) ، إذن [ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ] أي يحيون الليل بالصلاة ، ساجدين لله على جباههم ، أو قائمين على أقدامهم ، كقوله تعالى : [ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ] ، 

[ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ] أي يدعون ربهم أن ينجيهم من عذاب النار ، ويبتهلون إليه أن يدفع عنهم عذابها ، [ إن عذابها كان غراما ] أي لازما دائما غير مفارق ، [ إنها ساءت مستقرا ومقاما ] أي بئست جهنم منزلا ومكان إقامة ، وعباد الرحمن هم مع طاعتهم لله ، مشفقون خائفون من عذاب الله ، إذن من أهم  صفات عباد الرحمن الخوف من عذاب الله ، { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } ؛ عباد الرحمن يتوجهون بالدعاء إلى الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم ، مع اجتهادهم في العبادة وصدقهم في النية والقصد ، وهذا دليل على أنهم في قمة الإخلاص خوفا من الله تعالى ورجاء فيه ، وهذا كقوله  سبحانه : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } [ المؤمنون : 60 ] ، و [ الخوف من الله من أجل الأخلاق ] ، قال تعالى : {  فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 175 ] ،  وهو من أخلاق الملائكة المكرمين ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ النحل : 49 ، 50 ] ، وهو من أخلاق الرسل الكرام  ، قال تعالى : { قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [ الأنعام : 15 ] ، وهو من صفات الذين أحبهم الله تعالى ويحبونه ، قال تعالى : {   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ المائدة  : 54 ] ، وهو من أبرز أخلاق الصحابة الكرام ، قال تعالى : { رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ النور : 37 ، 38 ] ،  وهو من أخلاق عباد الرحمن ألزمهم هذا الدعاء ، { َوالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } ،  إن منزلة الخوف من مقام الله : هي مقام عباد الرحمن ،

[ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ] هذا هو الوصف التالي من أوصاف عباد الرحمن [ الاعتدال في النفقة ] ، والمعنى : ليسوا مبذرين في إنفاقهم في المطاعم والمشارب والملابس ، ولا مقصرين ومضيقين بحيث يصبحون بخلاء ، [ وكان بين ذلك قواما ] أي وكان إنفاقهم وسطا معتدلا ، بين الإسراف والتقتير ، كقوله تعالى : [ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ] الآية وجاء في التفسير عن مجاهد : " لو أنفقت مثل جبل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله ما كان سرفا ، ولو أنفقت صاعا في معصية الله كان سرفا " ، وهذا من الفقه في دين الله ، فإن الإسراف الحقيقي هو الإنفاق في معصية الله ولو كان أقل القليل ، والإسراف هو مجاوزة الحد في النفقة وبذل المال ، والإقتار والتقتير فهو التضييق الذي يعد نقيض الإسراف ، وبين الإسراف والتقتير درجة الاعتدال ، وهي الفضيلة التي حث القرآن عليها بقوله تعالى : { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاما } [ الفرقان : 67 ] ، أي وسطا واعتدالا بين الغلو والتقصير ، وبين الإفراط والتفريط ، مع التنبيه على أنّ  القاعدة تقول : " لا إسراف في البذل والخير " ، وأن الإمساك عن النفقة الواجبة هو الإقتار بعينه ، ولذلك يقول عز وجل :  { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين } [ البقرة : 195 ] ، وتعني التهلكة الإمساك عن طاعة الإنفاق ، وقال تعالى : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون } [ البقرة : 272 ] ، وقال تعالى : { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } [ سبأ : 39 ] ، وأخرج البخاري) : قَالَ عَبْدُاللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِه ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْه ، قَال : فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّر )) [ أخرجه البخاري ] ،  وأخرج الإمام أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَفَتَ إِلَى أُحُدٍ فَقَال : (( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أُحُدًا يُحَوَّلُ لِآلِ مُحَمَّدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمُوتُ يَوْمَ أَمُوتُ أَدَعُ مِنْهُ دِينَارَيْنِ إِلَّا دِينَارَيْنِ أُعِدُّهُمَا لِدَيْنٍ إِنْ كَانَ" فَمَاتَ وَمَا تَرَكَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا وَلِيدَةً وَتَرَكَ دِرْعَهُ مَرْهُونَةً عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ )) [ أخرجه  أحمد ] ، وكان السلف الصالح يرون من الورع ألا يجمع المرء ما لا يأكل ولا يبني ما لا يسكن ، وذلك ما أشار إليه مجاهد بقوله : ( لو أنفق رجل مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله تعالى لم يكن سرفا ، ولو أنفق صاعا في معصية الله تعالى كان سرفا) ، وقال ابن عباس : ( الإسراف الإنفاق في معصية الله ، والإقتار منع حق الله) ،  

[ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ] أي لا يعبدون معه تعالى إلها آخر ، بل يوحدونه مخلصين له الدين ، [ ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ] أي لا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها ، إلا بما يحق أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو القتل قصاصا ، [ ولا يزنون ] أي لا يرتكبون جريمة الزنى التي هي من أفحش الجرائم ، [ ومن يفعل ذلك يلق أثاما ] أي ومن يقترف تلك الموبقات العظيمة : من الشرك ، والقتل ، والزنى ، يجد في الآخرة النكال والعقوبة ، ثم فسرها بقوله : [ يضاعف له العذاب يوم القيامة ] أي يضاعف عقابه ، ويغلظ بسبب الشرك وبسبب المعاصي ، [ ويخلد فيه مهانا ] أي يخلد في ذلك العذاب ، حقيرا ذليلا أبد الآبدين ، [ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ] أي إلا من تاب في الدنيا التوبة النصوح ، وأحسن عمله [ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ] أي يكرمهم الله في الآخرة فيجعل مكان السيئات حسنات ، وفي الحديث : " إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة ، وآخر أهل النار خروجا منها ، رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه ، وارفعوا عنه كبارها ، فتعرض عليه صغار ذنوبه ، فيقال : عملت يوم كذا كذا وكذا ، وعملت يوم كذا كذا وكذا فيقول : نعم ، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا ، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له : فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب : قد عملت أشياء لا أراها ههنا ، قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه " ، [ وكان الله غفورا رحيما ] أي واسع المغفرة كثير الرحمة ، [ ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ] أي ومن تاب عن المعاصي وأصلح سيرته ، فإن الله يتقبل توبته ويكون مرضيا عند الله تعالى ، إنّ أهم أخلاق عباد الرحمن في ذات الله تعالى : التوحيد الخالص : قال تعالى : { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَر } وذلك لأن دعوة غير الله تعالى معه أو من دونه ، أعظم ما ارتكب من خطايا وآثام ، { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم } [ لقمان : 13 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } وقال تعالى : {  إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار } [ المائدة  : 72  ] ، سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ قَالَ : (( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ " قَالَ : ثُمَّ أَي؟ ، قَال : "َ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشيَة َأَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ " قَال : ثُمَّ أَي؟ ، قَال : "َ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك"َ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا } )) [ أخرجه مسلم ] ،  ثم إنّ عباد الرحمن أبعد الناس عن الكبائر ، قال تعالى : { وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَق} ، وأخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ )) [ أخرجه البخاري ] ، وأخرج النسائي  عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا )) [ أخرجه النسائي ] ، ويدخل في ذلك قتل الإنسان نفسه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ بِيَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ فَسُمُّهُ بِيَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يُرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا )) [ أخرجه أحمد ] ، وقد اختلف أهل العلم فيمن قتل مؤمنا متعمدا هل له من توبة؟ ، فقال بعضهم هو في النار أبدا ، وحجتهم قوله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } [ النساء 93 ] ، وقوله تعالى : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } [ النساء : 93 ] ، والجمهور على أنّ له توبة لقوله تعالى : { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } ، ولقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء : 48 ] ، وقوله تعالى : { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [ التوبة : 104 ] ،

ومن أهم أخلاق عباد الرحمن العفة ، واجتناب فاحشة الزنى : لقوله تعالى { وَلا يَزْنُون } ، ومثله قوله تعالى : { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا } [ الإسراء : 32 ] ، و ( العفة ) من أهم صفات عباد الرحمن ، وقد أمر القرآن الكريم بهذا الخلق القويم : قال تعالى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [ النور :  30 ] ، وقال سبحانه : {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } [ النور : 33 ] ، أي : ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة ، حَتَّى يوسع الله تعالى عليهم من رزقه ) ، وأخرج الترمذي  عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ))ثلاثة حقٌّ على الله عونهم : المجاهد في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد العفاف))  [ أخرجه الترمذي وحسنه وحسنه الألباني ] ، وأخرج أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : : (( اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا وعدتم ، وأدُّوا إذا ائتمنتم ، واحفظوا فروجكم ، وغضُّوا أبصاركم ، وكفُّوا أيديكم )) [ أخرجه أحمد في المسند وحسنه الألباني في صحيح الجامع ] ، ما أعظم خلق العفة ، والعفيف هو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، فقد جاء في الحديث  : ( ورجلٌ طلَبَتْه امرأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجمالٍ ، فقال إني أخافُ اللهَ ) [ أخرجه البخاري ] ، اللهم ارزقنا خلق العفة واجعلنا من أهل العفة والعفاف ، 

[ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ] ، فعباد الرحمن ليسوا بأنبياء ولا معصومين ، وكل بني آدم سوى الأنبياء خطاءون ، وخير الخطائين التوابون ، وعباد الرحمن ما أسرعهم  إلى التوبة ، والتوبة من أوجب أخلاق المسلم مع الله ، وهي أول أخلاق السائرين إلى الله ، وقد أمر الله تعالى بها جميع المؤمنين ، قال تعالى : {وتوبوا إلى اللهِ جميعاً أيُّها المؤمنونَ لعلَّكُم تُفلِحُونَ} [ النور : 31 ] ، وقال تعالى : {استغفروا ربَّكُمْ ثم توبوا إليهِ} [ هود : 52 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ التحريم : 8 ] ، وقد وصف الله تعالى بها أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [ هود : 112 ] ، وبها يُبدل الله تعالى سيئات المسلم حسنات كما جاء ها هنا في أخلاق عباد الرحمن ، قال تعالى : {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [ الفرقان : 70 ] ،  وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يجدد التوبة ويكرر الاستغفار تعليماً للأُمة وتشريعاً : أخرج مسلم قوله صلى الله عليه وسلم : (( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه ، فإني أتوبُ في اليوم مائة مرة )) [ أخرجه مسلم ] ، قال الإمام النووي : ( التوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي ، فلها ثلاثة شروط : أحدها : أن يقلع عن المعصية ، والثاني : أن يندم على فعلها ، والثالث : أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً ، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة : هذه الثلاثة ، وأن يبرأ من حق صاحبها. فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه ، وإن كان حدَّ قذفٍ ونحوه مكَّنه منه أو طلب عفوه ، وإن كانت غِيبة استحلَّه منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب ) [ "رياض الصالحين" ص10 ] ، قال تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر : 53 ] ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيما } [ النساء : 110] ، اللهم ارزقنا خلق التوبة النصوح يا قابل التوب ، وارزقنا كثرة الاستغفار يا غفار ، وقوله تعالى : { فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } [ الفرقان : 70 ] ، أخرج الإمام أحمد : عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيَقُولُ نَحُّوا كِبَارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارِهَا قَالَ فَيُقَالُ لَهُ عَمِلْتَ كَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَعَمِلْتَ كَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَقَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَمْ أَرَهَا هُنَا قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ فَيُقَالُ لَهُ فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً  ))  [ أخرجه أحمد ] ، ثم عقب سبحانه على التوبة من الذنوب بقولـه : { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً } ، فالتوبة الأولى توبة من الذنوب ورجوع عن المعصية إلى الطاعة ، وإقلاع عن الخطأ إلى الصواب ، أما التوبة الثانية هنا فتعني الرجوع إلى صراط الله المستقيم ، والمؤمن الصادق لا ينظر إلى صغر الذنب ، بل ينظر إلى عظمة الرب ، اقتداءً بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قوله : ( إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إنْ كنا نعدُّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. قال أبو عبد الله : يعني بذلك المهلكات ) [ أخرجه البخاري ] ، والتوبة درجات أولها : التوبة من المعصية ، وأعظم منها أن يتوب من كل شيء يشغل قلبه عن الله تعالى ، وأعظم من ذلك كله أن يتوب من توبته القاصرة حياء من الله ، ولهذا قال العارف ذو النون المصري رضي الله عنه لما سئل عن التوبة فقال : ( توبة العوام من الذنوب ، وتوبة الخواص من الغفلة ) [ "الرسالة القشيرية" باب التوبة ص47 ] ، وقال عبد الله التميمي : ( شتان بين تائب وتائب... فتائب يتوب من الذنوب والسيئات ، وتائب يتوب من الزلل والغفلات ، وتائب يتوب من رؤية الحسنات والطاعات ) [ الرسالة القشيرية : ص47 ] ،  

[ وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ  ] : والزور يشمل كل ما هو تغيير للحق والحقيقة ، فالكذب زور لأنه ميل عن طريق الحق ، والشرك والكفر والباطل أيا كان زور ،  ومجالس اللهو والعبث والفاحشة زور كذلك ، أما شهادة الزور فمنها حضور كل مجلس يجري فيه ما لا يجوز شرعا أو مروءة ، لأن مجرد مشاهدة هذه المجالس أو حضورها اشتراك فيها وإقرار لها ورضا بها ، قال تعالى : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ  } [ الحج :30 ] ، وأخرج البخاري في صحيحه عَنْ عَبْد ِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِر ثَلَاثًا ، قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَال : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْن ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَال :  أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ" ، قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ )) [ أخرجه البخاري ] ، والآية بهذا تحرم الزور قولا وفعلا وسماعا ومشاهدة وشهادة ، وتنـزه المؤمن عن مخالطة الشر وأهله ، وتصون دينه عما يثلمه ويشينه ، [ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً  ] :  واللغو هو كل ما سقط من قول أو فعل أو سفاهة ،  واللغو كل ما يجب أن يلغى ويترك من الأقوال والأفعال مما ليس بطاعة أو مباح ؛ فإذا صادف أن مر المؤمن بمجالس الزور واللغو أكرم نفسه ونزهها بالإعراض والإنكار وترك الخوض فيها أو المساعدة عليها أو النظر والمشاهدة لها  ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً  ) ،  كقوله تعالى : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } [ القصص : 55 ] ،   

[ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ] ، عباد الرحمن يقبلون على آيات ربهم بآذان واعية وأعين راعية وقلوب خاشعة ، يمتثلون قول الله تعالى : { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبــَابِ } [ الزمر : 18  ] ، [ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ] أي إذا وعظوا بآيات القرآن وخوفوا بها ، [ لم يخروا عليها صما وعميانا ] أي لم يعرضوا عنها ، بل سمعوها بآذان واعية وقلوب وجلة ،

[ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ] أي اجعل لنا في الأزواج والبنين ، مسرة وفرحا بالتمسك بطاعتك ، والعمل بمرضاتك ، يحرص عباد الرحمن على أن يكون لهم أعقاب عمال لله تقر بهم الأعين ، وأزواج صالحات يساهمن في تربية الذرية على التقوى والصلاح ، فلا تنقطع أعمالهم بالموت وإنما تستمر في الأبناء والحفدة ، ويوقنون أن ذلك هبة من الله تعالى فيلجؤون إليه بالدعاء والتوسل : { ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } ، [ واجعلنا للمتقين إماما ] أي اجعلنا قدوة يقتدي بنا المتقون ، دعاة إلى الخير هداة مهتدين ، قال ابن عباس : أي أئمة يقتدى بنا في الخير ،

[ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ] أي أولئك المتصفون بالأوصاف الجليلة السامية ينالون الدرجات العالية ، بصبرهم على أمر الله ، وطاعتهم له سبحانه فعباد الرحمن لهم الدرجات العلا في الجنة ، قال تعالى : { لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ } [ الزمر : 20 ] ، [ ويلقون فيها تحية وسلاما ] أي ويتلقون بالتحية والسلام من الملائكة الكرام ، كقوله تعالى : [ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ] الآية ، [ خالدين فيها ] أي مقيمين في ذلك النعيم ، لا يموتون ولا يخرجون من الجنة لأنها دار الخلود ، [ حسنت مستقرا ومقاما ] أي ما أحسنها مقرا ، وأطيبها منزلا لمن اتقى الله ، ، فهذا جزاء عباد الرحمن ، اللهم ارزقنا أخلاق عباد الرحمن ، من التحلي بأخلاق : التواضع ، والحلم ، والتهجد ، والخوف من الجليل  ، وترك الإسراف والإقتار ، والتوحيد والبعد عن الكبائر والعفة والتوبة والبعد عن الشرك ، والقتل ، والنزاهة عن الزنى والفواحش ، وتجنب الكذب ، ومجالس الزور والبهتان ،  اللهم ارزقنا أخلاق عباد الرحمن ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

***

 

الدرس الثالث :  أصول الأخلاق في القرآن الكريم : آيات من سورة المؤمنون ( 1 )

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول : أصول الأخلاق في القرآن الكريم  : آيات من سورة المؤمنون : قوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ،

[ المعنى الإجمالي للآيات ] جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني : [[ [ قد أفلح المؤمنون ] أي حقا واللهِ لقد فاز وسَعِد ، وحصل على البغية والمطلوب ، المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف الجليلة ، و[ قد ] للتأكيد والتحقيق فكأنه يقول : لقد تحقق ظفرهم ونجاحهم بسبب الإيمان والعمل الصالح ، ثم عدد تعالى مناقبهم فقال سبحانه : [ الذين هم في صلاتهم خاشعون ] قال ابن عباس : [ خاشعون ] أي خائفون ساكنون أي هم خائفون متذللون قي صلاتهم لجلال الله وعظمته ، لاستيلاء الهيبة على قلوبهم ، [ والذين هم عن اللغو معرضون ] أي عن الكذب والشتم والهزل ، قال ابن كثير : اللغو : الباطل ، وهو يشمل الشرك ، والمعاصي ، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال ، [ والذين هم للزكاة فاعلون ] أي يؤدون زكاة أموالهم للفقراء والمساكين ، طيبة بها نفوسهم ، طلبا لرضى الله ، [ والذين هم لفروجهم حافظون ] هذا هو الوصف الرابع أي عفوا عن الحرام ، وصانوا فروجهم عما لا يحل من الزنا واللواط وكشف العورات ، [ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ] أي هم حافظون لفروجهم في جميع الأحوال ، إلا من زوجاتهم أو إيمائهم المملوكات ، [ فإنهم غير ملومين ] أي فإنهم غير مؤاخذين ، [ فمن ابتغى وراء ذلك ] أي فمن طلب غير الزوجات والمملوكات ، [ فأولئك هم العادون ] أي هم المعتدون المجاوزون الحد في البغي والفساد ، [ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ] أي قائمون عليها بحفظها وإصلاحها ، لا يخونون إذا ائتمنوا ، ولا ينقضون عهدهم إذا عاهدوا ، قال أبو حيان : والظاهر عموم الأمانات ، فيدخل فيها ما ائتمن الله تعالى عليه العبد من قولٍ وفعل! واعتقاد ، وما ائتمنه الإنسان من الودائع والأمانات ، [ والذين هم على صلواتهم يحافظون ] هذا هو الوصف السادس أي يواظبون على الصلوات الخمس ويؤدونها في أوقاتها ، فإن قيل : كيف كرر ذكر الصلوات أولا وآخراً ؟ فالجواب أنه ليس بتكرار ، لأنه قد ذكر أولا الخشوع فيها ، وذكر هنا المحافظة عليها ، فهما مختلفان ، [ أولئك هم الوارثون ] أي أولئك الجامعون لهذه الأوصاف الجليلة هم الجديرون بوراثة جنة النعيم ، [ الذين يرثون الفردوس ] أي الذين يرثون أعالي الجنة التي لتفجر منها أنهار الجنة ، وفي الحديث : (إذا سألتم الله فسلوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ، ومنه تفجر أنهار الجنة) ، [ هم فيها خالدون ] أي هم دائمون فيها لا يخرجون منها أبدا ، ولا يبغون عنها حولا ]] انتهى من كتاب صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني  ]]  ،

[ أصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات ] أخلاق أهل الفردوس الاعلى : أخلاق سبعة تتمثل في : الخلق الأولى : الإيمان  ، والخلق الثاني : الخشوع في الصلاة ، والخلق الثالث : الإعراض عن اللغو ، والخلق الرابع : الحرص على الزكاة  ، والخلق الخامس : العفة والبعد عن الفاحشة ، والخلق السادس : الأمانة ، والخلق السابع : المحافظة على الصلاة ،

[ الخلق الأولى : الإيمان ] : [ قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ] ( قد ) هنا معناها التحقيق  ، بمعنى أن فلاح المؤمنين  قد تحقق و انتهى  ، و هذا يدل على فضيلة أهل الإيمان  ، ومن أهم أخلاق المسلم مع الله الإيمان به سبحانه ، والإيمان في اللغة : هو التصديق والاطمئنان  ، والإيمان في الشرع : هو التصديق والاطمئنان لكل ما أخبر به الله ورسوله أنه حق وصدق ، ومعنى الإيمان : أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق وهو الرب لا رب غيره وهو المعبود بحق لا معبود سواه ، انه لا إله إلا هو ، وضده الكفر : وهو الإنكار والجحود والتكذيب ، وللإيمـان أركان ستـة ، هي بمثابة الأصول التي تندرج تحتها كافة مسائـل الإيمـان وجوانبـه ، وهذه الأركان الستة لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم   ، ومن جحد شيئاً من هذه الأصول – بعدما أقيمت عليه الحجة والبلاغ خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين ، وهذه الأركان الستة هي : الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة ، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر ، والأدلة على هذه الأركان الستة كثيرة منها : قوله تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ  مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [ البقرة : 285 ]، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [ النساء : 136 ] ، وقوله تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ..) [ البقرة : 177 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }[القمر: 49]  ، وقوله – صلى الله عليه وسلم : وقد سئل عن الإيمان – وذلك في حديث جبريل المشهور – (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره )) [ أخرجه مسلم ] ، وأهم تلك الأركان :  الركن الأول من أركان الإيمان : الإيمان بالله : وهو أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو واجب الوجود وهو الواجد لكل موجود ، ليس كوجوده وجود ، وليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل أسمائه أسماء ، ولا كمثل صفاته صفات ، ولا كمثل افعاله أفعال ، له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، وكل ما في الوجود فعله وخلقه ، له توحيد الربوبية فلا رب سواه ، وله توحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، وله توحيد الألوهية فلا إله إلا هو ، وخلق الإيمان هو ثاني الاخلاق بعد الإسلام وأعظمها في حق الله تعالى ، ومن تحقق بهذا الخلق فقد برئ من الكفر والشرك والفسوق والعصيان ، وقد تأهل لمنازل الإحسان ،

[ الخلق الثاني : الخشوع في الصلاة ] : { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ }  يعني إذا صلّوا  خشعوا ، و سكنت جوارحهم ، و أخبتت قلوبهم  فهؤلاء هم الخاشعون  في صلاتهم  ، والنبي صلى الله عليه و سلم  يقول كما في سنن أبي داود والترمذي  : (( ليس للرجل من صلاته  إلا ما عقل منها  ، و إن الرجل لينصرف من صلاته  و لم يُكتب له  إلا عشرها  ، تسعها ، ثمنها ، سبعها  ، سدسها، خمسها ، ربعها ، ثلثها ، نصفها )) [ أخرجه أحمد في المسند وأبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى بألفاظ متقاربة وصحح اسناده الارناؤوط على المسند ] ،

[ الخلق الثالث : الإعراض عن اللغو ] : { وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } ، واللغو  : هو ما يُذم من الأقوال و الأفعال  و يدخل في ذلك جميع الذنوب  و يدخل فيها ما لا يُحمد العبد على فعله  أو قوله  ، و لذلك قال تعالى عن عباد الرحمن : { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } [ الفرقان : 72 ] ، إذا مرّوا باللغو كرّموا أنفسهم  من أن يلجوا  في اللغو و الباطل  الذي لا فائدة منه

[ الخلق الرابع : الحرص على الزكاة ] : { وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } ، والزكاة يدخل فيها  الأعمال الصالحة  بمعنى أنهم يزكون أنفسهم بالأعمال الصالحة  و يدخل فيها زكاة الأموال ، والزكاة في الإسلام ركن ركين من أركانه وهى رديف الصلاة التي هي عماد الدين فان الزكاة هي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها ،  قال تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ البقرة : 110 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة : 277 ] ، وقال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } [ المائدة : 55 ] ،  وهى من أوجب الواجبات بعد الصلاة  : قال تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ النور : 56 ] ، وقال تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [ البينة : 5 ] ، وحذر القرآن الكريم من تركها :  قال تعالى:  { الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } [ فصلت : 7 ] ، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *  يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } [ التوبة : 34 ، 35 ] ، وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان )) [ البخاري ] ،  وفي التحذير من التفريط فيها أخرج البخاري  عن أبى هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( تأتي الإبل على صاحبها، على خير ما كانت، إذا هو لم يعط فيها حقها، تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت، إذا لم تعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها ، وتنطحه بقرونها )) [ البخارى : فى كتاب الزكاة. - باب: إثم مانع الزكاة. الحديث رقم:  1337 ] ، وقال : ( ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت )) [ البخاري ] ، وعند مسلم كتاب الزكاة : عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن قلنا يا رسول الله وما حقها قال إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله ولا من صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعا أقرع يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه ويقال هذا مالك الذي كنت تبخل به فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه فجعل يقضمها كما يقضم الفحل  )) [ أخرجه مسلم ] ،

[ الخلق الخامس : العفة  ]  : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } ،  يعني الذين تجاوزوا حدهم و لو نظرنا إلى هذه الصفة ( صفة العفة )  ، والعفة الكَفُّ عما لا يَحِلُّ ويَجْمُل ، والعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة  ، وقد أمر القرآن الكريم بهذا الخلق القويم : قال تعالى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [ النور :  30 ] ، وقال سبحانه : {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } [ النور : 33 ] ، أي : ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة ، حَتَّى يوسع الله تعالى عليهم من رزقه ) ، وأخرج الترمذي  عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ))ثلاثة حقٌّ على الله عونهم : المجاهد في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد العفاف))  [ أخرجه الترمذي وحسنه وحسنه الألباني ] ، وأخرج أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : : (( اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا وعدتم ، وأدُّوا إذا ائتمنتم ، واحفظوا فروجكم ، وغضُّوا أبصاركم ، وكفُّوا أيديكم )) [ أخرجه أحمد في المسند وحسنه الألباني في صحيح الجامع ] ،   وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : (( اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)) [ أخرجه مسلم ] ، والعفة من الضرورة بمكان أن يتخلق بها المسلم  لأن النبي صلى الله عليه وسلم  يقول : (( أكثر ما يدخل الناس النار الفم و الفرج  )) ، وقال صلى الله عليه و سلم : (( من يضمن لي ما بين لحييه  و فخذيه  أضمن له الجنة )) ،

[ الخلق السادس : الأمانة ] : { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } ما هو العهد  و ما هي الأمانة  ؟ الأمانة و العهد يشتملان على حقوق الخالق ، وحقوق الخلق  ، فإنهم يراعون حق الله و حق المخلوق  في الأمانة و العهد ، و الأمانة : ضد الخيانة ، وأصل الأَمْن : طمأنينة النفس وزوال الخوف ، ومن اتصف بالأمانة فهو أمين ، والأمَانَة اصطلاحًا : هي كلُّ حقٍّ لزمك أداؤه وحفظه  ، وخلق الأمانة من أوجب الأخلاق على المسلم ، قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [ النِّساء : 5 ] ،  وقال تعالى في ذكر صفات المفلحين : {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [ المؤمنون : ] أي : مراعون لها ، حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها ، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربِّه ، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق ، أخرج البخاري عن ابن عباس أيضًا قال ) : بينما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدِّث القوم ، جاء أعرابيٌّ فقال : متى السَّاعة ؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّث .  فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال ، وقال بعضهم : بل لم يسمع .  حتى إذا قضى حديثه قال : أين أُراه السَّائل عن السَّاعة؟ قال : ها أنا يا رسول الله .  قال : فإذا ضُيِّعت الأمَانَة فانتظر السَّاعة .  قال : كيف إضاعتها؟ قال : إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر السَّاعة ) ،  إنَّ الأمَانَة فضيلة عظيمة ، لا يستطيع حملها إلا الرجال الصادقون ، فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها أو يفرِّط في حقِّها ، قال الله تعالى : {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً } [ الأحزاب : 72 ] ، الأمانة من أعظم أخلاق الإسلام ، و الأمَانَة مِن كمال الإيمان وحسن الإسلام  ، ومجتمع تفشو فيه الأمَانَة مجتمع خيرٍ وبركة ونجاح وفلاح ، والأمَانَة تدخل فيما افترضه الله على عباده مِن العبادات والطاعات ، ومن الأمَانَة : الأمانة في الأموال ، والأمَانَة في الأعراض ، ومن الأمانة :  الأمَانَة فيما أئتمنه الله تعالى على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه ،  ومن الأمانة :  الأمَانَة في الولاية : وتأدية الحقوق إلى أهلها ، وإسناد الأعمال إلى مستحقِّيها الأكفياء لها ، ومن الأمانة :  الأمَانَة في الشَّهادة : وتكون الأمَانَة في الشَّهادة بتحمُّلها بحسب ما هي عليه في الواقع ، وبأدائها دون تحريف أو تغيير أو زيادة أو نقصان ، ومن الأمانة :  الأمَانَة في القضاء : وتكون الأمَانَة في القضاء بإصدار الأحكام وفْقَ أحكام العدل التي استُؤْمِن القاضي عليها ، ومن الأمانة : الأمَانَة في السَّمع والبصر والكلام وسائر الحواس ، ومن الأمانة : الأمَانَة في الأسرار التي يُستأمن الإنسان على حفظها وعدم إفشائها ،  ومن الأمانة : ما يكون بين الرَّجل وبين زوجته مِن الأشياء الخاصَّة ، فإنَّ شرَّ النَّاس منزلةً عند الله تعالى يوم القيامة الرَّجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ، ثمَّ ينشر سرَّها ، ومن الأمانة : تربية الأولاد على منهاج الله ، فأنَّها ودائع الله عندك ، وضد الأمانة الخيانة  ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [ الأنفال : 27-28 ] ، والخيانة من صفات المنافقين البارزة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان )) ، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا ، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدَّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ))  ، ، ومن صور الخيانة : خيانة الله ورسوله :  وذلك بمعصية الله ورسوله ،  ومن صور الخيانة : خيانة الأمانات ، والخيانة في الأموال ، والخيانة في الأعمال والوظائف ،  ومن صور الخيانة أيضًا : عدم القيام بواجب التربية في الأهل والأولاد ، وقد ائتمنه الله عليهم قال جل وعلا : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } ،  إذن الأمانة من أهم الأخلاق ، وهي أهم أخلاق المرسلين ، وقد كان أهل مكة يلقبون النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة بالصادق الأمين ، فأهم صفتين تميز بهما  الصدق والأمانة ، ومن أقواله صلى الله عليه وسلم : ( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء ) [ رواه البخاري 8/84 برقم 4351 ] ، وأولى الناس بهذه الفضيلة ( الأمانة ) بعد الأنبياء والمرسلين هم المسلمون شهداء الله على خلقه ، قال تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ، وإذا ضيعت الأمانة قامت القيامة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال : إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة )) [ رواه البخاري برقم 6496 ] ،  فمن أهم الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم  خلق الأمانة ، الدين أمانة ، والعمل أمانة ، والبصر أمانة ، والسمع أمانة ، واللسان أمانة ، واليد أمانة ، والولد أمانة ، والمال أمانة ... ، وكلها يلزم المسلم ، والخيانة ليست أبدا من خلق المسلمين الصادقين ، ولا إيمان لمن لا أمانة له ، لحديث أنس رضي الله عنه قال))  قلَّما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا قال : لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له )) ،  اللهم ارزقنا الإيمان والأمانة واجعلنا أمناء على دينك وشرعك وأحينا مسلمين وأمتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ،

[ الخلق السابع : المحافظة على الصلاة ] : { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } ،  كرر الصلاة  مرتين ، في الأولى ذكر الخشوع : { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } ، فإذا كان الخشوع مطلوبا  فإن هناك مطالبة  بأصل هذا الخشوع  وهو المحافظة على الصلاة ذاتها ، ويكون ذلك بالمحافظة عليها في أوقاتها و على شروطها و أركانها  ، { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } ، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ، عظمها الله تعالى إذ فرضها على نبيه صلى الله عليه وسلم من غير واسطة ، وهي عمود الدين، وآخر ما يفقد المسلمون من دينكم ، فهل يستقيم الدين بلا عماد، وهل يبقى في الدين شيء إذا ذهب آخره ، من حافظ عليهن كانت له نوراً في قلبه وقبره، ويوم القيامة، وكانت له حجة، وبرهاناً ، ونجاة من العذاب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة، أو قال: وجبت له الجنة ))  ، ولقد حذر الله تعالى من إضاعة الصلاة، والاستخفاف بها، فقال تعالى:  { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ } [ مريم: 59، 60 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة )) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (من حافظ عليها يعني الصلوات كانت له نوراً، وبرهاناً، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عيها لم يكن له نور، ولا برهان، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف ))، وقال صلى الله عليه وسلم : (( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، وأنجح ، وإن فسدت، فقد خاب، وخسر )) ، وإن من أعظم المحافظة على الصلاة المحافظة على الخشوع فيها ، أن يخشع فيها القلب بحضوره واستحضاره لما فيها من المعاني ، وأن تخشع فيها الجوارح ، بالحرص غاية الحرص على إتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته في ركوعه وفي سجوده في قيامه وفي قعوده ، وإن من المحافظة على الصلاة : الاطمئنان في القيام والقعود والركوع والسجود ، فإنه ركن من أركان الصلاة ، وٌد أمر النبي الذي لا يُحسن صلاته ولا يطمئن فيها أن يعيد صلاته ، قال تعالى : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } [ البقرة: 238 ] ،

[ أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ]   ، وذلك مثل قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا  خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا } [ الكهف : 108 ] ، وأخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( إذا سألتم الله فسألوه الفردوس الأعلى فإنه أوسط الجنة يعني ( خيرها و أفضلها )  و أعلاها و فوقه عرش الرحمن  و منه تفجر أنهار الجنة  )) [ أخرجه البخاري ] ،  نسأل الله عز و جل أن يدخلنا الجنة  وأن يمنحنا الفردوس الأعلى وأن يعيننا على الأعمال  التي تقربنا إليه ، وصلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه  وسلم ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الرابع :  أصول الأخلاق في القرآن الكريم : آيات من سورة المؤمنون

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول : أصول الأخلاق في القرآن الكريم  : آيات من سورة المؤمنون  :  قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } [ سورة المؤمنون : 57 إلى 61 ] ،

[ المعنى الإجمالي للآيات ] جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني : [[   [ إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ] أي هم من جلال الله وعظمته خائفون ، ومن خوف عذابه حذرون ،  [ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ] أي يصدقون بآيات الله القرآنية ، وآياته الكونية ، وهي الدلائل والبراهين الدالة على وجوده سبحانه . وفي كل شئ له آية تدل على أنه واحد ، [ والذين هم بربهم لا يشركون ] أي لا يعبدون معه غيره ، بل يوحدونه ويخلصون العمل لوجهه قال الإمام الفخر : وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفى الشريك لله فإن ذلك داخل في الآية السابقة ، بل المراد منه نفيُ الشرك الخفي وذلك بأن يخلص في العبادة لوجه الله وطلبا لرضوانه ، [ والذين يؤتون ما آتو وقلوبهم وجلة ] هذه هي الصفة الرابعة من أوصاف المؤمنين ، أي يعطون العطاء من زكاة وصدقة ، ويتقربون بأنواع القربات من أفعال الخير والبِر ، وهم يخافون أن لا تقبل منهم أعمالهم ، قال الحسن : إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة ، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا ، [ أنهم إلى ربهم راجعون ] أي لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الطاعات والأعمال الصالحة ، ولاعتقادهم أنهم سيرجعون إلى ربهم للحساب ، روي أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، عن الآية الكريمة فقالت : [ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ] أهو الذي يزني ، ويسرق ، ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟ فقال لها : " لا يا بنت الصديق ! ولكنه الذي يصلي ، ويصوم ، ويتصدق ، وهو مع ذلك يخاف الله عز وجل ، [ أولئك يسارعون في الخيرات ] أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة ، هم الذين يسابقون في الطاعات لنيل أعلى الدرجات ، لا أولئك الكفرة المجرمون ، [ وهم لها سابقون ] أي هم الجديرون بها والسابقون إليها ، قال الإمام الفخر : واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن ، فالصفة الأولى : دلت على حصول الخوف الشديد ، الموجب للإحتراز عما لا ينبغي ، والثانية : دلت على التصديق بوحدانية الله ، والثالثة : دلت على ترك الرياء في الطاعات ، والرابعة : دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة ، يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير ، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين رزقنا الله الوصول إليها ]] انتهى من كتاب صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني  ]]

[ أصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات ]  :  ( 1 ) الخشية والخوف : { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } ، ( 2 ) الإيمان : { وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } ، ( 3 ) التوحيد والبراءة من الشرك : { وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ } ، ( 4 ) الخوف والوجل من الله : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } ، ( 5 ) المسارعة في الخيرات والسبق إليها : { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } ،

( 1 ) الخشية من الله : { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } :  الخشية من الله تعالى خلق عظيم من أخلاق المؤمن مع الله ، بل هي شرط من شروط الإيمان قال تعالى : { فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ سورة التوبة :13 ] ، والخشية من الله مقام العلماء ( علماء البصر والبصيرة ) , قال سبحانه : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [ سورة فاطر : 28 ] ، والخشية خلق لا يتصف به إلا عباد الله المتقين وأوليائه المحسنين : قال الله تعالى:  { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [ سورة الأنفال : 2  ] ،  قال تعالى : { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ سورة الزمر : 23 ] ، وقد وصف الله تعالى بها عبادة المؤمنين الصالحين فقال تعالى : { إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ سورة فاطر : 18  ] ، وقال تعالى :  { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } [ سورة المؤمنون : 57 إلى 61 ] ،

( 2 ) الإيمان : { وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } : من أهم أخلاق المسلم مع الله الإيمان به سبحانه ، والإيمان في اللغة : هو التصديق والاطمئنان  ، والإيمان في الشرع : هو التصديق والاطمئنان لكل ما أخبر به الله ورسوله أنه حق وصدق ، ومعنى الإيمان : أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق وهو الرب لا رب غيره وهو المعبود بحق لا معبود سواه ، انه لا إله إلا هو ، وضده الكفر : وهو الإنكار والجحود والتكذيب ، وللإيمـان أركان ستـة ، هي بمثابة الأصول التي تندرج تحتها كافة مسائـل الإيمـان وجوانبـه ، وهذه الأركان الستة لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم   ، ومن جحد شيئاً من هذه الأصول – بعدما أقيمت عليه الحجة والبلاغ خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين ، وهذه الأركان الستة هي : الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة ، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر ، والأدلة على هذه الأركان الستة كثيرة منها : قوله تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ  مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [ البقرة : 285 ]، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [ النساء : 136 ] ، وقوله تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ..) [ البقرة : 177 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }[القمر: 49]  ، وقوله – صلى الله عليه وسلم : وقد سئل عن الإيمان – وذلك في حديث جبريل المشهور – (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره )) [ أخرجه مسلم ] ، وأهم تلك الأركان :  الركن الأول من أركان الإيمان : الإيمان بالله : وهو أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو واجب الوجود وهو الواجد لكل موجود ، ليس كوجوده وجود ، وليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل أسمائه أسماء ، ولا كمثل صفاته صفات ، ولا كمثل افعاله أفعال ، له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، وكل ما في الوجود فعله وخلقه ، له توحيد الربوبية فلا رب سواه ، وله توحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، وله توحيد الألوهية فلا إله إلا هو ، وخلق الإيمان هو ثاني الاخلاق بعد الإسلام وأعظمها في حق الله تعالى ، ومن تحقق بهذا الخلق فقد برئ من الكفر والشرك والفسوق والعصيان ، وقد تأهل لمنازل الإحسان ،

( 3 ) التوحيد والبراءة من الشرك : { وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ } : التوحيد : توحيد الألوهية وهو المرادف لشهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) ،  و ( لا إله إلا الله )  يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس فلا شريك لله تعالى في ذاته ، وتوحيد الأسماء الحسنى فلا شريك له في أسمائه ، وتوحيد الصفات العلى فلا شريك له في صفاته ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله فلا شريك له في أفعاله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه فلا شريك له في ربوبيته للعالمين ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ولا مستحق للعبودية سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ، فإذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، ليس له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، والله أكبر من كل تصور ، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، أو تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ،  وللتوحيد أركان ثلاثة : اثنان في شهادة ( لا إله إلا الله ) ، الأول : البراءة من الشرك ( لا إله ) ، والثاني اثبات التوحيد لله وحده :  ( إلا الله ) ، والركن الثالث في شطر الشهادة ( محمد رسول الله ) ، ( لا إله ) المقصود به نفي جميع الآلهة المعبودة من دون الله ، ونفي جميع الأرباب المزعومة من دون الرب سبحانه ، فلا معبود في الكون بحق سواه ، ولا رب للعالمين غيره ، ولا كمال إلا له ، فلا إله إلا هو ، والإثبات : ( إلا الله ) والمقصود به إثبات الألوهية الحقة لله وحده ، واثبات استحقاق العبودية له وحده واستحقاق الربوبية له وحده ، واثبات الكمال والجلال والإكرام له وحده ، له وحده الأسماء الحسنى والصفات الحسنى والأفعال المثلى حكمة وعدلا ، وقدرة وقهرا ، وله الربوبية لا رب للعالمين سواه ، وله العبودية لا معبود بحق سواه ، ولا إله إلا هو ، وهذا الركنان تضمنتهما آيات كثيرة في كتاب الله تعالى : منها قوله تعالى { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ سورة البقرة : 256 ] ، {فمن يكفر بالطاغوت } والطاغوت هو كل معبود سوى الله ، والكفر به معناه إنكار إلهيته ، { ويؤمن بالله }  هو التوحيد وإفراد الله تعالى بالإلهية { فقد استمسك بالعروة الوثقى } هي شهادة التوحيد ، وقوله تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [ النحل : 36 ] . والآية توضح أيضاً ركني شهادة التوحيد بإثبات العبادة لله وحده لا شريك له { أن اعبدوا الله } ونفي العبادة عما سوى الله { واجتنبوا الطاغوت } ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل ))  [ أخرجه مسلم ] ، والركن الثالث : الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وما خلق الله تعالى الجن والإنس لا لتحقيق ذلك التوحيد ( توحيد الألوهية )  كما في  قوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، والتوحيد هو أمر الله تعالى لعباده جميعا كما في  قوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، و [ التوحيد ] يحرم الله تعالى أجسام أصحابه على النار : أخرج البخاري ومسلم في حديث عتبان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )) [ متفق عليه ] ، ومن مات على [ التوحيد ]  دخل الجنة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة )) متفق عليه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من مات وهو يعلم ألا إله إلا الله دخل الجنة )) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هـريرة : (( فمن لقيـت وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة )) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه )) ،  وكقوله صلى الله عليه وسلم: (( أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيها فيحجب عن الجنة )) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )) ،

( 4 ) الخوف والوجل من الله : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } : الخوف من الله من أجل الأخلاق ، قال تعالى : {  فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 175 ] ،  وهو من أخلاق الملائكة المكرمين ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ النحل : 49 ، 50 ] ، وهو من أخلاق الرسل الكرام  ، قال تعالى : { قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [ الأنعام : 15 ] ، وهو من أبرز أخلاق الصحابة الكرام ، قال تعالى : { رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ النور : 37 ، 38 ] ، ومقام الخوف من الجليل سبحانه له عند الله تعالى الأجر العظيم ، وهو من أخلاق المحسنين أصحاب أعلى الدرجات في الجنة ، قال تعالى : {  وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *  فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } [ النازعات : 41 ] ،  وقال تعالى : {   وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } ، ومما جاء عن الخوف في السنة المشرفة : أخرج أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله : قَول الله عز وجل { وَّالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ } أهو الذي يزني ، ويشرب الخمر ويسرق ؟ قال : (( لا يا أبنة الصدّيق ، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ، ويصدّق ، ويخاف ألا يقبل منه  )) [ أخرجه أحمد والترمذي وصححه الحاكم ] ، اللهم لا تؤمنا من مكرك ولا تيأسنا من رحمتك يا أرحم الراحمين ، فإنه لَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ، وإنه لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ،

( 5 ) المسارعة في الخيرات والسبق إليها : { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } ، في المبادرة إلى الخيرات ، قَالَ الله تَعَالَى : { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } ، وقال تعالى : { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم }  ، وقال تعالى : { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً } ،  وقال تعالى  : { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون } ، وَقالَ تَعَالَى : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [ آل عمران : 133 ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( بَادِرُوا بِالأعْمَال فتناً كقطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ ، يُصْبحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً ، وَيُمْسِي مُؤمِناً ويُصبحُ كَافِراً ، يَبيعُ دِينَـهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا )) [ أخرجه مسلم  ] ، والمسارعة في الخيرات هي من أخلاق المحسنين استجابة لأمر الله ورسوله ، كما قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ  } ،  ، وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا )) [ أخرجه مسلم  ] ، والمسارعة في الخيرات من صفات المقربين الذين هم من خشية ربهم مشفقون * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون  ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

***

 

الدرس الخامس : أصول الأخلاق في القرآن الكريم : آيات من سورة المعارج

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول : أصول الأخلاق في القرآن الكريم  : آيات من سورة المعارج  :  قال تعالى : { إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ