جديد الموقع

سلسلة الأخلاق الإسلامية ( 1 ) أخلاق المسلم مع الله عز وجل - مجدي محمد علي محمد

موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com

( الدرس الأول ) : أهم أخلاق المسلم مع الله ،

( الدرس الثاني ) : أخلاق المسلم مع الله التوحيد لله والبراءة من الشرك ،

( الدرس الثالث ) : أخلاق المسلم مع الله التحقق بشرف العبودية لله وحده ،

( الدرس الرابع ) : أخلاق المسلم مع الله إسلام الوجه لله  ،

( الدرس الخامس ) : أخلاق المسلم مع الله الإيمان بالله ،

( الدرس السادس ) : أخلاق المسلم مع الله  الإحسان في عبادة الله ،

( الدرس السابع ) : أخلاق المسلم مع الله تقوى الله ،

( الدرس الثامن ) : أخلاق المسلم مع الله التوبة إلى الله ،

( الدرس التاسع ) : أخلاق المسلم مع الله الصدق مع الله ،

( الدرس العاشر ) : أخلاق المسلم مع الله الإخلاص في عبادة الله ،

( الدرس الحادي عشر ) : أخلاق المسلم مع الله الصبر على طاعة الله ،

( الدرس الثاني عشر ) : أخلاق المسلم مع الله الشكر لله ،

( الدرس الثالث عشر ) : أخلاق المسلم مع الله المحبة لله ،

( الدرس الرابع عشر ) : أخلاق المسلم مع الله الخشية والخوف من الله ،

( الدرس الخامس عشر ) : أخلاق المسلم مع الله الرجاء والرغبة في الله ،

( الدرس السادس عشر ) :  أخلاق المسلم مع الله التوكل على الله ،

( الدرس السابع عشر ) : أخلاق المسلم مع الله الرضا عن الله ،

( الدرس الثامن عشر ) : أخلاق المسلم مع الله اليقين في الله ،

( الدرس التاسع عشر ) : أخلاق المسلم مع الله العلم الراسخ بالله ،

( الدرس العشرون ) : أخلاق المسلم مع الله الاستقامة على أمر الله ،

( الدرس الخامس والعشرون ) : أخلاق المسلم مع الله  المداومة على ذكر الله

***

 

الدرس الأول :  أهم أخلاق المسلم مع الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : أخلاق المسلم مع الله تعالى ، وهي عشرون خلقا لابد وأن يتخلق بها المسلم مع الله  : التوحيد والبراءة من الشرك ، تحقق العبودية لله ، وإسلام الوجه لله والإيمان بالله ، والإحسان في عبادة الله ، وتقوى الله ، والتوبة إلى الله ، والصدق مع الله ، والإخلاص في عبادة الله ، والصبر على طاعة الله ، والشكر لنعم الله ، والمحبة لله ولكل ما يحبه الله ، والخشية من الله ، والرجاء فيما عند الله ، والتوكل على الله ، والرضا عن الله ، واليقين في الله والعلم بالله ، والاستقامة على أمر الله والمداومة على ذكر الله ، عشرون خلقا لابد وأن يتخلق بها المسلم مع الله  ، [ 1 ] التوحيد والبراءة من الشرك : [ التوحيد ] : هو المرادف لشهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله ) ، وما ذاك إلا لأنّ ، قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، ف ( لا إله إلا الله )  يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس فلا شريك لله تعالى في ذاته ، وتوحيد الأسماء الحسنى فلا شريك له في أسمائه ، وتوحيد الصفات العلى فلا شريك له في صفاته ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله فلا شريك له في أفعاله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه فلا شريك له في ربوبيته للعالمين ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ولا مستحق للعبودية سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ،   وعلى ذلك ف معنى ( لا إله إلا الله ) : نفي وإثبات : أي نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله الواحد الأحد ، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله ، واعتقاد أنه لا إله بحق إلا الله ولا رب على الحقيقة إلا هو ولا معبود بحق سواه ، ومعنى ( لا إله إلا الله ) : نفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه : توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد الربوبية وتوحيد الإلهية ،  وعلى ذلك ف ( لا إله إلا الله ) هي شهادة التوحيد وهي توحيد الألوهية بكل ما تحمله الإلهية من معان ،  و [ شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) ] : هي الجامعة لعلم التوحيد وعمل التوحيد وأخلاق الموحدين ، شهادة أن لا إله إلا الله : تتمثل في البراءة من الشرك والكفر بالطاغوت ، ومن ثم توحيد الله تعالى في ذاته ، وأسمائه ، و صفاته ، و أفعاله ، وفي  ربوبيته ، وفي ألوهيته ، ( وشهادة أنّ محمدا رسول الله ) : تتمثل في الإيمان به صلى الله عليه وسلم  رسولا من عند الله ، وتصديقه  صلى الله عليه وسلم  فيما أخبر ، والانقياد والطاعة لما جاء به من عند الله تعالى من أمر ونهي ، وتحكميه صلى الله عليه وسلم في كل أمر ، وأن لا يعبد الله عز وجل إلا بما أجازه شرع الرسول صلى الله عليه وسلم ، و محبته صلى الله عليه وسلم و تعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وسلم ، وبعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد إلا بإضافة شهادة الإتباع وإفراد الطريق إلى توحيد الله باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أشهد أن محمد رسول الله ) ،  ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله  : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله ، وأنّه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، وأنه لا رب حقا لهذا الكون إلا الله ، وأنه لا معبود بحق إلا هو الإله الحق ، هو وحده المستحق لتوحيد الذات ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الربوبية بكافة مفرداتها ، وتوحيد الألوهية والعبادة بكافة مفرداتها ، فإذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، ليس له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، والله أكبر من كل تصور ، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، أو تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ،  ومعنى شهادة : ( أنّ محمداً رسول الله ) : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه ، فمن اعتقد أنه يسعه الخروج عن طاعة النبي أو يسعه الوصول إلى الله بغير سلوك طريقه صلى الله عليه وسلم فقد كفر ، فلا طريق لنا إلى عبادة الله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  وللتوحيد أركان ثلاثة : اثنان في شهادة ( لا إله إلا الله ) ، الأول : البراءة من الشرك ( لا إله ) ، والثاني اثبات التوحيد لله وحده :  ( إلا الله ) ، والركن الثالث في شطر الشهادة ( محمد رسول الله ) ، ويعني الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله تعالى مبلغ عن الله تعالى دينه وشرعه ، أما ركني شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) : فهما النفي والإثبات : النفي : ( لا إله ) والمقصود به نفي جميع الآلهة المعبودة من دون الله ، ونفي جميع الأرباب المزعومة من دون الرب سبحانه ، فلا معبود في الكون بحق سواه ، ولا رب للعالمين غيره ، ولا كمال إلا له ، فلا إله إلا هو ، والإثبات : ( إلا الله ) والمقصود به إثبات الألوهية الحقة لله وحده ، واثبات استحقاق العبودية له وحده واستحقاق الربوبية له وحده ، واثبات الكمال والجلال والإكرام له وحده ، له وحده الأسماء الحسنى والصفات الحسنى والأفعال المثلى حكمة وعدلا ، وقدرة وقهرا ، وله الربوبية لا رب للعالمين سواه ، وله العبودية لا معبود بحق سواه ، ولا إله إلا هو ، فشهادة ( لا إله إلا الله ) : تنفي أن يكون في الوجود كله إله رب معبود بحق سوى الله ، وتثبت الإلهية بما تتضمنه من توحيد الذات والاسماء والصفات والافعال والربوبية والالوهية واستحقاق العبودية له وحده لا شريك له ،  وشهادة : ( أنّ محمداً رسول الله ) : تعني أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه ، فمن اعتقد أنه يسعه الخروج عن طاعة النبي أو يسعه الوصول إلى الله بغير سلوك طريقه صلى الله عليه وسلم فقد كفر ، فلا طريق لنا إلى عبادة الله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و [ التوحيد بشقيه ( لا إله إلا الله – محمد رسول الله ) ] هو أعلى شعب الإيمان كما جاء في الحديث الصحيح : (( الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة ، فأفضلُها قولُ : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شُعْبة من الإيمان )) أخرجه مسلم  وفي لفظ آخرَ عند أحمد : (( أرفعها وأعلاها قول : لا إله إلا الله )) وهذه الشُّعَب جَمعت رأسَ الإيمان وأعلاه وهو التوحيد قول : (لا إله إلا الله) ، و [ التوحيد ] يحرم الله تعالى أجسام أصحابه على النار : أخرج البخاري ومسلم في حديث عتبان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )) [ متفق عليه ] ، ومن مات على [ التوحيد ]  دخل الجنة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة )) متفق عليه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من مات وهو يعلم ألا إله إلا الله دخل الجنة )) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هـريرة : (( فمن لقيـت وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة )) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه )) ،  وكقوله صلى الله عليه وسلم: (( أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيها فيحجب عن الجنة )) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )) ، وخلاصة التوحيد اعتقاد أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا معبود بحق سواه اللهم ارزقنا التوحيد وخلق التوحيد وأخلاق الموحدين  ، هذا ما يتعلق بأول أخلاق المسلم مع الله ، توحيد الله ، فلا يعبد إلا الله ولا يرجو إلا الله ، ولا يخشى إلا من الله ، ولا يتوكل إلا على الله ، ولا يكتمل عند الحب والخوف والرجاء إلا لله ومن الله ، والخلق الثاني من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى ، [ 2 ] تحقق العبودية لله وحده  :  قال تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  [ الذاريات : 56 ] ، وقال تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 25 ] ،  وخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ يونس : 104 ] ، وفي سورة الرعد قوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } [ الرعد : 36 ] ، وفي سورة الزمر قال تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } [ الزمر : 2 ] ، وقال تعالى : {  قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [ الزمر : 11 إلى 15 ] ، وقال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [ الكهف : 110 ] ،  وخاطب الله تعالى الناس أجمعين  بقوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } [ النساء : 36 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [ البينة : 5 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ،  والعبودية من أشرف الأخلاق وأعظمها ولذلك وصف بها الملائكة والنبيون ،  قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [ الأعراف : 206 ] ، وقال تعالى : { بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [ الأنبياء : 26 ، 27 ] ، وقال تعالى : { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } [ النمل : 59 ] ، وقال تعالى : {  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [ الصافات : 171 إلى 173 ] ، وقال تعالى : { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } [ النساء : 172 ] ، ووصف بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : {  وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } [ الجن : 19 ، 20 ] ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [ الإسراء : 1 ] ،   ووصف بها الصالحون ، قال تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [ البقرة : 186 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا } [ الإسراء : 65 ] ، وقال تعالى : {   جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا } [ مريم : 61 إلى 63 ] ، وقال تعالى : {   وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } [ الفرقان : 63 ] ، والإنسان لا ينفكُّ عنه وصف العبودية لأنه كائنٌ حيٌّ ذو حاجات ومطامع وشهوات ،  فإما أن يكون عبدًا لله وإلا فهو عبدٌ لغيره حتمًا، سواء كانت حاجاته أو مطامعه أو شهواته أو طواغيت الجن والإنس أو غير ذلك. قال تعالى:  { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } [  يس : 60 ] ،  وأخرج البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، قال :  كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي:  (( يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله ، قلت: الله ورسولــه أعلم ، قال :  حقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ، وحقُّ العباد على الله ألاَّ يعذب من لا يشرك به شيئًا )) [ متفق عليه ] ، [ 3 ]  : إسلام الوجه لله :  أصل الإسلام في اللغة العربية ( لغة القران ) الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة دون اعتراض ، وقد أيد القران الكريم هذه المعاني جميعها كما في قوله عز وجل : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } ، أي انقاد واستسلم وأذعن كل من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ، وقال تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ،  أي أذعن واستسلم لأمر الله فأطاع لذلك دون اعتراض ، وقال تعالى : { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } [ لقمان ] ، أي انقاد وأذعن وأطاع لله عز وجل. وعلى ذلك فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه دون أدنى اعتراض فهو المسلم لله رب العالمين ، وكلما زادت تلك الصفات في قلب الإنسان وظهرت على جوارحه كلما ازداد علوا وصعودا في درجات الإسلام ومنازله ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أكثر الناس تحقيقا لهذه المعاني ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أول المسلمين جميعا من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة ، وكان هو صلى الله عليه وسلم أعلاهم قدرا ومنزلة وذلك لأنه أسلم قلبه وجوارحه ، فأسلم عبادته وأعماله ، وحركاته وسكناته، ومحياه ومماته لله رب العالمين وحده لا شريك له، وفي ذلك يقول الله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } ، والناس جميعا بعده صلى الله عليه وسلم متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم وأقدارهم في ( الإسلام ) وفق تحقيق معانيه السابقة ( الاستسلام والإذعان والخضوع والانقياد والطاعة دون أدنى اعتراض لأمر الله تعالى وشرعه ودينه وحكمه ومشيئته وقضائه وقدره) ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [ 4 ]  :  الإيمان بالله : والإيمان في اللغة : هو التصديق والاطمئنان  ، والإيمان في الشرع : هو التصديق والاطمئنان لكل ما أخبر به الله ورسوله أنه حق وصدق ، ومعنى الإيمان : أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق وهو الرب لا رب غيره وهو المعبود بحق لا معبود سواه ، انه لا إله إلا هو ، وضده الكفر : وهو الإنكار والجحود والتكذيب ، وللإيمـان أركان ستـة ، هي بمثابة الأصول التي تندرج تحتها كافة مسائـل الإيمـان وجوانبـه ، وهذه الأركان الستة لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم   ، ومن جحد شيئاً من هذه الأصول بعدما أقيمت عليه الحجة والبلاغ خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين ، وهذه الأركان الستة هي : الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة ، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر ، والأدلة على هذه الأركان الستة كثيرة منها : قوله تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ  مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [ البقرة : 285 ]، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [ النساء : 136 ] ، وقوله تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ..) [ البقرة : 177 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }[القمر: 49]  ، وقوله – صلى الله عليه وسلم : وقد سئل عن الإيمان – وذلك في حديث جبريل المشهور – (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره )) [ أخرجه مسلم ] ، وأهم تلك الأركان :  الركن الأول من أركان الإيمان : الإيمان بالله : وهو أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو واجب الوجود وهو الواجد لكل موجود ، ليس كوجوده وجود ، وليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل أسمائه أسماء ، ولا كمثل صفاته صفات ، ولا كمثل افعاله أفعال ، له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، وكل ما في الوجود فعله وخلقه ، له توحيد الربوبية فلا رب سواه ، وله توحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، وله توحيد الألوهية فلا إله إلا هو ، وخلق الإيمان هو ثاني الاخلاق بعد الإسلام وأعظمها في حق الله تعالى ، ومن تحقق بهذا الخلق فقد برئ من الكفر والشرك والفسوق والعصيان ، وقد تأهل لمنازل الإحسان ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [ 5 ]  : الإحسان في عبادة الله : بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه ، ومن تحقق بهذا الخلق فقد حاز محبة الله ومعية الله ، قال تعالى :{ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [سورة البقرة : 195 ] ، وقال تعالى :{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } [سورة النحل : 128] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [ سورة العنكبوت : 69 ] ،  والإحسان خلق الصديقين والسابقين والمقربين والمسارعين إلى عمل الخيرات والمتنافسين في القرب من رب العباد ونيل رضوانه ، وهو خلق العارفين بالله السالكين طريقه الخائفين من مقامه وعذابه والطامعين في رضوانه والراجين لرحمته ،  والإحسان هو إحسان الاعتقاد في الله والعمل لوجه الله ، وتصويب العمل وإخلاصه وإتقانه ابتغاء مرضاة الله ، وأول خلق الإحسان المراقبة لقوله صلى الله عليه وسلم (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ويندرج المحسن في منازل المراقبة حتى يبلغ مرتبة المشاهدة وهي كما قال صلى الله عليه وسلم (( أن تعبد الله كأنك تراه )) . فالمراقبة تكون بمراقبة الله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة مع اليقين الدائم بأن الله يراك في كل حين فتحسن العمـل وتخلصـه وتتقنـه لله . ويدرج المحسن بعد ذلك في منازل الإحسان عن طريق إتقان مقامات القلوب من التوبة والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا وإحسان أعمال القلوب من التقوى والمحبة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والصبر والشكر والتقوى ، وعن طريق العبادات والقربات والطاعات من الصلاة والصيام والصدقة والإنفاق والقيام وتلاوة القرآن ، وعن طريق التنـزه عن المكروهات فضلاً عن المحرمات ، واتقاء الشبهات واجتناب الصغائر فضلاً عن الموبقات ، فبإحسـان أعمال القلب ، وبإحسـان أعمال اللسان ، وبإحسـان أعمـال الجـوارح لا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يُنعم عليه بمنازل الإحسان ، وأخلاق المحسنين ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [ 6 ]  : تقوى الله  : التقوى هي الخوف من الجليل سبحانه ، وقد أمر الله تعالى بها على أكمل وجه ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  } [ آل عمران : 102 ] ،  وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً  } [ الأحزاب :70 ، 71 ] ، وأخبر سبحانه أن التقوى هي خير الزاد للآخرة قال تعالى : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } [ البقرة : 197] ،  والتقوى مقياس التفاضل بين البشر قال تعالى : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  } ،  ومعنى التقوى كما قال بعض السلف : { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران:102] ،  أن يُطاع فلا يُعصى وأن يُذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر ، وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد للرحيل فمن فعل ذلك فقد اتقى الله حق تقاته ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [ 7 ]  : التوبة إلى الله : التوبة من أوجب أخلاق المسلم مع الله ، وهي أول أخلاق السائرين إلى الله ، وقد أمر الله تعالى بها جميع المؤمنين ، قال تعالى : {وتوبوا إلى اللهِ جميعاً أيُّها المؤمنونَ لعلَّكُم تُفلِحُونَ} [ النور : 31 ] ، وقال تعالى : {استغفروا ربَّكُمْ ثم توبوا إليهِ} [ هود : 52 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ التحريم : 8 ] ، وقد وصف الله تعالى بها أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [ هود : 112 ] ، وبها يُبدل الله تعالى سيئات المسلم حسنات ، قال تعالى : {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [ الفرقان : 70 ] ،  وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يجدد التوبة ويكرر الاستغفار تعليماً للأُمة وتشريعاً : أخرج مسلم قوله صلى الله عليه وسلم : (( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه ، فإني أتوبُ في اليوم مائة مرة )) [ أخرجه مسلم ] ، اللهم ارزقنا خلق التوبة النصوح يا قابل التوب ، وارزقنا كثرة الاستغفار يا غفار ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [ 8 ] الصدق مع الله ، قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [ التوبة : 119 ] ، وللصدق معان عديدة ، صدق في القول ، وصدق في النية والإرادة ، وصدق في العزم ، وصدق في الوفاء بما أمر الله ، وصدق في العمل بمرضاة الله ، وصدق في اسلام الوجه لله ، وصدق في الإيمان بالله ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [ 9 ] الإخلاص في عبادة الله : بإفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد ، فلا يريد بطاعته إلا رضا الله تعالى دون شيء آخر ، يمتثل قول الله : {قلْ إنِّي أُمرتُ أنْ أعبُدَ اللهَ مُخلِصاً لهُ الدينَ} [ الزمر : 11 ] ، وقوله تعالى : {قل اللهَ أعبُدُ مخلِصاً لهُ ديني} [ الزمر : 14 ] ،  وقوله تعالى : {وما أُمِروا إلا لِيَعبُدوا اللهَ مُخلِصينَ له الدينَ} [ البينة : 5 ] ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [  10 ] الصـبر على طاعة الله : يمتثل قول الله تعالى : { وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } ،  وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } ،  وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } ،  وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ  } ،  وقوله تعالى : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ، وقوله تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [  11 ]  :  شكر الله ، وقد أمرنا الله تعالى بشكره على تلك النعم ، وعدم جحودها ، فقال  : {  فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ } ،  وشكرنا لله تعالى يكون من خلال الالتزام بالشرع وطاعة أوامره والانتهاء عما نهى عنه سبحانه ، وللشكر أركان ثلاثة : شكر اللسان ، وشكر الأركان ، وشكر الجَنان ، أما شكر اللسان : فهو التحدث بنعم الله تعالى ، وأما شكر الأركان : فهو العمل لله تعالى ،  وأما شكر الجَنان : فهو أن تشهد أن كل نعمة بك أو بأحد من العباد هي من الله تعالى ، قال تعالى : {وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [ النحل : 53 ] ، فلا تحجبك رؤية النعم عن رؤية المنعم ، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة حيث قال : "من قال حين يصبح : اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ولك الشكر ، فقد أدى شكر يومه ، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته" [ أخرجه أبو داود والنسائي ] ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [  12 ] : محبة الله : ومحبة الله أعظم مقامات العبادة وعليها تدور رحى الطاعة ، قال تعالى { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } ، وفي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا للّه ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه كما يكره أن يلقى في النار )) [ متفق عليه ] ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [ 13  ] الخشية من الله ، قال تعالى : { فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، وقال تعالى : { فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ } ، و قال تعالى : { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، وقال تعالى : { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } [ التوبة : 18 ] ، وقال تعالى : { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } [ (52) سورة النور ] ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [ 14  ] : الرجاء في الله ،  والموحد لا يرجو إلا الله ، قال تعالى: { إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  } [يونس: 7], وقال تعالى : { وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [يونس: 11] ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [  15 ] : التوكل على الله  : ، قال تعالى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرا } ، وقال جل شأنه :{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ، وقال تعالى : { {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } ، والتوكل هو الثقة بما عند اللّه ، واليأس عما في أيدي الناس ، والتوكل هو صدق اعتماد القلب على اللّه تعالى ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [  16 ] : الرضا عن الله ،  والله تعالى لا يرضى عن العبد حتى يرضى العبد بالله إلها وربا ويرضى عن الله وعن قضائه وقدره ، فيرضي عنه الله ، مصداقا لقوله تعالى : { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  } ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [  17 ] اليقين في الله : اليقين شعبة عظيمة من شعب الإيمان , وخلق عظيم من أخلاق أهل التوحيد , قال تعالى : { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ لقمان : 5 ] ، واليقين هو سكون القلب واطمئنانه إلى الله ، ولقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم :  (( اللهم قْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ , وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا , )) [  أَخْرَجَهُ الترمذي (3502) والنَّسَائي في عمل اليوم والليلة (402) ] ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [  18 ] : العلم الراسخ بالله : من أهم أخلاق المسلم مع الله وأجلها : العلم بالله وبدين الله وبشرع الله ، أهل العلم بالله هم أهل الخشية من الله ، قال الله تعالى : {إنَّما يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [ فاطر : 28 ] ، و أهل العلم بالله هم أهل القرب من الله ، قال تعالى : {هل يستوي الذين يعلمونَ والذين لا يعلمونَ} [ الزمر : 9 ] ، وأهل العلم بالله هم أهل الدرجات العلا عند الله : قال تعالى : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [ المجادلة : 11 ] ، و أهل العلم بالله هم أهل الإخبات لله قال تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الحج : 54 ] ، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في بيان فضل العلم : قوله صلى الله عليه وسلم : ((من يرد الله به خيرا يفقه في الدين )) [ أخرجه البخاري ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم يقول : (( نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع )) [ أخرجه البخاري ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) ثم قال صلى الله عليه وسلم : (( إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير )) [ أخرجه أبو داود ] ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [  19 ] : الاستقامة على أمر الله :  وفيه جاء قوله تعالى : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ هود : 112 ] ، وقوله تعالى : { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } [ الشورى ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } [ فصلت ]  ، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى : [  20  ] : المداومة على ذكر الله : من أهم أخلاق المسلم مع الله وأجلها : المداومة على ذكر الله : قال الله تعالى : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً  } ، وقال تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } ، ، وقال تعالى : { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ  } ، وقال تعالى : { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } ، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في بيان فضل المداومة على ذكر الله ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل الذي يذكر ربه و الذي لا يذكر ربه مثل الحي و الميت ))  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم و أزكاها عند مليككم و أرفعها في درجاتكم و خير لكم من أنفاق الذهب و الورق و خير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم ؟  قالوا بلى . قال : ذكر الله تعالى ))  ، وقوله صلى الله عليه و سلم : (( يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي , و أنا معه إذا ذكرني , فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و ان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم , و ان تقرب إلي شبرا تفربت اليه ذراعا و ان تقرب إلى ذراعا تقربت اليه باعا و ان اتاني يمشي أتيته هرولة ))  وقوله صلي الله عليه و سلم : (( من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله تره , و من أضطجع مضجعا لم يذكر فيه الله كانت عليه ترة )) ، وعن عبد الله بن بِسر أن رجلاً قال : ( يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كَثُرَتْ عليَّ ، فأخبرني بشيء أتشبث به ). قال : "لا يزال لسانُك رَطْباً من ذكر الله )) ، وإذا أطلق الذكر فالمراد به تلاوة القرآن والتسبيح والتهليل والتكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، اللهم اجعلنا من عبادك الذاكرين الله كثيرا ، وبعد فهذه هي الأخلاق العشرون التي تتعلق بحق الله ، الأخلاق العشرون  التي ينبغي تجديدها في قلب كل مسلم ، وعلى لسان وجوارح كل مسلم ، الأخلاق العشرون التي تتعلق بحق الله  : التوحيد والبراءة من الشرك ، تحقق العبودية لله ، وإسلام الوجه لله والإيمان بالله ، والإحسان في عبادة الله ، وتقوى الله ، والتوبة إلى الله ، والصدق مع الله ، والإخلاص في عبادة الله ، والصبر على طاعة الله ، والشكر لنعم الله ، والمحبة لله ولكل ما يحبه الله ، والخشية من الله ، والرجاء في الله وفيما عند الله ، والتوكل على الله ، والرضا عن الله ، واليقين في الله والعلم بالله ، والاستقامة على أمر الله والمداومة على ذكر الله ، عشرون خلقا لابد وأن يتخلق بها المسلم مع الله  ، هذه أحسن الأخلاق مع الله ، وأكررها لعلنا تحفظها ومن ثم نجدد معانيها في القلب وعلى اللسان الجوارح : الأخلاق العشرون التي تتعلق بحق الله ، : ( 1 ) التوحيد والبراءة من الشرك ،( 2 ) تحقق العبودية لله ، ( 3 ) وإسلام الوجه لله ، ( 4 ) والإيمان بالله ، ( 5 )  والإحسان في عبادة الله ، ( 6 ) وتقوى الله ،( 7 )  والتوبة إلى الله ،( 8 )  والصدق مع الله ،( 9 )  والإخلاص في عبادة الله ، ( 10 ) والصبر على طاعة الله ، ( 11 ) والشكر لنعم الله ، ( 12 ) والمحبة لله ولكل ما يحبه الله ، ( 13 ) والخشية من الله ، ( 14 ) والرجاء في الله وفيما عند الله ،  ( 15 ) والتوكل على الله ، ( 16 ) والرضا عن الله ، ( 17 ) واليقين في الله ، ( 18 ) والعلم بالله ، ( 19 ) والاستقامة على أمر الله ، ( 20 ) والمداومة على ذكر الله ، هذه أحسن الأخلاق مع الله ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثاني :  أخلاق المسلم مع الله : خلق  التوحيد لله والبراءة من الشرك

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الأول من أخلاق المسلم مع الله : التوحيد والبراءة من الشرك : [ التوحيد ] : هو المرادف لشهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا ( لا رب إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا معبود إلا الله ) ، ولا قولنا ( لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله ) ، وما ذاك إلا لأنّ ، قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، ويزيد عليه ، ف ( لا إله إلا الله )  يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس فلا شريك لله تعالى في ذاته ، وتوحيد الأسماء الحسنى فلا شريك له في أسمائه ، وتوحيد الصفات العلى فلا شريك له في صفاته ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله فلا شريك له في أفعاله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه فلا شريك له في ربوبيته للعالمين ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ولا مستحق للعبودية سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ،   وعلى ذلك ف معنى ( لا إله إلا الله ) : نفي وإثبات : أي نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله الواحد الأحد ، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله ، واعتقاد أنه لا إله بحق إلا الله ولا رب على الحقيقة إلا هو ولا معبود بحق سواه ، ومعنى ( لا إله إلا الله ) : نفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية ، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه : توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد الربوبية وتوحيد الإلهية ،  وعلى ذلك ف ( لا إله إلا الله ) هي شهادة التوحيد وهي توحيد الألوهية ، و [ التوحيد ] هو التحقيق الأوفى لمضمون (  لا إله إلا الله ) وهي أعظم العلم بدين الله لأنها تجمع دين الله كله خروجا مما ينافيه ، ودخولاً فيما يقتضيه ، ورسالات الرسل و الأنبياء جميعاً قامت على هذه الكلمة كما أخبر تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} ، والتوحيد عقيدة متكاملة ومنهج حياة شامل وخلق رباني قويم من أتى به كان على الله أن يدخله الجنة ، وشهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) - بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة لا تقبل إلا بإضافة شهادة الإتباع ( أشهد أن محمد رسول الله ) وإفراد الطريق إلى الله باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والشهادتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى لأنه إذا كانت شهادة ( لا إله إلا الله ) تعني توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وفي ربوبيته وألوهيته واستحقاقه للعبادة وحده ، فإن شهادة ( محمد رسول الله ) تعني بيان طريق ذلك التوحيد وتلك العبادة وتلقي كيفيتها إذ الطريق إلى التوحيد وعبادة الله تعالى عبادة صحيحة مقبولة هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالشق الأول : ( لا إله إلا الله )  يعرف منه المعبود الحق عز وجل ، وهو توحيد الإله الحق ، والشق الثاني : ( محمد رسول الله )  يعرف منه كيف يوحد الله عز وجل ، وهو في حقيقة الامر توحيد الطريق إلى الله ، ودين الإسلام مبني على أصلين عظيمين : أولهما : توحيد  الله تعالى ، فلا شريك له لا في ذاته ولا في اسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في ربوبيته واستحقاقه وحده لصفات الربوبية ، ولا في الوهيته واستحقاقه وحده للعبادة ، وثانيهما : أن يوحد بما شرعة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، و [ شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) ] : هي الجامعة لعلم التوحيد وعمل التوحيد وأخلاق الموحدين ، شهادة أن لا إله إلا الله : تتمثل في البراءة من الشرك والكفر بالطاغوت ، ومن ثم توحيد الله تعالى في ذاته ، وأسمائه ، و صفاته ، و أفعاله ، وفي  ربوبيته ، وفي ألوهيته ، ( وشهادة أنّ محمدا رسول الله ) : تتمثل في الإيمان به صلى الله عليه وسلم  رسولا من عند الله ، وتصديقه  صلى الله عليه وسلم  فيما أخبر ، والانقياد والطاعة لما جاء به من عند الله تعالى من أمر ونهي ، وتحكميه صلى الله عليه وسلم في كل أمر ، وأن لا يعبد الله عز وجل إلا بما أجازه شرع الرسول صلى الله عليه وسلم ، و محبته صلى الله عليه وسلم و تعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وسلم ، وبعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد إلا بإضافة شهادة الإتباع وإفراد الطريق إلى توحيد الله باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أشهد أن محمد رسول الله ) ،  ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله  : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله ، وأنّه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، وأنه لا رب حقا لهذا الكون إلا الله ، وأنه لا معبود بحق إلا هو الإله الحق ، هو وحده المستحق لتوحيد الذات ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال ، وتوحيد الربوبية بكافة مفرداتها ، وتوحيد الألوهية والعبادة بكافة مفرداتها ، فإذا قال العبد ( أشهد أن لا إله إلا الله ) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله ، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، ليس له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، والله أكبر من كل تصور ، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول ، وتعالى عن أن تدركه الابصار ، أو تبلغه الأوهام ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ،  ومعنى شهادة : ( أنّ محمداً رسول الله ) : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه ، فمن اعتقد أنه يسعه الخروج عن طاعة النبي أو يسعه الوصول إلى الله بغير سلوك طريقه صلى الله عليه وسلم فقد كفر ، فلا طريق لنا إلى عبادة الله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  وللتوحيد أركان ثلاثة : اثنان في شهادة ( لا إله إلا الله ) ، الأول : البراءة من الشرك ( لا إله ) ، والثاني اثبات التوحيد لله وحده :  ( إلا الله ) ، والركن الثالث في شطر الشهادة ( محمد رسول الله ) ، ويعني الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله تعالى مبلغ عن الله تعالى دينه وشرعه ، أما ركني شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) : فهما النفي والإثبات : النفي : ( لا إله ) والمقصود به نفي جميع الآلهة المعبودة من دون الله ، ونفي جميع الأرباب المزعومة من دون الرب سبحانه ، فلا معبود في الكون بحق سواه ، ولا رب للعالمين غيره ، ولا كمال إلا له ، فلا إله إلا هو ، والإثبات : ( إلا الله ) والمقصود به إثبات الألوهية الحقة لله وحده ، واثبات استحقاق العبودية له وحده واستحقاق الربوبية له وحده ، واثبات الكمال والجلال والإكرام له وحده ، له وحده الأسماء الحسنى والصفات الحسنى والأفعال المثلى حكمة وعدلا ، وقدرة وقهرا ، وله الربوبية لا رب للعالمين سواه ، وله العبودية لا معبود بحق سواه ، ولا إله إلا هو ، فشهادة ( لا إله إلا الله ) : تنفي أن يكون في الوجود كله إله رب معبود بحق سوى الله ، وتثبت الإلهية بما تتضمنه من توحيد الذات والاسماء والصفات والافعال والربوبية والالوهية واستحقاق العبودية له وحده لا شريك له ، وهذا الركنان تضمنتهما آيات كثيرة في كتاب الله تعالى : منها قوله تعالى { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ سورة البقرة : 256 ] ، {فمن يكفر بالطاغوت } والطاغوت هو كل معبود سوى الله ، والكفر به معناه إنكار إلهيته ، { ويؤمن بالله }  هو التوحيد وإفراد الله تعالى بالإلهية { فقد استمسك بالعروة الوثقى } هي شهادة لا إله إلا الله كما فسرها سعيد بن جبير والضحاك وسفيان ، وعلى ذلك دلت الآية أن ركني شهادة { لا إله إلا الله } هما الكفر بكل معبود سوى الله وإثبات العبودية والإلهية لله وحده ، وقوله تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } [ النحل : 36 ] . والآية توضح أيضاً ركني شهادة التوحيد بإثبات العبادة لله وحده لا شريك له { أن اعبدوا الله } ونفي العبادة عما سوى الله { واجتنبوا الطاغوت } ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل ))  [ أخرجه مسلم ] ، وهذا الحديث توضيح كذلك لركني شهادة التوحيد بإثبات العبادة لله وحده (قال لا إله إلا الله) ونفي العبادة عما سواه من المعبودات الباطلة ( وكفر بما يعبد من دون الله ) ، أما الركن الثالث فهو شهادة أن محمداً رسول الله ، وحاصل الأمر أنّ أركان شهادة الإسلام ثلاثة هي : الركن الأول : إفراد الله تعالى بالإلهية ، والركن الثاني : البراءة من الشرك في الإلهية والربوبية والعبودية ، والركن الثالث : الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، و [ التوحيد ] شهادة الله تعالى لنفسه ، وهو ما شهد به لله تعالى الملائكة وأولو العلم ، قال تعالى { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [ آل عمران : 18 ] ،  و [ التوحيد ] : هو الذي كلف الله تعالى به رسله ،  كما في قوله تعالى { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } [ محمد : 19 ] ، وقوله تعالى { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [ طه : 14 ] ، وقوله تعالى { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ،  وما أرسلت الرسل إلا بالتوحيد كما في قوله تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [ الْأَنْبياء : 25 ] وقوله تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [ النحل : 36 ] ،  وجميع الرسل دعوا أقوامهم إلى التوحيد كما في قوله تعالى { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ الْأَعراف : 59 ] و قوله تعالى { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ } [ الأعراف : 65 ] و قوله تعالى { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ الأعراف : 73 ] و قوله تعالى { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ الأعراف ] ، وما خلق الله تعالى الجن والإنس لا لتحقيق التوحيد كما في  قوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، والتوحيد هو أمر الله تعالى لعباده جميعا كما في  قوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، وقوله تعالى { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الأنعام : 102 ] ،  وقوله تعالى { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ طه : 98 ] ،   و [ التوحيد ] هو أعلى شعب الإيمان كما جاء في الحديث الصحيح : (( الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة ، فأفضلُها قولُ : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شُعْبة من الإيمان )) أخرجه مسلم  وفي لفظ آخرَ عند أحمد : (( أرفعها وأعلاها قول : لا إله إلا الله )) وهذه الشُّعَب جَمعت رأسَ الإيمان وأعلاه وهو التوحيد قول : (لا إله إلا الله) ، و [ التوحيد ] هو : العروة الوثقى : قال تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك العروة الوثقى لا انفصال لها  } ، وبه قال سعيد بن جبير والضحاك ، و [ التوحيد ] هو العهد الذي ذكره الله عز وجل في قوله تعالى : { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً } قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، و [ التوحيد ] هو الحسنى التي ذكرها الله تعالى في قوله : { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى } ، وبه قال أبو عبدالرحمن السلمي والضحاك ، ورواه عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما ، و [ التوحيد ] هو  كلمة الحق التي ذكر الله عز وجل إذ يقول : { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } قاله البغوي  ، و [ التوحيد ] هو كلمة التقوى التي ذكرها تعالى في قوله : { وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها } ، رواه ابن جرير وعبدالله بن أحمد والترمذي ، و [ التوحيد ] هو القول الثابت الذي ذكره تعالى في قوله : { يثبت الله الاذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة  } وقد ثبت ذلك في الصحيحين عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، و [ التوحيد ] هو الكلمة الطيبة المضروبة مثلاً في قوله تعالى : { ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ،  وهو مروي عن علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فأصلها ثابت في قلب المؤمن وفروعها العمل الصالح في السماء صاعد إلى الله عز وجل ، وكذا قال الضحاك وابن جبير وعكرمة ومجاهد وغيرهم ، و [ التوحيد ] هو سبب النجاة من النار ، كما في صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يقول : (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار ) ، و [ التوحيد ] هو الإيمان بلا ظلم ، قال الله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [ سورة الأنعام : 82 ] ، و [ التوحيد ] يحرم الله تعالى أجسام أصحابه على النار : أخرج البخاري ومسلم في حديث عتبان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )) [ متفق عليه ] ، ومن مات على [ التوحيد ]  دخل الجنة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة )) متفق عليه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من مات وهو يعلم ألا إله إلا الله دخل الجنة )) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هـريرة : (( فمن لقيـت وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة )) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه )) ،  وكقوله صلى الله عليه وسلم: (( أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيها فيحجب عن الجنة )) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )) ، وخلاصة التوحيد اعتقاد أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا معبود بحق سواه اللهم ارزقنا التوحيد وخلق التوحيد وأخلاق الموحدين  ، [ أقسام التوحيد ] : ( توحيد الإلهية : لا إله إلا الله ) :  معناه أن يعتقد المسلم اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى موجود وجودا حقيقيا بذاته ، وأن جناب ذاته تعالى وتقدس لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث طبيعة الوجود ، ولا من حيث حقيقة الذات ، ولا من حيث الأسماء ولا من حيث الصفات ولا من حيث الأفعال ، وأنّ له سبحانه توحيد الربوبية فلا رب سواه ، وأنّ له سبحانه توحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، وأنّه ( لا إله إلا الله ) ، ويشمل هذا التوحيد ( توحيد الإلهية ) على ستة أقسام : توحيد جناب الذات ، ليس كمثله شيء  ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد صفات الله العلا ، وتوحيد الأفعال فلا يكون في ملك الله إلا ما خلقه وقدره الله ، وتوحيد ربوبية الله تعالى للعالمين فلا رب للعالمين سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، [ توحيد الله تعالى في جناب ذاته ] : ذات الله تعالى ، ليس كمثله شيء ، لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث الأسماء والصفات والأفعال ، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء ، فهو الأول بلا ابتداء ، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء ، وليس بعده شيء ، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، الرحمن على العرش استوى ، وهو قريب من كل شيء ، ومحيط بكل شيء ، وقاهر لكل شيء  ، وهو الكبير المتعال ، وهو العلي العظيم ، وهو الواحد القهار ، وهو الأحد الصمد ، وهو الحي القيوم ، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، ولما كانت هذه الذات بالحال التي ذكرنا, فإن العقل البشري يستحيل عليه إدراك كنه هذه الذات, لأنه لا يتصور إلا الأشياء التي تدركها حواسه المحددة. فذات الله تعالى جلت عن أن تدركها البصائر النافذة فضلا عن الأبصار، وعظمت عن أن تتوهمها الظنون أو تتصورها الأفكار ، تعجز الحواس عن إدراك ذاته ، لأنها مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط ، عاجزة عن معرفة ما عداها ، ولهذا فهي لا تدرك حتى الروح التي لا تفارق جسد الإنسان ، كما قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ( 85) } [ الإسراء ] ، والله تعالى منزه عن المادة وكل ما يتعلق بالمادة ، لأنه خالق المادة ، وهو القائل سبحانه { ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى : 11]، وفي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، فلا يشبه وجوده وجود شيء من خلقه ، وقال تعالى :{ وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل :60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، والوجود الذي لا يشبه وجود المخلوقين ، وقال الله تعالى :{ فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له ، لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :{ هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فوجوده سبحانه لا يشبه وجود خلقه وذاتُه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال الله تعالى :{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص/4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى : ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) [سورة الأنعام/100] كل ما وُصف به جناب ذات الله ، فالله تعالى منزه عنه ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) ،  تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقال الله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام/103]  ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك ، وقال الله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وقال تعالى : { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } والند هو العدل والمثل  والنظير والشبيه ، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل سبحانه ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، وعلى ذلك فلا تستطيع الحواس أن توصل الإنسان مباشرة إلى معرفة الله تعالى ،  وتعجز العقول عن معرفة كنه ذات الله تعالى ، لأنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها ، والله تعالى منزّه عن الحدّود ، إذ هو الذي حدّ الحدود ، وقدّر المقادير ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ، كما أنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء ، والله تعالى لا يقاس بأحد ، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه ، وليس كمثله شيء ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ،  كما أنّ إمكانات العقل محدودة والله تعالى فوق الحد ، لا نهاية لكمالاته ، ولا نهاية لذاته ، ولا نهاية لصفاته ، إذ النهايات دليل على المخلوقات لانّ الله تعالى قهرها بالنهايات ، أما الواحد القهار ، الكبير المتعال تنزه عن الحد والنهاية ، وتعالى على الحدود والنهايات ، ولهذا يعجز العقل المخلوق المحدود عن معرفة كنه ذات الله تعالى ، ولا الإحاطة بصفاته فضلا عن ذاته سبحانه ، لا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، فكلّ ما قدّره عقل فهو محدود ، والله تبارك وتعالى أجلّ وأعظم واكبر من أن تحيط بصفته العقول ،  وكل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما ، وإنما الطريق إلى معرفة الله تعالى هو معرفة قواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تمنع من التمثيل والتشبيه ، ثم العلم الواسع بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا لأنه العلم الراسخ نحو المعرفة بالله ومن ثم توحيده : من رحمة الله تعالى بعباده أن أرسل إليهم الرسل وانزل عليهم الكتب ليتعرفوا إلى قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي تمنع من تمثيل الله تعالى بأحد من خلقه ، أو تشبيه الله تعالى بأحد من خلقه البشر ، ومن ثم التعرف على اسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى التي وردت في كتاب الله تعالى أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومنها يمكنهم معرفة الله واستشعار كمال وجلال وعظمة الله الواحد الاحد ،  وقواعد التقديس والتنزيه هي عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف : وهي قواعد ربانية دل عليها الكتاب والسنة والعقل الصحيح ، تمنع من تشبيه الله تعالى في ذاته أو صفاته أو أفعاله بأحد من خلقه ، وهذه القواعد ترسخ التقديس والتنزيه والتسبيح في عقل المسلم ووجدانه ، وتمنعه من أي تمثيل لله تعالى بشيء من خلقه لأنّه ليس كمثله شيء ، تعالى عن الند والشبيه والمثيل والكفء والشريك والمعين والوزير والصاحبة والولد ، ومن أهم فوائد تلك القواعد التي تقدس لله وتنزه له ، أنها تقطع الطمع تماماً في إدراك ذات الله { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } ، { ولا يحيطون به علما } ، وأنها تصفي الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه ، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى - على لسان الملائكة - { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  }، أو يتمثل الكائنات من السموات والأرض والجبال وهي تتجاوب مع التقديس وتتألم لدعاوى التشبيه والتمثيل  من عالم البشر في حق الله تعالى كما في قوله تعالى : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } [ مريم : 89 إلى 93 ]  ، وقواعد التقديس هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتنزيه والتسبيح ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لمسلم أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، وقواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى  تشتمل على تلك القواعد : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ، وتنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ، وتنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء إذ هو الأول بلا ابتداء وهو الآخر بلا انتهاء ، وتنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، وتنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازم الجسمية المخلوقة المقدرة من الكون في المكان وأن يجري عليها زمان وأنّ لها حد ومقدار وامتداد في الآفاق والجهات ، وتنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، وتنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، وتنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، وتنزيه ذات الله تعالى وتقدس عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، وتنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، وتنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ، وتنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل ، وتنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، وهذه القواعد التقديسية أجمع عليها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنة ، ولا يخالفهم في شيء منها سوى أهل الاعتزال والتجهم والتعطيل أو أهل الحشو والتجسيم والتشبيه ،  [ وتوحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى ] ، قال تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى  } [ سورة طه : 8 ] و قال تعالى { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ سورة الْأَعراف : 180 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) [ متفق عليه ] ، والإيمان بالأسماء الحسنى يكون بإفراد الله عز وجل بالأسماء الحسنى لا يشاركه سبحانه فيها بإطلاقها غيره ، إذ جل عن الشريك والكفء والسمي ، قال تعالى : { ولم يكن له كفواً أحد } ، وقال تعالى : { هل تعلم له سمياً } ،  وقال تعالى : { ليس كمثله شيئاً } ، والإيمان بالأسماء الحسنى يكون بإثباتها لله وحده بما دلت عليه من صفات الكمال لله تعالى كما تليق بكمال الله تعالى وجلاله وإكرامه ، سبحانه لا يقدره حق قدره إلا هو سبحانه لا نحصى ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه تعالت عظمته وتقدست ذاته وأسماؤه الحسنى وصفاته العلى ، وهذا الإيمان يستلزم افراد الله تعالى بما دلت عليه الأسماء الحسنى من كمال الصفات ، إذ كل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة علية يتصف بها الله عز وجل فالرحيم سبحانه متصف بالرحمة التي يرحم بها عباده والقدير جل شأنه متصف بالقدرة التي يدبر بها ملكه فلا يعجزه شيء والغفور تبارك وتعالى متصف بالمغفرة التي بها يغفر للتائبين والمنيبين ، لا إله إلا هو ، العليم الذي كمال العلم ، العزيز الذي له العزة التي لا تضام ، العظيم الذي له العظمة التي لا ترام ، القدير الذي له القدرة المطلقة والمشيئة النافذة ، الجبار الذي له الجبروت والانتقام وهو مع ذلك الرحمن الرحيم الذي سعت رحمته كل شيء وسبقت غضبه تعجز الكلمات عن حمد ذاته وعن وصف صفاته منصف بصفات الكمال والإجلال والإكرام منزه عن أدنى عيب أو نقص أو ذم ، وعدد الأسماء الحسنى لا يحصيه إلا الله تعالى ،  كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ )) [ أخرجه أحمد في مسنده ( 3784) والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والحاكم، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ( ح : 3528 ) ] ، ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))  [متفق عليه ] ، والعلم بأسماء الله الحسنى أشرفُ العلوم لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته العلى ، والأسماء الحسنى، على كثرتها، ليست مترادفة، فكل اسم منها له معنىً لا يتضمنه غيره ، [ وتوحيد الله تعالى في صفاته العلا ] : إذ أنّ معرفة صفات الله هي الطريق إلى معرفة الله : الغاية من معرفة صفات الله هي معرفة الله ، لأنّ الصفات عبارة عن سُبُل للتعبير عن الله وبيان صفات ذاته تعالى ، فصفة العلم تدلا على أنّ الله تعالى عليم بكل شيء ، لا يغيب عن علمه شيء ، وصفة الرحمة تدل على أنّ الله تعالى رحيم بعباده وأنّ رحمته وسعت كل خلقه ووسعت كل شيء ، وهكذا فإنّ معرفة صفات الله تعالى العلا هي باب المعرفة الواسع نحو العلم بالله ، وقد جعل الله تعالى أسماءه الحسنى وصفاته العلا سبيلاً ليتعرّف العباد عليه، فلو كانت معرفة صفات الله غير ممكنة، لم يبق للعبد سبيلاً لمعرفة ربّه، فتنسد أبواب عبودية الله تعالى لأنّ العبودية لا يمكن القيام بها إلاّ بعد معرفة المعبود ، وقد ذكر الله تعالى أسماءه الحسنى وصفاته العلا في كتابه الكريم وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم لكي يتدبّر فيها العباد ، فتكون طريقهم إلى العلم بالله ، والقول في الصفات كالقول في الذات تماماً ، فكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن الحد والمقدار ، والمثيل والكف والند والشبيه ، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه ، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات ، فعلمه لا حد له ، ولا نهاية لمعلوماته ، ولو كان لعلمه حد ، لما اتصف بالكمال ، لانّ ما له حد فإنه يقبل الزيادة والنقصان ، فإن قبل الزيادة ، فقد كان قبل الزيادة ناقصاً ، وإن قبل النقصان فليس بالكمال ، وهكذا القول في جميع الصفات ، تابعة للذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى له الكمال المطلق منزه عن الكف والمثيل ، فكذلك الصفات تابعة للذات ، ليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ، لا ندرك من معانيها إلا ما تحتمله عقولنا ، وأنى للعقول المحدودة والأفهام المخلوقة أن تحيط علماً بالصفات المنزهة عن التناهي والحدود ، ولهذا كانت القاعدة التنزيهية أنّ الله تعالى أجلّ من أن تدرك صفاته ، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته ، قال تعالى : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [ الزمر : 66 ] ، كما أنّ صفات الله تعالى توقيفية: لا يجوز وصف الله تعالى إلاّ بما وصف به نفسه في كتابه الكريم أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، إذ كيف يمكن الاجتهاد في أمر تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والعقول عن الإحاطة به ، جلّ عن كل مثيل ، وتعالى عن كل شبيه ، ومن وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه في الكتاب والسنة فقد تقول على الله تعالى بغير علم ، وأعظم الفرية على الله ، كما قال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 33 ] ، وقال تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } [ هود : 18 ] ،  والصفات الواجبة لله تعالى هي  جميع الصفات التي دلّت عليها الأسماء الحسنى : ف ( الرحمن ) : يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله ، و ( الرحيم ) : يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي ، و ( الملك ) : يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي ، و ( القدوس ) : يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول ، و ( السلام ) : يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء ، و ( المؤمن ) : يدل على صفة التأمين والصدق مع عباده فيما وعدهم به من الأجر والثواب ، و ( المهيمن ): يدل على صفة الهيمنة والرعاية والوقاية والصيانة والرقابة والحفظ لكل خلقه ، والقيام على خلقه بأعمالهم ، وأرزاقهم ، وآجالهم، و ( العزيز ) : يدل على صفة العزة التي لا ترام والقوة التي لا تقهر ، والغلبة على كل شيء ، و ( الجبار ) : يدل على صفات العظمة والجبروت والقهر ونفاذ المشيئة ، و ( المتكبر ) : يدل على صفة التفرد بالعظمة والكبرياء والتعالي عن مشابهة الخلق ، و( الخالق ): يدل على صفة التقدير والإيجاد لكل شيء والخلق لكل موجود سواه ،  و ( البارئ ) : يدل على صفة إبراز خلقه إلى الوجود بقدرته لا عن مثال سابق ، و ( المصور ) : يدل على صفة التصوير ، وأنه هو الذي صور جميع الموجودات، ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها ، و ( الغفار ) : يدل على صفة المغفرة الذي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا والاخرة ، و ( القهار ): يدل على صفة القهر والغلبة والتصريف على كل خلقه بسلطانه وقدرته ، و ( الوهاب ) : يدل على صفات الوهب والإنعام والعطاء ، فهو المنعم على العباد، الذي يهب بغير عوض ويعطي الحاجة بغير سؤال، كثير النعم، دائم العطاء ، و ( الرزاق ) : يدل على صفة الرزق والإمداد فهو الذي خلق الارزاق واعطى كل الخلائق أرزاقها، وجميع الاسماء الحسنى تدل على صفات محكمة الله تعالى ، وهذه الصفات التي تؤدي إلى المعرفة الصحيحة بالله تعالى ، ومن عرف الله تعالى افرد له الربوبية والإلهية وكمال المحبة والتذلل والانقياد ، [ تنبيه آخر ] : الصفات الثبوتية الخبرية والتي في اثباتها على ظواهرها محاذير عظيمة ، وتحتاج إلى الرسوخ في العلم ، والفقه في الدين عند الحديث عنها :  وتتناول ثلاثة أقسام عريضة ، القسم الأول : ما يوحي بالجارحة والتجزؤ والتبعض في ذات الله ، وأظهرها الوجه واليد والعين ، والقسم الثاني : وهو ما يوحي بالتغير والحدوث والحد والنهاية وأظهرها الاستواء والنزول والمجيء ، والقسم الثالث وهو ما يوحي بالكيفيات الحسية والتغير والانفعال كالغضب والرضا والفرح والضحك والسرور ، وقد تقدم الحديث عنها في باب التوحيد في الذات ، وذكرنا محاذير نسبتها على ظواهرها إلى الله ، ومجمل مسالك أهل السنة والجماعة في تفسيرها واعتقاد ما تحملها من معان وحاصله : أنّ هناك ثلاث مسالك معتمدة عند أهل السنة والجماعة ، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو ، و المسلك ( الاول ) : طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه ، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، و المسلك ( الثاني ) : اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة لله تعالى على مراد الله ومراد رسول الله ، منزهة عن الجارحة والحد والصورة ، واثبات الاستواء صفة لله تعالى على مراد الله ومراد رسول الله ، منزها عن الجلوس والتحيز والحد والجهة الحسية ، وأنّ الاستواء ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه كما أخبر بلا كيف بائن من جميع خلقه ، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان ، وأن مجيئه ليس بحركة ، وأن نزوله ليس بنقلة ، وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة ، وأن يده ليست بجارحة ، وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف لقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } وقوله تعالى : { هل تعلم له سميا } ، والمسلك ( الثالث ) : حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها ، ومثاله حمل الوجه على الذات في قوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } ، وحمل اليد على مقتضي الآية ، ففي قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } تحمل على الكرم والجود والعطاء ، وفي قوله تعالى : { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى : { مما خلقت أيدينا أنعاما } ، وقوله تعالى : { والسماء بنيناها بأيد } ، وقوله تعالى : { إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة ، وما سوى ذلك فهو ميل إلى الاعتزال ، وفي المقابل ميل إلى الحشو والتشبيه ، وكلاهما من البدع الضالة ، وفي حلقات التجديد في علم التقديس بيان واف لذلك مع حل جميع الاشكالات المتعلقة بذلك ، [ وتوحيد الله تعالى في أفعاله ] : واعتقاد أنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله  ، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته ،هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة ، ليس في الوجود خالق غيره ، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء  وعمدة هذا التوحيد : قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ] ، وقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون ، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه ، فهو يعود لله مسبب الاسباب  ، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى  ، كما قال سبحانه :{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ]   ، ومع توحيد الأفعال يمكن أنّ نفهم مدى مسؤولية الإنسان عن أفعاله وأعماله : فالإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله ، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى ، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله ، ولكن الله تعالى جعل للثقلين ( الجن والإنس ) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله ، له حرية الاختيار ،  وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار ، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال ، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار ، ولكن ليس معنى ذلك ، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء ، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه ، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره ، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره ، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد ، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان ، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده ، كما قال تعالى :  { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله ، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه ، قال تعالى ‏:‏ ‏{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }‏ ،  و [ توحيد الله تعالى في ربوبيته ] ، ومعناه أنّه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين ، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين ، ولا مالك لا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين ، ولا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، ولا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين ، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ، والحاصل أن مصطلح توحيد الربوبية مصطلح عظيم لا يكون عليه إلا الموحدون الذين تبرؤا من كل شرك في الربوبية وتمثلوا قول الله تعالى { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } [ الأنعام : 164 ] ، وقوله تعالى { لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 38 ] ، وقوله تعالى { وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 42 ] ، و [ توحيد الله تعالى في العبودية ] : ومعناه : ( لا معبود بحق سوى الله ) ، ولا تصرف العبودية إلا إلى الله ، وهو توحيد الله تعالى بإفراده بالعبادة ، وصرف العبادات جميعها لله وحده ، ودليلها قوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، وقوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ،  والعبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية ، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية ، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق ، أو المعبودات الباطلة من دون الله ، وضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبودية ، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى { وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } [الاِسراء :24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة ، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم ، الهيئة واحدة هي هيئة السجود ( وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع ) ، الفعل واحد هو السجود ، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم ، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام ، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة  فشتان ما بين السجود للتكريم ، والسجود بنية العبادة ، ومن سجد بنية العبادة ، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده ربا وإلها ، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة : فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر  ، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة ،  ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى )) [ أخرجه مسلم ] ، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل ، ألا وهو النية  ، والنية هي الاعتقاد القلبي ، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة : فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله ، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة ، وهذا الضابط من أهم الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد العبودية بما يؤول إلى الغلو في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تصل بهم إلى هذا الحد ، [ وأجل أخلاق التوحيد ] :  والصدق مع الله ، والإخلاص في عبادة الله ، والصبر على طاعة الله وقدره ، والشكر لنعم الله وأفضاله ، والمحبة التامة لله ولكل ما يحبه الله ، والخشية من الله ، والرجاء فيما عند الله ، والتوكل على الله ، والرضا عن الله ، واليقين في الله والاستقامة على أمر الله ، اللهم ارزقنا التوحيد وجنبنا الشرك ، اللهم ارزقنا الإيمان وجنبنا الكفر ، اللهم ارزقنا التقوى وجنبنا الفسوق والعصيان ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ،  سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

***

 

الدرس الثالث : أخلاق المسلم مع الله :  التحقق بشرف العبودية لله وحده

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الثاني من أخلاق المسلم مع الله :  التحقق بشرف العبودية لله وحده  :  [  تحقق العبودية لله وحده ] معناه : إفراد الله تعالى بالعبودية ، وصرف العبادات القلبية والبدنية جميعها لله وحده ، وتحقق العبودية لله وحده  هو الغاية من خلق الثقلين ، قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، وقال تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، وهو الغاية من إرسال الرسل : قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [ الأنبياء : 25 ] ،  وكل رسول من الرسل - عليهم الصلاة السلام - افتتح دعوته بالدعوة إلى عبادة الله وحده والقيام بها على مراد الله - عزَّ وجل -  وجميعهم قالوا لأقوامهم {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ، قال تعالى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [ الأعراف : 59 ] ، وقال تعالى : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ } [ الأعراف : 65 ] ، وقال تعالى : { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ الأعراف : 73 ] ، وقال تعالى : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 85 ] ، وقال تعالى : {  وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ العنكبوت : 16 ] ، وقال تعالى : {   لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [ المائدة : 72 ] ، ويوم القيامة يُخاطب الله تعالى عبده ونبيه عيسى عليه السلام بقوله : { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ المائدة : 116 إلى 118 ] ،  وخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } [ يونس : 104 إلى 109 ] ، وفي سورة الرعد قوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } [ الرعد : 36 ] ، وفي سورة الزمر قال تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } [ الزمر : 2 ] ، وقال تعالى : {  قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [ الزمر : 11 إلى 15 ] ، وقال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [ الكهف : 110 ] ،  وخاطب الله تعالى الناس أجمعين  بقوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } [ النساء : 36 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [ البينة : 5 ] ، وقوله تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ،  والعبودية من أشرف الأخلاق وأعظمها ولذلك وصف بها الملائكة والنبيون ،  قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [ الأعراف : 206 ] ، وقال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [ الأنبياء : 26 ، 27 ] ، وقال تعالى : { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } [ النمل : 59 ] ، وقال تعالى : {  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [ الصافات : 171 إلى 173 ] ، وقال تعالى : {  سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ } [ الصافات : 79 إلى 81 ] ، وقال تعالى : { سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ } [ الصافات : 109 إلى 111 ] ، وقال تعالى : { سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ } [ الصافات : 120 إلى 122 ] ،  وقال تعالى – على لسان عيسى عليه السلام - : { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا } [ مريم : 30 ، 31  ] ، وقال تعالى : { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) } [ النساء : 172 ] ، وقال تعالى في حق يوسف عليه السلام : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [ يوسف : 24 ] ،  ووصف بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : {  وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } [ الجن : 19 ، 20 ] ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [ الإسراء : 1 ] ،   ووصف بها الصالحون ، قال تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [ البقرة : 186 ] ، وقال تعالى : { قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ } [ إبراهيم : 31 ] ، وقال تعالى : { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبيِنًا } [ الإسراء : 53 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا } [ الإسراء : 65 ] ، وقال تعالى : {   جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا } [ مريم : 61 إلى 63 ] ، وقال تعالى : {   وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } [ الفرقان : 63 ] ، وقال تعالى : { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ  } [ العنكبوت : 56 ] ، وقال تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ،  وقال تعالى : {   فَبِشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ } [ الزمر : 17 ، 18 ] ،  والإنسان لا ينفكُّ عنه وصف العبودية لأنه كائنٌ حيٌّ ذو حاجات ومطامع وشهوات ،  فإما أن يكون عبدًا لله وإلا فهو عبدٌ لغيره حتمًا، سواء كانت حاجاته أو مطامعه أو شهواته أو طواغيت الجن والإنس أو غير ذلك. قال تعالى:  { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } [  يس : 60 ] ،  وأخرج البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، قال :  كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي:  (( يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله ، قلت: الله ورسولــه أعلم ، قال :  حقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ، وحقُّ العباد على الله ألاَّ يعذب من لا يشرك به شيئًا )) [ متفق عليه ]  ، [ توحيد العبودية من أهم أقسام توحيد الألوهية ] :   ( أ ) من الفقه في الدين ملاحظة الفرق في الاصطلاح بين الألوهية وبين العبودية ، وذلك لأنّ توحيد الألوهية  يشمل جميع معاني التوحيد ويدخل فيه توحيد الذات ، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية ، إذ ليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود المعبود الحق المستحق لإفراد العبودية له ، والاعتراف بوجود الرب الخالق القادر المدبر المتصرف المهيمن ، والاعتراف بوجود الإله الذي له الكمال في كل شيء والذي له الجلال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، والمنزه عن المثيل والند والشريك  ، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح لجميع معاني الكمال في الذات والكمال في الصفات والكمال في الأفعال والكمال في الربوبية بشتى خصائصها والكمال في استحقاق العبودية والتأله ، سوى كلمة ( الإله ) ، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد ( لا إله إلا الله ) شيء سواها ، وما ذاك إلا لأنّ ، قول المسلم ( لا إله إلا الله ) يشمل ذلك كله ، فتوحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس ، وتوحيد الأسماء الحسنى ، وتوحيد الصفات العلى ، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله ، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه ، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو ، [ المعنى المقصود من توحيد الله تعالى في العبودية ] : ومعناه : ( لا معبود بحق سوى الله ) ، ولا تصرف العبودية إلا إلى الله ، وهو توحيد الله تعالى بإفراده بالعبادة ، وصرف العبادات جميعها لله وحده ، ودليلها قوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، وقوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ،  والعبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية ، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية ، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق ، أو المعبودات الباطلة من دون الله ، وضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبودية ، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى { وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } [الاِسراء :24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة ، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم ، الهيئة واحدة هي هيئة السجود ( وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع ) ، الفعل واحد هو السجود ، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم ، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام ، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة  فشتان ما بين السجود للتكريم ، والسجود بنية العبادة ، ومن سجد بنية العبادة ، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده ربا وإلها ، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة : فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر  ، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة ،  ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى )) [ أخرجه مسلم ] ، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل ، ألا وهو النية  ، والنية هي الاعتقاد القلبي ، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة : فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله ، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة ، وهذا الضابط من أهم الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد العبودية بما يؤول إلى الغلو في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تصل بهم إلى هذا الحد ،  [ خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة ( اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود ) ] : نستفيد مما سبق بيانه أن من الفقه في فهم معنى العبادة : أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، ولها ( للعبادة ) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر عند الفقهاء ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ،  وما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء ، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الدعاء تبعاً للعقيدة ، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر ، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه ، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل ، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله ، وما قيل في السجود والدعاء يقال مثله في الذبح ، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة ، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر ، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام ،  فهذا من المحرمات ولكن لا يدخل في باب الشرك الاكبر ، وكذلك كل من ذبح بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له ، وما قيل في السجود والدعاء والذبح يقال مثله في النذر ، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها ، فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر ، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة ، وإن كان النذر خاليا من ذلك الاعتقاد فليس بعبادة ، وما قيل في مفردات العبادة السابقة  يُقال مثله في الشفاعة ، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة ، فهذا من الشرك الأكبر ، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده ، فهذه عقيدة أهل الإسلام ، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ، السجود يقال مثله في الذبح ، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة ، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة لللازمة على الله تعالى ، فهذا الشرك الاكبر ،  وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة  ، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية او بعضها ، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية ، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده ، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك ، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة ، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل ، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى ، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج ، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء ، ويجعل من يشاء عقيما ، وهكذا ، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله ، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] ، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده ، والقصد على وجه الاستقلال ، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو ، وكما علمنا القرآن الكريم  توحيد الاستعانة بالله تعالى ، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة ، كما في قوله تعالى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } [ البقرة : 45 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [ البقرة : 153 ] ، وضابط الاستعانة ، أنّ من اعتقد أنّ أحداً  له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة ، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له ، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير ، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله ، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده ،  ولكنّه ـ مع ذلك  أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره ،  والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله ،  وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده ، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله ، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية ( لأنهما متلازمان ) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله ، وإن خلت من النية والاعتقاد ، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر ، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب ، إذن  التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية ، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح ، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين ، ( قلت ) قد شاب تعريف ( العبادة ) قصور عند بعض العلماء ، ولهذا لابد من تصحيح هذا التعريف لما يترتب عليه من آثار تتعلق بالتوحيد والشرك ، ومتى يكون المرء موحداً ، ومتى يكون مشركا ، ومن ذلك قول ابن تيمية رحمه الله في تعريف العبادة : (  العبادة اسم جامع لكلّ ما يحبّه اللّه و يرضاه من الاَقوال والاَعمال الباطنية والظاهرية كالصلاة والزكاة والصيام، والحجّ، و صدق الحديث و أداء الاَمانة، و برّ الوالدين و صلة الاَرحام ) [ كتاب العبودية ص 38 ] ، وهذا التعريف إن كان يُقصد به تعريف العبادات ، فهو تعريف صحيح وأغلب الظن أنّه كذلك ، أما إن كان القصد منه تعريف العبادة فهو تعريفٌ فيه قصور شديد لأنّه لم يبين الضابط الذي يفرق العبادة عن غيرها من الاعمال التي قد تشابه العبادة في الصورة ولكنها ليس المقصد منها العبادة ، وقد مر بنا مثال السجود لآدم عليه السلام ، وأنّه لم يكن عبادة لأنّه خلا منه الاعتقاد بربوبية وألوهية المسجود له ، والمقصود أن ليس كل ما صرف لغير الله تعالى مما يشبه العبادة يكون شركاً بالله تعالى حتى يصاحبه اعتقاد ربوبية وألوهية من يصرف إليه العبادة ، فإن خلا من الاعتقاد كان شيئاً آخر غير الشرك بالله ،  وإذن التعريف الصحيح الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الألوهية : إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية ، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله ، أو شفاعة ملزمة على الله ، أو استحقاق أن يعبد من دون الله ، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى ، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه ، ، كانت هذه أسس وركائز مهمة تمنع من الغلو في توحيد العبودية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ، اللهم ارزقنا خلق التحقق بالعبودية لك وحدك ، اللهم ارزقنا العبودية الحقة التي أثنيت بها على خير خلقك ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****  

 

الدرس الرابع :  أخلاق المسلم مع الله : خلق  إسلام الوجه لله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الثالث من أخلاق المسلم مع الله : إسلام الوجه لله :  أصل الإسلام في اللغة العربية ( لغة القران ) الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة دون اعتراض ، وقد أيد القران الكريم هذه المعاني جميعها كما في قوله عز وجل : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } ، أي انقاد واستسلم وأذعن كل من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ، وقال تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ،  أي أذعن واستسلم لأمر الله فأطاع لذلك دون اعتراض ، وقال تعالى : { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } [ لقمان ] ، أي انقاد وأذعن وأطاع لله عز وجل. وعلى ذلك فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه دون أدنى اعتراض فهو المسلم لله رب العالمين ، وكلما زادت تلك الصفات في قلب الإنسان وظهرت على جوارحه كلما ازداد علوا وصعودا في درجات الإسلام ومنازله ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أكثر الناس تحقيقا لهذه المعاني ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أول المسلمين جميعا من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة ، وكان هو صلى الله عليه وسلم أعلاهم قدرا ومنزلة وذلك لأنه أسلم قلبه وجوارحه ، فأسلم عبادته وأعماله ، وحركاته وسكناته، ومحياه ومماته لله رب العالمين وحده لا شريك له، وفي ذلك يقول الله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } ، والناس جميعا بعده صلى الله عليه وسلم متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم وأقدارهم في ( الإسلام ) وفق تحقيق معانيه السابقة ( الاستسلام والإذعان والخضوع والانقياد والطاعة دون أدنى اعتراض لأمر الله تعالى وشرعه ودينه وحكمه ومشيئته وقضائه وقدره) ، وأفضل الناس إسلاما لله عز وجل بعده صلى الله عليه وسلم إخوانه أولي العزم من الرسل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى حيث ذكرهم الله تعالى بقوله عز وجل : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } [ الأحزاب : 7 ] ، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا ، فأول الرسل الكرام نوح عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى – على لسان نوح عليه السلام - : { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }  [ يونس : 72  ] ، وإبراهيم أبو الأنبياء  عليه السلام كان مسلما وجميع الأنبياء من بعده كانوا مسلمين ، قال تعالى : { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 130 إلى 133 ] ، ويوسف عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [ يوسف : 101 ] ، وموسى عليه السلام كان مسلما ،  قال تعالى  : { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } [ يونس : 84 ] ، وعيسى عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ المائدة : 52 ]  ، فالدين واحد ، يشمل إسلام الوجه لله في كل أمر ، وهذا هو أول الاخلاق وأعظمها في حق الله تعالى ، قال تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ النساء : 65 ] ، و قال تعالى : { إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ، و قال تعالى : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ، إذن الدين عند الله تعالى واحد ، يشمل إسلام الوجه لله في كل أمر ، ومعناه : الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة دون اعتراض ، وهذا هو أول الاخلاق وأعظمها في حق الله تعالى ، ومن تحقق بهذا الخلق فقد برئ من الكفر والشرك والفسوق والعصيان ، وقد تأهل لمنازل الإيمان والإحسان ،  والإسلام الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا دين واحد من حيث اتفاقه على عقيدة التوحيد وإفراد الله عز وجل بالعبادة ومن حيث اتفاقه على طاعة ذلك الرسول ومتابعته في كيفية تلك العبادة ومن حيث المبادئ الأساسية في العقائد والتوحيد وأصول الأخلاق وأصول التشريع وبيان الكبائر والمحرمات ، ولكنه يختلف سعة وشمولا وفق رسالة الرسول ويختلف تشريعا من رسول إلى أخر وفق حاجات قومه وعصره وما يصلحه ،  ومن الأمور الأساسية التي اتفقت عليها دعوات الأنبياء : ( أ ) الأمر الأول :  جميعهم – صلى الله عليهم وسلم – جاءوا بعقيدة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة ، والكفر بكل ما يعبد من دون الله ، قال تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } [النحل: 36] ،  وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ  } [الأنبياء: 25] ،  فكلهم بلا استثناء دعوا أقوامهم ومن أرسلوا إليهم إلى إسلام الوجه لله  وإفراده بالعبادة على النحو الذي شرعه لهم، قال تعالى - عن نوح عليه السلام - : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ الأعراف : 59 ] ، وقال تعالى - عن هود عليه السلام - : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ هود  : 50 ] ، وقال تعالى - عن صالح عليه السلام - : { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ هود : 61 ] ، وقال تعالى - عن شعيب عليه السلام - : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ هود : 84 ] ، وهكذا جميع رسل الله دعوا إلى الله، الى عبادته وحده، والتبرؤِ من عبادة ما سواه، قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [ النحل :  36 ] ، فرسل الله هم الدعاة إلى الله، وقد اختارهم الله لحمل دعوته وتبليغها الى الناس ، ( ب ) الأمر الثاني : كل الأنبياء والمرسلين أمروا الناس بطاعتهم وإتباعهم لكونهم رسل الله ولأنهم الطريق الأوحد إلى عبادة الله عبادة صحيحة مقبولة ، وفي ذلك يقول الله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ }  ، وقال تعالى - حكاية عن نوح عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه - : { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [ الشعراء : 106 إلى 108 ] ، وقال تعالى - حكاية عن هود عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه - : { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [ الشعراء : 124 إلى 126 ] ، وقال تعالى - حكاية عن صالح عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه - : { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [ الشعراء : 142 إلى 144 ]  ، وقال تعالى - حكاية عن لوط عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه - : { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [ الشعراء : 161 إلى 163 ] ، وقال تعالى - حكاية عن شعيب عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه - : { إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [ الشعراء : 177 إلى 179 ] ، ( ت  ) الأمر الثالث : جميع الرسل والمرسلين نادوا بالمبادئ الأساسية في العقائد وفي التشريع وفي الأخلاق تلك المبادئ الثابتة التي فيها في كل زمان ومكان صلاح الناس وفلاحهم في الدنيا والآخرة ، فجميعهم أمروا بالتوحيد ونهي عن الشرك ، وجميعهم أمر بتقوى الله وخشيته وتقوى ناره التي أعدها للعاصين من عباده ، وجميعهم أمر بطاعة الله ورسوله وكلهم نهى عن معصية الله ورسوله ، وجميعهم أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وجميعهم نهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وجميعهم عليهم السلام نهى عن المحرمات الأساسية التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنعام ، حيث حرم الله تعالى على البشرية جمعاء على طول عصرها على لسان الأنبياء محرمات أساسية :تتمثل في الشرك بالله في عبادته وطاعته وعقوق الوالدين وقتل الأولاد بسبب الفقر أو خشيته واقتراف الفواحش كلها ما ظهر منها وما بطن وقتل النفس التي حرم الله بغير حق ، وأكل مال اليتيم بغير وجه حق وتطفيف الكيل والميزان والظلم ، وإتباع السبل الأخرى التي تبعد عن طاعة الله ، وفي ذلك يقول الله تعالى : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }  [ الأنعام : 151- 153 ] ،  والإسلام الذي بُعث به الأنبياء والمرسلون واحد من حيث الأصول ، ولكنّه مختلف من حيث السعة والأحكام والتشريع : إنّ التشريع الذي جاء به أولئك الرسل كانت تختلف أحكامه أحيانا في حيث التحريم والحظر والإباحة والفروض والواجبات والنواهي والمحرمات ، وكذلك كانت تختلف الرسالة سعة وشمولا من نبي إلى آخر فقد كانت رسالة موسى عليه السلام بما سبقتها من الرسالات قال تعالى : { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ }  ، وعيسى عليه السلام أرسل إلى بني إسرائيل مصدقا لتوراة موسى عليه السلام ، وليحل لهم بعض ما كان حراما عليهم في شريعة موسى عليه السلام ،  قال تعالى - على لسان عيسى عليه السلام - : { وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } ، لقد تدرج التشريع سعة وشمولا وأحكاما حتى وصل إلى منتهاه الأسمى وكمال الرباني الأعلى متمثلا في دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم الذي أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة ورضي دينه الذي جاء به من عند ربه عز وجل ، قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة ] ، وجعله تفصيلاٍ لكل شيء ، وتبياناً لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة ، قال تعالى : { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ يوسف : 111 ] ، وقال تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [ النحل : 89 ] ،  والإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة يعني الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والطاعة لله رب العالمين وحده لا شريك له ولا يكون ذلك الانقياد ولا تلك الطاعة إلا من طريق واحد هو طريق متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية عبادة الله وطاعته وإسلام الوجه له وحده ، ودين الإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة يعني : ذلك النظام الكامل الذي يذعن في العبد ويسلم وجهه إلى ربه وخالقه وإلهه وحده لا شريك له ويعبده وحده لا شريك له ويعطي له حقوق الحكم والتشريع والأمر والنهي والحظر والإباحة ، ويستسلم لأمره وينقاد لطاعته ويسير وفق شرعه ، ولا يعلم هذا النظام الكامل إلا من خلال رسوله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، فيتبعه على دينه وشرعه ويفرده صلى الله عليه وسلم من جهة التلقي لشرع الله ودينه الذي لا يقبل من العباد جميعا بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة دينا سواه ومن يبتغ غيره  دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ،   وهذا المعنى الشامل للإسلام يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله –وقد سمع بدعوته صلى الله عليه وسلم –لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله، وإلا فهو الكافر حقا ، وأعد الله تعالى للكافرين عذابا مهينا ، والأدلة على ذلك واضحة بينه : قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ،  يقول النووي في شرح الحديث : ( وقوله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الامه أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه المدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى ) أهـــ  [ شرح النووي على صحيح مسلم ج2 ص 188] ، فكل من سمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به من عند الله عز وجل عقيدة وتشريعا فهو من أهل النار وبئس المصير ، وعلى ذلك فالدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله عز وجل ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } [  آل عمران : 19 ] ، وهو الدين الذي لا يقبل من الناس جميعا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه ، قال تعالى :  { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، ذلك الدين الذي أكمله الله عز وجل وأتم به على الإنسانية جمعاء النعمة ورضيه لعباده جميعا دينا لا يقبل منهم سواه { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] ،  [ فائدة ] : جاء في الحديث المتفق على صحته : قوله : صلى الله عليه وسلم : (( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم رمضان و حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا )) [ متفق عليه ] ، وجاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور الذي أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وفيه (( وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام  ، فقال له : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ، قال : " صدقت " ، فعجبنا له يسأله ويصدقه ، )) [ أخرجه مسلم ] ، ومنه نعلم أن أركان الإسلام التي يجب أن يتحلى بها ويتحقق بها كل مسلم خمسة : الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، إنّ أدنى الواجب الذي ينبغي أن يحلى به المسلم : (  الأمر الأول  ) تحقيق ما تصح به الشهادتان ، من النطق بهما مع التصديق القلبي الجازم لمفهومها ومعناها وعدم الإتيان بشي من نواقضها التي تخرج من الدين بالكلية  ، أما التحقيق الأوفى لمعاني الشهادتين ( قولا وعملا واعتقادا ) فهذا من أعلى شعب الإيمان وصفات المحسنين ،   ( الأمر الثاني ) :  تحقيق ما تصح به الصلاة من شروط وأركان ، أما تحقيق الصلاة وإتقانها والخشوع التام فيها والاقبال عليها والمحافظة على متمماتها فذلك من أعظم درجات الإيمان وهو من شعب مرتبة الإيمان ، قال تعالى{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ,,, إلى قوله تعالى :  وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  } [ سورة المؤمنون ]  ، ( الأمر الثالث ) إيتاء فرض الزكاة على الأموال والزروع والثمار والأنعام متى تحققت شروطها على مالكها ، أما إنفاق المال على حبه ذوي قربه واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وغيرها من وجوه البر فهذا من أعالي درجات المتقين ، ( الأمر الرابع ) : صيام شهر رمضان بما تصح به فريضة الصيام ، أما إتقان الصيام ، والصوم عن محارم الله ، والمتابعة بين الصيام ، وصيام النافلة ، فهذا من أعالي درجات مرتبة المحسنين  ، ( الأمر الخامس ) أداء فريضة الحج مرة واحدة للمستطيع إليه سبيلا بما يصح به حجه من أعمال وأحكام شرعية .أما تحقيق الحج بتحقيق أعماله والكف عن الرفث والفسوق والجدال فيه فذلك الحج المبرور الذي ليس له ثواب إلا الجنة ، وأما المتابعة بين الحج والعمرة والمداومة على ذلك وتحقيق أعماله فهو من شعب مرتبة الإحسان ودرجاتها ، وبعد فتلك هي حدود الإسلام وأركانه ، والواقف على تلك الأركان لا يتعداها ولا يزيد عليها فهو وإن كان من عباد الله المسلمين الذين اصطفاهم الله عز وجل لدينه الحق إلا انه ظالم لنفسه وذلك لأن بدين الإسلام فرائض وواجبات يجب أن تؤدى وبه محرمات ونواهي يجب أن تجتنب ، والظالم لنفسه مفرط في بعض تلك الفرائض والواجبات وواقع في بعض المحرمات وهو الى مشيئة الله عز وجل إن شاء الله عذبه بها في الدنيا أو في الآخرة وإن شاء غفر الله تعالى له، ولكنه لقيامه بأركان الدين مسلم معه أصل الإيمان ، إن مات على إسلامه ، لا يخلد في النار فمآله إلى الجنة برحمة الله وفضله وكرمه ، أما التفريط في حق أركان الإسلام الخمسة ذاتها فالحذر كل الحذر منه لأنها الأعمدة التي لا يستقيم بناء الإسلام إلا عليها  ،  الركن الأول ( الشهادتان ) لا مجال إلى التفريط فيه لأنه باب الإسلام الأوحد ، وأمّـا التفريط في الأركان العملية الأربعة ( الصلاة والزكاة والصيام والحج لمن استطاع إليه سبيلا ) فهو أعظم من الكبائر والمحرمات وعواقبه وخيمة ، ولهذا جاء في الشرع ما يدل على أنّ ترك هذه الأركان ليس بمثابة الفسوق والعصيان ، وإنما هو أعلى وأخطر من ذلك ، ولهذا أطلقت الشريعة على تاركها لفظ الكفر ، ولفظ الكفر بمجرده خطير لأنه أشد من ألفاظ الوعيد الأخرى كالفسوق والعصيان ، وهو كفر في إطار الملة لمن حافظ على شهادة التوحيد واعتقدها وما أصعب ذلك لتارك هذه الأركان العملية الأربعة لأن الإيمان إن لم يزد فهو عرضه للنقصان ، وأصل الإيمان ( الإقرار بالتوحيد واعتقاده ) لو نقص لصار صاحبه إلى الكفر الأكبر وخاتمة السوء وسوء العاقبة نسأل الله السلامة ، لذا الحذر الحذر من التفريط في هذه الأركان وأهمها على الإطلاق الصلاة لأنها صلة العبد بربه التي تمد الإيمان بما يمثل له عنصر البقاء ، والمفرط في هذه الأركان الأربعة لاسيما الصلاة ) على خطر عظيم لتفريطه في حرم الشهادتين ومن حام حول الحمى ، يوشـك أن يقـع فيـه ، فليحذر المغرور من التفريط في هذه الأركان ( الصلاة والزكاة والصيام والحج ) والتي هي بمثابة الحرم الحصين لشهادة التوحيد ، اللهم ارزقنا التوحيد والإسلام والإيمان ، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (( نحن أمة أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله ،  فلا اعتزاز إلا بالإسلام ولا انتماء إلا إلى الإسلام ، ولله در القائل :  ( أبي الإسلام لا أب لي سواه * * * إذا افتخروا بقيس أو تميم ) ، اللهم إنك رضيت لنا بالإسلام دينا : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } ، اللهم إنا رضينا بك ربا ورضينا بالإسلام دينا ورضينا بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ،  اللهم اجعلنا من عبادك المسلمين ، اللهم أحيينا مسلمين وأمتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الخامس :   أخلاق المسلم مع الله  : خلق الإيمان الصادق بالله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الرابع من أخلاق المسلم مع الله : الإيمان بالله :  والإيمان في اللغة : هو التصديق والاطمئنان  ، والإيمان في الشرع : هو التصديق والاطمئنان لكل ما أخبر به الله ورسوله أنه حق وصدق ، ومعنى الإيمان : أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق وهو الرب لا رب غيره وهو المعبود بحق لا معبود سواه ، انه لا إله إلا هو ، وضده الكفر : وهو الإنكار والجحود والتكذيب ، وخلق الإيمان هو من أعظم الاخلاق في حق الله تعالى ، فمن تحقق بهذا الخلق فقد برئ من الكفر والشرك والفسوق والعصيان ، واستحق الجنة لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، والإيمان : قول وعمل ، وادعاء وبينة ، ويقين في القلب يظهر أثره على الجوارح بالطاعة والامتثال وأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات ، وغالب أوامر ونواهي القرآن الكريم تدخل في إطار الأمر بتحقيق هذه المرتبة ولذلك كانت تبدأ بنداء المولى سبحانه { يا أيها الذين آمنوا } ، وهذا الإيمان الواجب هو الذي مدح الله تعالى أصحابه ووعدهم به الجنة ابتداء وبشرهم بالفضل الكبير والمكانة الصادقة ، وأصحاب الإيمان الحق هم المقصودون  بالثناء المطلق  على إيمانهم كما في قوله تعالى : { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيرا } [ الأحزاب : 47 ]  وقوله تعالى : { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك الفوز العظيم } [ التوبة : 72 ] ، وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَ‍قًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا  } [ النساء : 122 ] ، وللإيمان الصادق دلائل عظيمة ، قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ الأنفال : 1 إلى 4 ] ، فلا يتحقق خلق الإيمان الصادق إلا لهؤلاء المؤمنين الذين إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  ، وقال تعالى - في بيان دلائل الإيمان الصادق - : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ الأنفال : 74 ] ، فلا يبلغ خلق الإيمان الصادق إلا من هاجر معاصي الله وأطاع الله ، وجاهد نفسه وغيره في سبيل الله ، ولا يبلغ خلق الإيمان الصادق إلا من نصر دين الله ، فمن اتصف بهذه الأخلاق فأُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ، وقال تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [ الحجرات : 14 ، 15 ] ، فلا يبلغ المسلم خلق الإيمان الصادق حتى يحقق شروط الآيات من اليقين في الله تعالى وفي رسوله ، ومن التفاني والتضحية من أجل دين الله تعالى :  { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } ،  وقال تعالى : { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، فلا يبلغ المسلم خلق الإيمان الصادق حتى يحقق شروط الآيات الدالة على صدق الإيمان ، فلا يؤمن بآيات الله تعالى حقا وصدق كما جاء في شرط الآية : { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } ،  وللإيمان شعب متفاوتة ، بهذا صحت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم   : فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم قال : (( الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان )) . وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الإيمان بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان )) . وأخرج مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم    (( الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان )) ، والشعب هي خصال الإيمان وهي بمثابة أغصان الشجرة وهو تشبيه من النبي صلى الله عليه وسلم للإيمان بالشجرة وخصال الإيمان بمثابة أغصان لتلك الشجرة ولمّا كانت الشجرة لا تثمر إلاّ في وجود أغصانها فكذلك الإيمان لا يأتي بثماره المرجوة منه إلاّ إذا توافرت شعب الإيمان وخصاله ، وكلما زادت الشعب زاد الإيمان وارتقى وعلت درجته كما أن الشجرة كلما ازدادت أغصانها  ازدادت ثمارها ،  والحياء هو صفة في النفس تحمل النفس على فعل الخيرات وترك القبيح الذي يُذم فاعله ويُعاب ، والمتتبـع لآيـات القـرآن الكـريم وأحاديـث النبي صلى الله عليه وسلم حـول بـاب الإيمـان يجـد تلك الشعب واضحة للعيان ، فمـن الآيـات الجامعـات الدالة على شعب الإيمان الواجب وصفات المؤمنين أصحاب مرتبة الإيمان الواجب : قال تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما  }  .وقال تعالى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً   }  [ الأحزاب : 36 ] ، وقال تعالى :  { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } [ آل عمران : 28 ] . وقال تعالى :  { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } [ المجادلة : 22 ] . وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئـك هـم الظالمـون }  [ التوبة : 23 ] ، وقال الله تعالى { وأطيعـوا الله ورسولـه إن كنتـم مؤمنـين}  [ الأنفال : 1 ] ، وقال تعالى  { والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين }   [ التوبة : 12 ] ، وقال تعالى    { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } [ النور : 51-52 ] وقال تعالى  { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } [ النساء : 59 ] ، وقال الله تعالى  { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم } [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقـون}  [ الحجرات : 15 ] ، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم   الدالة على شعب الإيمان الواجبة وصفات المؤمنين : قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) أخرجه البخاري . وقوله صلى الله عليه وسلم   : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعيـن )) البخاري .وقوله صلى الله عليه وسلم   : (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكـره أن يقـذف في النار )) البخاري ، وقوله صلى الله عليه وسلم   : (( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان )) مسلـم .وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار )) البخاري .وقوله صلى الله عليه وسلم   عندما مر على رجل في الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء : (( دعه فإن الحياء من الإيمان )) البخاري ، وقوله صلى الله عليه وسلم   : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكـرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكـرم ضيفـه )) مسلم  ، وقوله صلى الله عليه وسلم   : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقـل خـيراً أو ليصمت )) مسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم   :(( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) مسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم   : (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلاّ كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) مسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم   : (( لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم )) أخرجه مسلم  ، وقوله صلى الله عليه وسلم   : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )) [  متفق عليه ] ،  أي لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان ، وذلك لأنّ إجماع أهل الحق ( أهل السنّة والجماعة ) على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أهل الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك ، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم ، وإن ماتوا مصرين على الكبيرة كانوا في المشيئة، إن شاء الله عفا عنهم وأدخلهم الجنة ابتداء ، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة ،   و نعمة الإيمان  : من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على المؤمنين ،  فإنّ الله تعالى قد تكفل للمؤمنين بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَو أُنثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ النحل : 97 ] ، هذه الحياة الطبية في الدنيا، أما في الآخرة فله المساكن الطيبة في جنات عدن قال سبحانه : { وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ الصف : 12] ، وللإيمان ثمار يانعة ونتائج طيبة يجنيها المؤمن في الحياة الدنيا، من أهم هذه الثمار :  الهداية للحق : قال الله تعالى : { وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الحج : 47 ] ، الحياة الطيبة : قال الله تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } [ النحل : 97 ] ، والولاية : قال تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا } [ البقرة : 256 ] ، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى } [ محمد : 11 ] ، والرزق الطيب : قال تعالى : { وَلَو أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } [ الأعراف : 96 ] ، والعزة : قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [ المنافقون : 8 ] ، والنصر على الأعداء، قال تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم : 47 ] ، وقال تعالى : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }[ غافر : 51 ] ، فهذه بشارة لأهل الإيمان بالنصر على الأعداء ، والله تعالى يتولى الدفاع عنهم ، قال سبحانه :  { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوا } [ الحج : 38 ] ، وعدم تسليط الكافرين : قال تعالى : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } [ النساء : 141 ] ، والتمكين والاستخلاف في الأرض : قال تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا } [ النور : 55 ] ، فهذه جملة من ثمار الإيمان في الحياة الدنيا ، وللإيمان في الحياة الآخرة ثمرات ينالها المؤمن بما قدمه في الحياة الدنيا من عمل صالح ، ومن هذه الثمرات : الخاتمة الحسنة : قال تعالى : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ النحل : 32 ] ، وقال سبحانه : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } [ فصلت : 30-31 ] ، والتثبيت عند السؤال في القبر : قال تعالى : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } [ إبراهيم : 27 ] ،  والنور الذي يكشف الطريق الموصلة إلى الجنة :  قال تعالى : { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ الحديد : 12 ] ،  وحصول الاهتداء الكامل والأمن التام لأهله في الدنيا والآخرة : قال سبحانه : { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [ الأنعام : 82 ] ، [ فائدة ] :  للإيمـان أركان ستـة ، هي بمثابة الأصول التي تندرج تحتها كافة مسائـل الإيمـان وجوانبـه ، وهذه الأركان الستة لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم   ، ومن جحد شيئاً من هذه الأصول بعدما أقيمت عليه الحجة والبلاغ خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين ، وهذه الأركان الستة هي : الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة ، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر ، والأدلة على هذه الأركان الستة كثيرة منها : قوله – صلى الله عليه وسلم : وقد سئل عن الإيمان – وذلك في حديث جبريل المشهور – (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره )) [ أخرجه مسلم ] ،  [[ الركن الأول من أركان الإيمان ]] : الإيمان بالله : وأنّه لا إله إلا الله : وهو أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأنه ( لا إله إلا الله ) وأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء  ، لا تدركه الحواس ، ولا يقاس بالناس ، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ، ولا تجرى عليه الآفات ، ولا تحل به العاهات ، وكل ما خطر بالبال ، أو تصور بالوهم ، فالله بخلاف ذلك لا يشبهه شيء ولا يُشبه شيء ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ، وهو على كل شيء قدير ، أد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،  لا اله إلا هو ، ولا رب سواه ، ولا معبود بحق إلا هو ، ( لا إله إلا هو  ) ، الأول بلا ابتداء ، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء ، وليس بعده شيء ، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، الرحمن على العرش استوى ، وهو قريب من كل شيء ، وقاهر لكل شيء  ، وهو الكبير المتعال ، وهو الواحد القهار ، وهو الحي القيوم ، لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ،  لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ،  يعجز العقل المخلوق المحدود عن معرفة كنه ذاته ، ولا الإحاطة بصفاته ، لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وله الصفات العلا ، لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا هو ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ،  وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ  لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا هو رب العالمين ، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين ، ولا مالك لا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين ، ولا مهيمن ، ولا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا هو ، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ، ولا معبود بحق سواه ، ولا تصرف العبودية إلا إليه ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، والركن الثاني من أركان الإيمان  : الإيمان بالملائكة : الإيمان بالملائكة : وهو التصديق الجازم بأن لله ملائكة موجودين، مخلوقين من نور، وأنهم عباد مكرمون يسبحون الله في الليل والنهار لا يفترون، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ثم أنهم ليسوا كالبشر، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناسلون وأنهم قائمون بوظائف متنوعة أوكل الله تعالى إليهم القيام بها ، والركن الثالث من أركان الإيمان : الإيمان بالكتب : وهي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله رحمة وهداية للناس ، والإيمان بها يعني الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى أنزل كتبا على رسله إلى أقوامهم ، وهي التوراة أنزلت على نبي الله موسى عليه السلام ، والإنجيل أنزل على نبي الله عيسى عليه السلام ، والزبور أنزل على نبي الله داود عليه السلام ، وصحف إبراهيم وموسى عليهما السلام ، وأن هذه الكتب قد حوت عقيدة التوحيد الخالص لله تعالى ، إضافة إلى تشريعات خاصة بكل أمة ،  وقد حُرفت جميع تلك الكتب ونُسخت بالقرآن الكريم الكتاب المحفوظ الناسخ المهيمن على الكتب السابقة جميعا ، قال تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ } [ المائدة : 48 ] ، والركن الرابع من أركان الإيمان : الإيمان بالرسل الكرام : الإيمان الجازم بكل نبي ورسول عُرفت نبوته ورسالته عن طريق القرآن الكريم أو السنة الصحيحة إجمالاً وتفصيلاً. فمن عرف منهم بأسمائهم آمنا بهم بأعيانهم على التفصيل ومن لم يعرف منهم بأسمائهم آمنا بهم على سبيل الإجمال دون أن ننكر نبوةَ أو رسالةَ أحدٍ منهم ، كما في قوله تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ  مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [ البقرة : 285 ] ، والرسل بشر :  تلحقهم جميع خصائص البشر من المرض والموت والحاجة إلى الطعام ، ولكنهم بشر يوحى إليهم ، يمتازون عن البشر بالنبوة والرسالة ، كما في قوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [ الكهف : 110 ] ،  وليس لهم من خصائص الربوبية أو الألوهية شيءٌ ، كما في قوله تعالى : { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 80 ] ، ولا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله ، كما قال تعالى : { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ  أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ الأعراف : 188 ] ، ولكنهم أتقى الناس وأعبد الناس وأصدق الناس وأشجع الناس وأكرم الناس وأرحم الناس بالناس ،  وأتقى الناس ، من أهم صفاتهم الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة ، منزهون عن الكبائر ورذائل الأخلاق ، معصومون عن الخطأ في التبليغ ، ولا تفريق بين أحد من الرسل من حيث الصدق والعصمة وتبليغ الرسالة : وهذا كما في قوله تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ  مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [ البقرة : 285 ] ، والكفر بواحد منهم كفر بهم جميعا، كما قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا } [ النساء : 151] ،  وبعض الرسل أفضل من بعض في الفضل والمكانة وعدد الأتباع والمعجزات ، وأفضلهم الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أولي العزم من الرسل ، كما في قوله تعالى : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } [ البقرة : 253 ] ، وبعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد ( لا إله إلا الله ) إلا بإضافة شهادة الإتباع ( أشهد أن محمد رسول الله ) وإفراد الطريق إلى الله  باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه ، فقد أخرج مسلم في باب وجوب الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم : قوله صلى الله عليه وسلم ((  والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار )) [  أخرجه مسلم في باب وجوب الإيمان برسالة النبي – صلى الله عليه وسلم ] ، ويعلق النووي على هذا الحديث بقوله : ( وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور وهذا جاء على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح والله أعلم ، وقوله – صلى الله عليه وسلم " لا يسمع بي أحد من هذه الأمة " أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته وإنما ذكر اليهود والنصارى تنبيهاً على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى والله أعلم )  [  صحيح مسلم بشرح النووي ج1 ص 188 ] ، والركن الخامس من أركان الإيمان : الإيمان باليوم الآخر :  واليوم الآخر : هو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء. وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم ، ويشتمل الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالحياة البرزخية في القبر ، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه ، والإيمان بيوم القيامة ، وما يسبقه من علامات الساعة وأشراطها الصغرى والكبرى ، والإيمان بما يكون في اليوم الآخر من أهوال واختلاف أحوال ، وما يكون فيه من الحساب والنشر وتطاير الصحف ونصب الموازيين يوم القيامة والمرور على الصراط ، والإيمان بما يكون بعده  من الجنّة ونعيمها للمؤمنين الأبرار ، والنار وجحيمها للمشركين والكفار والأشرار ، والركن السادس من أركان الإيمان : الإيمان بالقدر : والمراد به الإقرار بأن الله تعالى علم كل شيء وكتب مقادير كل شيء، وكل شيء بإرادته ومشيئته وأنه خالق كل شيء. يخلق ما يشاء فعّال لما يريد، ما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، بيده ملكوت كل شيء، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير. يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، خلق الخلق، وقدر أعمالهم وأرزاقهم وحياتهم وموتهم ، والخير والشر مقدران على العباد، ولم يكلف الله العباد إلا ما يطيقون، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، أي لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله سبحانه، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله ، وكما أن المسبَّبات من قدر الله الذي فرغ منه ، فكذلك أسبابها أيضاً من قدر الله الذي فرغ منه ، والإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لجبريل حين سأله عن الإيمان ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( الإيمان : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره )) [ أخرجه مسلم ] ، والإيمان بالقدر ركن ركين من أركان الإيمان لا يصح الإيمان بدونه ، اللهم ارزقنا الإيمان ، والتخلق بأخلاق الإيمان ،  أخرج الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ )) [ سنن الترمذي ، ح 2638  ] ،   ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة ، والجنة لا يدخلها إلا عبد مؤمن ، قال صلى الله عليه وسلم :  (( لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة )) [ متفق عليه ] ، بالإيمان ينال العبد جنةً عرضها كعرض السماء والأرض  ، قال تعالى : { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [ الحديد : 21 ] ،  ولكن ليس الإيمان بالتمني ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ، قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } ، وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } ، وقال تعالى : { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، وقال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ، وقال تعالى : { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } ، وقد ذكر المفسرون أن البر هو الإيمان ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ )) ، ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ )) ، ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ )) ، ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى )) ، ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ))، إذن : ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقَر في القلب وصدَّقته الأعمال ،  للإيمان أركان لا يصح الإيمان إلا بها ، وللإيمان شعب لا يتم إلا بها ، الإيمان : قول وعمل ، وادعاء وبينة ، ويقين في القلب يظهر أثره على الجوارح بالطاعة والامتثال وأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات ، ، قال صلى الله عليه وسلم : ((ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم رَسُولًا )) ، وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام : ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )) ، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين ،  اللهم ارزقنا الإيمان حقا وصدقا ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من عبادك الراشدين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

         

الدرس السادس : أخلاق المسلم مع الله : خلق الإحسان في عبادة الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الخامس من أخلاق المسلم مع الله : الإحسان في عبادة الله : والإحْسَان في اللغة ضِدُّ الإساءة ، وأحسن أي جاء بفعل حسن   ، ومعنى الإحْسَان اصطلاحًا:    الإحسان في عبادة الخالق : بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه ، وخلق الإحسان هو الجِدُّ في القيام بحقوق الله على وجه الإتقان والكمال والتمام ، إذن خلق الإحسان هو من أجل وأعلى أخلاق المسلم مع الله عز وجل ، ويتمثل في إحسـان أعمال القلب ، وإحسـان أعمال اللسان ، وإحسـان أعمـال الجـوارح ، والحرص على التقرب إلى الله بكل فضيلة حتى يُنعم الله تعالى عليه بأخلاق المحسنين ،  ومن تحقق بهذه الأخلاق فقد حاز محبة الله ومعية الله ، قال تعالى :{ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [سورة البقرة : 195 ]، وقال تعالى : {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } [سورة النحل : 128 ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }[سورة العنكبوت : 69 ] ،  والإحسان أعظم الأخلاق مع الله ، وقد جعله شرع الإسلام أعلى مراتب الدين ، لقـوله تعـالى : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }[ فاطر : 32 ] ويسميها العلماء كذلك مرتبة المقربين لقوله تعالى : {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ *أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ  * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ }[ الواقعة : 10 - 12 ] ، وهي مرتبة المشاهدة واليقين في الله ، لما جاء في حديث جبريل عليه السلام في صحيح مسلم ، (( فأخبرني عن الإحسان ؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) [ أخرجه مسلم ]  ، فأول الإحسان المراقبة لقوله صلى الله عليه وسلم (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ويرتقى المحسن في منازل المراقبة حتى يبلغ مرتبة المشاهدة وهي كما قال صلى الله عليه وسلم (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الدين ، وهي مرتبة الصديقين والسابقين والمقربين والمسارعين إلى عمل الخيرات والمتنافسين في القرب من رب العباد ونيل رضوانه . وهي مرتبة العارفين بالله السالكين طريقه الخائفين من مقامه وعذابه والطامعين في رضوانه والراجين لرحمته . وهي مرتبة القوامين بالليل الصوامين بالنهار المجاهدين في سبيل الله لا تأخذهم فيه لومة لائم . وهي مرتبة الدعاة إلى الله السالكين نهج النبي صلى  الله عليه وسلم الحاملين دعوته إلى الناس جميعاً . وهي مرتبة أئمة العلماء العاملين وأئمة المحتسبين والمجاهدين وجميع المسارعين في الخيرات المتنافسين في مرضاة الرحمن ، وحدود مرتبة الإحسان : مرتبة الإحسان هي مرتبة الإيمان الكامل المستحب الجامع لكافة شعب الإيمان بأصله وفرعه ، وعلى ذلك فالإحسان إتمام الإيمان الواجب ثم الزيادة عليه بأداء النوافل والسنن والمندوبات والتنـزه عن المكروهات والشبهات وهو إحسان الاعتقاد والعمل وتصويبه وإخلاصه وإتقانه ابتغاء مرضاة الله ، ولمرتبة الإحسان درجات عظيمة متفاوتة تبدأ بالمراقبة وهي تُعلم من قوله صلى الله عليه وسلم (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ويندرج المحسن في منازلها حتى يبلغ مرتبة المشاهدة وهي كما قال صلى الله عليه وسلم (( أن تعبد الله كأنك تراه )) . فالمراقبة تكون بمراقبة الله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة مع اليقين الدائم بأن الله يراك في كل حين فتحسن العمـل وتخلصـه وتتقنـه لله . ويدرج المحسن بعد ذلك في منازل الإحسان عن طريق إتقان مقامات القلوب من التوبة والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا وإحسان أعمال القلوب من التقوى والمحبة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والصبر والشكر والتقوى . وعن طريق العبادات والقربات والطاعات من الصلاة والصيام والصدقة والإنفاق والقيام وتلاوة القرآن ، وعن طريق التنـزه عن المكروهات فضلاً عن المحرمات ، واتقاء الشبهات واجتناب الصغائر فضلاً عن الموبقات ، فبإحسـان أعمال القلب ، وبإحسـان أعمال اللسان ، وبإحسـان أعمـال الجـوارح لا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يُنعم عليه بالصعود في منازل الإحسان وأعلى تلك المنازل منزلة المشاهدة وهي (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، وهذه منزلة أهل اليقين بالله ،  و [ مراتب اليقين ثلاثة ]  :  ( علم اليقين ) و ( عين اليقين ) و ( حق اليقين )  وهذه المراتب ذُكرت في القرآن الكريم ، قال تعالى  - في سورة التكاثر - : { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } ، فها هنا  ( علم اليقين ) و ( عين اليقين )  ، وأشار القرآن الكريم إلى (حق اليقين ) في سورة الواقعة ، فقال تعالى : { وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } ، وفي سورة الحاقة  فقال تعالى  : { وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ }  ، ( علم اليقين ) هو الخبر الموثوق  ، ثم  ( عين اليقين ) المشاهدة العيانية للحدث  ، ثم  ( حق اليقين ) وهي أن تعيش الحدث بنفسك وتتلمس تفاصيله بشكلٍ مباشر  ، فاليقين على ثلاث مراتب بعضها فوق بعض  ، فأدنى مراتب اليقين هي  : ( علم اليقين )  ،  وفوقه ( عين اليقين )  ، وأعلى المراتب هي  : ( حق اليقين )  ، فعلم اليقين  : هو التصديق الكامل الجازم الذي لا تردد فيه  ، بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة ، ولا ريب بحالٍ من الأحوال ،  فإذا زاد اليقين ، يصير بمنزلة المُشَاهِد له فلا يشك فيه أبداً  ، وذلك كعلمنا بالجنة : بوجودها ونعيمها كما أخبرنا الله عز وجل ، فنعلم أنها دار المتقين ، ومقر المؤمنين ، فهذه مرتبة علم اليقين  ، ثم إذا كان اليوم الآخر ، ورأينا الجنة بأعيننا ، فإن هذه المرتبة هي مرتبة عين اليقين  ، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وتمتعوا بنعيمها ، فهذه : مرتبة حق اليقين : حين يكون أهل الجنة في وسطها ، فهم في هذا الحال قد بلغوا مرتبة حق اليقين ،   ( فائدة ) : الفرق بين ( علم اليقين ) وبين ( عين اليقين ) هو الفرق بين العلم بالشيء وبين المشاهدة  لهذا الشيء ، والمشاهدة أقوى ، ولذلك لا يجزئ  المسلم في شهادة التوحيد أن يقول ( أعلم أنه لا إله إلا الله ) فإن الشهادة أقوى وأعظم وأعلى مرتبة من العلم ، ( أشهد أن لا إله إلا الله ) أي أرى وأعلم و أجزم وأوقن أنه لا إله إلا الله ، ومنه قوله تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ } [ أخرجه  أحمد  : ح 1745 ]  ، و ( فائدة أخرى ) :   إبراهيم الخليل عليه السلام طلب من الله تعالى مقام المشاهدة (عين اليقين ) ، أراد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين ، فيرى ذلك بأم عينه ،  لينضم إلى المعرفة الإيمانية المجردة المعرفة اليقينية المشاهدة ،  كما جاء في سورة البقرة : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة : 260 ] ،  فأخذ أربعة أنواع من الطير فذبحهن وقطعهن ، وفرق أجزاءها على الجبال ثم دعاهن فأحياهن الله تعالى وأتينه سعيا ، فحصل على عين اليقين ، وأما خير خلق الله كلهم ، النبي صلى الله عليه فقد بلغ أعلى درجات اليقين  ( حق اليقين ) ، لأنّه صلى الله عليه وسلم في معجزة المعراج رأى بعينه الجنَّة والنَّار ، ورأى بعض أهلها فحصل له حقُّ اليقين ، إذن : مقام ( علم اليقين ) هو مقام عموم أهل الإسلام  ، ومقام (عين اليقين ) هو مقام أهل الإحسان (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، وأهل الإحسان هم أهل المشاهدة ( عين اليقين بالله تعالى ) ، اقترب عندهم علم اليقين في الله تعالى من عين اليقين ففتح الله تعالى عليهم من أنواع القربى والمعرفة وأعمال القلوب ما شاء ، ومهما وصل العبد في القربى من الله ، وفي المعرفة والعلم وفي العبادة والطاعة ففيه تقصير ، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابين . وأهل مرتبة الإحسان السابقون بالخيرات ، قد يُقصّر أحدهم في أوراده العبادية أو العلمية أو العملية فيكون ذلك في حقهم تقصير ، وكما قيل( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) ، وقد يكون منهم اللمم الذي وعدهم الله عليه المغفرة بقوله :  {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [ النجم : 32 ] ، ولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأسوة والقدوة ، فقد كان  صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة ، وفي اليوم والليلة أكثر من مائة مرة . وحاشى لله أن يكون لرسول الله  صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذنب لله رب العالمين . حاشى لله أن يكون له ذنوب وخطايا من جنس ذنوبنا وخطايانا ، بل هو من باب فضل الله العظيم على الرسول صلى الله عليه وسلم وطاقة البشر المحدودة فيكون الاستغفار بموجب عظم النعمة التي منَّ الله تعالى بها على رسوله صلى الله عليه وسلم، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأل جهداً في عبادة الله فهو أعبد الناس وأشكرهم وأحمدهم لله رب العالمين ، ولذلك كانت المغفرة من الله تعالى له لكون ذلك الشكر خارج عن مقدور الخلق وجهدهم فمن من الخلق يستطيع القيام بحق الربوبية والألوهية وشكر الذات والأسماء والصفات والأفعال وهذه لا يقدرها قدرها إلاّ الله جل وعلا فهي فوق طاقة الخلق إلاّ أن أعظمهم شكراً لتلك الحقوق هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان استغفاره صلى الله عليه وسلم لعلمه بأن القيام بشكر الذات والأسماء والصفات والأفعال والقيام بحق الربوبية والألوهية هو فوق مقدور الخلق ، وقد كان صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه جل وعلا صلى الله وسلم عليه وآله وصحبه أجمعين صلاة وتسليماً دائمين مضاعفين متناميين إلى يوم الديــن ، و الإحسان من أعلى مقامات الدين ، وأجر المحسنين عظيم ،  للمحسنين محبة الله :  قال تعالى : { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ، وقال تعالى : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }  ، ورحمة الله قريب من المحسنين : قال تعالى : { وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } ،  والله تعالى وعد المحسنين بالزيادة ، قال تعالى : { سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } ، ومعيه الله تعالى لعباده المحسنين ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ  } ، والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ  }  ،  و قال تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ  } ، وقال في حق أنبيائه عليهم السلام : {  إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } ، وقال في حق يوسف عليه السلام : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ  } ، وقال في حق موسى عليه السلام : { ) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ  } ، وقال في حق نبيه المصطفى : { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ، وخاطبه سبحانه بقوله تعالى : { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } ، وقال في حق المتقين من اوليائه : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * } ، وقال تعالى : { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ  } ، وقال تعالى – في بيان فضل الإحسان : { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا } ، وقال تعالى : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } ،  وقال تعالى – في صفات المحسنين : { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *  فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ }  ، وطالب الإحسان لابد له من زاد على طريق الإحسان ، وأهم ذلك الزاد العلم الشرعي الصحيح ، والآداب العالية ، والتربية الحميدة ، ( أ ) العلم الشرعي الصحيح : قال الله تعالى : {إنَّما يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [فاطر : 28] ، وقال تعالى : {هل يستوي الذين يعلمونَ والذين لا يعلمونَ} [الزمر : 9] ، وقال تعالى : {يَرفعِ اللهُ الذين آمنوا مِنكم والذينَ أوتوا العلمَ درجاتٍ}[المجادلة : 11] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لَتَضَعُ أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع )) [رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه في كتاب العلم] ، إن المسلم السائر في طريق الإحسان ، لا بد قبل ذلك أن يكون قد صحح إيمانه ، وقام بجميع عباداته المفروضة واستقام في معاملاته ، ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم الصحيح ، ( ب ) الآداب الربانية ، فقد اتفق المربون الربانيون على أن من لا أدبَ له لا سيرَ له في طريق الإحسان ، ومن لا سيرَ له لا وصولَ له إلى مرتبة المشاهدة ، وأن صاحب الأدب يَبلغ في قليل من الزمن مبلغَ الرجال ، وأهم الأدب أدب المسلم مع الله ، وهو أساس الأدب ورأسه ، فأول آداب المسلم مع الله تعالى : توحيده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته لخلقه وإفراده بجميع انواع الطاعة , والإتيان بروح التوحيد , وهو التوكل على الله حق التوكل, وثاني تلك الآداب : اداء ما أوجب الله على عبده من جميع انواع العبادة ، واجتناب جميع المعاصي ، وثالثها : مراقبة الله في السر كما يراقبه في العلن ، ثم الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتضمن تقديم محبته صلى الله عليه وسلم على محبة النفس وكل الناس ، والصلاة والسلام عليه كل وقت صلى الله عليه وسلم ، وتعظيمه إذا ذكر أو ذكرت سنته صلى الله عليه وسلم ، ثم الأدب مع العلماء والصالحين ، ثم الأدب مع الوالدين وذوي القربى والفضل وجميع الناس ، والإحسان من أعلى مقامات الدين ، وطالب الإحسان لابد له من المجاهدة في ذات الله تعالى للنفس والشيطان والدنيا والهوى ، و ( المجاهدة ) : استفراغ الوسع في مدافعة الأعداء ، والأعداء كثيرون منهم الظاهر ومنهم الباطن ، وأشدهم خطراً أقربهم إليك وألصقهم بك : أربعة هم : النفس والشيطان والدنيا والهوى ثم العدو الظاهر كالكافر والمنافق والمبتدع والعاصي ، وجميع الأعداء وجب جهادهم حق الجهاد لقوله تعالى : {وجاهدوا في الله حقَّ جِهادِهِ} [الحج : 78] وقوله : {وجاهدوا بأموالِكُم وأنفُسِكم في سبيل الله} [التوبة : 41] ، وقد ضمن الله تعالى للصادقين المجاهدين في ذات الله تعالى بالهداية ، قال تعالى : {والذينَ جاهَدوا فينا لنَهديَنَّهم سُبُلَنا وإن الله لمع المحسنين } [العنكبوت : 69] ،   وأول المجاهدات مجاهدة الشيطان في ذات الله تعالى : قال تعالى : { إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواً إنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [فاطر : 6 ] ، وقوله تعالى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [ يس : 60 ] ، ومن رحمة الله تعالى بنا أن جعل كيد الشيطان ضعيفاً على كل مؤمن يستعين على عداوته بالله ، قال تعالى : {إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} [النساء : 76] ، والمنهج التربوي لمجاهدة الشيطان يتمثل في ( أ ) المداومة على ذكر الله تعالى ، بعمل ورد ثابت من الذكر على مدار اليوم ، وذكر الرحمن سبحانه أعظم سلاح لمقاومة الشيطان : والدليل على ذلك قوله تعالى : {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [ الزخرف : 36 ]؛ ( ت ) والاستعانة عليه بالتوبة ، والتوبة من الذنوب تضعف وسوسة الشيطان ، قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ...} [ آل عمران : 155] ؛ فالذنب سبب من أسباب استزلال الشيطان للإنسان ومن ثم يضعف الإنسان في المقاومة ، والتوبة من الذنوب تضعف وسوسة الشيطان ، ( ث ) والاستعاذة بالله تعالى من الشيطان عند كل أمر ، فالاستعاذة هي السلاح الرباني لمواجهة نزغات الشيطان ووسوسته ، وبها أمر الله تعالى : {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [ الأعراف : 200 ] ، ( ج ) ولزوم الصحبة الصالحة : فهي التي تأخذ بيدك إلى الله ، وتدلك على الخير حيث كان ، وتردك عن الشر وهي أكثر ما يؤذي الشيطان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد )) ، وثاني المجاهدات مجاهدة النفس في ذات الله تعالى وتزكيتها ، وإذا كان الشيطان هو العدو الأول الذي بارز الإنسان العداء ، فإن العدو الحقيقي الأكبر والأصعب للإنسان هو نفسه التي لا تفارقه لحظة من لحظات عمره ، وإذا كان كيد الشيطان للإنسان المؤمن ضعيف كما قال تعالى  : { إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} ، فإن كيد النفس ووسوستها للإنسان عظيمة ، قال تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } ، وقال تعالى : { إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، [ يوسف : 53 ] ، إن مجاهدة النفس من أصعب أنواع الجهاد وأشقها على العبد فإن النفس أمارة بالسوء ، سريعة التأثر عند المصائب وعند الغضب وعند الشهوة وعند الشبهة ، وتحتاج إلى صبر وجهاد كي يبعدها الإنسان عن الشهوات والشبهات المحرمة وكي يخضعها لطاعة الله جل جلاله ، ، فهذا الجهاد دائم ومستمر مع العبد ، لا ينفك عنه لحظة ما دامت نفسه بين جنبيه ، ولهذا قال الله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا  } [ الشمس : 9 ، 10 ] وقال صلى الله عليه وسلم (( الْمُجَاهِدُ من جَاهَدَ نَفْسَهُ في طَاعَةِ اللَّهِ عز وجل )) [ أخرجه الإمام أحمد في المسند(6 : 22) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح : 549 ] ، جهاد النفس هو المركز الأول في جهاد جميع الأعداء بعدها ، بل لو نظرنا إلى أكثر الجرائم لوجدنا أن وراءها النفس كما في قوله تعالى { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ سورة المائدة : 30 ] ، وعلى ذلك  فالشيطان عدو خطر ، ولكن النفس أخطر بكثير ، فإن الشيطان كما قال تعالى : { إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} ، ولكن النفس يظل سلطانها على البدن إلى موت الإنسان ، إلا أن للنفس ميزة أنها إذا جاهدتها في الله تعالى تتحول من نفس أمارة بالسوء إلى نفس مطمئنة راضية ، فتتحول من أعظم عدو يحجز الإنسان عن طاعة الله تعالى إلى أعظم موصل إليه وذلك أن النفس حينما تكون أمَّارة بالسوء لا تتلذذ إلا بالمعاصي والمخالفات ، ولكنها بعد مجاهدتها وتزكيتها تصبح راضية مرضية لا تُسَرُّ إلا بالطاعات والاستئناس بالله تعالى ، قال تعالى : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي } ، وكجاهدة النفس حتى تبلغ هذا المبلغ طريق طويل لا يقوى عليه إلا أهل الإحسان ، وهو يشتمل على خمسة مراحل ،  أول مرحلة في مجاهدة النفس في ذات الله تعالى : بمعنى ( عدم رضى المرء عن نفسه ) ، وإيمانُه بأنها أمارة بالسوء ، وعلمه بأنها أكبر قاطع عن الله تعالى ، قال تعالى : { إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ  } ، فإذا عرف المسلم ذلك أقبل على نفسه يفطمها عن شهواتها المنحرفة وعاداتها الناقصة ، ويلزمها بتطبيق الطاعات والقربات ويستعين بالله تعالى على نفسه الأمارة بالسوء ، قال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } ، وقال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } ،  وثاني مرحلة في مجاهدة النفس : ( التخلية الظاهرة ) ومعناها التخلي عن المعاصي الظاهرة ، والمقصود بها التدرج في المجاهدة والابتداء بالتخلي عن المعاصي التي تتعلق بجوارحه السبعة ، وهي : اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج ، فيتخلى عن معاصي اللسان من الغيبة النميمة والكذب وشهادة الزور ، ويتخلى عن معاصي الأذنان من سماع الفواحش والمعاصي والمعازف والغناء المحرم واللهو واللغو ، ويتخلى عن معاصي العينان من النظر إلى ما حرم الله ، ويتخلى عن معاصي اليدان من السرقة والبطش والغلول والرشوة ، ويتخلى عن معاصي الرجلان من المشي إلى الحرام ، ويتخلى عن معاصي البطن من أكل الحرام ، ويتخلى عن معاصي الفرج من الزنا والفاحشة ومقدماتها ، وثالث مرحلة في مجاهدة النفس : ( التحلية الظاهرة ) ومعناها التحلي بالطاعات الظاهرة والباطنة ، والمقصود بها أن  يحلي المسلم هذه الجوارح السبعة ( اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج  ) بالطاعات المناسبة لكل منها ، يتحلى بطاعات اللسان من قراءة القرآن وذكر الله وقول الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويتحلى بطاعات الأذنين من سماع القرآن والعلم ، ويتحلى بطاعات العينين من النظر إلى القرآن والنظر في كتب العلم والنظر إلى الوالدين ، ويتحلى بطاعات اليدين من الصدقات والطاعات ، ويتحلى بطاعات الرجلين من المشي إلى المساجد والوقوف بين يدي الله ، ويتحلى بطاعات البطن من أكل الحلال ، ويتحلى بطاعات الفرج من العفة والستر ، وغيرها من الطاعات والقربات ،   فهذه الجوارح السبعة منافذ على القلب إما أن تصب عليه ظلمات المعاصي فتكدره وتمرضه ، وإما أن تُدخل عليه أنوار الطاعات فتشفيه وتنوره ، ورابع مرحلة في مجاهدة النفس : ( التخلية الباطنة ) ومعناها التخلي عن معاصي القلب كالكبر والرياء والغضب والحقد والحسد ، وخامس مرحلة في مجاهدة النفس : ( التحلية الباطنة ) ومعناها تحلية القلب بصفات القلب السليم :  كالتواضع والإخلاص والحِلم والحب والرغبة والرهبة والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضا والتوكل ، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها ، وثالث المجاهدات في طريق الإحسان مجاهدة الدنيا في ذات الله تعالى ، فالدنيا والاهتمام بها وانشغال القلب بتقلباتها قاطع كبير عن الله تعالى ، ومجاهدة الدنيا يكون بالزهد فيها والحث على التقلل منها ، عملا بقوله تعالى : { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ، كمثل غيث أعجب الكفار نباته ، ثم يهيج فتراه مصفراً ، ثم يكون حطاماً ، وفي الآخرة عذاب شديد ، ومغفرة من اللَّه ورضوان ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } ، وقوله تعالى : { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ، ذلك متاع الحياة الدنيا ، والله عنده حسن المآب } ، وقوله تعالى : { يا أيها الناس إن وعد اللَّه حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : ((  إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُم مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِن زَهْرَةِ الدُّنيَا وَزيَنتهَا )) [ متفقٌ عيه] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كُنْ في الدُّنْيا كأَنَّكَ غريبٌ ، أَوْ عَابِرُ سبيلٍ )) [ أخرجه البخاري ] ، ورابع المجاهدات في طريق الإحسان مجاهدة الهوى في ذات الله تعالى ، ومجاهدة الهوى من أوجب الواجبات ، ولقد حذرنا القرآن الكريم في ستة مواضع عن إتباع الهوى وعبادته من دون الله وجعل إتباعه من أضل الضلال ، منها قوله تعالى : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ الجاثية : 23 ] ، وقوله تعالى : { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا } [ الفرقان : 43 ] ، وقوله تعالى : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ القصص : 50 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [ الكهف : 28 ] ، والهوى هو كل ما تهواه النفس وتعشقه مما يغضب الله ويبعد عن طريقه ، والهوى يعمي ويصم ، ولذلك كانت مجاهدته أعسر من مجاهدة النفس ، لأن مجاهدة النفس تشمل حملها على فعل الطاعات عامة و حملها على اجتناب المحرمات والشهوات المحرمة عامة ، ولكن الهوى هو نقطة الضعف داخل النفس البشرية ، وهي تختلف من نفس إلى أخرى ، ومتى تمكنت من الإنسان عبدها من دون الله ، ولذلك كان طاعة الهوى عبادة من دون الله لأن الهوى يتمكن من قلب الإنسان وعقله وكل مفاصله وعروقه ، ولما كانت مجاهدة النفس تستلزم مجاهدة الهوى ، كان كل ما يتعلق بمجاهدة النفس من مخالفتها وتخليتها من دسائسها الظاهرة والباطنة ، وتحليتها بفضائل الأخلاق الظاهرة والباطنة ، يتعلق بمجاهدة الهوى ، ولكن مع مزيد التركيز على مخالفة الهوى الذي قد يعبد من دون الله تعالى ، والإحسان من أعلى مقامات الدين ، وطالب الإحسان لابد له من المداومة على ذكر الله تعالى ، و ( الذكر ) هو الركن المكين الذي يأوي اليه الطالب الصادق لمرتبة الإحسان ، وهو أساس الدرجات جميعها ، وهو علامة الصدق والمحبة ، ومن خصائص الذكر أن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً ، ثم عذر أهلها في حال العذر ، غير الذكر ؛ فإنه لم يجعل له حداً ينتهي إليه ، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله ، وأمرهم بذكره في الأحوال كلها ، فقال عز من قائل : {فاذكُروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جُنُوبِكُم} [النساء : 103]. وقال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب : 41] أي بالليل والنهار ، وفي البر والبحر ، والسفر والحضر ، والغنى والفقر ، وفي الصحة والسقم ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال ،  ( أ ) دليل الذكر من الكتاب : قوله تعالى : {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة : 152] ، وقوله تعالى : {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم} [ آل عمران : 191 ] ، وقوله تعالى  : {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسَبِّحُوه بكرةً وأصيلاً } [ الأحزاب : 41 ، 42 ] ، وقوله تعالى : { واذكرْ ربَّك كثيراً وسبِّحْ بالعشي والإبكار) [آل عمران : 41] ، وقوله تعالى  : { الذين آمنوا وتطمئِنُّ قُلوبُهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } [الرعد : 28] ، وقوله تعالى  : {واذكُرِ اسمَ ربِّكَ بُكرَةً وأصيلاً} [الدهر : 25 ] ، وقوله تعالى : { واذكر اسم ربِّك وتبتَّل إليه تبتيلاً} [المزمل : 8] ، وقوله تعالى : { وَلَذِكرُ الله أكبرُ} [العنكبوت : 45] ، ، وقوله تعالى  : { فإذا قضيتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبِكُم} [النساء : 103] ، وقوله تعالى  : { فإذا قُضيتِ الصلاةُ فانتَشروا في الأرضِ وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلَّكُم تُفلحون} [الجمعة : 10] ، وقوله تعالى  : { رِجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ} [النور : 37] ، وقوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا تُلهِكُم أموالُكم ولا أولادُكم عن ذكر الله } [ المنافقون : 9 ] ، وقوله تعالى  : {والذاكرين الله كثيراً والذاكراتِ أعدّ اللهُ لهُم مغفِرَةً وأجراً عظيماً } [ الأحزاب : 35] ،  إن الطريق إلى الإحسان طويل وعر وشاق لا يسلكه إلا الرجال الصادقون ولا يصل إلى منازله العليا ولا إلى أخلاقه العظيمة إلا المحسنون ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس السابع : أخلاق المسلم مع الله : خلق تقوى الله تعالى 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق السادس من أخلاق المسلم مع الله :  تقوى الله : التقوى هي الخوف من الجليل سبحانه وهي العمل بالتنزيل وهي الاستعداد للرحيل ، وقد أمر الله تعالى بها على أكمل وجه ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  } [ آل عمران:102] ، وحق تقاته : أن يُطاع فلا يُعصى وأن يُذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً  } [ الأحزاب:70-71 ] ، وقال سبحانه : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ الحشر:18] ،  فقد أمر الله جميع الخلق بخلق التقوى قال تعالى : { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ } [ النساء:131] ،  وقال سبحانه : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [ النساء:1] ،  وأمر به المؤمنين خصوصاً كما في الآيات التي سمعتم بعضاً منها وأمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } [ الأحزاب:1] ،  وأخبر سبحانه أن التقوى هي خير الزاد للآخرة قال تعالى : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } [ البقرة:197] ،  والتقوى مقياس التفاضل بين البشر قال تعالى : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  } ،  ومعنى التقوى كما قال بعض السلف : { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران:102] ،  أن يُطاع فلا يُعصى وأن يُذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر هذا معنى { حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران:102] ،  ولا شك أن الإنسان عرضة للخطأ وعرضة للمخالفات، أنزل الله سبحانه وتعالى بعدها قوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن:16] ، فمن اتقى الله على حسب استطاعته فقد اتقاه حق تقاته وهذا تيسير من الله وتخفيف على عباده ، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد للرحيل فمن فعل ذلك فقد اتقى الله حق تقاته، الخوف من الجليل وهو الله سبحانه وتعالى، والعمل بالتنزيل وهو الكتاب والسنة، والاستعداد للرحيل من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة وذلك بالعمل الصالح، وهذا كما في قوله تعالى : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } [ البقرة :197] ،  ما أعظم عاقبة التقوى ، قالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } أي : ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ ) وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه ( يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ) أي : يجعل له من أي ضائقة تصيبه وتلم به مخرجاً ، ومن كل كرب وضيق فرجا ، ( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) أي : ييسر له أسباب الرزق من حيث لا يشعر ولا يعلم ، ومن حيث لا يخطر بباله قال تعالى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } ،   وقد رتب اللّه على التقوى من خير الدنيا والآخرة شيئاً كثيراً ، قال تَعَالَى : { إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ، الأول : الفرقان : وهو العلم والهدى الذي يفرق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة ، الثاني : تكفير السيئات، والثالث : مغفرة الذنوب، والرابع : الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقاه وآثر رضاه على هوى نفسه ( وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم ) ، وتفاضل الناس عند الله تعالى إنما يكون بميزان التقوى ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } ، فأكرمهم عند الله أتقاهم ، وهو أكثرهم طاعة وانكفافًا عن المعاصي ، وللتقوى فضائل كثيرة :  منها : أنها خير زاد  ، قال تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) ، وأنها خير لباس ، قال تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) ، وأنها سبب لقبول الأعمال ، قال تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )  ، وأنها سبب لتيسير الأمور ، قال تعالى ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) ، ومنها أنّ العاقبة لأهل التقوى ، قال تعالى ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ، وأنها سبب في دخول الجنة ، قال تعالى ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ، وقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) ، وأنها سبب لتكفير السيئات ، قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)  ، وأنها سبب لحصول البشرى لهم ،  قال تعالى  (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا) ، وأنها سبب للفوز والهداية : قال تعالى  (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) ، وأنها سبب للنجاة يوم القيامة ، قال تعالى  (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) ، وأنها من أسباب الرحمة : قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ ) ، وأنها من أسباب ولاية الله ، قال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ )  ، و أنها سبب لمحبة الله ، قال تعالى (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) ، وأن بها ينال العبد معية الله  ، قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) ، [[ ما هي أهم صفات المتقين ]] : إن للمتقين صفات وأعمال نالوا بها السعادة في الدنيا والآخرة ، ومن هذه الصفات على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي :  قال الله تعالى: { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } [ البقرة : 1 إلى 4 ] ، ونجد في هذه الآيات من صفات المتقين : الإيمان بالغيب ، وإقام الصلاة ، والإنفاق الواجب والمستحب في جميع طرق الخير ، الإيمان بالقرآن والكتب المنزلة السابقة ، والإيقان والإيمان الكامل بالآخرة، واليقين هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك ، ومن اتصف بهذه الصفات كان من المتقين ، وقال الله تعالى: { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْـمَشْرِقِ وَالْـمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْـمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْـمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْـمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْـمُتَّقُونَ } [ البقرة : 177 ] ، وفي هذه الآية الكريمة بيّن الله تعالى كثيراً من صفات المتقين ، من الإيمان بالله تعالى ، والإيمان باليوم الآخر ، والإيمان بالملائكة ، والإيمان بالكتب التي أنزل الله تعالى ، والإيمان بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وإعطاء المال، للأقرباء ، واليتامى ، والمساكين ، والمسافرين ، والسائلين ، وإعتاق الرقاب ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والوفاء بالعهد ، والصبر في الفقر ، والمرض ، ووقت قتال الأعداء ، والصدق في الأقوال، والأفعال، والأحوال ، فهؤلاء الذين عملوا هذه الأعمال هم الذين صدقوا في إيمانهم ؛ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْـمُتَّقُونَ ، وقال الله تعالى بعد أن بيّن أن الشهوات زُيِّنت للناس من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ، قال تعالى بعد ذلك : { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ*  الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْـمُنفِقِينَ وَالْـمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ }  [ آل عمران : 15 إلى 17 ] ، بينت الآيات صفات كريمة من صفات المتقين { لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ  } منها : التوسّل إلى الله تعالى بالإيمان به { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا } ، ومنها : طلب المغفرة من الله تعالى : { فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } ، ثم طلبهم من الله تعالى الوقاية من عذاب النار : { وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } ، ثم الصبر على طاعة الله وعن محارم الله، وعلى أقدار الله المؤلمة ، والصدق في الأقوال والأعمال والأحوال ، والقنوت الذي هو دوام الطاعة مع الخشوع ، والإنفاق في سبيل الخيرات على الفقراء وأهل الحاجات ، والاستغفار خصوصاً وقت الأسحار ؛ { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْـمُنفِقِينَ وَالْـمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } ، فهؤلاء هم المتقون ، وتلك هي صفات أهل التقوى ، وقال الله تعالى: { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }  [ آل عمران : 133 إلى 136 ] ،  في هذه الآيات أعمال عظيمة وصفات كريمة لأهل التقوى ، ذكرها الله تعالى بعد أن أمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي أعدها للمتقين، وهذه الصفات على النحو الآتي:  الإنفاق : في العسر واليسر، والشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض : { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ } ، ومن صفاتهم كظم الغيظ وعدم إظهاره ، والصبر على مقابلة المسيء إليهم ، فلا ينتقمون منه ، العفو عن كل من أساء إليهم بقول أو فعل { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ } ، ثم من أهم صفاتهم : المبادرة للتوبة والاستغفار عند عمل السيئات الكبيرة والصغيرة ، { إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله } ، ومن أهم صفاتهم عدم الإصرار على الذنوب والاستمرار عليها ،بل تابوا عن قريب ، { وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، ثم بيّن الله تعالى جزاء المتقين :  مغفرة من ربهم وجنات فيها من النعيم المقيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر : { أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } ، وقال الله تعالى :  { إِنَّ الْـمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْـمَحْرُومِ }  [ الذاريات : 15 إلى 19 ] ، في هذه الآيات أعمال عظيمة من أعمال المتقين، وصفات كريمة من صفات المتقين ، منها :  الإحسان في عبادة الله ، والإحسان إلى عباد الله : { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } ، ومن أهم صفاتهم : صلاة الليل الدالة على الإخلاص : { كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } ، ومن أهم صفاتهم : الاستغفار بالأسحار قبيل الفجر ، { وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } ، ومن أهم صفاتهم : الإنفاق على المحتاجين : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْـمَحْرُومِ } ، هذه صفات المتقين الذين استحقوا قوله تعالى : { إِنَّ الْـمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } ،  [ ما هي أهمية التقوى ؟ ]  :  أن كلمة الإخلاص ( لا إله إلا الله ) تسمى كلمة التقوى : قال تعالى : { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } [ الفتح : 26 ] ، و ( التقوى ) : أمر الله بها عباده عامة وأمر بها المؤمنين خاصة : قال تعالى : { يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ } [ النحل : 2 ] ، وقال تعالى : {  وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون : 52 ] ، وقال تعالى : { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ } [ الزمر : 16 ] ، ، و ( التقوى ) : وصية الأنبياء لقومهم :  { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ } [ الشعراء : 106 ] ، وقال تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ } [ الشعراء : 124 ] ، وقال تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ } [ الشعراء : 142 ] ، وقال تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ } [ الشعراء : 161 ] ، وقال تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ } [ الشعراء : 177 ] ، وقال تعالى : { وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ العنكبوت : 16 ] ،  [ ما هو الطريق الموصل إلى التقوى ؟ ] : هذا الطريق أوضحه القرآن الكريم في آيات عديدة منها قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 21 ] ، فعبادة الله تعالى وحده هي الطريق إلى التقوى ، والعبادة هي الغاية من خلق الإنسان ، قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، يقول الفقهاء  : ( العبادات في الإسلام معللة بمصالح الخلق ) وأهم المصالح تحقيق تقوى الله لأنّ بها الفوز والفلاح بالدنيا والآخرة ، ومنها قوله تعالى :   { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 183] ، فالصيام طريق إلى تقوى الله ، والصيام وسيلة لحصول التقوى ، الله عز وجل فرض الصيام على الإنسان من أجل التقوى ، والصيام مدرسة لتعلم التقوى ، فالصيام يكسر شهوة البطن والفرج وهما شر كل بلية ، والصيام يربي الإنسان على التحكم بغرائزه وشهواته ، وتسييرها كما يريد الشرع ، والصيام يربي الإنسان على الصبر : الصبر على الطاعة ، والصبر عن المعصية ، وبالصيام يتعلم المسلم كيف يقهر نفسه وهواه ؛ لأن طاعة النفس والهوى أساس المعاصي و الذنوب ، فما عُصي الله إلاّ بطاعة الهوى ، فجاء الصيام ليدرب المسلم على ترك ما تهواه نفسه وتنازعه عليه، وعلى أن يقهر نفسه ،  والصيام فيه الإحساس بحاجة الفقير والمحتاج ، وفيه الحث على الصدقة ، والصيام يربي في النفس التعلق بالله والرجوع إليه والالتجاء إليه وحده ؛ ولذلك كان الصيام طريق إلى تقوى الله ،  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }فمن صام الصيام الشرعي وحفظ جوارحه من خدش الصيام ، وأدرك بقلبه وجوارحه معاني الصوم فقد عاش التقوى وتحققت له التقوى ،  ومن الطرق الموصلة إلى التقوى : قوة التمسك بالكتاب والسنّة واتباع ما جاء فيهما من شرع الله وأمره ونهيه ، والدليل على ذلك : قوله تعالى : { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  } [ تكرر في موضعين من القرآن الكريم الأول في سورة البقرة آية (171)  ، والثاني في سورة الأعراف آية (63) ، والأمر الرباني يدبنا على أنّ حصول التقوى متوقف على شدة التمسك بالكتاب والسنّة واتباع ما جاء فيهما من شرع الله ، { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  }  ، ومن الطرق الموصلة إلى التقوى : تطبيق شرع الله تعالى في حياة البشر ، والدليل على ذلك : قوله تعالى :  { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  } [ البقرة : 179 ] ، وهي تدلنا على أنّ تحقيق التقوى إنما يكون بتطبيق شرع الله تعالى في حياة البشر ، ، ومن الطرق الموصلة إلى التقوى : اتباع الصراط المستقيم  ، والدليل على ذلك : قوله تعالى : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ الأنعام : 153 ] ، وهي تدلنا على أنّ اتباع الصراط المستقيم هو الطريق إلى التقوى ، والصراط المستقيم هو ما جاء به الكتاب وما دل عليه هدي الرسول صلى الله عليه سلم ، قال تعالى : { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [ الأنعام : 161 إلى 163 ] ، وهو الصراط المتمثل في عبادة الله تعالى وحده وإفراده بالعبادة والطاعة ، قال تعالى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ  } [ يس : 60 ، 61 ] ، واتباع الصراط المستقيم يقتضي الدخول في سائر تعاليم الإسلام ، بامتثال أوامر الله تعالى في كتابه الكريم ، والاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم في سنته وهديه ،  كما في قوله تعالى : { أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، واتباع الصراط المستقيم يقتضي البراءة من اتباع ما سوى ذلك من سبل ، لأن فيها كفرا أو فسوقا أو عصيانا ، وذلك كله يؤول إلى تمزيق وحدة المسلمين ،  فالصراط المستقيم واحد ، والباطل سبل متعددة وأصناف متنوعة ، ومذاهب وفرق وملل ونحل ضالة باطلة ، قال تعالى : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ، [ أيها الأخ الحبيب في الله ] : إنّ تقوى الله تجعلك أكرم الناس ألا تحب أن تكون من أكرم الناس عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [ الحجرات : 13 ] ، وتقوى الله توصلك إلى محبته ، ألا تحب أن يحبك الله ، قال تعالى : { بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } [ آل عمران : 76 ] ، وتقوى الله توصلك إلى ولايته   : قال تعالى : { وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } [ الجاثية : 19 ] ، ألا تحب أن تكون من أولياء الله ، والله تعالى يقول : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ يونس : 62 إلى 64 ] ، وتقوى الله توصلك إلى معيته ،  وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ قال تعالى : {  إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } [ النحل : 128 ] ،  لا فلاح في الدنيا ولا فوز في الآخرة إلا بتقوى الله تعالى  ، قال تعالى : { وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 130 ] ، ولا يتحقق الشكر لله إلا بتقواه ، قال تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ آل عمران : 123 ] ، وقليل من عباد الله من حاز منزلة الشكر ، قال تعالى : { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [ سبأ : 13 ] ، اللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين ، اللهم اجعلنا من عبادك المتقين ، أيها الأخ الحبيب في الله : إن العاقبة في الدنيا والآخرة للمتقين  :قال تعالى : { إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [ لأعراف : 128   ] ، وقال تعالى : { ذلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } [ هود : 49 ] ، و قال تعالى : {   تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [ القصص : 83 ] ،  ألا تحب أيها الأخ الحبيب في الله أن تكون لك العاقبة في الدنيا والآخرة ، إنه خلق التقوى ، ذهبت التقوى بخيري الدنيا والآخرة ،  لعمرك ما السعادة جمعَ مال ولكن التقيَ هو السعيد وتقوى الله خير الزاد ذخراً وعند الله للأتقى مزيد ، فليكن أكثر ما يتخلق به المسلم خلق التقوى ، فإنه أعظم الأخلاق ،   اللهم اجعلنا من عبادك المتقين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثامن :  أخلاق المسلم مع الله : خلق التوبة إلى الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق السابع من أخلاق المسلم مع الله :  التوبة إلى الله : التوبة من أوجب أخلاق المسلم مع الله ، وهي أول أخلاق السائرين إلى الله ، وقد أمر الله تعالى بها جميع المؤمنين ، قال تعالى : {وتوبوا إلى اللهِ جميعاً أيُّها المؤمنونَ لعلَّكُم تُفلِحُونَ} [ النور : 31 ] ، وقال تعالى : {استغفروا ربَّكُمْ ثم توبوا إليهِ} [ هود : 52 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ التحريم : 8 ] ، وقد وصف الله تعالى بها أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [ هود : 112 ] ، وبها يُبدل الله تعالى سيئات المسلم حسنات ، قال تعالى : {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [ الفرقان : 70 ] ،  وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يجدد التوبة ويكرر الاستغفار تعليماً للأُمة وتشريعاً : أخرج مسلم قوله صلى الله عليه وسلم : (( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه ، فإني أتوبُ في اليوم مائة مرة )) [ أخرجه مسلم ] ، قال الإمام النووي : ( التوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي ، فلها ثلاثة شروط : أحدها : أن يقلع عن المعصية ، والثاني : أن يندم على فعلها ، والثالث : أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً ، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة : هذه الثلاثة ، وأن يبرأ من حق صاحبها. فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه ، وإن كان حدَّ قذفٍ ونحوه مكَّنه منه أو طلب عفوه ، وإن كانت غِيبة استحلَّه منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب ) [ "رياض الصالحين" ص10 ] ، والمؤمن الصادق لا ينظر إلى صغر الذنب ، بل ينظر إلى عظمة الرب ، اقتداءً بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قوله : ( إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إنْ كنا نعدُّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. قال أبو عبد الله : يعني بذلك المهلكات ) [ أخرجه البخاري ] ، والتوبة درجات أولها : التوبة من المعصية ، وأعظم منها أن يتوب من كل شيء يشغل قلبه عن الله تعالى ، وأعظم من ذلك كله أن يتوب من توبته القاصرة حياء من الله ، ولهذا قال بعض العارفين  : ( شتان بين تائب وتائب ،  وتائب  ،  فتائب يتوب من الذنوب والسيئات ، وتائب يتوب من الزلل والغفلات ، وتائب يتوب من رؤية الحسنات والطاعات ) [ "الرسالة القشيرية" باب التوبة ص47 ] ، والتوبة من أخلاق المتقين ، قال تعالى : {إنَّ المتَّقينَ في جنَّاتٍ وعيونٍ . آخذينَ ما آتاهم ربُّهم إنَّهم كانوا قبلَ ذلك محسنينَ . كانوا قليلاً مِنَ الليل ما يهجعونَ . وبالأسحارِ هُمْ يستغفرونَ} [ الذاريات : 15ـ18 ] ، و [[ باب التوبة مفتوح ]] : فتح الله تعالى بمنه وكرمه باب التوبة لا يُغلق ما لم يغرغر المرء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ الله عز وجل يَقْبَلُ تَوبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ))؛ [ أخرجه الترمذي ، وَقالَ : حديث حسن  ] ، ( ما لم يغرغر ) ؛ والغرغرة هي الحشرجة عند وصول الروح إلى الحلقوم ، عندها يتيقن الإنسان أن الموت قد حل به ، فلا يُعتدُّ آنذاك بالتوبة لأنها توبة اضطرار ، قال تعالى:  { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا  } [ لنساء : 18 ] ، أما قبل ذلك فباب التوبة مفتوح ، والتوبة واجبة أمر الله تعالى بها ، ووعد بقبولها مهما عظمت الذنوب ، قال  تعالى  : { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ } [ الزمر : 54 ]  ، وقال  تعالى  : { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ } [ الشورى : 25 ]  ، وقال  تعالى  : { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً } [ النساء : 110 ]  ، وقال  تعالى في حق الضالين النصارى{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }  [ المائدة : 73 ]  ، ثم قال  تعالى محرضاً لهم على التوبة : { أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }  [ المائدة : 74 ]  ، وقال في حق أصحاب الأخدود الذي حفروا الحفر لتعذيب المؤمنين وتحريقهم بالنار : { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }  [ البروج : 10 ]  ، بل إنه تعالى حذَّر من القنوط من رحمته ، فقال : { قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر : 53 ]  ، [[ فضائل التوبة ]]  : للتوبة فضائل جمة ، وفوائد متعددة ، وبركات متنوعة ، فمن ذلك أن التوبة سبب الفلاح ، والفوز بسعادة الدارين  : قـال تعالى  : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ النور : 31 ]  ،  والتوبة تكفر السيئات  : فإذا تاب العبد توبة نصوحاً كفَّر الله بها جميع ذنوبه وخطاياه ، قال تعالى  : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } [ التحريم  : 8 ]  ، وبالتوبة تبدل السيئات حسنات : فإذا حسنت التوبة بدَّل الله سيئات صاحبها حسنات ، قال تعالى  : { إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } [ الفرقان : 70 ]  ، وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح ،   والتوبة سبب للمتاع الحسن ، ونزول الأمطار ، وزيادة القوة ، والإمداد بالأموال والبنين : قال تعالى  : { وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } [ هود : 3 ]  ، وقال تعالى على لسان هود عليه السلام : { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ }  [ هود : 52 ]  ، وقال على لسان نوح عليه السلام : { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً }  [ نوح : 10_12 ]  ، كما أنّ الله يحب التوبة والتوابين : فعبودية التوبة من أحب العبادة إلى الله وأكرمها  ، وللتائبين عنـده تعالى محبـة خاصـة ، قال تعالى  : { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [ البقرة : 222 ]  ،  والله تعالى يفرح بتوبة التائبين : قال صلى الله عليه وسلم : (( لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة ، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام نومة ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله ، قال : أرجع مكاني ، فرجع فنام نومًة ، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده )) [ متفق عليه ] ،  [[ والتوبـة النصـوح ]] : هـي الخالصـة ، الصادقـة ، الناصحـة ، الخاليـة من الشوائب ، والعلل ، وهي التي تكون من جميع الذنوب ، فلا تدع ذنبًا إلا تناولته ، وهي التي يجمع صاحبها العزم والصدق بكليته عليها ، فلا يبقى عنده تردد ، ولا تلوُّمٌ ، ولا انتظار ، وهي التي تقع لمحض خوف الله ، وخشيته ، والرغبة فيما لديه ، والرهبة مما عنده ، فمن كانت هذه حاله غفرت ذنوبه كلها ، وإذا حسنت توبته بدل الله سيئاته حسنات ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  } [ التحريم : 8 ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا } [ الفرقان : 68 إلى 71 ] ، و [[ وللتوبة أقسام ]] : التوبة تكون من حق الله ، وحق العباد ، فحق الله تعالى  يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم ، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك ، بل أضاف إليه الكفارة والقضاء ، أما حق غير الله فيحتاج إلى التحلل من المظالم ، فيه وإلى أداء الحقوق إلى مستحقيها ، وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض ، فليتحلَّلْه اليوم ، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات )) [ أخرجه البخاري ] ،  ومما يدخل في الحقوق والمظالم التي يجب التحلل منها ما يلي :  ( الحقوق المالية )  : كالسرقة والغصب والاختلاس ونحو ذلك يجب ردها كاملة ،  و ( الحقوق في الأبدان ) : التوبة منها أن يمكن التائبُ صاحبَ الحقّ من استيفاء حقه ، إما بالمال ، وإما بالقصاص ، و ( المظالم في الأعراض ) : إن كان الإخبار بها تترتب عليه مفاسد من فساد ذات البين وقطيعة الأرحام ، فالأولى عدم الإخبار  ، بل يكفي توبته بينه وبين الله ، ويستغفر لمن أخطأ في حقهم بقدر خطئه ، و ( المظالم العامة ) : التي يتضرر بسببها عموم الناس كالتلبس ببدعة فالتوبة في حق من يقوم بذلك أوجب ، فالواجب على هؤلاء أن يتوبوا إلى الله ، وتوبتهم تكون بالندم على ما فات ، وإظهار الندم ، وإعلان الخطأ ، والرجوعِ عنه ، والقيام بنشر الخير قدر المستطاع ، ، [[ ومن الأمور التي تعين المسلم على التوبة ]] : ( 1 ) الإخلاص لله ، والإقبال عليه تعالى : فالإخلاص لله أنفع الأدوية ، فإذا أخلص الإنسان لربه ، وصدق في طلب التوبة أعانه الله عليها ، قال الله تعالى  في حق يوسف : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ }  [ يوسف : 24 ]  ، فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور ، والتعلق بها ، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله ، ( 2 ) محبة الله ،  فالمحبة أعظم محركات القلوب ، فمن أحب الله حرص على طاعة الله ، قال تعالى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 31 ، 32 ] ، ( 3 ) المجاهدة في طاعة الله ومرضاة الله ، قال تعالى :  { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [ العنكبوت : 69 ]  ، ( 4 ) عبادة الدعاء ، فهي من أعظم الأسباب ، وأنفع الأدوية ، والدعاء عدو البلاء يدافعه ، ويعالجه ، ويمنع نزوله ، ويرفعه ، أو يخففه إذا نزل ، قال تعالى  : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ]  ،  [ ومن الأخطاء التي يقع فيها البعض مما يتعلق بالتوبة ] :  ( 1 ) ومن الأخطاء  : تأجيل التوبة : فمن الناس يسوف في التوبة ، وهذا خطير ، فإن العبد لا يعلم متى تكون ساعته ، قال تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) } [ الزمر : 53 إلى 58 ] ، فيجب على العبد أن يتوب من الذنب ، قبل أن تعاجله المنية وهو مصر على الذنب ، ولئلا تصير المعاصي راناً على قلبه ، والران لا يقبل المحو ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه ، فإذا تاب ونزع ، واستغفر صقل قلبه منها ، وإذا زاد زادت حتى يغلف قلبه؛ فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه : { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }  [ المطففين : 14 ] )) [ أخرجه أحمد 2/297، والترمذي (3334)، قال : حديث حسن صحيح ، والحاكم 2/562، وصححه وقال الذهبي على شرط مسلم ] ، ( 2 ) ومن الأخطاء  : ترك التوبة ؛ مخافة الرجوع للذنوب : فمن الناس من يرغب في التوبة ، ولكنه لا يبادر إليها ؛ مخافة أن يعاود الذنب مرة أخرى ، وهذا من تلبيس إبليس عليه ، فإن الله تعالى يفرح بتوبة العبد ، وعلى العبد أن يحسن ظنه بربه جل وعلا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( قال الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حيث ذكرني )) [ أخرجه مسلم (275) ] ، وأخرج مسلم كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ((  فيما يحكى عن ربه تعالى قال : إذا أذنب عبد ذنبًا فقال : اللهم اغفر لي ذنبي ، فقال تبارك و تعالى أذنب عبدي ذنبًا ، فعلم أن له ربَّـاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ، ثم عاد ، فأذنب ، فقال : أيْ ربّ اغفر لي ذنبي ، فقال تبارك و تعالى : عبدي أذنب ذنبا ً ، فعلم أن له ربَّـاً يغفر الذنب ، ويأخذ بالذنب ، ثم عاد ، فأذنب ذنباً فقال : أي ربِّ اغفر لي ، فقال تبارك و تعالى : أذنب عبدي ذنبًا ، فعلم أن له ربَّـاً يغفر الذنب ، ويأخذ بالذنب ، اعمل ما شئت؛ فقد غفرت لك [ أخرجه مسلم (2758) ] ، ومعنى ذلك : ما دمت تُبتلى بالذنب ، فتبادر إلى التوبة منه غفرت لك ، ( 3 ) ومن الأخطاء  : التمادي في الذنوب؛ اعتماداً على سعة رحمه الله : فمن الناس من يسرف في المعاصي ، فإذا زجر وليم على ذلك قال : إن الله غفور رحيم ، ولا ريب أن هذا الصنيع سفه ، وجهل ، وغرور؛ فرحمة الله قريب من المحسنين لا من المسيئين ، المفرطين المعاندين ، المصرين ، ثم إن الله تعالى مع عفوه ، وسعة رحمته شديد العقاب ، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ، قال تعالى  : { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *  وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ } [ الحجر : 49 ،50 ]  ، ( 4 ) ومن الأخطاء  : الاغترار بإمهال الله للمسيئين : فمن الناس من يسرف على نفسه بالمعاصي؛ فإذا نصح عنها ، وحُذِّر من عاقبتها قال : ما بالنا نرى أقواماً  قد امتلأت فجاجُ الأرض بمفاسدهم ، ومباذلهم ، وظلمهم ، وقتلهم الأنفس بغير الحق ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، وأكلهم الربا وقد نهو عنه ، ومع ذلك نراهم وقد درَّت عليهم الأرزاق ، وأنسئت لهم الآجال ، وهم يعيشون في رغد ونعيم بعيد المنال ؟ ولا ريب أن هذا القول لا يصدر إلا من جاهل بالله ، وبسننه تعالى ، فالله تعالى يعطي الدنيا من أحب ، ومن لا يحب؛ وهؤلاء المذكورون مُتَبَّرٌ ما هم فيه ، وباطل ما كانوا يعملون؛ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم؛ فما هذا الذي هم فيه من النعيم إلا استدراج ، وإمهال ، وإملاء من الله تعالى حتى إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ قوله تعالى  { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }  [ هود : 102 ]  )) [ متفق عليه : أخرجه البخاري (4686)، ومسلم (2583) ] ، ( 5 ) ومن الأخطاء  : اليأس من رحمة الله : فمن الناس من إذا أسرف على نفسه بالمعاصي ، أو تاب مرّة أو أكثر ثم عاد إلى الذنب مرة أخرى أيس من التوبة ، وظن أنه ممن كتب عليهم الشقاوة ؛ فاستمرّ في الذنوب ، وترك التوبة إلى غير رجعة ، وهذا ذنب عظيم ، وربما كان أعظم من الذنب الأصلي ، لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ؛ قال تعالى : {  وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [ يوسف : 87 ] ، فليجدد التوبة ، وليجاهد نفسه في ذات الله ، [[ ومن قصص التوبة في القرآن الكريم ]]  توبة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك ، وفيهم جاء قوله تعالى : { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [ التوبة : 118 ] ، لقد نزلت هذه الآيات عقب عودة النبي صلى الله علية وسلم من غزوة تبوك ، لقد غزا النبي صلى الله علية وسلم هذه الغزوة بنفسه ، وفرضه على القادرين من أصحابه ، فلا يتخلف إلا أهل الأعذار الشرعية ، وفعلا لم يتخلق سوى أهل الأعذار الشرعية ، أو أهل النفاق والعياذ بالله ، وتخلف ثلاثة آخرون من الصحابة  ( لم يكونوا من  أهل الأعذار الشرعية ، ولا من أهل النفاق ) وهؤلاء الثلاثة هم  : كعب بن مالك و مرارة بن ربيع و هلال ابن أبي أمية ، ورغم فداحة الذنب وعظمته لأنهم تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله علية وسلم ، إلا أنهم لتوبتهم الصادقة التي عبر عنها القرآن بقوله تعالى : { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } لتوبتهم الصادقة تجاوز الله عنهم وغفر لهم صنيعهم ، وخير من يحكي قصتهم هو أحدهم وهو كـعـب بـن مـالـك رضي الله عـنـه  ،  أخرج الـبخاري و مسلم : عـن كـعـب بـن مـالـك رضي الله عـنـه قـــال   :(( لـم أتـخـلـف عـن رسـول الله صلى الله عليه وسلم في غـزوة غـزاها إلا فـي غـزوة تـبـوك ، غـيـر أنـي كـنـت تـخـلـفـت فـي غـزوة بـدر ولـم يُـعـاتـب أحـدا تـخـلـف عـنـهـا ، إنـمـا خـرج رسـول الله صلى الله عليه وسلم يـريـد عِــيـرَ قـريـش حـتـى جـمـع الله بـيـنـهـم وبـيـن عـدوّهـم عـلـى غـيـر مـيـعـاد ، ولـقـد شـهـدت مـع رسـول الله صلى الله عليه وسلم لـيـلـة الـعـقـبـة حـيـن تـواثـقـنـا عـلـى الاسـلام ، ومـا أحـب أن لـي بـهـا مـشـهـد بـدر ، وإن كـانـت بـدر أذكـَـرَ فـي الـنـاس ، وكـان مـن خـبـري   : أنـي لـم أكـن قـط أقـوى ولا أيـسـر حـيـن تـخـلـّـفـت عـن رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـي تـلـك الـغـزوة ، والله مـا اجـتـمـعـت عـنـدي قـبـلـه راحـلـتـان قـط حـتـى جـمـعـتـهـمـا فـي تـلـك الـغـزوة ، ولـم يـكـن رسـول الله صلى الله عليه وسلم يـريـد غـزوة إلا وَرّى بـغـيـرهـا ، حـتـى كـانـت تـلـك الـغـزوة غـزاهـا فـي حـر شـديـد ، واسـتـقـبـل سـفـرًا بـعـيـدًا ومَـفـازًا وعـدوًا كـثـيـرًا ، فـجَـلـّى لـلـمـسـلـمـيـن أمـرهـم لـيـتـأهـبـوا أهـبـة غـزوهـم ، فـأخـبـرهـم بـوجـهـه الـذي يـريـد . والـمـسـلـمـون مـع رسـول الله صلى الله عليه وسلم كـثـيـر ولا يـجـمـعـهـم كـتـاب حـافـظ ... ( سجـل أو ديـوان ) ... فـمـا رجـل يـريـد أن يـتـغـيّـب إلا ظـن أن سـيـسـتـخـفـي لـه مـا لـم يـنـزل فـيـه وحـي الله  ، وغـزا رسـول الله صلى الله عليه وسلم تـلـك الـغـزوة حـيـن طـابـت الـثـمـار والـظـلال ، وتـجـهـز رسـول الله صلى الله عليه وسلم والـمـسـلـمـون مـعـه . فـشـرعـت أغـدو لـكـي أتـجـهـز مـعـهـم فـأرجـع ولـم أقـض شـيـئـا  ، فـأقـول فـي نـفـسـي : أنـا قـادر عـلـيـه ، فـلـم يـزل يُـتـمـادى بـي حـتـى اشـتـد بـالـنـاس الـجـدّ . فـأصـبـح رسـول الله صلى الله عليه وسلم والـمـسـلـمـون مـعـه ولـم أقـض مـن جَـهَـازي شـيـئـا ، فـقـلـت  :أتـجـهـز بـعـد يـوم أو يـومـيـن ، ثـم ألـحـقـهـم ، فـغـدوت بـعـد أن فــَصَـلـوا لأ تـجـهـز ، فـرجـعـت ولـم أقـض شـيـئـا ، ثـم غـدوت ، ثـم رجـعـت ولـم أقـض شـيـئـا . فـلـم يـزل بـي حـتـى أسـرعـوا وتـفـارط الـغـزو ، وهَـمَـمْـتُ أن أرتـحـل فـأدركـهـم ــ ولـيـتـنـي فـعـلـت ــ فـلـم يُـقـَدّر لـي ذلـك . فـكـنـت إذا خـرجـت فـي الـنـاس بـعـد خـروج رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـطــُـفــْتُ فـيـهـم ـ أحـزنـنـي أنـي لا أرى إلا رجـلا مـغـمـوصـا عـلـيـه الـنـفـاق ، أو رجـلا مـمـن عـذر الله مـن الـضـعـفـاء  ، ولـم يـذكـرنـي رسـول الله صلى الله عليه وسلم حـتـى بـلـغ تـبـوك . فـقـال وهـو جـالـس فـي الـقـوم بـتـبـوك : مـا فــعــل كــعــب ؟ فـقـال رجـل مـن بـنـي سَــلِـمَـة : يـا رسـول الله حـبـسـه بُـرداه و نـظـره فـي عِـطــْـفِـهِ ، فـقـال مـعـاذ بـن جـبـل : بـئـس مـا قـلـت ، والله يا رسـول الله مـا عـلـمـنـا عـلـيـه إلا خـيـرا . فـسـكـت رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، قـــــال كـعـب بـن مـالـك  :فـلـمـا بـلـغـنـي أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم تـوجّـه قـافـلا ( راجـعـًـا ) حـضـرنـي هـَـمّـي ، وطـفـقـت أتـذكـّـر الـكـذب  ...وأقـــول : بـمـاذا أخـرج مـن سـخـطـه غـدًا ؟ واسـتـعـنـت بـكـل ذي رأي مـن أهـلـي ، فـلـمـا قـيـل : أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم قـد أظــَـلّ قـادمـا زاح عـنـي الـبـاطـل ! ، وعـرفـت أنـي لـن أخـرج مـنـه أبـدًا بـشـيء فـيـه كـــذب !! . فـأجـمـعـت صِـدقـه  ، وأصـبـح رسـول الله صلى الله عليه وسلم قـادمـا ، فـكـان إذا قـدم مـن سـفـر بـدأ بـالـمـسـجـد فـركـع فـيـه ركـعـتـيـن ، ثـم جـلـس لـلـنـاس . فـلـمـا فـعـل ذلـك جـاء الـمُـخـَـلـّـفـون فـطـفـقـوا يـعـتـذرون إلـيـه ويـحـلـفـون لـه ـــ وكـانـوا بـضـعـة وثـمـانـون رجـلا ـــ فـقـبـل مـنـهـم رسـول الله صلى الله عليه وسلم عـلا نـيـتـهـم ، وبـايـعـهـم واسـتـغـفـر لـهـم !!! ، ووكـّـل سـرائـرهـم إلـى الله عـزّ وجـلّ  فـجـئـتـه ، فـلـمـا سـلـّـمـت عـلـيـه تـبـسّـم تـبـسّـم الـمُـغـضِـب ، ثـم قـــــــال : (( تـعـــــــــال : فـجـئـت أمـشـي حـتـى جـلـسـت بـيـن يـديـه  ، فـقـــــــال : (( مــا خــلــّـفــَـك ؟ ألـم تـكـن قـد ابـتـعـت ظـهـرك ... نـاقـــتــــــك )) ، فـقـلــــت : بـلـى ، إنـي ــ والله ــ إن جـلـسـت عـنـد غـيـرك مـن أهـل الـدنـيـا لـرأيـت أن سـأخـرج مـن سـخـطـه بـعـذر ، ولـقـد أعـْـطِـيـتُ جَــدلا ً ، ولـكـنـي ــ والله ــ لـقـد عـلـمـتُ لـئـن حـدّثـتـك الـيـوم حـديـث كـذب تـرضـى بـه عـنـي لـيُـوشِـكـَـنّ الله أن يُـسْـخِـطــُـك عَـلـيّ ، ولـئـن حـدثـتـك حـديـث صِـدق تـجـِـدُ ( تـغـضـب ) عَـلـيّ فـيـه إنـي لأرجـو فـيـه عـفـو الله ، لا والله مـا كـان لـي مـن عُـذر ، ووالله مـا كـنـت أقـوى ولا أيْـسَـرَ مـنـي حـيـن تـخـلـفـت عـنـك  ، فـقـال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( أمّـا هـذا فـقـد صَـدَقَ فـَـقــُـمْ حـتـى يـقـضـي الله فيك )) ـقـمـت ، فـثـار رجـال مـن بـنـي سَـلــَـمَـةَ فـاتـّـبَـعُـــونـي فـقـالـــوا لـي : والله مـا عـلـمـنـاك كـنـت أذنـبـت ذنـبًـا قـبـل هـذا ؟ ولـقـد عـجـزت أن لا تـكـون اعـتـذرت إلـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم بـمـا اعـتـذر بـه الـمـخـلـّـفـون ، وقـد كـان كـافـيـك ذنـبـك إسـتـغـفـار رسـول الله صلى الله عليه وسلم لـك . فـوالله مـا زالـوا يُـؤنِـّبـُونِـي حـتـى هـمَـمْـت أن أرجـع فـأكـذب نـفـسـي ، ثـم قـلـــت لـهـم : هـل لـقِـيَ هـذا مـعـي أحـدًا ؟ قـالـــــوا : نـعـم ، رجـلان قـالا مـثـل مـا قـلـت ، وقـيـل لـهـمـا مـثـل مـا قـيـل لـك فـقــلــت : مـن هـمـا ؟ قـالـــوا : مُـرارة بـن الـربـيـع الـعَـمْـري ، وهـلال بـن أمـيّـة الـواقـفـي ، فـذكـروا لـي رجـلـيـن صـالـحـيـن قـد شـهـدا بـدرًا فـيـهـمـا أسـوة ، فـمـضـيـت حـيـن ذكـروهـمـا لـي . ونـهـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم عـن كـلامـنـا أيـهـا الـثـلاثـة مـن بـيـن مـن تـخـلـف عـنـه ، فـاجـتـنـبـنـا الـنـاس وتـغـيّـروا لـنـا حـتـى تـنـكـرت فـي نـفـسـي الأرض ، فـمـا هـي الـتـي أعـرف ، فـلـبـثـنـا عـلـى ذلـك خـمـسـيـن لـيـلـة ، فـأمـا صـاحـبـاي فـاسـتـكـانـا وقـعـدا فـي بـيـوتـهـمـا يـبـكـيـان ، وأمـا أنـا فـكـنـت أشـَبّ الـقـوم وأجـلـَدَهـم ، فـكـنـت أخـرج فـأشـهـد الـصـلاة مـع الـمـسـلـمـيـن ، وأطـوف فـي الأسـواق ولا يـكـلـمـنـي أحـد . وآتـي رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـأسَـلِـّـمُ عـلـيـه وهـو فـي مـجـلـسـه بـعـد الـصـلاة  ، وأقـــول فـي نـفـسـي : هـل حـرّك شـفـتـيـه يـرد الـسـلام عـلـيّ أم لا ؟ ثـم أصَــلِـّي قـريـبـا مـنـه فـأسـارقـه الـنـظـر ( أنـظـر إلـيـه وهـو لا يشعـر ) فـإذا أقـبـلـت عـلـى صـلاتـي أقـبـل إلـيّ ، وإذا الـتـفـت نـحـوه أعـرض عـنـي . حـتـى إذا طـال عـلـيّ مـن جـفـوة الـنـاس ( الـغـلـظ في الـمـعـاشـرة ) مـشـيـت حـتـى تسَـوّرت جـدار حـائـط ( بـسـتـان ) أبـي قـتـادة ـــ وهـو ابـن عـمـي وأحـب الـنـاس إلـيّ ـــ فـسـلـمـت عـلـيـه ، فـوالله مـا ردّ الـسـلام عـلـيّ ، فـقـلـت : يـا أبـا قـتـادة ، أنـشـدك بـالله هـل تـعـلـمـنـي أحـب الله ورسـولـه ؟ فـسَـكـَـتَ ، فـعـدت لـه فـنـشـدتـه ، فـسـكـَتَ ، فـعـدت لـه فـنـشـدتـه ، فـقـــال : الله ورسـولـه أعـلـم !!! فـاضـت عـيـنـاي وتـولـّـيْـتُ حـتـى تـسـوّرت الـجـدار ، قـــال كـعـب بـن مـالـك  :وبـيـنـا أنـا أمـشـي بـسـوق الـمـديـنـة إذ نـَبـَـطِـيّ مـن أنـبـاط أهـل الـشـام مِـمّـن قـدِمَ بـطـعـام يـبـيـعـه بـالـمـديـنـة  ، يـقـــول : مـن يـدلـّـنِـي عـلـى كـعـب بـن مـالـك ؟ فـطـفـق الـنـاس يُـشِـيـرون لـه ، حـتـى إذا جـاءنـي دفـع إلـيّ كـتـابـًا مـن مـلـك غـسـان فـي سَـرَقــَـةٍ مـن حـريـر ( قـطـعـة مـن جـيّـد الـحـريـر ) فـإذا فـيـهـا  :أمـا بـعـد : فـإنـه قـد بـلـغـنـي أن صـاحـبـك قـد جـفـاك ، ولـم يـجـعـلـك الله بـدار هـوان ٍ ولا مَـضـْـيَـعَـة فـالـْـحَـقْ بـنـا نِـواسِـك  ، فـقـلـت لـمّـا قـرأتـهـا : وهـذا أيـضـا مـن الـبـلاء !! فـقـصـدت بـهـا الـتـنـور فـسـجـرتـه ( أدخـلـتـه ) بها  ، فـأقـمـنـا عـلـى ذلـك حـتـى إذا مَـضـَت أربـعـون لـيـلـة مـن الـخـمـسـيـن ، إذا رسـول رسـول الله صلى الله عليه وسلم يـأتـيـنـي فـقـــــال : إن رسـول الله صلى الله عليه وسلم يـأمـرك أن تـعـتـزل امـرأتـك  ، فـقـلـت : أطـلـقـهـا أم مـاذا أفـعـل ؟ قـــــال : لا ، بـل اعـتـزلـهـا ولا تـقـربـهـا  ، وأرسـل رسـول الله صلى الله عليه وسلم إلى صـاحـبـَـيّ بـمـثـل ذلـك   ، فـقـلـت لامـرأتـي : الحقي بـأهـلـك فـكـونـي عـنـدهـم حـتـى يـقـضـي الله فـي هـذا الأمـر قـــال كـعـب بـن مـالـك  :فـجـاءت امـرأة هـلال بـن أمـيـة إلـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم  فـقـالـت : يـا رسـول الله إن هـلال بـن أمـيـة شـيـخ ضـائـع ، لـيـس لـه خـادم ، فـهـل تـكـره أن أخـدمـه ؟ قـــــال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا ، ولـكـن لا يـقـربـك )) قـالـت : إنـه ــ والله ــ مـا بـه حـركـة إلـى شـيء ، والله مـا زال يـبـكـي مـنـذ كـان مـن أمـره مـا كـان إلـى يـومـه هـذا  ، قـــال كـعـب بـن مـالـك  :فـقـال لـي بـعـض أهـلـي : لـو اسـتـأذنـت رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـي امـرأتـك كـمـا اسـتـأذن هـلال بـن أمـيـة أن تـخـدمـه امـرأتـه ، فـقـلـت : والله لا أسـتـأذن فـيـهـا رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، ومـا يُـدريـنـي مـا يـقـول رسـول الله صلى الله عليه وسلم إذا اسـتـأذنـتـه فـيـهـا وأنـا رجـل شـاب ، فـلـبـثـت بـعـد ذلـك عـشـر لـيـال ٍ حـتـى كـمـلـت لـنـا خـمـسـون لـيـلـة مـن حـيـن نـهـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم عن كـلامـنـا ، فـلـمـا صـلـيـت الـفـجـر صُـبـْح خـمـسـيـن لـيـلـة وأنـا عـلـى ظـهـر بـيـت مـن بـيـوتـنـا ، فـبـيـنـا أنـا جـالـس عـلـى الـحـال الـتـي ذكـر الله عـز وجـل قـد ضـاقـت عـلـيّ نـفـسـي ، وضـاقـت عـلـيّ الأرض بـمـا رحُـبَـت وسـمـعـت صـوت صـارخ أوفـى ( أشرف ) عـلـى جـبـل سَـلــْـع  : يـقـــول : بـأعـلـى صـوتـه : يـا كـعـب أبـشـر ، فـخـررت سـاجـدًا وعـرفـت أن قـد جـاء فـرج ، وأذِنَ رسـول الله صلى الله عليه وسلم الـنـاس بـتـوبـة الله عـلـيـنـا حـيـن صَـلـّى صـلاة الـفـجـر ، فـذهـب الـنـاس يُـبـشـرونـنـا ، وذهـب قِـبَـلَ صـاحـبـيّ مـبـشـرون ، وركـض رجـل إلـيّ فـارسًـا ، وسـعـى سـاع مـن أسـلـم فـأوفـى عـلـى الـجـبـل فـكـان الـصـوت أسـرع مـن الـفـرس ، فـلـمـا جـاءنـي الـذي سـمـعـت صـوتـه يـبـشـرنـي نـزعـت لـه ثــَوْبــَيّ فـكـسـوتـه إيـاهـمـا بـبـشـراه ، ووالله مـا أمـلـك غـيـرهـمـا يـومـئـذ ، واسـتـعـرت ثـوبـيـن فـلـبـسـتـهـمـا ، وانـطـلـقـت إلـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـتـلـقـّـانـي الـنـاس فـوجًـا فـوجًـا يـهـنـئـونـنـي بـالـتـوبـة  ، يـقـولـون : لـتـهـنـئـك تـوبـة الله عـلـيـك  .، فـدخـلـت الـمـسـجـد فـإذا بـرسـول الله صلى الله عليه وسلم جـالـس ومـن حـولـه الـنـاس ،  فـقـام إلـيّ طـلـحـة بـن عـبـيـد الله رضي الله عـنـه يـهـرول حـتـى صـافـحـنـي وهـنـّـأنـي ، فـلـمـا سـلـّـمـت عـلـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم  ، قــــال ووجـهـه يـبـرق مـن الـسـرور : (( أبـشِـر بـخـيـر يـوم مَـرّ عـلـيـك مـنـذ ولـدتـك أمـك )) ، قـلـــت : أمِـن عـنـدك يـا رسـول الله أم مـن عـنـد الله ؟ قـــال : بـل مـن عـنـد الله ، وكـان رسـول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُـرّ اسـتـنـار وجـهـه حـتـى كـأنـه قـطـعـة قـمـر ، وكـنـا نـعـرف ذلـك مـنـه فـلـمـا جـلـسـت بـيـن يـديـه قـلــت : يـا رسـول الله إن مـن تـوبـتـي أن أنـخـلـع مـن مـالـي صـدقـة إلـى الله وإلـى رسـولـه ، قـــال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( أمـسـك عـلـيـك بـعـض مـالـك فـهـو خـيـر لـك  ، قـلـت : فـإنـي أمـسـك سـهـمـي الـذي بـخـيـبـر  ، وقـلـت : يـا رسـول الله إن الله إنـمـا نـجّـانـي بـالـصـدق ، وإن مـن تـوبـتـي ، ألا أحـدث إلا صِـدقــًا مـا بـقـيـت ، فـو الله مـا أعـلـم أحـدًا مـن الـمـسـلـمـيـن أبلاه الله فـي صـدق الـحـديـث مـنـذ ذكـرت ذلـك لـرسـول الله صلى الله عليه وسلم أحـسـن مـمـا أبـلانـي ، ومـا تـعـمـدت إلـى يـومـي هـذا كـذبـًا ، وإنـي لأرجـو أن يـحـفـظـنـي الله فـيـمـا بـقـيـت  ، وأنـزل الله عـلـى رسـولـه صلى الله عـلـيـه وسـلـم  :{  لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } فـو الله مـا انـعـم الله عـلـيّ مـن نـعـمـة قـط بـعـد أن هـدانـي للإسلام أعـظـم مـن نـفـسـي مـن صِـدقـي رسـول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكـون كـذبـتـه فـأهـلـك كـمـا هـلـك الـذيـن كـذبـوا )) [ أخرجه الـبخاري و مسلم ] ، لقد كان من بركة صدق الصحابة الكرام الثلاثة (كعب بن مالك و مرارة بن ربيع و هلال ابن أبي أمية ) رضي الله عنهم أن نزل فيهم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة { { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } ، إذن من أهم وأولى أخلاق المسلم مع الله :  التوبة إلى الله  ، وقد أمر الله تعالى بها جميع المؤمنين ، قال تعالى : {وتوبوا إلى اللهِ جميعاً أيُّها المؤمنونَ لعلَّكُم تُفلِحُونَ} [ النور : 31 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ التحريم : 8 ] ، وبها يُبدل الله تعالى سيئات المسلم حسنات ، قال تعالى : {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [ الفرقان : 70 ] ،  وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يجدد التوبة ويكرر الاستغفار تعليماً للأُمة وتشريعاً : أخرج مسلم قوله صلى الله عليه وسلم : (( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه ، فإني أتوبُ في اليوم مائة مرة )) [ أخرجه مسلم ] ،  اللهم ارزقنا خلق التوبة النصوح يا قابل التوب ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس التاسع : أخلاق المسلم مع الله : خلق الصدق مع الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الثامن من أخلاق المسلم مع الله تعالى  : الصدق مع الله : [ الصدق ] من أهم أخلاق المسلم مع الله ، لقد وصف الله تعالى نفسه تعالى وتقدس بالصدق ، فقال تعالى : {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [ النساء : 87 ]  وقال تعالى : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [ النساء :  122 ] ، ثم امتدح الصادقين فقال تعالى : { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } [ آل عمران : 15 إلى 17 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [ الْأَحزاب : 35 ]،  وقال تعالى : { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [ المائدة : 119 ] ،  ثم أمر الله تعالى عموم المؤمنين أن يلازموا أهل الصدق ليستفيدوا من حالهم وينتفعوا من صدقهم فقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [ التوبة : 119 ] ، وللصدق معان عديدة ، الصدق في القول فلا يتكلم المسلم بلسانه إلا صدقا ، وفيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم  : (( عليكم بالصدق فان الصدق يهدي الى البر وان البر يهدي الى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار ، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً )) [ متفق عليه ] ، وهناك الصدق في النية يتمثل في إخلاص النية مع الله فلا يقصد بطاعته إلا رضا الله ، وفيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم  : (( إنما الأعمال بالنيّات ، وإنما لكل أمرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه  )) [ متفق عليه ] ، وهناك الصدق في العمل من أجل مرضاة الله تعالى ، فمن اتصف بالصدق في جميع أحواله مع الله تعالى فهو صدِّيق ، والصديقون أفضل البشر بعد الأنبياء ، قال الله تعالى : {ومَنْ يُطِعِ اللهَ ورسولَهُ فأُولئكَ معَ الذينَ أنْعَمَ اللهُ عليهم من النَّبيِّينَ والصِّدِيقينَ والشهداءِ والصالحينَ وحسُنَ أولئكَ رفيقاً } [ النساء : 69 ] ، وقد وصف الله تعالى الصادقين بأنهم الفئة المختارة من المؤمنين فقال : { مِنَ المؤمنينَ رِجالٌ صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه } [ الأحزاب : 23 ] ،   وضد الصدق مع الله النفاق والعياذ بالله ، ندَّدَ الله تعالى بالمنافقين الذين لم يَصْدُقوا في إيمانهم وعهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى في حقهم : {فلو صدَقُوا اللهَ لكانَ خيراً لهُم} [ محمد : 21 ] ، يوم يكون الصدق سبب النجاة ، قال تعالى : { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  } [ المائدة : 119 ] ، وقد نال الصديق أبو بكر رضي الله عنه ذروة سنام رتبة الصديقية ، وشهد الله تعالى بذلك فقال تعالى : { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [ الزمر : 32 ] ، فالذي جاء بالصدق هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأول من صدق به وآمن به هو الصديق أبو بكر رضي الله عنه  ، ولا يعلو مقامَ الصديقية إلا مقامُ النبوة ، فمقام الصديقية ، ولا ينال العبد مقام الصديق إلا بالصدق ، ولهذا جاء في الحديث : (( عليكم بالصدق فان الصدق يهدي الى البر وان البر يهدي الى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار ، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً )) [ متفق عليه ] ، وضد الصدق مع الله تعالى النفاق ، والله تعالى يقول في حق المنافقين : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } [ النساء : 142 : 145 ] ، والنفاقُ ضربان : اعتقادي : وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان ، وعملي : وشعبه هي التي جاءت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان )) [ أخرجه البخاري ] ، والصحابة أفضل البشر بعد الأنبياء كانوا يخافون أشد الخوف من عدم الصدق مع الله ، من النفاق ، أخرج البخاري عن ابن أبي مليكة وهو من التابعين قال : (( أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كلهم كان يخشى على نفسه النفاق )) [ أخرجه البخاري ] ، ومن ذلك - كما ورد في السيرة - أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سأل حذيفة بن اليمان الذي هو أمين سر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أطلعه رسول الله على أسماء المنافقين ، فقال له :  (( أنشدك بالله! ألم يسمني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم )) سبحان الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو ثاني أفضل الصحابة في هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق , وهو مبشر بالجنة, ما بينه وبين الجنة إلا أن يموت فيدخلها , يخشى على نفسه الرياء والنفاق ، كل ذلك من شدة الحرص على الصدق مع الله والخشية من النفاق ، لذا لابد للمسلم أن يتحلى بخلق الصدق مع الله ، وأن يعمر قلبه بالصدق مع الله ، وأن يلازم الصدق في الأقوال ، والإخلاص في الأعمال ، والصفاء في الأحوال ، فمَنْ كان كذلك لحق بالأبرار ، ووصل إلى رضاء الغفار ، لا بد لكل مسلم أن يتحقق بالصدق في أقواله وأفعاله مع الله أولا ، ومن ثم فمع الناس ، قال تعالى : { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [ المائدة : 119 ] ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصادقين ومع الصادقين ، ومن أبرز أولئك الصادقين صحب النبي المصطفى المختار ، صحب النبي أولئك الأبرار ،  ( موقف لأبي بكر الصديق )  : عندما أكرم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمعجزة الإسراء ، كذبته قريش ، وجاء ناس إلى أبي بكر فذكروا له قصة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ، فقال أبو بكر : أشهد أنه صادق ، فقالوا : وتصدقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة ؟ قال : نعم ، إني أصدقه بأبعد من ذلك ، أصدقه بخبر السماء ، فسُمّي بذلك الصديق [ انظر : فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، 7/199 ، وعزاه إلى البيهقي في الدلائل ] ،  ( مواقف لعمر الفاروق ) : أخرج البخاري في صحيحه : عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( فو الذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ، فقال له عمر : يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا، والذي نفسي بيده ، حتى أكون أحب إليك من نفسك ، فقال له عمر : فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الآن يا عمر ))  [ أخرجه البخاري ] ، ( مواقف لعثمان بن عفان ) : كان عثمان رضي الله عنه من الأغنياء الذين أغناهم اللَّه عز وجل ، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة ؛ ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة اللَّه عز وجل ابتغاء مرضاته وما عنده ، وصار سبَّاقاً لكل خير ، ينفق ولا يخشى الفقر ، ومما أنفقه رضي الله عنه من نفقاته الكثيرة على سبيل المثال ما يأتي : ( أ ) عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل ، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة ، فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فاشتراها ، ثم جعلتها للمسلمين )) [ ذكره ابن حجر في فتح الباري ، 5/407 ] ، ( ب ) وعندما أراد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الرحيل إلى غزوة تبوك حثّ الصحابة على البذل ؛ لتجهيز جيش العسرة ، الذي أعده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لغزو الروم ، وكان يقول : (( من جهز جيش العسرة فله الجنة )) [ البخاري مع الفتح ، 5/407 ، ( رقم 2778)  ] ، فأنفق أهل الأموال من صحابة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كل على حسب طاقته وجهده ، أما عثمان بن عفان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها ، فقد ثبت أنه أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها ، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يُقلِّبها في حجره ، ويقول : (( ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم ؟ قالها مراراً )) [ الترمذي ، في كتاب المناقب ، باب مناقب عثمان رضي الله عنه ، 5/626 ، ( رقم 3700) ، والحاكم – واللفظ له – وصححه ووافقه الذهبي ، 3/102 ] ، وهذه نفقة عظيمة جداً تدل على صدق عثمان رضي الله عنه مع الله ، ( مواقف لسعد بن معاذ سيد الأنصار ) : في غزوة بدر الكبرى : استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس قبل بدء المعركة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يعرف مدى رغبة الأنصار في القتال ؛ لأنه شُرِطَ لـه في البيعة أن يمنعوه في المدينة مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم وأبناءهم وأزواجهم ، أما خارج المدينة فلم يحصل أي شرط ، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يستشيرهم ، فجمعهم صلى الله عليه وسلم واستشارهم ، فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال وأحسن ، ثم عمر بن الخطاب – رضي اللَّه عنه – فقال وأحسن ، ثم استشارهم ثانياً ، فقام المِقْدَاد فقال : يا رسول اللَّه ، امض لما أمرك اللَّه فنحن معك ، واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ، ، ثم استشار الناس ثالثاً ، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم ، فبادر سعد بن معاذ فقال : يا رسول اللَّه كأنك تريدنا ، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم : فاظعن حيث شئت ، وصل حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، وأعطنا ما شئت ، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت ، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك ، فواللَّه لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدواً غداً ، إنا لَصُبُرٌ في الحرب ، صُدقٌ في اللقاء ،  ولعل اللَّه يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة اللَّه ، فأشرق وجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : (( سيروا وأبشروا ، فإن اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين ، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم )) [ انظر : سيرة ابن هشام ، 2/253 ، وفتح الباري ، 7/287 ، وقد أخرج البخاري مواضع منها .  انظر : البخاري مع الفتح ، كتاب المغازي ، 7/287 ، ( رقم 3952) ، وكتاب التفسير ، 8/273 ، وأخرج مسلم بعض المواضع من القصة .  انظر : صحيح مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب غزوة بدر ، 3/1403 ( 1779) ] ، وهذا : [ صهيب الرومي رضي الله عنه ] أراد الهجرة فمنعه كفار قريش أن يُهاجر بماله ، وعرضوا عليه : إن أحب يتجرّد من ماله كله ويدفعه إليهم تركوه وما أراد ، فأعطاهم ماله ونجى بدينه مهاجراً إلى اللَّه ورسوله وأنزل اللَّه عز وجل { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } [ البقرة : 207 ] ، ولم يكن صهيب رضي الله عنه قد بلغ المدينة بعد ، فلما وصل المدينة المنورة تلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة  فقالوا لـه : ربح البيع ،  فقال : وأنتم فلا أخسر اللَّه تجارتكم ، وما ذاك ؟ فأخبروه أن اللَّه أنزل فيه هذه الآية [ انظر : تفسير ابن كثير ، 1/248 ، وسير أعلام النبلاء ، 2/17-26 ، والإصابة ، 2/195 ] ، وهذا  [ سعد بن أبي وقاص ]  رضي الله عنه تَعْرض أمه عليه أن يكفر بدين محمد صلى الله عليه وسلم ، وحلفت أن لا تكلمه ، ولا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيعيّر بها ، فيقال : يا قاتل أمه! وقالت لـه : زعمت أن اللَّه وصّاك بوالديك ، وأنا أمك ، وأنا آمرك بهذا .  قال سعد : لا تفعلي يا أمّه إني لا أدع ديني هذا لشيء .  فبقيت ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب ، فلما رأى سعد بن أبي وقاص ذلك منها قال لها : يا أمَّهْ أتعلمين واللَّه لو كان لك مائة نفسٍ ، فخرجت نفساً نفساً ، ما تركت ديني إن شئتِ فكلي أو لا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت ، قال سعد رضي الله عنه : نزلت هذه الآية فيّ : { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } [ لقمان : 15 ] ، [ انظر : صحيح مسلم : ( رقم 1748) مختصراً بمعناه ، وأحمد ، 1/181-182 ، والترمذي ، 5/341 ، وسير أعلام النبلاء ، 1/109 ] ، وهذه  [ أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة ] ، وما فعلته مع أبيها أبي سفيان قبل إسلامه رضي الله عنه ، لما قدم أبوها ( أبو سفيان ) من مكة إلى المدينة يريد أن يزيد في الهدنة بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل على ابنته أم المؤمنين أم حبيبة ، وذهب ليجلس على فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم طوته دونه ، فقال : يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه ؟ قالت : بل هو فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنت امرؤ نجس مشرك ) [ انظر : الإصابة في تمييز الصحابة ، 4/306 ] ، وهذا [ أنس بن النضر الأنصاري ] عم أنس بن مالك رضي الله عنه ، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال : يا رسول اللَّه غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين ، واللَّه لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليريَنّ اللَّه ما أصنع .  فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال : اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعني المسلمين – ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء – يعني المشركين – .  ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال : أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد .  فقاتلهم حتى قتل .  قال أنس : فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة : من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به ، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه .  ونزلت هذه الآية : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا } [ الأحزاب : 23 ] ، قال فكنا نقول : نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه [ البخاري : ( رقم 2805) ، ومسلم : ( رقم 1903 ) ،  وانظر : البخاري مع الفتح ، 8/518 ، والبداية والنهاية ، 4/31-34 ، والإصابة في تمييز الصحابة ، 1/74 ] ، وهذا [ عُمير بن الحُمام رضي الله عنه ] : أخرج مسلم في صحيحه : أنّ عُمير بن الحُمام في بدر حينما سمع رسول اللَّه يقول لأصحابه : (( قومُوا إلى جَنّةٍ عرضُهَا السّماوات والأرضُ )) فقال : يا رسول اللَّه جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال : (( نعم )) ،  قال : بخ بخ ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( ما يحملك على قولك بخ بخ ؟ )) ، قال : لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها .  قال : (( فإنك من أهلها )) فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل من تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل [ مسلم : ( رقم 1901) ] ، وهذا [ مصعب بن عمير ] مصعب الخير ( كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم )  كان قبل إسلامه من أكثر شباب قريشٍ ثراءً ، نشأ منعمًا في ظل والديه، في بيت يزخر بالفاخر من الثياب، والنادر من العطور، زينة فتيان قريش، يشرح الله تعالى صدره للإسلام ، فإذا به يرضى بشظف العيش ، ويلبس الجلد الخشن من الثياب ، جاء في كتب السيرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى مصعب بن عمير، وعليه إهاب من كبش، قد تمنطق به، فقال : (( انظروا إلى هذا الذي قد نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغذيانه بأطايب الطعام والشراب ، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون  )) ، كان رضي الله عنه وحيد أمه المدلل، علمت بإسلامه ، فحبسته ومنعت عنه الطعام والشراب ، حتى يرجع عن دينه، ولكنه استطاع أن يهرب من الحبس، ويفر بدينه مع غيره من المسلمين إلى الحبشة ، ثم هاجر إلى المدينة كأول داعية للإسلام ، فنزل أسعد بن زرارة فجعل يدعو الناس سرًّا ويفشو الإسلام ويكثر أهله وهم في ذلك مستخفون بدعائهم ، وذات يوم كان مصعب جالسًا ومعه سعد بن زرارة وهو يعظ الناس فجاء  أسيد بن حضير سيد بني عبد الأشهل بالمدينة وهو غاضب على ذلك الرجل الذي جاء من مكة ليفتن قومه عن دينهم ، فقال له مصعب : أو لا تجلس فتستمع ؟ فإن رضيت أمرنا قبلته وإن كرهته كففنا عنك ما تكره ، قال أسيد : أنصفت ، وركز حربته وجلس يصغى وأخذت أسارير وجهه تنفرج كلما مضى مصعب في تلاوة القرآن ، ولم يكد مصعب يفرغ من تلاوة القرآن حتى وقف أسيد بن خضير يتلو الشهادتين ، وكان أسيد بن خضير  رضي الله عنه يعلم أن بإسلام سعد بن معاذ سيد الأوس سيدخل في الإسلام بدخوله الكثير من قومه ، فاحتال له وأرسله إلى مصعب رضي الله عنه ليسمع منه القرآن ،  فجاء سعد بن معاذ ومعه الرمح حتى وقف عليهم فقال : علام يأتينا هذا الغريب يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه لا أراكم بعدها بشيء من جوارنا , فقال أسعد بن زرارة : اسمع من قوله , فإن سمعت منكرًا فاردده , وإن سمعت خيرًا فأجب إليه , فقال : ماذا يقول فقرأ عليهم مصعب بن عمير القرآن ، فأسلم سعد بن معاذ  ، وبإسلامه أسلمت بنو عبد الأشهل , وانتقل مصعب بن عمير إلى دار سعد بن معاذ فلم يزل عنده يدعو ويهدي الله على يديه حتى فشا الإسلام بين أهل المدينة وانتشر ، وكان المسلمون أعز أهلها ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله يحمل له البشرى في مكـة، وبلغ أمه أنه قد قدم فأرسلت إليه يا عاق أتقدم بلدًا أنا فيه لا تبدأ بي, فقال : ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله ، ويهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ويحمل مصعب لواء المسلمين في أحد ، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فأقبل ابن قميئة وهو فارس فضرب يده اليمنى فقطعها, فأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها , فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره ، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق الرمح ووقع مصعب شهيدًا   ، رضي الله عنه وأرضاه ، (( أُتي لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه بطعام وكان صائمًا فقال : قتل مصعب بن عمير وهو خير مني , كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه, وأراه قال : وقتل حمزة وهو خير مني , ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط, أو قال : أعطينا من الدنيا ما أعطينا, وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا, ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام )) ، أولئك هم الصادقون ، قال تعالى : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } [ الأحزاب : 23 ] ،  اللهم ارزقنا الصدق ، واجعلنا من عبادك الصادقين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس العاشر :  أخلاق المسلم مع الله : خلق الإخلاص في عبادة الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق التاسع :من أخلاق المسلم مع الله :  الإخلاص في عبادة الله : ، أقول وبالله التوفيق : تكلمت في الدرس السابق عن الخلق الثامن من أخلاق المسلم مع الله تعالى  : الصدق مع الله ، وضد الصدق مع الله النفاق والعياذ بالله ،  وفي هذا الدرس أتناول بيان : الخلق التاسع :من أخلاق المسلم مع الله :  الإخلاص في عبادة الله ، وضد الإخلاص الرياء ، وكلاهما محبط للعمل نسأل الله تعالى السلامة ، [ الإخلاص في عبادة الله  ] : الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد ، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من أمور الدنيا من تصنعٍ لمخلوق أو اكتسابِ مَحْمَدَةٍ عند الناس أو محبة مدحٍ وثناء أو أي معنى آخر من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى ،  إذن : الإخلاص : هو أن لا يكون للنفس حظ في أي عمل من أعمال العبادة والطاعة لله عز وجل ، إنما يكون القصد الأوحد من العبادة هو الله ، وقبول الأعمال موقوف على وجود الإخلاص فيها ، قال تعالى : {فاعبُدِ اللهَ مخْلِصاً له الدينَ ألا لله الدينُ الخالصُ} [ الزمر : 2 ] ، وقال تعالى : {قلْ إنِّي أُمرتُ أنْ أعبُدَ اللهَ مُخلِصاً لهُ الدينَ} [ الزمر : 11 ] وقال تعالى : {قل اللهَ أعبُدُ مخلِصاً لهُ ديني} [ الزمر : 14 ]. وقال عز وجل : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [ البينة : 5 ] ، وأوضح الحق سبحانه أن السبيل إلى لقاء الله تعالى يوم القيامة لقاء رضى وإنعام هو العمل الصالح الخالص لوجه الله ، السليمُ من ملاحظة الخلق فقال : {فمَنْ كان يرجو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عملاً صالحاً ولا يُشْرِكْ بعِبادَةِ رَبِّهِ أحداً} [ الكهف : 110 ] ، وجاءت الأحاديث الشريفة توجِّه العبد إلى الإخلاص في جميع أعماله وتحذِّره أن يقصد بعبادته ثناء الناس ومدحَهم وتبين أن كل عمل لم يتصف بالإخلاص لله تعالى فهو مردود على صاحبه ، وتوضح أن الله تعالى لا ينظر إلى ظاهر أعمال العبد ، بل ينظر إلى ما في قلبه من النوايا والمقاصد ، لأن الأعمال بالنيات ، وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الرياء شركاً أصغرَ ، أخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله  : (( إنما الأعمال بالنيّات ، وإنما لكل أمرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه  )) [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوَرِكم ، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي أمامة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( أرأيتَ رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ، ما له ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له ، فأعادها ثلاث مرات ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له ، ثم قال : إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً ، وابتُغِيَ به وجهه )) [ رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد ] ،    وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( إن أخوَف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء ، يقول الله عز وجل إذا جُزِيَ الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا ، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً )) [ أخرجه الإمام أحمد بإسناد جيد ] ، وأخرج الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليومٍ لا ريب فيه ، نادى منادٍ : مَنْ أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك )) [ أخرجه الترمذي ] ،  والإخلاص هو البراءة من الرياء ، وتصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين ، والإخلاص : هو أن لا يكون للنفس حظ في أي عمل من أعمال العبادة والطاعة لله عز وجل ،  الإخلاص في عبادة الله بالغ الأهمية ، لنا أن نتخيل أهمية الإخلاص ، عندما نذكر هذا الحديث : أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (( إنّ أَوّلَ النّاسِ يُقْضَىَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتّىَ اسْتُشْهِدْتُ ، قَالَ : كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلّمَ العِلْمَ وَعَلّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلّمْتُ العِلْمَ وَعَلّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنّكَ تَعَلّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قارئ ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ، وَرَجُلٌ وَسّعَ الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلاّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ : كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ، ثُمّ أُلْقِيَ فِي النّارِ  )) [ أخرجه مسلم ] ، سبحان الله ، أول ثلاثة تسعر بهم النار يوم القيامة ، كان من المفترض أن يكونوا أصحاب الدرجات العلا في الجنة ، ( شهيد وعالم وكريم ينفق ماله ) ولكنه الإخلاص ، الأول : شهيد في نظر الناس ، ولكنه عند الله تعالى مرائي غير مخلص في عبادة الله ، من أول الناس الذين تسعر بهم نار جهنم ، (( اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتّىَ اسْتُشْهِدْتُ ، قَالَ : كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ ))  ،  والثاني [ عالم وحافظ للقرآن ] ، هذا في نظر الناس ، ولكنه عند الله تعالى مرائي غير مخلص في عبادة الله ، من أول الناس الذين تسعر بهم نار جهنم ، ولهذا جاء في الحديث : ((  وَرَجُلٌ تَعَلّمَ العِلْمَ وَعَلّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلّمْتُ العِلْمَ وَعَلّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنّكَ تَعَلّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قارئ ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ )) ، والثالث [ منفق أمواله في خدمة المسلمين ] ، هذا في نظر الناس ، ولكنه عند الله تعالى مرائي غير مخلص في عبادة الله ، من أول الناس الذين تسعر بهم نار جهنم ، ولهذا جاء في الحديث : ((وَرَجُلٌ وَسّعَ الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلاّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ : كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ، ثُمّ أُلْقِيَ فِي النّارِ  )) [ والحديث أخرجه مسلم ] ، إذن : الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً ، وابتُغِيَ به وجهه ، وما أشفق الرسول صلى الله عليه وسلم  على أمته من عدم الإخلاص ، من الرياء ، أخرج الإمام أحمد في مسنده عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( إن أخوَف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء ، يقول الله عز وجل إذا جُزِيَ الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا ، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً )) [ أخرجه أحمد ] ، إذن الإخلاص في عبادة الله  سبحانه ، هو أن يريد المسلم بطاعته لله التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من أمور الدنيا من تصنعٍ لمخلوق أو اكتسابِ مَحْمَدَةٍ عند الناس أو محبة مدحٍ وثناء أو أي معنى آخر من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى ، وقبول الأعمال موقوف على وجود الإخلاص فيها ، وحقيقة الإخلاص أن لا يرى العبد إخلاصه ، ولذلك قال بعض العارفين  : ( الإخلاص سِرٍّ بين الله وبين العبد ، لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوىً فيميله ) ، وقال آخر : ( حق المخلص أن لا يرى إخلاصه ولا يسكن إليه ، فمتى سكن إليه كان الرياء ) ، والصحابة أفضل البشر بعد الأنبياء كانوا يخافون أشد الخوف من عدم الإخلاص في عبادة الله ، أخرج البخاري عن ابن أبي مليكة وهو من التابعين قال : (( أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كلهم كان يخشى على نفسه النفاق )) [ أخرجه البخاري ] ، ومن ذلك - كما ورد في السيرة - أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سأل حذيفة بن اليمان الذي هو أمين سر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أطلعه رسول الله على أسماء المنافقين ، فقال له :  (( أنشدك بالله! ألم يسمني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم )) سبحان الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو ثاني أفضل الصحابة في هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق , وهو مبشر بالجنة, ما بينه وبين الجنة إلا أن يموت فيدخلها , يخشى على نفسه الرياء والنفاق ، كل ذلك من شدة الحرص على الإخلاص في عبادة الله والبراءة من الرياء ،  وأشد شيء على النفس الإخلاص ، لذا قيل لبعض العارفين  : أي شيء أشد على النفس ؟ قال : ( الإخلاص ، لأنه ليس لها فيه نصيب ) بمعنى أنّ النفس قد تستفيد من أي عبادة بالذكر الحسن عند الناس ، إلا عبادة الإخلاص ، فإن النفس الصادقة مع الله تحزن عند ثناء الناس عليها ، لأنّ ذلك قد ينقص من أجرها عند الله ،  [ أعلى مراتب الإخلاص ] : إخراج الحظوظ بالكلية ، فتكون العبادة لأنّ الله تعالى أهل للعبودية ، وأهل هذا الإخلاص يعبدون الله تعالى على الإخلاص التام المجرد من منافع النفس لأنهم يعبدن الله تعالى على اعتقاد أنه مستحق للعبودية لذاته ، لا لما يعود عليهم من منافع العبادة ، وإن كان هذا لا يمنع من خوفهم من عذاب الله ورجائهم في ثواب الله تعالى وفضله ، وأهل هذا الإخلاص عبدوا الله أساسا لأنه أهل للثناء ، لا لجلب ثواب ولا لدفع عقاب ، وهذا كحال النبي صلى الله عليه وسلم غُفر له ما تقدم من ذنبه وكان يقوم الليل لتحقيق مرتبة الشكر لله ، أخرج مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : ((   كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه .. قالت عائشة : يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟! ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا )) [ أخرجه مسلم ] ، فلم يكن الدافع لتكلفه مشقة العبودية حتى تتقرح قدميه الشريفتين صلى الله عليه وسلم سوى أنّ الله تعالى أهل للعبودية ، وهذا كمال الإخلاص في العبودية ، وهذا حال الصديقين الذين أخلصوا ديمهم لله ، فعبدوا الله تعالى لله ، ولأنّه أهل لتلك العبودية ، وإن كان هذا لا يمنع من خوفهم من عذاب الله ورجائهم في ثواب الله تعالى وفضله ، ولكن ذلك أفضل حالا  ممن عبدَ الله للثواب وخوف العقاب ، فإنما عَبَدَ لِحَظِّ نفسه ، وإن كان هو محباً أيضاً ، لكنه في درجة الأبرار ، وذاك في درجة المقربين  ،  لذا فإن أهل الإخلاص أخلصوا دينهم لله ، وتركوا  الناس كلهمُ وراءهم إخلاصا لله وفرارا إلى الله ، هم يعلمون أنّ شرط الإخلاص أن لا يكون للنفس حظ في أي عمل من الأعمال التعبدية ، ويعلمون أنّ أشد شيء على النفس التخلق بخلق الإخلاص ، لأن النفس ليس لها فيه نصيب ، اللهم ارزقنا الصدق مع الله ، والإخلاص في عبادة الله ، واجعلنا من عبادك المخلصين ،  والإخلاص في عبادة الله ينجي من المهالك المحققة ، أخرج البخاري :  ‏‏عَنْ ‏ابْنِ عُمَرَ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏: ((  ‏بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا فَقَالَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي وَإِنَّهُ نَاءَ ‏ ‏بِيَ الشَّجَرُ فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ وَقَالَ الثَّانِي اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ فَقُمْتُ عَنْهَا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا فَجَاءَنِي فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي فَقُلْتُ اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ )) [ أخرجه البخاري ] ، سبحان الله الإخلاص في عبادة الله ينجي من المهالك المحققة ، ثلاثة اضرهم المطر إلى دخول غار بالجبل ، ومع سيل المطر الجارف نزلت صخرة عظيمة فسدت الغار ، فايقنوا بالهلاك ، ولكن لبركة إخلاصهم مع الله أنجاهم الله ، ( الأول صاحب البر بوالديه ابتغاء مرضاة الله  ) : يقول : اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي وَإِنَّهُ نَاءَ ‏ ‏بِيَ الشَّجَرُ فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ – ها هنا الشاهد - إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ ، و ( الثاني صاحب التقوى من الله ابتغاء مرضاة الله) يقول : اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ فَقُمْتُ عَنْهَا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا ، – ها هنا الشاهد - إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً  يقول النبي صلى الله عليه وسلم : فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً ، و ( الثالث ) يقول : اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا فَجَاءَنِي فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي فَقُلْتُ اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ ، – ها هنا الشاهد - إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً  )) يقول النبي صلى الله عليه وسلم :  فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ )) [ والحيث أخرجه البخاري ] ،  هذا كله ببركة الإخلاص في عبادة الله ، [ النبي صلى الله عليه وسلم ]  : في بداية الدعوة ، وعندما فشل اسلوب التعذيب والاضطهاد رأت قريش أن تجرب أسلوباً آخر تجمع فيه بين الترغيب والترهيب ، فلترسل إلى محمد صلى الله عليه وسلم تعرض عليه من الدنيا ما يشاء ، فبعث المشركون عتبة بن ربيعة ليعرض على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أموراً لعله يقبل بعضها فيُعطَى من أمور الدنيا ما يريد ، فجاء عتبة حتى جلس إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( قل أبا الوليد أسمع )) ، قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا ، حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت إنما تريد به شرفاً سوَّدناك علينا ، حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به ملكاً ملَّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا ، حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه . ، .  حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يستمع منه ، قال : (( أفرغت أبا الوليد؟ )) قال نعم ، قال : (( فاستمع مني )) قال : افعل ، فقال : {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم * حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ، . ، } [ فصلت : 1-5 ] ، ثم مضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه ، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه ، ثم انتهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ، ثم قال : (( قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك )) [ أخرج هذه القصة ابن إسحاق في المغازي ، وابن هشام ، وتفسير ابن كثير ، 4/61 ، والبداية والنهاية ، 3/62 قال الألباني : " وإسناده حسن إن شاء الله ] ،  النبي صلى الله عليه وسلم لا يطلب ملكاً ولا مالاً ولا جاهاً ، لقد مكنه اللَّه من هذا كله ، لقد عُرض عليه أن يكون له جبل أحد ذهبا فأبى ، لأنّ الدُنيا لا تساوي عنده شيئا ، ( موقف صهيب الرومي ) : أراد رضي الله عنه الهجرة فمنعه كفار قريش أن يُهاجر بماله ، وإن أحب يتجرّد من ماله كله ويدفعه إليهم تركوه وما أراد ، فأعطاهم ماله ونجى بدينه مهاجراً إلى اللَّه ورسوله وأنزل اللَّه عز وجل { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } [ البقرة : 207 ] ، فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا لـه : ربح البيع .  فقال : وأنتم فلا أخسر اللَّه تجارتكم ، وما ذاك ؟ فأخبروه أن اللَّه أنزل فيه هذه الآية [ انظر : تفسير ابن كثير ، 1/248 ، وسير أعلام النبلاء ، 2/17-26 ، والإصابة ، 2/195 ] ، ( موقف عبد اللَّه بن حذافة رضي الله عنه ) : ذكر ابن حجر في كتابه القيم والإصابة في تمييز الصحابة ، وذكر الذهبي في كتابه القيم سير أعلام النبلاء للذهبي : أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما وجه جيشاً إلى الروم ، فأسروا من هذا الجيش عبد اللَّه بن حذافة رضي الله عنه ، فذهبوا به إلى ملكهم ، فقالوا : إن هذا من أصحاب محمد  ، فقال : هل لك أن تتنصَّر وأُعطيك نصف ملكي ؟ قال : لو أعطيتني جميع ما تملك ، وجميع ما تَملُك ، وجميع ملك العرب ، ما رجعت عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ، قال : إذاً أقتلك .  قال : أنت وذاك ، فأُمِرَ به فصُلِبَ وقال للرماة : ارموه قريباً من بدنه ، وهو يعرض عليه ويأبى ولم يجزع ، فأنزله ، وأمر بقدر فصبَّ فيه ماء وأُغلي عليه حتى احترقت ، ودعا بأسيريْنِ من المسلمين ، فأمر بأحدهما ، فأُلقي فيها فإذا عظامه تلوح ، وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى ، فأمر بإلقائه في القدر إن لم يتنصّر ، فلما ذهبوا به بكى ، فقيل للملك : إنه بكى ، فظن أنه قد جزع ، فقال : ردوه ، فقال : ما أبكاك ؟ قال : قلت هي نفس واحدة تُلقى الساعة فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تُلقى في النار في اللَّه .  فتعجب الطاغية فقال لـه : هل لك أن تُقبّل رأسي وأًخلِّي عنك ؟ فقال لـه عبد اللَّه : وعن جميع أسارى المسلمين ؟ قال : نعم ، فقبّل رأسه ، فخلّى عنهم ، وقدم بالأسارى على عمر ، فأخبره خبره .  فقال عمر : حقٌّ على كلِّ مسلم أن يُقبِّل رأس عبد اللَّه بن حذافة ، وأنا أبدأُ .  فقبَّل رأسه [ انظر : سير أعلام النبلاء للذهبي ، 2/14 ، والإصابة في تمييز الصحابة ، 2/269 ] ، اللهم ارزقنا الصدق والإخلاص ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الحادي عشر : أخلاق المسلم مع الله :  خلق الصبر على طاعة الله


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق العاشر من أخلاق المسلم مع الله :  الصـبر مع الله وبالله وفي الله : الصبر خلق من أخلاق الصالحين ، ومنزل من منازل السالكين ، ومقام من مقامات الموحدين ، به ينسلك العبد في سلك المقربين ، ويصل إلى جوار رب العالمين ، وقد ذكره الله تعالى في أكثر من سبعين موضعاً من القرآن الكريم ، ووصف الله الصابرين بأوصاف عظيمة ، فقال تعالى : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } ،  وقال تعالى :  { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا  } ، وقال تعالى :  { ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  } ، وقال تعالى :  { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا  } ،  فما من فصيلة إلا واجرهم بتقدير وحساب إلا الصبر ، ولذا قال تعالى : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ، ووعد الصابرين بأنه معهم ، فقال سبحانه : { واصبروا إن الله مع الصابرين } ، وعلق النصرة على الصبر ، فقال جل شأنه : { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين  } ، وجمع للصابرين الصلوات والرحمة والهدى فقال :  { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون  } ،  و علق الله تعالى عليه الفلاح ، قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } ، وجعل سبحانه الصبر والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره  ، فقال تعالى :  { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً } ، كما رتب سبحانه المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح فقال تعالى :  { إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير } ،  كما جعل سبحانه الصبر على المصائب من عزم الأمور ، فقال تعالى : { ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور }  كما أنه تعالى قال عن خصال الخير : إنه لا يلقاها إلا الصابرون :  { وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } ، كما  أنه سبحانه أخبر أنما ينتفع بآياته ويتعظ بها الصبار الشكور فقال تعالى :  { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } ،  كما  أنه سبحانه حكم بالخسران التام على كل من لم يؤمن ويعمل الصالحات ولم يكن من أهل الحق والصبر كما قال تعالى :  { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } ، كما أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة الذين قامت بهم هاتان الخصلتان ووصوا بهما غيرهم فقال تعالى : { ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، أولئك أصحاب الميمنة } ،  كما أنه تبارك وتعالى قرن الصبر بمقامات الإيمان وأركان الإسلام وقيم الإسلام ومثله العليا ، فقرنه بالصلاة  : { واستعينوا بالصبر والصلاة } ، وقرنه بالأعمال الصالحة عموماً  : { إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات } ،  وجعله قرين التقوى : { إنه من يتق ويصبر } ، وقرين الشكر  : { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } ، وقرين الحق  { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } ، وقرين المرحمة { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } ، وقرين اليقين : { لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } ، وقرين التوكل : { نعم أجر العاملين * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } ، وقرين التسبيح والاستغفار : { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار } ،  وقرنه بالجهاد : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } ، وإيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم  : { ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون } ، ولقد جاءت آيات عديدة تؤكد فضل الصبر : منها : قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى: {  وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } ، وقوله تعالى: {  لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } ، وقوله تعالى: {  زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } ، وقوله تعالى: {   أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى: {  وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى: {  وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى: {  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى: {  فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } ، وقوله تعالى: {  إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } ، وقوله تعالى: {   وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } ، ولقد جاءت الأحاديث النبوية الكثيرة مؤكدةً فضل الصبر ، أخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( ومن يتصبر يصبره الله، فما أعطي أحد عطاءً خيراً من الصبر )) [ متفق عليه ] ،  وأخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( ما يصيب المؤمن من نصبٍ، ولا وصبٍ ولاهمٍ، ولا حزنٍ ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه )) [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( عجباً لأمر المؤمن كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له )  [ أخرجه مسلم ] ،  وأخرج الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافى به يوم القيامة )) [ أخرجه الترمذي ] ،  وأخرج الترمذي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط )) [ أخرجه الترمذي ] ،  وأخرج الترمذي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة )) [ أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ] ،  وأخرج الترمذي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( فما يبرح البلاء في العبد، حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ))  [ أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ] ، وأخرج الترمذي أيضا عن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : (( الأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ , فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ )) [ أخرجه الترمذي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (143 ) ]  ، وأخرج ابن ماجة   عن أبي سعيد رضي الله عنه : (( أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك على قطيفة، فوضع يده فوق القطيفة، فقال : ما أشد حماك يا رسول الله! قال : (( إنا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر ، ثم قال : يا رسول الله! من أشد الناس بلاءً؟ قال: (( الأنبياء، )) قال: ثم من؟ قال: (( العلماء، )) قال: ثم من؟ قال: (( الصالحون )) , (( كان أحدهم يبتلى بالقمل حتى يقتله، ويبتلى أحدهم بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء )) [ أخرجه ابن ماجة و ابن أبي الدنيا ، واللفظ له ، وقال: صحيح على شرط مسلم  ] ، وأخرج أحمد وأبو داود  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة، فلم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده، أو ماله أو ولده، ثم صبر على ذلك، حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل ))  [ أخرجه أحمد و أبو داود ] ، والصبر أنواع منها :  صبر على معصية الله : بمعنى حبس النفس عن فعل المحرّمات  ، وصبر على طاعة الله ، بمعنى حبس النفس على الطاعة ، وصبر على أقدار الله ، وبعد ، فهذه بعض فضائل الصبر وأنه خلق من أخلاق الصالحين ، ومنزل من منازل السالكين ، ومقام من مقامات الموحدين ، وبه يصل إلى جوار رب العالمين ،  والنبي صلى الله عليه وسلم سيد الصابرين ، خاطبه الله تعالى بقوله تعالى : { وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } ،  وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } ،  وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ  } ، وقوله تعالى : { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى } ، وقوله تعالى : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ } ، وقوله تعالى : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } ، وقوله تعالى : { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ } ،  لقد صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وبلغ صبره مبلغًا عظيمًا ، اتهموه  بالكذب ، ورموه بالسحر والكهانة وقالوا ساحر كذاب ، فصبر الصبر الجميل ، كما أمره مولاه تعالى بقوله : { فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا  } ، وهذه صور عظيمة من صبره صلى الله عليه وسلم :  ( الموقف الأول  )  : جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : بينما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت ، وأبو جهل وأصحاب لـه جلوس ، وقد نحرت جزور بالأمس ، فقال أبو جهل : أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان ، فيأخذه فيضعه على ظهر محمد إذا سجد ، فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط ، فأخذه ، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه ، قال : فاستضحكوا ، وجعل بعضهم يميل على بعض ، وأنا أنظر ، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه ، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة ، فجاءت وهي جويرية ، فطرحته عنه ، [ البخاري ( رقم 240 ) ، ومسلم ( رقم 1794 ) ] ، ( موقف آخر من مواقف الصبر ) : وأخرج البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير ، قال : قلت لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال : بينما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ، فأخذ بمنكب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه ، فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر ، فأخذ بمنكبه ، ودفعه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال : { أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ } [ غافر : 28 ] [ أخرجه البخاري ] ، ( موقف آخر من مواقف الصبر ) : أخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد شيءٍ صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ((بينا رسول الله وسلم يصلي بفناء الكعبة؛ إذ أقبل عقبة بن أبي معيط وهو من الكفار، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا))  [ أخرجه البخاري ( 3856 ) ] ، ( موقف آخر من مواقف الصبر ) : أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (( يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال: فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال، فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى وحده لا يشرك به شيئًا ))  [ أخرجه البخاري ( 3231 ) و مسلم ( 1795 ) ] ،  ( موقف آخر من مواقف الصبر ) : صبره صلى الله عليه وسلم على المنافقين : ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارًا عليه إكَاف، تحته قطيفة فدَكِيَّة، وأردف وراءه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود، فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال: فلما غشيت المجلس عجاجة  الدَّابة ، خمَّر عبد الله بن أبي أنفه، ثم قال: لا تغبِّروا  علينا، فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء -يريد النبي صلى الله عليه وسلم- لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقًّا فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك ، قال: فاستبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى همُّوا أن يتواثبوا، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة ، فقال: أي سعد، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي- قال كذا وكذا ؟ فقال سعد رضي الله عنه : اعف عنه يا رسول الله واصفح ، فو الله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ، ولقد اصطلح أهل هذه البُحيرة أن يتوجوه فيعصِّبوه بالعصابة -أي يجعلوه ملكًا عليهم- فلما ردَّ الله ذلك بالحقِّ الذي أعطاكه شرق  بذلك، فلذلك فعل به ما رأيت، قال: فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم))  [ أخرجه البخاري ( 6254 ) و مسلم ( 1798 ) ] ،  ومِن صبره صلى الله عليه وسلم ، صبره صلى الله عليه وسلم على مشاق الحياة وشدتها : أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة : (( إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقلت: ما كان يُعيِّشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كان لهم منائح  ، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبياتهم فيسقيناه ))  [ أخرجه البخاري ( 6459 ) ] ، ومِن صبره صلى الله عليه وسلم ، ما أخرجه الترمذي : عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لقد أخفت في الله، وما يخاف أحد، وقد أوذيت في الله، وما يُؤذى أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون ما بين يوم وليلة وما لي طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ))  [ أخرجه الترمذي ( 2472 ) و أحمد ( 14087 ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي ( 2472 )] ،  ومِن صبره صلى الله عليه وسلم ، صبره صلى الله عليه وسلم على فقد الأولاد والأحباب ، فمات عمه أبو طالب، وتوفيت زوجته خديجة، وتوفي أولاده كلهم في حياته إلا فاطمة ، وقتل عمه حمزة ، ورأى مقتل ياسر أبو عمار ومقتل سمية أم عمار ، وكل من مات من أصحابه في حياته استشهادا في سبيل الله ، فما أعظم صبره صلى الله عليه وسلم ، والصحابة الكرام ضربوا أروع المثال في الصبر ، ( بلال بن رباح رضي الله عنه ) يعذبه أمية بن خلف على توحيده وإيمانه باللَّه تعالى ، يعذبه أشد العذاب ، ومن ذلك أن أمية كان يُخرج بلالاً إذا حميت الشمس في الظهيرة ، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصّخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى ، فيقول وهو في ذلك البلاء : أَحدٌ أحدٌ ، فصبر على ذلك حتى مر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه فاشتراه [  انظر : الإصابة في تمييز الصحابة ، 1/165 ، وسيرة ابن هشام ، 1/340 ، وسير أعلام النبلاء ، 1/347 ] ،  ( موقف من مواقف الصبر للصحابة الكرام رضي الله عنهم ) : عمار بن ياسر ، وأبوه ياسر ، وأمه سُميّة رضي الله عنهم يُعذبون أشد العذاب من أجل إيمانهم باللَّه – تعالى - ، فلم يردهم ذلك العذاب عن دينهم ؛ لأنهم صدقوا مع اللَّه فصدقهم اللَّه تعالى وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليهم وهم يعذبون ويقول لهم : (( صبراً آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة )) فرضي اللَّه عنهم وأرضاهم [ انظر : سير أعلام النبلاء ، 1/406 ، والإصابة ، 2/512 ، وسيرة ابن هشام ، 1/342 ] ، ( موقف من مواقف الصبر للصحابة الكرام رضي الله عنهم ) : أبو سلمة وأم سلمة رضي الله عنهما ، يصبران على البلاء العظيم ويقفان الموقف الحكيم الذي يدل على صدقهما مع اللَّه ، كان أبو سلمة أول من هاجر من مكة إلى المدينة ، قبل العقبة الثانية بسنة تقريباً ، بعد أن رجع أبو سلمة وزوجته أم سلمة من الهجرة إلى الحبشة آذته قريش ، وعلم بإسلام من أسلم من الأنصار ، فقرر الهجرة إلى المدينة – فراراً بدينه – ، فحمل زوجته أم سلمة ، وابنهما سلمة وقاد بهما راحلته وخرج متجهاً إلى المدينة ، وقبل أن يخرج من مكة لحقه رجال من بني مخزوم فقالوا لـه : هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيتك صاحبتك هذه عَلامَ نتركك تسير بها في البلاد ؟ ونزعوا خطام البعير من يده ، وأخذوا الراحلة وعليها أم سلمة وابنه سلمة ، وغضب لذلك رجال من بني عبد الأسد وقالوا : واللَّه لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا .  فتجاذب بنو مخزوم وبنو عبد الأسد الطفل حتى خُلِعَت يده ، وأخذه بنو عبد الأسد وحبس بنو المغيرة أم سلمة عندهم ، وانطلق أبو سلمة إلى المدينة هارباً بدينه .  قالت أم سلمة : ففرَّقوا بيني وبين زوجي وبيني وبين ابني ، فكنت أخرج كل غداة إلى الأبطح ، فما أزال أبكي حتى أمسي ، وذلك سنة أو قريباً منها حتى مرّ بي رجل من بني عمي – أحد بني المغيرة – فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة : ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها ، وبينها وبين ولدها ؟ قالت فقالوا لي : الحقي بزوجك إن شئت ، قالت : وردّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابني فارتحلت ببعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق اللَّه )) [ انظر : سير أعلام النبلاء ، 1/150 ، والإصابة في تمييز الصحابة ، 2/335 ، والبداية والنهاية لابن كثير ، 4/90 ، وسيرة ابن هشام ، 2/77 ] ،  ( موقف من مواقف الصبر للصحابة الكرام رضي الله عنهم ) :  خبيب بن عدي بن عامر رضي الله عنه عندما أسرته كفار قريش وعذبته حتى قُتِلَ شهيداً رضي الله عنه ، أخرج البخاري : قالت بعض بنات الحارث بن عامر : واللَّه ما رأيت أسيراً قطُّ خيراً من خبيب واللَّه لقد وجدته يوماً يأكل قِطفاً من عنبٍ في يده وإنه لمُوثَقٌ بالحديد وما بمكة من ثمرة .  وكانت تقول : إنه لرزق رزقه اللَّه خبيباً .  فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيبٌ : دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين ، فقال : واللَّه لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدت ،  ثم أنشأ يقول : ( فلست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان للَّه مصرعي ... وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يُبارك على أوصال شلو ممزع ) ، ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله ، وكان خبيب هو الذي سنَّ لكل مسلم قُتِلَ صبراً الصلاة [ البخاري : ( رقم 3045) و ( رقم 3989) ، وانظر : سير أعلام النبلاء ، 1/246 ] ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثاني عشر :  أخلاق المسلم مع الله : خلق  الشكر لله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الحادي عشر من أخلاق المسلم مع الله :  خلق الشكر لله : آيات كثيرة تحض على الشكر منها:  قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [ البقرة : 172 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ } [ البقرة : 243 ] ، فشكر الله تعالى من أعظم أخلاق المؤمن ،  وشكر الخالق عز وجل واجب على جميع خلقه ، فالله هو سبحانه الخالق والرازق والمنعم بنعم لا تعد ولا تُحصى يستحق الشكر والثناء ، قال تعالى : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [ النحل : 18 ] ، وقد أمرنا الله تعالى بشكره على تلك النعم ، وعدم جحودها ، فقال سبحانه : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ  } [ إبراهيم : 34 ] ، ظلوم صيغة مبالغة كثير الظلم لنفسه وإخوانه ، وكفار صيغة مبالغة  ترجع إلى كفرانه لنعمة الله تعالى فلا يشكرها ، وقال سبحانه : {  فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ } ،  وبين المولى تبارك وتعالى أنّ الإنسان إما أن يكون شاكرا  وإما أن يكون كفورا ، قال تعالى : { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } ، وبين أن إغواء الشيطان إنما بهدف الكفر بنعمة الله تعالى وعدم شكرها ، فقال تعالى : { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ } ، وبين سبحانه أنّ الشكر سبب في رفع البلاء ، فقال سبحانه : { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا }  ،  وجزاء الشكر لا يعلمه إلا الله ، قال تعالى : {  وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } ، وقال تعالى : { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ }  ،   ووضح القرآن الكريم أنّ من أجل صفات الخليل عليه السلام الشكر فقال سبحانه { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ، وكان من دعاء إبراهيم عليه السلام ما جاء في قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } ، ومن أجل صفات نبي الله نوح عليه السلام الشكر ، قال تعالى : { ذرية من حملنا مع نوح , إنه كان عبدا شكورا } ، جاء في التفسير : قال محمد بن كعب: كان نوح إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله، وإذا لبس قال: الحمد لله، وإذا ركب قال: الحمد لله فسماه الله عبداً شكوراً ، وعن مجاهد : قال: لم يأكل شيئاً إلا حمد الله عليه، ولم يشرب شراباً قط إلا حمد الله عليه، فأثنى الله عليه أنه كان عبداً شكوراً ، وكذلك أمر الله تعالى موسى عليه السلام بالشكر ، فقال تعالى : { يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين } ، وأمر الله تعالى آل دواد بالشكر فقال سبحانه : { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ  }  ، وقال تعالى عن سليمان عليه السلام : { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } ، ومن أجل صفات الحكمة شكر الله ، قال تعالى : { ولقد آتينا لقمان الحكمة , أن اشكر لله , ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه , ومن كفر فإن الله غني حميد }  ، وأمر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : {  بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } ، وقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجهد نفسه في العبادة وإحياء الليالي ، والقيام بين يدي ربه خاشعاً متبتلاً متحققاً بمقام الشكر ، ولهذا لما سئل عن سبب قيامه وإجهاد نفسه ، حتى تورمت قدماه قال : (( أفلا أكون عبداً شكوراً )) ، أخرج مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : ((   كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه .. قالت عائشة : يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟! ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا )) [ أخرجه مسلم ] ، فلم يكن الدافع لتكلفه مشقة العبودية حتى تتقرح قدميه الشريفتين صلى الله عليه وسلم سوى التحقق بخلق الشكر لله ،  وكان صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : (( أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك )) [ أخرجه أبو داود والنسائي ] ، و أخرج أبو داود والنسائي عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم  : (( كان إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاً) [صحيح الجامع (4681 ) ] ، وأخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم  : كان إذا أتاه أمر يسره قال : (( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال )) [صحيح الجامع (4649 ) ] ،  كما أمر الله تعالى كافة المؤمنين بشكره سبحانه ، فقال سبحانه : {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون}  ، وقال تعالى : { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، وقال تعالى : { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، وقال تعالى : {  كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } ،  وقال تعالى : { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، وقال تعالى : { فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } ، وبين سبحانه أنّ أكثر الناس لا يشكرون ، فقال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ  } ، قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } ، وقال تعالى : { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } ، وقال تعالى : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ } ، وبين سبحانه أنّ شكر النعمة يزيدها وكفر النعمة يمحقها ، فقال تعالى : { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ  } ،  وشكرنا لله تعالى يكون من خلال الالتزام بالشرع وطاعة أوامره والانتهاء عما نهى عنه سبحانه ، والشكر هو المجازاة على الإحسان بالثناء على المحسن وحقيقة الشكر شرعا هي اعتراف المؤمن بحصول النعمة من المنعم واقراره بذلك باللسان واستعمال النعمة في طاعة الله ، وللشكر أركان ثلاثة : شكر اللسان ، وشكر الأركان ، وشكر الجَنان ، أما شكر اللسان : فهو التحدث بنعم الله تعالى ، امتثالاً لقوله تعالى : {وأمَّا بنعمَةِ ربِّكَ فحَدِّثْ} [ الضحى : 11 ] ، وتطبيقاً لقوله عليه الصلاة والسلام : "التحدث بنعمة الله شكر" [ أخرجه الإمام أحمد ج4 ص375 ] ، وأما شكر الأركان : فهو العمل لله تعالى ، قال تعالى مشيراً إلى أن الشكر هو العمل : {اعملوا آلَ داودَ شُكْراً} [ سبأ : 13 ] ،  وقد أخرج مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تنفطر قدماه ، فقلت له : لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : " أفلا أكون عبداً شكوراً )) [ أخرجه مسلم ] ،  وأما شكر الجَنان : فهو أن تشهد أن كل نعمة بك أو بأحد من العباد هي من الله تعالى ، قال تعالى : {وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [ النحل : 53 ] ، فلا تحجبك رؤية النعم عن رؤية المنعم ، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة حيث قال : "من قال حين يصبح : اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ولك الشكر ، فقد أدى شكر يومه ، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته" [ أخرجه أبو داود والنسائي ] ، والشكر من أعظم الأخلاق وأعلى المقامات ، لأنه يتضمن الصبر والرضا والحمد وكثيراً من العبادات البدنية والقلبية ، ولهذا أمر الله تعالى به ، ونهى عن ضده ، وهو الكفر والجحود ، فقال :  { واشكروا لي ولا تكفرونَ} [ البقرة : 152 ] ، وقليل من يتصف بأخلاق الشكر والحمد والثناء على الله ، ولهذا كان الشاكرون هم القلة ، قال تعالى  : {وقليلٌ مِنْ عبَادِيَ الشكورُ} [ سبأ : 13 ] ، وقال تعالى : {وإنَّ ربَّكَ لذو فضلٍ على الناسِ ولكنَّ أكثَرَهُم لا يشكُرُونَ} [ النمل : 73 ] ، وتخلق المسلم بخلق الشكر يزيده قربا من الله ، قال تعالى : {لئِنْ شكرتُم لأزيدَنَّكُم} [ إبراهيم : 7 ] ، لماذا لأنّ الشكر صفة لله تعالى ، الشكر صفة لله تعالى ، ، و ( الشاكر ) و ( الشكور ) إسمان من أسماء الله تعالى الحسنى ، قال تعالى - في بيان اسمه الشاكر - : { وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } [ البقرة : 158 ] ، وقال تعالى { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } [ النساء : 147 ] ، قال تعالى - في بيان اسمه الشكور - : { وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } [ الشورى : 23 } ، وقوله تعالى : { إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ  } [ التغابن : 17 ] ، و ( الشاكر ) هو المادحُ لمن يطيعه والمثني والمثيب له بطاعته، و ( الشكور ) الذي يشكر القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل ولا يضيع أجر من أحسن عملاً ، بل يضاعفه بغير حساب ، وهو الذي يجازي بيسير الطاعات كثير الدرجات ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعيما في الآخرة غير محدود ، وربنا عز وجل هو الشكور الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليها الكثير من الأجر والثواب ، ويعطي الجزيل من النعمة فيرضى باليسير من الشكر ، { إن ربنا لغفور شكور } ، إذن الله عز وجل هو المتصف حقا بصفة الشكر ، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( بينما رجل يمشي بطريق ، وجد غصن شوك على الطريق فأخره ، فشكر الله له فغفر له  )) [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم  قوله : (( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها ، فشرب منها ، فإذا هو بكلب يلهث ، يأكل الثرى من العطش ، فقال : لقد بلغ هذا الكلب من العش مثل الذي بلغ بي ، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسك بفيه ، ثم رقي ، فسقى الكلب ، فشكر الله له فغفر له  )) ، فالله تعالى غفور شكور ، يشكر القليل من العمل ، ويغفر الكثير من الزلل ، ويضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب ، ويشكر الشاكرين ، ومن عظيم شكره سبحانه ، أنّه يذكر من ذكره ، ومن تقرب إليه بشيء من الأعمال الصالحة تقرب إليه بالثواب أكثر ، وفي الحديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه عن ربه : قال : (( إذا تقرب العبد إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ، وإذا تقرب إليّ ذراعاً تقربت منه باعاً ، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة )) ، [ أخرجه البخاري ] ، ومن عظيم شكره سبحانه ،  ما جاء في الحديث المتفق عليه : ((  أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة  )) [ متفق عليه ] ، ومن عظيم شكره سبحانه ، ما جاء في الحديث : (( للهُ أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح  )) [  أخرجه مسلم ، ( 2747 ) ] ، إنّ نعم الله تعالى لا حصر لها ، قال سبحانه : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } ،  نعم الله تعالى  كثيرة ، لا تعد ولا تحصى ، ولكن الإنسان ظلوم كفار ، لا يشكر نعم الله عليه ، ومن عادته أنه يكفر بالنعمة كما قال سبحانه عن الشيطان : { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين  } ، لقد أمرنا ربنا بشكر نعمه فقال سبحانه : { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } ، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : { بل الله فاعبد وكن من الشاكرين } ، والشكر مانع من العذاب ، قال سبحانه : { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما } ،  وشكر النعمة سبب لزيادتها ، وكلما ازداد شكر المؤمن للنعمة زادت النعمة ، قال سبحانه : { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } ، جاء عن  الفضيل بن عياض : عليكم بملازمة الشكر على النعم ، فقل نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم 0 من عرف نعمة الله بقلبه ، وحمده بلسانه ، لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة لقول الله تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم  } [ عدة الصابرين ( 144) ] ، والشاكرون لنعم الله قليلون ، والكثرة الكاثرة من الناس لا يشكرون ربهم على ما من عليهم من النعم ، قال سبحانه : { وقليل من عبادي الشكور } ، وقال سبحانه : { إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } ،  وأكثر الناس يغفل عن شكر نعمة الله عز وجل ، ومن أسباب ذلك :  الغفلة عن النعمة : ولذلك أمرنا الله تعالى بتذكر النعم فقال سبحانه : { واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة } ، ومنها الجهل بحقيقة النعم : فمن الناس من إذا رأى نعمة الله له ولغيره لم ير أنه يختص بها ، فلا يشكر النعمة ، وهذا جهل بحقيقة النعمة ، ومنها : نظر بعض الناس إلى من فوقه : فينسى فضل الله تعالى عليه ، فيكفر بنعم الله عليه الكثيرة ، ولذلك ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة ربكم عليكم  )) [ متفق عليه ] ،  إنّ شكر النعمة يحفظها ويزيدها وكفر النعمة يمحقها ، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْإِبِلُ ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا قَالَ فَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْبَقَرُ فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا قَالَ فَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ قَالَ فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْغَنَمُ فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا قَالَ فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ الْإِبِلِ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْبَقَرِ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْغَنَمِ قَالَ ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدْ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي فَقَالَ الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ فَقَالَ لَهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ فَقَالَ إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ قَالَ وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ قَالَ وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي فَقَالَ قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوَ اللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ فَقَالَ أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ )) [ متفق عليه ] ، يدلنا الحديث على أنّ شكر نعم الله تعالى يحفظها ويزيدها وكفر النعمة يمحقها ، فإنّ الأبرص والأقرع جحدا نعمة الله تعالى ، فصيره الله تعالى إلى ما كان ، وأما الأعمى فكان من الشاكرين فحفظ الله تعالى عليه النعمة وثبتها لها وزادها عليه ، مصداقا لقوله تعالى : { { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } ،  [ ومن أقوال السلف في الشكر ]:  قال الحسن : أكثروا من ذكر هذه النعم  ، فإن ذكرها شكر ، وقد أمر الله نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } [ الضحى :11 ] ، والله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فإن ذلك شكرها بلسان الحال  ، وكان أبو المغيرة إذا قيل له : كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال : "أصبحنا مغرقين في النعم ، عاجزين عن الشكر ، يتحبب إلينا ربنا وهو غني عنَّا ، ونتمقت إليه ونحن إليه محتاجون  ، وقال شريح  : ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم  : ألا تكون كانت في دينه ، وألا تكون أعظم مما كانت ، وأنها لابد كائنة فقد كانت  ، وعن سفيان في قوله تعالى  : { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ } [ القلم : 44 ] قال  : يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر  ، وعن مطرف بن عبد الله قال : لأن أعافى ، فأشكر؛ أحب إلي : من أن أبتلى ، فأصبر [  حلية الأولياء (2/ 200)  ]  ،  وعن عمرو بن السكن قال : كنت عند سفيان بن عيينة ، فقام إليه رجل من أهل بغداد؛ فقال : يا أبا محمد ، أخبرني عن قول مطرف : لأن أعافى ، فأشكر؛ أحب إلي : من أن أبتلى ، فأصبر؛ أهو أحب إليك ، أم قول أخيه أبي العلاء : اللهم ، رضيت لنفسي ما رضيت لي؟ قال : فسكت سكتة؛ ثم قال : قول مطرف : أحب إلي؛ فقال الرجل : كيف ، وقد رضي هذا لنفسه ما رضيه الله له؟ قال سفيان : إني قرأت القرآن ، فوجدت صفة سليمان مع العافية التي كان فيها : { نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ صّ : 30 ]. ووجدت صفة أيوب مع البلاء الذي كان فيه : { نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ صّ : 44 ] ، فاستوت الصفتان ، وهذا معافى ، وهذا مبتلى؛ فوجدت الشكر قد قام مقام الصبر؛ فلما اعتدلا : كانت العافية مع الشكر ، أحب إلي ، من البلاء مع الصبر [ حلية الأولياء (2/ 212 - 213) ] ، عن عون بن عبد الله قال : الخير الذي لا شر فيه : الشكر مع العافية؛ فكم من منعم عليه ، غير شاكر؛ وكم من مبتلى ، غير صابر [ حلية الأولياء(4/ 254) ] ، وقال رجل لأبي حازم - سلمة بن دينار - : ما شكر العينين؟ فقال : إن رأيت بهما خيراً ، أعلنته؛ وإن رأيت بهما شراً ، سترته؛ قال : فما شكر الأذنين؟ قال : إن سمعت بهم خيراً ، وعيته ؛ وإن سمعت بهما شراً ، دفنته ؛ قال : ما شكر اليدين؟ قال : لا تأخذ بهما ما ليس لك ، ولا تمنع حقاً لله هو فيهما ؛ قال : وما شكر البطن؟ قال : أن يكون أسفله طعاماً ، وأعلاه علماً؛ قال؟ وما شكر الفرج؟ قال : كما قال الله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } ، [ المؤمنون : 5-  7 ] [ حلية الأولياء (3/ 243) ] ،  وعن الإمام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال : إذا أنعم الله عليك بنعمة ، فأحببت بقائها ودوامها : فأكثر من الحمد والشكر عليها ، فإن الله عز وجل قال في كتابه : { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [ إبراهيم : 7 ] ، وإذا استبطأت الرزق : فأكثر من الاستغفار ، فإن الله تعالى قال في كتابه : { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [ نوح :10ـ12 ] [ حلية الأولياء(3/ 193) ] ، ، وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرُّك ببصرك هذه مائة ألف درهم؟ قال: الرجل: لا. قال فبيديك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فذكَّره نعم الله عليه. فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف، وأنت تشكو الحاجة؟!. [ إنّ الطريق إلى شكر النعم ] إنما يكون بتذكر النعم واستحضارها ، قال سبحانه : { يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض }  ، ويكون بذكرها والحديث عنها ، قال سبحانه : { وأما بنعمة بربك فحدث } ، وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء نردده كل صباح ومساء : (( اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )) [ أخرجه أبو داود ] ،  ويكون بالدعاء إلى الله تعالى أن يعيننا على شكر نعمه ، كما جاء في قوله تعالى : { رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي } ،  وثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ : (( يا معاذ والله إني لأحبك في الله ، ثم أوصيك يا معاذ ، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك )) [ أخرجه أبو داود ] ، وبهذا تثبت النعم وتزيد النعم ،  قال سبحانه : { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } ،  وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما جالسين فقال : ما أجلسكما ههنا ، قالا : والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع ، فقال : والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره ، فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار ففرح وذبح لهم وأكرمهم ، فأكلوا وشربوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لتسألن عن هذا يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا فهذا من النعيم )) [ أخرجه مسلم ] ، إنّ شكر النعمة يشمل شكرها بالقلب واللسان والجوارح ، أما شكر القلب فيكون بمعرفة القلب وإقراره بأن النعم التي تصيبه كلها من الله سبحانه تفضلا منه وإحسانا ، { وما بكم من نعمة فمن الله } ، فلا يقول كما قال قارون : { إنما أوتيته على علم عندي } ، ولكن يقول كما قال سليمان عليه السلام : { هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر } ، وشكر القلب يكون أيضا بالرضى بقضاء الله وقدره ، وتسليم الأمر كله لله ، وأما شكر اللسان فيكون بالثناء على الله بنعمه وحمده عليها ، أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها )) [ أخرجه مسلم ] ، وأما شكر الجوارح فهو ملازمة الطاعات ، ومجانبة المعاصي والزلات ، والتقرب إلى خالق الأرض والسموات ظاهرا وباطنا ، وتحقيق العبودية لله ، إنّ نعم الله تعالى علينا كثيرة ، لا تعد ولا تحصى ، نعمة الإسلام وكفى بها نعمة ، ونعمة الإيمان وكفى بها نعمة ، ونعم الأمن والأمان ، ونعم الصحة والعافية ، نعمة الفراغ ، ونعم المال والمسكن والملبس والمشرب ، نعم السمع والبصر واللسان ، وكل تلك النعم يحتاج  إلى شكر  ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشاكرين ، كان صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين يصلي حتى تتورم قدماه فلما سئل أتفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال : (( أفلا أكون عبدا شكورا )) [ متفق عليه ] ،  اللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين ، وجملنا بأخلاق الشاكرين الحامدين ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثالث عشر :  أخلاق المسلم مع الله : خلق المحبة لله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الثاني عشر من أخلاق المسلم مع الله :   خلق المحبة لله ، والذين آمنوا أشد حبا لله ، المحبة من أعظم الأخلاق مع الله ، ومحبة الله من أعظم مقامات العبادة تدور عليها رحى الطاعة والسير إلى الله لأنها تسوق المؤمن إلى القرب وترغبه في الإقبال على الله ، قال تعالى في وصف المؤمنين : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } ، وفي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا للّه ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه كما يكره أن يلقى في النار )) [ متفق عليه ] ، فمحبة الله يذوق بها العبد حلاوة الإيمان ، وخلق المحبة معناه إيثار دين الله وشرعه على ما سواه بالتزام أمره واجتناب نهيه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في كل كبير وصغير وسلوك طريق المؤمنين ونصرتهم ومودتهم وصرف المحبة الإيمانية لكل محبوب لله والبعد عن كل ما يسخط الله وينافي محبته ، وخلق المحبة عليه دليل ، قال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ، فهذه الآية هي آية الامتحان يمتحن بها كل من يدعي محبة الله فإن كان متبعا للسنة كان صادقا في دعواه وإن كان معرضا عن السنة كان كاذبا في دعواه ، أما دعوى المؤمن الصادقة لمحبة الله ورسوله تنفعه بإذن الله ولو قصر في العمل لما ثبت عند الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أين السائل عن قيام الساعة فقال الرجل أنا يا رسول الله قال ما أعددت لها قال يا رسول الله ما أعددت لها كبير صلاة ولا صوم إلا أني أحب الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب وأنت مع من أحببت فما رأيت فرح المسلمون بعد الإسلام فرحهم بهذا ) [ أخرجه البخاري ] ، وأعظم الأدلة على كمال خلق المحبة ، قوله تعالى : { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } ،  والمؤمنون في خلق المحبة لله على مراتب ثلاث : المرتبة الأولى : كامل المحبة لله تعالى وهو من التزم السنن والواجبات واجتنب المكروهات والمحرمات. وهذا حال المحسنين والأصفياء من هذه الأمة ، المرتبة الثانية : مقتصد المحبة لله تعالى وهو من اقتصد في عمله فواظب على الواجبات وترك المحرمات ولم يتزود من الصالحات ، وهذا حال المؤمنين الصالحين ، والمرتبة الثالثة : ناقص المحبة لله تعالى وهو من قصر في فعل الواجبات وارتكاب المحرمات وأسرف على نفسه بالسيئات ، وهذا حال أهل الغفلة والهوى من هذه الأمة ، أما المنافق والكافر فقد خلا قلبه من محبة الله الخالصة وانصرف حبه للآلهة والأنداد من دون الله وساووهم بمحبة الله فأشركهم في محبة الله كما ذمهم الله بذلك بقوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } ، وخلق المحبة يحقق الولاية ومحبة الله تعالى للعبد ،  لقوله صلي الله عليه وسلم : (( إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر فيه ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعـطينه ولئن استعاذني لأعيذنه )) [ أخرجه البخاري ] ، وإذا نال العبد محبة الله سدد الله تعالى سمعه وبصره ويده ورجله وأيده بتوفيقه وصانه عن الرذائل فلا يستعمل جوارحه إلا في المباحات وإذا أحب الله عبدا حماه من فتنة الدنيا ، لأن الدنيا لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة ، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء )) [ أخرجه الترمذي في سننه،  ح ( 2320 ) وصححه الألباني ] ،  فعلامة التوفيق في العبد إعراضه عن الدنيا وفراره من فتنتها وخشيته من زخرفها وعلامة الخذلان والحرمان للعبد إقباله على الدنيا وفرحه بها وافتتانه بزخرفها والانغماس في ملذاتها ، وليس أضر على قلب المؤمن ودينه من حب الدنيا وأهلها ، قال تعالى : { وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ } ، وقال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } ، وقال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل إن الله تعالى يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض )) [ متفق عليه ] ، وخلق المحبة من أوثق عرى الإيمان ، ولهذا ورد في الحديث : (( من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان )) [ أخرجه أبو داود ] ، وأخرج الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "كان من دعاء داود عليه السلام : اللهم إِني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك ، اللهم اجعل حبك أحب إِلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد" [ أخرجه الترمذي ] ،  والقرآن الكريم دلنا على من يحبهم الله ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 54 إلى 56 ] ، فهذه الآيات الكريمات اشتملت على أخلاق أولئك الذين { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } :  أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ، ولا يخافون لومة لائم ، { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ،  والذين يحبهم الله معلمون في القرآن الكريم ، كما جاء في قوله تعالى : { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } ، وقوله تعالى : { بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } ، وقوله تعالى : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ، وقوله تعالى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى : { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } ، وقوله تعالى : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } ، وقوله تعالى : { فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } ، وقوله تعالى : { لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } ، وقوله تعالى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } ، وقوله تعالى : { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } ، وقوله تعالى : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } ،  إنّ المحبة من أعظم الأخلاق مع الله ، وهي من أعظم مقامات العبادة لأنها تسوق المؤمن إلى القرب من الله ، وترغبه في الإقبال على الله ، [ ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في خلق المحبة ] ، أخرج البخاري ومسلم : عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : (( جاء رجل إلى النَّبي عليه السلام فقال: يا رسول اللَّه، كيف تقول في رجل أحبَّ قومًا، ولم يلحق بهم؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحبَّ )) [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم : (( أنَّ رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له، على مدرجته، ملكًا فلمَّا أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربَّها؟ قال: لا، غير أنِّي أحببته في الله عزَّ وجلَّ، قال: فإنِّي رسول الله إليك، بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببته فيه )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى عليه وسلم أخذ بيده، وقال : (( يا معاذ، واللَّه إنِّي لأُحبُّك، واللَّه إنِّي لأُحبُّك، فقال: أوصيك يا معاذ، لا تدعنَّ في دبر كلِّ صلاة تقول: اللَّهمَّ أعنِّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك )) [ أخرجه أبو داود والنسائي ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تدخلون الجنَّة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا، أولا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله ... وذكر منهم... ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه )) [ متفق عليه ] ، [ ما هي منزلة المحبة من العبودية ] : قال بعض الصالحين :(  القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر ؛ فالمحبة رأسه ، والخوف ، والرجاء جناحاه ؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيِّدُ الطيران ، ومتى قطع الرأس مات الطائر ، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر )  ، وقال بعض أهل العلم  : ( من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري ، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد ) ، إن الناظر في سير الصالحين والباعث لهم على إكثار العبادات، وملازمة الطاعات يرى أن سبب ذلك كله هو المحبة لله ، والخوف والخشية من الله تعالى، والرجاء لما عنده سبحانه ، [[ ما هي الأسباب المورثة للمحبة ]] :  [ جاء في كتاب مدارج السالكين :  ص11 - 12] " من الأسباب المورثة للمحبة أموراً كثيرة ، وأهمها عشرة :  أحدها : قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به ، والثاني : التقرب إِلى الله بالنوافل بعد الفرائض ،  والثالث : دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا التذكر ،  والرابع : إِيثار محابِّ الله على محابِّك ، وإيثار هدي النبي صلى الله عليه وسلم  عند غلبة الهوى ،  والخامس: مطالعة القلب لأسماء الله تعالى وصفاته ومشاهدتُها ومعرفتها، وتقلبُه في رياض هذه المعرفة ومباديها ، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالة ، والسادس: مشاهدة بره وإِحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة ، فإِنها داعية إِلى محبته ، والسابع: انكسار القلب بكليته بين يديه تعالى تذللاً وتواضعاً ، والثامن: الخلوة به وقت التجلي الإِلهي لمناجاته لاسيما في الأسحار، وتلاوةُ كلامه، والوقوفُ بالقلب والتأدبُ بين يديه، ثم ختْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة ، والتاسع : مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقي أطايب الثمر. ومن الأدب في مجالستهم ألاَّ تتكلم في حضرتهم إِلا إِذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمتَ أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك ،  والعاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل ، فمن هذه الأسباب وغيرها وصل المحبون إِلى منازل المحبة ، [[ علامات المحبة ]] :  من السهل أن يدعى الإنسان المحبة ( محبة الله ورسوله )  ، وما أسهل دعوى اللسان ، ولذلك جعل الشرع الحكيم  للحب الصادق علامات تدل عليه ، ومن تلك العلامات : ( العلامة الأولى ) حب اللقاء ، ولهذا أخرج البخاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه )) [ متفق عليه ] ، ولهذا كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، يحبون الشهادة في سبيل الله، ويقولون حين يُدَعْون للمعركة: مرحباً بلقاء الله ، فهذا أنس بن النضر الأنصاري عم أنس بن مالك رضي الله عنه ، أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال : يا رسول اللَّه غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين ، واللَّه لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليريَنّ اللَّه ما أصنع .  فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال : اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال : أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد .  فقاتلهم حتى قتل .  قال أنس : فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة : من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به ، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه ، ونزلت هذه الآية :  { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا } [ الأحزاب : 23 ] ، قال فكنا نقول : نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه [ البخاري : ( رقم 2805) ، ومسلم : ( رقم 1903 ) ،  ] ،  وهذا عُمير بن الحُمام رضي الله عنه : أخرج مسلم في صحيحه : أنّ عُمير بن الحُمام في بدر حينما سمع رسول اللَّه يقول لأصحابه : (( قومُوا إلى جَنّةٍ عرضُهَا السّماوات والأرضُ )) فقال : يا رسول اللَّه جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال : (( نعم )) ،  قال : بخ بخ ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( ما يحملك على قولك بخ بخ ؟ )) ، قال : لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها .  قال : (( فإنك من أهلها )) فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل من تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل [ مسلم : ( رقم 1901) ] ،  ( موقف آخر من مواقف المحبة ) : بلال رضي الله عنه ، وعند وفاته رضي الله عنه تبكي زوجته بجواره ، فيقول لها وهو فرح مسرور ( غداً ألقى الأحبة ، محمداً وصحبه ) ، رضي الله عنه وأرضاه ، تذكر كتب السيرة أنّه رضي الله عنه لم يستطع الآذان للصلاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، كانت تأخذه عبرة شديدة إذا وصل إلى قوله ( أشهد أنّ محمدا رسول الله ) ، لا يستطيع بعدها أن يكمل الآذان ، فذهب يستأذن أبا بكر الصديق للذهاب إلى الشام للجهاد في سبيل الله ، فأبى عليه الصديق رضي الله عنه ، رغبة في بقائه ، وقال له : بل ابق وأذن لنا يا بلال،  فقال بلال رضي الله عنه : إن كنت قد أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد ، وان كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له ،  فقال أبو بكر رضي الله عنه : ( بل أعتقتك لله ) فسافر إلى الشام رضي الله عنه حيث بقي مرابطا ومجاهدا ، وبعد سنين يرى بلال رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وهو يقول  :(( ما هذه الجفوة يا بلال ؟ ما آن لك أن تزورنا؟ )) ، فانتبه حزيناً ، فركب إلى المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ،  وجعل يبكي عنده  ، فأقبل الحسن والحسين فجعل يقبلهما و يضمهما  فقالا له : (نشتهي أن تؤذن )  فعلا سطح المسجد فلمّا قال : ( الله أكبر الله أكبر ) ، ارتجّت المدينة فلمّا قال : ( أشهد أن لا إله إلا الله )  زادت رجّتها فلمّا قال : ( أشهد أن محمداً رسول الله ) خرج النساء من خدورهنّ ، فما رؤي يومٌ أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم ، وعندما زار الشام أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه طلب المسلمون إليه أن يحمل بلالا رضي الله عنه على أن يؤذن لهم صلاة واحدة ، ودعا أمير المؤمنين بلالا رضي الله عنه ، وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لها، وصعد بلال وأذن ، فبكى الصحابة ،  وكان عمر أشدهم بكاء ، وهذا بلال رضي الله عنه عند وفاته تبكي زوجته بجواره ، فيقول لها وهو فرح مسرور ( غداً ألقى الأحبة ، محمداً وصحبه ) ، إذن العلامة الأولى : حب اللقاء ، (( مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ))  ، و ( العلامة الثانية من علامات المحبة ) : اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله ، وأن يكون مؤثِراً ما أحبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم  على ما يحبه في ظاهره وباطنه، فيلزم الطاعة، ويجتنب الكسل واتباع الهوى ، قال تعالى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ آل عمران : 31 ] ، ومَنْ أحبَّ الله لا يعصيه، ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: [ تعصي الإِلهَ وأنتَ تُظهر حبَّه     هذا لَعمري في القياس بديعُ   لو كان حبُّك صادقاً لأطعتَه      إِنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ ] ، فطاعة الله تعالى ومحبته تستلزم اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال والأخلاق، و ( العلامة الثالثة ) الإكثار من ذكر الله ، لا يفتُرُ عنه لسانه، ولا يخلو عنه جنانه ، فمَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره ، قال الشاعر : [ خيالُكَ في قلبي وذِكرُكَ في فمي    ومثواكَ في قلبي فأين تُغيَّبُ ] ، و ( العلامة الرابعة  ) : أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاتهِ لله تعالى وتلاوةِ كتابه، فيواظب على التهجد ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت، فأقل درجات المحبة التلذذُ بالخلوة بالحبيب، والتنعمُ بمناجاته ، و ( العلامة الخامسة ) : أن لا يتأسف على ما يفوته من أمر الدّنيا مما سوى الله عز وجل ، ويُعظمَ تَأسفَه على فوت كل ساعة خلتْ عن ذكر الله وطاعته ، قال تعالى : { لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } [ الحديد : 32 ] ، أي من أمر الدنيا ، فإنما هي متاع الغرور ، قال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } ، وقال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ،  و ( العلامة السادسة ) :  الوحشة من دار الغرور ، والأنس بالله والرضا به ومناجاته بالأسحار ، وعلامة الأنس بالله : التلذذُ بذكر الله ، وعدمُ الاستئناس بالخلق  ، الله ارزقنا الأنس بك والمحبة لك ، لقد رأى المحبون الصادقون في حبهم لله ولما يحبه الله ، رأوا : أن من أعظم منازل العبودية الحب الصادق لله ، قال بعض أهل الحب لله : [  فليتَك تحلو والحياةُ مريرةٌ       وليتك ترضى والأنامُ غضابُ   وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ     وبيني وبين العالمين خرابُ  إِذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هينٌ     وكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ ] ، أهل الحب في الله هم الذين يصدق فيهم الحديث القدسي : (( وما تقربَ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإِذا أحببْتُه كنت سمعَهُ الذي يسمع به، وبصرَهُ الذي يبصر به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورجلَهُ التي يمشي بها، وإِنْ سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه )) [ أخرجه البخاري ] ،  ومحبة الله تعالى تستلزم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  } [ التوبة : 24 ] فَالآيَةُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ تعالى وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مَهْمَا كَانَ ، إِنَّ المَحَبَّةَ الكَامِلَةَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّتِي يَنْجُو بِهَا العَبْدُ مِنَ العَذَابِ ، وَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا النَّعِيمَ ؛ يَجِبُ أَنْ تَتَجَاوَزَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ ، وَتَتَخَطَّى مَحَبَّتَهُ لِوَالِدَيْهِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَمْوَالِهِ ،  وقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ))  ،  لقد ضرب الصحابة الكرام أروع الأمثلة في خلق المحبة ، ومن ذلك : ( موقف من مواقف المحبة ) : أخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة عن عائشة قالت : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله: إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلى من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك وعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا }  ،  ( موقف آخر من مواقف المحبة ) : أخرج البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّاعَةِ فَقَال:َ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ )) [  أخرجه البخاري ح (3412) ] ، ( موقف آخر من مواقف المحبة ) : ذكر صفي الرحمن المباركفوري في [ الرحيق المختوم : 220 ] : ((مر النبي صلى الله عليه وسلم  بامرأة من بني دينار ، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها بأحد ، فلما نعوا لها قالت ‏:‏ فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ ؟‏ قالوا‏ :‏ خيراً يا أم فلان ، هو بحمد الله كما تحبين ، قالت ‏:‏ أرونيه حتى أنظر إليه ، فأشير إليها حتى إذا رأته قالت‏ :‏ كل مصيبة بعدك جَلَلٌ ـ تريد صغيرة‏ )) ، ( موقف آخر من مواقف المحبة ) : صهيب الرومي رضي الله عنه لما خرج من مكة مهاجراً يريد الالتحاق بحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم لحق به كفار قريش يريدون منعه من إكمال مسيره نحو الغاية التي يريد ، فأعطاهم ما يملك ، فتركوه وشأنه فأنزل الله تبارك وتعالى فيه  { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } [ البقرة : 207 ] ، وهكذا هو شأن الصحابة الكرام يضحي أحدهم بما يملك لينال شرف الصحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم  ، ذكر الإمام القرطبي في [ تفسيره : 3 / 23 ] : نزلت  { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ }  في صيهب فإنه أقبل مهاجراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتبعه نفر من قريش ، فنزل عن راحلته ، وانتثل ما في كنانته وأخذ قوسه وقال : لقد علمتم أني من أرماكم ، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ،  ثم افعلوا ما شئتم فقالوا : لا نتركك تذهب عنا غنياً وقد جئتنا صعلوكاً ، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك وعاهدوه على ذلك ففعل ، فلما قَدِم على رسـول الله صلى الله عليه وسلم نزلت : { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } الآية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ربح البيع أبا يحيى ، وتلا عليه الآية ، أخرجه رزين وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما ، وقال المفسرون : أخذ المشركون صهيباً فعذبوه فقال لهم صهيب : إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم ، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني ؟ ففعلوا ذلك ، وكان شرط عليهم راحلة ونفقة ، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال فقال له أبو بكر : ربح بيعك أبا يحيى فقال له صهيب : وبيعك فلا يخسر فما ذاك ؟ فقال : أنزل الله فيك كذا وقرأ عليه الآية : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } )) أهـ ،  ( موقف آخر من مواقف المحبة ) : قدم أبو سفيان المدينة ، فدخل على أبنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه ، فقال‏ :‏ يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عني‏ ؟‏ قالت ‏:‏ بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت رجل مشرك نجس )) ‏ ،  تأولت رضي الله عنها الآية : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ المجادلة : 22 ] ،  هذا حال الصحابة الكرام : صدقوا في محبتهم لدين الله ، امتثلوا قول الله : { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  } [ التوبة : 24 ] ، فكانت مَحَبَّةَ اللهِ تعالى وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومحبة دينه الإسلام أولى من كل شيء ، قدموا مراد الله ومراد رسوله ، على كل حطام الدنيا الزائل ، صدق فيهم الحديث القدسي : (( وما تقربَ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإِذا أحببْتُه كنت سمعَهُ الذي يسمع به، وبصرَهُ الذي يبصر به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورجلَهُ التي يمشي بها، وإِنْ سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه )) [ أخرجه البخاري ] ، صدق في حالهم ومقالهم ، ما قاله بعض أهل الحب لله : [  فليتَك تحلو والحياةُ مريرةٌ       وليتك ترضى والأنامُ غضابُ   وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ     وبيني وبين العالمين خرابُ  إِذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هينٌ     وكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ ] ، أحبوا الله فأحبهم الله واختارهم لنصرة دينه مصداقا لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ،  اللهم ارزقنا حبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك ،  اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم رسولك صلى الله عليه وسلم : (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا للّه ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه كما يكره أن يلقى في النار )) [ متفق عليه ] ، اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم رسولك صلى الله عليه وسلم : (( إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل إن الله تعالى يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض )) [ متفق عليه ] ، وخلق المحبة من أوثق عرى الإيمان ، اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم رسولك صلى الله عليه وسلم : (( من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان )) [ أخرجه أبو داود ] ، اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم رسولك صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم  )) [ رواه مسلم ] ، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم ارزقنا خلق المحبة من أوثق عرى الإيمان ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، 

****

 

الدرس الرابع عشر : أخلاق المسلم مع الله : خلق  الخشية والخوف من الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الثالث عشر من أخلاق المسلم مع الله :  خلق الحشية من الله والخوف من الله  : الخشية من الله تعالى خلق عظيم من أخلاق المؤمن مع الله ، بل هي شرط من شروط الإيمان قال تعالى : { فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ سورة التوبة :13 ] ، والخشية من الله مقام العلماء ( علماء البصر والبصيرة ) , قال سبحانه : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [ سورة فاطر : 28 ] ، والخشية خلق لا يتصف به إلا عباد الله المتقين وأوليائه المحسنين : قال الله تعالى:  { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [ سورة الأنفال : 2  ] ،  قال تعالى : { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ سورة الزمر : 23 ] ، وقد عاب الله تعالى على بني إسرائيل قساوة قلوبهم وعدم خشيتهم له سبحانه فقال تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [ سورة البقرة : 74  ] ، وضرب لنا سبحانه مثلا طيبا في الخشية من الله عند سماع آياته فقال: { لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ سورة الحشر : 21 ] ، وقد وصف الله تعالى بها عبادة المؤمنين الصالحين فقال تعالى : { إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ سورة فاطر : 18  ] ، وقال تعالى :  { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } [ سورة المؤمنون : 57 إلى 61 ] ، ومن أهم ثمار خلق الخشية من الله تعالى :  الهداية والصلاح  : قال تعالى : { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } [ سورة التوبة : 18 ] ، ومن أهم ثمار خلق الخشية من الله تعالى : الفوز والفلاح : قال تعالى : { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } [ سورة النور : 52 ] ، ومن أهم ثمار خلق الخشية من الله تعالى : المغفرة والأجر الكبير:  قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [ سورة الملك : 12 ] ، ومن ثمار هذا الخلق القويم دخول الجنة والنجاة من النار : قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } [ البينة  : 7 ، 8 ] ،  وقال سبحانه { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ ق : 34 ، 35 ] ،  عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبِيلِ اللَّهِ )) [ أخرجه الترمذي ح (1639) ] ،  والخشية من الله ، والخوف من الله متقاربان في المعنى ،  وفي الفرق بين الخشية والخوف ،يقول المولى تبارك وتعالى – آمرا نبيه موسى عليه السلام - : { فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى } ، أي لا تخاف من إدراك فرعون وجنده لكم ، ولا تخشى الغرق ، والغرق أعظم ليس فيه نجاة في الغالب ، أما الدرك فقد يتمكنوا من الهروب منهم ، ولهذا كانت الخشية أعظم من الخوف ، وقد جمع الله الخشية والخوف في قوله تعالى : { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب } [ الرعد : 21 ] ، فالخشية من الله والخوف من عذاب الله ، فالخشية هي الخوف مع المهابة والإجلال ، والخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من تخشاه و كمال سلطانه ، وغالبًا ما تكون الخشية عن علم وبصيرة ، ولذلك خص بها العلماء  ، قال تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [ سورة فاطر : 28 ] ، إذن الخشية أعلى مرتبةً من الخوف في مقام العبودية ، لأنها خوف ورهبة ووجل وتعظيم وإجلال ، و الخشية مرتبة وصل إليها الأنبياء و الرسل ، قال تعالى : { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } ، وأما الخوف فهو خوف من عذاب الله ومن مقام الله ، قال تعالى : {   وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] ، قال تعالى : {  وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *  فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } [ النازعات : 41 ] ،  اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعلانية , فإن من رُزق خشيتك كان من العلماء ، قال سبحانه : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [ سورة فاطر : 28 ] ،  [ والخوف من الله من أجل الأخلاق ] ، قال تعالى : {  فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 175 ] ،  وهو من أخلاق الملائكة المكرمين ، قال تعالى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ النحل : 49 ، 50 ] ، وهو من أخلاق الرسل الكرام  ، قال تعالى : { قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [ الأنعام : 15 ] ، وهو من صفات الذين أحبهم الله تعالى ويحبونه ، قال تعالى : {   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ المائدة  : 54 ] ، وهو من أبرز أخلاق الصحابة الكرام ، قال تعالى : { رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ النور : 37 ، 38 ] ،  ومقام الخوف من الجليل سبحانه له عند الله تعالى الأجر العظيم ، وهو من أخلاق المحسنين أصحاب أعلى الدرجات في الجنة  ،  قال تعالى : {  وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *  فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } [ النازعات : 40 ، 41 ] ،  وقال تعالى : {   وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 46 إلى 78 ] ،  جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني : [[  [ ولمن خاف مقام ربه جنتان ] أي وللعبد الذي يخاف قيامه بين يدي ربه للحساب جنتان : جنة لسكنه ، وجنة لأزواجه وخدمه ، كما هي حال ملوك الدنيا ، حيث يكون له قصر ولأزواجه قصر [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] (أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن ؟ ) ثم وصف تعالى الجنتين فقال :  [ ذواتا أفنان ] أي ذواتا أغصان متفرعة وثمار متنوعة ، قال في البحر : وخص الأفنان - وهي الغصون - بالذكر لأنها التى تورق وتثمر ، ومنها تمتد الظلال ، وتجنى الثمار ، [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن ، [ فيهما عينان تجريان ] أي في كل واحدة من الجنتين عين جارية ، تجري بالماء الزلال ، كقوله تعالى : [ فيها عين جارية ] قال ابن كثير : أي تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان ، فتعمر من جميع الألوان قال الحسن : تجريان بالماء الزلال إحداهما التسنيم ، والأخرى السلسبيل [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] ، [ فيهما من كل فاكهة زوجان ] أي فيهما من جميع أنواع الفواكه والثمار صنفان : معروف ، وغريب لم يعرفوه في الدنيا ، [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] [ متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ] أي مضطجعين في جنان الخلد ، على فرش وثيرة بطائنها من ديباج - وهو الحرير السميك - المزين بالذهب ، وهذا يدل على نهاية شرفها ، لأن البطانة إذا كانت بهذا الوصف ، فما بالك بالظهارة ؟ قال ابن مسعود : هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر ؟ وقال ابن عباس : لما سئل عن الآية : ذلك مما قال الله تعالى : [ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ] ، [ وجنى الجنتين دان ] اي ثمرها قريب يناله القاعد ، والقائم ، والنائم ، بخلاف ثمار الدنيا ، فإنها لا تنال إلا بكد وتعب ، قال ابن عباس : تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولى الله ، إن شاء قائما ، وإن شاء قاعدا ، وإن شاء مضطجعا ، [ فبأى آلاء ربكما تكذبان ] ، [ فيهن قاصرات الطرف ] أي في تلك الجنان نساء قاصرات الطرف ، قصرن أعينهن على أزواجهن ، فلا يرين غيرهم ، كما هو حال المخدرات العفائف ، [ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ] أي لم يمسهن ولم يجامعهن أحد قبل أزواجهن ، لا من الإنس ولا من الجن ، بل هن أبكار عذارى ، [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن ؟  [ كأنهن الياقوت والمرجان ] أي كأنهن يشبهن الياقوت والمرجان ، في صفائهن وحمرتهن ، وفي الحديث : (إن المرأة من نساء أهل الجنة ، ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير ، حتى يرى مخها) [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] ، [ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ] أي ما جزاء من أحسن في الدنيا ، إلا أن يحسن إليه في الآخرة ، قال أبو السعود : أي ما جزاء الإحسان في العمل ، إلا الإحسان في آلثواب والغرض أن من قدم المعروف والإحسان ، استحق الإنعام والإكرام ، [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] ، [ ومن دونهما جنتان ] أي ومن دون تلك الجنتين في الفضيلة والقدر ، جنتان أخريان ، قال المفسرون : الجنتان الأوليان للسابقين ، والأخريان لأصحاب اليمين ، ولا شك أن مقام السابقين أعظم وأرفع ، لقوله تعالى : [ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ؟ وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة ؟ والسابقون السابقون أولئك المقربون ] ، [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن ؟ [ مدهامتان ] أي سوداوان من شدة الخضرة والرى ، قال الألوسي : والمراد أنهما شديدتا الخضرة ، والخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد ، وذلك من كثرة الرى بالماء ، [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] ، [ فيهما عينان نضاختان ] أي فوارتان بالماء لا تنقطعان ، وقال ابن مسعود وابن عباس : تتضج على أولياء الله بالمسك والعنبر ، والكافور في دور أهل الجنة كزخ المطر ، [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] ، [ فيهما فاكهة ونخل ورمان ] أى في الجنتين من أنواع الفواكه كلها ، وأنواع النخل والرمان ، وإنما ذكر النخل والرمان ، تنبيها على فضلهما وشرفهما على سائر الفواكه ، [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] ، [ فيهن خيرات حسان ] أي في تلك الجنان نساء صالحات ، كريمات الأخلاق ، حسان الوجوه ، [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] ، [ حور مقصورات فى الخيام ] أي من الحور العين المخدرات المستورات ، لا يخرجن لكرامتهن وشرفهن ، [ فبأى آلاء ربكما تكذبان ] ، [ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ] أي لم يجامعهن ولم يغشهن أحد قبل أزواجهم ، لا من الإنس ولا من الجن ، الجنتان المذكورتان أولا للسابقين ، والجنتان المذكورتان ثانيا لأصحاب اليمين ، وانظر كيف جعل أوصاف الجنتين الأوليين ، أعلى من أوصاف الجنتين اللتين بعدهما ، فقال هناك : [ فيهما عينان تجريان ] وقال هنا : [ فيهما عينان نضاختان ، والجري أشد من النضخ ، وقال هناك : [ فيهما من كل فاكهة زوجان ] وقال هنا : [ فيهما فاكهة ونخل ورمان ] والأول أعم وأشمل ، وقال في صفة الحور هناك : [ كأنهن الياقوت والمرجان ] وقال هنا : [ فيهن خيرات حسان ] وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان ، فالوصف هناك أبلغ ، وقال هناك في وصف الفرش : [ متكئين على فرش بطائنها من استبرق ] وهو الديباج وقال هنا : [ متكئين على رفرف خضر ] ولا شك في أن الفرش المعدة للاتكاء ، أفضل من الوسائد الخضر من وسائد الجنة ، [ وعبقرى حسان ] أي وطنافس ثخينة مزخرفة ، محلاة بأنواع الصور والزينة ، [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] أي فبأي نعمة من نعم الله تعالى تكذبان يا معشر الإنس والجن ، [ تبارك اسم ربك ] أي تنزه وتقدس الله العظيم الجليل ، وكثرت خيراته وفاضت بركاته ، [ ذي الجلال والإكرام ] أي صاحب العظمة والكبرياء ، والفضل والإنعام ]] انتهى من كتاب صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني  ]] ،   [ ومما جاء عن الخوف في السنة المشرفة ] : أخرج أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله : قَول الله عز وجل { وَّالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ } أهو الذي يزني ، ويشرب الخمر ويسرق ؟ قال : (( لا يا أبنة الصدّيق ، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ، ويصدّق ، ويخاف ألا يقبل منه  )) [ أخرجه أحمد والترمذي وصححه الحاكم ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل ، يوضع في أخمص قدميه جمرتان ، يغلي منهما دماغه ، ما يرى أن أحدا أشدّ منه عذابا" ، وإنه لأهونهم عذابا)) [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ، ما سمعت مثلها قط ، فقال : (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا  ، ولبكيتم كثيرا ، فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين )) [ متفق عليه ] ، [ معنى الخوف ] : الخوف المحمود هو الذي يحجز الإنسان عن محارم الله عز وجل ، ويورث صاحبه الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا ، ومن خاف من شيء هرب منه ، إلا الخوف من الله ، فمن خاف من الله عز وجل هرب إليه ، قال تعالى { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } ، وقال تعالى : { لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ } ، فالخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله  ، [ علامات الخوف ] : قال الفقيه أبو الليث السمرقندي : علامة خوف الله تتبين في سبعة أشياء :أولهما : تتبين في لسانه ، فيمتنع لسانه من الكذب والغيبه ، وكلام الفضول ، ويجعل لسانه مشغولا" بذكر الله وتلاوة القرآن ومذاكرة العلم ، والثاني : أن يخاف في أمر بطنه ، فلا يدخل بطنه إلا طيباً حلالاً ، ويأكل من الحلال مقدار حاجته ، والثالث : أن يخاف في أمر بصره ، فلا ينظر الى الحرام ، ولا إلى الدنيا بعين الرغبة ، وإنما يكون نظره على وجه العبرة ، والرابع : أن يخاف في أمر يده ، فلا يمدنَّ يده الى الحرام ، وإنما يمد يده الى ما فيه طاعة الله عز وجل  ،  والخامس : أن يخاف في أمر قدميه ، فلا يمشي في معصية  ، والسادس : أن يخاف في أمر قلبه ، فيخرج منه العداوة والبغضاء وحسد الإخوان ، ويدخل فيه النصيحة والشفقه للمسلمين ، والسابع : أن يكون خائفا" في أمر طاعته ، فيجعل طاعته خالصه لوجه الله ، ويخاف الرياء والنفاق ، فإذا فعل ذلك فهو من الذين قال الله فيهم  : { وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ للْمُتَّقِينَ } ) [ ( تنبيه الغافلين ) ص 390 ـ 391  ] ،  إن الناظر في سير الصالحين والباعث لهم على إكثار العبادات، وملازمة الطاعات يرى أن سبب ذلك كله هو الخوف من الله تعالى، والرجاء لما عنده ، والمحبة له سبحانه ،  ولذلك اعتبر العارفون أنّ الخوف والرجاء والمحبة أجنحة المقربين يطير بها السالكون إلى كل مقام عال ، الخوف من الله تعالى من أجل أخلاق المقربين : عوتب الحسن البصري  -رحمه الله- في شدة حزنه وخوفه ، فقال: ما يؤمنني أن يكون الله تعالى قد اطلع عليَّ في بعض ما يكره فمقتني ، فقال: اذهب فلا غفرت لك ، فأنا أعمل في غير معتمل ، وهذا طاووس يفرش له الفراش فيضطجع ويتقلى كما تتقلى الحبة في المقلى ثم يثب ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: "طير ذكر جهنم نوم الخائفين"  ،  وصح أن زرارة بن أوفى قرأ في صلاة الفجر { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ  } [المدثر: 8] فخر ميتًا ، ، وقال مالك بن دينار: لو استطعت لم أنم مخافة أن ينزل العذاب يا أيها الناس النار ، النار ،  وكان سفيان الثوري ينادي في ليله : النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم  ، وقرئ في مجلس يحيى بن سعيد القطان سورة الدخان  فصعق يحيى وغشي عليه ،  وقال عبد الرحمن بن مهدي : مات سفيان الثوري عندي فلما اشتد به جعل يبكي ، فقال له رجل : يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب ؟  فرفع شيئًا من الأرض، فقال : والله لذنوبي أهون عندي من ذا ، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت ، هذا هو خوف الصالحين يخافون من سلب الإيمان عند الموت، ويخشون سبق الكتاب عليهم في كونهم عاملين بعمل أهل النار ، وللخوف أسباب عديدة : أولها : الخوف من العقوبة ، وهذا الخوف هو الخوف الذي يصح به الإيمان ، وهو الخوف الواجب على كل مسلم أن يأتي به، ولا يعذر بتركه ، والقدر الواجب منه هو  ما كان باعثًا على فعل الواجبات ، مانعا من فعل المحرمات ، وهناك الخوف من مكر الله تعالى : وهذا الذي جلب للصالحين الحزن الدائم الطويل يخشى أحدهم أن يعمل بالليل طاعات لله تعالى ثم يدركه في صباحه قدر الله فيتغير حاله ، جزع محمد بن المنكدر عند موته، فقيل له: لم تجزع؟ قال أخشى آية من كتاب الله { وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ  } [الزمر: 47] فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن احتسب ، وقرئ على يحيى البكاء { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ  } [الأنعام: 30] فصاح صيحة مكث منها مريضًا أربعة أشهر يعاد من أطراف البصرة ،  وذكر الدجال في مجلس فيه أبو الدرداء، فقال نوف البكالي : لغير الدجال أخوف مني من الدجال ، فقال أبو الدرداء: وما هو؟  قال: أخاف أن أسلب إيماني وأنا لا أشعر ، فقال أبو الدرداء: ثكلتك أمك وهل في الأرض مائة يتخوفون ما تتخوف ، وقال أحمد بن أبي الحواري: كنت أسمع وكيعًا يبتدئ قبل أن يحدث فيقول: ما هنالك إلا عفوه، ولا نعيش إلا في ستره، ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم ، هذه جمل من أحوالهم رحمهم الله ، في الخوف من المكر بهم  ، ذكرها العلماء في تراجمهم وسيرهم ، كانوا يخافون من مكر الله ، قال تعالى : { أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } [ الأعراف : 99 ] ، اللهم لا تؤمنا من مكرك ولا تيأسنا من رحمتك يا أرحم الراحمين ، فإنه لَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ، وإنه لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ، كان السلف الكرام رضوان الله عليهم يخافون من سوء الخاتمة ، كانوا يخافون من الانقلاب من الإسلام إلى الكفر ، كانوا يخافون من الانقلاب من السنة إلى البدعة ، ومن الطاعة إلى المعصية ،  لما احتضر سفيان الثوري جعل يبكي، فقيل له: يا أيا عبد الله، عليك بالرجاء فإن عفو الله أعظم من ذنوبك ، فقال : أو على ذنوبي أبكي ؟ لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال ، إذن هناك الخوف من العقوبة ، وهناك الخوف من المكر والعاقبة وسلب الإيمان ، وهناك الخوف من عظمة الله : قال إبراهيم بن بشار : الآية التي مات فيها علي بن الفضيل في الأنعام : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [الأنعام : 27]  وكنت فيمن صلى عليه رحمه الله ،  وقال نهر بن حكيم : أمَّنا زرارة بن أوفى، فقرأ المدثر فلما انتهى إلى هذه الآية { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ  } [المدثر: 8] خرَّ ميتًا ،  وقد يكون بكاء الصالحين رغبة فيما عند الله تعالى، وقد  يكون رهبة من وعيده وعذابه ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا *  وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } [ الإسراء : 106 إلى 109 ] ، وقال تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } [ مريم : 58 ] ،  من تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف ، مصداقا لقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ  } [ المؤمنون : 57 إلى 61 ] ،  [ وهذه صور ونماذج لما بلغ له خوف السلف الكرام من الله تعالى ]  : وغلبها أنقله من كتاب حلية الأولياء ،  أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء والبيهقي في شعب الإيمان :  قال الضحاك بن مزاحم  رحمه الله  :  مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه على طيرٍ قد وقع على شجرة فقال : طُوبى لك يا طيرُ تطير فتقع على الشجر ثم تأكل من الثمر ثم تطير ليس عليك حسابٌ ولا عذاب  !   ياليتني كُنت مثلك ؛ والله لوددتُ أني كنتُ شجرةً إلى جانتِ الطريق فمر عليَّ بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم إزدردني ثم أخرجني بعراً ولم أكن بشراً  !   ، وذكر الإمام أحمد عن الصديق أبي بكر رضي الله عنه   يقول  : وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن ،  وذكر عنه أيضا أنه كان يمسك بلسانه ويقول  : هذا الذي أوردني الموارد ، وكان يبكي كثيرا ، ويقول  : ابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل ، وقال قتادة  : بلغني أن أبا بكر قال  : ليتني خضرة تأكلني الدواب  ، وكان عمر رضي الله عنه يقول : يا ليتني كُنتُ كبشَ أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضه قديداً ثم أكلوني ولم أكن بشراً.  !  [ حلية الأولياء (1/52) ، شعب الإيمان (1/485) ، تاريخ دمشق (30/331 ) ] ،  وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ  : إن عذاب ربك لواقع [ سورة الطور  : 77 ] فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه  ، وقال لابنه وهو في الموت  : ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني ، ثم قال  : ويل أمي ، إن لم يغفر لي ( ثلاثا ) ، ثم قضي  ، وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه ، فيبقى في البيت أياما يعاد ، يحسبونه مريضا ، وكان في وجهه   رضي الله عنه   خطان أسودان من البكاء ، وقال له ابن عباس ، مصر الله بك الأمصار ، وفتح بك الفتوح ، وفعل ، فقال  : وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر ، وهذا عثمان بن عفان   رضي الله عنه   كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبل لحيته ، وقال  : لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي ، لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير ،  وهذا علي بن أبي طالب   رضي الله عنه   وبكاؤه وخوفه ، وكان يشتد خوفه من اثنتين  : طول الأمل ، واتباع الهوى ، قال  : فأما طول الأمل فينسي الآخرة ، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة ، والآخرة مقبلة ، ولكل واحدة بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل   ،  وهذا أبو الدرداء كان يقول  : إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي  : يا أبا الدرداء ، قد علمت ، فكيف عملت فيما علمت ؟ وكان يقول  : لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة ، ولا شربتم شرابا على شهوة ، ولا دخلتم بيتا تستظلون فيه ، ولخرجتم إلى الصعدات تضربون صدوركم ، وتبكون على أنفسكم ، ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل ، وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع  ،  وكان أبو ذر يقول  : يا ليتني كنت شجرة تعضد ، ووددت أني لم أخلق وعرضت عليه النفقة ، فقال  : ما عندنا عنز نحلبها وحمر ننقل عليها ، ومحرر يخدمنا ، وفضل عباءة ، وإني أخاف الحساب فيها   ، وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية ، فلما أتى على هذه الآية : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ سورة الجاثية  : 21 ] جعل يرددها ويبكي حتى أصبح  ، وقال أبو عبيدة عامر بن الجراح  : وددت أني كبش فذبحني أهلي ، وأكلوا لحمي وحسوا مرقي ، وقيل لأبي مسعود الأنصاري  رحمه الله  : ماذا قال حذيفة رضي الله عنه عند موته ؟ قال : لما كان عند السحر، قال : أعوذ بالله من صباح إلى النار   ثلاثا   ثم قال : اشتروا لي ثوبين أبيضين؛ فإنهما لن يتركا علي إلا قليلا حتى أبدل بهما خيرا منهما، أو أسلبهما سلبا قبيحا [ سير أعلام النبلاء (2/368 ) ] ، وقال عمر بن الخطّاب  رضي اللّه عنه  لمّا طعن : ( لو أنّ لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب اللّه قبل أن أراه  ) [ حلية الأولياء (1/52 ) ] ،  وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء والطبراني في المعجم الكبير : ( قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  :  لو وقفتُ بين الجنة والنار ، فقيل لي  : من أيهما تكونُ أحبُّ إليك ، أو تكونَ رماداً ؟ لأحببتُ أن أكونَ رماداً . !َ  [ المعجم الكبير للطبراني (7/499) ، حلية الأولياء (1/133 ) ] ،   وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء وابن أبي شيبة في مصنفه وعبد الرزاق في مصنفه : ( قال أبو ذر الغفاري  رضي الله عنه  :  والله لو تعلمون ما أعلم ، لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ، ولو تعلمون ما أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم ، ولا تقاررتم على فُرُشِكُم ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون ،  والله لوددت أن الله عز وجل خلقني يوم خلقني ، شجرة تُعْضَدُ ، ويؤكل ثمرها ) [ مصنف ابن أبي شيبة (13/341) ، مصنف عبد الرزاق (7/123) ، حلية الأولياء (1/164 ) ] ،  وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رَحمَه الله  : لَو فَارق ذكر الْمَوْت قلبِي ساعة لفسد   ، قال أرطأة بن المنذر  رحمه الله  : قيل لعمر بن عبد العزيز : لو جعلت على نفسك حرسا أمينا إذا صلّيت لا تغتال ، فقال : ( اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي أخاف يوما دون يوم القيامة فلا تؤمّن خوفي ) [ سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي (163 ) ] ، وبكى الحسن البصري رحمه الله فقيل : ما يبكيك ؟ قال: ( أخاف أن يطرحني غدا في النّار ولا يبالي ) [ التخويف من النار لابن رجب (23 ) ] ، وقال يزيد بن حوشب  رحمه الله  :  ( ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأنّ النّار لم تخلق إلّا لهما ) [ تاريخ دمشق (45/236 ) ] ،  وأوى أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل  رحمه الله  إلى فراشه فقال : (  يا ليت أمي لم تلدني. فقالت له امرأته : أبا ميسرة ، أليس قد أحسن الله إليك ، هداك للإسلام ، وفعل بك كذا ؟ قال : بلى، ولكن الله أخبرنا أنا واردون على النار، ولم يبين لنا أنا صادرون عنها  ) [ حلية الأولياء ( 4/141) ] ، وقال إبراهيم التيمي  رحمه الله  : ( شيئان قطعا عني لذة الدنيا : ذكر الموت وذكر الموقف بين يدي الله تعالى ) [ التذكرة للقرطبي ص (125) ] ،  [ تبيه ] المؤمن يجمع بين خُلقي الخوف والرجاء ، قال أبو علي الروذباري : الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه ، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائرُ في حدِ الموت " أهــ  [مدارج السالكين، ج 2 : 36 ] ، وقد ورد في كتاب الله تعالى الكثير من الآيات الكريمة التي جمع الله فيها بين الخوف والرجاء ، ليكون الإنسان بين الخوف والرجاء ، قال الله تعالى: { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ } [الحجر: 49-50] ، وقال تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الأنعام: 165] ، وقال تعالى: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ } [ الرعد : 6 ], وقال-تعالى-: { وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } [ الأعراف : 56] ،  اللهم ارزقنا الخوف والرجاء ، اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعلانية , واجعل خير أعمالنا خواتيمها , وخير أيامنا يوم أن نلقاك  ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الخامس عشر : أخلاق المسلم مع الله : خلق  الرجاء والرغبة في الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الرابع عشر من أخلاق المسلم مع الله :  الرجاء في الله والرغبة فيما عند الله  :  الرجاء : هو الطمع في فضل الله ورحمته ، وهو الثقة بجود الرب تبارك وتعالى ، وخلق الرجاء من أخلاق الأنبياء الداعين إلى الله رب العالمين قال إبراهيم –عليه السلام- كما جاء في القرآن الكريم : { وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } [الشعراء: 82] ، وخلق الرجاء من أخلاق المؤمنين المجاهدين قال تعالى : { وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيما } [النساء: 104] ، وخلق الرجاء من أخلاق المؤمنين العاملين ، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ } [فاطر: 29], وقال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } [الكهف: 110] ، وخلق الرجاء من أخلاق أهل العلم العارفين بالله ، قال تعالى: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } [الزمر: 9] ، وخلق الرجاء هو خلق المقتدين بالحبيب محمد-صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }[الأحزاب: 21] ، ولا يُحرم من خلق الرجاء إلا الكافرون ، قال تعالى: { إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  } [يونس: 7], وقال تعالى: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [يونس: 15], وقال تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً } [الفرقان: 21] ، وقال تعالى : { وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [يونس: 11] ، والمؤمن يجمع بين خُلقي الخوف والرجاء ، قال أبو علي الروذباري : الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائرُ في حدِ الموت " أهــ  [مدارج السالكين، ج 2 : 36 ] ، وقد ورد في كتاب الله –عز وجل- الكثير من الآيات الكريمة التي جمع الله فيها بين الخوف والرجاء ، ليكون الإنسان بين الخوف والرجاء ، قال الله تعالى: { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ } [الحجر: 49-50] ، وقال-تعالى-: { وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً } [الأعراف: 56] ، وقال تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الأنعام: 165] ، وقال تعالى: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ } [الرعد: 6],  [ معنى الرجاء ] : الرجاء المحمود هو الطمع والأمل في الله تعالى ، وحسن الظن به ، والرجاء الممدوح لا يكون إلا مع إحسان العمل ، كما قال تعالى : { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَليَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أّحَداً } ، فمن أساء العمل متعمدا على الرجاء وسعة رحمة الله عز وجل فهو في عداد المغرورين الحمقى ، وعمله هذا من باب التمني لا من باب الرجاء ، وقد بين الله تعالى أن الذين يستحقون أن يرجوا رحمة الله هم أهل الايمان والعمل الصالح والمجاهدة ، فقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله أُوْلَئِكَ يرْجُونَ رَحْمَتَ الله } فأما من ينهمك فيما يكرهه الله تعالى ، ولا يذمُّ نفسه عليه ، ولا يعود على التوبة والرجوع ، فرجاؤه المغفرة غرور واتكال ، قال يحيى بن معاذ : من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب ، على رجاء العفو من غير ندامه ، وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة ، وانتظار زرع الجنة ببذر النار ، وطلب دار المطيعين بالمعاصي ، وانتظار الجزاء بغير عمل ، والتمني على الله عز وجل مع الإفراط  ، ولله در القائل : ( ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس ) ،  والرجاء الصحيح من الايمان لأنه يضادّ اليأس والقنوط ، والله تعالى يقول عن اليائسين القانطين : {  إنَّهُ لا يَيْأَسُ من رَّوْحِ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافرُونَ } ، ويقول جل شأنه : { وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ  } ، [ ومن أعظم آيات الرجاء في القرآن الكريم ] : قوله تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } ، وقوله تعالى : { إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ  } ، وقوله تعالى : {  وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } ،   [ ومن أعظم أحاديث الرجاء في السنة المشرفة ] : أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : (( لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبه ، ما طمع بجنته أحد ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ، ما قنط من جنته أحد )) [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : (( يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرني )) [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال  : (( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل  )) [ أخرجه مسلم  ] ، ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش ، ان رحمتي تغلب غضبي )) [  متفق عليه  ] ، وأخرج مسلم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ((  إن لله تعالى مائة رحمه ، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم ، وتسع وتسعون ليوم القيامة )) [  أخرجه مسلم  ]  ، وأخرج مسلم  عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال  : ((  لو لم تذنبوا ، لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون الله تعالى ، فيغفر لهم  )) [ أخرجه مسلم  ] وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول  : ((  يُدني المؤمن يوم القيامة من ربه ، حتى يضع كنفه عليه ، فيقرره بذنوبه ، فيقول : أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : ربي أعرف ، فيقول : فإني قد سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم ، فيعطى صحيفة حسناته  )) [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، حتى تطلع الشمس عن مغربها (  )) [ أخرجه مسلم ] ، إذن أين نحن من خلق الرجاء في الله ، والطمع في فضل الله ورحمته ، والثقة برحمة الرب تبارك وتعالى ، لقد نادانا القرآن الكريم بقوله تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } [ الزمر : 53 إلى 55 ] ، والمعنى : [ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ] بشر يا أيها الرسول عبادي المؤمنين ، الذين أفرطوا في الجناية على أنفسهم بالمعاصي والآثام ، وقل لهم : [ لا تقنطوا من رحمة الله ] أي لا تيأسوا من مغفرة الله ورحمته [ إن الله يغفر الذنوب جميعا ] أي إنه تعالى يعفو عن جميع الذنوب لمن شاء ، وإن كانت مثل زبد البحر ، [ إنه هو الغفور الرحيم ] أي عظيم المغفرة ، واسع الرحمة ، [ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ] أي ارجعوا إلى الله واستسلموا له ، بالطاعة والخضوع ؟ والعمل الصالح
[ من قبل أن يأتيكم العذاب ] من قبل حلول نقمته تعالى بكم [ ثم لا تنصرون ] أي ثم لا تجدون من يمنعكم من عذابه [ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ] أي اتبعوا القرآن العظيم ، بامتثال أوامره ، واجتناب نواهية ، والزموا أحسن كتاب أنزل إليكم فيه سعادتكم وفلاحكم [ من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ] أي من قبل أن ينزل بكم ، العذاب فجأة ، وأنتم غافون ، لابد من الرجاء في رحمة الله مع التعجيل بالتوبة العمل الصالح ، لأن رحمة الله قريب من المحسنين ،  [ ما هي علامات صحة الرجاء ] : ( أولا ) الاقبال على الله عز وجل بالعبادة والطاعة : قال تعالى : { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ  } ، ( ثانيا ) الدعاء وكثرة اللجوء إلى الله تعالى : قال تعالى : { وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } ، ( ثالثا ) اتباع السنة : لقوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَّن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ  } ، ( رابعا ) : قصر الأمل : قال تعالى : { مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ } ، [ الرجاء في الله خلق لا يستغني عنه المسلم ] ، ومعناه : تحسين العبد الظن بربه حين غلبة المخاوف عليه ، وكان السلف الكرام  يغلبونه حال الاحتضار حين يكون منهم الخوف من سوء الخاتمة ،  والخوف والرجاء جناحان للعبد يطيران به إلى رضى الله تعالى ، وأجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل  ، وإلا كان غفلة  ، كما أنّ الرجاء مع فعل المعاصي وترك الطاعات غرور  ، وحال السلف ( بين الخوف الرجاء ) هو : تغليب الرجاء في زمن الشدائد ؛ وخاصة عند الاحتضار ، و تغليب الخوف في زمن الأمن والحياة ، والجمع بينهما فيما بين الحالين السابقتين ، قال يحيى بن معاذ : لقد رجوت ممن ألبسني بين الأحياء ثوب عافيته أن لا يعذبني بعد الممات، وقد عرفت جود رأفته ، وكان يقول : إلهي : إن كنت غير مستأهل لما أرجو من رحمتك ، فأنت أهل أن تجود على المذنبين بفضل سعتك ،  إلهي : لولا ما عرفت من عدلك ما خفت من عذابك، و لولا ما عرفت من فضلك ما رجوت ثوابك ،  إلهي : إن كنت لا تعفو إلا عن أهل طاعتك ، فإلى من يفزع المذنبون ؟ وإن كنت لا ترحم إلا أهل تقواك ؛ فبمن يستغيث المسيؤون ؟  ، وهذا  أبو عبد الرحمن السلمي لما حضره الموت دخل بعض الناس يرجون ،  فقال : أنا أرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضانًا ،  والرجاء ثلاثة أنواع ، قال ابن القيم في مدارج السالكين  : ( والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوع غرور مذموم ، فالأول : رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه ، ورجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها؛ فهو راج لمغفرة الله، تعالى، وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه ، والثالث : رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب )  اهـ  [  مدارج السالكين (1/27) ] ،  ومن أقوال العارفين في الرجاء ، قال بكر بن سليمان الصواف : دخلنا على الإمام مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها، فقلنا : يا أبا عبد الله كيف تجدك؟  قال: ما أدري ما أقول لكم؛ إلا إنكم ستعاينون غدًا من عفو الله ما لم يكن لكم في حساب ، قال : ثم ما برحنا حتى أغمضناه ،  وقال محمد بن مطرف: دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت فقلنا: كيف تجدك؟  قال : أجدني بخير، راجيًا لله ، حسن الظن به ، وقال ابن المبارك : ( جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان ، فقلت له : من أسوأ هذا الجمع حالا ؟  قال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم ) ،  قال حماد بن سلمة : (( والله لو خيرت بين محاسبة الله لي، وبين محاسبة أبوي، لاخترت محاسبة الله؛ وذلك لأن الله أرحم بي من أبوي )) ، وقال يحيى بن عون : دخلت مع سحنون على ابن القصار وهو مريض ، فقال : ما هذا القلق ؟ قال له : الموت والقدوم على الله ، قال له سحنون : ألست مصدقًا بالرسل والبعث والحساب ، والجنة والنار، وأن أفضل هذه الأمة أبو بكر ، ثم عمر،  والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى يوم القيامة ، وأنه على العرش استوى، ولا نخرج على الأئمة بالسيف وإن جاروا ؟ قال : إي والله ، فقال: مت إذا شئت ، مت إذا شئت ،  وقال معتمر بن سليمان بن طرخان : قال لي أبي عند موته: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله تعالى، وأنا حسن الظن به ،  وقال شعيب بن حرب لرجل: إن دخلت القبر ومعك الإسلام فأبشر ، ورحم الله الشافعي ، فما أجمل شعره ، وكان يقول : (  ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي  ... جعلت رجائي دون عفوك سلما  ... تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما ... فما زلت ذا عفو عن الذنب لم ... تزل تجود وتعفو منة وتكرما ... فإن تنتقم مني فلست بآيس ... ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما ... وإني لآتي الذنب أعرف قدره ... وأعرف أن الله يعفو ترحما ) ،  لقد عاش السلف الكرام مع الرجاء ، رجاء في قول الله تعالى: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى  } [النازعات: 40، 41] ،  وقوله تعالى : {  قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر : 53 ] ،  ومع رجائهم كانوا سباقين إلى كل طاعة وبر، مصداقا لقوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ  } [ المؤمنون : 60 ] ،  وكان هديهم رضي الله عنهم : الجمع بين الخوف والرجاء ، والجمع بين الترغيب والترهيب ، لأنّ إدامة الترغيب وحده قد يجعل النفس تركن إلى الرجاء وحسن الظن وتقصر في العمل ، وفي إدامة الترهيب من وعيد الله وحده قد تقنط النفس من روح الله وتيأس من رحمته ، فلا بد من الجمع بين الخوف والرجاء ، قال ابن القيم في مدارج السالكين : (  القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر ؛ فالمحبة رأسه ، والخوف ، والرجاء جناحاه ؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيِّدُ الطيران ، ومتى قطع الرأس مات الطائر ، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر  )  ، وقال بعض أهل العلم  : من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري ، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد ) ، وقال الطحاوي في عقيدته : ( والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام ، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة  ) فيجب أن يكون العبد خائفا راجيا ، فإن الخوف المحمود الصادق : ما حال بين صاحبه وبين محارم الله ، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط ، والرجاء المحمود : رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله ، فهو راج لثوابه ، أو رجل أذنب ذنبا ثم تاب منه إلى الله ، فهو راج لمغفرته ، قال الله تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم  } [ البقرة : 218  ] ،  أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط والخطايا ، يرجو رحمة الله بلا عمل ، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب ، وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله :  { أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } [  الزمر : 9 ] الآية وقال تعالى : {  تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، [ السجدة : 16 ، 17 ] . فالرجاء يستلزم الخوف ، ولولا ذلك لكان أمنا ، والخوف يستلزم الرجاء ، ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا ، والمسلم في سفره الى الله عز وجل يحتاج الى ( الخوف والرجاء ) فالخوف يحجزه عن المعصية ، والرجاء يمنعه من القنوط واليأس ، والقلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر : فالمحبة رأسه ، والخوف والرجاء جناحاه . فمتى سلم الرأس والجناحان ، فالطائر جيد الطيران ، ومتى قُطع الرأس ، مات الطائر ، ومتى فُقد الجناحان أو أحدهما فهو عرضه لكل صائد وكاسر ، وأكمل أحوال القلب : اعتدال الرجاء والخوف ، قال الواسطي :الخوف والرجاء زمامان على النفوس ، لئلا تخرج إلى رعونتها ، وقال أبو عثمان المغربي : من حمل نفسه على الرجاء تعطّل ، ومن حمل نفسه على الخوف قنط ، ولكن من هذه مرة ، ومن هذه مرة ،  اللهم ارزقنا الحب والخوف والرجاء ، [ تنبيه ] : من معاني الرجاء في الله تعالى الرغبة فيما عند الله ، قال تعالى : { وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } ، وقال تعالى : { عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ } ، وقال تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ  } ، وقال تعالى : { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } ، والفرق بين الرغبة والرجاء أن الرجاء طمع ، والرغبة طلب ، فهي ثمرة الرجاء ، فإنه إذا رجا الشيء طلبه ،  والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف ، فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه ،  ومن خاف شيئا هرب منه ، [ والفرق بين الرجاء والتمني ] : هناك فرق بين الرجاء والتمني، فالرجاء  تمن مع الجد والعمل والتوكل ، والتمني : رجاء مع الكسل والتواكل، والرجاء لا يكون إلا مع البذل الجهد ، وحسن التوكل على الله تعالى ، اللهم ارزقنا الخوف منك والرجاء فيما عندك وحسن التوكل عليك يا أرحم الراحمين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ،  سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس السادس عشر : أخلاق المسلم مع الله : خلق التوكل على الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الخامس عشر من أخلاق المسلم مع الله : خلق التوكل على الله :   التوكل على الله خلق عبادة الصادقين ، وسبيل عباده المخلصين، أمر الله تعالى به أنبياءه المرسلين، وأولياءه المؤمنين ، فقال سبحانه : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرا } ، وقال جل شأنه :{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ، وأمر به المؤمنين ، فقال سبحانه -  في سبعة مواضع من القرآن -  :{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } ، والتوكل هو الثقة بما عند اللّه ، واليأس عما في أيدي الناس ، والتوكل هو صدق اعتماد القلب على اللّه تعالى ، وخلق التوكل خلق عظيم لا ينافي الأخذ الأسباب ، فقد أخرج الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : قال رجل : يا رسول اللّه أعقلها وأتوكّل، أو أطلقها وأتوكّل؟ - لناقته -  فقال صلى الله عليه وسلم: (( اعقلها وتوكّل ))  [ سنن الترمذي ] ، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ، ويقولون : نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس ، فأنزل اللّه تعالى : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى } ، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : (( لا تبشّرهم فيتكلوا )) دليل على أنه لابد من بذل الأسباب وعدم الاتكال ، والحديث (( قوله صلى الله عليه وسلم : يا معاذُ، هل تدري حقَّ اللهِ على عبادِه، وما حقُّ العبادِ على اللهِ . قلت : اللهُ ورسولهُ أعلمُ، قال : فإنَّ حقَّ اللهِ على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العبادِ على اللهِ أن لا يعذبَ من لا يشرك به شيئًا . فقلتُ : يا رسولَ اللهِ، أفلا أبشر به الناسَ ؟ قال : لا تبشِّرهم فيتَّكلوا )) ، والمؤمن الحق وإن أخذ بالأسباب فأنه لا يعتمد عليها ، وإنما يجعل اعتماده على الله تعالى ، لأنه يعلم أنّ الله هو مسبب الأسباب ، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاء الله ، وأنه لو شاء الله تعالى أن يحول بين السبب وأثره لفعل سبحانه ، والمسلم الحق يلجأ إلى الله تعالى في كل أحواله ، قال سبحانه :{ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً } [النساء : 81 ] ،  وجاء في صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال :{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } ،  وجاء في الحديث المتفق على صحته : قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه: إَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ : (( يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا )) [البخاري ومسلم ] ، وفي ذلك يقول ربنا :{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40 ] ، وخلق التوكل دليل على صدق الإيمان : قال تعالى :{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [ الأنفال: 2 ] ، ومآل خلق التوكل إلى الجنة قال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يتوكلون  [العنكبوت: 58-59 ] ،  وأما الأحاديث في فضل التوكل فهي  كثيرة ، منها ، ما أخرجه البخاري ومسلم : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (( عرضت علي الأمم ، فرأيت النبي ومعه الرهيط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي ، فقيل لي : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق ، فنظرت فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : انظر إلى الأفق الآخر ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : هذه أمتك ، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب )) ثم نهض فدخل منزله ، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، فقال بعضهم : فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم : فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ، فلم يشركوا بالله شيئًا وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :  (( ما الذي تخوضون فيه ))؟ فأخبره فقال :  (( هم الذين لا يرقون ، ولا يسترقون ولا يكتوون ، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون )) فقام عكاشة بن محصن فقال : ادع الله أن يجعلني منهم فقال :  (( أنت منهم )) ثم قالم رجل آخر فقال : ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال :  (( سبقك بها عكاشة ))  [  متفق عليه  ،  البخاري (10/ 130) مسلم (220) ولفظة يرقون انفرد بها مسلم ، وهي شاذة وانظر الفتح (11/ 354) ] ،  وأخرج مسلم : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  (( يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير )) [  أخرجه مسلم ح (2840) ]  ، قيل : معناه متوكلون ، وقيل : قلوبهم رقيقة ، وأخرج البخاري ومسلم : عن جابر رضي الله عنه أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجد ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معهم ، فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة ، فعلق بها سيفه ، ونمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا ، وإذا عنده أعرابي فقال :  (( إن هذا اخترط على سيفي وأنا نائم ، فاستيقظ وهو في يده صلتا ، قال : من يمنعك مني؟ قلت : الله ، ثلاثا ولم يعاقبه وجلس  )) [  متفق عليه ، البخاري (6/ 71) ومسلم (843) ] ، وأخرج الترمذي : عن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :  (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصًا وتروح بطانًا )) [  أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن ] ، ومعناه تذهب أول النهار خماصا ، أي : ضامرة البطون من الجوع ، وترجع آخر النهار بطانا : أي ممتلئة البطون ،  وأخرج الترمذي وأبو داود عن أم المؤمنين أم سلمة ، رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال :  (( بسم الله توكلت على الله ، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل ، أو أظلم أو أظلم ، أو أجهل أو يجهل علي ))  [  أخرجه أبو داود والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح ] ، وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي : عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (( من قال يعني إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، يقال له : هديت وكفيت ووقيت ، وتنحى عنه الشيطان ))  [  أخرجه أبو داود والترمذي ، وقال حديث حسن ، والنسائي ] ، جاء في مدارج السالكين :  ( والتوكل من منازل   إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، قال الله تعالى : { وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ المائدة : 23 ] ، وقال تعالى :   وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ   [ إبراهيم : 12 ] ، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم :  فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ   [ النمل : 79 ] ، وقال له :   وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً   [ النساء : 81 ] ،  وقال له :   وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ   [ الفرقان : 58 ] ،  وقال له :   فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ   [ آل عمران : 159 ] ،  وقال عن أنبيائه ورسله :   وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا   [ إبراهيم : 12 ] ،  وقال عن أصحاب نبيه { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [ آل عمران : 173 ] ، وقال : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [ الأنفال : 2 ] ، وفي الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :  (( اللهم لك أسلمت وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، اللهم إني أعوذ بعزتك ، لا إله إلا أنت ، أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون ))  ، والتوكل نصف الدين ، والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة ، ومنزلته : أوسع المنازل وأجمعها ، ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل ، وكثرة حوائج العالمين وعموم التوكل ، ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار ، والفجار والطير والوحش والبهائم ، فأهل السموات والارض المكلفون وغيرهم في مقام التوكل ، وإن تباين متعلق توكلهم ، فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان ، ونصرة دينه ، وإعلاء كلمته ، وجهاد أعدائه ، وفي محابه وتنفيذ أوامره ، ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه ، وحفظ حاله مع الله ، فارغًا عن الناس ، ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه ، من رزق أو عافية ، أو نصر على عدو ، أو زوجة أو ولد ، ونحو ذلك ) [ مدارج السالكين لابن القيم (2/ 112- 114) ] ،  وخلق التوكل على الله تعالى لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب ، فليس معنى التوكل نبذ الأسباب ، وترك العمل ، والقنوع والرضى بما تجري به الأقدار ، هذا تواكل وليس توكل ، والتوكل :  عبادة وطاعة لله تستلزم إحضار كافة الأسباب المطلوبة لإنجاح أي عمل ، والمسلم المتوكل على الله حق توكله لا يطمع في ثمرة بدون أن يقدم أسبابها ، ولا يرجو نتيجة ما بدون أن يضع مقدمتها ، فالتوكل الصحيح ، عمل صحيح متقن ، واعتقاد جازم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ، والمسلم المتوكل على الله حق توكله يؤمن بسنن الله في الكون فيعد للأعمال أسبابها المطلوبة لها ، ويستفرغ الجهد في إحضارها وإكمالها وإتقانها ، وهو لا يعتقد أبدًا أن الأسباب وحدها كفيلة بتحقيق الأغراض ، بل هي مجرد أسباب ، وخالق الأسباب هو الله تعالى ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، فكم من عامل لم يأكل ثمرة عمله ،  وكم من قاعد أتاه رزقه ،  فالكل تحت مشيئة مسبب الأسباب ، ولكن المسلم مطالب بالتوكل وهو اتقان العمل والتأمل من الله تعالى بالثمرة ، { وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [ هود : 88 ] ، ولهذا فإنّ الاعتماد على الأسباب وحدها كفر وشرك ، وترك الأسباب المطلوبة لأي عمل وإهمالها فسق ومعصية وتواكل باطل ، لا علاقة له بخلق التوكل ، فالتوكل اتقان العمل والتأمل من الله في اتمام النتائج ، وللمتوكل الحق أعظم العظة والقدوة في نبينا صلى الله عليه وسلم ، إذا كان لا يعمل عملا إلا أخذ بأسباب نجاحه ، وكان لا يخوض معركة حتى يعد لها عدتها ويهييء لها أسبابها ، فيختار حتى مكان المعركة ، وزمانها ، ولا يخوض المعركة إلا بعد أن يكون قد أعد عُدته ، ورسم خطته ، ونظم صفوفه ، وإذا فرغ من كل الأسباب المادية المطلوبة لنجاح المعركة رفع يديه سائلا الله عز وجل  (( اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم )) [  متفق عليه ] ، ولو نظرنا إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أنها كانت بأمر من الله ، ونجاحها مضمون على الله تعالى ، وهو سبحانه الذي أمر بها ، ولكن انظر إلى الترتيبات التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم لضمان نجاحه في هجرته صلى الله عليه وسلم  ، وأول ذلك : اتخاذ الصاحب ، بل خير الأصحاب ، أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليصحبه في طريقه إلى المدينة ، وإعداد زاد السفر من طعام وشراب ، وإعداد الراحلة ، والاستعانة  بالدليل الذي يعرف مسالك الطريق ودروبها الوعرة ليكون دليلا وهاديا في هذه الرحلة الصعبة ، ولما أراد أن يخرج من بيته الذي طوقه العدو وحاصره فيه حتى لا ينفلت منه أمر صلى الله عليه وسلم ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينام على فراشه تمويها على العدو الذي ما برح ينتظر خروجه من المنزل ليفتك به ثم خرج وترك العدو ينتظر أن يقوم النائم على الفراش ، وهم يظنون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  وقد كانوا ينظرون من خلال شقوق الباب ، وكذلك اختياره عكس طريق الهجرة حتى يموه على العدو ، واختبائه صلى الله عليه وسلم في غار ثور ثلاثة أيام حتى يئس المشركون وملوا وقل البحث خرج ليكمل طريقه إلى المدينة المنورة ، وظهر التوكل جليا عندما قال له أبو بكر رضي الله عنه ، وهما في الغار : لو أن أحدهم نظر تحت قدمه لأبصرنا يا رسول الله قال له :  (( ما ظنك باثنين الله ثالثهما )) ؟ [ أخرجه البخاري ] ، فعند تحليل حادثة الهجرة ، نعلم يقينا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بكافة الأسباب المؤهلة لنجاح العمل ، مع الاعتماد على الله تعالى في إتمام العمل ونجاحه ، وكل مسلم مأمور بفهم التوكل من خلال عمل النبي صلى الله عليه وسلم وسنته ، وما عدا ذلك تواكل وبطالة نهى عنها شرع الإسلام ، والتوكل بهذا الفهم هو الذي يحبه الله تعالى لقوله سبحانه : { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [ آل عمران :  159 ] ، وقوله سبحانه : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } [ الطلاق : 3 ] ، والمسلم في توكله على الله تعالى ، في طلب الرزق لا يُبالغ في طلب الأسباب فوق الحاجة ، وذلك لما أخرجه ابن ماجة الحاكم وصححه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  (( لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، خذوا ما حل ، ودعوا ما حرم )) [ رواه ابن ماجه والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم ] ،  والمسلم أيضا في توكله على الله تعالى في طلب الرزق يطلب الحلال ، لما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  (( إن العبد ليحرم الرزق بالذنب تصيبه )) [ أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه وأقره الذهبي ] ، وذكر المفسرون عند تفسير قوله تعالى : {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } [ البقرة : 197] ، : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون : نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله هذه الآية : {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } ،  وقال معاوية بن قرة : لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل اليمن فقال من أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكلون ، قال :  (( بل أنتم المتأكلون إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله )) والنبي صلى الله عليه وسلم يدلنا على خير التوكل وأقومه بقوله صلى الله عليه وسلم  : (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ،  وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان )) [ أخرجه مسلم ] ، إذن التوكل في الإسلام عمل ونشاط لا قعود وكسل : قال تعالى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ } ، أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بأسباب النجاح ويشاور الناس فيما ينفعهم ، ثم إذا عزم على شيء بعد الأخذ بأسبابه يأتي ها هنا التوكل على الله ، { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ }  ، إذن فهم المسلمين الخاطئ لباب التوكل هو الذي أدى إلى تخلفهم عن ركب التقدم العالمي ، تخلفنا لأننا تواكلنا من باب البطالة والكسل وإهمال العمل وإهمال اتقان العمل ، ولو فهم المسلمون المراد من التوكل وأخذوا بأسباب النجاح لما كان هذا حالنا ، فلو توكلنا على الله تعالى حق توكله ، وحق توكله الأخذ بأسباب النجاح مع الاعتماد على الله في اتمام العمل ، لرزقنا كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا ، ولنصرنا على أعدائنا ولسخر لنا الأرض ومن فيها ، إنّ التوكل عزة المسلم ، والتواكل ذلة وبطالة ، وشتان بينهما ، قال تعالى : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) } [ الطلاق : 3 ] ، [ خلاصة الربط بين التوكل والأخذ بالأسباب ] : الأمر الأول : يتمثل في أنّ التوكل لا ينافي أخذ الأسباب ، لقوله صلى الله عليه وسلم - للرجل عندما سأله عن الناقة : يا رسول اللّه أعقلها وأتوكّل، أو أطلقها وأتوكّل - ، فقال صلى الله عليه وسلم  (( اعقلها وتوكّل )) [سنن الترمذي ] ، ولما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل اللّه تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى } ، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : (( لا تبشّرهم فيتكلوا )) دليل على أنه لابد من بذل الأسباب وعدم الاتكال ، إذن التوكل لا ينافي أخذ الأسباب ، والأمر الثاني:  تتخذ الأسباب وإن كانت ضعيفة في نفسها ، ولذلك أمر الله تعالى أيوب عليه السلام أن يضرب الأرض برجله بعد أن دعا لمرضه، وهل ضربة الصحيح للأرض منبعة للماء؟ لا، ولكن الله يريد أن يعلمنا أنه لابد من اتخاذ السبب ولو كان ضعيفاً ، فالأمر أمره، والكون كونه، ولكن لابد من فعل الأسباب ، كما أنّ الله تعالى لما أراد أن يطعم مريم وهي في حالة وهن وضعف أمرها أن تهز جذع النخلة؛ لأن السبب يتخذ ولو ضعف { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا } ، والأمر الثالث:  أن المسلم لا يعتمد على الأسباب ، وإنما يجعل اعتماده على الله تعالى ، لأنّ الله تعالى هو مسبب الأسباب، ولو شاء أن يحول بين السبب وأثره لفعل سبحانه ، ولذا لما أُلقي إبراهيم في النار لم يحترق لأن الله قدر ذلك ، وإسماعيل عليه السلام لما أمرَّ أبوه السكين على عنقه وهي سبب في إزهاق الروح لم تزهق روحه لأن الله لم يأذن في ذلك ، فلا يعتمد إلا على الله، وتتخذ الأسباب، لأن الله يقدر الأمور بأسبابها ، [ متى يتأكد التوكل ] : المسلم عليه أن يعتمد على الله في أمره كله، ويتأكد في مواضع منها : [ ( أولا ) عند النوم لأنك لا تدري هل تعود إلى الدنيا أم لا ] : أخرج البخاري ومسلم : عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما أنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ، ثم قل : اللهم أسلمت وجهي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك ، رغبة ورهبة إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الّذي أنزلت ، وبنبيك الذي أرسلت ، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة ، واجعلهنّ آخر ما تتكلم به )) [ متفق عليه ] ،  [ ( ثانيا ) عند نزول الفاقة : أخرج الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  : (( مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ )) [ أخرجه الترمذي ] ، [ ( ثالثا ) : عند الإعراض عن الأعداء :  قال تعالى : {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلً} [النساء : 81 ] ، [ ( رابعا ) إذا أعرض الناس عنك :  قال تعالى  :{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رب العرش العظيم} [التوبة : 129 ] ، [ ( خامسا ) عند مسالمة الأعداء أو مواجهتهم :  قال تعالى : {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال : 61 ] ، وعند مواجهة الأعداء : قال تعالى : {قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم : 10-12 ] ، [ ( سادسا ) : عند نزول المصائب وحلول الكرب :  قال تعالى : {قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة : 51 ] ، وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ  :(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ )) [ متفق عليه ] ، وفي سنن أبى داود قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  : (( دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ : اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو ، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ )) [ أخرجه أبو داود ] ، [ ( سابعا ) عند الخروج من المنزل ] :  أخرج أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ  : (( إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، يُقَالُ حِينَئِذٍ : هُدِيتَ ، وَكُفِيتَ ، وَوُقِيتَ ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ : كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ )) [ أخرجه أبو داود ] ، والمسلم الحق عليه أن يلجأ إلى الله تعالى في كل أحواله ، فلا أشقى من عبد وكله الله إلى نفسه ، قال سبحانه  :{ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلً} [النساء  : 81 ] ، أخرج أبو داود دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ((اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ )) [ أخرجه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ، ح ( 5090 ) ] ،  [  نماذج من توكل الأنبياء عليهم السلام ] :  [ توكل نبي الله نوح  عليه السلام ] : قال تعالى عن تعالى عن نوح عليه السلام : {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس : 71 ] ، ومعنى الآية : أعدُّوا أمركم ، وادعوا شركاءكم ، ثم لا تجعلوا أمركم عليكم مستترًا بل ظاهرًا منكشفًا ، ثم اقضوا عليَّ بالعقوبة والسوء الذي في إمكانكم ، ولا تمهلوني ساعة من نهار فكيدوني جميعا لا يتخلف منكم أحد ،  [ توكل نبي الله هود عليه السلام] : قال تعالى عن هود عليه السلام  : {قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِي ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود : 53-56 ] ،  [ توكل نبي الله يعقوب عليه السلام ] : قال تعالى عن يعقوب عليه السلام : {قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ * وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يونس : 66-67 ] ، [ توكل نبي الله موسى عليه السلام] : قال تعالى عن موسى عليه السلام : {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ *وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء : 53-62 ] ، البحر أمامه ، وفرعون خلفه ، والجبال الشاهقة ترى عن يمينه وشماله ، ومع ذلك  :{ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } ، [ توكل الرسول صلى الله عليه وسلم ] : أخرج البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال  : (( {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا : {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) ، وأخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نَجْدٍ ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَفَلَ مَعَهُ ، فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ –شجر شوك- فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ سَمُرَةٍ –شجرى الطلح- فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ، فَنِمْنَا نَوْمَةً ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُونَا ، فَجِئْنَاهُ ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  : (( إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا ، فَقَالَ لِي : مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ : اللَّهُ ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ )) ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [البخاري ومسلم ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قال : (( إَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ قَالَ : نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ ، فَقَالَ  :(( يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا )) [البخاري ومسلم ] ، وفي ذلك يقول ربنا :{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة : 40 ] ،  [  ثمرات التوكل  ] : ( 1 ) النصر :  قال تعالى : {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران : 160 ] ، فأمر الله بالتوكل بعيد ذكره للنصر ليدلل على أن من أسبابه الاعتماد عليه ، ( 2 ) الحفظ من الشيطان الرجيم :  قال تعالى : {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل : 99 ] ،  ( 3 ) الرزق :  ففي سنن الترمذي وابن ماجة : عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا )) [ أخرجه الترمذي ] ، ( 4 ) صدق الإيمان :  قال تعالى  :{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال : 2 ] ،  وقال تعالى : في سبعة مواضع في القرآن الكريم  :{ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } ، ( 5 ) الكفاية والحماية والرعاية : قال تعالى : {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلً} [النساء : 81 ] ، وقال : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق :3 ] ، وقال : {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال : 49 ] ، ( 5 ) نيل محبة الله :  قال تعالى :{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران : 159 ] ، ( 6 ) الجنة  :  قال تعالى : {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ} [العنكبوت : 58-59 ] ، وفي الصحيحين عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وصف الذين يدخلون الجنة بغير حساب قَالَ : (( هُمْ الَّذِينَ َلَا يَسْتَرْقُونَ ، ولا يكتوون ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ))  ، ما أعظم خلق التوكل وما أحسن عواقبه ، اللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين بك المتوكلين عليك حق التوكل ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس السابع عشر : أخلاق المسلم مع الله : خلق  الرضا عن الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق السادس عشر من أخلاق المسلم مع الله :  خلق الرضا عن الله : خلق الرضا عن الله من أعظم أخلاق المسلم مع الله ، أخرج أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( من قال إذا أصبح وأمسى : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، كان حقاً على الله أن يرضيه )) [ رواه أبو داود والترمذي ] ، كما أنّ رضى الله تعالى عن العبد متعلق برضى العبد عن الله ، فالله تعالى لا يرضى عن العبد حتى يرضى العبد بالله إلها وربا ويرضى عن الله وعن قضائه وقدره ، فيرضي عنه الله ، مصداقا لقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } ، وقوله تعالى : { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  } ، إن الرضا عن الله خلق عظيم إذا تحقق به المؤمن استطاع أن يَتلقَّى نوائب الدهر وأنواع الكوارث بإيمان راسخ ، ونفس مطمئنة ، وقلب ساكن ، بل قد يترقى إلى أرفع من ذلك فيشعر بالسرور والفرحة بمر القضاء ، وذلك نتيجة ما تحقق به من المعرفة بالله تعالى ، والحبِّ الصادق له سبحانه ، كان بلال رضي الله عنه يعاني سكرات الموت وهو يقول : وافرحتاه! غداً ألقى الأحبة ، محمداً وصحبه ، وكان سعد ابن أبي وقاص لما كبر سنه عمي بصره ، وكان مستجاب الدعوة يدعو للمريض فيشفى ، فقيل له ألا تدعو لنفسك ، فقال الرضا بقضاء الله أحب إلى من بصري ، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الراضي بقضاء الله هو أغنى الناس لأنه أعظمهم سروراً واطمئناناً ، وأبعدهم عن الهم والحزن والسخط والضجر ، إذ ليس الغنى بكثرة المال إنما هو بغنى القلب بالإيمان والرضا ، قال عليه الصلاة والسلام : ( اتق المحارم تكن أعبد الناس ، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً ، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً ، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ) [ أخرجه الترمذي ] ، وأوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن الرضا سبب عظيم من أسباب سعادة المؤمن الدنيوية والأخروية ، كما أن السخط سبب الشقاء في الدنيا والآخرة فقال : ( من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له ، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله تعالى له ) [ أخرجه الترمذي ] ، لقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يُعلّم المسلمين ويغرس في قلوبهم الرضا بالله تعالى رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، وكان يندبهم لتكرارها فيقول : ( من قال إذا أصبح وأمسى : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، كان حقاً على الله أن يرضيه ) [ رواه أبو داود والترمذي ] ، ومن لوازم الرضا بالله تعالى رباً ؛ الرضا بكل أفعاله في شؤون خلقه ؛ من إعطاءٍ ومنع وخفض ورفع ، وضر ونفع ، ووصل وقطع ، ومن لوازم الرضا بالإِسلام ديناً أن يتمسك بأوامره ويبتعد عن نواهيه ، ويستسلم لأحكامه ولو كان في ذلك مخالفة لهوى نفسه ، ومعارضة لمصالحه الخاصة ، ومن لوازم الرضا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً أن يتخذ شخصيته مثلاً أعلى وأسوة حسنة ، فيتبع هديه ، ويقتفي أثره ، ويتحلى بسنته ، ويجاهد هواه حتى يكون تبعاً لما جاء به ، وحتى يكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين ، فمن تحلى بالرضا بالله تعالى رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبسيدنا محمد نبياً ورسولاً ، ذاق طعم الإيمان ، ووجد حلاوة اليقين ، قال صلى الله عليه وسلم : (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله تعالى رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً )) [ رواه مسلم ] ، ليس معنى التخلق بخلق الرضا عن الله ، الحرص على دوام البلاء أو الرضا عن المعاصي أو ترك إنكار المناكر ، فهذه شبهات أثارها بعض الجهلة حول موضوع الرضا ، وما سببها إلا جهلهم وعدم تذوقهم لهذا المقام الرفيع والخلق العظيم ، والإنسان عدو ما يجهل ،  ليس معنى الرضا أن لا يشعر المسلم بالبلاء ، إنما حقيقة الرضا أن لا يعترض المسلم على الحكم والقضاء ،  ومثال ذلك :  المريض الذي يحس بألم حقنة الدواء ، ويشعر بمرارة العلاج ، ولكنه في قلبه تغمره السعادة ويرضى بألم الدواء لعلمه أن ذلك سبب الشفاء ، ولذلك نجده يفرح بمن يقدم له الدواء يحبه ولو كان مرَّ المذاق كريه الرائحة ، قال عمر رضي الله عنه : ( ما ابتُليتُ ببلية إلا كان لله عليَّ فيها أربع نِعم : إذْ لم تكن في ديني ، وإذ لم أحرم الرضا ، وإذ لم تكن أعظم ، وإذ رجوت الثواب عليها ) [ "شرح الطريقة المحمدية" ج2 ص105 ] ، الراضي يحس بألم المصيبة ، ولكنه يرضى بها لأنها من الله ، والله تعالى يقول : {فعسى أنْ تكرَهوا شيئاً ويجعَلَ اللهُ فيه خيراً كثيراً} [ النساء : 19 ] ، كما أن التخلق بخلق الرضا ليس معناه ، ترك إنكار المناكر أو الرضا عن المعاصي ، هذا فهم خاطئ ، وجهل بيّن لخلق الرضا ، فهل يعقل أن يهدم المؤمن حكماً من أحكام ربه ، وركناً من دعائم دينه ، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟! مع العلم أن الله تعالى لا يرضى عن المؤمن إلا إذا أقام دينه ، واتبع شريعته ، وهل يُتصور أن يرضى المؤمن بأفعال الكافر مع أن الله تعالى لا يرضى بها كما قال تعالى : { ولا يرضى لعبادِهِ الكفرَ} [ الزمر : 7 ] ، والحقيقة أنه لا تعارض بين الرضا بالله تعالى وبين إنكار المنكَر ، لأن المؤمن يرضى بأفعال الله تعالى من حيث إنها صدرت من حكيم عليم ، وأنها بقضائه ومشيئته ، ولا يرضى بأفعال العصاة من حيث إنها صفتهم وكسبهم ، ولأنها دلالة على أنهم ممقوتون من الله تعالى ، كما أن التخلق بخلق الرضا ليس معناه  أن يترك الإنسان التضرع والدعاء ، ويهمل اتخاذ الأسباب لجلب الخير ودفع البلاء ، ويبتعد عن استعمال الدواء عند حصول الداء ، وهذا فهم غير صحيح ، إذ في الحقيقة أن من جملة الرضا بالله تعالى؛ أن يعمل المؤمن أعمالاً يتوصل بها إلى رضاء محبوبه سبحانه ، وأن يترك كل ما يخالف أمره ويناقض رضاه ، ومما يوصل إلى رضاء الله تعالى استجابة أمره في قوله : {ادعوني أستَجِبْ لكُم} [ غافر : 60 ]. فالدعاء مخ العبادة ، وهو يورث في القلب صفاءً وخشوعاً ورقةً تجعله مستعداً لقبول الألطاف والأنوار ، ثم إن ترك الأسباب مخالف لأمر الله تعالى ومناقض لرضاه ، فالله تعالى أمر بالعمل فقال : {وقُلِ اعملُوا فَسَيَرى اللهُ عمَلَكُم ورسولُه والمؤمنون} [ التوبة : 105 ]. ودعا إلى السعي في طلب الرزق فقال : {هوَ الذي جَعَلَ لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [ الملك : 15 ] ، وحين أراد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أن يمنع جيش المسلمين من دخول الشام حذراً من الطاعون ، قال له سيدنا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه : ( أفراراً من قدر الله ؟! فأجابه سيدنا عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نحن نفِرُّ من قدر الله إلى قدره ) [ رواه البخاري ] ، فليس في خلق الرضا بالقضاء ما يستلزم الخروج عن حدود الشرع ، ولكن الرضا بقضاء الله تعالى معناه ترك الاعتراض عليه تعالى ظاهراً وباطناً ، مع بذل الوسع للتوصل إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه ، وذلك بفعل أوامره وترك نواهيه ، ما أحلى خلق الرضا وما أجمل التخلق به ، ورضاء الله تعالى عن العبد هو أسمى منزلة وأرفع رتبة وأعظم منحة قال تعالى : {ومساكِنَ طيِّبَةً في جنَّاتٍ عدْنٍ ورضوانٌ مِنَ اللهِ أكبَرُ} [ التوبة : 72 ]. فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة ، بل هو غاية مطلب سكان الجنة ، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :  (( إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة! يقولون : لبيك ربنا وسعديك ، فيقول : هل رضيتم ، فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا : يا رب وأي شيءٍ أفضل من ذلك ؟ فيقول : أُحِلَّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً )) [ أخرجه البخاري ] ،  إذن رضوان الله تعالى عن العبد أسمى منزلة وأرفع رتبة وأعظم منحة من دخول الجنة ، اللهم ارزقنا خلق الرضى بك والرضا عنك ، وارض عنا يا أكرم الأكرمين ، رضى العبد عن الله ، معناه رضى الله عنه ، لأنهما متلازمان ، فلا يرضى الله تعالى عن عبده حتى يكون العبد راض بالله ربا وراض عن أفعال ربوبيته ، ورضا الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها ؛ لأن الرضا صفة الله والجنة خلقه ، قال تعالى : { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ } [ التوبة : 72 ]  ،  بعد قوله : { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } وهذا الرضا جزاء على رضاهم عنه في الدنيا ، والرضا نوعان : أحدهما : الرضا بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه ،  وهذا الرضا واجب ،   والنوع الثاني : الرضا بالمصائب : كالفقر والمرض والذل ، فهذا رضا مستحب ، وليس بواجب ، وإنما الواجب هو الصبر ،  والرضا بالله ربًّا يلزمك أن ترضى بأحكامه الشرعية ، فترضى بأوامره ممتثلاً ، وترضى بنواهيه مجتنبًا ، وترضى بأقداره المؤلمة ، فترضى بكل نعمة ومصيبة ، وكل منع وعطاء ، وشدة ورخاء ، ترضى عنه سبحانه إذا عافاك وشفاك ، ومن كل بلاء حسن أبلاك ، وترضى عنه إذا أمرضك وأسقمك ، وترضى عنه إذا أغناك وحباك ، وترضى عنه إذا أفقرك وأعدمك ، لأنّ الله تعالى أعلم بما يصلح العبد ، قال تعالى : { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ البقرة :  216 ]  ،  وما دام الأمر كذلك فإنّ الرضا بقضاء الله تعالى هو الأولى بالعبد الجاهل بما هو خير له ، فلا ينبغي أن يقترح على ربه ، ولا يختار عليه ، ولا يسأله ما ليس له به ، فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم ، فلا يختار على ربه شيئًا ، بل يسأله حسن الاختيار له ، وأن يرزقه الرضى بما يختاره ، فلا أنفع له من ذلك ، إنّ أهل الرضا هم الذين يذوقون طعم الإيمان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا ، وبالإسلام دينًا ،وبمحمد رسولاً )) [ أخرجه مسلم ] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من قال حين يسمع المؤذن : وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، ، رضيت بالله ربًّا ، وبمحمد رسولاً ، وبالإسلام دينًا ، غفر الله له ما تقدم من ذنوبه )) [ أخرجه مسلم ] ، فمن رضي بالله ربًّا ، وبالإسلام دينًا ،وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ذاق طعم الإيمان ، و غفر الله له ما تقدم من ذنوبه ، والرضا بربوبية الله : يتضمن الرضا بتدبيره لعبده ، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه ، والاستعانة به ، والثقة به ، والاعتماد عليه ، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به ، وأما الرضا بنبيه رسولاً : فيتضمن كمال الانقياد له ، والتسليم المطلق إليه ، بحيث يكون أولى به من نفسه ، فلا يتلقى الهدى إلا من كلامه ، ولا يحاكم إلا إليه ، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة ،  وأما الرضا بدينه : فإذا قال ، أو حكم ، أو أمر ، أو نهى : رضي كل الرضا ، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه ، وسلم له تسليمًا ، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها ،  [  رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزلة الرضا ] :  كان رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه فوق ما يصفه الواصفون ، فهو راضٍ في الغنى والفقر ، راضٍ في السلم والحرب ، راض وقت القوة والضعف ، راض وقت الصحة والسقم ، راض في الشدة والرخاء ، كان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع ، ويقترض شعيرًا من يهودي ويرهن  درعه عنده ، وينام على الحصير فيؤثر في جنبه ، وتمر ثلاثة أيام لا يجد شيئًا يأكله ، ومع ذلك كان راضيًا عن الله رب العالمين ، وعند موت ابنه إبراهيم ، قال صلى الله عليه وسلم : (( إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون )) [ متفق عليه ] ، وجزاء هذا الرضا منه صلى الله عليه وسلم  كان قوله تعالى : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } [ الضحى : 5 ] ، [ والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم المسلمين خلق الرضا ] ، أخرج مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد لا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ، أو يشرب الشربة فيحمد عليها )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس )) [ أخرجه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1967) ] ، [ الأنصار وخلق الرضا عن الله ] : أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن أناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل ، فقالوا : يغفر الله لرسول الله ، يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس بن مالك : فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم : فأرسل إلى الأنصار ، جمعهم في قبة من أدم ، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( ما حديث بلغني عنكم؟  ))  فقال له فقهاء الأنصار : أما ذوو رأينا ، يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا ، وأما أناس منا حديثة أسنانهم ، قالوا : يغفر الله لرسوله ، يعطي قريشًا ويتركنا ، وسيوفنا تقطر من دمائهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم ، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وترجعون إلى رحالكم  برسول الله ؟ فو الله ، لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ، فقالوا : بلى يا رسول الله ، قد رضينا ، قال : فإنكم ستجدون أثرةً شديدة ، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ، فإني على الحوض، قالوا : سنصبر )) [  البخاري (3793) ، مسلم (1059) واللفظ له ] ، [ الصحابة وخلق الرضا عن الله ] : ( 1 ) كان عمران بن الحصين رضي الله عنه  : (( قد استسقى بطنه ، فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة ، لا يقوم ولا يقعد ، قد نقب له في سرير من جريد كان عليه - موضع لقضاء حاجته ، فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء فجعل يبكي لما يراه من حاله ، فقال :لم تبكي؟ قال : لأني أراك على هذه الحالة العظيمة ، قال لا تبك ، فإن أحبه إلى الله تعالى ، أحبه إلي ، ثم قال أحدثك حديثًا لعل الله أن ينفعك به ، واكتم علي حتى أموت ، إن الملائكة تزورني فآنس بها ، وتسلم علي فأسمع تسليمها ، فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة )) ، إذ هو سبب هذه النعمة الجسيمة ، فمن يشاهد هذا في بلائه ، كيف لا يكون راضيًا به؟!  ( 2 ) لما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة ، وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه ، كل واحد يسأله أن يدعو له ، فيدعو لهذا ولهذا ، وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب : فأتيته وأنا غلام ، فتعرفت عليه فعرفني ، وقال : أنت قارئ أهل مكة؟ قلت. : نعم ، فذكر قصة قال في آخرها : فقلت له : يا عم ، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك ، فرد الله عليك بصرك! فتبسم ، وقال : يا بني ، قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري [  مدارج السالكين (2/227) ]  ،  [ التابعين وخلق الرضا عن الله ] :  ( 1 )  ذكر عبد العزيز بن سبرة عن أبيه عن جده قال : لما هلك عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ، وسهل بن عبد العزيز ، ومزاحم مولى عمر ، في أيام متتابعة ، دخل عليه الربيع بن سبرة فقال : عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين ، ما رأيت أحدًا أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة ، والله ما رأيت مثل ابنك ابنًا ، ولا مثل أخيك أخًا ، ولا مثل مولاك مولى قط. فطأطأ رأسه ، فقال لي رجل معه على الوساد : لقد هيجت عليه ، قال : ثم رفع رأسه فقال : كيف قلت لي يا ربيع؟ فأعدت عليه ما قلت أولاً ، فقال : لا ، والذي قضى عليهم - الموت ، ما أحب أن شيئًا كان من ذلك لم يكن ))  ، ( 2 ) وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : لقد تركتني هؤلاء الدعوات ، وما لي شيء من الأمور كلها أرب إلا في مواقع قدر الله ... وكان كثيرًا ما يدعو : (( اللهم رضني بقضائك ، وبارك لي في قدرك ، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته ولا تأخير شيء عجلته )) [  مدارج السالكين (2/225) ] ، ( 3 ) قال ابن شوذب : اجتمع مالك بن دينار ،ومحمد بن واسع فتذاكرا العيش ، فقال مالك : ما شيء أفضل من أن يكون للرجل غلة يعيش فيها ، وقال محمد : طوبى لمن وجد غداء ولم يجد عشاء ، ووجد عشاء ولم يجد غداء ، وهو عن الله - عز وجل - راضٍ والله عنه راضٍ [  الرضا عن الله (ص: 52-53) ] ، ( 4 ) عن سفيان بن عيينة ، عن رجل وعن محمد بن علي ابن الحسين أبي جعفر الباقر : (( أن بعض أهله اشتكى فوجد عليه ، ثم أخبر بموته فسُري عنه فقيل له فقال : ندعو الله فيما نحب ، فإذا وقع ما نكره ، لم نخالف الله فيما أحب )) [  الرضا عن الله (ص: 95) ] ،  ( 5 ) هذه زوجة فتح الموصلي انقطعت إصبعها فضحكت فقال لها بعض من معها : أتضحكين ، وقد انقطع إصبعك؟! فقالت : أخاطبك على قدر عقلك ، حلاوة أجرها أنستني مرارة قطعها ، ( 6 )  هشام بن عروة بن الزبير ذكر عن أبيه قال : وقعت الأكلة في رجله فقيل له : ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال : إن شئتم فجاء الطبيب ، فقال : أسقيك شرابًا يزول فيه عقلك فقال امض لشأنك ما ظننت أن خلقًا يشرب شرابًا ويزول فيه عقله حتى لا يعرف ربه ، قال : فوضع المنشار على ركبته اليسرى ونحن حوله فما سمعنا له حسًّا فلما قطعها جعل يقول : لئن أخذت لقد أبقيت ، ولئن ابتليت لقد عافيت ،... وما ترك حزبه من القراءة تلك الليلة ) [  تهذيب الكمال (20/ 20-21) ] ، إن الفوز برضوان  الله تعالى هو غاية ما يتمناه المتخلقون بخلق الرضا عن الله ، ورضوان الله تعالى أعظم من نعيم الجنة التي فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر  ، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، والخير في يديك فيقول : هل رضيتم؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون : وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول : أحل عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا )) [ متفق عليه ، أخرجه البخاري (6549)، وسلم (2829) ] ،  قال بعض العارفين : الرضا يفتح باب حسن الخلق مع الله تعالى ومع الناس ، فإن حسن الخلق من الرضا ، وسوء الخلق من السخط. وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم ، وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ،  وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى - رضي الله عنهما - : (( أما بعد ، فإن الخير كله في الرضى ، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر )) ،  [  خلق الرضا يدخل فيه الرضا بالله ، والرضا عن الله ] : والرضا بالله ربا فرض ، من آكد الفروض ، فمن لم يرض به ربا لم يصح له إسلام ولا عمل ولا حال ، وأما الرضا بقضائه : فأكثر الناس على أنه مستحب وليس بواجب ، والواجب إنما هو الصبر ، والتقرب إليه سبحانه بأداء فرائضه أفضل وأعلى من التقرب إليه بالنوافل ، وأيضًا : فإن الرضا بالله  ربًّا يتضمن الرضا عن الله ،  لأن الرضا بالله  يدخل فيه الرضا بربوبيته سبحانه ، والرضا بأفعال ربوبيته ، يعافي من بشاء ويبتلى من يشاء فالرضا به ربًّا يستلزم الرضا عنه ، فالرضا به ربًا يدخل فيه الرضا به خالقًا ومدبرًا ، وآمرًا وناهيًا ، ومعطيًا ومانعًا ، وحكمًا ، ووكيلاً ووليًا ، وناصرًا ، ومعينًا ، وكافيًا ، وحسيبًا ورقيبًا ، ومبتليًا ومعافيًا ، وقابضًا وباسطًا ، إلى غير ذلك من صفات ربوبيته ، والرضا عن الله معناه : رضا العبد بما يفعله الله به فيما جرت به المقادير ، ويعطيه إياه ، وهذه هي النفس المطمئنة ، قال تعالى – في حقها - : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } [ الفجر : 27 ، 28] ، [ خلق الرضا عن الله يصح بثلاثة شروط ] : تتمثل في : الأول : استواء النعمة والبلية عند العبد؛ لأنه يشاهد حسن اختيار الله له ، والثاني : سقوط الخصومة عن الخلق ، إلا فيما كان حقًّا لله رسوله ، فالراضي لا يخاصم ولا يعاتب إلا فيما يتعلق بحق الله ، وهذه كانت حال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن يخاصم أحدًا ولا يعاتبه إلا فيما يتعلق بحق الله ، كما أنه كان لا يغضب لنفسه ، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله. فالمخاصمة لحظ النفس تطفئ نور الرضا وتذهب بهجته ، وتبدل بالمرارة حلاوته ، وتكدر صفوه ، والشرط الثالث : ترك المسألة للخلق والإلحاف فيها ، قال تعالى : { يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا } [ البقرة : 273] ، قال ابن عباس : إذا كان عنده غداء لم يسأل عشاء ، وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء  ، [ أعظم أسباب حصول الرضا ] : أن يكون العبد في كل أحواله راض عن الله ، قيل ليحيي بن معاذ : متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا ؟ فقال : إذا أقام نفسه على أربعة أصول ، فيقول - فيما يعامل به ربه - : إن أعطيتني قبلت ، وإن منعتني رضيت ، وإن تركتني عبدت ، وإن دعوتني أجبت ، [ أرض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ] : قال تعالى : { فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [ الأعراف : 144] ، وأخرج الترمذي عن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم :  (( مَنْ يَأْخُذُ عَنّي هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِن أو يُعَلّمُ مَنْ يعْمَلُ بِهِنّ ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فقُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ الله ، فَأَخَذَ بِيَدِي فعَدّ خَمْساً وَقَالَ:  اتّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النّاسِ ،  وَارْضَ بِما قَسَمَ الله لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً، وَأَحِبّ لِلنّاسِ ما تُحِبّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِماً، وَلاَ تُكْثِرِ الضّحِكَ فَإِنّ كَثْرَةَ الضّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ )) [ أخرجه الترمذي (2342) ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (1867) ] ، هذا عطاء بن أبي رباح عالم الدنيا في عهده ، مولى أسود أفطس أشل وكان من أكابر التابعين ،  وهذا الأحنف بن قيس ، حليم العرب قاطبة ، نحيف الجسم ، أحدب الظهر ، أحنى الساقين ، ضعيف البنية ، وهذا الأعمش محدث الدنيا ، من الموالي ، ضعيف البصر ، فقير ذات اليد ، ممزق الثياب ، رث الهيئة والمنزل ، بل الأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم ، كل منهم رعى الغنم ، وكان داود حدادًا وزكريا نجارًا وإدريس خياطًا ، وهم صفوة الناس وخير البشر ، إذن الرضا أن ترض بقسمة الله { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [ الزخرف : 32] ، [ ثمرات الرضا ] : للرضا ثمرات عظيمة ، يرتفع بها الراضي إلى أعلى المنازل ، فيصبح راسخًا في يقينه ، ثابتًا في اعتقاده ، وصادقًا في أقواله وأعماله وأحواله ، والرضا عن الله ،  يثمر رضا ربه عنه ، { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ  } ،   والرضا يفتح للمسلم باب السلامة ، فيجعل قلبه سليمًا ، نقيًّا من الغش والدغل والغل ، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم ، وهو القلب الممتلئ من خلق الرضا بالله وعن الله وعن قدر الله ، والرضا يثمر الشكر في مواطن البلاء ، وهذا الشكر من أعلى مقامات الإحسان ، وإنّ من ثمرات الرضا الفوز بالجنة والنجاة من النار ، قال تعالى : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي } [ الفجر : 27 إلى 30 ] ، أسأل الله (جل وعلا) أن يملأ قلوبنا رضًا وأن يرضى عنا رضًا لا يسخط بعده أبدًا ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثامن عشر : أخلاق المسلم مع الله : خلق  اليقين في الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق السابع عشر من أخلاق المسلم مع الله : خلق اليقين في الله وفيما عند الله اليقين هو سكون القلب واطمئنانه إلى الله ، واليقين شعبة عظيمة من شعب الإيمان , وخلق عظيم من أخلاق أهل التقوى والإحسان , قال تعالى : { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ لقمان : 4 ، 5  ] ، ولقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم :  (( اللهم قْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ , وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا , )) [  أَخْرَجَهُ الترمذي (3502) والنَّسَائي في عمل اليوم والليلة (402) ] ، و [ اليقين ] هو حال الأئمة المهديين الذين تقوم على أكتافهم دعوة الإسلام  ، هؤلاء الأئمة الربانيين الذين يمتلئون يقيناً بالله عز وجل وبنصر الله عز وجل  ، قال تعالى  : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون }  ، واليقين هو مَقامُ الإِحسان ؛ الذي شرحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله  : (( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) [ أخرجه مسلم ]  ، كما أن اليقين هو استقرارُ العِلْم الذي لا يتغيَّرُ في القَلْب  ، واليقين  : نقيض الشك  ، كما أنّ العلم نقيض الجهل  ، ولهذا يقول المشركون في إيمانهم بالساعة :  { إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ }  ،  واليقين هو تصديق جازم لا يقبل الشك  ، واليقين هو العلم دون شك  ، واليقين  : هو تحقيق التصديق بالغيب بإزالة كل شك وريب  ، واليقين  : رؤية العيان بنور الإيمان  ، اليقين  : ارتفاع الريب في مشهد الغيب  ، والقرآن الكريم يمتدح أهل اليقين  ، قال تعالى  : {  وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }  ، ويذم من لا يقين عنده  ، كما في قوله تعالى  :} أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ }  ، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عددٌ كثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي يذكر فيها فضل اليقين ومنزلته وشرفه  : كما في حديث أبي هريرة قال  : أعطاني النبي صلى الله عليه وسلم نعله  ، وقال لي : (( اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ )) [ أخرجه مسلم ح 46 ]  ،  أي من كانت هذه صفته فبشره بدخول الجنة ؛ وإلا فأبو هريرة لا يعلم استيقان قلوبهم  ، لقد خص الله تعالى أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين  ، فقال وهو أصدق القائلين : { وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ }  ، وخصَّ أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالَمين  ، فقال تعالى  : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }  ، وأخبر عن أهل النار أنهم لم يكونوا من أهل اليقين  ، فقال تعالى : { وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ }  ،  وأخبر أنّ الله تعالى بين الدلالات الواضحة لأهل اليقين ، قال الله تعالى  : { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } أي بينا العلامات والدلالات الواضحة لمن آمن وصدق واتبع نور الوحي بكليته ، والمؤمنون وحدهم هم الذين يعلمون أنها آيات من ربهم فيتعاملون معها بيقين لا يتزعزع ، إذ جعل الله لهم بصائر من عنده يتبصرون بها ، قال تعالى  : { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } ، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن عمر رضي الله عنهما قال : قلَّما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدَّعوات لأصحابه : (( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحولُ بيننا وبين معاصِيك ، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا )) [ أخرجه   ] ، ويتجلى يقين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حينما يشتد به الكرب فيبدو يقينه مثالاً يحتذى ، ولا كرب أشد من ساعة الهجرة حين يقول له الصديق : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا ، والرسول صلى الله عليه وسلم يهدئ من روعه : (( يا أبا بكرٍ ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا  ))  ، ،  و [ مراتب اليقين ثلاثة ]  :  تحدث القرآن الكريم عن اليقين وعن أقسامه الثلاثة ففي سورة التكاثر أشار إلى : ( علم اليقين )  و ( عين اليقين ) ،  فقال تعالى  : { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } وفي سورة الواقعة أشار إلى "حق اليقين" فقال تعالى : { وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } وفي سورة الحاقة قال تعالى  : { وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ }  ، بدأ القرآن الكريم بعلم اليقين وهو الخبر الموثوق  ، ثم عين اليقين وهي المشاهدة العيانية للحدث  ، ثم حق اليقين وهي أن تعيش الحدث بنفسك وتتلمس تفاصيله بشكلٍ مباشر  ، فاليقين على ثلاث مراتب بعضها فوق بعض  ، فأدنى مراتب اليقين هي  : ( علم اليقين )  ،  وفوقه ( عين اليقين )  ، وأعلى المراتب هي  : ( حق اليقين )  ، فعلم اليقين  : هو التصديق الكامل الجازم الذي لا تردد فيه  ، بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة ، ولا ريب بحالٍ من الأحوال ، فينكشف بذلك المعلوم للقلب ، فيصير بمنزلة المُشَاهِد له فلا يشك فيه أبداً  ، وذلك كعلمنا بالجنة : بوجودها ونعيمها كما أخبرنا الله عز وجل ، فنعلم أنها دار المتقين ، ومقر المؤمنين ، فهذه مرتبة علم اليقين  ، ثم إذا كان اليوم الآخر ، ورأينا الجنة بأعيننا ، فإن هذه المرتبة هي مرتبة عين اليقين  ، والفرق بين هذه المرتبة والتي قبلها هو كالفرق بين العلم وبين المشاهدة  ، فموسى عليه السلام أخبره الله عز وجل - وهو أصدق القائلين- أن قومه قد عبدوا العجل فما ألقى الألواح ، فلما قدم ورأى قومه يعبدون العجل بعينه؛ ألقى الألواح ، وغضب ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه ، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ } [ـ رواه أحمد  : ح 1745 ]  ، وهذه المرتبة : مرتبة عين اليقين هي التي سألها إبراهيم صلى الله عليه وسلم ربه فقال  : { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى }   ، فإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان كامل الإيمان واليقين ، ولكنه أراد أن ينتقل من مرتبة إلى أخرى أعلى منها ، أراد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين ، فيرى ذلك بأم عينه ،  لينضم إلى المعرفة الإيمانية المجردة المعرفة اليقينية المشاهدة ،  وأما المرتبة الثالثة فهي : مرتبة حق اليقين : وهي مباشرة الشيء بالإحساس فعلاً ، وذلك حين يكون أهل الجنة في وسطها ، فهم في هذا الحال قد بلغوا مرتبة حق اليقين ، وقد ضرب بعض أهل العلم مثالا لذلك ، قال الفيروزآبادي : ( والفَرْقُ بين عِلْم اليَقِين وعَيْن اليقين كالفَرْقِ بين الخَبَر الصادِق والعَيان ، وحَقُّ اليَقين فَوْقَ هذا. وقد مُثِّلَت المراتب الثلاثة بمن أَخبرك أَنَّ عنده عَسَلاً وأَنت لا تَشُكَّ فى صِدْقه ، تمَّ أَراك إِيّاه فازددت يقيناً ، ثم ذُقْت منه ، فالأَوّل عِلْمُ يَقِين ، والثاني عَيْنُ يَقِينٍ؛ والثالث حَقُّ يَقِين. فعِلْمُنا الآن بالجنَّة والنَّار عِلْمُ يَقينٍ ، فإِذا أَزْلِفَتِ الجنَّة في المَوْقف وشاهَدَها الخلائِقُ ، وبُرِّزت الجَحيم وعاينها الخلائِق ، فذلك عَيْنُ اليَقين ، فإِذا دخل أَهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأَهلُ النَّار النَّارَ فذلك هو حَق اليقين ) ، والحق أنّ النبي صلى الله عليه بلغ هذه الدّرجة  ( حق اليقين ) ، فإِنَّه صلى الله عليه وسلم رأى بعينه الجنَّة والنَّار ، فحصل له حقُّ اليقين ،  ولقد ضرب أنبياء الله ورسله الكرام المثل الأعلى في اليقين وحسن الثقة بالله تعالى , فها هو الخليل إبراهيم عليه وسلم يقول عنه القرآن الكريم : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ  } ، وحينما حاجه قومه قال لهم في يقين وثبات : { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ *  وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } ، وها هو كليم الله موسى عليه السلام يقول لأصحابه حينما أدركهم فرعون فوجدوا البحر من أمامهم والعدو من ورائهم : { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *  قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } [ سورة الشعراء   ] ، وهذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يقول لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهما في الغار وقد أحدقتم به الإخطار : لا تحزن إن الله معنا ، قال سبحانه : { إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [  (40) سورة التوبة  ] ، وأهل اليقين هم أهل الإيمان الراسخ بالله تعالى ، قال تعالى : { ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ *  أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ البقرة : 2 إلى 5 ] ، فأهل اليقين يؤمنون بالبعث والجزاء والحساب والجنة والنار , لذا فإن الحياة بما فيها وبمن فيها تهون في أعينهم أمام مرضاة الله تعالى وانتظار الجزاء الأوفى منه سبحانه , ومن ذلك ما أخرجه مسلم من قصة عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ  في غزوة بدر ، ما كان من يقينه في الله تعالى ، فحينما انطلق رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ ، حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ ، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ، قَالَ : عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ : يَا رَسُولَ اللهِ ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : بَخٍ . بَخٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ . بَخٍ ؟ قَالَ : لاَ وَاللهِ ، يَا رَسُولَ اللهِ ، إِلاَّ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا ، قَالَ : فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا ، قَالَ : فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ، ثُمَّ قَالَ : لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ ، قَالَ : فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ ، رضي الله عنه )) [ أخرجه أحمد 3/136(12425) ومُسْلم 6/44(4950 ) ] ، ، ومن عظمة خلق اليقين عند الصحابة : ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه حين أتاه كفار قريش وقالوا له : إن صاحبك قد كان يزعم ويزعم أما الآن فقد جاء بأمر عجيب، وما نظنك إلا تكذبه، قال: ما هو؟ قالوا : يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء وعاد في ليلة ، فقال رضي الله عنه بكل ثقة يقين : (( إن كان قاله فقد صدق )) ، وما روي عن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- أنه قال: (( لو رأيت الجنة والنار ما ازددت يقيناً )) ، وما روي عن عامر بن عبد القيس رضي الله عنه : (( لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً )) ، وما روي عن أنس بن النضر رضي الله عنه – وقد كان أعرجاً- ذهب إلى معركة أحد فقال له بعضهم: يا أنس إن الله قد عذرك: { وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ } [الفتح : 17]، فقال : ( والله لأطأن بعرجتي هذه الجنة، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لقد رأيته في الجنة وما به عرج ) ، ومن أعظم اليقين ما كان من موقف السحرة مع موسى وهارون عليهما السلام : قال تعالى : {  قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى  } [ طه : 65 إلى 76 ] ،   (  لما القى موسى العصا صارت ثعبانا عظيما هائلا ، ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس ، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي ، حتى لم تبق شيئا الا ابتلعته ، والناس ينظرون الى ذلك عيانا نهارا ، فلما عاين السحرة ذلك ، وشاهدوه علموا علم اليقين ، ان هذا ليس من قبيل السحر والحيل ، وانه حق لا مرية فيه ، فعند ذلك وقعوا سجدا لله ، فقامت المعجزة واتضح البرهان ، ووقع الحق وبطل السحر ، قال ابن عباس : كانوا اول النهار سحرة ، وفي آخر النهار شهداء بررة ،  هددهم فرعون بعذاب الدنيا ، فقال :  [ فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ] ؟  [ قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ]  لن نختارك ونفضلك على الهدى والايمان ، الذي جاءنا من الله ، ولو كان في ذلك هلاكنا ، [ والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض  إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ، وما أكرهتنا عليه من السحر ، والله خير وأبقى ، إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ، جنات عدن  تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى ) يا سبحان الله هكذا يفعل اليقين في الله وفيما عند الله ، هان عليهم عذاب فرعون ، وهانت الدنيا عندما أيقنوا في ثواب الله ،  ومن أعظم اليقين ما كان من موقف مؤمن سورة يس ، : قال تعالى : { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِـنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } [ يس : 20 إلى 27 ] ، [ وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ( رجل يعدو ، يسرع في مشيه ) [  قال يا قوم اتبعوا المرسلين ] أي اتبعوا الرسل الكرام الداعين إلى توحيد الله ،  [ اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ] أي اتبعوا هؤلاء الرسل الصادقين المخلصين ، الذين لا يسألونكم أجرة على الإيمان ، وهم على هدى وبصيرة ، فيما يدعونكم إليه من توحيد الله ، [ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ]  كأنه ينصح نفسه ، ويختار لهم ما يختار لنفسه ،  والمعنى : أي شيء يمنعني من أن أعبد خالقي الذي أبدع خلقي ؟ وإليه مرجعكم بعد الموت فيجازي كلا بعمله ؟ [ أأتخذ من دونه آلهة ]  كيف أتخذ من دون الله آلهة لا تسمع ولا تنفع ، ولا تغني عن عابدها شيئا ؟ [ إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ] أي هي في المهانة والحقارة ، بحيث لو أراد الله أن ينزل بي شيئا من الضر والأذى ، وشفعت لي لم تنفع شفاعتهم ، ولم يقدروا على إنقاذي ، فكيف وهي أحجار لا تسمع ، ولا تنفع ولا تشفع ؟ [ ولا ينقذون ] لا يقدرون على إنقاذي من عذاب الله ، [ إني إذا لفي ضلال مبين ] إني إن عبدت غير الله واتخذت الأصنام آلهة ، لفي خسران ظاهر جلي ، [ إني آمنت بربكم فاسمعون ] أي إني آمنت بربكم الذي خلقكم ، فاسمعوا قولي واعملوا بنصيحتي ، قال المفسرون : لما قال لهم ذلك ونصحهم وأعلن إيمانه ، وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه ، ولم يكن له أحد يمنع عنه أذاهم ، وقيل : رموه بالحجارة حتى مات ، [ قيل ادخل الجنة ] أي فلما مات قال الله له : ادخل الجنة مع الشهداء الأبرار ، جزاء على صدق إيمانك وفوزك بالشهادة ، [ قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربى وجعلني من المكرمين ] أي فلما دخل الجنة وعاين ما أكرمه الله بها لإيمانه وصبره ، تمنى أن يعلم قومه بحاله ، ليعلموا حسن مآله ، قال ابن عباس : نصح قومه في حياته ، ونصحهم بعد مماته ، هكذا خلق اليقين وما يفعل في أصحابه ، و [ من ثمرات اليقين ]  :  إن اليقين يورث صاحبه أموراً جليلة عظيمة ، ويؤثر في سلوكه تأثيراً عجيباً؛ فهو يزيد العبد المسلم قربة من الله عز وجلّ وحبًّا ورضاً بما قدره وقضاه ، ويزيد صاحبه استكانة وخضوعاً لربه جل جلاله ، كما أنه يكسبه رفعة وعزة ، ويبعده عن مواطن الذل والضعة ، ونجمل هنا من ثمرات اليقين ما يلي  :  أولاً  : يورث صاحبه الهدى والفلاح في الدنيا والآخرة ، ومعلوم أن الفلاح هو تحصيل المطلوب ، والنجاة من المرهوب ، ولهذا قال الله عز وجل عن المؤمنين : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، أخرج الإمام أحمد عن الحسن : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خطب الناس فقال  : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( يا أيها الناس إن الناس لم يعطوا في الدنيا خيراً من اليقين والمعافاة فسلوهما الله عز وجل )) [ مسند الإمام أحمد ، ح 37 ] ، ثانياً  : أنه يورث صاحبه الزهد في الدنيا وقصر الأمل ، فلا تتعلق نفسه بها ، ولا يتشبث بُحطامها ، وإنما يكون زاهداً فيها؛ لأنه يعلم أنها ليست موطناً له ، ولأنه يعلم أنها دار ابتلاء ، وأنه فيها كالمسافر يحتاج إلى مثل زاد الراكب ، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : (( قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ : لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ )) [ أخرجه مسلم ، ح  : 3520 ] ،  وهذا الصحابي الجليل حرام بن ملحان رضي الله عنه حين طعن في ظهره غدراً يوم حادثة بئر معونة فما كان منه إلا أن هتف قائلاً  : ((  فزت ورب الكعبة  )) [  أخرجه مسلم ، ح  : 3522 ] ، فأي مدى من اليقين بالله بلغه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ،  ثالثاً  : الانتفاع بالآيات والبراهين  ، فالله عز وجل يقول : { وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ } ، صاحب اليقين يرى في كل شيء آيات دالة على وجود الله ،  مصداقا لقوله تعالى : { وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون } ، وأما الغافل  : فهو ينظر إلى هذه الأشياء ، ولا يُحرك ذلك في قلبه ساكناً ، ولهذا يقول الله عز وجل : { وَكَأَيِّنْ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } ، رابعاً  : أن اليقين إذا تزوج بالصبر فإنه يولد بينهما الإمامة في الدين؛ قال الله عز وجلّ : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ }  فشرط الإمامة في الدين الصبر واليقين ،  اللهم إنا نسألك يقيناً لا يخالطه شك، ونسألك إيماناً لا يخالطه شرك، ونسألك الصدق في حبك والشوق إلى لقائك، إنك ولي ذلك والقادر عليه ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس التاسع عشر  : أخلاق المسلم مع الله :  خلق العلم الراسخ بالله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الثامن عشر من أخلاق المسلم مع الله :  العلم الراسخ بالله : من أهم أخلاق المسلم مع الله وأجلها : العلم بالله ، أهل العلم بالله هم أهل الخشية من الله ، قال الله تعالى : {إنَّما يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [ فاطر : 28 ] ، و أهل العلم بالله هم أهل القرب من الله ، قال تعالى : {هل يستوي الذين يعلمونَ والذين لا يعلمونَ} [ الزمر : 9 ] ، وأهل العلم بالله هم أهل الدرجات العلا عند الله : قال تعالى : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [ المجادلة : 11 ] ، و أهل العلم بالله هم أهل الإخبات لله قال تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الحج : 54 ] ، و أهل العلم بالله هم أهل اليقين في الله ، قال تعالى : { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ } [ العنكبوت : 49 ] ،  أهل العلم بالله هم أهل المعرفة بدين الله ،  قال تعالى : { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ سبأ : 6 ] ، وأهل العلم بالله هم أهل الزهد في الدنيا وأهل الرجاء في ثواب الله ، قال تعالى : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ  } [ القصص : 79 ، 80 ] ،  وأهم العلم وأعظم العلم ( العلم بالله ) العلم بالله في جناب ذاته { ليس كمثله شيء } ، والعلم بالله في حسن أسمائه { له الأسماء الحسنى } ، والعلم بالله في كمال صفاته وأفعاله ، والعلم بالله في مفردات ربوبيته لخلقه ، لا رب غيره ، واستحقاقه للعبودية وحده لا معبود بحق سواه ، والعلم بالله في توحيد إلهيته ، وأنه ( لا إله إلا هو ) ، قال تعالى : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } [ محمد : 19 ] ، وقال تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ آل عمران : 18 ] ، يدخل في العلم بالله التقديس لجناب ذات الله ، قالت الملائكة : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  } [ البقرة : 30 ] ، فالله تعالى هو القدوس ، تقدست ذاته وتقدست أسماؤه وتقدست صفاته وتقدست أفعاله ، وتنزهت عن التمثيل والتشبيه  ، { ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى : 11]، وفي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، فلا يشبه وجوده وجود شيء من خلقه ، وقال تعالى :{ وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل :60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، والوجود الذي لا يشبه وجود المخلوقين ، وقال الله تعالى :{ فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له ، لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :{ هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فوجوده سبحانه لا يشبه وجود خلقه ، فكل موجود سواه يلزمه حيز يحوزه ، ومكان يكون فيه ، وزمان يجري عليه ، والله تعالى هو خالق ذلك كله ، هو الخالق للمكان والزمان ، وهو القاهر لكل موجود أن يحيط به مكان ، ويجري عليه زمان ، وهو القاهر فوق عباده وهو القاهر للزمان والمكان وهو القاهر لقوانين الزمان وقوانين المكان ، فلا يحتاج في وجوده إلى مكان ولا يجري عليه في وجود زمان كان قبل المكان والزمان وخلق المكان والزمان ، وهو على ما عليه  كان في أزله وقدم سلطانه ، قبل خلق المكان والزمان وجميع المخلوقات ، وذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ فلا يلحقه حد ولا غاية ولا نهاية ، كل ذوات المخلوقات لها حد تنتهي إليه ومقدار مقدار بقدر ، والله تعالى هو الخالق للحدود والمقادير ، وكل ذوات المخلوقات تتكون من أبعاض واجزاء مركبة يحتاج بعضها إلى بعض ، والله تعالى أحد له الأحدة المطلقة التي تنفي الكثرة والأجزاء والأبعاض والجوارح والأعضاء ، وهو الصمد الذي له الصمدية المطلقة وكمال الغنى والحمد ، فلا يحتاج إلى شيء وكل الأشياء إليه فقيرة تصمد إليه لأجل وجودها وبقائها وحياتها ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولو يكن له كفوا أحد ،{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، لهذه المعاني في تقديس جناب ذات الله تعالى ، كانت سرة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ، وكل ما فيها من معاني تقديس الله محكم راسخ وكل ما خالفه متشابه لا بد من رده إلى أمهاته من المحكم عملا بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه لأحد أحد صمد منزه عن البعضية و الجزئية والجارحة ، ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى ، وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ، فحق على كل ذي علم راسخ بالله أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ، ولا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى الرب تبارك وتعالى ، مع تنزيهه سبحانه عن كل معاني النقص والحدوث كالجارحة والجزء والبعض ، و كالحد والمقدار والكون في المكان وأن يجري عليه زمان ، ومن معاني التغير والحدوث ، وهذه لا يطالب العامي بالعلم بها ومعرفة تفاصيلها ، ولكن يجب على أهل العلم بالدين نفيها وإلا عددناهم من أهل الحشو ، وإن أبو إلا الخوض في الظواهر مع الوقيعة في أهل التنزيه والتقديس من علماء أهل السنة والجماعة فأولئك الذين سماهم الله تعالى أهل الزيغ في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، فيجب التحذير منهم انتصاراً للحق ودفاعاً عن عقيدة التقديس والتنزيه التي هي مفخرة المسلمين على أهل الارض جميعا ، ومن أدلة التقديس والتنزيه أيضا : قوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقال الله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [سورة الأنعام/103]  ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك ، وقال الله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وقال تعالى : { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } والند هو العدل والمثل  والنظير والشبيه ، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل سبحانه ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ،  لا يشبه جناب ذاته – تعالى وتقدس - ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث الأسماء والصفات والأفعال ، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء ، فهو الأول بلا ابتداء ، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء ، وليس بعده شيء ، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، الرحمن على العرش استوى ، وهو قريب من كل شيء ، ومحيط بكل شيء ، وقاهر لكل شيء  ، وهو الكبير المتعال ، وهو العلي العظيم ، وهو الواحد القهار ، وهو الأحد الصمد ، وهو الحي القيوم ، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، والعقل المحدود المخلوق يستحيل عليه إدراك كنه جناب ذات القديم المنزه عن الحدود  – تعالى وتقدس -  , لأن العقل الفاني لا يتصور إلا الأشياء التي تدركها حواسه المحددة المحدثة المخلوقة ، عظم جناب ذاته أن تتوهمه الظنون أو أن تتصوره الأفكار ، تعجز الحواس عن إدراك شيء من حقائق كنه ذاته ، لأنها مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط ، عاجزة عن معرفة ما عداها ، ولهذا فهي لا تدرك حتى الروح التي لا تفارق جسد الإنسان ، كما قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 85 ] ،   وعلى ذلك تعجز العقول والحواس عن معرفة كنه ذات الله تعالى ، لأنّها حواس مخلوقه لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها ، والله تعالى منزّه عن الحدّود ، إذ هو الذي حدّ الحدود ، وقدّر المقادير ، كما أنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء ، والله تعالى لا يقاس بأحد ، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه ، وليس كمثله شيء ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ،  كما أنّ إمكانات العقل محدودة والله تعالى فوق الحد ، لا نهاية لكمالاته ، ولا نهاية لذاته ، ولا نهاية لصفاته ، إذ النهايات دليل على المخلوقات لانّ الله تعالى قهرها بالنهايات ، أما الواحد القهار ، الكبير المتعال تنزه عن الحد والنهاية ، وتعالى على الحدود والنهايات ، ولهذا يعجز العقل المخلوق المحدود عن معرفة كنه ذات الله تعالى ، ولا الإحاطة بصفاته فضلا عن ذاته سبحانه ، لا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، فكلّ ما قدّره عقل فهو محدود ، والله تبارك وتعالى أجلّ وأعظم واكبر من أن تحيط بصفته العقول ،  وكل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما ، وإنما الطريق إلى العلم الراسخ بالله تعالى في جناب ذاته ، هو معرفة قواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تقطع الطمع عن الإدراك ، والتي تمنع من تكييف الوجود الإلهي ، والتي تمنع من التمثيل والتشبيه ، ثم العلم الواسع بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا لأنه العلم الراسخ نحو المعرفة بالله ومن ثم توحيده : من رحمة الله تعالى بعباده أن أرسل إليهم الرسل وانزل عليهم الكتب ليتعرفوا إلى قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي تمنع من تمثيل الله تعالى بأحد من خلقه ، أو تشبيه الله تعالى بأحد من خلقه البشر ، ومن ثم التعرف على اسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى التي وردت في كتاب الله تعالى أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومنها يمكنهم معرفة الله واستشعار كمال وجلال وعظمة الله الواحد الاحد ،  وقواعد التقديس والتنزيه هي عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف : إنها قواعد ربانية دل عليها الكتاب والسنة ، تمنع من تشبيه الله تعالى في ذاته أو صفاته أو أفعاله بأحد من خلقه ، وهذه القواعد ترسخ التقديس والتنزيه والتسبيح في عقل المسلم ووجدانه ، وتمنعه من أي تمثيل لله تعالى بشيء من خلقه لأنّه ليس كمثله شيء ، تعالى عن الند والشبيه والمثيل والكفء والشريك والمعين والوزير والصاحبة والولد ، ومن أهم فوائد تلك القواعد التي تقدس لله وتنزه له ، أنها تقطع الطمع تماماً في إدراك ذات الله { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } ، { ولا يحيطون به علما } ، وتمنع من تكييف الوجود الإلهي كما وصل إليه حال الذين في قلوبهم زيغ ، وأنها تصفي الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه ، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى - على لسان الملائكة - { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  }، أو يتمثل الكائنات من السموات والأرض والجبال وهي تتجاوب مع التقديس وتتألم لدعاوى التشبيه والتمثيل  من عالم البشر في حق الله تعالى كما في قوله تعالى : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } [ مريم : 89 إلى 93 ]  ، وقواعد التقديس هي مبادئ الفقه في العقيدة ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ، ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لمسلم أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، ومن تلك القواعد :

[ ( القاعدة الأولى ) : الله خالق كل شيء ومن خلقه المكان والزمان والحد والمقدار ] ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } [ غافر : 62 ] ، وعلى ذلك فكل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور والمكان والزمان ، والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى ، ولا ينكر ذلك مسلم موحد لله تعالى ،

[ ( القاعدة الثانية ) : الله تعالى هو الأول الآخر الظاهر الباطن ] ، عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى منزه عن أن يجري عليه زمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان ، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ  } دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ، وكذلك فإن له كمال الوجود المنزه من المكان  ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ،

[ ( القاعدة الثالثة ) : الله تعالى هو الواحد القهار ، قهر خلقه بالحد والمقدار ، وقهر خلقه بالكون في المكان وأن يجري عليه زمان ] ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  فالله عز وجل هو وحده سبحانه الواحد القهار لأنه قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، وقهرها جميعها بالحد والمقدار ، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار ، مهما كبر حجم المخلوق أو عظم مقداره فإنه محدود متناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، والدليل على ذلك : قوله تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، وقوله تعالى : { قد جعل الله لكل شيء قدرا } ، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار ، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث ،   وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى ،  أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار ، فإنه لما  كان قاهراً لجميع مخلوقاته ، لم تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه ، وهو خالق الحدود والمقادير ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، منزه عن الحد والمقدار ، لأنه سبحانه الواحد القهار لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب ، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر والقهار فوق جميع خلقه ، فهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه القاهر فوق المكان والمحيط بكل شيء ومنه المكان ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه خالق المكان والزمان ، وقاهر المكان الزمان ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ، تنزه عن الكون في مكان فلا يحيط به مكان ، كيف يحيط به المكان سبحانه وهو القائل : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  } [ النساء : 126 ] ، وهو سبحانه القائل : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، كما أنه سبحانه تنزه عن أن يجري عليه زمان ، وتحكمه قوانين الزمان ، فالماضي عنده حاضر والمستقبل عنده حاضر ، يغيب عن علمه وسمعه وبصره شيء من ماضٍ أو حاضرٍ او غيبٍ مستقبل ، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما وما قدرناه سبحانه حق قدره وهو الواحد القهار ، ولو كان الزمان يحكمه سبحانه ، لكان مثل مخلوقاته تجري عليهم قوانين الزمان ، جل عن ذلك وتعالى علواً كبيرا ، 

[ ( القاعدة الرابعة ) : الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) منزه عن كل ما ينافي الأحدية من الأبعاض والأجزاء والجوارح والأركان ] ،  الله تعالى هو ( الأحد ) له تعالى : ( الأحدية المطلقة ) ، [ أحد ] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، والتركيب مستحيل عليه سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف لا بالأحدية ولا بالصمدية ، ولا بكمال الغنى والقيومية ، والله تعالى هو الأحد الصمد الغني الحي القيوم منزه عن الجوارح والأجزاء ، إذ هو واحد لا شريك له ، أحد لا مثيل له ، لم يُخالف في ذلك من المسلمين من الفرق الثلاث وسبعين فرقة سوى المجسمة ، فقالوا بالأجزاء والأبعاض والجوارح ، تنزه الله تعالى عن قولهم علوا كبيرا ، ( أحدية الذات ) تعني نفي التبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى ، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته ، وهو توحيد في نفس الذات بعدم تصور الكثرة فيها أبدا ، ولا حتى تصورها والفكر فيها : { ليس كمثله شيء } ، و { ولم يكن له كفوا أحد } ، أما الوجه في قوله تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  } [ البقرة : 115 ] والعين في قوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] واليد في قوله تعالى : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ] ، فلم يقل أحدٌ من أهل السنة والجماعة أنها جوارح لله - حاش لله تعالى من هذا الظن والوصف سبحانه - ، وإنما صفات وليست جوارح ، ومن جعلها من باب الأجزاء والجوارح ، فهو مجسم خارج عن إطار أهل السنة والجماعة إلى الفرق الضالة التي تستحق الوعيد بالنار ، و ( الواحد ) من أسماء الله الحسنى ، تعني نفي الشريك له ،  فالله تعالى واحد ، لا شريك له ، و ( الأحد )  نفي لتصور الكثرة في ذات الإله القديم بذاته وأسمائه وصفاته وسلطانه ، لا نظير ، ولا شبيه ، ولا مثيل ، واسم الله تعالى [ الصمد ] أي السيد الذي اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب ، و { اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ } أي الله الذي لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه ، له الكمال المنزه عن النقصان والحاجه ، وجميع خلقه إليه محتاج ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، لا ينفصل منه شيء ، ولم ينفصل من شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، والنصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، ومن فقه الآية { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد - ومن غيرها من الآيات كما سيأتي - تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث ، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ }:  ،  كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى : { وَلَمْ يُولَدْ } ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات ، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، ولهذا قال أئمة التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة : يجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه ، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فهو ضال مبتدع ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء  ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ، وخلاصة القول أن سورة الإخلاص { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } ، هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول وصف الله تعالى بالأحدية ( الله أحد ) والصمدية ( الله الصمد ) وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث ( لم يلد ) وعن الحدوث ( ولم يولد ) وعن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن ،

[ ( القاعدة الخامسة ) : فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم ] ،  أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ، [ مجاز الوجه في القرآن ] : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار وسبب ذلك أن أول ما يستقبلك من الإنسان وجهه فلذلك استعير لفظ الوجه للنهار للدلالة على أوله ، والعرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ،  وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وقد اتفق المفسرون على أن المعنى المقصود من الآية هو  أن يؤدي الشهود الشهادة كما حملوها على حقيقتها من غير تغيير لها ولا تحريف ولا خيانة ،  وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم وسلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها بعد ما كان كل ذلك  ليوسف عليه السلام . فكان ذكر الوجه مجازاً لتصوير معنى إقباله عليهم لأن الرجل إذا أقبل على الشئ أقبل بوجهه ، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، وقوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [ النساء  : 125] ، وقوله تعالى { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام  : 79] ، قلت : نفهم من الآيات الكريمات السابقات أن توجه الوجه إلى الله تعالى هو أول المأمور به ومعلوم أن توجه القلب إلى الله تعالى أعظم فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ولها توجه إلى الله ، وهذا يدلنا على أن التعبير بتوجه الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،   [ مجاز اليد في القرآن ] : والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها  ،  وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، وقوله تعالى ( وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآيات إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى : { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ }، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ، وقوله تعالى : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ، وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ،  على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،   [  وأما مجاز العين في القرآن ] : فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

[ ( القاعدة السادسة ) : فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى ] ، عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة ومنزه عن الوهم والخيال ، [ آيات القرب والمعنى المراد منها ] : جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : 186 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } [هود : 61 ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) } [ الواقعة : 85 ] ، وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده ، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، [ آيات الإحاطة والمعنى المراد منها ] : قال تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وقال تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء ، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،  [ آيات الاستواء والمعنى المراد منها ] : الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ، [ آيات الاستواء ومفاتيح الفهم لها ] : ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن كما سيتبين ، ( الآية الاولى ) : قال تعالى  : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ الأعراف 54-55] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية ، ( الآية الثانية ) : قال تعالى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية  ، فقوله تعالى : ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية ، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير ، ( الآية الثالثة ) : قال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } [ الرعد 2 ] ، المفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى يدبر الأمر وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، ( الآية الرابعة ) : قوله تعالى : { طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } [ طه 4،5، 6] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء رحمة وملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الاستواء مقرونا باسم الله تعالى وتقدس ( الرحمن ) ، وهو استواء ربوبية وخلق وتدبير ، بقرينة قوله تعالى : { تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى } ، وقوله تعالى {  لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } ، للدلالة على استواء الملك والهيمنة والتدبير ، فإن قال أهل الحشو والبدعة والضلالة : فإذا حمل قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير  وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً استواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض ، قلنا : إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها ، وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل والمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض ، ثم لا ننسى قوله تعالى:  (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [الحاقة:  17 ] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون ، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق  أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله ،  والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير ، ( الآية الخامسة ) : قال تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان 59 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية ورحمة بدلالة قوله { خلق السموات والأرض وما بينهما } ، ودلالة ارتباط الاستواء باسمه الأقدس ( الرحمن ) { مَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } ، فهو الخالق للكون بما فيه وهو ربه ومدبره ، وسعت رحمته كل شيء ، ( الآية السادسة ) : وقال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ } [ السجدة 4 إلى 7] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله ( ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ) ، ( الآية السابعة ) : قوله تعالى : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد: 2 إلى 5 ] ، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون ،  أولا: فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ،  ثانيا : قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن الظاهر يدل على العلو والباطن يدل على السفل والله تعالى خالق المكان بعلوه وسفله وهو منزه عن المكان وعن الاتحاد بالمخلوق أو الحلول فيه . وهذا يدل على بطلان قول الحشوية أنه في العلو على سبيل الحس دون السفل ونحن نقول أنه منزه عن العلو المحسوس والسفل المحسوس الذي يقاس بالمسافة ومع ذلك فهو أقرب إلى أحدنا من حبل وريده سبحانه ليس كوجوده وجود وليس كقربه قرب  ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ،  ثالثا : قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شي ء ، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى "المعية" وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون "  ،  رابعاً : جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية ) ، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر ، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف ، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع ، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي ، فلا القرب قرب الذات ، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق ، أو التفويض في الجميع ، قرب ليس كمثله شيء ، واستواء ليس كمثله شيء ، لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد ،

[ القاعدة السابعة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  لا شك في أنّ أي شيء محدود له نهاية تحده ، والحد معناه التناهي ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لذاته ، ( أ ) قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، فالله تعالى هو الواحد القهار  ، وهو سبحانه القاهر فوق عباده ، قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير ، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص ، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود ، لأنّه مقهور عليها ، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار ، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار ، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير ، تنزه عن الحد والمقدار ، ( تنبيه ) :  كل مخلوق مهما كبر حجمه أو جل مقداره ، إلا أنّه محدود متناهي مقدر بمقدار ، مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، أما الله تعالى الواحد القهار فإنه لما  كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، فهو الواحد القهار لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار ،  والقاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،  ( ث ) ثم  كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار ، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال ، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (( الله أكبر )) ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  ( ج ) المخلوقات جميعها محدودة وإن اختلفت حدودها  فمنها ما هو ضخم بالغ الضخامة كالعرش ومنها ما هو ضئيل بالغ الضآلة كالبعوضة إلا أنها جميعا تشترك في صفة الحد  والمحدودية لأنها جميعا مخلوقة والمخلوق محدود الذات والصفات  والله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته فليس له فيها حد وإلا شابه المخلوق وليس كمثله شيء في صفاته فليس له فيها حد ، ( ح )  كل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق  ، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ، ( خ )  الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز ، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه والقاعدة عند الرياضيين أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق _ ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال _ فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ، كما تصور البعض بأذهانهم السقيمة أن العرش أكبر من ذات الله ويفضله بأربعة أصابع وهم يقولون عند كل صلاة ( الله أكبر ) فكيف جاز لهم أن يجعلوا ذات العرش اكبر من ذات الله سبحانه تعالى الله عما يصفون ، ( تنبيه ) : ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق ،  ( د ) الحدود مخلوقة والله عز وجل هو خالق الحدود فلا تجري الحدود على ذاته ، والنهايات علامات المخلوقات أنهاها الخالق بعلمه الذي ليس له حد {وسع كل شيء علما} وبقدرته التي ليس لها فيها حد {وكان الله على كل شيء مقتدرا }، لا انتهاء لقدرته ولا حد لعلمه فكذلك ذاته المقدسة تنزهت عن الحد والحصر والمقدار ، لأن الحد نقص والحصر عجز والمقدار خلق و ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال) على كل نهاية ومقدار ، حد الحدود وقدر المقادير على خلقه لا على ذاته سبحانه هو الواحد القهار  ،  ( ذ ) وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ، فلا حد حسي ولا معنوي لذاته تنتهي إليه ، ولا مقدار لها يحدد قدرها ، لأنّ الحد مهما اتسع ، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق ، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه ، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك ، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر ، أو اعظم منه ، لأنّ من أسمائه الحسنى : الكبير  المتعال ، والعلي العظيم ، ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، وكما ذكرت فإنّ من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام ، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه ، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك ، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود ، ولا كمثل ذاته ذات ، ولا كمثل صفاته صفات ، تنزهت ذاته وصفاته عن كل حد ومقدار ، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام وجميع المخلوقات المحدودة المقدرة ، فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال ، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس ، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات ،  ( ر ) قد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة من وجهين : الوجه الأول : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق وبين الغني عن الخلق والفقير إلى الله ( أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) والوجه الثاني للجواب : أن صفات السمع والبصر والعلم عند المخلوق محدودة مقدرة أما عند الله تعالى فهي صفات لا حد لها ولا نهاية وسع علمه جميع المعلومات ( ومعلومات الله ليس لها حد لأنه يعلم بكافة أحوال أهل الجنة من نعيم دائم لا ينقطع وهم فيها خالدون أبدا وكذلك بحال أهل النار وعذابهم الأبدي ) فلا حد لعلمه وكذلك لا حد لسمعه وسع سمعه جميع المسموعات ووسع سمعه أصوات أهل الجنة والنار وكذلك لا حد لبصره وسع بصره جميع المبصرات ، يبصر جميع المبصرات لا حد لصفة البصر عند الله تعالى وتقدس ، إذن الحد والحصر حاصل للمخلوق في ذاته وصفاته والتنزيه عن الحد والحصر والمقدار حاصل لله تعالى في ذاته وصفاته ،  ( تنبيه ضروري ) : حتى لا يقع المسلم في تكييف ذات الله من حيث لا يدري فليس المقصود من قولنا تنزيه الله عن الحد إثبات مقدار إلى ما لا نهاية فالله تعالى منزه عن الحد والمقدار وهذا التنزيه ضروري لتصفية قلب المسلم واعتقاده عن كل شوائب التكييف والتشبيه ويعلم أن المخلوق العاجز عاجز عن إدراك كنه ذات الله القديم الخالق ، والعجز عن درك الإدراك إدراك ،  ( ز ) الكون جميعه من العرش إلى الفرش مهما اتسع محدود ، فالسماوات السبع وما فيها وما بينها والكرسي والعرش وغير ذلك مما لا نعلم من ملك الله على اتساعه العظيم مخلوق محدود سمته النقص والنهاية لأنه محدث مخلوق ، أما الخالق الذي له الكمال المطلق في ذاته المقدسة وأسمائه الحسنى وصفاته العلى فهو المنزه عن كل نهاية وحدود ( والله اكبر ) عن كل تصور محدود جل عن الإحاطة ، إذ كيف يحيط المخلوق المحدود علما بالخالق المنزه عن الحدود ( ولا يحيطون به علما ) و ( ليس كمثله شيء ) و ( لم يكن له كفوا احد ) ف ( لا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون )  ، ( س ) علماء الحساب والرياضيات يقولون نسبة الغير محدود إلى المحدود هي الصفر إذ لا مقارنة بين المحدود مهما كبر وبين اللامحدود ، إذن اتفق أهل العلم الراسخ بالله معهم في ذلك ، لان تلك النسبة هي نفسها نسبة الخالق إلى المخلوق ونسبة الإله الرب إلى العبد المربوب ، هي الصفر إذ لا مقارنة بين المحدود مهما كبر وبين اللامحدود ، ومنه نعلم بعض الحكمة من قولنا عند كل صلاة وقيام وركوع وسجود ( الله أكبر ) أي عن كل تصور وحدود وعن كل عجز وعيب ونقص وقصور ، ( ش ) الله تعالى منزه عن الحد والمقدار وكل ما يفيد الحصر والنهاية لأن ذلك سمة المخلوق الذي حده خالقه على كمية ومقدار معين ، وعلى تنزيه الله تعالى عن الحد والمقدار إجماع أهل التنزيه من هذه الأمة ، حتى ما نقل عن بعض السلف بإثبات الحد فإنما يقصد بالحد الحاجز بين صفات الخالق وصفات المخلوق المخلوق لا أكثر ( أي الحد الذي يمنع الاتحاد والحلول ) وإلا فلا يصح أبداً إثبات الحد لله بمعنى المقدار الذي تنتهي إليه ذاته سبحانه فإن ذات الله ليس لها نهاية ، منزه سبحانه عن الحصر لأن الحصر والنهاية نقص يضاد الكمال الذي اتصف به ذات الله ، فإن الحد في اللغة على معنيين : الأول : الحد بمعنى الحاجز بين الشيئين وهذا لو أضيف إلى الله فالمقصود به حد الإلهية الذي يفصل بين المعبود سبحانه والعباد أو المقصود به حد الربوبية الذي يفصل بين الرب والمربوب فلا اتحاد ولا حلول بينهما ولا مماسة ولا اتصال بينهما بحال فالحد بهذا المعنى صحيح ، والثاني : الحد بمعنى الحصر والنهاية وحد الشيء منتهاه الذي ينتهي إليه ونهايته وهذا الحد هو صفة المخلوق التي يتنزه ويتقدس الخالق عنها [ انظر مختار الصحاح ج: 1 ص: 53 ] ، ( ص ) اتفق المسلمون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم ، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش ، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى أنّ العرش مخلوق مربوب بقوله تعالى { وهو رب العرش العظيم }  كما أنه رب العالمين جميعا ، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه ، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي ، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه : { ِإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [ فاطر : 41 ] ، هل يحتاج إلى شيء يحمله ، أو شيء يحيط به ويحويه ، مهما بلغ اتساعه وحجمه ، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق ، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش ، وهو الغني عنها ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، ( ض ) تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،  

[  القاعدة الثامنة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ] : ( أ ) عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كان الله ولم يكن شيء غيره ))  [ البخاري ( 3020 ) ] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال أكبر وأعلى من الوجود الزماني ، وكمال أكبر وأعلى من الوجود المكاني ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، له كمال الوجود الأعلى من الزمان ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فوجوده قبل الزمان ، ووجوده بعد انقضاء الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، أزلي أبدي فلا يجري عليه زمان ، وله كمال الوجود الاعلى من المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان ، وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل ( الله ) تعالى شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ( ب ) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، ( ت ) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، وقال تعالى : { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ،  ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ، ( ث ) قوله تعالى { قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله } مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى : { وله ما سكن في الليل والنهار } يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان ،  ( ج ) وجود الله تعالى قبل خلق المكان ووجوده سبحانه بعد فناء المكان فلا يحويه مكان ، تنزه عن المكان وتعالى عن الجهات والأركان كان قديم السلطان قبل خلق المكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان قبل خلق المكان ، ( ح ) وجود الله تعالى قبل خلق الزمان ووجود الله تعالى منزه عن الزمان لا يجري عليه زمان ولا تحكمه قوانين الزمان إذ هو الخالق والحاكم المهيمن على كل مخلوق ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود تنزه عن الزمان والمكان تنزه الخالق على المخلوق وتنزه القاهر على المقهور( وهو القاهر فوق عباده ) ، ( خ ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،  ( د ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون : أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ( بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها ) والله تعالى خالق مقدِر ( بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها ) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود ، وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ  ،  (  ذ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن المكان : أنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل متحيز فهو محدود يحتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به والله تعالى منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر والله تعالى هو الخالق المقدر لها، ومنزه عن أن يحيط به شيء لأنه بكل شيء محيط ، فتحتم من ذلك تنزيهه عن أن يحيزه شيء من خلقه وكل ما في الوجود سواه فهو خلقه الفقير إليه وهو الغني عنهم ،  (  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  (  ز  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  (  س ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،  (  ش  ) قوله تعالى ( الله الصمد ) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان ، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق ، ( ص  ) قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق ، (  ض  ) قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق  ، ( ط ) قوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره ،  (  ظ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ،  (  ع ) قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء ، ( غ ) الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام ، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري  ، (  ف ) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا  ،  ( ق ) أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ،  ( تنبيه ) كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة المكان والزمان إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الكون في المكان الحسي ، والزمان الحسي ، ولوازم ذلك المحالة في حق القديم الباقي المنزه عن أن يحيط به مكان او يجري عليه زمان ، لا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم الباطلة التي لا تليق بذات الله تعالى تعالى وتقدس مما يوهم النقص والعجز والحاجة ،

[ القاعدة التاسعة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ] :  (  أ  ) الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات ، ولا هو يشبه شيئاً منها ، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 } ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، وقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص/4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل  ، (  ب  ) وعلى ذلك : فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ، والحمد لله أنه لا خلاف بين المسلمين - عدا المشبهة - بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ، إذ { ليس كمثله شيء } ،

[  القاعدة العاشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه  :  تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، وتنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ] :  ( أ  ) الله تعالى له كمال الوجود الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء ،  كما في قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء ، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم ]   ، فهو سبحانه الأزلي القديم بذاته ، منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت ، وهو الحي بعد كل ميت ،حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت والفناء، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } [ البقرة :  255 ]  ، وقوله تعالى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان : 58 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ،  (  ب  ) من تنزيه الله تعالى عن الحدوث والفناء ، وعدم قبول الذات للحدوث أو الفناء نستفيد أنّ ذات الله تعالى القديم الأزلي الباقي الأبدي لا يقبل الحدوث أو التغير والأفول أو قبول المحدثات ، وذلك لأنه في علم الأصول فإن القديم الذاتي لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، والله تعالى منزه عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق :  والأدلة على ذلك كثيرة منها : (  أ  ) قوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ومنها أنه يستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل :60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ،  (  ت  ) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، وذلك في قوله تعالى  : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .. إلى قوله تعالى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } :   تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ،  ومعناه  إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، والأفول في الآية معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى ، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه ، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، ومن أعظم الأدلة على بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث الحوادث هو ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة ، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر ،  والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث ، والله تعالى منزه عن التغير والأفول ، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة ، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية ، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ، كما أنّ من قواعد تنزيه الله تعالى عن النقص ومماثلة الخلائق قاعدة أنّ الله تعالى منزه عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، لأنها محدثات لا تكون إلا عند الذي يقبل الحوادث ، أما القديم الأزلي الأبدي فلا تقبل ذاته الحوادث ولا تقبل الكيفيات الحسية التي من أمثلتها الجلوس والاستقرار ولأنها لا تحدث إلا بالجوارح ، وتنزيه الله تعالى عن النزول الحسي والصعود الحسي على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، ولأنها صفات المحدود الذي يتحرك في مكان محدود أكبر من الذي يتحرك فيه ، والمتحرك فيه أصغر منه ومقهور به وبالزمان المتعلق بالحركة فيه ، لأنّ الكون في المكان قهر من المكان ، ولأنّ الحركة قهر من الزمان ، لأنّ الزمان عند التحقيق ما هو إلا تغير يحدث في اطار السكون والحركة ، ولولاهما لما استطعنا تمييز الزمان ، والقهار لا يجري عليه زمان لأنّه قاهر الزمان والمكان ، فالله تعالى منزه عن تلك الكيفيات الحسية ، ومنزه عن أي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ، وبعد فهذا ما استفاده علماء الأصول من حجة الخليل إبراهيم عليه السلام ، والتي كان من نتائجها اليقين لقوله تعالى : { وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } ، و هي الحجة الدامغة التي قال الله تعالى عنها : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ  } ،  إذن : (  ث  ) الأفول معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى ، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة ،  (  ج  ) كما أن ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث ، فإنه سبحانه منزه عن قبول الحوادث ، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من الذات حادثا وهذا محال لأن الله تعالى أحدي الذات صمدي الصفات لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث والأول الأزلي منزه عن أي حادث وإلا كان حادثا ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه  ، (  ح  ) قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، (  خ  ) دليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث الحوادث هو ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة ، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر ،  والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث ، والله تعالى منزه عن التغير والأفول ، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة ، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية ، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ،  (  د   ) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق ، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه متعلق بمشيئة الله وان الله سبحانه تكلم به متى شاء ولم يكن قديما من الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا : إن القرآن محدث وليس قديما ، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله ، بمعنى أنه لا يجوز القول : أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء ، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال ، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق  بأفعال الله ولا بإرادة الله ، ،  وهم جعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء ، ويرزق من يشاء متى شاء ، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم  محدثا مخلوقا ، فانظر هداك الله الفرق بين المذهبين ، مذهب التنزيه والفقه في دين الله ، ومذهب التكييف والجهل في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ،           وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [ آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى ، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) ،

[ القاعدة الحادية عشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ] :   (  أ  ) ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ، (   ب  ) ( الجسمية ) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها : الحد والمقدار ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص ، ومنها التحيز والكون في المكان ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه ، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله ، والله تعالى لا يحيط به شيء ،  ألا إنه بكل شيء محيط ،  (  ت ) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، ( ث  ) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  (  ج  ) الجسم مادة ، وذات الله تعالى لا تسري عليه قوانين المادة ، لأنّ المادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، (    ) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، (  ج  ) قوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } من أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجسمية فقوله تعالى ( أحد) يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله { أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله { أحد } منافي للجسمية وقوله تعالى { الله الصمد } فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم لأن كل جسم مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها ، وأما قوله تعالى { ولم يكن له كفواً أحد } فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة فلو كان تعالى جسما لكان مثلاُ لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية  ،

[ القاعدة الثانية عشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  (  أ  ) ذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ( ب  ) الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، (  ت  ) ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام ، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال ، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء  ، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، (  ث  ) الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث ،  

[ القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ] :  ( أ  ) الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا ، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب ، (  ب  ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ،  

[ القاعدة الرابعة عشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه :  تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ] :  (  أ  ) الله تبارك وتعالى منزه عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق وبيان ذلك : ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله ، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا  ، (  ب  ) أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[ القاعدة الخامسة عشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) المقصود بالأعراض مثل الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح التي تتصف به ذات المخلوق ، والمقصود بالكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته ، والندم والتردد على معنى  التغير في ذاته ، (  ب  ) الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، ومنزه وأي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،  (  ت  ) من أدلة تنزيه الله عن الكيفيات المحسوسة : أنها من خواص الجسم والله تعالى منزّه عن الجسمانية ، وأنها حادثة ، لكن الباري غير حادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث ، وهي تستلزم التغير والانفعال ،  والله منزّه من التغير في ذاته ، (  ث  ) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[ القاعدة السادسة عشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) الله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ،  (  ب  ) تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق : هو ما نطق به القرآن الكريم ، ولا يخالف في ذلك مسلم أصلا ، ومما يدل على نفي السنة والنوم قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } [ البقرة : 255 ] ، ومما يدل على نفي العجز والتعب ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } [ ق : 38 ] ،  ومما يدل على نفي النسيان قوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [ مريم : 64 ] ، وقوله تعالى : { قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى } [ طه : 52 ] ، ومما يدل على نفي الظلم ، قوله تعالى : { وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [ الكهف : 49 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا رَبُّكُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] ، والقاعدة أنّ كل كمال نطق به الكتاب والسنّة فالله متصف به وكل نقص يضاد هذا الكمال فالله تعالى منزه عنه ، وكل جلال وإكرام نطق به الكتاب والسنّة فالله تعالى متصف به ، ومنزه عن كل عيب يضاده ،

[ القاعدة السابعة عشرة من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه :  تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ] :  (  أ  ) تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 101 ] ، (  ب  ) من الأشياء التي يستحيل نسبتها إلى الله تعالى ( الوالد والصاحبة والولد ) لأنّه تعالى خالق لكل موجود ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ،  (  ت  ) النصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، وند له ، ومثيل لذاته ، وشبيه بذاته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ]  ،  وخلاصة ما سبق أنّ الله تعالى يستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، فيستحيل في حقه الزوجة والوالد والولد ، وأنّه تعالى خالق كل شيء واتخاذ الولد ليس خلقاً بل هو انفصال جزء من الوالد وهو ينافي أحدية الله وواحدية الله وصمدية الله وكونه الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء ، ولهذا كان اعتقاد الولد لله من أفسد العقائد على وجه الأرض ، حتى أن الجماد ليتأذى منها ، قال تعالى : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } [ مريم : 89 إلى 93 ]  ،

[ ( القاعدة الثامنة عشرة ) : دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه ] : القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } [ النحل : 103 ] ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ،  ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان ، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين ، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، وهذا ما دعا علماء الشريعة أن يقولوا :  أن من قدح في المجاز ، فقد خبط خبطا عظيما ، ونادى على نفسه بالجهل المركب باللغة العربية وبالقرآن ، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك :  ( أ ) التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، وقوله تعالى : { الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ ابراهيم : 1 ] ، ( ب ) التعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } [ النساء : 174 ] ، ( ت ) التعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر ، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما ، وهذا كما في قوله تعالى : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [ النمل : 80 ، 81 ] ، فسياق الآية يتناول الكفار الذين لا يهتدون ، وقوله تعالى : { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [ الإسراء : 72 ] ، ومعلوم أنّ المقصود بالعمى هو عمى القلب عن سماع الحق ورؤية الحقيقة ، وإلا فإنّ الآية لو أخذت على الحقيقة لا المجاز - كما ينكره من به عمى عن رؤية بلاغة اللغة العربية ومجازها - فإنّ كل أعمى البصر في الدنيا فإنه سيكون أعمى في الآخرة وأضل سبيلا ، وهذا لا يقول به عاقل ، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال ، ( ث ) التعبير عن الكفر الموجب لدخول النار بشفا الحفرة ، كما في قوله تعالى : { وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا } [ آل عمران : 103 ] ، وشفا الجرف الهار ، كما في قوله تعالى : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ التوبة : 109 ] ، ( ج ) التعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 24 ] ، وقوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه ، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ، ( خ ) التعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط تارة عن العدوان ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ } [ المائدة : 11 ] ، وتارة عن الغنى كما في قوله تعالى : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } [ الرعد : 26 ] ، كما يعبر بالقبض والبسط عن الغنى والفقر ، كما في قوله تعالى : { وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245 } [ البقرة : 245 ] ، وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [ الإسراء : 29 ] ، والتعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي غاية السخاء والكرم { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ، ( د ) التعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } [ هود : 37 ] ، وقوله تعالى : { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [ المؤمنون : 27 ] ، وقوله تعالى : { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر : 13 ، 14 ] ، والسفينة لا تجري في أعين الله ، تعالى الله ، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة ، وقوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى ، { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ،  ( ذ ) التعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى } [ الأنفال : 70 ] ، أي في قهركم واستيلائكم ، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم ، وقوله تعالى : {  وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ المؤمنون : 5 ، 6 ] ، ومعلوم أنّ ملكة اليمين ليسن في اليمين ولكنه تعبير مجازي عن ما يملكه الإنسان ،  ومنه قوله تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الملك : 1 ] ، أي له القدرة التامة والقهر على عباده وخلقه ،  ( ر ) التعبير عن الذات باليد ، كما في قوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الروم : 41 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] ، والمقصود به مطلق ذنوب الناس لا ذنوب اليدين فقط ، كما في قوله تعالى : {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ الحج : 10 ] ، والتعبير عن الذات بالوجه ، كما في قوله تعالى : { إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ‘ 27 ] ، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه ، سبحان الله وتعالى عما يصفون ، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، 

[  القاعدة التاسعة عشرة  :  خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه ] :  ( أ ) قال القرطبي رحمه الله - في درة من كلامه - : " اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته  (( المجسمة  ))  الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك " أهـ [ تفسير القرطبي ج:4 ص:14 ] ،   ( ب ) هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة ، لأنّ علم الله تعالى قديم ، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون ، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ *  وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ  } ، وقوله تعالى :  {  أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ،   وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، لأن الله تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لامحالة قال تعالى ، { وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } " أهـ  ، ( ت ) وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى ، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة : 67 ] ، وقوله تعالى : { فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ السجدة : 14 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، والمعنى المراد : غفلوا عن ذكر الله وتركوا طاعته فنسيهم   فتركهم من لطفه وفضله ، والدليل عليه قوله تعالى : { في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } ، ( ث ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، والمعنى : { سنفرغ لكم } أي سنحاسبكم ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة  ، ( ج ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وقوله تعالى : { قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } [ مريم : 9 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، والمعنى : أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء ، ( ح ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية ، ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ معناه أنّ العالم كله محاط بالرحمن وأنّ الكون بما فيه داخل الرحمن ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  } [ النساء : 126 ] ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ  } [ فصلت : 54 ] ، وهذه الادلة ظاهرها يفيد إحاطة الله تعالى الذاتية بكل شيء ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ،  واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى تقدس وتنزه عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى : { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ الطلاق : 12 ] ، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم ، وسع ربي كل شيء علما ،  ( خ ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومنزه عن القرب الحسي بالذات ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة : ] ، وقوله تعالى : { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } [هود : 61 ] ، ، وقوله تعالى : { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } [ سبأ : 50 ] ،، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ،   ( د ) وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته ، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها كما ذكرناها في الدرس السابق  : بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ،  

[  القاعدة العشرون : رد المتشابهات إلى المحكمات فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات ] : (  أ  ) من الآيات المتشابهة ما يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء ، كالوجه واليد والعين ، ومنها ما يوحي ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء ، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء ، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك ، (  ب  ) وهذه في حقيقة الأمر أخبار تتضمن عند اثباتها لله تعالى  كمالاً من جهة وتتضمن نقصاً من جهة أخرى ، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم ، وعلى الوجه الذي يدل على الكمال ، مع تنزيه الله تعالى عن أوجه النقص فيها ، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها ،  (  ت  ) طرق الراسخين في العلم ، فيما يتعلق بالصفات الخبرية ثلاث طرق لا رابع لها ، ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات ، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص ، (  ث  ) مع الحذر - كل الحذر - من اثبات الوجه على أنه جزء من الذات ، فهذا تشبيه ، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة ، لما فيه من محاذير اثبات للحد والنهاية ، واثبات للجزء والبعض والجارحة ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والجارحة ومنزه عن الحد والنهاية ،  (  ح  ) ومثال الصفات الخبرية أيضا ( الاستواء ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية لذات الله ، وهذا وصف لذات الله تعالى بالنقص ، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن النهاية لأنها سمة المخلوق المحدود ، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وهو أكبر من الحدود ، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه ، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود ، كما أنّه الواحد القهار الذي قهر الحدود ، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات ، فإثبات الاستواء على معناه الظاهر ( الجلوس ) ، قد يوحي بالمقابلة أو المحايثة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب  ، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها ، إما اثبات الاستواء على سبيل الصفة لا سبيل الجلوس والاستقرار ، وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو علو الهيمنة والربوبية والتدبير  ، وإما تفويض علمه إلى الله ، ( استواء على مراد الله ومراد رسول الله ) مع المنع من تفسيره على ظاهره ( الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص المتمثل في الحد والنهاية والتكييف كجلوس الملك على كرسي عرشه ، مع الحذر من اثبات الاستواء على أته الجلوس ، فهذا تشبيه ، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة ، ومع الحذر من نفي ( الاستواء ) كأن يقول : ليس للرحمن صفة الاستواء على العرش ، فهذا تعطيل وخروج عن إطار أهل السنّة إلى الاعتزال ، (  د  ) آراء أهل السنّة والجماعة في المتشابهات كما ذكرنا ثلاثة ، والفرق بين هذه الآراء : أن الرأي الاول - مذهب السلف -  يعامل الآيات والأحاديث على أنها من المتشابه فلا يجزم بانه صفات أو أخبار ، فلا يفسر ولا يخوض ويرويها كما جاءت على مراد الله ومراد رسوله ، والرأي الثاني: يعامل الآيات والأحاديث على أنها تدل على صفات منزهة عن مشابهة المخلوقين ومنزهة عن المستحيلات في حق الله تعالى ، والرأي الثالث يعاملها على انها أخبار تحمل معاني محكمة وأخرى متشابهة فيتم حمل المتشابه على المحكم عملاً بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } فيفسرون الآية او الحديث بما سيق لأجله دون التعرض لمتشابه أو حمل المتشابه على المحكم ، فمثلاً حديث النزول سيق لبيان فضل الثلث الآخر وليس لبيان كيفية النزول ، فنفسره بذلك ، ولا نتعرض للنزول ، أو نجعل المقصود من النزول هو نزول الرحمة وقبول الدعاء ، مع عدم نفي خبر النزول ، (  ذ  ) وبهذه الاقوال الثلاثة أقرّت وقَبِلت وأيدت مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة وهي مدارس الاثرية والأشعرية والماتريدبة ، وقالوا يجوز لكل مسلم أن يسلك أحد تلك المسالك الجائزة ولا تثريب عليه بها ، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه ، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه ، [ لماذا يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس ] : ( 1 ) لأن أهم أخلاق المسلم مع الله تعالى العلم الراسخ بالله في جناب ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته لخلقه واستحقاقه للعبودية وحده ، وانفراده بالإلهية فلا إله إلا هو ، فأهم اخلاق المسلم مع الله التقديس والتسبيح لجناب ذاته تعالى وتقدس ،  ودراسة قواعد التقديس تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) } [ الأنعام : 103 ] ، وقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] ، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي ، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42] :  (وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا  ) ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم توحيد الذات الذي هو أشرف العلوم لأنه علم التسبيح والتقديس والتنزيه  ،  (  2  ) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى اعتقاد التنزيه ، وفقه التسبيح والتقديس المتعلق بالله تعالى  ، فقد تكرر التسبيح في القرآن أكثر من ثمانين موضعا من كتاب الله تعالى ومعناه التنزيه وقال تعالى : - في التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي - {  ولم يكن له كفوا أحد } و { ليس كمثله شيء }  و { هل تعلم له سميا } و { ولا يحيطون به علما }  ،  (  3  ) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى اعتقاد اتصاف الذات بالكمال الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال ، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء ، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث ، فكذلك فإن علم توحيد الذات يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس ، لغلبة الحس عليهم ، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجودها لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله : ( هذا خلق الله ، فمن خلق الله ) ، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه ، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ،  (  4  ) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى الاعتراف بالعجز عن درك الإدراك ، وذلك بتصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله ، ولو في دقائق الصفات ، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني ، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات ، أمّا العامي ومن لم يطلب علم التنزيه وتوحيد الذات لأنه بمثابة العامي في علم الإلهيات - مهما بلغ من علوم الدين الأخرى - فقد يكيف المملكة بذهنه وهو يلوك بلسانه دون فهم { ليس كمثله شيء } وذهنه على التكييف بوجود حد ونهاية لذات الله تعالى تتمثل في حجم العرش ، وقد يكون العرش المربوب في ذهنه أكبر من ذات الله ، وهو يقول بلسانه في كل صلاة ( الله أكبر )  وفي مخيلته أنّ العرش أكبر  ، وأذكر أنني ناقشت واحدا منهم يصر على أنّ العرش يفضل عن ذات الله بمقدار أصابع ، يُجلس إلى جواره الرسول صلى الله عليه وسلم ، فساوى بين ذات الإله وذات الرسول ، وهو يظن أنّه بذلك يؤمن بالخبر ، وأنّ من يعارضه جهمي ضال ، ومع أنّ الخبر ضعيف ولا يصح الاحتجاج به ، ومع أنّ المحاور لا يعرف أصلاً علم الإلهيات وعلم التقديس ، ولا يفرق بين قديم الذات الذي لا تجوز عليه البداية ولا النهاية ، وبين المحدث الذي له بداية ونهاية ، وبين الخالق والمخلوق ، وبين ذات الله المنزهة عن الحد وبين المحدود ، وبين ما يجوز وما يستحيل نسبته إلى ذات الله ، وكثير مثل هذا ممن لم يدرس قواعد التنزيه فأنى له أن يشعر قلبه بحلاوة التقديس ، وهو أقل درجة من العامي في علم التقديس والتنزيه ، ثم الويل لك والويل لك إن لم تطعه على ما يقول وإلا رماك والبدعة والتعطيل أو بالشرك والإلحاد أو مسميات أخرى كثيرة جاهزة لاستحلال الدم ، فأمثال هؤلاء لا تزكو عقائدهم إلا بدراسة علم التقديس والتنزيه وأهمه علم توحيد الذات ليس كمثله شيء ، لأنّه يساعدهم على استيعاب ما فوق الحس من قضايا التوحيد ،  (  5  ) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى معرفة ما يجب لذات الله تعالى وما يستحيل علي ذات الله تعالى  ، وما يجوز في حق ذات الله سبحانه وتعالى جل شأنه وتعالت صفاته ، فالواجب في حقه عز وجل هو الذي لا يجوز عدمه بمعنى أنه لا يجوز أن تزول هذه الصفة عند الله تعالى وبمعنى أنه لا يجوز أن يتصف الله بضدها ، والمستحيل في حقه تعالى عز وجل ، بمعنى أنه لا يجوز أن يتصف بهذه الصفة ، ، والجائز في حقه عز وجل أي الذي يقبل الوجود والعدم على السواء ،  ( أ  ) الواجـــب في حق الله تعالى هو : ما لا يتصور عدمه مثل وجود الله تعالى وعلمه وقدرته ، والقاعدة الجامعة في الباب أنّ كل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى دلّ على صفة من صفات الله تعالى فهي واجبة لله لأنّ الله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات الحسنى التي دلت عليها الأسماء الحسنى ،  (  ت )  الجائز في حق الله تعالى : أما الجائز في حقه تعالى: ففعل كل ممكن أو تركه فهو متفضل بالخلق والإنعام والإمداد والإحسان لا عن وجوب ولا إيجاب فلا يجب عليه شيء مما ذكر، فهو المالك لكل شيء وللمالك أن  يتصرف في ملكه بما يشاء كما يشاء ، فهو وحده الخالق للإيمان والطاعة فضلا منه وإحسانا ، وهو وحده الخالق للكفر والمعاصي عدلا منه سبحانه ، من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلا هادي له ، وهو الخالق للمرض والشفاء ، وهو الخالق للصحة والمرض ، وهو الخالق للغنى والفقر ، يعز من يشاء ويذل من يشاء ، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ آل عمران : 26 ، 27 ] ، وقال تعالى:{ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [ البقرة : 1.5 ] ، وقال تعالى : { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } [ البروج : 16 ] ، وقال تعالى : { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] ، (  ث  ) المستحيل في حق الله تعالى :  كل صفة وجبت لموصوف  استحال ضدها على ذلك الموصوف ، فكل ما وجب إجمالا يستحيل ضده إجمالا ، وكل ما وجب تفصيلا يستحيل ضده تفصيلا ، وقد وجب لله تعالى إجمالا كل كمال يليق بذاته تعالى فيستحيل علية إجمالا كل نقص ، ووجب له تعالى تفصيلا الوجود ، والقدم والبقاء ، والمخالفة للحوادث ، والقيام بالنفس والوحدانية والقدرة ، والإرادة ، والعلم ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والكلام النفسي فيستحيل عليه تعالى تفصيلا :  أضدادها وهى  العدم ، والحدوث ، والفناء ، والمماثلة للحوادث ، وعدم القيام بالنفس ، والتعدد ، والعجز والكراهية بمعنى القهر وعدم الاختيار ،  والجهل ، والموت ، والصمم ، والعمى ، والبكم فيجب على المكلف أن يؤمن باستحالة هذه الأمور عليه تعالى ، ويدل على استحالة هذه الأمور على الله تعالى أنها نقائص تنافي كمال صفات الله تعالى ، ولأن الله تعالى قد وجب اتصافه بالصفات المضادة لهذه الأمور فتستحيل عليه تعالى تلك النقائص ، ( ج ) ويستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو المشابهة للمخلوقات ، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه السنة والنوم ، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ، ، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات ، ويستحيل عليه التغير والحدوث ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق ، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه ، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، (  خ ) لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل اولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الاحياء وانه القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على انشاء ما انشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شىء اخر ولا بأصعب عليه منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضر ولا يناله السرور واللذات ولا يصل اليه الاذى والآلام ليس بذى غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء ، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو

الرد على بعض اشكاليات الظواهر الموهمة للتشبيه ، وذلك تتمة في الحرص على تحلي المسلم بخلق التقديس والتسبيح لجناب الله تعالى وتقدس ،

حل اشكالية الصورة في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث ، وحل اشكالية المكان في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث ، وحل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ،  [ ( أولا ) : حل اشكالية الصورة في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث ] : ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، ( المفتاح الثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول الحافظين : ابن حجر وابن خزيمة  ، ( المفتاح الثالث ) : لفظ ((  لا تقبحوا الوجه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )) مع ضعفه البين [[رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال ، ولذلك ذكرها الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ، وأعلها بأربعة علل ، منها ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة في كتابه التوحيد ( 1 : 86 ) - وهو ممن تأول الحديث -  الأولى : أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناد الحديث , فأرسله الثوري ولم يقل عن ابن عمر ، والثانية : أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت  ، والثالثةأن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء ، والرابعة ذكرها  الألباني ،  وهي : جرير بن عبدالحميد فإنه وإن كان ثقة , فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أنّه قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ ، ومما يؤيد ذلك أنه رواه مرة بلفظ ((  على صورته ))  ، ولم يذكر  (( على صورة الرحمن )) ، ولفظ ((  على صورته )) هو الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة [ أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ] ،  ]] ، فإن له - إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه - مخرجاً صحيحا يُحمل عليه ، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من روحه المخلوقة ، فليست الصورة صورة الرحمن ، ولا الروح روح الرب الديان ، فقوله صلى الله عليه وسلم : ((خلق آدم على صورته)) يعني :  صورة من الصور التي خلقها الله وصورها ،  كما قال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ } [الأعراف:  11 ]   فآدم على صورة الله ، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات ، كما قال تعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين : 4 ] ، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج الصحيح هو قول الحافظ ابن خزيمة ، ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، لأنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك  رد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام ، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال ، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء  ، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، ولأنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، ومن الآيات المحكمة التي هي أم الكتاب وأصله ، والتي يُرد إليها المتشابه قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فإذا كانت المخلوقات جميعا لها صور وأشكال وهي علامة خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عنها لأنّه ليس كمثله شيء ، قوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل : 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الصور والأشكال، وقوله تعالى: { فلا تضربوا للهِ الأمثال}  [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الشكل والصورة والجارحة ، وقوله تعالى: { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الصور والأشكال ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه فلا يشبه ابن آدم ، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق ،

[ ( ثانياً ) : حل اشكالية المكان في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث ]  : حديث الجارية له روايات عديدة مضطربة ، فيها من الاختلاف الكثير ، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان ، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إ