جديد الموقع

الجماعة الناجية من أهل الإسلام وإطار النجاة فيها والمدارس المتخصصة في العلم على منهاجها

[ 1 ] تفرق الامة إلى فرق ضالة وواحدة ناجية : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وأخرج الترمذي : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح2 ص 334 ] ، وأخرج أبو داود  : عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ، وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : (( إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة )) [ أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/364 ] ، فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ، وقد صحح عموم روايات الافتراق جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي والألباني ،  وليس معنى ما جاء في أحاديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   أن نحكم عليها بأنها في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[ 2 ] الجماعة الناجية من فرق المسلمين هي أهل السنة والجماعة : لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة : [ السبب الأول ] : أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين إذ هم الذين حفظوه ، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنة والجماعة ،  [ السبب الثاني ] :  أهل السنة والجماعة هم  أهل الحديث وخاصته  ، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين ، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة  ومعرفة السنّة ،  [ السبب الثالث ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين ، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة ، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع  والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين ، هم أهل السنة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع ،  [ السبب الرابع ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي ،  لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة ، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية ، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس : ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، وبها اكتملت علوم العقيدة ، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب ، وهي  : المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وبها اكتملت علوم الفقه ، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان ، فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ، وبهذا التخصص العلمي الرصين : صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،  [ السبب الخامس ] : أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين : أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه ، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه ، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه ، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة  وآل البيت رضي الله عنهم  بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض ، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية التجديد سوى راية أهل السنّة والجماعة ، أهل التوسط والاعتدال ،  [ السبب السادس ] : هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق  الصحيحة ، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود وصححه الألباني ] ،  لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة) ، ( فأهل السنة ) : لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، ( وأهل الجماعة ) : لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال ،  [ السبب السابع ] : أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه ، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " ، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ شذ في النار )) ، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى ( أهل السنة والجماعة ) ، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية الإصلاح والتجديد سوى راية أهل السنة والجماعة ،

[ 3 ] : الإطار العلمي الدقيق للفرقة الناجية :  يمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المدرسة الأثرية ) ، ( والمدرسة الأشعرية ) ، ( والمدرسة الماتريدية ) ، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة ، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم ، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار ،

[  4  ]  بداية ظهور التخصص في العقيدة : استفحل أمر الفرق الضالة ، وأصول تلك الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم ( الخوارج ) و ( الروافض ) و ( المعتزلة ) و ( الحشوية ) ، والتي كان أهم أسباب ظهورها هو تتبع المتشابه  الذي حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان ، فإنّ تتبع المتشابه فيها أدى إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة ، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم ، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، أما طريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، هذا هو فعل المتخصصين الراسخين في العلم الذين مكنهم علمهم من الاستنباط الصحيح ، قال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، وصار لأهل السنة والجماعة ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس أو بسبب تسرب مفردات عقيدة الحشو إليهم ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب علماء السادة الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وهذه المدارس الفاضلة الثلاث تمثل أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وعلماؤها هم أهل الفقه الأكبر في الدين ، 

[  5  ]  اتباع المتشابه هو الذي أهلك الفرق الضالة : ( أ ) القرآن الكريم يحوي المحكم والمتشابه ، وقد حذرنا القرآن الكريم من تتبع المتشابه ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري :ح ( 4547 ) ، مسلم :ح (  2665 ) ]  ، [ ( ب ) ما هي دائرة المتشابه ] : وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه  ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، [ ( ت ) من الذي يعلم المتشابه ] : جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه ، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، قال : لا يعلم المتشابه إلا الله وحده ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول : عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله ، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال : إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه ، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين ، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ] ، [ ( ث ) الخلاف في المسألة لفظي ] : فإن من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله ، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده ، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق ، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه ، وحمله ما أمكن على محكمه ، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده ، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص ، وحمل المتشابه على المحكم ،  ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على : لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على : ( الراسخون في العلم ) ، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه ، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده ، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد ،

[  6  ]  آيات الصفات منها آيات محكمات وأخر متشابهات : آيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه ، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته : فمن المحكم - على سبيل المثال - ( صفة العلم ) وهي صفة كمال من كل وجه ، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، و ( صفة القدرة ) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها  ( العجز ) ، وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، وما أكثر الصفات المحكمة التي تدل على وجوه الكمال والجلال والإكرام لله تعالى كما أنّ جميع الأسماء الحسنى الثابتة في حق الله تعالى فهي تدل على صفات محكمة لله تعالى ، أما المتشابهات فهي ( الأخبار ) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه ، وتلك المتشابهات أقسام : فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى  كالوجه والعين واليد ، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء ، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال ، وكل ذلك مستحيل على جناب الله الأحد الصمد القديم بجناب ذاته وصفاته  ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه

[  6  ] منهج السلف في المتشابهات : للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، منهجان صحيحان : المنهج الأول : هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ ، [ المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ] : وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال ، ومذهب السلف الأول فيها : أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، [ المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ] ، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم : والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ،  ومما يدل عليه  أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله : (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ، ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو ، وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله ، ومن تأويلات تابعي التابعين : تأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  ( ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو ) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 10 5 ، شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 370 ] ، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [ البداية والنهاية لابن كثير 10  / 361  ] ، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر ] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ،  

[  7  ] المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف :  ( أ ) الأثرية : هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة ، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله : التفريق بين المحكم والمتشابه ، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه ، عدم الخوض بالحشو والتجسيم ، والأثرية هم الامتداد  الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة ، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله ، فمن ذلك : قولهم : ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم ، وقولهم : نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها ، وقولهم : نترك التعرض لمعانيها ، وقولهم : كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه ، وقولهم  : كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له ، وقولهم : المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط ، وقولهم : آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله ،   [ ( ب ) تنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية ] : ( تنبيه أول ) : مذهب الأثرية من تفويض معنى المتشابه ليس معناه الجهل بالمراد من الآيات : لقد فهم البعض من السلفية خطئاً أنّ معنى تفويض المعنى هو الجهل العريض بآيات الصفات ، وهذه سقطة عظيمة وزلة عالم ، لا ينبغي تتبعها لأنّ مذهب السلف وأهل الأثر في الألفاظ المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث هو تفويض علمها إلى الله ، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من سياق الآيات دون تتبع للمتشابهات ،  ( تنبيه ثان ) : الأثرية لا يخوضون في المتشابه لفرط خوفهم من التكلم على الله تعالى بغير علم ، لكنّهم يعرفون من أصول توحيد الذات وقواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من نسبة النقص إلى ذات الله تعالى ، إذ هم يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى ، وإذ هم منزهون لله تعالى عن المكان والزمان وحلول الحوادث ، ( تنبيه ثالث ) : الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة ، ولذلك يعترف الجميع بأن الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة ، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى ( لوامع الأنوار البهية 1 / 73 ) : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : ( الأثرية ) ، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، و ( الأشعرية ) ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، و ( الماتريدية ) ، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ ، ( تنبيه رابع ) : الفرق كبير بين الأثرية والحشوية ، بل لا تصح المقارنة أصلاً ، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله ، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى ، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث ، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه ،  وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله ، ( تنبيه خامس ) : لقد ذهل الحشوية عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين  ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج اهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من اهل السنّة والجماعة في باب الصفات ، مع أنّ الحق والصواب أنّهم ( الحشوية ) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة ، أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح  المتعلقة بذات الله تعالى ، والمستمدة من الكتاب والسنة ، وأدى ذلك إلى خلل في فهم قسم توحيد الذات ( علم التقديس ) الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في الحشو على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك  ، وممن تسربت إليه بدع الحشو ( ابن تيمية ) ، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم ، والعالم المخلوق تحته ،  وهو موجود بذاته على عرشه ، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته ، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية ، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث ، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد ،

[  8  ] الأشعرية والماتريدية امتداد السلف وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة : ( الأشاعرة ) : هم المتخصصون في العقيدة ، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة ، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري  رحمه الله ( 270 ه إلى 330 ه ) ، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة ، نصر الحديث ، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين  ،  هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال ، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم ، وإبطال شبههم ، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه ، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم ،  وعظماء أمة النبي صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة ، كالباقلاني ، والقشيري ، وأبي إسحاق الشيرازي ، وأبي محمد الجويني ، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين ، وحجة الإسلام الغزالي ، والقاضي أبي بكر بن العربي ، والإمام فخر الدين الرازي ، والحافظ ابن عساكر، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والإمام الرافعي، والإمام النووي، والإمام السبكي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام الفقيه ابن حجر الهيتمي ، والحافظ السيوطي ، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس ، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا ،  ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين ، والأشاعرة لم يبتدعوا  مذهباً ، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام ، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة ، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان ،  والأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة : أنقذ الله تعالى بهم الأمة من الاعتزال والحشو ، صاغوا المنهج الحق ، القائم على الكتاب والسنّة ، بعيداً عن بدع الخروج والتشيع ، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو ، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة ، في باب الإيمان والكفر  ، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد ، وباب السنّة والبدعة ، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات ، بما لا مزيد عليه ، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً  ، وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور : أهمها : الأول : دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة ، والمحور الثاني : الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة ، الثالث : قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها ، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم ، ( والماتريدية ) : ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي ، وهو إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين ورئيس أهل السنة والجماعة وناصر السنة وقامع البدعة ، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، مضيف النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و سلَّم في دار الهجرة ، وتعتمد أسس الماتريدية على المذهب الحنفي في العقائد والفقه ،  وكان لأنصار أبي منصور الماتريدي الدور المهم في انضاج المذهب ونصرته ونشره وإشاعته ، فقد كافحوا المعتزلة والمجسمة والحشوية ، والحاصل هو أن الأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها ، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي ، والأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وهما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية ، قال الإمام المرتضى الزبيدي : ( وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور - رضي الله عنهما - وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله ... ناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) اهـ. [ إتحاف السادة المتقين 2/7 ] ، 

[  9  ] الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة : لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة : ثلاث مذاهب لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي ( المذهب الأثري ) وعليه غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( المذهب الأشعري ) وعليه غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( المذهب الماتريدي ) وعليه غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وجميع تلك المذاهب يعبر عن الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، ما اتفقوا عليه من أصول الدين والعقيدة نجتمع عليه ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في فروع العقيدة ، وهذه المذاهب الثلاث المؤصلة هي المرجعية العقائدية الصحيحة لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ،

[  10  ] المدارس الفقهية لأهل السنة والجماعة : استقر لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة ، لقد جمع الله تعالى علوم الفقه كلها في مذاهب الأئمة الأربعة : فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة ، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه ، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه ، ويملأ طباق الأرض علما وفقها ، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه ، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة ، على أنّ هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة : وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي بالشام ، وسفيان الثوري بالعراق ، والليث بن سعد بمصر ، وسفيان بن عيينة بمكة ، إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة ، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع ، وعلى ذلك : فإنّه يمكن القول بأنّ علوم الفقه كلها اجتمعت في مذاهب الأئمة الأربعة ، وهي مذاهب منضبطة مدونة محررة معروفة ، تخرج من خلالها  آلاف الفقهاء ، وهذه إشارة إلى هذه المذاهب الفقهية العريقة المؤصلة ، ( المذهب الحنفي ) : وإمام المذهب هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، ( ولد في الكوفة سنة 80هـ ) ، برع في الفقه حتى صار من بعده عيالاً عليه ، قال ابن المبارك : أفقه الناس أبو حنيفة ، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة ،  والإمام الأعظم أبو حنيفة : يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح ، وقواعد رصينة ، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه ، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه ، ( المذهب المالكي ) : وإمام المذهب : هو إمام دار الهجرة أبو عبدالله مالك بن أنس ، هو إمام أهل الحديث وإمام أهل الفقه ، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره ، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم ، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي ، فكان آية في الفقه والعلم ، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه ، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة ))  ، قال الشافعي: مالك حجة الله على خلقه ،  وقال أيضا : إذا ذكر العلماء فمالك النجم ، ( المذهب الشافعي ) : وإمام المذهب : هو أبو عبدالله محمد بن إدريس شافع القرشي المطلبي ، تلقى العلم بادئ الأمر في مكة على يد مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة (ت179هـ) ، ثم رحل إلى مالك في المدينة ، وقرأ عليه الموطأ وأخذ عنه الحديث والعلم ، ولزمه حتى مات ، ثم خرج إلى العراق فلقي محمد بن الحسن وأخذ منه فقه العراق ، فاجتمع له فقه الحجاز ( مكة والمدينة ) والعراق ، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، ووضع للفقه أصولاً تضمنتها ( الرسالة ) ، وإليه ينسب علم أصول الفقه ، ثم استقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها ، اعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز ، والفقهاء بعده  عيال عليه في الفقه وأصول الفقه لأنه هو الذي فتح هذا الباب ، وصدق فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً  )) أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده ، وأبو نعيم فى الحلية ، وقال أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي ، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعي ، لأنه إمامٌ عالمٌ من قريش، وقال عنه أيضا : كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقال أيضا : ما أحد مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة ، وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثا خطأ ، ( المذهب الحنبلي ) : إمام المذهب : هو إمام أهل السنة أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل ، عُرف بولعه وشغفه بالعلم منذ صباه ، أخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها ، جمع فقه أهل العراق ثم لازم الشافعي وتتلمذ على يديه في الفقه ، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه ، قال عنه الشافعي : أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه ، إمام في اللغة ، إمام في القرآن ، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع ، إمام في السنة ،

[  11  ] الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب الفقه : استقر لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد مال أهل الفقه إلى الاكتفاء بهذه المذاهب الأربعة في باب الفقه : لأسباب عديدة منها : (  السبب الأول ) : بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه ، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه ،   ( السبب الثاني ) :  صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد. حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد ، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق ، وذكروا منها شروطا عشرة تتمثل في : معرفة آيات الأحكام من القرآن الكريم ومعرفة تفسيرها والناسخ والمنسوخ منها وأقوال الفقهاء حولها و معرفة أحاديث الأحكام من السنة ، ومعرفة تفسيرها والناسخ والمنسوخ منها وأقوال الفقهاء حولها ، و معرفة مسائل الإجماع ، و معرفة وجوه القياس ، و معرفة اللغة العربية ، و معرفة أصول الفقه ، ومعرفة مقاصد الشريعة العامة ، وأن يكون لديه ملكة الاجتهاد ، ( السبب الثالث ) : وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي ، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ( وما أعسرها ) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة ، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة ، ويمكنه الاجتهاد في إطارها  ، ( السبب الرابع ) : تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا ، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم ، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور ، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله ، ( السبب الخامس ) : الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها ، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه ، وأصول الفقه ، والقواعد الفقهية الجامعة ، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة - بفضل الجهود الجماعية لعلمائها - بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ،

[  12 ] ضوابط الانتساب إلى المذاهب الأربعة : وضع الفقهاء ضوابط رصينة في حق الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة على وفق أن المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء ، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا ، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة ، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم ، ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب : ( 1 ) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً ، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن ، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى ، ( 2 ) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به ، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهله المتخصصين فيه ، ( 3 ) المذاهب الأربعة متكافئة ، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة  فكلهم على خير ، ( 4 ) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال - وفق الهوى - من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً ، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه ، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر ، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه ، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل ، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط ، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة ، أو وجود الدليل الراجح ، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها ، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال ، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد ، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا ، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه ، وليس كل الناس علماء ، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء ، ( 5 ) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله ، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله ، ويصعب ، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم ، وقد حبى الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي ، ( 6 ) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة  لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب ، ولا يجوز له التعصب من أجله ، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع ، ( 7 ) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله ، والأدلة محتملة ، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد ، وملكة الفقه والترجيح ، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء ، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم ،  ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة ، ( 8 ) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ  بل يخطئون ويصيبون ، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم ، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم ، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة ، وكان اختلافهم رحمة ، وبعد فإنّ هذه المذاهب الأربعة تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع ، وجميعها يعبر عن الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب الفقه ، ما اتفقوا عليه من آراء الفقه نجتمع عليه ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف ، وهذه المذاهب الأربعة المؤصلة هي المرجعية الفقهية الصحيحة لأهل السنة والجماعة ،

[ 13 ] مدارس التزكية والإحسان المنتسبة لأهل السنة والجماعة :  لقد كان من ثمرة التخصص في علم التزكية ظهور أقطاب التصوف الصديقين العارفين الذين رزقهم الله تعالى لسان الصدق في الأمة على مر العصور  ، وقد سميت اجتهادات هؤلاء الربانيين ومن ذهب مذهبهم السالكين المجتهدين (( طرق )) ولم تسمى (( فرق )) ، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية ، وإنما كان الخلاف بينهم في طريق الوصول إلى مرتبة الإحسان ، تعددت الطرق والغاية واحدة ، رضا المولى تبارك وتعالى ونيل رضاه ، لقد أكرم الله تعالى الأمة بثلاثة مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وأكرم الله تعالى الأمة بأربعة مدارس في علم  الفقه لا خامس لها إلا الميل إلى الحشو والشذوذ الفقهي ، وكذلك أكرم الله تعالى الأمة بأهل التصوف والزهد والمعرفة الذين قاموا على علم بتزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ، وكان لكل منهم طريقة في السلوك لها أورادها ولها اجتهاداتها التي تميزت بها عن غيرها ، إن هذا الإطار الواسع هو الإطار العلمي الصحيح لأهل السنة والجماعة ، سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الجماعة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ،

[ 14  ] التخصص الصوفي في التزكية : إنّ احترام التخصص التزكوي والرد في علم التزكية إلى تلك المدارس الصوفية المتخصصة ، ضرورة علمية وأخلاقية وتربوية ، وذلك لقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، قال حجة الإسلام الإمام الغزالي : ( الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب ، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) اهـ ، قال الإمام الجنيد : ( إذا وفق الله المريدَ ألقاهُ إلى الصُّوفيَّة ) اهـ ، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي : ( من لم يغلغل في علمنا هذا ، مات مُصراً على الكبائر وهو لا يشعر ) اهـ ، وهذا حق لأنهم هم الذين جمعوا علوم الإحسان ووسائل التزكية ، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، فإن علوم الدين الثلاثة التي اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، و ( التصوف ) هو المرادف لمصطلح ( التزكية ) المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس : 9-10 ] ، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ آل عمران : 164 ] ،  وكذلك فإن ( التصوف ) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه : (( قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك")) [ أخرجه مسلم ] ، وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل ( التصوف ) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان ، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية ، وهو علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها ، 

[ 15 ] المقصود بالتصوف : التصوف هو العلم الذي يتعلق بتزكية النفوس وسلامة القلوب وتعمير الظاهر والباطن ، وتحقيق مرتبة الإحسان ، مستمدا أصوله من الكتاب والسنة ، ، وقد حُدَّ التصوف وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين ، مرجعها  كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى ، واستعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني ، وهو في نهاية المطاف عظيم الاخلاق مع الخالق ومع المخلوق ،  ولهذا قالوا : التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف ، وأركان علم التصوف أربعة : ( الأول ) معرفة جناب ذات الله تعالى وتقدس وما يجب له من التسبيح والتقديس والتنزيه والتعظيم ، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتوحيده سبحانه في إلهيته ربوبيته وعبوديته لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ، ( الثاني ) معرفة النفوس وشرورها ودواعيها والطريق إلى تخليتها عن دسائسها وتحليتها بتزكيتها ، قال تعالى : { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ، و ( الثالث ) معرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله وكيفية التغلب على مكائده ، قال تعالى { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ، و ( الرابع ) ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها ، وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها وضرورة الزهد فيها ، قال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، وقال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } ، ثم ألزموا أنفسهم  بعد توطئة هذه الأركان : دوام المجاهدة ، وشدة المكابدة ، وحفظ الأوقات ، واغتنام الطاعات ، ومفارقة الراحات ، والزهد في الدنيا الفانية ، وإيثار الآخرة الباقية ، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله خير الجزاء ، ( تنبيه ) مع احترام التخصص لابد من الإصلاح والتجديد ، وإذا كان الدين نفسه يحتاج إلى إصلاح وتجديد كل مائة عام ، فإن التصوف القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين يحتاج أيضا إلى إصلاح وتجديد ، وذلك بإصلاح جوانب الخلل التي أصابت التصوف بفعل عوامل طول الزمان ووجود الجهلاء والأدعياء ، مع التنبيه على وجوب أخذه من اهله المتخصصين ،

[  16  ] ( تاريخ التصوف الاسلامي ) : يمكن اختصاره إلى ثلاث مراحل : ( المرحلة الأولى ) : كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة ، في بدايات القرن الثاني ، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير ، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية : من أمثال الحسن البصري ( ت ١١٠ هـ ) ،  وإبراهيم بن أدهم البلخي ( ت ١١6 هـ ) ،  ورابعة العدوية ( 185هـ ) ، والفضيل بن عياض الخراساني ( ت ١87 هـ ) ،  ومعروف الكرخي ، ( ت 201 هـ ) ، وأبو سليمان الداراني ( ت205هـ ) ، وبشر بن الحارث الحافي ( ت 227 هـ ) ،  والحارث بن أسد المحاسبي ( ت 243 هـ ) ، وذي النون المصري ( ت 245 هـ ) ، وسري بن المغلس السقطي ( ت 257 هـ ) ،  ويحيى بن معاذ الرازي الواعظ ( ت 258 هـ ) ، وأبو اليزيد البسطامي ( ت263هـ ) ،  وأحمد بن عيسى الخراز ( ت 277 هـ ) ،  وسهل بن عبدالله التستري ( ت 283 هـ ) ، وأبي القاسم الجنيد البغدادي ( ت 297 هـ ) ،  ورويم بن أحمد البغدادي ( ت 303 هـ )  ، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف ، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد ، وبداية التمييز عن علماء الفقه ، بعلم التزكية والتصوف ، ( المرحلة الثانية ) : وهي المرحلة التي  ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف ، أبو نصر السرّاج الطوسي ( ت378هـ ) في كتابه اللمع في التصوف " و" أبو بكر محمد الكلاباذي ( ت380هـ ) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف" و" أبو طالب المكي ( ت386هـ ) في كتابه قوت القلوب" و" أبو القاسم القشيري ( ت465هـ ) في الرسالة القشيرية" وهي من أهم الكتب في التصوف و" الغزالي ( ت505هـ ) في كتابه إحياء علوم الدين ، ( المرحلة الثالثة ) : وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية ، ومدارس التصوف والتربية والتزكية في العالم الإسلامي ، على يد الربانيين من أهل التصوف ،  ومن أشهر تلك الطرق التربوية : الطريقة القادرية التي  أسّسها الشيخ عبد القادر الجيلاني ( ت561هـ ) ، والطريقة الرُفاعية التي أسسها الشيخ أحمد الرفاعي ( ت 578هـ ) ، والطريقة الشاذلية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي ( ت656هـ ) ، والطريقة الأحمدية أو البدوية التي أسسها الشيخ أحمد البدوي ( ت 634 هـ ) ، والطريقة المولوية التي أسسها الشيخ جلال الدين الرومي ( ت672ه‍ـ ) ، والطريقة البرهامية أو الطريقة الدسوقية التي اسسها الشيخ إبراهيم الدسوقي ( ت 676هـ ) ، والطريقة النَقشبندية التي أسسها الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي ( ت791هـ ) ، والطريقة الخلوتية التي أسسها الشيخ محمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي ، ( ت 986 هـ ) ، والطريقة السنوسية التي أسسها الشيخ محمد بن على السنوسي ( ت 1202 هـ ) ، والطريقة التيجانية التي أسسها الشيخ أحمد التيجاني ( ت1230ه‍ ) ، الطريقة المرغنية التي أسسها الشيخ محمد بن عثمان المرغني السوداني ( ت 1267 هـ ) ،

[  17  ] ( الطرق الصوفية ) :  هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل ، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية ، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية ، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله ، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها ، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة ، فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر ، وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر ، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلا ، ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين ، كما توجد ثلاثة أنواع من الطرق وهي : طريقة التبرك ، وطريقة الإرشاد ، وطريقة التربية والترقية ، وذلك حسب مستوى شيخ الطريقة، فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح ، ويقف دوره عند هذا التبليغ ، وينال الآخذ عنه بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ينال ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزم بها ، وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك ، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات. فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة. وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر ، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة  في مقام ( أن تعبد الله كأنك تراه ) ، 

[ 18 ] معالم الإصلاح والتجديد في مجال التصوف السني الصحيح : تتمثل في : ( أولا ) : تأكيد وتجديد مبدأ ارتباط التصوف بالكتاب والسنة ، ( ثانيا ) : التأكيد على أهمية التصوف كمنهج أصيل للإصلاح والتربية ،  ( ثالثا ) : تصحيح التصورات الخاطئة عن التصوف لدى عامة المسلمين ، فإن السادة الصوفية هم خواص أهل السنة والجماعة ، لم يقل أحد من المعتبرين منهم إن الصوفية فرقة مختلفة عن أهل السنة ، لأن عقيدة الصوفية هي عقيدة أهل السنة ، كما أن جميع طوائف الاتحادية والحلولية والإباحية والباطنية والمادية طوائف ليست من الصوفية في شيء ، والصوفية منهم برآء كما أنّ الإسلام منهم برآء ،  ( رابعا ) : تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتصوفة ، سواء كانت هذه المفاهيم محدثة من قبل المنحرفين ، أو أن لها أصلا صحيحا وتعرضت للتحريف من قبل الجهال والمبدِّلين ، ( خامسا ) : التمييز بين التعددية المحمودة والطائفية المذمومة ، فإنّ حديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، لا يتناول طوائف أهل السنّة والجماعة لأنّها كلها فرقة واحدة تضمها أصول عقدية واحدة ، كما أنّ الاختلاف الوارد في حديث افتراق الأمة لا يعني الاختلاف في مسائل الفروع أو تعدد المذاهب أو الاختلاف في مناهج السلوك والعبادة ، أو تعدد الطرق التي يتخذها الأولياء في توصيل المريدين إلى الله تعالى ، بل إن السواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد الفرقة الناجية ، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع ، ( سادسا ) واجبنا نحو التصوف اليوم : هو طرحه نموذجاً لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، وأن نعكس صورة التصوف الإسلامي الصحيح من خلال أخلاقنا وآدابنا والتزامنا بالشرع الشريف فحال الإنسان يغني عن مقاله ، واجبنا نحو التصوف اليوم : أتباع أسس التصوف الأولى :  صفاء النفس ، وقصد وجه الله ، والتمسك بالفقر والافتقار ، وتوطين القلب على الرحمة والمحبة ، والتجمل بمكارم الأخلاق التي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها ، واجبنا نحو التصوف اليوم :  نشر التصوف الصحيح  والبراءة من التصوف البدعي وادعياء التصوف من الجهلة والمرتزقة والدجالين المنسوبين زورا الى التصوف ، واجبنا نحو التصوف اليوم : إعطاء النموذج الحي الصحيح للصوفي الرباني ، وذلك بالتمسك بأخلاق الصوفية الاكابر ، وإن التجديد الإسلامي المنشود يفرض على أهل التصوف وقياداته أن يتحملوا واجباتهم في تصحيح المسار ، وذلك بالتأكيد على عدة حقائق : ( الحقيقة الأولى ) : بيان كون منزلة الطريقة في التصوف كمنزلة المذهب في الفقه ، فكما أنّ طلب الفقه الراسخ يتطلب التخصص على إحدى مذاهب الفقه الأربعة ، فكذلك فإن طلب التصوف الراسخ ينبغي أن يكون عبر إحدى طرق التصوف الموصولة السند والمتأصلة في تاريخ التصوف الإسلامي ، و ( الحقيقة الثانية ) التفريق بين أنواع الطرق الصوفية ثلاث : طريقة التبرك ، وطريقة الإرشاد ، وطريقة التربية والترقية ، وهذا يختلف باختلاف مستوى شيخ الطريقة ، و ( الحقيقة الثالثة ) :  أهمية ذكر الله ، فإن الذكر منشور الولاية وعمدة الطريق الصوفي :  كما أنّ الذكر هو قوام التصوف الذى هو روح الإسلام ، والذكر له المكانة الرفيعة فهو في ذروة العبادات والطاعات ، و( الحقيقة الرابعة ) أهمية الأوراد في حياة المسلم فضلا عن الصوفي السالك لطريق الإحسان ، فينبغي لكل مسلم - فضلا عن الصوفي السالك طريق الإحسان -  أن  تكون له أوراد يومية لا يقصر عنها ، وهذا الورد اليومي الذي يرتبه المسلم على نفسه ينبغي أن يلاحظ فيه أن يجعل له حداً أدنى لا بد أن يؤديه ثم بعد ذلك إن وجد فراغاً أو إقبالاً من النفس زاد ، ( الحقيقة الخامسة ) تصحيح الأخطاء ، تلك الأخطاء التي يتحمل وزرها أدعياء التصوف المتمصلحون ، أو الجهلاء ، أو المنحرفون ، أو المغرضون الذين تزيّوا بزي التصوف وانتسبوا إليه لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم ، والتصوف منهم براء ،  إننا إذا جردنا التصوف من الصورة القاتمة التي رسمها أعداء التصوف ندرك أننا أمام جوهر نقي خالص لابد منه في عملية الإصلاح والتجديد ،  وأرى لزاماً على العلماء ومشايخ الطرق والأتباع الراشدين أن يهبوا هم قبل غيرهم لتخليص التصوف من كل الشوائب التي علقت به مع تقادم العهد. وأن يتخلصوا من كل الشكليات التي حطت من قدر التصوف ليعود إلى نقائه ودوره وأصوله وجوهره وعند ذلك يكون قادراً على أداء دوره المنوط به  في الإصلاح والتجديد ،

 

كتاب تقديس الله تعالى عن المكان والزمان لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان

جمــع وإعـداد : مجــدي محمــد علـي ، حاصل على الشهادة العالمية في الشريعة الإسلامية

***

المقدمة  : إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران: 102] ،{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }[ النساء: 1 ] ،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[ الأحزاب:70 ، 71 ] ، أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد   صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، ثم أما بعد :  فهذه الرسالة تتناول تقديس الله تعالى عن المكان فلا حويه مكان وهو خالق المكان ، وتقديس الله تعالى عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، وهو خالق الزمان ، وقد حوت الرسالة بحمد الله تعالى على مدخل وخمسة أبواب وخاتمة ، وتتمثل في :

مقدمة : عن أهمية علم التقديس ودوره في تصحيح مفاهيم علم التوحيد والوحدة بين المسلمين

مدخل : إلى تنزيه ذات الله تعالى عن المكان والزمان ، وبيان أنّ الأدلة على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، أدلة تفوق الشمس في ظهورها

الباب الأول : عقيدة أهل السنة والجماعة في أن الله موجود بلا مكان ولا جهة ، ويشتمل على تلك المباحث : ويشتمل على تلك المباحث  : ( أولاً ) تعريف المكان والجهة ، ( ثانياً ) الدليل على تنـزيه الله عن المكان والجهة من القرءان ، ( ثالثاً  ) :: الدليل على تنزيه الله عن المكان والجهة من الحديث  ، ( رابعاً ) : أقوال جل علماء الأمة الإسلامية في تنزيه الله عن المكان والجهة ، ( خامساً ) أقوال جل علماء الأمة الإسلامية في تنزيه الله عن الزمان ،

الباب الثاني : الأدلة من إجماع علماء الأصول المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة على أن الله تعالى لا يحلُّ في مكان ولا يجري عليه زمان ، وبيان حُكم الشرع فيمن يَنسِبُ لله تعالى مكانًا ،

الباب الثالث  : الأدلة العقلية على تنـزيه الله عن المكان والزمان ، وبيان أنه لا يَمتنع شرعًا ولا عقلاً أن يكون فوق العرش مكان ،

الباب الرابع : الله تعالى موجود ، وهو واجب الوجود ، ولا يُقال أنّه داخل العالم ولا يُقال لأنّه خارجه لأنّ وجوده ليس كمثله وجود ، ولا يجوز أن يُقال أنّ الله تعالى في كل مكان لأنّ المكان مخلوق محدود والله تعالى لا حد له ،

الباب الخامس : حل إشكال ظواهر الكتاب والسنّة التي تنافي تنزيه الله تعالى عن المكان ،

الخاتمة والفهارس

***

مقدمة عن أهمية علم التقديس ودوره في تصحيح مفاهيم علم التوحيد والوحدة بين المسلمين  وخطورة التصدر للإفتاء في علم العقيدة قبل دراسة هذا العلم واستيعابه

إنّ علم التقديس والتنزيه هو أشرف علوم الإسلام وأعلاها لأنّه يتعلق بالعلم بالله تعالى ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه التي هي صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم ، ويشمل هذا العلم على معرفة توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وإذا كان أعظم العلوم والمعارف في دين الله تعالى بعد الإيمان هو التوحيد ، وإذا كان أجل أقسام التوحيد هو توحيد الذات .. فإن علم التقديس والتنزيه هو الفقه الحقيقي والعلم الراسخ بقسم توحيد الذات وما يجب له سبحانه من معاني التقديس والتنزيه ومن صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يجب تنزيه ذات الله تعالى عنه من معاني التشبيه وصفات النقص والعيب والحدوث والعجز والعيب وغيرها من النقائص التي يجب تنزيه الله تعالى عنها ، كما يشمل هذا العلم بيان قواعد التنزيه : التي ساهم في تأصيلها أهل الأصول المتخصصون في العقيدة من علماء أهل السنة ، هذه القواعد التي نتعلم من خلالها المستحيل في حق الله تعالى فيكون المرء على بينه من ربه وخالقه وإلهه الذي يعبده ويوحده ، وعلى علم راسخ وهو يتكلم فيما يتعلق بذات الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العظيمة وأفعاله الحكيمة ،  وتحدثا بنعمة الله الكريم أني ما إن استوعبت علم التنزيه وقواعده الرصينة حتى أحسست أنه العلم اللازم لتحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة والتجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ الإحاطة بعلم التقديس والتنزيه له أعظم الدور في تصحيح مفاهيم علم التوحيد ، وأعظم الأثر في تحقيق التقارب والتكامل والوحدة العقائدية والعلمية والعملية بين المسلمين عامة ، وبين طوائف أهل السنّة والجماعة خاصة ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، وإن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل وأحكام هذا الباب ، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، من لا يعرف هذا العلم الراسخ ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، إنّ دراسة علم التقديس والتنزيه ومعرفة قواعده الربانية يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة ، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي ، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42] :  ( وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا  ) أهـ  ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم علم التقديس والتنزيه والتسبيح ، لقد تكرر التسبيح في القرآن أكثر من ثمانين موضعا من كتاب الله تعالى ومعناه التنزيه واعتقاد اتصاف الذات بالكمال الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال ، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء ، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث ، فكذلك فإن علم التقديس والتنزيه  يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس ، لغلبة الحس عليهم ، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله : ( هذا خلق الله ، فمن خلق الله ) ، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا له حد ينتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد له ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التخصص في علم التقديس والتنزيه ، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، فلا يصح ان يحيط به مكان ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ، ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، وليس معنى ذلك الاتساع الحسي والكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، فلا حد لذاته تنتهي إليه ، ولا مقدار لها يحدد قدرها ، لأنّ الحد مهما اتسع ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق ، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك ، وليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، ومن الآية نعلم انّ الذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ، إنّ الهدف الأسمى من دراسة علم التنزيه ، ومن معرفة قواعد التنزيه : هو الاعتراف بالعجز عن الإدراك ، وذلك بتصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله ، ولو في دقائق الصفات ، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني ، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات ، أمّا العامي ومن لم يطلب علم التنزيه وتوحيد الذات لأنه بمثابة العامي في علم الإلهيات - مهما بلغ من علوم الدين الأخرى - فقد يكيف المملكة بذهنه وهو يلوك بلسانه دون فهم { ليس كمثله شيء } وذهنه على التكييف بوجود حد ونهاية لذات الله تعالى تتمثل في حجم العرش ، وقد يكون العرش المربوب في ذهنه أكبر من ذات الله ، وهو يقول بلسانه في كل صلاة ( الله أكبر )  وفي مخيلته أنّ العرش أكبر  ، وأذكر أنني ناقشت واحدا منهم يصر على أنّ العرش مكان ذات الرحمن ، وأنّه يفضل عن ذات الله بمقدار أصابع ، يُجلس إلى جواره الرسول صلى الله عليه وسلم ، فساوى بين ذات الإله الخالق الرب الإله وبين ذات الرسول المخلوق ، وجعل ذات العرش المخلوق المربوب أكبر من ذات الله تعالى ، وهو يقول في كل رفع وخفض من صلاته : { الله أكبر } ، وهو يظن أنّه بذلك يؤمن بالخبر ، وأنّ من يعارضه جهمي ضال ، ومع أنّ الخبر على أحسن أحواله ضعيف ولا يصح الاحتجاج به ، قال الألباني في السلسلة الضعيفة ( ح 865 ) : ( فاعلم أن إقعاده صلى الله عليه وسلم على العرش ليس فيه إلا هذا الحديث الباطل ، وأما قعوده تعالى على العرش فليس فيه حديث يصح ، ولا تلازم بينه وبين الاستواء عليه كما لا يخفى ) أهـ  ، ومع أنّ المحاور لا يعرف أصلاً علم الإلهيات وعلم التقديس ولم يدرسه على أهله ، ولم يقرأ عنه في كتاب ، ولا يفرق بين قديم  الذات الذي لا تجوز عليه البداية ولا النهاية ، ولا يجوز عليه الحد ولا المقدار ، وبين المحدث المقدر المحدود الذي له بداية ونهاية ، ولا يعلم  ما يجوز وما يستحيل نسبته إلى ذات الله ، وكثير مثل هذا ممن لم يدرس قواعد التنزيه فأنى له أن يشعر قلبه بحلاوة التقديس ، وهو أقل درجة من العامي في علم التقديس والتنزيه ، ثم الويل لك والويل لك إن لم تطعه على ما يقول وإلا رماك والبدعة والتعطيل أو بالشرك والإلحاد أو مسميات أخرى كثيرة جاهزة لاستحلال الدم ، فأمثال هؤلاء لا تزكو عقائدهم إلا بدراسة علم التقديس والتنزيه ، وأهمه علم توحيد الذات ليس كمثله شيء ، لأنّه يساعدهم على استيعاب ما فوق الحس من قضايا التوحيد ، ولمثل هؤلاء كتبت هذا الكتاب حتى يكون بمثابة الحاجز الذي يمنعهم من الولوج في الحشو والتجسيم ، وهم يظنون أنّهم يتبعون الأحاديث والآثار ، ولاشك أنّ كل مسلم مُطالب باتباع الحديث والأثر ، ولكن قواعد التقديس تمنع من الفهم الخاطئ لكافة المتشابهات من الآيات والاحاديث والآثار ، وتؤهل للفهم الصحيح لها دون الوقوع في محاذير الخلل في العقيدة بسبب سوء الفهم ، والحاصل : أنّ قواعد التقديس والتنزيه لازمة لكل متكلم في عقيدة أهل الإسلام ، حتى يصح له التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية ، وليس المفصد منه كتابي ، وإنما أنا جامع لها من بطون كتب أصول الدين التي كتبها أهل التخصص في هذا العلم ، واشترطت لكل قاعدة أن يكون استمدادها من النقل الصحيح ( الكتاب والسنّة الثابتة ) والعقل الصريح الذي لا خلاف على صحته عند المتخصصين ، و ( الهدف العلمي من تلك القواعد ) معرفة ما يجب لذات الله تعالى وما يستحيل علي ذات الله تعالى  ، وما يجوز في حق ذات الله سبحانه وتعالى جل شأنه وتعالت صفاته ، فالواجب في حقه عز وجل هو الذي لا يجوز عدمه بمعنى أنه لا يجوز أن تزول هذه الصفة عن الله تعالى وبمعنى أنه لا يجوز أن يتصف الله بضدها ، والمستحيل في حقه تعالى عز وجل ، بمعنى أنه لا يجوز أن يتصف بهذه الصفة ، ، والجائز في حقه عز وجل أي الذي يقبل الوجود والعدم على السواء ، و ( غاية تلك القواعد ) : بلوغ التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى وتصفية الاعتقاد من أدران التشبيه والتجسيم والتمثيل والتكييف ، وذلك لان دراسة علم التقديس والتنزيه يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة ، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي ، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42] :  ( وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا  ) أهـ  ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم علم التقديس والتنزيه والتسبيح ، ومن أجل بيان منهج أهل السنّة في باب التقديس والتنزيه ، وبيان قواعد التقديس التي تعصم من الزلل والوقوع في أدران الحشو والتشبيه والتجسيم : كان هذا الكتاب ( كتاب قواعد التقديس والتنزيه التي تعصم من التعطيل والتشبيه )  ، وأحسب أن هذه الرسالة تعد من قبيل الفقه الأكبر في الدين ، والاعتدال الامثل في بيان مذهب أهل السنّة والجماعة  في التقديس والتنزيه ، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب ،

***

مدخل إلى تنزيه ذات الله تعالى عن المكان والزمان

المكان عند أهل اللغة بالعربية هو الموضع الحاوي للشيء ، وهو الفراغ الذي يشغله الجسم ، وهو الفراغ الذي يحُلُّ فيه الجسم ، ، ومن الحركة الحادثة في المكان يحدث الزمان ، والله تعالى خالق كل شيء ، وهو سبحانه الغني الحميد ، غني عن خلقه ، غير محتاج إليهم ، ومن خلقه المكان والزمان ، كان سبحانه قبل خلق المكان ، ثم خلق المكان ، ثم خلق من مخلوقاته ما تحرك في المكان  فنشأ بذلك الزمان ، إذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، والزمان متعلق بالحركة والسكون لأنها لبنات الزمان ووحداته التي تقدره والله تعالى منزه عن الحدث والتغير وعن الحركة والسكون فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ، وقد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما خالق المكان والزمان ، فهو المنزه عن المكان والزمان ، وهو الذي لايحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ، والحاصل عند أهل الأصول : أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء ، أمّا الحشوي الذي لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا ،  

والأدلة على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، أدلة تفوق الشمس في ظهورها ، ولكن لا يبصرها إلا أهل العلم بالله تعالى المقدسين له ، ومن تلك الأدلة ما يلي : ( أ ) الله تعالى خالق كل شيء ، وكل ما في الوجود خلقه ، ولهذا تكرر في القرآن الكريم ذكر تلك الحقيقة ، كما في قوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، قوله تعالى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الزمر : 16 ] ، وعلى ذلك فكل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور والمكان والزمان ، والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى ، ولا ينكر ذلك مسلم موحد لله تعالى ، والله تعالى هو الأول بلا ابتداء الآخر بلا انتهاء الظاهر ليس فوقه شيء الباطن ليس دونه شيء ، ( ب ) مع تدبر قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمالٌ فوق الوجود الزماني لأنه موجود قبل بدء الزمان (( أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء )) ، فوجوده سبحانه قبل الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، كما أنه سبحانه موجود بعد فناء الزمان لأن الزمان مخلوق فانٍ (( وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء  )) ، ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، ، فلا يجري عليه زمان ، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له ) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو أنّ ( الأول والآخر ) دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ،  وكذلك فإن له كمال الوجود الأعلى من المكان  ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ( ت ) الله تعالى هو الواحد القهار ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  سبحانه هو الواحد القهار قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، وقهرها جميعها بالحد والمقدار ، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار ، وكل مخلوق - مهما كبر حجمه وعظم مقداره - محدود متناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، والدليل على ذلك : قوله تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، وقوله تعالى :{ جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقوله تعالى : { قد جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقوله تعالى : { وكل شيء عنده بمقدار } ، ومعنى هذه الآيات  أن الله عز وجل خص كل مخلوق ( بحد ومقدار ) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما  ، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار ، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث ،   وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى ،  أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار ، فإنه لما  كان قاهراً لجميع مخلوقاته ، لم تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه ، وهو خالق الحدود والمقادير ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، منزه عن المقدار ، لأنه سبحانه الواحد القهار لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار ، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب ، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر والقهار فوق جميع خلقه ، فهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه القاهر فوق المكان والمحيط بكل شيء ومنه المكان ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه خالق المكان والزمان ، وقاهر المكان الزمان ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ، تنزه عن الكون في مكان فلا يحيط به مكان ، كيف يحيط به المكان سبحانه وهو القائل : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وهو سبحانه القائل : { أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، - [ تنبيه ] : احاطة الله تعالى منزهة عمّا نتصوره في أذهاننا من احاطة الجسم بالجسم لأنه تعالى المنزه عن الجسمية وكل لوازم الجسمية من الحد والمقدار والكتلة والطول والعرض والعمق ، وعقول العباد قاصرة عن تصور مدى التقديس والتنزيه في حق الله تعالى ، { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } - ، كما أنه سبحانه تنزه عن أن يجري عليه زمان ، وتحكمه قوانين الزمان ، فالماضي عنده حاضر والمستقبل عنده حاضر ، والجميع خلقه ، والجميع تقديره ، لا يغيب عن علمه وسمعه وبصره شيء من ماضٍ أو حاضرٍ أو غيبٍ مستقبل ، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما وما قدرناه سبحانه حق قدره وهو الواحد القهار ، ولو كان الزمان يحكمه سبحانه ، لكان مثل مخلوقاته تجري عليهم قوانين الزمان ، جل عن ذلك وتعالى علواً كبيرا ، ( ث ) والله تعالى هو الغني الحميد : قال تعالى : { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ الحج : 64 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر : 15 ] ، دلت الآية على كونه تعالى غني حميد ، له كمال الغنى ، وله كمال الحمد ، ومن كمال غناه استغناؤه عن كافة خلقه ، ولو كان محتاجا للمكان لما كان له كمال الغنى ، ولما كان حميدا ، ( ج ) والله تعالى هو العلي الكبير ، وهو الكبير المتعال ، قال تعالى : { فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } [ غافر : 12 ] ، وقال تعالى : { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ } [ الرعد : 9 ] ، وهو سبحانه أكبر من كل تصور ، ومتعال على كل تصور : ولقد آتى الله تعالى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حجته في حوار المشركين ، واوضح لنا درراً من فقه اثبات التوحيد ووحدانية الله تعالى ، لقد استدل على اختيار الرب بأنه الاكبر المنزه عن التغير والافول ، قال تعالى : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) } [ الانعام : 78 ] ، فاستدل أولا على أن الشمس أكبر من القمر والكواكب ، فهي أحق بالربوبية ، ولكن شرط الإله أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، فلم تكن الشمس تصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، ومنه نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون أكبر من كل شيء ، وأكبر من كل تصور ، ومنه نستفيد تنزيه الله تعالى عن الحدود والمقادير لأنه أكبر من كل حد وأكبر من كل مقدار  ، ونعلم أنه سبحانه أكبر من المكان ، إذ المكان مهما اتسع محدود لأنّه مخلوق ، والله تعالى هو الخالق الذي لا حد له ، والكبير الذي لا ند له ، ومنه نعلم الخطأ الجسيم الذي وقع فيه من ظن أن العرش هو مكان الرحمن ، وأنّه اكبر من الرحمن ، سبحانه وتعالى عما يدور بأوهامهم ، فالعرش مهما كان عظيما فهو محدود ، والله تعالى هو الذي حد حدود العرش ، وحد كافة الحدود فلا تجري عليه الحدود ، والعرش مهما كان عظيماً ، فإن له مقدار ، والله تعالى هو الذي قدره بالمقدار ، ومنه نعلم الفائدة في قول المسلم عند كل صلاة (( الله أكبر )) أي أكبر من كل تصور أو خيال ، ، لأن الله تعالى له الكمال الذي لا نهاية له ، وهو الكبير الذي لا نهاية لعظمته ، تعالى عن صفات الاجسام ، فليس كبره امتداد في الآفاق ، ولا كبره بالحجم والطول والعرض ، تعالى عن ذلك علواً كبيرا ، بل هو المتعالي على صفات الأجسام ، ولهذا قرن القرآن الكبير اسمه تعالى [ الكبير ] باسمه تعالى [ العلي ] ، واسمه تعالى [ المتعال ] لأنه في كبره متعالٍ عن صفات الأجسام ؟، عالٍ عن كل تصور لا يليق بالكبير المتعال ، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ الانبياء : 62 ] ، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ لقمان : 30 ] ، وقال تعالى : { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ سبأ : 23 ] ، تعالى العلي الكبير المتعال عن كل حد ومقدار ، وعن أن يقهره زمان أو ان يحيط به مكان ، والله أكبر من أن نتصور له حد أو مقدار أو زمان او مكان ، تنزه عن كل ما يخطر بالبال ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ، ( ح ) قوله تعالى { قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله } مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى : { وله ما سكن في الليل والنهار } يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان  ،  ( خ ) وجود الله تعالى قبل خلق المكان ووجوده سبحانه بعد فناء المكان فلا يحويه مكان ، تنزه عن المكان وتعالى عن الجهات والأركان كان قديم السلطان قبل خلق المكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان قبل خلق المكان ، ووجود الله تعالى قبل خلق الزمان ووجود الله تعالى منزه عن الزمان لا يجري عليه زمان ولا تحكمه قوانين الزمان إذ هو الخالق والحاكم المهيمن على كل مخلوق ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود تنزه عن الزمان والمكان تنزه الخالق على المخلوق وتنزه القاهر على المقهور ( وهو القاهر فوق عباده ) ، ( د ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون : أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ( بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها ) والله تعالى خالق مقدِر ( بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها ) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود [ سياتي الحديث عن تنزيه الله تعالى عن الحيز والحد والمقدار في الباب التالي ( تنزيه الله تعالى في ذاته ليس كمثله شيء ) ] وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ ، (  ذ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن المكان : أنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل متحيز فهو محدود يحتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به والله تعالى منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر والله تعالى هو الخالق المقدر لها، ومنزه عن أن يحيط به شيء لأنه بكل شيء محيط ، فتحتم من ذلك تنزيهه عن أن يحيزه شيء من خلقه وكل ما في الوجود سواه فهو خلقه الفقير إليه وهو الغني عنهم ، (  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء ، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ، (  ز  ) قوله تعالى ( الله الصمد ) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان ، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق ،  ( س  ) قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق ، (  ش  ) قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق ، ( ص ) قوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره ، (  ض  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ، ( ط ) قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء ، ( ظ ) الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام ، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري ، (  ع ) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا ، ( غ ) أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ، ( ف ) وأخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً : عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا - بفهم سقيم بعيد عن التقديس  - هل هو  ( سبحانه ) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا ، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق ، وأعظم به من منهاج ، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا  ( علم توحيد الذات ) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ، وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ،  [ تنبيه ] : تنزيه الخالق سبحانه عن المكان ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، والإحاطة في قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، ولا نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،

ومن أقوال علماء أهل السنّة والجماعة في تنزيه الله تعالى عن المكان

( 1 ) قول الإمام الطحاوي - وهو من كبار أئمة السلف وهو أعلم بأقوالهم ومذاهبهم - قال : ( هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة والدين أبي حنيفة النعمان وصاحبيه أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني ... وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)  أهــ   [ متن العقيدة الطحاوية ]  ، ( 2 ) وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني : (  وأجمعوا- أي أهل السنة- على أنه -  أي الله تعالى - لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان  ) أهـ [ الفرق بين الفرق صـ 333 ] ، ( 3 ) وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني : ( الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث " أهـ [  التبصير في الدين ص161 ] ، ( 4 ) وقال الإمام الشهرستاني الشافعي : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ سورة الشورى : 11 ] ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ) أهــ [ الملل والنحل للشهرستاني ] ، ( 5 ) وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره  : ( انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ) أهــ [ تفسير الرازي 29:216 ] ، ( 6 ) وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي (333 هـ) : ( إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الان، جل عن التغير والزوال والاستحالة )  اهـ. [كتاب التوحيد (ص : 69).] ، ( 7 ) وقال القاضي أبو بكر محمد الباقلاني المالكي : ( ولا نقول إن العرش له- أي الله- قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان )  اهـ.[ الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص :65).] ، ( 8 ) وقال الإمام أبو بكر ابن فورك  : ( لا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه محدودا ومتناهيا وذلك لاستحالة كونه محدثا ) أهـ.[  مشكل الحديث (ص : 57) ] ، ( 9 ) وقال الإمام ابن بطال المالكي (449 هـ) أحد شراح صحيح البخاري : ( غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه- أي تعاليه- مع تنزيهه عن المكان ) اهـ. [ فتح الباري (13: 416) ] ، وقال أيضا : ( لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان، لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان " اهـ [  فتح الباري (13: 433) ] ، ( 10 ) وقال الحافظ محمد بن حبان (453هـ) صاحب الصحيح المشهور بصحيح ابن حبان : ( الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان)  اهـ. [ الثقات (1 : 1) ] ، ( 11 ) وقال الإمام ابن حزم الأندلسي (456 هـ) : ( وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة، قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } ، وقال { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } ، والزمان والمكان هما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام اهـ. [ أنظر كتابه علم الكلام: مسألة في نفي المكان عن الله تعالى (ص : 65) ] ، ( 12 ) وقال الحافظ البيهقي (458هـ) :  ( والذي روي في ءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان. واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء))، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان)  اهـ. [ الأسماء والصفات (ص : 400) ] ، ( 13 ) وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي (476 هـ) : ( وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، فدل على أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان " اهـ.[ شرح اللمع : ج 1 : 101 ] ، ( 14 ) وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (478 هـ) : ( البارئ سبحانه وتعالى قائم بنفسه ، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يقله ) اهـ. [ الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص : 53) ] ، وقال أيضا : ( مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات ) أهـ [الإرشاد (ص : 58) ] ، وقال أيضا : ( واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، وبتنزه عن الاختصاص بجهة ، وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت ءاراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسه ، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيما تقدم" اهـ [الشامل في أصول الدين : ص :  511 ] ، ( 15 ) وقال الإمام أبو حامد الغزالي (505 هـ) : ( تعالى [ الله ] عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الان على ما عليه كان )  اهـ.[  إحياء علوم الدين: كتاب قواعد العقائد، (1 : 108) ] ، وقال أيضا : ( الأصل السابع: العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا، والاخر يقابله ويسمى رأسا، فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرِّجل، حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحت وإن كان في حقنا فوقًا. وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان. ثم قال: "فكيف كان في الأزل مختصًا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خلق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرّجل: وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصًا بالجهة: وإن اريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا اشاره إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال و الكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء" اهـ [إحياء علوم الدين: (1 : 128) ] ، ( 16 ) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (543 هـ) : ( البارئ تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار )  اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( إن الله سبحانه منزه عن الحركـة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل ) اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 289 ] ، وقال أيضا : ( الله تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات ) أهـ [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( وان علم الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى  كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته " اهـ. [ عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي : ج 12 : 184 ] ، ( 17 ) وقال القاضي عياض المالكي (544 ) : ( اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله او إلى الله فليس بدنو مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق: ليس بدُنو حد، صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء ) اهـ [ الشفا : ج1 : 205 ] ، ( 18 ) وقال الإمام الشهرستاني (548هـ) : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }  ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان )  اهـ.[ نهاية الأقدام ص : 103] ، وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597هـ) : ( الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال)  اهـ. [ دفع شبه التشبيه (ص :58) ] ، وقال في صيد الخاطر : ( فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل) اهـ [ صيد الخاطر : ص : 476 ] ، وقال في الباز الأشهب : ( كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان" اهـ.[ الباز الأشهب ص 57] ، ( 19 ) وقال الحافظ ابن عساكر (620 هـ) – في درة من تنزيهات العلماء – (  موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان ) اهـ [ طبقات الشافعية (8 : 186) ] ، وقال سلطان العلماء  عبد العزيز بن عبد السلام (660 ه) : ( ليس [ الله تعالى ] بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يُشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ [طبقات الشافعية : (8 : 219) ] ، ( 20 ) وقال الإمام المفسّر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (671هـ) : ( و"العليّ" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز)  أهـ [ الجامع لأحكام القرءان : (3 : 278)] ، وقال أيضًا ( والقاعدة تنزيهه سبحانه وتعالى عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة )  اهـ. [ المصدر السابق : (6 : 390) ] ، وقال أيضًا : ( ومعنى:{فوق عباده} [سورة الأنعام :18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان" اهـ. [ المصدر السابق : (6 : 399) ] ، وقال أيضًا عند تفسير ءاية :{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام :158] :  ( وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا ) اهـ. [  المصدر السابق : (7 : 145) ] ، وقال أيضًا : في تفسير آية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا} : ( والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز" اهـ. [  المصدر السابق : (20 :55)] ، وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى:{ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك :16] : ( والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) اهـ [ المصدر السابق: ( 18 :216) ] ، ( 21 ) وقال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي (676هـ) :  ( إن الله تعالى ليس كمثله شيء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ) اهـ. [ شرح صحيح مسلم 3 :19] ، ( 22 ) وقال الإمام البيضاوي (685 هـ) : ( ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ) أهـ [ فتح الباري (3 : 31)] ، وقال الإمام المفسر النسفي (710 هـ ) :  (إنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان ) اهـ. [ تفسير النسفي : (ج2 :2،48) ] ، وقال العلامة ابن منظور (711 هـ) : ( وفي الحديث: (( من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا ))   المراد بقرب العبد من الله عز وجل: القرب بالذكر والعمل الصالح لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس) [  لسان العرب ، مادة: ق رب (1 : 663- 664) ] ، ( 23 ) وقال الإمام القاضي بدر الدين ابن جماعة (733 ه ) : ( كان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الان على ما عليه كان)  اهـ. [ إيضاح الدليل (ص : 103- 4. 1)] ، وقال أيضا : ( فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة. " قلنا: الموجود قسمان: موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله. فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلا، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له ) اهـ [ إيضاح الدليل (ص : 104- 105) ] ، ( 24 ) وقال المفسِّر النحوي محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي (745 هـ) عند تفسير قوله تعالى :{ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه } : ( وعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة ) اهـ [ البحر المحيط (6 : 302)] ، وقال أيضا : ( قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة ) اهـ. [البحر المحيط: 16- 8 : 302) ] ، ( 25 ) وقال الإمام الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826 هـ) : (  "وقوله أي النبي- "فهو عنده فوق العرش "لا بد من تأويل ظاهر لفظة "عنده " لأن معناها حضرة الشيء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده ) اهـ [ طرح التثريب (8 :،84) ] ، ( 26 ) وقال إمام الدنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني (852 هـ)  : ( ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالا على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شيء علما جلّ وعز ) أهـ  [ فتح الباري(6 : 136) ] ، ( 27 ) وقال الإمام العَيْني أحد شراح صحيح البخاري (855 هـ) : ( ولا يدل قوله تعالى :{ وكان عرشه على الماء }  على أنه - تعالى- حالّ عليه، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه " اهـ. [ عمدة القاري (مجلد 12 : 25 : 111) ] ، وقال أيضا : ( تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان ) أ ه [ عمدة القاري (مجلد 12 : 25 : 117) ] ، ( 28 ) وقال الحافظ السخاوي (902 هـ ) : ( قال شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر-: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ) أهـ. [ المقاصد الحسنة (رقم 886، ص : 342) ] ، ( 29 ) وقال الحافظ جلال الدين السيوطي (911 هـ) عند شرح حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) : ( قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى ) أهـ. [شرح السيوطي لسنن النساني (1 : 576) ] ، ( 30 ) وقال الإمام القسطلاني  (933هـ) في شرحه على صحيح البخاري : ( ذات الله منزه عن المكان والجهة ) أهـ. [ إرشاد الساري (15 : 451) ] ، ( 31 ) وقال الإمام القاضي أبو زكريا الأنصاري (926 هـ) : ( إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان) أهـ [ حاشية الرسالة القشيرية (ص : 2) ] ، وقال أيضا : ( لا مكان له  - سبحانه - كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان) أهـ [ المصدر السابق : (ص : 5) ] ،

ومن أقوال علماء أهل السنّة والجماعة في تنزيه الله تعالى عن الزمان

( 1 ) ذكر عبد القاهر بن طاهر التميمى البغدادى رحمه الله في كتابه الفرق بين الفرق صـ333 إجماع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الزمان فقال رحمه الله :  " وأجمعوا على أنه لا يحويه مكان ولا يجرى عليه زمان " أهـــ ، ( 2 ) وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه : في كتابه (الفقه الأكبر صـ  17) (فصل ) : واعلموا أن الباري لا مكان له , والدليل عليه هو أن الله تعالى كان ولا مكان , فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلق المكان ,لا يجوز عليه التغيير في ذاته , والتبديل في صفاته , ولأن ماله مكان وله تحت متناهي الذات محدود , والمحدود مخلوق , تعالى الله عن ذلك , ولهذا المعنى استحال عليه الزوجة , والولد في حقه تعالى محال : " فإن قيل " قال الله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } ، يقال له : إن هذه الآية من المتشابه التي يحار في الجواب عنها , وعن أمثالها لمن يريد التبحر في العلم أن يمر بها كما جاءت , ولا يبحث عنها , ولا يتكلم فيها لأنه لا يأمن الوقوع في الشبهة , والورطة إذا لم يكن راسخا في العلم , ويجب أن يعتقد في صفة الباري ما ذكرناه , وأنه لا يحويه مكان , ولا يجري عليه زمان منزه عن الحدود والنهايات , مستغن عن المكان والجهات . (ليس كمثله شيء) " أهــ ، ( 3 ) وقال إمام أهل السنة الماتريدي : (ولا يوصف شيء بالقرب إلى الله من طريق المسافة والمساحة ولا هو بالقرب إلى شيء من ذلك الوجه إذ ذلك جهة الحدود والتقدير بالأمكنة وقد كان ولا مكان فهو على ما كان يتعالى عن الزمان والمكان إذ إليهما ترجع حدود الأشياء ونهايتها ولا قوة إلا بالله ) أهـ [ التوحيد للماتريدي ج: 1 ص: 106 ] ، ( 4 ) وقال الإمام بن حزم : ( الله تعالى لا في مكان ولا في زمان أصلا وهو قول الجمهور من أهل السنة وبه نقول وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان كل ما عداه ولقوله تعالى : { ألا أنه بكل شيء محيط } ، فهذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطا به من جهة ما أو من جهات وهذا منتف عن الباري تعالى بنص الآية المذكورة والمكان شيء بلا شك فلا يجوز أن يكون شيء في مكان ويكون هو محيطا بمكانه هذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإنه لا يكون في مكان إلا ما كان جسما أو عرضا في جسم هذا الذي لا يجوز سواه ولا يتنكل في العقل والوهم غيره البتة وإذا انتفى أن يكون الله عز وجل جسما أو عرضا فقد انتفى أن يكون في مكان أصلا وبالله تعالى نتأيد  ) أهـ [  الفصل في الملل ج: 2 ص: 98 ] ، ( 5 ) وقال حجة الإسلام الغزالي ر حمه الله - في درة من علم التنزيه - :  (  أنه ( سبحانه ) في ذاته واحد لا شريك له فرد لا مثيل له صمد لا ضد له منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له أزلي لا بداية له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له قيوم لا انقطاع له دائم لا انصرام له لم يزل موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم  ، وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستوي على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إذا لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان " أهــ [ الغزالي قواعد العقائد ] ، ( 6 ) وجاء في مناهل العرفان : ( فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول ليس كمثله شيء ويقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويقول إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ويقول يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف " أهــ  [ مناهل العرفان :  ج2 ص 210 ] ، ( 7 ) وقال ابن الجوزي الحنبلي في الباز الأشهب : ( واعلم أن من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مده في تقدمه علي العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل ) أهـ [الباز الأشهب ص 57 ] ، ( 8 ) وقال القرطبي في التفسير : ( المكان لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان ...) [ تفسير القرطبي ج18 ص 315 تفسير سورة تبارك ] ، ( 9 ) وجاء في الفواكه الدواني :  ( قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم وقوله تعالى وهو معكم أينما كنتم فإن المراد الإشارة إلى إحاطة علمه بجميع الأمكنة وما احتوت عليه والمراد بالمعية المصاحبة بالعلم لا المصاحبة في المكان لتنزهه عن الزمان والمكان ) أهـ  [ الفواكه الدواني ج: 1 ص: 49 ] ، .. ( 10 ) وجاء في أقاويل الثقات : ( باب في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا  : اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ  ليس كمثله شيء    ) [ أقاويل الثقات ج: 1 ص: 134 ] ، ( 11 ) وجاء في كتاب هذه عقيده الحلف و السلف لابن خليفه عليوى : قوله تعالى : { قل لمن ما في السموات والأرض ؟ قل لله } : تفيد أن جميع الأمكنة , وما فيها من المخلوقات ,وما يكر عليها من الأزمنة ملك لله تعالى ,وهذا المُلك يدل على تنزيهه تعالى عن( المكان والزمان )  لأنه قبل خلقها لم يزل كما كان , وإلا لزم خلقها لغاية وقد أخبر أنه غنيُّ عن العالمين , فينتج استحالة الجهة والمكان على الله تعالى وهذا الذي ذكرته هو الذى جعلني موقناً بصحة قول ما قرره علماء الشريعة الاسلامية " يجب في حقه تعالى القيام بنفسه" ، وقد صح الحديث الذي رواه البخاري في أهل اليمن قولهم "جئنا لنتفقه في الدين , ولنسألك عن هذا الأمر " أي ابتداء خلق العالم " ما كان ؟ قال : "كان الله "أي في الأزل منفردا متوحدا " ولم يكن شيء قبله , وكان عرشه على الماء , ثم خلق السموات والأرض , وكتب في الذكر " أي اللّوح المحفوظ "كل شيء " وفي هذا المعنى قوله تعالى : هو الأول والآخر والظاهر والباطن …. الآية   ، (تنبيه ودفع شبهة قلت :) لعلّ من يعتقد بالجهة لله تعالى – والعياذ بالله يقول إن أهل السنة والجماعة ينكرون صفة العلو لله تعالى . حاشا وكلا , إن أهل السنة والجماعة يثبتون العلو لله تعالى , ولكنه علو منزه عن التشبيه ، والتحديد والكيف والمكان ,والجهة , إنه علو يليق به جل جلاله , ولا يعلم قدره أحد ما , وهذا العلو هو المشار إليه في تسبيح السجود "سبحان ربي الأعلى " والمشار إليه أيضاً في قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث قال : " إن الله قريب في بعده بعيد في قربه , فوق كل شيء ولا يقال شيء تحته , وتحت كل شيء , ولا يقال شيء فوقه " فعلو الحق سبحانه وتعالى لا يشبه علو المخلوقين مطلقا لأن علو المخلوق مهما كان لا يخرج عن التحديد والتشبيه , والكيف والجهة , فالعلو الذي نفاه أهل السنه والجماعة , هو العلو الحادث المشبه والمكيف المحدود وهو عين العلو الذي أثبته المشبهة , في حق المولى سبحانه وتعالى , تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .) أهـ ، وجاء في كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل ج: 1 ص: 300 : ( باب فإن قال قائل فخبرونا عن الله سبحانه ما هو  ؟ قيل له إن أردت بقولك ما هو ما جنسه فليس هو بذي جنس لما وصفناه قبل هذا  ، وإن أردت بقولك ما هو ما اسمه فاسمه الله الرحمن الرحيم الحي القيوم ، وإن أردت بقولك ما هو ما صنعه فصنعه العدل والإحسان والإنعام والسموات والأرض وجميع ما بينهما ، وإن أردت بقولك ما هو ما الدلالة على وجوده فالدلالة على وجوده جميع ما نراه ونشاهده من محكم فعله وعجيب تدبيره      وإن أردت بقولك ما هو أي أشيروا إليه حتى أراه فليس هو اليوم مرئيا لخلقه ومدركا لهم فنريكه  ، فإن قال قائل وكيف هو قيل له إن أردت بالكيفية التركيب والصورة والجنسية فلا صورة له ولا جنس فنخبرك عنه  ، وإن أردت بقولك كيف هو أي على أي صفة هو فهو حي عالم قادر سميع بصير ،وإن أردت بقولك كيف هو أي كيف صنعه إلى خلقه فصنعه إليهم العدل والإحسان ، فإن قال قائل أين هو قيل له الأين سؤال عن المكان وليس هو  ممن يجوز أن يحويه مكان ولا تحيط به أقطار غير أنا نقول إنه على عرشه لا على معنى كون الجسم بالملاصقة والمجاورة تعالى عن ذلك علوا كبيرا  ، فإن قال قائل فمتى كان قيل له سؤالك عن هذا يقتضي كونه في زمان لم يكن قبله لأن متى سؤال عن الزمان ، وقد عرفناك أنه قديم كائن قبل الزمان وأنه الخالق للمكان والزمان وموجود قبلهما  ، وتوقيت وجود الشيء بعام أو مائة ألف عام يفيد أن الموقت وجوده معدوم قبل الزمان الذي وقت به ، وذلك مما يستحيل عليه تعالى ) أهـ [ كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل ج: 1 ص: 301 ] ،  وجاء في كتاب أصول الدين ج: 1 ص: 80 : ( فصل  : صانع العالم لا يقال له ما هو لأن ما سؤال عن الجنس ولا جنس له   ، فصل  : صانع العالم لا يقال كيف هو لأن الكيف يستخبر به عن الهيئة والحال ولا هيئة له ولا حال ، فصل  : صانع العالم لا يقال له أين هو لأن أين يستخبر به عن المكان ولا مكان له  ، فصل  : صانع العالم لا يقال له كم هو لأن الكم يستخبر به عن العدد ولا عدد له   ، فصل : صانع العالم لا يقال له متى كان لأن متى سؤال عن الزمان ولا يجري عليه زمان ) أهـ  [ كتاب أصول الدين ج: 1 ص: 83 ] ،

***

الباب الأول :  بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في أن الله تعالى موجود بلا مكان ولا جهة

( تنبيه ) : هذا الباب منقول باختصار وتصرف يسيرين من كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان للشيخ خليل دريان الأزهري

( تنبيه آخر ) : عقيدة أهل السنة والجماعة : أن الله موجود بلا مكان ولا جهة ، هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة ، أنّ الله تعالى موجود بلا مكان وهي عقيدة كل مسلم سني ، وقد خالفها الحشوية والمجسمة ،

يشتمل هذا الباب على تلك المباحث :

( اولاً ) : تعريف المكان والجهة

( ثانياً ) : الدليل على تنزيه الله عن المكان والجهة من الحديث 

( ثالثاً ) : الدليل على تنـزيه الله عن المكان والجهة من القرءان

( رابعاً ) : أقوال جل علماء الأمة الإسلامية في تنزيه الله عن المكان والجهة

***

( اولاً ) : تعريف المكان والجهة

عَرَّف المكان جمعٌ من اللغويين وأهل العلم، ونقتصر على ذكر البعض :  فقد قال اللغوي أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (502هـ) ما نصه : " المكان عند أهل اللغة الموضع الحاوي للشيء " اهـ ، وقال اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي صاحب القاموس (817هـ)  ما نصه : "المكان : الموضع، ج : أمكنة وأماكن" اهـ. ، وقال العلامة كمال الدين أحمد بن حسن البَياضي الحنفي (1098هـ) ما نصه : "المكان هو الفراغ الذي يشغله الجسم" اهـ ،  وقال الشيخ يوسف بن سعيد الصفتي المالكي (1193هـ) ما نصه : "قال أهل السُّنة : المكان هو الفراغ الذي يحُلُّ فيه الجسم" اهـ ، وقال الحافظ المحدّث الفقيه اللغوي الحنفي السيد مرتضى الزبيدي (1205هـ) ما نصه : "المكان : الموضع الحاوي للشيء" اهـ ،  وقال الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (1376هـ) ما نصه : "المكان هو الموضع الذي يكون فيه الجوهر على قدره، والجهة هي ذلك المكان" اهـ ، والقرآن الكريم نزل بلغة العرب كما قال الله عزّ وجلّ : {بلسان عربيّ مبين} [سورة الشعراء : 195] والنبي أعلم الناس بلغة العرب، فبطل بذلك تمسك المشبهة المجسمة بظواهر بعض الآيات والأحاديث المتشابهة التي ظاهرها يوهم أن لله مكانًا، فمثل هذه النصوص لا تُحمل على الظاهر باتفاق علماء السلف والخلف لاعتقادهم بأن الله تبارك وتعالى يستحيل عليه المكان كما هو ثابت بالقرآن والحديث والإجماع وكلام اللغويين وغيرهم ، وبعد هذا البيان يتبيَّن لك أن الله تعالى ليس في مكان من الأماكن العلوية والسفلية وإلا لكان المكان حاويًا لله تعالى،  ومن كان المكانُ حاويًا له كان ذا مقدار وحجم، وهذا من صفات الأجسام والمخلوقين، واتصاف الله تعالى بصفة من صفات البشر محال على الله، وما أدى إلى المحال فهو محال، فثبت صحة معتقد أهل السُّنة الذين ينـزّهون اللهَ عن المكان والجهة ، أما موضوع الجهة فإن مجسمة هذا العصر يعمدون إلى التمويه على الناس فيقولون : "الله موجود في جهة ما وراء العالم"، فلبيان الحق من الباطل نبيّن معنى الجهة من أقوال العلماء من فقهاء ومحدثين ولغويين وغيرهم ، قال اللغوي الشيخ محمد بن مكرّم الإفريقي المصري المعروف بابن منظور، كان عارفًا بالنحو واللغة والأدب (711هـ) ما نصه : "والجِهةُ والوِجْهةُ جميعًا : الموضع الذي تتوجه إليه وتقصده" اهـ ،  وقال الشيخ مصطفى بن محمد الرومي الحنفي المعروف بالكستلي (901هـ) ما نصه : "قد يطلق الجهة ويراد بها منتهى الإشارات الحِسيّة أو الحركات المستقيمة فيكون عبارة عن نهاية البُعد الذي هو المكان، ومعنى كون الجسم في جهة أنه متمكّن في مكان يلي تلك الجهة، وقد يُسمى المكان الذي يلي جهة ما باسمها كما يقال فوق الأرض وتحتها، فيكون الجهة عبارة عن نفس المكان باعتبار إضافة ما" اهـ.، وقال اللغويُّ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (817هـ) ما نصه : "والجهة : الناحية، ج : جهات" انتهى باختصار ، وقال العلاّمة كمال الدين أحمد بن حسن المعروف بالبياضي، وكان وَلِيَ قضاء حلب (1098هـ) ما نصه : "والجهة اسم لمنتهى مأخذ الإشارة ومقصد المتحرك فلا يكونان إلا للجسم والجسمانيّ، وكل ذلك مستحيل ـ أي على الله ـ" اهـ ، وقال الشيخ عبد الغني النابلسي (1143هـ) ما نصه : "والجهة عند المتكلمين هي نفس المكان باعتبار إضافة جسم ءاخر إليه" اهـ ، وقال الشيخ سلامة القضاعي الشافعي (1376هـ) ما نصه : "واعلم أن بين المقدرات من الجواهر التي هي الأجسام فما دونها وبين المكان والجهة لزومًا بَيّنًا، وهو ما لا يحتاج عند العقلاء إلى دليل، فإن المكان هو الموضع الذي يكون فيه الجوهر على قدره، والجهة هي ذلك المكان لكن بقيد نسبته إلى جزء خاص من شيء ءاخر" اهـ.

 

ثانياً : الدليل على تنـزيه الله عن المكان والجهة من القرءان


1 ـ قال الله تعالى  :{ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى : 11]، أي أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ففي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة، فلا يحتاج إلى مكان يحُل فيه ولا إلى جهة يتحيز فيها، بل الأمر كما قال سيدنا عليّ رضي الله عنه : "كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان" رواه أبو منصور البغدادي. وفي هذه الآية دليلٌ لأهل السنة على مخالفة الله للحوادث، ومعْنى مُخالفةِ الله للحوادِثِ أنّه لا يُشْبِهُ المخْلُوقاتِ، وهذِه الصِّفةُ من الصِّفاتِ السّلْبِيّةِ الخمْسةِ أي التي تدُلُّ على نفْي ما لا يلِيْقُ بالله ، والدّلِيْلُ العقْلِيُّ على ذلِك أنّهُ لو كان يُشْبِهُ شيْئًا مِنْ خلْقِه لجاز عليْهِ ما يجُوزُ على الخلْق مِن التّغيُّرِ والتّطوُّرِ، ولو جاز عليْهِ ذلِك لاحْتاج إلى منْ يُغيّرُهُ والمُحْتاجُ إلى غيْرِه لا يكُونُ إِلهًا، فثبت لهُ أنّهُ لا يُشْبِهُ شيئًا ، والبُرْهانُ النّقْلِيُّ لِوُجُوْبِ مُخالفتِهِ تعالى لِلْحوادِثِ قوله تعالى  :{ليس كمثله شيء} وهُو أوْضحُ دلِيْلٍ نقْلِيّ في ذلِك جاء في القُرءانِ، لأنّ هذِهِ الآية تُفْهِمُ التّنْزِيْه الكُلِّيّ لأنّ الله تبارك وتعالى ذكر فِيْها لفْظ شيء في سِياقِ النّفْي، والنّكِرةُ إِذا أُوْرِدت في سِياقِ النّفْي فهِي للشُّمُوْلِ، فالله تبارك وتعالى نفى بِهذِهِ الجُمْلةِ عنْ نفْسِهِ مُشابهة الأجْرامِ والأجْسامِ والأعراضِ، فهُو تبارك وتعالى كما لا يُشْبِهُ ذوِي الأرواحِ مِنْ إِنسٍ وجِنّ وملائِكةٍ وغيْرِهِم، لا يُشْبِهُ الجماداتِ من الأجرامِ العُلْوِيّةِ والسُّفْلِيّةِ أيضًا، فالله تبارك وتعالى لم يُقيّد نفْي الشّبهِ عنْهُ بنوْعٍ منْ أنْواعِ الحوادِثِ، بل شمل نفْيُ مُشابهتِهِ لِكُلّ أفْرادِ الحادِثاتِ، ويشْملُ نفْيُ مُشابهةِ الله لخلْقِه تنْزِيْهه تعالى عن المكان والجهة والكميّة والكيْفِيّةِ، فالكمّيّةُ هِي مِقْدارُ الجِرمِ، فهُو تبارك وتعالى ليْس كالجِرمِ الذي يدْخُلُهُ المِقْدارُ والمِساحةُ والحدُّ، فهُو ليْس بِمحْدُودٍ ذِي مِقْدارٍ ومسافةٍ ، فلو كان الله فوق العرشِ بذاتِهِ كما يقولُ المشبِّهةُ لكان محاذيًا للعرشِ، ومِنْ ضرورةِ المُحاذِي أنْ يكون أكبر مِن المحاذى أو أصغر أو مثله، وأنّ هذا ومثله إنما يكونُ في الأجسامِ التي تقبلُ المِقدار والمساحة والحدّ، وهذا مُحالٌ على الله تعالى، وما أدّى إلى المُحالِ فهو محالٌ، وبطل قولُهُم إن الله متحيّزٌ فوق العرشِ بذاتهِ. ومنْ قال في الله تعالى إِنّ لهُ حدًّا فقدْ شبّههُ بخلْقِهِ لأنّ ذلِك يُنافي الألُوهِيّة، والله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومِقْدارٍ لاحتاج إِلى منْ جعلهُ بذلِك الحدّ والمِقْدارِ كما تحتاجُ الأجْرامُ إِلى منْ جعلها بحدُوْدِها ومقادِيْرِها لأنّ الشيء لا يخْلُقُ نفْسه بمِقْدارِه، فالله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومِقْدارٍ كالأجْرامِ لاحْتاج إلى منْ جعلهُ بذلك الحدّ لأنّه لا يصِحُّ في العقْلِ أنْ يكُون هُو جعل نفْسه بذلِك الحدّ، والمُحْتاجُ إِلى غيْرِهِ لا يكُونُ إِلهًا، لأنّ مِنْ شرْطِ الإلهِ الاسْتِغْناء عنْ كُلّ شيء ،

2ـ قال الله تعالى  :{وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل : 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغيّر والتطور والحلول في الأماكن والسُّكْنى فوق العرش، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا. قال المفسِّر اللغوي أبو حيان الأندلسي في تفسيره : "{وللهِ المثَلُ الأعلى} أي الصفة العليا من تنـزيهه تعالى عن الولد والصاحبة وجميع ما تنسب الكفرةُ إليه مما لا يليق به تعالى كالتشبيه والانتقال وظهوره تعالى في صورة" اهـ ،

3ـ ومما يدل على ما قدمنا قول الله تعالى  :{فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فلا ذاتُه يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ،

4ـ وقال الله تعالى  :{هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بصفة من صفات البشر كالقعود والقيام والجلوس والاستقرار يكون شَبَّهَهُ بهم، ومن قال بأن الله يسكن العرش أو أنه ملأه يكون شبّه اللهَ بالملائكة سُكّان السّموات. وهذا الاعتقاد كفر والعياذ بالله تعالى لتكذيبه قول الله : {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى : 11]، وقول الله تعالى  :{هل تعلمُ له سميًّا} [سورة مريم : 65] ،

5ـ وكذلك مما يدل على تنـزيهه تعالى عن المكان قول الله تعالى  :{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [سورة الحديد : 3] قال الطبري في تفسيره : "فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال  :{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق : 16]" اهـ. أي أن الطبري نفى القُرْبَ الحِسِّي الذي تقول به المجسمةُ، أما القرب المعنوي فلا يَنفيه، وهذا دليل على تنزيه الله عن المكان والجهة ، فالله تعالى هو الأول أي الأزلي الذي لا ابتداء لوجوده، كان ولم يكن مكانٌ ولا زمان ثم خلق الأماكنَ والأزمنة ولا يزال موجودًا بلا مكان، ولا يطرأ عليه تغيّر لا في ذاته ولا في صفاته ،

6ـ وقال الله تعالى  :{وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، وهذه الآية قد فسَّرتها ءاية الشورى  :{ليس كمثله شيء} ،

7ـ وقال الله تعالى  :{فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [سورة البقرة : 115] قال المفسّر اللغوي الشيخ أبو حيان الأندلسي ما نصه : "وفي قوله تعالى : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [سورة البقرة : 115] ردٌّ على من يقول إنه في حيِّز وجهة، لأنه لمّا خيَّر في استقبال جميع الجهات دلَّ على أنه ليس في جهة ولا حيِّز، ولو كان في حيِّزٍ لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الأماكن، فحيث لم يُخصِّص مكانًا علِمْنا أنه لا في جهة ولا حيِّز، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه، فأيّ جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره" اهـ ،

 

ثالثاً : الدليل على تنزيه الله عن المكان والجهة من الحديث

 

اعلم أنه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تتضمن تنـزيه الله عن المكان والجهة، وقد استدل بها العلماء لتقرير هذه العقيدة السُّنيّة، نذكر منها :

1ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :"كان الله ولم يكن شيء غيره" رواه البخاري والبيهقي.
ومعناه أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيرُه لا ماءٌ ولا هواءٌ ولا أرضٌ ولا سماءٌ ولا كرسيٌّ ولا عرشٌ ولا إنسٌ ولا جنٌّ ولا ملائكةٌ ولا زمانٌ ولا مكانٌ، فهو تعالى موجودٌ قبل المكان بلا مكان، وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه ، والله تعالى لا يوصف بالتغيّر من حالة إلى أخرى لأن التغيّر من صفات المخلوقين، فلا يقال كما تقول المشبّهة إن الله كان في الأزل ولا مكان ثم بعد أن خلق المكان صار هو في مكان وجهة فوق والعياذ بالله تعالى. وما أحسن قول المسلمين المنزهين في لبنان : "سبحان الذي يُغيِّر ولا يتغيَّر"، وهذه عبارة سليمة عند أهل السنة، غير أن المشبهة المجسمة أدعياء السلفية تشمئز نفوسهم منها لأنها تهدم عليهم عقيدة التشبيه ،

2ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء" رواه مسلم ، قال الحافظ البيهقي الشافعي الأشعري ما نصه : "استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه ـ أي عن الله ـ بقول النبي صلى الله عليه وسلم : "أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان" اهـ كلام البيهقي ، أما ما رُويَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "لو أنكم دَلَّيْتُم رجُلاً بحبلٍ إلى الأرض السفلى لهبط على الله" رواه الترمذي، هو حديث ضعيف، لكن تأوَّله علماء الحديث على أن علم الله شامل لجميع الأقطار وأنه منزه عن المكان، فالشاهد هو في استدلال العلماء به على نفي المكان عن الله، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : "معناه أن علم الله يشمل جميع الأقطار، فالتقدير لهبط على علم الله، والله سبحانه وتعالى تنزه عن الحلول في الأماكن، فالله سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن" اهـ، نقله عنه تلميذه الحافظ السخاوي في كتابه "المقاصد الحسنة"، وذكره أيضًا الحافظ المحدِّث المؤرخ محمد بن طولون الحنفي وأقرَّه عليه ، وقال الحافظ المحدّث أبو بكر البيهقي الشافعي الأشعري بعد أن ذكر هذه الروايةَ ما نصه : "والذي رُويَ في ءاخر هذا الحديث إشارةٌ إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه "الظاهر" فيصح إدراكه بالأدلة، "الباطن" فلا يصح إدراكه بالكون في مكان" اهـ ، وكذلك استدل به أبو بكر بن العربي المالكي في شرحه على سنن الترمذي على أن الله موجود بلا مكان، فقال ما نصه : "والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته" اهـ. أي أن الله منـزه عن الجهة فلا يسكن فوق العرش كما تقول المجسمة، ولا هو بجهة أسفل، لأن الله تعالى كان قبل الجهات الست، ومن استحال عليه الجهةُ استحال عليه المكانُ، فالله تعالى لا يحُل في شيء ولا يشبه شيئًا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا ،

3ـ ومن الأحاديث الدالة على تنـزيه الله عن الجهة، ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  :"أقربُ ما يكونُ العبدُ مِن ربّه وهو ساجد، فأكثروا الدُّعاء" ، قال الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي  :"قال البدر بن الصاحب في تذكرته : في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى" ،

4ـ ويدل أيضًا على ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال  :"ما ينبغي لعبدٍ أن يقول : إني خيرٌ من يونس بن متَّى" اهـ. واللفظ للبخاري ، قال الحافظ المحدِّث الفقيه الحنفي مرتضى الزبيدي ما نصه : "ذَكر الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن المُنَيِّر الإسكندري المالكي في كتابه "المنتقى في شرف المصطفى" لما تكلم على الجهة وقرر نفيَها قال : ولهذا أشار مالك رحمه الله تعالى في قوله صلى الله عليه وسلم : "لا تفضلوني على يونس بن متى"، فقال مالك : إنما خص يونس للتنبيه على التنزيه لأنه صلى الله عليه وسلم رفع إلى العرش ويونس عليه السلام هبط إلى قاموس البحر ونسبتهما مع ذلك من حيث الجهة إلى الحقّ جل جلاله نسبة واحدة، ولو كان الفضل بالمكان لكان عليه السلام أقرب من يونس بن متى وأفضل وَلمَا نهى عن ذلك. ثم أخذ الإمام ناصر الدين يبدي أن الفضل بالمكانة لا بالمكان، هكذا نقله السبكي في رسالة الرد على ابن زفيل" اهـ ،   وابن زفيل هو ابن قيم الجوزية المبتدع تلميذ الفيلسوف المجسم ابن تيمية الذي قال مؤيدًا لعقيدة متأخري الفلاسفة : إن الله لم يخلق نوع العالم، وهذا كفرٌ بإجماع المسلمين كما ذكر العلاَّمة الشيخ بدر الدين الزركشي في كتابه "تشنيف المسامع ، وقال المفسّر أبو عبد الله القرطبي في تفسيره ما نصه : "قال أبو المعالي : قوله صلى الله عليه وسلم : "لا تفضّلوني على يونس بن متى" المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه وهو في قعر البحر في بطن الحوت، وهذا يدل على أن البارئ سبحانه وتعالى ليس في جهة" اهـ ،

6ـ ومما يدل أيضًا على تنـزيهه تعالى عن الجهة ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك : "أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كَفَّيْه إلى السماء" اهـ. أي أن النبي جعل بطون كفَّيْه إلى جهة الأرض، وفي ذلك إشارة إلى أن الله عز وجل ليس متحيّزًا في جهة العلو كما أنه ليس في جهة السُّفل ،

 

رابعاً  : أقوال جل علماء الأمة الإسلامية في تنزيه الله عن المكان والجهة

 

بعد معرفة معني المكان والجهة والتي هي عقيدة الوهابية والدليل على تنزيه الله عن المكان والجهة من القرءان والسنة النبوية ننقل إليكم أقوال جل علماء الأمة الإسلامية في أن الله منزه عن المكان والجهة
1- قال سيدنا علي رضي الله عنه : ( كان- الله- ولا مكان ، وهو الان على ما- عليه- كان اهـ. أي بلا مكان ) الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي (333) ،

2- وقال ايضا : ( إن الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانا لذاته ) الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي ( 333) ،

3- وقال ايضاً : ( من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود . ) حلية الأولياء : ترجمة علي بن أي طالب (73 : 1) ،

4- وقال التابعي الجليل الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم ما نصه : ( أنت الله الذي لا يحويك مكان ) إتحاف السادة المتقين (4 :  380)  ،

5- وقال ايضاً  : ( أنت الله الذي لا تحد فتكون محدودا ) إتحاف السادة المتقين (4 :  380) ،

6- وقال الإمام أبو حنيفة النعمان : ( قلت  : أرأيت لو قيل أين الله تعالى ؟ فقال - أي أبو حنيفة  : يقال له كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يخلق الخلق ، وكان الله تعالى ولم يكن أين ولا خلق ولا شيء ، وهو خالق كل شيء ) الفقه الأبسط ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص 25) ، ونقل ذلك أيضا المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري في كتابه الدليل القويم (ص54) ،

7- وقال أيضا  :  ( ونقر بأن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه ، وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج ، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوقين ، ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) كتاب الوصية ، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص :  2)، وذكره الشيخ الهرري كذلك في كتابه السابق  ،

8- وقال الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين رضوان الله عليهم ما نصه  :  ( من زعم أن الله في شيء ، أو من شيء ، أو على شيء فقد أشرك . إذ لو كان على شيء لكان محمولا، ولو كان في شيء لكان محصورا ، ولو كان من شيء لكان محدثا - أي مخلوقا ) ذكره القشيري في رسالته المعروفة بالرسالة القشيرية (ص6) ،

9- وقال الإمام العز بن عبد السلام الشافعي في كتابه (حل الرموز) في بيان مراد أبي حنيفة ما نصه  :
 ( لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا ، ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه ) نقله ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر بعد أن انتهى من شرح رسالة الفقه الأكبر (ص 198) ،

10- وأيد ملا علي القاري كلام ابن عبد السلام فقال  :  ( ولا شك أن ابن عبد السلام من أجل العلماء وأوثقهم ، فيجب الاعتماد على نقله ) نقله ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر بعد أن انتهى من شرح رسالة الفقه الأكبر (ص 198) ،

13- وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه ما نصه : ( إنه تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته ) إتحاف السادة المتقن (2 :  24) ،

11- وقال الامام أحمد ، فقد نقل ابو الفضل التميمي رئيس الحنابلة عن الامام احمد ما نصه  : ( كان يقول - أي الإمام أحمد - في معني الاستواء هو العلو والارتفاع ولم يزل الله عاليا رفيعا قبل أن يخلق عرشه فهو فوق كل شيء والعالي علي كل شيء وإنما خص الله العرش لمعني فيه مخالف لسائر الأشياء والعرش أفضل الأشياء وأرفعها فامتدح الله نفسه بأنه (علي العرش استوي) أي عليه علا ولا يجوز أن يقال استوي بمماسه ولا بملاقاه تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا والله تعالي لم يلحقه تغيير ولا تبدل ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش ) انظر رساله التميمي في (2 : 265-290) طبقات الحنابله ، ثم قال التميمي في آخر رسالته  : ( وهذا - أي المعتقد - وما شابهه محفوظ عنه - أي الإمام أحمد - وما خالف ذلك فكذب عليه و زور ) ،

12- وذكر الشيخ ابن حجر الهيتمي عن الامام احمد أنه كان من المنزهين لله تعالى عن الجهة والجسمية ، ثم قال ابن حجر ما نصه  :  ( وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء سن الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه ) الفتاوى الحديثية (ص144) ،

13- والإمام البخاري رحمه كان منزها ، فقد فهم شراح صحيحه أن البخاري كان ينزه الله عن المكان والجهة ، قال الشيخ علي بن خلف المالكي المشهور بابن بطال أحد شراح البخاري ما نصه  : ( غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان ، وانما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف ، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه - أي تعاليه - مع تنزيهه عن المكان ) فتح الباري (13 : 416) ،

14- وقال الامام ابن المنيِّر المالكي (695 هـ) ما نصه  :  ( جميع الأحاديث في هذه الترجمة مطابقة لها إلا حديث ابن عباس فليس فيه إلا قوله "رب العرش" ومطابقته ، والله أعلم من جهة أنه نبه على بطلان قول من أثبت الجهة أخذا من قوله ( ذي المَعَارِجِ ) (سورة المعارج 3 ) ، ففهم أن العلو الفوقي مضاف إلى الله تعالى ، فبيَّن المصنف - يعني البخاري - أن الجهة التي يصدق عليها أنها سماء والجهة التي يصدق عليها أنها عرش ، كل منهما مخلوق مربوب محدث ، وقد كان الله قبل ذلك وغيره ، فحدثت هذه الأمكنة ، وقدمه يحيل وصفه بالتحيز فيها ) نقله عنه الحافظ ابن حجر فتح الباري (13 :  418 - 419).وأقره عليه ،

15- قال الامام الطبري رحمه الله :  ( .. فتبين إذا أن القديم بارئ الأشياء وصانعها هو الواحد الذي كان قبل كل شيء ، وهو الكائن بعد كل شيء ، والأول قبل كل شيء ، والآخر بعد كل شيء، وأنه كان ولا وقت ولا زمان ولا ليل ولا نهار، ولا ظلمة ولا نور ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا نجوم ، وأن كل شيء سواه محدث مدبر مصنوع، انفرد بخلق جميعه بغير شريك ولا معين ولا ظهير، سبحانه من قادر قاهر ) تاريخ الطبري (1 :  26) ،

16- وقال أيضا عند تفسير قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } (سورة الحديد : 3) ما نصه  : (لا شيء أقرب إلى شيء منه كما قال : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } سورة ق 16) جامع البيان ( 27 : 215) ،

17- وقال اللغوي إبراهيم بن السري الزجاج أحد مشاهير اللغويين (311 هـ) ما نصه  :  ( العلي  : هو فعيل في معنى فاعل ، فالله تعالى عال على خلقه وهو عليٌّ عليهم بقدرته ، ولا يجب أن يذهب بالعلو ارتفاع مكاني ، إذ قد بينا أن ذلك لا يجوز في صفاته تقدست ، ولا يجوز أن يكون على أن يتصور بذهن ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) تفسير أسماء الله الحسنى (ص 48) ،

18- وقال أيضا  : ( والله تعالى عال على كل شيء، وليس المراد بالعلو : ارتفاع المحلِّ، لأن الله تعالى يجل عن المحل والمكان، وإنما العلو علو الشأن وارتفاع السلطان ) تفسير أسماء الله الحسنى (ص 60 ) ،

19- وقال الامام الطحاوي في متن عقيدته ما نصه : ( وتعالى - أي الله - عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ) انظر متن العقيدة الطحاوية

20- وقال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري (324 هـ) رحمه الله ما نصه  :  ( كان الله ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتج إلى مكان ، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه ) أي بلا مكان ومن غير احتياج إلى العرش والكرسي ، نقل ذلك عنه الحافظ ابن عساكر نقلا عن القاضي أبي المعالي الجويني أنظر تبيين كذب المفتري (ص 150) ،

21- وقال أيضا ما نصه  :  ( فأما الحركة والسكون والكلام فيهما فاصلهما موجود في القرءان وهما يدلان على التوحيد ، وكذلك الاجتماع والافتراق ، قال الله تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه –( لَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) (الانعام : 76) في قصة أفول الكوكب والشمس والقمر وتحريكها من مكان إلى مكان ما دل على أن ربه عز وجل لا يجوز عليه شيء من ذلك ، وأن من جاز عليه الأفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله ) أنظر رسالته استحسان الخوض في علم الكلام (ص :  45) ،

22- وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي (333 هـ) رحمه الله ما نصه  :  ( إن الله سبحانه كان ولا مكان ، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان ، فهو على ما كان ، وكان على ما عليه الان ، جل عن التغير والزوال والاستحالة ) انظر كتابه التوحيد (ص 69) ،

23- وقال أيضا  :  ( وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة ، ولله أن يتعبد عباده بما شاء ، ويوجههم إلى حيث شاء ، وإن ظن من يظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجها في الصلاة ونحوها ، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة ، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج ، جل الله عن ذلك ). انتهى باختصار . انظر كتابه التوحيد (ص 75- 76) ،

24- وقال ابن حبان رحمه الله ما نصه  : ( الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان ولا يشتمل عليه تواتر الزمان ) الثقات (1 :  1) ،

25- وقال أيضا ما نصه  :  ( كان- الله - ولا زمان ولا مكان ) صحيح ابن حبان، أنظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (8 :  4 ) ،

26- وقال أيضا  :  ( كذلك ينزل - يعني الله - بلا آلة ولا تحرك ولا انتقال من مكان إلى مكان ) المصدر السابق (2 :  136) ،

27- وقال الصوفي أبو عثمان المغربي سعيد بن سلام (373 هـ) فيما نقله عنه أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري (469 هـ) ونصه  : ( سمعت الإمام أبا بكر محمد بن الحسن بن فورك رحمه الله تعالى يقول  : سمعت محمد بن المحبوب خادم أبي عثمان المغربي يقول  : قال لي أبو عثمان المغربي يوما : يا محمد ، لو قال لك أحد  : أين معبودك أيش تقول ؟ قال : قلت أقول حيث لم يزل، قال : فإن قال أين كان في الأزل، أيش تقول؟ قال : قلت أقول حيث هو الان ، يعني أنه كما كان ولا مكان فهو الآن كما كان ، قال  : فارتضى مني ذلك ونزع قميصه وأعطانيه ) الرسالة القشيرية (ص 5) ،

28- قال أبو القاسم القشيري ما نصه  :  ( سمعت الإمام أبا بكر بن فورك رحمه الله تعالى يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول : كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي ، فكتبت إلى أصحابنا بمكة إني أسلمت الان إسلاما جديدا ) الرسالة القشيرية (ص 5) ،

29- وقال الشيخ أبو بكر محمد بن إسحق الكلاباذي الحنفي (385 هـ) في بيان عقيدة الصوفية ما نصه  : ( اجتمعت الصوفية على أن الله لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ) التعرّف لمذهب أهل التصوف (ص 33) ،

30- وقال الشيخ أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (388 هـ) صاحب "معالم السنن" ما نصه  :
 ( وليس معنى قول المسلمين إن الله على العرش هو أنه تعالى مماس له أو متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته ، لكنه بائن من جميع خلقه، وإنما هو خبر جاء به التوقيف فقلنا به ونفينا عنه التكييف إذ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) أعلام الحديث : كتاب بدء الخلق ، باب ما جاء في قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (سورة الروم : 27) (2 :  ، 147 ) ،

31- وقال الشيخ أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي الشافعي (403 هـ) ما نصه  : ( وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه - تعالى - ليس بجوهر ولا عرض ، فلأن قوما زاغوا عن الحق فوصفوا البارئ جل ثناؤه ببعض صفات المحدثين، فمنهم من قال  : إنه جوهر، ومنهم من قال  : إنه جسم ، ومنهم من أجاز أن يكون على العرش كما يكون الملك على سريره ، وكان ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شيء، وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه ، لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والأعراض ، ولأنه إذا لم يكن جوهراً ولا عرض لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حين إنها جواهر كالتآلف والتجسم وشغل الأمكنة والحركة والسكون ، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث إنها أعراض كالحدوث وعدم البقاء ) المنهاج في شعب الإيمان (1 :  184) ،

32- وقال القاضي أبو بكر محمد الباقلاني المالكي الأشعري (403) ما نصه  :  ( ولا نقول إن العرش له- أي الله- قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان ) الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص 65) ،

33- وقال أيضا ما نصه  :  ( ويجب أن يعلم أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه، فمن ذلك : أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود، ولأن هذه الصفات تدل على الحدوث، والله تعالى يتقدس عن ذلك ) المرجع السابق (ص 64) ، وقال الحافظ المؤرخ ابن عساكر في تبيين كذب المفتري : ترجمة الباقلاني (ص 221) نقلا عن أبي عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني  : ( وكان أبو الحسن التميمي الحنبلي يقول لأصحابه : تمسكوا بهذا الرجل - أي بالباقلاني - فليس للسنة عنه غنى أبدا. قال  : وسمعت الشيخ أبا الفضل التميمي الحنبلي رحمه الله وهو عبد الواحد بن أبي الحسن بن عبد العزيز بن الحرث يقول : اجتمع رأسي ورأس القاضي أبي بكر محمد بن الطيب - يعني الباقلاني - على مخدة واحدة سبع سنين. قال الشيخ أبو عبد الله : وحضر الشيخ أبو الفضل التميمي يوم وفاته العزاء حافيا مع إخوته وأصحابه وأمر أن ينادي بين يدي جنازته : "هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة ردا على الملحدين "، وقعد للعزاء مع أصحابه ثلاثة ايام فلم يبرح، وكان يزور تربته كل يوم جمعة في الدار ) ،

34- وذكر الشيخ أبو الطيب سهل بن محمد الشافعي مفتي نيسابور (404 هـ) ما نقله عنه الحافظ البيهقي  : ( سمعت الشيخ أبا الطيب الصعلوكي يقول : "ُتضامّون" بضم أوله وتشديد الميم يريد لا تجتمعون لرؤيته - تعالى - في جهة ولا ينضم بعضكم إلى بعض فإنه لا يرى في جهة ) ، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (447 : 11) ،

35- وقال أبو بكر محمد بن الحسن المعروف بابن فورك الأشعري (406 هـ) ما نصه  :  ( لا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه محدودا ومتناهيا وذلك لاستحالة كونه محدثا ) مشكل الحديث (ص :  57) ،

36- وقال أيضا ما نصه  : ( واعلم أنا إذا قلنا إن الله عز وجل فوق ما خلق لم يرجع به إلى فوقية المكان والارتفاع على الأمكنة بالمسافة والإشراف عليها بالمماسة لشيء منها ) مشكل الحديث (ص :  64) ،

37- وقال الأديب النحوي أبو علي المرزوقي (421 هـ) ما نصه  :  ( الله تعالى لا تحويه الأماكن ولا تحيط به الأقطار والجوانب ) لأزمنة والأمكنة (1 :  92) ،

38- وقال الشيخ الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني (429 هـ) ما نصه  :  ( وأجمعوا - أي أهل السنة - على أنه - أي الله - لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ) الفرق بين الفرق (ص :  333) ،

39- وقال الشيخ علي بن خلف المشهور بابن بطال المالكي (449 هـ) أحد شراح صحيح البخاري ما نصه  :  (غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه ، فقد كان ولا مكان ، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف ، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه - أي تعاليه - مع تنزيهه عن المكان )  فتح الباري (13 :  416) ،

40- وقال أيضا ما نصه  : ( لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان ، لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان ) وقد نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني مقرا وموافقا له الفتح (13 :  433).، مما يدل على أن هذه هي عقيدة أهل الحديث أيضا  ،

41- وقال أبو محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الأندلسي (456 هـ) ما نصه  : ( وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة، قال تعالى : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)(سورة الفرقان : 2)، وقال (قَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا)(سورة الفرقان : 59)، والزمان والمكان هما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام ) أنظر كتابه علم الكلام : مسألة في نفي المكان عن الله تعالى (ص :  65) ،

42- وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الشافعي (458 هـ) ما نصه  : ( والذي روي في ءاخر هذا الحديث ( أي حديث  : "والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لهبط على الله تبارك وتعالى", وهو حديث ضعيف ) إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان. واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي (صلّى الله عليه و سلّم) "أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان ) الأسماء والصفات (ص :  400) ،

43- وقال أيضا ما نصه  :  ( أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال : سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني يقول : حديث النزول قد ثبت عن رسول الله ( صلى الله عليه و سلّم ) من وجوه صحيحة وورد في التنزيل ما يصدقه وهو ( وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ) (الفجر22) والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال, بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه ، جل الله تعالى عما تقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا. قلت : وكان أبو سليمان الخطابي رحمه الله يقول  : إنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول الذي هو تدلٍّ من أعلى إلى أسفل وانتقال من فوق إلى تحت وهذه صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده وعطفه عليهم واستجابته دعاءهم ومغفرته لهم يفعل ما يشاء لا يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كمية سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) السنن الكبرى (3 :  3) ،

44- وقال أيضا ما نصه  : ( قال أبو سليمان الخطابي  : وليس معنى قول المسلمين  : إن الله استوى على العرش هو أنه مماس له أو متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته ، لكنه بائن من جميع خلقه ، هـانما هو خبر جاء به التوقيف فقلنا به ونفينا عنه التكييف ، إذ ليس كمثله شيء ) الأسماء والصفات : باب ما جاء في العرش والكرسي (ص : 396- 397) ،

45- وقال أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري في رسالته عند ذكر عقيدة الصوفية ما نصه  :
( وهذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب ، قال شيوخ هذه الطريقة على ما يدل عليه متفرقات كلامهم ومجموعاتها ومصنفاتهم في التوحيد  : إن الحق سبحانه وتعالى موجود قديم لا يشبهه شيء من الفخلوقات ، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، ولا صفاته أعراض ، ولا يتصور في الأوهام ، ولا يتقدر في العقول ، ولا له جهة ولا مكان ، ولا يجري عليه وقت وزمان ) انتهى باختصار الرسالة القشيرية (ص 7) ،

46- وقال الفقيه المتكلم أبو المظفر الإسفراييني الأشعري (471 هـ) ما نصه  : ( الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة  : وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد ، والنهاية ، والمكان ، والجهة، والسكون ، والحركة ، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى ، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث ) التبصير في الدين (ص 161) ،

47-وقال الشيخ محمد بن يوسف المعروف بالكرماني البغدادي (786 هـ) وهو أحد.شرَّاح صحيح البخاري ما نصه  :  ( قوله "في السماء" ظاهره غير مراد ، إذ الله منزه عن الحلول في المكان ) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (13 :  412) ،

48 - وقال الكرماني ما نصه  : ( قوله ( في السماء ) ظاهره غير مراد ، إذ الله منزه عن الحلول في المكان ، لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها أضافها إليه إشارة إلى علو الذات والصفات ، وبنحو هذا أجاب غيره عن الالفاظ الواردة في الفوقية ونحوها ) نقله عنه الحافظ في الفتح ( 13  :  412 ) مقرا له ،

49- وقال الفقيه الإمام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الشافعي الأشعري (476 هـ) في عقيدته ما نصه  :  ( وان استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، فدل على أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان ) أنظر عقيدة الشيرازي في مقدمة كتابه شرح اللمع (1 :  101) ،

50 - وقال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الأشعري (478 هـ) ما نصه  :
 ( البارئ سبحانه وتعالى قائم بنفسه ، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يقله ) الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص 53) ،

51- وقال أيضا ما نصه :  ( مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات ) الإرشاد (ص 58 ) ،

52- وقال أيضا ما نصه  :  ( واعلموا أن مذهب أهل الحق : أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، وبتنزه عن الاختصاص بجهة ، وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق ، ثم افترقت آراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسه ، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات ، وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيما تقدم ) الشامل في أصول الدين (ص 511) ،

53- وقال امام الحرمين الجويني ( 478 هـ ) ما نصه  : ( وها أنا أذكر قولاً وجيزاً في ذلك ، محيطاً بمعظم المقصود ، حاكياً ما قيل فيه ، مشيراً إلى الأصح ، وقد سبق مني في بعض الرقاع إلى مجلسه طرفاً من الكلام في ذلك ، يتشبت بالجسمية ومثبتي الجهة ، وجملة القول في ذلك  : أن عدم العلم بالصفات النفسية والمعنوية لا يمنع ثبوت المعرفة بالله صانع العالم ، مع عدم الجهل بهذا ، وذلك في ابتداء النظر في افتقار الصنع إلى الصانع ، قبل التوصل إلى درك صفاته بطرق النظر وسبل العبر ، فأما إذا نظر وجهل صفة من صفات الباري، واعتقدها على خلاف ما هي عليه ، فلا يخلو  : إما أن تكون صفة نفسية ، وإما أن تكون صفة معنوية  ، فإن كانت الصفة التي جهلها صفة نفسية ، مثل أن يعتقد تحيز الباري – والله جلت قدرته منـزه عنه - ، فالأصح أن الجهل بها ينافي المعرفة بالله ) انظر ( أَجــْوبــــَـةُ.. إمـَـــامِ الـحَــرَمَيـــــنِ الـجُــوَيـــْنـِــيّ على أَسئــــلــة الإمــَامِ عَــبــْدِ الـحَــقِّ الصّــقِــلّــي رحمهما الله تعالى ) التي علق عليها وشرح وشرح غوامضها الأستاذ الكبير أبو الفداء سعيد فودة  ،

54 - وقال الفقيه المتكلم أبو سعيد المتولي الشافعي الأشعري (478 هـ) أحد أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي ما نصه  :  (ثبت بالدليل أنه لا يجوز أن يوصف ذاته- تعالى- بالحوادث، ولأن الجوهر متحيز، والحق تعالى لا يجوز أن يكون متحيزا ) الغنية في أصول الدين (ص 83 ) ،

55- وقال أيضا ما نصه  :  ( والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافا للكرامية والحشوية الذين قالوا :" إن لله جهة فوق ) المرجع السابق (ص 73) ،

56- وقال اللغوي أبو القاسم الحسين بن محمد المشهور بالراغب الأصفهاني (552 هـ) ما نصه  :
( أو قرب الله تعالى من العبد هو بالإفضال عليه والفيض لا بالمكان ) المفردات في غريب القرءان (مادة : ق رب، ص 399) ،

57- وقال الامام الغزالي (505 هـ) ما نصه  :  ( تعالى - أي الله - عن أن يحويه مكان ، كما تقدس عن أن يحده زمان ، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الان على ما عليه كان ) إحياء علوم الدين : كتاب قواعد العقاند، الفصل الأول (1 :  108) ،

58- وقال أيضا ما نصه : ( الأصل السابع : العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات ، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا، والاخر يقابله ويسمى رأسا، فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرِّجل، حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحت وإن كان في حقنا فوقًا. وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان. ثم قال : "فكيف كان في الأزل مختصًا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خلق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرّجل : وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصًا بالجهة : وإن اريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا اشاره إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال و الكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء ) إحياء علوم الدين : كتاب قواعد العقائد، الفصل الثالث ، الاصل السابع (1 :  128) ،

59- وقال لسان المتكلمين الشيخ أبو المعين ميمون بن محمد النسفي (في 50 هـ) ما نصه  :
 ( القول بالمكان - أي في حق الله - منافيا للتوحيد ) تبصرة الأدلة (1 :  171 و 182) ،

60- وقال أيضا  : ( إنا ثبتنا بالآية المحكمة التي لا تحتمل التأويل، وبالدلائل العقلية التي لا احتمال فيها أن تمكنه- سبحانه- في مكان مخصوص أو الأمكنة كلها محال ) تبصرة الأدلة (1 :  171 و 182) ،

61- وقال الإمام أبو القاسم سليمان (سلمان) بن ناصر الأنصاري النيسابوري (512 هـ) شارح كتاب "الإرشاد" لإمام الحرمين بعد كلام في الاستدلال على نفي التحيز في الجهة عن الله تعالى ما نصه : ( ثم نقول سبيل التوصل إلى درك المعلومات الأدلة دون الأوهام، ورب أمر يتوصل العقل إلى ثبوته مع تقاعد الوهم عنه، وكيف يدرك العقل موجودا يحاذي العرش مع استحالة أن يكون مثل العرش في القدر أو دونه أو أكبر منه، وهذا حكم كل مختص بجهة ) شرح الإرشاد (ق :  58- 59) ، مخطوط ،

62- وقال أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي شيخ الحنابلة في زمانه (513 هـ) ما نصه  : ( تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الأمكنة ، هذا عين التجسيم ، وليس الحق بذي أجزاء وأبعاض يعالج بها ) الباز الأشهب  : الحديث الحادي عشر (ص 86) ،

63- وقال الشيخ أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم المعروف بابن القشيري (514هـ) الذي وصفه العلى عبد الرزاق الطبسي بإمام الأئمة كما نقل ذلك الحافظ ابن عساكر في كتابه "تبيين كذب المفتري " ما نصه  :  ( فالرب إذا موصوف بالعلو وفوقية الرتبة والعظمة منزه عن الكون في المكان ) إتحاف السادة المتقين (108 : 2) ،

64- وقال القاضي الشيخ أبو الوليد محمد بن أحمد قاضي الجماعة بقرطبة المعروف بابن رشد الجد المالكي (520 هـ) ما نصه  :  ( ليس - الله - في مكان ، فقد كان قبل أن يخلق المكان ) ذكره ابن الحاج المالكي في كتابه المدخل : فصل في الاشتغال بالعلم يوم الجمعة (149 : 2) ،

65- وقال أيضا  :  ( فلا يقال أين ولا كيف ولا متى لأنه خالق الزمان والمكان ) المدخل : نصانح المريد (3 :  181) ،

66- وقال أيضا ما نصه  : ( أو إضافته - أي العرش - إلى الله تعالى إنما هو بمعنى التشريف له كما يقال  : بيت الله وحرمه، لا أنه محل له وموضع لاستقراره ) المدخل  : فصل في الاشتغال بالعلم يوم الجمعة (149 : 2) ، وذكر ذلك أيضا الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح (7 :  124) موافقا له ومقرا لكلامه .67- وقال أبو الثناء محمود بن زيد اللاَّمشي الحنفي الماتريدي من علماء ما وراء النهر (كان حيّا سنة 539 هـ) ما نصه  :  ( ثم إن الصانع جل وعلا وعزَّ لا يوصف بالمكان لما مر أنه لا مشابهة بينه تعالى وبين شيء من أجزاء العالم، فلو كان متمكنّا بمكان لوقعت المشابهة بينه وبين المكان من حيث المقدار لأن المكان كل متمكن قدر ما يتمكن فيه. والمشابهة منتفية بين الله تعالى وبين شيء من أجزاء العالم لما ذكرنا من الدليل السمعي والعقلي، ولأن في القول بالمكان قولا بِقِدَمِ المكان أو بحدوث البارئ تعالى، وكل ذلك محالُ، لأنه لو كان لم يزل في المكان لكان المكان قديما أزليا، ولو كان ولا مكان ثم خلق المكان وتمكن فيه لتغير عن حاله ولحدثت فيه صفة التمكن بعد أن لم تكن، وقَبول الحوادث من أمارات الحَدَث، وهو على القدير محالٌ ) التمهيد لقواعد التوحيد (ص62- 63).
68- وقال المحدّث أبو حفص نجم الدين عمر بن محمد النسفي الحنفي (537 ص) صاحب العقيدة المشهورة ب "العقيدة النسفية " ما نصه  : ( والمُحدِثُ للعالَم هو الله تعالى ، لا يوصف بالماهيَّة ولا بالكيفية ولا يَتمكَّن في مكان ) انتهى باختصار من كتاب العقيدة النسفية (ضمن مجموع مهمات المتون) (ص 28 ) ،

69- وقال أيضا ما نصه  : ( وقد وَرد الدليلُ السمعيُّ بإيجاب رؤية المؤمنين اللهَ تعالى في دار الآخرة، فيرى لا في مكان، ولا على جهة من مقابلة أو اتصال شُعاع أو ثبوتِ مَسافة بين الرائي وبين الله تعالى ) المصدر السابق (ص 29) ،

70- وقال الحافظ ابن عساكر الدمشقي (571 هـ) في بيان عقيدته التي هي عقيدة أبي الحسن الأشعري نقلاً عن القاضي أبي المعالي بن عبد الملك ما نصه  : ( قالت النجارية  : إن البارئ سبحانه بكل مكان من غير حلول ولا جهة . وقالت الحشوية والمجسمة  : إنه سبحانه حالّ . في العرش وإن العرش مكان له وهو جالس عليه فسلك طريقة بينهما فقال  : كان ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتج إلى مكان ، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه ) تبيين كذب المفتري (ص 150) ،

71- وقال أيضا في تنزيه الله عن المكان والجهة ما نصه : ( خـلـق السـمـاء كـمـا يـشـاء بـلا دعـائـم مـسـتقـلـه ، لا لـلـتـحـيـز كـي تـكـو ن لـذاتـه جـهـة مـقـلـه ، رب عـلـى الـعـرش اسـتـوى قـهـرا ويـنـزل لا بـنـقـلـه ) أنظر مقدمة تبيين كذب المفتري للكوثري (ص 2) ،

72- وقال سيدنا الامام أحمد الرفاعي الشافعي الأشعري (578 هـ) ما نصه  :  ( وطهِّروا عقائدكم من تفسير معنى الاستواء في حقه تعالى بالاستقرار، كاستواء الأجسام على الأجسام المستلزم للحلول ، تعالى الله عن ذلك . وإياكم والقول بالفوقية والسُّفْلية والمكان واليد والعين بالجارحة، والنزول بالإتيان والانتقال ، فإن كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يدل ظاهره على ما ذُكر فقد جاء في الكتاب والسنة مثله مما يؤيد المقصود ) البرهان المؤيد (ص 17 - 18 ) ،

73- وقال أيضا ما نصه  :  ( غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان ) أنظر كتاب حكم الشيخ أحمد الرفاعي الكبير (ص35- 36) ،

74- وقال أيضا ما نصه  :  ( وأنه - أي الله - لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء ، تعالى عن أن يحويه مكان ، كما تقدَس عن أن يحده زمان ، بل كان قبل خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان ) إجابة الداعي إلى بيان اعتقاد الإمام الرفاعي (ص 44) ،

75- وقال أيضا ما نصه  : ( لا يحده تعالى المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه السماوات وأنه مستوٍ على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده ، استواء منزَها عن المماسة والاستقرار والتمكن والتحول والانتقال ، لا يحمله العرش ، بل العرش وحملتُه محمولون بلطف قدرته ، ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش ، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى ) المرجع السابق (ص 43) ،

76- وكذا كان على هذا المعتقد السلطان المجاهد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله (589 هـ) كما وصفه أصحاب التراجم  :  ( شافعي المذهب، أشعري الاعتقاد ) ، وقد كان له اعتناء خاص بنشر عقيدة الإمام الأشعري رحمه الله فقد قال السيوطي ما نصه  : ( فلما ولي صلاح الدين بن أيوب أمر المؤذنين في وقت التسبيح أن يعلنوا العقيدة الأشعرية ، فوظف المؤذنين على ذكرها كل ليلة الى و قتنا هذا ) اهـ أي إلى وقت السيوطي المتوفى سنة 911.اهـ ) الوسائل إلى مسامرة الأوانل (ص 15) ، ويقول الشيخ محمد بن علان الصديقي الشافعي ما نصه  :  ( فلما ولي صلاح الدين بن أيوب وحمل الناس على اعتقاد مذهب الأشعري أمر المؤذنين أن يعلنوا وقت التسبيح بذكر العقيدة الأشعرية التي تُعرف بالمرشدية فواظبوا على ذكرها كل ليلة ) الفتوحات الربانية (2 :  113) ، ولما كان للسلطان المذكور هذا الاهتمام بعقيدة الأشعري ألف الشيخ الفقيه النحوي محمد بن هبة الله رسالة في العقيدة وأسماها "حدائق الفصول وجواهر الأصول " وأهداها للسلطان فأقبل عليها وأمر بتعليمها حتى للصبيان في المكاتب، " وصارت تسمى فيما بعد "بالعقيدة الصلاحية" ، ومما جاء في هذه الرسالة  : و (صانـع الـعـالـم لا يحويه قـطر ) تعالى الله عن تشبيه قد كـان مـوجـودا. ولا مكـانـا وحكمه الان على ما كانا سبحانه جـل عن المكان وعز عن تغيرِ الزمان فـقـد غـلا وزاد فـي الغلو من خصه بجهة العلو وحصر الصانع فـي السماء مبدعها والعرش فوق الماء وأثـبـتـوا لذاته التحيزا قد ضل ذو التشبيه ) أنظر حدائق الفصول (ص15) ،

77- قال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597 هـ) ما نصه  : ( الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغير والانتقال ) صيد الخاطر (ص47 ) ،

78- وقال أيضا :  ( أفترى اقواما يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم : ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم ردىء ، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل ) دفع شبه التشبيه ، وطبعا كتاب دفع شبه التشبيه هذا الذي رد فيه على المجسمة الذين ينسبون أنفسهم إلى مذهب الامام أحمد والإمام أحمد بريء مما يعتقدون . وقد بين ابن الجوزي في هذا الكتاب أن عقيدة السلف وعقيدة الإمام أحمد تنزيه الله عن الجهة والمكان والحد والجسمية والقيام والجلوس والاستقرار وغيرها من صفات الحوادث والأجسام ،

79- وقال ايضا  : ( كل من هو في جهة يكون مقدرا محدودا وهو يتعالى عن ذلك ، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ) دفع شبه التشبيه ،

80- وقال أيضا  : ( فإن قيل : نفي الجهات يحيل وجوده، قلنا  : إن كان الموجود يقبل الاتصال والانفصال فقد صدقتَ، فأما إذا لم يقبلهما فليس خلوه من طرق النقيض بمحال ) دفع شبه التشبيه .
81- وقال الشيخ تاج الدين محمد بن هبة الله المكي الحموي المصري (599 هـ) في تنزيه الله عن المكان ما نصه  : ( وصانع العالم لا يحويه قطر تعالى الله ن تشبيه قد كان موجودا ولا مكانا وحكمه الان على ما كانا سبحانه جل عن المكان وعز عن تغير الزمان ) انظر منظومته "حدائق الفصول وجواهر الأصول" في التوحيد ، التي كان أمر بتدريسها السلطان المجاهد صلاح الدين الأيوبي (ص 10) ، قلت  : وهذا الشيخ تاج الدين محمد بن هبة الله المكي الحموي المصري قال تاج الدين السبكي في طبقاته  : ( كان فقيها فرضيا نحويا متكلما ، أشعري العقيدة ، إماما من أئمة المسلمين ، إليه مرجع أهل الديار المصرية في فتاويهم . وله نظم كثير منه ارجوزة سماها "حدائق الفصول وجواهر الأصول " صنفها للسلطان صلاح الدين ، وهي حسنة جدا نافعة ، عذبة النظم) اهـ. (7 : 23- 25) ،

82- وقال المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير (606 ص) ما نصه  : ( "المراد بقرب العبد من الله تعالى القرب بالذكر والعمل الصالح ، لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام ، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس ) انظر النهاية في غريب الحديث (مادة ق ر ب، 4 :  32) ،

83- وقال المفسر فخرالدين الرازي (6 0 6 هـ) في قوله تعالى" وهو العلي العظيم ما نصه : ( لا يجوز أن يكون المراد بكونه عليا العلو في الجهة والمكان لما ثبتت الدلالة على فساده ، ولا يجوز أن يكون المراد من العظيم العظمة بالجثة وكبر الجسم ، لأن ذلك يقتضي كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض، وذلك ضد قوله " قل هو الله أَحد " فوجب أن يكون المراد من العلي المتعالي عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات، ومن العظيم العظمة بالقدرة والقهر بالاستعلاء وكمال الإلهية ) المصدر السابق (سورة الشورى :  ءاية 4 - 27 :  144 ) ،

84- وقال الشيخ أبو منصور - فخر الدين عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن عساكر (620 هـ) عن الله تعالى ما نصه  :  ( موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد ، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال ، ولا أمام ولا خلف ، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان ، ولا أين كـان ولا كيف ، كان ولا مكان ، كون الأكوان ، ودبر الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ) انظر طبقات الشافعية ( 8 :  186) ،

85- وقال الصوفي الزاهد ذو النون المصري (245) ما نصه  :  ( ربي تعالى فلا شيء يحيط به رفو المحيط بنا في كل مرتصد *** لا الأين والحيث والتكييف يدركه ولا يـحـد بـمـقـدار ولا امـد ، وكـيـف يـدركـه حـد ولـم تـره عين وليس له ير المثل من أحد *** أم كـيف يبلغه وهـم بلا شبه وقد تعالى عن الأشباه والولد ) حلية الأولياء ترجمة ذي النون المصري (9  : 388 ) ،

86- وقال الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الشيباني الحنفي (629 ه) ما نصه  :  ( مسألة  : قال أهل الحق  : إن "الله تعالى متعال عن المكان ، غير متمكن في مكان ، ولا متحيز إلى جهة خلافا للكرامية والمجسمة... والذي يدل عليه قوله تعالى "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " ، فالله سبحانه وتعالى نفى أن يكون له مثل من الأشياء، والمكان والمتمكن متساويان قدرا متماثلا لاستوائهما في العدد، فكان القول بالمكان والتمكن ردا لهذا النص المحكم الذي لا احتمال فيه، ورد مثله يكون كفرا. ومن حيث المعقول : ان الله تعالى كان ولا مكان، لأن المكان حادث بالإجماع، فعلم يقينا أنه لم يكن متمكنا في الأزل في مكان، فلو صار متمكنا بعد وجود المكان لصار متمكنا بعد أن لم يكن متمكنا، ولا شك أن هذا المعنى حادث وحدوث المعنى في الذات أمارة الحدث ، وذات القديم يستحيل أن يكون محل الحوادث على ما مر ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) أنظر شرحه على العقيدة الطحاوية المسمى بيان اعتقاد أهل السنة (ص45) ،

87- وقال المتكلم سيف الدين الآمدي (631 هـ) ما نصه  :  ( وما يروى عن السلف من ألفاظ يوهم ظاهرها إثبات الجهة والمكان فهو محمول على هذا الذي ذكرنا من امتناعهم عن إجرائها على ظواهرها والإيمان بتنزيلها وتلاوة كل آية على ما ذكرنا عنهم، وبين السلف الاختلاف في الألفاظ التي يطلقون فيها، كل ذلك اختلاف منهم في العبارة، مع اتفاقهم جميعا في المعنى أنه تعالى ليس بمتمكن في مكان ولا متحيز بجهة، ومن اشتغل منهم بتأويل يليق بدلائل التوحيد قالوا في قوله  :" وهو الذي في السماء إِله وفي الأرضِ إِله"(84) سورة الزخرف أراد به ثبوت الألوهية في السماء لا ثبوت ذاته، وكذي في هذا قوله  :" وهو اللّه في السماوات وفي الأَرضِ " (3) سورة الأنعام أي ألوهيته فيهما لا ذاته، وكذي في (هذا) قوله  :" أَأَمنتم من في السماء"(16) سورة الملك ألوهيته إلا أن ألوهيته أضمرت بدلالة ما سيق من الآيات ، وقوله  :" ما يكون من نجوى ثلاثة إِلا هو رابعهم "(7) سورة المجادلة أي يعلم ذلك ولا يخفى عليه شيء، وقوله  :" ونحن أَقرب إِليه من حبلِ الورِيد " (16) سورة ق أي بالسلطان والقدرة، وكذي القول بأنه فوق كل شيء أي بالقهر على ما قال تعالى :" وهو القاهر فوق عباده" (18) سورة الأنعام وقالو في قوله  :" إِليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه (10) سورة فاطـر، إن الله تعالى جعل ديوان أعمال العباد في السماء والحفظة من الملائكة فيها فيكون ما رفع الى هناك رفعّا اليه، وهذا كما في قوله  :" ونحن أقرب إِليه منكم ولكن لا تبصرون "(85 :  سورة الواقعة)، وقوله  :" وأنتم حينئذ تنظرون "(84 :  سورة الواقعة) قالوا ملك الموت وأعوانه، والمجسمة لا يمكنهم أن يقولوا : إنه بالذات عند كل محتضر، ولا أن يقولوا : إنه بالذات في السماء لما يلزمهم القول بجعله تحت العرش وتحت عدد من السموات، فوقعوا بهواهم في مثل هذه المناقضات الفاحشة فيكون معنى قوله  :" إِليه يصعد الكلم الطيب"(10 :  سورة فاطر) كما في قوله تعالى خبرا عن إبراهيم صلوات الله عليه  :" وقال إِني ذاهب إِلى ربي سيهدين "(99 :  سورة الصافات) أي إلى الموضع الذي أمرني ربي أن أذهب إليه، وقالوا في في قوله  :" إِن الذين عند ربك " (206 : سورة الأعراف)، يعني الملائكة، أن المراد منه قرب المنزلة لا قرب المكان كما قال موسى :" وكان عند اللَّه وجيها"(69) سورة الأحزاب وقال تعالى  :" واذكر عبادنا إبراهيم وإِسحق ويعقوب أولي الأَيدي والأبصارِ "(45 :  سورة ص) قال المفسرون وأئمة الهدى : أي أولو القوة في الدين والبصارة في الأمر، ولم يفهم أحد من السلف والخلف منه الأيدي الجارحة مع كونهم موصوفين حقيقة بالأبصار الجارحة والأيدي الجارحة : فكيف فهمت المشبهة من قوله  :" خلقت بيدي "(75) سورة ص اليدين الجارحتين، ومن قوله :" ولتصنع على عيني"(39 :  سورة طه) العين الجارحة، ومن الخبر المروي : " إن الصدقة تقع في كف الرحمن " - رواه مسلم - الكف الجارحة مع قوله تعالى  :" ليس كمثله شيء"(11 :  سورة الشورى) وقوله  :" ولم يكن له كفوا أَحد "(4) سورة الإخلاص وقوله  :" سبحان اللّه عما يصفون"(91) سورة المؤمنون وقوله  :" إِن الله لغني عن العالمين"(6) سورة العنكبوت فـما فهموا من تلك المتشابهات إثبات الجسم والجوارح " الصورة إلا لخبث عقيدتهم وسوء سريرتهم. وبالله العصمة من الخذلان ) أبكار الأفكار (ص 194- 195) ، مخطوط ،

88- وقال الشيخ جمال الدين محمود بن أحمد الحصيري شيخ الحنفية في زمانه (636 ص) بعد أن قرأ فتوى ابن عبد السلام في تنزيه الله عن المكان والحروف والصوت ما نصه  :  ( هذا اعتقاد المسلمين ، وشعار الصالحين ، ويقين المؤمنين ، وكل ما فيهما صحيح ، ومن خالف ما فيهما وذهب إلى ما قاله الخصم من إثبات الحرف والصوت فهو حمار ) طبقات الشافعية الكبرى : ترجمة عبد العزيزبن عبد السلام (8 :  237 ) ،

89- وقال الشيخ جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب المالكي (646 )
مثنيا على العقيدة التي كتبها الشيخ عبد العزيز ابن عبد السلام ومما جاء في هذه العقيدة قول ابن عبد السلام  ، ( كان - الله - قبل أن كون المكان ودبر الزمان ، وهو الآن على ما عليه كان ) طبقات الشافعية الكبرى  : ترجمة عبد العزيز بن عبد السلام (8 :  237 ) ، ومن جملة ما ذكره في ثنائه قوله  : ( ما قاله ابن عبد السلام هو مذهب أهل الحق ، وأن جمهور السلف والخلف على ذلك ، ولم يخالفهم إلا طائفة مخذولة ، يخفون مذهبهم ويدسونه على تخوف إلى من يستضعفون علمه وعقله ) ،

90- وقال نجم الدين مَنكُوبَرس (652 هـ) شارح العقيدة الطحاوية ما نصه  : ( ولأن من لم يَرُضْ عقله في التفكر والتدبر والنظر في الدلائل يظن أن صانعه بجهة منه لمِا لا يعرفُ أن التحيز بجهة من أمارات الحدث وأنها منفيِّة عن القديم ) النور اللامع والبرهان الساطع في شرح عقائد الإسلام (ص 108 ) من المخطوط  ،

91- وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام (660 ص) ما نصه  :  ( ليس - أي الله - بجسم مصوَّر ، ولا جوهر محدود مُقدَّر ، ولا يشبه شيئا ، ولا يُشبهه شيء ، ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات ، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان ، وهو الآن على ما عليه كان ) طبقات الشافعية الكبرى : ترجمة عبد العزيز بن عبد السلام (8 :  219) ،

92- وقال محمد بن أحمد القرشي الهاشمي (669 هـ) ما نصه  : ( كان الله ولا مكان، وهو الان على ما عليه كان ) روض الرياحين (ص 496 ) ،

93- وقال الامام القرطبي المالكي (671 هـ) ما نصه  :  ( و "العليّ" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان ، لأن الله منزه عن التحيز ) الجامع لأحكام القرءان سورة البقرة ، آية :  55 2 (3 :  278 ) ،

94- وقال أيضا  : ( ومعنى "فَوْقَ عِبَادِهِ"(18 :  سورة الأنعام) فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم ، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان ) المصدر السابق سورة الأنعام، آية :  18 (6 :  399 ) ،

95- وقال أيضا  : ( والقاعدة تنزيهه - سبحانه وتعالى - عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة ) المصدر السابق سورة الأنعام ، آية :  3 (6 :  390 ) ،

96 - وقال أيضّا عند تفسير" ءاية "أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ "(158) سورة الأنعام ما نصه  : ( وليس مجيئه تعالى حركة ولا انتقالا ولا زوالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا ) المصدر السابق سورة الأنعام ءاية : 158 (7 :  145 ) ،

97- وقال أيضّا  : ( وقال أبو المعالي  : قوله صلى الله عليه وسلم " لا تفضلوني على يونس بن متّى " المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه وهو في قعر البحر في بطن الحوت. وهذا يدل على أن البارئ سبحانه وتعالى ليس في جهة ) المصدر السابق سورة، الأنبياء، آية  :  87 (1 1 : 333-334). ،

98- وقال أيضا في تفسير آية  :" وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا"(22) سورة الفجر ما نصه  :
 ( والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان ، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان ، ولا يجري عليه وقت ولا زمان ، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات ، ومن فاته شيء فهو عاجز ) المصدر السابق سورة الفجر ، آية :  22 (20 :  55) ،

99- وقال أيضا عند تفسير قوله تعالى  :" أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ"(16) سورة الملك ما نصه  : ( والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت ، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام . وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة ، واليها ترفع أعمال العباد ، وفوقها عرشه وجنته ، كما جعل الله الكعبة قِبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها ، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان ، وهو الآن على ما عليه كان ) المصدر السابق سورة الملك، آية :  16 (18 :  216) ،

100- وقال الشيخ ضياء الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر ابن يوسف بن عمر بن عبد المنعم القرطبي (672 هـ) في الرد على المبتدعة المجسمة مُبيِّنّا عقيدة أهل السنة ما نصه  : ( هو الله لا أيـن ولا كـيـف عنـده ولا حَدَّ يحويه ولا حصرَ ذي حَدِّ ولا القُرْبُ في الأدنى ولا البعدُ والنَّوى يخالف حالا منه في القُرب والبُعْدِ ) طبقات الشافعية  : ترجمة أبي الحسن الأشعري (3 :  428) ،

101- وقال الامام النووي (676) ما نصه  :  ( إن الله تعالى ليس كمثله شيء , منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ) شرح صحيح مسلم (19 : 3 ) ،

102- وقال زكريا بن محمد الأنصاري القزويني (82ه هـ) وهو مؤرخ جغرافي من القضاة رحل إلى الشام والعراق وولي قضاء واسط أيام المعتصم العباسي، وهو صاحب كتاب (عجائب المخلوقات " ما نصه  :
 ( التوحيد  : أن يعلم أن الله واحد قديم ، لم يزل ولا يزال ، كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه ، كان عالم بعلم أزلي، قادر بقدرة أزلية ) مفيد العلوم (ص 24) ،

103- وقال العلامة الأصولي الشيخ أحمد بن إدريس القَرَافي المالكي المصري (684 هـ) أحد فقهاء المالكية ما نصه  : ( وهو - أي الله - ليس في جهة ، ونراه نحن وهو ليس في جهة ) الأجوبة الفاخرة (ص 93) ،

 104- وقال الإمام القرافي  :  ( وقال بعض الفضلاء  : هذا إنما يلزمهم إذا لم يصرحوا بأنه ليس كمثله شيء وبغير ذلك من النصوص النافية للجهة، وإنما قصدهم إجراء النصوص كما جاءت من غير تأويل ، ويقولون لها معان لا ندركها ، ويقولون هذا استواء لا يشبه الاستواءات ، كما أن ذاته لا تشبه الذوات، فكذلك يكون فوق سماواته دون أرضه فوقية لا تشبه الفوقيات. وهذا أقرب لمناصب العلماء من القول بالجهة ) وانظر كلام الإمام القرافي الأشعري في كتابه الذخيرة ( 13  :  242 – 243 ) ،

105- وقال الشيخ البيضاوي (685 هـ) ما نصه  : ( ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ) فتح الباري (3 :  31) ،

106- وقال الشيخ زين الدين علي بن محمد بن منصور المعروف بابن المنَيِّر (695 هـ) ما نصه  :
(جميع الأحاديث في هذه الترجمة مطابقة لها إلا حديث ابن عباس فليس فيه إلا قوله "رب العرش " ومطابقته والله أعلم من جهة أنه نبه على بطلان قول من أثبت الجهة أخذا من قوله  :" ذِي الْمَعَارِجِ"(3) ففهم أن العلو الفوقي مضاف إلى الله تعالى ، فبيَّن المصنف - يعني البخاري - أن الجهة التي يصدق عليها أنها سماء والجهة التي يصدق عليها أنها عرش ، كل منهما مخلوق مربوب مُحْدَث ، وقد كان الله قبل ذلك وغيره، فحدثت هذه الأمكنة ، وقِدَمه يحيل وصفه بالتحيز فيها ) فتح الباري (13 :  418- 419) ،

107- وقال الشيخ الصوفي الصالح عبد الله بن سعد المعروف بابن أبي جمرة (699 هـ) ما نصه  :
( فمحمد عليه السلام فوق السبع الطباق ويونس علبه السلام في قعر البحار، وهما بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد سواء، ولو كان عز وجل مقيدا بالمكان أو الزمان لكان النبي (صلى الله عليه و سلم) أقرب إليه ، فثبت بهذا نفي الاستقرار والجهة في حقه جل جلاله ) بهجة النفوس (3 :  176).
108- وقد أثنى الفقيه الحافظ الشيخ تقي الدين أبو الفتح محمد بن بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العيد الأشعري (752 هـ) على الرسالة التي صنفها ضياء الدين أبو العباس أحمد بن محمد القرطبي يرد بها على ما وقع في عصره من بعض المبتدعة من هجو الإمام أبي الحسن الأشعري، ومن جملة ما جاء في هذه الرسالة  :  ( هو الله لا أين ولا كيف عنده ولا حد يحويه ولا حصر ذي حد ، ولا القرب في الأدنى ولا البعد والنوى يخالف حالا منه في القرب والبعد ) وبذلك يعلم أن ابن دقيق العيد كان ينزه الله عن الجهة والمكان والحد ،

109- وقال الشيخ المتكلم على لسان الصوفية في زمانه أحمد بن عطاء الله الإسكندري الشاذلي (709 هـ) في حكمه التي سارت بها الركبان ما نصه  : ( وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به والا فجل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء ) نقله عنه الشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت في كتابه كشف الأسرار لتنوير الافكار ( ص 90 ) ،

110- وقال الامام النسفي (710 هـ ، وقيل 701 هـ) ما نصه  :  ( إنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان ) تفسير النسفي سورة طه :  ءاية ه (مجلد 2 : 2،48) ،

111- وقال العلامة اللغوي محمد بن مكرّم الإفريقي المصري المعروف بابن منظور (711 هـ) ما نصه  : ( وفي الحديث  : "من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا" المراد بقرب العبد من الله عز وجل  : القرب بالذكر والعمل الصالح لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام ، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس ) لسان العرب - مادة  : ق رب (1 :  663- 664) ،

112- وقال الراغب الاصفهاني  : ( واستوى امر فلان ، ومتى عدي بعلى اقتضى الاستيلاء كقوله ( " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " ) انظر مفرداته كتاب السين ( ص 251 ) ،

113- وقال الراغب الاصفهاني  : ( واستوى امر فلان ، ومتى عدي بعلى اقتضى الاستيلاء كقوله ( " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " ) انظر مفرداته كتاب السين ( ص 251 ) ،

 114- وقال ايضا : ( وقيل معناه استوى كل شيء في النسبة اليه فلاء شيء اقرب اليه من شيء ، إذ كان تعالى ليس كالاجسام الحالة في مكان دون مكان ) المصدر السابق ،

115- وقال القاضي ابن العربي الأشعري المالكي رحمه الله في كتابه الماتع النافع ( العواصم من القواصم ) من الطبعة الكاملة ( التي فيها يفضح ظاهرية العقائد و ظاهرية الأصول ) ( بعد ذكره لطوائف أصابها الخلل بسبب استماعهم لمقولات ضُلال ) فقال ما نصه  :  ( وسمعوا القدرية يقولون  : إن الله في كل مكان , وتكاثرت في ذلك الأقوال من المؤالف والمخالف ، فأنكروا ذلك عليهم, وقالوا  : إن أطلق لقط في هذا المعنى فالذي ينطلق أنه على العرش، وسامحوا في (( فوق )) لأنه بمعنى علا و جل , ورددوها في الحديث المذكور آنفاً , ثم جاءت طائفة ركبت عليه , فقالت  : إنه فوق العرش بذاته و عليها شيخ المغرب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد , فقالها للمعلمين فسدكت بقلوب الأطفال و الكبار ) العواصم من القواصم ( ص215 ) ،

 116- يقول الإمام ابن العربي الأشعري المالكي رحمه الله ما نصه  : ( فإذا ثبت هذا فقوله ( الرحمن على العرش استوى ) إن ما علمنا معناه علماً آمناً قولاً ومعنى وإن لم نعلم معناه قلنا كما قال مالك : ( الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة ) فكيف بتفسير تعلقه بالله، لا يقال : إنه بدعة بل أشد من البدعة عنده، فكيف لو سمع من يقول : إن الله فوقه ؟ فكيف بمن يعين فوقية الذات ؟ فكيف بمن يقول  : لأنه يحاذيه ويليه ؟ تباً له ، والحديث الذي فيه : والله فوق ذلك لا حجة فيه لأن في الحديث بعينه، وقد عدد الأرضين أيضاً، حتى ذكر الأرض السابعة، ثم قال : ( والذي نفسي بيده لو دليتم حبلاً لهبط على الله ) ولم يقتض ذلك أنه تحت الأرض ، فإن قيل  : فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة بأن يقتل مقاتلهم، وتسبى ذراريهم : ( لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة ) حرف جر يتعلق بحكمت أو بحكم المصدر المتصل، لا بقوله ( الملك ) فافهموا ذلك من الصناعة ) انظر العواصم ( ص 216 )  ،

117- وقال القاضي الشيخ بدر الدين محمد بن إبراهيم المعروف بابن جماعة الشافعي الأشعري (733 هـ ) ما نصه  :  ( كان الله ولا زمان ولا مكان ، وهو الان على ما عليه كان ) إيضاح الدليل (ص103-104 ) ،

118- وقال أيضا ما نصه  :  ( فإن قيل : نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة . " قلنا  : الموجود قسمان  : موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال ، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله . فالأول ممنوع لاستحالته ، والرب لا يتصرف فيه ذلك ، إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه ، فوجب تضديقه عقلا، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له ) إيضاح الدليل (ص 104- 105) ،

119- وقد ألَّف الشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى بن إسماعيل الكِلابي الحلبي الأصل المعروف بابن جَهْبَل (733 هـ) رسالة في الرد على ابن تيمية ، قال تاج الدين السبكي ما نصه  : (  ووقفتُ له - أي ابن جهبل - على تصنيف صنّفَه في نفي الجهة ردَّا على ابن تيمية لا بأس به ، وهو هذا" )اهـ . ثم ذكر هذه الرسالة بكاملها . وذَكر ابنُ جَهْبَل أنه ضَمَّنَ رسالته هذه عقيدة أهل السنة والرد على المشبهة المجسمة والحشوية والمتسترين بالسلف، ومما قاله  : ( ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه ، والمبتدعة تزعم أنها على مذهب السلف ) طبقات الشافعية الكبرى (9 :  35 - 36 )  ،

120- وقال ايضا  :  ( وها نحن نذكر عقيدة أهل السنة فنقول  : عقيدتنا أن الله قديم أزليٌّ ، لا يُشْبِهُ شيئا ولا يشبهه شيء ، ليس له جهة ولا مكان ، ولا يجري عليه وقتٌ ولا زمان ، ولا يقال له أين ولا حيث، يُرَى لا عن مقابلة ولا على مقابلة ، كان ولا مكان ، كوَّن المكان ، ودبَّرَ الزمان ، وهو الآن على ما عليه كان ، هذا مذهب أهل السنة ، وعقيدة مشايخ الطريق رضي الله عنهم ) المصدر السابق (9 :  41) ،

121- وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري المعروف بابن الحاج المغربي المالكي (737 هـ) وكان من أصحاب العلاّمة الولي العارف بالله الزاهد المقريء ابن أبي جمرة نفعنا الله به ما نصه  :
 ( لا يقال في حقه - تعالى - أين ولا كيف ) المدخل (3 :  146) ،

122- وقال أيضا ما نصه  :  ( فلا يقال أين ولا كيف ولا متى ، لأنه- تعالى - خالق الزمان والمكان ) المدخل (3 :  181) ،

123- قال المفسّر علي بن محمد المعروف بالخازن (741 هـ) :  إن الشيخ فخر الدين الرازى ذكر الدلائل العقلية والسمعية على أنه لا يمكن حمل قوله تعالى  :" الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيّز ، وقد أصدر الملك الناصر محمد بن قلاون (4) (741 هـ) في سنة خمس وسبعمائة مرسوما يحذر فيه من عقيدة ابن تيمية الزائغة المتضمنة . للتشبيه والتجسيم وأمر بقراءة هذا المرسوم على المنابر في مصر والشام بعد أن عقد له مجلس شرعي حضره قضاه الإسلام وحكام الأنام وعلماء الدين وفقهاء المسلمين واتفقوا على إنكار ما كان يدعو إليه من إثبات الحيز والمكان والجهة في حق الله تعالى. ومما جاء في هذا المرسوم الذي قُرِأ على مسمع من العلماء ما نصه  : ( وبلغنا أنه كان استتيب مرارّا فيما تقدم، وأخره الشرع الشريف لما تعرَّض لذلك وأقدم، ثم عاد بعد منعه، ولم تدخل تلك النواهي في سمعه وصح ذلك في مجلس الحاكم المالكي حكم الشرع الشريف أن يسجن هذا المذكور وأن يمنع من التصرف والظهور، ويكتب مرسومنا هذا بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبيه في اعتقاد مثل ذلك ، أو يعود له في هذا القول متبعاً ، أو لهذه الألفاظ مستمعا ، أو يسري في التشبيه مَسْراه ، أو يفوه بجهة العلو بما فاه ، أو يتحدَّث أحد بحرف أو صوت، أو يفوه بذلك إلى الموت، أو يتفوه بتجسيم، أو ينطق بلفظ في ذلك غير مستقيم، أو يخرج عن رأي الأئمة، أو ينفرد به عن علماء الأمة، أو يُحيِّزَ الله سبحانه وتعالى في جهة أو يتعرض إلى حيث وكيف، فليس لمعتقد هذا إلا السيف ) (( انظر تفسير الخازن (2 :  238). )) ، والمرسوم هذا مأخوذ من كتاب "نجم المهتدي " لابن المعلم القرشي (مخطوط) ،

124- وقال الشيخ حسين بن محمد الطيبي (743 هـ) عند شرح حديث الجارية ما نصه  :
 ( لم يُرِد - أي الرسول - السؤال عن مكانه - أي الله - فإنه منزه عنه ) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (6 :  340) ،

125- وقال المفسِّر ابي حيان الأندلسي (745 هـ) عند تفسير قوله تعالى  :" وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه "(19) ما نصه  : ( ِوعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة ) البحر المحيط سورة الأنبياء :  ءاية 19 (6 :  302 ) ،

126- وقال أيضا  : ( قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة ) البحر المحيط : (سورة الملك :  ءاية 16- 8 :  302) ،

127- وقال أيضا ما نصه  : ( إنه تعالى ليس في جهة ) البحر المحيط : (سورة فاطر :  ءاية 10- جزء 7  :  ص 303) ،

128- وقال الإمام المحقق القاضي عضد الدين عبد الرحمن الإيجي (756 هـ) في المواقف في الجزء الثالث صفحة 16 في المرصد الثاني في تنزيهه تعالى ما نصه  : ( المقصد الأول أنه تعالى ليس في جهة من الجهات ولا في مكان من الأمكنة وخالف فيه المشبهة وخصصوه بجهة الفوق " إلى أن قال : "لنا في إثبات هذا المطلوب وجوه (الأول) لو كان الرب تعالى. في مكان أو في جهة لزم قدم المكان أو الجهة وقد برهنّا أن لا قديم سوى الله تعالى وعليه الاتفاق من المتخاصمين (الثاني) المتمكن محتاج إلى مكان بحيث يستحيل وجوده بدونه والمكان مستغن عن المتمكن لجواز الخلاء فيلزم إمكان الواجب ووجوب المكان وكلاهما باطل (الثالث) لو كان في مكان فإما أن يكون في بعض الأحياز أو في جميعها وكلاهما باطل (أما) الأول فلتساوي الأحياز في أنفسها لأن المكان عند المتكلمين هو الخلاء المتشابه وتساوى نسبته أي نسبة ذات الواجب إليها وحينئذ فيكون اختصاصه ببعضها دون بعضءاخر منها ترجيحا بلا مرجـح إن لم يكن هناك مخصص من خارج، أو يلزم الاحتياج أي احتجاج الواجب في تحيزه الذي لا تنفك ذاته عنه إلى الغير إن كان هناك مخصص خارجي (وأما) الثاني وهو أن يكون في جميع الأحياز فلأنه يلزم تداخل المتحيزين لأن بعض الأحياز مشغول بالأجسام وأنه أي تداخل المتحيزين مطلقا محال بالضرورة، وأيضا فيلزم على التقدير الثاني مخالطته لقاذورات العالم،. تعالى عن ذلك علوا كبيرا (الرابع) لو كان متحيزا لكان جوهرا لاستحالة كون الواجب تعالى عرَضا وإذا كان جوهرا فإما أن لا ينقسم أصلا أو ينقسم وكلاهما باطل (أما) الأول فلأنه يكون حينئذ جزءا لا يتجزأ وهو أحقر الأشياء، تعالى الله عن ذلك (وأما) الثاني فلأنه يكون جسما وكل جسم مركب وقد مرّ أن التركيب الخارجي ينافي الوجوب الذاتي، وأيضا فقد بيَّنا أن كل جسم محدث فيلزم حدوث الواجب ) ذكره محمود خطاب السبكي في ( إتحاف الكائنات (ص 130 -131) ،

129- وكان العلامة الحافظ الفقيه المجتهد الأصولي الشيخ تقي الدين علي ابن عبد الكافي السبكي الشافعي الأشعري (756 هـ) ينزّه الله عن المكان ورد على المجسمة الذين ينسبون المكان والجهة لله تعالى ، ذكر ذلك في رسالته ( السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل ) وهو ابن قيم الجوزية ، فقال ما نصه  :
 ( ونحن نقطع أيضا بإجماعهم - أي رسل الله وأنبيائه - (على التنزيه) ، أما يستحي من ينقل إجماع الرسل على إثبات الجهة والفوقية الحسية لله تعالى؟ وعلماء الشريعة ينكرونها . أما تخاف منهم أن يقولوا له إنك كذبتَ على الرسل ) السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل (ابن قيم الجوزية) : (ص 105)
130- وكذا الحافظ صلاح الدين أبو سعيد خليل العلائي (761 هـ) كان على عقيدة أهل الحق في تنزيه الله عن المكان والجهة ، فقد وقف على رسالة في العقيدة ألَّفها الشيخ أبو منصور فخر الدين بن عساكر وأثنى عليها بقوله  : ( وهذه "العقيدةُ المرشدةُ" جرى قائلها على المنهاج القويم، والعَقْد المستقيم، وأصاب فيما نزَّه به العليَّ العظيم ) طبقات الشافعية الكبرى : ترجمة عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله (8 :  185) ، قلت  : قال تاج الدين السبكي عن هذا الحافظ العلائي  : (كان حافظا ثبتا ثقة عارفا بأسماء الرجال والعلل والمتون، فقيها متكلما أديبا شاعرا ناظما ناثرا أشعريا صحيح العقيدة سنيا، لم يخلف بعده في الحديث مثله) اهـ، طبقات. ا لشافعية (10 :  36) فتأمل ،

131- وكذا الشيخ تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي الأشعري (771 هـ) كان ينزه الله عن المكان والجهة ، فقال ما نصه عن الله  : ( حيٌّ عـليـمٌ قـادرٌ مـتكـلـمٌ عـال ولا نـعـنـي عُـلُـوَّ مـكـان ، ثم قال  : "وإلُهنا لا شيء يُشبُههُ ولـيس بمشبه شـيئا من الـحِـدْثـِانِ ، قد كـان ما معه قـديما قـطُّ من شيء ولـم يَـبْـرح بـلا أعـوان ، خلق الجهات مع الزمان مع المكان الكـل مخـلوق على الإمكـان ، ما إن تحُـلُّ به الحـوادثُ لا ولا كلا وليس يحُلُّ في الجسمان ) المصدر السابق : ترجمة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (3  : 381 - 382 ) ،

132- وقال أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي (790 هـ) ما نصه  : ( سألني الشيخ الاستاذ الكبير الشهير أبو سعيد فرج بن قاسم ابن لُب التغلبي (782 هـ) أدام الله أيامه عن قول ابن مالك في "تسهيل الفوائد" في باب اسم الإشارة  : " وقد يغني ذو البعد عن ذي القرب لعظمة المشير أو المشار إليه " فقال : إن المؤلف مثل عظمة المشير في الشرح بقوله تعالى  :" وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) سورة طه ، ولم يبين ما وجه ذلك ، فما وجهه؟ ففكرت فلم أجد جوابا . فقال  : وجهه أن الإشارة بذي القرب ههنا قد يُتوهم فيها القرب بالمكان ، والله تعالى يتقدس عن ذلك، فلما أشار بذي البعد أعطى بمعناه أن المشير مباين للأمكنة، وبعيد عن أن يُوصف بالقرب المكاني، فأتى البعدُ في الإشارة منبها على بعد نسبة المكان عن الذات العلي وأنه يبعد أن يحلَّ في مكان أو يدانيه ) الإفادات والإنشادات رقم 11- إفادة : الإشارة للبعيد باسم الإشارة الموضوع للقريب (ص93- 94) ،

133- وقال الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني (768 هـ) بعد أن ذكر عقيدة الصوفية في تنزيه الله عن الجهة والمكان ما نصه  : ( فأنا أذكر الآن عقيدتي معهم على جهة الاختصار فأقول وبالله التوفيق  : الذي نعتقده أنه سبحانه وتغالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله ، وبالمعنى الذي أراده ، استواء منزها عن الحلول والاستقرار والحركة والانتقال ، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ، لا يقال أين كان ولا كيف كان ، ولا متى ، كان ولا مكان ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ، تعالى عن الجهات والأقطار والحدود والمقدار ) روض الرياحبن (ص498) ،

134- وقال العلامة الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني (791هـ) في تنزيه الله عن المكان والحيز والجهة ما نصه  : ( وأما الدليل على عدم التحيز فهو أنه لو تحيز فإما في الأزل فيلزم قدم الحيز، أو لا فيكون محلاًّ للحوادث ، وأيضّا إمّا أن يساوي الحيز أو ينقص عنه فيكون متناهيا ، أو يزيد عليه فيكون متجزئا ، وإذا لم يكن في مكان لم يكن في جهة . لا علو ولا سفل ولا غيرهما ) أنظر شرحه على العقيدة النسفية (ص 72) ،

135- وقال اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادى(817 هـ) ما نصه : ( وقرب الله تعالى من العبد هو الإفضال عليه والفيض لا بالمكان ) بصائر ذوى"التمييز (مادة : ق رب، 4 :  254)

136- وقال الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826 هـ) ما نصه  :
 ( وقوله أي النبي - "فهو عنده فوق العرش " لا بد من تأويل ظاهر لفظة" عنده " لأن معناها حضرة الشيء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة ، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف ، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده ) انظر طرح التثريب (8 : ،84) . وهذا يدل على أن عقيدة أهل الحديث تنزيه الله عن المكان والجهة ، ومن نسب إليهم خلاف ذلك فقد افترى عليهم ،

137- وقال الحافظ ابن حجر (852 هـ) ما نصه  : ( ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالا على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى ، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس ، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي ، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شيء علما جلّ وعز )  فتح الباري(6 :  136) ،

138- وقال أيضا عند شرح حديث النزول ما نصه : ( استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو ، وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز ، تعالى الله عن ذلك ) فتح الباري (3 :  30) ،

139- وقال أيضا  : ( فمعتمد سلف الأئمة وعلماء السنة من الخلف أن الله منزه عن الحركة والتحول والحلول، ليس كمثله شيء ) فتح الباري 7 :  124) ،

140- وقال أيضا عند شرح قول البخاري : "بابٌ :تحاجَّ آدمُ وموسى عند الله "ما نصه  : ( فإن العندية عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان ) فتح الباري (11 :  505) ،

141- وقال الشيخ بدر الدين محمود بن أحمد العَيْني الحنفي (855 هـ) في شرحه على صحيح البخاري ما نصه : ( ولا يدل قوله تعالى  : " وكان عرشه على الماء " (7) سورة طه على، أنه - تعالى - حالّ عليه ، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء ، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه ) عمدة القاري (مجلد 12 :  25 :  111) ،

133- وقال أيضا ما نصه  : ( تقرر أن الله ليس بجسم ، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان ) عمدة القاري (مجلد 12 :  25 :  117) ،

142- وقال الشيخ جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي (864 هـ) عند شرح قول تاج الدين السبكي :  "ليس- الله - بجسم ولا جوهر ولا عَرَض لم يزل وحده ولا مكان ولا زمان" ما نصه  : ( أي هو موجود وحده قبل المكان والزمان فهو منزه عنهما ) أنظر شرحه على متن جمع الجوامع (مطبوع مع حاشة البناني) (2 :  405) ،

143- وقال الشيخ محمد بن محمد الحنفي المعروف. بابن أمير الحاج الحنفي (879 هـ) ما نصه  : ( ولترجيح الأقوى دلالة لزم نفي التشبيه عن البارئ جل وعز في "عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى" ونحوه مما ظاهره يوهم المكان بقوله تعالى "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" لأنه يقتضي نفي المماثلة بينه وبين شيء ما ، و المكان والمتمكن فيه يتماثلان من حيث القدر، إذ حقيقة المكان قدر ما يتمكن فيه المتمكن لا ما فضل عنه ، وقدم العمل بهذه الآية لأنها محكمة لا تحتمل تأويلا ) التقرير والتحبير (3 :  18 ) ،

145- وقال الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي (885 هـ) صاحب تفسير "نظم الدُّرر" ما نصه  : ( ثبت بالدليل القطعي على أنه سبحانه ليس بمتحيِّز في جهة ) نظم الدرر (20 :  248) ،

146-  وقال ابن كثير رحمه الله ( 774 هـ ) في تفسير قوله تعلى ( ثم استوى على العرش ) ما نصه  :
 ( وانما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح  : مالك والاوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي واحمد واسحاق بن راهوية وغيرهم من ائمة المسلمين قديما وحديثا ، وهو امرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ، والظاهر المتبادر الى اذهان المشبهين منفي عن الله تعالى ، فان الله تعالى لا يشبهه شيء من خلقه  : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) انظر تفسيره ( 2  :  211 ) ،

147- وقال ايضا عند تفسير قوله تعالى ( وهو العلي العظيم ) ما نصه  : ( وهذه الآيات وما في معناها من الاحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف  : امروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ) ،

148-  وقال ايضا عند تفسير قوله تعالى ( وهو القاهر فوق عباده ) ما نصه  : ( اي هو الذي خضعت له الرقاب ، وذلت له الجبابرة وعنت له الوجوه ، وقهر كل شيء ، ودانت له الخلائق ، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته على الاشياء ، واستكانت وتضاءلت بين يديه ، وتحت قهره وحكمه ) ،

149- وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي عند ذكر ما يستحيل في حقه تعالى (895 هـ) ما نصه  : ( والمماثلة للحوادث بأن يكونَ جرما أي يأخُذُ ذاتُه العلي قدرا من الفراغ ، أو أن يكون عَرضا يقوم بالجرم ، أو يكون في جهة للجرم ، أو له هو جهة ، أو يتقيد بمكان أو زمان ) انظر أم البراهين في العقائد (متن السنوسية) ، المطبوع ضمن مجموع مهمات المتون (ص :  4) ،

150- قال الشيخ محمد الهدهدي المصري شارحا لكلام السنوسي ما نصه   ( وكذا يستحيل عليه ما يستلزم مماثلته للحوادث بأن يكون في جهة للجرم بأن يكون فوق الجرم أو تحت الجرم أو يمين الجرم أو شمال الجرم أو أمامه أو خلفه ، لأنه لو كان في جهات الجرم لزم أن يكون متحيزا ، وكذا يستحيل عليه أن يكونا له جهة لأن الجهة من لوازم الجرم ) شرح الهدهدي على أم البراهين (ص 88 ) ،

151- وقال القاضي مصطفى بن محمد الكستلي الحنفي الرومي (901 هـ) في حاشيته على شرح التفتازاني على النسفية عند شرح قول التفتازاني في تنزيه الله عن الجهة والحيز ما نصه  :  ( قوله  : فيلزم قدم الحيز ) إذ المتحيز لا يوجد بدون الحيز فقدمه يستلزم قدمه ) حاشية الكستلي على شرح العقائد (ص72) ،

152- وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي عند ذكر ما يستحيل في حقه تعالى (895 هـ) ما نصه  : ( والمماثلة للحوادث بأن يكونَ جرما أي يأخُذُ ذاتُه العلي قدرا من الفراغ ، أو أن يكون عَرضا يقوم بالجرم ، أو يكون في جهة للجرم ، أو له هو جهة ، أو يتقيد بمكان أو زمان ) انظر أم البراهين في العقائد (متن السنوسية) ، المطبوع ضمن مجموع مهمات المتون (ص 4) ،

153- قال الشيخ محمد بن منصور الهدهدي المصري شارحا لكلام السنوسي ما نصه  :
( وكذا يستحيل عليه ما يستلزم مماثلته للحوادث بأن يكون في جهة للجرم بأن يكون فوق الجرم أو تحت الجرم أو يمين الجرم أو شمال الجرم أو أمامه أو خلفه ، لأنه لو كان في جهات الجرم لزم أن يكون متحيزا، وكذا يستحيل عليه أن يكونا له جهة لأن الجهة من لوازم الجرم ) شرح الهدهدي على أم البراهين (ص 88 ) ،

154- وقال القاضي مصطفى بن محمد الكستلي الحنفي الرومي (901 هـ) في حاشيته على شرح التفتازاني على النسفية عند شرح قول التفتازاني في تنزيه الله عن الجهة والحيز ما نصه  :  ( قوله  : فيلزم قدم الحيز ) إذ المتحيز لا يوجد بدون الحيز فقدمه يستلزم قدمه ) حاشية الكستلي على شرح العقائد (ص72) ،

155- الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي (902 هـ )ما نصه  :  ( قال شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر -  : إن علم الله يشمل جميع الأقطار ، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن ، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ) المقاصد الحسنة (رقم 886 ، ص 342) ،

156- وذكر الإمام السيوطي :   ( قال القرطبي  : هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة ، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان . وقال البدر بن الصاحب في تذكرته  : في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى ) شرح السيوطي لسنن النساني ( 1  :  576 ).

157- وقال الشيخ أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني المصري (933هـ) في شرحه على صحيح البخاري ما نصه  :  ( ذات الله منزه عن المكان والجهة ) إرشاد الساري (15 :  451 ).

158- وقال أيضا ما نصه  :   ( قول الله تعالى "وُجُوُهٌ" هي وجوه المؤمنين "يَوْمَئًذٍ" يوم القيامة "نَّاضِرَةٌ حسنة ناعمة "إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة ) إرشاد الساري (15 :  462 ) ،

159- وقال الشيخ القاضي زكريا الأنصاري الشافعي (926 هـ) في شرحه على "الرسالة القشيرية" ما نصه  :  ( إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان ) حاشية الرسالة القشيرية (ص 2) ،

160- وقال أيضا عن الله ما نصه  :  ( لا مكان له كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان ) حاشية الرسالة القشيرية ( ص 5 ) ،

161- وقال في تفسيره ما نصه  : ( هو تعالى منزه عن كل مكان ) فتح الرحمن  : تفسير سورة الملك (ص 595) ،

162- وقال الشيخ أبو علي محمد بن علي بن عبد الرحمن الصوفي الزاهد المعروف بابن عِراق الكناني الدمشقي نزيل بيروت (933 ) ما نصه  :  ( كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ، جَلَّ عن التشبيه والتقدير ، والتكييف والتغيير ، والتأليف والتصوير ) انظر تاريخ النور السافر (ص175 ) ، قلت وابن عراق هذا ولد بدمشق ورحل إلى مصر والتقى بعدد من العلماء منهم القاضي زكريا وجلال الدين السيوطي ، ورجع إلى الشام ثم انتقل إلى بيروت وقعد لتربية المريدين وبنى بها دارا لعياله ورباطا للفقراء ، وهو صاحـب الزاوية المشهورة بزاوية ابن عِراق في وسط بيروت ، وحج وتردد بين الحرمين مرارا ، وتوفي رحمه الله تعالى بمكة المكرمة ، وهو والد علي بن محمد صاحب كتاب (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة) . أنظر ترجمته  : تاريخ النور السافر (ص174)، شذرات الذهب (8  :  196 )، وغيرها من المصادر 151 ،

163-وقال أيضا ما نصه  : ( ذات الله ليس بجسم ، فالجسم بالجهات محفوف ، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ، على العرش استوى من غير تمكن ولا جلوس ) تاريخ النور السافر (ص 175 ) .

164- وقال الحافظ المؤرخ محمد بن علي المعروف بابن طولون الحنفي (953 هـ) ما نصه  :  ( قال الحافظ ابن حجر  : إن علم الله يشمل جميع الأقطار ، والله سبحانه وتعالى تنزه عن الحلول في الأماكن ، فالله سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ) الشذرة في الأحاديث المشتهرة (2  :  72، رقم 758 ) .

165- ويقول الشيخ الشعراني المصري (973 هـ) في لطائف المتن والأخلاق  : ( ومما مَنَّ الله تبارك وتعالى به علي عدم قولي بالجهة في !الحق تبارك وتعالى من حين كنت صغير السن عناية من الله سبحانه وتعالى بي ) لطائف المنن والأخلاق (ص 275).

166- وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي (974 ) ما نصه  :  ( عقيدة إمام السُّنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه موافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامّة في تنزيه الله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا من الجهة والجسمية وغيرهما من سائر سمات النقص ، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق ، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه ) الفتاوى الحديثية (ص 144) ،

167- وقال الشيخ محمد الخطيب الشربيني المصري (977 هـ) ما نصه : ( ثبت بالدليل القطعي أنه - تعالى - ليس بمتحيز لئلا يلزم التجسيم ) تفسير القرءان الكريم (سورة الملك :  ءاية 16- 4 :  344 - 345 ) ،

168- وقال أيضا  :  ( قال القرطبي - المفسّر -  : ووصْفه - تعالى - بالعلوّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام ، ولأنه تعالى خلَق الأمكنة وهو غير متحيز ، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان ، وهو الآن على ما عليه كان ) تفسير القرءان الكريم (سورة الملك :  آية 16- 4 :  344 - 345 ) ،

169- وقال الشيخ مُلاّ علي القاري الحنفي (1014هـ) ما نصه  : ( وأما علوّه تعالى على خلقه المُستفاد من نحو قوله تعالى  :" وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ، فعلو مكانة ومرتبة لا علو مكان كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة بل وسائر طوائف الإسلام من المعتزلة والخوارج وسائر أهل ، البدعة إلا طائفة من المجسمة وجهلة من الحنابلة القائلين بالجهة ، تعالى الله عن ذلك علوا كبير ) انظر شرح الفقه الأكبر  : بعد أن انتهى من شرح رسائله الإمام أبي حنيفة (ص 196 -197 ).

170- وقال ما نصه  : ( إنه سبحانه ليس في مكان من الأمكنة ولا في زمان من الأزمنة ، لأن المكان والزمان من جملة المخلوقات وهو سبحانه كان موجودا في الأزل ولم يكن معه شيء من الموجودات ) انظر شرح الفقه الأكبر  : عند شرح قول أبي حنيفة  : "وهو شيء لا كالأشياء"(ص 54 ) ، وقال العلامة الدسوقي (1230هـ) في حاشيته على شرح أم البراهين عند قول المصنف في المستحيلات  :  ( أو يكون في جهة أو يكون له هو جهة )  : حاصله أنه يستحيل أن يكون له تعالى جهة بأن يكون له يمين أو شمال أو فوق أو تحت أو خلف أو أمام لأن الجهات الست من عوارض الجسم ففوق من عوارض الرأس وتحت من عوارض الرجل ويمين وشمال من عوارض الجنب الأيمن والأيسر وأمام وخلف من عوارض البطن والظهر ومن استحال عليه أن يكون جرمّا استحال عليه أن يتصف بهذه الأعضاء ولوازمها ) ذكره محمود خطاب السبكي في كتابه "إتحاف الكائنات" (ص 130).

171- وقال الشيخ العلامة أبو البركات أحمد بن محمد الدردير المالكي المصري (1201هـ) عن الله تعالى ما نصه  :  ( منزهٌ عن الحـلول والجـهه *** والاتـصـال الانـفـصـال والسَّفـه ) الخريدة البهية ( ضمن مجمرع مهمات المتون ) (رقم البيت 31  :  ص 25 ).

172- وقال الامام النفراي رحمه الله ( 1125 هـ ) ما نصه  : ( ( قوله وسع كرسيه الى قوله في كل مكان بعلمه ) اي لم يضق عنهن إذ فضله على السماوات والارض كفضل الفلاة على الحلقة والكرسي في الاصل واحد الكراسي الذي يجلس عليه ، وهذا مستحيل في حقه تعالى علوا كبيرا ) نقله عنه محمد بن احمد البشير البكري الشنقيطي في كتابه كوثر الاماني والتهاني لموارد النجاح والفلاح ( 2  :  260 ) ،

173-  وقال ايضا ما نصه  : ( واعلم ان الفوقية عبارة عن كون الشيء أعلى من غيره ، وتكون حسية ومعنوية ، والذي يستحيل عليه المكان والحسمية لاتكون فوقيته إلامعنوية ، ففوقية الله على عرشه ؛ المراد بها فوقية معنوية كما قدمنا) نقله عنه محمد بن احمد البشير البكري الشنقيطي في كتابه كوثر الاماني والتهاني لموارد النجاح والفلاح ( 2  :  261) ،

174- وقال المحدث اللغوي الفقيه السيد محمد مرتضى الزبيدي الحنفي (1205هـ) ما نصه  : ( إنه سبحانه لا مكان له ولا جهة ) إتحاف السادة المتقين (2  :  24).

175- وقال أيضا  :  ( إنه تعالى مقدس منزَّه عن التغير من حال إلى حال والانتقال من مكان إلى مكان ، وكذا الاتصال والانفصال فإن كلاًّ من ذلك من صفات المخلوقين ) المصدر السابق (2  :  25).

176- وقال أيضا  :  ( تقدس - أي الله - عن أن يَحويه مكان فيُشار إليه أو تضمه جهة ) المصدر السابق (2  :  25).

177- وقال أيضا ما نصه  : ( ذات الله ليس في جهة من الجهات الست ولا في مكان من الأمكنة ) المصدر السابق (2  :  103).

178- وسأل الأديبَ أحمد اليافي مفتي الشام محمد خليل المرادي (1206 هـ) ما نصه  :  ( قلت  : ما الدليل على قيامه بنفسه أيها الأجلّ ؟ قال  : استغناؤه عن المخصِّص والمحل ، وقال  : قلت  : ما الدليل على أنه ليس بجسم ولا عرض في زمان ؟ قال  : عدم افتقاره إلى المحل والمكان ) علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجري (1  :  172 - 173 ) ، قلت  : فانظر الى جمال السؤال من السائل ، وانظر الى فطنة ذلك العالم لله دره

179- وقال الشيخ الصوفي الزاهد العلامة مولانا خالد بن أحمد النقشبندي (1242هـ) دفين دمشق ما نصه  :
 ( أشهد بأن الله ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، وكذلك صفاته ، لا يقوم به حادث ولا يحل في شيء ولا يتحد بغيره ، مقدس عن التجسم وتوابعه وعن الجهات والأقطار ) علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجرى (1  :  312 ).

180- وقال أيضا ما نصه  : ( أشهد بأن الله مقدس عن التجسم وتوابعه وعن الجهات والأقطار ) المصدر السابق (1  :  312) ،

181- وقال الشيخ الفقيه محمد أمين بن عمر المعروف بابن عابدين الحنفي الدمشقي صاحب الحاشية المعروفة (1252هـ) ما نصه  : ( ودنا من الرحمن عز وجل قرب مكانة من غير قرب مكان) المصدر السابق (1  :  422 ) ،

182- وقال مفتي بيروت المحدث الشيخ عبد اللطيف فتح الله الحنفي (1260هـ) عن قول صاحب بدء الأمالي  : ( نسمي الله شيئا لا كالأشياء وذاتا عن جـهات الست خالـي فقال ما نصه  : ( قد لم ثبت بالدليلين النقلي ، والعقلي مخالفته تعالى للحوادث قوله تعالى  :" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ وغير ذلك من الأدلة النقلية والعقلية ذكرها أهل الكلام، والكلام عليها طويل ) أنظر ديوان المفتي الشيخ عبد اللطيف فتح الله ،

183-قال الشيخ أحمد مرزوقي المالكي المكي(كان حيا سنة1281هـ) ما نصه  : ( وبـعـد إسراءٍ عُـرُوجٌ لـلسـمـا ... حتى رأى النبيُّ ربَّا كلَّما  ... من غير كيف وانحصارٍ وافْترضْ ... عليه خَمْسا بعد خمسين فَرَضْ ) منظومته عقيدة العوام ،

184- وذكر العلامة ابن مرزوق عن العلامة أبي عبد الله بن الجلال ما نصه  :  ( لو كان - الله - في العالم أو خارجاً عنه لكان مماثلاً ، وبيانُ المماثلة واضح ، أما في الأول  : فلأنه إن كان في العالم صار من جنسه، فجيب له ما وجب له ) ، قلتُ : أي صار من قبيل الأجسام ومادة العالم ؛ لأنه إن كان داخل العالم فيكون جزءاً منه ، وما كان جزءاً من شيء كان مماثلاً له في الجنس، فالورقُ مثلاً ليس من جنس الحديد إلا باعتبار أن كليهما أجسام ومواد، ولذا لا يمكن أن يكون الورق جزءاً من الحديد ، وكذا الطير ليس جزءاً من الأحجار لاختلاف الجنس ، إلا باعتبار أن كليهما أجسام ، ( وأما في الثاني  : فلأنه إن كان خارجاً لزم إما اتصاله وإما انفصاله : إما بمسافةٍ متناهية أو غير متناهية، وذلك كله يؤدي لافتقاره إلى مخصص ) انتهى كلام العلامة ، انظر حسن المحاججة للأستاذ العلامة النَّظَّار سعيد فودة حفظه الله تعالى .

185- وقال الشيخ إبراهيم البيجوري الشافعي (1277هـ) ما نصه ( إن يُرى بلا تكيف للمرئي بكيفية من . كيفيات الحوادث من مقابلة وجهة وتحيز وغير ذلك ) تحفة المريد على جوهرة التوحيد (رقم البيت 54  :  ص 80 ).

186-وقال الامام الشوكاني في تفسير قوله تعلى ( ثم استوى على العرش ) ما نصه  :  ( اي استولى عليه بالحفظ والتدبير ، او استوى امره ، او اقبل على خلق العرش ) !!! انظر فتح القدير ( 3  :  63 ) طبعة البابي الحلبي ، ويقول الشيخ عمر بن محمد الأنسي الشافعي البيروتي (293 اهـ) في ديوانه ما نصه  :
 ( مـكـانٌ شـادَه شـرفـا وعِـزَا ... إلـهٌ لا يـحـيـط بـه مـكـانَ ) المورد العذب (ص 276 ) ،

187- قال الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني الحنفي الدمشقي (298اهـ) ما نصه : ( والله تعالى ليس بجسم ، فليست رؤيته كرؤية الأجسام ، فإن الرؤية تابعة للشيء على ما هو عليه ، فمن كان في مكان وجهة لا يرى إلا في مكان وجهة كما . هو كذلك ، ويرى - أي المخلوق - بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة ومن لـم يكن في مكان ولا جهه وليس بجسم فرؤيته كذلك ليس في مكان ولا جهة ) انظر شرحه على العقيدة الطحاوية ( ص 69 ) ،

188- وقال الشيخ المتكلم عبد الله بن عبد الرحمن الدهلي الحنفي ( كان حيا سنة 1299 هـ ) ما نصه  :
 ( أقول  : إن معنى كلامهم إن المولى سبحانه وتعالى منزه عن الجهات الستة أن المعنى في ذلك أنه لا تحويه جهة من هذه الجهات الستة بل ولا كلها ) انظر روض المجال في الرد على أهل الضلال (ص 7 ) ،

189- وقال الشيخ برهان الدين إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني المصري المالكي (1041)هـ صاحب منظومة "جوهرة التوحيد" في العقائد ما نصه  : ( ويستحيل ضِدُّ ذي الصفات في حقه كـالكون في الجـهات ) جوهرة التوحيد (ضمن مجموع مهمات المتون) (رقم البيت 43  :  ص 13) ،

190- وقال الشيخ المؤرخ أحمد بن محمد المقري التلمساني المالكي الأشعري (1041هـ) في تنزيه الله عن المكان ما نصه  : ( أو بارْتسَام في خيال يُعْتَبَرْ *** أو بزمان أو مكـان أو كِـبَرْ) إضاءة الدُّجْنَة في عقاند أهل السنة (ص 48 ) ،

191- وقال منزها الله عن الجهة ما نصه  : ( جَلَّ عن الجهات ) المصدر السابق (ص 49).

192- وقال المحدِث الشيخ محمد بن علي المعروف بابن علاّن الصّديقي الشافعي (1057هـ) ما نصه :  ( إن الله فوق كل موجود مكانة واستيلاء لا مكانا وجهة ) الفتوحات الربانية (مجلد 4 :  7 : 327).

193- وقال الشيخ عبد السلام بن إبراهيم اللقاني المصري المالكي (1078ها) عند ذكر ما يستحيل عليه تعالى ما نصه  :  ( أو يكون في جهة للجرم ، أو له هو جهة ، أو يتقيد بمكان أو زمان ) شرح جوهرة التوحيد (ص 137).

194- وقال العلامة الشيخ كمال الدين البياضي الحنفي (1098هـ) ما نصه  : ( وقال في الفقه الأبسط  : (كان الله تعالى ولا مكان ، كان قبل أن يخلق الخلق ، كان ولم يكن أين ) أي مكان ، " (ولا خلق ولا شيء، وهو خالق كل شيء ) مُوجد له بعد العدم ، فلا يكون شيء من المكان والجهة قديما ) انظر إشارات المرام (ص 197).

195- وقال أيضا في كتابه "إشارات المرام" ممزوجا بالمتن ما نصه  : ( ولقاء الله تعالى لأهل الجنة حق بلا كيفيّة ولا تشبيه له تعالى بشيء من المخلوقات ولا جهة له ولا تحيّز في شيء من الجهات، وفيه إشارات :
الأولى  : أنه تعالى يُرى بلا تشبيه لعباده في الجنة بخلق قوة الإدزاك في الباصرة من غير تحيّز ومقابلة ولا مواجهة ولا مسـامته ) إشارات المرام (ص 201).

196- وقال الشيخ محمد بن عبد الباقي الزُّرقاني المالكي (1122هـ) في شرحه على موطأ مالك ما نصه  : ( وقال البيضاوي  : لما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك (2  :  36).

197- وقال الشيخ محمد بن عبد الهادي السِّندي الحنفي شارح سنن النسائي (1138هـ) عند شرح حديث ( أقرب ما بكون العبد من ربه وهو ساجد ) ما نصه  : ( قال القرطبي  : هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة والمساحة ، لأنه تعالى منزه عن المكان والزمان . وقال البدر بن الصاحب في تذكرته  : وفي الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى ) حاشية السندي على سنن النساني (576  : 1 ).

198- وقال الشيخ أبو حفص الفاسي في حواشي الكبرى ما نصه  :  ( لا شك أن المعتقد هو أن الله تعالى سبحانه ليس في جهة ، وقد أوضح الأئمة تقريره في الكتب الكلامية بما لا مزيد عنه ، فهو سبحانه ليس داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه ، وتوهم أن في هذا رفعاً للنقيضين وهو محال ، باطلٌ ؛ إذ لا تناقض بين داخل وخارج ، وإنما التناقض بين داخل ولا داخل ، وليس خارج مساوياً للداخل ، وإنما هو أخص منه، فلا يلزم من نفيه نفيه ؛ لأن نفي الأخص أعم من نفي الأعم، والأعم لا يستلزم الأخص ، فإن قيل  : بم ينفرد هذا الأعم الذي هو لا داخل ، عن الأخص الذي هو خارج ، قلنا : ينفرد في موجود لا يقبل الدخول ولا الخروج ولا الاتصال ولا الانفصال ، وهذا يحمله العقل ، ولكن يقصر عنه الوهم، وقصور الوهم منشأ الشبهة ، ومثار دعوى الاستحالة ) انظر حسن المحاججة للأستاذ العلامة النَّظَّار سعيد فودة حفظه الله تعالى ،

199-  وفي كتاب (الفتاوي الهندية) لجماعة من علماء الهند ما نصه  : ( يكفر بإثبات المكان لله تعالى . ولو قال  :الله في السما فإن قصد به حكاية ما جاء فيه ظاهر الأخبار لا يكفر وإن أراد به المكان يكفر ) انظر كتاب (الفتاوي الهندية)لجماعة من علماء الهند(2 : 259 )،

200- وقال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق - وهو من كتب الحنفية المشهورة - ما نصه  :
 ( ويكفر بإثبات المكان لله تعالى ، فإن قال  : الله في السماء فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان يكفر ) .

201-  قال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي عند ذِكر ما يوقع في الكفر والعياذ بالله ما نصه
 ( وكإعتقاد جسمية الله وتحيّزه،فإنه يستلزم حدوثه واحتياجه لمحدِث ) انظر كتابه منح الجليل شرح مختصر خليل (9 : 206)

202- قال الشيخ محمد حمدي الجويجاتي الدمشقي (1411 هـ) ما نصه  : ( ويستحيل على الله احتياجه لغيره، وللزمان والمكان، إذ هو خالق الزمان والمكان ) العقيدة الاسلامية (ص 8- 9 ).

203- وقال العلامة المحدث محمد زاهد الكوثري الأشعري رحمه الله ما نصه  : ( وقصة الجارية مذكورة فيما بأيدينا من نسخ مسلم لعلها زيدت فيما بعد إتماماً للحديث, أو كانت نسخة المصنف ناقصة, وقد أشار المصنف إلى اضطراب الحديث بقوله  : ( وقد ذكرت في كتاب الظهار مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث )، وقد ذكر في السنن الكبرى 7  : 387 اختلاف الرواة في لفظ الحديث مع أسانيد كل لفظ من ألفاظهم ، وهي  : (أين الله ؟ ، فقالت : في السماء ) ، مع لفظ  : ( فأنها مؤمنة ) ، وبدونه  : ( وأين الله, فأشارت إلى السماء بإصبعها )، و ( من ربك ؟ قالت : الله ربي ) ، و ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ ، قالت  : نعم )، و (من ربك ؟ ، قالت  : الله )، وقد توسعنا في شرح الحديث وبيان مبلغ اضطرابه سنداً و متناً فيما كتبناه على نونية ابن القيم ص94 فليراجع , وهناك بغية الباحث ) انظر تعليقه على كتاب الأسماء والصفات للحافظ البيهقي الأشعري ( ص 533 ) .

204- قال الصوفي الزاهد العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي الحنفي (1143هـ) ما نصه  : ( فيتنزه سبحانه وتعالى عن جميع الأمكنة العلوية والسفلية وما بينهما ) رائحة الجنة شرح إضاءة الدُّجنَة (ص48 - 49 )

205- وقال أيضا  : ( الجهات جمع جهة ، وهي ست  : فوق وتحت ويمين وشمال وقدام وخلف ، والجهة عند المتكلمين هي نفس المكان باعتبار إضافة جسم ءاخر إليه. ومعنى كون الجسم في جهة كونه مضافا إلى جسم ءاخر حتى لو انعدمت الأجسام كلها لزم من ذلك انعدام الجهات كلها، لأن الجهات من توابع الأجسام واضافاتها كما قدمناه في المكان والزمان وحيث انتفى عن الله تعالى الزمان والمكان انتفت الجهات كلها عنه تعالى أيضا لأن جميع ذلك من لوازم الجسمية وهي مستحيلة في حقه تعالى ) المصدر السابق ،

206- وقال مفتي ولاية بيروت الشيخ عبد الباسط الفاخوري الشافعي (1323 هـ) عن الله ما نصه  :
 ( ليس بجِرم يأخذ قدرا من الفراغ ، فلا مكان له ، وليس بعرض يقوم بالجرم ، وليس في جهة من الجهات ، ولا يوصف بالكِبَر ولا بالصغر ، وكل ما قام ببالك فالله بخلاف ذلك ) انظر الكفاية لذوي العناية ( ص 13 ) ،

207- وقال أيضا  : ( تنزه - أي الله - عن المكان والزمان ) المجالس السنية ( ص 2 ).
قلت : وذكر ذلك في افتتاحية كتابه "المجالس السنية"، مما يدل على أنه كان يعطي علم التوحيد اهتمامه ، ولذلك كان رحمه الله حريصا على تعليم الصغار والكبار تنزيه الله عن المكان والزمان و الجسمية وكل صفات المخلوقين ،

208- وقال أيضا  : ( لا ينبغي للإله الواحد الصمد أن يحتوى بـمكـان هو خـالـقه ، بل كان ربي ولا عرش ولا مَلَكٌ ولا سـمـاء ورب الـعـرش واجـده ،وكـل من في مكان فهو مفتقر إلى المكان ويحويه سرادقه ) المصدر السابق (ص 119 ).

209- وقال أيضا ما نصه  : ( إن الله يُرى في الآخرة - بلا كيف ولا شبهٍ ولا مثالٍ ولا حد ولا ند ولا ضد ، ولا مقابلة ولا أمام ولا وراء ولا يمين ولا شمال ، ولا محسوس ولا ملموس ، ولا طويل ولا قصير ولا كبير ولا صغير ولا عريض ) المجالس السنية (ص 119 ).

210- وقال الشيخ حسين بن محمد الجسر الطرابلسي (1327 هـ) في كتابه "الحصون الحميدية للمحافظة على العقائد الإسلامية" ما نصه  ( إنه تعالى ليس جوهرا ولا جسما ، فلا يحتاج إلى مكان يقوم فيه ، لأن الاحتياج إلى المكان من خواص الجواهر والأجسام ، وثبت هناك أنه تعالى ليس عرضا فلا يحتاج إلى محل يحل فيه ) الحصون الحميدية (ص 18 ).

211- وقال الشيخ عبد القادر الأدهمي الطرابلسي (1328 هـ) ما نصه  :  ( ولا يحناج الى مكان ومحل ، ولا يغيره زمان ) وسيلة النجاة والإسعاد في معرفة ما بجب من النوحيد والاعتقاد ( ص 4 ).

212- قال الشيخ رجب بن محمد جمال الدين البيروتي الشافعي الملقب بشيخ بيروت (1328 هـ) ما نصه  :  ( إنه تعالى ليس مماثلا للحوادث ، ثم قال  : فليس بجرم يأخذ قذرا من الفراغ فلا مكان له ، وليس بعرض يقوم بالجرم فلا يوصف بالصورة ولا بالشكل ولا باللون ) كتاب الأجوبة الجلية في العقاند الدينية ( ص 4 ) ، طبع في بيروت بالمطبعة الأدبية سنة 1308 هـ ، وهذا الكتاب كان بدرس في مدارس ولاية بيروت في عهد الدولة العثمانية الإسلامية .

213- وقال ما نصه  : ( انه تعالى لا يحتاج إلى محل يقوم به ، ولا إلى مخصص أي موجد يوجده )المرجع السابق ( ص 5 ).

214- وقال الشيخ إسماعيل حقي الرومي الحنفي (1335 هـ) ما نصه  : ( خصَّ السماء بالذكر ليعلم أن الأصنام التي في الأرض ليست بالهة لا لأنه تعالى في جهة من الجهات لأن ذلك من صفات الأجسام ) روح البيان ( 6  :  385 ) ، قلت  : انظروا الى فهم العلماء للنصوص ، وصدق الله تعالى عندما قال ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلون ) ،

215- وقال الشيخ سليم البشري المصري (1335 هـ) شيخ الجامع الأزهر ما نصه  : ( اعلم أيدك الله بتوفيقه وسلك بنا وبك سواء طريقه ، أن مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنيون أن الله تعالى منزه عن مشابهة الحوادث مخالف لها في جميع سمات الحدوث ، ومن ذلك تنزهه عن الجهة والمكان كما دلت على ذلك البراهين القطعية ) انظر فرقان القرءان وهو مطبوع مع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي (ص 74 ) ،

216- وقال الشيخ عبد المجيد الشرنوبي الأزهري (1348 هـ) ما نصه  : ( فهو سبحانه لا يحده زمان ولا يقله مكان بل كان ولا مكان ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان ) شرح تائية السلوك إلى ملك الملوك ( ص 60 ) ،

217- وقال ما نصه  :  ( خلق الله العرش إظهارا لقدرته لا مكاناً لذاته ) المصدر السابق ( ص 29 ).

218- وقال أيضا ما نصه  : ( الحمد لله المنزه في كماله عن الكيفية والأينِيَّة ، المقدس في جَلاله عن الضِّديَّة والنِّدِّية ، المتعالي بألوهيته عن الفوقية والتحتية ) الرائية الكبرى ( ص 3 ) ،

219- وقال الشيخ يوسف النبهاني الشافعي البيروتي (1350 هـ) ما نصه  :  ( فلا جهةٌ تحويه لا جهةٌ له تـنـزَّهَ ربـي عـنـهـا وَعـلاَ قـَدْرَا ) ديوان خطب الشرنوبي  : الخُطبة الثالثة لصفر ( ص 16 ).

220- وقال الشيخ مصطفى نجا الشافعي مفتي بيروت (1351 هـ) ما نصه  :  ( ومعنى العلي المتعالي في جلاله وكبريائه إلى غير غاية ولا نهاية ، والمراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأنه تعالى منزه عن التحيز والجهة ) كشف الأسرار لتنوير الأفكار ( ص 118 ) ،

221- وقال الشيخ مصطفى نجا الشافعي مفتي بيروت (1351 هـ) أيضا ما نصه  :  ( فإنها - يعني آية الكرسي - دالة على انه تعالى موجود واحد في الألوهية ، متصف بالحياة ، واجب الوجود لذاته موجد لغيره ، منزه عن التحيز والحلول ) كشف الأسرار لتنوير الأفكار ( ص 122 ) ،

222- وقال الشيخ عبد المجيد المغربي الطرابلسي أمين الفتوى في طرابلس الشام (1352 هـ) عن الله تعالى ما نصه : ( لا يحويه مكان ولا تحصره جهة لا فوق ولا تحت ، كان الله تعالى في أزليته ولم يكن شيء من الكائنات والأمكنة والجهات على الإطلاق ) رسالة علميه في الإسراء والمعراج ( ص 24 ).

223- وقال أيضا ما نصه  :   وليعلم ههنا أن الله صانع الكائنات ومحدثها يجب عقلا أن لا يكون مماثلا لشيء منها من كل وجه ، ولا شيء من هذه الكائنات إلا ويحصره المكان وتحده الجهة ، وكل مكان محدود ، وكل محدود ومحصور حادث ، والله عز وجل قديم فلا يجوز عقلا أن يكون في مكان أو تحده جهة ) الكوكب الشرقي في رد نظرية لابلاس ورفقائه ( ص 57 ).

224- قال الشيخ محمود بن محمد خطاب السبكي (1352هـ) وهو من مشايخ الأزهر بمصر ما نصه
 ( وأما مذهب السلف والخلف بالنسبة للآيات والأحاديث المتشابهة فقد اتفق الكلّ على أن الله تعالى منزه عن صفات الحوادث ، فليس له عز وجل مكان في العرش ولا في السماء ولا في غيرهما ، ولا يتصف بالحلول في شيء من الحوادث ولا بالاتصال بشيء منها ولا بالتحول والإنتقال ونحوهما من صفات الحوادث ) انظر إتحاف الكائنات ( ص 5 ).

225- وذكر الشيخ محمد الخضر الشنقيطي ( 1353هـ) مفتي المدينة المنورة في كتابه "إستحالة المعية بالذات " تنزيه الله عن المكان والجهة ، ومما ورد فيه  : ( إن الله تعالى ليس بجسم ، فلا يحتاج الى مكان يستقر فيه ، فقد كان ولا مكان ... والبارئ ..... سبحانه لا تحويه جهة إذ كان موجودا ولا جهة ) استحالة المعية بالذات  : المبحث الثامن في النزول والصعود والعروج ( ص 277 ).

226- وقال الشيخ عبد الفتاح الزعبي الطرابلسي اللبناني (1354 هـ) ما نصه  : ( كيف يحيط العقل بمن تقدس عن الكميَّة والكيفية والأينيَّة ، فنزهوا ربكم وقدسوه عن الخواطر الفكرية ) انظر المواعظ الحميدية ( ص 85 ) ، قلت  : والشيخ عبد الفتاح الزعبي الطرابلسي اللبناني هذا هو قائم مقام نقيب السادة الأشراف والخطيب والمحدث في الجامع الكبير تتلمذ على الشيخ أبي المحاسن القاوقجي الطرابلسي الحنفي ، له كتاب سماه ( المواعظ الحميدية في الخطب الجُمعية ) وهو عبارة عن مجموعة خطب ألقاها على منابر المساجد يوم الجمعة  ،

227- وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية (1355 هـ ) ما نصه  : ( - إن الله - منزه عن جميع النقائص ، وسمات الحدوث ، ومنها الزمان والمكان ، فلا يقارنه زمان ولا يحويه مكان إذ هو الخالق لهما فكيف يحتاج إليهما ) مختصر شرح عقيدة أهل الاسلام (ص 12- 13 ) ،

228- وقال أيضا  : ( لا تحيط به الجهات  : كقدام وخلف وفوق وتحت ، وشمال إذ هي نسب حادثة بحدوث الأشياء ، والله تعالى قديم أزلي ) مختصر شرح عقيدة أهل الإسلام (ص 12- 13 ) ( ولمّا قام البرهان على تنزهه تعالى عن الحيز والمكان والجهة كسائر لوازم الحدوث ، وجب أن يكون استواؤه على عرشه لا بمعنى الاستقرار والتمكن ، بل بالمعنى اللائق بجلاله تعالى ) مختصر شرح عقيدة أهل الإسلام (ص 12- 13 ) ،

290- وقال أيضا  : ( فيُرَى سبحانه لا في مكان ولا جهة ولا باتصال شعاع ولا ثبوت مسافة بين الرائين وبينه تعالى بل على الوجه الذي يليق بقدسيته وجلاله سبحانه ) المصدر السابق ( ص 27 ) ،

230- وقال الشيخ محمدبن إبراهيم الحسيني الطرابلسي (1362 هـ) في تفسير قوله تعالى  : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ما نصه  : ( ظنوا أنه سبحانه وتعالى مما يشبه الأجسام وبتعلق به الرؤبة تعلقها بها - أي الأجسام - على طريق المقابلة في الجهات والأحياز ، ولا ريب في استحالته ) انظر تفسير القرءان الكريم. (ص 101 ) ،

231- وقال الشيخ يوسف الدَّجوي المصري (1365 هـ) في مجلة الأزهر التي تصدرها مشيخة الأزهر بمصر في تفسير قول الله تبارك وتعالى  : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } ما نصه  : ( والأعلى صفة الرب ، والمراد بالعلو العلو بالقهر والاقتدار ، لا بالمكان والجهة ، لتنرهه عن ذلك ) انظر مجلة الأزهر ( تصدرها مشيخة الأزهر بمصر ) ، المجلد التاسع ، الجزء الأول - المحرم سنة 1357 ( ص 16 ) ،

232- وقال أيضا  : ( واعلم أن السلف قائلون باستحالة العلو المكاني عليه تعالى ، خلافا لبعض الجهلة الذين يخبطون خبط عشواء في هذا المقام ، فإن السلف والخلف متفقان على التنزيه ) المصدر السابق ( ص 17 ).
والدجوي أحد أعضاء كبار العلماء في الأزهر بمصر ، وانظر مقالة له بعنوان "تنزيه الله عن المكان والجهة . انظر { مقالات وفتاوى الدجوى (183 : - 194و201--211) } .

233- وقال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني (1367 هـ) مدرس علوم القرءان والحديث في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر بمصر ما نصه  :  ( الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيء منه ، سواء أكان مكانا يحل فيه أم غيره ) انظر مناهل العرفان في علوم القرءان (2  :  186 ) ، وكُتب على غلاف الكتاب  : (طبق ما قرره مجلس الأزهر الأعلى في دراسة تخصص الكليات الأزهرية ) . وهذا يعني أن الأزهر بمصر يعلم المسلمين تنزيه الله عن المكان خلاف ما عليه أدعياء السلفية !! .

234- وقال أيضا ما نصه : ( قبل أن يخَلق - الله - الزمان والمكان و قبل أن تكون هناك جهات ست لم يكن له جهة ولا مكان ، وهو الآن على ما عليه كان، لا جهة له ولا مكان ) مناهل العرفان (2  :  190 ) ، ثم ردّ المؤلف على المدَّعين بأنهم السلفية وبين فساد اعتقادهم وزيَّف شبههم المتهافتة ،

235- وقال الشيخ مصطفى وهيب البارودي الطرابلسي (1372 هـ) ما نصه  : ( إن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالأمكنة والجهات ، وهذا أصل من أصول العقائد الإيمانية ، لأنه لو احتاج إلى المكان لكان حادثا ، وقد قام الدليل على وجوب القِدَم - لله - واستحالة العدم - عليه - ولأن هذه الجهات هو الذي خلقها ) أنظر كتابه الفوز الأبدي في الهدي المحمدى ( ص 73 ).

236- وقال الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (1376 هـ) ما نصه  : ( أجمع أهل الحق من علماء السلف والخلف على تنزه الحق - سبحانه - عن الجهة وتقدسه عن المكان ) فرقان القرءان ( مطبوع مع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ) ( ص 93 ) ،

237- وقال الحافظ المحدث الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغُمَاري المغربي (1380 هـ) ما نصه  : ( فإن قيل  : إذا كان الحقُّ سبحانه ليس في جهة ، فما معنى رفع اليدين بالدعاء نحو السماء ؟ فالجوابُ كما نقله في "إتحاف السادة المتقين " - إتحاف السادة المتقين ( 5  :  34 - 35 ) - عن الطُّرْطُوشي - المالكي - من وجهين  : احدُهما  : أنه محل التعبُّد ، كاستقبالِ الكعبة في الصلاة ، وإلصاق الجبهة بالأرض في السجود ، مع تنزُّهه سبحانه عن محل البيت ومحل السجود ، فكأنَّ السماء قبلةُ الدعاء ،  وثانيهما  : أنها لما كانَتْ مهبط الرزقِ والوحي وموضعَ الرحمةِ والبركةِ ، على معنى أن المطرَ ينزِلُ منها إلى الأرضِ فيخرج نباتا ، وهي مَسكَنُ الملاء الأعلى ، فإذا قَضَى اللهُ أمرا ألقاه إليهم ، فيُلقونه إلى أهلِ الأرض ، وكذلك الأعمال تُرفَع ، وفيها غيرُ واحد من الأنبياء ، وفيها الجنةُ - التي هي غايةُ الأماني ، فلما كانت معْدِنّا لهذه الأمور العظام ومَعْرِفةَ القضاءِ والقَدَر ، تَصرَّفَت الهِممُ إليها ، وتوفَّرَت الدواعي عليها ) انظر المنَِحُ المطلوبة ( ضمن كتاب ثلاث رسائل في استحباب الدعاء ) (ص 61 - 62 ) ،

238- وقال المحدث الشيخ محـمد عربي التبان المالكي المدرس بمدرسة الفلاح وبالمسجد المكي (1395 هـ) ما نصه  : ( اتفق العقلاء من أهل السنة الشافعية والحنفية والمالكية وفضلاء الحنابلة وغيرهم على أن الله تبارك وتعالى منزه عن الجهة والجسمية والحد والمكان ومشابهة مخلوقاته ) براءة الأشعريين ( 1  :  79 ).

239- وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور المالكي (1393 هـ) ما نصه  : ( قوله تعالى { مَّن فىِ السَّمَآءِ } في الموضعين من قبيل المتشابه الذي يعطي ظاهره معنى الحلول في مكان ، وذلك لا يليق بالله ) أنظر تفسيره التحرير والتنوير ( 29  :  33 ) ، قلت  : والشيخ محمد الطاهر بن عاشور المالكي هو رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس . انظر ( الأعلام للزِّركلي 6  :  174 ) ،

240- وقال الشيخ عبد الكريم الرفاعي الدمشقي (1393هـ) احد خوَّاص تلاميذ الشيخ المحدث بدر الدين الحسني ما نصه  : ( ويستحيل على الله المماثلة للحوادث ، والتقيد في الزمان والمكان ، وأن يكون في جهة ، او تكون له جهة ) انظر كتاب المعرفة في بيان عمدة المسلم ( ص 55 - 57 ) ،

241- وقال أيضا  : ( يستحيل - على الله - التقيد بالمكان لأن المتمكِّن فيه إما ساكن أو متحرك ، وقد تقدم استحالة الحركة والسكون على الله تعالى ، فإذا استحال على الله تعالى أن يتقيد بالمكان . ويستحيل ان يكون الاله في جهة أو يكون له جهة لأن الجهة التي هي الفوق ، والتحت ، والأمام ، والوراء ، واليمين ، والشمال لا تتصور ولا تعقل إلا ملازمة للجرم ، وقد تقدم استحالة الجرمية عليه ، فإذا لا يتصور أن يكون له جهة أو يكون في جهة ) كتاب المعرفة في بيان عقيدة المسلم (ص 55 - 57 ).

242- وقال محدث الديار المغربية الشيخ عبد الله بن محمد الصديق الغماري (1413هـ) ما نصه  :  ( كان الله ولم يكن شيء غيره ، فلم يكن زمان ولا مكان ولا قطر ولا أوان ، ولا عرش ولا ملك ، ولا كوكب ولا فلك ، ثم اوجد العالم من غير احتياج إليه ، ولو شاء ما أوجده . فهذا العالم كله بما فيه من جواهر وأعراض حادث عن عدم ، ليس فيه شائبة من قِدم ، حسبما اقتضته قضايا العقول ، وأيدته دلائل النقول ، وأجمع عليه المِلِّيُّوْن قاطبة إلا شُذاذا من الفلاسفة قالوا بقدم العالم ، وهم كفار بلا نزاع ) انظر قصص الأنبياء  : آدم عليه السلام ( ص 11 ) ،

243- وقال أيضا ما نصه  : ( قال النيسابوري في "تفسيره" أما قوله  : { وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله وأنه في السماء ، لكن الدلائل القاطعة دلّت على أنه متعال عن الحيز والجهة ، فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلي محل كرامتي ) انظر عقيدة أهل الاسلام ( ص 29 ) ،

243- اما الازهر الشريف فإنه ذو معتقد اشعري صحيح على منهج اهل السنة والجماعة ، فقد اصدر فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد فتوى برقم ( 4307 ) بتاريخ ( 21  : 02 : 2006 ) ، وكان الموضوع ( هل لله تعالى مكان أو تمييز ) فقال الدكتور ما نصه ( ... من ثوابت العقيدة عند المسلمين أن الله تعالى لا يحويه مكان ولا يحده زمان ؛ لأن المكان والزمان مخلـوقان ، وتعالى الله سبحانه أن يحيط به شيء من خلقه ، بل هو خالق كل شيء ، وهو المحيط بكل شيء ، وهذا الاعتقاد متفق عليه بين المسلمين لا يُنكره منهم مُنكِرٌ ، وقد عبَّر عن ذلك أهل العلم بقولهم  : " كان الله ولا مكان ، وهو على ما كان قبل خلق المكان ؛ لم يتغير عما كان " ، ومن عبارات السلف الصالح في ذلك  :... ) ثم ذكر بعض الاقوال مما ذكرت في هذا الموضوع ومنها  :-

244- وقيل ليحيى بن معاذ الرازي  : ( أَخْبِرْنا عن الله عز وجل ، فقال  : إله واحد ، فقيل له  : كيف هو ؟ قال  : ملك قادر ، فقيل له  : أين هو ؟ فقال  : بالمرصاد ، فقال السائل  : لم أسألك عن هذا ؟ فقال  : ما كان غير هذا كان صفة المخلوق ، فأما صفته فما أخبرت عنه ) انظر الفتوى السابقة لفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد ،

245- وسُئِل ذو النون المصري رضي الله عنه عن قوله تعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } ، فقـال  : ( أثبت ذاته ونفى مكانه ؛ فهو موجود بذاته والأشياء بحكمته كما شاء ) انظر الفتوى السابقة لفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد ، وانظر كذلك الرسالة القشيرية (ص6 ) ،

246- وقال الشيخ العلامة احمد التيجاني رحمه الله ما نصه  : ( فذاته جل جلاله متعالية مقدسة على جميع حدود الجرم والجسم ولوازمه ومقتضياته من دخول وخروج وقرب وبعد ، واتصال وانفصال ، وتحيز واختصاص بجهه ، او إحاطة بالظرفية ....) انظر كتابه جواهر المعاني الجزء الاول ، ونقله عنه تلميذه محمد بن احمد البشير البكري الشنقيطي في كتابه كوثر الاماني والتهاني لموارد النجاح والفلاح ( 2  :  263 ) ،

247-  وقال ايضا ما نصه  : ( كما قال بعض الاكابر في هذا الحد ( لا يتمثل في النفس ، ولا يتصور في الذهن ، ولا يتصور في الوهم ، ولا يتكيف في العقل ، لا تلحقه العقول ، ولا الافكار ، ولا تحيط به الجهات ، ولا الاقطار ) المصدر السابق ،

248- وقال ايضا ما نصه  : ( فلا اتصال ، ولا انفصال ، ولا مسافة للقرب والبعد ، ولا أينيّة ، ولا حلول ، ولا مكان ، ولا دخول ، ولا خروج ، ولا تعدد للذات بتعددها بالمعية ) المصدر السابق ،

249- وقال محشية العدوي رحمه الله  : ( قوله انه يفهم منه الجهه  : المناسب ان يقول  : المكان الذي قد صرح به بقوله وهو سبحانه منزه عن المكان ) نقله عنه محمد بن احمد البشير البكري الشنقيطي في كتابه كوثر الاماني والتهاني لموارد النجاح والفلاح ( 2  :  265 ) ،

250- وقال ايضا ما نصه  : ( قوله على العرش استوى وعلى الملك احتوى ، وله الاسماء الحسنى والصفات العلى ) ، استوى بالقهر والغلبة ؛ استيلاء ملك واله قادر ، واله قاهر ) المصدر السابق ،

251- وقال الشيخ محدث بيروت محمد بن درويش الحوت الحسيني البيروتي الشافعي الأشعري (1276هـ )ما نصه  : ( اعلم أنه تعالى منزه عن الحلول والاتحاد بشيء من الكون ) رسائل في بيان عقائد أهل السنة والجماعة ( ص 40 ) ،

252- وقال أيضا  : ( ولا يدخل في وجوده - تعالى - زمان ولا مكان ، فإنه السابق على الزمان و المكان ) رسائل في بيان عقائد أهل السنة والجماعة ( ص 44 - 49 ) ،

253- وقال أيضا  :  ( إن الله تعالى  : ليس بنار ولا نور ولا روح ولا ريح ولا جسم ولا عرض ولا يتصف بمكان ولا زمان ولا هيئة ولا حركة ولا سكون ولا قيام ولا قعود ولا جهة ولا بعلو ولا بسفل ولا بكونه فوق العالم أو تحته ، ولا يقال كيف هو ولا أين هو ) رسائل في بيان عقائد أهل السنة والجماعة ( ص 44 - 49 ) ،

254- وقال أيضا  : ( نّزِّه الحقَّ سبحانه وتعالى عن كل ما يوهم الجسمية أو المكان أو الحدوث ، وفوَّض علم الحقيقة له تعالى في المتشابه نحو قوله تعالى  :" الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " ) المصدر السابق (ص 106).
قلت  : والشيخ الحوت هذا وُلد في بيروت سنة 1209 هـ وحفظ القرءان الكريم اتقانا واستظهارا وترتيلا ، وقرأ على مفتي بيروت العالم الفاضل الشيخ عبداللطيف فتح الله الشيخ محمد المسيري الإسكندري، ثم رحل إلى دمشق وتلقى العلوم على عدد من العلماء منهم مسند الشام عبد الرحمن الكزبري ، وابن عابدين الحنفي صاحب الحاشية المشهورة والشيخ عبد الرحمن الطيبي وغيرهم، ثم عاد إلى بيروت وصار يدرِّس في الجامع العمري الكبير عقيدة أهل السنة والجماعة وغيرها من العلوم الشرعية النافعة فانتفع به الخاص والعام ، وقد تخرج على يديه أكثر علماء بيروت ومنهم الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي ولاية بيروت والأستاذ أبو الحسن قاسم الكستي قاضي بيروت وغيرهما من أهل العلم والفضل. ودفن في تربة الباشورة رحمه الله تعالى وأدخله فسيح جناته ،

256- وقال ما نصه  : ( ويجب في حقه تعالى القيام بالنفس ، ومعناه أنه تعالى لا يفتقر إلى محل ولا إلى مخصص ) رسالة في علم التوحيد ، أنظر مجموع ، أمهات المتون (ص 40 ) ،

257- وقال الصوفي العارف بالله الزاهد العابد الشيخ بهاء الدين محمد مهدي بن علي الرواس الصيادي الحسيني الشافعي (287 هـ) ما نصه  : ( الوسيلة الأولى صحة الاعتقاد ، ولنذكر ذلك بالاختصار على الوجه الكافي ، وهو أن يعتقد المرء أن الله واحد لا شريك له ، وهو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ليس كمثله شيء ، لا يحده المقدار ، ولا تحويه الأقطار ، ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه السموات ) بورق الحقائق (ص 420 ) . باختصار ،

258- ويقول الشيخ عمر بن محمد الأنسي الشافعي البيروتي (293 اهـ) في ديوانه ما نصه  :  ( مـكـانٌ شـادَه شـرفـا وعِـزَا ** إلـهٌ لا يـحـيـط بـه مـكـانَ ) المورد العذب (ص 276 ) ،

259- وقال الشيخ العلامة المحدث الفقيه أبو المحاسن محمد القاوقجي الطرابلسي اللبناني الحنفي (1305 هـ) ما نصه  : ( فهذه عقيدة في التوحيد خالصة من الحشو والتعقيد ، يحتاج إليها كل مريد ، نفع الله بها جميع العباد ، ءامين ...) ثم قال ( فإذا قال لك  : أين الله ؟ فقل  : مع كل أحد بعلمه - لا بذاته - ، وفوق كل أحد بقدرته ، وظاهر بكل شيء باثار صفاته ، وباطن بحقيقة ذاته - أي لا يمكن تصويره في النفس- ، منزه عن الجهة والجسمية . فلا يقال  : له يمين ولا شمال ولا خلف ولا أمام ، ولا فوق العرش ولا تحته ، ولا عن يمينه ولا عن شماله ، ولا داخل في العالم ولا خارج عنه ، ولا يقال  : لا يعلم مكانه إلا هو . ومن قال  : لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض كفر - لأنه جعل أحدهما له مكانا ، فإذا قال لك : ما دليلك على ذلك ؟ فقل  : لأنه لو كان له جهة أو هو في جهة لكان متحيزا ، وكل متحيز حادث ، والحدوث عليه محال ) انظر كتابه الاعتماد في الاعتقاد (ص 5 ) ،

260- وقال في كتاب سفينة النجاة ما نصه  : ( ويستحيل عليه المماثلة للحوادث بأن يكون ذاته كالذوات يأخذ مقدارا من الفراغ ، او يتصف بالأعراض كالبياض ، أو يكون في جهة كالفوق والتحت واليمين والشمال والخلف والأمام ، أو يكون جهةًكالأعلى والأسفل ، أو يحلّ بمكان أو يُقَيّد بزمان ) سفينة النجاة في معرفة الله وأحكام الصلاة (ص 7 ) ،

261- وقال الشيخ محمد نووي الجاوي الشافعي (1316 هـ) عند ذكر أن الله يستحيل عليه المماثلة لشيء من خلقه ما نصه  : ( أو يكون تعالى في جهة للجرم بأن يكون عن يمينه أو شماله أو فوقه أو تحته أو أمامه أو خلفه ، أو يكون له تعالى جهة بأن يكون له يمين أو شمال أو فوق أو تحت أو خلف أو أمام ، أو يتقيد بمكان بأن يحل فيه بأن يكون فوق العرش ) الثمار اليائعة في الرياض البديعة (ص 5 ).

262- وقال أيضا ما نصه  : (وكل ما خطر ببالك من صفات الحوادث لا تصدق أن في الله شيئا من ذلك ، وليس له مكان أصلاً فليس داخلاّ في الدنيا ولا خارجا عنها ) نور الظلام شرح منظومة عقيدة العوام (ص 37 ).
263- وقال الشيخ المتكلم عبد العزيز بن عبد الرحمن السكندري (كان حيّا سنة 1317 هـ) ما نصه  :
( وكذا يستحيل عليه تعالى أن يكون في مكان أو زمان لأن الحلول في المكان من لوازم الجرم و الحلول في الزمان من لوازم الجرم والعرض ) الدليل الصادق على وجود الخالق (1  :  94 ) ،

264-  وقال الشيخ العلامة محمد بن احمد البشير البكري الشنقيطي رحمه الله  : ( وضربه الامثال بنوره وبعرشه وكرسيه ؛ تقريبا منه وتمثيلا وتصويرا للنفوس البشرية بما الفته وعتادته متبادلا بينها ، ومتعارفا عليه عندها ، فقال لها - الله - انا ربكم ، انا إلهكم ، انا الملك ، لي عرش ولي كرسي ولي احجبة لاتعد ولا تحصى ، ولي سرادق لا تخرق ، وحجب لا ترفع ، على العرش استويت كما شئت واردت ، بلا كيف ، ولا أين ، ولا ظرف زمان ولا مكان ، كل هذا امثال محسوسة ، ومعروفة بينكم لعبادي ، وانا الرب ليس كمثلي شيء ، لا اجلس على العرش ، ولا اقعد على كرسي ، لا أحتاج الى حجاب يسترني ، ولا حجبة تمنعني ..... ) انظر كتابه كوثر الاماني والتهاني لموارد النجاح والفلاح ( 2  :  260 ) ،

265- وقال ايضا ما نصه  : ( قال بعض المحققين  : هذا تصوير لعظمته وتمثيل حسي لان النفوس البشرية ابداً تجد من التعظيم والهيبة عند سماع الاشياء المحسوسة الدالة على الكبرياء والعظمة ما لا تجده عند سماع ذلك ، فالقصد من ذكر الكرسي والعرش الذي هو اعظم منه ؛ استشعار النفوس عند سماعها عظمة الباري سبحانه وتعالى ) انظر كتابه كوثر الاماني والتهاني لموارد النجاح والفلاح ( 2  :  260 ) ،

266-وقال الشيخ محمد عثمان الميرغني المكي الحنفي (1268هـ) ما نصه : ( مخالفته للحوادث  : ومعناها عدم الموافقة لشيء من الحوادث ، وليس تعالى بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا متحرك ولا ساكن ، ولا يوصف تعالى بالصغر ولا بالكبر ، ولا بالفوقية ولا بالتحتية ، ولا بالحلول في الأمكنة ، و لا بالاتحاد ولا بالاتصال و لا بالانفصال ، ولا باليمين ولا بالشمال ولا بالخلف ولا بالأمام ، ولا بغير ذلك من صمات الحوادث ) منظومته مُنجية العبيد (ص 16 ) ،

267- وقال الشيخ عبد ربه بن سليمان بن محمد بن سليمان الشهير بالقليوبي المصري أحد علماء الأزهر ما نصه  : ( نقول  : مما تقرر عقلا ونقلاً أن الله تعالى إله قديم مستغن عن كل ما سواه ، وغيره مفتقر إليه، فكيف يحل في السماء والحلول دليل الاحتياج ، وأنه تعالى لو كان في مكان لكان متناهي المقدار ، وما كان متناهي المقدار فهو حادث، والله تعالى قديم فيستحيل عليه الحلول في مكان أو جهة ) فيض الوهاب ( 2 :  26 ) ،

268- قال الشيخ حسين عبد الرحيم مكي المصري أحد مشايخ الأزهر ما نصه  :  ( - إن الله تعالى يرى - من غير أن يكون في مكان وجهة ، أومقابلاً للرائي او محدودً او محصورا وبدون تكيف بأيّ كيفية من كيفيات رؤية الحوادث بعضهم بعضا ) انظر توضيح العقيدة المفيد في علم التوحيد لشرح الخريدة لسيدي أحمد الدردير (2 :  35)، الطبعة الخامسة 1384 هـ - 1964 م ،

269- وقال الشيخ البوطي حفظه الله ما نصه  : (قال حفظه الله  : إن الله استوى على عرشه وبذاته‏،‏ تلك هي عقيدة السلف وعقيدة الإمام الأشعري‏،‏ وهو صريح القرآن. ولكن هذا لا يستلزم نسبة الجهة إلى الله‏،‏ فالاستواء معلوم والكيف غير معقول كما قالت أم سلمة والإمام مالك‏،‏ وإنما تكون الجهة نتيجة لثبوت الكيفية‏،‏ وهي مستحيلة على الله. ) . ،

270-  وقال الولي القشاشي ما نصه  :  ( وفي هذا دليل واضح على الإحاطة الإلهية وتساوي الأمكنة كلها بالنسبة إلى الله, وبهذا كان العروج إلى الله في بطون الأرضين وفي فجاج الأرض كالعروج إليه نحو السموات للإحاطة والمساواة ففيه شاهد بذلك لمن أراد شاهدا من شواهد الإحاطة إن كان في شك منه, وفيه رد على القائلين بالجهة وبالأقوال التي لا حاجة إلى ذكرها لأنها لا تخفى على المستبصرين لأنه لو كان كما توهموا والوقع التفضيل لما وقع التفصيل, وفي ذلك نداء بآية (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) (وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) انظر الدرة الثمينة ،

271-  وقال الكوراني ما نصه  :  ( إن المعتزلة قد كفرت أهل السنة لقولهم برؤيته سبحانه يوم القيامة ظنا منهم أن ذلك يستلزم التجسيم وهذا ظن فاسد لأن أهل السنة يثبتونها بلا كيف ومع التنزيه عن الجسم و الجهة) ،

272- وقال الشيخ حسين عبد الرحيم مكي المصري أحد مشايخ الأزهرفي كتابه "توضيع العقيدة "وهو مقرر السنة الرابعة الإعدادية بالمعاهد الأزهرية بمصر، ما نصه  : ( فنراه تعالى منزَّهاً عن الجهة والمقابلة وسائر التكيفات، كما أنّا نؤمن ونعتقد انه تعالى ليس في جهة ولا مقابلاً وليس جسما ) انظر توضيح العقيدة المفيد في علم التوحيد لشرح الخريدة لسيدي أحمد الدردير ( 2  :  39 ) ،

273-  وقال ايضا ما نصه  : ( وفي كتاب "العقيدة الإسلامية" الذي يدرّس في دولة الإمارات العربية ما نصه )  : ( وأنه تعالى لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، تقدس عن أن يحويه مكان، كما تنزه عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن يخلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان ) العقيدة الاسلامية : التوحيد في الكتاب والسنة ( 1  :  167 ) ،

274-  وفيه أيضا ما نصه  : ( وإن عقيدة النجاة المنقذة من أوحال الشرك وضلالات الفرق الزائفة هي اعتقاد رؤيته تعالى في الاخرة للمؤمنين بلا كيف ولا تحديد ولا جهة ولا انحصار ) العقيدة الإسلامية : التوحيد الكتاب والسنة : (1 :  151)275-  وجاء في مجلة دعوة الحق تصدرها وزارة الأوقاف والشئون الاسلامية بالمملكة المغربية ما نصه  : ( يتفق الجميع من علماء سلف اهل السنة وخلفهم - وكذا العقلانيون من المتكلمين - على أن ظاهر الاستواء على العرش بمعنىالجلوس على كرسي والمتمكن عليه والتحيز فيه مستحيل،لأن الأدلة القطعية تنزه الله تعالى عن أن يشبه خلقه أو أن يحتاج الى شيء مخلوق، سواء أكان مكانا يحل فيه أو غيره، وكذلك لأنه سبحانه نفى عن نفسه المماثلة لخلقه في أي شيء، فأثبت لذاته الغنى المطلق فقال تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ) مجلة دعوة الحق : العددان 305- 306 (ص :  65 سنة 1415 هـ -1994م ) ،

276-  وجاء في مجلة الأزهر وهي مجلة دينية علمية خلقية تاريخية حكمية تصدرها مشيخة الأزهر بمصر، انتدب الأزهر الشريف بمصر لهؤلاء المنحرفين عن منهج أهل السنة وتصدر للرد على تلك الشرذمة التي تسمي نفسها "الوهابية" المتسترين تحت اسم "السلفية" تارة، و"جماعة أنصار السنة" تارة أخرى، فنشر أكثر من مقال لإبطال مزاعمهم تحت عنوان "تنزيه الله عن المكان والجهة" ،

277-  ومما جاء فيها  :  ( و " الأعلى" صفة الرب ، والمراد بالعلو العلو بالقهر والاقتدار لا بالمكان والجهة، لتنزهه عن ذلك ) ( مجلة نور الاسلام ، مجلة الأزهر : (مجلد 2 :  جزء4 :  ص 282 ربيع الثاني سنة 1350ه ـ) ، ( ومجلد 2 :  جزء9 :  ص : 63 رمضان سنة 1350هـ). (مجلد 9 :  جزء ا :  ص :  16) المحرم سنة 1357 هـ) ،

278-  وامام الدعاه الشيخ الشعراوي يفسر الاستواء في قوله تعالى : ( ثم استوى الى السماء ) فقال ما نصه  : ( استوى هنا بمعنى قصد ) .

279- وقال الأستاذ العلامة سعيد فودة ما نصه  : ( مذهب أهل السنة والجماعة كلهم ومنهم الأشاعرة أن الله تعالى لا يشابه أحداً من خلقه ، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله . وإن كل ما خطر على قلب بشر من صورة أو كيفية فيجب نفيه عنه تعالى ، لأن الصورة والكيف منتفيان في الأصل عنه تعالى.
وهم يقولون بتنـزيه الله تعالى عن صفات البشر والحوادث والأجسام وكل ما يلزم عن كون الشيء جسماً وهي لوازم الأجسام مثل : الكون في الأمكنة والحركة والحجم والكيف والتركيب وغير ذلك ) انظر كتابه خواطر حول وصية الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى  ،

280- وقال ايضا في و صيته  :  ( أن العالم المخصوص تحت تدبير مُدَبِّره المنـزه عن مماثلة التمحيزات ) انظر المرجع السابق ، وانظر كذلك طبقات الشافعية الكبرى الإمام المحقق ابن السبكي : (8  :  90 ) ، قلت  : وقد ذكر الأستاذ العلامة سعيد فودة هذه الوصية بما معناه - التي يدعي ابن تيمية وممن تأثر به - انه لا يوجد فيها ما يقوله المبطلون من ان هذا الامام الحجة قد تراجع عن معتقده في الصفات ، وانه تراجع عن اشعريته ، فليتنبه الاخوة الكرام الى هذه المسألة ،  وقال العلامة سعيد فودة : ( قلتُ  : الناسُ الذين يقولون إن الله تعالى خارج العالم ويفهمون حقيقة هذا القول ، هم مجسمة ، سواء اعترفوا بهذا أم لا ؛ لأنهم يقولون إن الله تعالى خارج العالم في جهة من العالم ، وهي جهة الفوق ، ويقولون  : إن هذا هو المكان الذي نقول إن الله تعالى فيه!!
ويحتجون على هذا بأن يقولوا : إن من يتصف بأنه لا خارج العالم ولا داخل فهو معدوم ؛ لأنه لا يتصور وجود شيء لا داخل العالم ولا خارجه ، فمن حيث الاحتمالُ العقلي عندهم، إما أن يكون داخل العالم أو يكون خارجه، ويبطل أن يكون داخل العالم، فوجب أن يكون خارجه، وما دام وجبَ كونه خارج العالم فقد وجب كونه في جهةٍ، والجهات متعددة، ويستحيل أن يكون تحت العالم أو يمينه إلى آخره، فوجب أن يكون فوقه؛ لأن هذه الجهة جهة كمال، وهي التي تليق بالله تعالى، فصار معبودهم بعد هذا البيان خارج العالم، وفي جهة الفوق، هذا حاصل كلامهم ، فنقول وبالله التوفيق : كلامهم هذا متهافت، ويدلُّ على سخف عقولهم، ولا يغترُّ به إلا جاهل، لا يفهم معاني الألفاظ ولا يعقلها ، فالله تعالى كان قبل كل شيء ، والعالم كله بما فيه مخلوق ، والعالم له بداية لم يكن قبلها موجوداً ، فقبل أن يخلق الله العالم هل كان في جهةٍ أو كان في مكان ؟! الكل متفق على أن المكان والجهات كلها مخلوقة ، ومن قال غير هذا فقد كفر بملة الإسلام ، فالله تعالى كان ولم يكن شيء غيره ) انظر حسن المحاججة للأستاذ العلامة النَّظَّار سعيد فودة حفظه الله تعالى ) انتهى نقلاً عن إدارة موقع الصوفية ]] ،

***

الباب الثاني  :  الأدلة من إجماع علماء الأصول  المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة على أن الله تعالى لا يحلُّ في مكان ولا يجري عليه زمان ، وبيان حُكم الشرع فيمن يَنسِبُ لله تعالى المكان والزمان ، ويشتمل على :

المبحث الاول : الأدلة من إجماع علماء الأصول على أن الله تعالى لا يحلُّ في مكان ولا يجري عليه زمان

المبحث الثاني : وبيان حُكم الشرع فيمن يَنسِبُ لله تعالى مكانًا

( تنبيه ) : هذا الباب منقول باختصار وتصرف يسيرين من كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان للشيخ خليل دريان الأزهري

المبحث الاول

الأدلة من إجماع علماء الأصول المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة

على أن الله تعالى لا يحلُّ في مكان ، ولا يحويه مكان ،

وقد اتفق على ذلك جميع من ينتسب إلى مذهب أهل السنّة والجماعة في كافة أبواب العلم ، في الحديث والفقه والتفسير واللغة والنحو وعلماء الأصول، وعلماء المذاهب الأربعة من الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة ـ إلا من لحق منهم بأهل التجسيم ـ والصوفية الصادقين كلهم على عقيدة تنـزيه الله عن المكان، إلا أن المشبهة والحشوية شذّوا عن هذه العقيدة الحقة ، جاء في كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان الباب الرابع الدليل على تنزيه الله عن المكان والجهة من الإجماع : [[ اعلم أن المسلمين اتفقوا على أن الله تعالى لا يحلُّ في مكان، ولا يحويه مكان ولا يسكن السماء ولا يسكن العرش، لأن الله تعالى موجود قبل العرش وقبل السماء وقبل المكان، ويستحيل على الله التغيّر من حال إلى حال ومن صفة إلى صفة أخرى، فهو تبارك وتعالى كان موجودًا في الأزل بلا مكان، وبعد أن خلق المكان لا يزال موجودًا بلا مكان. وما سنذكره في هذا البحث بمشيئة الله تعالى وعونه وتوفيقه من أقوالٍ في تنزيه الله عن المكان لأعلام ظهروا على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمن منذ الصدر الأول أي منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا يُعْتَبَرُ من أقوى الأدلة على رسوخ هذه العقيدة وثبوتها في نفوس المسلمين سلفًا وخلفًا ، ليُعلم أن أهل الحديث والفقه والتفسير واللغة والنحو وعلماء الأصول، وعلماء المذاهب الأربعة من الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة ـ إلا من لحق منهم بأهل التجسيم ـ والصوفية الصادقين كلهم على عقيدة تنزيه الله عن المكان، إلا أن المشبهة ومنهم نفاة التوسل شذّوا عن هذه العقيدة الحقة فقالوا إن الله يسكن فوق العرش بذاته والعياذ بالله تعالى ،

1ـ وممن نقل إجماع أهل الحق على تنـزيه الله عن المكان الشيخ عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي (429هـ)، فقد قال ما نصه :  "وأجمعوا ـ أي أهل السنة والجماعة ـ على أنه ـ أي الله ـ لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان" أهـ

2ـ وقال الشيخ إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجُويني الشافعي (478هـ) ما نصه :  "ومذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيّز والتخصص بالجهات" أهـ

3ـ وقال المفسّر الشيخ فخر الدين الرازي (606هـ) ما نصه :  "انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيّز" أهـ

4ـ وقال الشيخ إسماعيل الشيباني الحنفي (629هـ) ما نصه :  "قال أهل الحق :  إن الله تعالى متعالٍ عن المكان، غيرُ متمكِّنٍ في مكان، ولا متحيز إلى جهة خلافًا للكرّامية والمجسمة" أهـ

5ـ وقال سيف الدين الآمدي (631هـ) ما نصه :  "وما يُروى عن السلف من ألفاظ يوهم ظاهرها إثبات الجهة والمكان فهو محمول على هذا الذي ذكرنا من امتناعهم عن إجرائها على ظواهرها والإيمان بتنزيلها وتلاوة كل ءاية على ما ذكرنا عنهم، وبيَّن السلف الاختلاف في الألفاظ التي يطلقون فيها، كل ذلك اختلاف منهم في العبارة، مع اتفاقهم جميعًا في المعنى أنه تعالى ليس بمتمكن في مكان ولا متحيّز بجهة" اهـ ، وللشيخ ابن جَهْبَل الحلبي الشافعي (733هـ) رسالة ألَّفَها في نفي الجهة ردَّ بها على المجسم الفيلسوف ابن تيمية الحرَّاني الذي سَفَّه عقيدة أهل السنة، وطعن بأكابر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كعمر وعليّ رضي الله عنهما.

6ـ قال ابن جَهْبَل ما نصه :  "وها نحن نذكر عقيدة أهل السنة، فنقول :  عقيدتنا أن الله قديم أزليٌّ، لا يُشبِهُ شيئًا ولا يشبهه شىء، ليس له جهة ولا مكان" أهـ

7ـ نقل الشيخ تاج الدين السبكي الشافعي الأشعري (771هـ) عن الشيخ فخر الدين بن عساكر أنه كان يقرىء العقيدة المرشدة التي فيها  :  "إن الله تعالى موجود قبل الخلق ليس له قَبْلٌ ولا بَعْدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يمينٌ ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خَلْفٌ". ثم قال ابن السبكي بعد أن ذكر هذه العقيدة ما نصه :  "هذا ءاخر العقيدة وليس فيها ما ينكره سُنّي" أهـ

8ـ ووافقه على ذلك الحافظ المحدّث صلاح الدين العلائي (761هـ) أحَد أكابر علماء الحديث فقال ما نصه :  "وهذه "العقيدة المرشدة" جرى قائلها على المنهاج القويم، والعَقْد المستقيم، وأصاب فيما نزَّه به العليَّ العظيم" أهـ

9ـ قال الشيخ محمد مَيَّارة المالكي (1072هـ) ما نصه :  "أجمع أهل الحق قاطبة على أن الله تعالى لا جهة له، فلا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف" أهـ

10ـ وقال شيخ الجامع الأزهر سليم البِشْري (1335هـ) ما نصه :  "مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السُّنّيون أن الله تعالى منـزه عن مشابهة الحوادث مخالف لها في جميع سمات الحدوث ومن ذلك تنـزهه عن الجهة والمكان" اهـ، ذكره القضاعي في "فرقان القرءان".

11ـ وقال الشيخ يوسف الدجوي المصري (1365هـ) عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في مصر ما نصه  : "واعلم أن السلف قائلون باستحالة العلو المكاني عليه تعالى، خلافًا لبعض الجهلة الذين يخبطون خبط عشواء في هذا المقام، فإن السلف والخلف متفقان على التنـزيه" أهـ

 12ـ وقال أيضًا :  "هذا إجماع من السلف والخلف" أهـ

13ـ وقال الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (1376هـ) ما نصه :  "أجمع أهل الحق من علماء السلف والخلف على تنـزه الحق ـ سبحانه ـ عن الجهة وتقدسه عن المكان" أهـ

14ـ وقال المحدث الشيخ محمد عربي التبان المالكي المدرس بمدرسة الفلاح وبالمسجد المكي (1390هـ) ما نصه :  "اتفق العقلاء من أهل السنة الشافعية والحنفية والمالكية وفضلاء الحنابلة وغيرهم على أن الله تبارك وتعالى منـزه عن الجهة والجسمية والحد والمكان ومشابهة مخلوقاته" أهـ

 15ـ وممن نقل الإجماع على ذلك في مواضع كثيرة من مؤلفاته ودروسه المتكلم على لسان السلف الصالح العلامة الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله وله عناية شديدة بتعليم عقيدة أهل السنة والجماعة للناس فقال ما نصه :  " قال أهل الحق نصرهم الله :  إن الله سبحانه وتعالى ليس في جهة" اهـ،  فالحمد لله على ذلك ، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الأهواء بقوله  : "وإنه سيخرج من أمتي أقوامٌ تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرقٌ ولا مفصلٌ إلا دخله" رواه أبو داود ،  فالحمد لله الذي جعل لنا من يبيِّن عقيدة أهل السنة ويدافع عنها. وتمسك أخي المسلم بهذه العقيدة التي عليها مئات الملايين من المسلمين، والحمد لله على توفيقه اهـ [[ انتهى من كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان ]] ،

***

المبحث الثاني

وبيان حُكم الشرع فيمن يَنسِبُ لله تعالى مكانًا

جاء في كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان الباب السابع بيان حُكم من يَنسِبُ لله مكانًا : ننقل في هذا الفصل بعون الله تعالى عن العلماء حكم من يعتقد أن الله يسكن السماء أو يتحيَّز فوق العرش أو في غير ذلك من الأماكن :

1ـ فقد كفّر الإمام المجتهد أبو حنيفة (150هـ) رضي الله عنه من ينسب المكان لله تعالى، فقال في كتابه "الفقه الأبسط" (الفقه الأبسط، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري ص12) ما نصه  : "من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض" اهـ.

2ـ ووافقه على ذلك الشيخ العزّ بن عبد السلام (660هـ) في كتاب "حلّ الرموز"، فقال ما نصه  : "لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانًا، ومن توهم أن للحق مكانًا فهو مُشَبِّه" اهـ.

3ـ وارتضاه الشيخ ملاّ علي القاري الحنفي وقال ما نصه (نقله في شرح الفقه الأكبر بعد أن انتهى من شرح رسالة الفقه الأكبر ص : 198)  : "ولا شك أن ابن عبد السلام من أجلّ العلماء وأوثقهم، فيجب الاعتماد على نقله" اهـ.

4ـ وقال الإمام الحافظ الفقيه الحنفي السلفي أبو جعفر الطحاوي (321هـ) ما نصه :  "ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر" اهـ.

5ـ قال أبو القاسم القشيري (465هـ) في رسالته (الرسالة القشيرية ص5) ما نصه  : "سمعتُ الإمام أبا بكر ابن فورك رحمه الله تعالى يقول :  سمعتُ أبا عثمان المغربي يقول :  كنتُ أعتقدُ شيئًا من حديث الجهة، فلما قدِمتُ بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبتُ إلى أصحابنا بمكة :  إني أسلمتُ الآن إسلامًا جديدًا" اهـ.

6ـ وقال الشيخ لسان المتكلمين أبو المعين ميمون بن محمد النسفي الحنفي (508هـ) ما نصه (تبصرة الأدلة 1 : 169)  : "والله تعالى نفى المماثلة بين ذاته وبين غيره من الأشياء، فيكون القول بإثبات المكان له ردًّا لهذا النص المحكم ـ أي قوله تعالى  : {ليس كمثله شيء} ـ الذي لا احتمال فيه لوَجْهٍ ما سوى ظاهره، ورادُّ النص كافر، عصمنا الله عن ذلك" اهـ.

7ـ وقال الشيخ زين الدين الشهير بابن نُجَيْم الحنفي (970هـ) ما نصه (البحر الرائق :  باب أحكام المرتدين 5 : 129)  : "ويكفر بإثبات المكان لله تعالى، فإن قال :  الله في السماء، فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر".

8ـ وقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد المصري الشافعي الأشعري المعروف بابن حجر الهيتمي (974هـ) ما نصه (المنهاج القويم ص : 224)  : "واعلم أن القَرَافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم، وهم حقيقون بذلك" اهـ.

9ـ وقال الشيخ ملاّ علي القاري الحنفي (1014هـ) ما نصه (شرح الفقه الأكبر :  بعد أن انتهى من شرح الرسالة ص215)  : "فمن أظلم ممن كذب على الله أو ادعى ادعاءً معينًا مشتملاً على إثبات المكان والهيئة والجهة من مقابلة وثبوت مسافة وأمثال تلك الحالة، فيصير كافرًا لا محالة" اهـ. وقال (ص271-272)  : "من اعتقد أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها فهو كافر وإن عُدّ قائله من أهل البدعة، وكذا من قال :  بأنه سبحانه جسم وله مكان ويمرّ عليه زمان ونحو ذلك كافر، حيث لم تثبت له حقيقة الإيمان" اهـ.

10ـ وقال أيضًا ما نصه (مرقاة المفاتيح 3 : 300)  : "بل قال جمع منهم ـ أي من السلف ـ ومن الخلف إن معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي، وقال :  إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني" اهـ.

11ـ وقال الشيخ العلامة كمال الدين البَياضي الحنفي (1089هـ) في شرح كلام الإمام أبي حنيفة ما نصه (إشارات المرام ص200)  : "فقال ـ أي أبو حنيفة ـ (فمن قال :  لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فهو كافر) لكونه قائلاً باختصاص البارىء بجهة وحيّز وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدَث بالضرورة، فهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى (كذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض) لاستلزامه القول باختصاصه تعالى بالجهة والحيز والنقص الصريح في شأنه سيما في القول بالكون في الأرض ونفي العلوّ عنه تعالى بل نفي ذات الإله المنزه عن التحيز ومشابهة الأشياء. وفيه إشارات : ( الأولى ) :  أن القائل بالجسمية والجهة مُنكِر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حسًّا، فمنهم منكرون لذات الإله المنزه عن ذلك، فلزمهم الكفر لا محالة. وإليه أشار بالحكم بالكفر ، ( الثانية ) :  إكفار من أطلق التشبيه والتحيز، وإليه أشار بالحكم المذكور لمن أطلقه، واختاره الإمام الأشعري، فقال في النوادر :  من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه وإنه كافر به، كما في شرح الإرشاد لأبي قاسم الأنصاري" اهـ.

12ـ قال الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي (1143هـ) (الفتح الرباني والفيض الرحماني ص124) ما نصه  : "وأما أقسام الكفر فهي بحسب الشرع ثلاثة أقسام ترجع جميع أنواع الكفر إليها، وهي :  التشبيه، والتعطيل، والتكذيب... وأما التشبيه :  فهو الاعتقاد بأن الله تعالى يشبه شيئًا من خلقه، كالذين يعتقدون أن الله تعالى جسمٌ فوق العرش، أو يعتقدون أن له يدَين بمعنى الجارحتين، وأن له الصورة الفلانية أو على الكيفية الفلانية، أو أنه نور يتصوره العقل، أو أنه في السماء، أو في جهة من الجهات الست، أو أنه في مكان من الأماكن، أو في جميع الأماكن، أو أنه ملأ السموات والأرض، أو أنَّ له الحلول في شيء من الأشياء، أو في جميع الأشياء، أو أنه متحد بشيء من الأشياء، أو في جميع الأشياء، أو أن الأشياء منحلَّةٌ منه، أو شيئًا منها. وجميع ذلك كفر صريح والعياذ بالله تعالى، وسببه الجهل بمعرفة الأمر على ما هو عليه" اهـ.

13ـ وقال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي (1299هـ) عند ذِكر ما يوقع في الكفر والعياذ بالله ما نصه (منح الجليل شرح مختصر خليل 9 : 206)  : "وكاعتقاد جسمية الله وتحيّزه، فإنه يستلزم حدوثه واحتياجه لمحدِث" اهـ.

14ـ وذكر هذا الحكم أيضًا الشيخ العلامة المحدث الفقيه أبو المحاسن محمد القاوقجي الطرابلسي اللبناني الحنفي (1305هـ) في كتابه "الاعتماد في الاعتقاد" ص5، فقد قال :  "ومن قال لا أعرِفُ الله في السماء هو أم في الأرض كفَر ـ لأنه جعل أحدُهما له مكانًا ـ " اهـ.

15ـ وفي كتاب "الفتاوى الهندية" لجماعة من علماء الهند (فتاوى العالمكيرية وهي الفتاوى الهندية 2 : 259) ما نصه  : "يكفر بإثبات المكان لله تعالى. ولو قال :  الله تعالى في السماء فإن قصد به حكاية ما جاء فيه ظاهر الأخبار لا يكفر وإن أراد به المكان يكفر" اهـ.

16ـ قال الشيخ محمود بن محمد بن أحمد خطاب السبكي المصري (1352هـ) ما نصه (إتحاف الكائنات ص : 3-4)  : "سألني بعض الراغبين في معرفة عقائد الدين والوقوف على مذهب السلف والخلف في المتشابه من الآيات والأحاديث بما نصه :  ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله عز وجل له جهة وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص ويقول ذلك هو عقيدة السلف ويحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد، ويقول لهم :  من لم يعتقد ذلك يكون كافرًا مستدلاً بقوله تعالى : {الرحمن على العرش استوى}، وقوله عز وجل : {ءأمنتم من في السمآء} [سورة الملك : 16]، أهذا الاعتقاد صحيح أم باطل؟ وعلى كونه باطلاً أيكفر ذلك القائل باعتقاده المذكور ويبطل كل عمله من صلاة وصيام وغير ذلك من الأعمال الدينية وتبين منه زوجه، وإن مات على هذه الحالة قبل أن يتوب لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وهل من صدّقه في ذلك الاعتقاد يكون كافرًا مثله؟ فأجبت بعون الله تعالى، فقلت :  بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الهادي إلى الصواب، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى ءاله وأصحابه الذين هداهم الله ورزقهم التوفيق والسداد. أما بعد :  فالحكم أن هذا الاعتقاد باطل ومعتقِدُه كافر بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين، والدليل العقلي على ذلك قِدَم الله تعالى ومخالفته للحوادث، والنقلي قوله تعالى : {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (سورة الشورى : 11) فكل من اعتقد أنه تعالى حلّ في مكان أو اتصل به أو بشيء من الحوادث كالعرش أو الكرسي أو السماء أو الأرض أو غير ذلك فهو كافر قطعًا، ويبطل جميع عمله من صلاة وصيام وحج وغير ذلك، وتبين منه زوجه، ووجب عليه أن يتوب فورًا، وإذا مات على هذا الاعتقاد والعياذ بالله تعالى لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومثله في ذلك كله من صدَّقه في اعتقاده أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وأما حمله الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد المكفر، وقوله لهم :  من لم يعتقد ذلك يكون كافرًا، فهو كفر وبهتان عظيم" اهـ.

17ـ قال الشيخ الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية (1371هـ) ما نصه (مقالات الكوثري ص321)  : "إن القول بإثبات الجهة له تعالى كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة كما نَقل عنهم العراقي على ما في "شرح المشكاة" لعلي القاري" اهـ.

18ـ وقال العلامة الشيخ عبد الله الهرري ما نصه ( الصراط المستقيم ص 26 )  : "وحكم من يقول : "إنّ الله تعالى في كل مكان أو في جميع الأماكن" التكفير إذا كان يفهم من هذه العبارة أنَّ الله بذاته منبثٌّ أو حالٌّ في الأماكن، أما إذا كان يفهم من هذه العبارة أنه تعالى مسيطر على كل شيء وعالمٌ بكل شيء فلا يكفر. وهذا قصدُ كثير ممن يلهج بهاتين الكلمتين، ويجب النهي عنهما في كل حال" اهـ.

19ـ وقال أيضًا (الصراط المستقيم ص26)  : "ويكفر من يعتقد التحيُّز لله تعالى، أو يعتقد أن الله شيء كالهواء أو كالنور يملأ مكانًا أو غرفة أو مسجدًا، ونسمّي المساجد بيوت الله لا لأن الله يسكنها بل لأنها أماكن يُعْبَدُ الله فيها ، وكذلك يكفر من يقول (الله يسكن قلوب أوليائه) إن كان يفهم الحلولَ. وليس المقصود بالمعراج وصول الرسول إلى مكان ينتهي وجود الله تعالى إليه ويكفر من اعتقد ذلك، إنما القصدُ من المعراج هو تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم باطلاعه على عجائب في العالم العلويّ، وتعظيمُ مكانته ورؤيتُه للذات المقدس بفؤاده من غير أن يكون الذات في مكانٍ" اهـ ]] انتهى من كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان الباب السابع بيان حُكم من يَنسِبُ لله مكانًا ،

***

الباب الثالث

الأدلة العقلية على تنـزيه الله عن المكان والزمان

جاء في كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان الباب الخامس الدّليل العقلي على تنزيه الله عن المكان والجهة : [[ الدّليل العقلي على تنـزيه الله عن المكان والجهة : اعلم أن النظر العقلي السليم لا يخرج عما جاء به الشرع ولا يتناقض معه، والعقل عند علماء التوحيد شاهد للشرع، إذ أن الشرع لا يأتي إلا بمجوَّزات العقل كما قال الحافظ الفقيه الخطيب البغدادي ( الفقيه والمتفقه : ص94 )  :"الشرع إنما يَرِدُ بمجوَّزات العقول وأما بخلاف العقول فلا" اهـ ، فسنبين في هذا الباب أن الله منـزه عن الجهة والمكان بالأدلة العقلية والبراهين القطعية لدحض مزاعم المجسمة وغيرهم من الفرق المنحرفة عن أهل السنة والجماعة، وإليك بيان ذلك من أقوال العلماء :

1ـ قال الشيخ أبو سعيد المتولي الشافعي الأشعري ( 478هـ ) في كتابه "الغُنية في أصول الدين" ( ص73-74-75 ) ما نصه  :"والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافًا للكرّامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا إن لله جهة فوق. وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه، تعالى الله عن قولهم ، والدليل على أنه مستغن عن المحل أنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديمًا لأنه قديم، أو يكون حادثًا كما أن المحل حادث، وكلاهما كفر. والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا، لكان لا يخلو إما أن يكون مِثْل العرش أو أصغر منه أو أكبر، وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد والنهاية وهو كفر. والدليل عليه أنه لو كان في جهة وقدرنا شخصًا أعطاه الله تعالى قوة عظيمة واشتغل بقطع المسافة والصعود إلى فوق لا يخلو إما أن يصل إليه وقتًا ما أو لا يصل إليه ، فإن قالوا لا يصل إليه فهو قول بنفي الصانع لأن كل موجودين بينهما مسافة معلومة، وأحدهما لا يزال يقطع تلك المسافة ولا يصل إليه يدل على أنه ليس بموجود ، فإن قالوا يجوز أن يصل إليه ويحاذيه فيجوز أن يماسه أيضًا، ويلزم من ذلك كفران : أحدهما : قدم العالم، لأنا نستدل على حدوث العالم بالافتراق والاجتماع ، والثاني : اثبات الولد والزوجة" اهـ.

2ـ وقال الشيخ أبو حامد الغزالي الشافعي الأشعري ( 505هـ ) في كتابه "إحياء علوم الدين" ( ج1 : ص127 ) ما نصه  :"الأصل الرابع : العلم بأنه تعالى ليس بجوهر يتحيَّز، بل يتعالى ويتقدّس عن مناسبة الحيّز، وبُرهانُه أن كل جوهر متحيز فهو مختص بحيِّزه، ولا يخلو من أن يكون ساكنًا فيه أو متحركًا عنه، فلا يخلو عن الحركة أو السكون وهما حادثان، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث" اهـ

3ـ وذكر الشيخ أبو المعين النسفي الحنفي ( 508هـ ) في كتابه "تبصرة الأدلة في أصول الدين" ( ج1 : ص174ـ183 ) براهين قاطعة وحججًا ساطعة في رد شبه المجسمة السابقين والوهابية المعاصرين الذين يزعمون أنَّ الله اتخذ العرش مستقرًّا ومسكنًا له وكرسيًا يجلس عليه والعياذ بالله من الكفر والخذلان، فقال ما نصه : "وللمجسمة شبه ثلاثة :

[ الشبهة الأولى ] : قولهم إن الموجودَيْن القائِميْن بالذات لا يخلُوان من أن يكون كل واحد منهما بِجهةٍ من صاحبه ، فنقول وبالله التوفيق : الموجودان القائمان بالذات كل واحد منهما في الشاهد يجوز أن يكون فوق صاحبه والآخر تحته، أتجوّزون هذا في الحق تعالى؟ فإن قالوا : نعم تركوا مذهبهم، فإنهم لا يجوزون أن يكون البارئ جل وعلا تحت العالم، وإن قالوا : لا، أبطلوا دليلهم، فإن قالوا : إنما لم نجوز هذا في الحق تعالى لأن جهة تحت جهة ذم ونقيصة، والبارئ جل وعلا منزه عن النقائص وأوصاف الذم. قيل لهم : فإذًا أثبتم التفرقة بين الشاهد والحق عند وجود دليل التفرقة حيث لم تجوزوا أن يكون الحق تعالى بجهة تحت وإن كان ذلك في الشاهد جائزًا لثبوت دليل التفرقة وهو استحالة النقيصة ووصف الذم على الحق وجواز ذلك على الشاهد، فلم قلتم إن دليل التفرقة فيما نحن فيه لم يوجد؟ بل وجد لِمَا مرّ أنه يوجب الحدوث وهو ممتنع على الحق، جائز بل واجب على الشاهد ، ثم نقول لهم : كون جهة تحت جهة ذم ونقيصة غير مسلَّم، إذ لا نقيصة في ذلك ولا رفعة في علو المكان، إذ كم من حارس فوق السطح وأمير في البيت، وطليعة على ما ارتفع من الأماكن وسلطان في ما انهبط من الأمكنة ، ثم نقول لهم : كل قائم بالذات في الشاهد جوهر وكل جوهر قائم بالذات، أفتستدلون بذلك على أن الحق تعالى جوهر؟!، فإن قالوا : نعم فقد تركوا مذهبهم ووافقوا النصارى؛ وإن قالوا : لا، نقضوا دليلهم ، ثم نقول لهم : إنما يجب التعدية من الشاهد إلى الحق إذا تعلق أحد الأمرين بالآخر تعلق العلة بالمعلول كما في العلم والعالِم والحركة والمتحرك، وذلك مما لا يقتصر على مجرد الوجود بل يشترط فيه زيادة شرط وهو أن يستحيل إضافته إلى غيره، ألا يرى أن العالِم كما لا ينفك عن العلم والعلم عن العالِم يستحيل إضافة كونه عالِمًا إلى شيء وراء العلم، فعلم أنه كان عالمًا لأن له علمًا، فوجبت التعدية إلى الحق والجوهرية مع القيام بالذات وإن كانا لا ينفكان في الشاهد، ولكن لما لم يكن جوهرًا لقيامه بالذات بل لكونه أصلاً يتركب منه الجسم، لم يجب تعدية كونه جوهرًا بتعدي كونه قائمًا بالذات، وإذا كان الأمر كذلك فلم قلتم إنهما كانا في الشاهد موجودين قائمين بالذات لأن كل واحد منهما بجهة من صاحبه، أو كان كل واحد منهما بجهة صاحبه لأنهما موجودان قائمان بالذات؟ ثم نقول لهم : لو كانا موجودين قائمين بالذات لأن كل واحد منهما بجهة من صاحبه، لكان الموجود القائم بالذات بالجهة وإن لم يكن معه غيره، ولكان البارئ جلَّ وعلا في الأزل بجهة لأنه كان موجودًا قائمًا بالذات، وهذا محال، إذ الجهة لا تثبت إلا باعتبار غير، ألا يرى أن الجهات كلها محصورة على الست وهي : فوق وتحت وخلف وقدام وعن يمين وعن يسار، وكل جهة منها لن يتصور ثبوتها إلا بمقابلة غيرها، والكل يتركب من الفرد، فإذا كان كل فرد من الجهات لن يتصور إلا بين اثنين، فكان حكم كلية الجهات كذلك لما مَرَّ من حصول المعرفة بالكليات بواسطة الجزئيات، وإذا كان الأمر كذلك كان تعليق الجهة بالوجود والقيام بالذات مع أن كل واحد منهما يثبت باعتبار النفس دون الغير والجهة لا تثبت إلا باعتبار الغير، جهلاً بالحقائق ،  ثم يقال لهم : أتزعمون أن القائمين بالذات يكون كل واحد منهما بجهة من صاحبه على الإِطلاق، أم بشريطة كون كل واحد منهما محدودًا متناهيًا؟ فإن قالوا : نعم على الإِطلاق، فلا نسلم، وما استدلوا به من الشاهد فهما محدودان متناهيان. وإن قالوا : نقول ذلك بشريطة كون كل واحد منهما محدودًا متناهيًا، فمسلَّم، ولكن لم قلتم إن البارئ محدود متناه! ثم إنا قد أقمنا الدلالة على استحالة كونه محدودًا متناهيًا، والله الموفِق،

[ وأما الشبهة الثانية التي تعلقوا بها ] : أنه تعالى كان ولا عَالَم ثم خلقه، أخلقه في ذاته أم خارج ذاته؟ وكيفما كان فقد تحققت الجهة ، فنقول وبالله التوفيق : إن هذا شيء بنيتم على ما تضمرون من عقيدتكم الفاسدة أنه تعالى متبعض متجزىء، وإن كنتم تتبرّءُون منه عند قيام الدلالة على بطلان تلك المقالة وتزعمون أنا نعني بالجسم القائم بالذات، وهذه المسألة بنفس المقالة. وما تتمسكون به من الدلالة يهتك عليكم ما أَسْبَلتم من أستاركم ويبدي عن مكنون أسراركم، أما بنفس المقالة فلأن شغل جميع العرش مع عظمته لن يكون إلا بمتبعض متجزىء على ما قررنا، وأما بالدلالة فلأن الداخل والخارج لن يكون إلا ما هو متبعض متجزىء، وقيام الدلالة وانضمام ظاهر إجماعكم على بطلان ذلك يغنينا عن الإِطالة في إفساد هذ ه الشبهة والله الموفِق ، وربما يقلبون هذا الكلام ويقولون بأنه تعالى لما كان موجودًا إما أن يكون داخل العالم وإما أن يكون خارج العالم، وليس بداخل العالَم فكان خارجًا منه، وهذا يوجب كونه بجهة منه ، والجواب عن هذا الكلام على نحو ما أجبنا عن الشبهة المتقدمة أن الموصوف بالدخول والخروج هو الجسم المتبعض المتجزىء، فأما ما لا تبعض له ولا تجزؤ فلا يوصف بكونه داخلاً ولا خارجًا، ألا ترى أن العرض القائم بجوهر لا يوصف بكونه داخلاً فيه ولا خارجًا منه؟ فكذا القديم لَمّا لم يكن جسمًا لا يوصف بذلك، فكان هذا الكلام أيضًا مبنيًا على ما يضمرون من عقيدتهم الفاسدة ، وكذا الجواب عما يتعلق به بعضهم أنه تعالى لما كان موجودًا إما أن يكون مماسًّا للعالم أو مباينًا عنه، وأيهما كان ففيه إثبات الجهة، أنَّ ما ذكره من وصف الجسم، وقد قامت الدلالة على بطلان كونه جسمًا، ألا ترى أن العَرَض لا يوصف بكونه مماسًّا للجوهر ولا مباينًا له؟ وهذا كله لبيان أن ما يزعمون ليس من لواحق الوجود، بل هو من لواحق التبعض والتجزؤ والتناهي، وهي كلها محال على القديم تعالى، والله الموفِق ،

[ وأما حل الشبهة الثالثة ] : وهي أن الموجودَين لا يعقلان موجودَين إلا وأن يكون أحدهما بجهة صاحبه أو بحيث هو. قلنا : هذا منكم تقسيم للموجودَين، وليس من ضرورة الوجود أحدُ الأمرين، لأنهما إن كانا موجودين لأن أحدهما بجهة صاحبه ينبغي ألا يكون الجوهر وما قام به من العرض موجودَين لأن أحدهما ليس بجهة صاحبه، وإن كانا موجودَين لأن أحدهما بحيث صاحبه، ينبغي ألا يكون الجوهران موجودَين لأن أحدهما ليس بحيث صاحبه، وقد مَرّ ما يوجب بطلان هذا في إبطال قول النصارى : إن الموجود إما أن يكون جوهرًا وإما أن يكون جسمًا وإما أن يكون عرَضًا، والبارئ جل وعلا ليس بجسم ولا عَرَض، فدل أنه جوهر، فإن بطل ذاك بطل هذا، وإن صح هذا صح ذاك، بل كِلا الأمرين باطل لما مَرَّ. والله الموفِّق ، وما يزعمون أنه لا عَدَمَ أشد تحققًا من نفي المذكور من الجهات الست وما لا جهة له لا يتصور وجوده. فنقول : ذكر أبو إسحق الإِسفرايني أن السلطان ـ يعني به السلطان محمود بن سُبُكتِكين ـ قَبلَ هذا السؤال من القوم من الكرَّامية وألقاه على ابن فورَك، قال وكتب به ابن فورك إليّ ولم يكتب بماذا أجاب، ثم اشتغل أبو إسحق بالجواب، ولم يأت بما هو انفصال عن هذا السؤال بل أتى بما هو ابتداء دليل في المسئلة من أنه لو كان بجهة لكان محدودًا، وما جاز عليه التحديد جاز عليه الانقسام والتجزؤ، ولأن ما جاز عليه الجهة جاز عليه الوصل والتركيب وهو أن تتصل به الأجسام، وذا باطل بالإِجماع، ولأنه لو جازت عليه الجهة لجازت إحاطة الأجسام به على نحو ما قررنا، وهذا كله ابتداء الدليل وليس بدفع للسؤال. وللكرّامي أن يقول : لو كان ما ذكرتَ من الأدلة يوجب بطلان القول بالجهة لما في إثباتها من إثبات أمارات الحدث، فما ذكرت من الدليل يوجب القول بالجهة لما في الامتناع عن القول به إثبات عدمه، فكما لا يجوز إثبات حدوث ما ثبت قدمه بالدليل لا يجوز نفي ما ثبت وجوده بالدليل. وحلُّ هذا الإِشكال أن يقال : إن النفي عن الجهات كلها يوجب عدم ما هو بجهة من النافي أم عدم ما ليس بجهة منه؟ فإن قال : عدم ما هو بجهة منه، قلنا : نعم، ولكن لم قلتم إن البارئ جل وعلا بجهة من النافي؟ فإن قال : لأنه لو لم يكن بجهة منه لكان معدومًا، فقد عاد إلى ما تقدم من الشبهة، وقد فرغنا بحمد الله عن حلها. وإن قال : النفي عن الجهات يوجب عدم ما ليس بجهة منه، فقد أحال، لأن ذلك لا يوجب عدم النافي وما قام به من الأعراض لما لم يكن بجهة من نفسه، فكذا لا يوجب عدمَ البارئ جل وعلا لأنه ليس بجهة من النافي. فإن قالوا : إذا لم يكن بجهة منه ولا قائمًا به يكون معدومًا، فقد عادوا إلى الشبهة الثالثة، وقد فرغنا من حلها بتوفيق الله تعالى ، والأصل في هذا كله أن ثبوت الصانع جل وعلا وقِدمه عُلِمَ بما لا مدفَعَ له من الدلائل ولا مجال للريب فيه، فقلنا بثبوته وقدمه وعرفنا استحالة ثبوت أمارات الحدث في القديم فنفينا ذلك عنه لما في إثباتها من إثبات حدوث القديم أو بطلان دلائل الحدث، وذلك باطل كله على ما قررنا، وفي إثبات المكان والجهة إثبات دلالة الحدث على ما مَرَّ. وليس من ضرورة الوجود إثبات الجهة، لأن نفسي وما قام بها من الأعراض ليست مني بجهة، وهي موجودة، وما كان مني بجهة ليس بقائم بي وهو موجود، وكذا ليس من ضرورة الوجود أن يكون فوقي لوجود ما ليس فوقي، ولا أن يكون تحتي لوجود ما ليس تحتي، وكذا قدامي وخلفي وعن يميني وعن يساري، وإذا ثبت هذا في كل جهة على التعيين ثبت في الجهات كلها، إذ هي متركبة من الأفراد. فإذًا ليس من ضرورة الموجود أن يكون مني بجهة لوجود ما ليس مني بجهة، ولا أن يكون قائمًا بي لوجود ما ليس بقائم بي. وظهر أن قيام الشيء بي وكونه بجهة مني ليسا من لواحق الوجود وضروراته على ما قررنا هذا الكلام في نفي كونه تعالى عرضًا أو جوهرًا أو جسمًا، وخروج الموجود عن هذه المعاني كلها معقول لِمَا بيّنا من الدلائل أن ليس من ضرورة الوجود ثبوت معنى من هذه المعاني كلها لمَا مَرَّ من ثبوت موجود ليس فيه كل معنى من هذه المعاني على التعيين، غير أنه ليس بموهوم لِمَا لم يُحس موجود تعرّى عن هذه المعاني كلها، إذ ما يُشاهد في المحسوسات كلها محدثة وارتفاع دلالة الحدث عن المحدَث محال، وفي الحق تعالى الأمر بخلافه. وليس من ضرورة الارتفاع عن الوهم العدمُ لما ثبت من الدلائل العقلية على الحدوث، وظهور التفرقة بين المعقول والموهوم على ما تقدم ذكره على وجه لا يبقى للمنصف فيه ريبة ، ثم إن الله تعالى أثبت في نفس كل عاقل معاني خارجة عن الوهم لخروجها عن درك الحواس، ويعلم وجودها على وجه لم يكن للشك فيه مدخل لثبوت ءاثارها، كالعقل والروح والبصر والسمع والشم والذوق، فإن ثبوت هذه المعاني متحقق والأوهام عن الإِحاطة بمائيتها قاصرة لخروجها عن الحواس المؤدية المدركة صور محسوساتها إلى الفكرة، ليصير ذلك حجة على كل من أنكر الصانع مع ظهور الآيات الدالة عليه لخروجه عن التصور في الوهم، ويعلم أن لا مدخل للوهم في معرفة ثبوت الأشياء الغائبة عن الحواس، ومن أراد الوصول إلى ذلك بالوهم ونفي ما لم يتصور فيه مع ظهور ءايات ثبوته فقد عطل الدليل القائم لانعدام ما ليس يصلح دليلاً، فيصير كمن أنكر وجود البياض في جسم مع معاينته ذلك لعدم استدراك ذلك بالسمع، وجهالةُ مَن هذا فعلُه لا يخفى عن الناس، فكذا هذا ، ثم لا فرق بين من أنكر الشيء لخروجه عن الوهم وبين من جعل خروج الشيء عن الوهم دليلاً للعدم، لما فيهما جميعًا [ممن] قصر ثبوت الشيء ووجوده على الوهم، وخروج الموجود عن جميع أمارات الحدث غير موهوم لما لم نعاين موجودًا ليس بمحدث، وإثبات أمارات الحدث في القديم محال، ونفيها عن القديم إخراجُه عن الوهم، وبخروجه عن الوهم يلتحق بالعدم فإذًا لا وجود للقديم، فصارت المجسمة والقائلون بالجهة والجاعلون ما لا يجوز عليه الجهة في حيز العدم قائلين بعدم القديم، فضاهوا الدهرية في نفي الصانع الذي ليس فيه شيء من أمارات الحدث، وساعدوهم بإثبات قِدَمِ من هو متمكن في المكان أو متحيز إلى جهة في إثبات قِدم من تحققت أمارات حدوثه، وبإثبات القِدَم للعالَم نفي الصانع. فإذًا عند الوقوف على هذه الحقائق علم أنهم هم النافون للصانع في الحقيقة دون من أثبته ونفى عنه الجهة والتمكن اللذين هما من أمارات الحدث. والله الموفِّق ، وهذا هو الجواب عن قولهم : إن الناس مجبولون على العلم بأنه تعالى في جهة العلو، حتى إنهم لو تُركوا وما هم عليه جُبلوا لاعتقدوا أن صانعهم في جهة العلو. فإنا نقول لهم : إن عنيتم بهذا من لم يرض عقله بالتدبر والتفكر ولم يتمهر في معرفة الحقائق بإدمان النظر والتأمل، فمسلّم أنه بهواه يعتقد أن صانعه بجهة منه، لِمَا أنه لا يعرف أن التحيز بجهةٍ من أمارات الحدث وهي منفية عن القديم، ولما يرى أن ما ليس بقائم به يكون منه بجهة، ثم يرى صفاء الأجرام العلوية وشرف الأجسام النيرة في الحس فظن جهلاً منه أنه تعالى لا بد من كونه بتلك الجهة منه لخروج ما ليس بقائم به ولا بجهة منه عن الوهم، وفضيلة تلك الجهة على سائر الجهات عنده. وإن عنيتم به الحذّاق من العلماء العارفين بالفَرق بين الجائز والممتنع والممكن والمحال فغير مسلّم، إذ هؤلاء يبنون الأمر على الدليل دون الوهم، وقد قام الدليل عندهم على استحالة كونه تعالى في جهة. والله الموفِّق ، وتعلقهم بالإِجماع برفع الأيدي إلى السماء عند المناجاة والدعاء باطلٌ، لما ليس في ذلك دليل كونه تعالى في تلك الجهة، هذا كما أنهم أمروا بالتوجه في الصلاة إلى الكعبة وليس هو في الكعبة، وأمروا برمي أبصارهم إلى موضع سجودهم حالة القيام في الصلاة بعد نزول قوله تعالى : { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون } [سورة المؤمنون : 1.2] بعدما كانوا يصلون شاخصة أبصارهم نحو السماء، وليس هو في الأرض، وكذا حالة السجود أمروا بوضع الوجوه على الأرض، وليس هو تعالى تحت الأرض، فكذا هذا. وكذا المتحري يصلي إلى المشرق واليمن والشام، وليس هو تعالى في هذه الجهات. ثم هو يعبد كما في هذه المواضع ويُحتمل أنه تعالى أمر بالتوجه إلى هذه المواضع المختلفة عند اختلاف الأحوال ليندفع وهْم تحيزه في جهة ويصير ذلك دليلاً لمن عرفه أنه ليس بجهة منا. وقيل إن العرش جُعل قِبلة للقلوب عند الدعاء كما جعلت الكعبة قبلة للأبدان في حالة الصلاة. واستعمال لفظة الإِنزال والتنزيل منصرف إلى الآتي بالقرءان، فأما القرءان فلا يوصف بالانتقال من مكان إلى مكان، والآتي به وهو جبريل عليه السلام كان ينزل من جهة العلو لما أن مقامه كان بتلك الجهة. والله الموفِّق.
فأما تعلقهم بتلك الآيات فنقول في ذلك : إنّا ثبَّتنا بالآية المحكمة التي لا تحتمل التأويل، وبالدلائل العقلية التي لا احتمال فيها أن تمكنه في مكان مخصوص أو الأمكنة كلها محال، فلا يجوز إبطال هذه الدلائل بما تلوا من الآيات المحتملة ضروبًا من التأويلات بل يجب حملها على ما يوافق الدلائل المحكمة دفعًا للتناقض عن دلائل الحكيم الخبير جلت أسماؤه، يحقق هذا أن حمل الآيات على ظواهرها والامتناع عن صرفها إلى ما تحتمله من التأويل يوجب تناقضًا فاحشًا في كتاب الله تعالى، وبنفيه استدل الله تعالى على أن القرءان من عنده بقوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا } [سورة النساء : 82]، وبيانه أنه تعالى قال في ءاية : { الرحمن على العرش استوى } [سورة طه : 5]، وقال في ءاية أخرى : { ءأمنتم من في السماء } [سورة الملك : 19]، وقال في ءاية أخرى : { ما يكون من نجوى ثالثة إلا هو رابعهم } [سورة المجادلة : 7]، وقال في ءاية أخرى : { إن ربّك لبالمرصاد } [سورة الفجر : 14]، وقال في ءاية أخرى : { ألا إنه بكل شيء محيط } [سورة فصلت : 54]، ثم لا وجه إلى القول بأنه على العرش وأنه في السماء وأنه بالمشرق وعند المتناجين وبالمغرب والروم والزنج والهند والعراق، بل في كل بلدة وقرية في حالة واحدة عند المتناجين في هذه الأمكنة في ساعة ولا في ساعات بالتحول والتنقل لاستحالة الحركة عليه، وأنه بالمرصاد وأنه محيط بكل شيء من جوانبه الأربع فيصير كالحقّة لكل شيء، لما في كون شيء واحد في الأمكنة الكثيرة من الامتناع ، وليس من يُجري بعض هذه الآيات على الظاهر ويصرف ما وراء ذلك إلى ما عنده من التأويل بأولى من صاحبه الذي يرى في تعيين المكان خلاف رأيه. فإذًا ظهرت صحة ما ادعيناه من تعذر حمل الآيات على الظاهر، ووجوب الصرف إلى ما يصح من التأويلات". انتهى كلام النسفي. 4ـ وقال الشيخ أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم المعروف بابن القشيري ( 514هـ ) عند بيان جواز تأويل الاستواء بالقهر ما نصه ( إتحاف السادة المتقين للزبيدي ج2 : 108-109 )  :"ولو أشْعر ما قلنا توهم غلبته لأشْعر قوله : { وهو القاهر فوق عباده } [سورة الأنعام : 61] بذلك أيضًا حتى يقال كان مقهورًا قبلَ خلقِ العباد، هيهاتَ، إذ لم يكن للعباد وجودٌ قبلَ خلقِه إيّاهم، بل لو كان الأمر على ما توهمَه الجهلةُ مِنْ أنه استواءٌ بالذاتِ لأشعر ذلك بالتغيُّر واعوجاج سابقٍ على وقتِ الاستواء، فإن البارئ تعالى كان موجودًا قبلَ العرش. ومَنْ أنصفَ عَلِمَ أنّ قولَ مَن يقول : العرشُ بالربِّ استوى أمثلُ مِن قول مَن يقول : الربُّ بالعرشِ استوى، فالربُّ إذًا موصوفٌ بالعُلُو وفوقية الرتبةِ والعظمةِ منزهٌ عن الكون في المكان وعن المحاذاة" اهـ. ثم قال : "وقد نَبَغَت نابغةٌ من الرَّعاعِ لولا استنزالُهم للعوامِ بما يقربُ مِن أفهامهم ويُتصوّرُ في أوهامِهم لأَجْلَلْتُ هذا المكتوب عن تلطيخه بذكرهم. يقولون : نحن نأخذُ بالظاهر ونجري الآياتِ الموهمةَ تشبيهًا والأخبارَ المقتضية حدًّا وعُضوًا على الظاهر ولا يجوز أن نطرقَ التأويلَ إلى شيء مِن ذلك، ويتمسكون بقول الله تعالى :  { وما يعلم تأويلَه إلا الله } [سورة ءال عمران : 7]. وهؤلاء والذي أرواحنا بيده أضَرُّ على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعَبَدةِ الأوثانِ، لأن ضلالاتِ الكفارِ ظاهرةٌ يَتَجَنَّبُها المسلمون، وهؤلاء أَتَوا الدينَ والعوامَّ مِن طريقٍ يَغْتَرُّ به المُسْتَضعفُون، فأَوْحَوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأَحَلُّوا في قلوبهم وصفَ المعبودِ سبحانَه بالأعضاء والجوارح والركوب والنزول والاتكاء والاستلقاءِ والاستواء بالذات والترددِ في الجهات، فمن أَصْغى إلى ظاهرهم يبادرُ بوهمِه إلى تخيّلِ المحسوسات فاعتقدَ الفضائحَ فسالَ به السيلُ وهو لا يَدْري" اهـ ،

5ـ وقد نص الإمام المحدث الحافظ المفسر عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي ( 597هـ ) على نفي التحيز في المكان والاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق عن الله تعالى، وردّ في كتابه "الباز الأشهب" على ابن الزاغوني المجسم الذي قال : "فلما قال ـ تعالى ـ  { ثمّ استوى } [سورة الأعراف : 54] علمنا اختصاصه بتلك الجهة"، وقال ابن الزاغوني أيضا والعياذ بالله  :"ولا بد أن يكون لذاته نهايةٌ وغاية يعلمها" قال ابن الجوزي ما نصه  :"قلتُ : هذا رجلٌ لا يدري ما يقول، لأنه إذا قَدّر غايةً وفصلاً بين الخالق والمخلوق فقد حدده وأقر بأنه جسم وهو يقول في كتابه إنه ليس بجوهر لأن الجوهر ما يتحيز، ثم يثبت له مكانًا يتحيز فيه ، قلت : ـ أي ابن الجوزي ـ وهذا كلام جهل من قائله وتشبيه محض فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق تعالى وما يستحيل عليه، فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لا بد لها من حيز، والتحت والفوق إنما يكون فيما يُقابَل ويحاذَى، ومن ضرورة المحاذِي أن يكون أكبر من المحاذَى أو أصغر أو مثله، وأن هذا ومثله إنما يكون في الأجسام، وكلّ ما يحاذِي الأجسام يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث، إذ قد ثبت أن الدليل على حدوث الجواهر قبولها المماسةَ والمباينة، فإن أجازوا هذا عليه قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا هذا عليه لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر، ومتى قدّرنا مستغنيًا عن المحل ومحتاجًا إلى الحيز، ثم قلنا : إما أن يكونا متجاورين أو متباينين كان ذلك محالاً، فإن التجاور والتباينَ من لوازم التّحيز في المتحيّزات ، وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم التحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز، لأنه لو كان متحيزًا لم يخل إما أن يكون ساكنًا في حيّزهِ أو متحركًا عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق، ومن جاورَ أو باين فقد تناهى ذاتًا والتناهي إذا اختص بمقدار استدعى مخصِّصًا، وكذا ينبغي أن يقال ليس بداخلٍ في العالم وليس بخارجٍ منه، لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات فهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تختصُّ بالأجرام. وأما قولهم خلق الأماكن لا في ذاته فثبت انفصاله عنها قلنا : ذاته المقدس لا يَقبل أن يُخلَق فيه شيء ولا أن يحل فيه شيء، وقد حملهم الحِسُّ على التشبيه والتخليط حتى قال بعضهم إنما ذكَر الاستواء على العرش لأنه أقرب الموجودات إليه، وهذا جهل أيضًا لأن قرب المسافة لا يتصور إلا في جسم، ويَعِزُّ علينا كيف يُنْسَبُ هذا القائل إلى مذهبنا. واحتج بعضهم بأنه على العرش بقوله تعالى :  { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [سورة فاطر : 10] وبقوله : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [سورة الأنعام : 18] وجعلوا ذلك فوقية حسيّة ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر، وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال : فلان فوق فلان، ثم إنه كما قال تعالى : { فوق عباده } قال تعالى  : { وهو معكم }، فمن حملها على العلم حمل خصمُه الاستواء على القهر، وذهبت طائفة إلى أن الله تعالى على عرشه وقد ملأهُ والأشْبَه أنه مماس للعرش والكرسي موضِعُ قدميه. قلت : المماسة إنما تقع بين جسمين وما أبقى هذا في التجسيم بقية" انتهى كلام الحافظ ابن الجوزي ولقد أجاد وشفى وكفى. 6ـ وقال المفسّر فخر الدين الرازي ( 606هـ ) ما نصه : "فلو كان علوّ الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا العلوّ لله تعالى صفة ذاتية، ولكان حصول هذا العلوّ لله تعالى حصولاً بتبعية حصوله في المكان، فكان علو المكان أتم وأكمل من علو ذات الله تعالى، فيكون علو الله ناقصًا وعلوّ غيره كاملا وذلك محال" اهـ.

7ـ وقال أيضًا عند تفسير ءاية  : { الرحمنُ على العرشِ استوى } [سورة طه : 5] ما نصه  :"المسألة الثانية : المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه : ( أحدها ) : أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان، ولما خلق الخلق لم يحتجْ إلى مكان بل كان غنيًّا عنه، فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعُمَ زاعم أنه لم يزل مع الله عرش ، و ( ثانيها ) : أن الجالس على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في يسار العرش، فيكون في نفسه مؤلَّفًا مركَّبًا، وكل ما كان كذلك احتاج إلى المؤلِّف والمركِّب، وذلك محال ، و ( ثالثها ) : أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكنًا من الانتقال والحركة أو لا يُمْكِنُه ذلك، فإن كان الأول فقد صار محل الحركة والسكون فيكون مُحْدَثًا لا محالة، وإن كان الثاني كان كالمربوط بل كان كالزَّمِن بل أسوأ حالاً منه، فإن الزَّمِنَ إذا شاء الحركة في رأسه وحدقته أمكنه ذلك وهو غير ممكن على معبودهم ، و ( رابعها ) : هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل مكان أو في مكان دون مكان، فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات والقاذورات وذلك لا يقوله عاقل، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصِّصه بذلك المكان فيكون محتاجًا وهو على الله محال" اهـ. 8ـ وقال سيف الدين الآمدي ( 631هـ ) في كتابه "غاية المرام" ما نصه : "فإن قيل ما نشاهده منَ الموجودات ليس إلا أجسامًا وأعراضًا، وإثبات قسم ثالث مما لا نعقِله، وإذا كانت الموجودات منحصرة فيما ذكرناه فلا جائز أن يكون البارئ عرضًا لأن العرض مفتقِر إلى الجسم والبارئ لا يفتقِر إلى شيء، وإلا كان المفتقرُ إليه أشرفَ منه وهو محال، وإذا بطل أن يكون عرضًا بقي أن يكون جسمًا ، ( قلنا ) : منشأ الخبط ههنا إنما هو من الوهم لإعطاء الحق حكم الشاهد والحكم على غير المحسوس بما حكم به على المحسوس، وهو كاذب غير صادق، فإن الوهم قد يرتمي إلى أنه لا جسم إلا في مكان بناء على الشاهد، وإن شهد العقل بأن العالم لا في مكان لكَون البرهان قد دلَّ على نهايته، بل وقد يشتد وهم بعض الناس بحيث يقضي به على العقل، وذلك كمن ينفِر عن المبيت في بيت فيه ميت لتوهمه أنه يتحرك أو يقوم، وإن كان عقله يقضي بانتفاء ذلك، فإذًا اللبيب من ترك الوهم جانبًا ولم يتخذ غير البرهان والدليل صاحبًا. وإذا عرف أن مستند ذلك ليس إلا مجرد الوهم، فطريق كشف الخيال إنما هو بالنظر في البرهان فإنا قد بيَّنا أنه لا بد من موجودٍ هو مُبدىء الكائنات، وبيَّنا أنه لا جائز أن يكون له مثل من الموجودات شاهدًا ولا غائبًا، ومع تسليم هاتين القاعدتين يتبين أن ما يقضي به الوهم لا حاصل له. ثم لو لزم أن يكون جسمًا كما في الشاهد للزم أن يكون حادثًا كما في الشاهد وهو ممتنع لما سبق، وليس هو عرضًا وإلا لافتقر إلى مقوم يقومه لوجوده، إذ العرض لا معنى له إلا ما وجوده في موضوع، وذلك أيضًا محال" اهـ

9ـ وقال أيضًا مبيِّنًا أن الله يستحيل عليه التحيّز في جهة من الجهات ما نصه : "لو كان في جهة لم يخل إما أن يكون في كل جهة أو في جهة واحدة، فإن كان في كل جهة فلا جهة لنا إلا والرب فيها، وهو محال، وإن كان في جهة مخصوصة، فإما أن يستحقها لذاته أو لمخصص، لا جائز أن يستحقها لذاته، إذ نسبة سائر الجهات إليه على وتيرة واحدة، فإذًا لا بد من مُخصصٍ، وإذ ذاك فالمحال لازم من وجهين : ( الأول ) : أن المخصص إما أن يكون قديمًا أو حادثًا، فإن كان قديمًا لزم منه اجتماع قديمين وهو محال، وإن كان حادثًا استدعى في نفسه مخصصًا ءاخر، وذلك يفضي إلى التسلسل وهو ممتنع ، ( الوجه الثاني ) : هو أن الاختصاص بالجهة صفة للرب تعالى قائمة بذاته، أي على قول معتقد الجهة في الله، ولو افتقرت إلى مخصص لكانت في نفسها ممكنة، لأن كل ما افتقر في وجوده إلى غيره فهو باعتبار ذاته ممكن، وذلك يوجب كون البارئ ممكنًا بالنسبة إلى بعض جهاته، والواجب بذاته يجب أن يكون واجبًا من جميع جهاته" اهـ.

10ـ وقال السبكي الشافعي  :"صانع العالم لا يكون في جهة لأنه لو كان في جهة لكان في مكان ضرورة أنها المكان أو المستلزمة له، ولو كان في مكان لكان متحيزًا ولو كان متحيزًا لكان مفتقِرًا إلى حيّزه ومكانه فلا يكون واجب الوجود وثبت أنه واجب الوجود وهذا خُلْفٌ، وأيضًا فلو كان في جهة فإما في كل الجهات وهو محال وشنيع، وإما في البعض فيلزم الاختصاص المستلزم للافتقار إلى المخصِّص المنافي للوجوب" اهـ أي الاحتياج إلى المخصِّص ينافي كونه واجب الوجود، فثبت استحالة الجهة والمكان على الله تعالى ،

11ـ وقال العلامة البياضي الحنفي ( 1098هـ ) في كتابه "إشارات المرام" ممزوجًا بالشرح ما نصه  :"الخامس : ما أشار إليه ـ أبو حنيفة ـ ( وقال في "الفقه الأبسط" : كان الله تعالى ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق كان ولم يكن أين ) أي مكان ( ولا خلق ولا شيء و { هو خالق كل شيء } [سورة الأنعام : 102] ) مُوجِد له بعد العدم فلا يكون شيء من المكان والجهة قديمًا وفيه إشارات : ( الأولى ) : الاستدلال بأنه تعالى لو كان في مكان وجهة لزم قدمهما، وأن يكون تعالى جسمًا، لأن المكان هو الفراغ الذي يشغله الجسم، والجهة اسم لمنتهى مأخذ الإشارة ومقصد المتحرك فلا يكونان إلا للجسم والجسماني، وكل ذلك مستحيل كما مر بيانه، وإليه أشار بقوله : "كان ولم يكن أين ولا خلق ولا شيء وهو خالق كل شيء". وبطل ما ظنه ابن تيمية منهم من قدم العرش كما في شرح العضدية ، ( الثانية ) : الجواب بأن لا يكون البارئ تعالى داخل العالم لامتناع أن يكون الخالق داخلاً في الأشياء المخلوقة، ولا خارجًا عنه بأن يكون في جهة منه لوجوده تعالى قبل خلق المخلوقات وتحقق الأمكنة والجهات، وإليه أشار بقوله : { هو خالق كل شيء } [سورة الأنعام : 102] وهو خروج عن الموهوم دون المعقول" اهـ  ،

12ـ وقال الفقيه المتكلم المؤرخ الفخر ابن المعلم القرشي الدمشقي ( 725هـ ) ما نصه : "قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر الأنصاري القرطبي : والذي يقتضي بطلان الجهة والمكان مع ما قررناه من كلام شيخنا وغيره من العلماء وجهان : ( أحدهما ) : أن الجهة لو قدّرت لكان فيها نفيُ الكمال، وخالق الخلق مستغنٍ بكمال ذاته عمّا لا يكون به كاملاً ، و ( الثاني ) : أن الجهة إما أن تكون قديمة أو حادثة، فإن كانت قديمة أدّى إلى مُحالين، أحدهما أن يكون مع البارئ في الأزل غيرُه، والقديمان ليس أحدهما بأن يكون مكانًا للثاني بأولى من الآخر، فافتقر إلى مخصِّصٍ يُنقَلُ الكلام إليه، وما يُفْضي إلى المحال محال" اهـ.

13ـ وقال الحافظ المحدّث اللغوي الفقيه السيد محمد مرتضى الزَّبيدي الحنفي ( 1205هـ ) عند شرح كلام الغزالي : "الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكِّن جسمًا مماسًا للعرش : إما مثله أو أكبر منه أو أصغر، وذلك محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال" ما نصه : "وتحقيقه أنه تعالى لو استقر على مكان أو حاذى مكانًا لم يخل من أن يكون مثل المكان أو أكبر منه أو أصغر منه، فإن كان مثل المكان فهو إذًا متشكل بأشكال المكان حتى إذا كان المكان مربعًا كان هو مربعًا أو كان مثلَّثا كان هو مثلَّثا وذلك محال، وإن كان أكبر من المكان فبعضه على المكان، ويُشْعِرُ ذلك بأنه متجزىء وله كلٌّ ينطوي على بعض، وكان بحيث ينتسب إليه المكان بأنه ربعه أو خمسه، وإن كان أصغر من ذلك المكان بقدر لم يتميز عن ذلك المكان إلا بتحديد وتتطرق إليه المساحة والتقدير، وكل ما يؤدي إلى جواز التقدير على البارئ تعالى فتجوّزه في حقه كفر من معتقِدِه، وكل من جاز عليه الكون بذاته على محل لم يتميز عن ذلك المحل إلا بكون، وقبيح وصف البارئ بالكون، ومتى جاز عليه موازاة مكان أو مماسته جاز عليه مباينته، ومن جاز عليه المباينة والمماسة لم يكن إلا حادثًا، وهل علمنا حدوث العالم إلا بجواز المماسة والمباينة على أجزائه. وقصارى الجهلة قولهم : كيف يتصوّر موجود لا في محل؟ وهذه الكلمة تصدر عن بدع وغوائل لا يَعْرِفُ غورَها وقعرها إلا كلُّ غوّاص على بحار الحقائق، وهيهات طلب الكيفية حيث يستحيل محال ، والذي يَدْحَضُ شُبَهَهُمْ أن يُقال لهم : قبلَ أن يَخْلُقَ العالم أو المكانَ هل كان موجودًا أم لا؟ فمِن ضرورة العقلِ أن يقول : بلى، فيلزمه لو صحَّ قولُه : لا يُعلمُ موجود إلا في مكان أَحَدُ أمرين : إما أن يقول : المكان والعرش والعالم قديم، وإما أن يقول : الربُّ تعالى محدَثٌ، وهذا مآلُ الجهلة والحشويةِ، ليس القديمُ بالمحدَثِ، والمُحدَثُ بالقديم. ونعوذ بالله من الحَيْرة في الدين" اهـ.

14ـ وقال ما نصه : "فإن قيل : نفيه عن الجهات الست إخبار عن عدمه إذ لا عدَم أشد تحقيقًا من نفي المذكور عن الجهات الست. قلتُ : النفي عن الجهات الست لا يكون ذلك إخبارًا عن عدم ما لو كان لكان في جهة من النافي لا نفي ما يستحيل أن يكون في جهة منه، ألا ترى أن من نفى نفسه عن الجهات الست لا يكون ذلك إخبارًا عن عدمه لأن نفسه ليست بجهة منه. وأما قول المعتزلة : القائمان بالذات يكون [كل] واحد منهما بجهة صاحبه لا محالة، فالجواب عنه : هذا على الإطلاق أم بشريطة أن يكون كل واحد منهما محدودًا متناهيًا؟ الأوّل ممنوع، والثاني مُسَلَّم، ولكن البارئ تعالى يستحيل أن يكون محدودًا متناهيًا  ، ( تنبيه ) هذا المعتقد لا يخالف فيه بالتحقيق سُني لا محدِّث ولا فقيه ولا غيره ولا يجىء قط في الشرع على لسان نبي التصريح بلفظ الجهة، فالجهة بحسب التفسير المتقدم منفية معنًى ولفظًا وكيف لا والحق يقول : { ليس كمثله شيء } ( سورة الشورى : 11 ) ولو كان في جهة بذلك الاعتبار لكان له أمثال فضلاً عن مثل واحد" اهـ

15ـ ومما قاله الشيخ العلامة المحدث عبد الله الهرري في إثبات تنـزيه الله عن المكان ما نصه : "والدليل على ذلك أنه لو تحيز فإما في الأزل فيلزمُ قدمُ الحيز، أو لا، فيكون محلاًّ للحوادث، وكلا ذلك مستحيل؛ وأيضًا إما أن يساوي الحيز أو ينقص عنه فيكون متناهيًا، أو يزيد عليه فيكون متجزئًا. وإذا لم يكن في مكان لم يكن في جهة لا عُلْوٍ ولا سفل ولا غيرهما، لأنها إما حدود وأطراف للأمكنة أو نفس الأمكنة باعتبار عروض الإضافة إلى شيء. ثم إن بعض المجسمة إذا أُثبت لهم برهان وجوب تنزهه تعالى عن المكان يقول : "جهة العلو غير جهة السفل، جهة السفل نقص عليه يجب تنزيهه عنها، وأما جهة العلو فكمال ولا يدل العقل على نفيها عن الله. ، فالجواب أن يقال لهم : الجهات كلها لا تقتضي الكمال في حد ذاتها، لأن الشأن ليس في علو المكان بل الشأن في علو القدر، بل قد يختص الشخص من البشر بالمكان العالي ومن هو أعلى منه قدرًا يكون في المكان المنخفض، ويحصل ذلك للسلاطين، فإن حرسهم يكونون في مكان عال وهم أسفل منهم، فلم يكن في علو الجهة وعلو المكان شأن. ثم الأنبياء مستقرهم في الدنيا : الأرض، وفي الآخرة : الجنة، وهم أعلى قدرًا من الملائكة الحافين حول العرش والذين هم في أعلى من مستقر الأنبياء من حيث الجهة، وكون مستقر أولئك حملة العرش فوق مستقر الأنبياء من حيث الجهة لم يكن دليلاً على أنهم أكمل من الأنبياء بل ولا يساوونهم" اهـ.

 16ـ وقال أيضًا ما نصه : "تنـزيه الله عن المكان وتصحيح وجوده بلا مكانٍ عقلاً والله تعالى غنيٌّ عن العالمين، أي مستغن عن كلّ ما سواه أزلا وأبدًا، فلا يحتاجُ إلى مكان يقومُ به أو شيء يحُلُّ به أو إلى جهة. ويكفي في تنزيه الله عن المكان والحيّز والجهة قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } [سورة الشورى : 11 ] ،  فلو كان له مكان لكان له أمثالٌ وأبعادٌ طولٌ وعرضٌ وعمقٌ، ومن كان كذلك كان محدَثًا محتاجًا لمن حدَّه بهذا الطول وبهذا العرض وبهذا العمق، هذا الدليل من القرءان ، أما من الحديث فما رواه البخاري وابن الجارود والبيهقي بالإسناد الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  :"كان الله ولم يكن شيء غيره"، ومعناه أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيرُهُ لا ماءٌ ولا هواءٌ ولا أرضٌ ولا سماءٌ ولا كرسيٌّ ولا عرش ولا إنسٌ ولا جنٌّ ولا ملائكةٌ ولا زمانٌ ولا مكانٌ، فهو تعالى موجودٌ قبل المكان بلا مكان، وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه. وهذا ما يستفاد من الحديث المذكور ، وقال البيهقيُّ في كتابه "الأسماء والصفات" ما نصه : "استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم  :"أنت الظاهرُ فليس فوقكَ شيء وأنت الباطنُ فليس دونكَ شيء"، وإذا لم يكنْ فوقَهُ شيء ولا دونَهُ شيء لم يكنْ في مكانٍ"اهـ. وهذا الحديثُ فيه الردُّ أيضًا على القائلينَ بالجهةِ في حقهِ تعالى. وَقَدْ قال عليٌّ رضي الله عنهُ  :"كانَ الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كانَ". رواه أبو منصورٍ البغداديُّ ، وليس محور الاعتقاد على الوهم بل على ما يقتضيه العقلُ الصحيحُ السليمُ الذي هو شاهدٌ للشرع، وذلك أنَّ المحدودَ محتاجٌ إلى من حدَّه بذلك الحد فلا يكون إلهًا. فكما صحَّ وجودُ الله تعالى بلا مكانٍ وجهةٍ قبل خلقِ الأماكن والجهات فكذلك يصحُّ وجوده بعد خلق الأماكن بلا مكانٍ وجهةٍ، وهذا لا يكون نفيًا لوجوده تعالى" انتهى كلام الشيخ الهرري ،

17ـ وقال أيضًا في الرد على المشبهة المجسمة الذين يقولون بالعلو الحسي في حق الله ما نصه  :"والعلو على وجهين : علو مكان، وعلو معنى أي علو قدر، والذي يليق بالله هو علو القدر لا علو المكان، لأنه لا شأن في علوّ المكان إنما الشأن في علو القدر، ألا ترون أن حملة العرش والحافين حوله هم أعلى مكانًا من سائر عباده وليسوا أفضل خلق الله، بل الأنبياء الذين مكانهم تحت أفضل منهم، ولو كان علو المكان يستلزم علو القدر لكان الكتاب الذي وضعه الله فوق العرش وكتب فيه : "إن رحمتي سبقت غضبي" مساويًا لله في الدرجة على قول أولئك ـ أي على قول من قال إن الله فوق العرش بذاته ـ، ولكان اللوح المحفوظ على قول بعض العلماء إنه فوق العرش ليس دونه، مساويًا لله في الدرجة بحسب ما يقتضيه زعمهم، فعلى هذا المعنى يحمل تفسير مجاهد لقول الله تعالى : { الرحمنُ على العرش استوى } [سورة طه : 5] بعلا على العرش كما رواه البخاري" انتهى كلام الهرري، وهو نفيس جدًّا، فتمسك به تسلم من شبهات المجسمة المشبهة ،

18ـ وقال أيضًا ما نصه : "ثم إن المتكلمين على لسان أهل السنة قالوا : الموجود ثلاثة أقسام موجود متحيز قائم بنفسه وهو الجواهر والأجسام وهي ما تركب من جوهرين فأكثر كالإنسان والحيوان والشجر والقمر والعرش والنور والريح ونحو ذلك، وموجود غير قائم بنفسه تابع للمتحيز وهو العرض كحركة الجوهر وسكونه وحرارته وبرودته وطعم الحلاوة وطعم المرارة، وموجود ليس بمتحيز ولا تابع لمتحيز وهو الله، والدليل النقلي على ذلك قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } [سورة الشورى : 11] لأنه لو كان كأحد القسمين الأولَين لكان له أمثال، وقد نفت هذه الآية مشابهة الله لغيره بوجه من الوجوه لأن كلمة  { شيء } المذكورة في الآية وقعت نكرة في معرض النفي فهي للعموم لا للخصوص كما تدعي مُشَبّهة العصر الوهابية أن معناها أنه لا يشبه شيئًا من الأشياء التي نعرفها ليتوصلوا بهذا إلى إثبات عقيدتهم أن الله جرم متصل بالعرش، فكأنهم قالوا الله لا يشبه بعض الأشياء، ويشبه بعض الأشياء وكفاهم هذا إلحادًا." اهـ ،

19ـ وقال أيضًا في تنـزيهه تعالى عن الجهة ما نصه  :"والله تعالى متنزه أيضًا عن الجهات والأماكن إذ الجهات والأماكن خَلْقُهُ أحدثها بعد أن لم تكن فلا يوصف تعالى بالفوقية بالحيز والمكان فلو كان فوق العالم بالحيز والمكان لكان محاذيًا له والمحاذي للجسم إمّا أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر منه مساحة، وما يقدّر بالمساحة محتاج لمن خصه بها والمحتاج حادث، ولو كان مُقَدَّرًا بالمِساحة لصحت الألُوهِيَّةُ للشمس ونحوها من الكواكب. وأمّا رفع الأيدي والوجوه إلى السماء عند الدعاء فلأنها قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصّلاة تستقبل بالصّدر، وفي رفع اليد والرأس إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والعظمة" اهـ.،

20ـ وقال أيضًا في بيان الدليل العقلي على تنـزيه الله عن الجهة ما نصه  :"والدليل على ذلك أنه لو تحيز فإما في الأزل فيلزمُ قدمُ الحيز، أوْ لا فيكون محلاًّ للحوادث وكلا ذلك مستحيل، وأيضًا إما أن يساوي الحيز أو ينقص عنه فيكون متناهيًا أو يزيد عليه فيكون متجزئًا، وإذا لم يكن في مكان لم يكن في جهة لا عُلْوٍ ولا سُفل ولا غيرهما لأنها إما حدود وأطراف للأمكنة أو نفس الأمكنة باعتبار عروض الإضافة إلى شيء ، ثم إن بعض المجسمة إذا أُثبت لهم برهان وجوب تنـزهه تعالى عن المكان يقول : جهة العلو غير جهة السفل، جهة السفل نقص عليه يجب تنزيهه عنها وأما جهة العلو فكمال ولا يدل العقل على نفيها عن الله". ، فالجواب أن يقال لهم : الجهات كلها لا تقتضي الكمال في حد ذاتها، لأن الشأن ليس في علو المكان بل الشأن في علو القدر، بل قد يختص الشخص من البشر بالمكان العالي ومن هو أعلى منه قدرًا يكون في المكان المنخفض ويحصل ذلك للسلاطين فإن حرسهم يكونون في مكان عال وهم أسفلَ منهم فلم يكن في علو الجهة وعلو المكان شأن، ثم الأنبياء مستقرهم في الدنيا : الأرض وفي الآخرة : الجنة وهم أعلى قدرًا من الملائكة الحافين حول العرش والذين هم في أعلى من مستقر الأنبياء من حيث الجهة، وكون مستقر أولئك حملة العرش فوق مستقر الأنبياء من حيث الجهة لم يكن دليلاً على أنهم أكمل من الأنبياء بل ولا يساوونهم ، ثم الخلاء وهو هذا الفراغ عند أهل الحق يتناهى، ليس وراء العالم فراغ لا نهاية له فهو مستحيل، وكذلك القول بأن وراء العالم أجرامًا متواصلة بلا نهاية مستحيل أيضًا، وإن أهل الحق لا يثبتون هذا ولا يثبتون هذا، بل يقولون : وراء العالم لا يوجد فراغ لا متناه ولا أجرام لا متناهية، انتهت الأجسام والأعراض بانتهاء حد العالم، انتهى الخلاء والملاء. والملاء هو الجرم المتواصل" اهـ [[ انتهى من كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان ]] ،

(( تنبيه ) : بيان أنه لا يَمتنع شرعًا ولا عقلاً أن يكون فوق العرش مكان : جاء في كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان الباب السادس بيان أنه لا يَمتنع شرعًا ولا عقلاً أن يكون فوق العرش مكان  :  [[  يُشيع مجسمة هذا العصر أنه لا مكان فوق العرش إنما المكان تحت العرش فقط، فيقولون تمويهًا على الناس :  الله فوق العرش بلا مكان، وأحيانًا يقولون الله فوق العرش حيث لا مكان، ومنهم من يقول "فوق العرش مكان عدمي فالله فوق العرش حيث المكان العدمي" على زعمهم، فهذا قول لا دليل عليه، لأنه لا يمتنع عقلاً ولا شرعًا أن يكون فوق العرش مكان. والدليل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "لمّا قضى اللهُ الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش :  إن رحمتي غلبت غضبي". وفي رواية عند البخاري (صحيح البخاري :  كتاب التوحيد :  باب قول الله تعالى  : {ويحذّركم الله نفسه}) بلفظ  : "وهو وَضْعٌ عنده على العرش :  إن رحمتي تغلب غضبي"، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (فتح الباري 13 : 385)  : "وضع :  بفتح فسكون، أي موضوع، ووقع كذلك في "الجمع" للحُمَيْدِي بلفظ "موضوع" وهي رواية الإسماعيلي" اهـ ، (أخرجه البخاري في صحيحه :  كتاب بدء الخلق :  باب ما جاء في قول الله تعالى  : {وهو الذي يبدأ الخلق ثمّ يعيده} (سورة الروم : 27)، ومسلم في صحيحه :  كتاب التوبة :  باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه) ، وفي رواية عند ابن حبان (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 6 : 8 : ص5) بلفظ  : "وهو مرفوع فوق العرش" اهـ ، فلولا أن فوق العرش مكانًا لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الكتاب :  فهو موضوع عنده فوق العرش ، وأما تأويل البعض لكلمة فوق العرش بأن معناها دون العرش واحتجاجهم بأن فوق تأتي لغة بمعنى دون فهو مردود برواية ابن حبان لهذا الحديث بلفظ  : "وهو مرفوع فوق العرش"، فبطل هذا التأويل لأن كلمة مرفوع تبطل ذلك إبطالاً صريحًا، ويُرد أيضًا برواية البخاري بلفظ  : "وهو وَضْعٌ عنده على العرش". ويقال لهم :  التأويل للنص لا يجوز إلا لضرورة اقتضاء الدليل العقلي لذلك أو اقتضاء الدليل النقليّ الثابت كما قرر ذلك الأصولييون، فقالوا :  تأويل النص لغير ذلك عبث والنص يصان عن العبث ، قال العلامة عبد الله الهرري ما نصه (صريح البيان في الرد على من خالف القرءان :  ص62)  : "وأما معنى "عنده" المذكور في الحديث فهو للتشريف كما في قوله تعالى : {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} [سورة القمر : 55]، وقد أثبت اللغويون أن "عند" تأتي لغير الحيّز والمكان، فكلمة "عند" في هذا الحديث لتشريف ذلك المكان الذي فيه الكتاب" اهـ ، قال الحافظ المحدّث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826هـ) ما نصه (طرح التثريب :  كتاب القضاء والدعاوى، باب تسجيل الحاكم على نفسه :  8 : 84)  : "وقوله ـ أي النبي ـ "فهو عنده فوق العرش" لا بد من تأويل ظاهر لفظة "عنده" لأن معناها حضرة الشىء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيّز والجهة، فالعنديّة ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف أي وضع ذلك الكتاب في محل معظّم عنده" اهـ ]] انتهى من كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان الباب السادس بيان أنه لا يَمتنع شرعًا ولا عقلاً أن يكون فوق العرش مكان ،

***

الباب الرابع

الله تعالى لا يُقال أنّه داخل العالم ، ولا يُقال أنّه خارجه  لأنّ وجوده ليس كمثله وجود ولا يجوز أن يُقال أنّ الله تعالى في كل مكان ،  لأنّ المكان مخلوق محدود والله تعالى لا حد له ، ويتناول مبحثين :

المبحث الاول : الله تعالى موجود ، ولا يُقال أنّه داخل العالم ولا يُقال لأنّه خارجه لأنّ وجوده ليس كمثله وجود

المبحث الثاني : الله تعالى موجود ، ولا يجوز أن يُقال أنّ الله تعالى في كل مكان لأنّ المكان مخلوق محدود والله تعالى لا حد له ،

***

المبحث الاول : الله تعالى موجود ، ولا يُقال أنّه داخل العالم ولا يُقال لأنّه خارجه لأنّ وجوده ليس كمثله وجود

ليس معنى تنزيه الذات عن المكان ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الكون في المكان ،  وعليه فلا يُقال أنّه داخل العالم ولا يُقال أنّه خارجه ، لأنّ ذاته ليس كمثله شيء ، ووجوده ليس كمثله وجود ، كمالات الذات لا تتناهى ، فلا حد حسي ولا معنوي لذاته تنتهي إليه ، ولا مقدار لها يحدد قدرها ، لأنّ الحد مهما اتسع ، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق ، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه ، والذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود محكوم بالمكان ويجري عليه الزمان ، ومن أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام ، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه ، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك ، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود ، ولا كمثل ذاته ذات ، ولا كمثل صفاته صفات ، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام وجميع المخلوقات المحدودة المقدرة ، فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال ، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس ، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، وهو سبحانه كما خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، ومنه نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال أكبر وأعلى من الوجود الزماني ، وكمال أكبر وأعلى من الوجود المكاني ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، له كمال الوجود الأعلى من الزمان ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فوجوده قبل الزمان ، ووجوده بعد انقضاء الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، أزلي أبدي فلا يجري عليه زمان ، وله كمال الوجود الاعلى من المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل ( الله ) تعالى شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، فلا يُقال أنّه داخل العالم ولا يُقال أنّه خارجه ، لأنّ ذاته ليس كمثله شيء ، ووجوده ليس كمثله وجود ،

جاء في رسالة  : حسن المحاججة في بيان أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه للأستاذ سعيد فودة  : [[  الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ، قد يحتج بالكتاب على ذلك فيقال : قوله تعالى : { ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير } حجَّةٌ على عدم كونه خارج العالم، وعلى عدم كونه تعالى داخل العالم ، وهذا استدلال جيِّد ، وبيان وجه الاستدلال أن يقال –كما ذكره ابن مرزوق عن العلامة أبي عبد الله بن الجلال- : (لو كان في العالم أو خارجاً عنه لكان مماثلاً، وبيانُ المماثلة واضح، أما في الأول : فلأنه إن كان في العالم صار من جنسه، فجيب له ما وجب له) ، قلتُ : أي صار من قبيل الأجسام ومادة العالم؛ لأنه إن كان داخل العالم فيكون جزءاً منه، وما كان جزءاً من شيء كان مماثلاً له في الجنس ، فالورقُ مثلاً ليس من جنس الحديد إلا باعتبار أن كليهما أجسام ومواد، ولذا لا يمكن أن يكون الورق جزءاً من الحديد، وكذا الطير ليس جزءاً من الأحجار لاختلاف الجنس، إلا باعتبار أن كليهما أجسام ، (وأما في الثاني : فلأنه إن كان خارجاً لزم إما اتصاله وإما انفصاله : إما بمسافةٍ متناهية أو غير متناهية، وذلك كله يؤدي لافتقاره إلى مخصص) انتهى كلام العلامة ، قلتُ : الناسُ الذين يقولون إن الله تعالى خارج العالم ويفهمون حقيقة هذا القول، هم مجسمة، سواء اعترفوا بهذا أم لا؛ لأنهم يقولون إن الله تعالى خارج العالم في جهة من العالم، وهي جهة الفوق، ويقولون : إن هذا هو المكان الذي نقول إن الله تعالى فيه!! ويحتجون على هذا بأن يقولوا : إن من يتصف بأنه لا خارج العالم ولا داخل فهو معدوم؛ لأنه لا يتصور وجود شيء لا داخل العالم ولا خارجه ، فمن حيث الاحتمالُ العقلي عندهم، إما أن يكون داخل العالم أو يكون خارجه، ويبطل أن يكون داخل العالم، فوجب أن يكون خارجه، وما دام وجبَ كونه خارج العالم فقد وجب كونه في جهةٍ، والجهات متعددة، ويستحيل أن يكون تحت العالم أو يمينه إلى آخره، فوجب أن يكون فوقه؛ لأن هذه الجهة جهة كمال، وهي التي تليق بالله تعالى، فصار معبودهم بعد هذا البيان خارج العالم، وفي جهة الفوق، هذا حاصل كلامهم ، فنقول وبالله التوفيق : كلامهم هذا متهافت، ويدلُّ على سخف عقولهم، ولا يغترُّ به إلا جاهل، لا يفهم معاني الألفاظ ولا يعقلها ، فالله تعالى كان قبل كل شيء، والعالم كله بما فيه مخلوق، والعالم له بداية لم يكن قبلها موجوداً، فقبل أن يخلق الله العالم هل كان في جهةٍ أو كان في مكان ؟! الكل متفق على أن المكان والجهات كلها مخلوقة، ومن قال غير هذا فقد كفر بملة الإسلام، فالله تعالى كان ولم يكن شيء غيره ، فنحن في هذا الحال نسأل هؤلاء المجسمة : هل كان لله خارجٌ وداخلٌ ؟ إن قالوا : نعم، كفروا، وأقروا على أنفسهم بأن الله محدودٌ وله جهاتٌ ومكانٌ، وقائل هذا كافرٌ في هذه الحال ، ونسألهم : هل يمكن أن يتصور العقلُ في هذه الحالة وجود جهات وأبعادٍ وغير هذا من توهمات ؟ إن قالوا : نعم، كفروا، وتناقضوا أيضاً ، فنقول : ولما خلق الله العالم كيف تقولون إنه خلقه تحته وصار هو فوقه ؟!! إذن الله تعالى بعد أن لم يكن محدوداً جعل نفسه محدوداً ! الله تعالى بعد أن لم يكن له تحتٌ صار له تحتٌ ! الله تعالى بعد أن لم يكن في جهة صار في جهة ! الله تعالى بعد أن لم يكن في مكان صار في مكان ! إذن الله تعالى تأثَّر بوجود العالم وصار محدوداً وفي مكان وفي جهةٍ .. إلخ، وهذا في غاية القبح منكم أن جعلتم المخلوق يؤثر في الخالق، فسبحان الله، ثم تزعمون أنكم تنزهون الله تعالى !! كلا، إنكم مشبهون، تصفون الله تعالى بصفات النقص، التي يتنزه عن مثلها المخلوق ، ونقول : الله تعالى لا نسبة بينه وبين الخلق، لا في جهةٍ ولا مكانٍ ولا زمان، ولا شيء من الصفات ، ثم نقول : أنتم تزعمون أنكم عرفتم بالعقول أن كل موجودين فلا بد أن يكون واحدٌ منهما في جهةٍ من الآخر ، فنسألكم : هذا الكلام العام كيف عرفتموه ؟ وما دليلكم عليه ؟ والمعلوم أن القضية الكلية تعرف إما بالاستقراء أو بقياس عقلي برهاني لا يردُ عليه استنثاء ، فإن ادعيتم أنكم عرفتموه بالاستقراء، فأنتم كاذبون؛ لأنكم لم تدركوا قطعاً كل المخلوقات الجسمانية التي خلقها الله، بل لم تدركوا الموجودات في السماء الدنيا، بل تدركوا الموجودات على ظهر الأرض، بل أنتم لا تدركون حتى حقيقة أنفسكم !! وما دام هذا –ولا تستطيعون الانفلات منه-، فلماذا الادعاء ؟ ثم كيف تزعمون بعد هذا أن هذا الكلام ينطبق حتى على الله تعالى، فعجباً منكم، تزعمون أنكم منزِّهون ومتقيدون بالكتاب والسنة، ثم تطلقون هذا الحكم المتهافت هكذا ! ونسألكم : هل أدركتم حقيقة الله تعالى، فعلمتم أنه في جهةِ الفوق ! وأدركتم أنه لا يمكن أن يوجد إلا في جهةٍ ومكان، فأطلقتم هذا الكلام !! فماذا بقي لكم من دلالة العقول ؟ هل تقولون : إنكم أدركتم هذا بالقياس العقلي، فتقولون : كل الموجودات التي نراها تكون في جهةٍ ومكان، والله موجود، فيجب كونه في جهةٍ ومكان ؟!! فنقول لكم : هذا الكلام لا ينطبق إلا على ما شهدتموه من الأجسام، فأنتم قد رأيتم حولكم أجساماً كثيرة، كل منها في جهة من الآخر، فتصورتم الله جسماً، فقلتم : هو أيضاً في جهةٍ ومكان، وإلا فإننا ندرك وجود بعض الموجودات وليس واحدٌ منها في جهةٍ من الآخر، فيصبح قولكم : كل موجود يجب أن يكون في جهةٍ باطلاً ،

[أمثلة تبطل لزوم اتصال الموجود بكونه داخل أو خارج] : وها نحن نضرب لكم بعض الأمثلة التي لا تستطيعون الانفكاك منها، فنقول :

1- الشعور بالحب والكراهية موجود لا شك فيه، فإذا أحب الإنسان فإن الحُبَّ يوجد فيه، وإذا كره فإن الكراهية توجد فيه، ويمكن أن يحب الإنسان شخصاً أو أمراً ويكره أمراً آخر، فيوجد فيه في هذه الحال الحب والكراهية معاً ، والإنسان يؤمن بوجود الحب والكراهية في ذاته ويجزم به، من دون حاجته منه إلى تصور جهةٍ تحلُّ فيها هذه الكراهية أو الحب، فأين حبك أيها الإنسان من كرهك، هل هما في جهةٍ من بعضهما ؟ فإذا جزمنا بوجود هذه الأمور من دون الحاجة إلى تصور جهة تحل فيها، إذن يجوز وجودُ موجودٍ لا في جهة ،

2- الإنسان قبل أن يتزوج وينجب لا يكون أباً، فإذا تزوج صار أباً، إذن هو اكتسب وصفاً وجودياً هو الأبوة، إذن الأبوة موجودة، فأين هي جهة الأبوة من الإنسان القائمة به، أو من غيره ؟! نحن نجزم بوجودها من دون تصور جهةٍ لها ،

3- الأعداد : الواحد الاثنان الثلاث إلى آخره، لا شك أن لها وجوداً في عقولنا، لا ينكر هذا إلا جاهلٌ، فأين هي جهة الواحد مثلاً؟ وله يمكن أيها الإنسان أن تشير إلى الواحد بإصبعك أو على الأقل أن تحدد لنا جهته في نفسك ، إذا كنت لا تستطيع فلم القول منك بأنه لا بد لكل موجود أن يكون في جهةٍ ،

4- كل إنسان يعلم أن العالم موجود، ويعلم أيضاً أن المطر ينزل من السماء، فهذا علمان موجودان، ولا يستطيع إنسان أن يدعي أنهما ليسا موجودين، ما دام هذا فهل يمكن أن يقال : إن المعلومة الأولى في جهةٍ من المعلومة الثانية، تحتها أو فوقها إلى غير ذلك من الجهات ؟  الذي يدعي هذا يعلم من نفسه أنه مغالط ، إذن : فقد تحقق لنا وجودُ موجدين ليس كلٌ منهما في جهةٍ من الآخر، وأنتم ادعيتم أن كل موجودين فلا بُدَّ من كون كل منهما في جهةٍ من الآخر، فظهر لكم فساد قولكم وتهافته ، فلماذا إذن تكابرون وتدعون أن كلامكم هذا معلوم بضرورة العقل ؟ وقد ظهر لكل عاقل أنه معلوم بطلانه بضرورة العقل ، وانتبه بعد هذا كله –أيها القارئ- أن حكمهم بالجهة والمكان وغير ذلك هو داخل في قسم التصورات من أقسام العلوم، خصوصاً أنهم يشيرون إليه بالأصابع، فيلزم على هذا أنهم يدعون أنهم يتصورون حقيقة صفة من صفاته على الأقل، وهذا معلومٌ بطلانه لدى كل مسلم ، أم تقولون : الله تعالى قائم بنفسه، وكل قائم بنفسه في مكان وجهة ، فنقول : معنى القيام بالنفس هل هو مشترك بين الله والأجسام حتى يجوز لكم هذا القياس ؟

إن قلتم : نعم، فأنتم مشبهة، وإلا فلم تكابرون وتقولون : الله تعالى في مكان وجهةٍ، وقد أقررتم سابقاً أن المكان والجهة مخلوقان ؟! وإذا ادعيتم بعد هذا أنكم عرفتم هذا الأمر، وهو كون الله تعالى في جهةٍ بقياس الأولى، كما يخيل لكم بعض الجهلة من مشايخكم، فيقولون لكم : عرفنا أن كل جسم فهو في جهة من الآخر، والجهة صفة كمال، وما دامت صفة كمال فيجب أن نثبتها لله !!  هذا قولكم، وهو ساقطٌ متهافتٌ ، فيكيف عرفتم أن صفة الكمال التي هي للأجسام، يجب اتصاف الله تعالى بها ؟ وهل تجهلون أن الأعضاء والجوارح صفات كمال للإنسان والحيوان، ومع هذا فلا يجوز وصف الله تعالى بالجارحة، ونسبة الجوارح لله تعالى تشبيه محضٌ، وغير هذا فقياس الأولى لا يستعمل إلا في الكمالات المحضة المطلقة، والجهة ليست من هذا القبيل، فهي كمالٌ بشرط كون المتصف بها جسماً كثيفاً كسائر الأجسام التي نلاحظها ، وأما الجهة بالنظر لذاتها فهي صفة نقص، لأنها قيدٌ في أصل الوجود ، ولا نريد أن نتعمق لكم بالأنظار العقلية، لكي لا تنقطع متابعتكم لنا في هذا الكلام؛ لأننا ندرك أنكم غير غواصين في هذا المجال، ولكن إجراؤنا للكلام معكم على وفاق ما طلبه الله تعالى من المؤمنين بالمجادلة بالتي هي أحسن، وعلى سبيل النصيحة لكم في الدين الذي تنتسبون إليه ، وبهذا يظهر لكم بطلان كلامكم هذا ،

[ شبهة في إثبات الجهة ] وقد يقول بعضٌ منكم على سبيل الاستدلال على الجهة : ماذا يوجد فوق الأرض؟ فيقال : السماء الدنيا، فيقول : وفوقها؟ فيقال : الثانية، وهكذا إلى السابعة، فيقول : وفوق السماء السابعة؟ فيقال : العرش، فيقول : وماذا فوق العرش؟ فإذا قيل له : الله، وقع المجيب في مذهبه، وإذا قيل : لا شيء، فيقول له : سبحان الله، جعلت الله عدماً، هذا كلامه ، وهو يقول هذا لأنه يتوهم أصلاً أن الله تعالى في جهة الفوق، فلما سمع نفي وجود الله في جهة الفوق استغرب ، فإذا قلت له سائلاً : فما الجواب الذي به أنت، فسوف يقول : أقول : (الرحمن على العرش استوى) ، وهو يذكر هذه الآية في هذا الموضع، وهو يتوهم أنه يفهم معناها، وليظهر غيره ممن يحاوره أنه لا يتبع القرآن ، وهذا الذي يجيب بهذا الكلام، يسأل فيقال له : ما معنى استوى ؟ فسوف يتهرب من الإجابة، وهم عادة لا يصرحون بأنهم يعتقدون أن استوى جلس، لكي لا يظهر ويبين أنهم مجسمون، وهم عادة يقولون : استوى كما أخبر، فيقال له : هل تفهم معنى هذه الآية أم لا ؟ إن قال : نعم، ألزمه التوضيح، وحينئذ تنحلُّ العقد ويتضح المقام، وإن قال : لا أفهمها، يقال له : أنت تتناقض؛ لأنك جعلت هذه الآية جواباً على سؤال : ماذا فوق العرش؟ فالسؤال عن الفوقية الحسية المكانية، والأصل في الجواب أن يكون عن ذلك، فيلزمك أن الاستواء عندك حسي مكاني، وهذا دليل التشبيه والتجسيم، وجوابك بهذه الآية يدل على أنك تفهمُ معناها، فكيف تقول إنك لا تفهمها ، وأيضاً إن كنت لا تفهم معناها، فكيف تتخذ منها دليلاً على الناس، فتقول : هذا يخالف الآية وهذا لا يخالفها، ومجرد حكمك بالمخالفة يتضمن أنك تفهم معناها ، والحاصل أن هؤلاء الذين يدَّعون أنهم لا يفهمون معنى الآية يظهر تناقضهم وسقوطهم بسهولة ، وأمَّا الذي يقول : إن الآية دليل على الجهة والمكان، كما يقول غالبهم، فيطالبون أولاً بالدليل على أن الاستواء في اللغة يفيد المكان والجهة والجلوس، كما يزعمون، ولن يجدوا دليلاً على هذا، وقد بينا هذا في محل آخر ، ثم يقال لهم : بما أن الله فوق العرش، فيلزم منه أن العرش تحته، فإن قالوا : لا، تناقضوا، وإلا ظهر سقوطهم وابتداعهم وتناقضهم؛ لأن أحداً من السلف لم يقل : إننا تحت الله والله فوقنا!! ويقال لهم : ويلزم على هذا أن الله محدود من جهة التحت على زعمكم، وهذا يلزمهم بحيث لا يستطيعون الانفكاك منه ، وقسم آخر منهم يقول : الله فوق العرش بلا مكان ، فيقال لهم :  العرش مكان، والله –كما تقول أنت- بذاته على العرش، فيلزمك أن العرش مكان لله تعالى، فكيف تقول : الله فوق العرش بلا مكان؟!! ففي قولك هذا إثبات للمكان ونفي له ، وهؤلاء يقولون : الله تعالى على العرش، ومع هذا ليس في مكان، فيقال لهم : العرش مكانٌ، فيصبحُ الله على مكان!! ويقولون : فوق العرش بلا مكان، فيقال لهم : الشيء الموجود فوق مكان لا بدَّ أن يكون له مكان؛ لأن الفوقية أصلاً مكانٌ ، ويقال أيضاً للذي يعتقد أن الله تعالى خارج عن العالم خروجَ الجسم عن الجسم، ومنفصل عن العالم انفصال الجسم عن الجسم، يقال له : الذي يكون خارج شيء لا بد –بهذا المعنى- أن يكون إمَّا مماساً للشيء أو منفصلاً عنه : فإن قلتَ : مماسٌ، فأنت مبتدع مجسم، وإن قلتَ : غير مماس، فهذا هو معنى الانفصال المنفي، فيقال له : إذن توجد مسافة بين الله وبين العالم، فإما أن تكون وجودية –أي هذه المسافة-، أو عدمية :  فإن كانت عدمية رجعنا إلى المماسة، وإن كانت وجودية، فنقول لك : هل هي من ضمن العالم أو أمرٌ غير العالم ؟ فإن قلتَ بالثاني، تبين لنا جهلك بمعاني ما تقول؛ لن كل ما سوى الله فمن العالم، وهو مخلوق، وإن قلتَ : هي من العالم، فيلزمك القول بأنَّ الله تعالى منفصل عن العالم بشيء من العالم، وهذا تناقض، ويلزمك أيضاً أن الله مماس للعالم ، وهذا الذي يعتقد بهذا القول، والذي قبله، من السهل بيان تناقضهم وتهافتهم وإظهار أنهم مجسمة، أو لا يفهمون معاني الكلمات التي يرددونها، كما مضى ، وبعضهم يَسأل فيقول : أنتم تقولون : الله تعالى لا فوق العالم ولا تحته، ولا يمينه ولا يساره، ولا أمامه ولا خلفه، فكيف ساغ لكم هذا النفي ؟ فيقال له : هل تقولُ أنت إن الله تعالى تحت العالم ؟ فإن قال : نعم، كفر، وإلا فقل له : إذن أنت توافقنا على هذا ، ثم اسأله : هل الله خلف العالم، وهكذا، فسوف ينفي كل الجهات عن الله تعالى إلا جهة الفوق، فيتحصل أن هذا السائل يوافقنا في كل شيء إلا أمر واحد كما مضى، فاسأله عن دليل الجهة التي هي الفوق، ويرجع الكلام إلى ما هو معلوم ، وهكذا يقال لمن يستغرب من قولنا : إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ، وأمَّا من يدعي الحذق منهم ويقول : إذا قلنا لا داخل العالم ولا خارجه فيلزمنا رفع النقيضين، وهذا باطل! فهذا اعتراض ساقط –كما قال العلامة ابن جلال-؛ لأن التناقض إنما يعتبر حين يتصف المحل بأحد النقيضين ويتواردان عليه، وأما حين لا يصح تواردهما على المحل ولا يمكن الاتصاف بأحدهما، فلا تناقض، كما يقال مثلاً : الحائط لا أعمى ولا بصير، فلا تناقض، لصدق النقيضين فيه، لعدم قبوله لهم على البدلية، انتهى من كتاب البراءة ، وهذا هو جواب أهل الحق، وهم أهل السنة والجماعة، بل هو جواب المسلمين كافة إلا المجسمة بأصنافهم ، وقال الشيخ أبو حفص الفاسي في حواشي الكبرى :  ( لا شك أن المعتقد هو أن الله تعالى سبحانه ليس في جهة، وقد أوضح الأئمة تقريره في الكتب الكلامية بما لا مزيد عنه، فهو سبحانه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، وتوهم أن في هذا رفعاً للنقيضين وهو محال، باطلٌ؛ إذ لا تناقض بين داخل وخارج، وإنما التناقض بين داخل ولا داخل، وليس خارج مساوياً للداخل، وإنما هو أخص منه، فلا يلزم من نفيه نفيه؛ لأن نفي الأخص أعم من نفي الأعم، والأعم لا يستلزم الأخص ، فإن قيل : بم ينفرد هذا الأعم الذي هو لا داخل، عن الأخص الذي هو خارج ، قلنا : ينفرد في موجود لا يقبل الدخول ولا الخروج ولا الاتصال ولا الانفصال، وهذا يحمله العقل، ولكن يقصر عنه الوهم، وقصور الوهم منشأ الشبهة، ومثار دعوى الاستحالة) انتهى ، وهذا هو الجواب التحقيقي، ولا نريد الإطالة فيه؛ لأننا نعلم أن عقول الذين نخاطبهم تقصر عن إدراك هذه المعاني، وقصدنا هنا هو إلزامهم بفساد مذهبهم ، ثم هؤلاء الذين يقولون : إن القول بأن الله لا داخل ولا خارج العالم هو رفع للنقيضين، ورفع النقيضين لا يجوز!! نسألهم : قبل أن يخلق الله العالم، هل كان خارج العالم أو داخله ؟  إن قالوا : داخل العالم، فيقال لهم : فالعالم غير موجود بعد، وإن قالوا : خارج العالم، فكذلك العالم غير موجود، فكيف يكون خارجه أو داخل، فقولهم هذا تهافت ، ونلزمهم أن يقولوا : الله في هذه الحالة لا خارج العالم ولا داخله، وإن أنكروا أقروا على أنفسهم بالجهل ، فإن أقروا بهذا فقد وافقونا فيما أنكروه علينا، من أن القوب بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ليس متناقضاً؛ لأنه صحيح هنا ، فإن قالوا : هذا الكلام صحيح قبل أن يخلق الله العالم، ولكن بعد خلقه، فإما أن يكون خارجه أو داخله!! فنقول لهم : إذن أنتم تقولون : إن الله تعالى يتصوره العقل داخل العالم، ويتصوره خارجه، ولكن يحكم بأنه ليس بداخله، بل خارجه، وهذا يلزمكم لأنكم حكمتم عليه بعدم كونه داخل، وكونه خارج العالم، والحكم يسبقه التصور كما هو معلوم، إذن أنتم تتصورون جواز كونه داخل العالم، وهذا تجسيم ، ثم هذا يلزمكم عنه أيضاً أن تقولوا : إن الله تعالى تغيَّر وطرأ عليه وصف، وهذا القول باطل ، أما بيان اللزوم، فلأنكم تقولون : قبل أن يخلق العالم لم يكن لله خارجٌ، وبعد أن خلق العالم صار له خارج، وهذا القول : إما أن يكون صفة نقص، أو كمال : إن قلتم بالأول : كفرتم، وبالتالي لزمكم القول بأن الله كان ناقصاً لصفة كمال ثم اكتسبها، وهذا كفرٌ أيضاً ، وإن قلتم : إنه لم يتغير قبل وبعد خلق العالم، فكيف تقولون : إنه صار في جهةٍ من العالم، والعالم في جهةٍ منه بعد أن خلقه، هذا تناقض، لاسيما وأنكم تزعمون أن الجهة وصف كمال لا نقص ، ويقال لهم : كيف عرفتم أن الدخول والخروج من الأضداد بالنسبة لله تعالى وأنتم لم تعرفوا حقيقة الله تعالى ؟! فعجباً منكم تدعون الأمر وتنفون بما ينافيه!! ونحن لا نريد أن نطيل في الكلام على هذه المعاني في هذا الموضع، فللتفصيل محلٌ آخر، ولا نريد أن نناقض كلامهم وأقوالهم قولاً قولاً، وإن كان ما مضى كافياً لذكي الفؤاد ، وإنما كان مرادنا كتابة بعض التنبيهات لطالب الحق، يتبين بها تناقضهم وجهالاتهم، وعدم أهليتهم للخوض في هذا العلم ، وأدعو الله تعالى أن يجعل في هذه الصفحات إفادة، وأن يوفقنا إلى ما فيه الخير والحق، والحمد لله رب العالمين ]] انتهى من رسالة حسن المحاججة في بيان أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه للأستاذ سعيد فودة   ،

*** 

 

المبحث الثاني :  الله تعالى موجود ، ولا يجوز أن يُقال أنّ الله تعالى في كل مكان لأنّ المكان مخلوق محدود والله تعالى لا حد له

( تنبيه ) : لا يجوز أن يُقال أنّ الله تعالى في كل مكان ، لأنّ المكان مخلوق محدود والله تعالى لا حد له : جاء في كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان الباب التاسع بيان أنه لا يجوز القول : الله في كل مكان  : [[ اعلم أنه لا يجوز القول : الله في كل مكان ولو كان القائل يفهم من هذه العبارة الفاسدة أن الله عالمٌ بكل شيء ، وإليك الدليل على ذلك :

1ـ قال المتكلم ابن فورك الأشعري (604هـ) ما نصه  :"اعلم أن الثلجي كان يذهب مذهب النجار في القول بأن الله في كل مكان وهو مذهب المعتزلة، وهذا التأويل عندنا منكر من أجل أنه لا يجوز أن يقال إن الله تعالى في مكان أو في كل مكان" اهـ.

2ـ ثم ردَّ ابن فورك على من أطلق هذه العبارة مريدًا بها أن الله عالم بكل شيء فقال ما نصه  :"فمتى ما رجعوا في معنى إطلاق ذلك إلى العلم والتدبير كان معناهم صحيحًا واللفظ ممنوعًا، ألا ترى أنه لا يسوغ أن يقال إن الله تعالى مجاور لكل مكان أو مماس له أو حال أو متمكِّن فيه على معنى أنه عالم بذلك مدبرٌ له" اهـ.

3ـ قال الحافظ أبو بكر البيهقي الشافعي الأشعري (458هـ) ما نصه  :"وفيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية أن الله سبحانه وتعالى بذاته في كل مكان، وقوله عز وجل :{وهو معكم أين ما كنتم} [سورة الحديد : 4] إنما أراد به بعلمه لا بذاته" اهـ.

4ـ قال الشيخ أبو حامد الغزالي الشافعي الأشعري (505هـ) في الرد على جهم بن صفوان أحد زعماء المبتدعة ما نصه  :"ولا ترتبك في مواقع غلطه، فمنه غلط من قال : إنه في كل مكان. وكل من نسبه إلى مكان أو جهة فقد زلّ فضلّ، ورجع غاية نظره إلى التصرف في محسوسات البهائم، ولم يجاوز الأجسام وعلائقها. وأول درجات الإيمان مجاوزتها، فبه يصير الإنسان إنسانًا فضلاً عن أن يصير مؤمنًا" اهـ ،  وهذا صريح من الغزالي أنه لا يجوز القول الله في كل مكان، ومن نسب إلى الغزالي خلاف ذلك فقد افترى عليه، لذلك نبّه الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي على كلمة تُنسب للغزالي وليست من كلامه فقال ما نصه  :"تنبيه : ليحذر من كلمة في أبيات منسوبة للغزالي وليست له، وهي هذا الشطر  :"وهو في كلِّ النّواحي لا يَزُول" فإنها مرادفة لقول المعتزلة الله بكل مكان. قال علي الخوّاص  :"لا يجوز القول إنه تعالى بكل مكان" انتهى كلام الشيخ الهرري من كتابه "الدليل القويم على الصراط المستقيم" الذي بيّن فيه عقيدة أهل السنة والجماعة بالأدلة النقلية من القرءان والحديث والأدلة العقلية التي تدحض شبه الفلاسفة القائلين بأزلية نوع العالم، والمعتزلة والمرجئة، والمشبهة القائلين بجلوس الرب على العرش واستقراره عليه ونسبة المكان والجهة والجوارح له، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.

5ـ وقال ابن كثير (744هـ) ما نصه  :"اتفق المفسرون على إنكار قول الجهمية الأول القائلين (تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا) بأنه في كل مكان" اهـ.

6ـ وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي الأشعري (825هـ) ما نصه  :"وقد نزع به بعض المعتزلة القائلين بأن الله في كل مكان وهو جهل واضح، وفيه ـ أي في حديث : "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربَّه أو إن ربَّه بينه وبين القبلة ـ الرد على من زعم أنه على العرش بذاته" اهـ.

7ـ وذكر الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني (973هـ) أن عليًّا الخوّاص رضي الله عنهما قال  :"لا يجوز أن يقال إنه تعالى في كل مكان كما تقول المعتزلة والقدرية" اهـ.

8ـ وقال الشيخ العلامة عبد الله الهرري ما نصه  :" ثم المعتزلة وجمهور النجارية قالوا : إنه تعالى بكل مكان بالعلم والقدرة والتدبير دون الذات، وهذا باطلٌ لأن من يعلم مكانًا لا يقالُ إنه في ذلك المكان بالعلم، فما شاع عند بعض من ينتسب للتصوف من قول : إن الله تعالى بكل مكان لا يجوز، فقد نقل الشعرانيُّ عن علي الخواص أنه قال : لا يجوز أن يقال إنه تعالى بكل مكان، قال صاحب روح البيان في تفسيره : إنه قول جهلة المتصوفة. على أن أولئك ما قالوا : موجود بكل مكان، بل قالوا : إنه تعالى بكل مكان من دون أن يضيفوا كلمة موجود؛ وبيْن قول القائل : إن الله بكل مكان وقول القائل : إن الله موجود بكل مكان، فرقٌ كبير لأن كلمة موجود إثبات للتحيز في المكان صريح، اللهم إلا أن يكون بعض الأشخاص لا يفهمون من قولهم موجود التحيزَ، فهؤلاء ينظر في حالهم إن كانوا لا يعتقدون تحيز الذات في الأماكن فلا يكفرون، لكن كلامهم هذا كلام فاسد، أصله إلى المعتزلة والجهمية، فوضح أنّ الذي قالها بالباء أو بحرف في إن كان يفهم من هذه العبارة تحيز الذات القديم الأزلي المقدس في الأماكن كلها فهو كافر من أكفر الكفار، لأنه إذا كان الذي يعتقد أن الله متحيز بمكان واحد كالعرش كافرًا لأنه أثبت لله المشابهة لخلقه وذلك لأن فوق العرش كتابًا كتب الله فيه إن رحمتي تغلب غضبي ـ رواه البخاري وابن حبان ـ فلو كان الله متحيزًا فوق العرش لكان ذلك الكتاب مثلا لله، وكذلك اللوح المحفوظ على القول بأنه فوق العرش. فتبين بطلان ظن المشبّهة أن كون الله فوق العرش تنزيه له عن المثل، فكيف الذي يعتقد في الله التحيز في كل مكان فقد جعله منتشرًا منبثًّا في الأماكن النظيفة والأماكن القذرة، لكن هؤلاء العوام حالُهم يدل على أنهم لا يقصدون التحيز إنما يقصدون أنه تعالى محيط بخلقه قدرة وعلمًا، إلا أن بعضهم يعتقد ذلك الاعتقاد الفاسد وهو أن ذاته منتشر" اهـ ]] انتهى من كتاب كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان بيان أنه لا يجوز القول : الله في كل مكان ،

***

الباب الخامس :

الرد على ظواهر تنافي تنزيه الله تعالى عن المكان

 

  ويتناول تلك المباحث :

  المبحث الاول : تحديد دائرة المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار ،

  المبحث الثاني : أبعاد مذهب السلف الحق في باب الصفات والأخبار المتشابهات ، وبيان أنّه تفويض المعنى   المراد مع الحفاظ على علم التقديس والتنزيه

  المبحث الثالث : الرد على ظواهر تنافي تنزيه الله تعالى عن المكان ، وحل إشكالاتها ، وتتناول :

  ( أولاً ) تحقيق القول في آيات الاستواء والكون في السماء

  ( ثانيا ) تحقيق القول في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد     والجهة والمقدار ،

  ( ثالثاً ) تحقيق القول في حديث النزول والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان

***

المبحث الاول

تحديد دائرة المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار

الدليل على وجود المحكم والمتشابه : قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ،

خطورة ترك المحكم والاشتغال بالمتشابه : قال تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ } ، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح (  2665 ) ، أبو داود : ح ( 4598 ) ، الترمذي : ح ( 2994 ) ] ،

ماهي دائرة المتشابه : في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه ،,ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ،

من الذي يعلم المتشابه : قال تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه ، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، قال : لا يعلم المتشابه إلا الله وحده ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول :عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله ، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال : إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه ، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين ، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ]

القول الفصل في تلك المسألة : من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله ، وذلك لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس له مثال يُقاس عليه ، وكل ما يحكم البشر والخلق من قوانين ونواميس فهي من خلق الله تعالى ووضعه ، ومحال أن تسري هذه النواميس والقوانين على الله تعالى خالقها وخالق كل شيء ، فلا يكون في مكان ، ولا يحيط به مكان ولا يسري عليه زمان ، ولا ينتقل من مكان إلى آخر ، لأنه محال أن يحل في شيء من مخلوقاته ومن مخلوقاته الزمان والمكان والحركة والسكون ، وهو بكل شيء محيط وهو من كل شيء قريب وهو على كل شيء قدير ، ليس كمثله شيء ، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده ، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق ، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه ، وحمله ما أمكن على محكمه ، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده ، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص ، وحمل المتشابه على المحكم ،  ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على : لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على : ( الراسخون في العلم ) ، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه ، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده ، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط ،

أمثلة ودرر من أقوال العلماء فيما يتعلق بالمحكم والمتشابه على وجه العموم : وأكتفي هاهنا بقول الإمامين الجليلين القرطبي وابن كثير وذلك لانهما جمعا ما سبقهما من أقوال أئمة المفسرين ،

قال القرطبي في تفسيره :- ( اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة فقال جابر بن عبدالله ، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهم  المحكمات من آي القرآن ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما أستأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه .. قلت  هذا أحسن ما قيل في المتشابه و قد قيل  القرآن كله محكم  لقوله تعالى  {كتاب أحكمت آياته } ، وقيل متشابه لقوله { كتابا متشابها } ، قلت : وليس هذا في معنى الآية في شيء فإن قوله تعالى  كتاب أحكمت آياته أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله معنى كتابا متشابها أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا وليس المراد بقوله آيات محكمات وأخر متشابهات وهذا المعنى وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه من قوله : { إن البقر تشابه علينا } أي التبس علينا أي يحتمل أنواعا كثيرة من البقر والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا هو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا ، قيل : إن المتشابه ما يحتمل وجوها ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع والمتشابه هو الفرع ، وقال أبن عباس  المحكمات هو قوله في سورة الأنعام : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } إلى ثلاث آيات وقوله في بنى إسرائيل  : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } ، قال أبن عطية  وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات ، وقال ابن عباس أيضا  المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به ، قال أبن مسعود وغيره  : المحكمات الناسخات والمتشابهات المنسوخات ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به ، وقال ابن مسعود وغيره  المحكمات الناسخات والتشابهات المنسوخات وقاله قتادة والربيع والضحاك ، قال محمد بن جعفر بن الزبير  : المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد قال مجاهد وأبن إسحاق قال ابن عطية  وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية ، قال النحاس  أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات : أن المحكمات ما كان قائمة بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره نحو {لم يكن له كفوا أحد } ، { وإني لغفار لمن تاب } ، والمتشابهات نحو : { إن الله يغفر الذنوب جميعا } ، يرجع فيه إلى قوله جل وعلا  : { وإني لغفار لمن تاب } ، وإلى قوله عز وجل : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ، قلت : ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية وهو الجاري على وضع اللسان وذلك أن المحكم أسم مفعول من أحكم والإحكام الإتقان ولا شك في ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبه ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال والله أعلم ..

قوله تعالى  : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه }  والزيغ الميل ومنه زاغت الشمس وزاغت الشمس الأبصار ويقال زاغ يزيغ إذا ترك القصد منه قوله تعالى : { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } ، وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران ، وقال قتادة في تفسير قوله تعالى  فأما الذين في قلوبهم زيغ  إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج فلا أدرى من هم..

قوله تعالى : { فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنه وابتغاء تأويله } ، قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه : متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن ، أو صلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك  ، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها ، أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال ، فهذه أربعة اقسام  الأول لا شك في كفرهم وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة ، الثاني الصحيح القول بتكفيرهم [ أي المجسمة ] إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد ، الثالث اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها قد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها فيقولون أمروهم كما جاءت وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتهم وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قط بتعيين مجمل منها ، الرابع الحكم فيه الأدب البليغ كما فعله عمر بصبيغ ...

قوله تعالى : { والراسخون في العلم } ، اختلف العلماء في والراسخون في العلم هل هو كلام مقطوع مما قبله أو هو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع ، فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله وأن الكلام تم عند قوله إلا الله هذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم قال أبو نهيك الأسدي  إنكم تصلون هذه الآية إنها مقطوعة وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم آمنا به كل من عند ربنا وقال مثل هذا عمر بن عبدالعزيز وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس ويقولون على هذا خبر الراسخون ، قال الخطابي : وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالإيمان به والتصديق بما فيه قسمين  محكما ومتشابها فقال عز من قائل  : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } إلى قوله : { كل من عند ربنا } ، فأعلم أن المتشابه من الكتاب قد استأثر الله بعلمه فلا يعلم تأويله أحد غيره ثم أثنى الله عز وجل على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه مذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إمنا هو عند قوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله } وأن ما بعده استئناف كلام آخر وهو قوله : { والراسخون في العلم يقولون آمنا به } ، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة ، وإنما روي عن مجاهد أنه نسق الراسخون على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه واحتج له بعض أهل اللغة فقال : معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه ، فكان قوله عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحو بين له أولى من قول مجاهد وحده وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك ألا ترى قوله عز وجل  : { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } ، وقوله : { لا يجليها لوقتها إلا هو } ، وقوله : { كل شيء هالك إلا وجهه } فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه لا يشركه فيه غيره كذلك قوله تبارك وتعالى  وما يعلم تأويله إلا الله ولو كانت الواو في قوله  الراسخون للنسق لم يكن لقوله كل من عند ربنا فائدة والله أعلم ، ( قلت ) : ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل مجاهد غيره فقد روى عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل وأنهم داخلون في علم المتشابه وإنهم مع علمهم به يقولون آمنا به وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم يقولون على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين ..وأحتج قائلو هذه المقال أيضا بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم وهم جهال  وقد قال ابن عباس : أنا ممن يعلم تأويله وقرأ مجاهد هذه الآية وقال : أنا ممن يعلم تأويله حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي ، قلت : وقد رد بعض العلماء هذا القول إلى القول الأول فقال  وتقدير تمام الكلام عند الله أن معناه وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل المتشابهات والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا بما نصب من الدلائل في المحكم ومكن من رده إليه فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا وما لم يحط به علمنا من الخفايا مما شرعه الصالح فعلمه عند ربنا ، ورجح أبن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك وفى قوله عليه السلام لابن عباس : (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )) ما يبين لك ذلك أي علمه معانى كتابك والوقف على هذا يكون عند قوله والراسخون في العلم ، قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر  وهو الصحيح فإن تسميتهم راسخين يقضى أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوى في علمه جميع من يفهم كلام العرب وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع  لكن المتشابه يتنوع فمنه ما لا يعلم البتة كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بغيبه وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره فمن قال من العلماء الحداق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم كقوله في عيسى  وروح منه إلى غير ذلك فلا يسمى أحد راسخا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له وأما من يقول  إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح .. فإن قيل  كيف كان في القرآن متشابه والله يقول : {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } فكيف لم يجعله كله واضحا قيل له  الحكمة في ذلك والله أعلم أن يظهر فضل العلماء لأنه لو كان كله واضحا لم يظهر فضل بعضهم على البعض وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه مشكلا ويترك للجثوة موضعا لأن ما هان وجوده قل بهاؤه والله أعلم " أهـ [  تفسير القرطبي ج: 4 ص: 9-19 ] ،  وقال ابن كثير في تفسيره : ( { فيتبعون ما تشابه منه} :  أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى : { ابتغاء الفتنة } أي الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو أحتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وتركوا الاحتجاج بقوله : {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } ،  وبقوله : {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} ، وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله وقوله تعالى : { وابتغاء تأويله } أي تحريفه على ما يريدون .. وقد قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات إلى قوله أولوا الألباب فقال ((فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم )) ..وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسيره هذه الآية  ومسلم في كتاب القدر من صحيحه  وأبو داود في السنة من سننه  ثلاثتهم عن القعنبي عن يزيد بن إبراهيم التستري عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات إلى قوله وما يذكر إلا أولوا الألباب قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فإذا رأيتم الدين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى فاحذروهم )) لفظ البخاري وكذا رواه الترمذي  أيضا عن بندار عن أبي داود الطيالسي عن يزيد بن إبراهيم التستري به وقال حسن صحيح .. وقال الإمام أحمد حدثنا أبو كامل حدثنا حماد عن أبي غالب قال سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه }  قال : هم الخوارج وفي قوله تعالى : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } قال : هم الخوارج وقد رواه ابن مردويه من غير وجه عن أبي غالب عن أبي أمامة فذكره وهذا الحديث أقل اقسامه أن يكون موقوفا من كلام الصحابي ومعناه صحيح فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة ففاجئوه بهذه المقالة فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة بقر الله خاصرته اعدل فإنك لم تعدل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب وفي رواية خالد بن الوليد في قتله فقال ( دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا أي من جنسه قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم ) [ متفق عليه ، أخرجه البخاري ح 3610 و مسلم ح 1064 ] ،

وقوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله } ، اختلف القراء في الوقف هاهنا فقيل على الجلالة كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال التفسير على أربعة أنحاء : فتفسير لا يعذر أحد في فهمه ، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها ، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم ، وتفسير لا يعلمه إلا الله ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعشاء وأبي نهيك وغيرهم ..وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال كان ابن عباس يقرأ : وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون آمنا به وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس إنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به وكذا عن أبي بن كعب وأختار ابن جرير هذا القول ، ومنهم من يقف على قوله والراسخون في العلم وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول وقالوا الخطاب بما لا يفهم بعيد وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به وكذا قال الربيع بن أنس وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير وما يعلم تأويله الذي أراد ما أراد إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضا فنفذت الحجة وظهر به العذر وزاح به الباطل ودفع به الكفر وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )) [ متفق عليه ، أخرجه البخاري ح :75 ومسلم ح :2477 ] ،

ومن العلماء من فصل هذا المقام قال : التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه ومنه قوله تعالى وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل وقوله هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل ويكون قوله والراسخون في العلم مبتدأ و يقولون آمنا به خبره وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله نبئنا بتأويله أي بتفسيره فإن أريد به هذا المعنى فالوقف على والراسخون في العلم لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه وعلى هذا فيكون قوله يقولون آمنا به حال منهم وساغ هذا وأن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه كقوله للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم إلى قوله يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الآية وقوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا أي وجاء الملائكة صفوفا صفوفا

وقوله إخبارا عنهم إنهم يقولون آمنا به أي المتشابه كل من عند ربنا أي الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد كقوله أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ولهذا قال تعالى وما يذكر إلا أولوا الألباب أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة " أهـ [  تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 346-349 ] ،

أمثلة ودرر من أقوال العلماء فيما يتعلق بالمحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار :

قال السيوطي في كتابه القيم الجامع " الإتقان في علوم القرآن " :  ( من المتشابه آيات الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد نحو { الرحمن على العرش استوى  } ، { كل شيء هالك إلا وجهه } ، { ويبقى وجه ربك } ، { ولتصنع على عيني } ، { يد الله فوق أيديهم } ، { والسموات مطويات بيمينه } ، وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها ،  أخرج أبو القاسم اللالكائي في السنن عن طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } ، قالت الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر   ،  وأخرج أيضا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل عن قوله : { الرحمن على العرش استوى } ، فقال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق  ،  وأخرج أيضا عن مالك أنه سئل عن الآية فقال :  الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة  ،  وأخرج البيهقي عنه أنه قال : هو كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع   ، وأخرج اللالكائي عن محمد بن الحسن قال إتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه   ،  وقال الترمذي في الكلام على حديث الرؤية المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا : نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم   ،  وذهبت طائفة من أهل السنة على أننا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف  ،  وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا إتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها   ، وقال ابن الصلاح على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدق عنها ويأباها   ،  واختار ابن برهان مذهب التأويل قال : ومنشأ الخلاف بين الفريقين هل يجوز أن يكون في القرآن شيء لم نعلم معناه أو لا بل يعلمه الراسخون في العلم   ، وتوسط ابن دقيق العيد : فقال إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر أو بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه قال وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف كما في قوله تعالى : { يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله } ، فنحمله على حق الله وما يجب له ) أهـ [ الإتقان ج: 2 ص: 13 ] ، ثم أطال رحمه الله - بعد ذلك - في ذكر تأويلات أهل السنّة للمتشابه من الصفات ، وذكر منها الاستواء والنفس والوجه والعين واليد والمحبة والغضب والعندية والمكان ،

وقال الإمام الزرقاني في كتابه القيم : البرهان في علوم القرآن :  ( النوع السابع والثلاثون  : في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات ،  وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق  ،  أحدها : أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا تؤول شيئا منها وهم المشبهة ،  والثاني : أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف ،  والثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به ، والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة فنقل الإمساك عن أم سلمة أنها سئلت عن الاستواء فقالت : الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة إلا أنه زاد فيها أن من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه وكذلك سئل سفيان الثوري فقال : أفهم من قوله : { الرحمن على العرش استوى }  ما أفهم من قوله : {  ثم استوى إلى السماء } ،  وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال : الرحمن على العرش استوى  كما قال وإني لأراك ضالا ، وسئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أم قاعد فقال لا يمل القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم وأنت إلى هذا السؤال أحوج ،  قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها ، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها   وأفصح الغزالي عنهم في غير موضع بتهجين ما سواها حتى ألجم آخرا في إلجامه كل عالم أو عامي عما عداها  ،  قال وهو كتاب إلجام العوام عن علم الكلام ، آخر تصانيف الغزالي مطلقا آخر تصانيفه في أصول الدين حث فيه على مذاهب السلف ومن تبعهم   وممن نقل عنه التأويل علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم   وقال الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة : إن الإمام أحمد أول في ثلاثة مواضع ، وأنكر ذلك عليه بعض المتأخرين   قلت وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى : { أو يأتي ربك } ،  قال وهل هو إلا أمره بدليل قوله : { أو يأتي أمر ربك } ،  واختار ابن برهان وغيره من الأشعرية التأويل قال ومنشأ الخلاف بين الفريقين أنه هل يجوز في القرآن شيء لا يعلم معناه فعندهم يجوز فلهذا منعوا التأويل واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله ،  وعندنا لا يجوز ذلك بل الراسخون يعلمونه  ، قلت : وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى والخوض في مثل هذه الأمور خطره عظيم وليس بين المعقول والمنقول تغاير في الأصول بل التغاير إنما يكون في الألفاظ واستعمال المجاز لغة العرب وإنما قلنا لا تغاير بينهما في الأصول لما علم بالدليل أن العقل لا يكذب ما ورد به الشرع إذ لا يرد الشرع بما لا يفهمه العقل إذ هو دليل الشرع وكونه حقا ولو تصور كذب العقل في شيء لتصور كذبه في صدق الشرع فمن طالت ممارسته العلوم وكثر خوضه في بحورها أمكنه التلفيق بينهما لكنه لا يخلو من أحد أمرين إما تأويل يبعد عن الأفهام أو موضع لا يتبين فيه وجه التأويل لقصور الأفهام عن إدراك الحقيقة والطمع في تلفيق كل ما يرد مستحيل المرام والمرد إلى قوله : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }) أهـ [  البرهان في علوم القرآن : ج: 2 ص: 78 ] ، ثم أطال رحمه الله - بعد ذلك - في ذكر تأويلات أهل السنّة للمتشابه من الصفات ،

وقال الزرقاني في كتابه مناهل العرفان :  ( الرأي الرشيد في متشابه الصفات : علماؤنا أجزل الله مثوبتهم قد اتفقوا على ثلاثة أمور تتعلق بهذه المتشابهات ثم اختلفوا فيما وراءها ،  فأول ما اتفقوا عليه : صرفها عن ظواهرها المستحيلة واعتقاد أن هذه الظواهر غير مرادة للشارع قطعا كيف وهذه الظواهر باطلة بالأدلة القاطعة وبما هو معروف عن الشارع نفسه في محكماته  ،  ثانيه : أنه إذا توقف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين ويدر طعن الطاعنين  ، ثالثه : أن المتشابه إن كان له تأويل واحد يفهم منه فهما قريبا وجب القول به إجماعا وذلك كقوله سبحانه : { وهو معكم أين ما كنتم } ،  فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعا وليس لها بعد ذلك إلا تأويل واحد هو الكينونة معهم بالإحاطة علما وسمعا وبصرا وقدرة وإرادة  ، وأما اختلاف العلماء فيما وراء ذلك فقد وقع على ثلاثة مذاهب  : المذهب الأول مذهب السلف : ويسمى مذهب المفوضة بكسر الواو وتشديدها وهو تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده بعد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة ويستدلون على مذهبهم هذا بدليلين : أحدهما عقلي : وهو أن تعيين المراد من هذه المتشابهات إنما يجري على قوانين اللغة واستعمالات العرب وهي لا تفيد إلا الظن ، مع أن صفات الله من العقائد التي لا يكفي فيها الظن بل لا بد فيها من اليقين ولا سبيل إليه فلنتوقف ولنكل التعيين إلى العليم الخبير  ،  والدليل الثاني نقلي : يعتمدون فيه على عدة أمور منها حديث عائشة السابق وفيه : (( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم )) ، ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله يقول: (( لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا الله )) الحديث ، ومنها ما أخرجه ابن مردويه عن أبيه عن جده عن رسول الله قال : (( إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا وما تشابه فآمنوا به)) ، ومنها ما أخرجه الدارمي عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له ابن صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال له من أنت فقال أنا عبد الله بن صبيغ فأخذ عمر عرجونا فضربه حتى دمى رأسه وجاء في رواية أخرى فضربه حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ ثم عاد ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعود فقال إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالسه أحد من المسلمين ، ورضي الله عن عمر فإن هذا الأثر يدل على أن ابن صبيغ فتح أو حاول أن يفتح باب فتنة بتتبعه متشابهات القرآن يكثر الكلام فيها ويسأل الناس عنها  ، ومنها ما ورد من أن الإمام مالكا رضي الله عنه سأل عن الاستواء في قوله سبحانه : { الرحمن على العرش استوى } ، فقال : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني ، يريد رحمة الله عليه أن الاستواء معلوم الظاهر بحسب ما تدل عليه الأوضاع اللغوية ولكن هذا الظاهر غير مراد قطعا لأنه يستلزم التشبيه المحال على الله بالدليل القاطع والكيف مجهول أي تعيين مراد الشارع مجهول لنا لا دليل عندنا عليه ولا سلطان لنا به والسؤال عنه بدعة أي الاستفسار عن تعيين هذا المراد اعتقاد أنه مما شرعه الله بدعة لأنه طريقة في الدين مخترعة مخالفة لما أرشدنا إليه الشارع من وجوب تقديم المحكمات وعدم اتباع المتشابهات وما جزاء المبتدع إلا أن يطرد ويبعد عن الناس خوف أن يفتنهم لأنه رجل سوء وذلك سر قوله وأظنك رجل سوء أخرجوه عني أهـ ، قال ابن الصلاح : على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها ، المذهب الثاني : مذهب الخلف ، ويسمى مذهب المؤولة بتشديد الواو وكسرها وهم فريقان : فريق : يؤولها بصفات سمعية غير معلومة على التعيين ثابتة له تعالى زيادة على صفاته المعلومة لنا بالتعيين وينسب هذا إلى أبي الحسن الأشعري ، وفريق : يؤولها بصفات أو بمعان نعلمها على التعيين فيحمل اللفظ الذي استحال ظاهره من هذه المتشابهات على معنى يسوغ لغة ويليق بالله عقلا وشعرا وينسب هذا الرأي إلى ابن برهان وجماعة من المتأخرين ، قال السيوطي : وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا اتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها اهـ ،  أما حجة أصحاب هذا المذهب فيما ذهبوا إليه فهو أن المطلوب صرف اللفظ عن مقام الإهمال الذي يوجب الحيرة بسبب ترك اللفظ لا مفهوم له وما دام في الإمكان حمل كلام الشارع على معنى سليم فالنظر قاض بوجوبه انتفاعا بما ورد عن الحكيم العليم وتنزيها له عن أن يجري مجرى العجوز العقيم   المذهب الثالث مذهب المتوسطين وقد نقل السيوطي هذا المذهب فقال وتوسط ابن دقيق العيد فقال إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر أو بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد مع التنزيه وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرها مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف كما في قوله تعالى يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله فنحمله على حق الله وما يجب له اه  تطبيق وتمثيل  ،  ولنطبق هذه المذاهب على قوله سبحانه : { الرحمن   على العرش استوى } ، فنقول : يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على العرش وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل ، لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيء منه سواء أكان مكانا يحل فيه أم غيره ، وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعا لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه وأثبت لنفسه الغنى عنهم فقال : { ليس كمثله شيء } ، وقال : { هو الغني الحميد } ، فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا ، ثم اختلف السلف والخلف بعد ما تقدم فرأى السلفيون أن يفوضوا تعيين معنى الاستواء إلى الله هو أعلم بما نسبه إلى نفسه وأعلم بما يليق به ولا دليل عندهم على هذا التعيين ورأى الخلف أن يؤولوا لأنه يبعد كل البعد أن يخاطب الله عباده بما لا يفهمون وما دام ميدان اللغة متسعا للتأويل وجب التأويل ، بيد أنهم افترقوا في هذا التأويل فرقتين فطائفة الأشاعرة يؤولون من غير تعيين ويقولون : إن المراد من الآية إثبات أنه تعالى متصف بصفة سمعية لا نعلمها على التعيين تسمى صفة الاستواء وطائفة المتأخرين يعينون فيقولون : إن المراد بالاستواء هنا هو الاستيلاء والقهر من غير معاناة ولا تكلف لأن اللغة تتسع لهذا المعنى ومنه قول الشاعر العربي : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق   أي استوى وقهر أو دبر وحكم فكذلك يكون معنى النص الكريم : الرحمن استولى على عرش العالم وحكم العالم بقدرته ودبره بمشيئته ، وابن دقيق العيد يقول بهذا التأويل إن رآه قريبا ويتوقف إن رآه بعيدا   ومثل ذلك في نحو : { ويبقى وجه ربك } ، { ولتصنع على عيني } ، { يد الله فوق أيديهم } ، { والسموات مطويات بيمنه } ، { يخافون ربهم من فوقهم } ، { وجاء ربك } ، { وعنده مفاتح الغيب } ، فالسلف يفوضون في معانيها تفويضا مطلقا بعد تنزيه الله عن ظواهرها المستحيلة ، والأشاعرة يفسرونها بصفات سمعية زائدة على الصفات التي نعلمها ، ولكنهم يفوضون الأمر في تعيين هذه الصفات إلى الله فهم مؤولون من وجه مفوضون من وجه ، والمتأخرون يفسرون الوجه بالذات ، ولفظ ولتصنع على عيني بتربية موسى ملحوظا بعناية الله وجميل رعايته ، ولفظ اليد بالقدرة ، ولفظ اليمين بالقوة ، والفوقية بالعلو المعنوي دون الحسي ، والمجيء في قوله { وجاء ربك } ، بمجيء أمره والعندية في قوله { وعنده مفاتح الغيب } ، بالإحاطة والتمكن أو بمثل ذلك في الجميع  ،

[ إرشاد وتحذير ] : لقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق وأتوا في حديثهم عنها وتعليقهم عليها بما لم يأذن به الله ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه وتحتمل الكفر والإيمان حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات ، ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة وأشباههم بهذا ، ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون من ذلك قولهم : إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية ، وله من الجهات الست جهة الفوق ، ويقولون إنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقا ، بمعنى أنه استقر فوقه استقرارا حقيقيا غير أنهم يعودون فيقولون : ليس كاستقرارنا وليس على ما نعرف وهكذا يتناولون أمثال هذه الآية وليس لهم مستند فيما نعلم إلا التشبث بالظواهر ، ولقد تجلى لك مذهب السلف والخلف فلا نطيل بإعادته ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة ، أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ، ولا متحيزا ، ولا متجزئا ، ولا متركبا ، ولا محتاجا لأحد ، ولا إلى مكان ، ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ، ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول : { ليس كمثله شيء } ، ويقول : { قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } ويقول : { إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم } ، ويقول : { يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } ، وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف  ، ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ، ينفون هذه اللوازم مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل ، فضلا عن طالب أو عالم ، فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز وقولهم بعد ذلك : ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز ، فكأنهم يقولون إنه مستو غير مستو ، ومستقر فوق العرش غير مستقر ، أو متحيز غير متحيز ، وجسم غير جسم ، أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش ، والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه ، إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت ، فإن أرادوا بقولهم الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن خصوصا في مقام التعليم والإرشاد وفي موقف النقاش والحجاج لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة الأمر الذي نهانا القرآن عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبغ أو بابن صبيغ وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء وقد مر بك هذا وذاك ، لو أنصف هؤلاء : لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده وبذلك يكونون سلفيين حقا ، لكنها شبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم فلنعرضها عليك مع ما أشبهها والله يتولى هدانا وهداهم ويجمعنا جميعا على ما يحبه ويرضاه آمين

[ دفع الشبهات الواردة في هذا المقام ] :

الشبهة الأولى ودفعها : يقولون إن القول بأن الله لا جهة له وأنه ليس فوقا ولا تحتا ولا يمينا ولا شمالا إلى غير ذلك يستلزم أن الله غير موجود أو هو قول بأن الله غير موجود فإن التجرد من الإنصاف بهذه المتقابلات جملة أمر لا يوسم به إلا المعدوم ومن لم يتشرف بشرف الوجود  ،

وندفع هذه الشبهة بأمور : أولها : أن هذا قياس للغائب على الشاهد وقياس الغائب على الشاهد فاسد ذلك أن الله تعالى ليس يشبه خلقه حتى يكون حكمه كحكمهم في وجوب أن يكون له جهة من الجهات الست ما دام موجودا وكيف يقاس المجرد عن المادة بما هو مادي ثم كيف يستوي الخلق وخلقه في جريان أحكام الخلق على خالقه إن المادي هو الذي يجب أن يتصف بشيء من هذه المتقابلات وأن تكون له جهة من تلك الجهات أما عين المادي فترتفع عنه هذه الصفات كلها ولا يمكن أن تكون له أية جهة من هذه الجهات جميعها ونظير ذلك أن الإنسان لا بد أن يكون له أحد الوصفين فإما جاهل وإما عالم أما الحجر فلا يتصف بواحد منها ألبتة فلا يقال إنه جاهل ولا إنه عالم بل العلم والجهل مرتفعان عنه بل هما ممتنعان عليه لا محالة لأن طبيعته تأبى قابليته لكليهما وهكذا تنتفي المتقابلات كلها بانتفاء قابلية المحل لها أيا كانت هذه المتقابلات وأيا كان هذا المحل الذي ليس قابلا لها فيمتنع مثلا أن توصف الدار بأنها سمعية أو صماء وأن توصف الأرض بأنها متكلمة أو خرساء وأن توصف السماء بأنها متزوجة أو أيم وهلم جرا ، ثانيا : نقول لهؤلاء أين كان الله قبل أن يخلق العرش والفرش والسماء والأرض ، وقبل أن يخلق الزمان والمكان ، وقبل أن تكون هناك جهات ست ؟ فإن قالوا : لم يكن له جهة ولا مكان ، نقول قد اعترفتم بما نقول نحن به وهو الآن على ما عليه كان ، لا جهة له ولا مكان ، وإن زعموا أن العالم قديم بقدم فقد تداووا من داء بداء واستجاروا من الرمضاء بالنار ووجب أن ننتقل بهم إلى إثبات حدوث العالم والله هو ولي الهداية والتوفيق ، ثالثا : نقول لهؤلاء إذا كنتم تأخذون بظواهر النصوص على حقيقتها فماذا تفعلون بمثل قوله تعالى : { ءأمنتم من في السماء } ، مع قوله : { وهو الله في السموات وفي الأرض } ، أتقولون إنه في السماء حقيقة أم في الأرض حقيقة أم فيهما معا حقيقة وإذا كان في الأرض وحدها حقيقة فكيف تكون له جهة فوق وإذا كان فيهما معا حقيقة فلماذا يقال له جهة فوق ولا يقال له جهة تحت ولماذا يشار إليه فوق ولا يشار إليه تحت ، ثم ألا يعلمون أن الجهات أمور نسبية فما هو فوق بالنسبة إلينا يكون تحتا بالنسبة إلى غيرنا فأين يذهبون ، رابعا : نقول لهؤلاء ماذا تقولون في قوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } بإفراد اليد مع قوله : { لما خلقت بيدي } بتثنيتها ، ومع قوله : { والسماء بنيناها بأييد } ، بجمعها فإذا كنتم تعلمون النصوص على ظواهرها حقيقة فأخبرونا أله يد واحدة بناء على الآية الأولى أم له يدان اثنتان بناء على الآية الثانية أما له أيد أكثر من اثنتين بناء على الآية الثالثة  ، خامسا : نقول لهؤلاء قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له )) رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما تقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يماري فيه إلا جهول مأفون   ، سادسا : نقول لهؤلاء ما قاله حجة الإسلام الغزالي ، ونصه : نقول للمتشبث بظواهر الألفاظ إن كان نزوله من السماء الدنيا ليسمعنا نداءه فما أسمعنا نداءه فأي فائدة في نزوله ولقد كان يمكنه أن ينادينا كذلك وهو على العرش أو على السماء العليا فلا بد أن يكون ظاهر النزول غير مراد وأن المراد به شيء آخر غير ظاهره وهل هذا إلا مثل من يريد وهو بالمشرق إسماع شخص في المغرب فتقدم إلى المغرب بخطوات معدودة وأخذ يناديه وهو يعلم أنه لا يسمع نداءه فيكون نقله الأقدام عملا باطلا وسعيه نحو المغرب عبثا صرفا لا فائدة فيه وكيف يستقر مثل هذا في قلب عاقل

الشبهة الثانية ودفعها  : قال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله في حاشيته على العقائد العضدية : فإن قلت إن كلام الله وكلام النبي مؤلف من الألفاظ العربية ومدلولاتها معلومة لدى أهل اللغة فيجب الأخذ بمدلول اللفظ كائنا ما كان ، قلت : حينئذ لا يكون ناجيا إلا طائفا المجسمة الظاهريون القائلون بوجوب الأخذ بجميع النصوص وترك طريق الاستدلال رأسا مع أنه لا يخفى ما في آراء هذه الطائفة من الضلال والإضلال مع سلوكهم طريقا ليس يفيد اليقين بوجه فإن للتخاطبات مناسبات ترد بمطابقتها فلا سبيل إلا الاستدلال العقلي وتأويل ما يفيد بظاهره نقصا إلى ما يفيد الكمال وإذا صح التأويل للبرهان في شيء صح في بقية الأشياء حيث لا فرق بين برهان وبرهان ولا لفظ ولفظ  ، وقال في قوله تعالى : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } : إن الوحي من الله للنبي تنزيلا وإنزالا ونزولا لبيان علو مرتبة الربوبية لا أن هناك نزولا حسيا من مكان مرتفع إلى مكان منخفض ، ومن الغريب أنهم يقولون في الرد على هذا إن علو الله على خلقه حقيقة أثبتها لنفسه في كتابه لا حاجة لتأويله بعلو مرتبة الربوبية وليت شعري إذا لم نؤوله بعلو مرتبة الربوبية فماذا نريد منه وهل بقي بعد ذلك شيء غير العلو الحسي الذي يستلزم الجهة والتحيز ولا يمكن نفي ذلك اللازم عنه متى أردنا العلو الحسي فإن نفي التحيز عن العلو الحسي غير معقول ولا معنى للاستلزام إلا هذا ، أما هم فينفون اللوازم ولا أدري كيف ننفي اللوازم مع فرضها لوازم هذا خلف ولكن القول ليسوا أهل منطق والمتتبع لكلامهم يجد فيه العبارات الصريحة في إثبات الجهة لله تعالى وقد كفر العراقي وغيره مثبت الجهة لله تعالى وهو واضح لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية ولا يتأتى غير هذا فإن سمعت منهم سوى ذلك فهو قول متناقض وكلامهم لا معنى له اهـ

الشبهة الثالثة ودفعها : نقل السيوطي عن بعضهم أنه قال : إن قيل ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى ، قلنا : إن كان أي المتشابه مما يمكن علمه فله فوائد منها الحث للعلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائقه فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب ومنها ظهور التفاضل وتفاوت الدرجات إذ لو كان كله محكما لا يحتاج إلى تأويل ونظر لاستوت منازل الخلق ولم يظهر فضل العالم على غيره وإن كان أي المتشابه مما لا يمكن علمه أي بأن استأثر الله به فله فوائد منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتوقف فيه والتفويض والتسليم والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ وإن لم يجز العمل بما فيه وإقامة الحجة عليهم لأنه لما نزل بلسانهم ولغتهم وعجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم وأفهامهم دل على أنه نزل من عند الله وأنه هو الذي أعجزهم عن الوقوف ،   ونسترعي نظرك هنا إلى ما أسلفناه في الحكم الماضية ، ثم إلى ما ذكره ابن اللبان في مقدمة كتابه رد الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات ، إذ قال ما خلاصته : ليس في الوجود فاعل إلا الله وأفعال العباد منسوبة الوجود إليه تعالى بلا شريك ولا معين فهي في الحقيقة فعله وله بها عليهم الحجة لا يسأل عما يفعل وهم يسألون   ومن المعلوم أن أفعال العباد لا بد فيها من توسط الجوارح مع أنها منسوبة إليه تعالى وبذلك يعلم أن لصفاته تعالى في تجلياته مظهرين مظهر عبادي منسوب لعباده وهو الصور والجوارح الجثمانية ومظهر حقيقي منسوب إليه وقد أجرى عليه أسماء المظاهر العبادية المنسوبة لعباده على سبيل التقريب لأفهامهم والتأنيس لقلوبهم ولقد نبه في كتابه تعالى على القسمين وأنه منزه عن الجوارح في الحالين فنبه على الأول بقوله قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فهذا يفيد أن كل ما يظهر على أيدي العباد فهو منسوب إليه تعالى ونبه على الثاني بقوله فيما أخبر عنه نبيه في صحيح مسلم ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وقد حقق الله ذلك لنبيه بقوله إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله وبقوله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وبهذا يفهم ما جاء من الجوارح منسوبا إليه تعالى فلا يفهم من نسبتها إليه تشبيه ولا تجسيم ولكن الغرض من ذلك التقريب للأفهام والتأنيس للقلوب والواجب سلوكه إنما هو رد المتشابه إلى المحكم على القواعد اللغوية وعلى مواضعات العرب وعلى ما كان يفهمه الصحابة والتابعون من الكتاب والسنة اهـ ما أردنا نقله

الشبهة الرابعة ودفعها : نقل السيوطي أيضا عن الإمام فخر الدين الرازي أنه قال : من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات وقال إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه ، فالجبري متمسك بآيات الجبر كقوله تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } ، والقدري يقول هذا مذهب الكفار بدليل أنه تعالى حكى عنهم ذلك في معرض الذم في قوله : { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر  } ، وفي موضع آخر : { وقالوا قلوبنا غلف } ، ومنكر الرؤية متمسك بقوله تعالى : { لا تدركه الأبصار } ، ومثبت الجهة متمسك بقوله تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم } ، { الرحمن على العرش استوى } ، والثاني متمسك بقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ثم يسمي كل واحد الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والآيات المخالفة متشابهة وإنما آل في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية ووجوه ضعيفة فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى يوم القيامة هكذا ، والجواب أن العلماء ذكروا لوقوع المتشابه فيه فوائد ، منها : أنه يوجب مزيد المشقة في الوصول إلى المراد وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب إلى آخر ما نقلناه عنه فيما سبق من بيان حكم الله وأسراره في ذكر المتشابهات فاجعلها على بال منك في رفع هذه الشبهة وأضف إليها ما نقلنا آنفا عن ابن اللبان وما بسطناه في دفع الشبهات السالفة وارجع إلى ما كتبناه في مثل هذا المقام بالمبحث السابع من هذا الكتاب ،

الشبهة الخامسة ودفعها : قال السيوطي في كتابه الإتقان : أورد بعضهم سؤالا وهو أنه هل للمحكم مزية على المتشابه أو لا فإن قلتم بالثاني فهو خلاف الإجماع ، وإلا فقد نقضتم أصلكم في أن جميع كلامه سبحانه سواء وإنه منزل بالحكمة  ، وأجاب أبو عبد الله النكرباذي : بأن المحكم كالمتشابه من وجه ويخالفه من وجه ، فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع وأنه لا يختار القبيح ، ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد فمن سمعه أمكنه أن يستدل به في الحال والمتشابه يحتاج إلى فكرة ونظر ليحمله على الوجه المطابق ، ولأن المحكم أصل والعلم بالأصل أسبق ولأن المحكم يعلم مفصلا والمتشابه لا يعلم إلا مجملا اهـ ، أقول : ويمكن دفع هذه الشبهة بوجه أقرب ، وهو أن المحكم له مزية على المتشابه لأنه بنص القرآن هو أم الكتاب على ما سلف بيانه والاعتراض بأن هذا ينقض الأصل المجمع عليه وهو أن جميع كلامه سبحانه سواء وأنه منزل بالحكمة الاعتراض بهذا ساقط من أساسه لأن المساواة بين كلام الله إنما هي في خصائص القرآن العامة ككونه منزلا على النبي بالحق وبالحكمة وكونه متعبدا بتلاوته ومتحدي بأقصر سورة منه ومكتوبا في المصاحف ومنقولا بالتواتر ومحرما حمله ومسه على الجنب ونحو ذلك والمساواة في هذه الخصائص لا تنافي ذلك الامتياز الذي امتازت به المحكمات وكيف يتصور التنافي  ، على حين أن كلا من المحكم والمتشابه له حكمه وله مزاياه فمزية المحكم أنه أم الكتاب إليه ترد المتشابهات ومزية المتشابه أنه محك الاختبار والابتلاء ومجال التسابق والاجتهاد إلى غير ذلك من الفوائد التي عرفتها ثم كيف يتصور هذا التنافي والقرآن كله مختلف باختلاف موضوعاته وأحواله فمنه عقائد وأحكام وأوامر ونواه وعبادات وقصص وتنبؤات ووعد ووعيد وناسخ ومنسوخ وهلم مما يستنفد ذكره وقتا طويلا ولا ريب أن كل نوع من هذه الأنواع له مزيته أو خاصته التي غاير بها الآخر وإن اشترك الجميع بعد ذلك في أنها كلها أجزاء للقرآن متساوية في القرآنية وخصائصها العامة وخلاصة هذا الجواب أن اميتاز المحكم على المتشابه في أمور ومساواته إياه في أمور أخرى فلا تناقض ولا تعارض كما أن كل عضو من أعضاء جسم الإنسان له مزيته وخاصته التي صار بها عضوا والكل بعد ذلك يساوي الآخر في أنه جزء للإنسان في خصائصه العامة من حسن وحياة ،

الشبهة السادسة ودفعها : يقولون إن الناظر في موقف السلف والخلف من المتشابه يجزم بأنهم جميعا مؤولون ، لأنهم اشتركوا في صرف ألفاظ المتشابهات عن ظواهرها وصرفها عن ظواهرها تأويل لها لا محالة وإذا كانوا جميعا مؤولين فقد وقعوا جميعا فيما نهى الله عنه وهو اتباع المتشابهات بالتأويل إذ وصف سبحانه هؤلاء بأن في قلوبهم زيغا فقال في الآية السابقة فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وندفع هذه الشبهة أولا : بأن القول بكون السلف والخلف مجمعين على تأويل المتشابه قول له وجه من الصحة لكن بحسب المعنى اللغوي أو ما يقرب من المعنى اللغوي أما بحسب الاصطلاح السائد فلا لأن السلف وإن وافقوا الخلف في التأويل فقد خالفوهم في تعيين المعنى المراد باللفظ بعد صرفه عن ظاهره وذهبوا إلى التفويض المحض بالنسبة إلى هذا التعيين أما الخلف فركبوا متن التأويل إلى هذا التعيين كما سبق تفصيله  ، ثانيا : أن القول بأن السلف واخلف جميعا وقعوا بتصرفهم السابق فيما نهى الله عنه قول خاطئ واستدلالهم عليه بالآية المذكورة استدلال فاسد لأن النهي فيها إنما هو عن التأويل الآثم الناشئ عن الزيغ واتباع الهوى بقرينة قوله سبحانه : { وأما الذين في قلوبهم زيغ } ، أي ميل عن الاستقامة والحجة إلى الهوى والشهوة ، أما التأويل القائم على تحكيم البراهين القاطعة واتباع الهداية الراشدة فليس من هذا القبيل الذي حظره الله وحرمه ، وكيف ينهانا عنه وقد أمرنا به ضمنا بإيجاب رد المتشابهات إلى المحكمات إذ جعل هذه المحكمات هي أم الكتاب على ما سبق بيانه ثم كيف يكون مثل هذا التأويل الراشد محرما وقد دعا به الرسول لابن عباس فقال في الحديث المشهور : (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )) ، ويتلخص من هذا أن الله أرشدنا في الآية إلى نوع من التأويل وهو ما يكون به رد المتشابهات إلى المحكمات ثم نهانا عن نوع آخر منه وهو ما كان ناشئا عن الهوى والشهوة لا على البرهان والحجة قصدا إلى الضلال والفتنة وهما لونان مختلفان وضربان بعيدان بينهما برزخ لا يبغيان   وإذن فمن لم يصرف لفظ المتشابه عن ظاهره الموهم للتشبيه أو المحال فقد ضل كالظاهرية والمشبهة ومن فسر لفظ المتشابه تفسيرا بعيدا عن الحجة والبرهان قائما على الزيغ والبهتان فقد ضل أيضا كالباطنية والإسماعيلية وكل هؤلاء يقال فيهم إنهم متبعون للمتشابه ابتغاء الفتنة أما من يؤول المتشابه أي يصرفه عن ظاهره بالحجة القاطعة لا طلبا للفتنة ولكن منعا لها وتثبيتا للناس على المعروف من دينهم وردا لهم إلى محكمات الكتاب القائمة وأعلامه الواضحة فأولئك هم الهادون المهديون حقا وعلى ذلك درج سلف الأمة وخلفها وأئمتها وعلماؤها ) أهـ [  مناهل العرفان ج: 2 ص: 206 إلى 217 ] ،

***

 

المبحث الثاني

مذهب السلف الحق في باب الصفات والأخبار

ذكرنا في القاعدة السابقة المتشابه في باب الصفات ، وهي تلك الصفات التي تدل بظاهرها على الجارحة كالوجه واليد والعين ، أو الحد والمقدار والحركة والحدوث كالاستواء والجهة والكون في المكان ، وفي هذه القاعدة أعرض لحال السلف الصالح وبيان مدى حرصهم الشديد على تحريم الخوض في المتشابهات والمنع من مجرد السؤال عنه على سبيل الزيغ والفتنة ، وسنجد أن مقالاتهم تتركز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله ، فمن ذلك : قولهم : ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم ، وقولهم : ويؤمن بها ولا تفسر ولا يتوهم ولا يقال كيف ، وقولهم : نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها ، وقولهم : نترك التعرض لمعانيها ، وقولهم : نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني ، وقولهم : كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره ، وقولهم : ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية ، وقولهم : فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله ، وقولهم : أمروا الأحاديث كما جاءت ، وقولهم : كانوا لا يفسرون شيئا ، وقولهم : قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره ، وقولهم : فتفسيره تلاوته والسكوت عليه ، وقولهم : فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وقولهم  : كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل ، وقولهم : فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ، وقولهم  : كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له ، وقولهم : نحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وقولهم : إذا سئلنا عن تفسيرها   قلنا : ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت ، وقولهم : أمروها بلا كيف ، وقولهم : أمضها بلا كيف ، وقولهم : وما يعلم تأويله إلا الله ، وقولهم : كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه ، وقولهم : نكل علمه إلى الله ، وقولهم: ونفوض علمه إلى الله ، وقولهم : هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه ، وقولهم :  هذا من المكتوم الذي لا يفسر ، وقولهم : المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : المذهب في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب ، وقولهم : هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله ، وقولهم : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط ، وقولهم : آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله ، وقولهم : نكل علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : والسؤال عنه بدعة ، وقولهم : من تكلم في معناها فقد ابتدع

قلت : وهذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً تدل على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7] ، وإليك أمثلة لمنهج السلف في متشابه الإضافات إلى الله :

(  ) الأئمة مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك ومذهب السلف : قال الإمام الترمذي رحمه الله في السنن : " قد قال غير واحد من أهل العلم في هذه الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، فإنهم قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم، ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمرُّوها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة "[ سنن الترمذي – كتاب الزكاة ( 3/24 )] أهـ

(  ) الأئمة الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد ووكيع واسماعيل بن أبى خالد وسفيان بن عيينة وسليمان ومذهب السلف ، جاء في كتاب الصفات للإمام علي بن عمر الدارقطني  : " حدثنا محمد بن مخلد حدثنا العباس بن محمد الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول شهدت زكريا بن عدى يسأل وكيعا فقال يا أبا سفيان هذه الأحاديث يعنى مثل الكرسي موضع القدمين ونحو هذا فقال وكيع أدركنا اسماعيل بن أبى خالد وسفيان وسليمان يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئا  .. حدثنا محمد بن مخلد حدثنا عيسى بن اسحاق بن موسى الأنصاري أبو العباس قال سمعت أبى يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول كل ما وصف الله به نفسه فى القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل ، حدثنا محمد بن مخلد حدثنا اسحاق بن يعقوب العطار قال سمعت أحمد بن الدورقى يقول سمعت وكيعا يقول نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف هذا ولم جاء هذا ،  

حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أبو العباس اسحاق ابن يعقوب قال سمعت أحمد بن الدورقى يقول حدثنى أحمد بن نصر رحمه الله قال سمعت سفيان بن عيينة وأنا فى منزله بعد العتمة فجعلت ألح عليه فى المسألة فقال دعنى أتنفس فقلت له يا أبا محمد إنى أريد أن أسألك عن شىء فقال لا تسأل فقلت لا بد من أن أسألك إذا لم أسألك فمن أسأل فقال هات سل فقلت كيف حديث عبيدة عن عبد الله عن النبى  صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يحمل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع      وحديث إن قلوب بنى آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن      وحديث إن الله عز وجل يعجب ويضجك ممن يذكره فى الآفاق فقال سفيان هى كما جاءت نقر بها ونحدث بها بلا كيف ...

حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أحمد بن سعد أبو إبراهيم الزبيرى حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعى ومالك بن أنس وسفيان الثورى والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التى فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا أمضها بلا كيف "  [الصفات ج: 1 ص:41- 44] أهـ

(   ) الأئمة محمد بن الحسن و الزهري ومكحول و أحمد بن حنبل ، و أبو عبيد بن سلام و اتفاق الفقهاء كلهم قبل محمد بن الحسن على مذهب السلف : جاء في كتاب اعتقاد أهل السنة للحافظ هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي  : " أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم     يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها " [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 433] أهـ

وجاء فيه أيضا : " أخبرنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن زهير قال ثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال ثنا بقية قال ثنا الأوزاعي قال كان الزهري ومكحول يقولان أمروا الأحاديث كما جاءت ، أخبرنا محمد بن رزق الله قال أخبرنا بن عثمان قال نا عيسى بن موسى بن إسحاق الأنصاري قال سمعت أبي يقول : سمعت سفيان بن عيينة يقول كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل  )) [اعتقاد أهل السنة ج: 3 ص: 431] أهـ

وجاء فيه أيضا : "  قال حنبل بن اسحاق قال سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ، فقال ابو عبد الله نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد شيئا منها إذا كانت اسانيد صحاح ولا نرد على رسول الله قوله ونعلم أن ما جاء به الرسول حق حتى قلت لأبي عبد الله ينزل الله إلى سماء الدنيا قال قلت نزوله بعلمه بماذا ، فقال لي اسكت عن هذا مالك ولهذا امض الحديث على ما روي   بلا كيف  ولاحد  قال الله عز وجل ولا تضربوا لله الأمثال ، ينزل كيف يشاء بعلمه وقدرته وعظمته أحاط بكل شيء علما لا يبلغ قدره واصف ولا ينأى عنه هرب هارب "  [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 453] أهـ

وجاء فيه أيضا : سمعت أبا محمد الحسن بن عثمان بن جابر يقول سمعت أبا نصر أحمد بن يعقوب بن زاذان قال : بلغني أن أحمد بن حنبل قرأ عليه رجل وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه قال ثم أومأ بيده ، فقال له أحمد قطعها الله قطعها الله قطعها الله ثم حرد وقام ، أخبرنا أحمد بن محمد بن حفص قال ثنا محمد بن أحمد بن سلمة قال ثنا أبو محمد سهل بن عثمان بن سعيد بن حكيم السلمي قال سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن المهدي بن يونس يقول سمعت أبا سليمان داود بن طلحة سمعت عبد الله بن أبي حنيفة الدوسي يقول     سمعت محمد بن الحسن يقول اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه ، فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا ، وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له "[ اعتقاد أهل السنة ج: 3 ص: 432] أهـ

وجاء فيه أيضا : " أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم ، يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها " [اعتقاد أهل السنة ج: 3 ص: 433] أهـ

وجاء فيه أيضا : "  أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القزويني قال ثنا محمد بن أحمد بن منصور القطان قال ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال ثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال ثنا الهيثم بن خارجة قال سمعت الوليد بن مسلم يقول : سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا : أمروها   بلا كيف " [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 503] أهـ

وجاء فيه أيضا : " أخبرنا أحمد بن محمد بن الجراح ومحمد بن مخلد قالا ثنا عباس بن محمد الدوري قال      سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام وذكر عنده هذه الأحاديث ضحك ربنا عز وجل من قنوط عباده وقرب غيره ، والكرسي موضع القدمين ، وأن جهنم لتمتلئ فيضع ربك قدمه فيها وأشباه هذه الأحاديث      فقال أبو عبيد هذه الأحاديث عندنا حق يرويها الثقات بعضهم عن بعض إلا أنا إذا سئلنا عن تفسيرها ، قلنا ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت " [اعتقاد أهل السنة ج: 3 ص: 526] أهـ

وجاء فيه أيضا : " وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله { الرحمن على العرش استوى } ، فقال الاستواء معقول والكيف مجهول والإيمان به واجب قال ابن الجراح والله عز وجل لا يحد ...  أخبرنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن أبي خيثمة قال ثنا الهيثم بن خارجة قال ثنا الوليد بن مسلم يقول سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية ، فقالوا أمروها كما جاءت   بلا كيف )) [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 527] أهـ

وقال شيخ محدثي زمانه الإمام  البيهقي : - وهو يوضح مذهب السلف والشافعي وأهل الحديث في الاستواء - " وقوله عز وجل : { وهو معكم أينما كنتم } ، إنما أراد به بعلمه لا بذاته ثم المذهب الصحيح في جميع ذلك الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين وقالوا الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه أنا أبو محمد بن حيان ثنا أبو جعفر أحمد بن زيرك اليزدي قال سمعت محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري يقول سمعت يحيى بن يحيى يقول كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استوى فأطرق مالك رأسه ثم علاه الرحضاء ثم قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا فأمر به أن يخرج [قال النفراوي المالكي: في كتابه" الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني في الفقه المالكي "  [ج: 1 ص: 51] " ومعنى قول مالك الاستواء معلوم أن عقولنا دلتنا على أن الاستواء اللائق بالله هو الاستيلاء دون الاستقرار والجلوس لأنهما من صفات الأجسام وقوله والكيف مجهول معناه أن ذات الله لا توصف بالأحوال المتعلقة والهيئات الحسية من التربع ونحوه والإيمان به واجب لوروده في الكتاب والسؤال عنه بدعة لأنه لم تجر العادة بالسؤال عنه من السلف بل يفوضون معرفته على التحقيق إلى الله " أهـ  و قال الزرقاني في مناهل العرفان [ ج: 2 ص: 207 ] "والسؤال عنه بدعة   أي الاستفسار عن تعيين هذا المراد اعتقاد أنه مما شرعه الله بدعة لأنه طريقة في الدين مخترعة مخالفة لما أرشدنا إليه الشارع من وجوب تقديم المحكمات وعدم اتباع المتشابهات وما جزاء المبتدع إلا أن يطرد ويبعد عن الناس خوف أن يفتنهم لأنه رجل سوء وذلك سر قوله وأظنك رجل سوء أخرجوه عني " ] وعلى مثل هذا درج أكثر علمائنا في مسألة الاستواء وفي مسألة المجيء والإتيان والنزول قال الله عز وجل : { وجاء ربك والملك صفا صفا } ،  وقال : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام }   وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((  ينزل الله عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ))   وهذا حديث صحيح رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحاب الحديث فيما ورد به الكتاب والسنة من أمثال هذا ولم يتكلم أحد من الصحابة والتابعين في تأويله على قسمين منهم من قبله وآمن به ولم يؤوله ووكل علمه إلى الله ونفى الكيفية والتشبيه عنه ومنهم من قبله وآمن به وحمله على وجه يصح استعماله في اللغة ولا يناقض التوحيد ، وقد ذكرنا هاتين الطريقتين في كتاب الأسماء والصفات في المسائل التي تكلموا فيها من هذا الباب ، وفي الجملة يجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين بائن من جميع خلقه وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يده ليست بجارحة وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف فقد قال ليس كمثله شيء وقال ولم يكن له كفوا أحد وقال هل تعلم له سميا ، أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا محمد بن بشر بن مطر ثنا الهيثم بن خارجة حدثنا الوليد بن مسلم قال : سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية     ،  أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن يزيد سمعت أبا يحيى البزار يقول سمعت العباس بن حمزة يقول سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول كل ما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه وإنما أراد به والله أعلم فيما تفسيره يؤدي إلى تكييف وتكييفه يقتضي تشبيهه له بخلقه في أوصاف الحدوث  "[ الاعتقاد للبيهقي ج: 1 ص: 114- 118] أ هـ

وقال رحمه الله : " .. عن إسحاق بن موسى الأنباري قال سمعت سفيان بن عيينة يقول ما وصف الله تبارك وتعالى به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية  " [الأسماء والصفات للبيهقي ص 314] أهـ

وقال رحمه الله : " أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال هذه نسخة الكتاب الذي أملاه الشيخ أبو بكر أحمد بن اسحاق بن أيوب في مذهب أهل السنة فيما جرى بين محمد بن إسحاق بن خزيمة وبين أصحابه فذكرها وذكر فيها     الرحمن على العرش استوى     بلا كيف والآثار عن السلف في هذا كثيرة وعلى هذه الطريقة يدل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى وإليها ذهب أحمد بن حنبل والحسين بن الفضل البجلي ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي " [الأسماء والصفات ص 408] أهـ

وقال البغوي في تفسيره : " بل يداه مبسوطتان ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه وقال جل ذكره لما خلقت بيدى وقال النبي صلى الله عليه وسلم كلتا يديه يمين والله أعلم بصفاته فعلى العباد فيها الايمان والتسليم وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات   أمروها   كما جاءت بلا كيف" [تفسير البغوي ج: 2 ص: 50] أهـ

وقال رحمه الله : "  وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهات   أمروها   كما جاءت بلا كيف ))[ تفسير البغوي ج: 2 ص: 165] أهـ

وقال القرطبي في تفسيره : " وقد قيل  إن معنى تربو في كف الرحمن عبارة عن كفة الميزان التي توزن فيها الأعمال فيكون من باب حذف المضاف كأنه قال  فتربو كفة ميزان الرحمن وروي عن مالك والثوري وابن المبارك أنهم قالوا في تأويل هذه  الأحاديث وما شابهها  أمروها   بلا كيف قاله الترمذي وغيره وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة )) [تفسير القرطبي ج: 8 ص: 252] أهـ ، وقال رحمه الله : "  قال بعضهم  نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها وذهب إليه كثير من الأئمة وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى  الرحمن على العرش أستوى قال مالك  الأستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب   والسؤال عنه بدعة " [تفسير القرطبي ج: 1 ص: 254] أهـ

(   ) الإمام الشافعي ومذهب السلف : جاء في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي : " وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه   ومن تقصى وفتش وبحث وجد أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والصدر الأول لم يكن دأبهم غير الإمساك عن الخوض في هذه الأمور وترك ذكرها في المشاهد ولم يكونوا يدسونها إلى العوام ولا يتكلمون بها على المنابر ولا يوقعون في قلوب الناس منها هواجس كالحريق المشعل وهذا معلوم بالضرورة من سيرهم" [طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 40] أهـ

(   ) الإمام أحمد ومذهب السلف : جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد بن حنبل : (( نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل      أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادي رحمه الله في الدنيا والآخرة إجازة قال حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن محمد بن علي البغدادي بها قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أخبرنا عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي بجميع هذا الاعتقاد وقال جملة اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه والذي كان يذهب إليه   مجمل الاعتقاد [العقيدة ج: 1 ص: 101

]... وسئل قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منها شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية     ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " [العقيدة ج: 1 ص: 127] أهـ ، ونفس النص السابق جاء في كتاب اعتقاد الإمام المبجل ابن حنبل ، "  وسئل قبل موته بيوم عن احاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منه شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا   حد   ولا غاية ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ومن تكلم في معناها ابتدع " [اعتقاد الإمام المبجل ابن حنبل ج 1 ص 307]  أهـ

وقال ابن كثير في تفسيره : " فقوله وهو العلى العظيم كقوله وهو الكبير المتعال وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح   أمروها   كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه " [تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 311] أهـ

وقال الزركشي في البرهان : " فصل في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات   وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق   أحدها أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا تؤول شيئا منها وهم المشبهة   والثاني أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف   والثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به   والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة فنقل الإمساك عن أم سلمة أنها سئلت عن الاستواء فقالت الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة إلا أنه زاد فيها أن من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه وكذلك سئل سفيان الثوري فقال أفهم من قوله ( الرحمن على العرش استوى ) ما أفهم من قوله ( ثم استوى إلى السماء ) وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال ( الرحمن على العرش استوى )كما قال وإني لأراك ضالا وسئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أم قاعد فقال لا يمل القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم وأنت إلى هذا السؤال أحوج   قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها " [البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 78] أهـ

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح : "  وأسند البيهقي بسند صحيح عن احمد بن أبي الحواري عن سفيان بن عيينة قال كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه "  [فتح الباري ج13 ص 407] أهـ

وقال القرطبي في تفسيره :  " قال بعضهم  نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها وذهب إليه كثير من الأئمة وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى  الرحمن على العرش أستوى قال مالك  الأستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب   والسؤال عنه بدعة" [تفسير القرطبي ج 1 ص254] أهـ

وقال الزرقاني في شرحه على موطأ مالك : "  وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري عن أبي هريرة أن رسول الله قال : ( ينزل ربنا ) اختلف فيه فالراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا على طريق الإجمال منزهين لله تعالى عن الكيفية والتشبيه      ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والليث والأوزاعي وغيرهم قال البيهقي وهو أسلم ويدل عليه اتفاقهم على أن التأويل المعين لا يجب فحينئذ التفويض أسلم " [شرح الزرقاني ج 2 ص49] أهـ

و قال الإمام السيوطي في الإتقان : " فصل : من المتشابه آيات الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد نحو الرحمن على العرش استوى كل شيء هالك إلا وجهه ويبقى وجه ربك ولتصنع على عيني يد الله فوق أيديهم والسموات مطويات بيمينه ، وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها ، أخرج أبو القاسم اللالكائي في السنن عن طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى قالت الكيف غير معقول والإستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر    ، وأخرج أيضا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل عن قوله الرحمن على العرش استوى فقال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق  ، وأخرج أيضا عن مالك أنه سئل عن الآية فقال الكيف غير معقول والإستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة   ، وأخرج البيهقي عنه أنه قال هو كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف   مرفوع    ، وأخرج اللالكائي عن محمد بن الحسن قال إتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه ، وقال الترمذي في الكلام على حديث الرؤية المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم ، وذهبت طائفة من أهل السنة على أننا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف   وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا إتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها ، وقال ابن الصلاح على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدق عنها ويأباها " أهـ [  الإتقان ج: 2 ص :12- 15 ] ، وقال في الدر المنثور : " وأخرج اللالكائي عن جعفر بن عبد الله قال  جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال له  يا أبا عبد الله استوى على العرش كيف استوى  قال  فما رأيت مالكا وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء  يعني العرق  وأطرق القوم قال  فسرى عن مالك فقال  الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول والإيمان به واجب   والسؤال عنه بدعة   وإني أخاف أن تكون ضالا وأمر به فأخرج " [الدر المنثور ج: 3 ص: 473] أهـ

وقال رحمه الله : "  وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال  ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية )) [الدر المنثور ج 4 ص 418] أهـ

وقال رحمه الله : "  وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن شيبان النحوي رضي الله عنه وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة قال  لم يفسرها قتادة   وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال  كل ما وصف الله من نفسه في كتابه   فتفسيره تلاوته والسكوت عليه )) [الدر المنثور ج 7 ص 248] أهـ

وقال مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي ( ت 1033هـ )في كتابه أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات

" وروى ابن جرير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس موقوفا بنحوه    

وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه قال نؤمن بالمحكم وندين به ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به وهو من عند الله كله وروى أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه )) [أقاويل الثقات ج 1 ص57ـ 58] أهـ ، إلى أن قال رحمه الله : " إذا تقرر هذا فاعلم أن من المتشابهات آيات الصفات التي التأويل فيها بعيد فلا تؤول ولا تفسر  ، وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها فقد روى الإمام اللالكائي الحافظ عن محمد بن الحسن قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه ..

وقال الإمام الترمذي في الكلام على حديث الرؤية المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري وابن المبارك ومالك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم ..

 قال ابن عباس: ( هذا من المكتوم الذي لا يفسر) فالأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى وعلى ذلك مضت أئمة السلف     

وكان الزهري ومالك والأوزاعي وسفيان الثوري والليث بن سعد وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق يقولون في هذه الآية وأمثالها أمروها كما جاءت وقال سفيان بن عيينة وناهيك به كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله

وذكرت في كتابي البرهان في تفسير القرآن عند قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام    البقرة 210 وبعد أن ذكرت مذاهب المتأولين أن مذهب السلف هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى " [أقاويل الثقات ج 1 ص 60- 62 ] أهـ

وقال رحمه الله : " قال الحافظ السيوطي في كتابه الإتقان من المتشابه آيات الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد نحو     الرحمن على العرش استوى     طه 5     كل شيء هالك إلا وجهه     القصص 88     ويبقى وجه ربك     الرحمن 27     ولتصنع على عيني     طه 39     يد الله فوق أيديهم     الفتح 10     لما خلقت بيدي     ص 75     والسموات مطويات بيمينه    الزمر 67      وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها " [أقاويل الثقات ج 1 ص 62] أهـ

وقال رحمه الله : " قال الجويني : في الرسالة النظامية الذي نرتضيه رأيا وندين الله تعالى به عقدا هو اتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها فلو كان تأويل هذه الظواهر سائغا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة فإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب وقال الإمام ابن الصلاح وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها انتهى     قلت وهذا القول هو الحق " [أقاويل الثقات ج 1 ص 66] أهـ وقال رحمه الله : " والمناقشة في مثل هذا تطول وتخرج عن المقصود والمقصود إنما هو الإشارة إلى أن كل واحد يدعي أن الحق بيده ويقيم الدليل عليه كما تقدم فنسكت نحن عن الخوض في ذلك ولا نبحث في تحقيقه فإنه بدعة ونفوض علمه إلى الله تعالى ولا نكفر أحدا من أهل الفرق بما ذهب إليه واعتقده خصوصا مع قيام الشبهة " [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 69] أهـ

وقال رحمه الله : "  قال القرطبي ..فالسلف لم يفسروا مثال هذا ولم يشتغلوا بتأويله مع إعتقادهم أن الله تعالى غير متبعض ولا ذي حاجة.... واعلم أن هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله أو تؤول بما يليق بجلاله سبحانه ولا ترد بمجرد العناد والمكابرة " [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 118] أهـ

وقال رحمه الله : " ومن المتشابه الإستواء في قوله تعالى     الرحمن على العرش استوى     وقوله     ثم استوى على العرش     الأعراف 54 وهو مذكور في سبع آيات من القرآن      فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى والإيمان به  ..ويروى عن الشعبي أنه سئل عن الإستواء فقال : هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه وعن الشافعي أنه قال لما سئل عن الإستواء آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض غاية الإمساك   وعن أحمد بن حنبل أنه قال استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر ،  وكلام السلف مستفيض بمثل هذا " [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 120/121] أ هـ

وقال رحمه الله : " قال الطيبي : هذا المذهب [ أي تفويض العلم ]هو المعتمد عليه وبه يقول السلف الصالح ومن ذهب إلى التأويل شرط فيه أن يكون مما يؤدي إلى تعظيم الله تعالى وجلاله وتنزيهه وكبريائه وما لا تعظيم فيه فلا يجوز الخوض فيه فكيف بما يؤدي إلى التجسيم والتشبيه انتهى   وهو كلام في غاية التحقيق إلا أن ترك التأويل مطلقا وتفويض العلم إلى الله أسلم )) [أقاويل الثقات ج 1 ص 158ـ162] أهـ

وقال رحمه الله : _ عند تعرضه لحديث ( حتى يضع الجبار فيها قدمه ) _ "  قال الترمذي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة في مثل هذا والمذهب في هذا عن أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع وغيرهم أنهم قالوا نروي هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن يرووا هذه الأشياء كيف جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا يتوهم ولا يقال كيف قال وهذا أمر أهل العلم الذي أختاروه وذهبوا إليه ،    وقال الخطابي كان أبو عبيد القاسم بن سلام وهو أحد أنهياء أهل العلم يقول نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني  قال الخطابي ونحن أحرى أن لا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر منا علما وأقدم زمانا وسنا ولكن الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين منكر لما يروى من هذه الأحاديث ومكذب به أصلا وفي ذلك تكذيب العلماء الذين رووا هذه الأحاديث وهم أئمة الدين وثقة السنن والواسطة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم   ، والطائفة الأخرى مسلمة للرواة فيها ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهبا يكاد يفضي إلى القول بالتشبيه ونحن نرغب عن الأمرين معا ولا نرضى بواحد منهما فيحق علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث إذا صحت من طريق النقل والسند تأويلا " [أقاويل الثقات ج: 1 ص : 177- 178] أهـ 

وقال رحمه الله : " ومن المتشابه المجيء في قوله تعالى     وجاء ربك والملك صفا صفا     الفجر 22 وقوله     هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله     البقرة 210  فمذهب السلف في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى كما مرت الإشارة إليه أول الكتاب " [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 197] أهـ

وقال رحمه الله : " قال مسلمة بن القاسم في كتاب غرائب الأصول حديث تجلي الله يوم القيامة ومجيئه في الظلل محمول على أنه تعالى يغير أبصار خلقه حتى يروه كذلك وهو على عرشه غير متغير عن عظمته ولا متنقل عن ملكه كذلك جاء معناه عن عبد العزيز الماجشون قال فكل حديث جاء في التنقل والرؤية في المحشر فمعناه أنه تعالى يغير أبصار خلقه فيرونه نازلا ومتجليا ويناجي خلقه ويخاطبهم وهو غير متغير عن عظمته ولا متنقل عن ملكه انتهى      وهو تأويل حسن يطرد في كثير من المواضع    ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه والمبتدعة تزعم أنها على مذهب السلف " [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 198] أهـ

وقال عبدالباقي بن إبراهيم الحنبلي ( ت 1071 هـ ) في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر

" وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه ولم يخبر كيف استوى ومن اعتقد أن الله مفتقر للعرش أو لغيره من المخلوقات أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوقات على كرسيه فهو ضال مبتدع فكان الله ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ، ومنها نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف ، بل يثبت الحنابلة ما أثبته رسول الله ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى الله تعالى      

وكذلك ما أنزل الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى  وجاء ربك والملك     الآية وفي قوله    ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام    الآية   ونؤمن بذلك بلا كيف فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل فانتهينا إلى ما أحكمه وكففنا عن الذي يتشابه ،  قال ابن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه ، وقال بعض السلف قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التسليم  ، فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله نقله عنه الإمام أبو الحسن اللبوذي الحنبلي في كتابه اللمع في السنن والبدع وقال بعد وعلى هذا درج أئمة السلف وسيأتي في التتمة الخامسة ذكر كلام الشيخ الأشعري وأنه موافق للإمام أحمد في الاعتقاد وأنه يجري المتشابهات على ما قاله الله من غير تصرف ولا تأويل كما هو مذهب السلف وعليه فلا خلاف ولا نزاع والحمد لله " [العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص:62- 63] أهـ  

وقال ابن عبد البر في التمهيد : "  أخبرنا أبو القاسم خلف بن القاسم قال حدثنا عبدالله بن جعفر بن الورد قال حدثنا أحمد بن إسحاق قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن إبراهيم عن أحمد بن نصر أنه سأل سفيان بن عيينة قال حديث عبدالله إن الله عز وجل يجعل السماء على أصبع وحديث إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن وإن الله يعجب أو يضحك ممن يذكره في الأسواق وأنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ونحو هذه الأحاديث فقال : هذه الأحاديث نرويها ونقر بها كما جاءت بلا كيف قال أبو داود وحدثنا الحسن بن محمد قال سمعت الهيثم بن خارجة قال حدثني الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي وسفيان الثوري وملك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف وذكر عباس الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول شهدت زكريا بن عدي سأل وكيع بن الجراح فقال يا أبا سفيان هذه الأحاديث يعني مثل الكرسي موضع القدمين ونحو هذا فقال أدركت إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرا يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئا قال عباس بن محمد الدوري وسمعت أبا عبيد القاسم بن سلام وذكر له عن رجل من أهل السنة أنه كان يقول هذه الأحاديث التي تروى في الرؤية والكرسي موضع القدمين وضحك ربنا من قنوط عباده وأن جهنم لتمتلىء وأشباه هذه الأحاديث وقالوا أن فلانا يقول يقع في قلوبنا أن هذه الأحاديث حق فقال ضعفتم عندي أمره هذه الأحاديث حق لا شك فيها رواها الثقات بعضهم عن بعض إلا أنا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نفسرها ولم نذكر أحدا يفسرها ، وقد كان مالك ينكر على من حدث بمثل هذه الأحاديث ذكره أصبغ ونصف عن ابن القاسم قال سألت ملكا عمن يحدث الحديث إن الله خلق آدم على وصورته والحديث إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة وأنه يدخل في النار يده حتى يخرج من أراد فأنكر ذلك إنكارا شديدا ونهى أن يحدث به أحدا وإنما كره ذلك مالك خشية الخوض في التشبيه بكيف هاهنا ..وقال يحيى بن إبرهيم بن مزين إنما كره مالك أن يتحدث بتلك الأحاديث لأن فيها حدا وصفة وتشبيها والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما قال الله عز وجل ..ولا يعدوه ولا يفسره ولا يقل كيف فإن في ذلك الهلاك لأن الله كلف عبيده الإيمان بالتنزيل ولم يكلفهم الخوض في التأويل الذي لا يعلمه غيره )) [التمهيد لابن عبد البر ج 7 ص 149ـ152] أهـ

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : " قال ابن القاسم سألت مالكا عمن حدث بالحديث الذين قالوا إن الله خلق آدم على صورته والحديث الذي جاء إن الله يكشف عن ساقه وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد فأنكر مالك ذلك انكارا شديدا ونهى أن يحدث بها أحد فقيل له إن ناسا من أهل العلم يتحدثون به فقال من هو قيل ابن عجلان عن أبي الزناد قال لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الاشياء ولم يكن عالما وذكر أبا الزناد فقال لم يزل عاملا لهؤلاء حتى مات رواها مقدام الرعيني عن ابن أبي الغمر والحارث بن مسكين قالا حدثنا ابن القاسم     قلت أنكر الإمام ذلك لأنه لم يثبت عنده ولا اتصل به فهو معذور كما أن صاحبي الصحيحين معذوران في إخراج ذلك أعني الحديث الأول والثاني لثبوت سندهما وأما الحديث الثالث فلا أعرفه بهذا اللفظ فقولنا في ذلك وبابه الإقرار والإمرار وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم      وقال ابن عدي حدثنا محمد بن هارون بن حسان حدثنا صالح بن ايوب حدثنا حبيب بن أبي حبيب حدثني مالك قال يتنزل ربنا تبارك وتعالى أمره فأما هو فدائم لا يزول قال صالح فذكرت ذلك ليحيى بن بكير فقال حسن والله ولم أسمعه من مالك      قلت لا أعرف صالحا وحبيب مشهور والمحفوظ عن مالك رحمه الله رواية الوليد بن مسلم أنه سأله عن أحاديث الصفات فقال أمرها كما جاءت بلا تفسير فيكون للإمام في ذلك قولان إن صحت رواية حبيب "[ سير أعلام النبلاء ج 8 ص 103-105] أهـ

وقال رحمه الله :  "  قال أبو المعالي في كتاب الرسالة النظامية: اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة وامتنع على أهل الحق فحواها فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في القرآن وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها   وتفويض  معانيها إلى الرب تعالى والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقدا اتباع سلف الأمة فالأولى الاتباع والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أومحتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة فإذا تصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب فليجر آية الاستواء والمجيء وقوله (لما خلقت بيدي )  ( ويبقى وجه ربك ) ( تجري بأعيننا ) وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه )) [سير أعلام النبلاء ج 18 ص 473] أهـ

وقال رحمه الله : "   أخبرنا أبو محمد بن علوان أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم أخبرنا عبد المغيث بن زهير حدثنا أحمد بن عبيد الله حدثنا محمد بن علي العشاري أخبرنا أبو الحسن الدارقطني أخبرنا محمد بن مخلد أخبرنا العباس الدوري سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام وذكر الباب الذي يروي فيه الروية والكرسي موضع القدمين وضحك ربنا وأين كان ربنا فقال هذه أحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض وهي عندنا حق لا نشك فيها ولكن إذا قيل كيف يضحك وكيف وضع قدمه قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره " [سير أعلام النبلاء ج 10 ص 505ـ 506] أهـ

وقال الإمام ابن العربي في كتابه أحكام القرآن : " قوله تعالى : { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ..ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ابن مسعود وغيره قال بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث وهو متكئ على عسيب إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح . فقال : ما رابكم إليه ؟ لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه . قالوا : سلوه , فسألوه عن  الروح , فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا فعلمت أنه يوحى إليه , فقمت مقامي , فلما نزل الوحي قال : يسألونك عن " الروح " الآية . قال ابن وهب عن مالك : لم يأته في ذلك جواب , وقد قال بكر بن مضر في رواية ابن وهب عنه : إن اليهود قالوا : سلوه عن الروح , فإن أخبركم فليس بنبي , وإن لم يخبركم فهو نبي , فسألوه فنزلت الآية . ومعنى هذا أن الأنبياء لا يتكلمون مع الخلق في المتشابهات " [أحكام القرآن لابن العربي ج 3] أهـ

وقال الحافظ في الفتح : "  وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحددون ولا يشبهون ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف قال أبو داود وهو قولنا قال البيهقي وعلى هذا مضى أكابرنا وأسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق الى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير فمن فسر شيئا منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي  صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفارق الجماعة لأنه وصف الرب بصفة لا شيء" [ فتح الباري ج 13 ص 407] أهـ

وقال النووي في المجموع : " عن أبي هريرة رضي الله عنه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة حين يبقى من ثلث الليل الآخر يقول من يدعو فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» رواه البخاري ومسلم وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران أحدهما تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين والثاني الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد   تنزيه الله   بحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى ليس كمثله شيء وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم" [ المجموع ج 4 ص51] أهـ

وقال الإمام القرطبي : _في تفسير قوله تعالى ( فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) : " قال شيخنا أبو العباس رحمه الله تعالى متبعو المتشابه لا يخلوا أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة  الطاعنون في القرآن أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال فهذه أربعة أقسام      الأول لا شك في كفرهم وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة الثاني الصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عبادة الأصنام والصور ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد الثالث اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها وقد عرف بأن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها فيقولون أمروها كما جاءت وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل عنها الرابع الحكم فيه التأديب البليغ كما فعله عمر رضي الله عنه بصبيغ )) [الجامع لاحكام القران 4/14,13] أهـ

وقال النفراوي المالكي في الفواكه الدواني : " طريق السلف كابن شهاب ومالك الإمام ومن وافقهما من السلف الصالح تمنع تأويلها عن التفصيل والتعيين وقال أهلها نقطع بأن له تعالى استواء ويدا وغير ذلك مما ورد به الشرع لا يعلم معناه على التفصيل إلا الله )) [الفواكه الدواني ج 1 ص 51] أهـ

وقال رحمه الله : " المتشابه كاليد والوجه فتكون والأصابع ونحو ذلك مما ظاهره مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء فقد اتفق السلف والخلف على وجوب اعتقاد حقيقة وروده على وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل " [الفواكه الدواني ج 1 ص 51] أهـ

وقال صاحب روح البيان في تفسيره : " (هل ينظرون إلا ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) : أي عذابه على حذف المضاف لأن الله تعالى منزه عن المجيء والذهاب المستلزمين للحركة والسكون لأن كل ذلك محدث ، فيكون كل ما يصح عليه المجيء والذهاب محدثا مخلوقا له ، والاله القديم يستحيل أن يكون كذلك ، سئل على رضى الله عنه : أين كان تعالى قبل خلق السموات والأرض ؟ قال : أين سؤال عن المكان ، وكان الله تعالى ولا مكان وهو اليوم على ما كان ، ومذهب المتقدمين في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الانسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى لأنه لا يؤمن في تعيين مراد الله تعالى من الخطأ فالأولى السكوت " [روح البيان ج1ص325] أهـ

وقال الألوسي عند تفسيره لقوله تعالى (يد الله فوق أيديهم )  : " والسلف يمرون الآية كما جاءت مع   تنزيه الله   عز وجل عن الجوارح وصفات الأجسام وكذلك يفعلون في جميع المتشابهات ويقولون  إن معرفة حقيقة ذلك فرع معرفة حقيقة الذات وأني ذلك وهيهات هيهات " [روح المعاني ج 26 ص97] أهـ

وقال ابن حجر في الفتح : " قوله لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه أو كذبا فتصدقوه فتقعوا في الحرج ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفافه نبه على ذلك الشافعي رحمه الله ويؤخذ من هذا الحديث التوقف عن الخوض  في المشكلات والجزم فيها بما يقع في الظن وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف من ذلك" [فتح الباري ج 8 ص 170] أهـ

وجاء في كفاية الطالب : " و مما يجب اعتقاده والإيمان به أن الله تعالى على العرش استوى لا يرد على هذا اللفظ ما ورد على قوله قبل فوق عرشه لأن القرآن أتى به وهو من المتشابه فمن العلماء كابن شهاب و مالك من منعوا تأويله وقالوا نؤمن به ولا نتعرض لمعناه " [كفاية الطالب ج: 1 ص: 76] أهـ

وقال السيوطي في الديباج : " (خلق آدم على صورته) هذا من التي يؤمن بها ويمسك عن الخوض فيها أو تؤول بحسب ما يليق بتنزيه الله تعالى وأحسن ما قيل في تأويله إن الإضافة للتشريف كناقة الله وبيت الله أي الصورة التي اختارها لآدم وقيل الضمير للأخ المقاتل المراغي بفتح الميم وإعجام الغين منسوب إلى المراغة بطن من الأزد " [الديباج ج 5 ص 539] أهـ

وقال القرطبي في المفهم :_ عند شرحه لحديث ( يضع فيها قدمه ) : " وقد تأول علماؤنا هذا الحديث تأويلات وأشبه ما فيها تأويلان : أحدهما : أنه كناية عن النار ، ثانيهما : أن القدم والرجل عبارة عمن تأخر دخوله في النار من أهلها وهم جماعات كثيرة فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم كما عبرت العرب عن جماعة الجراد بالجل فتقول جاء رجل من جراد والله بمراد رسوله أعلم والتسليم في المشكلات أسلم )) [المفهم ج7ص194] أهـ

وجاء في إيضاح الدليل لإبن جماعة : " ومن انتحل قول السلف وقال بتشبيه أو تكييف أو حمل اللفظ على ظاهره مما يتعالى الله عنه من صفات المحدثين فهو كاذب في انتحاله بريء من قول السلف واعتداله )) [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج1 ص 93] أهـ

وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع شرح المهذب بعد أن ذكر السلف والخلف : " وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم إذ لا يطالب الإنسان بالخوض في ذلك فإذا اعتقد التنزيه فلا حاجة إلى الخوض في ذلك والمخاطرة فيما لا ضرورة بل لا حاجة له إليه فإذا دعت الحاجة إلى التأويل لرد مبتدع ونحوه تأولوا حينئذ وعلى هذا يحمل ما جاء عن العلماء في هذا " [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج 1 ص 58] أهـ

وقال ابن كثير في تفسيره : " وقوله "الرحمن على العرش استوى" تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضا وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل. " [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج 1 ص 58] أهـ

وقال الألوسي في تفسيره : "  استوى بمعنى علا ولا يراد بذلك العلو بالمسافة والتحيز والكون في المكان متمكنا فيه ولكن يراد معنى يصح نسبته اليه سبحانه وهو على هذا من صفات الذات وكلمة ثم تعلقت بالمستوى عليه لا بالاستواء أو أنها للتفاوت في الرتبة وهو قول متين  وأنت تعلم أن المشهور من مذهب السلف في مثل ذلك تفويض المراد منه الى الله تعالى فهم يقولون  استوى على العرش على الوجه الذي عناه سبحانه منزها عن الاستقرار والتمكن )) [روح المعاني ج8 ص136] أهـ ، وقال رحمه الله : " وبالجملة يجب   تنزيه الله   تعالى عن مشابهة المخلوقين وتفويض علم ما جاء من المتشابهات اليه عز شأنه والايمان بها على الوجه الذي جاءت عليه )) [روح المعاني ج 7 ص 116] أهـ

وقال العلامة أحمد بن جهبل : " وها نحن تذكر عقيدة أهل السنة فنقول   عقيدتنا أن الله قديم أزلي لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه وقت ولا زمان ولا يقال له أين ولا حيث يرى لا عن مقابلة ولا على مقابلة كان ولا مكان كون المكان ودبر الزمان وهو الآن على ما عليه كان   هذا مذهب أهل السنة .. ثم إن قولنا إن آيات الصفات وأخبارها على من يسمعها وظائف التقديس والإيمان بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله على مراد الله تعالى ومراد رسوله والتصديق والاعتراف بالعجز والسكوت والإمساك عن التصرف في الألفاظ الواردة وكف الباطن عن التفكر في ذلك واعتقاد أن ما خفي عليه منها لم يخف عن الله ولا عن رسوله )) [طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 43] أهـ

وجاء في تفسير التحرير والتنوير : " ولفظ التنـزيل ( وجاء ربك ) [ الفجر : 22 ] قال أحمد : أمره ، وقد بينه في قوله تعالى ( أو يأتي أمر ربك ) [ النحل : 33 ] رواه ابن حزم وأبو يعلي وابن الجوزي . قال الخلال في السنة بسنده إلى حنبل عن عمه الإمام أحمد أنه سئل عن أحاديث النـزول والرؤية ووضع القدم ونحوها فقال : ( نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى )) [تفسير التحرير والتنوير: 27/253] أهـ

وجاء في فتح الباري : " قال البيهقي صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول وعروج الملائكة هو الى منازلهم في السماء وأما ما وقع من التعبير في ذلك بقوله الى الله فهو على ما تقدم عن السلف في التفويض وعن الأئمة بعدهم في التأويل وقال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر وقد تقرر ان الله ليس بجسم فلا يحتاج الى مكان يستقر فيه فقد كان ولا مكان وانما أضاف المعارج اليه إضافة تشريف ومعنى الارتفاع اليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان" [فتح الباري ج: 13 ص: 416] أهـ

وجاء في الفواكه الدواني : " فالسلف يفوضون علم ذلك لله تعالى والخلف تؤوله تأويلا تفصيليا بحمل كل لفظ على شيء معين خاص كما قدمنا قال العلامة ابن أبي شريف ومذهب السلف أسلم فهو أولى بالاتباع كما قال بعض المحققين ويكفيك في الدلالة على أنه أولى بالاتباع ذهاب الأئمة الأربعة )) [الفواكه الدواني ج: 1 ص: 51] أهـ

وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم : "  فان الله خلق آدم على صورته فهو من احاديث الصفات وقد سبق في كتاب الايمان بيان حكمها واضحا ومبسوطا وأن من العلماء من يمسك عن تأويلها ويقول نؤمن بانها حق وأن ظاهرها غير مراد ولها معنى يليق بها وهذا مذهب جمهور السلف وهو أحوط وأسلم والثاني انها تتأول على حسب ما يليق بتنزيه الله تعالى وإنه ليس كمثله شئ " [شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 166] أهـ

وجاء في مرقاة المفاتيح : _ عند تعرضه لحديث (يكشف عن ساق ) : " قال التوربشتي : مذهب أهل السلامة من السلف التورع من التعرض للقول في مثل هذا الحديث وهو الأمثل والأحوط . وقد تأوّله جمع من العلماء " [مرقاة المفاتيح ج5ص611باب الحشر] أهـ

وقال ابن الجوزي في زاد المسير :  " قوله تعالى إلا أن يأتيهم الله كان جماعة من السلف   يمسكون عن  الكلام في مثل هذا وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال المراد به قدرته وأمره قال وقد بينه في قوله تعالى أو يأتي أمر ربك وقوله تعالى في ظلل من الغمام أي بظلل والظلل جمع ظلة و الغمام السحاب الذي لا ماء فيه " [زاد المسير ج: 1 ص: 225] أهـ

وقال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم : _ عند تعرضه لحديث الرؤية _ " اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين : ( أحدهما )  : وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناه بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعقتد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى    ليس كمثله شيء    وأنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر  صفات المخلوق وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم "[ شرح النووى عل صحيح مسلم ج 3/19-20)] أهـ

وقال الشيخ علاء الدين بن عابدين : " فإن السلف كانوا يؤمنون بجميع ذلك على المعنى الذي اراده الله تعالى وأراده رسوله غير أن تطالبهم أنفسهم بفهم حقيقة شيء من ذلك حتى يطلعهم الله تعالى عليه ، وأما الخلف فلما ظهرت البدع والضلالات ارتكبوا تأويل ذلك وصرفه عن ظاهره مخافة الكفر فاختاروا التأويل يعني التوسع فيه على كفر الحمل على الظاهر الموهم للتجسيم والتشبيه وقالوا استوى بمعنى استولى أو بمعنى استوى عنده خلق العرش وخلق البعوضة أو استوى علمه بما في العرش وغيره  واليد بمعنى القدرة والنزول بمعنى نزول الرحمة  فمن يجد من نفسه قدرة على صنيع السلف فليمش على سننهم وإلا فليتبع الخلف وليحترز من المهالك"  [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 57] أهـ

قلت : وللدكتور عبد الحليم محمود مقالة طيبة في هذا الباب : قال رحمه الله في كتابه التفكير الفلسفي في الاسلام : " لأننا الان بصدد تحديد مذهب السلف فيما يتعلق بصفات الباري تعالى وسنعتمد إن شاء الله تعالى في هذا التحديد بوجه أخص على الشهرستاني في الملل والنحل وعلى الامام الغزالي في الاحياء وفي إلجام العوام وعلى الإمام الرازي في أساس التقديس ، وأظن أن خطورة الموضوع تعطينا كل عزم في الاستفاضة والاسترسال 0 ونعود فنتسائل عن موقف السلف من الصورة واليد والنزول والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه ؟

1-إن أول موقف يقفه السلفي من هذه الاخبار : إنما هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها 0 فإذا سمع كلمة الصور : مثلا في قوله ،صلى الله عليه وسلم ( إني رأيت ربى في أحسن صوره ) فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلف ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفه ، مرتبه ترتيبا مخصوصا ، مثل الأنف ، والعين ، والفم ، والخد 0 التي هي أجسام ، وهى لحوم العظام ، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئه في جسم ، كما تقول : صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا ، ولقد صورت للمسألة صوره في غاية الحسن ، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذى هو جسم وهيئه 0 وإن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاتها : وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن ، فإن خطر له أنه ، عليه الصلاة والسلام ، إن لم يرد هذا المعنى الجسم فأى معنى أراد ؟ فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به ، بل أمر بأن لا يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته ، لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلال الله وعظمته ما ليس بجسم ولا عرض في جسم ،  وعلى هذا النمط يكون موقفه في بقية ما ورد : كالفوقية 0 والنزول واليد ، القدم 0 يجب أن ينفي فىى كل ذلك المعنى المادي 0 وأن يحدد معنى يخترعه هو 0

2- ويجب عليه الايمان والتصديق : وهو أن يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته وأن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم صادق في وصف الله تعالى به ، فليؤمن بذلك وليوقن بأن ما قاله صدق ، وما أخبر عنه حق لا ريب فيه ويقول آمنا وصدقنا وأن ما وصف الله ، تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذى أراده ، وعلى الوجه الذى قاله ، وإن كان لا يقف على حقيقته

3- ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز فإن التصديق واجب وهو عن إدراك المعنى عاجز فإن ادعى المعرفة فقد كذب 0 وأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة الى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة الى خواص الخلق

4- وبالسؤال عن هذه الامور0 يتعرض الإنسان لما لا يطيقه وقد ضرب عمر بالدرة من سأله عن المتشابهات ويرى الامام "الغزالي" أنه يحرم على الواعظ على رؤوس المنابر الجواب عن أسئلة المتشابهات 0 وإنما يجب عليهم المبالغة في التقديس 0ونفي التشبيه 0

5- ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه سواء كان بالعربية أو بالفارسية وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إبهاما للباطل من البعض ، فتفسيرها وترجمتها إذن ممنوعان 0 ولا يجوز النطق إل بالفظ الوارد :" للأن من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسيه تطابقها ، ومنها ما يوجد لها فارسيه ، ولكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التى جرت عادة العرب باستعارتها منها 0 ومنها ما يكون مشتركا في العربية ولا يكون في العجمية كذلك "والأمثلة كثيره: فمثلا لفظ ((الاستواء)) فإنه ليس له في الفارسية – كما يقول الإمام "الغزالى" – لفظ مطابق يؤدى بين الفرس من المعنى ما يؤديه لفظ الاستواء بين العرب ، بحيث لا يشتمل على مزيد إيهام : إذ فارسيته أن يقال "راست بإستاد " وهذان لفظان 0( الاول ) ينبئ عن انتصاب واستقامة فيما يتصور أن ينحى ويعوج  ، و ( الثاني ) ينبئ عن سكون وثبات فيما يتصور أن يتحرك ويضطرب وإشعاره بهذه المعانى وإشارته إليها في العجمية : أظهر من إشعار لفظ الاستواء وإشارته إليها في العربية 0 فإذا تفاوتا في الدلالة ، والاشعار : لم يكن هذا مثل الأول ، وإنما يجوز تبديل اللفظ بمثله ، المرادف له الذى لا يخالفه ولو بأدنى شيء 0

6- ويجب الاحتراز عن التصرف : فلا تقول في قوله تعالى :(استوى ) أنه مستو فاسم الفاعل يدل على كون المشتق ممكنا ومستقرا ، أما لفظ الفعل فدلالته على هذا المعنى ضعيفة 0

7- ولا يجوز الجمع بين هذه الألفاظ المتشابهة في مكان واحد لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة ، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها : أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وكما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها ، والله سبحانه وتعالى : لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل ، فذكر العبودية : عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى " وهو القاهر فوق عباده يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية 0

8- ولا يقاس على هذه الألفاظ فإذا ورد لفظ اليد فلا يجوز إثبات الساعد أو العضد أو الكف مصيرا الى أن هذا من لوازم اليد كل ذلك محال وكذلك زيادة قد يتجاسر عليها بعض الحمقى 0

9- وكما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور وهذا ثقيل على النفس ولكن من المكن أن يشغل الانسان نفسه عنه بمختلف أنواع العبادة أو بهواية من الهوايات العلمية أو العملية ، ويرى الامام الغزالي أن الاشتغال بلعب أو لهو خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره العظيم خطره بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له ن أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى فإن ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، وأخيرا فإن حاصل هذا المذهب – كما يقول الرازي –هو : أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها " [التفكير الفلسفى فى الاسلام صــ134 الى 144] أهـ

***

لماذا كان التفويض هو مذهب السلف الصحيح ، وما هي محاذير مذهب اثبات المتشابهات : هناك نصوص توهم الجارحة كالعين واليد ، ونصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، ونصوص توهم النقص والحد ، ومذهب السلف فيها أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، قال الإمام التـرمذي رحمه الله - مبيناً مذهب السلف الصالح في المتشابهات - : ( والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه) اهـ [سنن الترمذي 4 / 492 ] ، وروى الخلال بسند صحيح عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال في مثل هذه النصوص: (نؤمن بها ونصدق ولا كيف ولا معنى) اهـ ، وروى الإمـام الحـافظ البيهقي بسنده عن الإمام الأوزاعي قال: (كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه) اهـ. [ الاعتقاد ص / 93] ، وقال النووي : (اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون تتأول على ما يليق بها، وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون: لا تتأول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحوادث عنه، فيقال مثلاً: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به، مع أنا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث، وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم) اهـ. [ المجموع 1 / 25 ] ، وقال السيوطي : (من المتشابه آيات الصفات... وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له - تعالى - عن حقيقتها) اهـ.[ الإتقان في علوم القرآن 2 / 10 ] ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، ومثال على هذا قوله تعالى( بل يداه مبسوطتان ) يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود المطلق والعطاء الذي لا ينقطع اللائق بصفة الرب تعالى، أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية ، فيدل ظاهره على إثبات الجارحة والجزء - حاش لله تعالى من ذلك - والله تعالى منزه عن الجارحة والجزء لأمور كثيرة يجمعها علم التقديس ، منها أنه سبحانه ( الأحد ) وصفة الأحدية تمنع من التركيب ، ومنع التركيب يمنع وجود الأجزاء ، كما أنه سبحانه ( الغني ) وكمال الغنى يمنع من الاحتياج للجوارح في تصريف الأمور ، ومنها نفي المثلية في قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وجميع الخلق تتكون أجسامهم من أجزاء والله تعالى ليس كمثله ، ولهذه الأسباب وغيرها - مما حواه علم التقديس -  توقف السلف عن الخوض في المتشابه ، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من الآيات ، هذا هو اللائق بمقامات السلف في العلم ، إذ لا يعقل أنهم كانوا يسمعون مثلاً قول الله تعالـى ( يد الله فوق أيديهم )  أو ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء )  أو ( الرحمن على العرش استوى )  أو ( ثم استوى إلى السماء ) أو ( يوم يكشف عن ساق )، أو قول رسول الله ‘ (يضحك ربنا) أو (ينزل ربنا) أو (يعجب ربنا) الخ، ثم لا يفهمون من كل ذلك أي معنى، كما هو الحال مع الحروف التي في فواتح السور، كلا، فإن هذه الألفاظ لها في لغة العرب معانٍ مجازيةٌ معروفةٌ ومشهورةٌ لا شك أن السلف فهموها إجمالاً، ولكنهم لفرط تقواهم وخشيتهم لله تعالى وتهيبهم لذلك المقام الأقدس أحجموا عن التعيين والتصريح، واكتفوا بهذا الفهم الإجمالي لها ، ومما سبق يتبين أنّ المذهب الأول والأساس للسلف في المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث هو تفويض المعنى إلى الله تعالى مع التقديس والتنزيه ونفي المثل والكفء والشبيه ، وكما ذكرنا فإنّه ليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ،

المذهب الثاني للسلف في المتشابهات التأويل

[ ما يدل على جواز التأويل المقبول أنه ورد عن السلف الكرام ] : التأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته اثنان من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا ، قال الإمام الزركشي : " وقد اختلف الناس في الوارد منها - يعني المتشابهات - في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق : أحدها: أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها، ولا نؤول شيئاً منها، وهم المشبهة ، الثانية: أن لها تأويلاً ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه، والتعطيل، ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف ، والثالثة: أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به ، والأول باطل - يعني مذهب المشبهة - والأخيران منقولان عن الصحابة" اهـ. [البرهان في علوم القرآن 2 / 207] ، وقال الإمام النووي في سياق شرحه لحديث من أحاديث الصفات : " هذا حديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران للعلماء... أحدهما وهو مذهب السلف... والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها) اهـ. [ شرح مسلم للنووي : 6 /  36 ] ، وقال العلامة الشوكاني : " الفصل الثاني: فيما يدخله التأويل، وهو قسمان، أحدهما، أغلب الفروع، ولا خلاف في ذلك. والثاني، الأصول كالعقائد وأصول الديانات وصفات الباري عز وجل، وقد اختلفوا في هذا القسم على ثلاثة مذاهب: الأول: أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها ولا يؤوَّل شيء منها، وهذا قول المشبهة ، والثاني: أن لها تأويلاً ولكنا نمسك عنه، مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل لقوله تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله )، قال ابن برهان وهذا قول السلف... ، والمذهب الثالث: أنها مؤولة. قال ابن برهان، والأول من هذه المذاهب باطل، والآخران منقـولان عن الصحابة، ونقل هذا المذهب الثالث عن علي وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة) اهـ. [ إرشاد الفحول 176] ، وهذه أقوال صريحة للعلماء  بإثبات جواز التأويل عند السلف الصالح ، وتصديق هذا ما سبق نقله عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وعن عدد من التابعين وتابعيهم عن تأويل بعض النصوص المتشابهات ما يدعم المعنى العام الذي سيقت له الآيات ،

ومن ذلك تأويل حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري (3 / 7) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2 / 322 ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17 / 52 ] ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري (18/135) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد [ الطبري 29 / 38، القرطبي 18 / 249] ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ، ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. [ تفسير الطبري (24 / 19) ] ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر.[ تفسير الطبري (29 / 38 – 39) ] ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله [  (الطبري 1 / 402 ] ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو [ دفع شبه التشبيه ص / 113] وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه [ تفسير البغوي 4 / 454 ] ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله. [ روح المعاني تفسير الآية 56 من سورة الزمر ] ، ومن تأويلات تابعي التابعين ، تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى ( ثم استوي إلى السماء ) بالقصد إليها [ مرقاة المفاتيح 2 / 137 ] ، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  (ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 105 ، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص/136، شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 37، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص / 82] ، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [البداية والنهاية لابن كثير 10 / 361  ] ، ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى ( أو يأتى أمر ربك ) ومثل هذا في القرآن ( وجاء ربك )  قال: إنما هو قدرته. [ دفع شبه التشبيه ص/ 141 ] ، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر سـورة القصص، فتح البـاري 8 / 364] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة [ تفسير الطبري (16 / 123) ] ، وتأول ( الاستواء ) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته....علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) [ تفسير الطبري : (1 / 192) ] ، ( قلت ) ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ،

[ مسوغات التأويل وضوابطه ]  :  ما يدل على جواز التأويل المقبول أنه ورد عن السلف الكرام ، وقد سبق ونقلنا قول الإمام الزركشي : " وقد اختلف الناس في الوارد منها - يعني المتشابهات - في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق:أحدها: أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها، ولا نؤول شيئاً منها، وهم المشبهة ، الثانية: أن لها تأويلاً ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه، والتعطيل، ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف ، والثالثة: أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به ، والأول باطل - يعني مذهب المشبهة - والأخيران منقولان عن الصحابة" اهـ. [البرهان في علوم القرآن 2 / 207] ، وقول الإمام النووي في سياق شرحه لحديث من أحاديث الصفات : " هذا حديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران للعلماء... أحدهما وهو مذهب السلف... والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها) اهـ. [ شرح مسلم للنووي : 6 /  36 ] ، وقول العلامة الشوكاني : " الفصل الثاني: فيما يدخله التأويل، وهو قسمان، أحدهما، أغلب الفروع، ولا خلاف في ذلك. والثاني، الأصول كالعقائد وأصول الديانات وصفات الباري عز وجل، وقد اختلفوا في هذا القسم على ثلاثة مذاهب: الأول: أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها ولا يؤوَّل شيء منها، وهذا قول المشبهة ، والثاني: أن لها تأويلاً ولكنا نمسك عنه، مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل لقوله تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله )، قال ابن برهان وهذا قول السلف... ، والمذهب الثالث: أنها مؤولة. قال ابن برهان، والأول من هذه المذاهب باطل، والآخران منقـولان عن الصحابة، ونقل هذا المذهب الثالث عن علي وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة) اهـ. [ إرشاد الفحول 176] ، وهذه أقوال صريحة للعلماء  بإثبات جواز التأويل عند السلف الصالح ، وتصديق هذا ما سبق نقله عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وعن عدد من التابعين وتابعيهم عن تأويل بعض النصوص المتشابهات ما يدعم المعنى العام الذي سيقت له الآيات

[ التمسك بظواهر جميع النصوص متعذر ] : إنّ الدعوة إلى التمسك بظاهر النصوص متعذر ، ولا يمكن الثبات على التمسك بجميع الظواهر، ولا بد أن يستسيغ التأويل في بعض المواضع ، كما أننا مجبرون على التأويل في مواضع عديدة وإلا أصبحنا في تهافتٍ وتناقضٍ واضطرابٍ عجيب ، فقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص : 88 ]  ، وظاهر الآية هلاك الذات إلا الوجه ، ولا مناص من تأويل الوجه بالذات لأنّه يستحيل أن يهلك الذات إلا الوجه ، وقوله عز وجل: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [الطور : 48 ]   ، والمعنى بمرأى منا ولا تغيب عنا وليس المراد أنك بداخل أعيننا ، ولكن ظاهر الآية يدل على وجود النبي داخل العيون ،  وقوله تعالى : { فإني قريب }[ البقرة : 186 ]  ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ،  وظاهر  الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته ، والمراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، و قوله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } [الحديد  : 4 ] ، وقوله تعالى : { لا تحزن إن الله معنا } [ التوبة : 40 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى معنا بذاته ، والمراد معيته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وقوله تعالى : { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } [ البروج : 20 ] ، وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى محيط بذاته بكل شيء ، والمراد احاطته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] ، وقوله تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان : 59 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى على العرش بذاته ، وليس تأويل آيات القرب والمعية والإحاطة بأولى من تأويل الاستواء ،  لا سيما وآيات القرب والمعية والإحاطة أكثر عددا ، والمراد استواؤه بالقدرة والربوبية والهيمنة ، إذ التمدح لا يكون بالجلوس ، وإنما بالهيمنة والقدرة ،  وقوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } [ المائدة : 64 ] ،  قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } يدل ظاهرها على البسط وعدم القبض وهذه حالة المتشنج ، والمعنى الذي أراده اليهود بعيد عن ذلك ، أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل فأخبر أن يديه مبسوطتان كما قال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا } [ الإسراء : 29 ] ،  فبسط اليدين المراد به الجواد والعطاء، ليس المراد ما توهموه من بسط مجرد ولما كان العطاء باليد يكون ببسطها صار من المعروف في اللغة التعبير ببسط اليد عن العطاء ، وقوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } [ الفتح : 10 ] ، وظاهر الآية وجود اليد فوق الأيادي بمحاذاتها ، والمراد الكناية عن الرضا عن البيعة وقبولها ، وقوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } [ التوبة : 67 ] ، وظاهر الآية جواز النسيان على الله ، ولكن هذا الظاهر ليس هو المراد ، وإنما المعنى المراد هو تركهم في النار ،  وقوله تعالى :  { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ } [ الأحزاب : 57 ] وظاهر الآية جواز إيذاء الله تعالى ، وهو محال والمقصود أولياء الله والمؤمنين بالله ، وأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى :  { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } [ آل عمران : 142 ] ، وظاهر الآية نفي علم الله تعالى القديم ، وهو محال ،  و قوله صلى الله عليه وسلم : (( اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس  فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء))  [ أخرجه مسلم 4 /2084(2713) وهو في سنن الترمذي 5/518(3481) وسنن أبي داود 4/312(5051) ] ، ففي هذا الحديث مقابلة بين وصف الله عز وجل بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء وبين وصفِه تعالى بأنه الباطن الذي ليس دونه شيء ،  فلا ينبغي أن نختار  في الوصف الأول ( الظاهر فليس فوقه شيء ) المسلك الظاهر ( اثبات العلو الحسي  )  وفي الوصف الآخر (الباطن فليس دونك شيء )  مسلك التأويل والمجاز ( الكناية عن القرب والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ) ، قال ابن عثيمين : ( الظاهر من الظهور وهو العلو… الباطن كناية عن إحاطته بكل شيء ولكن المعنى أنه مع علوه فهو باطن فعلوه لا ينافي قربه عز وجل فالباطن قريب من معنى القريب ) أهـ [ المحاضرات السنية لابن عثيمين 1/142 ]  ، فجعل الوصف الأول على ظاهره ، وجعل الوصف الثاني كناية ومجازا ، وإنما ألجئه إلى ذلك علمه بأن الله تعالى لا يصح وصفه بالسفل الحسي ، وعلماء الأصول المتخصصون في العقيدة ، يعلمون بسبب تخصصهم في هذا العلم ، أنّه يجب اثبات صفة العلو لله تعالى ، ولكن على سبيل علو المكانة لا المكان ، ويعلمون أنّه يستحيل وصف الله تعالى بالعلو المكاني ولا بالسفل المكاني لأنّ كل الأماكن عند الله تعالى سواء ، هو القريب من كل شيء ، فليس شيء منها بعيد عن الله ، وهو المحيط بكل شيء وهو القاهر لكل شيء ، ويعلمون أنّ المعنى المقصود من الحديث (وأنت الظاهر فليس  فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ) هو الإشارة إلى تنزهه تعالى عن الوجود المكاني ، لأن الظاهر الذي لا يكون شيءٌ فوقه إذا كان هو الباطن الذي لا شيءَ دونه فلا يُعقل أن يكون مختصاً بالمكان ، وغير هذا الفهم تحكم بغير دليل ، أما اثبات الظاهر في شطر الحديث ، واثبات المجاز ( الكناية ) في الشطر الآخر فهذا هو التناقض ، وهذا هو التحكم بغير دليل  ،

[ تأويل أهل السنّة والجماعة ناشئ عن ضرورة وله ضوابط ] : مذهب أهل السنّة والجماعة ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) أن الأصل هو الإيمان بما ورد به الكتاب والسنة من المتشابه دون التعرض لتأويله مع اعتقاد التقديس وأن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وأن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ ، ولكن قد يلجأ العلماء إلى التأويل للرد على أهل البدع وانتشار التشبيه والتمثيل بين العامة ، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات ، قال الإمام عدي بن مسافر الشامي " ونؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم أن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، فإن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ، وهذا الذي درج عليه السلف قبل ظهور الأهواء وتشعب الآراء، فلما ظهرت البدع وانتشر في الناس التشبيه والتعطيل فزع أهل الحق إلى التأويل)" اهـ. [ اعتقاد أهل السنة والجماعة ص : 26 ] ، وقال العلامة ملا على القاري " ولم يريدوا بذلك - أي التأويل - مخالفة السلف الصالح - معاذ الله أن يظن بهم ذلك - وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك، لكثرة المجسمة والجهمية وغيرها من فرق الضلال، واستيلائهم على عقول العامة، فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم، ومن ثم اعتذر كثير منهم وقالوا : لو كنا على ما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقائد وعدم المبطلين في زمنهم لم نخض في تأويل شيء من ذلك) اهـ. [ مرقاة المفاتيح 2 / 136] وقال الحافظ بن حجر : " أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها – آيات الصفات – إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته، وأكثر الخلف يؤولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس، لاضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم) اهـ. [ مرقاة المفاتيح 1/134 ] ، قال الإمام النووي : " (فإن دعت الحاجة إلى التأويل لرد مبتدع ونحوه تأوّلوا حينئذ، وعلى هذا يحمل ما جاء عن العلماء في هذا - أي التأويل - "  اهـ. [ المجموع 1 / 25 ] ، وقال العلامة ملا علي القاري : " اتـفـق السلف والخلف على تنـزيه الله تعالى عن ظواهر المتشابهات المستحيلة على الله تعالى... وخاض أكثر الخلف في التأويل لكن غير جازمين بأن هذا هو مراد الله تعالى من تلك النصوص، وإنما قصدوا بذلك صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه، والرد على المبتدعة المتمسكين بأكثر تلك الظواهر" اهـ. [ مرقاة المفاتيح 1/ 189] ، وقال الإمام العز بن عبد السلام " وليس الكلام في هذا - يعني التأويل - بدعة قبيحة، وإنما الكلام فيه بدعة حسنة واجبة لَمَّا ظهرت الشبهة، وإنما سكت السلف عن الكلام فيه إذ لم يكن في عصرهم من يحمل كلام الله وكلام رسوله على ما لا يجوز حمله عليه، ولو ظهرت في عصرهم شبهة لكذبوهم وأنكروا عليهم غاية الإنكار، فقد رد الصحابة والسلف على القدرية لما أظهروا بدعتهم، ولم يكونوا قبل ظهورهم يتكلمون في ذلك" اهـ. [ فتاوى العز بن عبد السلام ص / 22 ] ، وعلى ذلك فالأشاعرة والماتريدية  لم يخالفوا السلف في الاعتقاد وإنما ألجأهم إلى التأويل ضرورة الرد على أهل البدع وصرف أذهان العامة عن التشبيه والتجسيم

[ ضوابط التأويل عند أهل السنّة والجماعة ] : المقصود بالتأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح ، وللتأويل عندهم أقسام ثلاثة : الأول التأويل الصحيح وهو التأويل الذي يصار إليه بدليل مع استيفاء شروطه ، والثاني: التأويل الفاسد: وهو التأويل الذي يصار إليه بما يظنه المؤوِّل باعتقاده دليلاً، وهو ليس كذلك في الواقع ونفس الأمر ، والثالث: التأويل الباطل المردود: وهو التأويل الذي يصار إليه بلا دليل، بل هو لعب، وعبث، وتحكم. وهو ما جنح إليه أصحاب الأهواء، ولو فتح باب هذا التاويل الباطل لأدى ذلك إلى ضياع الشريعة ،  أما شروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح وهي : أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية ، أو عرف الاستعمال، وكل تأويل خرج عن هذا فليس بصحيح، أن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره ، فإذا انعدم الدليل بطل التأويل ، وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه و إلاَّ كان التأويل فاسدًا ، و أن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، و إلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر. ، أهلية الناظر للتأويل. و ذلك بأن يكون صاحب ملكة فقهية تؤهله للنظر. و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم و الله عز و جل يقول: (و لا. تقف ما ليس لك به علم ) ( الإسراء: 36).

[ مبررات توقف السلف عن الخوض ] : قال القرطبي في تفسيره : " وقال جماعة من أئمة السلف إنما توقفنا في تفسير الآيات وتأويلها لأمرين: ( أحدهما ) : المنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) فنحن نحترز عن الزيغ ، و ( الثاني ) : أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق، والقول في صفات الباري بالظن غير جائز، فربما أولنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ، بل نقول كما قال الراسخون في العلم (كل من عند ربنا) آمنا بظاهره، وصدقنا بباطنه، ووكلنا علمه إلى الله تعالى، ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك ؛ إذ ليس ذلك من شرائط الإيمان وأركانه. واحتاط بعضهم أكثر احتياط حتى لم يفسر اليد بالفارسية، ولا الوجه، ولا الاستواء، ولا ما ورد من جنس ذلك، بل إن احتاج في ذكره إلى عبارة عبر عنها بما ورد لفظا بلفظ فهذا هو طريق السلامة، وليس هو من التشبيه في شيء" [تفسير قرطبي 1/ 104] أهـ  ، وجاء في المدخل لابن بدران : " وأما معنى المحكم فأجود ما قيل فيه أنه المتضح المعنى كالنصوص والظواهر لأنه من البيان في غاية الأحكام والإتقان والمتشابه مقابل له وهو غير متضح المعنى فتشتبه بعض محتملاته ببعض وذلك التشابه وعدم الاتضاح إما الاشتراك كلفظي العين والقرؤ أو لإجمال وهو إطلاق اللفظ بدون المراد منه نحو قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده الأنعام فلم يبين مقدار الحق أو لظهور تشبيه في صفات الله تعالى كآيات الصفات وأخبارها فإن المراد منها اشتبه على الناس فقال قوم بظاهرها فجسموا وشبهوا وفر قوم من التشبيه فتأولوا وحرفوا فغلطوا وتوسط قوم فسلموا وأمروه كما جاء مع اعتقاد التنزيه فسلموا وهم أهل السنة ..وحكم المحكم هو وجوب العمل به والحق أن حكم   المتشابه  هو عدم جواز العمل به لقوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه بتغاء لفتنة وبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا لله آل عمران وهنا الوقف واجب نقلا وعقلا والله الهادي " [المدخل لابن بدران ج: 1 ص: 198] أهـ ،

[ ليس كل من انتسب للسلف سلفياً  ] : قال الحافظ القسطلاني : "  العجب ممن ينتمي إلى السنة ويتعرض للافتداء بالسلف الصالح منهم  ويعتمد على ما ورد في الكتاب والسنة يخالف قوله قولهم ,وينتهي إلى ما لم يرد عن السادة المقتدي بهم من الخوض في كيفية الكلام , فيزيد فيه بحرف وصوت ,ولم يرد ذلك في كتاب ولا سنة ,ويستدل على إثبات المقطوع به بالمظنون من الأحاديث المتضادة المتون .الخ " [انظر ذيل طبقات الحفاظ لأبي المحاسن الحسيني الدمشقي تعليقا ص 78] أهـ ، وقال العلامة الكوثري في الرد على قول بن القيم ( ولنا المسانيد والصحاح ولكم تصانيف الكلام ) : قال رحمه الله " بل أهل السنة هم الذين جمعوا بين الكتاب والسنة وآثار السلف والبراهين العقلية التى هى من حجج الله سبحانه ، من غير إهمال شىء منها ، مراعين مراتب الأدلة ووجود الدلالة وإنما مذهب السلف عدم الخوض فى الصفات مع التنزيه العام من أبعد الناس عن حمل ما فى كتاب الله وما صح فى السنة على ما يوهم التشبيه فإذا تكلموا إنما يتكلمون بما يوافق التنزيه وهم الذين يقولون فيما صح لفظه : " أمروه كما جاء بدون تفسيره بل تفسيره قراءته بلا كيف ولا معنى " كما تواتر ذلك عن السلف ولا سيما عن أحمد وقد ذكرنا بعض نصوص لهم فى ذلك ، وأما أصحاب الناظم فهم الذين جمعوا بين الإسرائيليات والجاهليات وأنواع الخرافات والأخبار الموضوعات كما يظهر من كتبهم فى العلو والسنة والتوحيد والنحل أين فى الصحاح والسنن ( ينزل بذاته ) و ( يستوى على العرش إستواء استقرار وجلوس ) و ( يتحرك ) و( يتكلم بصوت ) ؟ فلو وقفوا حيث وقف الكتاب والسنة والبرهان العقلى وأبوا الخوض فى الصفات بعقولهم الضئيلة لكانوا على الهدى لكنهم حادوا وزادوا ، قاتلهم الله ما أوقحهم وأشنع إفكهم على أهل الحق " [السيف الصقيل ص194-195] أهـ

[ النهي عن التفكر في ذات الله ودرة في التفويض ] : جاء في الفواكه الدواني : (( وسئل الشيخ عز الدين عن هذا هل يفهم منه القلو بالجهة أم لا وهل يكفر معتقدها أم لا فأجاب بأن ظاهره القول بالجهة والأصح أن معتقدها لا يكفر وما قاله عز الدين من أن ظاهره القول بالجهة يرده قول الإمام أبي عبد الله محمد بن مجاهد في رسالته مما أجمعوا على إطلاقه أنه تعالى فوق سمواته على عرشه دون أرضه إطلاقا شرعيا ولم يرد في الشرع أنه في الأرض فلذلك قال دون أرضه وهذا مع ثبوت علمهم باستحالة الجهة عليه تعالى فليس هذا عندهم مشكلا لعلمهم بفصاحة العرب واتساعهم في الاستعارة ونقل هذا الكلام بعينه المصنف وغير لفظه هنا قصدا للتقريب على المبتدىء وإذا تقرر هذا فالناس عالة على الصدر الأول فإذا كان إطلاقهم هذا فيتعين علينا تفهمه بالتمثيل والبسط إذ قد غلبت العجمة على القلوب حتى ظنت أن هذا الإطلاق يلزم منه إثبات الجهة في حق المنزه عنها تقدس وتعالى واعلم أن الفوقية عبارة عن كون الشيء أعلا من غيره وتكون حية ومعنوية كزيد فوق الفرس والسلطان فوق الوزير وأن الذي يجوز عليه المكان يجوز أن تكون فوقيته حسية ومعنوية والذي يستحيل عليه المكان والجسمية لا تكون فوقيته إلا معنوية ففوقية الله على عرشه المراد بها فوقية معنوية لما قدمنا وحمل الفوقية في حقه تعالى على المعنوية مبني على طريقة الخلف وهي المؤولة وعليثا إمام الحرمين وجماعة كتأويل اليد بالقدرة وأما السلف فيقفون عن الخوض في معنى ذلك ويفوضون علم ذلك إلى الباري سبحانه وتعالى وإلى هاتين الطريقتين أشار صاحب الجوهرة بقوله : وكل نص أوهم التشبيها     أوله أو فوض ورم تنزيها )) [الفواكه الدواني ج: 1 ص: 48] أهـ ، وجاء في العقيدة النظامية لإمام الحرمين  (ص 32 ) : (( وقد اختلفت مسالك العلماء في لظواهر التي وردت في الكتاب والسنه 0 وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها ، واجراؤها على موجب ما تبتدره أفهام أرباب اللسان منها ، فرأى بعضهم تأويلها والتزام هذا المنهج في آي الكتاب ، وما يصح من سنن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وذهب أئمة السلف الى الانكفاف عن التأويل ، فاجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها الى الرب تعالى 0 والذى نرتضيه رأيا : وندين الله به عقلا : اتباع سلف الامه 0 فالأول الاتباع ، وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك : أن إجماع الامه حجه متبعه ، وهو مستند معظم الشريعة ، وقد درج صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضى عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها ، وهم صفوة الاسلام ، والمستقلون بأعباء الشريعة 0 وكانوا لا يألون فى ضبط قواعد المله 0 والتواصي نحفظها ، وتعليم الناس ما يحتاجون اليه منها 0 فلو كان تأويل هذه الآي والظواهر مسوغا ، ومحتوما ، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، واذا انصرم عصرهم ، وعصر التابعين على الاضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع 0 فحق على ذي دين : أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ، ولا يخوض فى تأويل المشكلات ، ويكل معناها الى الرب تبارك وتعالى ،  وعد امام القراء وسيدهم : الوقوف على قوله تبارك وتعالى : ""وما يعلم تأويله إلا الله "" من العزائم ، ثم الابتداء "" والراسخون في العلم"" ( آل عمران7) ومما استحق من كلام امام دار الهجرة –رضى الله عنه – وهو مالك بن أنس رضى الله عنه 0 أنه سئل عن قوله تبارك وتعالى ( الرحمن على العرش استوى ) (طه5) فقال " الاستواء معلوم 0 والكيفية مجهولة 0 والسؤال عنه بدعه " فلتجرى آية الاستواء والمجيء وقوله " لما خلقت بيدى " (ص75) ويبقى وجه ربك (الرحمن 27) وقوله تجرى بأعيننا ( القمر 14) وما صح من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه فهذا ما يجب لله تبارك وتعالى 0 )) [العقيدة النظامية ص 32] أهـ ، وجاء في تنوير الحوالك للإمام السيوطي [ ج: 1 ص: 167 ] : ( حديث (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة ) هذا من المتشابه الذي يسكت   عن الخوض  فيه وان كان لابد فأولى ما يقال فيه ما في رواية النسائي إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له فالمراد إذن نزول أمره أو الملك بأمره وذكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه ينزل بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا قال الباجي وفي العتبية سألت مالكا عن الحديث الذي جاء في جنازة سعد بن معاذ في العرش فقال لا تتحدثن به وما يدعو الإنسان إلى أن يحدث به وهو يرى ما فيه من التغرير وحديث إن الله خلق آدم على صورته وحديث الساق قال بن القاسم لا ينبغي لمن يتقي الله أن يحدث بمثل هذا قيل له والحديث الذي جاء إن الله تعالى ضحك فلم يره من هذا وأجازه وكذلك حديث التنزيل قال ويحتمل أن يفرق بينهما من وجهين أحدهما أن حديث التنزيل والضحك أحاديث صحاح لم يطعن في شيء منها وحديث اهتزاز العرش والصورة والساق ليست أسانيدها تبلغ في الصحة درجة حديث التنزيل والثاني أن التأويل في حديث التنزيل أقرب وأبين والعذر بسوء التأويل فيها أبعد انتهى حتى يبقى ثلث الليل الآخر برفع الآخر صفة ثلث من يدعوني فاستجيب له إلى أخره هو بنصب الأفعال المقترنة بالفاء  ) [الحوالك ج: 1 ص: 167] أهـ  ، وجاء في ميزان الإعتدال في نقد الرجال للذهبي : (    قال يحيى بن معين قال مالك كان أبو الزناد كاتب هؤلاء يعني بني أمية وكان لا يرضاه يعني بذلك ، قال ابن عدي أبو الزناد كما قال يحيى ثقة حجة ولم أورد له حديثا لأن كلها مستقيمة  ، وقال إذنه في ترجمتة حدثنا مقدام بن داود حدثنا الحارث بن مسكين وابن أبي الغمر قالا حدثنا ابن القاسم قال سألت مالكا عمن يحدث بالحديث الذي قالوا أن الله خلق آدم على صورته وأنكر ذلك مالك انكارا شديدا ونهي أن يحدث به أحد فقيل له ان أناسا من أهل العلم يتحدثون به قال من هم قيل ابن عجلان عن أبي الزناد فقال لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء ولم يكن عالما ولم يزل أبو الزناد عاملا لهؤلاء حتي مات وكان صاحب عمال يتبعهم   قلت الحديث في أن الله خلق آدم علي صورته لم ينفرد به ابن عجلان فقد رواه همام عن قتادة عن أبي موسي أيوب عن أبي هريرة ورواه شعيب ابن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ..ولة طرق أخر ..أما معنى حديث الصورة فنرد علمه الى الله ورسوله ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء )) [ميزان الاعتدال في نقد الرجال ج: 4 ص: 96 ] أهـ ، وقال الزرقاني في مناهل العرفان : (  تفاريع مذهب السلف :-  وهي أربعة : ( الأول ) : إنه لا يجوز تبديل لفظ من الألفاظ المتشابهة بلفظ آخر متشابه سواء كان بالعربية أو بالفارسية . وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إيهاما للباطل من البعض . والزيادة في الايهام ( من غير حاجة إليها لا يجوز بل قد تكون زيادة الآيهام ) حاصلة في اللفظين إلا أن التمييز بين هذا القسم الأول (فيه) عسر فالإحتياط : الامتناع من الكل ألا ترى أن الشرع أوجب العدة على الموطوءة لبراءة الرحم احتياطاً لحكم النسب ثم قالوا تجب العدة على العقيم والآيسة وعند العزل لأن (بواطن) الأرحام لا يعلمها إلا علام الغيوب ؟ فإيجاب العدة أهون من ركوب الخطر إلا أن الخطر في معرفة ذات الله تعالى وصفاته أعظم من الخطر في العدة فإذا راعينا الاحتياط به ، فلأن نراعيه ههنا أولى ، ( الفرع الثاني ) : إنه يجب الاحتراز عن التصريف ( فلا نقول في قوله تعالى : ( استوى ) إنه مستوى لما ثبت في علم البيان أن اسم الفاعل يدل على ان المشتق منه متمكنا ثابتا ومستقراً أما لفظ الفعل . فدلالته على هذا المعنى ضعيفه والذي يؤكده انه ورد في القرآن أنه تعالى علم العباد فقال ( الرحمن علم القرآن ) ( وعلمك مالم تكن تعلم ) ( وعلمناه من لدنا علماً ) ،(وعلم آدم الأسماء كلها ثم أجمعنا على انه لا يجوز ان يقال لله تعالى يا معلم فكذلك ههنا ، ( الفرع الثالث ) : إنه لا يجوز جمع اللفاظ المتشابهة . وذلك لأن التلفظ باللفظ الواحد أو باللفظين ، قد يحمل على المجاز لأن الاستقراء دل على أن الغالب على الكلام : التكلم بالحقيقة فإذا جمعنا الألفاظ المتشابهة ورويناها دفعة واحدة ، أوهمت كثرتها : أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وإنه لا يجوز ، ( الفرع الرابع ) : إنه كما لا يجوز الجمع بين متفرقه فكذلك لا يجوز التفرق بين مجتمعه فقوله تعالى ( وهو القاهر فوق عباده ) لا يدل على جواز أن يقال إنه تعالى فوق . لأنه تعالى لما ذكر القاهر قبله ، ظهر أن المراد بهذه الفوقية : الفوقية بمعنى القهر لا بمعنى الجهة بل لا يجوز أن يقال وهو القاهر فوق عبادة لأن ذكر العبودية عند وصف الله تعالى بالفوقية يدل على أن المراد من تلك الفوقية : فوقية السيادة والالهية ، وأعلم أن الله تعالى لم يذكر لفظة المتشابهات إلا وقرن بها قرينة تدل على زوال الوهم الباطل مثاله أنه تعالى لما قال ( الله نور السموات والأرض ) ذكر بعده ( مثل نوره ) فاضاف النور إلى نفسه ولو كان هو تعالى نفس النور لما أضاف النور إلى نفسه لأن إضافة الشيء إلى نفسه ممتنعه . ولما قال تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) ذكر قبله ( تنزيلا مما خلق الأرض والسموات العلى ) وذكر بعده قوله ( له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وقد ذكرنا ان هاتين الآيتين تدلان على أن كل ما كان مخنتصاً بجهة فوق مخلوق محدث فثبت بما ذكرنا أن الطريق في هذه المتشابهات ( هو التأويل في تلك الألفاظ تأدباً في حق واجب الوجود وبالله التوفيق .)) [مناهل العرفان ج: 2 ص: 210] أهـ

***

المبحث الثالث : الرد على ظواهر تنافي تنزيه الله تعالى عن المكان وحل إشكالات تلك  الظواهر

 

وتتناول :

( أولاً ) تحقيق القول في آيات الاستواء والكون في السماء

( ثانيا ) تحقيق القول في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ،

( ثالثاً ) تحقيق القول في حديث النزول والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان

***

( أولاً ) :  تحقيق القول في آيات الفوقية والجهة والكون في السماء والاستواء

(  1 ) يستند الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بنصوص من الكتاب والسنّة تؤول إلى ثلاثة عشر دليلاً رئيسياً ، الدليل الأول : التصريح بالفوقية مقروناً بأداة ( من ) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، الدليل الثاني : ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة , قال تعالى:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، الدليل الثالث :  التصريح بالعروج  إلى الله تعالى ، كما في قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [ المعارج : 4 ] ، الدليل الرابع :  التصريح بالصعود إليه ، كما في قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، الدليل الخامس :  التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه , كما في قوله تعالى : {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [ النساء : 158 ]  , وقوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ] ، الدليل السادس :  التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً، قال تعالى:{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] , وقوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , وقوله تعالى : {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [ الشورى : 51 ] ، الدليل السابع :  التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} [ آل عمران : 7 ] , وقوله تعالى :  {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [ غافر : 2  ] ، الدليل الثامن :  التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , وقوله تعالى : {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[  الأنبياء : 19 ] ،  الدليل التاسع :  التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الدليل العاشر :  التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [ الأعراف : 54 ] ، الدليل الحادي عشر  : التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا ، لحديث البخاري ومسلم : (( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له ))  ، الدليل الثاني عشر : التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى ، لحديث الترمذي : (( إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين )) [ صحيح الترمذي للألباني : ح ( 3556 ) ] ، الدليل الثالث عشر : التصريح بلفظ (( أين الله )) في حديث مسلم : (( قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : ح  (537) ] ، وبعد فهذه هي الأدلة الرئيسة التي يستند إليها الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بنصوص من الكتاب والسنّة ،

(  2  ) هذه النصوص صحيحة ولكن تكمن المشكلة في الفهم الخاطئ لها من قبل هؤلاء الغير متخصصين في علم العقيدة ، وسوف اتناول كل دليل من تلك الادلة برد متشابهها إلى محكمها الذي يضبط الفهم الصحيح اللازم لها ،

(  3  ) حل اشكالية الدليل الأول : التصريح بالفوقية مقروناً بأداة ( من ) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، وفي الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ، قال القرطبي : ( ومعنى يخافون ربهم   من فوقهم   أي من عقاب ربهم وعذابه لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء وقيل  المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم ففي الكلام حذف ) أهـ [تفسير القرطبي ج: 10 ص: 113 ] ، وقال بن جهبل - وهو يرد على مثبت الجهة - : (  وأردفه بقوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم وتلك أيضا لا دلالة له فيها عن سماء ولا عرش ولا أنه في شيء من ذلك حقيقة  ، ثم الفوقية ترد لمعنيين  : أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به من لا يجسم وبتقدير أن يكون هو المراد وأنه تعالى ليس لجسم فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة ل يخافون ويكون تقدير الكلام يخافون من فوقهم ربهم   أي أن الخوف من جهة العلو وأن العذاب يأتي من تلك الجهة ،  وثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير   وكما يقال جلس فلان فوق فلان والعلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة   وقد وقع ذلك في قوله تعالى حيث قال ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ولم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر ومن ذلك قوله تعالى وإنا فوقهم قاهرون وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم  ) أهـ [ طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 47 ] ،

(  4  ) حل اشكالية الدليل الثاني : ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة , قال تعالى:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير ، قال القرطبي : (وهو القاهر   فوق عباده   القهر الغلبة والقاهرالغالب وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل قال الشاعر  تمنى حصين أن يسود جذاعه فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب ومعنى  { فوق عباده }  فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول  السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 399 ] ، وقال أبو السعود : (وهو القاهر   فوق عباده   أي هو المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة إلى غير ذلك ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 144 ] ، وقال البغوي : ( { وهو القاهر فوق عباده } : القاهر الغالب وفى القهر زيادة معنى على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد وقيل هو المنفرد بالتدبير يجبر الخلق على ماده   فوق عباده   هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل وهو الحكيم فى أمره الخبير بأعمال عباده ) أهـ [ تفسير البغوي ج: 2 ص: 89 ] ، وقال الشوكاني : (قوله وهو القاهر   فوق عباده   المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية ) أهـ [ فتح القدير ج: 2 ص: 124 ] ، وقال الألوسي : (وهو القاهر   فوق عباده   قيل هو استعارة تمثيلية وتصوير لقره سبحانه وتعالى وعلوه عز شأنه بالغلبة والقدرة وجوز أن تكون الاستعارة بالظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس وقيل  إنه كناية عن القهر والعلو بالغلبة والقدرة  إن فوق زائدة وصحح زيادتها وإن كانت اسما كونها بمعنى على وهو كما ترى والداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة والله تعالى منزه عنها لأنها محدثة باحداث العالم واخرجه من العدم إلى الوجود ويلزم أيضا من كونه سبحانه وتعالى في جهة مفاسد لا تخفي ) أهـ [ روح المعاني ج: 7 ص: 114 ] ، وقال الرازي : ((هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً)   اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته. وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} (الفتح: 10) ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله: {وهو القاهر فوق عباده} مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهوراً. وتقرير هذا القهر من وجوه: الأول: إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد، والثاني: أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى. فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات. والثالث: أنه قهار لكل ضده بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار. وتمام تقريره في قوله: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} (آل عمران: 26) ، وإذا عرفت منهج الكلام فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد فالفوق ضده التحت، والماضي ضده المستقبل، والنور ضده الظلمة، والحياة ضدها الموت، والقدرة ضدها العجز. وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبرا ًقادراً قاهراً منزهاً عن الضد والند، مقدساً عن الشبيه والشكل. كما قال: {وهو القاهر فوق عباده} والرابع: أن هذا  البدن مؤلف من الطبائع الأربع. وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول  الاجتماع. فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى، كما قال: {وهو القاهر فوق عباده} وأيضاً فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة. ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة، وجعل كل واحد منهما مستكملاً بصاحبه منتفعاً بالآخر. فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد  والتفرق، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية، والمعارف الإلهية، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع، كما قال {وهو القاهر فوق عباده} وأيضاً فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين، ومكنة المعارض فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجري مجرى القهر فكان قاهراً لعباده من هذه الجهة، وإذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى، كما قال: {وهو القاهر القاهر فوق عباده}.

(  5 ) حل اشكالية الدليل الثالث :  التصريح بالعروج  إلى الله تعالى ، كما في قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [ المعارج : 4 ] ، قوله تعالى :{ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [ المعارج : 3 ، 4 ] ، فعند حمل متشابه المعاني على محكمها نجد أنّ معنى قوله تعالى : { مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ } أي من الله تعالى ذي الفواضل والنعم والدرجات التي يمنحها للطائعين من عباده ، وقد يكون معناه من الله تعالى ذي العظمة والعلاء ،  قال الطبري : ( وقوله { ذي المعارج } يعني ذا العلو والدرجات والفواضل والنعم   وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل   ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله   ذي المعارج   يقول العلو والفواضل   حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة من الله   ذي المعارج   ذي الفواضل والنعم  ) أهـ [ تفسير الطبري ج: 29 ص: 70 ] ، وقال القرطبي : (  { من الله ذي المعارج } ،  أي ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم قاله ابن عباس وقتادة فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق وقيل ذي العظمة والعلاء وقال مجاهد  هي معارج السماء وقيل  هي معارج الملائكة لأن الملائكة تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك وقيل  المعارج الغرف أي إنه ذو الغرف أي جعل لأوليائه في الجنة غرفا ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 281 ] ، وقال ابن كثير : (من الله   ذي المعارج   قال الثوري عن الأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى   ذي المعارج   قال ذو الدرجات وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس   ذي المعارج   يعني العلو والفواضل ) أهـ [ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 419 ] ، أما قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } ، فعروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده تعالى أن يحويه مكان ، وقد تقدم أنّ وجوده أزلي قبل خلق المكان ، وأنّ المكان مخلوق محدود مهما اتسع ، وأنّ الله تعالى لا يحويه مكان لأنّه خالقه وخالق العرش فمن دونه ، قال الواحدي : ( تعرج الملائكة والروح يعني جبريل عليه السلام إليه إلى محل قربته وكرامته وهو السماء ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1132 ] ،

(  6  ) حل اشكالية الدليل الرابع :  التصريح بالصعود إليه ، كما في قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } [ فاطر : 10 ] ، { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  } أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم ، قال الطبري : ( قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } قال الحسن وقتادة لا يقبل الله قولا إلا بعمل من قال وأحسن العمل قبل الله منه ) أهـ [ تفسير الطبري ج: 22 ص: 120 ] ، وقال البغوي : ( وعن قتادة : {إليه يصعد الكلم الطيب } أي يقبل الله الكلم الطيب ) أهـ [ تفسير البغوي ج: 3 ص: 566 ] ، وقال البيضاوي : ( وصعودهما إليه مجاز عن قبوله اياهما ) أهـ [ تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 413 ] ، وقال النسفي : (ومعنى قوله إليه إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود أو إلى حيث لا ينفذ فيه الا حكمه ) أهـ [ تفسير النسفي ج: 3 ص: 337 ] ، وقال أبو السعود : ( وقوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح وصعودهما إليه مجاز عن قبوله تعالى إياهما أو صعود الكتبة بصحيفتهما ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 7 ص: 145] ، وقال الشوكاني : ( ومعنى صعوده إليه قبوله له أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف ) أهـ [ فتح القدير ج: 4 ص: 341 ] ، وقال ابن الجوزي : (فالمعنى والعمل الصالح يرفعه الله إليه أي يقبله ) أهـ [ زاد المسير ج: 6 ص: 478 ] ، وفي الجلالين : (والعمل الصالح يرفعه : يقبله ) [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 572 ] ، وقال الألوسي : (وصعود الكلم إليه تعالى مجاز مرسل عن قبوله بعلاقة اللزوم أو إستعارة بتشبيه القبول بالصعود ) أهـ [ روح المعاني ج: 22 ص: 174 ] ،

(  7  ) حل اشكالية الدليل الخامس :  التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه , كما في قوله تعالى : {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [ النساء : 158 ]  , وقوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ] ، والمعنى في الآيتين : أي إلى مكان كرامته في السماء ، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله ، ولأنها منزهة عن معاصي العباد ، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء ، ليس مكان منها بعيد عن الله ، وهو من جميع عباده قريب ، قال القرطبي - ولله دره - : (بل رفعه الله إليه   ابتداء كلام مستأنف أي إلى السماء والله تعالى متعال عن المكان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 10 ] ، وقال الواحدي : (بل رفعه الله إليه   أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سوى الله فيه حكم وكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعا إليه لأنه رفع عن أن يجري عليه حكم أحد من العباد ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 1 ص: 301 ] ، وفي تفسير الثعالبي : (وقوله تعالى   بل رفعه الله إليه   يعني إلى سمائه وكرامته وعيسى عليه السلام في السماء على ما تضمنه حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج ) أهـ [ تفسير الثعالبي ج: 1 ص: 431 ] ، وقال ابن جهبل وهو يرد على المستدل بالآية على اثبات المكان لله : (وأتبعها بقوله تعالى إني متوفيك ورافعك إلي وما أدري من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام أو هو شيء أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في العلو في الجهة فإن كان كما خطر له فذاك أيضا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية وإن لم يقل بهما فلا حقيقة فيما استدل به وإن قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة ولعله لم يسمع الرفع في المرتبة والتقريب في المكانة من استعمال العرب والعرف ولا فلان رفع الله شأنه ) [ طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 46 ] ،

(  8  ) حل اشكالية الدليل السادس :  التصريح بالعلو ، كما في قوله  تعالى:{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] , وقوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , وقوله تعالى : {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [ الشورى : 51 ] ، وقوله تعالى : { سَـبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } ،  ونقول المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام ، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام : { قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى } ، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر ، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي ، وأنّه أعلى مسافة منه ،   وكذلك قوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  } [ آل عمران : 139 ] ، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع ، وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها : ((  ونادَى أبو سفيان فقال ( اعْلُ هُبَل ) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم ( الله أعلَى وأَجَلُّ ) )) ، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة ، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة ، وهل إذا كان حراس الملك يحرسونه وهم في شرفة عالية ، هل هم الأعلون أم أنّ الملك وإن كان في السفل أعلى منهم ، لأنّه الملك الآمر الناهي ، هذا على سبيل تفهيم الأمر وأنّه لا علاقة لعلو المكان في بيان الربوبية والإلهية ، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته ، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان ، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط ، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض ،  والله تعالى قريب ، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته ، : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا  } [ المجادلة : 7 ] ، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة ، والمسلم حين يقول وهو ساجد . { سبحان رَبِّيَ الأعلَى } ، معناه : سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً ، سبحانه وتعالى، وليس المعنى أن الله تبارك وتعالى عالٍ بالمكان والحَيّز والجهة ،  وعلى هذ   ا الحمل للمتشابه على المحكم أطبق المتخصصون في العقيدة والعلماء الراسخون في العلم ، قال القرطبي في تفسيره : ( ووصفه تعالى بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ

(  9  ) حل اشكالية الدليل السابع :  التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} [ آل عمران : 7 ] , وقوله تعالى :  {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [ غافر : 2  ] وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى:  { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } [ البروج : 21، 22 ] ، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ، قوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } [ الدخان : 3 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [ القدر : 1 ] ، وقوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  } [ البقرة : 185 ] ، ولما أخرجه النسائي والحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم )) ، ولما أخرجه النسائي والحاكم من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: (( أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة  ثم  قرأ : { وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا } [ الإسراء :  105،  106] ، ثم تتابع نزول جبريل عليه السلام به من بيت العزة في السماء الأولى إلى الأرض منجماً في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع والحوادث، وحاجات الناس ، لقوله تعالى : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 193 إلى 195 ] ، وقوله تعالى : { وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا } [ الإسراء : 106 ] ، فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض ، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه ، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود ، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر ، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء ، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،

(  10  ) حل اشكالية الدليل الثامن :  التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , وقوله تعالى : {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[  الأنبياء : 19 ] ، المراد من العندية في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ }  ، وقوله تعالى : { وَمَنْ عِنْدَهُ } ، هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ، قال القرطبي : (لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده عن الزجاج وقال غيره  لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل  لأنهم رسل الله كما يقال  عند الخليفة جيش كثير وقيل  هذا على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 7 ص: 356 ] ، وقال رحمه الله : (قوله : { إن الذين   عند ربك } ، و { رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } ، و { إن الله لمع المحسنين } ونحو ذلك كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة لا إلى المكان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 10 ص: 312 ] ، وقال أبو السعود : (إن الذين   عند ربك   وهم الملائكة عليهم السلام ومعنى كونهم عنده سبحانه وتعالى قربهم من رحمته وفضله لتوفرهم على طاعته تعالى لا يستكبرون عن عبادته بل يؤدونها حسبما أمروا به ويسبحونه أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه وله يسجدون أي يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيئا ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 310 ] ، وقال الشوكاني : (إن الذين   عند ربك   لا يستكبرون عن عبادته المراد بهم الملائكة قال القرطبي بالإجماع قال الزجاج وقال : { عند ربك } والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده ) [ فتح القدير ج: 2 ص: 281 ] ، ( تنبيه ) : قوله بكل مكان ، القصد أنّه قريب ليس كمثله في قربه شيء ، وإلا فاللفظ المناسب هو أنّ الله تعالى منزه عن المكان لأنّ الأماكن كلها محدودة والله تعالى منزه عن الحدود ، وقال النسفي : (أن الذين   عند ربك   مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ) أهـ [تفسير النسفي ج: 2 ص: 53 ] ، وقال : ( { فان استكبروا فالذين عند ربك } أي الملائكة : { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون } لا يملون .. وعند ربك عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة ) أهـ [  تفسير النسفي ج: 4 ص: 91 ] ، وقال الألوسي : (قوله تعالى  إن الذين   عند ربك   وقوله سبحانه  حكاية ابن لي عندك بيتا وقوله تعالى  وإن الله لمع المحسنين إلى غير ذلك مما هو كناية عن المكانة لا عن المكان ) أهـ [روح المعاني ج: 15 ص: 142 ] ، وقال ابن الجوزي فقيه الحنابلة ، وهو يرد على حشوية الحنابلة في كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب : (الحديث الخامس والأربعون : روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ((  لما قضي الله الخلق كتب في كتابه – فهو عنده فوق العرش – إن رحمتي غلبت غضبي ، وفي لفظ سبقت )) ، قال القاضي - يقصد به أبو يعلى - : ظاهر قوله عنده القرب من الذات ، واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام ، وقد قال سبحانه وتعالي " مسومة عند ربك " ) أهـ [ الباز الأشهب ص130-131 ] ، وقال القاضي ابن جماعة - وهو يرد على مثبت المكان بالعندية بكلام رصين محكم يكتب بماء الذهب - : ( الآية الخامسة قوله تعالى : { إن الذين عند ربك } ، { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ، { عند مليك مقتدر } ، { ابن لي عندك بيتا في الجنة} ، {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } ، { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، ورد ذلك في الحديث كثيرا كقوله : (( أنا عند ظن عبدي بي )) ، (( أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي )) ، كل ذلك ليس المراد به عندية الجهة بل عندية الشرف والكرامة والإعانة والجبر واللطف ، لا عندية الحيز والمكان فإن كون الرب تعالى عند الإنسان باعتبار الجهة والمكان محال بالإجماع ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 112 ] ،

(  11  ) حل اشكالية الدليل التاسع :  التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء ، أي في العلو إشارة إلى علو الذات والصفات , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على نعنى العلو ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث ، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي ، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء , تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ  ، ولما تقدم من اجماع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان ، وقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم وقد قيل هو جبريل عليه السلام لأنّه الموكل بالخسف ، أو يكون المعنى أأمنتم من في السماء : أي من في السماء أمره أو قضاؤه أو من في السماء ( أي العلو ) مكانته وقدرته وسلطانه ، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام ، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى ،  وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره ، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله ، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها نمن صفات العجز والنقص ، وإليك طائفة من أقوال الراسخين في علم العقيدة والمتخصصين فيها في فهم الآية ورد متشابهها إلى محكمه ، قال القاضي عياض : (  لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله ( ءأمنتم في السماء ) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم ) أهـ [ إكمال المعلم : ج2ص465] ، وقال القرطبي - في درة من تنزيهاته - : ( تقديره  :  أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض ، وقيل  هو إشارة إلى الملائكة وقيل  إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب ، قلت  : ويحتمل أن يكون المعنى  أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون فإذا هي تمور أي تذهب وتجيء والمور  الاضطراب بالذهاب والمجيء .. وقال المحققون  أمنتم من فوق السماء كقوله  فسيحوا في الأرض أي فوقها لا بالممارسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير وقيل  معناه أمنتم من على السماء كقوله تعالى  ولأصلبنكم في جذوع النخل أي عليها ومعناه أنه مديرها ومالكها كما يقال  فلان على العراق والحجاز أي واليها وأميرها والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 215 ، 216 ] ، وقال العلامة ابن الجوزي - وهو يرد على حشوية الحنابلة : ( ومن الآيات قوله تعالي : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } قلت : وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها ، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف ، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا ، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق ) أهـ [الباز الأشهب المنتفض على ص59 ] ، وقال أبو السعود في تفسيره : ( أأمنتم من في السماء أي الملائكة الموكلين بتدبير هذا العالم او الله سبحانه على تأويل من في السماء امره وقضاؤه او على زعم العرب حيث كانوا يزعمون انه تعالى في السماء اي   أأمنتم من   تزعمون انه في السماء وهو متعال عن المكان أن يخسف بكم الأرض بعدما جعلها لكم ذلولا تشمون في مناكبها وتأكلون من رزقه ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 9 ص: 7 ] ، وقال الواحدي في تفسيره : (أأمنتم من   في السماء قدرته وسلطانه وعرشه أن يخسف بكم الأرض ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1118 ] ، وقال النسفي في تفسيره : (أأمنتم من   في السماء أي من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته ومنها تنزل قضايا وكتبه وأوامره ونواهيه فكانه قال أأمنتم خالق السماء وملكه أو لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه وانه في السماء وان الرحمة والعذاب ينزلان منه فقيل لهم على حسب اعتقادهم أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان أن يخسف بكم الأرض كما خسف بقارون فإذا هي تمور تضطرب وتتحرك ) أهـ [ تفسير النسفي ج: 4 ص: 265 ] ، وجاء في تفسير الجلالين : (من في السماء   سلطانه وقدرته أن يخسف بدل من من بكم الأرض فإذا هي تمور تتحرك بكم وترتفع فوقكم  ) أهـ [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 756 ] ، وقال القاضي ابن جماعة في كتابه الفذ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل - وهو يحاول تصفية الأذهان عن الحشو والتجسيم - : (  وكذلك لا يصح أن يقال لمن هو فوق سطح يسع لدار عظيمة في وسطها من أسفل بيت صغير إنه في ذلك البيت مع أن نسبة العرش إلى السماء أضعاف أضعاف ذلك السطح بالنسبة إلى ذلك البيت  ، وأيضا فإن بعض الخصوم يقول إنه على العرش وقد قام الدليل القاطع عند العقلاء أن نسبة السماء إلى العرش وعظمته قليل جدا فكيف تسع مع لطفها بالنسبة إلى العرش من هو ملء العرش مع عظمته فإنه يلزم إما اتساع السماء أو تضاؤل الذات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، الثالث اعلم أن السموات كرية لقيام الدليل الحسي والنقلي على ذلك فإن كان في وجهها عندكم فقد جعلتموه كفلك منها وإن كان في جهة البعض فترجيح من غير مرجح ، فإن قيل المراد بالسماء الجنس لا المسمى الجميع قلنا يلزم التناقض لأن العرش خارج السموات وقلتم إنه على العرش وأيضا يلزم التجزئ أو كونه متحيز داخلا في حيزين كما سيأتي في قوله تعالى: {وهو الله في السموات } ، والكل محال تعالى الله عن ذلك ، إذا ثبت ذلك تعين أن المراد إما ملائكة في السماء مسلطون على من شاء الله من الكفار لأن اللفظة تحتمله أو أن المخاطبين كانوا يعتقدون اعتقاد المجسمة فقيل لهم بحسب ما كانوا يعتقدونه في زعمهم أو أن المراد التعظيم وعلو الرتبة والقدرة أي من في السماء ملكوته وسلطانه وملائكته فيكون المراد بالسماء العلو والرفعة ، فإن قيل في هاهنا بمعنى على كقوله تعالى : { في جذوع النخل } ، قلنا هذا مردود لوجهين : أحدهما : أن ذلك خلاف الأصل وموضوع اللغة التي نزل بها القرآن وممنوع عند المحققين من نحاة البصرة بل هو على بابه لتمكنهم على الجذوع تمكن المظروف من ظرفه لآنهم لم يكونوا مستعلين عليها بل كانوا معها ، الثاني لو أريد معنى على كان لفظه أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله : {من في السماء } ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 115، 116 ] ، وقال الشاطبي في الموافقات : (   والثالث قوله تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم } ، { أأمنتم من في السماء  } ، وأشباه ذلك إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيها على نفي ما ادعوه في الأرض فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة البتة ولذلك قال تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم } فتأمله واجر على هذا المجرى في سائر ) [ الموافقات ج: 3 ص: 351 ] ، وجاء في حاشية ابن عابدين - في بيان كفر من نسب المكان إلى الله - : ( قال الله تعالى في السماء عالم لو أراد به المكان كفر لا لو أراد به حكاية عما جاء في ظاهر الإخبار ) [ حاشية ابن عابدين ج: 3 ص: 720 ] ، وقال العلامة بن جهبل وهو يرد مثبت المكان والجهة : ( وأتبع ذلك قوله : { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض } وخص هذا المستدل من بالله تعالى ولعله لم يجوز أن المراد به ملائكة الله تعالى ولعله يقول إن الملائكة لا تفعل ذلك ولا أن جبريل عليه السلام خسف بأهل سدوم فلذلك استدل بهذه الآية ولعلها هي النص الذي أشار إليه ) أهـ [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 46 ] ، وقال القسطلاني - عند شرحة لحديث البخاري عن أم المؤمنين زينب رضي الله عنها وقولها ((إن الله أنكحني في السماء )) قال القسطلاني شارخ البخاري : ( وذات الله تعالى منزهة عن المكان والجهة ، فالمراد بقولها : (( في السماء )) الاشارة إلى علو الذات والصفات , وليس ذلك باعتبار أن محله تعالى في السماء , تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ ) أهـ ، و جاء في كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان الباب العاشر بيان أن السماء قِبلة الدعاء : [[ نذكر في هذا الفصل بعض من قال من أهل العلم إن السماء هي قِبْلة للدعاء وليست مكانًا ومسكنًا لله تعالى : ( 1 ) قال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي (333هـ) ما نصه  : "وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة، ولله أن يَتعبَّد عبادَه بما شاء، ويوجههم إلى حيث شاء، وإن ظَنَّ من يظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجهًا في الصلاة ونحوها، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج" اهـ ثم ذكر تنزيه الله عن الجهة.، ( 2 )  وقال الحافظ اللغوي الفقيه السيد محمد مرتضى الزبيدي ما نصه  : "فإن قيل :  إذا كان الحقُّ سبحانه ليس في جهةٍ، فما معنى رفع الأيدي بالدعاء نحو السماء؟ فالجواب :  من وجهين ذكرهما الطُّرْطُوشي : ( أحدهما ) :  أنه محلُّ التعبُّد، كاستقبالِ الكعبةِ في الصلاة، وإلصاق الجبهةِ بالأرضِ في السجود، مع تنزُّهه سبحانه عن محلِّ البيت ومحلِّ السجود، فكأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاء. وثانيهما :  أنها لما كانَتْ مهبِط الرزقِ والوحيِ وموضعَ الرحمةِ والبركةِ، على معنى أن المطرَ يَنزِلُ منها إلى الأرضِ فيخرج نباتًا، وهي مَسكنُ الملإ الأعلى، فإذا قَضَى اللهُ أمرًا ألقاه إليهم، فيُلقونه إلى أهلِ الأرض، وكذلك الأعمال تُرفَع، وفيها غيرُ واحد من الأنبياء، وفيها الجنةُ التي هي غايةُ الأماني، فلما كانت مَعْدِنًا لهذه الأمور العِظام ومَعرِفةَ القضاءِ والقَدَر، تَصرَّفَت الهِممُ إليها، وتوفَّرَت الدواعي عليها" اهـ.، ( 3 )  وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي الأشعري (852هـ) ما نصه :  "السماء قِبْلة الدعاء كما أن الكعبة قِبْلة الصلاة" اهـ ، ( 4 ) وقال الشيخ مُلاّ علي القاري الحنفي (1014هـ) في كتابه "شرح الفقه الأكبر" ما نصه  : "السماء قِبْلة الدعاء بمعنى أنها محل نزول الرحمة التي هي سبب أنواع النعمة، وهو مُوجِب دفع أصناف النقمة... وذكر الشيخ أبو معين النسفي إمام هذا الفن في "التمهيد" له من أن المحقّقين قرّروا أن رفع الأيدي إلى السماء في حال الدعاء تعبّد محض" اهـ.، ( 5 ) وقال العلاّمة البَياضي الحنفي ( 1098ه ) في كتابه "إشارات المرام" ما نصه : "رفع الأيدي عند الدعاء إلى جهة السماء ليس لكونه تعالى فوق السموات العُلى بل لكونها قِبلة الدعاء، إذ منها يتوقع الخيرات ويستنزل البركات لقوله تعالى : {وفي السماء رزقكم وما توعدون} ،  مع الإشارة إلى اتصافه تعالى بنعوت الجلال وصفات الكبرياء ، وكونه تعالى فوق عباده بالقهر والاستيلاء" اهـ ، ( 6 ) وقال الحافظ الفقيه اللُّغوي السيد محمد مرتضى الزَّبِيدي الحنفي (1205هـ) ما نصه  : "وإنما اختُصَّت السماء برفع الأيدي إليها عند الدعاء لأنها جُعِلَت قِبْلة الأدعية كما أن الكعبة جُعِلَت قِبْلة للمصلي يستقبلها في الصلاة، ولا يقال إن الله تعالى في جهة الكعبة" اهـ. ، ( 7 ) وقال أيضًا  : "فأما رفع الأيدي عند السؤال والدعاء إلى جهة السماء فهو لأنها قِبلة الدعاء كما أن البيت قِبلة الصلاة يُسْتقبَل بالصدر والوجه، والمعبودُ بالصلاة والمقصودُ بالدعاء ـ وهو الله تعالى ـ منزه عن الحلول بالبيت والسماء؛ وقد أشار النسفي أيضًا فقال :  ورفع الأيدي والوجوه عند الدعاء تعبُّد محض كالتوجّه إلى الكعبة في الصلاة، فالسماء قِبْلة الدعاء كالبيت قِبْلة الصلاة" اهـ ، ( 8 ) قال العلامة المحدث الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي في كتابه "إظهار العقيدة السُنيَّة" ما نصه  : "ورفعُ الأيدي والوجوه إلى السماء عند الدعاء تعبُّدٌ مَحْضٌ كالتوجّه إلى الكعبة في الصلاة، فالسماء قِبْلة الدعاء كالبيت الذي هو قِبْلة الصلاة" اهـ ]] انتهى من كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان الباب العاشر بيان أن السماء قِبلة الدعاء ،

(  12  ) حل اشكالية الدليل العاشر :  التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [ الأعراف : 54 ] ، ( أ ) أهل التنزيه في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة ، وهو جل شأنه القريب منا ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ولكنة قرب منزه عن الحلول والإتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير ) كما أن الإستواء إستواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين ، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والإستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله ، وكما أنه منزه عن الحلول والإتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه ، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته ، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته ، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد ، (  ب  ) ذكر آيات الاستواء ومفاتيح فهمها الفهم الذي يمنع من الوقوع في بدعة التشبيه ، ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن كما سيتبين من الآيات ، ( ت  ) الآية الاولى : قال تعالى  : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ادعوا ربكم تضرعا وخفية انه لا يحب المعتدين }  [ الأعراف 54-55] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية ، (  ث  ) الآية الثانية : قال تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية ، فقوله تعالى : ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية ، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والاتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير ، (  ج  ) الآية الثالثة :  قال تعالى : { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون } [ الرعد 2 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى يدبر الأمر وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، (  ح  ) الآية الرابعة : قوله تعالى : { تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } [ طه 4،5، 6] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الخلق في قوله ممن خلق الأرض والسموات ، وقوله تعالى (له ما في السموات وما في الأرض) للدلالة على استواء الملك والتدبير أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، أما ما يزعمونه من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى عما يقولون علوا كبيراً ، ومثال ذلك تسمية الكعبة ببيت الله والمساجد بيوت الله والعقلاء فهموا من هذه التسمية أن له بيتاً يجب على عباده حجة وبيوتاً هي المساجد يجب أن يعمروها وفهموا منها أنه سبحانه نصب لهم مواضعاً يقصدونها لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه، وإنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش، أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد، فكان قوله: ( ثم استوى على العرش ) أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال ، فإن قيل: فإذا حمل قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير  وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً استواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض.   قلنا: إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها. وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل، لأن إحياء زيد، وإماتة عمرو، وإطعام هذا و إرواء ذلك لا يحصل إلا عند هذه الأحوال، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال، صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع ، ثم لا ننسى قوله تعالى:  (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [الحاقة:  17 ] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المشبه والحشوية  فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق  أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله. والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير ، (  خ  ) الآية الخامسة : قال تعالى { الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا } [ الفرقان : 59 ] ، المفتاح : الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما فهو الخالق بالكون بما فيه وهو ربه ومدبره فسأل بذلك خبيرا ، وثم تدل على التراخي والتأخر عن الفعل وتعلق الاستواء هاهنا واضح بالربوبية وما تستحقه من عبودية الخلائق فالله عز وجل خلق الخلق وأوجدهم من العدم ثم استوى استواء الرب لعباده ويدلنا على ذلك قوله تعالى في الآيات التالية وعباد الرحمن الذين يمشون هونا  ، ( د ) الآية السادسة : وقال تعالى : { الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين } [ السجدة : 4 إلى 7] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله ( ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ) ، ( ذ ) الآية السابعة : قوله تعالى : { له ملك السموات والأرض يحي ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } [الحديد 2ـ5 ] ، المفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله الجهلاء بالتنزيه ، ( أولا ) : فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ، ( ثانيا ): قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن الظاهر يدل على العلو والباطن يدل على السفل والله تعالى خالق المكان بعلوه وسفله وهو منزه عن المكان وعن الاتحاد بالمخلوق أو الحلول فيه . وهذا يدل على بطلان قول الجهلاء أنه في العلو على سبيل الحس دون السفل ونحن نقول أنه منزه عن العلو المحسوس والسفل المحسوس الذي يقاس بالمسافة ومع ذلك فهو أقرب إلى أحدا ممن حبل وريده سبحانه ليس كوجوده وجود وليس كقربه قرب  ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، ( ثالثا ) : قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شي ء ، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى "المعية" وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون " ، والحاصل أن الصواب عندي في الاستواء  أنه من باب الاستعارة التمثيلية (وهي أعلى مراتب البلاغة عند العرب) كالملك إذا كان ذا هيبة ومكانة عظيمة في بلده يعبرون عن علو قدره بأنه على كرسي الملك استوى وإلا فالاستواء بمعنى الجلوس ليس فيه أي إشارة إلى الكمال لأن الجلوس يتقنه كل أحد ، وعلى ذلك فالمقصود من الاستواء الدلالة على الاستعلاء والقهر وعلو الربوبية والتدبير بقرينة (يدبر الأمر )والتي تعقب ذكر الاستواء عادة والله تعالى أعلم ، وفي بيان الاستعارة التمثيلية جاء في فتح الباري : " قال الحافظ صلاح الدين العلائي : ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية وهي ان يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في اثبات المشترك قال وبالحمل على هذه الاستعارة التخيلية يحصل التخلص من مهاوي التجسيم " أ هـ [فتح الباري ج: 13 ص: 431] ، [ ملاحظة أولى ] : استدلت الجهمية من هذه الآيات على أن الله موجود بذاته في كل مكان  لأنه الظاهر والباطن وأنه معنا حيث كنا فأنتصب السلف للرد على هذه البدعة وأوضحوا أن كلمة  بذاته زيادة شنيعة زادتها الجهمية في دين الله وأن الله تعالى قريب لا يغيب عنه مكان ولا يبعد عنه مخلوق ولكنه منزه عن الحلول بذاته في أي مكان ، ثم ظهرت الحشوية وقالوا أن الله موجود في مكان دون مكان ومكانه العرش وقال الأغبياء منهم أن العرش مكانه وأنه أكبر من ذات الرحمن بمقدار أربعة أصابع استدلوا له بحديث لا يصح ولا يجوز أن نأخذ من مثله حكما في الوضوء والطهارة فضلاً عن حكم يتعلق بذات الرحمن فانتصب الأصوليون من هذه الأمة لهذه البدعة وفندوا أخطاءها وأظهروا عوارها وبينوا أن الأماكن كله محدودة والله لا حد له وأن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان تنزه عن الحاجة إلى العرش وما دونه من المخلوقات حي قيوم قائم بنفسه قائم على حاجات خلقه ليس كمثله شيء له كمال الغنى سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو سبحانه كما أثنى على نفسه ، [ ملاحظة ثانية ] : نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء كون الذات العلية مستوية مكاناً على العرش قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يمارى فيه إلا جهول مأفون ، [ ملاحظة ثالثة ] : و نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء إلى السماء أنه الإنتقال من الأرض إلى السماء وذلك في قوله تعالى ((هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم )[ البقرة 29] أن  تصورهم الاستواء بهذه الصورة محض باطل وجهل عظيم ووقاحة في الإعتقاد ومشابهة لليهود في التجسيم والنصارى في الإتحاد والحلول لأنه يدل على حدوث العلو بعد السفل تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا والمعنى الصحيح الذي عليه الأئمة المفسرين أنه سبحانه قصد إلى خلق السماء  وليس صعد من الأرض إلى السماء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأختم بدرة للزرقاني قال فيها : { الرحمن على   العرش   استوى} ،  فنقول :  يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على   العرش   وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيء منه سواء أكان مكانا يحل فيه أم غيره وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعا لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه وأثبت لنفسه الغنى عنهم فقال ليس كمثله شيء وقال هو الغني الحميد فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا   ثم اختلف السلف والخلف بعد ما تقدم فرأى السلفيون أن يفوضوا تعيين معنى الاستواء إلى الله هو أعلم بما نسبه إلى نفسه وأعلم بما يليق به ولا دليل عندهم على هذا التعيين ورأى الخلف أن يؤولوا لأنه يبعد كل البعد أن يخاطب الله عباده بما لا يفهمون وما دام ميدان اللغة متسعا للتأويل وجب التأويل ... إلى أن قال : لقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق وأتوا في حديثهم عنها وتعليقهم عليها بما لم يأذن به الله ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه وتحتمل الكفر والإيمان حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة وأشباههم بهذا ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون من ذلك قولهم إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية وله من الجهات الست جهة الفوق ويقولون إنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقا بمعنى أنه استقر فوقه استقرارا حقيقيا غير أنهم يعودون فيقولون ليس كاستقرارنا وليس على ما نعرف وهكذا يتناولون أمثال هذه الآية وليس لهم مستند فيما نعلم إلا التشبث بالظواهر ولقد تجلى لك مذهب السلف والخلف فلا نطيل بإعادته ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول ليس كمثله شيء ويقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويقول إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ويقول يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف   ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز وقولهم بعد ذلك ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز فكأنهم يقولون إنه مستو غير مستو ومستقر فوق   العرش   غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على   العرش   ليس هو الاستواء على   العرش   والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت فإن أرادوا بقولهم الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن خصوصا في مقام التعليم والإرشاد وفي موقف النقاش والحجاج لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة الأمر الذي نهانا القرآن عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبغ أو بابن صبيغ وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء وقد مر بك هذا وذاك  ، لو أنصف هؤلاء لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده وبذلك يكونوه سلفيين حقا لكنها شبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم فلنعرضها عليك مع ما أشبهها والله يتولى هدانا وهداهم ويجمعنا جميعا على ما يحبه ويرضاه " أ هـ [ مناهل العرفان ج: 2 ص: 208/111 ] ،

(  13  ) حل اشكالية الدليل الحادي عشر  : التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا ، لحديث البخاري ومسلم : (( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له )) ، قلت : في المبحث التالي : تحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ، ما يشفي الغليل في هذا الباب ،

(  14 ) حل اشكالية الدليل الثاني عشر : التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى ، لحديث الترمذي : (( إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين )) [ صحيح الترمذي للألباني : ح ( 3556 ) ] ، وذلك لأن السماء قبلة الدعاء كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة ، فترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء ، قال القرطبي : ( الأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 216 ] ، وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي : ( وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة، ولله أن يَتعبَّد عبادَه بما شاء، ويوجههم إلى حيث شاء، وإن ظَنَّ من يظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجهًا في الصلاة ونحوها، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج" انتهى ثم ذكر تنـزيه الله عن الجهة ) أهـ [كتاب التوحيد (ص/ 75 - 76)] ، وقال الحافظ الزبيدي  : ( فإن قيل : إذا كان الحقُّ سبحانه ليس في جهةٍ، فما معنى رفع الأيدي بالدعاء نحو السماء ؟. فالجواب : من وجهين ذكرهما الطُّرْطُوشي : أحدهما : أنه محلُّ التعبُّد، كاستقبالِ الكعبةِ في الصلاة، وإلصاق الجبهةِ بالأرضِ في السجود، مع تنـزُّهه سبحانه عن محلِّ البيت ومحلِّ السجود، فكأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاء ، وثانيهما : أنها لما كانَتْ مهبِط الرزقِ والوحيِ وموضعَ الرحمةِ والبركةِ، على معنى أن المطرَ يَنـزِلُ منها إلى الأرضِ فيخرج نباتًا، وهي مَسكنُ الملإ الأعلى، فإذا قَضَى اللهُ أمرًا ألقاه إليهم، فيُلقونه إلى أهلِ الأرض، وكذلك الأعمال تُرفَع، وفيها غيرُ واحد من الأنبياء، وفيها الجنةُ -وهي فوق السماء السابعة - التي هي غايةُ الأماني، فلما كانت مَعْدِنًا لهذه الأمور العِظام ومَعرِفةَ القضاءِ والقَدَر، تَصرَّفَت الهِممُ إليها، وتوفَّرَت الدواعي عليها ) أهـ  [إتحاف السادة المتقين (5/ 34 - 35)] ، وقال الحافظ ابن حجر : ( السماء قِبْلة الدعاء كما أن الكعبة قِبْلة الصلاة ) أهـ  [فتح الباري (2/ 233)] ، وقال الشيخ مُلاّ علي القاري الحنفي في كتابه شرح الفقه الأكبر  : ( السماء قِبْلة الدعاء بمعنى أنها محل نزول الرحمة التي هي سبب أنواع النعمة ، وهو مُوجِب دفع أصناف النقمة... وذكر الشيخ أبو معين النسفي إمام هذا الفن في "التمهيد" له من أن المحقّقين قرّروا أن رفع الأيدي إلى السماء في حال الدعاء تعبّد محض ) أهـ  [شرح الفقه الأكبر : ص  199) ] ، وقال العلّامة البَياضي الحنفي (1098هجري) في كتابه "إشارات المرام" : ( رفع الأيدي عند الدعاء إلى جهة السماء ليس لكونه تعالى فوق السمَوات العُلى بل لكونها قِبلة الدعاء، إذ منها يتوقع الخيرات ويستنـزل البركات لقوله تعالى: { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [سورة الذاريات : 22 ] مع الإشارة إلى اتصافه تعالى بنعوت الجلال وصفات الكبرياء، وكونه تعالى فوق عباده بالقهر والاستيلاء ) أهـ  [إشارات المرام (ص : 198)]

(  15  ) حل اشكالية الدليل الثالث عشر : التصريح بلفظ (( أين الله )) في حديث مسلم ، قلت : المبحث بعد التالي : مبحث تحقيق القول في حديث : (( أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به ، فيه إن شاء الله تعالى ما يشفي الغليل ويقضي على شبهات الحشوية  المتعلقة بهذا الدليل ،

( 1 ) حديث الجارية له روايات عديدة مضطربة ، فيها من الاختلاف الكثير ، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان ، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) بقولها ( نعم ) و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) بقولها ( في السماء ) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا ، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا لعل ذلك بسبب تصرف الرواة في بعض ألفاظه وهم يروونه بالمعني أو بما فهموه من الواقعة ، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم : الامام الحافظ البيهقي : قال في كتابه الأسماء والصفات " وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية ؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه ، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث " [ الأسماء والصفات للبيهقي ص ( 422 ) و انظر السنن الكبرى للبيهقي  7 / 388 ) ] والامام الحافظ البزار : قال " وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة " أهــ [ كشف الاستار 1 / 14] والحافظ ابن حجر العسقلاني : قال " وفي اللفظ مخالفة كثيرة " اه‍ [ التلخيص الحبير  3 / 223 ] ، والعجب ممن ترك الألفاظ المحكمة التي تسأل عن الشهادتين أو عن الله تعالى لإثبات الإيمان ثم ذهب إلى لفظة متشابهة قد تكون رويت بالمعنى ليبتغي بها الفتنة في دين الله من أجل اثبات المكان المخلوق المحدود لله الكبير المتعال المنزه عن الحد والمقدار والمنزه عن المكان والزمان وقد حذرنا الله من أولئك في كتابه الكريم بقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ  ) [ آل عمران : 8 ] وحذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح (  2665 ) ] ، وخلاصة الأمر :أن الحديث جاء صحيحا بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ، وجاء بلفظ ( من ربك ) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ، وجاء بلفظ ( أين الله ) وقد تكفل علماء أهل السنة شرح تلك الرواية أيضا بما يوافق قواعد التنزيه العامة وأصول الشريعة الغراء ، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

(  2  ) الروايات المختلفة للحديث والتي تدل على اضطراب الحديث : للحديث عدة روايات عكفت - بحمد الله تعالى - على جمعها من كتب الحديث ، وجمع أقوال علماء الحديث حولها وفق قواعد علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل ، ورأيت أنها تؤول إلى ثلاث روايات لواقعة واحدة اختلف الرواة في ألفاظها ،

(  3  ) الرواية الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) ، أخرج الإمام مالك عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود : أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت نعم ، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ قالت نعم ، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها ))  [ أخرجه الإمام في الموطأ [ 2/777(1469) ] وأخرجه الإمام أحمد في مسنده [مسند أحمد 3/451 ] وهو في مصنف عبد الرزاق [ 9/175 ] والمنتقى لابن الجارود [1/234(931) ] والتوحيد لابن خزيمة [ 122] وسنن البيهقي الكبرى [ 7/388(15046) ] وقال الذهبي في العلو [ 15] هذا حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة في التوحيد وقال ابن كثير في تفسيره[ 1/535 ] " وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره " أهــ   وصححه أيضاً ابن عبـد الـبر في التمهيد [ 9/114]]

(  4  ) الرواية الثانية بلفظ ( من ربك  ) ، أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال : (( من ربك ؟ قالت الله ، قال: من أنا ؟ قالت : رسول الله ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة )) [ أخرجه ابن حبان في صحيحه : 1/418(189) ، والإمام أحمد في مسنده : 4/222 و388 و389 ، وأبو داود في سننه : ص 477 (3283) ،  وصححه الألباني في صحيح أبي داود : 2\322 (  3283 ) ، والنسـائي في السنن الصغرى : 6/252 ،   وفي السنن الكبرى :  4/110 ، والدارمي في سننه : 2/244(2348) ، وابن خزيمة في كتابه التوحيد صـ 122 ، والطبراني في المعجم الكبير : 7/320(7257) ،  والبيهقي في سننه الكبرى:  7/388(15049)  ]

(  5  ) الرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرج الإمام مسلم بسنده عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال : (( بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال ومنا رجال يتطيرون قال ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم قال فلا يصدنكم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك ، قال : وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : 1/381 (537) (باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته ) ، والإمام أحمد في مسنده : 5\447( 23813) و5/448(23816) ، وأبو داود في سننه : 1/244(930) (931) ، والنسائي في السنن الكبرى : 1/362(1141) ، والبيهقي في السنن الكبرى : 7/387(15043) ، وفي الأسماء والصفات صـ  422 ، والتوحيد لابن خزيمة صـ 81 ، وصحيح ابن حبان : 1/383(165) ، والمعجم الكبير للطبراني : 19/398 (937) ]

(  6  ) روايات أخرى للحديث ، منها رواية تدل على أنها كانت خرساء وفيها : (( فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً )) ، وهذه الرواية أوردها الذهبي في كتابه (العلو) ص3 وذكر سندها الحافظ المزي في ( تحفة الأشراف) : 8/427 ، من طريق سعيد بن زيد عن توية العنبري عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية نفسه قال كانت لي جارية ترعى .. الحديث ، وفيه : (( فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء ؟ قالت الله. قال فمن أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مسلمة )) ، وفي هذه الرواية أشار النبي صلى الله عليه وسلم فقط .... [ وانظر العلو للعلي الغفار ص 120 ، وتحفة الأشراف :10\216 (11378) ] ، وإسناد هذه الرواية يرقى إلى مرتبة الحديث الحسن ، لأنّ سعيد بن زيد ثقة من رجال مسلم وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب وقال عنه البخاري والدرامي : صدوق حافظ، وإن كان يحيى بن سعيد وآخرون قد ضعفوه لذا ، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ، وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الظهار باب إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان ، وصلت من طريق عوف بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة : (( أن رجلا أتى النبي بجارية سوداء فقال : يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها : أين الله ? فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها : فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء تعنى أنت رسول الله. فقال رسول الله أعتقها فإنها مؤمنة )) ،  فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها فمد النبي يده إليها مستفهما فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين والله تعالى أعلم ، ورواية أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وفيها : (( فأشارت إلى السماء ))  [ مصنف عبد الرزاق 9\176( 16816) ] ،

( 7 ) الروايات السابقة تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة ، ولعل هذا السبب ما حدا بالنحويين - سوى ابن مالك - ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث ، ومن الملاحظ على تلك الروايات ما يلي : ( أ ) رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) ورواية ( من ربك ) في بعض الروايات سندهما واحد من حماد بن سلمة إلى الشريد بن سويد رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ب ) رواية ( من ربك ) ورواية ( أين الله ) في بعض الروايات سندهما واحد من هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ت  ) رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) ورواية ( أين الله ) في بعض الروايات سندهما واحد من عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ث  ) رواية ( أين الله ؟ قالت في السماء ) ورواية ( أين الله ؟ فأشارت إلى السماء ) في بعض الروايات سندهما واحد من رواية يحيى بن كثير القصة واحدة واللفظ مختلف ، (  ج ) رواية ( أين الله ) عند مسلم تختلف عن رواية ( أين الله ) عند مالك ، فعند مسلم : ( يقول وعلي رقبة أفأعتقها  وكان الجواب اعتقها فإنها مؤمنة ) وعند مالك : ( يقول فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا  أعتقها وكان الجواب أعتقها بدون ذكر فإنها مؤمنة ) والرواية الأولى تفيد أن عليه نذرا سابقا والرواية الثانية تفيد أنه إنما أعتقها تبرئة لذمته من ضربها ، (  ح  ) بعض روايات الحديث تنص على أن الجارية كانت متكلمة فصيحة وبعضها تنص على أنها كانت خرساء لا تفصح وفيها أن والجواب كان بالإشارة وهاهنا تكون الألفاظ تصرفا من الرواة ويؤيد ذلك ما ورد في بعض طرق الحديث (فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء ) ، (  خ  ) على اعتبار أن الجارية خرساء عجماء لا تفصح يستقيم السؤال بالإشارة أو بلفظ ( أين الله ) لمعرفة معبودها - وهاهنا يحل إشكال ألفاظ الحديث - لأن المشركين كانوا يعبدون آلهة في الأرض  ويدل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) [ سنن الترمذي5/519(3483) ] يقول الإمام الغزالي: (وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء فقد انكشف به أيضاً- يعني السر في رفع الأيدي إلى السماء- إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهيم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو وقد كان يُظن بها أنها من عبدة الأوثان ومَن يعتقد اللهَ في بيت الأصنام، فاستُنطقت عن معتقدها فعرَّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقد هؤلاء) [الاقتصاد في الاعتقاد صـ 33] ، ( د  ) قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل ( لأن الخلاف فيه بين خطأ وصواب ) دون الاعتقاد لأن الخلاف فيه بين حق وباطل وبين هدى وضلال وبين سنة وبدعة ) ، ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان حيث اشتمل على تسميت العاطس في الصلاة ومنعِ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الافعال ما يتعلق بتسميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث ، ( ذ  ) لفظ ( أين الله ) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه ، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ومصداق ذلك ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) [صحيح البخاري1/17(25) ] وما أخرجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) [  صحيح البخاري 2/505(1331)] ، (  ر  ) لفظ ( أين الله والجواب بأنه في السماء ) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ويؤيده ويدل عليه حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين : كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) [ سنن الترمذي5/519(3483) ] ، (  ز  ) لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين ومصداق ذلك أن النبي صلى الله عليه وأله وسلم بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء وإنما ذكر شهادة التوحيد ( لا لا له له لا الله = محمد رسول الله ) ويؤيدها كذلك حديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )  وقد نص غير واحد من العلمـاء على أنه حديـث متـواتر ، (  س  ) لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله )  هو الموافق لإجماع المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ، ( ش  ) ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: ( أين الله ) وأن الرواية الصحيحة التي ينبغي التعويل عليها هي رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها. ) ويؤيده  الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال ( الله في السماء ) بالدخول في الإسلام والإجماع المقابل على أن الدخول في الإسلام يكون بالشهادتين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله )) ، ( ص ) وأما من قال بصحة حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني: تأويله بما يليق به وهذا هو ما ذكره الإمام النووي عند شرحه للحديث في صحيح مسلم فقال ما نصه : " قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان : أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات. والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها :  هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.   أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ [ النووي في شرحه على صحيح مسلم (ج5 /ص22) ] ، ( ض  ) الحديث بلفظ ( أين الله ) فيه التشابه من وجهين : أحدهما : قولـه صلى الله عليه وسلم لها:( أين الله )  فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه ب ( أين ) على سبيل المكان الحسي وجوابه كما تقدم أنها كانت خرساء عجماء لا سبيل إلى معرفة إيمانها إلا بإشارتها أن معبودها ليس من الأوثان الموجودة في الأرض وإنما هو رب السماء والأرض ، أو أن السؤال محمول على المكانة العالية لا المكان الحسي الذي لا مدح فيه ، والوجه الثاني: قولها في السماء وهذا معناه علو المكانة وعظمة الصفات وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث، ليس كمثله شيء ولله در  الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث يقول في الفتح: "  فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر ، فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث. " أهــ ، ( ط  ) تقدم مما سبق أن تمسك البعض  برواية (( أين الله )) لإثبات المكان الحسي وإثبات الجهة الحسية لله هو أوهى من بيوت العنكبوت  وأن تمسكهم بهذه الرواية تمسك باطل لا وجه له , لأن الحديث الأولى حمله على رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله )  الموافقة للأصول وأنه إذا حكم بصحة رواية ( أين الله )  فالمقصود به السؤال عن المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة الحسيين , والحديث آنذاك ليس على ظاهره المؤدي إلى التمثيل والتحيز والحد والله تعالى منزه عن الكون في مكان وعن أن يجري عليه زمان وهو القاهر فوقهما وفوق كل خلقه { ليس كمثله شيء } ،

(  8  ) أقوال علماء أهل السنة في الفهم الصحيح لرواية ( أين الله ) على أساس ثبوتها : (  أ  ) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه : " قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها : هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين ، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان ) اهـ [ النووي في شرحه على صحيح مسلم (ج5 /ص22) ] ، (  ب  ) وقال الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري : ( قوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله قالت في السماء فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنـزيهه مما يقتضى التشبيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) أهـ [ فتح الباري ج13/ص402] ،  (  ت   ) قال ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه - بعد أن ذكر استعمالات (أين)في الرتبة والمنزلة والدرجة في التقريب والتبعيد والإكرام والإهانة - ، قال : ( فإذا كان ذلك مشهوراً في اللغة احتمل أن يقال إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم (أين الله) استعلام لمنزلته وقدره عندها ، وفي قلبها ، وأشارت إلى السماء ودلت بإشارتها إلى السماء على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منزلة :فلان في السماء ، أي هو رفيع الشأن عظيم المقدار ، كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها على محله في قلبها ومعرفتها به ) أهـ [  مشكل الحديث وبيانه صـ 61 ] ، (  ث  ) قال ابن الجوزي في كتابه الباز الأشهب : ( الحديث السابع عشر : روي مسلم في افراده من حديث معاوية بن الحكم قال : (( كانت لي جارية كانت ترعي غنما لي ، فانطلقت ذات يوم ، فإذا الذئب قد ذهب شاه ، ( وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون ) فصككتها صكة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي ، فقلت ألا أعتقها ..؟ قال أئتني بها ، فأتيته بها ، فقال لها : أين الله ؟ قالت في السماء ، قال من أنا : قالت : أنت رسول الله ، قال أعتقها فإنها مؤمنة ))  قلت : قد ثبت عند العلماء ان الله تعالي لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار ، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها ) أهـ [ الباز الأشهب ص93-94 ] ، ( ج ) وقال محقق الكتاب محمد منير الإمام : ( حديث الجارية مؤول بأنه سؤال عن المكانة لا المكان ، وقولها : في السماء معناه علو المنزلة والقدر، أي أنه أعلي من كل شيء قدرا ، ومن لم يرض بذلك ، وأراد أن يحمله علي ظاهره  فأثبت المكان والحيز لله تعالى محتجاً بأنه لا يخرج عن الظاهر قيل له : لقد خرجت عن الظاهر في حديث أصح من هذا وهو حديث (( أربعوا علي أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنما تدعون سميعاً قريباً وهو أقرب إلي احدكم من عنق راحلته )) رواه البخاري ، فهذا لو حمل علي ظاهره لكان إثبات تحيزٍ لله بين الرجل وبين عنق راحلته ، وهذا ينقض معتقدكم أنه مستقر فوق العرش بمماسة أو بدون مماسة فماذا تفعلون ، والحق الذي لا محيد عنه أن لا يحمل حديث الجارية على ظاهره بل يؤول تأويلاً تفصيلياً، فيؤول هذا الثاني ايضاً على أن المراد به القرب المعنوي ليس القرب الحسي ) أهـ  [ الباز الأشهب ص93-94 ] ، (  ح  ) وقال القرطبي في تفسيره : ( أين ظرف يسأل به عن المكان وهو لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان ... وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم ، الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم هل هي ممن يعتقد أن معبودهم في بيت الأصنام أم لا فقال لها أين الله ؟ فقالت في السماء فقنع منها بذلك وحكم بإيمانها ، إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك ) أهـ [ تفسير القرطبي ج18 ص 315 ] ،

(  9  ) مخالفات رواية ( أين الله ) لأصول العقيدة من جوانب عديدة ، منها مخالفة من جهة اثبات الإيمان بالسؤال عن المكان ، ومخالفة من جهة أن هذا الحديـث معارض للقـواطع العقليـة والنقليـة الـدالة على تنزيه الله تعالى عن المكان لأنّه خالق المكان ، ومخالفة من جهة أنّ الحديث مضطرب في ألفاظه لا يصح اثبات عقيدة به ، ومخالفة من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثته وإلى انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى تلقين الإيمان والإسلام بإثبات المكان لله ،، ومخالفة من جهة اقرار المشركين بأنّ الله تعالى في السماء وهذا لا يكفي لإثبات الإيمان والتوحيد للمسلم ،، ومخالفة من جهة الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن المكان ، ومن جهة مخالفة تلك العقيدة لإجماع الأصوليين المتخصصين في علم التقديس والواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى من علماء أهل السنّة والجماعة الخبراء في العقيدة الناجية والمتفقين على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، فلا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ، (  أ  ) المخالفة الأولى من جهة اثبات الإيمان بالسؤال عن المكان ، وذلك لأنّ اعتقاد وجود الله تعالى في السماء لا يثبت توحيـداً ولا تنفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الجارية بما لا يكفـي للحكـم بإسلامها ، وهذا مما يعزز أنّ الرواية الحقيقية جاءت بلفظ (( أتشهدين أن لا إله إلا الله )) أو أنّها  كانت خرساء ، وكان الاستفهام بالإشارة لمعرفة من تعبد ، وليس إثبات المكان لله ، (  ب  ) المخالفة الثانية : أن هذا الحديـث معارض للقـواطع العقليـة والنقليـة الـدالة على تنزيه الله تعالى عن المكان لأنّه خالق المكان ، وتنزيه الله تعالى عن التحيز في جهة من الجهات ولو كانت جهة فوق لأنّ جميع الجهات خلقه وهي محدودة والله تعالى منزه عن الحد والنهاية  وقد أجمع المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن المكان ، ( ت  ) المخالفة الثالثة من جهة أنّ الحديث مضطرب لا يصح اثبات عقيدة به ، واضطرابه يسبب ضعف الاستدلال به في مسألة من مسائل الطهارة فضلاً عن أصول العقيدة التي لا ينبغي أن نمتحن الناس فيها بحديث مضطرب اختلفت رواياته ، والمحكم فيها بلفظ (( أتشهدين أن لا إله إلا الله )) أو بلفظ (( من ربك )) لأنّ هذا هو ما يوافق الأصول عند الحكم على الإيمان والكفر ، واللفظ الثالث (( أين الله )) متشابه ينبغي رده إلى محكمه الذي يثبت به الإيمان وإلا فما علاقة المكان بالإيمان ، وهذا اللفظ معارض بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة المتواترة ودلالة العقـل السليم واجماع أهل التخصص في مجال العقيدة ممن درسوا ما يجوز نسبته ، وما لا يجوز نسبته في حق الله تعالى ، (  ث  ) المخالفة الرابعة من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثته وإلى انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى تلقين الإيمان والإسلام بإثبات المكان لله ، ولو ثبت ذلك لتواتر عنه لأهميته في اثبات الإيمان ،  بل الثابت عنه تلقين كلمة الشهادة وبعثِ رسله بالدعوة إليها ، ولم يُذكر أن أحداً من رسله دعا الناس إلى الإيمان بوجود الله في السماء ولا استكشف عن إيمان أحد بسؤاله : (( أين الله )) سوى تلك الرواية المضطربة التي تعددت ألفاظها بحيث لا تستقر على لفظ واحد ، وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه  ، وتواتر عنه صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن هذه العقيـدة المزعومة ، كما تواتر عنه  صلى الله عليه وأله وسلم أنّه بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء التي يدافع عنها الذين يتبعون المتشابه ابتغاء فتنة المسلمين عن دينهم ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )) [  صحيح البخاري : ح 25  ] ، وما أخرجه عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال : (( ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم )) [ صحيح البخاري : ح 1331 ] ، فهذا هو الذي تواتر عنه صلى الله عليه وسلم ، (  ج  ) المخالفة الخامسة اقرار المشركين بأنّ الله تعالى في السماء وهذا لا يكفي لإثبات الإيمان والتوحيد للمسلم ، فالمشركون كانوا يقرون بأن الله تعالى في السماء فلا يكون جواب الجارية كافياً في الدلالة على التوحيد، ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي بسنده عن عمران بن حصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي : (( يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي : سبعة ، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء )) [  سنن الترمذي : ح 3483  ] ،

( 10 ) المخالفة السادسة الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن المكان ،  ومن تلك الأدلة قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كان الله ولم يكن شيء غيره ))  [ البخاري ( 3020 ) ] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال فوق الوجود الزماني ، وكمال فوق الوجود المكاني ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، له كمال الوجود الأعلى من الزمان ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فوجوده قبل الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، وله كمال الوجود الاعلى من المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، ( ب ) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، ( ت ) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، وقال تعالى : { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ،  ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ، ( ث ) قوله تعالى { قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله } مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى : { وله ما سكن في الليل والنهار } يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان ،  ( ج ) وجود الله تعالى قبل خلق المكان ووجوده سبحانه بعد فناء المكان فلا يحويه مكان ، تنزه عن المكان وتعالى عن الجهات والأركان كان قديم السلطان قبل خلق المكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان قبل خلق المكان ، ( ح ) وجود الله تعالى قبل خلق الزمان ووجود الله تعالى منزه عن الزمان لا يجري عليه زمان ولا تحكمه قوانين الزمان إذ هو الخالق والحاكم المهيمن على كل مخلوق ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود تنزه عن الزمان والمكان تنزه الخالق على المخلوق وتنزه القاهر على المقهور( وهو القاهر فوق عباده ) ، ( خ ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،  ( د ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون : أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ( بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها ) والله تعالى خالق مقدِر ( بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها ) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود ، وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ ، (  ذ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن المكان : أنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل متحيز فهو محدود يحتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به والله تعالى منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر والله تعالى هو الخالق المقدر لها، ومنزه عن أن يحيط به شيء لأنه بكل شيء محيط ، فتحتم من ذلك تنزيهه عن أن يحيزه شيء من خلقه وكل ما في الوجود سواه فهو خلقه الفقير إليه وهو الغني عنهم ، (  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء ، (  ز  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ، (  س ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ، (  ش  ) قوله تعالى ( الله الصمد ) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان ، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق ، ( ص  ) قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق ، (  ض  ) قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق ، ( ط ) قوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره ، (  ظ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ، (  ع ) قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء ،  ( غ ) الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام ، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري ، (  ف ) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا ، ( ق ) أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ، ( ك ) وأخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً : عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا - بفهم سقيم بعيد عن التقديس  - هل هو  ( سبحانه ) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا ، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ، ( ل ) وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق ، وأعظم به من منهاج ، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا  ( علم توحيد الذات ) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ،  ( م ) وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) [ تنبيه ] : تنزيه الخالق سبحانه عن المكان ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، والإحاطة في قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، ولا نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،

(  11  ) المخالفة السابعة : مخالفة تلك العقيدة لإجماع الأصوليين المتخصصين في علم التقديس والواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى من علماء أهل السنّة والجماعة الخبراء في العقيدة الناجية والمتفقين على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، فلا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ، ومن أقوالهم في ذلك  : ( 1 ) قول الإمام الطحاوي - وهو من كبار أئمة السلف وهو أعلم بأقوالهم ومذاهبهم - قال : ( هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة والدين أبي حنيفة النعمان وصاحبيه أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني ... وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)  أهــ   [ متن العقيدة الطحاوية ]  ، ( 2 ) وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني   : ( وأجمعوا- أي أهل السنة- على أنه -  أي الله تعالى - لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان  ) أهـ  [ الفرق بين الفرق صـ 333 ] ، ( 3 ) وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني : ( الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث " أهـ [  التبصير في الدين ص161 ] ،  ( 4 ) وقال الإمام الشهرستاني الشافعي : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شىء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ سورة الشورى : 11 ] ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ) أهــ [ الملل والنحل للشهرستاني ] ، ( 5 ) وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره  : ( انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ) أهــ [ تفسير الرازي 29:216 ] ، ( 6 ) وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي ( ت : 333 هـ) : ( إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الان، جل عن التغير والزوال والاستحالة )  اهـ. [كتاب التوحيد (ص/ 69).] ، ( 7 ) وقال القاضي أبو بكر محمد الباقلاني المالكي : ( ولا نقول إن العرش له- أي الله- قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان )  اهـ.[ الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص/65).] ، ( 8 ) وقال الإمام أبو بكر ابن فورك  : ( لا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه محدودا ومتناهيا وذلك لاستحالة كونه محدثا ) أهـ.[  مشكل الحديث (ص/ 57) ] ، ( 9 ) وقال الإمام ابن بطال المالكي (449 هـ) أحد شراح صحيح البخاري : ( غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه- أي تعاليه- مع تنزيهه عن المكان ) اهـ. [ فتح الباري (13/ 416) ] ، وقال أيضا : ( لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان، لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان " اهـ [  فتح الباري (13/ 433) ] ، ( 10 ) وقال الحافظ محمد بن حبان (453هـ) صاحب الصحيح المشهور بصحيح ابن حبان : ( الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان)  اهـ. [ الثقات (1/ 1) ] ، ( 11 ) وقال الإمام ابن حزم الأندلسي (456 هـ) : ( وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة، قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } ، وقال { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } ، والزمان والمكان هما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام اهـ. [ أنظر كتابه علم الكلام: مسألة في نفي المكان عن الله تعالى (ص/ 65) ] ، ( 12 ) وقال الإمام الحافظ البيهقي (458هـ) :  ( والذي روي في ءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان. واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء))، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان)  اهـ. [ الأسماء والصفات (ص/ 400) ] ، ( 13 ) وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي (476 هـ) : ( وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، فدل على أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان " اهـ.[ شرح اللمع : ج 1 : 101 ] ، ( 14 ) وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (478 هـ) : ( البارئ سبحانه وتعالى قائم بنفسه ، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يقله ) اهـ. [ الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/ 53) ] ، وقال أيضا : ( مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات ) أهـ [الإرشاد (ص/ 58) ] ، وقال أيضا : ( واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، وبتنزه عن الاختصاص بجهة ، وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت ءاراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسه ، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيما تقدم" اهـ [الشامل في أصول الدين : ص :  511 ] ، ( 15 ) وقال الإمام أبو حامد الغزالي (505 هـ) : ( تعالى [ الله ] عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الان على ما عليه كان )  اهـ.[  إحياء علوم الدين: كتاب قواعد العقائد، (1/ 108) ] ، وقال أيضا : ( الأصل السابع: العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا، والاخر يقابله ويسمى رأسا، فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرِّجل، حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحت وإن كان في حقنا فوقًا. وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان. ثم قال: "فكيف كان في الأزل مختصًا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خلق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرّجل: وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصًا بالجهة: وإن اريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا اشاره إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال و الكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء" اهـ [إحياء علوم الدين: (1/ 128) ] ، ( 16 ) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (543 هـ) : ( البارئ تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار )  اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( إن الله سبحانه منزه عن الحركـة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل ) اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 289 ] ، وقال أيضا : ( الله تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات ) أهـ [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( وان علم الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى  كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته " اهـ. [ عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي : ج 12 : 184 ] ، ( 17 ) وقال القاضي عياض المالكي ( 544 هـ ) : ( اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله او إلى الله فليس بدنو مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق: ليس بدُنو حد، صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء ) اهـ [ الشفا : ج1 : 205 ] ، ( 18 ) وقال الإمام الشهرستاني ( ت 548هـ) : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }  ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان )  اهـ.[ نهاية الأقدام ص/ 103] ، وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597هـ) : ( الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال)  اهـ. [ دفع شبه التشبيه (ص/58) ] ، وقال في صيد الخاطر : ( فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل) اهـ [ صيد الخاطر : ص/ 476 ] ، وقال في الباز الأشهب : ( كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان" اهـ.[ الباز الأشهب ص 57] ، ( 19 ) وقال الحافظ ابن عساكر (620 هـ) – في درة من تنزيهات العلماء – (  موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان ) اهـ [ طبقات الشافعية (8/ 186) ] ، ( 20 ) وقال سلطان العلماء  عبد العزيز بن عبد السلام (660 ه) : ( ليس [ الله تعالى ] بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يُشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ [طبقات الشافعية : (8/ 219) ] ، ( 21 ) وقال الإمام المفسّر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (671هـ) : ( و" العليّ " يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز)  أهـ [ الجامع لأحكام القرءان : (3/ 278)] ، وقال أيضًا ( والقاعدة تنزيهه سبحانه وتعالى عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة )  اهـ. [ المصدر السابق : (6/ 390) ] ، وقال أيضًا : ( ومعنى:{فوق عباده} [سورة الأنعام/18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان" اهـ. [ المصدر السابق : (6/ 399) ] ، وقال أيضًا عند تفسير ءاية :{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام/158] :  ( وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا ) اهـ. [  المصدر السابق : (7/ 145) ] ، وقال أيضًا : في تفسير آية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا} : ( والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز" اهـ. [  المصدر السابق : (20/55)] ، وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى:{ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك/16] : ( والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) اهـ [ المصدر السابق: ( 18/216) ] ، ( 22 ) وقال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي (676هـ) :  ( إن الله تعالى ليس كمثله شىء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ) اهـ. [ شرح صحيح مسلم 3/19] ، ( 23 ) وقال الإمام البيضاوي (685 هـ) : ( ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ) أهـ [ فتح الباري (3/ 31)] ، ( 24 ) وقال الإمام المفسر النسفي (710 هـ ) :  (إنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان ) اهـ. [ تفسير النسفي : (ج2/2،48) ] ، ( 25 ) وقال العلامة ابن منظور (711 هـ) : ( وفي الحديث: (( من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا ))   المراد بقرب العبد من الله عز وجل: القرب بالذكر والعمل الصالح لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس) [  لسان العرب ، مادة: ق رب (1/ 663- 664) ] ، ( 26 ) وقال الإمام القاضي بدر الدين ابن جماعة (733 ه ) : ( كان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الان على ما عليه كان)  اهـ. [ إيضاح الدليل (ص/ 103- 4. 1)] ، وقال أيضا : ( فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة. " قلنا: الموجود قسمان: موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله. فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلا، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له ) اهـ [ إيضاح الدليل (ص/ 104- 105) ] ، ( 27 ) وقال المفسِّر النحوي محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي (745 هـ) عند تفسير قوله تعالى :{ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه } : ( وعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة ) اهـ [ البحر المحيط (6/ 302)] ، وقال أيضا : ( قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة ) اهـ. [البحر المحيط: 16- 8/ 302) ] ، ( 28 ) وقال الإمام الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826 هـ) : (  "وقوله أي النبي- "فهو عنده فوق العرش "لا بد من تأويل ظاهر لفظة "عنده " لأن معناها حضرة الشيء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده ) اهـ [ طرح التثريب (8/،84) ] ، ( 29 ) وقال إمام الدنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني (852 هـ)  : ( ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالا على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شىء علما جلّ وعز ) أهـ  [ فتح الباري(6/ 136) ] ، ( 30 ) وقال الإمام العَيْني أحد أكبر شراح صحيح البخاري (855 هـ) : ( ولا يدل قوله تعالى :{ وكان عرشه على الماء }  على أنه - تعالى- حالّ عليه، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه " اهـ. [ عمدة القاري (مجلد 12/ 25/ 111) ] ، وقال أيضا : ( تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان ) أ ه [ عمدة القاري (مجلد 12/ 25/ 117) ] ، ( 31 ) وقال الحافظ السخاوي (902 هـ ) : ( قال شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر-: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ) أهـ. [ المقاصد الحسنة (رقم 886، ص/ 342) ] ، ( 32 ) وقال الحافظ جلال الدين السيوطي (911 هـ) عند شرح حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) : ( قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى ) أهـ. [شرح السيوطي لسنن النساني (1/ 576) ] ، ( 33 ) وقال الإمام القسطلاني  (933هـ) في شرحه على صحيح البخاري : ( ذات الله منزه عن المكان والجهة ) أهـ. [ إرشاد الساري (15/ 451) ] ( 34 ) وقال الإمام القاضي أبو زكريا الأنصاري (926 هـ) : ( إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان) أهـ [ حاشية الرسالة القشيرية (ص/ 2) ] ، وقال أيضا : ( لا مكان له  - سبحانه - كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان) أهـ [ المصدر السابق : (ص/ 5) ] ،

***

 

( ثالثاً ) تحقيق القول في حديث النزول

والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان

( 1 ) أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) [ البخاري ح 1077 ] ، وقال ابن حجر - في درة تنزيهية من كلامه - في شرح الحديث : ( قوله : ( ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ) استدل به من أثبت الجهة وقال : هي جهة العلو , وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك ،  وقد اختلف في معنى النزول على أقوال : فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم ، ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة , والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا , ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف , ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم , ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب , ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف , ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبا مستعملا في كلام العرب وبين ما يكون بعيدا مهجورا فأول في بعض وفوض في بعض , وهو منقول عن مالك وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد , قال البيهقي : وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه , ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم . وسيأتي مزيد بسط في ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى . وقال ابن العربي : حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث , وعن السلف إمرارها , وعن قوم تأويلها وبه أقول . فأما قوله ينزل فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته , بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه , والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني , فإن حملته في الحديث على الحسي فتلك صفة الملك المبعوث بذلك , وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة , فهي عربية صحيحة انتهى . والحاصل أنه تأوله بوجهين : إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره , وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه . وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا , ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ : (( إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل , ثم يأمر مناديا يقول : هل من داع فيستجاب له  ))  الحديث ، وفي حديث عثمان بن أبي العاص : (( ينادي مناد هل من داع يستجاب له )) الحديث . قال القرطبي : وبهذا يرتفع الإشكال , ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني : (( ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول : لا أسأل عن عبادي غيري ))  لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور . وقال البيضاوي : ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه , فالمراد نور رحمته , أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة ) أهـ [ فتح الباري  : ج: 3 ص: 30 ] ،

( 2 ) وأخرج البخاري أيضاً عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  ) [ البخاري  ح 6940 ] ،  وقال ابن حجر - في درة تنزيهية من كلامه - في شرح الحديث : ( قد تقدم شرحه في  كتاب التهجد  في باب الدعاء في الصلاة في آخر الليل , وتقدم هناك مناسبة الترجمة لحديث الباب مع أن لفظه ( حين يبقى ثلث الليل ) ومضى بيان الاختلاف فيما يتعلق بأحاديث الصفات في أوائل " كتاب التوحيد " في باب وكان عرشه على الماء , والغرض منه هنا قوله " فيقول من يدعوني " إلى آخره وهو ظاهر في المراد سواء كان المنادي به ملكا بأمره أو لا ; لأن المراد إثبات نسبة القول إليه وهي حاصلة على كل من الحالتين , وقد نبهت على من أخرج الزيادة المصرحة بأن الله يأمر ملكا فينادي في " كتاب التهجد " وتأويل ابن حزم النزول بأنه فعل يفعله الله في سماء الدنيا كالفتح لقبول الدعاء وأن تلك الساعة من مظان الإجابة وهو معهود في اللغة , تقول : فلان نزل لي عن حقه بمعنى وهبه , قال : والدليل على أنها صفة فعل تعليقه بوقت محدود ومن لم يزل لا يتعلق بالزمان فصح أنه فعل حادث , وقد عقد شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي وهو من المبالغين في الإثبات حتى طعن فيه بعضهم بسبب ذلك في كتابه الفاروق بابا لهذا الحديث , وأورده من طرق كثيرة ثم ذكره من طرق زعم أنها لا تقبل التأويل , إلى أن قال : فهذه الطرق كلها ضعيفة وعلى تقدير ثبوتها لا يقبل قوله أنها لا تقبل التأويل فإن محصلها ذكر الصعود بعد النزول فكما قبل النزول التأويل لا يمنع قبول الصعود التأويل , والتسليم أسلم كما تقدم والله أعلم . وقد أجاد هو في قوله في آخر كتابه فأشار إلى ما ورد من الصفات وكلها من التقريب لا من التمثيل , وفي مذاهب العرب سعة , يقولون أمر بين كالشمس وجواد كالريح وحق كالنهار , ولا تريد تحقيق الاشتباه وإنما تريد تحقيق الإثبات والتقريب على الأفهام , فقد علم من عقل أن الماء أبعد الأشياء شبها بالصخر , والله يقول ( في موج كالجبال ) فأراد العظم والعلو لا الشبه في الحقيقة , والعرب تشبه الصورة بالشمس والقمر , واللفظ بالسحر , والمواعيد الكاذبة بالرياح , ولا تعد شيئا من ذلك كذبا ولا توجب حقيقة وبالله التوفيق ) أهـ [  فتح الباري ج: 13 ص: 468 ] ،

( 3 ) وأخرج مسلم في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )) [ مسلم : ح :1261 ] ، وقال النووي - في درة من تنزيهاته - في شرح الحديث : ( قوله صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول : من يدعوني فأستجيب له )) هذا الحديث من أحاديث الصفات , وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين : أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى , وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد , ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق , وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني : مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي : أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها . فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما : تأويل مالك بن أنس وغيره معناه : تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال : فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره . والثاني : أنه على الاستعارة , ومعناه : الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف ، والله أعلم  ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم ] ، وقال رحمه الله في المجموع : (  وعن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة» رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة حين يبقى من ثلث الليل الآخر يقول من يدعو فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» رواه البخاري ومسلم وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران : ( أحدهما ) تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين و ( الثاني ) : الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد   تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى { ليس كمثله شيء } وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم ) أهـ [ المجموع ج: 4 ص: 51 ] ،

( 4 ) ومن أقوال شرّاح الحديث في بيان معانيه ، دون الغوص في الحشو والتشبيه  : قال الإمام البيهقي في كتابه القيم (الاسماء والصفات ) - بعد أن نقل قول القتيبي : قد يكون  النزول بمعنى إقبالك على الشيء بالارادة والنية ، وقل الإمام أبي حنيفة عنه : ينزل بلا كيف ، وقول حماد بن زيد : نزوله إقباله  ، قال البيهقي : ( وأخبرنا عبدالله الحافظ , قال : سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني , يقول : حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة , وورد في التنزيل ما يصدقه , وهو قوله تعالى : {  وجاء ربك والملك صفا صفا } ، والمجىء والنزول صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة , والانتقال من حال الى حال , بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه , جل الله عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا ً ) أهـ [  الاسماء والصفات صـ317 ] ، وقال أيضاً :  ( قال أبو سليمان الخطابي في حديث النزول : وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال , فحاد عن هذه الطريقة _ طريقة السلف _ حين روى حديث النزول : أقبل على نفسه فقال : إن قال قائل :كيف نزل ربنا إلى السماء ؟ قيل له :ينزل كيف يشاء .فإن قال :هل يتحرك إذا نزل ؟ فقال : إن شاء يتحرك ,وإن لم يشألم يتحرك ، وهذا خطأ فاحش عظيم ,والله تعالى لا يوصف بالحركة ,لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد ,وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون , وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين , والله تبارك وتعالى متعال عنهما ( ليس كمثله شيء ) , فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل فيما لايعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش .قال : وإنما ذكرت هذا لكي يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع فإنه لايثمر خيرا ولا يفيد رشدا .ونسأل الله العصمة من الضلال , والقول بما لا يجوز من الفاسد والمحال  ) أهـ [ الأسماء والصفات : 454 ] ، وقال الإمام العيني - في درة من تنزيهاته - في شرح حديث النزول من صحيح البخاري  :  (حمل صاحب (المفهم) الحديث على النزول المعنوي على رواية مالك عنه عند مسلم، فإنه قال فيها:  (( يتنزل ربنا )) ، بزيادة: تاء، بعد: ياء المضارعة، فقال: كذا صحت الرواية هنا، وهي ظاهرة في النزول المعنوي وإليها يرد (( ينزل )) على أحد التأويلات، ومعنى ذلك أن مقتضى عظمة الله وجلاله واستغنائه أن لا يعبأ بحقير ذليل فقير، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه لأن يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم، ويكون قوله: «إلى السماء الدنيا»، عبارة عن الحالة القريبة إلينا، والدنيا بمعنى: القربى، والله أعلم ،  ثم الكلام هنا على أنواع. الأول: احتج به قوم على إثبات الجهة لله تعالى، وقالوا: هي جهة العلو، وممن قال بذلك: ابن قتيبة وابن عبد البر، وحكي أيضا عن أبي محمد بن أبي زيد القيرواني، وأنكر ذلك جمهور العلماء لأن القول بالجهة يؤدي إلى تحيز وإحاطة، وقد تعالى الله عن ذلك ،   الثاني: أن المعتزلة أو أكثرهم: كجهم بن صفوان وإبراهيم بن صالح ومنصور بن طلحة والخوارج، أنكروا صحة تلك الأحاديث الواردة في هذا الباب، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما ورد من ذلك في القرآن وأنكروا ما ورد في الحديث إما جعلاً وإما عنادا... [و]الجمهور سلكوا في هذا  الباب الطريق الواضحة السالمة، وأجروا على ما ورد مؤمنين به منزهين لله تعالى عن التشبيه والكيفية، وهم: الزهري والأوزاعي وابن المبارك ومكحول وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم من أئمة الدين. ومنهم الأئمة الأربعة : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد. قال البيهقي في (كتاب الأسماء والصفات): قرأت بخط الإمام أبي عثمان الصابوني، عقيب حديث النزول: قال الاستاذ أبو منصور (يعني )الجمشاذي: وقد اختلف العلماء في قوله: «ينزل الله»، فسئل أبو حنيفة فقال: بلا كيف، وقال حماد بن زيد: نزوله إقباله. وروى البيهقي في (كتاب الاعتقاد) بإسناده إلى يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: لا يقال للأصل: لِمَ ولا كيف، وروى بإسناده إلى الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: الأصل كتاب أو سنة أو قول بعض أصحاب رسول الله  أو إجماع الناس ، ( قلت ) : لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منزه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو  من المتشابهات، فالعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة: يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله، عز وجل، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان. والثاني: المؤولة: يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى: ينزل الله: ينزل أمره أو ملائكته وبأنه استعارة، ومعناه: التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك، .. وقال القاضي البيضاوي، لما ثبت بالقواطع العقلية أنه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، فالمراد دنو رحمته، وقد روي: يهبط الله من السماء العليا إلى السماء الدنيا، أي: ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي  الأنفة من الأراذل وقهر الأعداء والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام للرأفة والرحمة والعفو، ويقال: لا فرق بين المجيء والإتيان والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والسكون والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا ليق به الانتقال والحركة، كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى. فالنزول: لغة، يستعمل لمعان خمسة مختلفة: بمعنى الانتقال: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 84 ] ، و: الإعلام {نزل به الروح الأمين} [ الشعراء: 391 ] أي: أعلم به الروح الأمين محمدا ، وبمعنى: القول {سأنزل مثل ما أنزل الله} [ الأنعام: 39 ] ، أي سأقول مثل ما قال، والإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم ، جار في عرفهم، يقولون: نزل فلان من مكارم الأخلاف إلى دنيها، ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض، وبمعنى: نزول الحكم، من ذلك قولهم: كنا في خير وعدل حتى نزل بنا بنو فلان، أي: حكم، وذلك كله متعارف عند أهل اللغة: وإذا كانت مشتركة في المعنى وجب حمل ما وصف به الرب جل جلاله من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعاني، وهو: إقباله على أهل الأرض بالرحمة ) أهـ  [ شرح العيني على صحيح البخاري : ج 3 : ص : 622 ، 623 ] ،  وقال السندي في شرحه للحديث علي سنن بن ماجة : ( قوله : (( ينزل ربنا ))  حقيقة النزول تفوض إلى علم الله تعالى نعم القدر المقصود بالإفهام يعرفه كل واحد وهو أن ذلك الوقت قرب الرحمة إلى العباد فلا ينبغي لهم إضاعته بالغفلة ) أهـ ، وجاء في المنتقي شرح الموطأ : ( قوله صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا )) إخبار عن إجابة الدعاء في ذلك الوقت وإعطاء السائلين ما سألوه وغفرانه للمستغفرين , وتنبيه على فضيلة ذلك الوقت , وحض على كثرة الدعاء والسؤال والاستغفار فيه ومن هذا المعنى ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى إذا تقرب إلي عبدي شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإذا أتاني يمشي أتيت إليه هرولة ولم يرد به التقرب في المسافة فإن ذلك غير ممكن ولا موجود وإنما أراد التقرب بالعمل من العبد والقرب منه تعالى بالإجابة والقبول ومن ذلك يقال فلان قريب من فلان ويقولون في الرئيس هو قريب من الناس إذا كان كثير الإسعاف لهم والترحيب بهم وهو مشهور في كلام العرب وفي العتبية سألت مالكا عن الحديث الذي جاء في جنازة سعد بن معاذ في العرش فقال لا يتحدثن به وما يدعو الإنسان إلى أن يتحدث به وهو يرى ما فيه من التغرير , وحديث إن الله خلق آدم على صورته , وحديث الساق قال ابن القاسم لا ينبغي لمن يتقي الله أن يحدث بمثل هذا ) أهـ ، وقال الشيخ شهاب الدين القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري : ( قولـه : (( ينـزل ربنا )) تبارك وتعالى نزول رحمة ومزيد لطف وإجابة دعوة وقبول معذرة كما هـو ديدن الملوك الكرماء والسادة الرحماء إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين ملهوفين فقراء مستضعفين لا نزول حركة وانتقال لاستحالة ذلك على الله فهو نزول معنوي ، نعم يجوز حمله على الحسي ويكون راجعا إلى أفعاله لا إلى ذاته بل هو عبارة عن ملكه الـذي يـنـزل بأمره ونهيه ، قال الزركشي لكن روى ابن حبان في صحيحه: ينـزل الله إلى السماء فيقول لا يسأل عن عبادي غيري وأجاب عنه في المصابيح بأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عما صنع العباد ويجوز أن يكون الملك مأمورا بالمناداة ولا يسأل البتة عما كان بعدها فهو سبحانه وتعالى أعلم بما كان وبما يكون لا تخفى عليه خافية ، وقوله جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه وهو قوله:  ((كل ليلة إلى سماء الدنيا )) لأنه لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة أتى بما يدل على التـنـزيه حين يبقى ثلث الليل الآخر منه بالرفع صفة وتخصيصه بالليل وبالثلث الأخير منه لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله تعالى وافرة وذلك مظنة القبول والإجابة ) أهـ ، وقال الشيخ ملا علي القاري في شرح الشفا : ( ورحم الله مالكا فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث الموهمة للتشبيه المحتاجة إلى التأويل المقتضي للتـنـزيه والمشكلة المعنى المبنية على استعارة في المبنى كحديث البخاري وغيره : (( ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول هل من داع فأستجيب له هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر لـه )) ، فإن نـزوله سبحانه وتعالى كناية عن تنـزلات رحمته وموجبات إجابة دعوته وأسباب مغفرته أو يقال إنه سبحانه وتعالى له نزول يليق بشأنه مع اعتقاد التـنـزيه لـه عن انتـقال وتـغـير ووجود مكان وزمان في ذاته وكذا الحكم في الآيات المتشابهات وسائر الأحاديث المشكلات فللسلف والخلـف مذهبان فالمتقدمون على التسليم والتوكيل ومنهم أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والمتأخرون على التأويل والكل قائلون بالتـنـزيه ومانعون عن التشبيه ) أهـ ، وقال الإمام ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه  : ( قوله تعالى : {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم } [ النحل 26 ] ،  وقوله تعالى { هل ينظرون إلا أن يأتهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } [ البقرة : 210 ] ، وقوله تعالى: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [ الفجر ] : اعلم أنه لا فرق بين الاتيان والمجيء والنزول إذا أضيف جميع ذلك إلى الأجسام التي تتحرك وتنتقل وتحازي مكانا ، إن جميع ذلك يعقل من ظاهرها ،والمعنى الذي هو الحركة والنقل ، التي هي تفريغ مكان وشغل مكان .وإذا أضيف إلى ما لايليق به الانتقال من مكان إلى مكان لاستحالة وصفه كان معنى ما يضاف إليه من الإتيان والمجيء على حسب ما يليق بنعته وصفته ، إذا ورد به الكتاب ، وكذلك إذا أضيف النزول إليه ، وورد الخبر الصحيح الموثوق بروايته ونقله وصحته ، في باب أنه يحمل على نحو ما حمل عليه معنى المجيء ، والإتيان إذا ذكرا في أوصافه في الكتاب ، وإذا كان كذلك تأملنا معنى ما ورد في الخبر من لفظ النزول ، ونزلناه على الوجه الذي يليق بوصفه ، وعلى المعنى الذي لا ينكر استعمال مثله في اللسان في مثل معناه ولا أن يرد الخبر بمثله ، فمن ذلك أنا وجدنا لفظة النزول في اللغة مستعملة على معان مختلفة ، ولم تكن هذه اللفظة مما يخص أمرا واحداً ، حتى لا يمكن العدول عنه إلى غيره بل وجدناه مشترك المعنى واحتمل التأويل والتخريج والترتيب ،فمن ذلك : النزول بمعنى الانتقال ، وذلك في قوله سبحانه : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) الفرقان على معنى النقلة والتحويل ،ومن ذلك النزول بمعنى الاعلام كقوله عز وجل : ( نزل به الروح الأمين  على قلبك ) الشعراء.أي اعلم به الروح الأمين محمداً صلى الله عليه وسلم ، والنزول مثل ما أنزل الله ) الأنعام ، والنزول أيضا بمعنى الإقبال على الشيء وذلك هو المستعمل في قولهم والجاري في عرفهم ، وهو أنهم يقولون : إن فلانا أخذ بمكارم الأخلاق ثم نزل منها إلى سفاسفها أي أقبل منها إلى رديئها ،ومثله في نقصان الدرجة والمرتبة لأنهم يقولون : نزلت منزله فلان عن فلان عما كانت عليه إلى ما دونها إذا انحط قدره عنده ،ومن ذلك أيضا النزول بمعنى نزول الحكم  من ذلك قول الناس قد كنا في عدل وخير ، حتى نزل بنا بنو فلان إلى حكمهم ، وكل ذلك في ذلك في معنى النزول متعارف بين أهل اللغة غير مرفوع عنهم اشتراك معناه ) أهـ [مشكل الحديث وبيانه ، ص200:202 ] ، وقال ابن حزم في الفصل في الملل : (  وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن الله تعالى ينزل كل ليلة إذا بقي ثلث الليل إلى سماء الدنيا   قال أبو محمد وهذا إنما هو فعل يفعله الله تعالى في سماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء وان تلك الساعة من مظان القبول والإجابة والمغفرة للمجتهدين والمستغفرين والتائبين وهذا معهود في اللغة تقول نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لي وتطول به علي ومن البرهان على أنه صفة فعل لا صفة ذات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علق التنزل المذكور بوقت محدد فصح أنه فعل محدث في ذلك مفعول حينئذ وقد علمنا أن ما لم يزل فليس متعلقا بزمان البتة وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ الحديث المذكور ما ذلك الفعل وهو أنه ذكر عليه السلام أن الله يأمر مالكا ينادي في ذلك الوقت بذلك وأيضا فإن ثلث الليل مختلف في البلاد باختلاف المطالع والمغارب يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه فصح ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك الوقت لأهل كل أفق وأما من جعل ذلك نقلة ، فقد قدمنا بطلان قوله في أبطال القول  بالجسم بعون الله وتأييده ولو انتقل تعالي لكان محدودا مخلوقا مؤلفا شاغلا لمكان وهذه صفة المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد حمد الله إبراهيم خليله ورسوله وعبده صلى الله عليه وسلم إذ بين لقومه بنقلة القمر أنه ليس ربا فقال فلما أفل قال لا أحب الآفلين وكل منتقل عن مكان فهو آفل عنه تعالى الله عن هذا وكذلك القول في قوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا وقوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر فهذا كله علي ما بينا من أن المجيء والإتيان يوم القيامة فعل يفعله الله تعالى في ذلك اليوم يسمى ذلك الفعل مجيئا وإتيانا وقد روينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال وجاء ربك إنما معناه وجاء أمر ربك   قال أبو محمد لا تعقل الصفة والصفات في اللغة التي بها نزل بها القرآن وفي سائر اللغات وفي وجود العقل وفي ضرورة الحس إلا أعراضا محمولة في الموصوفين فإذا جوزوها غير أعراض بخلاف المعهود فقد تحكموا بلا دليل إذ إنما يصار إلى مثل هذا فيما ورد به نص ولم يرد قط نص بلفظ الصفات ولا بلفظ الصفة فمن المحال أن يؤتى بلفظ لا نص فيه يعبر به عن خلاف المعهود وقال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ثم قال تعالى فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون فلو ذكروا الأمثال مكان الصفات لذكر الله تعالى لفظة المثل لكان أولى ثم قد بين الله تعالى غاية البيان فقال فلا تضربوا لله الأمثال وقد أخبر الله تعالى بأن له المثل الأعلى فصح ضرورة انه لا يضرب له مثل إلا ما أخبر به تعالى فقط ولا يحل أن يزاد على ذلك سيء أصلا وبالله تعالى التوفيق ) أهـ [ الفصل في الملل ج: 2 ص: 132 ] ،  وقال الإمام بن جهبل وهو يرد على من زعم حقيقة النزول :  ( وكما تطلق العرب النزول على الانتقال تطلقه على غيره كما جاء في كتابه العزيز : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ، وقوله تعالى : { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ولم ير أحد قط قطعة حديد نازلة من السماء في الهواء ولا جملا يحلق من السماء إلى الأرض فكما جوز هنا أن النزول غير الانتقال من العلو إلى السفل فليجوزه هناك ) أهـ [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 51 ] ،  وقال الزرقاني في شرح حديث النزول في الموطأ : ( وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري عن أبي هريرة أن رسول الله قال : (( ينزل ربنا )) اختلف فيه فالراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا على طريق الإجمال منزهين لله تعالى عن الكيفية والتشبيه ،ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والليث والأوزاعي وغيرهم قال البيهقي وهو أسلم ويدل عليه اتفاقهم على أن التأويل المعين لا يجب فحينئذ التفويض أسلم   ، وحكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا قال الحافظ ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد أن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له الحديث  ، وحديث عثمان بن أبي العاص عند أحمد ينادي مناد هل من داع يستجاب له الحديث      قال القرطبي : وبهذا يرتفع الإشكال ولا يعكر عليه حديث رفاعة الجهني عند النسائي ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول لا أسأل عن عبادي غيري لأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عن صنع العباد بل يجوز أنه مأمور بالمناداة ولا يسأل البتة عما بعدها فهو أعلم سبحانه بما كان وما يكون انتهى  ، هذا وقد حمل المشبهة الحديث وأحاديث التشبيه كلها على ظاهرها تعالى الله عن قولهم  ، وأما المعتزلة والخوارج فأنكروا صحتها جملة وهو مكابرة والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا الأحاديث جهلا أو عنادا ) أهـ [شرح الزرقاني ج: 2 ص: 49 ، 50 ] ،  وقال العلامة ابن الجوزي ، وهو من خير الحنابلة وأعلمهم بعد الإمام أحمد : وهو يرد على حشوية الحنابلة ويصحح عقائدهم وذلك في كتابه القيم - الذي أنصح كل مسلم بقراءته - الباز الأشهب : ( ومنها قوله تعالي : {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } أي بظل ، وكذلك قوله تعالي : { وجاء ربك } ، ( قلت ) : قال القاضي أبو يعلي عن أحمد بن حنبل أنه قال : في قوله تعالي " يأتيهم " قال المراد به : قدرته وأمره ، قال : وقد بينه في قوله تعالي : { أو يأتي أمر ربك } ، ومثل هذا في التوراة : { وجاء ربك } قال إنما هو قدرته . قال بن حامد : هذا خطأ ، إنما ينزل بذاته بانتقال . ، ( قلت ) : وهذا الكلام في ذاته تعالي بمقتضي الحس ، كما يتكلم في الأجسام ، قال ابن عقيل في قوله تعالي { قل الروح من أمر ربي } ، قال : من كف خلقه عن السؤال عن مخلوق ، فكفهم عن الخالق وصفاته أولي ، و أنشده : " كيفية النفس ليس المرء يدركها  * فكيف كيفية الجبار في القدم " [ الباز الأشهب ص61 ] ، ( قلت ) : روى البيهقي في كتابه الأسماء والصفات عن الإمام أحمد أنه قال في قوله تعالي (وجاء ربك)جاءت قدرته بسند لا غبار عليه ،  وقال ابن الجوزي في نفس الكتاب [ ص95-96 ] : ( الحديث التاسع عشر : روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول :  من يدعوني فأستجيب له  )) ( قلت ) : وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا ، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير ، فيبقى الناس رجلين أحدهما المتأول له بمعنى : أنه يقرب رحمته . وقد ذكر أشباء بالنزول فقال تعالى : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ، وإن كان معدنه  بالأرض وقال { وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ..؟  و الثاني : الساكت عن الكلام في ذلك . ( روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا : أمروا هذه الأحاديث بلا كيف قلت : وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة ، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يقتقر إلي ثلاثة أجسام : جسم عالي ، وهو مكان الساكن ، وجسم سافل ، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل ، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا . ( فإن قال العامي : فما الذي أراد بالنزول ؟ قيل : أراد به معني يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه ، فإن قال : كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا : قد علمت أن النازل إليك قريب منك ، فاقنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام ، قال ابن حامد : هو علي العرش بذاته ، مماس له ، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل ، ( قلت ) : وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي ، وقال القاضي : النزول صفة ذاتية ، ولا نقول نزوله انتقال . ( قلت ) وهذا مغالطة ، ومنهم من قال : يتحرك إذا نزل ، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق ، وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه . ولو كان النزول صفة لذاته ، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة ) أهـ [ الباز الأشهب ص95-96 ] ،

‏وقال الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن : ( قال القاضي عياض  إعلم أن الله ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى وإنما دنو النبي ص من ربه لقربه منه  إبناه عظيم منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبته وقدرته من الله تعالى له  مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول في قوله عليه السلام  ينزل ربنا إلى السماء الدنيا على أحد الوجوه  نزول إجمال وقبول وإحسان ) أهـ [تفسير القرطبي ج: 17 ص: 90 ] ،  وجاء في الفواكه الدواني  : ( من الصفات ما يصح أن يوصف به الخالق والمخلوق على وجه الحقيقة كالعلم بوحدانية الله تعالى فالله نعلم أنه واحد والعبد الموحد أيضا يعلم ذلك بطريق الحقيقة فيهما وكالعلم بحرارة النار وإن كان علم الله قديما وعلم العبد حادثا ومنها ما يوصف به تعالى حقيقة والعبد مجازا كالمعطي والرازق فإن العبد إذا أعطى غيره شيئا يقال له معط مجازا لحصول صورة العطاء منه كما يقال لصورة الفرس فرس ومن ثم أجات بعض المفسرين عن خير الرازقين وأحسن الخالقين مع أنه لا رازق ولا خلق إلا هو سبحانه وتعالى بأن الرازق يطلق على الله حقيقة وعلى المخلوق مجازا أو أن المراد خير من تزعمونهم رازقين ويجري نحو هذين الجوابيين في أحسن الخالقين ومنها ما يوصف به الباري بطريق الحقيقة ولا يوصف به المخلوق لا حقيقة ولا مجازا كالأزلي ومنها ما يوصف به العبد حقيقة ويوصف به الباري مجازا كالاستواء والنزول والمعية والفوقية ) أهـ [ الفواكه الدواني ج: 1 ص: 48 ] ،  وقال القاضي ابن جماعة في كتابه القيم إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل - وهو يرد على اشكالات الحشوية : ( الحديث الرابع : عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر الحديث ورواه أبو سعيد إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب يتوب )) اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه : ( الأول ) : النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة أجسام منتقل ومنتقل عنه ومنتقل إليه وذلك على الله تعالى محال ، ( الثاني ) : لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله وتنقلات كثيرة لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا فيلزم ان